يسري عبد الغنييقول الأستاذ احمد حسن الزيات -رحمه الله - تحت عنوان (أدب السندوتش)(في مجلة الرسالة العدد 206 بتاريخ 14 يونيوعام 1937):

لعلك تقول لنفسك سائلاً أو هازلاً ما علاقة الأدب بالسندوتش؟ ولو كنت أريد الأدب الذي تعارفه أو الجد من الناس لأعيا نفسك وأعياني أن ندلك على هذه العلاقة. ولكنني أريد الأدب الذي تتأدبّه ناشئة اليوم، والسندوتش أو الشطيرتان بينهما الكامخ كما يريدون أن نقول،  لقيمات تشتريها وأنت واقف في المطعم،  وتأكلها وأنت ماش في الطريق، وتهضمها وأنت قاعد في المكتب، فلا تجد لها بين ذهول العجلة وتفكير العمل هناءة في ذوقك ولامراءة في جوفك.وهذا الضرب من الطعام القائم على القطف والخطف جنى على الأسرة فحرمها لذة المؤاكلة ومتعة المنادمة وأنس العشرة، وجنى على المائدة فسلبها فنها الطاهي وذوقها المنظم وجلستها البهيجة، وجنى على الصحة فأضعف الشهوة وأفسد الهضم ونقص العافية.والثقافة الأدبية اليوم لاتختلف في سرعتها وتفاهتها وفسادها عن هذا النوع الجديد من الأكل، فهي نتفات من الكتب، ولقفات من الصحف،  وخطفات من الأحاديث،  ومطالعات في القهوة أو في الترام أو في السرير يلقط الكلم فيها النظر الخاطف، كما يلقط الحب الطائر الفزع، ثم نتاج مختصر معتسر كجنين الحامل أسقطته قبل التمام، وصراخ مزعج في أذني هذا السقط ليستهل وهو مضغة من اللحم المسيخ لا تشعر ولاتنبض،  وأصبح مآل غرفة المكتب في البيت كمآل غرفة الطعام وقاعة الجلوس فيه، بغى عليها سندوتش الصحيفة كما بغى على هاتين سندوتش البار والقهوة.

ويتابع رحمه الله:

“يقول أنصار السندوتش في الحياة: إن المائدة لاتتفق مع الزمن الدافق والعمل المتصل والتطور المستمر والحركة السريعة، فإن في طول الجلوس إليها، وقواعد الأكل عليها، وتعدد الألوان فيها، واحتفال الأسرة لها، إضاعة للمال والوقت، وقتلاً للنشاط والحركة، وجلباً للسقام والمرض.

ويقول أنصار السندوتش في الأدب:إن قواعد اللغة قيود لاتوافق حرية العصر، وأساليب البلاغة عوائق لاتجاري قراءة السرعة، وبدائع الفن شواغل لاتساعد وفرة الإنتاج.

والحق الصريح أن آكلي السندوتش أعجلتهم محاقر العمل ومشاغل الرزق عن النعيم الآمن،  والجمام الخصب،  والبيت المطمئن،  فجعلوا صعلكة المطاعم نظاماً وفلسفة، وأن قارئي السندوتش صرفتهم وعوثة الطريق وتكاليف الغاية عن اكتساب الملكة،  وتحصيل الأداة وتوفير المعرفة، فقنعوا بهذا الفتات المتخلف ثم تجشئوا من غير شبع، وتشدقوا من غير علم ، وطلبوا محوا القيود والحدود والمقاييس ليصبح الأدب كوناً عاماً والفن حمى مباحاً، فيسموا راوي الأقاويل قصصياً ووزان التفاعيل شاعرا، ونهاش الأعراض ناقداً، وسلاب القرائح نابغة، ولكن الطبيعة التي تحفظ سر الكمال، وتحمي ندرة البلوغ،  وتبغي بقاء الأصلح،  تأبى إلا أن يظل قراء السندوتش وآكلو السندوتش فقراء ذوي عمل،  أو أغنياء ذوي لهو، لاتهيئهم الحياة المضطربة إلى زعامة في أمر ولا إلى نبوغ في فكرة.

ويتابع رحمه الله:

“إن رسالة الأدباء كرسالة الأنبياء فيها عبقرية وجلالة وسمو.فإذا لم يكن الكاتب أو الشاعر خليقاً أن يسيطر على العقول والميول بمكانه في العلم وسلطانه في الأدب ورجحانه في الرأي كان أشبه بمن يدعي النبوة في مكة، أو بمن يمارس الشعوذة في لندن”.

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

زيد الحليلم احضر حفل توقيع روايته الاخيرة في معرض بغداد الدولي للكتاب، لكني فرحتُ بالأخبار التي وردتني، التي قالت ان روايته الاخيرة (الانسة) حققت حضورا ثقافيا ملموسا، واقبالا من القراء، فأسرعتُ الى الهاتف، مهنئا الروائي صادق الجمل على وليده الجديد ..

رواية (الانسة) استلمتها قبل اسبوعين مهداة من كاتبها، وطالعتها بقراءة اولى، فتمتعت بها، ثم اعدتها بقراءة تأملية من اجل الكتابة عنها، فوجدتها  من القصص التي تهتم بنقد الحياة اكثر من اهتمامها بتصويرها .. وقد اصاب الروائي شوقي كريم، الهدف حينما ذكر على الغلاف الاخير من رواية (الآنسة) بقوله (السؤال الذي لا نجد له اجابة، يبدو مثل محطة قطار مهجورة، ولا يفيد بشيء، تلك الخطوة الاولى التي يتخذها السارد صادق الجميل، مسارا لروايته (الآنسة) التي ولج من خلالها الى وكر من الاسئلة المثيرة للجدل)

نعم  الرواية ملآى بالأسئلة، ومعها اجابات عديدة، تتوالد من خلالها اسئلة جديدة ، وهكذا، حتى نصل الى الهدف الذي اراده الكاتب من روايته الممسرحة، بالقول (على الشاعر والقاص ان يكتب، وعلى الفنان ان يرسم ويمثل ويعزف، وعلى الكلب ان يحرس البستان) !

جزئيات الحياة

وشخصيا، اهم ما لمسته عند الجمل، هو دقة احساسه وقدرته على التقاط الجزئيات الموحية من مجرى الحياة الواقعية، لكي يخلق منها نسقا ادبيا ممسرحا جديدا، فقد استطاع ان يستبطن من حكايته، مستوحيا منها كل ما يشع من المعاني والاحاسيس  وكل ما يفيد في تعبيره الفني الممسرح .

ورغم منحاه القصصي الجديد، لكنه كتب في (الانسة) صورة ممسرحة هادئة، وقدم شخوصه والاحداث، بفنية  وعمق واطمئنان، وجعل من فكرته صور متلاحقة في يسر وفي غير افتعال ولا تكلف .

في المشهد الاول من روايته الممسرحة، اقتبس الجمل نصاً صينيا، ترجمه الراحل هادي العلوي.. يقول  النص (إذا حمى الوطيس ... ينتصر المستضعفون) لذلك، وجدت في رواية الجمل، مسعى جديدا لصياغة أساسات سردية جديدة، تجسد قيم التعدد والتنوع .. من خلال القفز الزمني للأحداث، الذي  الغى خصائص الزمن المتمثل بالتتابع والتراكم ، ما جعلها تضم  مفاجآت زمنية  رائعة ..حيث استخدم كل العناصر التي تشد القارئ  من فن المقامة، الى فن السيرة، وحيناً من الرواية التاريخية التقليدية، ومرات من فن الملحمة ..يمكن اسمي ذلك، بنهج صادق الجمل الروائي، فلكل روائي نهجاً مختلفا جديدا، تحدده رؤاه وعمق تصوراته، وصدق "ريمون جون" القول في كتابه "الرواية الجديدة" إن ما تتميز به الرواية الجديدة محاولتها بناء عالم روائي جديد ..

معروف، ان القصص الممسرحة   تمتلك، حاسة سادسة ولغة تأملات  عميقة  الاثر وعين ثالثة لرؤية الحقيقية في قائمة اللاحقائق، ولعل شيوع مظاهر الحياة الحديثة وما يسودها من قلق ومعادلات التغيير السريعة والمتلاحقة جعلت للزمن قيمة خاصة في معادلة دوران دولاب الحياة

ومن هنا، جاء الجمل، حاملا مفتاحاً ، لقصص ممسرحة، بأفكار مشاكسة، تحمل مفاهيم ربما جديدة على القارئ، مبنية  على آفاق القراءة التأويلية، بنصوص تناغم فضاءً مفتوحا  الى مديات لانهاية له في التأويل، لكني اعترف ان هذا التأويل كان جميلا، رسمه خيال فنان بقلم رشيق، وبراعة في خفة الاسلوب وسرعته، مع التركيز والقدرة على الايحاء بتركيب الحوار .

رواية  (الانسة) تعرض الحياة في شمولها، ففي صورتها الممسرحة،  يتلاقى الحاضر والماضي والمستقبل، في اجواء  تصويرية  من المنبع إلى المصب .. لقد بدأت الاحداث الممسرحة في هذا العمل الابداعي  آلية اشتغالها من محورين اساسيين هما الزمان والمكان، ذلك المحورين المطواعين في بناء حبكة " درامية وقصصية "  في تكوين اصغر وحدة زمانية مكانية من خلال التكثيف السردي، ومزجها لأحداث هي  اقرب الى العمل المسرحي، فأشخاص الرواية جزء لا يتجزأ من وحدة موضوعية عضوية، بهم تحيا وبها يسعون، وعلى نفخ ريحها تسر اشرعتهم الي حيث تحملهم الريح، كلا الى شاطئ، حسب طبائعهم و رغباتهم .

 

زيد الحلي

 

 

صادق السامرائيأبو العباس أحمد بن محمد بن مروان السرخسي (246 - 286) هجرية، ولد في مدينة (سرخس)، وهو من تلامذة الكندي، وعرف بالظرف والمجون والذكاء وحلاوة الشعر، ويهوى الأدب والشعر.

كان معلما للمعتضد (279 - 289) هجرية، ثم نادمه وولاه الحسبة، وكان يفضي له بأسراره ويستشيره في أمور كثيرة، وكان الغالب عليه علمه لا عقله، وقد أفضى المعتضد إليه بسر فأفشاه فكان سببا لقتله.

برز في النثر والبلاغة، وإجادته للتأليف، وهو رياضي، ومنظر موسيقي، وعالم ومستشار وجعرافي وفيلسوف، ولديه أكثر من أربعين مؤلفا.

مؤلفاته:

ومنها: " العشق، الشطرنج، الطبيخ، القيان، البهق والنمش والكلف، الخضابات المسودة للشعر، الحسبة الصغيرة، اللهو والملاهي، نزهة الفكر الساهي في الغناء والمغتين، المجالسة والمنادمة، المدخل إلى الموسيقى، وصايا فيثاغورس، الموسيقى الكبير، أدب الملوك، زاد المسافر وخدمة الملوك، ألفاظ سقراط، كتاب في البول، المدخل إلى صناعة النجوم، السياسة الصغير، المسالك والممالك، كتاب في النفس، كتاب في العقل"، وغيرها الكثير.

هذا شاب ألمعي نابغة في المعرفة والعلوم، يعلم الخليفة ثم يكون نديمه ومستشاره، هذا ما لا يتوافق وطبائع النفس البشرية وقوانين السلوك، فنهايته حتما ستكون مأساوية، فهل وجدتم صاحب كرسي يقبل أن يكون معلمه عندما كان حدثا مرافقا له وعلى رأسه ونديمه، إن في هذا خلل سلوكي فادح.

ويبدو أن السرخسي كان منشغلا بأمور أذهبت عقله وأفقدته البديهية، فكان من الأفضل له أن يبتعد عن الخليفة الذي كان يعلمه ويؤدبه في صباه، ويضع حدودا بينهما، لكنه تمادى في طيشه وسلوكه الذي لا تحمد عقباه، فكانت نهايته على يد المعتضد.

وأيا كانت التفسيرات والروايات والقصص المختلقات، فأن النهاية واحدة، ومعادلة التفاعل السلوكي بينهما لا بد لها أن تفضي إلى هذه النتيجة النكبوية الشنعاء.

المعتضد كان دمويا شرسا، قتل معلمه، ومات بعده بثلاث سنوات، وما أصاب السرخسي أصاب معظم العقول التي تقربت من الكراسي، وتوهمت بأنها في مأمن من شرورها، ومكائدها وتقلبات أمزجتها، والتأريخ يحفل بالعديد من الضحايا العلماء.

والناجون من سطوة الكراسي هم الذين إعتنقوا العلم وما تقربوا منها.

 

د. صادق السامرائي

 

 

ضياء نافعقال صاحبي محتجّا – وما شأننا، نحن العراقيين، اذا كان اليابانيون يحبون تشيخوف او لا يحبوه؟ ابتسمت أنا محاولا تهدئة الموقف المتوتر، وقلت له، هذا عنوان مقالة كتبها ياباني في دورية يابانية اسمها (اليابان اليوم)، وتصدر بعدة لغات، وقد اطلعت عليها بالروسية، بعد ان أثارني العنوان، ووجدت في نهاية تلك المقالة قصيدة هايكو يابانية طريفة لشاعر ياباني معاصر تقول:

...ليلا

قرأت تشيخوف

وأصبحت أخرسا.

وبعد ان قرأت أنا المقالة، سألت نفسي، هل يصبح العراقي أخرسا ايضا عندما يقرأ تشيخوف؟ وأردت ان اكتب عن ذلك، ولكنك، يا صاحبي، اصبحت عصبيّا رأسا بعد ان اطلعت على عنوان المقالة ليس الا، وأصدرت حكمك الصارم بصيغة ذلك السؤال الواضح المعالم حول علاقتنا، نحن العراقيين، بحب اليابانيين لتشيخوف او لا حبهم له، بعد ان تذكّرت، على ما يبدو، قصة الحلاق الثرثار، التي درسناها  ضمن مادة (القراءة) في المدرسة الابتدائية، وكيف لعن الزبون المسكين في نهاية القصة (الصين واليابانيين والناس اجمعين!) . اعتذر صاحبي مبتسما، وقال انه فهم من العنوان، ان الكلام سيدور حول اليابان ليس الا، فقلت له، انني قد تعوّدت على ردود الفعل السريعة والغاضبة هذه من المحيطين بي، وانني احاول دائما ان استوعب وبطريقة هادئة تماما هؤلاء الذين (لا يعجبهم العجب ولا الصيام  في رجب!) . ضحكنا معا، وكرر صاحبي اعتذاره، وسألني، وما الذي أردت ان تقوله حول العراقي عندما يقرأ تشيخوف ؟ قلت له، اردت اولا ان أذكر، ان الصورة الفنية المدهشة الجمال في الهايكو الياباني تؤكّد، ان تشيخوف قد استطاع ان يعبّر في نتاجاته عن احاسيس القارئ الياباني لدرجة، ان هذا القارئ لا يريد ان يضيف اي شئ آخر، وانه (يصبح اخرسا)، لان تشيخوف قال ما يريد هو (اي القارئ الياباني) ان يقوله، وبالتالي اصبح اخرسا . لم يستوعب صاحبي هذه الفكرة الغريبة بالنسبة له، وقال، ان تشيخوف تكلم عن مشاكل الانسان الروسي في فترة معينة من مسيرة المجتمع الروسي، فما علاقة ذلك بالمجتمع الياباني ؟ قلت له، نعم، هذا صحيح، تشيخوف تكلم عن المجتمع الروسي طبعا، ولكن كلامه يتفهمه كل انسان بغض النظر عن مجتمعه، اذ ليس الموظف الروسي يعطس فقط،بل والموظف الياباني والعربي والصيني والاوروبي ...الخ يعطس ايضا، ولهذا، فان الموظفين كافة وفي كل انحاء العالم يتعاطفون مع ذلك الموظف الروسي المسحوق، الذي كتب عنه تشيخوف، وهذا يتطابق مع معظم قصصه ومسرحياته، اي يتناغم مع روحية النتاجات الابداعية له  بشكل عام، وقد كتب ايليا ايرنبورغ حول مسرحية تشيخوف (النورس) مرّة قائلا ما يأتي – (...أما مسرحياته، فانها لا تتجانس مع المفهوم الشرطي للعروض المسرحية، ولكنها لا زالت تعرض في مسارح العالم، في موسكو ولندن وطوكيو وباريس واستوكهولم ونيويورك ...الخ، وتكلم الناس معي في كل مكان زرته عن (نورس) تشيخوف . لقد طاف هذا النورس كل بحار الدنيا) . قال صاحبي، ولكن مسرحية النورس لم تكن واسعة الانتشار في العراق حسب علمي، قلت له – نعم، مسرحياته ذات الفصل الواحد كانت ( وما زالت) تعرض على المسارح العراقية،  ولكن مسرحياته الكبيرة، مثل بستان الكرز مثلا، لم تكن واسعة الانتشار، لأن عرضها صعب ويتطلب امكانيات تقنية عالية و كبيرة جدا بالنسبة للمسرح العراقي ومستواه المتواضع، ولكن مع ذلك، فاني شاهدت شخصيا عروضا عراقية لمسرحية الخال فانيا، والاخوات الثلاث، وقلت لصاحبي، اننا كتبنا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد (وقبل أكثر من عشرين سنة) اطروحة ماجستير وباشرافي العلمي عنوانها – مسرح تشيخوف في العراق، وأشرنا فيها الى كل هذه الوقائع والحقائق، وحتى قدمّنا نسخة منها في حينه هدية الى جامعة موسكو، وعبّروا عن اعجابهم بها . صمت صاحبي قليلا، ثم كرّر اعتذاره من جديد لانه تسرّع بالكلام في بداية الامر، فقلت له، ان مقالة (اليابانيون يحبون تشيخوف) في الدورية اليابانية طريفة جدا، وتتناول تاريخ تشيخوف في اليابان، وكيف ترجم المترجمون هناك نتاجات تشيخوف الى اللغة اليابانية، وما هو رد فعل النقد الادبي تجاه ذلك، وما هي النتاجات البارزة لتشيخوف، التي تقبّلها القارئ الياباني، ولماذا أحبها هذا القارئ ...الى آخر تلك الملاحظات الذكية والحاذقة حول ابداع تشيخوف في اليابان، وان كل هذه النقاط تستحق ان يطّلع عليها القارئ العربي، فهي ممتعة اولا، ومفيدة ثانيا للالمام بموقع تشيخوف في اطار الادب العالمي، ولهذا كله، فان تلك المقالة تستحق الترجمة الى العربية، وتستحق ان نتكلم عنها كي يتعرّف القارئ العربي عليها، من اجل اغناء معلومات هذا القارئ حول تشيخوف، وحول الادب الروسي عموما، حتى لو لم نتحدث عن علاقة ذلك بنا، وان احتجاجك في بداية الامر حول عدم اهمية الموضوع لم يكن موقفا سليما ...  

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

يسري عبد الغنيبعد أشهر قليلة من اكتمال صدور طبعة كلكتا  الهندية التي ترجــــع الى العام 1839 ضمن سلسلة "الذخائر" التي تصدرها هيئة قصور الثقافة المصرية واشرف على بعض اعدادها الأديب الراحل جمال الغيطاني، أقدمت دار الكتب والوثائق القــومية المصرية على إخراج طبعة برسلاو من خزائنها وإعدادها للنشر في اثني عشر جزءاً تصدر ضمن سلسلة  تحمل اسم "نوادر المخطوطات" كان يشرف يشرف عليها المرحوم الكاتب  خيري عبدالجواد. وهنا من الضروري الإشارة الى أن نسخة طبعة كلكتا التي اعتمد عليها في اصدار ليالي "الذخائر" خرجت بدورها من خزائن دار الكتب.

تعتبر طبعة برسلاو أول طبعة كاملة وتنسب الى المدينة الألمانية التي شهدت ظهور اجزائها الأولى. وقبل هذه الطبعة لم تصدر "ألف ليلة وليلة" بالعربية إلا مرة واحدة في مدينة كلكتا الهندية، ولكنها لم تكن مكتملة حسبما يؤكد الدكتور جابر عصفور  في تصديره للطبعة ، مشيراً الى صدور جزئين منها برعاية كلية فورت وليام، حمل الأول عنوان "حكايات مئة ليلة من ألف ليلة" وصدر العام 1814، وبعدها بأربعة أعوام صدر الجزء الثاني وعنوانه "حكايات مئة ليلة وأخبار السندباد مع الهندباد". وعلى رغم عدم اكتمال اجزاء هذه الطبعة إلا أن الدكتور عصفور يرى أنها كانت "... البداية الفعلية التي مهدت الطريق أمام الطبعات الكاملة اللاحقة من الليالي". إذ ظهرت بعدها طبعة برسلاو، ثم طبعة بولاق العام 1835 في مجلدين أشرف على تصحيحهما الشيخ عبدالرحمن الصفتي. وبعد ذلك بدأ صدور طبعة كلكتا الثانية الكاملة العام 1839، ثم توالت الطبعات: طبعة المطبعة الوهبية 1880 والشرقية 1883 والعامرة العثمانية 1884 والآباء اليسوعيين المهذبة في المطبعة الكاثوليكية في بيروت 1888 ودار الهلال التي بدأ صدورها العام 1900.

ويرى المرحوم خيري عبدالجواد أن أهمية هذه الطبعة لا تقتصر على كونها أول طبعة كاملة باللغة العربية وإنما تكمن في انها أقرب الطبعات الى النصوص الشفاهية التي دونت عنها الليالي، اذ حافظت على اللهجة العامية للأصل الخطي من دون تغيير. ويقول: "ظهر الجزء الأول في برسلاو العام 1825 تحت عنوان "هذا كتاب ألف ليلة وليلة من المبتداء الى المنتهاء"، وتتابع ظهور الاجزاء بانتظام، إذ شهد كل عام من الأعوام التالية صدور جزء. ولكن بعد صدور الجزء الرابع توقفت الليالي عن الصدور خلال عامي 1829 و1830 وبعدهما استهلت صدورها من جديد ولكن بتقطع، فصدرت المجلدات الخامس والسادس والسابع والثامن أعوام 1831، 1833، 1837، 1838 على التوالي ليتوقف الطبع بعد ذلك لمدة ثلاث سنوات بسبب وفاة المستشرق مكسيميليانوس بن هانغت الذي أشرف على إعدادها. واستأنفت الليالي الصدور العام 1842 تحت إشراف هاينرش فلايشر مدرس الألسن الشرقية في المدرسة العظمى الملكية في مدينة لبسيا، وانتقل الطبع بذلك من مطبعة المدرسة العظمى الملكية في برسلاو التي كان مكسيميليانوس يعمل بها معلماً للغة العربية الى مطبعة فلهلم فوجل في مدينة ليبزغ ورغم صدور الأربعة أجزاء الأخيرة على مدار عامي 1842، 1843، خارج برسلاو إلا أن الطبعة ظلت تحمل اسمها".

وصدرت المجلدات الإثنا عشر - التي استغرق صدورها ثمانية عشر عاماً - في خمسة آلاف وأربعمئة وخمس صفحات من القطع الصغير، شغلت الكلمات العربية فيها خمسة آلاف وخمساً وثلاثين صفحة، أما بقية الصفحات فقد خصصت للحواشي والمقدمات باللغة الألمانية.

وفي مقدمته يرى الدكتور عصفور أن ترتيب الحكايات في هذه الطبعة إضافة الى عدد الحكايات وتفاصيلها، يستحق دراسة مفصلة تقارن بين هذه الطبعة وغيرها، ويشرح ذلك بقوله: "يلحظ القارئ لهذه الطبعة ما تتميز به خاتمتها، على سبيل المثال، من زيادة دالة. فكل الطبعات المعروفة تنتهي بعفو الملك عن شهرزاد التي اصبح لها ثلاثة أولاد ذكور، ومكافأة أبيها الوزير وكامل الوزراء والأمراء وأرباب الدولة، وتزيينه المدينة ثلاثين يوماً مع التصدق على الفقراء من الرعية الذين عاشوا في نعيم وحبور حتى أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات. ولكن تضيف طبعة برسلاو الى ذلك أن شهريار أحضر المؤرخين والنساخ وأمرهم أن يكتبوا جميع ما جرى له مع زوجته من أوله إلى آخره فكتبوا ذلك، وسموها سيرة ألف ليلة، التي جاءت في ثلاثين مجلداً، وضعها الملك في خزانته، وأقام مع أنسبائه من الملوك في ألذ عيش حتى انتقلوا الى رحمة الله، وهدمت قصورهم وتوارث الملوك أموالهم، الى أن جاء بعدهم ملك عاقل عادل لبيب أديب محب للأخبار، خصوصاً سير الملوك والسلاطين فوجد هذه السيرة العجيبة الغريبة وهي ثلاثون مجلداً، فقرأ فيها إلى أن انتهى إلى آخرها. فتعجب مما سمعه من حديث وحكايات ونوادر ومواعظ وآثار وتذكار، فأمر الناس أن يكتبوها وينشروها في جميع البلاد والأقاليم، فشاع ذكرها، وسموها عجايب وغرايب ألف ليلة. وهذا ما انتهى إلينا من هذا الكتاب، فيما يقول متن هذه الطبعة".

ولذلك يعتقد الدكتور عصفور بأن هذه الأقوال تطرح على الدارسين أسئلة كثيرة ليس أقلها في الأهمية - حسب تعبيره - السؤال عن القسمة الى ثلاثين مجلداً.

وفي الوقت نفسه لا ينسى أن يحيل على ما أثاره محسن مهدي في تقديمه للطبعة التي اصدرها عن أ. ي. بريل في ليدن العام 1984، إذ نبه الى ما ذكره عنوان جزء من الأجزاء التي نشرها هانغت بالألمانية، فقد ورد فيه أن الليالي نقلت عن نسخة خطية تونسية، كما أن هانغت نفـــسه يشير في مقدمة الجزء الأول المطبوع بالألمانية الى أن عالماً تونسياً اسمه م. النجار قام بارسالها اليه في عشرة أجزاء مؤرخة بتاريخ 1144 هـ 1731م، وهو ما فنده المستشرق دانكان ماكدونالد بعد دراسة مفصلة لهذه الطبعة العام 1909، اكتشف خلالها أن النسخة التونسية مزعومة، وأن هانغت تعمد اختلاق اسطورة في الأدب وشوش الكتاب تشويشاً هائلاً. ولم يكتف ماكدونالد بذلك بل أخذ يكشف تفصيلاً عن عمليات التلفيق والخلط التي قام بها هانغت بين النــــسخ المخـــتلفة، وتقسيمه الليالي تقسيما لا يوجد في الأصل، ما جــــعل محـــسن مهدي يستبعدها في تحقيقه للطبعة التي نشرها عن ليدن، باعتبار أن لا قيمة علمية لها، وأنها لا تصلح للاعتداد بها.

وهنا يتساءل الدكتور عصفور: "ترى هل كان هانغت يقوم بفعل غير أخلاقي من منظور الأمانة العلمية عندما تحدث عن نسخة خطية تونسية؟ الحكم العلمي الصارم في ذلك لا يقبل التخفيف. ولكن مسألة إدماج نص أو نصوص مختلفة في نص الليالي المعد للطباعة مسألة متكررة في حالة الليالي، وموجودة في الطبعات الهندية التي أدمجت أكثر من نص في المتن الذي اعتمدته كل طبعة، الأمر الذي يطرح السؤال عن تسرب تقاليد الحكي الشفاهي من الرواة الشعبيين الى المشرفين على طباعة النص الذي لم يفارق شفاهيته وشعبيته في هذه الطبعة التي تتميز ضمن ما تتميز بقربها الشديد من اصلها الشفهي القابل للزيادة والنقصان".

ومكسيميليان هانغت الذي تولى إعداد الأجزاء الثمانية الأولى، ولد في برسلاو العام 1775 ودرس العربية في المعهد البروسي ثم اتجه الى باريس حيث تتلمذ على يد المستشرق الشهير دي ساسي والأب روفائيل المصري. وبعد عودته الى موطنه تولى تدريس العربية - التي أتقنها - في المعهد البروسي المدرسة العظمى الملكية واصدر العام 1824 كتابه "جني الفواكه والأثمار في جمع بعض مكاتيب الأحباب الأحرار من عدة أمصار وأقطار" وبعدها بسنتين اصدر كتاب "نخب من أمثال الميداني".

وبعد وفاته تولى هاينرش فلايشر استاذ اللغات الشــــــرقية في المدرسة العظمى الملكية في ليبزغ المهمة نفسها، وكان درس اللاهوت وذهب الى باريس وتعرف الى دي ساسي والتحق بمدرسته وتعلم العربية والفارســـية والتركية على يد برسفال، وخالط الشباب المصريين الذين ارسلهم محمد علي في بعثة علمية الى فرنسا فزاد حباً للعربية. وبعد عودته الى ألمانيا العام 1826 عمل استاذاً للغات الشرقية في جامعة درسدن وذهب الى بطرسبورغ لفترة، ثم عاد الى ألمانيا ليشغل بعد ذلك كرسي اللغة العربية في جامعة ليبزغ الذي خلا بوفاة روزت موللر. وينسب الى فلايشر فضل تأسيس الجمعية الشرقية الألمانية التي نشرت مجموعة من الكتب العربية المهمة. ومن أهم آثاره المنشورة "تاريخ العرب قبل الإسلام" سنة 1831، و"فهرست المخطوطات الشرقية في مكتبة درسدن الوطنية" وقد اصدره في العام نفسه، و"تفسير القرآن للبيضاوي" سنة 1846.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

لطيفة حمانويقصد بالتصوف تلك التجربة الروحانية الوجدانية التي يعيشها السالك المسافر إلى ملكوت الحضرة الإلهية والذات الربانية من أجل اللقاء بها وصالًا وعشقًا، ويمكن تعريفه كذلك بأنه "تحلية وتخلية وتجلل وهو محبة الله والفناء فيه والاتحاد به كشفًا وتجليًّا من أجل الانتشاء بالأنوار الربانية والتمتع بالحضرة القدسية". وعموما فإن الشعر الصوفي هو الشعر الذي تجتمع فيه الاحاسيس الانسانية وتتبلور في إحساس واحد بعيدا عن المحسوسات، والذي يتخذ فيه الشاعر الذات الإلهية موضوعا يتغنى به، ويعبر عن شوقه للقائه والأنس به وذكره في كل وقت وحين مستغنيا بهذا الوصل عن سائر الخلائق.

لقد أنشدت الشواعر المغربيات مثل أمينة المريني، لطيفة المسكيني، فاطمة الميموني وسعاد الناصر شعرا يحمل نفحات صوفية يستلهم تعابير المعرفة الباطنية ويستحضر مقتبسات المتصوفة والوعّاظ أو ينحو منحاهم في التخييل والتجريد واستعمال الرموز وتلوين النصوص الشعرية بنفحات الدين والعرفان الباطني.

تعد التجربة الشعرية للدكتورة سعاد الناصر تجربة غنية ومتفردة فقد استقت ينابيعها الشعرية من مرجعيات مختلفة أهمها المرجعية الإسلامية التي تشبعت بها منذ نعومة أظفارها، وكذا انفتاح الأديبة سعاد الناصر على العلوم الإنسانية من خلال عملها الأكاديمي أستاذة للتعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان   المغربية ،كما أن تجربة الأمومة أضفت على الشاعرة ألوانا من الرقة والطيبة جعلها تنتج أعمالا أدبية متميزة وترتقي في معراج التصوف توقا لعالم نقي تطغى فيه السكينة والصفاء الروحي هو ما سنسعى إلى إبرازه من خلال بعض قصائد هذا الديوان.

في ديوان هل أتاك حديث أندلس نجد مجموعة من القصائد ضمنتها الشاعرة سعاد الناصر مجموعة من الإشراقات الصوفية. ففي قصيدة تجلي نجد الشاعرة تبتدئ القصيدة بضمير المتكلم لتخبر القارئ أنها بوح تجلى في غمام، ووميض تناثر في خيال حيث يتلاقح السؤال، والسؤال دلالة على حب المعرفة وما المعرفة هنا إلا تطلع لمعرفة سر الوجود، ومن بعد تأمل من الشاعرة لسر الوجود نجدها تترك روحها تفضي إلى فيض، وتكتم الأسرار لتكشفها في عمق السجود، ففي السجود يكون العبد أقرب إلى الله سبحانه وتعالى تقول الشاعرة:

إذا ما المساء أضواني بوصل

تركت الروح تفضي إلى فيض

ألا من يكتم الأسرار عني

فإني كشفتها في عمق السجود

في قصيدة ريحانة الترحال نجد الشاعرة تناجي ربها بصدق وتخاطبه بعشق وتخبره أنها جاءته مثقلة بحزن اليوم والأمس لتضيء أنواره ظلمة يأسها وترتوي بعطر مقامات التجلي.

تقول الشاعرة:

جئتك مثقلة بحزني

وثمالة أمسي

ارتحلت في أصداء صوتك

يحتويني سنا برقك في ظلمة اليأس

حيث أصاب مني يرويني

يعطر مقامات التجلي

عندما ننتقل إلى قراءة قصيدة فناء نجد لسان الشاعرة يلهج بالشكر لله، وتذكر أنه سبحانه وتعالى يدثرها بأهذاب كونه من قر الغياب، ويبعدها عن هدير الانخطاف، ولا يتأتى هذا ولا يتأتى هذا المقام إلا لمن غاص في الوصل العميق. فالفناء عند المتصوفة عالم من التلاقي يكسر حاجز الممكن وهو حالة وجدانية لا تصلها إلا الخاصة الخالصة وشاعرتنا ممن تأتى لها هذا الوصل وانسابت في فتنة الوجد إلى أن تلاشت فيه. تقول الشاعرة:

تومض اللحظة عني

تهمس عنف البوح الأنيق

انسبت في فتنة وجدك

ثم فيك تلاشيت

في قصيدة مقام الصبر تحمل الشاعرة الفنار المتعب بالألم وتتوسل مقام الصبر، ومفهوم "المقام "من المفاهيم المركزية في الفكر الصوفي نجد الشاعرة ترتقي إليه بعدما تشظت روحها إلى ذرات فتهز إليها بجذع الصبر عساه يسقط أقمارا تنير عتمة حزنها وتمد إليه يدها بالدعاء ليخرجها وحده من حلقة الضعف والانهيار. تقول الشاعرة سعاد الناصر:

وأمد لربي دعاء الرجاء وأوجه قلبي لسجدات تعصمني من لفحات البعد والظمأ الفوار

فنسيم العشق يثلجني من لظى كل الذنوب

يبعثني من بين حزن ويقين متسربلة بالضياء

وأعانق قصيدتي

تستمر الشاعرة سعاد الناصر عبر قصائد ديوان هل أتاك حديث أندلس؟ في معانقة العالم العلوي والترفع عن العالم المادي قصد بلوغ الطمأنينة التي لا يصلها الإنسان إلا بذكر الله وخير الذكر مناجاة الرحمن والشوق للقائه وهذا ما نجد الشاعرة سعاد الناصر تعبر عنه في قصيدة مناجاة حيث تقول:

وفيوض من لوعة وحنين غمر

واشتياق واعتلاج

ورحيل يجن به هذا العمر

إن الخمر في الفكر الصوفي يعتبر" رمزا للحب الإلهي الأزلي" كما نجد عند ابن الفارض، فالخمر عند المتصوفة خمر معنوية ترجع الروح إلى محبوبها وهي تعبر عن تجربة تتخطى حدود الزما ن والمكان للانتشاء بلذة القرب والمعرفة.

في قصيدة خمرة الوصل نجد الشاعرة تبتغي الوصل هروبا من دموع الحزن التي تتساقط في ذاتها تأثرا بجرحها العميق فنجده تقول:

ملء هذا الحزن

جئت أسعى إليك

جئتك ظلا يتلبسه عطش السكر

يفرش أفق أمومة لك

أنسج مئزرا قدسي الألوان

في قصيدة أسرار الجوى تبث الشاعرة أشواقها، وتبوح بأسرارها في ليلة مقدسة هي ليلة القدر ، ولا يخفى على كل مسلم ما تعنيه ليلة القدر، فهي تعادل ألف شهر من العبادة لهذا يجتهد النساك والمتعبدون لاغتنامها وشاعرتنا ناسكة متعبدة في محرابها، تغتنم نفحات هذه الليلة المباركة تقربا لله تعالى. فنجدها تقول:

ليلة البوح تعانق ليلة القدر

والشوق يجتاز شوكه في ألق كأنه غرة الفجر

وانكشفت أسرار هذا الجوى

في ملكوت لا تفتح أسراره

إلا لمن استصحب وقدة الصبر

لقد كان هدف التجربة الصوفية الإسلامية هي الفناء في ذات الله، وتطهير النفس الإنسانية من كل المظاهر المادية التي تشغلها عن التعلق بالله. وقد عبرت الدكتورة سعاد الناصر عن الاتجاه الصوفي في ديوان هل أتاك حديث أندلس؟ أحسن تعبير، وضمنت قصائدها المعاني التي يتبناها المتصوفة مثل المقام، الخمر، الفناء، الوصل، المعرفة ،التجلي .... فنجدها تحاكي النموذج الشعري العربي الحديث من حيث الشكل والمضمون مستعملة الرمز والتناص القرآني والتكثيف اللغوي الأمر الذي جعل أشعارها نهرا عذبا ينساب بجمالية وإحساس عميق وهوما جعل الشاعرة سعاد الناصر صوتا أدبيا متفردا داخل المشهد الثقافي المغربي والعربي.

 

بقلم: لطيفة حمانو

 

صادق السامرائيأبو فرج غريغوريوس هارون بن توما الملطي الملقب بإبن العبري (1226-1286) ميلادية، طبيب ومؤرخ وفيلسوف لاهوتي موسوعي، ولد بملطية بولاية ديار بكر وهرب مع أبيه (وكان طبيبا) إلى إنطاكية عندما توجه التتر إلى الولاية، وفي أنطاكية تعلم العربية والطب وطاف بين مدن المنطقة وفيها تعلم السريالية والفارسية، وإنقطع للعبادة والكتابة ولم يتزوج.

توفى في مراغة ودفن في دير مار متي بالموصل.

لم ينقطع عن التأليف طوال حياته، فوضع أكثر من (30) كتابا أكثرها بالسريانية، وقليل منها بالعربية، وكتب في التأريخ والطب والفلسفة والدين والأدب، وعمل في الترجمة من العربية إلى السريانية.

من مؤلفاته:

مختصر تأريخ الدول، منافع أعضاء الجسد، منتخب جامع المفردات في الأدوية المفردة، شرح فصول أبقراط، تحرير مسائل حنين بن إسحاق. وغيرها.

ما يميزه أنه برز في زمن الإضطرابات الشديدة التي عصفت بالمنطقة، وتمكن من التأليف والتفاعل مع أبناء ملته والوصول إلى درجة متقدمة في المراتب اللاهوتية، وعكف على الكتابة بحيادية وإنصاف دون كلل أو ملل، وبذلك تحدى الصعوبات وإجتاز المخاطر والعقبات، وأسس لمشروعه الثقافي التنويري لأبناء الأمة أجمعين.

وبرغم ما يقال عن أصل تسميته ومساراته في التدين، فأنه قامة معرفية ذات تأثيرات إنسانية حضارية في أبناء الأمة دون تمييز، وبهذا عبر عن إنتمائه الصادق لأمته التي أمدته بمعين الروح الإبداعية الأصيلة.

ويقدم لنا مثلا على أن مكونات الأمة المتنوعة تكنز روحها، وتمثل إرادتها المتحدية للصولات الهمجية، التي تريد النيل من جوهرها ومحق معالمها وعناصر هويتها الخالدة السمحاء.

كما أنه أثبت بسلوكه الإنساني قيم ومعاني الأخلاق النبيلة السامية لأبناء الأمة، التي تتأكد في ربوعها برغم الشدائد والويلات التي تعصف بها.

فتحية لهذا الرمز المعرفي، الذي أوقد أنوار الروح والعقل والنفس الطيبة في روافد الأجيال.

 

د. صادق السامرائي

 

 

صادق السامرائيأبو عبدالله شمس الدين محمد بن علي بنبن أحمد بن خمارويه بن طولون الصالحي (صالحية دمشق)، (880 - 953) هجرية، ولد بصالحية دمشق وتوفى في دمشق، ودفن في سفح قاسيون، مؤرخ وفقيه له مؤلفات كثيرة في التراجم والأخبار، كرّس حياته للعبادة والتأليف، ولم يتزوج وربما لديه بنتان وولد.

كان ماهرا في النحو وعلاّمة في الفقه ومشهور بالحديث، كتب بخطه الكثير من الكتب، وله معرفة بالتعبير (تفسير الأحلام) والطب.

شيوخه:

القاضي ناصر الدين أبو البقاء زريق، الخطيب سراج الدين الصيرفي، إبن المبرد، أبو الفتح السكندري المزي، إبن النعيمي، الجمال بن طولون، السيوطي.

تلامذته:

شهاب الدين الطيبي، علاء الدين بن عماد الدين، نجم الدين البهنسي، إسماعيل النابلسي، شمس الدين العيثاوي، شهاب الدين الوفائي، أكمل بن مفلح.

من شعره:

 "إرحم محبك يا رشا ...ترحم من الله العلي، فحديث دمعي من جفا...كمسلسل بالأول"

 مؤلفاته:

أعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، قيد الشريد من أخبار يزيد، الشذرات الذهبية في تراجم الأئمة الإثني عشرية، حوادث دمشق اليومية غداة الغزو العثماني لبلاد الشام، نقد الطالب لزغل المناصب، فص الخواتم فيما قيل في الولائم، القلائد الجوهرية في تأريخ الصالحية، دلالة الشكل على كمية الأكل، الفلك المشحون في أحوال محمد بن طولون، الأربعين في فضل الرحمة والراحمين.

ومن كتبه في الطب:

كناش في الطب، عرف البيان فيما ورد في الباذنجان، النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة والأبدان، الإشراق لأحكام الترياق، النفحة المسكية في الأسئلة الطبية، الجواهر المضية في طب السادة الصوفية.

ولا توجد معلومات وافية عن ممارسته الطب، لكنه ألف في موضوعات طبية، وشأنه كغيره من أعلام الأمة، يتفاعلون مع علوم عصرهم بموسوعية وإلمام حصيف.

تحية لهذا المنار المعرفي الذي أثرى تراثنا بنفائس المعارف.

 

د-صادق السامرائي

 

 

معراج احمد الندويأنجبت الهند في أرضها الخصبة كثيرا من الشعراء المفلقين الذين ابرزوا براعتهم في تذوقهم اللغة العربية وصاغوا انطباعاتهم وأفكارهم في قالب الشعر العربي وضاهوا كثيرا من شعراء العرب في عصرهم. ومن هؤلاء الشخصيات الفذة والرموز المرموقة غلام علي آزاد البلكرامي المعروف "بحسان الهند" الذي ساهم مساهمة فعالة وقام بخدمات رائعة في المديح النبوي.

كان غلام علي آزاد البلكرامي شاعرا مفلقا مطبوعا أصيلا فقد قرض الأبيات في معظم أغراض الشعر من الوصف والرثاء والغزل والنسيب والمديح النبوي، يعتبر شعره ثروة أدبية قيمة في تاريخ الشعر العربي الهندي، وقد اعتنى به أصحاب النقد والتاريخ، فاعترفوا بعلو كعبه في قرض الشعر، فإن شعره يتسم بجزالة اللفظ وروعة الأسلوب وبلاغة المعاني والبيان.

يتميز الشعر العربي في شبه القارة الهندية بالقيم الدينية والثقافة الإسلامية بما اقتبس الشعراء الهنود من آيات كريمة وأحاديث نبوية وتناولوا موضوعات جادة تتمثل في الحياة الإنسانية والاجتماعية والفضيلة الإنسانية وحسن الأخلاق والسلوك ومدائح النبوية ومناقب الصحابة.

لقد ساهم شعراء المدائح النبوية من الهند كما ساهم الشعراء العرب في هذا الباب مثل حسان بن ثابت وكعب بن زهير والإمام البوصيري والإمام أبو بكر بن محمد البغدادي رحمهم الله تعالى في ترويجها في أنحاء العام. المدائح النبوية من فنون الشعر. فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية من الأدب الرفيع. لا يصدر هذا الأدب إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص.

تسابق في هذا الفن حسان الهند غلام علي آزاد البلغرامي وأخذ نصيبه حسب مؤهلاته الغوية والأدبية وسلك مسالك متنوعة في التعبير عما يجيش في خاطره من الحب والعواطف تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقب بحسان الهند نسبة إلى حسان بن ثابت الأنصاري لعلاقة المشابهة معه في مدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصائده الغراء.

سلك آزاد في شعره مسلك الشعراء القدامى من الجاهليين والإسلاميين وسار على نهجهم وطريقتهم في الوقوف على الأطلال والبكاء على الرسوم والديار، ومع هذا، فقد ابتكر في الشعر العربي معاني جديدة وألبس بعض الأفكار الهندية والسنسكريتية ثوبا عربيا. استهل "آزاد" قصيدته بالنسيب والغزل ووصف النساء كما توجد هذه السمات واضحة جلية في قصائد حسان بن ثابت وكعب بن زهير وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك رضي الله عنهم.

قرض هذا الشاعر الهندي قصائد عديدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ونظم أشعارا كثيرة  سارت بها الركبان في البلدان وطارت في الآفاق. ومن أشهرها "لامية الهند" وهو يقول:

لمحت إلــــــى بعينها الكحلاء

ولقد ثملت بلحظة سمحت بها

وعلمت آراء العليل صحيحة

فمرضت طول العمر بالسوداء

أسرت قلوب العاشقين فطوقت

من نرجس ريّان بالصهباء

لما رأيت من العليل شفائي

أجيادهــــا بعيونها النجلاء

ثم يبدأ الشاعر يمدح النبي صلى الله عليه وسلم وهنا فاضت قريحته بالتغنى بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتسن لهم الزيارة إلى البلد الذي وطئ أرضه محمد صلى الله عليه وسلم حبيب كل مسلم ونشق هواءه وشرب ماءه. فاستعاذ  الشاعر عنها بالشعور التعبير فيه عن حنينه وأشواقه.

بات الفؤاد بصدغها متجرعا

فأتيت بالقلب السليم مناديا

برهان رب العالمين حبيبه

من معشر الإنسان إلا أنه

هو خير من وطئ التراب وخيرمن   من سم تلك الحية السوداء

غوث الورى في شدة ورخاء

فــــــــي الأمة الأمية العرباء

إنسان عين المجد والعليــــاء

صعد السماء وخيرة الشرفاء

ولا مراء في أنه حسان الهند أوجد في مدح الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم معاني كثيرة وابتكر أفكارا نادرة وأتي بأساليب جديدة وأضاف إلى ثروة اللغة العربية وآدابها بشعر رقيق حيث وصل من الحساسية ورقة الشعور والتواضع والتأدب لمقام الرسالة العظمى.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

محمود محمد عليمنذ الرابع من نوفمبر 2020، تعيش منطقة القرن الإفريقي على وقع معارك دامية بين القوات الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والتي أسفرت في فترة وجيزة عن سقوط العديد من الضحايا وتهجير عشرات الآلاف من الأشخاص نحو مناطق حدودية بالسودان، واتهمت جبهة تحرير تيغراي الشعبية دولة إريتريا المجاورة بنشر قوات لدعم الحملة العسكرية الإثيوبية التي تهدف إلى "استعادة سيادة القانون" في المنطقة.

ففي يوليو 2018، وقعت إثيوبيا وإريتريا اتفاقية سلام، ويخطط البلدان لتعزيز "التعاون الوثيق" بينهما. بعد التقارب، تدهورت العلاقات بين رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، وجبهة تحرير تيغراي، والإدارة الإقليمية لتيغراي بشكل حاد.

وتعود جذور الصراع في إقليم تيغراي إلى التوترات بين الحكومة الإثيوبية الحالية برئاسة آبي أحمد الحاصل للأسف على جائزة نوبل وجبهة تحرير شعب تيغراي، التي حكمت إثيوبيا على رأس تحالف متعدد الأعراق على مدار ما يقرب من 3 عقود حتى أُطيح بها في احتجاجات شعبية عام 2018.

وتولّى آبي أحمد السلطة في ذلك العام ليكون أول رئيس وزراء إثيوبي من عرقية أورومو، وهي أكبر مجموعة عرقية في إثيوبيا، وبدأ آبي أحمد باتخاذ مجموعة من التغييرات الديمقراطية، حيث أتى آبي أحمد بمشروع جديد مختلف عن النظام السياسي القائم على الفدرالية الإثنية التي أسّس لها زيناوي، وتحدث مرارًا بأن هذا النظام يُضعف الدولة ويخلق انقسامات ومشكلات عنصرية، واعتبرها قنبلة موقوتة تهدّد بزوال إثيوبيا. وبدلًا من ذلك، ركز على ضرورة الاندماج الوطني، وإيجاد هوية وطنية جامعة لكل الإثيوبيين، كما يسميها في الكتاب الذي أطلقه في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، MEDAMER، وهي كلمة تعني "التآزر".

ويمثل الكتاب رؤية آبي أحمد لعلاج مشكلة الاندماج الوطني الإثيوبي، ولكن بعض المجموعات العرقية، مثل القوميين الأورومو والتيغراي، أظهروا تخوّفهم من هذا المشروع، ورأوا أنه يعزز حكم المركز على حساب الأقاليم، ويسعى إلى إلغاء الفدرالية الإثنية.

وفي أواخر عام 2019، وفي خطوة فاجأت المراقبين، حلّ آبي أحمد الائتلاف الذي أوصله إلى السلطة: الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا، ودمج الكيانات الأربعة المكوّنة لها في حزب واحد، أطلق عليه اسم حزب الازدهار. وعلى الفور، اعترضت عليه الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، ورفضت الاندماج في هذا الكيان، وقطعت العلاقات مع حكومة آبي أحمد.

وانسحبت من ائتلاف الحكومة للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود. ومنذ ذلك الحين، تصاعد الخلاف وتبادل التّهم بين الجانبين. ففي تموز/ يوليو 2018، وجّه مسؤولون من الحكومة الفدرالية إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي اتهامات بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء في مظاهرات حاشدة في أديس أبابا؛ حين ألقيت قنبلة يدوية بالقرب من المنصة، حيث كان آبي أحمد يخاطب حشدًا جماهيريًا؛ ما خلف خمسة قتلى وأكثر من 140 جريحًا،  وهنا أعطي آبي أحمد الأوامر بشنّ هجوم عسكري ضد الإقليم للرد على هذه الهجمات المزعومة؛ باعتبارها تمردًا يجب إخماده، لتبدأ منذ ذلك الوقت معارك ضارية ما زالت تدور رحاها.

بيد أنه في الأسبوع الماضي انقلبت الأمور في شمال إثيوبيا رأسا على عقب، وبالأخص أثناء انتخابات آبي أحمد، حيث تمكنت جبهة "تحرير تيغراي" من تكبيد الجيش الإثيوبي والقوات الموالية له خسائر فادحة، وطردهم من عاصمة الإقليم الذي يشهد نزاعا مسلحا منذ 8 أشهر؛ وذكرت وكالة الأنباء الإثيوبية آنذاك، أن جبهة تحرير تيغراي حاولت سرقة المدفعية والمعدات العسكرية من مركز القيادة الشمالية الموجود في الإقليم لأكثر من عقدين، لخدمة وحماية سكان تيغراي من أي تهديدات هجومية

كما أعلنت جبهة تحرير تيغراي الإثيوبية أنها استعادت السيطرة على عاصمة الإقليم مقلي، وبدأت بملاحقة القوات الإثيوبية التي انسحبت بالفعل من المدينة بعد إعلانها وقف إطلاق النار من جانب واحد.. الاتحاد الإفريقي دعا في بيان كل الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية وضمان دخول المساعدات الإنسانية بشكل آمن... بينما اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأحداث مقلقة للغاية و تبرهن مرة أخرى على أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة.. فإلى أين يمضي الصراع في تيغراي بعد انسحاب القوات الحكومية؟.. وما خلفية الصراع؟

نبدأ بخلفية الصراع حيث نجد الحزب الحاكم في إقليم تيغراي الشمالي، وطرف الصراع مع الجيش الإثيوبي حاليا، هي "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" والتي هيمنت على الحياة السياسية في إثيوبيا لنحو 3 عقود، قبل أن يصل آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، ليصبح أول رئيس وزراء من عرقية "أورومو"..والأورومو هي أكبر عرقية في إثيوبيا، حيث تمثل ما نسبته 34.9% من السكان، البالغ عددهم نحو 108 ملايين نسمة، يليها الأمهرة بنسبة 27% تقريبا، فيما تعد تيغراي ثالث أكبر عرقية بنسبة 7.3%..انفصلت الجبهة، التي تشكو من تهميش السلطات الفيدرالية، عن الائتلاف الحاكم، وتحدت آبي أحمد بإجراء انتخابات إقليمية في سبتمبر/ أيلول الماضي، اعتبرتها الحكومة "غير قانونية"، في ظل قرار فيدرالي بتأجيل الانتخابات بسبب جائحة "كورونا"..من بين الأمور التي تسببت في تفاقم الخلاف بين تيغراي وأديس أبابا، كان تقديم آبي أحمد مسؤولين بالجبهة للمحاكمة في قضايا فساد، وهو ما رفضته الجبهة وقالت إنه جرى بدوافع سياسية.

وفيما يخص السؤال الخاص بكيفية بدء الحرب في تيجراي، فإنه يمكن القول بأنه في الربع من نوفمبر عام 2020، اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي، حكومة إقليم تيغراي بمهاجمة قوات الجيش الاتحادي المتمركزة هناك، وقال إن الجيش سيستخدم القوة لتأمين البلاد، وبالفعل صادق مجلس الوزراء الإثيوبي، خلال اجتماع استثنائي له من قبل، على إعلان حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر في ولاية تيغراي، على خلفية اعتداء على قوات الجيش ومحاولة سرقة معداتها.

وهنا قام الجيش الإثيوبي المدعوم بقوات من إريتريا وإقليم أمهرة حقق مكاسب سريعة في أرض الميدان، واستطاع إخضاع الإقليم لسيطرته في غضون أسابيع قليلة، ودخل عاصمة تيغراي، ميكيلي، وأعلن الفوز بالحرب، لكنه أكد استمرار القتال.

في أوائل ديسمبر، بعد شهر من بدء الحملة العسكرية، قالت إثيوبيا، إنها أسرت وقتلت معظم قادة القوة المتمردة في إقليم تيغراي بشمال البلاد، فيما رد زعيم محلي هارب بقوله إن المدنيين نظموا احتجاجات على أعمال نهب قام بها "جنود احتلال"، وقال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، اليوم الاثنين، إن القادة المنشقين في منطقة تيغراي فروا إلى الغرب من عاصمة الإقليم بعد أسابيع من القتال، لكنه أشار إلى أن القوات الفيدرالية تراقبهم عن كثب وستهاجمهم قريبا، ومع ذلك، ظل الصراع قائما، لكنه اتخذ نطاقا محدودا لعملياته على مدار الشهور الماضي، والتي كانت سماتها التقرير الإعلامية والحقوقية التي تتهم إثيوبيا بارتكائب مذابح وجرائم حرب في الإقليم، وظل الأمر كذلك حتى تحول بشكل دراماتيكي قبل أيام؛ إذ تفاقم الصراع بشكل مفاجئ، وسيطرت قوات تابعة لجبهة تحرير تيغراي على مدينة ميكيلي، الأسبوع الماضي، ما دفع القوات الإثيوابية إلى الانسحاب من عاصمة الإقليم، وتم طرد قوات أحمد»، فيما دعت حكومة إثيوبيا لوقف إطلاق نار بعد سقوط عاصمة إقليم تيغراي.

ووفق وسائل إعلام رسمية في إثيوبيا، أعلنت أديس أبابا وقف إطلاق النار «من جانب واحد» في إقليم تيغراي، فبعد أقل من أسبوع من الهجوم المكثف الذي شنته قوات جبهة تحرير تيغراي، انسحب الجيش الإثيوبي من ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي الواقع شمال إثيوبيا، اليوم الإثنين، حسبما قال مسؤول في الأمم المتحدة لشبكة «سي إن إن» الأمريكية.

ويتم استقبال الأخبار بهتافات في العاصمة الإقليمية لتيغراي، حيث شاهد صحفيو شبكة «سي إن إن» تدفق المواطنون إلى شوارع إقليم تيغراي للاحتفال، على الرغم من الدعوات لهم بالبقاء في منازلهم حيث لا يزال الوضع متقلبًا، ويمكن سماع الألعاب النارية مع استمرار الاحتفالات في الليل.

من جانبهم؛ قال شهود عيان في ميكيلي إن جنود القوات الإثيوبية شوهدوا وهم يدخلون البنوك والمكاتب الإعلامية ومكاتب الوكالات الإنسانية قبل مغادرة المدينة، حيث قال مسؤول في الأمم المتحدة: إن «القوات الإثيوبية داهمت مكاتب المنظمة الدولية للهجرة واليونيسف وبرنامج الغذاء العالمي نحو الساعة الرابعة مساء.. وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة وللحديث بقية بإذن الله..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

 

محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من ذي قبل بأن  معرض الكتاب أحد أبرز تلك المناسبات التى تستعيد فيها بغداد والقاهرة قدرتهما على المفاجأة، وتسترد كل ما لديهما من سحر وعطاء، لتملك كل منهما وجها حانيا لا أعرف من أين تستمده العراق ومصر وهما منهكان فى مشكلاتهما اليومية؛ ففي العقد  الأخير من عمر العراق  ومصر.. كان لجيلنا والأجيال التى تلتنا.. النصيب الأكبر من الخذلان.. فقدنا الكثير من حقوقنا فى الحياة الطبيعية العادية التى يستحقها كل إنسان فى شبابه، ليواجه تحدياته الخاصة، ويرسم أيامه ويجاهد لأجل أحلامه.. واجهنا جميعا تحديات أكبر من أعمارنا، وخضنا آلاما أضافت سنين لأرواحنا.. وبقدر ما قد أصقلنا الألم.. بقدر ما أفقدنا الكثير من مباهج الحياة البسيطة.

والحمد لله بدأت الإنفراجة حيث وجدنا كيف تتحول "بغداد" طوال الأسبوعين الماضية قبلة المثقفين والقارئين من خلال قيام معرض بغداد الدولي في دورته الـ "22"، بمشاركة أكثر من 200 دار نشر من 14 دولة عربية وأجنبية؛ وأول ما يلفت النظر فى معرض بغداد الدولى للكتاب فى دورته الحالية هو ذلك التطور الهائل الذى لحق به فجعله يمثل بؤرة إشعاع ثقافى اتسع مداها هذا العام لتصبح هى البؤرة الأولى فى العراق، وذلك بعد سنوات الاضطراب السياسي التى مرت علي أشقائنا العراقيين.

لقد كان معرض بغداد الدولي يمثل بحق نقطة جذب سحرى لعشرات المثقفين العراقيين والعرب الذين يطرقون أبوابها ويعمرون سهراتها دون دعوات رسمية أو بطاقات سفر أو فنادق تفيض بالبذخ؛ ومن أكثر المشاهد المفرحة فى المعرض كانت جموع العراقيين الذين توافدوا على معرض بغداد الدولى للكتاب، ليثبتو للعالم أن العراق برغم عثراته فإنه ليس صحيحا أنه شعب لا يقرأ، أو أن نسبة القراءة قد تراجعت.

علاوة علي أن الجمهور العراقي وحده هو الذى أعطى للمعرض حيويته ونضارته وحضوره رغم كل شىء؛ ما زالت الأسر العراقية البسيطة حريصة على زيارة معرض الكتاب ولو ليوم واحد؛ ما زالت أجيال وأجيال تحافظ على حنينها المتوهج لمعرض الكتاب؛ المواطن العراقي البسيط الذى لا يكترث له أحد هو الذى يمنح المعرض كل هذا البهاء والألق والحضور.

وبالأمس سعدت كل السعادة حين تم افتتاح معرض الكتاب القاهرة للكتاب في زمن كورونا، وكانت زيارتى لمعرض هذا العام دافعا حقيقيا للبهجة، حيث أعادني هذا المعرض لسنوات دراستي بالجامعة حين كان أصحابي وأصدقائي يصطحونني لشراء الكتب الكثيرة، التى- فى أعمارنا الصغيرة- لم نكن ننتهى من قراءة نصفها.. حتى يأتى العام التالى فنشترى (كسوة العام الجديد من الثقافة) قرأت من مكتبة الأنجلو ودار المعارف ودار الكتب العربية والمغربية فى الأيام الأولي من الجامعة.. معظم كتب زكي نجيب محمود، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، ومحمد إقبال، وعاطف العراقي، وحسن حنفي، وفؤاد زكريا، وعثمان أمين، ومحمد مهران، ومحمد  محمد مدين.. الخ .. تلك الأسماء التى كنا نقرأ عنها فى كتب الدراسة.. صرنا نقرأ لها بفضل معرض الكتاب..

كذلك من أهم الأعمال التى كنت اقتنيها من معرض الكتاب؛ الترجمة العربية لـ «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالى الأشهر دانتى الليجيرى؛ التى صدرت عن هيئة قصور الثقافة (سلسلة ذاكرة الكتابة) فى ثلاثة مجلدات؛ «الجحيم»، «المطهر»، ثم «الفردوس» (بمجموع ما يقرب من 1500 صفحة من القطع الكبير) ثمن الجزء الواحد منها في ذلك الوقت عشرة جنيهات! «الكوميديا الإلهية» من أهم الآثار الأدبية فى تاريخ البشرية كلها، وكان لها تأثير ضخم على الأعمال الفنية والأدبية منذ ظهورها وحتى اليوم.

وفى معرض الكتاب هذا العام 2021 نجد أن هناك إقبال كبير، رصدته بالعين المجردة، وليس عبر الإحصائيات. رأيت جميع الفئات من الأطفال إلى الشيوخ، ومن الرجال إلى النساء، وقد أعجبتني طريقة طريقة توزيع الأجنحة والصالات منسقة بصورة طيبة، وطريقة الدخول والخروج من الأجنحة والصالات مريحة.

ومن أهم الأماكن التى كنت أحرص على زيارتها سنويا فى معرض الكتاب، جناح الناشرين العرب بالقاهرة فهو أرستقراطى الطابع، أنيق الإصدارات؛ غزير العناوين المهمة التى تعالج موضوعات ومعارف شتى أغلبها يتصل بالأدب والتاريخ والحضارة والفنون وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها؛ وكتب وإصدارات أخرى غاية فى الأهمية والقيمة.

وهنا  أنصح كل محبي المعرفة والثقافة فأقول مع البعض: أذهبوا إلي معرض الكتاب للبحث عن كنوز المعرفة.. احرصوا علي اقتناء الكتب القديمة التي مات أصحابها بعد أن تركوا ثروة من الثقافة والمعرفة.. إنها كنوز ولن تتكرر.. في اعتقادي أن سنوات الازدهار وقراءه واقتناء الكتب بدأت منذ الأربعينيات والخمسينيات ووصلت الذروة في الستينيات والسبعينيات ثم بدأ التدهور من الألفية الثالثة وانتشار الموبايل ودخوله مصر عام 1997 ثم شبكة النت التي تحقق لنا ما نبتغي من الثقافة والمعلومات بسهولة ويسر.. لكن اقتناء الكتاب أهم من كل التكنولوجيا والفضائيات والموبايل.. لا تضيعوا الفرصة واذهبوا اليوم لزيارة معرض الكتاب واصطحبوا معكم أولادكم وللعلم فإن اقتناء كتب الأطفال شيء مهم جدا جدا واقتناء كتب التراث فرصة لا تعوض، وذلك لكونها تحمل ثقافة التنوير، وهذه الثقافة تعني برموزنا المصرية والعراقية والعربية والإسلامية الذين أناروا الطريق أمثال ابن سينا، وابن رشد، والكندي،وابن خلدون، والخوارزمي، ورفاعه الطهطاوي، ومحمد عبده، وعلي مبارك، ولطفي السيد، وسلامة موسي، وعلي عبدالرازق، وطه حسين، وزكي نجيب محمود، ونجيب محفوظ، ولويس عوض، وأحمد زويل، وفاروق الباز، وماجد الغرباوي، وميثم الجنابي، وعلي القاسمي، وعلي أسعد وطفه، وعصمت نصار.. وغيرهم.

وكل معرض كتاب وحضراتكم طيبون وبخير..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

 

 

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: قصصت علينا ياشهريار قصة مؤثرة في المرة السابقة، وهي تبعث الأمل في إمكانية إصلاح المزعجين، وإنْ كانت مؤلمة في تفاصيلها، لكن كيف لنا أن نميّز العدواني عن المزعج وهما يأخذان شكلا ظاهريا واحدا كما قلتَ أنت؟

- نعم .. فالعدواني أو العدائي عبوس قنوط يجد سعادته في إيذاء الآخرين ايضا، لكن المزعج يكتفي بالمقالب والمواقف التي تثير حفيظة الناس من حوله وصولا الى إهتمامهم به، أمّا العدواني فكاره لنفسه ابتداءً ويحمّل الناس - كل الناس- أسباب انطوائه وفشله في أمر ما، والظلم الذي تعرض إليه في يوم ما، والتهميش الذي يعاني منه وإنْ كان غير موجود أصلا، هو يكره الناس جميعا، ويشعر بفقدان الأمن الداخلي، وضياع الثقة بالنفس، وانحسار الآمال، واضطراب الأحوال، ولا يفسر قولا من الأقوال، او فعلا من الأفعال إلا بنية السوء، العدوانية لديه سجية، وإلحاق الأذى الفعلي بالآخرين غاية غاياته، هو يظن انه يبعد عن نفسه اذاهم - غير الموجود إلا في مخيلته – حينما يسبقهم بالهجوم، والتنكيل والتهديد والوعيد، ويتعدى ذلك الى الشتم والضرب، وسلب الحقوق المعنوية والمادية، ففي ذلك مُسكّنٌ مسموم لأوجاعه الدائمة، يهدئ من روعه لحين، لكنه يزيد من حجم الكراهية لديه، عنيف في الأحوال كلها حتى وهو يضحك، يلتمس الهيبة والخوف في عيون الناس، ولا يدري أن الناس يتحاشون بطشه ولا يهابونه، يجد سعادته المريضة في إحْزانِهم وإيلامهم، يعتقد جازما انه بإلحاق الضرر بالآخرين ينتصر لذاته المقهورة ويحقق آماله المندثرة، إطاره الفكري القديم يذكره دائما بأن "الناس، كل الناس، مسؤولون عمّا لحق به من قهر وإذلال، وتهميش وظلم في يوم من الأيام".

شهرزاد : حقا إن الفرق كبير.. لكن ماالذي وصل به إلى هذا الحجم من الكراهية والحقد؟، هل كان الظلم الذي تعرض إليه يوما كافيا لهذا الوصف المرعب؟

- كأنك غير مقتنعة بذلك وتشيرين الى طبيعة خَلقية لا صفة خُلقِية تقف وراء العدوانية؟، حسنا.. دعينا نستعرض الآراء على عجالة لنعرف إنْ كانت العدوانية صفة مكتسبة أم طبيعة مولودة مع الإنسان، ولو أخذنا ابتداءً ما يسمى بـ(النظرية الهيدروليكية) لكونراد لورانس الذي يدافع عن مفهوم : أن الشر هو التاريخ الطبيعي للعدوان، وأن العدوان دوما وعفويا يولد مع الانسان، وأن العدوانية تنمو باطّراد عندما لايكون هنالك مانع لها، وعندما يفتح الطريق أمامها، فإنها تندفع بذاتها خارجا، أمّا عندما تكون المخارج ضعيفة جدا او معدومة، فسوف يكون الإنفجار لتلك العدوانية المتراكمة محتملا، وإزاء ذلك لا يكون أمام الإنسان إلا بعض الوقت ليمارس أعمال العنف، ذلك إن القدرة العدوانية في داخله قد تراكمت وإنفجرت .

إن لورانس يشبه الإنسان هنا يا شهرزاد بقِدْرِ الماء على النار يغلي ويغلي حتى تتولد قوة الإنفجار التي تهوي بالغطاء وتجعله يتراقص بوحشية كلما زاد الماء سخونة بسبب قوة ضغط البخار .

وأجد أن لورانس قد نال إعجاب الناس لأنه يمنحهم العذر حين ممارستهم للعدوانية ضد الآخرين فهم - بحسب لورانس- مجبرون على تلك العدوانية المتراكمة في صدورهم وهم غير مسؤولين عن الحالة التي خلقوا عليها .

أمّا نظرية محرض نشوب العدوان لفرويد وكذلك النظرية القديمة لمحرض الموت فهما يؤكدان على الدافع الغرائزي للعدوان، وقد إفترض فرويد : أن كل إنسان وفي كل الخلايا المكونة من مادة حية ثمة محرضان للحياة والموت، ومحرض الموت يعبر عن نفسه بالإنعطاف للخارج وهذا يعني التدمير العام، او نحو الداخل وهذا يظهر كقوة لتحطيم الذات بالمرض أو الإنتحار، وعندما يكون مرتبطا بدافع جنسي، فانه يقود الى مايسمى بالإنحراف الجنسي، وهو محرض مولود مع الإنسان وليس محكوما بعوامل خارجية محيطة، وبالتالي فإن الإنسان أمام خيار وحيد يتمثل بتحطيم الآخرين او الموت .

وعامة ياشهرزاد فهنالك وجهتا نظر للعدوانية،  الأولى : أن الإنسان بفطرته مخرب سيء وهذا أساس قيام الحروب، وعليه فإن الإنسان يجب أن يبقى تحت السيطرة لمنع عدوانيته (الفطرية) .

والثانية: إن الانسان طيب بفطرته ويصير سيئا نتيجة للظروف الاجتماعية التي تحيط به واذا استطاع ان يغير تلك الظروف فهو قادر على تخفيف العدوانية والشر في نفسه او ان يزيلها تماما .

والرأي الثالث تبناه إيريش فروم وهو حل وسط بين الأمرين، فهو يرى إن (الانسان ميّال للتخريب، وأكثر شراسة من الحيوان والتاريخ البشري حافل بأعمال شنيعة لامثيل لها، وأعمالِ تخريب خارجةٍ عن الوصف، ومن وجهة النظر هذه فليس من حاجة أبدا للتقليل من قوة العدوانية، لكنه لا يعتقد أن جذور هذه العدوانية تقع في الغرائز، وإنما في الشروط الخاصة التي يعيشها الإنسان) .

في المرة المقبلة سنرد على أصحاب الآراء الثلاثة لنؤكد ان العدوانية خلقٌ مكتسب لم يخلق في النفوس البشرية .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

...................

* من وحي شهريار وشهرزاد (16)

مقتبسات من مؤلفي : شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

امان السيد لحظات ما تنسجك مشاعر تكون محظوظا لو اقتنصتها بكلمات تليق ببهاء حضورها، بأية وسيلة امتلكتها، ولو اعتقدت افتقارك إليها، فإنك لمخطئ. نحن نوافذ لإشراق الروح متى أردنا.

"المارشميللو"، هل أذنت له يوما أن يذوب في رضابك، ويطلق عسله بخارا تغدو حياله مسحورا بطراوة الملمس، ودعة الحرير؟.. أنا أدعوك كي تتحول طفلا وتعيش تلك التجربة، فالطفل من الثابت أنه يستطيع الحكم برجاحة الفطرة على كل ما سُلبناه في طريقنا إلى التحجّر، والتصحّر!

غير أني الآن ككبير أسرد، أشدك إلى تجربة أعيشها في ليال هاربا من جحيم الضجيج، وكسر روحي التي عليها أحرص، فأنا العاشق للفن، اللاهث وراءه في عمقه، أتأمل، أقرأ، أستمع إلى الموسيقى، أغرق في اللون، وأتابع الأفلام، الكلاسيكية منها، وفي زمن سبقني في الولادة أنتهي، وبي ذاك الشغف إلى التأمل، والمقارنة، والاستنباط، والتلذذ ببساطة العطاء.

منذ أيام كان لي اتّكاء سرّي على يوتيوب مع صوفيا لورين، وريتشارد برتون في فيلم

"لقاء عابر" الذي هو من حصيلة السبعينات لمترجمة يوتيوبية تستحق التقدير، فيلم حدثه البكر ثوان، لكنه عال في انعكاسات قد يعيشها أحدنا في محطات توقفنا، وقد لا يكترث لها، لكني شخصيا توقفت، واكترثت!

عائلة، زوجان، وطفلان، وجليستهما، الرجل عملي إلى أبعد الحدود، والمرأة جميلة بعد التخيّل، تمارس عملها بتدفق وحنان لا يخفى على المتابع، وحين تغيث طفلا سيفاجئه القطار تدخل في عينها حصاة تصبح انبثاق حب يجمعها بطبيب متنقل يخرجها، ويفرد مكانها قلبه، كل ذلك مسرحه مقهى يجاور المحطة عبر انتظارات تتكرر.

الحب يبدأ بدردشة حول منبتها الإيطالي، ويستمر في طروح عادية، تتطور أحاسيس لا يتمكنان من السيطرة عليها، رغم اعترافهما الصادق بارتباط أسري بلا منغصات- تخيل معي صياد زماننا، وهو يدور ويلف متذرعا في الوصول إلى طريدته بشتى الحجج- إلى أن يضعهما هذا الحب أمام محكّ قاس تغدو فيه التضحية مطلبا جازما، إن تجسّد سيصيب في الصميم عائلتيهما، ورغم أن اللقاء يتعثّر في بيت صديق يغضبه الموقف ويستهين به، لقاء سيتحول إلى إثم في العرف المجتمعي، لكن تعثّره يعيد البوصلة إلى اتجاهها السليم عند أناس تربّوا على مصادقة الذات. الإصعاق ينتشل العاشقة الزوجة من خدرها، فترفض الانغماس فيه، في وقت تسابق دموعها قرارها الصارم!

مقارنة لا بد أن يوثّق لها، شفافية العلاقات في أفلام الكلاسيكيات، وتكشّفها جرداء من أية قيم في سينما اليوم. سيناريو الفيلم هناك قد كتب بدقة حرصت على التبعيات الأخلاقية، فالمرأة فيه تؤنب نفسها، وتصفها بالعاهرة لو أنها استجابت لقلبها، والرجل ذكر النحل المندفع في علاقة تُحمّل سلفا للمرأة في اتهام سيلقي عليها مسؤولية إغرائه، أو كبح جماحه، لكن المخرج ينقل العاشق بصورة الرجل النبيل الحريص على سمعة المرأة التي معه.

مشاهد تحمل الكثير مما نفتقده في علاقات اليوم رغم الانفتاح الشديد، وسقوط الأقنعة، الرجل الذي يلاحظ في الفيلم احتفاظه بكامل ملابسه في اتجاه يغاير ما تسوّق له أفلام نتفليكس مثلا في غالبيتها، وهي تنشرنا أمام مهرجان ساحاته استباحة العورات، وخلخلة المجتمعات، لينتهي الفيلم بالانتصار للأسرة، وللمؤسسة الزوجية مخليا حكاية الحب تلك مناغشة وتر.

تساؤل يطرح نفسه، ما الذي يهوي بالمجتمعات إلى هذا الانحطاط المريع في القيم؟ أعتقد أنه استرخاص الروح حدّ الهشيم يتساوى فيها الغربي، وغير الغربي!.

وسؤال آخر أحرره لنفسي، وللعابرين بالفيلم نظرائي، من تراها قطعة المارشميللو التي أنمت فيّ هذا البوح، صوفيا لورين، أم الزمن المفتقد، أم ...؟!

 

أمان السيد

 

يسري عبد الغنيتزاوج  الفقه مع الواقع في أذهان فقهاء الأمة الإسلامية الذين شهد لهم التراث الفقهي بذلك، فكان استخراج الأحكام الشرعية من الأدلة والمصادر يدور في ضوء مقاصد الشريعة، ولم يحدث مجافاة بين النص والواقع؛ وذلك لأن فهمهم للنصوص محكوم بالدليل وروحه، فكان فقههم يناسب الناس جميعا على اختلاف مشاربهم، وإن الناظر في فقه الأئمة الأعلام يجد أنهم أحاطوا بعلم الشريعة الإسلامية من جميع جوانبها، وكان لهم تميز ملموس في جانب التشريع الإسلامي، فكانت أحكامهم التي استنبطوها من النصوص الشرعية شاملة تغطي جميع جوانب الحياة، فهي تشمل:

الأحكام المتعلقة بالشعائر الدينية من صلاة وصيام وزكاة وتسمى في كثير من كتب الفقه بالعبادات والشعائر، والأحكام المتعلقة بالأسرة من نكاح وطلاق ونسب ونفقة وميراث ووصايا وتسمى أحكام الأسرة، والأحكام المتعلقة بأفعال الناس وتعاملهم في الأموال والحقوق وفصل المنازعات وتسمى المعاملات، والأحكام المتعلقة بسلطان الحاكم على الرعية، وبالحقوق والواجبات المتقابلة بينهما، وتسمى الأحكام السلطانية أو السياسة الشرعية وتسمى عند دارسي الحقوق : الحقوق الإدارية، والحقوق الدستورية، و الأحكام المتعلقة بعقاب المجرمين، وضبط النظام الداخلي بين الناس وتسمى " العقوبات "، والأحكام التي تنظم علاقة الدولة بالدول المجاورة، في حالتي السلم والحرب، وتسمى في كتب الفقه بالسير ويطلق عليها حديثاً العلاقات الدولية، والأحكام المتعلقة بالحشمة والأخلاق والآداب والمحاسن والمساوئ وتسمى الآداب

وفي جانب تنظيم علاقة الدولة بالدول المجاورة، في حالتي السلم والحرب  نجد المسلمين -بالحقائق التاريخية -كانوا الرواد الأوائل في هذا الباب وعلى رأسهم الفقيه  الإمام محمد بن الحسن الشيباني الذي يعد الرائد الأول للقانون الدولي العام باعتراف الغرب وأصحاب القانون أنفسهم.

وإذا كان الأوروبيون يعدون جروتيوس الهولندي مؤسس القانون الدولي فإن هذا خطأ علمي تاريخي؛ لأن الإمام محمد بن الحسن الشيباني وقد سبق جروتيوس بأكثر من ثمانمائة عام قد كتب في القانون الدولي الإسلامي في تفصيل وشمول لم يسبق به، ومن ثم يعد هذا الإمام مؤسسًا للقانون الدولي في العالم كله.

على أن هناك من الباحثين  من يرى أن جيروتيوس قرأ ما كتبه الشيباني في كتابه "السير الصغير" و"السير الكبير" ونقل منهما ما عزاه إلى نفسه. وليس فضل الشيباني في أنه أول من كتب في العلاقات الدولية فحسب وإنما يظهر فضله أيضًا في مجال الفكر القانوني، حيث إن  القانون الدولي المعاصر لم يأت بجديد بالنسبة لما كتبه الإمام محمد الشيباني، وقد تنبه إلى هذه الحقيقة العلمية والتاريخية فقهاء فرنسا، فأنشأوا في سنة 1932م، جمعية الشيباني للقانون الدولي، ثم حذا حذوهم فقهاء ألمانيا، فأسست في غوتنجن جمعية شيباني للقانون الدولي، وضمت هذه الجمعية علماء القانون الدولي والمشتغلين به في مختلف أنحاء العالم وانتخب رئيسًا لها الفقيه المصري، أحد أعلام القانون الدولي المعاصرين الأستاذ عبد الحميد بدوي (ت: 1965م) رحمه الله.

لقد نال الإمام الشيباني هذه المنزلة بين رواد القانون الدولي ؛لأنه فهم الشريعة الإسلامية فهما صحيحا، واستطاع أن يستخرج منها الأحكام التي تتناسب مع العصر،ولم يحصر الشريعة الإسلامية في نطاق الشعائر فقط، بل اهتم  بجانب  المعاملات  بالمفهوم الشامل وحدد علاقة الأفراد  مع بعضهم البعض وعلاقة الدول بعضها ببعض في حالة السلم والحرب حيث بين  أن معاملة  غير المسلمين  لها ضوابطها الشرعية والانسانية من خلال آيات القران  الكريم والسنة النبوية وقد ظهر ذلك جليا من خلال إبراز منهج الإسلام في  تعاملاته مع أصحاب العقائد المخالفة، وتعرض كذلك في كتابه السير الكبير  لأخلاق  الإسلام مع الدول المحاربة له وكيف تعامل الإسلام بطريقة إنسانية أخلاقية نابعة من فقه واع ورؤية إيمانية لا تفرق بين الإنسان  وغيره في الحقوق والواجبات، وبذلك استحق الإمام الشيباني  رسم صورة حقيقية للشريعة الإسلامية التي تتسم بميزات جعلتها شريعة صالحة لكل زمان ومكان،  شريعة تراعي في أحكامها الجانب الإنساني والأخلاقي، كما استطاع  الشيباني  تخليد اسمه في سجل عظماء القانونيين الدوليين، ولذا نطالب فقهاء المسلمين بأن يهتموا بالأمور المتعلقة بعلاقتنا بالآخرين في مباحثهم الفقهية ودراستهم الأكاديمية في رسائل الماجستير والدكتوراه، كما نطالبهم بإبراز دور الفقهاء المسلمين في المسيرة العلمية وأهم الجوانب التي تميز بها كل فقهية فهذه الأمور تنمي الملكة الفقهية، وتظهر لنا نماذج عملية نستضيئ بها في مسيرتنا العلمية ونثبت أيضا أننا لا نستطيع قطع الصلة بتراثنا بل لابد أن ننطلق منه لمستقبلنا دون جمود وتعصب، ويضاف لما سبق أن علماء التراث الإسلامي كان لهم فضل على البشرية كلها، ونستطيع أن ننطلق من هذا التراث -الذي يرفضه البعض ويريد محوه - إلى التجديد المنشود فقد وضعوا لنا الأسس والأصول التي نبني عليها ونشيد أمجادنا برؤية تراثية عصرية.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

ضياء نافعكان أنيقا بشعره الطويل المسترسل حتى كتفيه، فقلت له رأسا، آه لو قابلك الآن خير الله طلفاح، لسحبك بالقوة وحلق شعرك كله، ولجعلك (أقرعا!). تعجّب غوغول من كلامي، وقال ضاحكا، ان أنفي سيبدو عندها أكبر حجما وأكثر طولا، فقلت له، ان الفنان التشكيلي العراقي فيصل لعيبي عندها سيكون أكثر سعادة، لانه كتب عن اعحابه الشديد بقصتك (الانف)، ورأى ان هذه القصة وتماثيلها في بطرسبورغ تمجّد ذوي الانف الكبير. ضحك غوغول وقال، آه لو يرسم هذا الفنان العراقي لوحات لكتاب (الانف)، اذ ستكون القصة عندها ذات نكهة تشكيلية عراقية، قلت له، ان الفن التشكيلي العراقي حقق نجاحات باهرة جدا، لكنه لم يصل الى هذا المفهوم الموجود في مسيرة الفن التشكيلي الروسي، الذي يرسم عدة لوحات تعبّر عن مضمون الكتاب، رغم ان هذا المفهوم كان مزدهرا في ماضينا الجميل، ولازلنا نندهش من جماليات لوحات الفنان الكبير الواسطي لمقامات الحريري. صمت غوغول قليلا، ثم سألني – ولكنك لم توضّح لي، لماذا يقوم خير الله طلفاح عندكم بهذه الاعمال الغريبة وغير المنطقية تماما، التي قلتها لي حول حلاقة الشعر؟ فهمست باذنه بصوت خافت - اسكت ولا تطرح هذه الاسئلة الخطرة، اذ ان السلطة عندنا لا تحبها ولا تطيقها، بل ويمكن حتى ان تفتك بك . وهكذا أنتقلنا للحديث عن الاشياء التي تحبها السلطة (عندنا وعندهم!)، وعن الاشياء التي لا تحبها ايضا. قال غوغول بأسى، انه عندما قدّم روايته (الارواح الميتة) للنشر، كان يجب عليه ان يذهب الى الرقابة اولا، اذ هكذا كانت قوانين السلطة في الامبراطورية الروسية، فقال له الرقيب رأسا (ودون ان يقرأ الرواية، التي لم تكن تدور حول اي أرواح أصلا)، ان العنوان يتعارض مع قوانين السلطة، لان الارواح عندنا لا تموت، فاضطر غوغول ان يضيف على العنوان عنوانا ثانيا وهو – مغامرات جيجيكوف، ثم بدأ بعدئذ بالبحث عن اشخاص مؤثرين كي يساعدوه بالحصول على موافقة الرقابة بشأن الحفاظ على العنوان الاول . صمت غوغول ثم سألني – هل الارواح عندكم في وضع يختلف عن الوضع في امبراطوريتنا ؟ فقلت له، ان قوانيننا الحالية مثل قوانينكم في الامبراطورية الروسية، ولهذا اضطر المترجم العربي الى تغيير عنوان روايتكم، فقال غوغول – اي ابقى فقط مغامرات جيجيكوف، فقلت له لا، لا، لقد ألغى كلمة الارواح نفسها اصلا. ضحك غوغول وقال يا لكم من شعب حاذق، ولكن هل القراء العرب يعرفون، انني لم اتكلم هناك عن الارواح بتاتا، وانما عن الجيجيكوفيين، الذين يستغلون بشكل بشع ورهيب كل تلك المواقف السائدة في قوانين النظام السياسي من اجل تحقيق مصالحهم الخاصة فقط ؟ قلت له مطمئنا – نعم، نعم، فالقراء العرب يعرفون ذلك ويتفهمونه، اذ ان تجربة الجيجيكوفيين عندنا مزدهرة جدا، وهم يتزوجون الجيجيكوفيات، وقد ولد الان عندنا جيل (كامل الاوصاف!) منهم، واستطيع ان أقول لك بكل ثقة، ان جيجيكوفيّنا قد غلبوا جيجيكوفيّكم، اذ انهم الان يبيعون ويشترون حتى الارواح الحيّة ايضا، فقال غوغول رأسا، لهذا أحرقت أنا الجزء الثاني من روايتي تلك، لأنني أردت ايقاف هذا المثل السئ وتأثيره على الآخرين، فالمثل السئ معدي كما يقولون في الامثال الشعبية، فقلت له رأسا، يا نيقولاي فاسيليفتش، روايتك لم تخلق ظاهرة الجيجيكوفيين، وانما انت تحدثت عنهم في المجتمع الذي يسود فيه النظام الفاسد أصلا، ولا علاقة لروايتك بمجتمعنا المعاصر، حيث تزدهر فيه الجيجيكوفية في كل المجالات، ولكن غوغول لم يتفق معي، وقال انه حسنا فعل بحرقه الجزء الثاني من الرواية، اذ لا ضرورة لنشر اعمال هذه النماذج الشريرة، قلت له، ولكنك سخرت منهم وضحكت عليهم، اي انك شجبت اعمالهم، ولكن غوغول اصرّ على موقفه وبعناد وتوتّر، فحاولت تغيير موضوع الكلام كي اخفف توتره، وقلت له، أتعلم اننا نحب مسرحيتك (المفتش العام)؟ فاجابني مستفسرا – العام؟ وأضاف، عنوان مسرحيتي (المفتش) دون اي صفة اخرى، فكيف اصبحت (المفتش العام) عندكم؟ قلت له، ان المذنب بذلك هو (ابو ناجي)، فسألني، من هو ابو ناجي هذا؟ فضحكت أنا، وقلت له، العراقيون يسمون الانكليز هكذا، وهم الذين أضافوا لمفتشك صفة (العام)، فقال غوغول متوترا و معترضا، ان ذلك لم يحدث في فرنسا والمانيا وايطاليا، فلماذا أخذتم الترجمة الانكليزية بالذات ؟، فقاطعته أنا قائلا، اني غيّرت حديثي معك كي اخفف من توترك، ولكنك تعود مرة اخرى الى حالة التوتر هذه، فابتسم غوغول واعتذر وقال، انني أتحدث لاول مرة مع عراقي، وكنت اتمنى ان اسمع منك اشياء سارة، ولكنك قلت لي، كيف يمكن ان يحوّلوني في بغداد الى أقرع، وكيف يزدهر عندكم الجيجيكوفيون وتذكرت كيف أحرقت الجزء الثاني من روايتي، ثم حدثتني، كيف حوّلتم المفتش الذي كان في العشرينيات من عمره ليس الا الى مفتش عام، ولهذا اصبحت أنا عصبيا، فقلت له، حسنا، ساخبرك الان بشئ يسرّك جدا، فقد كتبنا عنك اطروحة ماجستير في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد باشرافي العلمي، واستطاع منذر ملا كاظم تحقيقها ومناقشتها بنجاح، وسافر بعدئذ الى روسيا، وهناك حصل على شهادة الدكتوراة، وأصدر كتابا عنك بالروسية، وهو اول كتاب عن غوغول بالروسية يؤلفه عراقي، فهل يسرّك هذا الخبر يا نيقولاي فاسيليفتش؟ فابتسم غوغول وقال، نعم، نعم، وبكل تأكيد، انه خبر جميل جدا بالنسبة لي، واراد غوغول ان يضيف شيئا، ولكني استيقظت من نومي، ولم اسمع جملته الاخيرة ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

جمال العتابيفي مدونة الكاتبة الصديقة فاطمة المحسن، مقالتان نادرتان عن سعاد حسني، وأسمهان، محمّلتان بدفق من الضياء وعذوبة اللغة، وصولاً إلى القيم الإنسانية والجمالية في عطاء الراحلتين، شكراً لك فاطمة، لأنكِ أيقظتِ حكايا مقيمة بي، حان وقتها لتصحو.

ومع ان حالة التأثر - لا التقليد - قائمة بمضمونها الإيجابي، وجدت في الومضتين ما يعيد لذاكرتي موهبة عراقية في هذا العالم الصغير، حكاية، هنا، وأغنيات هناك، محلقة بأجنحة من سني اللهب، وأخرى منسوجة من ريش الفؤاد، تتحرك مع أنفاس الزمن.

حضيري أبو عزيز، القادم من ريف الشطرة إلى العاصمة، يحمل بين جانحيه موهبة مغني، موهبة فريدة منذ صباه، صوت جنوبي ممتلئ عذوبة، يمتد عبر العصور، تتردد أصداؤه متخطياً  الأبعاد، تميّز عن زملائه أداءً ولحناً، عمدَ منذ البداية أن يختطّ لنفسه لوناً مختلفاً، مستجيباً لمعطيات أبعد من عصره، المتأمل في سماع (عمي يبياع الورد، حمام لتون، حُمَيْد)، سيكتشف ان موسيقى هذه الأغاني، ترتقي إلى مستوى أوبرالي في اللحن والتوزيع، من أين لك يا حضيري تلك المسارات العذبة الشجية التي تأتينا مع إنهمار التداعيات؟؟

أبا عزيز، أنت كمن يصلي صلاة الإستسقاء، يستمطر ماءً لتوقظ الأزهار من رقدتها، في صوت ينساب مثل الماء، (عمي يبياع الورد گلي الورد بيش)، العمر مازال ندياً، و(هدية) شالت، لكن إلى أين؟ ليس سوى خِلّك داخل حسن يشاركك النواح، يبعث فيك السلوى، في حوارية من أعذب أغاني الكون! (يحضيري بطل النوح شالت هديه)، لا تتوسل بالحمام، إهجع شويه،

تتوسل بالحمام، ان يكفّ عن الأنين (حمام لَتون)، على روس المباني، لعل زفير الحمام يردّ هدية إليك، لا تلعن أهلك الذين ضيعوك (هلي يظلام مارحم عدكم، أوي هلي ماجابوا ولفي إلي، تره الفرگه صلت گلبي صلي)، يلزمك وقت يا حضيري لتجمع أحزانك، تودعها في عيادات الأطباء، مثقلاً بالحزن، تتوسل بالطبيب (عاين يدكتور الجرح كم جرح مجروح).

أنت كمن يتهجى الشهادة لتلمّ شظايا الروح، يا حضيري، تبحث عن (حميد)، المحلّق في السماء، أو الغائر في باطن الأرض، وأعماق البحر، تريد أن تنتشله فتغرق في (مصايب الله)، ولا يهدأ توعدك له ( آنه لك وانت لي، شيخلصك من إيدي).خطيه...

أنت تغني للورد يا أبا عزيز تعشقه( بالك تدوس على الورد وتسوي خِلّه، حرام تدوس!)، انها حديقة الألوان التي تزدهر، فالورد يضيء العالم، لكن الورد في أغنية أخرى لا يتقدم بمعناه الجمالي، تلملم إختلاجات صوتك في خشية على صاحب البستان وحارسه، (خلي الورد بالأغصان مو لازم تگطعونه، يزعل تره ابو البستان والحارس يحبسونه!)، ألم يئنُ الورد ويتعذب؟ قبل زعل ابو البستان؟؟ كنت شحيحاً على الورد هنا يا حضيري، لماذا ؟

وحين تطوف، ويعاودك الحنين للحبيب، تتوسل إليه تبحث عن ملاذ من عطش، لتغني كإستغاثة : (لاجل المحبة البينك وما بيني، رسمك أريده)، أقصى ما تتمناه تختصره بالصورة(رسمك)... تتدفق لوعة وشوقاً وإبتهالاً من أجلها، ولاغيرها!! مستسلما للتشعب والإنشطار، لا خيار لديك سواها،  وجه الحبيب في الصورة، وحدهُ نبضة حية في وجودك، حين تحجبك المحرمات والتقاليد من لقائه.

لقاء إذاعي خارج النص

إلتقى الإذاعي إبراهيم الزبيدي، المغني حضيري أبو عزيز عام 1970، في برنامج من إعداده هو (بين دجلة والفرات)، وبدأ الحوار عن البدايات الأولى، وأجمل أغاني حضيري، فسأله الزبيدي :

ما أحب أغانيك أبو عزيز؟ فأجاب:

* أغنية هلي

وما الأغنية التي إشتهرت بها؟ .

* ( والله إنشهرت) بأغنية هلي.

طيب أبو عزيز، ماذا تحب أن يسمع الجمهور من أغانيك؟

* أجاب بعفوية متناهية وإستكانة: هم هلي!!

وأجمل ما في اللقاء الخاتمة، التي رويتها حينذاك للكاتب الراحل شمران الياسري (أبو گاطع)، وصاغ منها حكاية رائعة، وبليغة في عموده الصحفي (بصراحة).

سأله الزبيدي: مارأيك يا ابو عزيز بقانون تقاعد الفنانين، وكانت الحكومة قد شرعته، عام 1969، لمنح الفنانين راتباً تقاعدياً مقطوعاً قدره (60) ديناراً، فأجاب ابو عزيز بإسترخاء :

والله آنه أشكر البكر، والحزب والمتصرف (المحافظ)، ومدير الإذاعة، لكن عندي سالفة لازم أذكرها:

خلي تعرف الحكومة، تره آنه علّمت داخل حسن على الغِنه!!

 

جمال العتّابي

 

يسري عبد الغنياللغة هي جزء من الثقافة، والثقافة تحدد هوية الشعوب. أي أن اللغة تعني هوية المجتمعات. اللغة هي وسيلة للتواصل بين أفراد المجتمع وإذا حرمت المجتمعات من اللغة فإنها تحرم من وسيلة التواصل والتعبير. فالمجتمعات تتواصل وتتفاهم عبر اللغة، لذلك لا يمكن أن توجد الشعوب بدون وجود اللغة.

اللغة لا تنحصر في مجال الكلام والتواصل فقط، فحين يتحدث المرء بلغة معينة فإن هذه اللغة تنطوي على ثقافة، تاريخ، وعي وهوية معينة. فالمجتمعات تعبر من خلال اللغة عن ثقافتها وعن تراثها وتاريخها، وفي وقتنا الحاضر إذا أردنا أن نبني مجتمعاً وفق ذهنية معنية فيجب أن تكون هناك لغة تعبر عن ذلك المجتمع وعن تلك الذهنية.

في وقتنا الراهن إذا أردنا أن نبني مجتمعاً فيجب العودة إلى تاريخ وثقافة ولغة ذلك المجتمع وإلا فإن ذلك المجتمع لن ينتمي إلى تلك الثقافة وذلك التاريخ. ومن هنا تأتي أهمية اللغة في بناء المجتمعات. لا يمكن بناء اللغة والثقافة خلال يوم واحد، بل إن اللغة والثقافة هي نتيجة لتراكم آلاف السنين، فإذا أردنا بناء مجتمع ما فيجب أن نفعل ذلك انطلاقاً من لغته، وإذا لم يتم بناء المجتمعات انطلاقاً من لغتها فإنها ستتطور على بنية خاطئة ولن يكون مجتمعاً ينتمي إلى نفسه.

تعرف الثقافة بأنها جميع النتاجات المادية والمعنوية التي انتجتها المجتمعات عبر تاريخها في سبيل الحفاظ على ديمومة واستمرارية حياتها، واللغة جزء من هذا النتاج، لأن المجتمعات تؤسس نفسها من خلال اللغة، ويمكن القول إن اللغة هي جزء مهم من الثقافة، فالمجتمعات تعبر عن نفسها، علاقاتها وتعليمها من خلال اللغة، وكل هذه الأمور مرتبطة بالثقافة وبدون هذه الأمور ستكون المجتمعات مجرد كيانات خرساء، ومهما كان مستوى ثقافتها فإنها ستبقى عاجزة عن التعبير عنها.

المجتمعات التي لا تنمو انطلاقاً من جذورها ستكون مجتمعات مهمشة ولن تحيا من أجل نفسها بل ستعيش من أجل الأنظمة الحاكمة وستعيش معزولة عن كينونتها. مثل هذا المجتمع سيكون سبباً للعبودية في جميع مجالات الحياة من السياسة إلى الاقتصاد وإلى الإدارة. إن عزل المجتمعات عن لغتها يعني عزلها عن هويتها، فلكل مخلوق حي صوته ولغته التي تمثل هويته ويعرف بها، وكذلك الأمر بالنسبة للإنسان.

لقد أثبت العلم إن الطفل الذي يتلقى التعليم بلغته الأم يزداد قابلية لتلقي العلوم والأفكار وبالتالي النجاح في التعليم، فالطفل الذي يتلقى التعليم بغير لغته الأم يلاقي صعوبات جمعة في تلقي العلوم وفي التطور. وما نسعى إليه في روج آفا الآن هو تعليم اللغة الأم لجميع المكونات خلال السنوات الثلاثة الأولى للتعليم، وبعد ذلك يمكنهم تعلم اللغة التي يرغبون بها. يجب أن يستفيد الطفل من التعليم حتى يكون له هويته وكيانه الثقافي الحقيقي  .

مقترحنا للنهوض باللغة العربية هو العودة إلى لغة القرآن الكريم، ونحاول أن نذكر أغوارها وجمالها ومدلولها وشاعريتها، فكلمات القرآن إذا وعيناها جيدًا نجد أنها تدعو إلى التوحيد البشري، إلى الحب والخير والأمن والسلام والعدل والإحسان والحق والجمال .. وكم نحن في حاجة ماسة إلى هذه القيم الرائعة في أيامنا هذه .

وعلى وجه العموم إن اللغة بحر عميق يريد منا العلم والمعرفة والدربة والخبرة، بعيدًا عن الهجوم من جانب الذين في قلوبهم مرض، وبعيدًا عن الخرافات والخزعبلات والنبوءات الفارغة التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي تحاول أن تقنعنا بفضل استخدام الحروف الأجنبية  .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

عمار عبدالكريم البغداديقالت شهرزاد: أتعبتني روح العدوانية لدى الكثيرين من حولي، في غالب الأحيان لا أجد تفسيرا منطقيا لها، أرجوك لاتقل إننا سنواجهها بالمحبة .. أجدها عاجزة عن تحقيق ذلك.

- كانكِ تميلين الى القول: إن العدوانية مولودة مع الإنسان، ويقينا ياشهرزاد: "حينما ندرك أن العدوانية خُلقٌ مكتسب وليست فطرة انسانية فإننا نواجهها بالمحبة، أمّا حب السيطرة فهو طموح بشري يُكبح برسائل طمأنة مستمرة تحقق الأمن الداخلي للسادي لكنها تعلو من جديد بزوال المؤثر".

- بصراحة لا أتفق معك فأنا مقتنعة بهذا الرأي، كأن بعض الناس خلقوا وهم عدوانيون، ولا يجدون الراحة إلا في إلحاق الأذى بالآخرين .

شهريار: حسنا سأحاول إقناعك ابتداءً بأنه خُلُقُ وليس طبيعة، علّها تتكشف أمامك أسرار تلك الوديعة، فإن عرفنا السبب بطل العجب، وإني لأميل الى قول:إن العدوانية خُلقٌ ثقيل تودعه في النفوس ظروف المجتمع القاسية، وما أكثرها عبر التأريخ، وبالرغم من ذلك فالمجتمعات الإنسانية القديمة كانت خالية من العدوانية، ففي قديم الزمان حيث كان الإنسان يجمع قوت يومه بصعوبة بالغة، ويعيش ظروفا قاسية، لكنه شهد مجتمعات متآلفة لاجرائم فيها ولا اغتيالات، ولا أملاك خاصة، لم تكن العدوانية موجودة، ولاحاجة للعسكر والسلطة والنظام، ببساطة شديدة لم يكن هنالك تنافس، ولا رغبة بجمع المال، أو اتخاذ الخدم وجمع الحشم، وغزو مجتمعات أخرى لتوسيع دائرة الهيمنة، فلا أحد يبحث عن ذلك، وينقل لنا المفكر الالماني إيريش فروم عن (كولين توربغول) مثالا حيا لتلك المجتمعات الطيبة فيقول: (هم بمجملهم صيادون بدائيون يطلق عليهم بيغماين "pygmaen" في وسط افريقيا، ولا يختلفون كثيرا عن أولئك الصيادين قبل ثلاثين آلف سنة، إنهم يعيشون وسط الأدغال، وقلما تحدث العدوانية بينهم، بالطبع قد يحدث أن أحدهم قد يثير إزعاجا، لكن لن يكون أبدا سببا لتجاوز التقليد عندهم في مسألة ندرة العدوانية. واذا صادف أن أحدا يثير مشاكل ليشعل حربا، ويهدف الى قتل الناس، فهناك في العرف شيئان مختلفان تماما، يجب أن يكون لدى أحدهم قلة بصيرة لدرجة كبيرة، عندما لايستطيع أن يرى الفرق الكبير فيما بين الأمرين: بين أن يكون هذا مثيرا للإزعاج، او أن يكون قلبه مملوءاً بالكراهية) .

وأرى ياشهرزاد أنك تخلطين بين الأمرين بين الحين والحين، ولست هنا بصدد تعميم قصة الصيادين الطيبين، ففي أزماننا هذه تتجسد السلطات القهرية والتهميش والحروب وحب السيطرة، والإحساس بالظلم أمور توقد في النفوس صفات الكراهية والحقد، وتصيب القلوب بأمراض العدوانية، لا ننكر ذلك لكننا نستطيع القول إنها خلق مكتسب فرضته الأحوال، وتداعت له الأفعال والأقوال .

شهرزاد: لكن الكثير من الناس لا يعانون مما ذكرت، وبرغم ذلك فهم عدوانيون في ردود أفعالهم، وأنا أتحفظ على قولك: إنني أخلط بين مثير الإزعاج والعدواني .

-هل شققتِ عن قلوبهم ياشهرزاد حتى تعرفي إنهم لم يعانوا من القهر النفسي والتهميش والظلم ؟!، دعينا نبدأ من حيث إنتهيتِ، إن الخلط بين مثير الإزعاج والعدواني وارد لدى الكثير من الناس، فهما يأخذان شكلا ظاهريا واحدا، فمثير الإزعاج يحاول إثارة إهتمام الآخرين به رغما عنهم، وهو يشعر بسعادة لحظية حينما يحقق غايته، إنه إنسان يعاني من الوحدة وغربة الروح، وإنْ كان يعيش بين الناس، هو المتجهم دائما الى اللحظة التي يثير بها ألما في صدر أحدهم فاذا إحمرت وجنتا الضحية، وانتفخت أوداجه غضبا، تبسم صاحبنا وهو يشعر بتحقيق كيانه الضائع، إنه يستفز كل من حوله ويتفنن بإثارة حفيظتهم ليقول في نفسه:" أنا أُغضِبُهم إذاً أنا موجود".

ذلك الموجود الغائب علاجه بسيط، وتدمير مخططاته الماكرة أكثر بساطة مما تظنين، وأمّا تدمير مخططاته فبتدريب النفس على عدم إظهار الإنزعاج من مقالبه الدورية، والتحسب لكل حركاته البهلوانية، وكذباته اليومية، فإذا استطاع أحدنا أن يرسم على وجهه ابتسامة استنكار يقابل بها فعله المزعج ويلتزم الصمت، فذلك كفيل بإثارة عجبه، وإشغاله ليوم كامل، ويوما بعد آخر سيعرف في قرارة نفسه إنه لم يعد مزعجا كما كان، أمّا علاجه فاهتمام وتقدير قبل أن يبدأ التفكير بخطة جديدة للإيقاع بنا مرة أخرى، وقد قلنا ابتداءً إن الإهتمام واحد من أهم مفاتيح القلوب المغلقة، وإنه لبلسم لغربة الروح، ولعلل النفوس القابلة للعلاج، ومنها قلب ذلك المزعج، نحن هنا نستبق الرذيلة بالفضيلة والإزعاج بالطيبة، والإحراج بالإحترام والإثارة السيئة بالاهتمام، غايتنا رد شر ظاهر وإبعاد أذى خفيف، لكننا بذلك الإحترام والتقدير قد نستنهض في صاحبنا الإعتراف بوجوده الطبيعي ليزيح عن قلبه ذلك الخلق المكتسب، وحينها نكسب راحتنا، ونحقق مبدأ (سعادتنا بإسعاد الآخرين) في أحد معانيه على أقل تقدير .

دعيني أضرب لك مثلا عن أحد المزعجين وهو صديق مقرب، كانت العلاقة بيننا إبتداءً زمالة كليتين في جامعة بغداد، وإنه ليشكو من قلة الأصدقاء والرفقاء، وإنْ لم يصرح بذلك، مَرِحٌ حينما يجد ضحية لمقلبه الصباحي، ومتجهم إنْ دار نقاش في النادي الطلابي من غير أن يُذكر اسمه، او تُمتَدَحُ مساوؤه التي يراها محاسن فريدة، يقطع كلام المتحدثين من غيرتردد، ويسعى لتشتيت أفكارهم عامدا قصدا، وحينما تثور دواخلهم، ويعربون عن إنزعاجهم يضحك ضحكة السعداء، ويتسلح بملامح الأقوياء، وهو على هذا الحال في الليل والنهار، وإني لأسمع تأفف الحاضرين حينما يقبل (أبو المكائد) من بعيد، لكنني كنت أعرف علّته، وأشفق على حالته، بل إنني أبتسم حينما يُقبل، وأنا على يقين بأن دواخله بيضاء لا تحمل شرا مستفيضا ولا حقدا، وهي بحاجة الى إهتمام متواصل يشعره بوجوده، وحقيقة أهميته كصديق ودود، وليس مزعجا حقودا.

حينما يتحدث بكلام نافع أبتسم له وأؤيده، وحينما يستعرض (محاسنه) أبتسم في وجهه تلك الإبتسامة النكراء التي تحبط إحساسه بالنشوة والانتصار على الضحية، يوما بعد أخر صار ينشغل عن المحيطين به بنقاش لطيف معي عن أحوال الدراسة، وكان للتشجيع أثر طيب بتحسين معدلاته، حتى جاء اليوم الذي فتح لي قلبه، وحدثني عن نبضاته المتسارعة لفتاة يشعر بالمودة نحوها، أخيرا سنحت الفرصة ليتحرر من آلامه ويعوم في بحور الحب والشوق، ويختفي من حوله الجميع، ويطير بأجنحة سعادة سرمدية في فضاءات الكون الواسع .. إنه الحب الذي يمحو أثار الماضي المؤلمة، وينير القلوب المظلمة، وينعش الأرواح، وينشر الأفراح، وينسي الأتراح .

قاسمني الأيمان أنه يحبها، وينوي الزواج بها بمجرد أن يكسب ودها وقبولها، وفي صبيحة يوم ربيعي صرح لها بحبه، وكشف لها مكنونات قلبه، وترك لها مجالا للتفكير، علّها تكمل معه المسير، لكن شبيه الشيء منجذب إليه، وهي بمكرها ذكرتني بحاله الذي كان عليه، انتظرَ لأيام وأيام، وهي بين تمنع وانسجام، حتى جاءت لحظة الإنتقام: عذرا أنت لا تنفعني، أراك لحوحا متسرعا .. بصراحة أراك مزعجا .

لم يعد أبو المكائد كما كان، صار حزينا منطويا على ذاته، مرتعدا ممن حوله، حزين القلب، شاحبا وجهه، مصدوما بحقيقته التي لم يكن يصدقها، ويالها من صدمة أحالته الى طبيب نفسي .

في عيادة مشحونة بحركات المرضى النفسيين، وأحاديثهم المبعثرة، وآمالهم المتناثرة بين ذكريات السنين، كنت أتكئ الى جدار قريب من غرفة الطبيب، حيث وقف أبو المكائد ووالده رحمه الله، كان صاحبي يردد عبارات غير مفهومة إلا قوله: (هي لا تعرفني أنا لست مزعجا .. هي المزعجة ..الماكرة) ، ثم يعود الى عالمه الخاص يسطر أمجاده بحروف لا يفقهها أحد .

شبكت أصابع يدي اليمنى بأصابع يده اليسرى حينما علا صوته، وجابهته بابتسامة عريضة، وتقاطرت دموعي في لحظة ألم شديد .. لن أنسى كيف أن دموعه سابقت دموعي حينها، ومسح بيده اليسرى دموعي (رأفة بحالي) .

بعد فترة علاج لم أنقطع فيها عن زيارة شبه يومية لأبي المكائد، وأنا اغرس الأمل فيه غرسا، وأصطنع الضحكات، وحتى المقالب لأرسم الإبتسامة على وجهه من جديد، كنت أردد بلا انقطاع: (كل من حولك يحبك .. أنظر الى أبيك وأمك وأخوتك وجدتك، كم أنت مهم لديهم، إنهم يواصلون الليل والنهار يدعون لك، ويحيطونك بالإهتمام والمحبة، كم أنت مهم لديهم، وانا أحبك كما تعلم)، حتى منّ الله عليه بالشفاء، إستعاد عافيته حينما أدرك أنه ذو أهمية كبيرة في قلوب أهله وبعض زملائه الذين تقاطروا عليه في زيارات متعددة شهدت بعضا منها، أدرك في قرارة نفسه أن علّته الحقيقية تكمن في فهمه الخاطئ للمقربين، كان يراهم فيما سبق منشغلين عنه كارهين لتصرفاته، وهو يعكس ذلك الإنطباع على المحطين به في الجامعة، وعلى كل من يعرف خارج محيط الأسرة، حتى حينما أحبَ، او هكذا كان يعتقد، لم يستطع أن يتخلى عن رغبته بإزعاج الفتاة التي خَفَقَ لها قلبه، بل إنه كان ينافسها في ذلك، لكنه اليوم يشعر بالثقة والأهمية، هو موجود في قلوب أهله وأصحابه النادرين، وزملائه المتفهمين، عليه أن يبدأ من جديد، أن يبتسم ابتداءً ليبعث رسائل محبة، وينال الثقة في قلوب مزيد من الناس، ليشعر بكيانه واتساع دائرة تأثيره، حينها يكون محبا لنفسه ولمن حوله، سيختار قلبه التي تحبه بحق، وتوافق طباعها الطيبة، وشخصيته الجديدة المحبة لكل الناس بلا إزعاج .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

..........................

من وحي شهريار وشهرزاد (15)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

خالد جودة احمداستمعت إلي إلقاء المثقفة أستاذة/ سعادات حجازي، في ملتقي ثقافي مشهود، لنص شعري معنون "أصوات كادت تسقطُ في الخريف" للشاعر/ السيد جلال، وعقبت حول تفسيرها للنص في خاتمة القراءة، بأنه نص يحتاج إلى وجوه من التفسيرات، وبالفعل نجد بعض النصوص كذلك، كما قيل "تمنع النص متعة المتلقي"، لكن الحقيقة أن تمنع النص متعة القارئ في الأساس، فحينها لا يكون متلقيا بل قارئا يساهم في انتاج الدلالة للنص الأدبي.

وأشير لمقولة مهمة يشتملها الشعار: "التأويل لا التقويل"، حيث التأويل ليس شرطا أن يتفق مع قصدية الشاعر، لكن شرطا أن يكون له ممكناته وشواهده في المتن النصي ذاته، كما أن هذا المعني ينفي الفكرة المشهورة حول "موت المؤلف"، حيث لا تنقطع بنوة النص لمؤلفه، فله قصدية من الكتابة لها الاعتبار، كما أن للتأويلات -لا التقولات- التي تفارق القصدية الأصلية، لها اعتبارها ودليلا على غناء النص، وهذا يهدم مذهب يقول "أن كل قراءة هي إساءة قراءة"، حيث لا يجب أن نَقُول المبدع وهو سلطان نصه ما لم يقله –غضب همنجواي أشد الغضب عندما واجهوة بتقولات كثر حول رمزية السمكة والبحر في روايته الشهيرة "العجوز والبحر"، وقال السمكة هي السمكة والبحر هو البحر- لكن من ناحية أخرى يجب أن يلقي المبدع في خبايا سطرة علامات هادية، ومفاتيح ترشد القارئ لقصدية يراها، ولا بأس من رموز يلتقها القارئ طبقًا لثقافته، يفسر بها تفسيرًا جديدًا للنص، ويضيف إليه، طالما كانت له شواهده النصية، ومنطقه الحكيم، واستدلاله الموفق في تذوق النص.

وفي النص معنا ومع علامته الأولي"أصوات كادت تسقطُ في الخريف" نهتدي أنه ليس نصا وحيد المعني، حيث نجد إبدال مفردة "أصوات" بأصلها "أوراق خريفية"، والأخيرة من طبيعتها أنها تسقط في الخريف، لكن المفردة الأخرى "الأصوات" التي حلت محلها كادت تسقط، أي فارقت تلك الطبيعة (طبيعة الانهيار)، بالتالي ليس هذا إبدالا، حيث للأصوات قدرة علي المقاومة والبقاء، وهنا نجد تحفيز القارئ عبر السؤال لماذا؟، وما الذي جعل الأصوات قادرة على كبح الانهيار والسقوط؟، وهذا لا يمكن الاهتداء إليه إلا بمطالعة النص للوقوف علي حيثيات وتفسيرات هذا جميعة، بالتالي العنوان كان موفقًا في جذبه القارئ للاهتداء لمعالم التجرية الشعرية في القصيدة

تستهل القصيدة ذاتها بضمير الخطاب الموجه لشخصية مؤنسنة من عالم الأشجار"جذوع البساتين"، بما يتفق مع معطي العنوان، حيث الخريف يَجْرِي أثره على البساتين والأشجار، يقول القصيد: "يا جذوعَ البساتينِ / وتيناً وزيتونْ / ليتكُمْ تنظرون إلى العالم ِ/ ليتكم تنظرونْ......! / فنحنُ زهورُ حياتِكم / هكذا نحنُ، / وردٌ رقيقٌ يميلُ إلى / ضحكاتِ الشموسِ الجميلةْ / وفراشٌ يحِنٌ إلى نسماتِ / الهواءِ الطريّ"

كما أن هناك شخص آخر يوجه الحديث من عالم النبات "الزهر / الورد الرقيق" الذي حضر بأوصاف كثر في القصيدة، يحاور الطرف الآخر من أجل هما يسكن ذات هذا الورد الرقيق، يفضي به طالبا "ليتكُمْ تنظرون إلى العالم"، وتبدو خاتمة القصيدة منذرة في إطار هذه المناجاة "أنتُمُ الوائدونْ / ليتكم تفهمونْ...!!". كما أن الخطاب يأتي من الحديث موجها للتراث، أو من الجديد والفروع التي تهمس للجذور.

لكن تحضر "وتيناً وزيتونْ" لتكون مفتاحا من أهم رموز فك تشفير القصيد، وجميل أن دفع به الشاعر في مستهل قصيدته، ليؤطر التلقي ويهدي القراءة. وفي تفسير الطبري للآية الكريمة "والتين والزيتون": "عن سيدنا كعب أنه قال في قول الله تعالى"وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ" قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس"، بالتالي هذا منحي يمكن رسمه والسير في ظلاله لكشف مرامي النص، أنه يهمس بشأن عروبي، وأسي الجيل المعاصر وهو يرجو من آبائه البصيرة بعصرهم، وما ألم به من عواصف ومتغيرات، بحيث يعي الشيوخ، ورواد الفكر، وقطاع النخبة أن الشباب "وردٌ رقيقٌ يميلُ إلى / ضحكاتِ الشموسِ الجميلةْ" ويسرد أن مقولة الصراع بين الشباب والشيوخ أكذوبة، فهما من أصل واحد وشجيرة واحدة، ينتمون لبعضهم البعض، "فنحنُ زهورُ حياتِكم / أنتُمُ الزارعونَ شُجيراتِنا .. في حقول الحياة.... كما أنتُمُ الحاصدونْ"

ويبدو البوح النداء الأخير، والصيحة المنذرة للمآل الكسيف (أنتُمُ الوائدونْ)، وهذا يفسر أنها كادت تسقط في خريف العروبة الداهم، يقول القصيد: " ليتَكُمْ تشعرونْ  !! / ليتكم تعرفون مدى حُلمِنا / أنتُمُ الزارعونَ شُجيراتِنا / في حقول الحياة.... / كما أنتُمُ الحاصدونْ / أنتُمُ الوائدونْ / ليتكم تفهمونْ...!!"

كما يمكن التأويل عبر تبئير أكثر تحديدا حول الصلات بين الأبناء والآباء، وإن كانت تلك الصلات هي جسرًا للشأن العام وصلات الأجيال في النسيج الاجتماعي الشامل.. 

وأيا كانت التأويلات، فالشاعر لا يقدم مذكرة تفسيرية لنصه، بل يدعه –عبر وظيفة اللغة الشاعرة- منبها أن هناك خطر يشملنا ولا مفر منه، فالعالم  يمور بتحديثاته ومذاهبه وأفكاره يقتحم بها علينا سقوف بيتنا وحوائط فكرنا، فماذا نحن فاعلون؟

 

خالد جودة أحمد

 

 

سونيا عبداللطيفللشاعر المغربي حسن إبراهيمي

عنوان المؤَلَّف: كسرة خبز، وقد صدر عن دار المختار للنشر والتوزيع سنة 2018 ووقع تصنيفه تحت جنس شذارات أدبية، الإخراج الفنّي وتصميم الغلاف لسعاد العنابي، ويحتوي على ثمانين صفحة..

ليس بحوزتي الكتاب الورقيّ، لا صورة غلافه، إنّما تمكّنت من الكتاب في ملف أرسله صاحبه لي، وسأحاول تقديمه في قراءة انطباعية من خلال العتبان التالية:

عتبة الإهداء:

نص الإهداء: إلى روح أبي وأمي، إلى رفيقة دربي فتيحة، أم طفليّ فاطمة ويوسف، إلى رشيد ابن أخي، عرفانا لهم بالجميل، وإلى أرواح شهداء القضية بكل الدول العربية.. أهدي هذا العمل المتواضع،.

يضعنا الشاعر في الإطار كي يهيّئنا للولوج إلى مضامين النّصوص وفكّ طلاسم الشذارات، فبهذا الاهداء كأني بالشاعر يصرخ في وجه الطغيان ويحمل هموم الشعوب العربية من قضايا أسرية واجتماعية ووطنية وانسانية.. فالفرد جزء من المجموعة ولا وجود لمجموعة دون تواجد الأفراد.. والوطن هو احتواء لكلّ تلك المجموعات والأفراد.. والأرض هي سكن الإنسان ودونها لا إحساس له بالأمان.. وشأنه شأن الحيوان..

فالإنسان خلق وخلقت معه مشاكله منذ البدء.. وطباعه ومزاجه نتيجة لهذه الخلطات البيئية والطبيعة والجغرافية والأمنية و.. و.. التي أثرت في نفسيّته وسلوكه وعلاقته بالآخر.. (الإنسان، الأرض، الطبيعة، الكائنات،.. ) وطالما لم يلق حلولا لمشاكله في عائلته ومجتمعه ووطنه طالما تكبر به القضية.. والشّعوب برمّتها تتأزّم.. والحياة تفقد طعمها..

فسعادة الإنسان تكمن في سعادة المجموعة، وفي ازدهار ورقيّ البلاد،.. أمّا تعاسة المواطن فهي أيضا مقرونة بتعاسة الوطن والمجموعة.. وظروف البلاد هي الأخرى مرتبطة بالحالة الاجتماعيٍة والاقتصاديّة والثقافيّة والسّياسيّة بها..

لذلك نرى الشّاعر حسن إبراهيمي قد خصّص إهداءه لفئة معيّنة من الأشخاص فذكر أرواح والديه وأرواح شهداء القضية بكل الدّول العربيّة.. فأيّ قضيّة يشير إليها الشّاعر .. يريد الخوض فيها والتّطرق إليها، ويريدنا مقاسمته همومه الوطنية والإنسانية.. ؟

وبما أنّه ذكر عبارة *قضية* فلابدّ أنها المسألة والقضيّة محلّ جدال ونقاش والحلول تكاد تكون معدومة.. فكانت الانتفاضة والثّورة.. ثورة البسطاء من عامة الناس والشعوب المضطهدة المهزوزة في كرامتها.. على الحاكم الجائر والحكم الدكتاتوري.. ونتج عن هذه الانتفاضة سقوط العديد من الضّحايا.. فهم شهداء المقاومة والنّضال من أجل صوت الحقّ والعدالة والمساواة والعيش الكريم، من أجل كسرة الخبز وليس العيش السّعيد والرّغيد..

والشاعر حسن إبراهيمي ليس إلا واحدا من هؤلاء المنتهكين في حقوقهم.. هو فرد من هذا الشعب المغبون.. لذلك هو مهوس بقضايا المجتمع والوطن والإنسان عامة وفي كل الأوطان العربية خاصة..

العتبة الثانية: النّصوص

يكتب الشاعر حسن إبراهيمي شذاراته ناسجا أغاني مخضّبة بدماء الضّعفاء الذين استشهدوا بحثا عن الحريّة والكرامة.. حريّة خضراء.. هكذا جعل حروفها متقطعة تفصلها مقاطع حمراء.. دماء

الأحمر هو الموت، الحرب، العذاب، النار، القتل.. أما الأخضر فهو الحياة والنقاء والصفاء والطبيعة الجميلة والأرض الفيحاء والحرية والأمان.. ويقول عن شذاراته أنها نسجت أغاني العزّة لدماء الشهداء..

يقول ص5:

يستّف الموت إسفلت التاريخ، وبكل أزقة الهزيمة تعوي أشلاء الموتى .. وتتراقص دماء الشهداء.. وبعدما تصرخ تدير الحياة وجهها لبزوغ الفجر.

عدد الشذارات حوالي 300.. منها القصيرة جدا ومنها التي تطول قد يصل عدد أسطرها السبعة والثمانية وقد يبلغ أو يفوق عدد كلماتها 70..

هي شذارات تعانق الفقر، الجوع، المرض، التيه، البكاء، الموت، الدماء، الوطن المسلوب، الشعب المصلوب، الأرض المغتصبة، الطبيعة المسمومة، الظلام..

شذارات *كسرة خبز* هي توسّل وتسوّل، جوع وعويل، موت ونحيب، فقر وتشرد،.. هي نصوص تبحث عن الضياء، عن نور الحق، الذي لا يطلّ من وراء الظلم والقهر، تبحث عن شمس حرية لكنها لا تبزغ، نصوص تبحث عن كسرة خبز، غير أنها لا تعثر إلا على الحجر.. فلا تجد إلا الدموع، ولا تبصر إلا الظلمات..

وهذا ما وقع في الأوطان العربية من جراء جور الحكام، ونهبهم وسلبهم وتفقيرهم لشعوبهم،وثراء أهل العائلة الحاكمة الفاحش.. وهذا أودى بالجنون للشعب.. صار معتوها.. أفراده تجوب الشوارع بحثا عن كسرة خبز..

إن الفقراء يسقون الحقول والأرض بدمائهم ولا يستمتعون بثمار جهود عرقهم فيموتون قهرا وغلبا..

يقول ص 5:

لست سواك يا وطني عانقتك في أفواه المعتوهين.. الفقراء..

شذارات كسرة خبز تروي الحروب التي لا تتوقف وسبّبت في دمار الأرض فهتكت كل ما فيها وعليها فباتت جرداء، جدباء، عاقرا، خوفها من العدو يقول الشاعر ص 5:

"في شوارع الرصاص، انتحرت الأرض رفضا لانجاب مدن جديدة للعدو"

يستعمل الشاعر في كتابة شذاراته أسلوبا فنيا ممتعا ورائعا من خلال الصور المكثّفة والمتنوّعة والعميقة التي يرسمها.. . ومن خلال الغموض.. مستندا إلى الاستعارات والرموز والدلالات بلغة عربية جميلة وغزيرة بالتأويلات والانزياحات..

لقد فصل الشاعر بين الشذارات برموز بمثابة الزّخرفة الخطيّة الجميلة .. ولم يجعل لها عناوين.. ولم يخصّص لكلّ شذرة صفحة بل جعلها مسترسلة في أسطر وفق كتابة نثريّة وحين تنتهي الشّذرة يرسم تلك النّقوش في آخرها ليمرّ إلى التي تليها..

هذه الشذارات عبارة عن صرخات.. شذرات تصرخ حزنا، وجعا، اختناقا، ولا أحد يسمعها..

يقول الشاعر ص 6:

في دماء الشهداء احتشد الوطن .. بجبين كل قطرة تتصبب أحزانا..

تفتكّ كلّ كسرة خبز..

وفي كل نصل يرهج صراخا.

نجد في هذه الشذارات التي يكتبها حسن إبراهيمي أحيانا كثيرا من القسوة والغموض فيلجأ إلى الاستعارات ليعبّر عن سبب ومرجع الوجع الذي يسكنه ولا خلاص منه برغم محاولة التخلص منه ومحاولة سكبه وتبديده..

فتجده يتساءل هل من صباح جديد، تشرق فيه القلوب وتزهر الأوطان.. .. وقد يرجع الأسباب بطريقة غير مباشرة إلى بعض الحكام العرب أصحاب العمامة الذين أكثروا الفساد في الأرض فكان الخزي والعار والسّواد.. فيقول ص 8:

"من سيضيء هذا المصباح؟.. فطيف المرود أرهقه السفر بدون انتصاب.. وعري الهزيمة تدلى في سنين استوطنتها العِمامة"

ويقول إن التاريخ مزبلة للتاريخ بسبب تحريفه وتزييفه دون البحث في المستور ودون التنقيب والتفحيص في الحقيقة..

وكثيرا ما يوظف الشاعر أعضاء الجسد للتعبير عن الاضطهاد مثل ( الجسد،الوجه.. اليد.. الشفتين، العيون.. المعصم،.. ) والصفات التي تتصل بالإنسان مثل: (النظرة، الابتسامة، الخدوش، الحزن.. ) والطبيعة والفصول وبقية المخلوقات (الشمس.. السماء، الليل.. الزمن.. الخريف.. الشجر.)

يقول ص 9:

"اتخذت الشمس من الأشجار مظلات لها.. لمنع الظلال من معرفة كيفية انتشار ضوئها في ميزاب السماء.. "

هي شذرة في منتهى الروعة والبلاغة، بلغة مكثفة تغتزل ما يحدث من نهب في الأوطان وتغطية السرقات بأساليب ملتوية منها الواسطات لمداراة أعمالهم الشنيعة في محاولات تهريب الثروات بطرق خيالية..

ويقول في شذرة جميلة ص 10:

" لا تكفكفوا دموع الخريف.. فالحزن من لم يستأصله يترعرع في عيون الأشجار "

كأنّ الشاعر ينهى عن عدم الصمت والاستسلام للحزن والبكاء فينصح بالبحث عن سبب الوجع ومصدر الحزن لاستئصاله من جذوره حتى لا يتواصل وتتسع هوّته فيكبر ويصبح بؤرة وورما خطيرا في المستقبل..

إلى جانب الاستعارات والتكثيف والصور الشعرية يستعمل الشاعر النقاط بكثرة في شذارته ليمكن المتلقي من فسحة للتأمل والتفكير وليشاركه الحدث فيكمل تلك الفراغات وذلك البياض بحسب رؤيته وفهمه وتأويله للنص..

وقد تناول الشاعر في شذارته العديد من المحاور والمواضيع ولم تغب المرأة في كتاباته، فذكر النساء الكادحات اللواتي يقضين أعمارهن في العمل والكفاح صباحا، مساء، من اجل كسرة الخبز وشيئا من الحليب لعائلاتهنّ، يقول ص 10:

" نساء استيقظن في قاع القمر.. كأوراق نقدية وقفن في رائحة الحليب.. يغزلن بالزمان قطعة بياض.. يغسلن وجه السّماء.. يطاردن خيط دخان.. "

كما استعمل المقابلة والتضاد في الألوان والأشياء والمخلوقات.. (الليل والنهار، الضوء والظلام، الشمس والغيوم، الفجر والمساء.. )

يقول ص 10:

" تقتفي الظلمة أثر ضوء بعد عدم قدرتها على الضياء.. "

كأنه يلمح أن الوطن بات عاجزا عن إنقاذ مواطنيه وبثّ الأمل والحياة فيهم من جديد بسبب كثرة الطغيان وإهمال حقوق الأبرياء والشهداء فتنسى قضاياهم وتطوى مع مرور الأعوام.. وتصير سرابا..

فلا يبقى لدى هؤلاء المساكين سوى الأمل يعيشون به لمواجهة المحن والظلم.. يقول ص 12:

"في السماء تحلق الطيور بحثا عن أثداء الطائرات.. "

هذه الطيور بدل أن تبحث في الأرض عن قوتها نجدها تلاحق سرابا بل عن أثداء من حديد.. فالطائرة هي وسيلة لنقل المسافرين والبضائع ورمز للسفر كما استعملت لتهريب الأرزاق بعيدا عن الوطن وحرمان أصحابها منها ووظفت أيضا في الحروب.. وقد يكون الشاعر يرمز بهذه الطيور التي تلاحق الطائرات بالشباب المقهور الذي يتوق للهرب والهجرة ليبحث عن العمل والقوت في أماكن أخرى..

فكأنما هذه الأوطان لا تزيد شعوبها الفقيرة إلا همّا على همّ (جوع.. ألم.. موت.. ) فبدل محاولة الإنقاذ تضيف لهم الأوجاع وتجلب لهم السموم والمخدرات والحشيش.. وتطعمهم حبوب التنويم للتخدير..

يقول ص 12:

"بعد إصابة الموت بمرض ناولته أقراص نوم للشفاء بدون حمله إلى المستعجلات.. "

وفي ص 13:

" أعارك النوم لأتجنب حلما يرحب به الانتظار"

إن الشاعر يرفض النوم والخلود للراحة خوفا من حلم لا يفرحه بل يرحب به الانتظار فهو يريد حلما جميلا يتحقق لكنه لا يأتيه ولا يزوره حتى في منامه..

وبرغم المقاومة والتحدي للموت وتجاهله يجد الشاعر نفسه مرهقا ومتعبا يغالبه النوم ويداهمه فينسى نضالاته وينام ويستكين غصبا عنه، أليس النوم سلطان؟

يقول ص 13:

* اعتدت أن أتجاهل الموت لكن النوم حين يأتيني أتجاهل نفسي وأنام.. "

النوم يقوده حيث لا يدري وحتى بعدما يستفيق وينقضي النهار فيجد نفسه مازال يركض دون نتيجة، يقول ص 14:

" رفاقي لم أكمل السير وانتهى الأصيل.. "

ويقول معبرا عن قسوة الجوع ص 14:

" تتساقط لوجود ثقب بكف يفصل اليد عن فم يذرف دموعا تخفي ألم الكف الذي أحرقه الرغيف.. "

ويقول في ص 17:

* تتحاشى الشمس المرور منفردة في الظل تجنبا لإصابتها بالسواد.. "

وعن القضية الفلسطينية والقدس المحتلة يرى الشاعر أن باب السلم والصلح مستحيلا لأن العرب عملاء.. ومطبعون.. يقول ص 19:

" تحلق الطيور حاملة قدسا عربيا لسلم أمريكي لن يتحقق إلا في السماء "

فحين يصعب على الحكام العرب حل مشاكلهم وإصلاح اخطائهم يشنون حربا على الضعفاء ويشعلون النار في الأسعار ويكثرون من الغلاء.. وتظل استغاثات الفقراء والمساكين لا تسمع ولا تحرك السواكن فالاذان صماء..

لم يصمت الشاعر فأعلن رفضه أيضا للعادات والتقاليد الباهتة فعبر عن العلاقات بين الجنسين بالحزن والدموع.. كأنه يلمح للزواج المفروض دون حب والذي تكون نهايته الدموع فيقول ص 26:

" بعدما فض الماء بكارتها.. انتفخ بطنها.. انكشفت قصتها.. فإنهمر ت دمعا أمام سلطة الزواج.. "

الشاعر في كسرة خبز في صراع بين المتناقضات تارة نجده متفائلا ويقول ان الامل٥لم ينته وتارة نجده يائسا غارقا عالقا في السواد.. فيقول

"الأمل باق رغم كل الظلمات والأحزان."

*تشرق الشمس خلف صبح يدب بين الأشجار.. "

وفي ص 32:

ترفض الأرض السير في الظلام لترتل للورى تباشير الصباح.. "

وفي ص33:

" رقصة الأفعى غير كافية لاطعام صغار الموت.. "

" الصمت لا يفتح أبواب الجلاء بل سكنته الهزيمة وان الكشف عن ما تخبئه الافواه تكشفه السنين..

وفي ص 36 بعبر في ما معناه أن العمر يمضي ولا ينتظر كالقطار الذي يمر أو يحيد عن سكته في غفلة من السائق والركاب .. " بدون توقف يدهس الزمان أحلامنا كقطار زاغ عن السكة لدون علم السائق وبدون إشعار الركاب. "

وعن كثرة الأحزان في الأرض وفي قلوب الفقراء الجياع تصبح الجروح أيضا لا ترى فيقول ص 41:

"كإبرة وسط التبن يظهر جرحي وسط سواد الزمان"

وعن الحب والخداع يقول ص 45:

" احترس من السقوط اذا تسلقت قلب امرأة جرداء.. "

كما يستعمل الحكم والامثال في شذارته فيقول ص 52:

"إذا كان الستار ناقصا فلنستتر بالعرض فالعري عري العرض " فالشرف هنا له قيمة كبيرة فهو ثياب للتستر..

وكم يحتاج لنور يسطع يحمل فرحا فيقول ص 55:

"انتظر حدثا خارج الزمان.. قد لا يحمل علقما يمتص دم التاريخ.. "

وفي ص 56:

"انتظر قطارا خارج دائرة الزمان.. استقله لأن التاريخ خرّبت عرباته في محطات الأحداث.. "

أختم هذه القراءة المتواضعة لأقول إن شذارات الشاعر حسن إبراهيمي حبلى بالقراءات والتأويلات.. تحمل في طياتها وجعا كبيرا.. حملا ثقيلا.. بسبب كثرة الجوع والتشرد.. والجري والركض في الحياة دون فائدة.. بسبب الاستغلال والغلاء الفاحش لكل موارد الحياة.. فالانسان بات عاجزا عن توفير مستلزمات الحياة الأساسية.. كالماء والغذاء والسكن.. فأصبحت الناس لا قيمة لها.. تبات في الطرقات.. على الأرصفة.. بين المقامات.. يبحثون عن كسرة خبز.. حتى ان كانت يابسة أو ملقاة.. ولا يجدونها.. فهم يموتون شهداء الوطن فداء له بالروح والدم.. فلا يملأ بطنه بالأكل.. بل يعبّئه بالحجر الذي يثقل كاهله.. فيلزمه مكانه ويموت وئيدا ولا من سمع أو رأى..

فهل سيسمع نداء الفقراء.. وهل انتفاضة الشعوب ستأتي بنتيجة.. وهل ستسمع هتافاتهم .. أم مصيرهم الهزيمة كما جاء في اخر شذرة ص 79:

في كل دائرة لعب تتدحرج أوراق الخريف في شوارع الحكايات.. تشيخ في عطر لمشنقة كل هلوسة بالسلم.. تدب في أقانيم العبث.. ترتدي أوسمة الهزيمة في ساحة الغليان.. وتستنهض لعب وطن ثمل في أحضان السفر بالهتاف.. "

اقول.. لكم الله ايتها الشعوب العربية.. فمتى تتحرك في ذويكم الإنسانية ؟

 

الأستاذة سونيا عبد اللطيف

تونس جوان 2021