صادق السامرائيموفق الدين عبداللطيف البغدادي (557 -629) هجرية، عالم موسوعي، مكتشف داء السكر وعلاجه.

وهو عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي أبو محمد موفق الدين الموصلي البغدادي عرف يإبن اللباد وإبن النقطة، كان عالما بالطب والتشريح والكيمياء والنبات والفلك والمنطق، كما كان مؤرخا وجغرافيا وعالما بالحديث والنحو.

ولد في بغداد وجاب مدنا كثيرة طلبا للعلم والعمل ثم عاد إليها وتوفي فيها.

مؤلفاته:

لديه ما يزيد عن مئة مصنف ومنها " المجرد في غريب الحديث، الواضحة في الفاتحة، شرح بانت سعاد، شرح نقد الشعر لقدامة، إختصار كتاب الحيوان للجاحظ، أخبار مصر، إختصار كتاب الأدوية المفردة لإبن وافد، مختصر في الحميات، مقالة في المزاج، البادئ بصناعة الطب، النصيحتين للأطباء والحكماء "، والكثير من مؤلفاته مفقودة.

ومن إنجازاته الطبية إكتشافه (مرض السكر)، وحصر أعراضه السريرية بإسترسال البول وكثرته، والعطش الدائم، والهزال وجفاف البدن، وجعل علاجه بالحمية، والتغذية المقننة والهدوء، وراحة البال والنفس.

فهو رائد مرض السكر، وأول من أشار إليه بعلمية، ووصفه سريريا وإقترح العلاج، الذي لا يزال معتمدا رغم توفر الأدوية، فالحمية من أساسيات علاج مرض السكر.

ولابد من التطرق إلى النزعة الموسوعية، فهو من العلماء الموسوعيين الأذكياء، الذين تفاعلوا مع ما يستجد في الحياة، ووفقا لملاحظاته يُعْمِل عقله ويستنتج ما يراه مناسبا للتصدي والتطور، وحتى أنه كان مهتما بالحمضيات وتطعيمها وإنتاج أصناف جديدة منها.

فهل أن الموسوعية طاقة كامنة في أعماق الجينات البشرية؟

أم أن القدرات العقلية والإدراكية التي يتصف بها أمثاله أكبر من المعارف السائدة في زمانهم؟

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيعاشق السمسمية وأيقونة المقاومة الشعبية:

"غنّي يا سمسمية لرصاص البندقية، ولكل إيد قوية، حاضنة زنودها المدافع، غني لكل دارس، في الجامعة و المدارس، لمجد بلاده حارس، من غدر الصهيونية، غنّي لكل عامل، في الريف وفي المعامل"

كلمات قاوم بها الشاعر محمد أحمد غزالي الشهير بـ«الكابتن غزالي بمشاركة الفدائيين ولاد الأرض بالسويس.

وُلد شاعر المقاومة الشعبية بمدينة السويس في 10 نوفمبر عام 1928، وعمل موظفاً بمديرية الصحة بالسويس.

اكتسب شاعر المقاومة لقب "كابتن غزالي" ﻷنه لم يكن الشعر وحده هو محور حياته، فقد كان شاعرًا ورياضيًا، فكان لاعب مصارعة سابق، وكان يعمل مدرب جمباز بالمحافظة.

كما كان صاحب مَرسم بمدينة السويس، و يُعّد كابتن غزالي المُحافظ على تراث السمسمية بالسويس بعد رائدها الأول الرحّال عبدالله كبربر.

من مؤسسي فرقة "ولاد الأرض"، التي أسسها عقب نكسة 1967 لبث الروح الحماسية الوطنية في نفوس المقاومة الشعبية وقوات الجيش المصري وطلاب الجامعات خلال حرب الاستنزاف وانتصارات أكتوبر، مقدمًا أعماله للجنود في الجبهة ليساعدهم على تحقق النصر.

جاءت فكرة الفرقة بعد أن استقر غزالي بمدينة السويس بعد النكسة ولم يغادرها ضمن التهجير الجماعي للمدينة، ولاحساسه بدوره الوطني المحتم عليه القيام به نحو بلده قام بالمساعدة في تجميع الجنود المشتتتين، وساعد الجرحى، وقام بإيصال الذخائرللجنود؛ وتطوع في المقاومة الشعبية للدفاع عن مدينة السويس.

و كان للفرقة تيمة مُعيّنة لدخولهم في بداية حفلاتهم مُتمثلة في "سقفة الكّف"السويسية مع الكلمات التالية:-

إحنا ولاد الأرض

ولاد مصر العظيمة

تارنا هانخدُه بحرب

للنصر غناوينا

شباب ثوار

ما نسيبش التار

إحنا ولاد الأرض

وضمت الفرقة الخال عبدالرحمن الأبنودي ومحمد حمام والملحنين إبراهيم رجب وحسن نشأت والمطرب محمد العزبي، الذي غني له «والله هترجع تاني لبيتك ولغيطك يا خال»، من تأليف وتلحين غزالي.

الكابتن غزالي ألف ولحن جميع أغاني فرقة "«ولاد الأرض" باستثناء «يا بيوت السويس» للشاعر عبدالرحمن الأبنودي.

وقدم غزالي عددًا من الأغاني على السمسمية كانت تعبر عن حب الوطن والكفاح ضد العدو على شط قناة السويس، ومن أشهرها "فات الكتير يا بلدنا"، والتي لحنها بنفسه وغنتها الفنانة فايدة كامل، وتقول كلماتها:-

فات الكتير يا بلدنا

مبقاش إلا القليل

أنت بترمي بإيديك قنابل

وإحنا إيدينا تزرع سنابل

ياللي قلبوكوا البوم ساكنها

وإحنا في قلوبنا ساكنا البلابل

وإن كان على الأرض هنحميها

وإن كان على بيوتنا هنبنيها

وعضم إخواتنا نلمه نلمه..

نسنه نسنه نعمل منه مدافع وندافع..

وندافع ونجيب النصر هدية لمصر

فات الكتير يا بلدنا مبقاش إلا القليل

وتغنى بمؤلفاتة عدد أخر من المطربين منهم سمير الإسكندراني الذي غنى له  "من برج الحمام بيطل مدفعي"، وأركان فؤاد الذي غني «أغنية "تعظيم سلام".

من أشعاره نقرأ:-

يسعد صباحك يا بلدنا

يسعد مساكم يا حبايب

من طول غيابكم إحنا دبنا

وفي بلد عايشين غريب

نلضم الصبح في مساه

واشتاقنا والله يا حبايب

يسعد صباحك يا سويس

والشمس طالعه بين حطامك

يا أم التاريخ دهب وفضه

للغريب فاتحه بيبانك

يام الولاد واقفين انتباه

اشتاقنا والله

والقلب دايب

مليون سلامة يا قنال

يا بورسعيد...يا سماعيلية

يالي التاريخ حافظ غناكم

عمل.... عرق...... وفدائيه

مهما القدر زاد من اساه

إحنا اكبر من النوايب

أهل القنال اهلي وناسي

الفرقه طالت والحرب اهيه

الوقفه صعبه والمراسي

نسيت غناوي السمسمية

مشتاقه للنصر وغناه

ولبسمه الفجر اللي غايب

وحياة غلاوتك يا سويس

يا بلاطوه يا اسمعلاويه

ح تعودوا تانى للقنال

والبواخر رايحه...... جايه

والولاد تملأ.......الحوارى

والفل يطرح فالخرايب

وأحب أن أقول أنني شرفت بلقاء هذا الرجل الذهبي أكثر من مرة، وجدت فيه الأصالة الحقيقية، والانتماء المتفرد لتراب أرض مصر المحروسة، هذا الرجل الذي تحول إلى مجرد خبر قرأناه اليوم، يقول لنا: رحل عن عالمنا كابتن غزالي، رمز المقاومة الشعبية بالسويس، يوم الأحد 2 إبريل 2017عن عمر يناهز 89 عامًا، بعد صراع مع المرض.!!!

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيأبو زيد بن إسحاق العبادي المعروف بحُنين بن إسحاق العبادي (194 - 260) هجرية، ولد في الحيرة وتوفي في سامراء، عالم لغات ومؤرخ ومتوجم وطبيب، ترجم أعمال جالينوس، وأبقراط، وأرسطو، والعهد القديم من اليونانية.

درس الطب في بغداد، وعينه الخليفة المأمون مسؤولا عن بيت الحكمة وديوان الترجمة.

كان الطبيب الخاص للمتوكل بالله.

إشتهر بمقالاته بطب العيون التي تعد مرجعا أساسيا في هذا التخصص، ولديه أكثر من مئة مؤلَّف.

ومن كتبه: " العشر مقالات في العين، المسائل في العين، تركيب العين، الألوان، تقاسيم علل العين، إختيار أدوية العين، علاج أمراض العين بالحديد، الفصول الإبقراطية، حيلة البرء، القول في حفظ الأسنان وإستصلاحها، التشريع الكبير، مقالة في الآجال، المسائل في الطب للمتعلمين"

كان قريبا من المتوكل وبه إنتهى دور عائلة يختيشوع التي تثار الشكوك حولها، لكن حساده ومناوئيه قد كثروا للمكانة التي يتمتع بها عند المتوكل.

ويُقال أن المأمون إستحضره وكان لايزال صغيرا في السن، وأوكل إليه ترجمة كتب أرسطوطاليس، ومضى في بيت الحكمة ينهل من العلوم التي كانت تفيض في أروقتها.

وهو من أوائل الأطباء العرب المتخصصين بطب العيون، ولمقالاته أثر كبير في تطور هذا الإختصاص، وكان محل ثقة عند الخلفاء الذين عهدوا إليه بالعناية بصحتهم.

ولابد من الذكر هنا، أن الخلفاء يأتمنون صحتهم عند أطبائهم، ويعتبرونهم المسؤولين عن صحة الدولة وعافيتها، لأنها مقرونة بصحة الخليفة وعافيته، ولهذا تكون مكانتهم مرموقة وتأثيرهم كبير في إدارة شؤون الدولة، وعلاقتهم بالخليفة قريبة وخاصة جدا.

فالخليفة يبدو كالأسير عند طبيبه، فالخوف من الموت كان يتملك الخلفاء ويرعبهم، وهم لا يدرون إذا ناموا هل سيصبحون، وإذا مضى يوم هل سيعيشون يوما بعده، فكان الطبيب عندهم عامل طمأنينة وهدوء ومبعث لمشاعر الأمن والأمان.

البعض يرى أنه كان طبيبا للأمين والمأمون وهذا لا يتوافق مع تأريخ ولادته، ويبدو أن المأمون قد إستدعاه بعد أن أمضى في الخلاقةعشرة سنوات أو أقل بقليل، فكان حنين بن إسحاق في مقتبل العمر، أي عمره أقل من العشرين.

وبعض المصادر تشير إلى أنه كان طبيبا للواثق بالله، ويمكن القول وطبيبا (للمعتمد على الله) في السنوات الأربعة الأولى من خلافته، وتوفي في زمنه ودفن في سامراء.

وربما يكون طبيبا للخلفاء الآخرين، كالمنتصر بالله، المستعين بالله، المعتز بالله، والمهتدي بالله، ولا توجد أدلة وافية لتأكيد ذلك، لكنه بقي في سامراء طيلة خلافة المتوكل وحتى وفاته.

 

د. صادق السامرائي

 

 

يسري عبد الغنيالألعاب الإلكترونية المقدمة للأطفال باعتبارها جزءًا من أدب الأطفال، إننا أحيانا كآباء ومقدمي رعاية ننظر للألعاب الإلكترونية كأداة لتسلية الصغار، وبشكل منفصل عن أي قيمة أخلاقية أو فلسفية، وقت يشغل الأطفال الصغار عن الزن والإلحاح، يطلق ضحكاتهم ويسليهم بعيدا عن الآباء المشغولين في شيء ما، ولكن هل هذه الصورة البريئة حقيقية؟ الحقيقة أن لعب الأطفال تحتوى على الكثير والكثير من الخيارات الأخلاقية والفلسفية والتي يتوجب على الطفل إنجازها والتحيّز لها من أجل إتمام اللعبة أو الدخول في مرحلة جديدة، وكمثال يمكننا أن نتحدث عن لعبتي "أسانسز كريد Assassin's Creed[9]"

فاللعبة تدور في حقبة الحملات الصليبية، في الأراضي المقدسة وايطاليا، وفي بيئة إلكترونية مثيرة تحفز على الانغماس، هذه اللعبة أشرف عليها إومبيرتو إيكو- (Umberto Eco) الباحث في تاريخ العصور الوسطى والروائي المشهور من أجل خلق أدوار للاعبين، خلق هذه الأدوار تعني انغماس الأطفال في اتخاذ قرارات أخلاقية ومعقدة ومتعددة المستويات، بالإضافة لاحتواء اللعبة بالطبع على القتل والإعدام والاغتيال وإيذاء أشخاص آخرين والتعذيب.. وبالتالي على البطل/ طفلك في هذه الحال، القيام باختيارات تتعلق بالإيذاء والقتل، وهنا يمكن أن نطرح سؤالا عن أخلاقية إجبار الأطفال - ولو بشكل غير مباشر- على القيام باختيارات أخلاقية والضغط عليهم نفسيًا من أجل اختيار قرار بالقتل أو التدمير فقط لاجتياز مرحلة أو خطوة من اللعبة، خاصة أن انغماس الأطفال في اللعبة يعني فقدان "لحظي" بإحساسهم بوجودهم وتقمص وتلبسّ شخصيات أخرى، هي في الأصل وهمية، فهل ينهمك طفلك في اللعب العنيف بعد إنتهائه من لعبة الملاكمة على الأجهزة الإلكترونية ؟- نعم هذه هي الإجابة.

إننا عندما نتحدث عن الثقافة أو الفلسفة أو الأيدولوجيا التي يمكن أن تحملها أدب الأطفال، لا نقول إنه يجب تقديم أدب أبيض بلا أيدولوجيا، أو أدب بلا فلسفة، فكل ما يقدم للأطفال إنما يتلبّس حتما بروح صاحبه، وقيمه، فحتى لو كان الأدب المكتوب للطفل يدربهم على تحمل المسؤوليّة والقيم الأخلاقية الحميدة وتدريبهم على التفكير والتحليل، من أجل الوصول لوعي أخلاقي - حتى لو كان كذلك- فإن هذا نفسه يحمل موقفا أخلاقيا وفلسفيا، وبهذا فإن المطلوب ليس حجب الفلسفات والثقافة عن الأطفال، بل أن نكون أكثر وعيا بما نقدمه لأطفالنا، ونسأل أنفسنا عن الرسالة الخفية الذي نقدمها بأيدينا لأطفالنا، هل يتوافق معنا؟ مع ثقافتنا؟ ومواقفنا الأخلاقية؟ هل هو ما نرضى عنه أن يشكل أطفالنا؟ هل ما نقدمه لأطفالنا يشكل ضغطا نفسيا لا ينبغي لهم أن يتعرضوا له في هذا السن؟.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

صادق السامرائيتقي الدين أحمد أبو محمد أبو العباس بن علي بن عبدالقادر بن محمد المقريزي (764 - 845) هجرية، ولد وتوفى في القاهرة، وألف العديد من الكتب التي تؤرخ لها بتفاصيل دقيقة.

من أعلام التأريخ والفكر والعقل ووبحث في أصول البشر والديانات وله دراية بمذاهب أهل الكتاب، ولديه ما يربو عن (200) مؤلف، وأستاذه عبدالرحمن بن خلدون، الذي تعلم منه مبادئ علم التأريخ.

تلاميذه:

أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي مؤلف كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الحافظ السخاوي، أبو الفداء قاسم بن فطلوبغا الحنفي

مؤلفاته:

السلوك لمعرفة دول الملوك، إتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الخلفاء، تجريد التوحيد المفيد، عقد جواهر الأسفاط في تأريخ مدينة الفسطاط، الخطط المقريزية، البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب، إغاثة الأمة بكشف الغمة، الإعلام بمن ملك أرض الحبشة في الإسلام، المقفى الكبير، درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة. وغيرها.

وله كتاب " الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك" يبدأه بحجة الوداع، ويمضي في تسطير مَن حج من الخلفاء والملوك والأمراء.

وفي كتاب " إعاثة الأمة بكشف الغمة" تحدث عن المجاعات في مصر وأسبابها ، وبرع بالإشارة إلى الآثار النفسية والإقتصادية الناجمة عن الأوبئة، ويُقال أن إبنته الوحيدة قد ماتت بوباء، فإستثارته الحادثة ليهتم بموضوع الأوبئة.

وفي كتابه " شذور العقود في ذكر النقود" تناول المفاهيم الإقتصادية والنقدية بإقتراب خبير.

وكان فيما يكتبه موضوعيا، يتقصى الحقائق والعلل، والتفاصيل الدقيقة، والتركيز على الموضوع الذي يتصدى له.

علاّمة زمانه الموسوعي، المولع بالتأريخ وكتَبَه وفق منهج علمي تحليلي، وبأسلوب مشوّق وواضح ودقيق التفاصيل والإشارات، وربما يمكن القول بأنه إمتداد لمدرسة إبن خلدون التأريخية، وإتباعه لمنهجه في كتابة التأريخ وبتوسع وتعمّق أكثر، ويُعد من المؤرخين النوابغ الأفذاذ.

"مازال يلهج بالتأريخ يكتبه...حتى رأيناه في التأريخ مكتوبا"

 

د. صادق السامرائي

 

 

يسري عبد الغنيعالم لا يعرف الخرافة--!!!

النصف الأوَّل من القرن الرابع الهجري والنصف الأوَّل من القرن العاشر الميلادي يمثِّله أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت 346هـ / 957م)، فقد كان ملمًّا بكثير من العلوم والثقافات، وقد اشتهر أكثر ما اشتهر في علم الجغرافيا، ويُعَدُّ كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" من أفضل المصنفات العربية الجغرافية التي تناول فيها الكثير من فروع علم الجيولوجيا في ثنايا المعلومات الجغرافية؛ فقد تناول فيه استدارة الأرض وإحاطتها بغلاف جوي، وطبيعة العواصف التي تهُبُّ على الخليج العربي والمناطق المحيطة به، ووصف الأرض والبحار، ومبادئ الأنهار والجبال، ومساحة الأرض، ووصف الزلازل التي حدثت سنة (334هـ/ 945م)، وتحدَّث عن كُرويَّة البحار، وأورد الشواهد على ذلك، ودرس ظاهرة المدِّ والجزر وعَلاقة القمر بذلك، وتحدَّث عن دورة الماء في الطبيعة وتراكم الأملاح في البحر ووصف البراكين الكبريتية في قمم بعض الجبال، كما أورد العلامات التي يُستدَلُّ بها على وجود الماء في باطن الأرض.

كما تناول في كتابه "التنبيه والإشراف" كثيرًا من الجوانب في الجغرافيا البشرية، وذكر أحوال العمران، وهو العلم الذي أسَّسه ورتب قواعده ابن خلدون (ت 808هـ / 1406م).

وبصفة عامَّة فقد أبدع المسلمون في رسم الخرائط والمصوَّرات الجغرافية، وعرفوا كُرويَّة الأرض، وقاسوا أبعادها بدقَّة، خصوصًا أيام المأمون، وحدَّدوا خطوط الطول ودوائر العرض، مُتَّخذِين جزر البليار مبدأ خطوط الطول، وقد ظهرت أبحاث حديثة تقول: إنهم وصلوا عبر بحر الظلمات (الأطلسي) إلى أمريكا قبل كولومبوس بمدة 300 أو 400 سنة!

وقد نشرت صحف البرازيل في سنة 1952م تصريحًا للدكتور جغرز أستاذ العلوم الأثرية الاجتماعية في جامعة "ويتواترستراند" في جمهورية أفريقيا الجنوبية، جاء فيه:

إن كتب التاريخ تُخطئ عندما تنسب اكتشاف أمريكا إلى كريستوف كولومبس؛ ذلك لأن العرب في الواقع هم الذين اكتشفوها قبله بمئات السنين!

وفي عصر المسعودي اشتهر أيضًا الهَمْداني (ت 334 هـ / 945م)، والذي كان له دور لا يخفى في اكتشاف قانون الجاذبية؛ فهو الذي ربط ظاهرة الجاذبية بالأرض التي تجذب الأجسام الصغيرة في كل جهاتها، وأخبر بأن هذا الجذب إنما هو قوَّة طبيعية مركَّزة في الأرض؛ وبهذا المفهوم العلمي يكون الهَمْداني - كما يقول الدكتور أحمد فؤاد باشا - قد أرسى أوَّل حقيقة جزئية في فيزياء ظاهرة الجاذبية، وإن كان لم يقُلْ في النصِّ صراحة أن الأجسام تجذب بعضها بعضًا، وهو المعنى الأساسي الشامل لقانون الجذب العام لنيوتن.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني  

 

 

يسري عبد الغنيمن العواطف التي طبع عليها الإنسان، وأودعها الله تعالى في روحه الميل إليها، وجبله على طلبها في كل زمان ومكان: حب الجمال، والتأثر به، والبحث عنه، والله جل شأنه جميل يحب الجمال، وفعل القبيح والقبح تأباه الفطرة السوية .

والجمال في القديم، وفي الحديث هو شغل الإنسانية الشاغل، والبحث عنه ـ لأسباب كثيرة ـ دائم ومتواصل .

كما أن الجمال نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى التي لا تعد ولا تحصى، بل هو نعمته الكبرى على هذا الوجود، ومن فضل الله على خلقه أن جعل صور الجمال عديدة، وألوانه كثيرة متعددة، فإذا أردنا أن نعرف مدى فضل الله الكريم على هذا الوجود فلنتأمل إبداعه للجمال فيه .

فلنتصور ـ ولو لثوان قليلة ـ خلو الحياة التي نحياها من الجمال !، إن ذلك ـ ولا شك ـ سيكون في نظر كل من له قلب، الفزع الأكبر، والخوف الأعظم، الذي يفقد فيه المرء الحب والأمل، وتلك لحظة من لحظات الضعف التي قد تنتاب الإنسان، فيفقد فيها الإحساس بالجمال، فينطلق بالتحطيم لكل شيء حتى نفسه، والتخريب لكل شيء مهما كان غالياً أو نفيساً، لأن الشعور والإحساس والإدراك والوعي بالجمال، يجعلنا نرى كل شيء في الوجود جميلاً، والعكس صحيح، لأن الجمال هو الحياة التي لها قيمة ولها معنى .

بهذه المقابلة نستطيع معاً أن نقف على قيمة الجمال في الوجود، وندرك أن الإحساس بالجمال معناه السعادة، ومعناه الأمل في القادم بإذن الله، ومعناه الحياة المشرقة المفعمة بالبهجة والخير والسرور .

والجمال سر من أسرار المولى عز وجل، يهبه لمن أحب من عباده، فيضع في قلبه الأمل، وفي نفسه الخير، وفي روحه الصدق، بل يجعله في شوق دائم إلى الحق والعدل والسلام والتسامح والنقاء.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

محمد توفيق علاوياول مسرح أنشأ في العالم كان في بلاد ما بين النهرين (العراق) قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد حيث كشفت التنقيبات عن مسرحين بتصاميم مميزة مكشوفة السقف مستطيلة الشكل بها مداخل خاصة للجمهور ومداخل خاصة للممثلين، كما وجد نصين مسرحيين كاملين احدهما بعنوان (رثاء اور) تعود الى الالف الثالث قبل الميلاد والثانية بعنوان (حوارية  السيد والعبد) يعود إلى الالفية الثانية قبل الميلاد؛

لقد اندثر المسرح العراقي بعد ذلك لاسباب مجهولة ثم برز المسرح الحديث في عام 1889 حيث عرضت مسرحية (نبوخذ نصر) في احدى الكنائس في الموصل.

يوم 27 آذار هو يوم المسرح العالمي، إن أول دولة احق باحياء هذا اليوم هي الدولة الاولى في العالم التي أنشأت المسرح وهي ارض الرافدين، لقد كانت مدينة البصرة هي الرائدة  في احياء هذا اليوم العالمي ولكن للاسف الشديد تم الاكتفاء باحياء هذا اليوم على كلية الفنون الجميلة اما فنانو البصرة فقد رثوا ايام مسرحهم.

لقد اعجبتني كلمة للفنانة المسرحية سحر البصري في قولها (إذا صرخ المسرح سكتت المدافع)؛ لا بد من إعادة إحياء معالم التطور والمدنيّة المتمثلة بإعادة المسرح وبناء دار الاوبرا وهو انعكاس لرقي المجتمعات، وهذا ما سنسعى له بمشيئة الله في تحركنا للنهوض بالبلد تحت مسمى مشروع (المنقذون)، مع وافر تهانينا وتقييمنا للفنانات والفنانين العراقيين في يومهم العالمي للمسرح.

 

محمد توفيق علاوي

هاشم عبود الموسويتتفق كل الاداب في العالم على ان استعمال الاسطورة كأداة للتعبير عما يسمى بالاتجاه العام. فالاسطورة رغم ماتحويه من عنصر الخرافة، مخلوقات غريبة، وقائع مستحيلة، تصبح في مجمل الموقف الذي تعرضه. ومن خلال شخصيات تنوء بمجمل هذا الموقف ، اكثر فعالية في الكشف عن الوضع الانساني واشد ملامسة لاغواء النفس البشرية الاحداث الواقعية اذ يذكر (خلدون الشمعة) في لا مدخل الى مصطلح (الاسطورة بأن الاعتراف بأن المضمون الواقعي لاستبصارات الاسطورة ينطوي على قيمة خاصة). هذة المفارقة لابأس كانت مدركة لدى كتاب العصر الكلاسيكي، وهو ما يفسر اصرارهم على الاستعانة بالاسطورة كمادة لموضوع الشعر. وفيما يخص الشعر الادرامي (التراجيديا) فأن الاسطورة تصبح ضرورة صعب تجاوزها اذ ان فن عرض المأساة ليس في صميمه ، الا فن تصوير مأساة الانصات وقد يقال بأن الخيال هو اقصر الطرق التي يمكن ان تؤدي الى الحقيقة.

 

د. هاشم عبود الموسوي

 

محمود محمد عليفي الحادي والعشرين من شهر مارس الجاري احتفلنا في مصر بعيد الأم،، حيث يلتف الأولاد حول "ست الحبايب" فى المنازل لتقديم الهدايا، فى انتظار دعوات خالصة من الأمهات، بالصحة والستر وراحة البال؛ وهذا المشهد المألوف فى جميع منازلنا المصرية، محرومة منه بعض السيدات، اللاتى يقبعن خلف أسوار السجون، بتهمة الفقر، سيدات يعرفن هناك بـ"الغارمات"، لم يقتلن أو يسرقن أو يتاجرن فى المخدرات، وإنما دفعتهن الحاجة و"العوز" إلى مد أيدهن للغير للاقتراض، والتوقيع على إيصالات أمانة بمبالغ أضعاف ما حصلن عليه، وما أن حل موعد السداد وعجزن على الإيفاء بالأموال، وجدن أنفسهن خلف أسوار السجون.

ولهذا العيد قصة، فقد جاءت أم تشكو عقوق ابنائها وقد مات زوجها وهم صغار وربتهم ولم يدركوا ما عانته في تربيتهم وكيف عملت في أكثر الأعمال الدنيا والبسيطة حتي تربيهم وظلت تحكي قصتها لأستاذنا علي أمين وتبكي، فقال لها سوف أكتب مقالاً أعنفهم فيه واشرح لهم كيف أن امهم تعبت معهم وانهم أبناء عاقون، سوف أكتب عنهم بالاسم ليعرف من حولهم عقوقهم وأنهم لا يستحقون الاحترام ولا التعاطف ولا الشهادات العالية والمهن الراقية التي يعملون بها فصرخت رافضة أن يذكر أسماءهم لأن ذلك سيفضحهم وهي لا تريد ذلك. وعندما طالبها بأن تقترح نوع العقاب.. فرفضت كل اشكال العقاب فقالت له أن ذلك مجرد "فضفضة" وأنها لا تريد منه أن يكتب عن أولادها ما يسئ إليهم. وبعد أن سمعت تلك الحكاية من الاستاذ علي أمين تعجبت من تضحية تلك الأم. وقد جاءت فكرة عيد الأم للأستاذ علي أمين وأن يكون أول أيام فصل الربيع حيث التفتح والعطاء في كل مظاهر الحياة .

وفكرة عيد الأم تعول علي أن الله تعالى كرَّم الوالدين تكريمًا خاصًّا باعتبارهما مظهرًا كونيًّا تتجلى فيه صفة الإيجاد والخلق للإنسان واستمرار وجوده، وعلى ذلك تقوم العلاقة بين الولد ووالديه على الإنسانية المَحْضَة، فلا يوجد نظامٌ اجتماعي عبر التاريخ لم يتمسك بهذه القيمة النبيلة، فضلًا عن أن تكون مسألةً تحث عليها الأديان والشرائع.

ولهذا أوجب اللهُ تعالى ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم على الأبناء بِرَّ الوالدين وإظهار كل ما يصدق فيه الإحسان من الأقوال والأفعال والبذل والمواساة عند التعامل معهما بعد الأمر بإفراده بالعبادة وصدق التوجه إلى حضرة قدسه، فقال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا) [الإسراء: 23-24].

عيد الأم يوم من الأيام التي تستأهل توقفا من جيل غابت عنه الفكرة، وأضاع المعني الكامن في الفكرة، واستهان باللفتة، وأشاح بوجهه لاهيا، وطفق يلهو ويتلهي، ونسي او تناسي أمه، قبر يلمه، ولم يجلس تحت قدميها، ولم يطعمها بيديه، ولم يقبل رأسها، ونسي نفسه ونسيها، صار نسيا منسيا، وأمه هي نفسه المعذبة التي تاهت منه في الزحام.

الأم، نبع دائم وفيض جارف من الرحمة، تعطي فتحسن، عطاء متميزاً لا يضاهيها فيه أحد، إنها الخير الذي لا ينقضي والنبع الذي لا ينضب، وهي التي إذا هزت مهد أبنها بيمينها فإنها تهز العالم بشمالها، فكل أم مهما كان شأنها اعطت وضحت وكانت أيامها مشقة وعناء في إعداد أجيال سوية صالحة، بدون انقطاع وحتى آخر يوم من حياتها يتواصل عطاؤها وتضحيتها دون نضوب ولا كلل، الأم قدوة جعل الله برها من أصول الفضائل وجعل حقها أوكد من حق الأب لما تحملته من مشاق الحمل والوضع والإرضاع والتربية.

إن قيام الأم بتربية أولادها وخدمة زوجها وإدارة شؤون البيت يرقيها إلى أعلى الدرجات وعملها الصالح يعادل جهاد الرجال في المعارك وثواب صلاة الجمعة في المساجد؛ فالأم رمز خالد لأن مشاعر الأمومة لا تتغير طبيعتها، ومهما كبر ابناؤها وتزوجوا وانجبوا لها الأحفاد تظل الأم أما وتبقى مشاعر الحنان والحب والإيثار والاهتمام مختزنة في صدرها، لا تؤثر عليها تراكمات السنين وثقل الشيخوخة  أو العوامل اليومية بتعقيداتها التي تمر بها فلن يكون عبئا على كاهلها إن هي سعت وبكل الطرق كي تقدم ما يمكنها تقديمه دون تردد ولوحت على حساب راحتها وسعادتها فقط من أجل أن تلمح الابتسامة مرسومة على محيا أبنائها فتسعد بذلك لسعادتها، لن يكون كثيرا عليها بذل ما تبقى لها من جهد أو طاقة أو مال، رغم ما قد يكون بها من خصاصة من أجل كفكة دموع أحدهم ومسح همومهم التي تعتري مسار رحلتهم في هذه الدنيا الواسعة، فيا لرحمة الله تعالى الذي أنساها متاعبها في الحمل بشوقها إلى رؤية وليدها بين ذراعيها، واستعذبت الأم الوسع رجاء أن تنعم مبن يدفئه صدرها وترعاه في رفق عيناها ولا يغيب لحظة عن قلبها هو منها وبها، تسهر لسهره سعيدة راضية ترعى منامه حانية قريرة العين، لا تمله وأن أملها أو أذاها ولا تضيق به وأن اتعبها وأشفاها، لأنها سر وجوده، نور حياته، جاور قلبها تسعة أشهر وعاش فيه ما قدر الله لها أن تعيش، يشغل يقظتها ومنامها، وهي نفسها من يتسع له صدرها إذا ضاقت به الدنيا، والمأوى الآمن إذا الدهر يوما عاداه، عاطفتها .

نعمة عظيمة لا يستنكف عن سكرها العظماء، وهي الجنة لا يحظى بها إلا الأبرار والسعداء، هي الأحق بالصحبة والرعاية، وهي الأولى بالرب والعناية وما طمع فيه الأبناء بالأمس من بالغ عطفها، وعامر حنانها ليس له مثيل سوى أن تصان حرمتها في كربها، يطلب رضاها الجميع، وبرها خير ما يتقرب به إلى المولى عز وجل، أن ابتسامة عند لقاء الأم، أو كلمة طيبة، تدخل السعادة إلى قلبها أو قبلة حانية تطبعها على جبينها ويديها أعمال جليلة عظيمة لا يحيط بثوابها إلا الله سبحانه وتعالى، كما لا يقدرها حق التقدير إلا كل بار يدرك أنه لولاها ما كان هو، ً ولولا رعايتها ما استوى، والذي يعي تمام الوعى أن الأم التي استهلكت شبابها ليسري وليدها شابا عفيا، استنفذت قواها ليقوى هو وتعبت هي ليستريح وسهرت الليالي لينام ومل تسعد إلا إذا سعد ولا تسبع إلا إذا شبع.

وما نود أن نؤكد عليه أن تكريم الأمومة والاحتفاء بها إنما هو بتكريم المعاني النبيلة التي تتمثل في كل أم فاضلة تسير علي هدي الفطرة الإنسانية السليمة وتقوم بواجباتها نحو أسرتها وأبنائها وتؤدي هذه الحق بأمانة وإخلاص.. ان عاطفة الأمومة هي أعمق العواطف وأسماها.. إنها فريدة في نقائها وعمقها وصفائها.. إنها أصل كل ما في الدنيا من خير وبر ورحمة.. إنها نهاية الكمال لأنها منزهة عن كل هوي.. إنها قوية كالحق ونقية كالخير.

جاء رجل إلي رسول الله فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟

قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك.. قال: ثم من؟ قال: أمك.. قال: ثم من؟ قال أبوك.. وجاءه رجل يسأله عن بره بأمه وكيف أنه أدى مناسك الحج وهو يحملها على كتفيه هل يكون بذلك قد وفاها حقها فقال صلى الله عليه وسلم: لا ولو بطلقة من طلقات الولادة، وقد قيل قديما "الجنة تحت أقدام الأمهات" ولا يختلف أحد على ذلك لكن في زمننا هذا صار الاحتفال بعيد الأم تقليدًا نتبعه بعد أن أقرته الأعراف..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........

1- د/ شوقى علام: يوم الأم.. مقال منشور .

2- نعم الباز: عيد الأم.. له حكاية.. مقال منشور.

3- حمدى رزق: عيدٌ الأم.. بِأَيةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ.. مقال منشور.

4- محمود عبد الراضى: فكوا كرب الغارمات قبل عيد الأم.. مقال منشور.

5-صبحة بغورة: كل سنة وأنت طيبة يا أمي، الأمن والحياة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، مج33 ,ع3، 2014، من 385-387.

6- محمد عمارة: عيد الأم.. تكريم للمعاني النبيلة.. مقال منشور.

7- محمود فتحى: مأساة عيد الأم.. مقال منشور.

 

 

يسري عبد الغنيعاب الكثير من النقاد على الشاعر المصري الرومانسي ابراهيم ناجي أنه كان منصب تركيزه على الشعر العاطفي الرومانسي وقصائد الهجر هي أغلب ما تركه للأجيال، غير أن هناك رأي آخر يرى أن الشاعر من جهة لم تجمع كل قصائده فإنتاجه الحقيقي أكبر من الدواوين القليلة المجمعة ولم يكن يهتم بحفظ شعره الذي ألقاه في العديد من المناسبات والدليل على هذا كشف الأستاذ حسن توفيق للعديد من القصائد المجهولة للشاعر بإصدار الأعمال الشعرية الكاملة، ومن جهة أخرى فهناك العديد من القصائد التي تبرهن على حبه لأمته العربية، ومن الفريق الأول الدكتور والأديب محمد مندور بقوله "قد أوشك معظم شعره أن يصبح قصيدة غرام متصلةٍ وإن تعدّدت أحداثها وتنوّعت أنغامها"، ومن الفريق الثاني الدكتور طه وادي الذي رأى بأن قصيدة "ليالي القاهرة" نوعٍ الغَزِل العجيب لحبٍّ آخر وحبيبةٍ أخرى، وأنّه غزلٌ في حبّ مصر، وحسرةٌ على ما أُصيبتْ به من عدم القدرة على قهر أعدائها، كذا الأستاذ الناقد مصطفى يعقوب عبد النبي والذي برر الأمر بكثرة القصائد المجهولة لناجي. ومنها قصيدة بعنوان "المجد الحي" ضمن كتاب "أدب العروبة" الذي أصدرته جماعة أدباء العروبة وهي جماعة أدبية ترأسها الوزير الأديب إبراهيم الدسوقي أباظة ومنها

يا أمّة نبتتْ فيها البطولاتُ     لا مصر هانت ولا الأبطال ماتوا

ويدل أيضا على ذلك قصيدته المنشورة ضمن "المجلّة الطبية المصرية" عام 1937 ضمن رصد وقائع المؤتمر الطبّي التاسع الذي حضره عددٌ من الوفود الطبيّة العربيّة ومنهم إبراهيم ناجي قال فيها:

يا شاعرَ الوادي وغرّيد الرّبى    قُلْ للضيوفِ تحيّةً وسلاما

مصرالعريقُ وفادُها حفَظْتُ لكُم َ هْداً على طُول المَدى وزِمَاما

لستُمْ بها غُرَباءَ، أَنْتُمْ أَهْلُها أَنّى حَللَتُم تَنّزِلُون كِراما

ومنها أيضا:

الشّرْقُ مَهْدٌ للنبوغِ ومَوْلدٌ للمجْدِ فيه رَبَا وشَبّ غُلاما

زَكَت النبوّة في حِمَاهُ ورعْرعتْ وتألّقت كالفرقديّنِ نِظَاما

مُوسى الذي شَقّ العُبابَ وفجّر الصخّر العنيدَ سواكباً تترامى

عيسى الذي فدّى الوجودَ وعلم الغفّران والإحسانَ والإكراما

ومحمّدٌ يَكْفيكَ أنّ محمّداَ بيّن البريّةِ أَوْجَدَ الإسلاما

هذا هو الشّرْقُ العظيم لم يَزَلْ نوراً لمن رَام الهدى وإماما

ومن قصيدة بعنوان مصر يفتتحها بقوله:

أجل إن ذا يوم لمن يفتدي مصرا فمصر هي المحراب والجنة الكبرى

أجل عن ماء النيل قد مر طعمه تناوشه الفتاك لم يدعو شبرا

فهلا وقفتم دونها تمنحوها أكفاً كماء المزن تمطر خيرا

سلاما شباب النيل في كل موقف على الدهر يجني المجد أو يجلب الفخرا

تعالوا فقد حانت أمور عظيمة فلا كان منا غافل يصم العصرا

شباب نزلنا حومة المجد كلنا ومن يغتدي للنصر ينتزع النصرا

***

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

 

ذكرى البياتي صديقي أقول لك أنا

تروقني الأشياء المستحيلة دائماً، والتي تجلب معها مقدار صدق الأصدقاء الأوفياء، وقوة الحب التي تكمن في قلب كل منا

الحب الذي ليس من أول صفعه يا صديقتي قدر يغادر الحب الذي نمشي اليه، مهما رفضت الأيام وجودنا معاً

دائماً أرى الحب في قلوب الكثير من الاشياء والمواقف التي لا تتخطاها يد واحدة بل يد بيد  ياصديقي مع من نحب.

فمازال منظر الرجل في عمر عدى الستين ممسكاً بيد زوجته لا يسبقها خطوة، دائماً هكذا جنبا الى جنب متوازيين في هذا العمر الطويل من الأشياء الحلوة والمرة التي عاشاها معاً، يعاملها كانها فتاة في بداية الثلاثين مدللة

كم أرسم خيالاً كهذا كل ليلة، وأنا أردد الحب يجب أن يكون

هكذا أن نهزم معاً مع كل ذكرى ستكون منذ لقائنا الأول ونظرتنا الأولى خفقة القلب أرتباكنا، أشتقنا لصوت قلوبنا،صمت السنتنا ،

ونظل واقعين في غرام هذا اليوم للأبد، أمنية لوجود هذا الحب

سأحضى بك وأن كنت على هامش الحياة ونضحك كثيرا .

لأخبرك بمشاغباتي وثرثرتي وحديثي عنك مع رفيقاتي رغم جهلي بك ومن تكون

وأخبرك كيف أحدث ربي عنك،  وأنا استودعك آياه كل يوم

فطريق المحبين بالصبر يبنى معاً

أنا أعلم إننا سنمر بأوجاع لكل شئ،  وضعت دعاء مننذ الان

سأنتظرك لكي أقص لك ذلك وأنا على يقين،

لا أعلم من هو ولكن اللهم استودعتك اياه وقلبه حتى القاه .

***

ذكرى البياتي

 

جمال العتابيإذا كانت حيوات مئات المبدعين الراحلين لم تأخذ سبيلها للتسجيل الصوري الحي، أو حتى الصوتي الشائع، فأن المؤسسات الثقافية والفنية قد سجّلت على نفسها شهادة تقصير بحق الأحياء منهم على الأقل، إذ لم تستدرك حتى الآن خطأها الجسيم في هدر كل ذاك التاريخ الذاهب إلى مقابر النسيان.

إن مبدعاً مدعواً للحياة من جديد في مدى الصورة المرئية والمسموعة، سيعانق دون شك أفقين في آن واحد، أفق الآخر، وأفقه هو بالذات، فيما يصبح ساكناً لحيز حياتي جديد، متخطياً الأبعاد، محرراً من القياس الذي تحتويه كل المسافات، ذلك لأنه ينتقل إلينا، ويديم حياته بيننا، ويأتي ليلتقي بنا دون أن يحجبه عامل الزمن أو يغيبه النسيان، وهكذا يعيش تاريخنا الثقافي والفني المشترك، كما لو كان نبضة حيّة في وحدة الوجود.

وإذا كنا ندرك الآن بأن منطق الحياة في هذا العصر، أصبح يتخطانا ليس بالزمن وحده، وإنما بكل التراكم الكمي لمبتدعات العلم والتكنولوجيا، فأن مراسم العزاء لم تعد قادرة على إحياء ذِكر من تقام لأجلهم بحكم العادة، كما انها لاترفع عنا طائلة الذنوب بحق من عاشوا بيننا دونما قدر من عناية ورعاية وتعاطف، ولو كان على  المبدع الراحل أن يجرح إحساسنا بلسان صمته الأبدي، لأسمعنا مرّ العتاب على حياة قضاها بيننا، فلم يجز فيها مستراحاً من صراع، أو مزاحمة في رزق، أو حسد على كسب، أو وظيفة، أو متاع، وهي صورة تقلب النفاق الإجتماعي إلى ما يشبه المساءلة عما يمكن أن يجابه به من رد أخلاقي تكفله القوانين وليس الأعراف.

مثل هذه الظاهرة لابد أن تدرس بعناية تامة، وبروح مدركة لأهمية الثقافة في المجتمع، ليصار في النهاية الى تشخيص أسبابها، وم ثم إزالة الأسباب بتشريعات تنظم العلاقات وترعى الحقوق، وتكفل الحد المناسب لحياة كريمة تحرر المبدع من مذلّة السؤال والفاقة والعوز، بعيداً عن مزاجيات من لا زالوا يعيشون تحت خيمة القبيلة، تحلّل وتحرّم وفق مصالحها، تزيّف الوعي الإنساني، وتنسف الأثر الحضاري، بذهنيتها المتخلفة الجاهلة.

من غيض ذلك الفيض، صور الاصدقاء المبدعين عاطري الذكر، شفيق، وبسام، وصلاح، وآشتي، وغيرهم كثرٌ، هؤلاء كانوا ينتشرون كأرج الورد، إبداعاً، وعملاً، وأصلاً ومعرفة، وقلوباً مفعمة بالحب يتسع لكل الناس، كانوا يكتبون ويرسمون، دون أن يضعوا حدوداً فاصلة بين الناس، لكنهم رحلوا بصمت، بعد أن تقطعت قلوبهم حسرات على أمنيات عزيزة لم تتحقق. في ٱن يصبح الإبداع موقع تشريف، لا سوق مهانة، وإذا كان الكلمة الطيبة ٱن تعطي شيئاً مهماً في هذا المجال فأنها ستفقد صدقها  ومعناها إذا  كانت دون رصيد أخلاقي ومادي.

 

جمال العتّابي

 

 

هاشم عبود الموسويلم تظهر فكرة اللاشعور إلا حديثا، وعلى العكس من ذلك، نجد القول بان الشاعر يسيطر على نفسه، والفنان الموهوب فكرة قديمة، قِدَم الدنيا. فهو في ساعات معينة لا يُسيطر على نفسه، ويلوح كما لوكانت فد استولت عليه قوة ما، ورفعته فوق ذاته و أصبح فريسة للحماسة والغيبوبة والنشوة.وتصبح الكلمات التي ينطق بها، و الأعمال التي يعدها في حالته هذه غير صادرة عنه، بل مما هو هو أعلى وأكبر منه .

أليس من المفيد أن نذكر بان مشاهير الحضارة اللاتينية القدماء يعتقدون بأنهم يقدمون للناس نداء الاآلهة و يتصلون بها ..

 هناك تقليد آخر لا يقل عن هذا قدما وتأكيدا، ويجري التعبير عنه بأمثلة سائرة كهذه: العبقرية صبرٌ طويل الأمد .. أو .. عمر الفن مديد والحياة قصيرة’، ودواوين"فن الشعر" ـ:{تكرر تعاليم "هوباس وباولو" بعد أن تعكسها فيقول:

ضع عمك الفني مائة مرة على آلة النسيج، وفي مثل هذه الأحوال يظهر العمل الفي، لا كهدية تهبط من السماء،بل كثمرة جهاد مرير وعمل متواصل وهكذا يحل "الشاعر العاقل" محل الشاعر الملهم، ولا يصبح؛ الفنان موهوبا تفضله الآلهة أو ربات الشعر، على غيره، بل عاملا كاداحا صانعا ماهرا .

إن هذين التقليدين في الحقيقة يتصفان بالتكامل اكثر مما يتصفان بالتناقض. فإذا تركنا جانبا و مؤقتا تلك الناحية التي تكاد تكون "دينية" فيهما،لرأينا أن الفنان في آن واحد ملهم وصانع ماهر.. ولوجدنا أن الوحي يدفع بالعمل و ُبضفي عليه خصبه، ويشير إليه أحيانا.

 

هاشم عبود الموسوي

حسني التهامياستخدم هذه التقنيةَ الشاعرُ يوسا بوسون Yusa Buson بشكل مُكثف، وساعده على التمكن فيها قدرتُه الفنيةُ كرسامٍ متميزٍ يعتمدُ على حدسه في التقاط المشاهد الحسية. في السطر الأول تكون عدسةُ الشاعر واسعةَ الزوايا وهو يطلُ على العالم، ثم ينتقل إلى العدسة العادية في السطرِ الثاني، وفي النهاية تضيقُ زوايا العدسة أكثرَ فأكثر لتكونَ اللقطةُ أكثر اقترابا من الحدث. مثالُ ذلك نص من أعمال بوسون.

السماءُ بأكملِها

في حقلٍ شاسعٍ

زهرةُ توليب

نماذج مختارة من هايكو مصر:

-1-

أسراب طير

على سلك الكهرباء

غراب.

(البشير بن طاهر)

(2)

صباح ربيعي

على السياج الشائك-

زهرة منزوية

(فتيحة فهيم)

(3)

شقيقة النعمان؛

على البقعة السوداء

دُعْسوقَة !

(على أخشاب)

(4)

بحرٌ هائجٌ

على صخرة ظاهرة

قضمة أمواجٍ

(ليلى برني)

(5)

هجرة الطيور-

من الطائرة يقفز

مظلي

(فايزة.فوز)

(6)

شلال متدفق

من أعلى الجبل

قطرة ماء

خديجة احمد احمد))

(7)

حقل الزيتون

على غصن متهدل

عش فارغ

(خلود مكارم)

(8)

ليلة شبه حالكة

على قمة الجبل

تلمع نجمة

(شكيب المودن)

(9)

شامات متناثرة؛

فوق السرة

وشم فراشة !

(حربة الحصري)

(10)

سطح البحيرة

بين الغصن وظله

عبور فراشة

(فراشة دمشقية)

(11)

صحراء ممتدة

ملامح الواحة

نخلة وحيدة!

(أريج الحروف)

(12)

ليل بهيم،

في قمر البحيرة

يغطس علجوم !

(لخذاري عيسى)

(13)

سماء ممتدة

وراء الغيمات العابرة

مطر .

(فريدة المسعود)

(14)

أفق

يحجب الغروب

شراع زورق

(Hanan Jai)

(15)

صَفْصافَة ؛

وَرَقَةٌ جَافَّة مُعَلَّقَة

بِغَزْلِ عَنْكَبُوت.

توفيق أبو خميس

(16)

ظلال الدالية

على خد الحسناء؛

رقائق ذهبية..

(حسام الدين قوادري)

(17)

حقل القصب

بين الأفرع الطرية

يكثر الذباب

(احمد العباسي)

(18)

حقول القمح

في كف الفلاح

يتوارى الهلال

(عبدو الأسمر)

(19)

ساحة المعبد

يتدافع اليمام

نحو صحن الأرز

(عايدة تحبسم)

(20)

حقل ألغام ....

بين الأسلاك الشائكة

قدم مبتورة

(زهدي الزمر)

-21-

أفقٌ ضبابيٌ

ما بينَ المَعبدِ والحانةِ

يَتنقلُ عُصفور

(حسني التهامي)

 

 

صادق السامرائيالجاهلون بتراث الأمة يحسبون الكلام في موضوعات الجنس من المحرمات والمنكرات، بينما الواقع التراثي يشير إلى العديد من المؤلفات، التي سبقت عصرها في مواضيع جنسية متنوعة، ومتفوقة على ما تتحدث به الناس في المجتمعات المعاصرة.

سيتعجب مَن يتعجب من هذا الكلام، وهذه بعض الكتب التي تناولت الجنس في تراثنا ومنها:

من الكتب المنسوبة للسيوطي (849 - 911) هجرية : "رشف الزلال من السحر الحلال، ضوء الصباح في لغات النكاح، الإفصاح في أسماء النكاح، البواقيت الثمينة في صفات السمينة، مباسم الملاح ومباسم الصباح في مواسم النكاح، الإيضاح في أسرار النكاح، الأيك في معرفة النيك، نواضر الأيك  في نوادر النيك، شقائق الأترنج في رقائق الغنج، نزهة العمر في التفضيل بين البيض والسود والسمر، الوشاح في فوائد النكاح، الإيضاح في أسرار النكاح"

ومن الكتب الأخرى في التراث لمؤلفين آخرين: "الباه للرازي، حديث الباه لمرطوس الرومي، بردان وحباحب لأبي حسان الكبير، السحاقات والبغائين لأبي العبس، العرس والعرائس للجاحظ، القيان لإبن حاجب النعمان، الروض العاطر في نزهة الخاطر للنفزاوي، وغيرها العديد من الكتب التراثية الأخرى التي تتناول المواضيع الجنسية بتفاصيل مسهبة.

وذكر إبن النديم (73) كتابا تتناول المواضيع الجنسية، ويمكن البحث في كتب التراث والكشف عن هذه الكنوز، التي يتم التعمية عليها وحجبها، لإيهام الأجيال بما يشتهي المتاجرون بالرؤى والأفكار والعقائد.

إن المطلعين على تراث الأمة يقفون مبهورين أمام هذه الحرية في التعبير عن الموضوعات الجنسية، فالجنس كالملح في الكتب التراثية والأدبية، ومن المراجع المختصة بالجنس " الروض العاطر في نزهة الخاطر "، "رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه"، " متعة النفوس ونزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب"، "تحفة العروس ومتعة النفوس".

كلها كتب جريئة وصريحة الوصف والتعبير، في زمان لدينا عنه تصورات أخرى، ويعجز أي كاتب معاصر أن يأتي ببعض كلمات مما كتبوه، لأن الدنيا ستقام عليه.

المتشددون من أدعياء المعارف، يتهمون الذين يذكرون كلمة جنس بالفسق والإلحاد والزندقة، وبأنهم يريدون إفساد المجتمع، ويتصورون الأخلاق حسب ما تشتهي أنفسهم.

فكيف يا ترى يمكننا تفسير الضجة التي أحدثتها كاتبة تناولت هذه المواضيع بتحفظ، بالقياس لما موجود بكتب التراث، فهل أن كتب التراث مختلقة ومزيفة؟

وهل نحن من الجاهلين؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

يسري عبد الغنيفي كلّ حقبة وعصر كانت توجد في العالم الإسلامي جماعات إرهابية. ففي القرن الثاني عشر شكّل الحشاشون واحدة من هذه الجماعات الإرهابية، أمَّا في يومنا هذا فإنَّ من يمثّلها هم تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وأتباعهما . صحيح أنَّ هذه الجماعات كانت ولا تزال خطيرة، ولكن لم تنشأ عنها حركات جماهيرية، بل على العكس من ذلك. وكذلك لقد تمكّن العرب المسلمون من فتح بلاد الشام في القرن السابع ومن دون قتال تقريبًا، وذلك فقط لأنَّ المسيحيين الشرقيين الذين كانوا يقيمون هناك قد رحّبوا بهم كمحرّرين لهم من قمع كنيسة الدولة البيزنطية.

قبل مائتي عام على وجه التحديد بدأ الشاعر الألماني يوهان فولفجانغ فون جوته قراءة "ديوان" الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي. وبعد خمسة أعوام أضاف من خلال ديوانه "الديوان الغربي والشرقي" أثرًا باقيًا للشرق الإسلامي. لقد كان غوته معجبًا بالأسلوب الليبرالي لدى الشاعر حافظ في تطبيق الإسلام. فهذا الشاعر صاحب الفكر الحرّ لم يستلهم أي شيء قطّ من "الإسلام الشمولي".

لقد وضع الباحث الألماني المختص في الدراسات الإسلامية والمقيم في مدينة مونستر الألمانية توماس باور مصطلح "التسامح الغامض" لعصر الإسلام الكلاسيكي الذي يتبناه الشاعر حافظ، أي القرون الممتدّة بين فجر الإسلام والحداثة. إذ لم يكن تنوّع المذاهب والاتّجاهات، مثلاً في تفسير القرآن الكريم، وكذلك الغموض الذي كان يجيد استخدامه الشاعر حافظ الشيرازي، مصدر إزعاج، بل لقد كانت جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية. ولم يقضي المسلمون على هذا الغموض إلاَّ في أثناء عملية تحديثهم. فمن خلال المواجهة اليومية مع الغرب المتفوّق ظهرت الحاجة إلى تلك الحقيقة الدامغة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

ضياء نافعلازلت اتذكّر قهقهات طلبتي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد وتعليقاتهم، عندما كنت أقرأ لهم (ضمن مادة النصوص الادبية) مقاطع  من هذا العمل الابداعي المتميّز لغوغول، واحاول ان اجعلهم يساهمون معي بترجمة تلك المقاطع الى العربية، وعندما وصلنا الى المقطع الذي يصف فيه غوغول كيف وجد أحد ابطاله (أنف زبونه في قطعة الخبز)، فاذا  بواحدة من الطالبات (التي كانت بالكاد تحاول ان تسيطر على ضحكها)  تسأل – همسا - زميلتها (وبلهجتها العراقية الجميلة) – (.. شنو غوغول جان مخبّل؟)، اي، هل  كان غوغول مجنونا؟ ولم تجرأ هذه الطالبة طبعا ان تطرح عليّ هذا السؤال، أما أنا، فقد تغاضيت عن ذلك، واستمر الدرس وكأنني لم اسمع تلك الهمسات، وانا احاول ايضا ان اكتم ضحكي، ونسيت الامر بعدئذ كليّا، ولكنني تذكرت (همس طالبتي!) الان، وبعد مرور أكثر من ربع قرن، عندما قرأت ما كتبه الصحافي محمد حسن المرزوقي بمقالته بعنوان – (أنف غوغول) في صحيفة (الامارات اليوم) حول انطباعاته بشأن رواية غوغول القصيرة  - (الانف)، فهو يقول – (...لو أردت ان أصف غوغول ..بكلمة، فلن أجد أفضل من كلمة مجنون ..)، اي انه كرر واقعيا استنتاج طالبتي آنذاك في تلك السنين الخوالي حول جنون هذا الكاتب، الذي كتب لنا (الانف)، الا ان الصحافي هذا (وكذلك طالبتي طبعا) كان مندهشا ومعجبا جدا بذلك النتاج غير الاعتيادي بكل معنى الكلمة، وكتب خلاصة صحيحة جدا وذكيّة عنه، قائلا - (...انها ... قصة موغلة بالرمزية ... وكل قارئ يستطيع تفسيرها بطريقته الخاصة ...)، وهذا تحديد دقيق فعلا، وقد رافق هذا (التحديد!) واقعيا تلك الرواية القصيرة منذ ان كتبها غوغول عام 1834 وذهب بها الى احدى المجلات لنشرها، الا ان المسؤول هناك رفض ذلك، و اعتبرها غير صالحة للنشر، اذ انه لم يفهم - (كيف يمكن لانسان ان يستيقظ من نومه ويكتشف انه بدون أنف ؟)، ولكن بوشكين (شاعر روسيا الاكبر) نشرها عام 1836 في مجلته (سفريمينك) (المعاصر) وبكل اعجاب، اذ انه (فسّرها بطريقته الخاصة !)، وكتب ملاحظة حولها، وقال فيها، ان غوغول لم يوافق على نشر هذه النكتة، لكننا وجدنا فيها فنتازيا ومرح واصالة، واقنعناه ان يسمح لنا ان نتقاسمها مع الجمهور والتمتع بها، اي ان بوشكين  وجد فيها تلك الصورة الفنيّة الاصيلة والمبتكرة، التي  تعكس خيال غوغول وغرائبيته وعالمه الخاص به، والذي يميّزه عن كل الادباء الروس الآخرين  حوله . ومنذ ذلك الحين، اي منذ الثلث الاول من القرن التاسع عشر والى حد الآن (ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين)، يوجد دائما من (يفسّر) هذا النتاج بطريقته الخاصة، رغم ان النقد الادبي الروسي آنذاك لم يركّز على (أنف) غوغول، بل كان مشغولا بجوانب اخرى كثيرة ومتشعبة من نتاجاته الابداعية، مثل مسرحيته المدويّة (المفتش)، والذي حضر القيصر الروسي نفسه عرضها الاول عام 1836 في بطرسبورغ، او ببطله (تاراس بولبا)، تلك الشخصية الاوكرانية البطلة، التي كانت تمجّد الامبراطورية الروسية وقيصرها ضد البولونيين، والذي قتل ابنه لانه تعاون مع الاعداء البولونيين، ولم يتوقف عند (الانف) حتى بيلينسكي، الناقد الادبي الروسي المعروف، والذي لا زال اسمه يرتبط برسالته التوبيخية الشهيرة الى غوغول و ردود الفعل المتباينة بشأنها لحد الان، رغم ان بيلينسكي أشار الى (الانف) في تعليق سريع في نفس مجلة بوشكين بعد عددين من صدورها، وتحدث قليلا عن ازدواجية بطلها ليس الا، وهي نقطة تعبّر بشكل دقيق عن وجهة نظر معروفة لهذا الناقد، الذي كان يؤكد دائما على الجانب الاجتماعي في كل النتاجات الادبية، بل ان هناك من كتب، ان غوغول في روايته القصيرة الانف (شجب !) النظام القيصري في روسيا  آنذاك،  وان غوغول اراد ان يقول، ان هذا نظام يعتمد على الرشاوي ...ولا مجال هنا لعرض كل وجهات النظر المتباينة عن هذه الرواية القصيرة لغوغول، ولكن من المؤكد، ان هذا التباين الصارخ (ان صح التعبير) يثبت، حيوية هذه الرواية لحد الأن، وخير دليل على ذلك، انها تحولت الى اوبرا على يد الموسيقار السوفيتي شيستوكوفيتش، والى فلم سينمائي سوفيتي، وساهم المسرح السوفيتي في مسرحة هذا النتاج ايضا، بل هناك فلم فرنسي وآخر بولندي لها، ولكن ألطف وأغرب من ذلك ما حدث في بطرسبورغ عام 1995، اذ تم افتتاح تمثال لهذا (الأنف)، وفي نفس الشارع الذي ذكره غوغول في روايته، الا ان هذا التمثال اختفى، وهكذا (ضاع) انف غوغول مرة اخرى، فقرروا عمل تمثال بديل، وأنجزوه فعلا عام 2002، ولكن تم ايجاد التمثال الاول، فقرروا اعادة التمثال القديم الى مكانه، ووضعوا التمثال الثاني (البديل) في مكان آخر عام 2003، وهكذا اصبح لهذا الانف تمثالين في بطرسبورغ، وفي عام 2009، وبمناسبة الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية لميلاد غوغول (والتي اعلنت منظمة اليونسكو انها سنة غوغول) تم افتتاح تمثال ثالث لهذا الانف في كلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة بطرسبورغ، وهناك تمثال رابع له في كييف – عاصمة جمهورية اوكرانيا (وطن غوغول)، اذ ان غوغول تحوّل الى مادة للصراع الروسي – الاوكراني كما هو معروف ...

لقد أصبح (أنف) غوغول شهيرا جدا و متميّزا فعلا في مسيرة ابداع غوغول بشكل خاص، و في تاريخ الادب الروسي بشكل عام، وحتى في (عدد!) التماثيل التي اقيمت لهذا (الانف !!!)... 

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

صادق السامرائيأولا: روز اليوسف (1898 - 1958)

والدة الأديب إحسان عبد القدوس، وهي ممثلة لبنانية من أصل تركي، إشتهرت في الفن والصحافة والسياسة، وأسست مجلة (روز اليوسف)، سنة (1925)، وهي مجلة إسبوعية أدبية فنية سياسية، ومن ثم أصدرت جريدة يومية (روز اليوسف )، عام (1935)، ومن كتابها (العقاد، نجيب محفوظ وعائشة عبد الرحمن).

ويمكن القول أنها صحفية مناضلة جابهت القوى المتسلطة في البلاد وتعرضت للسجن، لكنها أصدرت العديد من المطبوعات  الأخرى متحدية الحذر على مجلتها ، مثل (الصرخة)، (صباح الخير)، (مصر الحرة)، (الرقيب) و(صدى الحق).

كما أصدرت الكتاب الذهبي وسلسلة كتب فكرية وسياسية، ولديها كتاب (ذكريات)

ثانيا: سهير القلماوي (1911 - 1997)

أول إمرأة مصرية حصلت على الماجستير والدكتوراه في الآداب، وكانت رئيسة قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة، ورئيسة الإتحاد النسوي المصري، ورئيسة رابطة خريجات جامعة المرأة العربية، ونالت العديد من الجوائز، كجائزة مجمع اللغة العربية، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب، ووسام الجمهورية من الدرجة الأولى.

ومن مؤلفاتها:

"أحاديث جدتي، ألف ليلة وليلة، أدب الخوارج، ي النقد الأدبي، الشياطين تلهو، ثم غربت الشمس، المحاكاة في الأدب، ذكرى طه حسين، العالم بين دفتي كتاب"

وهي التي أسست أول معرض للكتاب في الشرق الأوسط عام (1967).

ثالثا: عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، (1913 - 1998)

مفكرة وكاتبة وأستاذة جامعية وباحثة، وأول إمرأة تحاضر بالأزهر الشريف، ومن أوائل اللاتي إشتغلن في الصحافة (جريدة الأهرام).

ومن مؤلفاتها: "التفسير البياني للقرآن، القرآن وقضايا الإنسان، تراجم سيدات بيت النبوة، الخنساء الشاعرة العربية الأولى، نص رسالة الغفران للمعري، على الجسر، بطلة كربلاء، أعداء البشر، سكينة بنت الحسين، أرض المعجزات" وغيرها.

رابعا: نوال السعداوي (1931 - 2021)

طبيبة أمراض صدرية ونفسية، وكاتبة وروائية مدافعة عن حقوق الإنسان، وكتاباتها مثيرة للجدل، ولها مسيرة مهنية ونضالية طويلة، ونالت عددا من الجوائز التقديرية.

ومن مؤلفاتها:

لديها أكثر من أربعين كتابا أعيد نشرها عدة مرات وترجمت للغات مختلفة، ومنها:

" مذكرات طبيبة، أوراق حياتي، سقوط الإمام، تعلمت الحب، توأم السلطة والجنس، المرأة والجنس، رواية الغائب، كسر الحدود، الأنثى هي الأصل، الرجل والجنس، المرأة والصراع النفسي، رواية زينة"

وغيرها الكثير، ووفاتها مؤخرا أثارت جدلا في الأوساط الثقافية.

وهناك العديد من الأديبات المعاصرات المتفاعلات مع الواقع الإنساني، والمذكورات أعلاه رائدات ساهمن في تنوير العقول العربية في القرن العشرين، ولايزال لكتبهن الأثر الكبير في مسيرة النهوض، وتحرير العقل من القيود.

 

د. صادق السامرائي

 

لطفي شفيق سعيدسيناريو من مشهد واحد

يغمر المشهد ضوء ساطع يومض تارة ويخبو تارة أخرى/

يظهر من خلاله طريق على امتداد لانهائي/

يضطرب المشهد وتهتز الصورة وتظهر فوقها بقع رمادية فاقعة:

تنتقل الصورة بين حلم وواقع وبين وهم وحقيقة!!

الحقيقة هي (الأنا) والوهم (هو)، ثم يندمج الحلم بالواقع ويتداعى المشهد نحو الوهم:

يأخذ (هو) (الأنا) إلى زمان ليس زمانها ومكان إلى وراء (الهناك)؟!!

يُشاهد الاثنان في مكان ووقت واحد ضمن شريط ممغنط يستغرق عرضه لثوان معدودات وسرعان ما تختفي (الأنا) و(هو) سوية ويختفي المشهد/

تحاول (الأنا) أن تبعد الشك والريبة التي داهمتها ولكن دون جدوى:

يعود الضوء الساطع يغمر المشهد من جديد وفي هذه المرة يتحول الى مجرد منظر مضبب لا تبدو معالم الصور فيه!

ثم تعود (الأنا) لواقع متسلط وثقيل مع عدم تذكر تسلسل الأحداث بسبب سيطرة حالة الغموض على المشهد وفي زمكان بعيد كل البعد عن واقعها/

كانت (الأنا) في أحدى حالات الرؤى المشوشة تتحول إلى متهمة دون أن تعرف التهمة الموجهة اليها لكي تدافع عن نفسها/

يعود (هو) الذي في حقيقة الأمر (الأنا) وتجد نفسها آنذاك محاطة بثلة من حرس قساة دون قسمات واضحة تصدر عنهم حشرجات مبهمة أشبه ما تكون بمن يعاني سكرات الموت!

يغمر (الأنا) شعور بأن هؤلاء يرومون أن يرموا عليها تهما جاهزة في وقت ألتزم (هو) جانب الصمت وكأن الأمر لا يعنيه/

تحاول (الأنا) أن تتخلص من ثلة الحرس وذلك أن تجيبهم بما ليس لها علم فيه ويحول (هو) أن يساعدها دون جدوى!!

تتوسل (الأنا) (بهو) أن يبقي شريط الأحداث مستمرا ليتبين هل هو حلم أم هو واقع أو أنه وهم وغير حقيقي؟

تحاول (الأنا) أن تجمع شتات أفكارها لتتعرف على الذي أخذ مكانها خلال عرض الشريط:

مرة كادت (الأنا) أن تتعرف على بعض ملامح وجانب من وجه (هو) فبدا أن (هو) هو نفسه وليس هنالك أحد غيره وغالبا ما اختلط الأمر عليه/

في مرات راود (الأنا) شعور بأن خطرا يحيق بها نتيجة هذا الغموض فعليها أن تختفي وتبتعد عن ذلك المكان الذي ليس هو مكانها ولا الزمان هو زمانها!!

لم يبدو المشهد الأخير واضحا (لأنا) لأن الظلام كان قد غمر المكان بعد ثوان من ظهوره وإن الرؤى قد تبددت وسط حشد هائل من صور الأحداث  التي اختزنتها ذاكرة (الأنا) غاب عنها الكثير بعد أن مضى عليها ما يقارب تسعين عاما أنهكها واقع مرير، وإن السيف والخنجر والرصاص والانزواء خلف المتاريس وتحت الاقبية ووراء القضبان وداخل زنازين السجون المظلمة  كانت سببا  في ضياع (الأنا) وسط غابة  موحشة تجوبها وحوش مفترسة في كل زمان ومكان.

 

لطفي شفيق سعيد

رالي في العشرين من آذار 2021