احمد ختاويباعتبارها باحثة في الشأٔن التربوي (علم النفس المعرفي)، النفسي (علم النفس) والتنمية البشرية وأستاذة محاضرة بكندا وغيرها من الجامعات، تفتق " شرنقة " هذه البدائل Substituts على صعيد مؤانسة الذات المبدعة في تجلياتها البنائية الهندسية كمعطى آخر لترويض الحرف و " مقارعة " المؤثر والمؤثر فيه كمفعول به، من منطلقاتها كمبدعة وكروائية تكتب باللغتين : العربية والأنجليزية .. تدرك تمام الإدراك حيثيات اللغتين في عموميتهما وخصوصيتهما، فتستدعي مارد بوحها، هو ذا المقصود في هذه " المقاربة ورسكلة " المعمار الهندسي في الإبداع من خلال ملامستها ل " لَلسْلَسَة " كفرع لما يوحي لها به " ماردها " لحظة المخاض عند نسج مبان إبداعية بهذه " السلاسة "،، هذا هو المقصد والموئٔل ها هنا .

لعل ما نستشفه وقد تابعتها بكل جوارحي أثناء لقاء إذاعي معها ضمن برنامجين بالإذاعة الثقافية " الجزائرية، الأول تحت عنوان " بحوث ودراسات " أفضت فيه بكل ما تتطلبه قواعد الانتلجينسيا من أحكام حول " نظرية الجدل والجدال وبكثير من أطاريحها العميقة، كمقوّم اللغة : أداة وهوية وغير ذلك، وثراء اللغة العربية ودواخل المصطلحات والكلمات الدخيلة والملفوظ الشعبي الذي تعتبره الباحثة الانثروبولجية دكتورة أمال بن شارف ثراء لغويا وبكلمة لها على شكل نظرية تثمنه على أساس أن هذه الدواخل، أي الكلمات الدخيلة على اللسان الدارج فأوجزت نظريتها وطرحها على أنه تاريخ .. وهو تاريخ وأوردت على سبيل المثال : اللهجة التركية / العثمانية : الاسبانية المنتشرة خاصة في الغرب الجزائري، خاصة منطقة عين تموشنت مسقط رأسها و " مِغرافها " في هذا الشأن، إلى جانب اللغة الفرنسية وكذلك الجدل والجدال بين المنطق والعاطفة والصدق وباقي المنعطفات الخ، وصولا إلى نظرية المثلث عند أفلاطون وغير ذلك .

.. وعيها الاستدراكي والإدراكي في كل هذه المناحي في الاتنلجينسيا ينم على أن الدكتورة الباحثة، الأديبة والروائية، الشاعرة أمال بن شارف تمتلك ناصة الفكر عبر معارجه، مدارجه ومداركه، يطول الحديث أيضا بهذا الشأن، لاحقا أفرد له قراءة أخرى . هذا عبور خاطف لبورتريه جدير بمقامها ككفاءة وكمَعلم فكري، في الانتلجينسيا / علم النفس / التنمية البشرية ومن ضمن الكفاءات التي يحسب لها ألف حساب ولا يشق لها غبار، باحثة تسدي معارفها للأجيال كباحثة على " ركح " كبريات الجامعات بكندا وأستاذة زائرة ومحاضرة بعدة جامعات جزائرية، و هي من صفوة الكفاءات الجزائرية التي تعمّر العالم الفكري بكندا وغيرها ما يعنينا ها هنا ملامستي لهذه " اللسلسة " أي انسياب منحدراتها في البوح الإبداعي كقاصة وروائية وشاعره على وجه التحديد أفقيا وعموديا لامسته من خلال قراءاتي لنتاجاتها ولإضاءتها هذه في مناحي الفكر واللغة والمقاربات بين اللغات خاصة العربية والانجليزية " مبحثها المحوري وذلك للإذاعة الثقافية الجزائرية في حصة أدبية بثتها ذات الإذاعة . وكذا عبر أطاريحها ومقالاتها بكبريات المجلات المتخصصة وغيرها ..

الشاعرة والروائية الأكاديمية، الدكتورة أمال بن شارف انطلاقا من كتابها " مقدمة نظرية الجدل " تغترف معمار القول عندما يستدعيها ماردها أو تستدعيها حواسها، ف " تؤلسن " في " ملاسنة " ترويضية مبان شفافة، قد تبدو للقارئ البسيط سطحية، فيما هي العمق بمكان، تعكس تجليات صوفية إدراكية لما لهذه الكلمة من دلالة في ترويض الدلالة بهذه الانسيابية المطلقة، ABSOLUE. غزارة وخصوبة مبانيها المعمارية الهندسية في " استيطان " اللفظ " والملفوظ " لا يدخل باحتها الإبداعية اعتباطا، بقدر ما يلج عوالمها من أبوابها وأسانيدها المشفوعة بحمولة ثقافية وإدراكية كبيرة وعميقة، وبوعي بياني في البيان والبلاغة و السهل الممتنع .. هي ذي الباحثة، الأكاديمية، الدارسة والأديبة الدكتورة أمال بن شارف معمارا سلسلا، لكن لا تهزه رياح " تسونامي " التي تأتي على اليابس والأخضر، أمام " جبروت سلاستها الناعمة " التي تصد كل مرة هذه الرياح العاتية، هي ذي عوالمها وروافدها، ولي أوبة لمنجزاتها الفكرية والإبداعية في ورقة لاحقة . هذا عبور خاطف لهذه الطاقة الكامنة التي أجّجت الفكر بنظرياتها، هي ذي الفراشة القادمة من عين تموشنت (تحديدا : مدينتها : المالح) بالجزائر لتعمّر الأكوان بكندا " فكرا : أنتلجينسيا وإبداعا باللغتين العربية والانجليزية . من بين الأعمال التي أبهرتني كقارئ متلقي طبعا " " مملكة الأنثى " التي تختزن وتنوب عن كل كتاباتها، وهي التي عاشرت القراءة منذ نعومة أظافرها لم تنعم باللعب كأترابها، كانت دًماها الكتب من مكتبة والدها المدرس، كانت الكتب دًماها أجل، اغترفت من الأدب الإنساني، الغربي، عيون الأدب وهي في سن المرحلة الابتدائية، فأبهرت مثلما أبهرتني معلماتها، وقد كان أسلوبها متميزا، حيث التهمت كل الكتب المترجمة إلى العربية / كتب / شكسبير، فيكتور هيقو وغيرهم إلى جانب إلتهابها لكتب جبران، إليا أبو ماضي، ميخائل نعيمة وغيرهم .

الأديبة، الباحثة : الروائية أمال بن شارف ما تزال شابة في ريعان شبابها، فهي من مواليد 1987 بتموشنت بالجزائر مهد المبدعات أيضا، وقد ذكرتني لتوّي بالروائية التموشنتية (نسبة إلى عين تموشنت) التي تكتب بالفرنسية، والمقيمة بفرنسا من مواليد فرنسا ومن الجيل الثالث كما يطلق عليه، والتي تسبقها بسنة : سنة 1985 وهي الروائية الجزائرية المتألقة، العالمية : فايزة قن (بثلاث نقط على القاف) Faïza Guène فائزة قن والتي غزت هي الأخرى عالم الروائية بملفوظ جزائري، الروائية لكن بلغة فرنسية راقية تستجلي شخوصها وعالمها الإبداعي من بيئة والدها ومحيطها العائلي خاصة روايتيها المشهورتين :

Kiffe kiffe " demain Les Gens du Balto

والتي تتناظر: إبداعا وتميزا وحضورا في المشهد الروائي الفرنسي مع الروائي الفرنسي الشاب " Guillaume Musso من مواليد 1974 باختصار حتى لا أثقل كواهلكم بالقراءة أعرج على بعض المنجزات الفكرية والإبداعية للدكتورة الأدبية، الباحثة " أعمال بن شارف .. .. من بين أعمالها بالعربية والانجليزية

- سيل الروح The 7 Secrets

- أسوار المدينة الخيالية"

و كتاب باللغة الإنجليزية : كتاب الغيب باللغة الانجليزية .. –

- مقدمة في نظرية الجدل والجدال

وغيرها من المؤلفات والمخطوطات سأقف عندها في ورقة لاحقة .. ومنجزها العظيم : قوانتانمو روايتها القادمة

 

أحمد ختاوي

 

سمير محمد ايوبثرثرة خاصة في الحب

قلتُ مُكمِلاً حديثي معها: كم من ألأحياء يا سيدتي، أرواحهم بالفعل تحت التراب في سبات؟!

تَنَهَّدَتْ وذرفَت دمعة لاسعة. حاولَتْ عَبَثاً أن تُخفيها، ولكن موسيقى تنهيدةٍ أعلنت عنها، وعن ما رافقها من وصيفات وضيفات.

فسألتُها: ما بِك؟ أحِسُّ أنك مثقلةٌ بالكثير من فوضى المشاعر. وتلهثين من تبعات تضاربها.

قالت وكأنها تُبرئُ نفسَها من تُهمة ظالمة: جُلُّ مشاعري كفيف. ولِعِلمِكَ فإن أغلبُها أصم هو الآخر.

وأنا احاول لملة كل ما أعرف من اللُغات غير المنطوقة عند النساء، حاولت أن أسأل مُتبسماً مشفقاً: لعلك تَوهمتِ وأنت لا تدرين يا سيدتي، أمُثقلَةٌ أنت بشئٍ من الجفاء، فاقدة بالشوق إتزانك؟!

قالت بشئ من الاستنكارِ المُتأتِأ: لِمَن أذهبُ بشوقي، إنْ لم يكن له عنوان يغوية وراع يأوية ؟!

قلت مُناكفاً: لا مانع من العبور إليهما، الى العنوان والراعي، على جسر من الحب، دون أن تَدَعي كثيراً من جموحِ الكبرياءِ، يتلصص على شرايين قلبك، فأنت تمتلكين الحب، ولكن تَعَدِّي قشورَه الى تذوقِ صفاءِه.

طأطَأتْ برأسِها مُتنهدةً دون أن تنبس ببنتِ شفة. فأكمَلتُ مُحدقا في شعرها النحاسي الغجري، المُتطاير من حول وجهها: قد تكوني أي شئ، وقد لا تكوني. ولكن أمام ما أنت فيه من وباء، وإبتلاء الجفاء العلني المتراكم، لا ملجأ لك إلا بالسعي عبر جمرِه المُتَّقِدِ، لتستضيئي بشعاعه المتوهج.

رَفَعَتْ رأسَها وحدَّقَتْ عيناها الخضر، في عينيَّ العسليتين، وسألت بلهفةٍ مُتعجلة، لاهثة كأنها عائدة من مشوار بعيد: كيف ؟!

قلت مُرتِّلاً، وأنا أضغطُ على كل كلمة: إذا ما رَفَعَ آذانُ الحبِّ عَقيرتَه مُناديا : هيَّا الى خيرِ المَشاعِر، ذَري كلَّ كبرياءٍ وغُلٍ، وأتِمّي  مكارِمَ الحبْ، فلا مَنْجاةَ منه إلا إليه يا سيدتي.

 

الدكتور سمير محمد ايوب

 

 

قليلة هي العناوين التي ترسم المضامين رسما وتوجز المحتويات في ثلاث كلمات. عنوان لا يصحّ أمامه إلّا أن نتصوّر شيئا مقلوبا. فما بالك وقد عُزز العنوان الرئيس بعنوان ثانوي «مدرسة العالم بالمقلوب»، وعُزّز العنوانان بصورة بهلوان مستعد في أيّة لحظة للسير على راحتيه في شقلبة تقلب معدته قلبا؟

أمّا مواطن الانقلاب فتظهر في كلّ جانب وناحية ونشاط، وإن كان العنوان الشامل هو غياب العدالة والمساواة بالمعنى الواسع للعدالة والمساواة.

يضحكنا ويثير استغرابنا أن نرى بهلوانا يمشي على يديه

ونعاقب لاعب كرة القدم الذي تمسّ الكرة يده

وننذر لاعب كرة اليد الذي يتعمد ضرب الكرة بقدمه

على الرغم من أنّ عالمنا وكلّ ما يحيط بنا يفعل ما يفعله البهلوان واللاعبون فلا نضحك ولا نعاقب ولا ننذر.

لماذا؟

لأنّ اعتدنا أن نرى عالمنا مقلوبا. ولأنّنا ألفنا ألا نرى الأمور في نصابها ولا المياه في مجاريها.

ومن الطبيعي ألّا نستغرب أيّ اعوجاج في عالم أعوج انقلبت فيه المفاهيم وتغيّرت المسميات وانحرف الكلم عن مواضعه.

جهلة يتحكمون ويحكمون

قتلة طلقاء السراح يكرّمون

ضحايا يدانون ويحبسون

نساء رجال وبالعكس.

كلّ شيء منفوخ أو مزيّف

كلّ شيء مقلّد أو محرّف

دور علم تخرّج جهلة

ودور عبادة تراوح في مكانها.

قلّة من المصلحين الناصحين

وكثرة كاثرة من المخربين الفاسدين.

**

أبلغ ما في الكتاب نهايته المعلّقة في الهواء...

ولكن لا بدّ للكتاب من خاتمة.

فكيف ختم غاليانو كتابه؟

وبأيّة تخريجة خرج؟

اكتفى بكلمات قال فيها:

**

انتهى المؤلّف من هذا الكتاب في آب 1998.

من أراد الاطلاع على تكملته فما عليه إلّا أن

يتابع نشرات الأخبار كلّ يوم.

**

لا ينقص من قيمة الكتاب أنّه ألّف قبل أكثر من عشرين سنة.

ولا يعيبه أنّ أمثلته مأخوذة من أحداث لا يتعدى أحدثها عام 1998.

لأنّ القصّة واحدة

والمشاهد تتكرر.

قد يتغيّر مسرحها ووقتها وأبطالها

لكنّ المخطط الذي تسير عليه واحد

لأنّ العقلية التي أخرجته وأنتجته ومولته واحدة.

**

أعيبُ على الكتاب أمرين:

أولهما أنّ الكاتب يتكلّم عن ظلم أصحاب المال وأصحاب السلطة للناس، لكنّه لا يتكلّم عن ظلم الناس لأنفسهم.

لا يتكلّم عن النفاق الفردي والجمعي

ولاعن الزاحفين والانتهازيين والمتملقين والمنبطحين وماسحي الجاكيتات ولاعقي الأحذية.

لا يتكلّم عن انقلاب "المستضعفين" على أنفسهم.

وكأنّ المنظومة هي من صنع الامبرياليّة والدكتاتورية والديمقراطية المزيفة وحسب.

أمّا ثاني المآخذ التي آخذها على الكتاب فهو أنّه درس وبحث وشخّص العلّة لكنّه لم يوجهنا إلى الحل. 

أخذ الصورة الشعاعيّة لكنّه لم يعطنا الدواء.

شخص الظالم بالاسم والرسم وأدانه، لكنّه لم يرسم لنا خريطة الطريق لمحاربته والتخلص منه.

عرّاهم لكنّه لم يحشد الحشود ضدهم.

أوصلنا إلى نصف البئر

ثم...

قطع الحبل بنا.

**

ربّما لم يشأ غاليانو أن يتحوّل من "محسّس" إلى "محرّض"

لم يرد أن يكون معالجا، بل اكتفى بالتنظير وتأشير موضع الخلل.

فالظروف تحكم

والنفوس تحكم

وهو لم يشأ أن يغوص في البحر اللجيّ أكثر ممّا غاص.

**

فبماذا سنخرج من قراءة هذه الصفحات والتفكّر في الحالات الكثيرة التي يتطرق إليها الكتاب؟

أجزم بأنّنا سنكون، بعد قراءة الكتاب، أكثر وعيا بما يدور حولنا وأكثر فهما للأحداث، لأنّ الكتاب يزودنا بالكثير من الشواهد والحجج على ما يدور.

سيكون منطلقا لتطبيق قاعدة ذهبيّة قديمة. إنّها قاعدة التعامل مع كلّ منكر وكلّ ظلم:

من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده

فمن لم يستطع فبلسانه

فمن لم يستطع فبقلبه

وذلك أضعف الإيمان

حسبنا أن تحقق ترجمة الكتاب هذا الهدف الذي أحسبه هدف المؤلف أيضا.

 

د. بسّام البزّاز

 

 

عقيل العبودتستهويه تلك الروعة الرائقة، تدعوهُ للإنضمام الى مائدة ضيافتها، تفرش ذراعيها، توقعهُ في محيط سحرها المدهش.

هنالك حيث تعيش الأحياء، والنباتات المائية بأنواعها المختلفة، بحسب ما تفرضه طبيعة البيئة، وحقيقتها الإيكولوجية، تترقرق موجات النهر استجابة لنسمات الهواء العليل، وتحكم الجغرافية شروط قانونها المناخي، فيأخذ الطقس حُضوته استحكاما لعلاقته المجارية لحُنُوّها المتناغم مع إِنْشِراح الأجواء المشمسة.

تتطاير الزقزقات، تعلو كأنها لا تكترث لهبوب العواصف، وهنالك بمحاذاة الأغصان السَامِقة تبحث صغار الطيور عن طرق اخرى لمعانقة رِفْعَة السماوات.

يدنو متقصيا، يطوف بذات المشهد، تدور به خطواته نحو بقايا بناء تعود آثاره الى أطلال مزار قديم، يشعر بالأمان، يستأنف مشيته دون تردد.

تأخذ الزرقة مُسْتَقَرّها في نفسه، تفتنه صخورها، يتجاوز حدود إيقاعاتها الأخاذة، بينما يدفعه فضوله لمجاورة بعض الشعاب المرجانية القريبة الى أطياف صخرة متماسكة.

تتكئ القمم عند أركان بقعة من الزمان، تعبّر عن زهو رفعتها، تغور به بعيدا كأنها تتجاوز حدود المُقَام.

تتخطى الضفدعة حافة الصخرة المعاشرة، تنسل الأفعى مثل عفريت أصم لتنحدر صوب مغارةٍ منفردة، تداهم الصمت ، يلتقط الغراب شيئًا ما، تعود الفراشة البائسة الى الزهرة.

وعند رفيف تلك السيقان النحيلة من الشجيرة، يفرض عصف الريح دويه الهائل مغالبا خطوات لُدُونَة تسعى لإشغال مقاطعة أخرى .

ألخِفَّة تحط عند اطراف ساقية رشيقة، يستفزها انشطار المشهد، بينما يقف المُونِق متأملًا-يشعر ان هنالك ضجيجًا يكاد يفرض وعورته على حساب تلك النضارة؛ يغيظ أناتها، يشاغل حَدَبها، يخالط أحلامها.

ولذلك تحاشيا يرسم وسامة اللون في بصيرته، يعزف لحن ذلك التناغم بعيدًا عن الجَلْجَلَة، ويرتحل خارج الاسوار.

 

عقيل العبود

سان دييغو/ كاليفورنيا

 

 

نبيل عودةالجملة أعلاه قالها الشاعر الفلسطيني محمود درويش، في حوار جرى معه قبل سنوات عديدة.

ربما لو عاش حتى اليوم ليرى ان بحر الشعر الهائج اليوم، بدأ يتحول الى مقبرة للغة الشعرية ولجمال المبنى اللغوي، ولجمالية المعاني والاحساس باللغة نفسها، لأنكر ما يسمى شعرا.

 لا اتحدث عن الفكر وراء ما ينشر من نصوص تحمل اسم الشعر، قد يكون موزونا على بحور الخليل او مجرد صياغات عمودية بلا حس لغوي وبلا معاني تشد انتباه القارئ، لدرجة أني اكاد اجزم ان عدد القراء الذين ينهون قراءة نص من هذا النوع لا يتعدى أصابع اليد الواحدة.

للأسف اكاد أقول بلا وجل ان الشعر يتحول لدى أوساط تزداد عددا الى مقبرة للغة ولجمالية المعاني!

قديما أطلق محمود درويش صرخته المحذرة بمقال افتتاحي في مجلة "الجديد" الثقافية التي كان يحررها في حيفا، بعنوان لمقال كتبه: "أنقذونا من هذا الحب القاتل" وذلك تنبيها للحب الجارف لعالمنا العربي لشعر المقاومة الفلسطيني، الذي كشف عنه الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني، اذ لاحظ درويش ان الشعر أصبح المعشوقة لكل من يخط حرفا ادبيا من بين أبناء شعبنا الفلسطيني بمناطق 48، وحتى لو افتقد لموهبة كتابة انشاء صحيح، الا انه يريد ان يصبح شاعرا!!

أقول بلا تردد اليوم انه كلما ازداد عدد ناظمي الشعر في بلادنا على الأقل، وبغض النظر عما يميز الكثير من النقد (النقد مجازا) من استعراضات عضلية بعيدة عن بديهيات النقد، كلما تعمق هروب القراء من قراءة الشعر، رغم أني لا انفي ان بعض ما ينشر يرتقي بشكل او آخر لمستوى الشعر الجيد، لكن الفيض بلا ضوابط شعرية، وبغياب النقد الصريح والجاد وليس التطبيل والتزمير لكل ما يصدر من شعر، يقتل الجيد أيضا، غرقا بنصوص لا تستحق اسم الشعر حتى لو اكتمل فيها الوزن والصياغة اللغوية.

طبعا بعض ما ينشر مغتصبا اسم الشعر يمكن ان يقرأ أيضا من النهاية للبداية ولن يتغير المعنى، لأنه أصلا لا معنى للنص.

اعترف أني مستاء جدا من الفوضى الثقافية، من معظم ما ينشر باسم النقد، حاولت قبل سنوات ان أقف بالمرصاد لبعض النصوص واصحابها، لنقاد يحتلون ساحة النقد شكليا رغم الألقاب العليا التي يمهدون بها لأسمائهم، لكن تبين لي ان جهودي تذهب جفاء، ولن اكسب الا العداء، وانا كل هدفي التنبيه حتى لا يتحول الأدب، والشعر خاصة، الى مهزلة وملعب لمراهقين ادبيا ونقديا.

للأسف الكلمة الصادقة، حتى لو كان فيها تجاوز ما، يمكن ان تناقش، اما الرد العشوائي لأني لم أجد شعرا او نقدا يستحق التسمية، حسب رأيي الشخصي، فهذا تجاوز لكل الفكر الثقافي.

كنت قد شاركت بأمسية ثقافية، في صالون ثقافي تديره الشاعرة نهى قعوار في الناصرة، استمعت فيها لشعر أستاذ بدأ يكتب الشعر بعد تقاعده، واعترف انه ملم ببحور الخليل وبنحو وقواعد اللغة بمستوى سيبويه، واختار ان يقرأ لنا نصوصا من شعره السياسي الذي ميز مرحلة شعرنا التي عرفت بشعر المقاومة، لا شك انه متمكن لغويا وبحورا وصورا، لكنه نسي ان ما كان رائعا قبل خمسين سنة ومذهلا بقوة تحديه للواقع الذي ساد مجتمعنا العربي ، بمواجهة السياسات العنصرية والارهابية الصهيونية ، ومصادرة الأرض والتشريد وتقييد التنقل والتحكم حتى بلقمة الخبز، والحرمان من الحقوق الأولية كمجتمع بشري، لا يمكن تكراره ثقافيا. بتجاهل للمرحلة التاريخية الهامة ثقافيا وسياسيا التي ميزت شعر المقاومة، تكرارها بنفس المضامين هي مهزلة. فهل نام صاحبنا ستة عقود ليكتشف انه شاعر ووطني ليكتب مثل هذه القصائد في واقع تغير بسبب صمودنا ونضالنا والثمن الذي دفعناه بحريتنا ودفاعا عما تبقى لنا من ارض، وحقنا بالعمل ووقف سياسات التمييز العنصرية؟ والسؤال الذي غاب عن بال ذلك الشاعر، ان شعر المقاومة ارتبط بتاريخ سياسي وثقافي لم يعد قائما، ونفس شعراء المقاومة انتقلوا الى مراحل جديدة إنسانية وجمالية تجاوزت الصبغة القومية التي طبعت شعرهم في فترة زمنية محددة سياسيا وادبيا ولا يمكن تكرارها بنفس المضامين.

كلامي لم يعجبه ورد على ملاحظاتي بهجوم صبياني تجاهلته. وانا لم اقصده كشخص بقدراته اللغوية والصياغية، بل ككتابة أرى نهاية لمضامينها ومبناها الفكري والشعري وحتى السياسي طبعا.

لم اتعود ان أخون نفسي ومواقفي الفكرية والنقدية، إذا لم اقتنع بالمرافعة – أي العمل الادبي، والموقف التحليلي للنص الأدبي وعلاقته بالواقع المتغير. فلن اتردد من قول رأيي بغض النظر عن قدرات صاحب النص اللغوية والصياغية.

كتبت مرات عديدة عن النقد ومكانته وعن مشكلة النقد في ادبنا المحلي وفي الآداب العربية عامة.

قلت مرات عديدة ان المشكلة تتعلق بغياب نظرية نقد عربية، لكن هذا لا يعني ان النقد ظل منعزلا عن الابداع الأدبي. هناك مراجعات ودراسات نقدية ارست القواعد لنشوء نقد عربي، مثلا المنهج النقدي لمحمد مندور ولمارون عبود ومحمود امين العالم وغيرهم. البعض يرى بهذه المدارس، خاصة نهج مارون عبود، كتابة أقرب للنصوص الأدبية، لكن غاب عن بالهم ان النقد هو فن ادبي. والسؤال الهام هنا هل ظهرت دراسات نقدية في ادبنا تتجاوز هذه المدارس؟ ربما لست مطلعا كفاية على ما ينشر، ولكن بكل ما وقع تحت يدي من كتب نقدية لم أجد ما يتجاوز هذه المدارس فكرا ونقدا رغم وجود أسماء أخرى لها مكانتها النقدية، لكنها كما يبدو لا تثير اهتمام دور النشر من ناحية ربحية.

ولا بد ان انوه الى مدرسة محمود امين العالم أيضا، بتميزها انها مدرسة تنتمي للتيار الماركسي المتجدد والذي طرح رؤية فلسفية أيضا بكل ما يخض النظرية الماركسية وبناء النظام الاشتراكي، والفكر الأدبي، ربما لهذا السبب غيب عن التداول الواسع في المجتمعات العربية.

وأود ان أقول إني عادة اعود لمارون عبود ومدرسته النقدية الإبداعية التي تأسر القارئ بأسلوبها وعمقها الثقافي وصورها النقدية التي تجعل نقده موازيا حتى للنصوص الإبداعية غير النقدية.

انا شخصيا اعود دائما بلا كلل الى مارون عبود، الى مدرسته العبقرية في النقد والابداع، وأظن ان أكبر مكسب للثقافة العربية هي مدرسة مارون عبود النقدية، للأسف غاب مارون عبود، ولكنه أرسى نهجا نقديا واسلوبيا ليس من السهل ان يتكرر مع ناقد آخر بمثل هذا الزخم الثقافي الموسوعي. كان مارون عبود موسوعيا في ثقافته، وتتميز شخصيته بروح المبدع الفنان التي طغت على كل كتاباته، تقرأ نقده وكأنك تعيش بأحداث روائية. مدرسة عبود لم تكن نقدا بالمفهوم الدارج عن النقد، بل إبداعا بأسوبه النقدي بحيث ينقلك الى عالمه المسحور بالثقافة والفن بأرقى صوره الأدبية.

مدرسة عبود هي ظاهرة عبقرية وفريدة من نوعها، وليس من السهل ان تتكرر، لكن هناك إمكانية لتحويلها الى مدرسة نقدية ثقافية، بالمضامين التحليلية للنصوص وأسلوب عرضها وتحليلها، ولا أرى مستقبلا للنقد العربي بدونها. وهنا يلزمني التنويه الى ضرورة التخفيف من فذلكات المدارس النقدية واصطلاحاتها المستوردة التي تطورت في آداب اجنبية تختلف مضامينها الفكرية والثقافية والفلسفية (لأن النقد فلسفة أيضا) فاتنا اللحاق بها، نتيجة الاوضاع السياسية والفكرية التي تعيق تطور مجتمعاتنا، ربما ليس بالصدفة ان مدرسة مارون عبود وادباء المهجر وأبرز المثقفين العرب كانوا من لبنان. حيث مساحة الحرية والديموقراطية أكثر اتساعا من سائر الدول العربيةـ فهل بالصدفة ان اللبنانيين اسسوا اهم الصحف المصرية وان المسرح المصري بدأ بهم في مصر وان دور النشر والصحافة أيضا بدأت مع اللبنانيين وان الشعر تطور في لبنان قبل ان يخترق الثقافة العربية التقليدية الغارقة بفكر مغلق؟ 

للأسف انقطعنا عن تاريخنا ولم نتواصل معه، وبتنا نردد مقولات تاريخية أشبه بالبكاء على الاطلال. بينما ارادتنا كشعوب عربية مسلوبة بفعل أنظمة الفساد، التي لم نتخلص منها حتى اليوم وما تزال تعمق الضياع العربي في عالمنا.

حتى لغتنا تعاني من قصور نتيجة خضوعها لقواعد ونحو وضع قبل قرون. بمقارنة اجراها بروفسور سليمان جبران رئيس قسم اللغة العربية سابقا بجامعة تل ابيب، بين العربية والعبرية، نجد ان العبرية أصبحت لغة تصلح للترجمات من اللغات الأجنبية بلا مشاكل ولغتنا تواجه إشكاليات تصعب على المترجمين وبعض الترجمات التي نفذها لغويين كبار لا تفهم حتى للمثقفين، مثلا ترجمة كتاب "الاستشراق" لادوارد سعيد، قال عن ترجمته مثقفين من لبنان بوضوح ان ترجمته عربية تحتاج الى ترجمة عربية أخرى، وانا شخصيا لم انجح بقراءة الترجمة العربية المعقدة والمرهقة، فقرأت الكتاب باللغة العبرية، وزملاء مثقفين أخبروني انهم قرأوه باللغة الإنكليزية لصعوبة الترجمة العربية.

هل بالصدفة ان تتحول لغة الصحافة الى أكثر لغة مفهومه ومستعملة في المجتمعات العربية حتى لو رفضت مجامع اللغة بعض تعابيرها وتركيباتها الصياغية؟

هناك بحث أجرته طالبة جامعية تونسية كما اذكر لشهادة الدكتوراه بإحدى الجامعات الأمريكية عن واقع اللغة العربية في العالم العربية، تبين ان 60% - 70% من المواطنين العرب لا يفهمون حتى لغة الصحافة المستعملة بكل وسائل الاعلام، وان السائد هي اللهجات المحلية التي لا يُفهم معظمها الا بمناطق استعمالها.

وملاحظة أخيرة: انت عزيزي القارئ المعيار الصحيح للأدب الجيد. المشكلة ليست في فهم النص او مفرداته، بل في فشل النص نفسه من التواصل معك ثقافيا واجتماعيا ولغويا.

 

نبيل عودة

 

 

صادق السامرائيأبو القاسم أصبغ بن محمد بن السمح المهري (361 - 426) هجرية، عالم بالحساب والهندسة والفلك وله عناية بالطب.

وهو من أهل قرطبة  ولد فيها وتوفى في غرناطة.

"كان متحقق بعلم العدد والهندسة، متقدما في علوم هيئة الأفلاك، وحركات النجوم وكانت له عناية بالطب"

أساتذته: مسلمة المجريطي

تلاميذه: أبو مروان المهندس

مؤلفاته: المدخل إلى الهندسة، المعاملات، طبيعة العدد، التعريف بصورة صنعة الإصطرلاب، العمل بالإصطرلاب، إختصار كتاب المجسطي لبطليموس، تفسير كتاب إقليدس" وغيرها.

وإسهاماته في علم الفلك بارزة ومؤثرة في تطوره، إذ ألف زيجا شاملا معتمدا على كتاب (السند والهند).

وكان يعالج المرضى في بيته  في غرناطة، ولا يُعرف كيف تعلم الطب ومارسه.

وقد جاء في كتاب (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار): "إبن السمح، المهندس، حكيم ترفع له المبار، وطبيب تدفع به المضار، قيّم بتركيب الأدوية، وتفاضل التفضيل والتسوية، أحيا الله به القوى الحيوانية، وحفظ النفس الإنسانية، سلك بنظره في الأبدان، وملك ما ليس لأحد به يدان، ونظر في تفاريق العضل، وتفاريع ما كفى من الأغذية وفضل، وإستدل بالنبض على ما رآه، وعرف دواءه على الحقيقة وداءه، بحدس صحيح حصر حتى ضيق المجاري وإتساعها، وإنحطاط الدرجات في الأدوية وإرتفاعها، إلى غير ذلك من أسباب في علوم، وحساب، ونجوم، وأمور كان بها يقوم ".

وهذا علم منير في مسيرة حضارة الأمة، وله إسهامات أصيلة في تقدم العلوم التي سبر أغوارها، وإستخلص نفائس كنوزها بقدرات عصره، وما توفر عنده من معلومات ونظريات، أبحر فيها وطورها، ودفعها مرتبة متقدمة إلى أعلى مدارك الوعي العلمي.

وقد أسهم بسطوع إرادة الأمة في بلاد الأندلس، وإنتشار أنوار العقل في دياجير العصور المظلمة، مما أنارها وحرر العقل من قبضتها.

فهل لنا أن نحي مشاعل وجودنا الوهاجة؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (11)

أشك ياشهرزاد بأنك لا تعرفين: إننا جميعا نحب لكن القليل منّا لا يضع شروطا لإستمرار محبته، فان إستعصى علينا تحقيقها ألقينا باللائمة على الآخرين، ونسينا أننا لم نحبهم لذواتهم أبدا، فقلوبنا تخفق على عجل للناس الطيبين، ونسارع الى مد جسور المودة والثقة، ونفرش لهم دروب الأمانة، لكننا عامة نحمل شروطا مسبقة لتلك المحبة في عقلنا الباطن، نحن لا نجهر بها، لكن احتدام المواقف، واختلاف الآراء والتصورات الذهنية تُظهر تلك الشروط عن غير قصد منا، حينما نحب من حولنا تبعا لتوافق ملحوظ في الطباع، وإنسجام عام في الأفكار، فإننا نتفق في هذا الوصف للمحبة على بعض القيم العليا، وشيء من المبادئ المثلى كالعدالة والإنصاف والكرامة والحق، والأخلاق الرفيعة كالشجاعة والكرم وقول الصدق، لكننا في الحالات كلها لا نجد تطابقا في أطرنا الفكرية، ولأن المودة بُنيت على توافق عام فإنها لم تكن مَحبةً للذوات بعللها وإيجابياتها، وذلك ما يجعلها عرضة للشروط المسبقة .

إن الحب غير المشروط هو رسالة بليغة الى المحبوبين بأهميتهم، وقيمة ذواتهم وحرية إختيارهم، وحينها لن يكون إختلاف وجهات النظر والأراء، او الإمتناع عن تنفيذ أوامر إدارية او الإلتزام بإصول مجتمعية، او تطبيق قواعد أسرية سببا لنضرب بعرض الحائط تلك المودة الذاتية .

يقول ستيفن آر كوفي: (عندما نحب الآخرين حبا صادقا دون شروط او قيود فإننا نساعدهم على الشعور بالأمن والأمان، ومعرفة حقيقة قيمتهم وهويتهم وتكاملهم والثقة بها) .

حينما نحب الناس لذواتهم يا شهرزاد فإننا نكسر حاجز (الأنا) في نفوسنا قبل نفوسهم، ونمدهم بأسباب الإبداع وإظهار الطاقات الإيجابية، لأننا وافقنا ابتداءً على حرية إختيارهم لوصل تلك المودة، وتركنا لهم إرادة التعبير عنها، لابما نتمناه، إنما بما تجود به أنفسهم ومهاراتهم الذاتية .

وتتجلى معالم الحب المشروط في أماكن العمل، وبشكل أكبر تحت سقوف المنازل حيث محبة الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم، ولنا في هذه الأخيرة شواهد ووقفات كثيرة، سيطول فيها القول بوقتها ومكانها، لكننا هنا سنضرب مثلا حيا عن حب غير مشروط في أحدى المؤسسات التي عملتُ فيها:

لي زميل مازال شابا فتيا يحمل من طاقات الإبداع الكثير، وأني لأحبه لذاته، وأثني على قدراته، وأسعى جاهدا لتطويرها بمحبة وثقة متبادلة، وهو بطبعه حاد المراس متعنت لرايه، متمرد على واقعه، لكنه مخلص في عمله، مجتهد في تطوير ذاته، عازم على تحسين أدائه، وهو يخضع للمنطق أحيانا فيما يخص قناعاته الشخصية، لكنه نادرا ما يقبل مني في شؤون الحياة وصية .

إعتاد (النجار) على أن يتأخر عن موعد حضوره الى العمل، لكنه يجتهد بتعويض ما فاته من الوقت، بينت له بمودة، وفي أكثر من موقف، أنّ تاخره عن العمل ليس فعلا محمودا، لكنه مقتنع بأن الإلتزام في الوقت لا يعني الكثير مادام قادرا على العطاء الوفير .

ومع تكرار الموقف، وإصراره على المجئ متاخرا أثار في نفسي مرارة الإنكار، لكنني إستدركت سريعا محبتي لذاته، وتركت له حرية الإختيار، وحينما أحس بتقديري لقناعاته، وأحترامي لإنجازاته، زاد عطاؤه واتسعت آفاقه، وإنه ليؤدي من الواجبات والمهام ما يعجز عنه بقية زملائه، وإنْ أتوا قبله بساعات .

ما زال النجار يتاخر عن موعده،  لكنه يشعر بالتقدير والمحبة، فيزيد تألقا ومودة .

شهرزاد : لكن كيف لنا أن نختار وصف محبتنا للناس وهي كما تعلم سجية قلبية وليست عملية حسابية؟، نحن نحب بعض الناس من غير أن نعرف سببا مباشرة لتك المحبة .

شهريار: ذلك لعمري سؤال خطير، وجوابه بحاجة الى تفكير وتدبير :إنْ أحدنا ياشهرزاد في سلوكياته وأخلاقياته وإختياراته مرآة لذاته وما تتمحور حوله، فإنْ كان مركز إنطلاقنا السعادة مثلا، فاننا نبحث فيمن نجد مودة لهم في نفوسنا عمّا يشعرنا بالسعادة كالثناء او الجمال او الجاه او الشهرة، وغيرها كثير من مظاهر السعادة المؤقتة التي لا تدوم بطبيعة الحال، وهذا مايجعلها مودة منقطعة بلا فصال، وكذا المتمحور حول المال فان نفسه تتوق لمن يكون سببا في زيادة ثروته ، وفي أية لحظة تتقاطع فيها المصالح تهوي تلك المودة الزائفة، ولعل من أكثرالأمثلة شيوعا المتمحور حول ذاته، وذلك غاية في الأنانية لايحب إلا نفسه، ويميل الى إنسان يحبه لذاته (إنْ حصل على تلك المودة باعجوبة)، والمحب في هذه الحالة الفريدة لا يحتاج الى مودة مقابلة (من وجهة نظر الأناني)، لكنه سرعان ما يخسر ذلك المُحب أيضا لأن الحب في أصله عطاء متبادل .

والمحاور التي يدور في فلكها الناس كثيرة لكنها جميعا لا تقترب من أصول المحبة الحقيقة إلا إذا كان المُحب متمحورا حول المبادئ القويمة، وإن كانت تلك المبادئ تتغير تبعا للنظريات والمجتمعات لكنها عامة تتمسك بالفضيلة وتجافي الرذيلة، وعلى فرض أن المبادئ القويمة متقاربة في كل مجتمع من المجتمعات، فإن المتمحور حولها في مجتمع ما يستطيع أن يبني على أساسها سلوكياته، وينمي إطاره الفكري، وقد عرفنا آنفا أن (أُطرنا الفكرية مرآة لذواتنا التي تحدد حرية إختيارنا)، وحيث تمحورنا حول المبادئ القويمة، وتطورت لدنيا السلوكيات الرصينة، فان سجية القلب لا تختار إلا الذوات المفعمة بأنوار تلك المبادئ وإنْ عفرها غبار الزمن، وهي بحاجة الى من يوقد فيها فتيل الأصالة والإبداع، تلك المبادئ ياشهرزاد تجعل للمحبة قواعد متينة لا تتأثر ببعض التقلبات والمواقف غير المحمودة، فسرعان ما يعود المتمسك بها الى حيث كان ليجد يدنا ممدودة إليه بالعطاء والمودة، نحبه لذاته فهي ذات تستحق الإحترام والتقدير، قائمة على ثوابت لا تتغير بتغيّر الأحوال وإنْ واجهت المصاعب والأهوال .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

..................................

* مقتبسات من مؤلفي : شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

نبيل عرابييستحوذُ الحديثُ عن الكتابة وشؤونها وشجونها إهتمامَ عددٍ كبيرٍ جداً من الأدباء والشعراء، والمهتمّين بهذه العلاقة المتجذّرة، التي رافقت كثيراً منهم، وما زالت، حتى أيامهم الأخيرة من أعمارهم.

مع الكاتب (قزحيا ساسين)، وفي كتابه (ماء الكلام)، الصادر في بيروت عام 2006، يتّخذُ الحديثُ عن هذا الأمر منحى آخر إلى حدٍّ ما، وتحديداً في فصل عنوانه (جلالة الكتابة)، حيث يوردُ بصيغة المتكلّم:

أرتكبُ الكتابةَ فقط حينَ يعبُرُني شعورٌ بأنّ غيرَتي من المبدعين أكثر من حبّي لهم.

وينتقل إلى لون آخر من توصيف الكتابة، بشيء من الحسّ الفكاهي، بقصد الإشارة عما يريد التعبير عنه:

الحروفُ قُطّاعُ دربي إلى الحياة، ولطالما ظننتُ النُّقَطَ عليها غُباراً مزمناً على نظّارتيّ اللّتيْنِ عبثاً أغسلهما منذ ثلاثين عاماً.

ويغمُزُ من قناة الذين اتخذوا من الأوزان الخليليّة وتفعيلاتها سبيلاً إلى عالم الأدب:

لنا جميعاً أن ندّعي الشِّعْرَ ونحن أحياء. أما الشُّعراء فَهُم الذين يواصلون الكتابة... بعد الموت.

ويعترفُ لنا بطقسٍ من طقوسِ الكتابة التي يمارسها، كي يحظى بشيءٍ من نتاج يراعه:

كمن يكتب بالماء،

أحتالُ على الورق لأجلِ عبارة تعيشُ حتى الصباح.

لكنّ الأمر لا يتوقّفُ عند هذا الحدّ من التضحية، كي يحصل الكاتب على مُراده، بل يتعداه إلى أكثر من ذلك:

مستعدٌّ لوضعِ أصابعي تحت دولاب المطبعة بغية إستبدال كلمة بأخرى أكثر وفاءً لوجعي.

 

نبيل عرابي

 

 

صادق السامرائيأبو نصر موفق الدين عدنان بن نصر، ولد في بلدة زربة في تركيا. وتعرف حاليا بإسم (ناورزا)، وقد عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، وربما يكون مولده في أواخر القرن الحادي عشر.

مؤلفاته: "شرح قانون الصناعة الصغيرة لجالينوس، مقالة في الحصى وعلاجها، الكافي في صناعة الطب، مجربات في الطب، تعذر وجود الطبيب الفاضل ونفاق الجاهل، الرسالة المقتنعة في المنطق، مقالة في مرض السعفة".

تلاميذه: الشيخ السديد (كان طبيبا بارعا)، بلمظفر بن معروف (خدم الخلفاء بطبه)

وكما جاء في عيون الأنباء في طبقات الأطباء:

"هو الشيخ موفق الدين أبو نصر عدنان بن نصر بن منصور من أهل عين زربة، وأقام ببغداد مدة، واشتغل بصناعة الطب والعلوم الحكمية ومهر فيها، وخصوصا في علم النجوم، ثم بعد ذلك إنتقل من بغداد إلى الديار المصرية  إلى حين وفاته، وخدم الخلفاء المصريين، حظي في أيامهم وتميز في دولتهم ، وكان من أجل المشايخ وأكثرهم علما في صناعة الطب، وكانت له فراسة حسنة وإنذارات صائبة في معالجته، وصنف بديار مصر كتبا كثيرة في صناعة الطب، وفي المنطق وفي غير ذلك من العلوم، وكانت له تلاميذ عدة يشتغلون عليه، وكل منهم تميز وبرع في الصناعة، وكان إبن العين زربي في أول أمره يتكسب بالتنجيم....وكان إبن العين خبيرا بالعربية، جيد الدراية لها، حسن الخط....وكان يشعر وله شعر جيد، وتوفى رحمه الله في ثمان وأربعين وخمسمائة بالقاهرة، وذلك في دولة الظافر بأمر الله"

وكان الطبيب الشخصي للظافر بأمر الله (1149 - 1154) ميلادية .

ويقول في مقدمة كتابه (الكافي في الطب): "لما كان الطب ينقسم إلى قسمين، علم فقط وعلم عمل، وكانت الغاية منه حفظ الصحة موجودة، وردها مفقودة، وكان غرضنا في هذا الكتاب إثبات ما يخفى على الناظر في الطب، ويسهل عليه بحيث يقدر منه على الإطلاع على صناعة الطب، وينتفع في العمل بها، ...ويكون تذكرة للكاملين، وحاثا ومفيدا للمتعلمين به...فنقول: إن حفظ الصحة يتم بتعديل الأسباب الستة الضرورية لأبداننا وهي : وصول الهواء المحيط بأبدان الناس، ما يؤكل وما يشرب، النوم واليقظة، الحركة والسكون، الأحداث النفسانية، تدبير الملابس والمساكن، الإستحمام والجماع"

والكتاب مقسم إلى (68) فصلا، وهو كتاب في الطب الوقائي والعلاجي، سابق لعصره.

والمتأمل لما ذكره في مقدمة الكتاب يرى أنها لا تزال قائمة ومعمول بها في وقتنا المعاصر، فهو يؤكد على العوامل اللازمة لحفظ الصحة، والوقاية من الأمراض بمراقبة الأكل والمشرب والحركة والنوم واليقظة ويحذر من التوترات النفسية، ويشير إلى النظافة والعناية الشخصية.

 

د. صادق السامرائي

 

 

صادق السامرائيأبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكبير بن يحيى بن وافد بن مهند اللخمي (387 – بعد 460) هجرية، ويذكر أنه عاش (76 - 77) سنة.

وزير وطبيب أندلسي ولد في طليطلة، ومن أشرافها وعلمائها بالفقه، وإستقر في قرطبة ، إهتم بالأدوية المفردة، وبرع في الصيدلة والنبات وله إهتمامات بالفلاحة والأدوية المستخلصة من الأعشاب، ولديه حنكة سياسية فكان وزيراعند إبن ذي النون صاحب طليطلة.

أساتذته:

أبو القاسم الزهراوي، محمد بن عبدون الجبلي، سليمان بن جلجل، إبن الشناعة،  ودرس ديوسقريدس وجالينوس.

مؤلفاته:

"الأدوية المفردة، الوسادة في الطب، مجربات الطب، تدقيق النظر في خلل حاسة البصر، المغيث، رسالة في الطب، منظومة في الطب (5000) بيت، مجموع في الفلاحة"

وقد أمضى عشرين سنة بتأليف كتابه الأدوية المفردة.

ولديه نظرية شددت على ضرورة تجنب التداوي بالأدوية ما أمكن التداوي بالأغذية، وإذا دعت الضرورة إلى التداوي بالأدوية، وكان يرى أن للماء دور في العلاج، وهو صاحب شعار " الغذاء قبل الدواء"، والتدرج بالتداوي.

وما طرحه من أفكار تبدو معاصرة ومعمول بها في مجتمعات اليوم، فالوقاية خير من العلاج، وللأدوية أضرارها الجانبية المتنوعة، والتأكيد على الغذاء من الوسائل العلاجية المعروفة اليوم.

فهذا طبيب سابق للعصور، واضع نظريات مطلقة الحضور، ومن أمثاله أعلام علماء عرب، يتم حجبهم عن الأجيال للإمعان بتأكيد دونيتهم وعجزهم الحضاري.

فتحية للطبيب الوزير إبن وافد الأندلسي المنارة العلمية المعرفية الرائدة في ميادين الطب والصيدلة والفلاحة المعبرة عن معاني الحياة السامية.

 

د. صادق السامرائي

 

امان السيد كان بدء ذي بدء في بالي أن أتحدث عن صندوق من البطيخ، وحظ المشتري منه، ولأول وهلة وثب أمامي عنوان مستوحى منه، وإذ بي أستبدله بصندوق الدنيا.. على كل قد يكون الأوفر حظا في نقل مشهدية ترتع في مخيلتي وبين أفكاري..

السماء ملتهبة في الخارج، وقد استغرق مني الأمر نصف ساعة مشيا كي أستقر في اختيار المقهى الذي أجالسه، فكم يتلاعب بنا المزاج نحن أصحاب الأقلام، وكم تتوه بساحاتنا أفلاك وأقمار، تنطفئ أنوارها حين ينطفئ ذلك المزاج فجأة، أو يشتعل..

المقاهي الشعبية هي اختياري، ريادة الأرصفة عنوان مزاجي ذلك الذي لم يستطع أن يرى أولئك الذين يرتعون في سماء عاشرة فلا سقف فوقهم، ولا إبصار لمن تحتهم، في اعتقادي أن الكاتب الشغوف نظيري سينحو مثلي إلى تلك الأرصفة حيث يعابث الناس في عوالمهم الحقيقية، واتكاءاتهم فوق منبسطاتهم المنفسحة بلا حدود، هناك حيث تنوء الأرصفة بثقل ما تحمله نفوس روادها من خيبات، وانتظارات، ومسرات..

يحضرني الآن مقهى معنون باسم يلعن في كل مرة متى شبّ حريق بين مهاجم، وناء جانبا في قضية نهشت صدورنا، فسلب بسببها من سلب، وقتل بسببها من قتل، ومتى ماجت الأمور واندلع بركان أثق أنهم لو رغبوه خامدا لخمد منذ بواكيره، تصير مقاه وسلع معينة لعنة على مرتادها... الله، على سيل اللعنات، لعله انتصار دون أن أدري، لكني من أولئك الثابتين على موقفهم، يجاهرون بلا مخاصمة مقهى أو غيره.. هنا يحضر في بالي عمال، وموظفون من شرفاء ليس لهم ذنب سوى أنهم كتب لهم العمل في المكان الملعون ذاك..

لقد استطردت كثيرا، أعرف، في نفسي خوابٍ تريد أن تندلق فمن  بإمكانه ردي، وما حيلتي برأس تفرعت أكثر من فكرة فيه تدفعني إلى الصياح، وبذا انسقت من ساحة إلى أخرى، وتهت عما كنت أكتب؟!

إنه صندوق الدنيا، تدفعني إلى تعريته صورة أبي يوسف بائع سكريات الليمون الجوال في حينا، لقد اختلطت في رأسي الأشيب الذكريات، فغدت هي الأخرى شائبة رمادية الحضور، هل أبو يوسف نفسه الذي كان يمر بعربة خشبية بدائية الصنع، وهو يسوّق لكاميرا سوداء بين يديه يقلّب فيها شريطا دائريا عليه أكثر من صورة صغيرة، تكبرها عدسته، فنصرخ نحن الأطفال مدهوشين.. ذلك النمر، وذاك الأسد، وذاك أرنب أليس في بلاد العجائب، إلى أن امتلكت الكاميرا البدائية ذاتها إثر رجوع أمي من الحج، وكانت  تعرض لنا رحلتها القدسية ما بين الكعبة المشرفة، والحرم النبوي.. لشد ما استوقفني وقتها رف الحمائم الخاشع فوق شرفات المآذن البيض، حتى أني بأذني سمعت رفرفتها الصامتة تسبّح وتهلل، وتكبّر!

أعتقد أن مزاجي الآن قد تعثر، وصار أكثر ميلا إلى استقلالية الفكرة، فهل يسمح لي قارئي بالعودة إلى مصبي ومنبثقي الأساسي؟!

هناك رجل ينكش أنفه غير بعيد رغم أننا في مركز تسوق فاخر، ومعه زوجة شابة لطيفة، أتساءل لم يميل كثير من الأزواج إلى اللاكتراث بعد سنوات من الارتباط، فيخرجوا ما كانوا يوما يتحرجون منه وهم في طريقهم إلى الالتقاء بشركاء العمر، أهو الملل أو تآخي اللحم، أم اطمئنان وارتياح استثنائي لتقبل الشريك في مطلق الأحوال، فما دام الزواج قد وقع، فكل ما سيأتي لن يغير شيئا!

صندوق البطيخ، باب صندوق الدنيا، هل الزواج والعثور بشريك أشبه بالعثور على بطيخة لذيذة المُدام ريقها حلو يجري في الأبدان حتى بعد ذوبانه في الشرايين والأمعاء، وهل هناك طريقة ما للفوز بذاك الحلو، وما الذي يجعل بعضنا يقبل على تجربة جديدة بعد فشل، وإذ به يكرر اختيارا رفضه، فيقع في المطبات نفسها، ومن فشل إلى فشل، إلى أن يفضل واحدهم العيش في عزلة تامة، أو التصبر على قدر يَنسب إليه ذاك القدر؟!

" بعض من ثرثرات لم تكتمل..."

مقهى كاريبو/ دبي

 

أمان السيد

 

خالد جودة احمدحضرت تقنية المشهد الشهيرة في السرد، في رحاب قصيدة ،"مشاغَبة شعرية" للشاعر/ محمد حافظ حافظ، ووسيلتها الأولي الحوار الممسرح، عبر وسيط راوي يخبرنا عن حجاج قام علي طرفي نقيض الفتنة والفن.

وحكي القصيد يصيب القارئ بالشغف حول نزال كل طرف من أطراف القصيد، حيث يسوق كل طرف حججه التي يرجو القارئ أن يستبين منطقها، ثم هو مشوق لمعرفة خاتمة النزال: "وشدَّتْ إلى خَدِّ التَّصَعُّر حاجبا / حديدا ... ومِثلي لا تُخيفُ حواجبُ"، وهذا مسار طبيعي يتفق وأفق التوقع حيث التحدى جرى إشهاره بين طرفي الحجاج: "أدارتْ عن القلب البتولِ عيونها / وقالت: غليظُ الطَّبع كيف أجاوبُ ؟! / ومثلي إذا هلّتْ تداعتْ أهلةٌ / على إثرها أخرى تودُّ تُخاطِبُ / وقامت- وفستانُ الدلال- يهزها / فقاقيعَ أنثى .. كيف بعدُ أعاتِبُ ؟!"

والتشغيل على البلاغة الجديدة والتي يجسدها معني الحجاج، وليس فقط البيانية، تحول بها الخطاب الشعري من سياقه الإخباري إلي وظيفته التأثيرية والجمالية.

كان العنوان الطريف مهاد القارئ لخوض غمار القصيدة التي استهلت ذاتها بمفارقة الجناس: "وقالتْ: على شَعْري تَقومُ كَواكبُ / فقلتُ: على شِعْري تُصلي سَحائبُ"، والذي مضي أثره في سائر القصيد، فالقصيد حفل بالمفارقات علي مستوي لفظي ومستوي معنوي أيضا: " البحر – سفائن / الموج – القوارب"، ويمكن مطالعة القصيدة علي ذات النسق التعبيري الموفق، تقول في قسم منها: "فقالت: لي البحرُ الغزيرُ سفائنٌ / فقلت: لي الموجُ الجسورُ كتائبُ / فقالت: أنا النايُ .. الهديلُ .. أنا الصَّبا / فقلت: أنا شطّ الهوى والقواربُ / تفيءُ إلينا كلَّ يومٍ بتولةٌ / وتمضي كما جاءت بتولا تشاغبُ"

والموقف الشعري الذي مزج الذات الشاعرة بمعني الحب المعتز بكبريائه، جسدته اللغة الإنتقائية للقصيد: "أنا الحبُّ - إن ضلّ المحبون وِجهةً -/ تُزَفُّ إلينا دونَ سَعيٍ ركائبُ". ويبدو مهاد كبرياء الذات الشاعرة من اعتزاز برسالة الفن، ووعي دقيق بدوره في تثمير الحب المحب: "فبيتي على دربِ الأحبةِ واحةٌ / تضمُّ ... ومزمارٌ إليه تواثبوا / أغني فيسري كالشِّفاء غِناؤنا / وتمشي على الأطرافِ حُورٌ كَواعبُ / يطيبُ لها السَّبحُ اللطيفُ مُغامرا / فموجٌ يُجاريها .. وموجٌ تُغالبُ / وحيثُ استقامَ البحرُ قامتْ ضفائرٌ / تُداعبُ فوق الماءِ ثغرا يُداعِبُ"، وفي موطن شعري آخر: " وهل من يعيشُ الحُبَّ لَحْنَ بلابلٍ / كمن عاش في جنبيه تلهو عناكبُ ؟!". كما حضر الحقل الدلالي "البحر ومشتقاته" قسيما رئيسا في فنون الحجاج الممتع بالقصيدة.

 

خالد جودة أحمد

 

عقيل العبوديمضي بصورة متناغمة، إذ لا أحدَ يقوى أن يمسك بخطواته، يتسلق نحو الأفق ، يستلقي عند أكتاف المرتفعات المتجهة صوب انتشار الخضرة المحايدة.

ومع رقة انسياب الأمواج، وانتشار الأرض حيث برفقٍ تتدلى ألوان قوس قزح بناء على قطرات المطر القريبة الى الغيوم، موكب النهار يستقبل قافلة جديدة.

الحركة تلتف حول أغنية العصر، تستأنف الحياة جولتها التالية بطريقة تتناسب وصورتها المدرَكة، وغير المبصرَة.

(الكائن ذاته) يتنفس، يمنح من يصغي اليه القوة، ويسلب من يتجاوز نظام استقامته ما لديه من طاقة.

يغير خَضَبَ أَيْقُونَته ملتزما بنظرية الفصول.

يطوف مع البرد كما الحر، وتلك طقوس أزليته التي اعتاد على مواكبتها منذ الخليقة.

يجري كل برهة مثل موجة تفترق عن قريناتها مع الريح؛ تتغير طلعته لترحل بعد حين.

وهنالك في زاوية من المكان، يدنو مثل أنيس؛

يداعب أجنحة الشمس، يحتضن الملائكة مع لحظات النوم، يدعو جموع الحاضرين لمائدة عند النهار، يمسك نفسه متنقلا مع الأجواء، يلتقي بالسواد، قبل الغَدَاة، يزيل قشرة الليل مثل شرنقة يغادرها الوهن، يحتفي بإمضاءات أشرعة مُسْتَطْرَفة.

وهنالك إذ تكتسي الأشجار بألوان أمومتها، تأخذ الأصباغ محلها، تحتفي بوِفَادَة إصباحات مشايعة.

عندئذٍ، (القدوم) ينصرف بعيدًا ، تنحني السماوات لأجله، يُعزَفُ لحن الأيام، تجتمع النجوم، يصافح القمر ليله.

يَتَرَجَّلُ بعدها بمحاذاة الظل، يدعو الصُبْح لرحلة مُبْتَكَرة.

 

عقيل العبود/ سان دييغو/ كاليفورنيا

 

 

سمير محمد ايوبثرثرات في الحب 

قَبْلَها، ما كُنتُ أعلمُ في أيِّ قلبٍ هُوَ رِزقي. من رَفَّة الرُّموشِ عرفْتُها. نصفُ جمالها في صدق عينيها، والآخر في حلاوةِ لسانها وطلاوةِ حديثها، والنصف الثالث في سُمرةِ وَجْنَتيها، وأما النصف الرابع فهو في شعرها المنكوش.

منذُ التقيتها أخذتني على مَحمَلِ الجَدِّ. أيقظتني، ورُحتُ أطاردها، وأحاول الهرَبَ منها. ولكنها سرعان ما اخْتَصَرَتِ الجميعَ، ولَمْ تَعُدْ هامِشاً، وصِرْتُ أنا الأكيد. أتْقَنَتْ عيونُنا ابتداعَ أبجديةٍ خاصة، مكنتنا من الابحار معا في التفاصيلِ. 

لا شيء يحدث عبَثا بالتأكيد. فداخل كلِّ مقاديرنا، قَدَرٌ يُمَهِّدُ الطُّرُقَ لقدرٍ ساخر. بعد عقد من الزمن ترنَّحَ صرحُنا. بلا مقدماتٍ غزاها جرادٌ وسْواس. غَلَبَها شَكٌّ هُلامي لزج. إحتضنها ظنٌّ قاسٍ لم تتجاوزه. طوى صَخَبُه نقاءَ مشاعرٍ لمْ تَتلوث. آثَرَتِ الإبتعاد تَسلُّلاً. نَأتْ بِرفقٍ والبسمةُ في عينيها. لم ترحل بل هجَرَت هجرا جميلا، دون أن تضع نقطةً آخر السطرِ، ولم تُسدِل الستارةَ خَلْفَها. تركَتْ مكانَها فارغاً.

لم أتَفَهَّمَ مُبرِّرات تغريبتها المُستَجدَّة. بَقيَتْ حاضرةً في كلّ تفاصيلي ، فِطْنَتُها تُدركُ أنَّ النساء لا تتشابه في قلبي، فأنا ممن يحاذرون استكمال فراغٍ بِزيفٍ عابر.  

ما تَوقَّفَ الزمنُ بعدَها وإن بكى.  ولكني بِتُّ مُكتَظّا بفائضِ جِديَّةٍ مُتطرفة، تُشَتِّتُ روحيَ بين صمتٍ رجراجٍ، وضجرٍ متشظٍّ. إجتاحتني معه، حاجةٌ ماسّة لنسائم أيلولية، تذروا عني ما إصفرَّ مِنْ ورق. تجمَّدَ الكثيرُ من الأشياء حتى بتُّ أعمى، بلا عُذرٍ وبلا قوَّة تهزم تبعات فقدها. لم أعد أطيق الإبحار في عيون أحد، ولا الثرثرة مع أيٍّ منها. إحتراماً لتَمتماتِ عينيها، بتُّ أغضُّ الطَّرْفَ حتى لو تعثَّرتْ. ومع هذا لم تغدو سرابا، بل بقِيَت نبع ذكرياتٍ متدفقٍ. ما أن تطوف بي نسائمها، تتقافز وشوشاتُ عطرٍ يتحدث عنها بأناقة، وتمتمات دفء تطوقني. 

في زحمة الشوق، حاصرني منذً أيَّامٍ، واقِعٌ لا أجيد فهمه. تمرَّد جسدي مُعاندا. لم أعد مشتاقا للقهوة، ولا التماهي مع الموسيقى، وغادرتني اللهفة لِلْكَلِمِ، مَكتوباً أو مَسموعاً أو مَرئيا. لم أعد قادرا على حماية صمتي. وخِفْتُ أنْ يغتصِبَ حَزَني شوقٌ متمردٌ لها. بَدَت روحيَ هشّةً، غافيةً على حوافِّ إنطفاء. وكان قلبيَ عاريا توّاقا لفرح. بدا كلُّ شيءٍ حوليَ غريبا مُغْلَقا مُبعثرا. إنعدمَتْ رغبتي في العتاب. وغدَت قدمايَ مُترعةً برغبةِ إعتزال، حيث لا زوابعَ ولا حتى هديل. فقرّرتُ الإبتعاد مُكتفيا بنفسي، لألَمْلِم عشوائيات غيابها ، وأجعلها بالترميم أقل ضررا.

بكامل حُزْنيَ قطعتُ مسافاتٍ في شوارع عمان المكتظة، عصر الأمس الحار. حتى بانَ من البعيد سَرْوٌ باسِقٌ، على ضفاف مشاريق السلط، يتثنى مُتمايلا مع نسائم حَييَّةٍ تُدَغْدغه وتعابثه. بعد بضع منعرجات في جوانب المكان، تَرجَّلْتُ في بقعةٍ مُطِلَةٍ على حوض البقعة، تنطوي ظلالُها على عالم من الحنين، اعتدنا سويّة غرسَه وتشتيله هناك. 

لستُ أدري كم من الوقت كان قد مضى، وأنا مُحتضنٌ بين راحَتيَّ ، رأسيَ المُتَوَكِّأ على عكازتي، غارقا في أملٍ يُصارعُ ضَياعا. مُتمنيا على الله أن تَنَزَّل عليَّ أو أن تُباغِتَني في الحضور، وأنا أعلم أنها لَنْ.

إرْتَجَّ المكانُ على حين غرة، واحتشد بصوت صاحبتها، آتيا من كلّ حدبٍ وصوب، ووجهُها دانيا بهدوء يملؤ الأفق، سمعتُها تسألُني مشفقةً، والحيرةُ في عينيها: ما إعتدتُ أن أراك هنا وحدك يا صديقي ؟ 

قلتُ وبواكيرُ بسمةٍ تَتسلل إلى عينيَّ: قبل أن أجيبك، دعيني أسالك: هل سبق لك وأن ناديت أحدَهم في السر، ثم لبَّى وأتى، أو لبَّى واتصل؟!! 

قالت مجيبة بصوت مشوب بسخرية خجولة: ولكنَّ طورِ سيناء حيث ناجى موسى ربه، ليس هنا يا سيدي. وأثق أنك تعلم، أن جبل نِبُّو حيث أطَلَّ كَليمُ الله على الجبارين في فلسطين، ليس هنا هو الآخر، إنه كما تعلم، هناك في مأدبا.

قلتُ مُتجاوزا نبرة صوتها: كلما إستبدَّ بي ضِيقٌ أو هَمٌّ أو غَمٌّ، أريدُني معها لِنُغَربِلَ تجربتَنا سوية، عَلَّنا نقتربُ من صوابٍ مُشترك . وحتى لا يغدوَ الصمتُ راعيا لمشنقتي، أستنجد بمشكاة شوقي، لتُنبِتَ للقلب أجنحة، أسري بها لاجئا إلى هنا. فهنا كما تعلمين مَثابَتُنا وبَرزَخُنا. أتسلل بحثا لها عن عذر، يغسلني ويشذب حُزْنِيَ، ويجمع شيئا مما قد تناثر منا. وإنْ عجزتُ أعتصمُ بصبرٍ جميلٍ لا يغتالني، إلى أن يبدِّلَ الله حالنا بحال أحسن.  

خُيِّلَ إليَّ أنَّها تُحملق بيَ وهو تسأل ثانية: أما زلتَ غاضبا منها؟!

قلتُ بأسى بَيِّنٍ: لأني أتقن قوة التماسك، إحتضنتُ غيابَها من أول يوم. أرتل وجعي بالتأكيد، ولكن دون أن أسمح لدهاليز التخلي أن تحتلني بالغضب.

قالت بصوتٍ مشوبٍ بفرحٍ حَذِر: ما حالُ قلبك الآن؟!

قلتُ مُجيبا وأنا أشدِّدُ على مَخارج كلماتي: الحب يا سيدتي، بكل فصوله وأسبابه شراكة، وإن بدَت أحيانا غيرَ مُتكافِئَة، في إتقان فنونِ الإنتظار. ولكن الحب رغم هذا التفاوت، إنْ بقيَ بِلا ضمٍّ محجورا عليه، لا يُعَوَّلُ مُطوَّلاً على مناعته.  فما أصعب العزف على أوتار الحياة مع شريك هلامي، ترينه يوما مفعما بحبك، ويوما لا تدرين من يكون.

قالت: سأحاذر التطفل وانا أسألك: لِمَ لا تذهب إليها؟!  فمهما عبَثَ الأبالسةُ بِكُما، لا شيء يقوى على حب بالأمل زُرِع. تَمَسَّكْ بِمَنْ تختلف صِحِيَّا معه. فالحب إنْ صَدَق، أقوى من كلِّ  شكٍّ أو ظنٍّ. وأكملَتْ تقولُ بصوتٍ يتباعد تباعا: قُمْ يا رجل. أنتَ منْ علَّمنا أنّ الحب لا يَليق بالهواة، ولايُطيق الجبناء. ويَمقُت الحيارى العالقين على أبواب الترقب الغبي. تبسّم لوجَعِك وإنِ إتسع، فلا يمكن لصامتٍ مهما إرتقى أن يحلَّ مُشكلةً. قُمْ وجَدِّدْ وضوءَ شوقِك، ورتِّل كلَّ ما فيكَ مِنْ حنينٍ إلا قليلا. ومِنْ هُنا سابِقْ ظِلَّكَ سعياً إلى ألطافِها. ستَسْمَعك، وتراك، وسيبدو كلُّ شيء جميلا.

وغدا في مثل هذا الوقت، أنا وصاحبك، ننتظركما هنا كما اعتدنا، مع طاسةٍ من القهوة التي تُحِبُّ أنت، وكمشةِ فيروزياتٍ من إنتقائها هي.

 

كتب الدكتور سمير محمد أيوب

 

 

 

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (10)

قالت شهرزاد: هل تعتقد أن الإعتذار يخفف من آثر الصدمة حينما نخطئ بحق من نحب؟ 

شهريار: بكل تاكيد فالإعتذار الصادق من إطلاقات المحبة التي تتعامل مع الجراح بقدرة عجيبة، إنه أول جرعة لتسكين الألم تمنع خطرالجفاف عن نهر المودة .

وأجد أنّ الناس في صفة الإعتذار ثلاث، أولهم الطيبون الحريصون على دوام المحبة،وأولئك أفضلهم وأكثرهم صدقا، هم الذين إذا اعتذروا غمروا قلوب الناس بأرق العبارات وأكثرها عمقا، وهم يدركون أحقية من أخطأوا بحقه بنيل أعظم إحترام كما تعرض لأشد عبارات التنكيل،او الأفعال الجارحة،ولو بنظرة إزدراء في لحظة غضب، هم من يقول أحدهم: أعتذر لك من أعماق قلبي فانا مخطئ، لم يكن من حقي قول كذا او فعل كذا لقد أسأت إليك .. أعترف بذنبي فاقبل اعتذاري وسامحني، وكلما كانت إساءتهم في وسط جمع من الناس، حرصوا على الإعتذار في جمع مثله، وأنهم ليبذلون الغالي والنفيس،ويتذللون بهامات منحنية في وضعها، عالية بطبعها لقبول إعتذارهم،وإرضاء أحبابهم من العوام والخواص.

أمّا الصنف الثاني فهم المراؤون الذين يخافون من فقدان منصب، او ضياع مصلحة، وهم لا يحملون مشاعر الإعتذار بين كلماتهم وتملأ وجوههم علامات الاضطراب، وتتدفق من ملامحهم عبارات الإستهجان لاعتذارهم الهش،هم الذين لا يمتلكون حكمة الصبر، ويتذمرون من عدم قبول إعتذارهم من الوهلة الاولى، إنهم بكل بساطة لا يحملون مشاعر المحبة  ليغدقوا بعبارات الإعتذار الصادق .

أمّا الصنف الثالث فمجبر على الإعتذار بعد ملامة الجميع، والمصيبة كل المصيبة أنهم لا يعترفون في قرارة أنفسهم بالخطا، تلك (الأنا) المتعالية المتكبرة تمنعهم من الإعتراف بالذنب، وتزيد من مرارة الإعتذار في قلوبهم، والأهون على أحدهم  الموت من أن يقول: أعتذر أنا مخطئ  بحقك،  وهؤلاء أسرع إنفعالا واضطرابا من الصنف الثاني،والمتفحص لأحدهم في تلك اللحظات يجد علامات الكراهية طاغية على ملامحهم، ويود أحدهم أن ينهال بالضرب على من جاء يعتذر منه مجبرا،وجوههم مصفرّة، وأوداجهم منتفخة، ونظراتهم محلقة كأنهم يودعون أرواحهم في لحظات النزع .

 إننا لندرك صدق الإعتذار من نبرات الصوت قبل الكلمات، ومن علامات الندامة قبل  الإبتسامة، ومن تواضع الطلّة قبل تبرير العلّة .

ومع هذا كله فإنني لا اريد أن أرمي بالثقل كله على المخطئ، وأتناسى أن من بين الناس من لا يتقبل الإعتذار وإنْ بذلنا كل جهد صادق لتحقيق ذلك، والذين لا يقبلون الإعتذار الصادق صنفان، الأول إنسان لم تجد المحبة الى قلبه سبيلا، فهو  قاسي القلب تصدت نفسه المتعالية  لإطلاقات المحبة على مدى سنوات، وهو ذاته الصنف الثالث من المعتذرين من ذوي النفوس المتجبرة التي تجد الأعتذار ضعفا غير مبرر يشعرهم بالحرج حينما يعتذرون مجبرين كما ذكرنا آنفا، وهم في الوقت ذاته يرفضون تقبل الإعتذار الصادق لأنهم ينظرون الى صاحبه نظرة دونية، تلك (الأنا المتعالية) توهم صاحبها بانه فوق الكل، وأن المساس بعرشه الواهن بقصد او بغيرهِ خطأ لا يمكن قبول الاعتذار عنه .

وأمّا الصنف الثاني، فذلك الذي كثرت أخطاؤنا في حقه بينما شحت إطلاقات المحبة نحو قلبه، حتى جف نهرها، ومهما كان صدق الإعتذار من هؤلاء فانهم لا يجدون سببا عقليا او التماسا نفسيا لقبوله، فان كثرةَ الطرق تفصم عُقد اللحام كما يقولون، فما بالك يا شهرزاد ونحن نطرق بقساوة تلو قساوة على قلوب أحبَتْنا وأنبتتْ شجرة طيبة تحمل ورود المواقف الجميلة،والدعم والأمانة، والاحترام والثقة المتبادلة، لكنها ذبلت حين انقطعت عنها مياه المحبة، وصارت قاسية بلا روح، وحينها لن يكون للاعتذار إلا فعل المسمار في أخشاب صماء .

نحن نعتذر لنداوي الجراح فان زاد قيحها بضربات متلاحقة صار علاجها مستحيلا، كما إننا نعتذر ابتداءً لنعترف بأن فعلنا، أو قولنا كان جارحا، ولايمت الى المحبة وأحوالها بصلة، ولناخذ على أنفسنا عهدا بالإبتعاد عن مثيلاتها، فإنْ صارت إعتذاراتنا أكثر وأكثر فذلك مؤشر على ضياع المحبة في قلوبنا، وهو مايدركه  المتعرض لقساوتنا المتكررة فلا يقبل الإعتذار .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

......................

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

صادق السامرائيالشكل: هيئة الشيئ وصورته.

الإشكالية: ألتباس وإشتباه في أمر ما أو شيئ ما.

لكل موجود شكل، وينتفي وجوده بإنتفاء شكله، وهذه بديهية خلقية كونية أزلية لا يحيد عنها موجود، بل أن في النوع الواحد تتأكد الأشكال الدالة على الفردية والذاتية بما يميّزها عن غيرها.

وهذا ينطبق على جميع الحالات القائمة في الحياة، فالكتابة أشكال، ولا يمكن صهر جميع الأشكال وتذويبها في حالة هلامية سائبة.

فالشعر شعر، والنثر نثر، والرسم رسم، والكتابة كتابة، واللون لون والكلمة كلمة، ولا يصح الخلط بين الأشكال وعناصرها ومفردات كينونتها.

فهذا يرسم بالكلمات، وذاك يكتب بالألوان، وهذا يحسب المنثور شعرا، والشعر نثرا، والكتابة وهما وسرابا يتماوج فوق السطور.

فما هي الكتابة وما هو الشعر؟

سنقول أن الكتابة أشكال، والشعر شكل من أشكالها، وهذا قول تقليدي قديم، لكن الجاري في الواقع المعاصر، الخلط ما بين الأشكال، وتغليب المناهج السوريالية اللونية على الكينونات ذات المعالم والمواصفات المميزة هو السلوك الغالب، خصوصا في المجتمعات المستوردة لكل شيئ، والفاقدة لهويتها وما يشير إليها، وهي تسعى بإندفاعية للتماهي مع الآخر الذي لا تعرفه، ولا تستوعب تجربته ومعطيات سلوكه.

والكثيرون جرّدوا الموجودات من شكلها وما يميزها، وأخذوا بما هو ميت وهزيل، لا يعرف شكلا ولا صورة ولا معنى ويحسبونه وفقا لأهوائهم، فيستسهلون ما يسطرون، ويجهلون بأن الصياغة الكتابية المجردة من الشكل أصعب بكثير من الكتابة ذات الشكل الواضح الراسخ.

فكتابة الشعر وفقا للبحور أسهل من كتابته بأساليب أخرى، لأن على الكاتب أن يستولد القصيدة شكلا ومعنى، ويضخها بالصور التي تدلل على فحواها وكيانها الذي بناه، أي أنه يصوغ شكلا وفقا لرؤاه، وهذا جهد لا يتمكن منه إلا البارعون في الإبداع والموهوبون بحق.

بينما السائد يتميز بالميوعة والترهل وفقدان الصورة الدالة على شكل إبداعي خلاب!!

فاصنع شكلا إن كنت مبدعا!!

 

د. صادق السامرائي

19\11\2020

 

ناجي ظاهراتيح لي مؤخرًا، او اتحت لنفسي بالأحرى، ان اعود الى كتاب ثمينٍ غالٍ على النفس، اطلعت عليه وعلى ما تضمّنه من دُرر ادبية اجيال واجيال. كانت لي معه. جلسة طيبة افرحت العقل واغنت الوجدان مجددًا. الكتاب هو" مُنتخبات الادب العربي"، للاب حنا الفاخوري ولجنة من اساتذة المدرسة البولسية. اللبنانية. صدر عن المطبعة البولسية عام 1955. ووقع في 768 صفحة من القطع الكبير.

هذا الكتاب هو استمرارٌ لكتاب "تاريخ الادب العربي"، المعروف المشهور لمؤلفه او مؤلفيه. ومثله يستحق ان يعود المرء لقراءته لأكثر من سبب، نحو انه يوطّد العلاقة بين القاريء العربي الحديث وبين عمقه الادبي التليد، في فترة تهيمن فيه ثقافة العولمة او الامركة على العالم، لا سيما عالمنا في هذه المنطقة. وهناك اسباب اخرى منها انه يقدم لقارئه وجبة دسمة بل وجبات مختارة بذوق رفيع من ادبنا العربي، قديمه عامة وحديثه خاصة، ومن جماليات هذا الكتاب انه يحفل بالمعلومات المحفزة لأبناء الاجيال العربية الطالعة المثرية لذاكرتها.

يفتح الكتاب بمقدمة يمكن اعتبارها مدخلًا لقراءة الادب عامة وادبنا العربي خاصة. تقدم هذه المقدمة تعريفًا للناقد واهمية ان يكون مثقفًا ومرهفَ الحس ويُسيره ضميره النقي. الى جانب هذا يقدم تعريفًا للأدب يتمثل في انه يعتمد، شعرا ونثرًا، في عمقه على الفكرة والخيال العاطفة، وتضم المقدمة نصَّ قصيدة لابي فراس الحمداني، مطلعُها "اقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ". القصيدة من الروميات وهي القصائد التي كتبها صاحبُها خلال اسر الروم له. الى جانب هذا النص الشعري نقرأ شرحًا متعمّقًا للكلمة والمعنى، لا يدل على عمق المعرفة وحسب، انما يدُل على مدى المحبة ايضًا.

توقفت خلال جولتي القرائية في هذا الكتاب، عند ابي العلاء المعري، وقصيدته الخالدة "غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي". وقد اعادتني قراءتي المتجدّدة لهذه القصيدة، الى ايام الدراسة حينما حفظناها عن ظهر قلب، وكانت لي جولة متجدّدة معها ومع ما ضمته من كلمات ومشاعر تضع قارئها في مواجهة شبه عيانية مع الوجود وفلسفته المحيرة، كما رآها ابو العلاء.

وقفة اخرى كانت لي مع احدى قصص" الف ليلة وليلة". هي "حكاية خالد بن عبدالله القسري مع الشاب السارق". القصة تحكي عن شاب نموذج للرجولة والايثار الانساني. يُحضره متهمون الى الامير القسري على اعتبار انه تمّ القبضُ عليه خلال محاولته السرقة من بيتهم. الامير يسأله عمّا اذا كان ما يقوله المتهمون صحيحًا، فيؤكد له هذا انه صحيح ولا غبار عليه. يستريب الامير بالأمر، الا انه لا يجد امام اصرار الشاب على تأكيد التهمة، سوى ان يحكم عليه بقطع اليد كما يقضى الشرع.. حين ثبوت تهمة السرقة، خلال مكوث الشاب في المعتقل بانتظار تنفيذ الحكم القاضي بقطع يده، يكتب قصيدةً تفيد انه يفضّل قطع يده على ان يفصح بسر من احبها قلبه. تصل انباء القصيدة الى الامير، وتأتي المفاجأة قبل تنفيذ الحكم بقليل، اذ تظهر من بين الجمهور صبية.. تُعلم الامير ان الشاب جاء بيتها ليلتقي بها، وعندما احس بوجوده ابوها واخوتها، جمع اغراضًا وادعى انه اراد السرقة. الحكاية تنتهي بمبادرة الامير تزويج المحبين المدنفين، كلٌ من الآخر. نهاية تفتح باب الامل.. قبل ان يغلق في وجه ناشديه بقليل.

كتاب "منتخبات الادب العربي"، لحنا الفاخوري واللجنة المرافقة له، اضافة الى كتاب "المشوّق"، للمراحل الدراسية المختلفة، يعتبر كنزًا ادبيًا ثرّ العطاء. اقترح على من ييحث عن كنز ادبي يقضى سويعات طيبة برفقته ان يشد الرحال الى عالمه الواسع.. الرحيب.

 

ناجي ظاهر

 

 

يسري عبد الغنيمحمود تيمور (1894-1973م) كاتب قصصي، ولد في القاهرة في أسرة اشتهرت بالأدب؛ فوالده أحمد تيمور باشا (1871-1930م) الأديب المعروف، الذي عرف باهتماماته الواسعة بالتراث العربي، وكان "بحاثة في فنون اللغة العربية، والأدب والتاريخ، وخلّف مكتبة عظيمة هي "التيمورية"، تعد ذخيرة للباحثين إلى الآن بدار الكتب المصرية، بما تحوي من نوادر الكتب والمخطوطات"وعمته الشاعرة الرائدة عائشة التيمورية (1840-1903م) صاحبة ديوان "حلية الطراز"، وشقيقه محمد تيمور (1892-1921م) هو صاحب أول قصة قصيرة في الأدب العربي.

وقد ولد محمود تيمور في قصر والده القديم بدرب سعادة بالقاهرةفي منطقة باب الخلق بالقاهرة القديمة ، "وقد نشأ في بيئة أسرية تجمع بين أمرين كان اجتماعهما غريباً في مثل هذه البيئة، الأمر الأول: الغنى والارستقراطية، والثاني: العلم والأدب على الطريقة العربية المأثورة".

 كان والده أحمد تيمور باشا قد كرّس حياته لخدمة اللغة العربية ومعارفها، وكان يتردّد على مجالسه بعض أعلام الأدب والفكر، وقد "تعهده الوالد منذ النشأة، وحبّب إليه المُطالعة، ومن حسن حظه أن كان لوالده خزانة كتب كبيرة، يعتني بها، ويبذل في تنميتها وقته وماله، فكانت خير معين له على الاطلاع، وولّدت فيه حب الكتب".

 تلقّى محمود تيمور "تعليمه الأول بمدرسة الناصرية الابتدائية والإلهامية الثانوية، ولمرضه لزم داره، واضطر إلى الحصول على البكالوريا عن طريق المنزل لا المدرسة".

سافر للاستشفاء بسويسرة، ولم يتم دراسته. "وكان قد دخل مدرسة الزراعة العليا، ولكنه لم يُتم الدراسة بها، إذ أُصيب بحمى التيقوئيد، ولزم الفراش ثلاثة أشهر، وهو يعد هذا المرض من المؤثرات فيه، إلى جانب والده وشقيقه محمد، ويبين هذا التأثير فيه بأنه قضى مدة هذا المرض "في ألوات شتى من التفكير وأخلاط الأحلام، واستطعت أن أهضم الكثير من الآراء التي تلقيتها من أخي، أو استمددتها مما قرأته من الكتب".

وقد "انصرف محمود تيمور وشقيقه محمد تيمور إلى الفن القصصي بجميع فروعه، ممّا كان من العسير على شيوخ الأسر تقبله منهما، ولا سيما لأن هذا الفن يُعالج العواطف المشبوبة والمشاعر الوجدانية، وهي موضوعات كانت تُعتبر وقتها موضوعات شائكة، لا يصح لمن ينتسب إلى هذه الأسرة أن يضيع وقته فيها".

بين الرومانسية والواقعية:

كان في بداية حياته يميل إلى الرومانسية، ولميله إلى الرومانسية أقبل بشغف على قراءة مصطفى لطفي المنفلوطي، يقول: "كانت نزعته الرومانسية الحلوة تملك عليَّ مشاعري، وأسلوبه السلس يسحرني. وكل إنسان في أوج شبابه تُغطِّي عليه نزعة الرومانسية والموسيقا، فيُصبح شاعراً ولو بغير قافية، وقد يكون أيضاً شاعراً بلا لسان!

 كما استهوته في فترة البدايات مدرسة المهجر ـ وعلى رأسها جبران ـ "وقد أعجب محمود تيمور بكتابه "الأجنحة المتكسرة"، وتأثرت به كتاباته الأولى".

استغلّ فراغه في الاطلاع والدراسة الأدبية، واهتم بقراءات جديدة تجنح إلى الواقعية، مثل "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي، ورواية "زينب" للدكتور محمد حسين هيكل، وكان هذا من توجيه أخيه محمد، الذي قضى بضع سنين في أوربا، اطلع في خلالها على ما جدَّ هناك من ألوان الأدب واتجاهاته، وعاد إلى مصر محملاً بشتى الآراء الجديدة التي يقول عنها محمود تيمور في كتاب "شفاء الروح":

"كان يتحدّث بها ـ أي الآراء الجديدة ـ إليَّ، فأستقبلها بعاطفتين لا تخلوان من تفاوت: عاطفة الحذر، وعاطفة الإعجاب. هذه الآراء كانت وليدة نزعة قوامها جحود القديم … ولكن جدتها أخذت تهدأ على توالي الأيام، ومن ثم اتخذت طريقها الطبيعي في التطور. والأمر الذي كان يشغل فكر أخي، ويرغب في تحقيقه هو إنشاء أدب مصري مبتكر، يستملي من وحيه دخيلة نفوسنا، وصميم بيئتنا".

 وانتهى الصراع بين الرومانسية والواقعية في نفس محمود تيمور إلى تغليب الواقعية، فكانت مجموعاته الأولى على غرارها.

على أن الرومانسية لم تذهب تماماً من نفس محمود تيمور، بل نامت في فترة الحماسة للواقعية وأهدافها القومية المصرية، ثم ظهرت بعد ذلك في عدة قصص طويلة وقصيرة، منها قصته الطويلة "نداء المجهول".

قصصه:

توجّه محمود تيمور ـ بفضل توجيهات أخيه ـ محمد تيمور إلى قراءة إبداعات أخيه محمد تيمور ـ إلى قراءة إبداعات الكاتب القصصي الفرنسي جي دي موباسان، فقرأ له وفُتِن به، واحتذاه في كتابته. ومما يُذكر أن جريدة "الفجر" نشرت له سنة 1925م قصة "الأسطى حسن يُطالب بأجرته"، وكتبت تحت العنوان "بقلم صاحب العزة: محمود تيمور، موباسان مصر".

وأول قصة قصيرة كتبها، كانت في عام 1919م بالعامية، ثم أخلص للفصحى، فأعاد بالفصحى كتابة القصص التي كتبها بالعامية، وأصبح من أعضاء مجمع اللغة العربية عام 1949م.

 ويزيد عدد ما أصدره من قصص وروايات على خمسين عملاً، تُرجم بعضُها إلى لغات شتى "وتدور حول قضايا عصرية وتُراثية وتاريخية، فضلاً عن روايات استوحاها من رحلاته، مثل: "أبو الهول يطير" و"المئة يوم" و"شمس وليل"، أو روايات أدارها حول الشخوص الفرعونية، مثل "كليوباترة في خان الخليلي".

جوائز:

منح محمود تيمور عددا من الجوائز الأدبية الكبرى في مسيرة حياته الأدبية، منها: جائزة مجمع اللغة العربية عام 1947م، وجائزة الدولة للآداب في عام 1950م، وجائزة الدولة التقديرية في عام 1963م.

 قال عنه طه حسين: "لا أكاد أصدق أن كاتبا مصريا وصل إلى الجماهير المثقفة وغير المثقفة مثلما وصلت إليها أنت، فلا تكاد تكتب، ولا يكاد الناس يسمعون بعض ما تكتب حتى يصل إلى قلوبهم كمايصل الفاتح إلى المدينة التي يقهرها فيستأثر بها الاستئثار كله".

مات في لوزان بسويسرة 1973، ونقل جثمانه إلى القاهرة، ودُفِن بها.

 

بقلم/د.يسري عبد الغني

 

صالح الطائيبمناسبة عودة التفجيرات إلى بغداد/ نثر مركز

في الطريق إلى أوروك، بلاد الخير والحضارة، البلاد التي أبدلت جلدها وارتدت السواد

حيث الظلمة ورائحة البارود وثغاء طفلٍ يتيمٍ تقطعَ أوصالا بفعل العصف الغادر

وطائرات الإخوة الأعداء من جيش التحرير القادم من أرض العم سام تقصف البشر في المساكن والحقول، والصحارى والسهول، وتقتل الهواء، وتنشر الهراء والبلاء

كنتُ أحث الخطى، ابحث عن أوتونوبشتم بين أدغال الوهم؛ عله يدلني على نبع الحياة

أو يلبسني جلد أفعى

كنتُ وحيداً والريح كانت تعوي كأنها ذئاب جائعة أو عرس بدوي تعصف به الرمال

وحزني كان يتعملق في سماء رغبتي، يجبرني على البكاء بعد أن نسيت الصهيل وأدمنت الهزائم.

طال السفر، وقل الزاد، وجفت العيون، ويبس الزرع

وفي الأرض اليباب زحف الليلُ ليقتل الخضرة ويجفف المياه

كنتُ أسير وقد أنهكني الوجع، وحينما وصلت إلى أبواب المدينة الخربة لم أفرح

لفتني البلادة وأفقدتني فرحتي؛ ربما لأني وجدت مكتوبا على أسوارها المهدمة وفوق بابها الهرم: مدينة عربية!

وهذا أمر يحسم القضية

عدا رائحة الشواء وألسن اللهب وسواد الدخان لم أجد حراسا يقفون على بواباتها

لم أشم رائحة أنفاس بشرية

فقط بغيٌ تقدم بها العمر وشاخت سنينها، كانت تجلس هناك فوق كومة كبيرة من الذكورة العربية التي تخلى عنها أصحابها من الهلع

سلمت عليها بصوت عال ممهدا لسؤال

لم ترني لأنها كانت مشغولة بالبحث عن واحد منها لم يصبه العطب بعد

فلم تجد سوى الخواء ورائحة الخيانة وقوافل الجُبن المعتق في الضمائر

فناديتها: لا تتعبي نفسك بالبحث، فالعرب ماتوا مذ ذبح العراق

العرب ماتوا مذ أن اغتصبت ليبيا، وأحرقت سوريا، وهتك عرض اليمن، وشوه وجه لبنان الجميل، وقصفت غزة بالنابالم، ومات الشعب الأصيل ومعه ماتت أصائل الخيول

العرب ماتوا مذ أن رفرفت رايات أعدائهم على أسطح منازلهم باسم سلام وادي عربة

العرب ماتوا وفقدوا مواريثهم وطباعهم، وصاروا يبحثون عن التطبيع من خلال لعبة البوبجي.

العرب تحولوا إلى قطيع قردة تقوده حمير مستنفرة أرعبتها قسورة، وأفقدتها هيبتها غضنفرة، واذلتها حشرة

العرب ماتوا يوم صارت نساؤهم قبلتهم وربهم دولارهم

قد فقدوا أصولهم، وأضاعوا سننهم، وصاروا يخجلون من كلمة عربي

وأدمنوا الرذيلة

ومارسوا الغيلة

وطلقوا القِبلة والقبيلة.

إلا عقال الرأس لا زال شامخا فوق داغ خاو

ربما لأنهم لا يريدون أن يُتعبوا الجلاد بالبحث عن سوط

فالعقال بديل نافع يهيج المواجع، وهو سهل المنال.

***

الدكتور صالح الطائي

 

 

عقيل العبودجلس كعادته تؤرقه الأفكار، أحاط نفسه بفضاءات من الأسئلة والخيالات، إبتدأت المشاهد مثل أضواء رحلة ليلية، تتموج بين أرجائها الصور، غاص مع ذكريات عمره المديد، راح يشعر بشئ من التبصر، والتقصي كأنه ينتظر الحقبة المناسبة للوصول الى محطته المرتقبة.

حاول ان يحلق مع نفسه مثل طائر ينتقل من حي الى آخر، غاص صوب مديات لا حدود لها من الأزمنة.

تدافعت معه الأحداث، لعله يقدر ان يلتقط حلا لبعض الألغاز التي سرعان ما تناسلت مع بعضها مثل حبات قمح تناثرت في بُحْبُوحَة.

تركزت افكاره عند نقطة من البداية، فالقريب بات بعيدا عن المكان، وأضحى البعيد قريبًا مع الزمان، وبهذا تداخلت مفردة الزمان، مع المكان، وتلك عاقبة لها صلة بماضٍ بعيد.

أمست الأشياء، والمراسم تعترض نواياه وقراراته بعد ان تجاوز الستين، فهو بسبب حرصه على مرضاة من حوله، راح يجد نفسه أمام دوامة تعكر مزاجه، تعترض صفاء نفسه التي يسعى لأن يكون متوافقا معها.

فالوهم بات حقيقة حين تحول الزيف الى الصدق، في عصر تتخالف فيه النوايا، وتتقاطع فيه الأمنيات.

وعلى غراره أخلاقيات شتى تغيرت لتحل محلها اضداد أخرى كالتزوير، والافتراء، والنميمة ، والتضليل، وبذلك ارتدت المفاهيم الجميلة لباسا غير لباسها، وتغيرت لغة الفضيلة الى الرذيلة بموجب تلك المعادلة من المسميات.

فقد ساد (الموهم) ليكون هو المهيمن في عالم تتسارع، وتتداخل فيه الأفكار، ذلك ما يجعل الإنسان أمام معترك من الحواجز، والأوهام التي تحول بينه وبين ما يصبو اليه.

فالمنافق يصير قويا قياسا الى صاحب المبادئ، ويشغل المتملق مكانةً غير مكانته المستحقَة، ليطوَق بالاحترام، ويحترمُ من يرتدي لباس الكذب، وهكذا تقع المفاهيم فريسة للمصاديق.

وسر الكلام هو ان القرب، والبعد من الناس، والاشياء تشبه عملية الدنو، والشُطُون عن حافة بحر هائج، حيث لا يمكن اكتشاف المسافات المترامية من الزرقة الممتدة الا عن بَوْن.

ولهذا يصبح البعد قربًا، كونه به، اوعن طريقه يتاح للشخص ان يتمتع بإمكانية الإحاطة بلُجَّة اللامتناهي من الخلاء.

وهو اللغز الذي أدركه ذلك الجالس مع صمته بعد حين، ما آل به لأن يطوف بعيدا في منتجع تأملاته التي مكنته من الوصول الى نتائج عجز هو، ومن حذا حذوه عن إدراكها منذ حين مضى من العهد.

 

عقيل العبود/ سان دييغو كاليفورنيا