محمد العباسيوصلني قبل أيام مقطع جميل لمتحدث يتكلم عن أهمية الأوراق في حياتنا منذ شهادة الميلاد حتى شهادة الوفاة.. مع أننا اليوم توغلنا في عالم التطبيقات الإلكترونية "اللاورقية" بشكل واسع وباتت أغلب معاملاتنا تتم عبر الهواتف الذكية والحواسيب وماكينات الصرف البنكية، وغيرها من أدوات.. ولكن رغماً عن كل ذلك تطلب منا بعض الجهات طبع نسخ ورقية من المعاملات والاحتفاظ بها في ملفاتنا الخاصة.

لن نلتفت كثيراً للمقارنة بين عادات الماضي والحاضر والمستقبل في هذا الشأن.. لكن لننظر معاً في دور الورق في مجمل مناحي حياتنا.. أو بدائل الورق التي هي في أشكالها واستخداماتها تمثل الورق بصورها الرقمية.. لكن متى بدأ الإنسان في صنع الورق؟

كلنا على دراية بما يؤديه الورق من خدمات في ميادين الكتابة والطباعة والصور ولف البضائع وحتى التجميل.. لكن قد لا يعرف إلا القليل منا حكاية تاريخ صناعة الورق وتطوراته.. إن فكرة استخدام مادة صالحة للرسم والكتابة قديمة العهد، وقد نقش الإنسان البدائي أشكالاً ورموزاً على الخشب أو في أحيان كثيرة على الحجر والنقش على جدران الكهوف والمغارات القديمة.. ثم بدأ الإنسان الكتابة على أوراق النخيل، وعلى اللحاء، ثم على الجلود والعظام وعلى صفحات من الخزف المطلي بالشمع الأصفر، ثم على صفائح من الرصاص أو تلك المصنوعة من معادن أخرى.. حتى فكر المصريون القدامى في استخدام لحاء نبات البردي (Papyrus) وهي كلمة اشتقت منها كلمة (Paper)  وانتشر استعمال البردي في مصر القديمة وأرض الرافدين والصين، ثم في اليونان وروما قبل آلاف السنين، وبقي ورق البردي طوال قرون عديدة الوسيلة الوحيدة للكتابة عند المصرين والرومان والإغريقيين.

وتشعبت استخدامات الورق عبر الحضارات حتى انتقلت صناعة الورق إلى العرب عندما وقع صناع صينيون في الأسر بسقوط "سمرقند" في يد العرب سنة 705م.. وقد أنشئت أول ورشة لصناعة الورق في "بغداد" خلال فترة وزارة "الفضل بن يحيى البرمكي" التركي الأصل، في عصر "هارون بن محمد" الذي حكم تحت لقب "الرشيد" على عادة الحكام العباسيين وحلفائهم، ولم تشع الكتابة على الورق إلا بعد زيادة عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة، حيث كانت أعدادهم قليلة جداً، والأمّـية تكاد تكون عامّـة، إضافة إلى تعدّد لغات السكان المسلمين بسبب الحروب والهجرات الكثيرة، ودخلت صناعة الورق في الهند في القرن السابع تقريباً – وقد كان الهنود يحفظون النصوص ويتناقلونها شفهياً من جيل إلى جيل لذلك لم يتم انتشار أو تطور صناعة الورق هناك حتى القرن 12 (ويكيبيديا).

أما أوراق اليوم فيتم صناعتها من الخشب الخام، الذي يتكون من ألياف السليلوز أو الألياف النباتية، مثل: القطن، والقنب، والكتان وغيرها.. حيث يتم تحويل الخشب الخام إلى "لُب" وهو حساء مائي من ألياف السليلوز وخليط من الماء والمواد الكيميائية التي تستخدم خلال عملية فصل الألياف.. ويتم بشكل عام خلط اللب بشكل ميكانيكي باستخدام آلات الطحن، حيث يتمّ خلط رقائق الخشب مع اللب، بحيث يحتفظ اللب ببعض اللجنين وبالتالي يكون الورق رقيقاً وخفيفاً ومتماسكاً بحيث يتناسب مع ورق الجرائد مثلاً.. وهذه الطريقة هي الأكثر انتشاراً.. وقد يحتاج خليط اللب إلى تبييض لصنع ورقة أكثر بياضاً، حيث يتمّ ذلك من خلال إضافة مواد كيميائية خاصة بالتبييض.. عندما يُصبح اللب جاهزاً تبدأ الآلات الكبيرة والضخمة برش ورمي خليط اللب وتحريكه على شبكة متحركة كالغربال، وذلك لصنع طبقات من حصيرة أو سجادة اللب، ثمّ تمر حصيرة اللب بمجموعة من العمليات للتخلص من الماء وتجفيف اللب عبر تشغيل بكرات ساخنة وذلك حتّى يتمّ الضغط على الماء المتبقي وضغطها في لفة واحدة مستمرة ومتواصلة من الورق والتي قد يصل طولها إلى 10 أمتار.. وعند الحصول على الورق المطلوب، يمكن البدء بتلوينه أو وضع مواد كيميائية خاصة، وذلك لإعطاء الورق ملمس جميل وقوة إضافية أو لتصبح مقاومة للماء حسب الاستخدامات المطلوبة.. ومن ثم يتم تقطيع لفائف الورق إلى أحجام مختلفة، وتعبئتها وإرسالها إلى أمكان أخرى لمعالجات إضافية وتحويلها إلى جميع أنواع وأشكال الورق كما نراها ونستخدمها في حياتنا اليومية.

و للورق بشكل عام أهمية واستخدامات لم نعد نستغني عنها.. فلندخل هذه الدنيا تبدأ العملية بالزواج (زواج والدينا) عبر وثيقة الزواج الورقية.. وتلك ورقة تحفظ الحقوق والالتزامات والاتفاقات بين الزوجين حسب شريعة كل ملة.. ثم عند ولادتنا لهذين الأبوين يتم إصدار شهادة ميلاد ورقية تحفظ حقوق ونسب الأبناء لآبائهم وامهاتهم ونسبهم القانوني للعشيرة التي ينتمون إليها.  وشهادة الميلاد الورقية مهمة في كل مسارات حياة الأبناء لاحقاً بدأً من استخراج أوراق الثبوتية والجوازات والتسجيل في المدارس والحصول على الشهادات حتى التخرج من الجامعات.. كل هذه العمليات يتم تسجيلها وتوثيقها في سجلات ومطبوعات منسوخة على الأوراق.

ثم نجد أوراق النقود والطوابع والبطاقات الشخصية وكافة المطبوعات الورقية التي نتداولها بشكل يومي.. والجرائد والمجلات والكتب والقصص ودفاتر الدراسة وتلك القصاصات التي نكتب عليها أفكارنا وأشعارنا، بل وحتى الخرائط التي توضح لنا مسارات المدن والطرقات عند ترحالنا من مكان إلى مكان.. ومجمل تاريخنا وقوانيننا وأدياننا وشرائعنا كلها منسوخة على الأوراق.. وكافة الدراسات والبحوث وحتى مكونات علب الأدوية والأطعمة تكون على أوراق.. ونستخدم المحارم الورقية بكافة أحجامها وأشكالها للتنظيف.. ونلعب بورق اللعب.. بل ونستخدم الأوراق في الكثير من الصناعات التقليدية مثل المظلات الورقية والقبعات والمراوح اليدوية عند النساء والنوتات الموسيقية وللف السندويشات والشوارما وصناعة السجائر وغيرها الكثير من المشتقات الصناعية.. وأغلب المصنوعات يتم حفظها في علب مصنوعة من الورق المقوى كعلب كالعطور والأدوية والطعام، أو يتم تعبئتها في أكياس من الورق.. بل وحتى البيوت التقليدية في اليابان كان يتم تشييدها في القدم من الورق !!

كافة اللوحات الفنية تقريباً تكون مرسومة على لوحات ورقية، ومجمل المواد الدراسية وأدواتها ومنشوراتها وواجباتها الدراسية تستخدم وتعتمد على الورق.. وربما في حالات معينة يتم استخدام بدائل للورق ولكنها تأخذ ذات الأشكال والاستخدامات والفكرة.  ففي بعض الدول الآسيوية يحولون روث الفيلة إلى أوراق ويصنعون منها صفحات ولفائف ومنها ينتجون البطاقات ويصنعون المظلات الشمسية والمراوح اليدوية التقليدية التي يتهافت على اقتنائها السياح.

الحديث عن الورق واستخدامات الأوراق في كافة مناحي الحياة يطول ويتشعب.. حيثما نذهب نجد أمامنا من يطالبنا بالمستندات الورقية ويمدنا بنسخ ورقية.. فكل معاملاتنا الحكومية تتطلب منا تقديم أوراق وتختم بأختامها على أوراق وتحتفظ بسجلات من الأوراق.  وحتى متاحفنا تعج بنسخ من الكتب الدينية والرسومات واللوحات والصور والمطبوعات الورقية التي احتفظت بتاريخنا وإرثنا وشواهد على حضاراتنا الأولى.. ويا ويل من يضيّع بعض تلك الأوراق عبر الإهمال أو النسيان أو قد تصاب بالتلف بسبب عوامل الزمن أو الحريق.. فبعض الأوراق تكون أهميتها في حياتنا كأهمية الحياة نفسها مثل أوراق الثبوتية كافة والنقود الورقية والوثائق والسندات والشهادات الدراسية أو أمور تتعلق بالأحكام القضائية، بل وحتى شهادتي الميلاد والوفاة.

و يلخص الأستاذ "حسام الدين صالح" على موقع (القافلة) أهمية الورق في حياتنا بأنه لم يجد الإنسان طوال تاريخه المعروف، سنداً لإثبات إنسانيته مثل الورق، منذ أن كان مجازاً في جلد وحجر وصلصال، إلى أن أصبح حقيقة تستعصي على الزوال.. فقد ظل الورق يؤكد على جدارته بلقب الذاكرة الثانية للإنسان في مقابل مخاوف النسيان وأحلام الخلود.. فقد رافق الورق الإنسان والكتابة منذ عهد مبكر، وما زال يلوّن حياة مليارات البشر في العالم، يحفظ لهم تاريخهم، يشكل حاضرهم، ويؤثر على مستقبلهم.. فمثلما كان رفيقاً للكتابة كأرقى نشاط إنساني، فهو إلى الآن قرين للذهب والفضة كأغلى ممتلكات الناس.. لن يكذب من قال إن حياتنا ورق.. النقود من ورق، مستنداتنا وهوياتنا الثبوتية، أكوابنا، ألعابنا، وسائلنا التعليمية والتثقيفية، صناديقنا، مناديلنا، حوائطنا، زينتنا، ومئات الاختراعات البشرية التي لا تبدأ بورق الكرتون ولا تنتهي ببطاقات الأعمال أو كروت شحن الهواتف المحمولة.

 

د. محمد العباسي

أكاديمي بحريني

 

عمار عبدالكريم البغداديهكذا ننال محبة الناس

سألتني شهرزاد ذات يوم: يقولون إن رضا الناس الذي يشعرنا بالسعادة غاية لا تدرك وإنْ سعينا لذلك جاهدين فهل لذلك الرضا من سبيل؟

اجبتها قائلا: نحن نجتهد في إرضاء كل من حولنا لننال الإهتمام وعبثا نحاول، علينا أن نسعى لكسب محبة الناس وحسب، فهي في متناول أيدينا إنْ عرفنا إن منبعها في داخلنا نحن، علينا أن نفرق أولا بين صنوف الناس، فمنهم من يكون في محيط همومنا،وآخرون في دائرة إهتمامنا،وصنف ثالث في ساحة التاثير المتبادل أمّا الصنف الرابع فهم خواص الخواص، وعن هؤلاء لنا حديث طويل في مقام آخر.

وأمّا الصنوف الثلاثة الأولى ففيها قول ذو شجون،وحديث ترتسم فيه معالم الرشد والجنون، وله أثر في الذات الكبيرة،وشفاء لعلة النفس الصغيرة، ولاندعي إننا سنجد دواء لكل علّة، وإصلاحا لكل مِلّة ، غير أننا نستقي من تجارب الحياة عبرا ودروسا تنحاز إليها غالبية النفوس .

وحقا أقول: إن الرضا غاية لا تدرك عند عامة الناس او الخواص، إلا الوالدين فان رضاهما رسالة رضاً من الله تعالى،او حبيب نذر عمره فداءً  لمن يحب، غير أن محبة الناس عامة أقرب إلينا مما نتصور، نحن لا نحتاج الى الرضا،وهو مرتبة علوية من مراتب الحب،كل ما نحتاج إليه أن ننال طيبة قلوبهم لنحيى بينهم بسعادة وطمأنينة،وتلك الطيبة مُستنهَضَةٌ لامحالة إن لامست محبتنا شغاف قلوبهم .

ونحن نعلم علم اليقين أن الله قد أودع المحبة في أرواحنا التي تظلل قلوبنا، وإن النفس لتقترب من نورها او تنحدر في ظلام الأجساد تبعا لمجاهدتنا وتصوراتنا الذهنية التي ترسم سلوكياتنا وتصرفاتنا،لكننا نعلق اخطاءنا على مانصفه بقساوة قلوب الآخرين، كيف لنا أن ننال محبة الناس وطيبة معاشرتهم  إنْ كنّا لا نحمل هذه الصفة في نفوسنا ؟، غاية القول إن أحدنا ليجد الناس من حوله متآمرين عليه، كارهين للقائه، ساعين الى إيذائه بكل صغيرة وكبيرة، من غير أن يصارح نفسه بقول بليغ مفاده:حقيقة الامر إنني لا أحب نفسي ولا أحب الناس فلماذا يفعلون؟! .

وعلى هذا الاساس فان الإنسان يتحمل مسؤولية حب الناس له من عدمها، ذلك هو جوهر القول،وعلينا ابتداءً أن نحب أنفسنا، ومحبة المرء لنفسه لا تعني تفضيلها على الخلق بل إدراك قيمتها وعظيم شرفها بين المخلوقات واكتشاف أسرارها وصفاتها الفريدة، كل ما حولنا يشهد بأننا فريدون في صفاتنا وطاقاتنا وعقولنا وحسن تدبيرنا إلا نحن، الطيور تهلل لحفنة حنطة في أيدينا ،والأشجار التي نزرعها تظللنا وتحفنا بثمارها،والعصافير تزقزق فرحا بصباحنا المليء بإبداعاتنا، الشمس تنير لنا مسالك الحياة، والقمر ينعش الآمال في قلوبنا،والملائكة تستغفر لنا،ورب السموات والأرض يسَخِر لنا في كل يوم ما لا يحصى من نعمه ويغمرنا برحمته، والأعلام ترفرف فوق رؤسنا فخرا بأمجادنا في ميادين التنافس الشريف، غير أننا نتجاهل تلك الصفات الفريدة، ليست لبني البشرعن بقية المخلوقات فحسب،وإنما لكل فرد منا، فأحدنا يحمل من الذكاء والطاقة والقدرة على الإبداع وإعمار الأرض مالا تدركه إلا العقول العظيمة، وما عظمتها إلا بإدراكها لقدراتنا، فكل آدمي عظيم إنْ عرف صفاته الفريدة .

ختاما ياشهرزاد فان ْ تقدير الإنسان لتلك الصفات الخارقة لبقية المخلوقات على الأرض، والتعرف على أسرارها أساس لتوقيرها وصولا الى محبتها،فإن أحببنا أنفسنا بهذا المعنى وأيقنا بأن لكل الناس من حولنا صفات وطاقات فريدة في خصالها،وقدرات إبداعها، لامتلكنا مفاتيح قلوبهم ومحبتهم .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

.......................

مقتبسات من مؤلفي:شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

زهرة الحواشيكان يكون كونا، فعل الكون. والأمر منه: كن!

واستكان يستكين استكانا. هو السداسي استفعل يستفعل استفعالا.

و لجذع واحد .

الفعل السداسي له ثلاث دلالات:

طلب الشيء

طلب الشيء والحصول عليهح

ووجود الشيء على صفة

مثل طلب الشيء: استنجد واستغاث واستعان

ومن الاستعانة من ارتد على الأهل والأوطان

واستعان عليهم بالطغيان والعدوان

فاستباح، واستكان، وخان

وبين كان واستكان

تاريخ.....و عبر

 

وأما مثل طلب الشيء والحصول عليه

فمثله استفاق

واستنار

واستبان

 

فمن يستفق من غيبوبته

ويطلب العلم ويكشف الفعل

ويرفع الجهل

ويقدم العقل عن النقل

فقد أنار

واستنار

 

وبين كان واستكان

علوم ... وكنوز

كالدرر

 

و أما في باب وجود الشيء على صفة

مثل كان يا ما كان

في قديم الزمان

وسالف العصر والأوان

 

فقد تشابه الإنسان بالحيوان

وانحنى للكذب والبهتان

والشعوذة والأديرة والرهبان

والخرافة

وسلطة الأديان

 

فاستعبدوه

واستضعفوه

واستنزفوه

واستلبوا منه الذكاء

والبرهان

 

فما كان بل استكان

و بين كان واستكان

صراع وصروف... وعبر

 

ثم تقدم الزمان

وتعاظم الإنسان

إسأل الإغريق.... واسأل الرومان

علوم وفلسفة وبيان

وتبيان

 

واسأل الأطلس

ولا يدخلن علينا

إلا العالم الفنان،،

 

وسقراط وانشتاين

والنسبية.. والمجرات

والأرض وڨاليليو

وعلوم الميكانيكا

والأرض والدوران.ّ.

 

وبين كان واستكان

كامل علوم الإنسان

قارات وأقطار....و مصر

 

وهنا الإنسان لم يستكن

بل صنع التاريخ والمجد ..

فكان !

 

وبين كان واستكان

يفرق التاريخ

بين الإنسان ...والحيوان

فكن أنت ألإنسان...

أيها الإنسان...!!

 

فبين كان واستكان

معان ...... وعبر .

***

زهرة الحواشي

........................

* من كتاب رأسي في قفص الاتهام .

 

صادق السامرائيمحمد بن سعيد بن عبدالله بن سعيد بن عبدالله بن سعيد بن علي بن أحمد السلماني الخطيب الشهير لسان الدين الخطيب (713 - 776) هجرية.

قضى معظم حياته في غرناطة ومات مقتولا.

ألقابه: ذو الوزارتين (السيف والقلم)، ذو العمرين، ذو الميتين.

شاعر وكاتب وفقيه وسياسي وفيلسوف وطبيب من الأندلس، درس الأدب والطب والفلسفة في جامعة القرويين بمدينة فاس.

مؤلفاته: "الإحاطة في أخبار غرناطة، اللمحة البدرية في الدولة النصرية، أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الإحتلام من ملوك الإسلام، أوصاف الناس في التواريخ والصلات، كناسة الدكان بعد إنتقال السكان، خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف، معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار، نفاضة الجراب في علالة الإغتراب، مفاخرات مالقا وسلا، تحفة الكتاب ونجعة المنتاب، الأصول في حفظ الصحة في الفصول، اليوسفي في الطب، عمل من طب لمن حب، مقنعة السائل (عن الأوبئة والوقاية منها)" وغيرها من الكتب والمخطوطات.

مقتله:

بعد أحداث سياسية وتفاعلات متواكبة تدور حول المنصب والجاه والكرسي، وجهت إليه تهمة الإلحاد والزندقة والطعن بالشريعة، فأحرقت كتبه، وصودرت أملاكه، وتم خنقه في سجنه، ودفن ثم أخرجت جثته وأحرق، ويُقال أحرق رأسه،  وأعيد إلى مثواه.

ومن شعره:

"جادك الغيث إذا الغيث همى

يازمان الوصل بالأندلس

لم يكن وصلك إلا حلما

في الكرى أو خلسة المختلس"

وله ديوان شعر فيه قصائد ذات عذوبة فائقة.

وهكذا هي النتيجة تتكرر إذ يكون العلماء والنوابغ الأفذاذ ضحايا فتاوى الفقهاء المكايدين لهم، فينصبون لهم مكيدة الزندقة والإلحاد ويقتلونهم بها شر قتلة ويحرقون كتبهم.

وفي سيرة إبن الخطيب دروس مهمة عن علاقة الأعلام بالسياسة والسلاطين والحكام الذين لا أمان عندهم، وما أن يبرز العلماء حتى تترصدهم الأعداء وتوشي بهم وتقضي عليهم.

وهكذا إغتالوه خنقا وهو في سجنه، ومثلوا بجثته بحرقها أو حرق جزء منها، مما يشير إلى تفاقم الحقد ضده من قبل أعدائه، وخصوصا القاضي النباهي، وإبن الأحمر الذي كان يتوق للإنتقام منه ففعلها.

وكم من علماء الأمة الأفذاذ لاقوا مصيرا قاسيا، وتألبت عليهم الفقهاء والكراسي والقضاة، ليرمونهم بذات التهمة المتعارف عليها على مر العصور، إنها الزندقة والإلحاد، وأخواتها في أي عصر يتحكم فيه الفرد ويغيب القانون، وينتفي الدستور.

وتلك أمة تعادي عقولها وتأبى النور!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

مصطفى النبيهمساحة من الفضاء والجمال على الشاشة الساحرة الصغيرة، انتصاراً للمرأة وللمستضعفين في الأرض. مسلسل "الطاووس" للمخرج المصري المبدع " رؤوف عبد العزيز "، الزائر الجميل في هذا الشهر الفضيل ينهض ثائرا عبر الشاشات ليروي ما تتعرض له الطبقة المسحوقة من ألوان قاتمة لعملية الاغتصاب المعنوي والجسدي، ويعرّي الشريحة الانتهازية الفاسدة في الرأسمالية التي تتحكم بسلطة القانون وتسخّره لرغباتها الشخصية.

منذ زمن بعيد ونحن نعيش فوضى اللاجمال  واللامضمون ونُحشى بأفكار تصعد بنا إلى الهاوية، تأخذنا لعالم موحش تسيطر عليه الرأسمالية حتى أصبح الإنسان مجرد رقم. تساقطت المفاهيم الأخلاقية وتفرغ الفن من مضمونة التوعوي التثقيفي وأصبحت الشاشة الصغيرة زائرا ثقيل الظل يقتحم بيوتنا بأفكار تتنافى مع قيمنا وعاداتنا وتغذينا عنفا، وتشعل الرغبة الجنسية في الأجيال، وتشبعنا أنا، تدس السم في العسل، تبيح المحرّمات، معتمدة نهج التشويق والإثارة لتسرق الشباب ليغرقوا بما يغيبهم عن الواقع على حساب المضمون. فبعد السنوات العجاف التي مرت بها الدراما العربية يخرج من وسط الزحام مسلسل "الطاووس" بألوانه الزاهية المبهجة للمخرج  "رؤوف عبد العزيز " ليضع المشاهد العربي أمام مسؤوليته الأخلاقية الإنسانية ، ويعيد للدراما العربية رونقها  وللدراما المصرية دورها الريادي الطليعي في بناء الإنسان، فنحن أمام مسلسل ينتصر للطبقة المسحوقة المستضعَفة  ويعرض جريمة من أقسى الجرائم التي تتعرض لها  الإنسانية  وهي الاغتصاب..  حيث نشاهد فتاة خريجة جامعة  أتعبتها الحياة فاجتهدت على أمل أن تعيش حياة نظيفة آمنة لا يُمتهن بها جسدها، لكنَّ الذئاب البشرية تنهشها وتستكثر عليها وجع وضنك الحياة ومحاولتها البائسة للعيش بسلام. 

قصة المسلسل

يروي مسلسل  "الطاووس" حكاية " أمنية "، الفتاة  الجامعية  التي تعمل لتعيل أسرتها، وعندما تتخرج من الجامعة يُطلب منها ثلاثة آلاف جنيه باقي رسوم التعليم حتى تحصل على شهادتها. فتأخذها صديقتها للعمل خادمة في الحمامات في إحدى القرى السياحية ، وأثناء حفل زفاف لابن المستشار " حسام شرف الدين " تقرر أن تخرج هي وصديقتها لالتقاط صورة تذكارية وخلفهم الفرح،  فالفرح بالنسبة لهم حلم، أثناء ذلك يشاهدها أصدقاء العريس الأربعة الذين يمثلون فساد الطبقة الرأسمالية فيقررون اغتصابها، ينظرون إليها على أنها مسخ بلا قيمة،  عاملة  تنظيف بدورة مياه. فيقومون بتخديرها بمادة مخدرة ويجرّونها ليفعلوا فعلتهم النكراء. أثناء ذلك يقوم أحدهم بتصوير الجزء الأول في الشروع بعملية الاغتصاب، وبعد  نشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يلتفت للحدث المأساوي المحامي  " كمال الأسطول "، وهو محامٍ تاجر يهتم بالتعويضات وينظر للقضية بداية على أنها مشروع ربحي وعندما  يلتقي بالفتاة ويدور بينهما حوارٌ مؤثر يتغير نهجه ويقرر الدفاع عنها وتتوالى الأحداث .

يتلخص المسلسل بحوار الفنانة القديرة "سميحة أيوب"  والتي تقوم بدور "ماتيلدا " بالحلقة الثانية عشرة وهي تخاطب الشاب المحامي الرومانسي " توفيق العزب " القادم من الأرياف المتخيل أن الحياة وردية والقانون سيفرض سلطته ويحتوي الجميع  تحت جناحيه. نص الحوار ماتيلدا : مالك أنت اتخانقت مع كمال تاني : توفيق يهز برأسه نافيا ثم يسألها ست ماتيلدا هو أنت بتعرفي الأستاذ كمال من زمان .. ما تيلدا:  آه بتسأل ليه .. توفيق : أنا بسأل عادي .. أنا حاسس نفسي بتعلمش حاجة وإن بتعلم حاسس أني بتعلم حاجة غلط . ماتيلدا : كلكم مستعجلين  هو أنت  لسه قعدت مع كمال عشان تتعلم منه  مالكم مستعجلين ليه ومتلهوجين ليه والتانية الأخرى  أهي طفشت روح وراها لسه الدنيا ما داست إلكم على طرف وبتعملوا كده ،أمال لما تشوفوا اللي احنا شفناه حتعملوا إيه حتموتوا نفسكم " هذه رسالة واضحة أن الحياة تحتاج للعمل ولا تحتمل الضعفاء و الحقوق لا تمنح بل تنتزع انتزاعا. وفي نفس الحلقة  تتحدث الفنانة "مها نصار " التي تقوم بدور الصحفية "فريدة " مع الضحية " أمنية " عن دلالات طائر الطاووس والظلم والقمع التي تتعرض له المرأة وتطلب أن يكون دور فعال للمرأة بالدفاع عن حقوقها  .. فالنص يعبّر عن النزعة الذكورية في المجتمعات العربية واضطهادها للمرأة وهذا يخالف الشرائع السماوية  " فريدة: أنا مش فاهمة ازاي يطردك من بيت أبوك .أمنية : أنا مش عايزة أختي تطلق بسببي، سمية غلبانة وملهاش حد ..فريدة : أختك لو تطلقت مش بسببك في ناس لما تسكتي عن حقك بيفتكروا دا ضعف منك مش كرم أخلاق.أمنية : أنا ما بقتش أعرف اللي بعمله صح وإلا غلط ،أنا تايهة أنا حاسه إني بقيت غريبة قوي . فريدة : إنت مش غريبة المجتمع إللي عايشين فيه غريب مجتمع بينصف الراجل على حساب الست، مع إن كل الأديان السماوية قالت تعاملوهم بالمودة والرحمة فين بقى المودة والرحمة لما الراجل بيضرب الست و لما يهينها ويتحرش بيها في المجتمع إلا إحنا عايشين فيه الراجل بيمشي  فارد ريشه زي الطاووس وببص للست على أنها أقل منه ونسي أنها بني آدم ،أنا مش عايزاك تخافي أنا وعدتك أجيب حقك " بهذه العبارات تتلخص فكرة العمل ورسالته التوعوية .

سر جمال هذا المسلسل الرائع عبقرية المؤلف كريم الدليل وإشراف محمد ناير وطرحهما فكرة تؤرق العالم بأسلوب جديد ومشوّق وهي قضية الاغتصاب التي عالجتها الشاشات العربية   والعالمية سابقا بالعديد من الأفلام والمسلسلات على مدار الزمن وحتى يومنا هذا. ونموذجا لذلك فيلم "المغتصبون" بطولة "ليلى علوي " الذي قدم في الثمانينيات مرورا بالمسلسل التركي "فاطمة"، والعديد من الأعمال التي عالجت بشاعة الجريمة. حتى شخصية محامي التعويضات في مسلسل "الطاووس" تكررت بأكثر من عمل ومن أهمها فيلم " ضد الحكومة " للفنان الراحل أحمد زكي وخطبته التاريخية المؤثرة " كلنا فاسدون لا أستثني أحد ".. فمن يتابع مسلسل الطاووس يدرك أن الأحداث قديمة جديدة وستتكرر اليوم وغدا، ما دمنا نعيش الخنوع، وأكبر دليل جريمة اغتصاب فتاة  الفيرمونت التي أشعلت وسائل التواصل. وهنا تكمن حرفية وإبداع طاقم العمل وقدرتهم على الإقناع بأسلوب مختلف، بداية من المؤلف الذي  سخّر أدواته ونسج من الحكايات المستهلكة، عالما جديدا يشع جمالا، يشدنا ويجعلنا نتابع العمل بشغف من خلال مخرج  عبقري يعمل على الشكل والمضمون. قدم لنا معالجة فنية بصرية بعيدا عن العُري وإشباع الرغبات والحشو والابتذال وجنون التقنية ، حافظ على إيقاع بصري، فلم نشعر بالملل لحظة، بنى مشاهده بانسيابية وجعلنا مشاركين لا متلقين للعمل حيث اعتمد في رؤيته الإخراجية  على الأسلوب المتوازي في المونتاج.  فنحن أمام صراع بين شريحتين:  الشريحة الأولى الطبقة الرأسمالية التي تفرض هيمنتها وسلطتها على القانون، والشريحة الثانية عامة الشعب المعذبون في الأرض والذين يُنظر إليهم كعبيد يعيشون في أدنى مستويات الحياة، وقد خلقوا ليكونوا أحذية للرأسمالية. وهذا ما يعبر عنه "المحامي ضياء، " الفنان  أحمد فؤاد سليم  والذي يمثل الانتهازية الرأسمالية فهو يستهين بالضحية "أمنية " ويتحدث عنها باستهتار لكونها عاملة نظافة في دورات المياه .

اختار الكاتب نماذج من المجتمع العربي.. المحامي الفاسد الذي يتمرد على فساده وينتصر لفتاة من عامة الشعب تم اغتصابها والتشهير بها. يجسد الدور الفنان السوري العبقري جمال سليمان بشخصية  كمال الأسطول " والذي اعتمد على الانفعالات الداخلية في التعبير عن مشاعره. فهذه الشخصية الغامضة المتناقضة والتي تحمل سكون البحر وهيجانه تخفي سرا. فهو الرجل الصامت الذي يعبر بالإيماءات أكثر من الحديث ، تكوين شخصيته النامية تتضح معالمها مع تطور الأحداث وقد تحدث عن بطولته المحامي" توفيق العزب " الفلاح البسيط الرومنسي الحالم  القادم من الأرياف  والذي يعتبره  قدوته، فهو من سيمنحه معرفة ويعلمه النضال من أجل  الطبقة المسحوقة،  فبالنسبة له " كمال الأسطول " ملاك يسير على الأرض، بطل وطني وقف ضد الفساد في قريته  وحارب أصحاب مصنع الصلصة بعد أن  تسمم " المحامي توفيق  وهو صغير ".  تتوالى الأحداث ويدور حديث ما بين المحامي توفيق عزب مع أستاذه  كمال الأسطول، محور الحديث يدور عن سيارته القديمة ولماذا يتمسك بها ولا يفكر بتغييرها فيحكي له عن أمجادها وكيف شاخت مع الزمن لكنها تحتفظ بأصالتها، وهذا مفتاح أيضا لتحليل شخصية الأسطول. جسّد دور المحامي المتدرب ابن القرية الفنان المبدع  المتألق" يوسف الأسدي" وقد تألق بتجسيد الشخصية بحرفية عالية وإتقان.

أما الشخصية الرئيسية للعمل  " أمنية "، بحر المشاعر المتدفقة، ابنة الحي الشعبي التي تناضل لتعيش بكرامة ويتم اغتصابها والاستهتار بمشاعرها فيموت والدها من الصدمة، فقد جسدت الدور بتألق وحرفية عالية المبدعة  " سهر الصايغ "  والتي  أذهلت المشاهدين في الوطن العربي  بشفافية انفعالاتها وصدقها حيث جعلت المُشاهد لأول مرة يشعر أنه جزءٌ رئيسي فعال ومشارك بالعمل يبكي ويضحك، ينفعل ويثور،  ويتابع أنفاسها وينتصر لقضيتها التي تجسدها. فنحن أمام فنانة عبقرية  لم تشعرنا للحظة أنها تمثل، وبكل تأكيد يقف خلفها مخرج مبدع يعتمد بإخراجه على الانفعالات الصادقة النابعة من الشخصية،  فهو يعمل على سيكولوجية الشخصية وبنائها من الداخل والذي سيؤثر على  التعبير الجسدي لاحقا .  فمثلا "أمنية" من وحشية الاغتصاب مازالت تهوِي على قدمها. كما اعتمد  مخرج العمل على الواقعية التلقائية في بناء مشاهده وعلى اللقطات الثابتة  في التكوين وخاصة مع الضحية ومن يلتفون حولها  ليقول إن الحدث أعظم من مجرد مشهد.

اختار الكاتب شخصية الأم المسيحية المتسامحة ليقول إن الدين لله والوطن للجميع، وبأن الحياة تكتمل إن تسامينا فوق الفئوية والحزبية وانتصرنا للإنسان والإنسانية، وهذه رسالة سامية يحتاجها العالم. 

مسلسل "الطاووس" عبارة عن وجبة فنية شهية، إيقاعها منتظم، تحمل في طياتها عناصر الإبداع. الأسماء تدل على الشخصيات والعنوان معبّر. فنحن أمام مسلسل لا ينظر للكون بعين واحدة ولم يفرض النظرة السوداوية ولم يعمم الجريمة على شريحة الأغنياء، فمنهم نماذج تنتصر للقانون والحق ،مثل المستشار" حسام شرف الدين " وعائلته، وقد جسد الدور الفنان المبدع جمال عبد الناصر.

وأخيرا المجتمعات بشكل عام يغزوها الخير والشر، فالإنسان من طبيعته أن يخطئ وقد جسّد الشر مجموعة من الفنانين المبدعين وعلى رأسهم الفنان القدير أحمد فؤاد سليم بدور ضياء شاهين، كما أبدع الفنان "عابد عناني " بدور زين ضياء الدين رمز الشر والجريمة.

"الطاووس" مسلسل عربي ينتصر للأخلاق، ضيف عزيز للعائلة العربية لا يخدش الحياء. فأهلا وسهلا بالأعمال التي ترتقي بالإنسان، فكل الحب والتقدير لكل من أسهم في إخراج هذا  العمل للنور، عمل يستحق منا كل الثناء والتقدير.

 

قراءة: مصطفى النبيه

 

 

 

بكر السباتينقبل الولوج إلى تفاصيل مسلسل ملحمة "موسى" الخلافي، والعوم في غياهبه لا بد من طرح بعض الأسئلة لاستجلاء ما يضخ المسلسل من أضاليل حتى يميز المشاهدُ فيه الغثَّ من السمين، وكيلا يتذوق اللسانُ في الدسمِ سماً زعافاً، ومنذ البداية، وخلال كلمات أغنية المسلسل التي كتبها محمد أبو نعمة ولحنها مصطفى شكري، ستأخذك الطريق إلى الرؤية المشبوهة للمسلسل التي غفل عنها منتقدوه، لانشغالهم بانتقاد الفنان محمد رمضان إلى درجة الهوس بجلده، فلا بأس وإن كانوا على حق؛ ولكن السمَّ ظلَّ منتشراً في تفاصيل المسلسل الذي ما يزال يحقق النسب الأعلى من المشاهدة في موقع "شاهد نت " السعودي. وهذا مقتطف من كلمات الأغنية، التي تقول:

"حواليه دياب كيف الذياب انيابها مقصوصة

ولكل وقت وله جواب وعبرةكيف فرعون

وعشان يعود الحق لازم يتوجد موسي

موسي النوبةدي ماهوش نبي ولا بحر ليه يتشد

بس اللي وكل ربنا بيشوف بعين الحق

وولدنا عالظالم عفي بتحل برزانه

ولسانه حلو مع الاصيل وعالواطي خرزانه"

وتدور أحداث المُسلسل في الخمسينات مُرورًا بالستينات، أثناء الاحتلال البريطاني لمصر، حول رحلة صعود شخص يتوفى والده منذ صغره، ويتحمل مسؤولية أشقائه، وهو من محافظات صعيد مصر، ويضطر لترك بلده والانتقال إلى القاهرة بعد أن قتل شقيق شيخ القرية بدون قصد، أثناء المبارزة بالعصا، وفي القاهرة حيث وجد فيها ملاذه، أخذ يعمل في تصدير واستيراد بعض الأشياء من غزة لمصر والعكس ومن بينها المخدرات، ويعجب بفتاة فرنسية، وتتوالى الأحداث في إطار درامي مكثف، إذْ وُفِّقَ كادر العمل في تحقيق منجزهم الدرامي وفق رؤية إخراجية ناجحة فنياً ولكنها ضبابية على الصعيد الفكري، وهو محور ما سنتتطرق إليه في هذا المقال.

والمسلسل من تأليف ناصر عبد الرحمن وإخراج محمد سلامة وبطولة محمد رمضان وسمية الخشاب ورياض الخولي وسيد رجب، وآخرون.

ففي مسلسل ملحمة"موسى" تشير الدلالات الدينية إلى رؤية تطبيعية مع الموروث اليهودي الديني توطئة لتعويد العقل العربي على رموزه واستحضارها كمنقذ للإنسان العربي من الأزمات التي تحيق به بدلالة ما جاء في محتوى المسلسل وتحديداً أغنية المقدمة، وقد تجلت المقاربات الرمزية في السياق الدرامي لموسى الصعيدي مع مصدر استلهامها المتمثل بالنبي موسى، والتلاقي على رؤية تطبيعية بين الموروث اليهودي والواقع العربي المحتقن بالأزمات، ويتجلى ذلك الاستلهام من خلال تقارب شخصية موسى الصعيدي في أحداث المسلسل، وبعض ما تضمنت سيرة النبي موسى حينما قتل فرعونياً نصرةً لليهودي، ثم كيف انه هرب من بطش فرعون، وفي المسلسل يهرب موسى الصعيدي من بطش شيخ القرية على خلفية قتله لشقيقه، ويلتقي موسى بأخيه زكريا أثناء الطوفان الذي دمر القرية وشرد أهلها، ثم يعمل متخفياً في القاهرة، وهناك أيضاً سيطرة موسى الصعيدي (محمد رمضان) على الثعابين كما حدث مع النبي موسى حينما حوّل عصاه إلى أفعًى التهمت أفاعي السحرة الفراعنة، الأمر الذي حقق معجزة موسى النبي الذي سخره الله لنجدة المؤمنين!! موسى النبي الذي أعاد بني إسرائيل إلى مصر ثم خرج بهم بعد أن شق البحر بعصاه..  وقياساً إلى ذلك يأتي"موسى" الصعيدي الذي مثل دوره الفنان "المطبع" محمد رمضان ليمثلَ التمازج الوجداني التطبيعي مع الاحتلال الإسرائيلي في رسالة خفية ضمنية لإنقاذ مصر من براثن المتآمرين كون طرفي الرؤية ( ورثة النبي موسى وموسى الصعيدي) قاوما الإنجليز، وقد شق الأخير بعصاه بحراً زاخراً من الصعاب تيمناً بالنبي موسى الذي شق بعصاه البحر؛ ولكن!! بالنسبة للحقيقة فإن مقاومة الإنجليز على صعيد التاريخ المصري فقد قادها سعد زغلول زعيم مصر  الوطني إبّان ثورة 1919م حيث خرجت الصهيونية من عباءة الاستعمار البريطاني وكانت من أخطر أدواته.. أما ما تسمى ب"إسرائيل" التي يمثل رؤيتها التضليلية النبي"موسى"، فقد أقيمت على أنقاض الشعب الفلسطيني الذي شرده المحتلون الصهاينة إلى المنافي ونكلوا به كما نكلوا بأهل سيناء المصرية.. وفي الوقت الذي وظف فيه المسلسل شخصية موسى كمنقذ لمصر من براثن الاستعمار وعبودية الباشوات وأذيالهم، قام بتصوير غزة كمصدر للخطر الداهم الذي يتهدد الخاصرة المصرية ويساهم في شطب وعي الشباب المصري من خلال المخدرات.. غزة التي أخذ يشيطنها المسلسل هي نفسها التي اغتصبها ورثة موسى، جيش الاحتلال الإسرائيلي من أصحابها الفلسطينيين الشرعيين، عندما كانت تابعة إدارياً لمصر، ليشيطنها الكاتب من خلال إسقاطاته المشبوهة!!ولم يشر ولو ضمنياً إلى ما يثبت حسن نيته، حتى في توظيف البعد الإنساني لقضايا العالم ابتعد الكاتب عن المذابح التي تعرض لها الشعبان الفلسطيني منذ نكبة 1948، والمصري في سيناء، مروراً بمذبحة مدرسة بحر البقر بالشرقية عام 1970 من قبل الإسرائيليين، مستعيضاً عن ذلك بقضية الأرمن والمذابح التي تعرضوا لها من قبل الأتراك في الحرب العالمية الثانية؛ وذلك نكاية بتركيا كإسقاطة سياسية مكشوفة، ثم مطاردة الإنجليز لأتباع موسوليني (حليف هتلر) من الإيطاليين وتصويرهم كضحايا في سياق هزيمة دول المحور أمام الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا العظمى بقيادة تشيرشل.

هذا هو ألدسم الذي استطابه  المشاهدون في مسلسل موسى المليء بالسم الزعاف، الذي من شأنه لو ترسخت رموزه في العقل العربي الجمعي أن يُعَوِّدُنا على قبول الصهيونية من باب التعامل افتراضياً مع الشخصيات اليهودية كشريكة في المنجز العربي والنضال ضد الاستعمار البريطاني الذي قدم للصهيونية وعد بلفور المشئوم! فموسى في المسلسل ينقذ مصر أما غزة فتدمر شبابها.. ومن هنا تشتعل الأسئلة لتدين هذا المسلسل الذي يمثل حصان طروادة لعقول الشباب الذي يتهاتفون على متابعة أخبار ومسلسلات محمد رمضان الذي يمثل البلطجة بكل أبعادها رغم أنه فنان موهوب ومن الطراز الرفيع.

من جهة أخرى، اتهم الفنان المصري الخلافي محمد رمضان باستهداف رموز مصر والحط من قدرها، فعلى سبيل المثال اتهم بالسخرية والانتقاص من الفنان الكوميدي المصري المعروف إسماعيل ياسين. وسجل ضده كذلك بلاغ "بالقتل المعنوي للطيار أشرف أبو اليسر" ويواجه أيضا أربعة بلاغات ضده من الإعلامي عمرو أديب.

ونشرت حفيدة الراحل إسماعيل ياسين، السيدة سارا تدوينة على فيسبوك تعبر فيها عن "اعتراضها على إقحام اسم جدها في هذا العمل".

وقالت سارة ياسين، إنها ليست المرة الأولى التي يسيء فيها محمد رمضان لإسماعيل ياسين، لكنها لا تلومه على ذلك لأنها ترى أن "تصرفاته تثبت مشاكل نفسية أهمها عدم الثقة بالنفس" حسب قولها.

تلا ذلك منشور من الشاعر أيمن بهجت قمر يقول فيه إن "محامياً قد كلف لاتخاذ الإجراءات القانونية حيال ما حدث، ومواجهة المسؤول عنه".. ورغم ذلك لم يضع أحدٌ من منتقدي المسلسل اليدَ على الجراح! لأن الخطر الحقيقي يكمن في رؤية المسلسل التي غفل عنها الجميع.

وللتذكير فإن خطورة محمد رمضان تكمن في جماهيريته بين الشباب الذين يعجبون بأفلام الإثارة التي يقدم رمضان من خلالها مشاهد البلطجة والعنف.. وهي المنطقة الهشة التي من خلالها يتسلل المطبعون لإعادة برمجة جيل الشباب المصري، وتفعيل الرموز اليهودية في قضاياهم الحياتية وتصوير تلك الرموز اليهودية كمنقذة للإنسان العربي من مخرجات الأزمات التي تجتاح عالمنا العربي، مع أن الاحتلال الإسرائيلي من عوامل نشوئها منذ احتلال فلسطين وأجزاء من الوطن العربي بما فيها سيناء المصرية.. وبالتالي الاعتياد على هذه الشخصيات في ظل تغييب تفاصيل نكبة فلسطين التي تسبب بها الاحتلال.. وهو مشروع إعلامي تضليلي إسرائيلي تساهم فيه بعض الدول العربية المطبعة لتبرير تحالفها مع الاحتلال الإسرائيلي.. وهذا يحيلنا إلا ما غرد به عبر تويتر، الإعلامي الإماراتي حمد المزروعي الذي يمثل وجهة النظر الإماراتية التي تحالفت مؤخراً مع الاحتلال الإسرائيلي، بعد نشر صورة تجمع بطل مسلسل موسى، محمد رمضان، بالمغني الإسرائيلي عومير آدم في دبي، وعلق المزروعي حينها قائلاً " أشهر فنان مصري مع أشهر فنان إسرائيلي.. دبي تجمعنا"، وذلك قبل أن يحذف التغريدة بعد دقائق من نشرها.

حينذاك نشرت "إسرائيل تتكلم بالعربية" الصورة، وأرفقتها بتعليق "الفن دوما يجمعنا.. النجم المصري محمد رمضان مع المطرب الإسرائيلي عومير آدم في دبي".

وتدور عجلة التطبيع من خلال بذر معطياتها في حرث الدراما العربية والتي يمثل مسلسل "موسى" ذروتها؛ ولكن الحقيقة تبقى ساطعة حيث يبهت التضليل القائم على ضخ الأكاذيب والخيال.

 

بقلم بكر السباتين

28 أكتوبر 2021

 

 

صادق السامرائييسحرني النثر المكتوب بشاعرية تتفوق على الشعر، وبأساليب عذبة ندية ذات مفردات طرية، تتسرب  إلى عيون الروح وينابيع النفس، وتلامس شغاف القلب، وتنث عطر التفاعل الإنساني النبيل.

نثر أجمل من الشعر وأبهى، وأبلغ تأثيرا في وعي القارئ وأحاسيسه ومداركه، وما يبثه من عبق التألق والتأنق والجمال.

كتّابٌ أقدمون ومعاصرون يسطرون روائع بيانية فتانة، فوّاحة الأفكار خلابة الكلمات، تنساب بعذوبة وإنسجام باذخ مع نبضات الأعماق وهمسات الصدور.

فتقرأ لوحاتهم الفنية الجمالية الساحرة، الثرية بالإيقاعات والنبضات الشاعرية المتهادية كالأمواج المتناسقة فوق السطور، فتجعلك تغرق في فحواها، وتسبح في تيارها الهادئ العذيب.

بديع يراعهم يسطع متوهجا في دنيانا، ويتغلغل في مشاعرنا، ليروي عطش المعرفة والمحبة والروعة والإبداع الأثيل.

نثر ينهل الشعر منه ويخشاه، ويقترب منه ولا ينساه، كلماته تتقافز إلى بحر الشعر، وعباراته تتراصف في أبيات القضائد، وتتفاعل مع القوافي والنغمات الصافية المنسابة بفنية وإحكام.

فأين ما يكتبون من نثر خالدٍ مبين، يموج بالتناغم الأثيري، كالجمان المتراقص على وجه بحيرة تتلألأ فيها أضواء النجوم.

النثر المعتق في قوارير الوجد والهيام بسحر الكلمات، وفيض العبارات وإيقاع الأفكار المتواشجة فوق بدن الكينونة الجمالية للإبداع الأصيل.

إنها حلّة مرصعة بدرر الخيال وجواهر الإتصال مابين الروح العلوية والقدرات الذاتية للألباب المتسامية فوق وجدان البشرية.

ذلك النثر الحي المتسامق بعروشه النضرة وأزهاره العطرة، وأثماره الناضجة الطيبة الشهية، الداعية إلى الإستمتاع بتذوقها والإنتشاء بطعمها اللذيذ.

وإنّ من البيان لسحرا!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

صادق السامرائيكتبتُ عن هذا الوضوع العديد من المقالات، التي جوبهت بالرفض والنقد القاسي من قبل الذين يكتبون لأنفسهم ولعدد قليل ممن يسمونهم بالنخبة، وعلى حد قول أحدهم "مَن بقرأ ما نكتب إنهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليد..."

وهو إعتراف بأن الكاتب يكتب لنفسه ولبعض الذين يكتبون لأنفسهم مثله.

وتطالعني هذا الصباح كلمات لأحد الأساتذة المرموقين:

"الكتّاب والصحفيون الرواد كانوا يكتبون للناس...اليوم هناك الكثير من الكتاب ورجالات الصحافة يكتبون لأنفسهم وليس للناس يرجى الإنتباه".

وأعود إلى المقالات التي نشرتها سابقا بهذا الخصوص، وأجد أن ما يُكتب لا يُقرأ، لأنه لم يُكتب للناس، وإنما كتبه الكاتب لنفسه وحسب.

تعلمت من تفاعلي مع المجلات الرصينة العالمية، أنهم لكي ينشروا لي مقالة يحاسبونني على كل كلمة وعبارة، ويطلبون إعادة كتابة العبارة أو تغيير الكلمة، لكي تكون واضحة ومفهومة للقارئ.

وأذكر إحدى المقالات كان الأخذ والرد بيني وبين المحرر أكثر من عشر مرات، حتى إقتنع بأن ما جاء بالمقالة أصبح سهلا وواضحا ومفهوما.

تعلمت من هذه التجارب أن أكتب ما يفهمه القارئ ويتعلم منه، وفي أفضل حالات الوضوح والتبسيط والمباشرة، لكي أشد القارئ وأمنحه شيئا من متعة القراءة.

وكثيرا ما أتحوّل إلى ناقدٍ قاسٍ لما أكتبه، وأحاول أن أعيد ترتيب العبارات ونسق الأفكار، لكي تكون منسابة وقادرة على تشجيع القارئ على مواصلة القراءة، ولا أدري إن أفلحت ولا زلت أحاول!!

فالكتابة عناء ومهارة لا تُكتسب بسهولة، وإن كانت موهبة فتحتاج لصقل وتهذيب وترتيب وتدريب.

وبسبب فقدان أصول الكتابة وتقنياتها تجدنا نكتب لأنفسنا، وما نكتبه لا يتفاعل مع الناس، ولا تجد له صدى في الواقع، فما أكثر الأفكار القويمة المطروحة بأساليب غثيثة ومربكة!!

ترى إلى متى سنبقى نكتب لأنفسنا، ونتجاهل الكتابة للناس؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

صادق السامرائينصوص مكتوبة وموصوفة بالشعر، فالشعر أصبح حالة سائدة فاقدة للضوابط والمعايير، وإنما هي تسميات وحسب، فما نكتبه يكتسب شرعية الشعر وفقا لهوانا!!

نصوص ذات قيمة إبداعية وجمالية لكنها ليست بالشعر، مهما توهمنا وإدّعينا ودافعنا وحاججنا، وغضبنا وإنفعلنا وأمعنا بالإصرار على أنها شعر.

إنها نصوص نثرية لا غير!!

لو تصفحنا تراث الأمة الأدبي، لوجدنا العديد من النصوص الرائعة، التي فيها إيقاعات عروضية واضحة ومؤثرة، لكنها لم تسمى شعرا، بل خطبا ورسائل ومقامات وغيرها من التصنيفات الإبداعية، التي عهدها العرب منذ زمن بعيد.

أنظروا خطب المسؤولين عبر التأريخ، فستجدونها ذات بلاغة وقوة تعبيرية فائقة، وتلتزم بآليات عروضية وفقا للتفعيلات المتعارف عليها، وما قيل عنها بأنها شعر.

وفي العقود الماضية بدأت لعبة الحداثة التي هدّمت وما بنت، ودمّرت وخرّبت، وخلطت بين الثوابت والمتغيرات، وإدّعت أن ما جاءت به هو الشعر، بل إنها الثورة الشعرية المعاصرة، وتحقق تسويق وإبراز العديد من رموزها، وإيهام الذائقة الجمعية بأن ما يأتون به ذروة التعبير الشعري، وما عداه تقليدي ولا قيمة له ولا دور في الحياة.

وبعد عقود من الوهم ومطاردة خيوط دخان في فضاءات الهذيان، وجدتنا أمام كم هائل من النصوص المسماة شعرا، ولا يقترب منها القارئ، مركونة في مواضع الإهمال والنكران، وربما يتداولها فيما بينهم بعض الذين يرون أنها شعر، من باب المجاملات.

وتتسيد الصحف والمواقع النصوص المتنوعة، التي يمكن تحويلها إلى مقطوعات نثرية، لكنها تحسب شعرا وأصحابها شعراء، وإيّاك أن ترى غير ذلك!!

ويتناسى أنصارها ودعاتها، أن كل موجود في الكون له شكل وصورة وهيئة تعبّر عنه وتميزه وتمنحه ملامحه الفارقة، فلا موجود بلا ملامح، ولتجريد الشعر من علاماته وخصاله وصورته وكينونته المعبرة عن ذاته وموضوعه، نكون قد إتحذنا طريق التلاشي والإندثار، لأننا نمحق كائنا متوافقا مع بديهيات ومسلمات الوجود.

تحية لمبدعي النصوص النثرية الذين يحشرونها في مدينة الشعر، والشعر منها براء.

فهل لنا أن نعترف بأننا نكتب نثرا لا شعرا؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

علي سيف الرعينيإن العلاقات التي تتعقد بسبب عدم فهم طرف للطرف الآخر هي علاقات لم تُبنَ على أساس صحيح، أطرافها لم تدرك أن العنصرين اللذين من ينبغي وجودهما في أي علاقة يُراد دوامها لمصلحة ما -عاطفية أو مادية أو أيًّا كان نوعها- هما "إدراك حتمية الاختلاف وتقبله"، أما الاختلاف فصحيّ تمامًا؛ وجوده محرّك للحياة، وانعدامه رتابة.. والرتابة أخت الموت.

إن سادت ثقافة تقبّل الاختلاف ستسود على إثرها ثقافات أخرى تابعة: احترام الاختلاف، البحث عن مواطن قوة الاختلاف، الانتفاع من الاختلاف، تقدير الاختلاف.. ولستُ أقصد الاختلاف فكريًّا فقط. إن احترام وتقبل اختلاف اللون والأديان والاعتقادات الفلسفية والتخصصات العلمية والوظائف يؤثر على احترام تنوع الأذواق، ولأن تدريب النفس على تقبل ما سلف ذكره صعبٌ فإن أسهل الحلول أحيانًا أن نبدأ بالخطوة الأخيرة، أي أن نبدأ باحترام الأذواق، والذي بدوره يقودنا إلى تقبل أي اختلاف آخر بين الواحد منا والآخرين.

قد يبدو هذا الأمر مثاليًّا إلى حد ما ولكن الحقيقة هي أنه لا يمكن أن يتغير العالم كله، لا يمكن أن تتقبل المجتمعات كلها المجتمعات الأخرى ولا حتى أفراد المجتمع الواحد نفسه، فالثقافة الفكرية هذه -وأي تطور فكري آخر- تتكئ على أكتاف كثيرة، فنوع سياسة الدولة، ونوع تشريعات الدين المُعتَنَق، ودرجة التعلم، والطبقة الاقتصادية وغيرها من العوامل تدخل جميعها في تكوين مدى قدرة كل مجتمع -وكل فرد- على تقبل الآخر -أو تطويره لفكرة ما- ورغم وجود من قد ينكر ما سأذكره إلا أني أثق بواقعه، وهو أن هذه العوامل يتعدى تأثيرها ذلك إلى أن تؤثر في مدى تمسك المجتمعات وأفرادها حتى بطبيعتهم الإنسانية.

ولأن الأمر معقد وبديهي في الوقت ذاته إلى هذه الدرجة، يواجه الفنان -أيًّا كان فنه- صعوبات عدة في الوصول إلى ذائقة الآخرين بمجرد أن يضع في اعتباره ضرورة إعجاب الآخرين بما ينتج من أعمال، فيتأخر الأديب، ويفشل المخرج، ويُنسى المغنّي، ويُحبط الرسّام، فقط لأنهم لم يخرجوا الفكرة والشعور بالطريقة التي يرونها هم مناسبة، بل بالطريقة التي برأيهم: قد تعجب وتناسب الآخرين.

أحيانًا ما تكون أبسط الأمور التي يتخذها الفنان درعًا له -وإن انتهج ما رآه مناسبًا غير مكترث لآراء الآخرين وتقبلهم من عدمه- هي الحياد، فيكون محايدًا غير مصنفًا نفسه تحت أي ميولٍ، وغير مبدٍ رأيه حول أي قضية كبيرة، وهذا ما شاع في الآونة الأخيرة مع التقدم التقني ومع تطور الوسائل الإعلامية، في حين أن الفنان القديم، الرسام والأديب والمغني والممثل كان أجرأ، كان أقرب إلى نفسه من الآخرين، كان يترك الأمر لريشته وآلته وقلمه، ويطلق العنان لنفسه، ويوضح مواقفه من أي شيء بكل شفافية لمن يسأله عنها، لأنه لم يكن يشعر أنه يعيش على مسرح وأن كل العالم لجنة تحكيم تنتظر منه الوقوع في خطأ المعية والضدية، وكان يصل إلى حيث تستحق أصالته حتى بعد مماته، أما اليوم وفي ظل هذه الامكانية الكبيرة للوصول إلى العالم بأسره تقيّد هذه اللجنة أطرافه الأربعة فيكون رهن إشارة الجميع فقط ليكون مقبولًا.

قد أبدو وكأني أعمم الأمر، أو أصفه مجازيًّا بالحتمية، إلا أني لا أجزم إلا بوجوده عند الغالبية ممن يرغبون بالوصول إلى الآخرين، وإن اختلفت نسبته عند كل منهم إلا أن هذا الخوف – المقصود وغير المقصود- ما يزال مُمارَسًا ومتفشيًا بدرجة كبيرة تعيق تقدم الفنان وصاحب الرأي الواحد، وبالتالي تؤخر تقدم المجتمع الواحد.. فما الحل؟ الحل أن تبدأ بتقبل الآخرين بالسماح لهم باتخاذ مواقف مختلفة عنك، واحترام تعبيرهم عن موافقتهم ومعارضتهم، لتستحق في المقابل تقبلهم وسماحهم باتخاذك مواقف مختلفة عنهم واحترامهم لتعبيرك عن موافقتك ومعارضتك، ولتستطيع الاستمتاع بذوقهم ونتاجهم، فيستمتعون بذائقتك وما تنتج.

سأتقدم الطابور، ولا تتبعني، بل تقدم طابورك الخاص، دعني أراك بجانبي أو في الجهة التي تقابلني، دعني أراك بوضوح، وأسمعك بوضوح وسأحدثك بوضوح، تحدث كيفما شئت وبما تشاء واسمع مني ما أشاءُ وكيفما كان، أطلعني على ما تريد من جعبتك وهاك ما أختارُ مشاركتك إياه، سأكون أنا دون أن تقارنني بغيري أو بنفسك وكُن أنتَ وسأُقدّرُكَ لنفسك، لنستمتع بوجودنا، ونتلذذ باختلافنا، ونتطور بتقبلنا، ونُديم سَرِيّتي وسَرِيّتك بالتفاهم.

 

بقلم/علي سيف الرعيني

 

 

صادق السامرائييسألني الأخوة والأصدقاء، لماذا لا تؤلف الكتب الورقية، ولدي أرشيف كبير يصلح لإصدار العشرات منها؟!

وأتساءل وذات نفسي عن قيمة الكتاب الورقي؟!

زميلي يطبع في كل سنة كتاب وباللغة الإنكليزية، وعندما أسأله عن مصير ما يطبع، يقول إنه مكدس في سرداب البيت!!

ولي قريب لديه عشرات الآلاف من الكتب، لا يدري ماذا يفعل بها، فلا أحد يشتريها أو يعيرها إهتماما، ويحسب أنه سيهديها لمكتبة جامعة ما، وما وجد مَن يتقبّل منه ذخيرته الورقية!!

وفي مجتمعاتنا هناك حركة سريعة وإنتاج كتب بكثرة غير معهودة، لسهولة الطباعة، ولأن دور النشر تترعرع على طباعة الكتب، ولا يعنيها تسويقها وريعها.

والواقع أن طباعة الكتب تجارة كأي تجارة، الرابح فيها الجهة التي تطبع الكتاب، أما المؤلف فهو الخاسر الأول، لأن سوق الكتاب فيها كساد وفساد.

ويبدو أنّ المشكلة الأساسية أننا نعيش في عصر الصورة، التي تنطق بما لا يستطيعه كتاب!!

كما أن رغبة القراءة في الكتب الورقية ما عادت غالبة في المجتمعات التي يقضي أبناؤها معظم وقتهم محدّقين بشاشة صغيرة هيمنت على أيامهم وإستعبدتهم، هذه الشاشة التي إبتكرها شخص نصف جيناته عربية.

قلت للسائلين عندي عدد لا بأس به من الكتب الإليكترونية، لكنها ليست ذات تسويق طيب، وتعلمت أن المشكلة ليست في القارئ، وإنما في الكتابة كفن عليها أن تتطور وتواكب عصرها.

الكتابة بالغربية بحاجة لثورة أسلوبية معاصرة، وآليات عملية لشكلها وصورتها المحببة للنظر، وأن تكون مُكثفة وأقل مما " قل ودل"!!

فأساليبنا الكتابية خالية من التقنيات الحديثة، ويطغى عليها الترهل والإسهاب، وعدم القدرة على وضع الأفكار في كلمات، وما هي إلا تيهان فوق السطور، ونتوقع من القارئ أن يمتطيها وهو يطارد خيط دخان!!

الكتابة فن ويجب أن نعرف مكانها وزمانها، ومفرداتها!!

فهل من ثورة أسلوبية، وقدرة تعبيرية تتوافق وطبائع القرن الحادي والعشرين؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

ضياء نافع..لأنه لا توجد شوارع وساحات في بغداد تحمل اسم بدر شاكر السياب او نازك الملائكة او غائب طعمه فرمان او..او..او..، قررت ان اكتب هذه السطور، كي اهديها، اولا، الى ...من يهمّه الامر.. (كما تعوّدنا ان نكتب في عرائضنا غير المجدية !!!) انطلاقا من مبدأ – ... فذكّر ان نفعت الذكرى... رغم اني أعرف مسبقا، ان  عملية التذكير هذه (لم تنفع في حينها ولن تنفع لاحقا !!!).. واكتب هذه السطور، ثانيا، كي اخفف الوطأ (كما اوصانا المعرّي العظيم) عن روحي وقلبي وعقلي، بعد ان اطلعت على احصائية (غريبة وطريفة جدا!) تتحدث عن عدد الشوارع في روسيا (وبعض دول الاتحاد السوفيتي سابقا)، التي تحمل اسم الكاتب الروسي انطون تشيخوف، بل ان عالمية تشيخوف واطلاق اسمه على الشوارع تخطّت حدود روسيا ودول المجموعة السوفيتية السابقة، ووصلت الى دول اوربية اخرى، وليس فقط  دول المعسكر الاشتراكي السابق، والتي كانت تسير ضمن المدار الفكري السوفيتي كما هو معلوم، بل وصلت عالمية تشيخوف الى دول اوربية غربية بعيدة جدا جدا عن التأثير الروسي و السوفيتي سياسيا وفكريا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهناك الان شوارع وساحات تحمل اسم تشيخوف في المانيا وايطاليا وفرنسا ...، وكل هذا يعدّ طبعا ظاهرة حضارية متقدّمة و مدهشة و تستحق التأمّل العميق بلا شك ...

تقول ارقام تلك الاحصائية الطريفة، ان تشيخوف يشغل المكان رقم واحد بين الادباء الروس، الذين تمّ اطلاق اسمائهم على الشوارع في روسيا، وكذلك المدن السوفيتية سابقا، عندما كان الاتحاد السوفيتي قائما آنذاك، و على الرغم من تغيير معظم التسميات في تلك الدول بعد الغاء دولة الاتحاد السوفيتي عام 1991 كما هو معروف، الا ان اسم تشيخوف لم يتغيّر، وقد علّق احد اصدقائي العراقيين على ذلك قائلا وهو يضحك – ... لأن تشيخوف (فوق الميول والاتجاهات !)، وكان هذا (المصطلح السياسي العراقي البحت !) موضوعا لحديثنا وتعليقاتنا المتنوعة المرحة والعميقة الحزن في آن، نحن العراقيين، الذين التقينا آنذاك - وبمحض الصدفة - في موسكو . قال الاول، ان تشيخوف لم يكن بالنسبة للعراقيين (فوق الميول والاتجاهات)، والدليل على ذلك، ان مجلس السلم العالمي طلب من انصاره في العالم الاحتفال عام 1954 بذكرى مرور خمسين عاما على وفاة تشيخوف، وقد (لبّى!) هذا النداء الحزب الشيوعي العراقي، وأصدر اول كتاب عن تشيخوف في العراق، وهو كتاب شاكر خصباك الشهير . اعترض الثاني قائلا، ان كتاب خصباك كان فعلا متناسقا مع نداء مجلس السلم العالمي، وهو منظمة تابعة للحركة الشيوعية العالمية بقيادة الاتحاد السوفيتي آنذاك، وبالتالي، فانه جاء ضمن نشاط الحزب الشيوعي العراقي، الا ان كتاب خصباك عن تشيخوف تخطى ذلك (الحاجز!) ان صح التعبير، واصبح – وبمرور الزمن – كتابا عراقيا جميلا ومفيدا ورائدا وقائما بذاته عن تشيخوف، يرتبط باسم خصباك فقط، ولم يعد عملا فكريا، جاء نتيجة نداء مجلس السلم العالمي ليس الا، والدليل على ذلك، ان خصباك نفسه أعاد طبع هذا الكتاب في اليمن نهاية القرن العشرين، وذلك باعتبار هذا الكتاب واحدا من المصادر المهمة لتعريف القارئ العربي بالكاتب الروسي تشيخوف، وبغض النظر عن موقف الحزب الشيوعي العراقي تجاهه عند صدوره في الخمسينيات ببغداد عندئذ . قال الثالث، ان كل الادباء الروس في العراق الملكي وبداية العراق الجمهوري كانوا يُعتبرون (بضم الياء) ضمن (الميول والاتجاهات اليسارية) وليس فوقها، لانهم فقط روس ليس الا، بغض النظر عن مواقفهم الفكرية و نوعية كتاباتهم ومضامينها واهدافها (بما فيهم حتى بوشكين وغوغول ودستويفسكي وتورغينيف وتولستوي وتشيخوف)، وان هذه النظرة الساذجة جدا (التي كانت سائدة في شعاب المجتمع العراقي كافة آنذاك) دليل اكيد على سذاجة الساحة الفكرية العراقية عموما في تلك الفترة، وهي اثبات مادي ملموس ليس فقط لسذاجة السلطة الحاكمة وحدها، وانما لسذاجة كل القوى الاخرى في ذلك المجتمع، بما فيها القوى السياسية المعارضة للسلطة والمضادة لها .

 اتفقنا في نهاية دردشتنا الطريفة تلك، ان ظاهرة (شوارع تشيخوف !) العالمية ترتبط بابداع تشيخوف الانساني الهادئ والعذب بعمق وابتسامته الجميلة والحزينة، وان (عطسة موظفه الروسي، التي ادّت الى موته رعبا !) مفهومة جدا لكل انسان، بغض النظر عن قومية هذا الانسان وجنسيته ودينه وبقية خصائصة المتنوعة الاخرى، واتفقنا ايضا، ان بغداد ستشهد يوما ما ميلاد شارع يحمل اسم بدر شاكر السياب او غائب طعمه فرمان او نازك الملائكة او. ..او.. الخ، ولكن لن يكون فيها شارع يحمل اسم تشيخوف الروسي، او حتى شكسبير الانكليزي، والحليم تكفيه الاشارة....     

 

 ا.د. ضياء نافع

 

 

صادق السامرائيأبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي (506 - 581) هجرية، (1100 - 1185) ميلادية.

ولد في غرناطة وتوفي في مراكش.

فيلسوف وعالم وطبيب وفيزيائي وقاضي، ترك آثارا في الفلسفة والأدب والرياضيات والفلك والطب، وفي الغرب يسمى (أبو باسر)، وكان من وزراء دولة الموحدين.

كان الطبيب الخاص للسلطان أبي يعقوب يوسف أمير الموحدين (580 - 595) هجرية، وأوصى له بإبن رشد كخلف له في المستقبل في عام 1169، وكان هذا أعظم إنجازاته الحضارية الإنسانية.

أستاذه: إبن باجة

تلاميذه: أبو إسحاق البطروجي، إبن رشد. 

مؤلفاته: حي بن يقظان (أسرار الحكمة الإشراقية)، أرجوزة في الطب (7700) بيتا، رسالة في النفس، مراجعات ومباحثات بين إبن طفيل وإبن رشد.

الذين أثروا فيه: إفلاطون، أرسطو، الفارابي، إبن سينا، الغزالي، إبن باجة.

الذين أثر فيهم: إبن النفيس، إسحاق نيوتن ، فولتير، جون لوك، إيمانوئيل كانت ، وغيرهم.

وكتابه (حي بن يقظان)، "قصة خيالية عبر فيها عن آرائه الفلسفية في أن الإنسان بطبيعته وغريزته ومن غير تعليم يستطيع أن يكشف ذاته ويعرف الله. ويبدو أنه كان يؤمن بنظرية التطور والإرتقاء، واعتبر تنقية الدم عاملا أساسيا لبقاء الحياة، وذكر فيها مميزات الحيوان والنبات، وفي صنفي حياتهما وفي التغذية وتأثيرها في كل منهما".

هذا العقل العربي الألمعي أوجدته أمة ذات طاقات واعدة وقدرات على الإتيان بأمثاله في جميع العصور، فهل لنا أن نرعى عقولنا الفياضة الإبداع؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

نايف عبوشيحتفل العالم في ٢٢(نيسان) من كل عام بـ(يوم الأرض العالمي). ويتطلب أن يكون هذا اليوم يوم عمل للتصدي لوباء كورونا، وتغيُّر المناخ، والاحتباس الحراري ، وتغيير السلوك البشري الملوث لبيئة كوكبنا الأرضي، وإحداث تغييرات إيجابية للحفاظ على البيئة، ومواجهة ظاهرة التلوث، والانبعاثات الكربوني، والعوادم الصناعية السامة، وغيرها من التهديدات العالمية المستقبلية الخطرة.

ويأتي شعار يوم الأرض لسنة 2021 هو (استعادة أرضنا)، الذي يركّز على الإجراءات، والأساليب الطبيعية، والتقنيات الخضراء، والأفكار المبتكرة التي يمكنها المساعدة على تعزيز نظم الحفاظ على البيئة على هذا الكوكب، تجسيداً لحجم التحديات التي باتت تواجه كوكبنا الأرضي . ولقد جسد البوستر الرسمي ليوم الأرض لعام ٢٠٢١ للرسام البرازيلي (سبيتو)، التعبير عن الأمل بمستقبل أخضر، يصنعه الجيل الجديد، إذ الغزال يرمز إلى السلام، والشمس ترمز إلى الحرية والطاقة، في ومضة تطلع متفائلة للانسان المعاصر، إلى بيئة خضراء نظيفة .

ولابد من الإشارة إلى أن استعادة الكوكب، والحفاظ على بيئته الطبيعية، مسؤولية الجميع، حكومات وأفراد ، لأننا جميعا نعيش فيه، ونحتاج إلى أرض صحية لتأمين سبل العيش، والصحة والسعادة، وفرص البقاء.. فالكوكب السليم ضرورة وجود، وليس مجرد خيار . ويتطلب الأمر لتحقيق ذلك، مجموعة من حملات التشجير، وإنتاج الغذاء بأساليب طبيعية مستدامة، وتنظيف الأماكن العامة، والعمل إدارة التلوث، والنفايات السامة بكفاءة، ورفع الوعي المناخي، والتربية البيئية المجتمعية.

ولعل تأكيد برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أنه بحلول نهاية عام 2020، كان يجب أن تنخفض انبعاثات ثانى أكسيد الكربون العالمية بنسبة 7.6%، وتواصل الانخفاض بنسبة 7.6% كل عام، حتى نحافظ على الاحترار العالمي دون 1.5 درجة مئوية، وفقًا لتقرير فجوة الانبعاثات، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2019، يعكس حقيقة خطورة تداعيات التلوث على البيئة، ومايلحق من أضرار بكوبنا الأرضي .

 

نايف عبوش

بولص ادم"أي شخص يقرأ، لديه مفتاح الأعمال العظيمة والفرص التي لا يمكن تصورها"..  ألدوس هكسلي

في البدء، أقدم أجمل التهاني لمن ألف كتاباَ او شارك في تأليفه وساعده ان يرى النور.

نحب الكتب ويتفق معنا اليونسكو. اقترحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة يوم الكتاب العالمي يوم 23 أبريل كيوم للاحتفال بفرحة القراءة.

مائة دولة تحتفل باليوم العالمي للكتاب ولماذا لا؟ الأطفال الذين يقرؤون بانتظام من أجل الاستمتاع يحصلون على درجات اختبار أعلى، ويطورون مفردات أوسع، ويزيدون من المعرفة العامة ويفهمون الثقافات الأخرى بشكل أفضل من نظرائهم الذين لا يقرؤون. سواء كنت تقرأ كتبًا تقليدية ذات غلاف ورقي أو تلجأ إلى جهاز Kindle / iPad / أيًا كان، فإن القراءة جواز سفر الى العديد من العوالم الأخرى. لذا احتفل معنا في 23 أبريل! إنه يوم للاحتفال بامتياز القدرة على القراءة، توجه إلى المكتبة أو استلق على الأريكة وكن مجرد دودة كتب! القراءة هي شكل ممتاز من أشكال الترفيه ايضاً وتتطلب أن تستخدم خيالك بدلاً من مجرد مشاهدة العناصر المرئية على الشاشة. هناك أيضًا شيء علاجي للغاية حول الإحساس الفعلي للكتاب، برائحته من الصفحات المطبوعة والأغلفة اللامعة. تعتبر الكتب جانبًا قيمًا في المجتمع ولكن لم يكن هذا هو الحال دائمًا. عندما تم تطوير المفردات والكتابة منذ آلاف السنين، تم استخدام الألواح الطينية. تطور هذا إلى رق بردي. حقق الصينيون الشكل الأول للكتاب في القرن الثالث، على الرغم من أن كتبهم كانت تتكون من صفحات سميكة مصنوعة من الخيزران تم حياكتها معًا. بحلول منتصف القرن الخامس عشر، أحدثت المطبعة ثورة في الكتب لتصبح ما هي عليه اليوم وجعلتها في متناول الجميع. بفضل هذا الاختراع العبقري، أصبحنا قادرين على الاستمتاع بالنثر والشعر لعدد لا يحصى من المؤلفين والشعراء مثل من شكسبير وتولستوي. تم إنشاء يوم الكتاب العالمي من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في 23 أبريل 1995. تم اختيار هذا التاريخ لأنه ذكرى وفاة ويليام شكسبير والمؤرخ الإسباني البارز إنكا جارسيلاسو دي لا فيجا. قبل ذلك، كانت هناك عدة أفكار حول موعد الاحتفال باليوم العالمي للكتاب. في الأصل، اقترح الكاتب فيسنتي كلافيل أندريس، أن يكون هذا اليوم يوم يكرم المؤلف ميغيل دي سيرفانتس. هذا يعني أنه يمكن أن يكون إما في عيد ميلاده، في 7 أكتوبر، أو يوم وفاته، في 23 أبريل. لأن يوم وفاته تزامن مع التاريخ الذي توفي فيه ويليام شكسبير وإنكا جارسيلاسو دي لا فيغا أيضًا، هذا التاريخ تم اختياره. من المثير للدهشة أن هناك العديد من المؤلفين المشهورين الآخرين الذين ماتوا أيضًا في 23 أبريل، مثل ويليام وردزورث وديفيد هالبرستام.

يعد الاحتفال باليوم العالمي للكتاب فرصة مثالية لمقابلة مؤلفك المفضل أو تقديم كتاب هدية أو شراء تلك الرواية التي طالما رغبت في الحصول عليها بخصم مغر. علاوة على ذلك، يقوم أمناء المكتبات والمتاحف والمؤسسات الثقافية الأخرى عادة بتنظيم أنشطة خاصة للاحتفال بهذه المناسبة (موائد مستديرة، توقيع كتب، محاضرات، زيارات إرشادية، ورش عمل للأطفال، رواة القصص، حفلات موسيقية، قراءات عامة، إلخ..). دعوة لتجربة عالم الآداب بطريقة مختلفة.

في عام 2015 حققت النمسا مثلا رقماً قياسيا في عدد الفعاليات الكبرى احتفاءا بالكتاب وتشجيع القراءة وفي اسبانيا وعلى سبيل المثال لا الحصر، يصادف يوم سانت جوردي في كاتالونيا الاحتفال الشعبي وفقًا للتقاليد، من المعتاد في هذا اليوم إعطاء هدية كتاب للرجال ووردة للنساء. وهكذا تحولت مدن مثل برشلونة إلى مكتبة ضخمة لبيع الكتب في الهواء الطلق، مليئة بالأكشاك مع المؤلفين الذين يوقعون نسخًا من أعمالهم. سيرفانتس و "دون كيشوت" في 23 أبريل، مسقط رأس الكاتب ميغيل دي سيرفانتس، ألكالا دي إيناريس، يرتدي حلة رائعة: في قاعة الجامعة، يقدم ملك وملكة إسبانيا جائزة سرفانتس، وهي أهم تمييز أدبي يُمنح في عالم اللغة الإسبانية. بأسم بطل الرواية في يوم الكتاب العالمي. وفي كل عام، في Column Room في أكاديمية Círculo de Bellas Artes في مدريد، هناك قراءة متواصلة للرواية: يتضمن ذلك 48 ساعة من القراءة المستمرة من قبل شخصيات من عالم الثقافة والسياسة بالإضافة إلى المواطنين. تُقرأ رواية دون كيخوتة أيضًا في العديد من مراكز معهد سيرفانتس وفروعه في الخارج، من أجل الاحتفال بهذا التاريخ. يُقام ليلة الكتب في مدريد. تظل أكثر من 100 مكتبة مفتوحة حتى منتصف الليل مع برنامج ثقافي خاص يتضمن كل شيء من الموسيقى الحية واللقاءات مع الكتاب إلى أنشطة الأطفال. علاوة على ذلك، سيحصل أي شخص يشتري كتابًا في ذلك اليوم على خصم 10٪ على السعر. يُعد هذا طريقة رائعة لمحبي الكتب لإثارة شهيتهم لمعارض الكتب العديدة التي تقام في جميع أنحاء إسبانيا بعد ذلك بقليل خلال السنة.

في جميع أنحاء العالم، هناك العديد من التواريخ الأخرى التي يتم فيها الاحتفال باليوم العالمي للكتاب. تحتفل المملكة المتحدة والسويد وأيرلندا باليوم العالمي للكتاب في تواريخ مختلفة. ومن اللآفت أن المانيا وكرد فعل لما في الذاكرة وفي يوم مشؤوم من عام 1933تم حرق الكتب وكانت واحدة من جرائم الفاشيست الأولى التي مهدت للحرب الكونية الثانية، فحارقي الكتب أشعلوا حرباً مازال العالم يعيش تداعياتها المُرة، لذلك المانيا تعيد الأعتبار الى الكتاب ويُحتفى به ايما احتفاء متوجة ذلك بمعرض فرانكفورت للكتاب وربما هو اهم معرض عالمي لهذا الكائن العجيب الكتاب.

تبقى مشكلة قائمة وهي ظروف الطبع وعلاقة المؤلف بدار النشر والتوزيع ومشكلة حقوق المؤلف.. هي تتفاوت من بلد لآخر ومن قارة لأخرى، لكننا نعاني كثيراً من هذه المشكلة. وأخيراً القراءة تجعلنا نضحك وأحيانًا نحزن، فهي تستحضر صورًا أمام أعيننا الداخلية، بل إن بعض الكتب تأسرنا كثيرًا. نتفق: القراءة أجمل شيء في العالم! وصدق فولتير: القراءة تقوي الروح..

 

بولص آدم

 

صادق السامرائيأبو داود سليمان بن حسان (إبن جلجل الأندلسي). عاش (45) سنة، (332 - 377) هجرية.

درس الطب في سن الرابعة عشر وأتم دراسته في سن (24) وأتقنه بالممارسة.

وكان طبيبا خاصا للخليفة هشام المؤيد بالله (366 - 399) هجرية.

أساتذته في الطب: محمد بن سعيد، عبد الرحمن بن إسحاق بن هيثم، أبي عبدالله الصقلي، محمد الشجار، وهم من معاصريه المشهورين.

أساتذته في علوم الحديث واللغة: أبي بكر أحمد بن الفضل الدينوري، وهب بن مسرة، أحمد بن سعيد الصدقي، محمد بن يحيى الرباحي، وصحِبَ أبا بكر بن القوطية، وسليمان بن محمد الفقيه.

وله إهتمام بدراسة النباتات ويرى: " الله قد خلق الشفاء وبثه فيما أنبتته الأرض، وما إستقر عليها من الحيوان المشاء، والسابح في الماء المنساب، وما يكون تحت الأرض في جوفها من المعدن، كل ذلك فيه شفاء ورحمة ورفق".

وحرص على تصحيح كتاب (ديوسقريدس)

مؤلفاته: طبقات الأطباء والحكماء، تفسير أسماء الأدوية المفردة في كتاب ديو سقريدس، مقالة في ذكر الأدوية التي لم يذكرها ديو سقريدس، رسالة التبيين قيما غلط فيه بعض المتطببين.

إهتم بدراسة النباتات والأعشاب والأدوية المفردة والمركبة، وكأنه كان منشغلا بعلم الصيدلة وصناعة الدواء.

ويمكن القول بأنه كان من نوابغ عصره، ففي عمر مبكر نال شهرة وتأثيرا وأهمية في الطب، حتى تم إختياره طبيبا خاصا للخليفة، مما يعني أنه كان بارعا ومشهودا له بقدراته العلاجية والدوائية المشافية للعلل.

وهو طبيب موسوعي حاذق ومتبصر بالمعارف الإنسانية، ولديه أسلوبه في الإقتراب من المريض كحالة كلية، تتفاعل فيها عدة عوامل فتتسبب بالمرض أو العلة التي يشكو منها.

وقد ترافقت شهرته مع موهبته الأصيلة في المعاينة والتشخيص والعلاج، والوصول إلى أصل المعاناة التي تفعل في دنيا المريض.

وهو يقدم لنا مثلا على أن الطب يمكن أن يكون موهبة وقابلية يختص بها بعض البشر دون سواهم.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو المنصور بن أبي الفضل بن علي الصوري، من الأطباء العرب المشهورين في معرفة صنوف الأدوية المفردة والنباتات الطبية.

ولد ونشأ في (صور)، وهوى دراسة الأعشاب التي تنفع تداوي الأمراض.

أساتذته: أبي العباس الجياني.، موفق الدين عبد العزيز، عبد اللطيف بن يوسف البغدادي

عاش في القدس سنتين وإتصل بالحاكم العادل الأيوبي وضخبه إلى مصر، وصار رئيسا لأطباء مصر لفترة، ثم إستقر بدمشق، وكان من أصحابه (إبن أبي أصيبعة)، وعاصر إبن البيطار.

مؤلفاته: كتاب الأدوية المفردة، الرد على كتاب تاج البلغاري للأدوية المفردة، تعاليق طبية كتبه لإبن أصيبعة، الكافي في طب العيون.

كان عشابا حاذقا واكتشف أدوية لم يسبقه إليها أحد، وكان يصطحب معه مصورا أو رساما لرسم النباتات وبألوانها ومراحل نموها وتطورها، وأدخل الصور في كتابه (الأدوية المفردة).

ويمكن القول بأنه من علماء النباتات الطبية التي إستخدمها في معالجة الأمراض، وتمكن من إتخاذ المنهج العملي التجريبي الوصقي في تدوينها وتقديمها للأجيال بما توفر لديه من قدرات توضيحية وتعبيرية، وقد بذل جهودا كبيرة لجمع المعلومات وتوثيقها بالصور والشروحات، وأظنه من أصحاب الأطالس النباتية النادرة في تأريح البشرية، وربما لم يسبقه أحد إلى هذا التفاعل العلمي التجريبي مع النباتات .

وقد نجح في دراسة الأعشاب ومعرفة صناعة الأدوية منها، وقام بتجارب وأبحاث ودراسات أسهمت بتطور صناعة الأدوية، وقد كان مشهورا في القرن السادس الهجري ومتفوقا على معاصريه، فكان موسوعة نباتية علمية ومذخرا دوائيا إفتراضيا.

وقال إبن أبي أصيبعة: "أن رشيد الدين الصوري كان في كل مشاويره وزيارته يصطحب معه مصورا مزودا بالأصباغ على الرغم من إختلاف أنواعها، كما أنه كان يطوف مواطن النبات جميعها، ويطلب من ذلك المصور أن يصور له النبتة في بيئتها وبألوانها الطبيعية..."

وبهذا يقدم مثلا على أصالة الإبداع العلمي والإبتكارات المعرفية الغير مسبوقة، والتي أنارت بها الأمة دياجير عصور الظلام في أمم أخرى، ما كانت تعرف معنى التفاعل العلمي والتواصل العقلي مع التحديات.

وإن الأمة بألف خير ما دام معينها المعرفي لا ينضب، ولديها منابع غداقة التدفق والعطاء!!

 

د. صادق السامرائي

 

قليلة هي القصائد التي اسرتني معانيها واعدت قراءتها مرات عديدة واكتشف مع كل قراءة عمق المعاني وقوة العاطفة التي تحركها او تنطلق من صاحب قلم اعياه البعد عن ملاعب صباه وعشقه للأرض التي رأى النور فيها وقضى سنوات عمره الفتية يجول باطرافها ويحفظ كل دعسة قدم خطاها في ربوعها، وها هو بجيل تجاوز نبيل عودةالشباب، يطل من شبابيك المهجر متجولا بذكريات لا تمحي، مستعيدا جمال ملاعب الطفولة التي اختلطت مع نبضات قلبه فانطلقت بقصيدة هي برأيي من اجل قصائد الحنين للوطن، ومن اجمل قصائد الذكريات لملاعب الطفولة ، لبحر الوطن وشاطئه وجباله ونسائمه وعصافيره وسمراواته.

في القصيدة نشعر بعمق الحزن وعمق الشوق وعمق الحب الذي يفتقده الشاعر في غربته ، كانه يقول انا لم أختار الغربة بل هي التي اختارنتي. وها هو في بلاد ليس له فيها عنوان. ولا يستجيب لندائه انسان. يتألم بصمت، ويحن بصمت بقوله: ان رجعت الى لبنان؟ تأملوا الجملة ، لا يقول عائد الى لبنان، فهو في عالم غير وطنه:" أقيمُ في خيمةٍ لا الشمسُ تدخلُها…/ ولا يجيبُ إذا ناديتُ، إنسانُ" ويواصل بحزن تنبض به كلمات قصيدته او الاصح اعترافاته: نِصْفي هناك، ولي نصْفٌ أعيشُ به / فكيف أمْشي، وكلُّ الدرب أحزانُ؟"

بنفس الوقت لا ينسى ايام الشباب:" وكان لي جارةٌ سمراءُ تغمزُ لي / ولم يكنْ بينَنا بحرٌ وشطآنُ…"

ويختتم قصيدته بلوعة الحزن والشوق: " هناك لي وطنٌ... لولا أغادرُه /

أصيرُ أعمى، وحولي الناسُ عميانُ".

اجل انه في الغربة ولكن قلبه ومشاعره وعقله ونبض قلبه وعينينه ترفضان ان تغادر الوطن!!

اجل ايها الشاعر: سترجع الى لبنان، وسيرجع لبنان الى روحك وعينيك ونبضات قلبك، وذكرياتك، وحبك لكل ذرة رمل وتراب ونبتة قمح ووردة في ربوعه وبسمة من سمراء تغمز لك ويشرب فنجانا من قهوتها!!

نبيل عودة

.................

إن رجعتُ إلى لبنان / د. جميل الدويهي

أمشي على البحر علّي ألتقي وطناً

                 فيه السماءُ عصافيرٌ وألوانُ

يردّني بعدما أمعنتُ في سفَري

           وصار بيني وبين العطر جُدرانُ

أقيمُ في خيمةٍ لا الشمسُ تدخلُها…

                 ولا يجيبُ إذا ناديتُ، إنسانُ

عندي رداءٌ من الأوجاع ألبَسُه…

               مرّتْ عليه أعاصيرٌ، وأزمانُ

ويسأل الناسُ عن إسمي، وعن بلَدي

            وليس لي في بلاد اللهِ عنوانُ…

نِصْفي هناك، ولي نصْفٌ أعيشُ به

         فكيف أمْشي، وكلُّ الدرب أحزانُ؟

وكيف يعْرفُني بيتي وأعْرفُه؟

           وكيف يرقصُ بين الورد نَيسان؟

ومَن أنا؟ شاعرٌ طال الرحيل به

           وفي مواعيدِه جوعٌ... وحِرمانُ

يشتاقُ للخبز أقماراً مدوّرةً

   هل من رغيفٍ؟ وهل في الحيّ جيران؟

وهل أعود إلى الوادي؟ فلي شجرٌ

              هناكَ يضحكُ… تفّاح ورمّانُ

والنَّهر طفلٌ على كفّي أهدهدُه

       والقمحُ فوق التلالِ الخضرِ سلطانُ

كان الصباح شبابيكاً مشرّعةً

                وتملأُ الدارَ من فيروزَ ألحانُ

كان الربيع جميلاً في حديقتنا

        والآن ما فيه أزهار... وأغصانُ…

وكان لي جارةٌ سمراءُ تغمزُ لي

             ولم يكنْ بينَنا بحرٌ وشطآنُ…

وكنتُ أشربُ من فِنجان قهوتِها

             فكلّما استقبلتْني، قلتُ: عطشانُ

تلك التصاويرُ ما زالت بذاكرتي

              والكلُّ من بعْدِها طينٌ، وأوثانُ

طيّارتي وَرقٌ، في الريح أتبعُها

          إلى هضابٍ عليها الحورُ والبانُ

فإنْ رَجَعتُ إلى لبنانَ، لي سببٌ

          فالحبّ عندي لبعض الناس إدمانُ

هناك طفل صغيرٌ لا يزال معي

            ولو يغيبُ...فإنّ العمرَ نِسيانُ…

هناك لي وطنٌ... لولا أغادرُه

       أصيرُ أعمى، وحولي الناسُ عميانُ

***

د. جميل الدويهي اديب لبناني مغترب صاحب موقع أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - سيدني 2021

 

 

صادق السامرائياللغة أداة التفكير، فلكي نفكر نحتاج إلى مفردات تساعدنا على التفكير والتعامل مع الأفكار بقدرات إدراكية عالية.

فالأفكار بحاجة لمفردات، وقوتها تتناسب طرديا مع كمية المفردات المتوفرة للعقل.

فإذا ضعفت اللغة ضعف التفكير، وهذا ينعكس على صورة الحياة القائمة ويتمثل بها.

ولهذا تجد المجتمعات القوية تبدأ بتعليم الأجيالها منذ ما قبل المرحلة الإبتدائية معاني الكلمات، وتضخ فيهم مخزونا لغويا يؤهلهم لإعمال عقولهم والإعتماد على تفكيرهم، ويستمر الضخ المكثف للمفردات ومعانيها ودلالاتها ومراميها حتى نهاية المرحلة الجامعية، التي يكون الشخص فيها قد إمتلك أدوات التفكير اللازمة للتعبير عما يريده ويراه.

إن وعي مفردات أي لغة تحتم على العقل التفكير، لأن المفردات ذات طاقة حيوية وقدرة على التواشج والتوالد، والإنطلاق في كينونات ذات قيمة تعبيرية عن فكرة ما.

وواقعنا العام يشير إلى نضوب المفردات في أجيالنا، وعدم إبتكارنا المناهج التعليمية المعاصرة للغة الضاد، فلا نتبع خطوات المجتمعات المتقدمة في تعليمها للغاتها، ونأخذ منهم ما يضر بلغتنا ويساهم في نضوب مفرداتها وتغريبها عن وعي الأجيال.

فمنذ منتصف القرن العشرين والنخب تجتهد في النيل من اللغة وتقويض أسسها وأعمدتها، التي توارثتها الأجيال بذريعة الحداثة والتجديد، وما حدّثت ولا جدّدت بقدر ما إستنسخت من الآخرين ما يناهض اللغة ويعاديها في ميادينها الإبداعية المتنوعة.

فتجدنا نغرق في كتابات عبثية هروبية خالية من الإضافات المعرفية، والزاد اللغوي الشهي الذي يعين على إثراء المعجميات الذاتية، بل ترانا نقرأ نصوصا خاوية على عروشها، لا تعيننا على إكتساب معنى لمفردة أو إقتباس عبارة ذات قيمة.

وهذا يعني أن نخب الأمة يساهمون في تجديبها من المفردات الضرورية لإنتاج الأفكار والإبداع الأصيل.

وعليه يتوجب الإهتمام بالكلمة ومعناها ومنذ سن مبكرة، وأن تكون النصوص المكتوبة بأنواعها رافدا مهما لإغناء القارئ بالمفردات المعاصرة اللازمة للتفكير التنويري وتفعيل العقل.

وبهذا يمكننا أن نقول بأن اللغة العربية أداة تفكيرنا، ووسيلتنا للإتيان بما يتوافق والإستجابات اللازمة لمواجهة التحديات القائمة.

أما القول بتفعيل العقول وهي خالية من أدوات التفكير فهذا هو الهراء بعينه!!

 

د. صادق السامرائي

 

شاكر فريد حسنمن دواعي الغبطة والسرور أن يقوم الصديق الشاعر الأستاذ رجا الخطيب، القامة الوطنية، ورئيس مجلس دير حنا سابقًا، وصاحب المواقف السياسية والوطنية الجذرية الصلبة، بإهدائي باكورة أعماله الشعرية، ديوانه الموسوم "أكاليل آذار"، الصادر عن دار الحديث  في عسفيا بإدارة الشاعر الناشر فهيم أبو ركن.

يقع الديوان في 131 صفحة من الحجم المتوسط، وجاء بطباعة فاخرة وأنيقة، وأبدعت الفنانة ملكة زاهر بالتصميم الداخلي للديوان، وتصميم لوحة الغلاف الجميلة والمعبرة عن محتوياته ومضمونه. ويهدي رجا ديوانه إلى" الذين يعشقون الحروف، ويصوغون من بقاياها قلائد الكلام، ومحبي الخير والعاملين على إفشاء السلام".

ويتضمن الديوان أشعارًا وخواطر ذات دلالات عميقة، تحمل بعدًا وجدانيًا ووطنيًا وسياسيًا واجتماعيًا عامًا، تحاكي آذار وما يمثله من رمز بالارتباط والالتصاق بالأرض حتى الجذور، يوم انتفضت وهبت جماهيرنا العربية الفلسطينية دفاعًا عن أراضي المل في البطوف والأرض الفلسطينية كلها في العام 1976، وتعكس هذه الأشعار والخواطر الهم العام والوجع الإنساني والجرح الفلسطيني النازف.

لقد قرأت ديوان رجاء الخطيب بكثير من المتعة الذوقية، ووجدت في نصوصه مشاعر الحب والإنسانية وعشق الوطن وأبجديات الحروف، والالتزام الوطني والكفاح بكل تجلياته. إنه يمتلك نفسًا شعريًا وموهبة فذة، ويصب ويسكب أحاسيسه ومشاعره وينسج حروفه وكلماته بكل الصدق والعفوية والتلقائية والرقة والعذوبة والصياغة الجمالية الفنية. وما يميز كتابته الشعرية هو مقدرته الواضحة على المزج بين بساطة التعبير وواقعية الكلمات والمعاني من ناحية ورمزية اللغة الشعرية.

وعنوان الديوان يحمل دلالات فنية رمزية خالصة تلخص الإطار العام للرؤية الشعرية في الديوان كله، فالثورة والغضب على الواقع والحلم بفجر وضاء، وأمل مشرق بغد خالٍ من القهر والالم والظلم الإنساني، يمكن أن يتحقق في يوم من الأيام، ذلك أن الأسى والحزن والشجن لن يظل يطغى على ملامح تجربة شاعرنا رجا الخطيب.

في الديوان قصائد عديدة ومتنوعة الأغراض في معظم المواضيع، الوطنية والسياسية والاجتماعية والإنسانية والوجدانية والتأملية والرومانسية والرثائية، وغير ذلك من هموم وثيمات وعناوين. ففي الغزل نقرأ "رقّ قلبي" وهي قصيدة ناعمة حد الرقة، وفي غاية الروعة والجمال والشفافية ورهافة المشاعر، فيقول:

رقّ قلْبي للحَبيبِ وَراقا

كالندّى عَشِقَ الوُرودَ رِفاقا

يا حَبيبي لا تَزُرْني غِبّا

قد رَمى سَهْمُ المُحِبِّ مُحِبّا

فأصابَ كَبْدَ الهَوى وأراقا

أمْهتْ على ذِكْرِ الحَبيبِ عُيوني

وَوَقَتْ رُؤاهُ سَتائرُها جُفوني

أنْشدْتُ لهُ لَحْنًا فَسَرَّهُ شّدْوي

ما كانَ ظنّي أنّ الهَوى يَكْوي

ومن القصائد التي تحاكي الوطن والتراب والأرض والشهداء الابرار، قصيدته الرائعة "أكاليل آذار" المشحونة بالغضب اللاهب والاعتزاز بشعبه الذي ثار بوجه مصادرة واغتصاب الأرض، والتي اختارها عنوانًا لديوانه، نقتطف منها:

آذار جُرْحُنا يُنْكَأ كلَّ يوْمٍ

حتى بدا نَزيفُ النّجيعِ مَسيلا

شُهَداؤنا لهم في القُلوبِ نُقوشٌ

لِجَميلِ ما اسْتَردّوا نرُدُّ جميلا

ردّوا بِروحِهِم في الحوادِثِ حقًّا

وكرامَةً ومجْدًا فباتَ أصيلا

حقُّ الشّهيدِ موْصولٌ بنا حتّى

لوْ كانَ درْبُنا في النّضالِ طويلا

كلُّ الشّهورِ آذارُ هل هو قَدَرٌ

يأبى تحَمّلًا شعْبُنا وقَبولا

وفي قصائد أخرى يتحدث رجا الخطيب عن عشقه للحروف ولغة الضاد، وعن جمال الربيع ونيسان وأزهار اللوز والطبيعة الخضراء وهمس الليل والفجر ورمضان وعيد الميلاد ورمضان وجائحة كورونا والعنف المستشري في مجتمعنا، ويكتب عن القدس الجريحة والشام وحلب الشهباء والحالة السورية، وعن السلام، ويدعو إلى نشر رايات السلام والمحبة والوئام في المجتمع وبين الشعوب واحقاق الحق الفلسطيني المشروع.

ونلمس في الديوان الحس الطبقي الواضح المنحاز والمنتصر للجماهير المسحوقة الكادحة، المتعطشة للحياة والحرية والعدالة، بالإضافة للروح الريفية الشعبية التي تتجلى في قصيدته " صورة وعرية" التي تنتمي للشعر الايديلي "الريفي"، حيث يقول:

والفلّاح بِمْحاذاةِ الوعَر كرْمُه

عشْقان من ريحْتُه طَعْمُه

تين ودوالي ما شاالله

التين زنّر على الدّايِر

والدّالية تْعرْبشت مَدّاتها عَ صْخور

باحْضانها قْطوفِ العنب تدّلّى

حَبّاتها زْمُرّدُ وْبلّور

وقطوفِ اسْتَوَت مثل الذّهب المِجَلّى

منها حَوّشِ الفلّاح مشَقول

تين وعنب للقَفّور مَلّا

وبحْدا الدالية بُطْمِة عالْيِة

بين اغصانَها نَطْنطِ الشّحْرور

وفي الديوان كذلك قصائد في الرثاء، فنراه يرثي بكل الحزن واللوعة والأسى المناضل شوقي خطيب، وجاره المربي صالح محمد خلايلة، والمرحوم البروفيسور الشاعر فاروق مواسي، سيد الحرف، الذي يقول فيه:

أبْكيْتَ حَرْفًا كانَ فيكَ يُمَتّعُ

وَقَصِيدَةً تَرْثي الرّحيلَ وتَدْمَعُ

يا سَيّدَ الحَرْفِ الّذي قوّمتَهُ

بعْدَما لَهَجتْ فيهِ ألْسُنُ تَبْدَعُ

أوْجَعْتَ فينا شِعْرّنا ورُواءَهُ

لوْ كُنْتَ تدْري كم رَحيلُكَ يصْفَعُ

فاروقُ حينَ تَشاكَلَتْ وتَحيّرَتْ

فينا الرُّؤى، كُنْتَ المُحَكَّم تَشْرعُ

زِنَةَ الرَّواسي بالحُضورِ رَصانَةً

مُتكامِلًا كالبَدْرِ نورُكَ يسْطَعُ

وتمتاز قصائد ديوان "أكاليل آذار" بالرصانة والجزالة اللفظية وقوة التعبير واللغة، ومتانة السبك والحبك، والعذوبة اللغوية الموسيقية، والروح الشاعرية المرهفة الشفيفة، والشعور الوطني العارم الطاغي على مضامينها، فضلًا عن الصور الشعرية الخلابة المبتكرة، والاستعارات البلاغية والايحاءات العميقة.

ومن نافلة القول، أن رجا الخطيب استطاع بفضل موهبته الفنية الإبداعية وثقافته السياسية والفكرية ومقدرته اللغوية، وبأسلوبه السهل الممتنع العذب والمتميز أن يصقل ويطور أدواته ويسمو بها نحو الابداع والتجديد ليلائم مقتضيات التطور والحداثة في المسيرة الشعرية الحديثة. وما هذا الديوان سوى بطاقة تعريفية لشاعر نجح عبر متخيله الشعري أن يحول أغنياته وأناشيده وخواطره إلى ترنيمات وألحان شجية ينبض فيها الأمل والبقاء والحياة.

فللصديق الأستاذ العزيز الشاعر رجا الخطيب أجمل التهاني بصدور ديوانه الأول "أكاليل آذار"، مع أصدق التحيات وأطيب الامنيات بدوام التوفيق والنجاح والمزيد من الإبداع والعطاء والإصدارات الشعرية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن