عندما سئلتُ: كيف اصطاد القصيدة من مكمن اختفائها العصي العجيب؟ طفقت أقول: الشاعر صياد في تزاحم عشرات بل مئات، بل آلاف الصيادين، فإذا أراد ان يصيب ضالته في جمعهم الهستيري المتزايد، فما عليه سوى التفكر بطريقة المفاجأة للوصول الى حمامة تقف على غصن بعيد، البعض يحاول أن يصطادها بقتلها ويظن انه هو الاصطياد الحسن، والبعض يريد اصطيادها حية كي تزيد درجة براعته وتتفوق، والبعض يريد مطاردتها في شتى المشارب والوديان، والحاذق من يتراجع عن كل هؤلاء المهووسين بخدعة صيدها ويختلي مفكرا، فيتحول الى ساحر شعري يتمتع بنفس مواصفات الكائنات الشعرية، فيستطيع ان يصطاد ضالته بكل طواعية ومن غير منافس يعول على رمي الحجارة من بعيد.

ثم اقول: الشاعر خياط إعجازي يصنع لك من الخيوط المتناثرة قميصا ما، يأخذ مباشرة شكل ولون القصيدة التي تود ان ترتديها قميصا جميلا، وهذا هو عسير المخاض، والقصيدة بتشبيه آخر: كلعبة كرة القدم قد تفوز فيها،او تخسر، او تتعادل، مرة تنفعك الدربة، ومرة تخذلك، فلا يعول في القصيدة كثيرا على شيء اسمه الدربة، وإنما تلعب الصدفتان الذكية والغبية دورا أكثر خطورة في الشعر من الدربة فلا بد لك من ان توفق ببحر لايلطم بموجه وجه القصيدة، فيغرقها، ومطلع باسم في وجه القصيدة، وقافية تغازل المعاني الشاردة، وحركة اعر ابية تشاغل المعاني الواردة، ومعجم نحتي باطني شعري، يكفيك للبوح بقصيدة، وموقف شعري يكفي لك إثارة إعمال القصيدة، والعاب أخرى بعضها ناري، والبعض الآخر ثلجي، وبعضها محوري، والآخر مداري، وآخر بهلواني، وآخر معمول بطريقة سحرة فرعون، وآخر من سحر عصا موسى، لذلك لاتستغرب ان يطيش سهم الرائد هنا، ويصيب سهم المتطاول هناك، الشعر حركة مدارية عجيبة بين خياط يريد ان يلبسك بطعم روحه قميصا من عقدة خيوط مستحيلة الترتيب،وبين خوض مبارات كرة القدم، قد يتسبب فيها مارادونا الاسطورة بخسارة فريقه وإخراجه من البطولة جميعها .. والقصيدة بهذا الاستدراك غلب فيها المزيف والدخيل على النادر والأصيل  ولا تجد للجمهور او الإعلام موقفا واضحا وحاسما لنصرة القصيدة المغيبة النادرة، لذلك عندما نحصي شهيرات المجد الشعري، لانجدها سوى شهيرات قليلات، وقد لعب المؤثر الآخر الطارئ السلبي دورا في إذكاء روح المؤامرة التي تجعل الأعلام يتجه نحو الصرخة الكاذبة، فيركز عليها كثيرا، ويترك الصرخات الحقيقية المدوية ؛ لأنها قريبة منه (ولأنها من حمام الحي الذي لايطرب).

إن صيد القصيدة لايحتاج الى بندقية قاتلة، وإنما يحتاج إلى زهرة تصنع الحياة، وتدحض الأكذوبة، لاسيما ونحن نعيش عصرا غزت فيه أكذوبة السياسة، مصداقية النزيف الشعر ي والصيد في عالم الشعر، يختلف عن أي صيد آخر، فهو يبحث عن الفرائد والخرائد والجواهر والماس والعقيق وو.. الخ من حيث شحتها في عالم النفاذ، وهو مفتون بانتظار حسناء البحر التي ستظهر، ولكن لايعلم متى ذلك ليقتنصها.

صيد القصيدة ياعزيزي ليس بالأمر الهين ؛لأن الصياد وأداته تقف في جانب، متهيئا للانقضاض على شبح وهمي يضلل شيئا حقيقيا متحركا حركة السمكة في الماء العكر، ففي كل عشرة محاولات متكررة او أكثر قد يصيب سمكة !

 الصيد في عالم الشعر يشبه مطاردة صياد،لغزال عنيد متناهي السرعة تعجز الأسود عن ملاحقته في بر تملؤه جميع الوحوش المتربصة ببعضها، فالزحاف وحش، والوعورة والغريب وحش متربص، ونفور القافية وحش متربص، والنظم بلا معنى وحش متربص، والناقد الأعمى وحش متربص، وفقدان العذوبة الشعرية وحش متربص، وفقدان البهلوانية الشعرية الساحرة التي تميز الشاعر عن غيره وحش متربص والحداثة الكاذبة وحش متربص، وموضة الطلاسم الشعرية الفارغة وحش متربص، وتربص أنصاف النقاد بخلط الأوراق بين ماهو مبتكر جديد من معنى، ومطروق قديم ومحاولة سلب حق المبتكر الجديد وتنزيه الصنم القديم إيمانا بالصنمية التي تربوا عليها وتوارثوها منذ القدم وهو ما اسميه (بالعبودية النقدية) او (عبودية الرأي)

وفي عالم اليوم، قد يوجد لدينا شعراء ماهرون في صيد القصائد لكننا نجهلهم او نتجاهلهم، لأن أسواقنا مثلا مهمتها تسويق الحمار الشعري، او البقر الشعري،، او البعير الشعري، او السنجاب الشعري، او الجرذ الشعري، او الطاووس الشعري، او الضب الشعري، او الكنغر الشعري، او اليربوع الشعري، فأنت من كل هؤلاء تسمع قصائد، وبإلقاء متكلف يخلط عليك الأصوات، فتظن ان أمامك المتنبي، او ابو تمام،او الفرزدق، او ابوفراس، وما هي الا زوبعة حتى تدرك انك وكذا عدد من الجالسين مخدوعون، بمهرجان اسمه كذا، ولكن حقيقته سدى!

وأسواقنا الدعائية لاحاجة لها بتسويق وشراء المها الشعري، او الغزال الشعري، مايحدث فعلا وهو من عجائب عصرنا، ان دالتنا الصنمية تتباهى بالأنصاف والزائفين، ولا تستطيع ان تتقبل العمالقة، لأنها لم تعتد على إحجام العمالقة في عالم الوصف الحقيقي، بل ان عالمها الحقيقي ليس فيه مقعد مألوف لعملاق قادم، إنما هي اعتادت أنصاف المقاعد وأنصاف القاعدين !

وهناك صيد من نوع آخر: هو أن القصيدة هي التي تصيد الشاعر، وهو ماينتج عنه أجمل وأعذب أنواع الشعر، ولو حولت هذا المقال الى كتاب لصنفت ونظرت، وأعطيت من الشواهد مايغني عن كل خاطرة لبس، لكنني لستُ في صدد عمل الكتاب!

اقول من شعري:

خلف القصيدة يركض الصيادُ *** فإذا أتاها، فالسرابُ معادُ!

بقلم: رحيم الشاهر- عضو اتحاد أدباء العراق

 

 

mohamad abdulkarimyousifيحكى أنه في يوم من الأيام أراد إله الرعد والبرق أن يقضي وقتا مع أحد الفلاحين في حقولهم. وفي كل يوم تعودا أن يسمرا حتى ساعة متأخرة من الليل . وفي كل يوم كانا يتناولا موضوعات شتى في الحياة .. في طموحات الفلاحين وشؤونهم وشجونهم .. وفي كل مرة كانا يتفقان على الموضوعات التي يناقشانها.

في إحدى السهرات، رأى الفلاح أن المطر هذا العام كان غزيرا وأدى إلى تلف جزء من المحصول .. لكن إله الرعد استنكر الفكرة من أساسها .. واعتبر أن الفلاح قصّر في العناية بالمحصول .. حاول الفلاح عبثا إقناع إله الرعد بفكرته لكنه تعنت ورفض فرضيات وطروحات الفلاح .. ثم تابع إله الرعد قائلا: يا صديقي إذا لم تقنع بفكرتي سأرسل رعدي وغيمي ومطري إليك .. وسترى .. لن تفيدك الشمس أو الهواء أو الرياح ..

وافق الفلاحُ إلهَ الرعد .. وحمد الله أن انصرف راضيا ً تلك الليلة ..

-2-

يحكى أن مدرسا للتربية الدينية روى لتلامذته حكاية سيدنا يونس .. وكيف دخل جوف الحوت .. ثم لفظه الحوت بعد أيام .. سأل أحد التلاميذ الأستاذ : ولكن يا أستاذ كيف دخل سيدنا يونس جوف الحوت ولم يمت؟ .. إذا دخل أي منا جوف الحوت أو بركة مياه سيموت لساعته .. تعكر مزاج الأستاذ كثيرا وأجابه : وما دخلك أنت يا قليل التهذيب حتى تنكر رواية القرآن الكريم .. ماذا يعمل أبوك؟ ومن أي منطقة أنت؟ وبدأ الأستاذ يوبخ التلميذ .. وكلما تذكر الأستاذ الحادثة عاد ووبخ التلميذ.

كره التلميذ التربية الدينية ومعلم التربية الدينية بسبب هذه الحادثة ..

عرفت بما حدث عندما حضرني إلى المكتبة والد التلميذ يصحب ولده الحائر .. وسألني ما يفعل .. ضحكت كثيرا وابتسمت في وجه الطفل الحائر وقلت له يا صغيري .. حكاية سيدنا يونس عليه السلام ليست حكاية عادية .. ولا نراها كل يوم .. لا تحدث معي أو معك أو مع والدك .. حدثت مرة في التاريخ .. وكانت معجزة .. والمعجزات يا صغيري لا تتكرر وإلا صارت أحداثا عادية .. أفهمت .. سيدنا يونس عليه السلام ليس شخصا عاديا .. كان يحمل رسالة السماء .. إلى الناس كل الناس .. والمعجزات كثيرة لكنها نادرا ما تحدث .. هاك مثلا أولئك السبعة أطفال الذين تكلموا في المهد .. أنت وأنا نناغي ونكاغي ولكن لا نتكلم كلاما يفهمه الكبار لأننا عاديون .. أفهمت الآن ..

وقف الطفل على كرتونة ورق في المكتبة .. قبلني وشكرني كثيرا .. لاحظت على وجهه أمارات الرضى والقبول ..

-3-

في إحدى المرات سئل برناردشو عن الحوار فقال:

إذا كان لديك تفاحة ولدي تفاحة .. وتبادلناها .. سيصبح لدى كل واحد منا تفاحة ..

أما إذا كان لديك فكرة أو رأي وتبادلناها .. سيصبح لدى كل واحد منا رأيان أو فكرتان ..

فما بالك إذا كنا عشرة ..

أو عشرون ..

أو مئة

المهم في الأمر، أن للجدل آداب لا بد من إحيائها ..

 

محمد عبد الكريم يوسف

 

faroq mawasiمما أفدته من ابن السِّكِّيت (ت. 858 م) في "كتاب الألفاظ"- وهو أقدم معجم في المعاني أن لفظة (الطريق) تذكر وتؤنث، فالطريق يؤنثه أهل الحجاز، ويذكّره أهل نجد.

 والتذكير ورد في قوله تعالى: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}- الأحقاف، 30.

..

  وفي المعنى نفسه: السبيل (تذكر وتؤنث)، فمن التأنيث:

{قل هذه سبيلي}- يوسف، 108، ومن التذكير:{وإنها لبسبيل مقيم}- الحِجْر، 76، و{ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}- الأعراف، 176.

..

ويقال طريق مدعوس= كثرت به الآثار، فكلمة (دعس) فصيحة.

فدعست الإبل الطريق تدعَسه دَعْسًا= وطئته وطئًا شديدًا.

..

أما النّقْب فهو الطريق في الجبل، ومثلة (الثَّنِـيّة).

في (لسان العرب):

"والنَّقْـب والنُّـقْـب: الطريق، وقيل: الطريق الضيق في الجبل، والجمع أنقاب ونِقاب؛ أنشد ثعلب لابن أبي عاصية:

تطاول ليلي بالعراق ولم يكن  ***   علي بأنقاب الحجاز يطول

..

بُنيّات الطريق = طرق صغار تنشعب من الطريق الأعظم.

ورد في (مجمع الأمثال رقم 1414) للميداني:

"دع عنك بُنيّات الطريق، أي عليك بمعظم الأمر، ودع الروَغان".

وقد ورد في الشعر:

فهذا الحق ليس به خفاء ***  فدعني من بُنيّات الطريق

وأورد الثعالبي في (المضاف والمنسوب، ص 278) هذا التركيب، وذكر أن المعنى هو "الصعاب والمعاسف، يقال للرجل إذا وُعِظ: الزم الجادّة، ودع بُنَيّات الطريق!".

يقول محمود الورّاق:

تنكّبْ بُنيّات الطريق وجَورَها *** فإنك في الدنيا غريبٌ مسافر

..

الجادّة –  مسلك الطريق وما وضح منه، وكذلك الطريق عندما تكون فيه آثار القوادم كثيرة، ومثلها طُرْقة.

وفي (لسان العرب) هي معظم الطريق، ولا بد من المرور فيها، وسميت جادّة  لأنها خُطّة مستقيمة ملحوبة (مطروقة، واللاحب هو الطريق).

..

(الجَدد) قيل الأرض المستوية، وفي المثل: "من سلك الجّدَد أمِن العِثار" يريد من سلك طريق الإجماع فلا يعثر.

..

المَحَـجّة- الطريق الواضح البيّن.

وردت في الحديث الشريف: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى المَحجّةُ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلاَّ هَالِكٌ". فالمحجة هنا هي الطريق التي اختارها الرسول الكريم. فالفعل الثلاثي منها (حجَّ) ومعناه قصد، وقد صيغ على وزن مَفْعَلة.

...

الفَجّ- كل سَعة بين نَشازين (أي مرتفعين)، وهو الطريق الواسع البعيد، وجمعه الفِجاج، ويقال له (النّـجْد- وجمعه أنجُد ونِجاد)، ويقال للرجل إذا كان غالبًا للأمور قاهرًا لها- "طلاع أنجد"، وإنه "طلاع الثنايا"، ونذكر في ذلك قول سُحَـيم بن وَثيل الرياحي البيت الذي استشهد به الحجّاج في خطبته الشهيرة:

أنا ابن جَلا وطلاعُ الثنايا *** متى أضعِ العِمامةَ تعرفوني

ولفظة (الرِّيع" مثل النجد)، وقد وردت في الذكر الحكيم:

{أتبنون بكل رِيع آية تعبثون}- الشعراء، 128.

..

ذكرت كلمات هي بمعنى الطريق، ولكنها قد تحمل دلالات أخرى، فالنجد مثلاً وهو الطريق الواضح المتصل يعني أيضًا المرتفع في الأرض، وكذلك  لفظة (الريع).

..

لم يورد ابن السكِّيت لفظة (الشارع)، إذ وردت في (لسان العرب) بمعنى الطريق الأعظم الذي يشرع فيه الناس عامة. وشرع في الأمر أخذ فيه.

 ولفظة (الشارع) لها علاقة بلفظتي (الشريعة) التي شرعها الله ورسوله، وبلفظة (الشِّرْعة)، التي وردت في الذكر الحكيم:

{ولكلٍ جعلنا منكم شِرعةً ومِنهاجًا}- المائدة، 48. فالشرعة ما شُرع من الدين،

والمنهاج هو الطريق المستقيم.

والنهج والدرب = الطريق.

أما كلمة (الدرب) فالأصل أنها المضيق في الجبال، فأصبح معناها- كل طريق يؤدي إلى ظاهر البلد.

هناك كلمات أخرى كثيرة تعني الطريق، ومنها كلمات كثيرة ليست مستخدمة في لغتنا المعاصرة، ولا أرى ضرورة لإثباتها هنا كلفظة (مَهْيـَع) على سبيل المثال، فقد وردت في (لسان العرب):

"اتقوا البدع والزموا المهيع"- هو الطريق الواسع المنبسط.

..

مع كل هذا الثراء اللغوي، فثمة إرباك وعدم توحيد الترجمة العربية لكلمات إنجليزية، نحو way- highway- street- road- route- boulevard- avenue.....

فهي في اللغات الحديثة الأخرى أكثر تحديدًا.

كذلك نجد مثل هذا العَنت  والخلاف في ترجمة كلمات عبرية تتعلق بطرق المواصلات.

 

ب. فاروق مواسي

 

maymon harashكان جد "باسيل" بطل رواية "زوربا" اليوناني يخرج بفانوس إلى الخارج بحثاً عن غريب تائه، يستضيفه في داره، يطعمه، ويكرمه،ثم يطلب منه أن يسدد دينه بقوله له " تكلم"، ويبدأ الضيف في" الحكي"، وينتشي الجد مما يسمع من أخبار، وأحاديث، وحكايات، وكان يكتفي بما يسمعه من ضيوفه دون أن يغادر أبداً القرية التي يعيش فيها..هكذا أحب الحياة دون أنْ يضرب في الأرض .

لا أحد اليوم يخرج بفانوس ليبحث عن غريب من أجل أن يسمع منه كلاماً عن العالم الخارجي، ربما لأننا جميعاً غرباء، والبحث عن واحد منهم في زمن فيه دش، وهاتف نقال، وإنترنيت هو بشهادة العقلاء ضرب من الجنون..ومع ذلك لا بد من انتظار ما ندري ولا ندري مذْ أخلف "غودو" وعده؛من يدري لو حضر، في الوقت المناسب، لكان كمن يسمع مصمتاً لذلك فحسناً صنع . ربما.

جد "باسيل" مع ضيفه  ذكرني  بعمي "أعنان"،في سنوات السبعينيات، كان لقائي به يتجدد كل مساء، بعد أوبته من عمله في "كتامة"، لم أكن أستجديه ليتكلم بل كان يكفي أن ينظر في عينيّ الصغيرتين الغارقتين في حوض من الكحل الطبيعي من مرض، فيبدأ يحكي، حينها أسمع حقائقَ، وخرافاتٍ فتنبسط أمامي، في الحيز الضيق الذي نتقاسمه في الجلوس، والذي  يربط بيني وبينه، عوالمُ غريبة أغرق في طبيعة ناسها، وحيوانها، ونباتها وجمادها. في الكثير من حكاياته  تبدو هذه العوالم مختلفة تماماً، لا شرخَ فيها، ولا نشاز، ولا اعوجاج، وإنْ وجدَ واحد فمن "أبجديات التصرف"، يقتضيه تنميق الكلام؛ كان عمي يطلي حكاياتِه بالماكياج،  ويخرج دائماً"مُلوناً" من مواقف حياتية صعبة بذكاء بطل خارق ..

في بيت من الطين، نعدم فيه لا التلفزة بل حتى "الفانوس"، كان عمي هو عالمي المفضل، كان تلفزتي، وفانوسي، ومذياعي .. ومع ذلك لم

لم أكن أصدق  كل ما يقوله ؛ لأن العائلة كافة كانت تُجمع على أنه  مجرد "حمو رحرايمي "، وما كان يذهلني فيه هو قدرته الخارقة على "الكذب"، يعقده مرة، ويسحله أخرى،فلا ينتهي منه إلا وهو مفتول مثل الكسكس الذي تصنعه أمي بيديها الكريمتين، قطعة متراصة يخرج الكذب من فيه المليء بالأسنان بشكل فوضوي مقزز [مرات عديدة تساءلت لِـمَ لم تكن هذه الأسنان تحد من جموح كلامه المسترسل]، وما على المستمع سوى أن يفغر فاه على نحو يجعل منْ ينصتُ له يطلب المزيد من كذب "أعنان" وبإلحاح الظمآن.

وفي أكثرَ من مقطع من حكايات عمي كان يعرف كيف يجعلني أتمنى أذناً ثالثة في رأسي، مُصغية بشكل جيد، ومُلتقطة لتفاصيلَ تغيب عن النظيرتيْن.. لم يدخل عمي مدرسة ألبتة، لكنه كممثل يؤدي- كلما تكلم- دوره بنجاح، ويتفنن كيف يمطط في حكاياته، وكيف يجعلك تتبرم من تفاصيله حين يوقف " الحدث" راغباً في ذهولك، وتاركاً التصعيد الدرامي أن يقول عنه  .

"حكّاء"، هكذا عرفت عمي، وفي العائلة يعزون كلامه الغزير لنبتة " الكيف" المخدرة، والتي كان يجلبها من " كتامة"، ولم يكن يحلو له تدخينها إلا إذا براها بنفسه،وقطعها بيديه.

إنها نبتة الكيف إذاً !.. هكذا فكرتُ آنئذٍ.

إنها المخدر الذي تمنح لعمي طاقة الكلام، ومها يكن، اليوم كبرتُ، وأعرف كثيرين يدخنون، ويشربون، لكنهم يمارسون دور أبي الهول، يغرقون في صمت أبدي، لا تكسره سوى أمواجهم النفسية في الداخل.

يقول عني أصدقائي بأني أستمريء الصمت، أدمنه معهم في جلساتنا، وفي البيت يقل كلامي مع أولادي أيضاً، وبشكل لافت؛ ولقلوبكم الطيبة أعترف بأن هذه الاعترافات/ الملاحظات من أحبتي  تستفزني،إذ كيف أقول لهم بأني مدرس، ولا أجيد غير لوك الكلام حين يفرض نفسه عليّ عن طريق اللاشعور من جراء الوظيفة،فمهنة التعليم تغلب الطابع التفسيري وخاصية الشرح ودعوة التلقين ؛ أقف أمام تلامذتي، عيونهم تروزني، وتقول أفواههم دفعة واحدة وبلغة أعرفها: " تكلم". وأثرثر لأجلهم،وفي الميدان، أما خارجه فأنا مجاهد مستريح، وصائم عن الكلام، لذا حين أسمع هذه الملاحظة من الأوداء أضحك في داخلي، وفي جميع الحالات لو يدركون كم أتحدث مع نفسي .. !

لست أدري ممن ورثتُ الصمت اللعين، مع أن العدل أن يحصل العكس مع شخص عاش مع عمٍ مثل أعنان.

لماذا أصمت كثيراً، طيب ؟!..

أخبرتُ مُحاوري، يوماً، بأني أعشق الصمت، أغرق فيه، وأنهل منه، وتشغَل شعابي جدواه،  وما قصصي التي أكتب سوى تعويض، وإني أكتب لأستثير ثرثرتي  حتى  إذا مارستُ طقس الصمت أغدو خفيفاً جداً في الوزن كالعصفور، وطمعاً في أن أكون ثقيلا في الميزان، أترك نفسي على سجيتها،أقول لها بحدة: " تكلمي الآن"، ويركب داخلي عفريت ثرثار، حينها فقط أترحم على صمتي، وأترجمه إلى إبداع، ولا أبحث في كتاباتي سوى عن أن أكون ثقيلا، ولا يسمنني أو يغنيني إلا الكلام .

هذه الثرثرة الأدبية سيلتفتُ إليها الناقد المغربي الكبير ميمون مسلك في ملاحظة بعثها إليّ عبر دردشة أدبية جميلة، يقول فيها: " أنت موهوب لا شك في ذلك، وكتابتك لها منحى خاص ومتميز... ولكن تختار السارد (الثرثار) أو السارد الذي يفضح الأسرار.. فمشكلتك مشكلة سارد[...]".

أفهم جيداً مشكلتي ..إنها الثرثرة السردية، فهل أصوم عن الكلام، في الوقت الذي يبحث عنه غيري؟

و كما زوربا، سأحمل فانوسي/ قلمي، وأبحث عن ضيفي الذي في داخلي وسأقول له آمراً: " تكلم"..

وسأتكلم ! فما أنا سوى كلمات..

 

ميمون حرش

 

 

khoulod albadri"من ذا الذي يشعل نار الحكمة ؟وإلى أين تذهب ؟"

"إن الحياة، في الحقيقة، سخية مع من يعيش أسطورته الشخصية "

بهذا أنهى الروائي باولو كويلو الأسطر الأخيرة من روايته. وعند تتبعنا لأحداث الرواية نجد البطل الذي يعيش من مهنة الرعي يراوده حلم يتكرر معه بأن هناك كنز ما في منطقة الأهرامات في مصر.

ظل الراعي الذي كان يقرأ الكتب، يعيش في أسبانيا مع أغنامه، يلتقي بابنة التاجر الذي يبيع له الصوف، يبدأ التفكير بهذه الفتاة، لكنه يظل يردد، ماذا يعني هذا الحلم فيتذكر امرأة عجوز في طريفا تفسر الأحلام يذهب إليها ويخبرها بحلمه، فتطلب منه عشر الكنز عندما يجده، وتخبره أن يذهب إلى مصر ليجد الكنز . يبيع أغنامه ويبدأ رحلته في البحث .

يلتقي بالشيخ الملك فيخبره عن أسطورته الشخصية فيسأل الفتى ما هي (الأسطورة الشخصية) فيجيب الشيخ "هي ما تمنّيت، باستمرار، أن تفعله . أن كلأ منا يعرف، في مطلع شبابه ما هي أسطورته الشخصية .

ففي تلك المرحلة من الحياة، يكون كل شيء واضحا وممكنا، ولا نخاف أن نحلم بكل ما نحب أن نفعله في الحياة .بيد أن قوة غامضة تحاول، مع مرور الوقت، أن تثبت أن من المستحيل تحقيق أسطورتنا الشخصية "ص37

وأخبره بلغة الإشارات قائلا ."لكي تصل إلى الكنز، ينبغي لك أن تنتبه إلى الإشارات .لقد كتب الربّ، في العالم، لكل منا الطريق التي يجب عليه اتباعها ومهمتك تقتصر على قراءة ما كتب لك "ص44

وروى له قصة الحكيم ونقطة الزيت ...حيث قال الحكيم بعد أن أختبر فتى بنقطة زيت في الملعقة وطلب منه أن يشاهد الروائع التي في القصر دون أن يسكب هذه النقطة، في المرة الأولى حافظ على النقطة ولم ير الروائع .أعاد حكيم الحكماء الاختبار له للمرة الثانية، فأسقط النقطتين لكنه رأى كل شيء، وهنا قال له حكيم الحكماء :"تلك هي النصيحة الوحيدة التي يمكنني أن أسديها لك :أن سر السعادة هو في أن تشاهد كل روائع الدنيا دون أن تنسى، إطلاقا، نقطتي الزيت في الملعقة .ص47

1081 baowloنصل إلى (المبدأ الملائم) في تحقيق الأسطورة الشخصية هذا ما أكتشفه عند عمله مع بائع البلور وما المبدأ الملائم يقول هو حظ المبتدئ

يكمل رحلته فيلتقي عند محط القوافل بالرجل الانكليزي الباحث في الكيمياء، وعن رجل يدعى بالخيميائي، فيصادف أن توجها إلى نفس الرحلة بقافلة ستجوب بهم الصحراء ليلتقي بفاطمة ويعشقها، يرى اشارات للحرب، وفعلا تحدث حرب بين القبائل، هنا يدخل في لغة الكون وروح العالم ..بنظر الكاتب ...حيث يدرك الجّمال:"...... ويعرف أن أي شيء، على وجه الأرض، يستطيع أن يروي تاريخ كلّ الأشياء .إذا فتحنا صفحة من كتاب أو تفحّصنا يدي شخصا، أو راقبنا تحليق طائر، أو أمعنا النظر في ورق للعب، أو في أي شيء آخر، فأن كلاّ منا يمكنه أن يكتشف صلة بما يعيشه، لا تكشف الأشياء، في الحقيقة، أمرا بذاتها، بل أن الناس هم الذين يكتشفون، بملاحظتهم الأشياء، طريقة للنفاذ إلى روح العالم .ص119

نصل الى (التقليد) في الصحراء ثم (الإنجاز العظيم ولوح الزمرد) "أن لوح الزمرد هو ممر مباشر نحو روح العالم "

"أن روح العالم قبل أن تحقق حلما، تريد أن تقيّم دائما، ما تعلمناه أثناء مسيرتنا .وإذا كانت تتصرف على هذا النحو، فليس بدافع أذيتنا، بل لنتعلم، مع أحلامنا في آن، أن الإفادة من الدروس التي يتخلّى فيها معظم الناس عن حلمهم .وهذا ما نسميه، في لغة الصحراء: الموت عطشا، عندما تكون نخلات الواحة بادية في الأفق ."أن أي مسعى يبدأ دائما، بخط المبتدئ، وينتهي، دائما، باختبار المقتحم "ص151

فهل وجد الفتى الكنز في الأهرامات أم وجده في نفس المكان الذي كان يرعى فيه أغنامه؟.. إذن هي رحلة للبحث واكتشاف العالم واكتشاف الأنا .التزود بالحكمة وفلسفة الكون .

أخيرا ...الرواية مؤثرة تترك أثر عميق لدى القارئ، وهي واحدة من تلك الروايات التي تحفز فيك عند القراءة، كل ما هو إيجابي .

 

خلود البدري

 

 

nooradin samoodهذا الموضوع الذي أثيره يتعلق بصعوبة اللغة العربية وقد قدو بعضهم الدليل الذي رآه قاطعا على صحة هذا الرأي وهو جهل كل من ابن عميد الأدب العربي طه حسين وحفيدة أمير الشعراء أحمد شوقي للغة العربية، وهذا خبر مثير للاهتمام، عثرت عليه في مقال كتبه إحسان عبد القدوس، قرأته في كتاب يوسف السودا الذي اختار له عنوان"الأحرفية أو القواعد الجديدة في العربية" الذي نشر 1959، ودعا فيه إلى تجديد القواعد النحوية للغة العربية لتسهيلها على دارسيها، وقد نقل هذا الخبر عن مجلة (روز اليوسف) الصادرة في أول نوفمبر 1954 في كتابه المذكور.

لقد أراد هذا المؤلف أن يستدل بهذا الخبر على صعوبة تعلم اللغة العربية وعلى وجوب تسهيل قواعدها على من يريد أن يتعلمها، لأن الذي يسمع أن ابن عميد الأدب وحفيدة أمير الشعراء يجهلان لغة أبويهما، سيتجنبونها وينصرفون عنها إلى تعلم اللغات الأخرى التي يعتقدون أن قواعدها أسهل من قواعد لغة الضاد وأن الألسن الإفرنجية أيسر من لسان العرب.

وهذا هو الخبر الذي لم ينشر إلا مرتين أولاهما في مجلة والثانية في كتاب: (في الأسبوع الماضي أُعلِنت خطوبة مؤنس حسين إلى الآنسة لولت ـ أي ليلى ـ العلايلي، ومؤنس هو ابن عميد النثر العربي الدكتور طه حسين، وليلى هي حفيدة عميد الشعر العربي أحمد شوقي ..أي أن هذا الزواج جمع اللغة العربية من طرفيها ـ شعرِها ونثرِها ـ في بيت واحد. "فما هو مصير اللغة العربية في البيت الجديد السعيد؟. " إن مؤنس لا يتكلم اللغة العربية إلا في المناسبات، ويتكلم اللغة الفرنسية بلا مناسبة، وكل أعماله الأدبية ـ سواء في كتاباته أو في محاضراته ـ وضعها باللغة الفرنسية, وهو يعرف عن بلزاك وموباسان وبول سارتر أكثر مما يعرف عن نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف الشاروني..و"لِيلِى" لا تتكلم اللغة العربية إلا كما أتكلم أنا الإيطالية.."يدوبك كلمتين"..ولا تقرأ في كتب العربية أكثر مما أقرأ أنا في كتب الدكتور عبد الرحمن بدوي."

ويواصل إحسان عبد القدوس فيقول: "هذه حقيقة أردت أن أضعها أمام الدكتور طه حسين، لا لألومه عليها بل ليعترف بها وهي حقيقة لا تتمثل في ليلى ومؤنس وحدهما، بل تتمثل في جيل بأكمله من المثقفين، تتمثل حتى في ولديَّ الاثنين، فإني ألقنهما اللغة الفرنسية بنفس الاهتمام الذي ألقنهما به اللغة العربية...اليوم يقرآن ويكتبان اللغة الفرنسية أكثر مما يقرآن ويكتبان اللغة العربية. لماذا؟... لماذا لم يستطع الدكتور طه حسين أن يصون اللغة العربية، حتى في بيته؟ ولماذا لا أستطيع أنا ـ مثلا ـ أن أربِّي في ولديَّ الذوق اللغوي العربي، وأن أملأ آذانهما بموسيقى أبي الأسود الدؤلي كما امتلأت بموسيقى اللغة الفرنسي...وتنتهي بي الحيرة إلى أن أسلـِّم أمرها لله.

لماذا؟ ـ لأن أساطين اللغة العربية ـ ومن بينهم طه حسين ـ لا يريدون أن يعترفوا بالتطور، ولا يريدون أن يُحِسُّوا بأن اللغة العربية أصبحت بين أيديهم ثقيلة الدم، معقدة النغم، بحيث لا يستطيع الجيل الجديد المتحرر، المطلق في دنيا الأنغام الفرنسية والإنكليزية، أن يستسيغها... إن الجيل الذي تملأ أذناه أنغام "التانغو والفالس والسامبا"..يغنيها له عبد الوهاب وشادية وهدى سلطان، لا يستطيع أن يستسيغ "البشارف" و"تقاسيم رصد".

يجب أن نعمل شيئا ... يجب تتحرك هذه الهياكل كل لحظة على مقعد المجمع اللغوي، وتعمل شيئا... أن تسير مع التطور، وأن تضع قواعد لغوية جديدة مبسطة، وأن تضع أساليب جديدة لتدريس النحو...وأن تصون اللغة العربية من "الهرجلة" المقـْدمة عليها، إن لم تجد مَا يصونها وينظمها ويحميها.)

ويعلق يوسُف السودا على كلمة إحسان عبد القدوس السابقة بقوله: (هذا ما ورد في مقالة روز اليوسف. فيتبين منها أن الصعوبات التي وجدها جيلنا على مقاعد المدرسة منذ خمسين سنة، لا يزال يعاني أشدها أبناء الجيل الطالع، رغم المؤلفات أو بسبب المطولات والشروح وشروح الشروح التي تتعاقب وتتوالى في القواعد منذ علي بن أبي طالب إلى طه حسين.)

ذلك هو الخبر الطريف، وهذا هو تعليق يوسف السودا في أوائل كتابه "الأحرفية" عليه ليتخذه مبررا لوجوب تبسيط "قواعد النحو العربي" وقد قام بتجربة رائدة في هذا الصدد بكتاب سماه "الأحرفية" أو القواعد الجديدة في العربية" لتسهيلها على الدارسين من الغرباء عنها ومن عموم أبناء العروبة، ومن أبناء علمائها مثل مؤنس ابن عميد الأدب العربي طه حسين وليلى بنت أمير الشعراء أحمد شوقي.

أما يوسف السودا وكتاب الأحرفية فنرجو أن نعود إلى الحديث عنهما لنرى مدى ما قام به من تيسير لقواعد النحو العربي، ومدى توفقه في سعيه هذا ومدى اهتمام أهل الذكر بتسهيل قواعد النحو العربي بداية من طه حسين عميد الأدب العربي وابنه الذي لا يعرف لغة أبيه ولكنه يجيد لغة أمه الفرنسية، بالإضافة إلى ابنة أحمد شوقي التي لا تتقن الحديث بلغة والدها  أمير الشعراء، فهل اللغة العربية صعبة إلى هذه الدرجة، أم أن لغة الغالب تطغى غالبا على لغة المغلوب في أغلب الأحيان.

 

نور الدين صمود

 

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة بالعبرية، رواها راضي بن بنياميم بن صالح صدقة الصباحي (رتصون بن بنيميم بن شيلح بن صدقة الصفري، ١٩٢٢-١٩٩٠) بالعبرية على ابنه بنياميم صدقة (١٩٤٤-) الذي أعدّها ونقّحها. نُشرت هذه القصّة في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددين ١٢٢٦-١٢٢٧، ١٥ كانون ثان  ٢٠١٧، ص. ٥٧-٥٩.

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، تُوزَّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى دول العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة الشقيقين، بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي صدقة الصباحي (رتصون صدقة الصفري، ٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

” أقصّ عليك أكثر فأكثر عن هذا الشيخ الحكيم، إبراهيم بن مفرج (مرحيب)  صدقة الصباحي (الصفري) ولم أقصّ إلا القليل القليل من القصص، التي ترافق هذه الشخصية المبجّلة التي كرّست  جلّ أيامها في حبّ ديانة موسى، في الكتابة وفي نظم الشعر.

هذه المرّة أقصّ عليك قصّة نموذجية للنقاشات الكثيرة التي دارت وما زالت تدور اليوم بين أتباع الديانات المختلفة؛ حول هوية دين الحقّ، التقاليد الحقيقية. في مجال النقاشات هذه كان السامريون معارضين من الدرجة الأولـى، في مواجهاتهم مع اليهود والمسيحيين والمسلمين.

تتحدّث مصادرنا ومصادر اليهود عن نقاشات تاريخية بين حكماء السامريين وحكماء اليهود. وبالطبع، كلّ فريق ذكر للأجيال القادمة أنّه المنتصر في النقاش بدون ريب، وأنّه تمكّن أن يُثبت بدون شكّ بأنّ دينه وتقاليده، هما الحقيقيّان. إنّ كتُب الشريعة والتفاسير لخير شاهد على نقاشات مريرة بين علماء السامريين وعلماء اليهود الربانيين، والقرائين، والمسيحيين، والمسلمين في عصور كثيرة. أكتفي بهذه اللمحة التاريخية كمقدمة للقصّة الجميلة التي سأقصّها عليك الآن.

حسنًا، أين كنّا؟ نعم، هذا ما حدث بإبراهيم بن مفرج صدقة الصباحي، الذي سمّاه كلّ معارفه باسم ابنه البكر، أبي فارس. أُضيف لما أسلفت، بأنّ نقاشات صغيرة، كانت تدور دومًا بين سامريي نابلس ومسلميها حول: مَن صاحب الديانة الصحيحة، الحقيقية؟، أهمُ السامريون أم المسلمون. حسنا، قد تكون القصّة القادمة غير قادرة على ترجيح الكفة بجلاء ولكن لا شكّ أنّها جميلة.

أدلّة السامريين والمسلمين

عندما ينوي المسلمون في صلاتهم التأكيد على وحدانية الخالق يقولون ”لا إله إلا الله“، وفي المقابل يستشهد السامريون دومًا بقول الربّ (في سفر التثنية ٦: ٤): إسمع يا إسرائيل، الله إلهنا إله واحد؛ وفي الصلاة يرددون كثيرا الجملة بالآرامية לית אלה אלא אחד أي: لا إله إلا الله.

إبراهيم بن مفرج صدقة الصباحي، بطل القصّة، الذي عاش سنوات كثيرة في يافا وألّف حوالي ألف قصيدة وترنيمة، كان معروفًا بشكل خاصّ بلغته الغنية، ولد في نابلس وعاش فيها سنوات كثيرة وتوفي فيها.

لن أنسى ما كتبه راعينا الصديق الكبير، يتسحاك بن تسڤي رحمه الله، في صحيفة دڤار بعد وفاته بيوم عام ١٩٢٨، قال: لم يخلّف إبراهيم بن مفرج صدقة مثيلًا له في كل طائفته.

ماذا بخصوص القصّة؟ إنّك تسأل. حسنًا، ماذا بوسعي أن أفعل، حينما أتذكّر أبا فارس تتلاشى أفكاري وأنسى كلّ شيء. وقّعتُ مدى الحياة بأنّني مغرم حدّ الجنون بأبي فارس.

طيّب، طيّب، جايّيك بالحكي. في المدّة التي سكن فيها أبو فارس في نابلس كان له جدال مع شيخ مسلم من عائلة دروزة، يبدو لي أنه كان والد سعد الدين دروزة المعروف لنا في نابلس، وكان يقول على كل سامريّ مُعجب به بسبب سيرته الطيّبة سيموت في آخر المطاف مسلما.

 هذا الشيخ كان أحد أكبر العلماء المسلمين في نابلس، عندما كان يُلقي خطبة يوم الجمعة كانت أهالي نابلس برمّتها تتدفّق على مسجده. عُرف أبو فارس في أوساط المسلمين، بغيرته على تقاليده السامرية، وحرَص جدًّا على كل صغيرة فيها. لذلك توجّه إليه هذا الشيخ ذات يوم سائلًا: ألم يطرأ ببالك يا أبا فارس، بأنّ دين الإسلام هو دين الحقّ، لأنّ شهادة التوحيد فيه لا مثيلَ لها؟ عندكم أيّها السامريون، لا تأكيدَ كهذا بشكل خاصّ.

أجابه إبراهيم: من المعروف أنّ ديننا أقدمُ من دينكم، هيّا نسمع ما يميّز الله عندكم.

قال الشيخ لإبراهيم: نحن المسلمون، قبل كل صلاة، وفي كلّ مناسبة نذكر عظمة الله بقولنا: لا إله إلا الله، وهذا آخر ما يلفُظه المحتضر قبل موته.

أجابه إبراهيم: أُثبت لك بأنّ لا قيمة لهذا القول: إنّ المحتضَر قد لا يتسنّى له لفظ كلّ الشهادة ويقول فقط ”لا“، وهذا حرف نفي ولا إيجاب فيه. وإذا تمكّن المحتضَر عندكم من تِلاوة كلمتين ”لا إله“ فإنّه حينئذٍ يكون كافرًا، ولن يكون له مكان في الآخرة وفق إيمانكم الإسلامي. وإذا تمكّن المسلم من لفظ ثلاث كلمات ”لا إله إلا“ ففيها نفي وغموض: لا إله إلا ماذا؟ ثم في هذه الكلمات الثلاث كفر محض!

إنْ أنهى المحتضَر المسلم فقط تلاوةَ كلمات الشهادة الأربع، عندها يعلم مؤمنوكم أنّ لا إله إلا الله بحسب معتقدكم، ويُقبل في جنّة عدن وَفق إيمانكم، لخّص إبراهيم قوله أمام الشيخ المنذهل. إبراهيم الصباحي لم يشفق على الشيخ دروزة، فأردف قائلا: في المقابل، أنظر كيف أنّ الشهادة عندنا ”الله إلهنا الله واحد“، كلّ كلمة من الكلمات الأربع، فيها إثبات لوجود الله. إذا تمكّن المحتضَر الإسرائيلي السامري من قول كلمة واحدة من الشهادة ”الله“ فهذا اسم الخالق وإن لفظ كلمتين ”الله إلهنا“ فهذا دليل ساطع كالشمس بأنّ الله إلهُنا؛ وإن تسنّى له نطق ثلاث كلمات من الأربع ”الله إلهنا الله“ فهذا شاهد بأنّ الله إلهنا، ولم يرتكب أيَّ كفر أو خطيئة. أنهى إبراهيم الصباحي كلامه مع الشيخ قائلا: إذا تمكـّن المحتضَر الإسرائيلي السامري من نُطق أربع لفظات الشهادة فخيرًا صنع، ولا فرق في ما إذا نطق بواحدة، باثنتين، بثلاث أو بأربع الكلمات.

والآن سأل إبراهيم الشيخَ الذي تجهّم وجهُه: هل تعي الآن لماذا إيماننا هو إيمان الحقّ؟

ماذا أفعل؟ سأل الشيخ واعترف - إنّك تغلِبني ثانيةً وسار كلّ منهما في طريقه.

 

ترجمة حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

basam fadilمسلسل لايقل تألق عن مسلسل قناديل العشاق الذي لمحنا إلى مؤجز مبسط عنه في عجالة سابقة هذا العمل الدرامي الجديد يعد ثانية الاعمال الأخاذة هكذا اعدها من الانطباعات الممتازة والأخاذة للدراما العربية الجيدة التي عرضت موخرا في رمضان للمخرج الاردني بسام المصري ومن أعداد عبدالباري أبو الخير ومحمد عمر من أنتاج التلفزيون الجزائري عن قصة المقاوم أمود بن المختار .

(طوق النار) أسم الدراما ،جزائرية الأداء ومن أنتاج التلفزيون الجزائري أيضا ذات لون واحد في نمطه الذي يحاكي كل فصول الاحداث ولكنه خميلة متعددة ومتنوعة في الطبيعة البشرية التي يستعرض تفاصيلها، حالها كحال الطبيعة القاسية والمكان الذي دارت الاحداث فيه ،الصحراء التي تتعدد مابين الامان والخوف ،الغدر والثقة ،الخيانة والشجاعة ،الشدة والرخاء .

ولكن من حيث صدارة القضية الاساسية التي ناقشها المسلسل الدرامي فقد تمايز بين الغازي المحتل المستبد بكل مايحمله من وسائل مكنته من التغلغل بين أوساط المجتمع وتمكنه من مواصلة سياسته الاستعماريه .

والآخر أبن الصحراء الذي مازال يحتفض بشي من سجية المكان الذي لم تستطع جلاوزة السيطرة والتملك استعباده واخضاعه للارتهان لبغائها وهي تضع نعالها الخشنة على حدود البادية البكر تطوقها طوق النار الذي تحاول أن تلتهم كل من يقف في طريق سعيها ورغم الخشونة وجلافة الألة العسكرية إلا أنها تقف خانعة أمام لينها وطراوتها .

من هنا تبدأ معركة بين الندين وبينهما عوامل من المداهنة فالأول ينفث سهام التفرقة ويحاول أن يصبغ هدفه بسياسة أكثر تحضر وأكثر وعياً لتغطية نوازعه الحقيقية ويجد أذناب من نفس القوم يستخدمهم لتذليل مآربه ،أشدهم وطاءة من يسقط في الخيانة التي يرتضيها لقتل أبناء وطنه .

أما الثاني فأنه يجد من يصغي أليه ويحاول استمالته من المستعمر ويجتهد في زرع من يجيد فهم خطط وأفكار الاجنبي ،فينجح المؤلف في تصوير صعوبة أن يكون خائن بين صفوف المحتل لأهداف بلاده بينما يفلح المستعمر في العثور على من يخون وطنه لقاء المال ويضل في صراع مرير مع الضمير الذي يسكته في النهاية لعدم تكافئ الفريقين ،وكما هناك من تغريه السياسة الاستعمارية لأجل أن يتعاون أو يصبح جزء من المستعمر فإن روح الحب السرمدي للوطن والانتماء الأبوي يرفض كل أشكال التدليس والتأمر والاساليب الملتوية وأن وصل الأمر إلى الموت .

سوف أبدء في أمر هام لطالما وجد منه المستعمر الاجنبي مدخلا لترسيخ سياسته الاستعمارية وذريعة يتبعها بجيوش جرارة تتمثل في محاولات عديدة كالتحضر ومد الحضارة التي أزدهرت في أوربا إلى البلدان المتاخمة لها والدخول في إتفاقيات تأمين طرق القوافل والمطارات والتمدن الحديث سيما في المناطق الصحراوية التي يسكنها الطوارق  الذين ينطوون على أنفسهم وغالب ما يكون ذلك مع الحكام التقليديين مستقلين الحروب الطائفية التي أنتشرت بعد عهد تفكك الدويلات الإسلامية وهي حالة عامة أستخدمت في كل البلاد العربية  .

وأكثر ما شكل خطر بين هو الدراسات الاستشراقية التي أعتمد عليها المؤلف في الدراما طوق النار لغزو الصحراء الجزائرية .

فالمستشرقون الذين يأتون تحت دراسة الحضارة العربية وعقد المقارنات والتلاقح بين الحضارة الغربية والحضارة العربية دائما ما يخلفهم شر مستطير ونار جهنم أضافة إلى مايتم من تذليل للناهبين والسماسرة الذين يسطون على الأثار وتراثنا الحضاري عبر المخططات والخرائط التي تعد من قبلهم وتعتبر دليل موثوق به في عبور الجيوش الغازية إلى المناطق الغائرة في عرض الصحاري وأهمها الصحراء الكبرى التي هي مكان لموطن البطل الجزائري امود تحديدا الصحراء الجنوبية منها جانيت ، هذه الصحراءالتي دائما ما تتكون بها المقاومة للمستعمر وتعتبر من أغنى المواقع في ثرواتها الطبيعية والانسانية أضافة إلى فكرة مبسطة عن المناطق ذات الإنتاج الثقافي وكل مايتعلق بالفكر الانساني العربي ليتم محوه وتحريفه وأخضاعه للدراسة الغربية للانتفاع بها دون الاشارة إلى مصادرهاإلا فيما ندر ولعل ضخامة مكتبة بغداد وما حل بها وأثار الفراعنة وتاريخهم وجامعات وتجارب بلاد المغرب العربي كجامعة القرويين وتدمر والانباط في الاردن خير دليل وأنتقال علومها وجزء ليس بالقليل منها إلى بلاد أوربية .

من هذه الوجهة بدات تراجيدياملحمة طوق النار التي تحاكي قصة أحد قادة  الصحراء الجزائرية المقاوم امود .

على تخوم الصحراء الجزائرية طوق من جيش فرنسا متأهب للاقتحام ولكن هيهات يتم ذلك دون دراية بها وتعمق لسبر أغوارها ومواجهة أقوام كل ما يعرف عنهم أنهم ليس أسهل عليهم من القتل حين يستفزون أو حين يتهددهم خطر وحتى يتسنى ذلك ترسل فرنسا البعثات الإستكشافية بحماية قبائل الصحراء الذين يقتنعون بأنهم علماء ينوون تطوير حال الصحراء وامدادها بما ينقصها فينشئون مراكز أبحاث وعلامات للصحراء تحرس من جنودهم يتقنون فيها أعداد الخرائط .

يفيق مقربون من مصدر هذه الابحاث من العاملين مع الفرنسيين فيدركون أن القادم فضيع وأن الذي ينتضرهم خطر محدق بالصحراء ينهب الأخوان طاهر الخرائط ويلوذون فرارا في الصحراء المغفرة التي ليس لها من صديق ولا رفيق سوى من يجيد تتبعها المتغير بين عشية وضحاها .

ينجح الطاهر في أن يذهب بالخرائط بعيدا من حيث تستقل ضد بلاده ويتسبب ذلك في هلاكه بعد أن أجر الفرنسيين دليل من الطوارق لملاحقته ينجح في قتله ولكنه يلاقي نفس  المصير من القبيلة التي استضافت الطاهر وتستعاد الخرائط وتسلم لاخو الطاهر الذي يكتشف موت شقيقه بعد هروبه هو الآخر وعزمه قيادة حملة تنويرية في الصحراء لتنبيه القبائل من أدعاء الحملة الفرنسية خدمة للاقوام المنتشرين فيها وكان من النوايا التي يبيتها الفرنسيين تشييد خط للسكك الحديدية ينتفع به جيشها لتقريب المسافات بين المناطق التي تعتزم السيطرة عليها .

الدراما تناولت جزء من الصحراء واشهر قبيلتين جنوبيتين  فيها واظهرت جانب من العلاقات بين القبائل التي تربطها اتفاقيات فيما بينها البين لتأمين مرور القوافل وتقاضيها مقابل ذلك وأتفاقيات مع الفرنسيين أنفسهم منها فيما يختص بعدم التعرض للآخر .

من ذلك ما تبرزه هذه العلاقة التي تقوى وتكون جوانب مضيئة من حياة البداوة الخالصة القائمة على التكاتف والتعاون ونصرة المضلوم وتشكل التحالف القبلي فيما بعد من قبل المختار الذي يسعى سعياً حثيثا لاستباق خطط الفرنسيين فينتهي مغدورا من قطاع طرق حاولو عنوة الايقاع بين القبيلتين ومن بعده أبنه امود الذي يشب على قيم عربية واخلاق دينية يتمكن من توحيد القبائل فتنصبه سلطانا عليها .

ومنها ما هو معيب يشيع أستحلال الدم  والنهب بأعمال التقطع ولاتخلو السياسة من ذلك في سبيل زراعة التفرقة والفتن بين العشائر والقبائل .

يحاول المخرج أن يصور شخصية أمود بالحكيمة الشجاعة ولاكنها تضهر متراخية صبورة أكثر في مواقف يفقد عندها سرعة البديهه وتغلب عليها المواعظ والخطب الدينية في بيئة لا تتوافق بها خاصة مع التهيئ وتشمير السواعد لمواجهة قد يكلف فشلها كل العشيرة بما فيها حياة من يخلفونهم وقد استحضر المؤلف هنا صورة عن شناعة المستعمر اضنها تتطابق مع واقع الحال في دول عربية كثيرة من قتل وخراب ونكث للعهود ومنها أبادة وقتل كل من ساعدو على تنفيذ اتفاقيات المحتل والتي عندها أدت مع عدم التكافل إلى أن يلجى أمود والمقاومين الذين معه إلى الالتحاق بالمجاهدين تاركاً جنوب الصحراء بعد الاستيلاء عليها بيد الغزاة الفرنسيين .

 

عرض وقراءة: بسام فاضل

 

adnan almshamshنشر الناقد والأكاديمي العراقي “نجم عبد الله كاظم”، قائمة بأفضل مائة رواية عراقية في القرن العشرين عبر حسابه

 الشخصي على موقع التواصل الإجتماعي “فيس بوك”، مؤكداً على أن هذا “تصوره الشخصي نتيجة لعمله الطويل في مجال النقد الأدبي”.

وكتب موضحاً: “الإختيارات تمثل رؤية موضوعية من جهة، وعلى هامش من الذوق الخاص من جهة أخرى.. معاييري في الإختيار هي: الذوق والرؤية الذاتية الخاصة.. ثانياً: الشهرة والشيوع.. ثالثاً: المكانة النقدية للعمل ما استقرت عليه الدراسات حول الرواية، زائداً موقفي منها.. رابعاً: مدى تأثير الرواية في غيرها، خصوصاً حين تقود إلى تشكّل تيار أو نوع أو ظاهرة معينة”.

وقد لا يعني هذا الاختيار ان الناقد الجليل والأكاديمي الدكتور نجم عبد الله اطلع على جميع تلك الروايات  اذ انه بلا شك قرأ العديد او الكثير منها  اما بقية الروايات فقد تابعها حسب الشهرة وما كتب عنها من مقالات نقدية في الصحف والمجلات وشبكة النت او من خلال البحوث والدراسات التي تناولتها وَمِمَّا تجدر الإشارة اليه ان ترتيب الروايات جاء وفق سنة صدورها اي انه تقسيم زمني تراتبي بحت يشير الى موضوعية الكاتب ويمكن ان نصنف الكتاب الذين اختار روايات لهم وفق ألكم الروائي بالاتي

كاتب اختار له خمس روايات

كاتب وردت له اربع روايات

كاتب  ثلاث روايات

روايتان

رواية واحدة

وجاءت القائمة المرشحة من قبل الدكتور " نجم كاظم” كالتالي:

1. محمود أحمد السيد.. “جلال خالد” 1928

2. ذو النون أيوب.. “الدكتور إبراهيم حياته ومآثره” 1939

3. عبد الحق فاضل.. “مجنونان” 1939

4. أكرم الوتري.. “الإيمان” 1947

5. ذو النون أيوب.. “اليد والأرض والماء” 1948

6. ذو النون أيوب.. “الرسائل المنسية” 1955

7. ليلى عبد القادر.. “نادية” (ج1) 1957

8. أنيس زكي حسن.. “الأخطبوط” 1959

9. شاكر خصباك.. “حياة قاسية” 1959

10. فؤاد التكرلي.. “الوجه الآخر” 1960

11. أنيس زكي حسن.. “السجين” 1961

12. شاكر جابر.. “الأيام المضيئة” 1961

13. قاسم الخطاط.. “الملكة الكادحة” 1962

14. ياسين حسين.. “الزقاق المسدود” 1965

15. ياسين حسين.. “كما يموت الآخرون” 1965

16. غائب طعمة فرمان.. “النخلة والجيران” 1966

17. عبد الرزاق المطلبي “الظامئون” 1967

18. غائب طعمة فرمان.. “خمسة أصوات” 1967

19. إسماعيل فهد إسماعيل.. “كانت السماء زرقاء” 1970

20. جبرا إبراهيم جبرا.. “السفينة” 1970

21. يوسف الصائغ.. “اللعبة” 1970

22. خضير عبد الأمير.. “ليس ثمة أمل لكلكامش” 1971

23. برهان الخطيب.. “شقة في شارع أبي النوّاس” 1972

24. سميرة المانع.. “السابقون واللاحقون” 1972

25. عبد الرحمن مجيد الربيعي.. “الوشم” 1972

26. غانم الدباغ.. “ضجة في الزقاق” 1972

27. فاضل العزاوي.. “القلعة الخامسة” 1972

28. إسماعيل فهد إسماعيل.. “الضفاف الأخرى” 1973

29. عادل عبد الجبار.. “في يوم غزير المطر في يوم شديد القيظ” 1973

30. عبد الرحمن مجيد الربيعي.. “الأنهار” 1974

31. عبد الرحمن مجيد الربيعي.. “عيون في الحلم” 1974

32. غائب طعمة فرمان.. “المخاض” 1974

33. موفق خضر.. “الإغتيال والغضب” 1975

34. يوسف الصائغ.. “المسافة” 1974

35. برهان الخطيب.. “الجسور الزجاجية” 1975

36. غائب طعمة فرمان.. “القربان” 1975

37. محي الدين زنكنه.. “هم، أو ويبقى الحب علامة” 1975

38. عبد الرحمن مجيد الربيعي.. “القمر والأسوار” 1976

39. عبد الخالق الركابي.. “نافذة بسعة الحلم” 1977

40. هشام الركابي.. “المبعدون” 1977

41. جبرا إبراهيم جبرا.. “البحث عن وليد مسعود” 1978

42. غائب طعمة فرمان.. “ظلال على النافذة” 1979

43. فؤاد التكرلي.. “الرجع البعيد” 1980

44. محي الدين زنكنه.. “بحثاً عن مدينة أخرى” 1980

45. أحمد خلف.. “الخراب الجميل” 1981

46. د. جاسم الهاشمي.. “(د) أمّ إيشن” 1981

47. عادل عبد الجبار.. “الرقص على أكتاف الموت” 1981

48. عالية ممدوح.. “ليلى والذئب” 1981

49. عبد الخالق الركابي.. “مكابدات عبدالله العاشق” 1982

50. غائب طعمة فرمان.. “آلام السيد معروف” 1982

51. هشام الركابي.. “أعداد المدفع 106” 1983

52. خضير عبد الأمير.. “هذا الجانب من المدينة” 1984

53. لطفية الدليمي.. “عالم النساء الوحيدات” 1985

54. محمود سعيد.. “زنقة بن بركة” 1985

55. جبرا إبراهيم جبرا.. “الغرف الأخرى” 1986

56. عالية ممدوح.. “حبات النفتالين” 1986

57. عبد الخالق الركابي.. “الراووق” 1986

58. غازي العبادي.. “ما يتركه الأحفاد للأجداد” 1986

59. لطفية الدليمي.. “من يرث الفردوس” 1987

60. سامي النصراوي.. “الصعود إلى المنفى” 1988

61. علي خيون.. “العزف في مكان صاخب” 1988

62. مهدي عيسى الصقر.. “الشاهدة والزنجي” 1988

63. فيصل عبد الحسن حاجم.. “أقصى الجنوب” 1989

64. محمود جنداري.. “الحافات” 1989

65. سامي النصراوي.. “الدوامة” 1990

66. سليم مطر.. “امرأة القارورة” 1990

67. جنان جاسم حلاوي.. “يا كوكتي” 1991

68. برهان الخطيب.. “نجوم الظهر” 1991

69. شاكر نوري.. “نزوة الموتى” 1992

70. فاضل العزاوي.. “آخر الملائكة” 1992

71. كاظم الأحمدي.. “أمس كان غداً” 1992

72. محمد شاكر السبع.. “الحقول البيضاء” 1992

73. برهان الخطيب.. “ليلة بغدادية” 1993

74. قصي الشيخ عسكر.. “الشمس تقتحم مدينة الثلج” 1993

75. نجم والي.. “الحرب في بيت الطرب” 1993

76. إبتسام عبدالله مطر.. “أسود مطر أحمر” 1994

77. شاكر الأنباري.. “الكلمات الساحرات، دمشق” 1994

78. عبد الخالق الركابي.. “سابع أيام الخلق” 1994

79. فؤاد التكرلي.. “خاتم الرمل” 1995

80. قصي الشيخ عسكر.. “آخر رحلة للسندباد” 1995

81. محمد شاكر.. “السبع المقطورة” 1995

82. إبراهيم أحمد.. “طفل السي إين إين” 1996

83. طه حامد الشبيب.. “الأبجدية الأولى” 1996

84. سلام إبراهيم.. “رؤيا الغائب” 1996

85. غازي العبادي.. “رجل في المحاق” 1996

86. فاضل العزاوي.. “كوميديا الأشباح” 1996

87. ميسلون هادي.. “العالم ناقصاً واحد” 1996

88. نجم والي.. “مكان اسمه كميت” 1997

89. برهان الخطيب.. “ذلك الصيف في اسكندرية” 1998

90. جمعة اللامي.. “مجنون زينب” 1998

91. زهدي الداوودي.. “زمن الهروب” 1998

92. زهير الجزائري.. “حافة القيامة” 1998

93. فؤاد التكرلي.. “المسرات والأوجاع” 1998

94. مهدي عيسى الصقر.. “رياح شرقية رياح غربية” 1998

95. بتول الخضيري.. “كم بدت السماء قريبة” 1999

96. أسعد الجبوري.. “الحمى المسلحة” 2000

97. دنى غالي.. “النقطة الأبعد” 2000

98. صبري هاشم.. “الخلاسيون” 2000

99. عالية ممدوح.. “الغلامة” 2000

100. قصي الشيخ عسكر.. “نهر جاسم” 2000

اما الروائية  ميسلون هادي  فقد اقترحت على وزارة الثقافة ان تقوم بإعادة طبع الروايات  من جديد بدلا من ان  تذهب أموال  الدولة هدرا فيما لا ضرورة له.

المهم ان. قائمة الدكتور نجم تثبت ان  المنجز الروائي العراقي جدير بالدراسة والاهتمام  وان الرواية عمل صعب   معقد لا يقدر ان يقترب منه متطفلو   الأدب مثلما يفعل الكثير في حقل الشعر  وكم كان بودّي ان تكون تلك الاعمال الروائية التي طبعت خارج العراق  لو تم طبعها في العراق نفسه ليطلع عليها أبناء البلد اذ ان الكثير من  عنوانان هذه القائمة. در في عواصم عربية. ولم يدخل العراق اي من هذه الاعمال .

تحياتنا للدكتور نجم خريج جامعة اكستر والباحث  في حقل الرواية .

 

عدنان المشيمش

 

 

faroq mawasiحافظ إبراهيم نذكره كلما ذكرنا الحرص على العربية، وهو الغواص الباحث عن صدفات البحر.

عرّب صاحبنا- شاعر النيل- كتاب فيكتور هوجو- Les Mise`rables - "البؤساء"، في لغة جزلة الألفاظ قوية التركيب، وأهداه إلى الأستاذ الإمام محمد عبده.

وقد اعترف أستاذنا طه حسين أنه استخدم المعجم أكثر من مرة لفهم مقدمته.

..

 كل هذه الفصاحة لم تشفع لشاعرنا، فبعض اللغويين يخطّئونه، بحجة أن مجيء (فُعَلاء) جمعًا لوزن (فاعل) ليس مما يُسمع،  بل لا يُقاس عليه، ويذهبون إلى أن (بؤساء) هي جمع (بئيس)-  وهو الشجاع القوي.

انظر مصطفى جواد (قل ولا تقل، ص 16)

أسعد داغر (تذكرة الكاتب، ص 75)

زهدي جار الله (الكتابة الصحيحة، ص 35)

محمد العدناني (معجم الأخطاء الشائعة، ص 33)

..

 مع ذلك، ورغم ذلك،

فيطّرد (فُعَلاء) جمعًا لوزن (فاعل) الدال على سجية- سواء أكانت مدحًا أم ذمًا، نحو:

عاقل- عقلاء

جاهل- جهلاء

صالح- صلحاء

شاعر- شعراء

عالم، نابه، راشد، فاضل...

..

صحيح أننا لا نستعمل هذا الجمع (فُعَلاء) لكلمات أخرى، مثل كاتب، حاكم، راكع، ساجد، رائد...

فهذا لا يعني عدم قبول بؤساء جمعًا لبائس، على نحو شعراء جمعًا لشاعر...

..

هناك من جمع (بائس) على (البُـؤْس) كقول تأبّط شرًا:

قد ضقت من حبها ما لا يضيّقني *** حتى عُددت من البؤْسِ المساكين

يجمع  (لسان العرب) وزن "فاعل"  جمع تكسير على وزن فُـعّـل،  نحو رُكّـع، سُـجَّـد، بُـؤَّس، نُوَّم، صُوّم..

فتصوروا لو أن حافظ إبراهيم وسم كتابه بـ (البُؤَّس)؟

أظن أنه سيخسر ربع قرّائه على الأقل.

يقول بعضهم: فليكن (البائسون) جمعًا مذكَّرًا سالمًا!

أقول:

حسنًا، فالبائسون بمعنى الفقراء ملائمة، ولكن لماذا  نرفض (البؤساء) وكثير على غرارها وارد جمعًا لفاعل؟

..

أدرِك تحفّظ  معجم (المنجد) من ذكر البؤساء جمعًا لبائس، فقد اكتفى بلفظة (بُـؤَّس)، ولكن

لماذا أحجم معجم (الوسيط) الحديث؟ وهو معجم مجمع اللغة  العربية، ومن أحرى منه أن يستقبل ويتقبل هذا الجمع؟

..

وبعد فقد وجدت الشاعر أحمد شوقي يستخدم اللفظة في أكثر من بيت، ومن ذلك:

وانظر إلى البؤساء نِظرة راحم *** قد كان يُسعد جمعَهم ويُجير

..

ومن شعر مصطفى صادق الرافعي- مؤلف أحد الكتب المعنونة بـ (إعجاز القرآن)، وهو متشدد في لغته:

وأرى الحظوظ ألِفنَ كلَّ مرَفّـهٍ *** ونأت بجانبها عن البؤساء

..

وفي كتاب المُرادي (سلك الدرَر في أعيان القرن الثاني عشر) كان قد استخدم في ترجمة "سليمان السمان" هذه اللفظة جمعًا للبائس الفقير ذي الحاجة. 

..

ثم إني أرى أن الأدباء من دأبهم أن يجددوا في اللغة، فهم يبتدعون ويبدعون، فلنفترض أن الجمع جديد مبتكر، فهل نقول لشاعر النيل: أخطأت!

..

اللغة في اشتقاقاتها مرنة، وطيّعة، وتتقبل الجديد المستساغ.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

ali qasimalkabiالدراما هو فن يحاكي الواقع بصيغة فنية ممتعة ورائعة مستخدما الصورة والصوت معا ونجاحة يتعمد على اركان عدة لكن اهمها تلك العناصر الثلاثة هي الكاتب و متانة نصة والممثلين واتقانهم لأدوارهم والمخرج الذي يجمع هذه الاركان الثلاث بصورة جميلة غاية الدقة والروعة، وهنالك عناصر اخرى قد لا يعرفها المتلقي ولها من الاهمية في اتمام الصورة كالإضاءة والاكسسوارات وكلما كان النص واقعيا كلما اقترب من النجاح والتألق.

الدراما هي ليست خطاباً سياسياً ولا موعضه أخلاقية بل هي فننا ذا قيمة جمالية ومبدأيه في منتهى الروعة وهو انعكاس طبيعي لهموم المجتمع ومن خلاله يمكن التعرف على مشاكل المجتمع وهمومة ووضعها بين يد صاحب القرار

وعلى الرغم من وجود قامات فنية زاخرة في مجال الدراما متمثلة بكبار الكتاب امثال “صباح عطوان الذي يجمع بين الكتابة والاخراج وفنون اخرى وحامد المالكي الذى لازال ايقونة الجمال في هذ الفن واخرون ومخرجين كبار كالنجمة التي لاتزال تمطر فنا وأدبا وعطاء ” الدكتورة خيرية المنصور وشيخ المخرجين “محمد شكري جميل والتميمان عمران وفراس طعمة واخرون

وفي مجال التمثيل فعلى سبيل المثال لا الحصر الكبير سامي قفطان محمد حسين عبد الرحيم وقاسم الملاك  وعلي داخل وفاضل القريشي وانعام وفاطمة الربيعي واقبال نعيم وفاضل الشطري وخضير ابو العباس وحافظ لعيبي وجيل جديد كأياد راضي واحسان دعدوش وعلي جابر وناهي مهدي والاء حسين واخرون لا يتسع المجال لذكرهم اذن اننا نمتلك ادوات النجاح بل المنافسة بوجود هذه القامات الكبيرة التي لاتزال في اوج عطائها.

اضف الى ذلك الكم الهائل من الموضوعات ” المشاكل التي تصلح كأفضل مادة فنية يمكن عرضها وتسويقها ويمكن ان تكون عنصر جذب سياحي اوثقافي من باب التعرف على ثقافة الاخرين كما تقوم بة الدراما بأنواعها في مصر ولبنان وتركيا وحتى الهند في اعمالهم فنحن نمتلك اكبر واعرق حضارة ولدينا مراقد دينية مقدسة يمكن الاستفادة منها في انعاش السياحة الدينة فضلا عن الطبيعة المختلفة في الشمال والاهوار جنوبا وعلى سبيل المثال فلم ننتفع ابدا من ادخال الاهوار في منظمة اليونسكو العالمية ولم نستطيع استثمار ذلك ناهيك عن فضح اكبر تنظيم ارهابي يهدد العالم وهو اظهار صورة الدمار الذي لحق بالبشر والحجر من جراء هذا التنظيم وتسويقه وخاصة في جرائم هدم حضارة العراق في نينوى والجريمة الانسانية الكبرى المتمثلة بجريمة سبايكر وجرائم اخطر مختلفة في اماكن اخرى. اذن اين تكمن المشكلة في تراجع هذه الدراما؟؟

قبل الولوج في كتابة الموضوع اطلعت على الكثير من تصريحات ” الكتاب والمخرجين والممثلين على حد سواء فوجدتهم يصبون جام غضبهم على الحكومة وعلى يدها الضاربة شبكة الاعلام العراقي” والانتاج محملين اياها مسؤولية تغييب وغياب الدراما العراقية فالحكومة

تبادر بشراء اعمال عربية واجنبية على العراقية حتى ان بعضهم تحدث عن قيامهم بعمل درامي وعلى حسابهم الشخصي وبثمن بخس دون ان يجدوا دعما من أي جهة او انها تعرض اعمالا لا يلق اصلا بمقام الدراما العراقية

اننا نخشى ان تنتقل عدوى السياسة “المحاصصاتية “الى هذا الفن الرائع وتقتل روح الابداع فية وتخضعه اليها وما نقصده هو ان يتقلد المسؤولية ممن لايفقة من الفن شيئا ليصبح سيفا مسلطا يمتلك المال والقرار عندها نبقى نبكى على الاطلال على فنننا هذه وغيرة

فالحكومة تفضل شراء المنتوج المستورد الذي قد يحمل فكرا وثقافة تتعارض مع ثقافتنا وأيديولوجياتنا احيانا ناهيك عن كونها بعيدة كل البعد عن هموم ومشاكل المجتمع خاصة وان الضرورة تتطلب ان تأخذ الدراما دورها لكشف ما تعرض الية البلد من خراب وتسوقه الى العالم وفية كشف الاعداء وكسب تعاطف العالم معنا او قد يحمل رسالة اقتصادية متمثلا بدخول شركات استثمار لإعادة بناء البلد وتلك هي مهمة الدراما ورسالة الفن وان تعثرت اليوم” فلكل جواد كبوة…!؟

 

علي قاسم الكعبي

 

 

faroq mawasiلا شك أن إبراهيم طوقان (1905- 1941م) عشق امرأة من كفر كنا-  هذه البلدة الجليلية الجميلة، وقد التقاها وهي طالبة جامعية في الجامعة الأمريكية في بيروت.

يصف عمر فروخ في كتابه (شاعران معاصران) هذه الفتاة:

"كانت فتاة فارعة الطول، سمراء، تجول على وجهها ابتسامة خفيفة..."

يقول يوسف الطريفي في كتابه (إبراهيم طوقان- حياته وشعره)، ص 115 معلقًا:

"مهما كان وصف د. عمر فروخ فإن طوقان فُتن بالفتاة ماريا الصفوري، فأعجبه قوامها الفارع، وهندامها المرتب الأنيق، فكان ينتظر ساعات وساعات على فتحة شباك غرفته التي تطل على مدخل الجامعة[...] ، ثم أخذ يصارحها، ويعلن لها حبه في قصيدته "عند شباكي":

بكوري عند شباكي *** لأنشق طيبَ ريّاك

ولا سلوى سوى نجوى *** أسرّ بها لمغناك

تمر علي ساعات  *** أشيّعها بذكراك

وأخشى أن يرفّ الجفنُ  يحرمني محيّاك

..

ويرى الطريفي أن  قصيدته "في المكتبة" موجهة إليها:

وغريرةٍ في المكتبه *** بجمالها مـتنقبه

..

يقول طوقان في قصيدته (ذكرى عشية زهراء)- الديوان، ص 124:

هل كَفْرُ كَنَّة مُرجْعٌ لي ذكرُها ***  ما فاتني من عنفوانِ شبابي

أمْ في صَباياها وفي رمّانِها *** ما يبعثُ المدفونَ من آرابي

لو تنفع الذكرى ذكرت عشية  *** زهراء بين كواعب أتراب

فيهن آسرة القلوب بحسنها  ***  ودلالها وحديثها الخلاب

روحٌ أخفُّ من النسيم  وخاطرٌ *** كالبرق مقرون بحسن جواب

..

نيسان هان علي حكمك بالنوى *** لما تحطمت المنى في آب

يا ليت من فجعت فؤادي بالمنى ***  لم تُبقِ لي ذكرى تطيل عذابي

..

 ولطوقان قصيدة اخرى عنوانها (رمان كفر كنا)- الديوان، ص 126، قالها بعد أن زار الناصرة، وفي حي من أحيائها سمع بائعًا ينادي:

"كفر كنا يا رمان، ناصري يا رمان" فتذكر حبّه الأول، وأحس بنغمات عاطرة من أنفاس الحبيبة:

جزتُ بالحيّ في العشيّ فهبّتْ *** نفحةٌ أنعشتْ فؤادي المعنَّى

قلتُ: منها! ودرتُ أنظرُ حولي *** نظراتِ الملهوفِ يُسرى ويُمنى

وإذا طيّبٌ جنيٌّ من الرُّمَـانِ مثلُ  النهود لو هي تُجنى

وافقتْ نظرتي نداءَ غلامٍ: *** ناصريْ يا رمّانُ! من كَفْركنّا

قلتُ أسرعْ به فِدىً لكَ مالي *** وتـــرنَّمْ بـــذكــره وتَغَنَّ

يا رسولَ الحبيبِ من حيثُ لم تَدْ *** رِ، لقـد جـئـتَني بما أتمنّى

(انظر كتاب يوسف الطريفي: إبراهيم طوقان – حياته وشعره، ص 382).

..

يبدو أن أكثر غزليات طوقان كانت لهذه المرأة، ففي قصيدته (حملتني بالهوى أشجاني)- ص 105 ردد لفظة "الرمان"، والرمان مرتبط بهذه البلدة العريقة، وحتى في هذه الأيام فإن كفر كنا تقيم سنويًا مهرجان الرمان احتفاء بتراثه.

يقول الشاعر:

فسلامًا يا واديَ الرمان *** فزتُ بالرَّوح منك والريحانِ

واحنيني إلى ديارك والرمّان دانٍ يُظلُّ أهل الديار

وفي قصيدته (خطرة في الهوى) ص 109 يقول:

أيا واديَ الرمان لا طِبتَ واديًا *** إذا هي لم تنعَم بظلكَ سرْمدا

ويا وادي الرمان لا ساغ طعمه *** إذا أنا لم أمدُد لذاك الجَنى يدا

ويا وادي الرمان واهًا وعندهم *** حرامٌ على المحزون أن يتنهدا

كأنيَ لم أنزلْ ديارَك مرة *** ولم ألقَ في أهليك حبًا ولا ندى

..

قبل بضعة عقود تسنى لي أن أطلع على قصائد غزلية جريئة دوّنها إبراهيم طوقان، فتوصلت إليها، ونسخت أكثرها، وهي قصائد لم تطبع في مطبوعة.

من هذه القصائد المكنونة قصيدة  نُسبت له هي- "يا صبايا كفر كنه".

لكن الطريفي في كتابه عن إبراهيم طوقان (ص 122) يذكر قصة طريفة ينفي فيها أن القصيدة هي له، فيقص علينا حكايتها:

"أعجبني ما قرأته عند البدوي الملثم أن مجموعة من الأدباء اجتمعوا في أحد مقاهي القدس، كان منهم إسعاف النشاشيبي وخير الدين الزِّرِكلي وأبو سلمى وإبراهيم طوقان، فقامت فتاة أجنبية ترقص، فقال إسعاف مرتجلاً:

يا فتاتي أنت فتنه

أجاز إبراهيم:

أنت حورية جنّه

فقال الزركلي:

كلما حان التفاتٌ *** منك كانت ليَ أنّـه

فقال أبو سلمى غامزًا على طوقان:

كدتِ يا حلوة تُنسينا  *** صبايا كَفْر كنه

..

احمر وجه إبراهيم، ولكن أبا سلمى تجرأ أكثر، فنظم أبياتًا ذيَلها بتوقيع إبراهيم، وأرسلها للنشر  في صحيفة "فلسطين" اليافاوية، وهي:

يا صبايا كَفْر كنه  **** آهِ من أعينكنَّه

الهوى هِجتُنَّ في قلبي فلا أكتُمُـكنّه

حُطِّمتْ كأسُ صباباتي على أقدامِكُنَّه

يا شفيقَ الروحِ قل لي *** أين من تعبدهنَّه

أين من يبعثن نارًا ***  في الحشا من نورهنّه

أين هنّ أين هنّ *** أين هن أين هنَّه..

تتواصل الدعابة، فينشر الأستاذ حنا سويدا الموظف في الصحيفة أبياتًا وقّعها (أبو الخطّاب) يقول فيها:

يا ابن طوقان أتسأل *** عن ظباء نافراتْ

فصبايا كفر كنه *** لعيوني بادياتْ

أينما كنا فهن *** في فؤادي قائمات

..

يتناقل المتندرون القصيدة والرد عليها، فبادر طوقان إلى دحض الحديث بقصيدة نشرتها (فلسطين) تحت عنوان "ذكرى عشية زهراء" فيقول فيها:

احبس ذراعك يا أبا الخطاب *** قد حل بي ما لم يكن بحسابي

تلك القصيدة لم أقل أبياتها *** لكنها لمزوِّرٍ نصّابِ

هذا (أبو سلمى) فلا والله ما *** نكأ الجروح سواه من أصحابي

وهذه الأبيات لم ترد في ديوان إبراهيم.

بل بدئت فيما استشهدت به أعلاه:

هل كَفْر كَنَّة مُرجْعٌ لي ذكرُها ***  ما فاتني من عنفوانِ شبابي

..

وأخيرًا، فالطريفي يذكر طريفة أخرى (ص 123):

 أرسل فكتور بشارة ومصباح كنعان من الناصرة هدية لإبراهيم، وهي سلة مملوءة بالرمان، وأرفقا رسالة بين أكواز الرمان كتبا فيها "هدية رمان من كفر كنا".

فهم إبراهيم المغزى من الدعابة، فكتب:

قد فهمنا من الهدية معنى *** غير معنى الرمان من كفر كنا

فأثارت ذكرى وهاجت جروح *** تركتني من الصبابات مُضْنى

قرية يٌقرن اسمها باسم إبراهيم مما تَفيض حبًّا وحسنا

ملعب للصبا وقد كان يوحي *** كل يوم مهما أفاض وأثنى

(هذه الأبيات لم ترد كذلك في  ديوانه)

..

تقول فدوى طوقان معلقة على هذا الحب:

"كان لهذا الحب أكبر الأثر في إرهاف حسه والسمو بشاعريته".

..

 

ب. فاروق مواسي

 

 

mowafak sawaالفاصل الاول: (المسرح السياسي) 

تعريف (مسرح السياسي): هو المسرح الذي يهز فيه السياسي وسطه امام الجمهور وقت الانتخابات ليضحك عليهم ويسرقهم في وضح النهار عندما يحملوه على اكتافهم الى الكرسي المـُذَهـَّبْ. وليس المقصود بالمسرح السياسي الذي يُسستـَخدم به الخطاب السياسي لاغراض تعبوية سياسية إنتهازية.

 بدءًا لا نقول احيانا وانـَّما نقول دائماً، تطرق ابواب الشعـوب بمطارق لا تشبة مطارق العمال الذين يحولون الحديد إلى سلعة ضرورية للشعوب، وكذلك المناجل لا تشبه مناجل الفلاحين الذين يحصدون ما يزرعون من حنطة وشعير ووو ...الخ، واسلحة قاتلة لا تشبه (اسلحة) الفنون الجميلة.

فأسلحتنا على خشبة المسرح وعلى الشاشة البيضاء وعلى لوحة جميلة ناطقة بلغة الحب والسلام وقصيدة حروفها مصابيح لمدن غادرها الصباح، وكل فنوننا وادبنا (قنابل) من نوع خاص تـُطـَيـّبْ الجروح النازفة من القلوب وتنقلة من عالم مظلم تفوح منه رائحة عفنة كريهة إلى عالم نظيف لا يرى غير الالوان الجميلة ويشم رائحة الياسمين والناردين العطرة التي تريح الاعصاب وتطرد الاحقاد من الانفس والعقول.... .

في هذا العصر وفي جميع العصور التي مرت منذ نشوء البشرية بدًأ منذ مرحلتها الاولى (المشاعية) إلى هذا العصر (الرأسمالي) عصر طبخ السموم ونشر الحروب بانواعها وخلق بؤر بركانية لتحقيق الدمار الشامل وتصدير الافكار السوداء التي غزتنا.

تلك الأفكار المنسوجة من جذور الغزوات قبل وبعد العصر الجاهلي وأوصلونا إلى الدرك الاسفل فسقطت القيم والاخلاق في الوحل وباتت حفنة من مافيات البترودولار تطرق ابواب الشعوب، بمطارق من حديد لتهب عليها رياح حارقة مارقة احرقت الاخضر واليابس بعد عدة عمليات المطابخية في ابتكار اجهوة لأطفاء الإضاءة في القلوب قبل اختفائها من الازقة والدروب..

 انهالت في بداية هذا القرن الاسود اللعين، مطارق من نوع خاص تم صنعها ورسمها وتصميمها من دهاليز الكهوف وحسب مقابض أشخاص وملـل مَنْ انطفأتْ الإضاءة بقلبوبهم وانقطعتْ خيوط الرحمة والمحبة لتحل محلها خيوط سوداء (لعناكب بيضاء) لترسم خريطة سوداء لأوطان كانت بيضاء حسب المقاسات المصدر لهم من دول المطابخ والمدروسة سلفـًا في مكاتب التفخيخ المطبخي.

على المسرح (السياسي) غابت الثقافة السياسية وتغيرت أزياء عدة مرات في المشهد السياسي الواحد.. ويتجه السياسي، ورأسه امام قدمه، يمينا ويسارا، خلفا او للامام اينما تكون وجهة الدولارات.

وفي مطابخهم السوداء يتم طبخ المشاهد تلو المشاهد من القصر الاسود ومن خلف خنادقكم وسواترهم وكواليسهم الكونكريتية التي لا يراها القاصي والداني ولا تصلها اصوات الشعـوب وان كانت اصواتهم كصواريخ عابرة للقارات.

يمثل على المسرح السياسي شخصيات باقنعة متلونة مزيفة ويمارسون تارة السياسية تحت يافطة (المُخـَلـِّص) و (المنقذ) وباني امال الشعوب وتارة اخرى تحت عباءة الدين يصلون امام الناس في النهار ويسرقونهم في الليل وفي عقر دارهم دون ان يحملوا قلوبا ولا رؤوسا أدمية بل جماجم محشوة بافكار  (بأدمخة ببغائية) وعيونهم لا ترى سوى اسفل الحزام وخشبتهم مطلية بقير اسود وإضاءتهم احجار مصنوعة في وادي الموت.

الفاصل الثاني (خشبة المسرح)

تعريف خشبة المسرح : هي الخشبة المقدسة التي يقبلها الممثلون قبل الصعود عليها ويؤدون ادوارهم بجمالية وروحية عالية لاسعاد الجمهور الجالس على كراسي غير هزازة ولا تشبه كراسي الرئاسات.

 وعلى خشبة مسرحنا تـُكْشـَف الحقائق من خلال تمزيق الستائر السوداء لمسرحية الواقع وتعرية احداثها وكشف المستور بدون ان نقترب في تقليد اسلوبهم في عرضنا هذا. بل نرفع الغطاء المزيف امام الشعوب لتعريتهم وتشخيصهم ليتم لملمتهم وايداعهم في براميل القمامة لحرقهم بعيدا عن مدن العصافير التي لا تعرف سوى ان تزقزق وهي على الاشجار أو محلقة في السماء.

في مسرحنا هذا، نـُضْحكُ المشاهدين ولا نـَضْحـَكُ عليهم ولا نخاطب القلوب وندغـدغ الاجساد، بل نخاطب العقول لتشغيل محركاته  ومفاصلة وتنشيط ذاكرته حتى يستطيع ان يسأل ويقول: لماذا هذا الذي حصل ويحصل..؟؟!!.

في مسرحنا نحفز اذهان المشاهدين خلال وبعد العرض على ان يبحثوا عن الضوء المفـقـود في القلوب، في هذا الزمان وبقية الازمنة، وعن الخيوط الضوئية التي غادرت اماكنهم فاطل الظلام الدامس وان رفعت ملايين الأيادي في دخان هذا الظلام لا تراهم... فيحدث تصدام الناس بعضا ببعض فتزحف كافة الديدان لتأكل قارب الحق الذي يبحر في البحر الابيض وتحويل مساره إلى البحر الاسود.

في مسرحنا نـُحـَرِّض الجمهور ليتخلصوا من حقد اسود وسحر اصفر ليخرجوا من الصالة مطهرين معمذين بماء النهر الجاري ليرتلون نشيدهم الاوحد:

"ان الانسان أخ الانسان

في كل زمــان ومكــــان".

في مسرحنا قلنا ما قيل في الواقع بصياغة مسرحنا الابيض مترجمين ما قرأنا في الكتب من افكار نيرة ومن اناشيد الثوار واقوال وتراتيل المنشدين في اوبرا الحياة بشكل رسائل محملة بعطر الطبيعة ومرسلة بتشفيرنا للمتفرجين لفك شفرتها وبناء افضل منها وافضل... ودعوتنا لكم ألا تنطفأ الإضاءة في قلوبكم.

 

د. موفق ساوا/ سيدني

 

 

saad jasemرغم كل ماقيل ويقال، ورغم بعض تأثيرات المعلوماتية الحديثة، تبقى للكتاب الورقي قيمته الثقافية والفكرية والمعرفية والتربوية، ويظل له حضوره الراسخ وكيانه الشاخص ورائحته المحببة لدى البشر وخاصة الذين لديهم اهتمامات ثقافية وعلمية وأدبية وكذلك الذين يقومون بالقراءة من اجل تطوير وعيهم الثقافي . وهناك مَنْ يجدون متعة في القراءة في مختلف الاعمال الادبية والتاريخية والنفسية والفنية وغيرها .

وانطلاقاً من عديد الاهداف والمساعي والغايات البشرية، فقد شهدت الكثير من بلدان العالم اهتمامات واسعة في اقامة معارض موسمية ودائمية للكتاب، ويمكننا ان نتحدث ونجمل بعض الاهداف والغايات الجوهرية التي تقام من اجلها معارض الكتاب،

ومن هذه الاهداف:

اولاً: تلبية حاجات معظم الشرائح الاجتماعية وبمختلف اعمارها واهتماماتها من الكتب في شتى الاختصاصات والاهتمامات والتوجهات التي اشرنا اليها اعلاه .

ثانياً: قيام الكثير من المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية والخاصة  المهتمة بصناعة الكتاب،بتوفير مختلف المصادر والمراجع العلمية والادبية والفنية من خلال معارض الكتاب للباحثين والدارسين وطلاب العلم والمعرفة .

ثالثاً: تحرص المؤسسات والجهات المسؤولة عن معارض الكتاب على اقامة الندوات والجلسات الثقافية وذلك من اجل مناقشة عدد من القضايا والمواضيع والظواهر الثقافية والاعمال الادبية والفكرية.وكذك اجراء حوارات مفتوحة واماس ادبية للادباء والكتاب الذين تتم دعوتهم للمشاركة في معظم معارض الكتاب.  

رابعاً: توفّر معارض الكتاب الفرص للقراء للالتقاء مع الكتاب والمؤلفين والتعرّف عليهم والحصول على الكتب بتواقيعهم وذلك من خلال احتفالات التوقيع التي تقام خلال المعارض .

خامساً: لايمكن نفي الاهداف والابعاد الاقتصادية وكذلك التجارية التي تسعى لها مؤسسات صناعة الكتاب من وراء بيع الكتب في المعارض، وهي بلا شك قد اصبحت تحقق مردودات وفيرة ساهمت في ثراء وديمومة عمل الكثير من المؤسسات والافراد من ناشرين وتجار وغيرهم .

وعوداً على بدء يمكننا القول: ان الفضيلة المهمة والحقيقية لاقامة معارض الكتاب، هي في نمو وازدياد الوعي الثقافي لدى الكثير من  البشر الذين يهتمون بالكتاب بوصفه مصدراً للثقافة ومرجعاً للعلم والمعرفة والمتعة الروحية.        

 

faroq mawasiوهل ينفع الفتيانَ حسنُ وجوههم *** إذا كانت الأعراضُ غيرَ حسانِ؟

ولا تجعلِ الحسنَ الدليلَ على الفتى *** فما كل مصقولِ الحديد يمانِ

...

كنت تناولت الموضوع في الجزء الثاني من كتابي- (دراسات أدبية وقراءات بحثية)، ص 19- 21 تحت عنوان- "عن حسن المنظر وقبح المخبر"، وهأنذا أضيف هنا ملاحظات وتنويعات أخرى.

...

الشعر – على الأرجح- لابن نُباتة السَّعدي، وفيه تأكيد أن جمال الوجه لا ينفع إذا كان الشرف والعِرض في موقع الشبهة، فالحُسن ليس الدليل على فتوة الفتى، والتشبيه الضمني يذكرك بأن السيوف المصقولة  ليست كلها يمانية قاطعة، وهكذا الفتى، فالمقياس هو في فعله والخلائق – كما يقول المتنبي:

وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له *** إذا لك يكن في فعله والخلائقِ

..

كان هذا البيت للمتنبي موضع  استحسان المعتمد بن عبّاد، فكان يردده، وحدث أن لاحظ

ابن وَهبون الشاعر مدى إعجاب المعتمد بالبيت، فأنشد:

لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما *** بقدر العطايا، واللُّها تفتح اللَّـها

تنبّأ في نظم القريض ولو درى ***  بأنك تروي شعرَه لتألّها

...

ردد المتنبي في معانيه هذا المعنى عن الحُسن حتى وصف به الخيل:

إذا لم تشاهد غيرَ حسنِ شِياتِها *** وأعضائها فالحسنُ عنك مغيَّبُ

وقريب من هذا قوله:

يحب العاقلون على التصافي *** وحب الجاهلين على الوسام

(الوسام= جمال المظهر)

..

يقول مبشِّر بن الهُذَيْل الفَزاري:

ولا خيرَ في حسنِ الجسومِ ونبلها *** إذا لم تزنْ حسنَ الجسوم عقولُ

كان الشاعر عمرو بن معد يكَرِب قد سبق في المعنى، وذلك في مطلع قصيدة له:

ليس الجمال بمِئزرٍ *** فاعلمْ وإن رُدّيتَ بُرْدا

إن الجمالَ معادنٌ *** ومناقب أورثن مجدا

..

الحسن أو الجمال في الخلق أولاً، فالمخبر أو الجوهر أولى من المنظر.

يقول مِهْيار الدَّيلَمي:

وما الحُسنُ ما تُثني به العين وحدَها *** ولكنَّ ما تثني عليه قلوبُ

..

ويقول دِعْبِل الخُزاعي:

وما حسن الوجوه لهم بزَين * ** إذا كـانــــــــــت خلائقهمْ قباحا

ومن قول أبي الحسن التِّهامي:

حسنُ الرجال بحسناهمْ وفخرهمُ * ** بـطَـوْلهمْ في المعالي لا بطُولهمُ

..

يظل خطاب الشعراء القدامى في هذا المعنى موجهًا للرجل أكثر مما هو موجّه للمرأة، فهو موضوع الحديث عن فعله وعن خلقه، لكنا وجدنا اهتمام الشعراء المعاصرين بألا  يغرّنا جمال المرأة، فقد تكون على ما وصف الحديث الشريف محذّرًا:

 "إياكم وخضراء الدِّمَن".

يقول الشاعر القروي:

بناتُ حواءَ أعشابٌ وأزهارُ ***  فاستلهمِ العقلَ وانظرْ كيف تختارُ

ولا يغرَّنكَ الوجهُ الجميلُ فكم ***  في الزهرِ سمٌ وكم في العُشْبِ عقّارُ

..

قد يكون الجمال بدون فضيلة ولا خلق يتزيا به الإنسان، فعندها يكون كالزهرة بلا عبق، ورب وجه جميل لرجل أو امرأة يخفي ما وراءه شر وقباحة.

كم ينخدع الناس من مظهر الجميل أو الجميلة فيسارعون في الحب أو القبول، وهم لا يدرون أن هناك قشورًا قد تبين عن وهم وعن منكر.

..

صدق الإمام علي- كرّم الله وجهه- في قوله:

ليس الجمال باثواب تزيننا *** إن الجمال جمال العلم والأدب

..

وأخيرًا، فيبقى للجمال سطوته وأهميته، فهو نعمة لا نستطيع تجاهلها، والله جميل يحب الجمال، وكأن الطبيعة بكل ما فيها تجليات له.

الجمال سحر يأسر، وهو غذاء للروح، ومناغاة للفؤاد.

..

فما رأيكم فيما يقول الشاعر الفلسطيني سعيد يعقوب:

ليس الجمالُ الذي بالعينِ تُبصره *** إن الجمال جمالُ الروح لا الجسدِ

 

ب. فاروق مواسي

 

akeel alabodالبارحة أشعلت شموعا كثيرة، وتلقيت بطاقات المهنئين مع الورد، ورحت بعيدا، محلقا اتطلع الى الأفق. الأسماء كانت تتلى، ودموع الأمهات حاضرة معي تستغيث، مجزرة سبايكر، وملحمة نينوى، صور، ومشاهد مذهلة، لقطات لا تختلف عن مشاهد الهولوكوست.

العالم بجميع أصنافه، وطبقاته، وفئاته البشرية- كبار، وصغار، عرب، وغير عرب أغنياء، وفقراء، علمانيين، ومتدينين، مسلمين، ومسيح، كانوا يجلسون بقربي، يشاركون الحاضرين الاستماع لمقطوعة هايدن.

لم أكن اعرف اسمها، لكنني فقط اتذوقها، هي لم تكن على نمط هذه الطبقات الموسيقية التي اختلطت بها الأذواق النشاز هذه الأيام، لذلك كنت اشعر بأنها مسرحية، تتغلغل موضوعاتها في كياني، لاستقرئ شيئا ما.

حاورني احد الجالسين بلباقة معلنا سروره هو الاخر، بعد ان عرف ان الصالة كانت بجميع موائدها الشرقية، والغربية قد تم دفعها سلفا احتفاء بمناسبة تكاد ان تكون الأكثر قدسية من باقي المناسبات الوطنية.

عاملة احدى الفضائيات حاولت التقاط الصور، والتحدث للتغطية الإعلامية، فلم تفلح معي لعدم استجابة دعوتها، حتى أعلنت استغرابها لانها اعتادت ان تقيم نشاطاتها الإعلامية مع الأكثرية ممن هم على طريقة "عله حس الطبل خفن يرجليه" 

المهم تجنبت الحديث معها، لكي لا يصبح احتفائي ضمن مفردات احتفالية تابعة لمؤسسات الدولة العراقية الخاضعة لانظمة الكتل والأحزاب.

فأنا كما تعرفون ابن العراق الرافض لطبقته السياسية الحاكمة، بمعنى انني لا انتمي لهم، ولم تستهويني سياسات المليشيات التابعة لهذه الجهة، اوتلك.

وكذلك لست بابن الدولة هذه التي أسست معظم كياناتها مكونات هؤلاء الذين تم تسويقهم كصفقات لأغراض الموازنة- حيث منهم من يتنعم اليوم في أربيل لا شغل، ولا عمل، انما فقط لأغراض اللقاءات السياسية.

لذلك احتفالي إنما اداء لطقوس انتمائي لبقعة من الارض تحررت اليوم من لقطاء وزناة السياسات الحديثة، هذه الارض هي التي اعلنت معي رايات استنكارها الاخلاقي، والانساني،  والوطني بوجه من ساهم من مكونات الدولة العراقية بكياناتها السياسية ذات يوم بتسليمها الى القتلة والمجرمين، وأثيل النجيفي ومن غض البصر عنه منهم.

لذلك لم أكن ارغب بهذه اللقاءات، فأنا أحب ان يكون قائد العراق من طراز النخبة، وابن العراق من طراز النخبة، وممثل مجلس النواب العراقي من طراز النخبة، والنخبة التي أقصدها هي الطبقة الفقيرة، المثقفة.

وانا من أبناء الطبقة الفقيرة ومن سكنة، وارامل هذا الوطن الذي ضحى بكل صغيرة وكبيرة لأجل ان يقوم العراق بمناراته، وقبابه عزيزا طاهرا، لكنني لم يستهويني ان يدرج اسمي ضمن القوائم التي تم الاتفاق عليها في توزيع الحقائب والحصص الوزارية منذ اول يوم اسقط فيه العراق، لأَنِّي لا يمكنني ان أتقاضى راتبا من ميزانية وطن اكثر من نصف شعبه جائع.

لهذا، متى ما كنت قادرًا لمصادرة أموال المسؤولين وتوزيعها على أبناء الشعب بالتساوي، متى ما كنت ساكنا في غرفة صغيرة مع عائلتي أسوة بأفقر عائلة في وطني، عندئذ سأقدم اسمي حاكما عادلا قربانا لهذا الشعب، وساحتفي باعتباري حاكما لا مسحوقا، علما ان الحاكمية كما تعرفون احبتي، من شروطها الفضيلة، والحكمة، والزهد والشجاعة.

ولكن ان كنت فاضلا سيتم تصفيتك، وان كنت حكيما سيتم اتهامك بالجنون، وان كنت زاهدا سيلتف حولك المنافقون، وان كنت شجاعا سيتامر عليك الجبناء، ولهذا تراني معتكفا من المهد الى اللحد زاهدا ارفض حتى حقوق ما يسمى بالمهجرين، لانها اكذوبة استعملت كصفقة سياسية للتضليل.

وآخر الكلام سامحيني إيتها الموصل لأنني لم استشهد على ترابك أسوة بأحبتي.

 

عقيل العبود/ ساندياكو

 

faroq mawasiجولتي اليوم حول ما قيل شعرًا عن الشيخ الهرِم- هل يمكن أن يطرأ عليه تغيير في  سلوكه؟

أسأل ونحن نقول في المثل: من شبّ على شيء شاب عليه.

...

سنرى كيف عالج الشعراء هذه الجزئية:

...

قال صالح بن عبد القُدّوس:

والشيخ لا يترك أخلاقه  *** حتى يُوارَى في ثرى رمْسه

إذا ارْعَوى عاد إلى جهله ***  كذي الضَّنى عاد إلى نُكسه

..

إذن هو لا يغيّر ولا يبدّل في تصور الشاعر، وهذا الرأي القاطع كان سببًا في قتله:

"أخِذ صالح بن عبد القدوس في الزندقة،  فأدخِل على المهدي، فلما خاطبه أعجب به لغزارة أدبه وعلمه وبراعته وبما رأى من فصاحته وحسن بيانه وكثرة حكمته، فأمر بتخلية سبيله.

 فلما ولّى رده، وقال : ألست القائل :

والشيخ لا يترك أخلاقه  *** حتى يوارَى في ثرى رمسه

قال: نعم، يا أمير المؤمنين.

 قال: وأنت لا تترك أخلاقك، ونحن نحكم في نفسك بحكمك، فأمر به، فقتل.

 (الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج9، ص 303 وعن قصة مقتله انظر كتاب: عباس الترجمان- صالح بن عبد القدوس- حياته وشعره، دار الجمل، ص 44- 47، فثمة مراجع كثيرة حول الموضوع وروايات متباينة؛ وقد ورد في الأغاني- ج 14، ص 176 أن الذي أعدمه هو الرشيد قائلاً له: "إنما زعمت ألا تترك الزندقة ولا تحول عنها أبدًا".)

..

عَود على بَدء:

أنشد مالك بن دينار:

وترُوض عِرسَك بعدما هرمت *** ومن العناء رياضةُ الهرِمِ

فهو لا يريد منا أن نتعب أنفسنا،  فما كان كان، والله المستعان.

كنت حدثتكم عن أم ثواب الهِزانية التي كانت تشكو ابنها العاقّ الذي يحاول أن يغيّر من سلوكها: "أبعد شيبيَ يبغي عندي الأدبا"؟

فسلوك الكبير مبني على ما سلكه ومر به من تجارب، فمن العسير أن يسلك سلوكًا مغايرًا، وفي ذلك  يقول المخبَّل السعدي:

إذا المرءُ أعيته المُروءة ناشئًا *** فمطلبها كهلاً عليه عسير

...

في المقصورة الدرَيدية حِكم كثيرة جدير أن نوليَها الاهتمام، وفي هذا الباب يقول ابن دُرَيد:

والشيخ إن قوّمتَه من زَيْغه *** لم يُقِمِ التثقيفُ منه ما انحنى

كذلك الغصنُ يسيرٌ عطفُه *** لدْنًا، شديدًا غَمزُه إذا عسا

..

وهذا البيت الثاني قال  على غِراره الشاعر سابِق البربري (من شعراء العصر الأموي، وله أبيات كثيرة في الحكمة):

قد ينفع الأدبُ الأحداثَ في مهل *** وليس ينفعهم من بعده أدبُ

إن الغصونَ إذا قوّمتَها اعتدلتْ *** ولنْ تلينَ إذا قوّمتَها الخُشُـبُ

..

وفي ديوان الإمام علي نقرأ:

حرِّض بنيكَ على الآداب في الصغر *** كيما تقرُّ بهم عيناك في الكبر

فإنما مَثَلُ الآداب تجمعها ***  في عُنفوان الصِّبا كالنقشِ في الحجر

...

مع ذلك فهناك من له رأي آخر:

 ورد في كتاب الراغب الأصفهاني- (محاضرات الأدباء)، ج1، ص 46 موضوع "فضل التعلم في الكبر"، فيقول:

"قيل لأنو شروان: أيحسن بالشيخ أن يتعلم؟

قال: إن كانت الجهالة تقبح منه، فالتعلم يحسن به.

قيل: وإلى متى يحسن منه؟

قال: ما حسنت به الحياة.

وقيل لحكيم: ما حد التعلم؟ قال: حد الحياة- أي يجب له أن يتعلم ما دام حيًا".

..

في هذا السياق سأقف على قول علي- "في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر"، ويبدو لي أن قوله هو أساس المثل:

العلم في الصغر كالنقش في الحجر!

..

نعم أن النقش على الحجر صعب، ولكنه يبقى ويبقى أثره، فهل النقش في الكبَر يكون كالنقش على الماء؟

نقش الحجر- يُضرب مثلاً لما يثبت ويبقى لا يضمحلّ.

ورد المثل في كتاب الجاحظ (البيان والتبيين، ج1، ص 257): "التعلم في الصغر كالنقش في الحجر"- حيث ورد القول على لسان الأحنف وقد سمعه من رجل.

..

في (جمهرة الأمثال) لأبي هلال العسكري، ورد في مادة المثل:

"أبقى من حجر، وأبقى من وحي في حجر

وكان عرب اليمن تكتب الحكمة في الحجارة طلبًا لبقائها.

والناس يقولون: التأديب في الصغر كالنقش على الحجر".

وورد في مصادر أخرى:

"العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالنقش على الماء"

وفي (المحاسن والأضداد) للجاحظ: "....  والعلم في الكبر  كالعلامة على المدر".

...

المفاجئ أن يتصور بعضهم أن هذا القول هو حديث شريف!!!

...

في (المقاصد الحسنة فيما اشتهر على الألسنة) للبيهقي (حديث رقم 673) أقتبس لكم ما يلي:

"(حديث مرفوع) حَدِيثٌ: "الْعِلْمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ" ، البَيهقي في المدخل من جهة يزيد بن معْمر الراسبي سمعت الحسن هو البصري، يقول: فذكره من قوله، وأخرجه ابن عبد البَر من جهة من لم يسمَّ عن معبد عن الحسن، بلفظ: طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر، ورواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف عن أبي الدرداء مرفوعا بلفظ: مثل الذي يتعلم في صغره كالنقش على الحجر، ومثل الذي يتعلم في كبره كالذي يكتب على الماء".

..

ثمة مصادر أخرى أوردت المثل وناقشت مسألة كونه حديثًا، فذكرت أنه ضعيف.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

faroq mawasiالتهكم هو السخرية،  أسلوب يُستعمل في نقيض الشيء أو ضده، ويقصد به التنبيه أو التقريع، وفيه تنفيس عن غضب المرسِل أو عدم رضاه، وقد لا يعي المرسَل إليه الرسالة، فيكون "كالأطرش في الزفّة".

تتفاوت أساليب السخرية والتهكم، وأجملها ما أثار البسمة أو الضحكة.

..

هناك من يبدع في أسلوب التهكم، فيقوم بنقل فکرته بأيسر السبل، وكأنه يقول أمرًا جِدّيًا، وفي سبيل ذلك نراه يعمد إلى المخالفة، فالمحاسن قد تكون مساوئ، والمساوئ محاسن، والجمال يقف أمام القبح، والسمعة الحسنة أمام السيئة، والموت أمام الحياة.

لكن الهدف الأول هو أن يُشهر قلمه أو لسانه ضد مظاهر الرذيلة والقبح والجهالة.

وتبقى في الأدب المتعة، ورحم الله الجاحظ- شيخ الساخرين!

..

 الاستعارة التهكُّمية:

هي اللفظ المستعمل في ضد معناه تنزيلا للتضادِّ منزلة التناسب لقصد التهكم والاستهزاء، فإذا قُصد البسط والظرافة سميت (تمليحية).

لا أرى ضرورة التمايز بينهما-  أي بين التهكم والتمليح،  فالمعنى هذا قد يؤدي إلى ذاك، وكلاهما ضمن الاستعارة العنادية- عكس التوافقية- كما سأبين أدناه.

..

أسوق لكم بعض الآيات من هذه الاستعارة  التهكمية أو التمليحية كما سماها بعض البلاغيين.

يقول تعالى:

{فبشِّرهم بعذاب أليم}- آل عمران، 21،  أي أنذِرهم، فاستعيرت البشارة وهي أمر إيجابي– الإخبار بما  يَسرّ للإنذار الذي هو ضدها، بإدخاله من جنسها على سبيل التمليح والاستهزاء.

(القزويني: الإيضاح في علوم البلاغة، ص 420)

..

أشار الفرّاء إلى مثل هذا الأسلوب في شرحه لقوله تعالى- {فأثابكم غمًّا بغمّ}- آل عمران، 153، والإثابة هي في معنى العقاب.

..

نظر ابن جنّي إلى هذا الأسلوب على أنه مَجاز، وذلك  في قوله تعالى – {ذُق إنك أنت العزيز الكريم}- الدخان، 49 فهو (أبو جهل) في النار ذليل ومهان، لكنه خوطب بما كان يُخاطب فيه بالدنيا، وفي هذا ضرب من التقريع وتذكيره بسوء ما كان يفعل.

 أما القصد هنا في  قوله- "العزيز الكريم": الذليل اللئيم، فشبة الذلة بالعزة، واللؤم بالكرم على سبيل الاستعارة التصريحية.

ووردت آية أخرى في معرض التسفيه لشعيب من قبَل قومه- {إنك لأنت الحليم الرشيد}- هود، 87، وهم يقصدون: إنك لأنت السفيه الجاهل، إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية به.

..

 هناك من سمّاها الاستعارة العِنادية، فالمعنى في الأصل لا يتوافق، كأن تقول للجبان: أنت أسد، أو بطل، وللبخيل: يا حاتم!

لننظر إلى قول عمرو بن معد يكرِب:

وخيل قد دلفتُ لها نجيل *** تحيةُ بينهم ضربٌ وجيع

فأي تحية هذه، والتحية كما نعلم فيها إكرام وحسن لقاء؟

وفي شعر عنترة ننتبه لقوله:

وسيفي كان في الهيجا طبيبًا *** يداوي رأس من يشكو الصُّداعا

يداوي، والمتوقع بعلاج نافع، وإذا به قطع الرأس.

وكقوله تعالى {فاهدوهم إلى صراط الجحيم}- الصافات، 23.

فأية هداية هذه؟!

(انظر: الميداني- البلاغة العربية، ج2، ص 262)

..

هي صور ساخرة، ونحن لا نصل إلى المعنى المقصود بيسر، بل بعد مسافة تفكير ومجاولة  وتدبّر العبارات، وهذه المسافة هي التي تشير إلى درب الأدب.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

hashem mosawiعندما توقف المطر، وعلقت سفينة نوح بقمة أحد الجبال، إنتظر نوح عدة أيام قبل أن يغامر بالنزول، وأراد أن يعرف هل أن اليابسة قد ظهرت أم لا؟ ! فأرسل الغراب كي يكتشف له ذلك، وطار الغراب، وأثناء طيرانه راى جثة حيوان طافية كان قد غرق أثناء الطيران، فنسي المهمة التي أرسل من أجلها، ودنت نفسه الى تلك الوليمة غير المتوقعة، فنزل فوقها، وبقى هنالك يأكل منها!! وطال بنوح الإنتظار، فأرسل حمامة في أثره، وبعد سويعة عادت الحمامة وهي تحمل في منقارها غصن زيتون و طين في رجليها!! ففرح نوح بها، وعلم أن اليابسة قد ظهرت!! وتثمينا منه لإخلاصها، وللبشارة التي جاءت بها، لف غصن الزيتون على رقبتها كالقلادة، ولذا ترى حتى اليوم طوق أخضر يطوق رقبة الحمام!! ودعا لها أن تعيش في أمن وسلام!! وأصبحت الحمامة تعيش مع البشر في مساكنهم وحولها، وهم يستبشرون بطلعتها، أما الغراب فإنه لما عاد شم نوح رائحة الجيفة في منقاره، فدعا عليه بالخوف والفزع، وهكذا أصبح الغراب طالع شؤم، ويسكن بعيدا عن البيوت خجلا من فعلته .

ويضرب مثلنا أعلاه للشخص الذي عاد من مهمة ما، وهل نجح في مهمته أم فشل فيها، فإذا قال : حمامة، فأن ذلك يعني النجاح، وإذا قال : غراب، فأنه يعني الفشل .

 

د.هاشم عبود الموسوي

.....................

* من الأساطير ذات الطابع الديني

 

faroq mawasiس: أعرف (كان الناقصة) وعملها، فمتى تكون (كان) زائدة؟ ومتى تكون تامة؟

طالب

..

كان التامة

تأتي بمعنى حدث أو حصل، نحو: التقى الصديقان بعد فراق فكانت الدموع.

الدموع: فاعل كان التامة مرفوع.

..

(كان) التامة كمثل الأفعال الأخرى تدل على حدث وزمن.

بينما (كان) الناقصة تدل على الزمن فقط، فهي تخلو من الحدث، ولا فاعل لها.

ورد في التوراة: "ليكن نور، فكان نور"،  فكلمة نور في الجملتين فاعل مرفوع،  لأن (كان) فيهما تامة، والمعنى في الجملة الأخيرة- وجد أو وقع أو حدث نور.

..

في جملة "كان النور ساطعًا"- نعرب (كان) فعل ماض ناقص، فهي لم تؤثر على السطوع وعدمه، بل حددت زمن هذا السطوع،  وهو الماضي دون أن تؤسس وجودًا ما.

بينما في جملة "كان النور الساطع" تكون تامة، فدلت على حدث- هو وجود نور ساطع.

ترد (كان) التامة عددًا من المرات في الذكر الحكيم، ومن ذلك:

{وإن كان ذو عُسْرة فنظِرَةٌ إلى مَيسَرة }-  البقرة، 280.

..

كثيرًا ما نذكر في القصص (كان التامة) نحو: استعد البطل وكانت الحرب، وكان صباح وكان مساء،  وكان يا ما كان....

 

كان الزائدة

قد تزاد (كان) مؤكدة للكلام، فهي لا عمل لها، وبالتالي فلا اسم لها ولا خبر (كالناقصة)، ولا فاعل لها (كالتامة)، وهي في الماضي عادة.

أبرز ما نجدها في جملة ما التعجبية وقبل (أفعل):

نحو: ما كان أجملَ الفتاةَ!

كان: فعل ماض زائد لا عمل له.

أجملَ: فعل ماض على صيغة التعجب مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر يعود على ما،  الفتاة: مفعول به منصوب.

والجملة الفعلية في محل نصب خبر  المبتدأ (ما).

يقول  المتنبي:

ما كان أخلَقَنا منكم بتكرُمة *** لو أن أمرَكُمُ من أمرنا أَممُ

ويقول آخر:

أرى أمَّ عمرو دمعها قد تحدَّرا *** بكاءً على عمرو وما كان أصبرا

هنا (كان) زائدة.

..

قد نجد (كان) زائدة بين جزأين متلازمين، كقول من قال:

المعلم –كان- حاضر.

ولكن الأفضل أن نجعلها (كان) الناقصة، فنقول: كان حاضرًا.

أكتب ذلك لأننا قد نجد (كان) الزائدة في بعض الشواهد، كوقوعها بين الصفة والموصوف، نحو:

فكيف إذا مررتُ بدار قومٍ.***  وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ

بالطبع ليس من حقنا أن نخطّئ الفرزدق، ونقول له:  كانوا كرامًا، ولا يجوز لك غير ذلك!

ومن ذلك قول الشاعر :

وماؤكم العذبُ الذي لو شربته ***  شفاء لنفسٍ كان طالَ اعتلالُها

فجملة " طال اعتلالها " في محل جر نعت، وقد جاءت (كان) زائدة لا عمل لها.

نجدها كذلك بين المتعاطفين، نحو:

في لجّةٍ غمرتْ أباك بحورُها ***  في الجاهليةِ –كان- والإسلامِ

إذن، كان التامة هي التي تعني حصل أو وقع أو تمّ، ولها فاعل.

*كان الزائدة هي حشو في الجملة أبرز ما نراها في الجملة التعجبية قبل (أفعَل) التفضيل.

ملاحظة:

إذا شعرنا أن حذف (كان) لا يقدّم ولا يؤخّر في الجملة، وكانت بين متلازمين- كما مثّلت أعلاه-  فهي زائدة، وفي  لغتنا المعاصرة هي نادرة جدًا، وفي رأيي أن استخدام (كان) الناقصة أولى-  إلا إذا دلت على حدث، فعندها تكون تامّة.