أحاور بعض الأخوة الناشرين أحيانا حول الترجمة لكبار الأدباء الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في زمانهم لكنّ النسيان طواهم وتقادم الزمن على إنتاجهم، أو بالأحرى لأنّ الفرصة والصدفة لم تتهيأ لقارئنا العزيز ليطلع على ما كتبوا وليعجب بما بهروا به مواطنيهم والأوربيين على مدى عقود وقرون.

ما ذنب أيّ علم من أعلام الرومانسية الإسبانية أو الواقعية أو الانطباعية الذين شغلوا الأدب الأوربي على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين؟ لم يسمع الكثيرون منّا إلا بالروائي بلاسكو إيبانيث الذي حالفه الحظ حين عرضت السينما الأمريكية واحدة من رواياته الرائعة (دم ورمال Blood and Sand) التي مثّل بطولتها (تيرون باور) و (رينا هيوارث) فمنحا مؤلفها الشهرة والحياة.

وماذا عن أونامونو؟ وماذا عن كلارين؟ وماذا عن بيو باروخا؟ وآثورين؟ وغالدوس؟ وباردو باثان؟ وعن خوان باليرا؟ وعن أورتيغا أي غاسيت؟ وماذا عن جيل الـ 98 الذين لا يذكر أحدهم إلا وذكرنا بأدباء النهضة العربية الثقافية والفكرية والأدبية؟

ونأتي على جيل شعراء الـ 27 فلا نعرف منهم إلا لوركا وألبيرتي وهما اثنان بين أكثر من دزينة لكلّ منهم طعمه ومذاقه وعبقريته وأسلوبه المتفرد.

ونعبر إلى أدب الحرب الأهلية وما بعدها. والمسرحيين، كبار المسرحيين، ممن يعرفهم العالم كلّه ولا يعرفهم قرّاؤنا، لمجرد أنّ متطلبات السوق لا تسمح بالمغامرة. فمتى يتعرف قراؤنا على هؤلاء؟

لن يعرفوهم.

وما يقال عن الأدباء الإسبان يقال عن أدباء أمريكا اللاتينية: فإمّا إيزابيل أيندي أو بارغاس يوسا أو غارثيا ماركث أو بورخس أو لا!

لا أرى ما يجري في عالم النشر منصفا لأنّ الأضواء تتحول مدفوعة بالسوق عن عظماء "مجهولين". ليس لأنّهم كذلك بل لأن توجهات النشر عندنا لا تريد المغامرة.

لن يعرف قارئنا هؤلاء والحال هذه وسيبقى أسير أسماء مكررة، رنّانة، طنانة، وإن كتبت تفاهات بعد روائع. وسيقى الآخرون مطمورين لا يغامر أحد بانتشالهم من أضرحتهم التي رقدوا فيها.

أرى أن الأوان قد آن لرسم سياسة جديدة في النشر تعيد لهؤلاء الكبار حقوقهم واعتبارهم وتضع ثقتها لا في الأسماء والصرعات وفي سياسة " الجمهور عايز كده" بل في معايير الجودة الحقيقية التي تجعلنا ننشر لأحلام مستغانمي وكوليت خوري وعلاء الأسواني من دون أن نغفل ما كتب سلامة موسى وتوفيق الحكيم والرافعي والعقاد وجبران. 

 

د. بسّام البزّاز

    

kamal alhardiمشاعر الحب العاطفي بين الذكر والأنثى ظاهرة إنسانية لا تختلف في جوهرها لدى الإنسان الأبيض القاطن في القارة البيضاء أو البني القادم من الهند والسند أو الأحمر المطل علينا من أرض المكسيك أو الأصفر ذي العينين اللوزيتين الصينيتين أو الأسود الوافد من أحراش أفريقيا جنوبا".

كل تلك التباينات في لون البشرة أو في سلالة العرق أو في طبيعة الجغرافيا لا ترتبط بعلاقة عضوية مع وجود مشاعر الحب وميل الإنسان نحو محبوبه، إلا أن تلك العوامل تؤثر نسبيا في كيفية بلورة مشاعر الحب. فالمثال يترجم حبه بمنحوتة، والموسيقار بمقطوعة موسيقية، والرسام بلوحة، والشاعر بقصيدة، والسياسي ب...!! بلا شيء. كل تلك الترجمات قد تتباين في الكيفيات والهيئات وفقا لطبيعة المكان والإنسان، لكنها لا تختلف في الجوهريات (مشاعر الحب).

ولنأخذ على ذلك مثلا في قوالب اللغة وخصوصا الشعرية منها أو النثرية، وكيف أن البيئة تلعب دورا محوريا في بلورة أحاسيس العشق والغرام؛ ففي أجزاء من الريف الفرنسي أو الإنجليزي تتساقط الثلوج في فصلي الخريف والشتاء فتختفي أشعة الشمس وتتناقص درجات الحرارة، فتجد العاشق في تلك البيئة الثلجية ينظم شعرا بتفعيلتهم الخاصة قائلا:

في إحدى ليال الشتاء

عبرت الطريق متدثرا بمعطفي ووقبعتي

لكنني ما فتئت أشعر ببرد الشتاء

وثلج الشتاء

فتمنيت رشفة ساخنة من كوب قهوة

لكن طيف من خيالك لاح لي!

فتذكرت دفء حبي لك وحبك لي

فصار بساط الثلج على الشارع

حديقة مشمسة غناء

وما عدت بحاجة لمعطفي وقبعتي

فقد غدوت عصفورا يغرد في السماء !

بينما العربي في صحرائه لا يعرف المعطف وبساط الثلج، بل يعرف قيض الصحراء وأوار حرها، ولذلك ستجد العاشق منهم يتغزل في محبوبته مقارنا إياها مثلا بجداول الماء وظلال الشجر حيث لا عطش ولا شمس:

وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت♡♡  

  وردا وعضت على العناب بالبرد

ولن يقتصر العاشق العربي على ذلك، بل لربما انعكست بيئته الصحراوية النزاعة إلى القتال في شعره الغزلي ليقول:

دع عنك ذا السيف الذي جردته

عيناك أمضا من مقاطع حده

كل السيوف قواطع إن جردت

وحسام لحظك قاطع في غمده

وهكذا فإن حرارة الحب جذوة لا تخبو ولا تنطفئ في قلوب البشر بمختلف أشكالهم وسلالاتهم وأعراقهم ، وستظل تلك الجذوة متوهجة بألوان بيئات مشاعرهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم.

 

كمال الهردي - كاتب وروائي يمني

 

 

khahtan alseadiحين تتصفح كتابها ."أحببتك فصرت الرسولة"، تستحضر روحها فتجدها القديسة المتبتلّة في عالم اللاهوت تتلاقح افكارها مع العشق الالهي ومكنونات القيم الانسانية، وهي تتجلى في عالم التصوف حتى تمازج افكارها الانسانية مع عشق الرب بنبرة صوفية كأنها من تلامذة محيي الدين بن عربي او جلال الدين الرومي.

تكتب حتى ينساب من قلمها أدب حر وابداع ثرّ ...ترى نعم الحياة ومتعة العارف بمكنونات صفاء الروح، حتى وسط ركام الدمار وتحت أزيز الرصاص، تصف الحرب حتى تقول انها محطة زائلة وستنبت كل قطرة دم سنبلة ووردة.

تتعاشق مع الصليب رمزا ابويا للتضحية والفداء من اجل غد أفضل مؤمنة باللاهوت والأقدار حتى تعانق الآلهة لتنجب الامل والعطاء.

أنثى لا ككل النساء "إلا حبيبتي"، تعشق روح القبلة وترقب اللقاء بدقات قلب لموعد لم يكتمل، او تمارس قداسة العبث الطفولي والعتب الصبياني في رحاب الآلهة وبين أركان القصيدة حين تقول:

"يا إله الغضب في الهيكل الرخام اجعلني رحيمة في لعنتي:

فلتسقط الابتسامات عن وجوه عارضات الأزياء الغبيّات

ولتسقط اللوحات النادرة عن جدران المتاحف الآمنة

ولتسقط الجدران على رؤوس الأموال المجمّدة

ولتسقط الأقنعة عن وجوه العشّاق الحائرين

ولتسقط الأبراج المزروعة في الرمل الحاقد

ولتسقط النيازك والنجوم والكواكب والأقمار

ولتندم السماء على ما فعلته حين لم تدفن آدم وحوّاء تحت شجرة التفّاح

ولينفجر قلب الأرض الذي ناء بريائكم

ولتجفّ الأنهار التي لوّثتموها بأقذاركم

ولترمَ هذه الكرة الزرقاء الدائرة حول نفسها كالمجنونة

إلى جوف الجحيم

فيركلها الشيطان إلى نار حقده

تحت أنظار إلهٍ ندم

لأنّه استراح في اليوم السابع

ولم يمحُ مسودّة الخلق التي خربشها في لحظة شعر!"

شاعرة وكاتبة، ناسكة متمردة، وحرة مقيّدة كأنها تجمع المتضادات تكتب للموت والميلاد والظلام والضياء كأنها على خطى السياب حين يكتب التضاد في أنشودة المطر:

"والموت والميلاد والظلام والضياء

فتستفيق ملء روحي نشوة البكاء

كنشوة الطفل اذا خاف من القمر

كان اقواس السحاب تشرب الغيوم"

وها هي اقواس ماري القصيفي مشرئبة تبتلع الحزن وتعزف للحياة لحنا خالدا، يتماهى مع لونها الفينقيّ وقدرها اللبناني، بروح إنسانية وثبات فكري يدندن في ربى لبنان معزوفة الخلود.

ماري القصيفي أيقونة خجلى لامرأة ثكلى بنواح العارفة العابثة والعاشقة المتمردة والروح المرتدة السابحة في بحور العشق الالهي المغمس بعطايا الرب.

إنه لمن الغرابة ان تقوم مدرسة في زوايا لبنان وتلامذة أفاضل بطقوس الفرح لمعلمة جليلة في اروقة المدرسة، ولم نجد تلك الاحتفالية بتجمع جماهيري يضم النخبة الفكرية والأدبية  في شارع الحمرا وسط بيروت لتكريم كاتبة تناغمت مع الكلمة حتى صارت بيرقا وتراقصت مع القصيدة حتى صارت لحنا خالدا.

 

قحطان السعيدي

 

faroq mawasiكنت أستمع إلى محاضر ذكر كلمة (أُنموذَج) في محاضرته، وأصرّ على لفظها مع الهمزة، منبّهًا – بدون ضرورة- إلى أن كلمة (نموذّج) خطأ.

عجبت لإصرار صاحبنا، فعدت إلى المراجع لأتفحص دعواه، فإذا بالقاموس المحيط للفيروز آبادي  يرى أن (أُنموذَج) هي لحن، والصواب نَموذَج، بدون الهمزة، ويقول: "هو مثال الشيء معرَّب نَموده"...

لكن الباحث يوسف البقاعي الذي حقق القاموس (في طبعة دار الفكر) علق في الحاشية بقوله "ما زالت العلماء قديمًا وحديثًا يستعملون أنموذج من غير نكير، حتى أن الزَّمَخْشري وهو من أئمة اللغة سمّى كتابه في النحو (الأُنْموذَج)، والنووي في (المنهاج) عبر به في قوله "أنموذج متماثل"، ولم يتعقّبه أحد من الشرّاح".

من جهة أخرى أنكر الصاغاني صاحب التكملة والذيل والصلة (أنموذج)، لأن المعرَّب لا يُزاد فيه، وقال عن الزيادة "وليس بشيء".

..

نحن في لغتنا نأخذ من السلف ما استخدموه وأجازوه، ولا تهمنا خلافاتهم، بقدر ما تهمنا إمكانات استخدام اللغة وجوازاتها، فاختلاف المذاهب رحمة هنا أيضًا.

إذن يصحّ اللفظان، فلا بأس في أيٍّ!

نَموذَج وأُنموذَج،

ولا مسوّغ لإصرار صاحبنا.

..

إليكم  استخدام الكلمتين من مصادر جمعتها-

نَموذج:

قال البحتري:

وأبلقٍ يلقى العيون إذا بدا *** من كل شيءٍ مُعجبٍ بنموذجِ

الثعالبي:

......... *** يطَّلِعْ في نموذج الفردوسِ

وفي كتابه (التمثيل والمحاضرة) يقسم فصولًا عديدة منه إلى عناوين، وكل واحد منها أنموذج من .....(الأمثال، التوراة....إلخ).

وفي النثر تجد في (معجم الأدباء) لياقوت الحموي جملة- "وهذا نموذج من نثره" – انظر مثلاً مادة: عطاء بن يعقوب.

أنموذج:

ابن رشيق القيرواني:

رغبت في الجنّة لما بدا *** أنموذجُ الجَنّة في شكله

الشريف المرتَضَى:

وأرى من حال أحبابيَ أنموذجَ حالي

وغير ذلك كثير.

أما المعاجم الحديثة كالمنجد والوسيط فقد أدخلت الكلمتين وبحق، بل أرى أن  جمع نموذج (نماذج) سهل، ومقبول، وهو أسهل من استخدام نموذجات كما يجمع (المنجد)، أو أنموذجات جمعًا لأنموذج.

لو كانت لي صلة مع معدّي المعاجم لطالبت بإضافة الفعل (نمذَج- ينمذج) ومصدره (نمذجة)-  بمعنى تقديم نماذج أو وضع المثال في نموذج، فاللغة تتطور، ومن الضرورة قبولها.

ملاحظة:

زادت العرب في بعض الكلمات الفارسية المعرَّبَة حرف الجيم:

نموذج (المثال)- أصل الكلمة نمودَه

فالوذَج (نوع من الحلوى) – أصل الكلمة: فالوذه

لوزينج (شبه القطائف)- أصل الكلمة لَوزينه

فيروزَج (التي لفظت فيما بعد بغير الجيم، وهي حجر كريم)- أصلها فيروز.

وبالطبع فالكلمات الثلاث الأخيرة لا تُستخدم اليوم بالجيم، فأين من يقول اليوم لوزينج وفالوذج؟

 

ب. فاروق مواسي

 

mohamad aldamiعندما نتفق على حقيقة مفادها أن العقل العربي دائم النزوع الى رؤية واضحة للنفس، بمعنى الميل لمعاينة نفسه عبر “مرآة الآخر”، كما هي، بلا تزويق ولا تلوين، فانه غالباً ما ينجح في أن يحقق ذلك، ليس فقط عبر قراءة الذات وإعادة قراءتها بسلوكياتها، ولكن كذلك عبر جهد فكري معقد يتطلب الحاد من الذكاء، اعتماداً على المقارنات والمقاربات. ربما كان هذا الميل الذي لا يفلت أحد من ملاحظته عبر العالم العربي وراء الاهتمام الجارف الذي نرصده اليوم عبر العواصم العربية فيما نطلق عليه عنوان “الثقافة المقارنة”، خصوصاً في المؤسسات الأكاديمية.

وإذا كان العنوان أعلاه غاية في الاتساع والشمول، فانه لابد وأن يحتوي، من بين فروع وحقول أخرى، على الدراسات الألسنية المقارنة ودراسات الأدب المقارن، من بين سواها من تفرعات الثقافة والفنون والآداب.

وحيث أن هذه هي من السجايا الإيجابية للذهنية العربية، فان للمرء أن يذهب بكل ثقة إلى أن هذا الميل لمعرفة الذات عبر مقارنتها ومقاربتها مع “الآخر” إنما هو ليس ظاهرة جديدة، بدليل عناية الثقافة العربية الوسيطة بالترجمة والتعريب من مختلف لغات وثقافات العالم الحية عبر ما سمي العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية. لكن رغم اختلاف الآراء وتناقضها حول هذا الموضوع، إلا أن هذا النزوع قد اعتمد آليات وأنشطة التعريب أولاً، بهدف الاطلاع على ما قدم “الآخر”. وإذا ما اندرجت في منافع هذا النزوع الفوائد المعرفية العامة والمتخصصة عن الأمم الأخرى، فان للمتابع أن يفترض، بقدر كبير من الثقة بالنفس، أن العقل العربي قد رغب في أن يعرف بدقة أين تقف ثقافته القومية الإسلامية حقبة ذاك، “مقارنة” بسواها من ثقافات العالم الكبرى، من الصين والهند وبلاد فارس، الى بلاد الإغريق وبيزنطة والروم والفرنجة.

وحيث لم يكن ذلك الأمر من الميزات الحيوية لثقافتنا فقط، فانه قد شكل صورة دقيقة تؤشر الوعي الوسواسي بالذات: فكيف يستطيع المرء أن يعي ذاته، من دون أن يقارنها مع الآخر، لاسيما الآخر المختلف او المتفوق.

أما ما خلفه هذا النزوع الوسيط لنا اليوم، فانه أبقى جذوة حب الاطلاع عبر المقارنات والمقاربات متوقدة، لمعرفة الذات ولتبيان سجاياها ومثالبها كذلك بهدف التصحيح والتصويب، بلا ريب. أما ما تركه هذا النزوع العربي القوي لأوروبا وللعالم، فانه قد حفظ لها تراثها الثقافي الإغريقي/ الروماني القديم، ثم أعاده إليها عبر الأندلس وصقليا.

وبالارتجاع الى جوهر هذه المناقشة، لا يمكن للمرء استغراب التيار الجارف الذي تحياه الثقافة المقارنة في العالم العربي اليوم، بكل الحقول الثقافية والفنية والعلمية عموماً بتركيز خاص على العناية بالدراسات المقارنة، خصوصاً على مستوى الدراسات الأكاديمية الرفيعة.

هذا اتجاه فكري وذوقي يستحق الرصد والاهتمام والرعاية من قبل أولي الأمر، وسراة القوم لأنه يندرج في جهد العقل العربي الفطن لمعرفة نفسه، ثم، والأهم من ذلك، لرسم صورة ذاتية للنفس: صورة دقيقة المعالم تستحق الاعتزاز والإشاعة والعكس محلياً وإقليمياً وعالمياً.

لذا فأن “الثقافة المقارنة” مهمة للغاية، ليس لمعرفة وتشخيص الذات فقط، وإنما كذلك لرسم صورة ذاتية دقيقة المعالم على سبيل تقديمها لــ”الآخر”، بناءً على تتبع التوازيات والتقاطعات، رغم وجود الكثير من اللغط والمفاهيم الخاطئة والمنظورات الجاهزة المسبقة التي شوهت “الدراسات المقارنة” واختطفتها من حقل عملها الصحيح، لاسيما عبر الأكاديميات العربية، درجة إجهاضها وإحالتها الى حقول بحثية مثقلة بالنرجسية وباطراء الذات وبالخيلاء المفرط، دع عنك ذلك الميل القوي لحرفها عن أهدافها الأساس الى التفضيلات واعتماد درجات المقارنة المعيارية الجارفة، على سبيل إطراء الذات.

من هنا جاءت بواعث العارفين بهذا الحقل الحيوي من النشاط الذهني بالعمل على إزالة بعض الأخطاء وتصحيح البعض الآخر ليمنعوا التمادي بما جاء أعلاه حتى حدود الانحياز وضياع الحيادية، بل وفقدان رؤيا الدراسات المقارنة الجوهرية.

 

أ.د. محمد الدعمي - كاتب واكاديمي عراقي

 

 

wedad farhanمر علينا يوم 23 نيسان صامتا دون أن نلتفت اليه رغم أهميته لأنه يشكل عيدا احتفاليا منذ أن قررت اليونسكو في العام 1995اعتماده يوما عالميا للكتاب.

تأتي أهمية الكتاب منذ القدم من خلال تشييد المكتبات التي تعكس حضارات الشعوب وثقافاتهم.

وأولت الحكومات الوطنية عبر التاريخ اهتماما بالغا بنقل معرفة الحضارات الأخرى من خلال الترجمة وتأسيس مجمعات علمية ترعى فيها الجوانب الفلسفية لمصادر التدوين الحضاري بمختلف مناحي المعرفة والعلوم والثقافة.

فبالإضافة الى أهميته كمحور في التربية والتعليم، يعتبر الكتاب أداة ترفيهية مهمة وشريك لسد الفراغ، ماعدا أهميته في تقدّم الإنسان ورقيّه حتى أن نهل المعرفة منه تنعكس على شخصية المتلقي.

وكان لمكتبة بغداد في العصر العباسي الدور العظيم في تعريف العالم بثقافة وادي الرافدين من خلال ازدهارها إذ احتوت الملايين من المجلدات في زمن لم يكن للطباعة يد في انتاجها حيث ترجمت الكتب من اليونانية والسريانية والهندية والسنسكريتية والفارسية واللاتينية وغيرها الى اللغة العربية.

مثلهم كالمغول، الذين ألقوا بكتب بغداد جميعا في نهر دجله، قام الداعشيون بإتلاف كل ما يمت للعلم والمعرفة والتاريخ، لا لشيء سوى أنهم لا يقرأون ولا يريدون التعلم... هدفهم الوحيد التخريب وحجب كل ما له صلة في فتح منافذ النور في عقل الانسان.

وفي الوقت الذي يجتهد البعض في خلق مناسبات للكتاب في العراق مثل "أنا أقرأ"، نتمنى أن يعود الكتاب الى حياته شريكا لكل عراقي وخير جليس، في الوقت الذي ننحني لمن يشعل في طريق المعرفة شمعة من خلال التبرع بالكتب الى الجامعات المنهوبة كي يعاد لها النور، فالعلم نور نحتاج اضاءاته في حياتنا الراهنة.

 

وداد فرحان - سيدني

 

faroq mawasiأثار الصديق ب. عز الدين المناصرة قصة وفاء السموءل بن عادياء "اليهودي" ، وشكك فيها في كتابه الذي صدر حديثًا: (امرؤ القيس الكندي- شاعر العربية الأول) والعنوان الفرعي: "امرؤ القيس ليس امرأ القيس"، حيث يقول فيه:

"أما القصة فهي أن امرأ القيس في تجواله بين قبائل العرب لمساندته لاسترداد مُلك آبائه وأجداده، زار حصن تيماء، وَرَهنَ دروعَه  لدى المرابي اليهودي (صموئيل أو السموأل) في حصن تيماء، بعد أن اقترح عليه السموأل أن يزور إمبراطور الروم في القُسطنطينية – (جستنيان)، لعلَّه يسانده بجيش لاسترداد ملكه في نجد. وكتب له رسالة توصية إلى (الحارث الغسّاني) حليف الروم، لكي يصل إلى القيصر.

والحقيقة هي أن السموأل تواطأ مع الحارث الغسّاني، على الغدر بـ (امرئ القيس)، وكان الوسيط هو (الربيع الفزاري)، الصديق المشترك بينهما. والدليل القاطع هو أن ورثة امرئ القيس بعد موته، طالبوا السموأل بتسليمهم الدُروع، لكن السموأل أنكر أنها عنده.

أما قصة مقتل ابن السموأل، لأن الأب رفض تسليم الدروع، فهي كذبة كُبرى، مؤلفها هو دارم بن عقال. والفكرة الأساسية في هذه القصة ليست الدروع، بل هي أن السموأل هو صاحب فكرة اقتراح زيارة الإمبراطور جستنيان".

...

طبعًا هناك آراء خطيرة ومثيرة في كلام د. عز الدين- شاعر الكنعانية أبي كرمل، فلندعها للمتخصصين، وللمتقصّين في التاريخ.

نعود إلى اللامية الرائعة وبحق، وهي التي نسبت إلى السموءل، ومطلعها:

إذا المرء لم يدنسْ من اللؤم عِرضه***   فكـل رداء يرتديــــه جميل

وإن هو لم يحمِل على النفس ضَيمها***  فليس له إلى حسن الثناء سبيل

تعيّرنا أنا قليـــــل عديدُنا  *** فقلت لهــــــا إن الكـرام قليل

وما ضرنا أنا قليـــل وجارنا *** عزيز وجـــار الأكثرين ذليـــل

..

فهل السموءل هو في الأصل شْموئِيل (שְׁמוּאֵל)؟

أولاً، من هو؟

عاش  السموءل في النصف الأول من القرن السادس الميلادي (ت. 65 قبل الهجرة)، وهو من سكان خيبر، ولكنه كان يتنقل بينها وبين حصن له هو (الأبْلق) في تَيماء، وكان الأبلق قد بناه والده عادياء، بدليل قوله:

بنى لي عاديا حصنًا حصينًا *** وعينًا كلما شئت استقيت

وفيت بأدرع الكندي إني *** إذا ما خان أقوام وفيت

..

تنسب اٍليه في معظم كتب الأدب قصة الوفاء مع امرئ القيس، حيث قدم إليه امرؤ القيس بن حُجْر الكندي، وكان قد عجز عن الأخذ بثأر أبيه. فلما عزم الذهاب إلى قيصر الروم ليستنجد به توجه أولا إلى السموءل وأمّنه دروعًا ثمينة، وترك أهله في حماه.

بعد حين طوّق حصنَ السموءل أحدُ الملوك ممن له ثأر على امرئ القيس، طالبًا تسليمه دروع امرئ القيس وأهله، فرفض السموءل ذلك رفضًا قاطعًا، وقال: ما كنت لأخفرَ ذمّتي وأخون أمانتي. فظل الملك محاصرًا حتى إذا حضر أحد أبناء السموءل من رحلة صيد قبض عليه الملك ونادى السموءل: هذا ابنك معي، فإما أن تسلمني ما لديك، وإما أن أقتله!

رفض السموءل تسليم الأمانة فذُبح ابنه (حُوط)  أمام الحصن.

 ثم عاد  الملك بجيشه من حيث أتى من غير أن يحصل على بغيته.

...

سجل الأعشى هذه الحكاية  كاملة (21 بيتًا) في مدحه لأحد أحفاد السموءل، وهو شُرَيح بن حِصن، ويُذكر في (ديوان الأعشى) أن الملك هو الحارث بن ظالم أو ابن شمر الغساني، وذلك  بقوله:

شُرَيح لا تتركنّي بعد ما علِقتْ *** حبالَك اليوم بعد القِـدِّ أظفاري

كن كالسموءل إذ طاف الهُمام به ***  في جحفل كسواد الليل جرار

بالأبلق الفرد من تيماءَ منزلُه *** حصنٌ حصينٌ وجارٌ غيرُ غدّار

..

فقال غدرٌ وثكلٌ أنت بينهما *** فاختر وما فيهما حظٌّ لمختار

فشكّ غير قليل ثم قال له *** اقتلْ أسيرَكَ إني مانع جاري

وقال لا أشتري عاراً بمكرُمة *** فاختارَ مكرمة الدنيا على العار

فضُرب به المثل: أوفى من السموءل.

(انظر قصة القصيدة في  ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ج1، ص 261، وفي معجم البلدان لياقوت الحموي- مادة أبلق، وفي مجمع الأمثال للميداني- رقم 4432).

...

من اللامية ما يُعزى إلى شعراء آخرين، منهم عبد الملك بن عبد الرحيم الأزدي، وهو شاعر إسلامي (انظر: الأغاني، ج 3، ص 109- دار الفكر).

بل من العجيب أن الأصفهاني يقول عن "غَريض اليهودي وهو السموءل بن عادياء"-

(م.س).

..

ينسب بعض الرواة بيتين من القصيدة المذكورة إلى شاعر إسلامي آخر يسمى "دُكَين" الراجز.

 (الأغاني ج 9، ص 300 – طبعة دار الفكر، والبيت الثاني صدره: "وإن هو لم يرفع عن اللؤم نفسه"، كما يذكر البيتين ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"- ج2، ص 612، أنهما لدُكين بن جابر، فيروي صدر البيت الثاني:

"وإن هو لم يضرعْ عن اللؤم نفسه".)

..

ولا يستبعد بعض المستشرقين احتمال كون السموءل من أصل عربي،  فقيل هو من غسان،  تهود في جملة من تهود من العرب، لا سيما أن في منطقة يثرب أحياء نص على أصلها العربي، دخلت في هذا الدين.

ويظل السؤال عن (بني الدّيّان) المذكورين في القصيدة وهو يفخر بهم، هل هم يهود أم لا.

(للتوسع انظر: جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 3، ص 374 وما بعدها، وكذلك ج6، ص 574).

..

ثم إن الأعشى ذكر السموءل ثانية في قصيدة أخرى، ويذكر أن باني الحصن هو سليمان الحكيم:

ولا عاديا لم يمنع الموت ما له *** وحصن بتيماء اليهودي أبلق

بناه سليمان بن داود حِقبةً *** له أزَجٌ عالٍ وطَيٌّ موثَّق

يوازي كُبيداء السماء ودونَه *** بلاط ودارات وكلس وخندق

وهذا ما يشير إلى يهودية السموءل، وهو يشير أيضًا إلى غنى عادياء وكثرة ماله، ولكنه كما ذكرت يرى أن سليمان هو الذي بناه، وليس عاديا أباه، وقد  فخر به في قصيدته:

بنى لي عاديا حصنا حصينًا...

عُرف حصن السموءل بالأبلق، وبالأبلق الفرد، وهو حصن مشرف على تيماء، وقد ذكر الإخباريون أنه دُعي بالأبلق، لأنه كان في بنائه بياض وحمرة.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

ali mohamadalyousifهل يستطيع المثقف العربي العيش وسط مجتمع متخلف؟! سؤال قرأته للمفكر العربي د. عبد الله عبد الدايم قبل اكثر من ربع قرن مضى، وصادفتني مقولة للكاتب والروائي الانكليزي كولن ويلسون في ذات المنحى حينما تساءل: هل يصنع الحياة اولئك الذين يحبون صنع الكلمات، ام الذين يحبون صنع الحياة؟! واضاف ان المجتمع يموت برأسه وليس من قدميه.

ولكي لا تذهب بنا التفاصيل من وضع اجابة محددة سطحية لاتتعدى كلمة او كلمتين، نظلم بها الاستاذ المتسائل عبدالله الدايم كما نظلم عن قصد وقصور فهم انفسنا في تساؤله العميق وتاشيره آفة مجتمعية رجعية تاكل حاضر ومستقبل الوطن العربي .وبصرف النظر عن اي نوع من المثقف او المثقفين يقصدهم الاستاذ عبدالله الدايم في تساؤله، وبغض النظر ايضا عن درجة ومستوى ايا من المجتمعات العربية المتخلفة يقصد .فالمجتمعات العربية وان كان يجمعها التخلف كافة، لكن يفرقها درجة ومستوى التخلف، وفي اي الجوانب من اساليب حياتها نجده .فتخلف المجتمع الصومالي هو قطعا غيره ولا يشبهه تخلف مجتمعات عربية اخرى، كالسعودية، مصر، العراق، ليبيا، اليمن، وهكذا.

وفي تحاشي الانزلاق في تفاصيل لا حصر لها من التباينات والاختلافات في دراسة التخلف في الوطن العربي، سناخذ نموذجين جاهزين من مثقفي التخلف، تاركين تقصي اسباب تخلف المجتمعات العربية لذوي الاختصاص والدراية .

في النموذج الاول من مثقفي التخلف، نجد انه لا يستلزم اصلا الحاجة له مجتمعيا، وتنتفي حاجة بقائه وسط مجتمع متخلف يحتاجه، لان ثقافة هذا المثقف غاطسة مفهوما، معرفة، ممارسة، سلوكا، تطبيقا، وتعاملا مع الاخرين والحياة،  هي واقعة في دائرة الجدل والشد والجذب بين اصالة ثقافية قد يحملها او يدعيها، اوضحالة ثقافية انتفاعية متسلقة غير مسؤولة  ولا ملتزمة، يتباهى بحملها في المناسبات الاستعراضية الاعلامية او الثقافية، ويباهي استغفال الناس بها .

فهو بدءا لايعرف وطنه في محنه ومآسيه وكوارثه، تاركا اياه اما مهاجرا عنه، او منعزلا عنه لايهمه امره في قضية او مصير .واذا ما هيئت له هالة من الاضواء المنافقة في التسويق، عندها يشهر استاذيته الثقافية، وتنحصر مسؤوليته المجتمعية، بمواعظه الانشائية، ونصائحه الكتابية او تحليلاته الاستراتيجية الفضائية اما من احدى عواصم العالم الذي استجدى موافقة الاقامة فيها .او من وراء جدران الجامعات والمؤسسات الثقافية والاعلامية رسمية كانت او غير رسمية

التي تمنح الرواتب والامتيازات بما يليق به كاحد النخب الاكاديمية الاجتماعية وبذلك ياتي بالمرتبة الثانية بعد اعضاء حاشية السلطة وازلامها من المرتزقة السياسين. الذين يتاجرون بمصائر شعوبهم.

اما النوع الثقافي الثاني المستنسخ عن الحالة الاولى التي مررنا بها ويستبطنها فهم التساؤل في المراد  تحقيقه  نجد ايضا لاجدوى من مثقف يحمل افكارا (اسفارا) او موهبة في جنس ادبي واحد او اكثر ويجد في هذا التمايز المجتمعي الثقافي حقيقيا ام زائفا تبعا لما يمتلكه طريقا سالكا نحو الشهرة والحصول على الامتيازات بالمتاح امامه من وسائل تسويق  تلميع خادعة مخاتلة على حساب توظيف الموهبة الحقيقية في محاربة التخلف 0  فنجده في ازدواجيته انفصام الثقافة عن السلوك والممارسة والعلاقات مع غيره اجتماعيا بما يماشي التخلف والمخطوء في الحياة ويانس التراجع المجتمعي العام  لينأى بنفسه عن دوخة الراس وتجنب المتاعب وقد يجد او لايجد في موقفه المتخاذل هذا انه مشارك اساسي في  صناعة وادامة التخلف  الاجتماعي على انه من طبائع الامور التي لا يمتلك الانسان وسيلة تغييره .فيصبح مفهوم الثقافة عند كلا النموذجين الثقافيين يحتاج الى تساؤلات ادانة عديدة، واشارات استياء لان الثقافة تحولت عندهما من ثقافة الاسهام في بناء مصير ومستقبل بلد يعيش الكوارث والمآسي يوميا، الى ثقافة هامش استعراضي رخيص في لفت الانظار والظهور الاعلامي التسويقي في ابشع صورة امتهان للثقافة الجادة واستغفال المجموع الشعبي من شرائح الامية الثقافية او شرائح الامية الابجدية المتخلفة.

هنا نصل لتساؤل مفصلي اين يكمن الخطأ ؟ بالمثقف المزيف ام بالمجتمع المتخلف؟ ام بكليهما معا المثقف والمجتمع،  وكيف تكون المعالجة؟ وهل تلازمهما العضوي المتماسك في اعتياش احدهما على تخلف الاخر يكمل بعضه بعضا، وبالتالي يكون مطمح مجاوزة التخلف اكذوبة يتقبلها المثقف كممارسة انتهازية انتفاعية، كما يتقبلها المجتمع المتخلف كنوع من الحياة المقسومة المفروضة قهريا يتحتم ان يعيشها ويحتملها حتى لو كانت الوأد  للحياة في ادنى مراتبها الانسانية .لذا يصبح لدينا معادلة متكافئة هي اينما تجد مجتمعا متخلفا،  تجد ثقافة ضحلة تعتاش عليه وتساهم في صنعه وادامته .ولا نستغرب اذا ما وجدنا سياسيا متخلفا ثقافيا يسلك كل الطرق وراء جمع المال وكسب الامتيازات فقط على حساب المجتمع المتخلف المحروم وقل مثل ذلك في كل مناحي الحياة التي يسودها التخلف والفساد، حين تجد الكثيرين من الذين يصرون على سيادة القناعات والسلوكيات الخاطئة وتعميمها،  لان في تفشيها اجتماعيا انما تمثل عندهم الحبل السري في تغذية بقائهم وتمرير جميع ممارساتهم المحرمة في حق مجتمعاتهم .

اصبح عندنا في جميع صنوفه والوانه هو وسيلة كسب الشهرة وجمع الملايين،  ولم يعد الفن لا في خدمة الفن ولا من اجل الحياة،  ففناني الغناء والرقص ومافيات الجنس المقنعة والمفضوحة، حتى بعض فناني التشكيل والرسم، والتمثيل والمسرح والرياضة الخ ..فهم جميعا مشغولون في التسابق الى (عرب خليجي) فهناك وبكل الوسائل المعلنة والخفية يجري اقامة بناء ثقافة متخلفة هابطة ابتذالية مليونية تستقطب غالبية طالبي الشهرة الفاشلين من الفنانين العرب ومن ضمنهم تشترى اسماء معروفة ثقافيا وفنيا جادة بالمال كي توظف في التنكر لقضايا مجتمعاتها المصيرية وتنكرها لضميرها في خلط الاوراق والحقائق.

ويقف على هرم مسؤولية هذا البناء الثقافي التافه اشخاص جهلة يشترون كل شيء بالمال الحكومي الذي يغدق عليهم في المسابقات غير النزيهة وتوزيع الجوائز المزاجية،  وعقد المؤتمرات واقامة البرامج والحفلات الغنائية التي تستقطب وتصرف شعوب الوطن العربي عن حقيقة تخلفها الثقافي الحضاري وتعطيل دور الفنون والرياضة وغيرها ان تكون عوامل هادفة لتحفيز يقظة الشعوب العربية ولا علاقة لهذه الانواع من الانشطة بالثقافة والفنون والرياضة  التجارية بمصائب وكوارث الوطن العربي ان لم يكن توظيفها اسهاما مقصودا في ادامة وتعميق هذه الكوارث فقط خارج مجتمعاتهم، ويوجد وللاسف من المثقفين والفنانين والرياضيين العرب من يبيع وطنه وامته في مقابل عقد عمل في احدى دول الخليج لمدة عام وما اكثرهم في مقدمتهم العراقيين واللبنانيين والمصريين من المثقفين والفنانين والعاملين في الوسط الرياضي.

 

علي محمد اليوسف - الموصل

 

alkabir aldasisiعندما يطلب من قارئ نهم، وكاتب متواضع نيف على الخمسين سنة، أن يحكي عن تجربته مع القراءة والكتابة، فذلك أشبه  بأن تطلبوا من رجل تلخيص نوعية وكمية وأذواق .. كل المأكولات والمشروبات التي تناولها في حياته... وإن كان الكتاب إكسير حياة، بلسم نذوب الزمن، أجل طعام وأنفع غذاء للفكر الإنساني...  

لا أخفيكم سرا إذا قلت لكم أنه لولا الكاتبة والقراءة لكنت وقعت منذ زمن طويل فريسة لليأس والقنوط، لأنهما من أهم المتع التي لا زيف فيها، المتعة التي تبقى بعد  أن تتلاشى كل المتع الأخرى، متعة الكتاب الصديق الوحيد الذي ما خلف يوما موعدا، يظل  دائما كلما حملته مصدر نور يتلألأ بين يدي،  إنه بالنسبة لي العبد المعبود والمعبد مَن غيره  ينبر ولا يستنير، يعلم  يصنع العقول، ويربي الأذواق  بصمت الحكماء دون أن يرفع صوتا أو سوطا ...

 الكتاب يصنع إنسانا قارئا.. والإنسان القارئ إنسان مفعم بالحياة، تجعله القراءة خفيف الظل، مرهف الحواس فما من شيء كبر حجمه و زادت كثلته إلا زاد ثقله إلا العلم والقراءة فكلما زدت قراءة زدت تواضعا وزدت احتقارا لنفسك. وكلما أخذت علما أكثر كلما خف حمله.. واعلموا أن كل كتاب تقرأونه قد نقش بدماء كاتبه، لخص فيه تجاربه، وعصر عقله وقلبه ليقدم حياة .. فأقرءوا تعشوا حياتكم، واكتبوا تخلدوا فالذي يكتب لا يموت... أين الملوك والقياصرة والفراعنة .. ومن خلد اسمه في التاريخ منهم فبفضل كاتب....

الكتاب صديق، أب و معلم صامت لا ينفعل مهما كانت ردود فعلنا تجاهه لذلك لا شيء يجدد روحي .. ويوقظ مشاعري .. ويجعل لحياتي معنىً إلا الــ (قراءة) ... والكتابة تعطني حق المواطنة في ديمقراطية النصوص الخالدة،  القراءة تحقق لذة، لا يتذوقها كل البشر لأن الكتابة تجعلك من الخاصة وتبعدك عن العامة الغوغاء التي لا تعرف سوى الاستهلاك والنوم... إن الكتابة طريقة في أن يكون الإنسان فاعلا ومنفعلا ومتفاعلا إيجابيا في ذات الآن...  وتجعله حاضرا في الغياب....

الكتابة تجعل لصوتك ذبذبات غير قالبة للتلاشي، بل تمنح ذبذبات صوتك رنينا يزداد كلما اتسع المدى، ترمي بك في طموحات روحية، حيث المثل اليوتوبية ... تلوي أعناق الحاضر بالنوسالجيا ... إنها العزاء الوحيد في عالم يشعر فيه الإنسان بالوحدة وسط الحشود الغفيرة...

 في هذا الزمن المادي تصبح الكتابة بعثا للحياة داخل الموت ويصبح أقصى ما يطمع فيه الكاتب هو موت ممتع، بعد أن غدت تحاصره المادة والعلوم وأصبح الأدب في نظر الأغلبية مرادفا للامعنى واللاشيء..  والأديب - ليس من الأغلبية وإن تكلم بلسانها -  يجد متعته في أن يرى كل المعاني في اللامعنى لذلك تصبح سعادة الكاتب هي أن يجد أدبا مستحيلا عصيا  على الآخرين،  كتابة تخيف وترعب التقليدين الخائفين من هذا المستحيل، وقد تصبح هذه الكتابة أكثر استحالة عندما تتحلل من الأشكال ومن النمطية لتأخذ شكلا هلاميا يتسلل عبر المسام  يخدر ويؤثر دون ألم، يفعل مفعوله بالشكل والحجم الذي يريده الكاتب ولكل كتابة تأثيرها اليوم أو غدا فلا كتابة بيضاء...

وإذا كانت اللغة للجميع فإن الكاتب يكسبها شحنة موجبة فتحوله من قارئ إلى كاتب، و الكاتب  ليس سوى قارئ يكتب مولد للمعاني ومانح التعدد للمفرد، يعطي عدة معاني للنص الواحد بل يناسل  المعاني من الكلمة الواحدة....

عندما أقرأ كتاب أشعرني عريسا يدخل قفصا ذهبيا اختاره بنفسه،  متعبدا داخل خلوة صوفية التكتاب فيها معبود ومعبد.. وعندما أكتب تصبح الكتابة حرية تخلصني من الزمن، وتحطم أمام عيني حدود المكان، لأقف ساخرا:  يا زمن يا لعين خذا أبائي خذ أولادي خذ ما بنيت واشتريت...  خدني  لكن اعلم أنني بهذه اللطخة السوداء وهذه الحروف المزروعة  في عبث ترسخ سرمديتي ... أتحداك وإن سجتني في المكان، أن تنهي زنين حروفي في الزمان...

 بالكتابة أطير عبر كل الأقطار وأسافر عبر كل الأزمان...  ومَن غير الكتابة يعطيك قوة التحليق يطالعك العرب بين الألمان والأمريكان والمنسيين في غرب أو شرقستان ...

الكتابة إذن خلود لأن ما يُكتب يحفظ و يبقَى... و ما يقال تذرهُ الرياح والنسيان، أقرءوا كثيرا واكتبوا ما استطعتم لذلك سبيلا...فعندما تقرءون  تستقبلون المعاني بقلبكم، وعندما يصبح قلبكم مجمع كل الحواس وتصابون بعدوى القراءة، تصبح قراءة أخر صفحة في كل كتاب تشعركم بفقدان  صديق... وعندما  تجلسون للكتابة لن تتذكرون من إلا الأصدقاء الأعزاء، ولن تكتبوا إلا حول أحسن ما قرأتم...

 فصاحبوا الكتاب تسلموا واعلموا إن كُل مصحوبٍ ذو هفوات، قد تأتيك منه نكبات،  إلا الكتاب فهو مأمون العثرات...  ومهما كانت تفاهة كتاب لا بد أن يكون له تأثير و إخصاب للذهن ... لأن الكتب عصارة الفكر ونتاج العلم وخلاصة الفهم ودوحة التجارب وعطية القرائح وثمرة العبقريات.... إنها النوافذ التي تطلون  منها على عالم الخيال  وعلى الماضي والمستقبل... والإنسان الذي ما طالع في حياته كتابا بيت بلا نوافذ، وسرداب بدون منافذ...

اقرئوا وأطلوا على أعماقكم وعلى العوالم الممكنة والمستحيلة... وافتحوا النوافذ لأشعة شمس المعرفة، فالقراءة والكتابة وحدهما سعادة الحضارة وربيع الحياة .... بالكتابة بدأ التاريخ... بدونها يخرس الإبداع، يتحجر الفكر وينتهي التاريخ.... لذلك انظروا إلى الكتاب كخير سلاح لقتل الضجر، وملء الفراغ وتحقيق مجد لا يورث، ووحظ لا يقسم بالأزلام و وواقع لا يُرى في المنام... 

‏ واعلموا أن من لم تكن نفقته على الكتب ألذ عنده من إنفاق الندامى على الخمر ونفقة العشاق على القيان لن يكون قارئا عاشقا...  والقارئ العاشق لا توحشه خلوة وما شعر يوما بغربة، ولا فاتته سلوى، لأن القراءة عنده عبادة والكتابة خلود والجمع بينهما تكريم للإنسان، امتلاك البصيرة، تهذيب للنفس وتنمية العقل وتوسيع المدارك...

في الأخير  أقول لكم أبنائي أن الكتاب مصدر فرحتي وسعادتي، وفرحتي بكتاب وجدته بعد  بحث طويل  قد تكون أعظم من فرحة من وقع على كنز.. إن البحث والتنقيب والقراءة والكتابة يحيلان القراءة رياضة عقلية ونفسية، إحساسا بالأنس، تلذذا بالمتعة، إراحة للأعصاب وتنمية لقدرات التواصل الفعال، وحدها القراءة تصنع رجلاً كاملاً عميقاً ومترفعا... والقراءة مع الكتابة و الدربة تجعل القارئ ناقدا قاردا على مساءلة الكتب المنصوبة منارات في عتمات هذا الزمن المظلم، وتخلصه من التبعية لأنها تمنحه  حرية أن يقرأ ما يختار، ولن يختار إلا ما يعجبه، وما يعجبه  أكيد يسعده ولا هدف في هذه الدنيا  غير العيش السعادة

هذه  بإيجاز تجربتي مع الكتابة، الكتابة تجعل الفردي النفسي المخبأ في الأعماق سوسيولوجيا عاما، من خلال البوح واللارتماء على أديم الأوراق البيضاء وتجعل الذات منشورة تتناسل عبر الكلمات والمفاهيم فلا يعدو الكاتب مهتما لردود فعل الآخرين... أنا كتبت وليعلم من أعجبه ما أكتب أني في كثير من المرات لا يعجبني ما كتبت... ولا يمكن لأي كاتب أن يعجب كل الناس وتلك لذة الكتابة...

 

ذ. الكبير الداديسي

....................

- أعدت هذه الكلمة بمناسبة الاحتفال بيوم الكتاب وقد رعي فيها طبيعة الفئة المستهدفة  فكثر فيها الاقتباس وتوجيه لرسائل للناشئة

 

 

mustafa maroufiإن الكاتب وهو ينشر في الناس ما يكتبه يريد أن يبلغ رسالة تحمل أفكاره وآراءه في مجموعة من الأمور تتعلق بمناح متعددة من الحياة، وهو إذ يفعل ذلك فإنه يتوخى ويحب أ ن يصل رأيه إلى الناس كما هو دون مواربة ودون إبهام، ولعل القارئ يتفق معي في كون أن كل رأسمال الكاتب هو أفكاره وآراؤه كما هي ماثلة في نصوصه، وهو يريدها أن تكون له وأن تنسب إليه دائما وأبدا.

أحيانا يجد الكاتب نفسه متضايقا ومتذمرا من بعض التصرفات التي يراها تمس حقه في أن ينسب إليه ما هو له، يرى ذلك عندما يجد شخصا نقل عنه قولا بين علامتي الاقتباس دون أن ينسبه إليه شخصيا بالتنصيص على اسمه.

إن الشخص الذي يكتب نصا ثم يضمنه قولا أو رأيا مقتبسا من كاتب ما، ثم لا يشير إلى اسم ذلك الكاتب يكون قد ارتكب خطأ فادحا مرتين، مرة في حق الكاتب صاحب الرأي المقتبس، ومرة في حق نفسه، وذلك عندما يسلبها إحدى الصفات النبيلة التي يتوخى كل كاتب يستشعر المسؤولية التحلي بها، وهي صفة الأمانة العلمية، ولا أخفي سرا إذا قلت بأنني شخصيا أعتبر مثل هذا التصرف -عدم ذكر اسم المصدر المقتبس منه - سطوا على ملكية الغير، وخيانة للقارئ وتلبيسا عليه وإغماطا له في حق معرفة المصدر المقتبس منه حتى يضع ذلك الاقتباس في سياقه ضمن المنظومة الفكرية والمذهبية لصاحبه، ولا يخفى أن عدم التنصيص على مصدر الاقتباس قد تكمن فيه خطورة بالغة، وذلك عندما يكتشف القارئ أن الرأي المقتبس هو لكاتب له أيديولوجية معينة لا يرتضيها لأنها لا تتماشى مع ثقافته ولا مع قناعاته التي تشرّبها، فهذا القارئ سيجدنفسه قد مورس عليه نوع من التعمية والاستغباء من طرف الشخص الذي أورد الاقتباس دون أن يكلف نفسه الإشارة إلى مصدره، لأنه -القارئ-يعلم أن مثل هذه الاقتباسات عادة ما تكون في غالبيتها مبتورة عن السياق الأصلي الذي وردت فيه، وبالتالي تكون قد أفرغت من محتواها الذي أراده لها كاتبها، ولتوضيح هذه الفكرة أطرح هذا التساؤل :

+هل مفهوم الحرية مثلا هو واحد لدى كل الكتاب على اختلاف مذاهبهم الفكرية والأديولوجية؟

إن كاتبا إسلاميا يتحدث عن الحرية سيكون غير منسجم مع نفسه إذا ما اقتبس عن كاتب شيوعي ما يعضد رأيه ويدعمه إلاإذا بتره وأخرجه عن السياق الذي ورد فيه، والسبب أن مفهوم الحرية ليس واحدا لدى الكاتبين.

وإذاً فالتنصيص على اسم مصدر الاقتباس فيه فائدة كبيرة تتمثل في تنوير القارئ وجعله على بينة من الرأي المقتبس أو الفكرة المقتبسة، فأنا قد أقرأ نصا يحتوي على اقتباس، وأجد ذلك الاقتباس منسجما مع مضمون النص ومتناغما معه، لكن بمجرد ما أعرف مصدر الاقتباس حتى أبادر إلى إعادة النظر في النص والحكم عليه بما يقتضيه الموقف الجديد، كما أبادر إلى تصنيف صاحبه في خانة معينة، وقد أذهب إلى أنه كاتب تلفيقي يتخذ من المصادرة على المطلوب عكازة يتكئ عليها.كما أنني قد أجد الاقتباس نابيا ونافرا عن سياق النص حتى ولو كان يبدو صوريا أنه متساوق ومنسجم معه لعلمي بالخلفية الثقافية التي صدر عنها كلا الكاتبين :كاتب النص والكاتب المقتبس منه.

و أنا أتحدث عن الاقتباس لا بدأن أذكر أن بعض المقتبسين يلجأون أحيانا إلى أسلوب التعميم، وذلك عندا يتحدثون عن الشخص المقتبس منه بصيغة الجمع، فيقولون مثلاهناك أشخاص يقولون أو فئة تقول".......". مع أن الشخص المقتبس منه معروف لدى المقتبس -بكسر الباء-.

ثم هناك بعض المقتبسين الذين هم في الواقع منتحلون، بحيث يستعملون أسلوبا فيه شيئ من الدهاء، وهو أسلوب إن كان يجوز على البعض وتنطلي حيلته عليهم فهو قطعا لا يجوز على الكل ولا تنطلي حيلته على الجميع، وهو أن المقتبس يورد اقتباسا لكاتب من نص أوكتاب، وبعد أن ينص على اسم صاحبه أو مصدره يشرع في انتحال أفكار المقتبس منه الواردة في نصه أو في كتابه دون أن يشير إلى ذلك، وبعد أن يكون قد أغلق علامتي الاقتباس من قبل، وهذا أمر غاية في الاستخفاف بالقارئ، وغاية في الترامي على الملكية الفكرية للغير.

في ختام هذا المقال أريد أن أشير إلى أنه لا ينبغي أن نتساهل في مسألة الاقتباس حتى نبرئ ذمتنا ونبقى أمناء مع أنفسنا ومع القارئ كذلك.

مصطفى معروفي

 

faroq mawasiورد في كتاب الذهبي (سِير أعلام النبلاء)- الطبقة السادسة - في مادة "معن بن زائدة":

معن بن زائدة

أمير العرب أبو الوليد الشيباني، أحد أبطال الإسلام، وعين الأجواد. 

كان من أمراء متولّي العراقين- يزيد بن عمر بن هبيرة، فلما تملك آل العباس، اختفى معن مدة، والطلب عليه حثيث، فلما كان يوم خروج الريوندية والخراسانية على المنصور، وحمي القتال، وحار المنصور في أمره، ظهر معن، وقاتل الريوندية،  فكان النصر على يده، وهو مقنّع في الحديد، فقال المنصور: " ويحك! من تكون؟"، فكشف لثامه، وقال: "أنا طِلبتك معن".

 فسرّ به، وقدمه وعظمه، ثم ولاه اليمن وغيرها.

قال بعضهم: دخل معن على المنصور ، فقال له: "كبرت سنك يا معن".

قال:" في طاعتك" .

قال المنصور: "إنك لتتجلد".

 قال: "لأعدائك.

قال: "وإن فيك لبقية".

قال: "هي لك يا أمير المؤمنين".

نلاحظ هنا أن أجوبته بلاغية هي في باب (أسلوب الحكيم)

ثم إنه ولي سجستان،  وقد ثبت عليه خوارج وهو يحتجم، فقتلوه.

كرم معن بن زائدة

عرف عن معن بن زائدة القائد العربي الشهير انه من أوسع الناس حلمًا و جودًا و عفوًا عن زلات الناس.

سأسوق  قصة طريفة ذكرتها كتب الأدب:

عندما ولاه أبو جعفر المنصور على اليمن تذاكر جماعة فيما بينهم أخبار معن وحلمه وسعة صدره وكرمه، وبالغوا في ذلك، وكان من بينهم أعرابي أخد على نفسه أن يغضبه، فأنكروا عليه ذلك، ووعدوه مائة بعير إن أغضب معنًا ونجح في ذلك .

عمد الاعرابي إلى بعير فسلخه، وارتدى جلده، وجعل ظاهره باطنًا و باطنه ظاهرًا، و دخل على معن، ولم يسلّم، فلم يُعره معن انتباهه، فأنشأ الرجل يقول:

أتذكرإذ لحافك جلدُ شاة *** وإذ نعلاك من جلد البعير

قال معن:  أذكره ولا أنساه، و الحمد لله.

 فقال الأعرابي:

فسبحان الذي أعطاك ملكًا ***  وعلّمك الجلوس على السرير

فقال معن:  إن الله يعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء.

 فقال الأعرابي:

فلست مسلّمًا ماعشتُ دهرًا *** على معن بتسليم الأمير

فقال معن:

 السلام سنّة يا أخا العرب.

فقال الأعرابي:

سأرحل عن بلاد أنت فيها *** ولو جار الزمان على الفقير

فقال معن: إن جاورتنا فمرحبًا بالإقامة، وإن جاوزتنا فمصحوبًا بالسلامة!

 فقال الأعرابي:

فجُـدْ لي يابنَ ناقصة بمال *** فإني قد عزمت على المسير

(اسم أمه زائدة، فجعلها الأعرابي= ناقصة)

فقال معن: أعطوه ألف دينار تخفف عنه مشاقّ الأسفار!

 فأخدها، وقال:

قليل ما أتيت به وإني *** لأطمع منك في المال الكثير

 فثنِّ فقد أتاك الملك عفوًا ***  بلا رأي و لا عقل منير

فقال معن: أعطوه ألفًا ثانية ليكون عنا راضيًا!

 فتقدم الأعرابي إليه وقال:

 سألت الله أن يبقيك دهرًا *** فما لك في البرية من نظيرِ

فمنك الجود و الإفضال حقًا *** وفيض يديك كالبحر الغزير

فقال معن: أعطيناه لهجونا ألفين، فأعطوه لمديحنا أربعة!

 فقال الأعرابي: بأبي أيها الأمير ونفسي، فأنت نسيج وحدك في الحلم، ونادرة دهرك في الجود فقد كنت في صفاتك بين مصدق و مكذب، فلما بلوتك صغر الخُبر الخَبر، وأذهب ضعف الشك قوة اليقين، وما بعثني على مافعلت إلا مائة بعير جُعلت لي على إغضابك.

 فقال له الأمير: لا تثريب عليك! وزاد في إكرامه.

(لويس شيخو: مجاني الأدب في حدائق العرب، ج 5، ص 118، وقد وردت في  كتاب ابن العماد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب- مادة: معن بن زائدة).

..

هي قصة من الجدير أن نعلمها لأطفالنا، لما فيها من سعة الصدر وكرم النفس.

..

قلت إن الخلفاء كانوا على علم بالرجل، وبما قيل فيه، فمكانته لدى الشعراء تزاحم مكانتهم، فهل قيل في خليفة مثل هذا الرثاء التالي؟

رثى الحسين بن مُطَير معنًا، فقال:

ألِمّا على معنٍ وقولا لقبره *** سقتك الغوادي مَربَعًا ثم مربعا

فيا قبرَ معن أَنْت أول حُفْرَة ...***  من الأَرْض خُطَّت للسماحة مضجعا

وَيَا قبرَ معن كَيفَ واريت جوده ***  وَقد كَانَ مِنْهُ الْبرُّ وَالْبَحْر مُترَعا

بلَى قد وسعتَ الْجُود والجود ميِّت ***  وَلَو كَانَ حَيًّا ضقتَ حَتَّى تصدَّعا

فَتى عِيْش فِي معروفه بعد مَوته *** كَمَا كَانَ بعد السَّيْل مجْرَاه مرتِعا

وَلما مضى معنٌ مضى الْجُود فانقضى *** وَأصْبح عِرنينُ المكارم أجدعا

(أبو تمام: الحماسة شرح التبريزي، ج1، ص 394)

يقال إن الشاعر مدح بعدها الخليفة المهديّ، فقال له:

كذبت يا فاسق، وهل تركت لأحد بعد قولك في معن ما قلت (وقرأ الخليفة الأبيات).

..

ورثاه مروان بن أبي حفصة بعد أن كان مدحه طويلاً، بمرثيَة مطلعها:

مضى لسبيله معن وأبقى  *** مكارم لن تبيد ولن تُنالا

ومنها:

وكان الناس كلهم لمعنٍ *** إلى أن زار حفرتَه عيالا

وكان كلما مدح خليفة أو أميرًا كان يُقال له:

 "وأنت قلت لمعن:

وقلنا أين نرحل بعد معن *** وقد ذهب النوال فلا نوالا"

وموقف الخليفة المهدي يتكرر مع هذا الشاعر أيضًا، فقد قال له:

"جئت تطلب نوالنا وقد ذهب النوال، لا شيء عندنا، جرّوا برجله!"

ولما أفضت الخلافة إلى الرشيد دخل مروان بن أبي حفصة في جملة الشعراء، فسأله الرشيد: من أنت؟

فلما علم به طلب أن يخرجوه في الحال، قائلاً: لا نوال عندنا!

 

تؤدي الفنانة والإعلامية حنان الهاشم.. من تلفزيون "العراقية" في شبكة الإعلام العراقي، شخصية "كريستين" أمركية، تصور فيلما سينمائيا، عن البدو، في مسلسل "زعتر فاشل الصحراء" تأليف وإخراج عمران التميمي، تمثيل أياد راضي وانعام الربيعي وعلي جابر وسعد خليفة وسولاف وشاهندة.. إنتاج 7c.

تحدثت الهاشم قائلة: "بعد أدائي اللافت في مسلسل "دنيا الورد" تأليف وإخراج الفنان جلال كامل، ونجاحي في تقديم البرامج من "العراقية" سأظهر على المشاهدين، بشخصية فتاة أمريكية، من أصل سوري، قادمة مع زميلها "راضي" يصوران بحث تخرجهما في قسم السينما بكلية فنية في إحدى الجامعات الأمريكية" مؤكدة: "أستفيد من ملامحي الأجنبية وإجادتي اللغات الإنكليزية والألمانية والسويدية، اللواتي يمكنني من تجاوز اللكنة العربية بسهولة؛ إقتراباً من شخصية الفتاة الأجنبية، تضافراً مع نشأتي في أوربا، كلها تجعلني واثقة من نجاحي بأداء الشخصية، ونفاذها الى ذوق الجمهور، شريطة ألا أتكاسلاً إعتماداً على خبرتي العالمية، بل سأتمرن بإشراف الفنان التميمي، كما لو أنني مبتدئة، وألتزم توجيهاته بدقة، تناغما مع زملائي في العمل، وهم نخبة من القامات الفنية.. النجوم". 

• شوط الـ 25

منذ طفولتها، تتباهى الهاشم بجمالها، متوزعة بين الإعلام والتمثيل وإستعدادها للمشاركة، في مسابقات ملكة جمال العراق، قائلة: "حبي لهذه العوالم الثلاثة، هو الصلة الرابطة بينها.. أجد نفسي في التمثيل وتقديم البرامج وإحراز لقب ملكة جمال؛ حاملة رسالة وطني الى العالم، إعتمادا على خفة ظلي وسعة إطلاعي عاكفة على إستحصال المعلومات اللازمة عن كل محور أتناوله؛ كي أحيط به وأتفاعل مع إشتمالاته، آخذة الضيف معي، في سبيل إسعاد المتلقي، وهذا يأتي من هبة روحية أغدقها الرب نعمة سابغة على شخصي، عززتها بالمران المستمر، الذي لن أنقطع عنه مهما بلغت من مستوى".

قطعت حنان شوطا يفوق سنوات عمرها الـ 25، موظفة مواهبها في إقتناص الفرص بذكاء لا يزاحم سوها، سعيا لتطوير نفسها، من دون أن تحط بقدر الآخرين، مؤمنة بأن: "القمة تتسع للجميع.. أنافس ذاتي.. أحثها على المزيد.. أتحداها؛ فأنجح في إستيفاء أدواتي لتأمين متطلبات العمل.. سعياً مطلقاً من دون حدود، أركز على نعمة الجمال الربانية وأعززها بالعلم والعمل الطموح، أقرأ بكثافة في لغاتي الثلاث إضافة للعربية، في ميادين المعرفة والجمال كافة، وخصوصا تحصيلي الأكاديمي.. بكلوريوس تقنيات طبية، الذي مكنني من الفيزياء الميكانيكية والطب، في وقت واحد".

• إبن حيان

عرافة الحفلات، محصورة بها، في مدرسة إبن حيان، بحي الجامعة، الذي نشأت فيه على صوت كاظم الساهر والكنافة وزنود الست، في الأربع شوارع، برفقة والدها الطبيب، بعد موعد العيادة، متواصلة من ضفيرة البنت فائقة الجمال، بضفيرتيها والفستان الوردي البريء، الى إعلامية وفنانة محترفة، ما زالت تردد الأناشيد سادة زميلاتها في السفرات المدرسية، تستقط الأضواء، تنشر الحب فيتمسك بها المحيطون...

بشأن شروط الإعلامية الناجحة قالت: "يجب أن تتوفر على مؤهلات فطرية أولا.. الصوت سعة الرئتين مقبولية الشكل الأذن الموسيقية، تصقلها بتمارين النحو والصوت والإلقاء وضبط مخارج الحروف والتحكم بالإيقاع أثناء الكلام والثقافة العامة.. معرفة شيءٍ من كل شيء والطموح.. طموحي إرتقاء طائرة والعمل مراسلة حربية؛ لتوفري على الشجاعة والأداء الكافيتين لذلك".

تستعد حنان الهاشم لخوض منافسات ملكة الجمال.. محليا، وهي تسعى نحو العالمية، طامحة الى أداء أدور جميلات التاريخ.. أنخيدوانا وعشتار وكليوباترا.. "أقتدي بهن لأنهن ضحايا الحب المخلصات".

 

 بغداد / محمد إسماعيل

 

وأنت ..يا أيها المسمار الذي دُك في صلب الحجر، بيدك المعروقة تحمل المطرقة التي تضرب بها رأسك، لتغوص قدماك في الثبات، محدّداً مكان معتقلك..

وحدها يدك الخاوية تتحرك لتمسك بالأشياء، بمقتضى الأوامر، معلنة أنك على قيد الوجود..

ويمرّ بك المارّون، لا تلفتهم ملامحك، وكأن وجهك صورة تجريدية مسحت منها التفاصيل..

أنا وحدي أراك..تشغلني تجاويفك كثيراً، وأجاهد سمعي لألتقط تنهداتك وزفراتك...

وصلني أنينك منذ آلاف السنين، يوم كانوا يتبادلون الأنخاب، وقرقعة كؤوسهم تنافس قهقهاتهم المعربدة، يحتفلون بقبورهم العظيمة، التي هيأتها أنت لحياتهم الخالدة...

بأي تاريخ وحضارة نباهي ؟

لا أدري لماذا كلما رأيت ميراث السلف يتقاتل فيّ الأصغران؟

لسان يطلقها بإعجاب : الله !  انبهاراً بعظمة الصروح،

وقلب يضخ أنين المتعبين، وآهاتهم المكتومة  التي تعبر عبر شروخ الزمان، أتخيّل شخوص أصحابها، أجساداً منهكة، مصّ شحومها جبابرة القوم، و ما شبعوا...

أعجاز نخل صامدة في فيافي القحط الإنساني..

وما زالت الحياة تدور ..

ولا أدري كيف يقسّمون التاريخ ؟ العصر الحجري، العصر الحديدي، عصور ما قبل التاريخ، العصور الوسطى والعصر الحديث ..

على أي أساس جاء هذا التقسيم؟

قد أملك إجابة ظنّية، هم ثبّتوا الإنسان بكل حالاته، وحرّكوا ما يحيط به من مقدّرات مرجأة الاكتشاف، بالتطوّر الزمني المقدّر، ظهرت المقدّرات واكتُشفت، وبقي الإنسان ثابتاً في مكانه، بقى الملك ملكاً، والخادم خادماً...

لن أسترسل في سلسلة الثوابت، فقط أريد أن أنتهي بالقائمة، بقي الطغاة طغاةّ، و باقي العباد عمَّال سخرة ...

خدعوك ..

تاجروا بجهدك ودمك وعرقك، ثبّتوك وأطلقوا أيديهم ليمسكوا بالمقدّرات، وكافؤوك بيوم تحتفل فيه بخيبتك ..

عامل، امرأة، طفل، شهيد، يتيم، أم، شجرة .

قرابين ...

لماذا لا يحتفلون إلا بالقرابين؟

 

د. عبيرخالد يحيي

 

rasheeda alrakikعطر الحياة أم عشق الوجود، نغمة الحب لكل شيء جميل كان أم قبيح، يبدو الجمال في الوجود وتتحرك أحاسيسنا الجياشة اتجاهه، هو إذن سر الإقبال على الحياة ومعانقتها معانقة العشاق التي لا تخلو من ألم الفراق ومخاوفه.

الإقبال على الحياة تسيطر عليه الرغبة فيها وتقبلها بالرغم من غدرها، ومع توالي الصفعات نردد "هكذا الحياة"

نستنشق عطر الحياة في مشاكلها وفي تقلباتها وفي غدرها ومرضها وصحتها، هي حياة مقبلة على الموت لا محالة، نتمسك بها أكثر مع كل جرس إنذار بمغادرتها، نتلهف لها من جديد لتحمل سرا آخرا من أسرار وجودنا.

الحياة لا معنى لها دون عطرها المُبهج و الملذ والمغري، نتحسس أثره دون كلل أو ملل. إنها فلسفة الوجود التي يعيشها كل واحد منا والتي لا غنى لنا عنها .

تعصف بنا الظروف وتتقلب أمواج الحياة العاتية ويصطدم كل منا عندما يجد نفسه مرميا على شط البحر فاقدا لكل وعي، لكن بعد شيء من الذهول، بمجرد ما يستيقظ يعود من جديد إلى ماء البحر المالح ليلامس جلده بنعومة ويدخل في ثنايا جسده الموشوم بالتعب والقهر.

مع أن الحياة صعبة والصعاب كثيرة ومتنوعة، فإن عطر الحياة له لذة خاصة تجلب كل كائن إليه ولاسيما الكائن العاقل المدرك لمعانيه. إنه العقل من يجعلنا نضحك من أنفسنا و من تصرفاتنا اتجاه القدر والظروف، إنه العقل من يستهزئ منا لحظة اليأس حتى إن بدينا حمقى مع أننا أعقل العقلاء.

عطر الحياة يدعونا لها ويصرخ في وجهنا وإن تجاهلناه رغما عنا. وقد نتبع أثره ونبحث عنه في الكثير من محطات حياتنا، رغم الخبرة و النضج، سيظل ذلك العقل فينا يوقظ تلك الأحاسيس لنتعامل معها بكثير من الحذر.

الرغبة في الحياة ورفض الهم والغم، ورفض الوجود المكتئب الصامت الممل، إنها رغبة في ضجيج الحياة الصاخب المتعب أحيانا لكنه مطلوب أحيانا كثيرة.

عطر الحياة يوقظ فينا الرغبة المحركة لكل إرادة في الفعل دفينة في أعماقنا ويحركها ويدفعها في اتجاه الواقع، فتزركش حياتنا ألوانا حتى لا يغطي الظلام ويلغي السواد وجود الألوان الجميلة في حياتنا.

يكفي أنّ الموت يهدد وجودنا لننسى حياة أكيد ستصبح في خبر كان، هي زائلة متغيرة ستتحول الأحداث نفسها لا محالة إلى لغة سرد عقيمة، لن تستطيع تغيير الأحداث، ويكفي أنّ موت أحباءنا يذكرنا بالأجل الموعود لنقف ونتأمل حياة في طي الزوال.

يبدو أن الحياة مسرحية، كل منا يلعب دوره لتنتهي في الأخير إلى حياة أخرى واقعية سرمدية، يكفي يكفي و يكفي... لنعكف عن عطر الحياة ولكن كلما باغتتنا الإبتسامة علمنا أن الحياة تستحق أن تعاش بكل أحاسيسها المتناقضة، وأن كل واحد يبت فينا نغمة من نغمات أنشودة الحياة. إنه الإحساس المرهف بالوجود والعشق له بكل دبدبات الجسد التي تجعل الملامح براقة وصاخبة ومعبرة عن الرغبة في الوجود بكل تقلباته.

عشق الوجود ما يميز هذا الوجود الإنساني المتميز المستنبط للمعاني والقارئ لأحداث الوجود بصورته الخاصة، فيها من الحب ما يكفي وإرادة الحياة وصناعة الواقع و الإنصات لصوت الحياة وتذوق جمالها والكلام عنه في قصيدة شعرية ربيعية والنظر إلى عجائبها بشيء من الفضول الغريب والمثمر لكل وجود إيجابي مُنسّم للحياة وعاشق للوجود وأضوائه التي تشع في السماء كل صباح مع صياح الديكة بعد ليل طويل جميل.

في الليل ظلام به خوف ويأس ورهبة من كل ما قد يقع ليعلن عن نهاية غير متوقعة لكل إنسان.

مع ضوء الصباح تعود الحياة من جديد والمواجهة لكل الصعاب مع الكثير من التحدي والقدرة على  التحمل آملين لحظات من عطر الحياة ومن التمتع الجميل بدون إخفاقات وإصرار وصبر وثقة وعزيمة.

الأمل في الوجود هو ما يضمن استمرار الحياة ويقطع أنفاس اليأس ويجعلنا ننتظر يوما جديدا لا يشبه باقي الأيام، ونحن نعيش من أجل هذا اليوم الربيعي مع أننا قد نتألم في خفاء. إنه اليوم الذي ستنطلق فيه كل الكائنات معلنة غريزة حب الحياة والرغبة فيها.

لكن لولا حرارة الصيف وتساقط أوراق الخريف وموتها ما كنا ننتظر سماع زقزقة العصافير والألوان الربيعية الزاهية لنلامس الجمال ونستشعره مستسلمين له. فكيف تكون الأيام لولا هذه اللحظات التي تبعث فينا روعة الحياة وتجعلنا نرقص من الفرح ومن نشوة انتصارنا على تلك الفترات العصيبة؟

وكأننا كنا نقول لها ستفرج "إنّ بعد العسر يسرا" كعنوان  من أجل الإستمرار.

يكفي وجود الحروب وتشتت أسر وأطفال جياع ومرضى لنتكلم عن يأس وجودي أو عن فلسفة تأليه الظلم... لكن لابد للحياة من عطر نبرر به وجودنا ورغبتنا فيها، فكيف نسعد غيرنا ما دمنا لا نستطيع استطعام الجمال الوجودي؟

وإن استعصى علينا قراءة الفنجان ومعرفة ما ينتظرنا ولعل في ذلك خير لنا، فلماذا نتوقع الأسوأ على نحو أيسر من غيره؟

نريد أن تجتاحنا نفحات الأمل لنعيش عالم من الممكنات على الأقل كما نحبه ونترك خيالنا يخلق العالم الجميل بدون قيود.

لا نريد أن نسمع عن قتل أو انفجار أوعنف... ولكن دعونا نعيش في سلام مع أنفسنا نرى ما نريد أن نراه على أن تأخذ العدالة مجراها بالتأكيد دون أن نلوث أكسجين الحياة ونقتل كل عطر مبهج فنجعل كل شيء ينزف ونستيقظ كل يوم على مخاوف تقلق مضاجعنا وتجعلنا نتوقع ما يسرق منا لحظات العمر، وكأننا نسير على قنطرة من دماء تنزف وعلينا أن نرى جمال اللون الأحمر.

مع ذلك علينا أن نحب طعم الحياة وندعو إلى الإستنشاق من عطرها كيفما هي الظروف كعنوان للإستمرار ودعوى له، وإلا سندعو لإجهاض كل حياة لم تعلن صرخة الوجود. سوف نبتسم وإن انكمشت ملامح الجمال في وجوهنا سوف نعيش وإن كان يهددنا الموت سوف نغنّي مع زقزقة العصافير رفضا لكل ألم.   

 

بقلم: رشيدة الركيك

 

 

faroq mawasiاليُمن هو البركة والإقبال، فهذا الرجل ميمون الطلعة، أي في ملامحه الخير والسعد.

 نقول لأصحابنا قبل السفر إلى الخارج داعين: "على الطائر الميمون!"- أي وفق الله السفر، وجعله خيرًا وبركة!

..

خصصت اللغة الحديثة هذا الدعاء لمن يركب الطائرة من أحبائنا، فلاءمت وبحق بين الطائر والطائرة.

لكن التعبير قديم، وله أصل يتعلق بالطير، سأذكره فيما يلي.

 قبل ذلك لنقرأ بعض أبيات الشعر التي استخدمت التعبير:

يقول الدارِمي في بيعة يزيد بن معاوية:

على الطائر الميمون والجَدُّ صاعد *** لكـل أنـاس طـائر وجُــدود

إذا المِنْبر الغربـي خـلاه ربـُّه *** فإن أمير الـمـؤمـنـين يزيد

يقول ابن الرومي:

 على الطائر الميمون والسعدِ فاركبِ ***نجوتَ بإذن اللَّه من كل مَعْطَبِ

 البَهاء زُهير:

على الطائرِ المَيمونِ يا خيرَ قادِمِ ***   وأهلاً وَسَهلاً بالعُلا وَالمَكَارِمِ

ابن زَمْرَك:

على الطائر الميمون والطالعِ السعدِ *** قدمتَ مع الصنع الجميل على وعد

..

كان العرب يدعون للمسافر بأيمن طالع وأسرّ طائر، سهّل الله لك السير، ويسّر لك القصد، وطوى البعد بأيمن طائر وأسعد جدّ، على الطائر الميمون والكوكب السعد.

وأنشد شاعر:

فارحل أبا بشرٍ بأيمن طائرٍ ... وعلى السعادة والسلامة فانزل

(المحاسن والمساوئ- البيهقي، ج1، ص 143)

...

زَجْر الطير:

كان العرب إذا خرجوا في سفر لحاجة، نظروا إلى ما يلاقيهم أول سيرهم من طائر، فكانوا يزعمون أن في مروره علامات يُمن وعلاماتِ شُؤم، فالذي في طيرانه يتجه يمينًا يسمى (السانح):

يقول ابن زَمْرَك:

وهنّئ الدين والدنيا على ملك ***  بسعده الطائر الميمون قد سَنَحا

..

 أما الذي علامته الشؤم فهو البَارح، وهو الذي يمر على اليسار، فيقول النابغة الذبياني:

زعم البوارح أن رحلتنا غدًا ***  وبذاك تَنعابُ الغرابِ الأسود

..

إذا وجد السائر طيرًا جاثمًا أثاره لينظر أي جهة يطير، وتسمى تلك الإثارة زجْرًا، فمن الطير كما قلنا ما هو ميمون، والعرب يدْعُون للمسافر بقولهم «على الطائر الميمون» ، أو "فلان ميمون الطائر".

 ثم غلب استعمال لفظ (التطيُّر) في معنى التشاؤم خاصة، فيقال الطَـيَـرة أيضًا، كما في الحديث

«لا طِيرَة وإنما الطيرَة على من تطيّر» أي : الشؤم يقع على من يتشاءم.

هناك من يسمي زجر الطير العِيافة، وهذه  كلها كانت في زمن الجاهلية؛

فإذا أراد  أحدهم سفرًا أو أراد تجارة- يزجر الطير، فإذا ذهبت جهة اليمين تيامن، وقال هذا سفر سعيد وسافر، وإذا ذهبت جهة الشمال تشاءم، وقال هذا سفر مشئوم فلا يسافر.

..

 يبدو أن زجر الطير استمر ما بعد الجاهلية، وذلك بدليل قول المتنبي:

قد كنت أغنيتَ عن سؤالك بي *** مَن زجَر الطيرَ لي ومن عافا

إِذا اِمرُؤٌ راعَني بِغَدرَتِهِ ِ **** أوردته الغاية التي خافا

 يشرح العُكْبَري البيت الأول، فيقول:

"زجر الطير والعيافة كانت العرب تقول بهما، فإذا نفّرت الطائر، فإن نفر عن يمين تفاءلت به، أو عن شمال تشاءمت.

المعنى: يقول المتنبي للعبد الذي قتله بسبب غدره:

قد كنتَ في غنى عن أعمال الزجر والعيافة في إقدامك عليّ، وتعرضك للغدر بي، وكان هذا العبد سأل عائفًا عن حال المتنبي، فذكر من حاله ما زيّن الغدر به، وقوله "سؤالك بي" يريد: عني".

 

ب. فاروق مواسي

 

مازالت الأوساط والمؤسسات الثقافية، تحاول دعم أرشيفها البحثي والثقافي وسد النقص الذي تجده كل حين، ومادامت تختار شريحة معينة من المجتهدين من باحثين وأدباء، فهي فتحت الباب لإبداعهم ولاشك، ولكن انخفاض الدعم المادي لتلك الشريحة، تجعل المتاح لايكفي أبدا.

من جهة أخرى:

مادامت الصحف والمجلات الثقافية، تدعم نافذة تقييم الكتب المنشورة، فهي اقتصرت على منحيين:

منحى الكتب الفائزة والمشهورة، وكتب تسويقية يدفعها أصحابها عن طريق العلاقات العامة، أو من خلال دور النشر لرفع وتيرة تسويق الكتب، بكنها تبقى محدودة الأثر.

فالنوافذ الميدانية كالمراكز الثقافية والصالونات وغيرها، لم تفتح نوافذها مشرعة، للتنوع الفكري جيدان وهناك من سمعت صوته يقول:

- لم يفسحوا لي المجال لأقول كلمتي فيها.

وهي بكل الأحوال، إما رهينة بمذهب مؤسسها الثقافي، والذي يجعله مائلا نحوها طوعا، ولايهم هنا سواء أكان ولاؤه خارجيا أم داخليا.

مانريد قوله هنا، أن الحيادية والانفتاح الثقافي الحقيقي، يتيح لكل المذاهب الثقافية المجال للتعبير عن ذاتها، لذا حاولت فتح منابر تواصلية ثقافية، بداية عبر الواتس (مختلفة عن ميكانيكية المواقع الالكترونية).

فبات لدينا كما كبيرا من المجموعات لم تحقق ما أبحث عنه بدقة، حتى وصلنا أخيرا إلى إنشاء مجموعة صغيرة، متنوعة الأطياف، حيث يقترح كل أسبوع أحدها كتابا حسب رؤيته، بلا تحديد ليتم مناقشته بأريحية وموضوعية.

هذه المسار مهم جداجدا، بحيث يقدح زناد الفكر والأفكار للكتاب من جهة، ويغني الفكرة المكتسبة من القراءة، من خلال تمازج الآراء مع من قرأ معك الكتاب، فالاختيار كان مفتوحا منوعان لا يقتصر على المشهور بقدر تزكية العمل الجيد حصرا، وما اكثر الاعمال التي لم تظهر على السطح.

هذا بالذات، لم أجده في المنابر أبدا، ولم تحققه المواقع الكبيرة مثل غود ريدز وقريناتها من المواقع العربية البديلة، والتي تملك مكتبة واسعة ولديها سعة للمناقشة وتسجيل النقاط بقراءة هذا الكتاب أو غيره، وربما هكذا أفضل من جعل الموقع استعراضيا فقط لاغير، ، ويبقى السؤال:

هل تستثمر مواقع الكترونية تستقطب آراء الجمهور لتكريس فائدة ما؟

 

د. ريمه الخاني

 

 

mustafa maroufiبذل المجهود في العمل الأدبي لا بد منه، لأنه يبدو جليا للقارئ ذي المراس والتجربة، وهو من الأمور التي تزكي وجود الكاتب بين نظرائه وتمنحه المصداقية في مجال الكتابة.

بالطبع هناك استثناءات، وقد زاد الطين بلة ظهور الأنترنت، فصار المرء يكتب في عجلة من أمره، وبالتالي حرم النص من العمق وكثافة الدلالة وهما من الميزات التي كانت للنص وما زالت عند الكثيرين من كتاب المجلة والجريدة الورقتين.و بسبب غياب المجهود استسهل البعض الكتابة بصفة عامة وفي مجال الشعر بصفة خاصة، فصار (الشاعر) مثلا بين نشر كل نص ونص ينشر نصا آخر، مما أدى إلى وفرة كمية هائلة جعلت الشعر ككل فاقدا لبريقه لدى القارئ الذي تفرقت به السبل وصار حائرا في تمييز الشعر من غيره، وقد أدى هذا الواقع إلى تلغيم العلاقة بين الكاتب والقارئ بحيث بدأ الكاتب يرى أن القارئ صار لا يعبأ به ولا يعطيه الاهتمام الذي من المفروض أن يوليه إياه، بينما صار القارئ يرى في الكاتب شخصا يعيد نفسه، وبالتالي صار لا يقول شيئا.و إذاً فالعلاقة هنا هي أصلا علاقة تقع بين قطبين هما قطبا التجاذب والتنافر مع غلبة هذا الأخير.

لكن رغم هذا الواقع المرير الذي يعيشه عالم الكتابة فالكاتب يبقى مطالبا بالتحلي بالمصداقية التي من بين شروط توفرها في الشخص الانسجام والاتساق بين قناعته وما يطرحه في كتاباته، أما القارئ فلا يطمع أحد من الكتاب أن يكون متوافقا معه في طروحاته، ما دام هذا القارئ متعددا مشربا ومذهبا ورؤية.

إلا أن أغرب ما يثير الاهتمام هو الرأي الذاهب إلى أن الكاتب ينبغي أن يكون سيئا إلى حد ما في كتابته حتى يرضي كل الأذواق أو جلها وخاصة الناشئة منها، هذا الرأي وإن كان يطرح قضية بالغة الأهمية إلا أنه يشير من طرف خفي إلى محنة الكاتب الذي يريد أن يرضي جميع الأذواق، وهو غاية لا تدرك على أية حال، وبالنسبة لي فلا أدري لماذا يتجشم كاتب ما العناء في سبيل إرضاء الأذواق وهو يعلم في قرارة نفسه أنه لبلوغ ذلك قطع الأعناق والتخلي عن أمور منها عدم التعبير عما في نفسه بصدق وأمانة.

و حتى لا نبقى في العموميات ونضع الأشياء في محلها نضرب مثلا بالكاتب الماركسي الذي يتمسح بالليبرالية ويتملق أصحابها بإسداء المديح لها، على الأقل في بعض جوانبها، وبالكاتب الإسلامي، أقصد الكاتب الإسلاموي، الذي يلبس مسوح الاشتراكية ويتودد إلى أهلها وهو في رأيه يكتب من منطلق إسلامي.

إن جناية الكاتب على الكتابة تتمثل اساسا في هذه الحربائية المقيتة التي تلبس لكل حالة لبوسها، وكأن الكتابة تكون بدون موقف ولا انحياز، مع العلم أن الكتابة لكي تكون كتابة بحق لا بد لها من أن تعلن عن تضامنها التاريخي كما يرى بعض المفكرين الغربيين.

أعتقد أن الكاتب عليه أن يكتب ما يشعر به منطلقا من قناعته الشخصية، فبذلك وحده يحصل على راحة باله، وعلى الرضى على نفسه، والقارئ إن رآه هكذا سيحترمه حتى ولو اختلف معه، فكثير هم الذين يختلفون مع نيتشه وكامي وسارتر وشكسبير وجلال العظم وأدونيس وحسين مروة والقائمة تطول، ومع ذلك يقفون منهم موقف الاحترام والتقدير، لا لشيء إلا لأنهم كانوا أوفياء لقناعاتهم وعبروا عنها كما هي دون مساحيق أو رتوشات.

باختصار شديد:

الكاتب الذي يحترم نفسه هو الذي يعكس ذاته في كتابته، والقارئ الحقيقي الحق يقدر ذلك منه ويضعه في خانة الاحترام والتقدير الواجبين له .

 

bakir sabatinحتى القلوب تسرد عِقدأ من بريق الخبايا، تحظى به جياد الصبايا والنساء الجميلات، وتلك المرأة كأنها كهرمانة تخبئ في جوفها حكاياتٍ لم يُتْعِبْ مسيرتها الزمان..

امرأة البوح تغافلها غيبوبة شاعر رآها في حديقة الكلام.. وانتقى أجمل وردة كي ترتحل على متن الريح إليه .. فاستعادته غيبوبة الشعر كي يبحث عن ملامحها..

هكذا تقرأ سرديات جميل أبو صبيح.. إذ يقول في آخر سردياته تحت عنوان: ,"ومصات سردية"

*

"المرأة الجميلة ْ

الجميلة جداً

تعلق على صدرها .. حجرين

*

الحجارة الملساءْ ..

تبكي"

لم يقل "رمانتين" لأننا ننظر إلى الجمال الأنثوي كتمثال مرمري دون روح.. هذا نخت في اللغة وبيان لما وراء الصورة الشعرية.. حيث يختبئ المعنى في مسامات الحجارة الملساء، إذْ تبكي فلا يسمع المتلقي بوحها.. فيُخْتَطَفُ الشكلُ كي يذوبَ في ذاكرته، وينخمد البكاءُ في ظل السكون.

ثم يكمل الشاعرُ النصَ مبرراً كيف يتحول التمثال المرمري إلى أشجار ذوات أنفاس حارة كالنار، أنثى تبحث عن اخضرار المعنى، وقلبها زهرة تتفتح، كونية المعنى.. حتى البدر الذي ذاب في قصائد الشعراء بات في حجر المرأة الجميلة، كأن الشعرَ مسخرٌ لجمالها، حيث قال:

"الأشجار ..

سلاح النار

*

زهرة قلبي ..

تتفتح

*

القمر الكبير ..

سقط في حجري"

ولشدة تألق جمال المرأة بات البحر مرآتها، فيما الشاطئ أفعى يغُيَبّ ُفحيحُها عن تمثال المرأة جوهر وجودها ومضمون جمالها الأعمق..لكن أنفاسَها المدوية على متون العواصف تلهب المشاعر، حتى استعاد التمثال صوت المرأة الجميلة، وبات جسدها غماماً يسمع اليباب نقر المطر، قال الشاعر:

"البحر ..

مرآتي

*

الشاطئ ..

أفعى كوبرا

*

العاصفة ..

انفاس النار

*

أسكب ..

تمثالك من النور

وجسدك من الغيم"

ثم تبتسم السماء وتتراقص غمازتا قوس قزح.. وهي تحلق بفتنتها في سماء تبتسم في وجوه العابرين ليتنسموا عبيرها، وكأن التمثل المرمري تحول إلى غيم يمطر قمحَ المعنى.. كأنها ربيع منتظر..مختتماً أب صبيح ومضاته بذلك، حيث قال:

"ابتسامتك ..

فضاءات ..

من اقواس قزح

*

جناحاي ..

يرفرفان ..

في فضاءاتك"

هذه الومضات إنما يغمس الشاعر ريشته بالخيال المعربد في فضاءات الكون؛ ليحاصره بجمال امرأة تجاوزت ألوانها القزحية آخر ما يصل إليه السؤال.. مفردات أبو صبيح الشعرية في سردياته كونية الملامح ،ربيعية المعنى، إنسانية المضمون،نسيمها عليل ، قهوتها عامرة بنكهة السمر، كأنها نار الشوق يتحلق حولها عشاق القمر في ليالي الوجد.. ونار الحب فيها كأنفاس النار. والقمر الكبير يذوب فيه الشعر ويسقط في حجر الشاعر الملهم بحب الجمال.

 

بقلم بكر السباتين..

 

 

likaa mousaalsaidiهل انا وحدي اعاني من هذا الضجيج في راسي؟ منذ سنوات خلت وانا اصحو من نومي اردد اغنيات الحرب واناشيده، واحيانا الحانه حين تضيع الكلمات ويظل لحن تلك الاغنيات يحفر في دماغي رغما عني، ورغم اني احفظ اغاني المطرب المصري عبد الحليم حافظ وشادية والكثير من اغاني فاضل عواد وفؤاد سالم، وحسين نعمة .الا اني لا ارنمها الا في صحوي ومع تقدمي بالعمر زاد هذا الامر ليتحول الى احلام سريالية تجتمع فيها اطراف من حياتي الشخصية مع اغنيات حربية لاعلاقة لها بالحدث، مرة وفي احدى المنامات رأيت زوجي يرتدي بدلة عسكرية زيتونية مع شاربين كثيفين، ويصطف مع باقي اعضاء الفرقة الوطنية للانشاد وكان منهمكا وهو يردد اغنية لم اكن احبها واحسب انها كانت تظهر في تلفزيون العراق وانا في الخامسة من عمري: كان زوجي يغني

شمس احنة شمس... للي يحبنة شمس

درس ننطي درس... للي يضدنا درس

طارت طيور الجنة ... حطن على وطنا

الشمس غابت واحنا... شمش للي يحبنا شمس

اخبرته بالحلم فضحكنا، وصار يكمل لي الاغنيات ويخبرني بالملحنين ويذكرني باغنيات اخرى نسيتها او نسيت اطرافا منها، لكن مع استمرار الامر لم يعد الامر مضحكا ولم اعد اخبر احدا بالاغنيات التي افيق على وقع الحانها يوميا وبلا توقف.

بعض الاغاني كانت ترتبط بمناسبات تتعلق بحركة الجيش العراقي واستعادته لاراضي من الجيش الايراني، مثال ذلك اغنية هي يا اهل العمارة، التي ارتبطت بمعركة تاج المعارك في جنوب العراق وعلى اطراف هور الحويزة، في وقتها واثناء الاصطفاف لرفع العلم في المدرسة سحبتني مدرستي لاغني الاغنية امام المدرسة كلها ولانها كانت تتردد بكثرة في التلفزيون فقد حفظتها وغنيتها، بينما لم اخبر اهلي اني فعلت هذا  لانهم لن يقبلوا ان نحفظ او نغني اغاني الحرب تلك، وحين كانت تعرض اغنية هي يا اهل العمارة ... هاي اجمل بشارة

هاليوم كلنا جنود... عن الحدود انذود

وعالنصر عبارة

وتظهر سعدية الزيدي وهي تهزج وترقص بعبائتها فيسارع ابي لشتمها كما يحلو لعراقي ان يشتم ويقول: ارقصي على اجساد الرجال ارقصي....

بعد تلك المعركة حرمت امي دخول السمك لبيتنا رغم حب ابي له لان شائعات انتشرت بان الاسماك في الهور اكلت اجساد الرجال، وان احدى النسوة فتحت بطن سمكة لتجد اصبع رجل بخاتم زواجه، كانت هذه الاخبار تخيفنا ونصدقها وتنتشر كاهشيم بين الناس.

كانت الاغنيات تصدح احتفاءاً بالنصر والناس تبحث عن مصائر اولادهم في تلك المعارك. هذا مالم اكن ادركه في سن مبكرة فقد كانت بعض الاغاني الموجهة للاطفال تعجبني واتمنى ان اكون بدل الطفلات المغنيات لاسيما بيداء عبد الرحمن بشعرها الكاريه المدور الذي يشبه شعر ماري ماثيو وثوبها الابيض الطويل وهي تغني هسة يجي بابا البطل...متخيل الدبابة

هسة يجي مثل الصبح ... فتح بوجه احبابه

يا بابا احلم واشوفك بالحلم...شمس الوطن وترابه

واصحى وبيانات القيادة تحقق اليتغاوة

ومرفت احمد البنت المصلاوية التي كانت تغني مثل ملاك اغنية وح وح والي فرحانة القائد حاضر ويانة

هنيني بابا هنيني الفرحة ماهي وسعانة

ياقائدنا ياغالي ياقائدنا

اسمك دايما في العالي

ربيعك هل علينا .. والنصر داير حوالينا

كان اداؤها رائعا واللهجة المصلاوية قلبت على لسانها فصارت تشبه اللهجة المصرية وهي تدور بثوب احمر وطوق زهور على راسها، كانت تسحرني دون ان افكر ان مغزى هذه الاغنيات الترويج لفكرة بابا صدام وعمو صدام في ضمائرنا البريئة في وقتها.

اما اكثر الاغنيات شعبية والتي كانت تلهب مشاعر الشباب  فتنقلب مدارس الكرادة  راسا على عقب ماان تبث من مكبرات المدارس في الاحتفالات الوطنية الكثيرة، فهي اغنية ابو حسين علي التي اداها سعدون جابر

ابو حسين علي يكرار علي....ياسيف الاسلام سيفك امانة

بيدين صدام سيف بمكانة...واحنة جنود  وزادنة الله واكبر...علي...الله واكبر

جدنا الرسول اليعربي وابونا حيدر..علي

يكرار

فدائيين كل احفادك نصير .. فدائيين احرار

مطوعين فد احزام فد ايد...مطوعين ثوار

اهل نخوة وشيمة ... اهل همة وعزيمة

لاجل روح الرسالة نكون ثوار  .. فدائيين كلنا صغار وكبار

عراقيين على الجبهة صناديد...عراقيين ابرار

منصورين كل ايامهم عيد... منصورين بالغار

جنود القادسية عرب عزة وحمية...قيادتنة حكيمة وشعب جبار

يكرار ...ابو حسين علي يكرار علي

ورغم شعبية الاغنية وتاثيرها الحماسي الطاغي فقد منعت لاحقا ويقال ان خير الله طلفاح خال صدام ووالد زوجته اوصى بمنعها بحجة اثارة النعرات الطائفية.

اما الاغنية التي كانت تصيب امي بانهيارعصبي لانها ترافق كل هجوم يقوم به الجيش العراقي فتهرع الى التلفزيون لتغلقه بقوة فهي اغنية:

دكي يلراجمة اها...خلي تضوي السماء أها

ترة هاي الحاسمة أها

هذا يوم الحساب... خليهم بالتراب

أما المغنيات العرب الذين كثروا في وقتها يتملقون صدام بشتى الاساليب، كانت سوازان عطية المطربة المصرية قبالة سميرة سعيد المطربة المغربية التي كنت اراها كاليمامة بصوتها الملائكي وادائها المنمق والطوق الذهبي يضيء جبهتها تغني:

عراق الكرامة لك مني السلامة....ولكل البشر

شمعة انت في بالي.. يمنور الليالي وبعيني قمر

ارسملك ببالي ببالي وبفكري وخيالي ... الاف الصور

بينما كانت سوزان عطية المغنية الاكثر بشاعة التي كنت امقت ظهورها في التلفزيون  فقد اسرفت في اغنيات الحرب وتمجيد القيادة وكان من بين اسوء اغنياتها، اغنية:

عجيد الكوم ياعونة...وميض السيف بعيونة

يرب تبارك بزوده... عرب بأهلالة موعودة

غنتها بلهجة العشيرة المقربه لصدام وكانت حين تنطق عبارة فشك صفين بحزامو

اشعر وكان بدني يقشعر من كراهية هذه المرأة القادمة من مصر لتزيد المنافقين واحدا. فضلا عن ثوبها البنفسجي الساتان القبيح وشعرها المعقود مع غرة منفوشة تصيب الناظر اليها بتلوث بصري فظيع.

اخر اغنيات الحرب التي ظلت عالقة في ذاكرتي هي اغنية كاظم الساهر التي اعقبت تحرير الفاو من الجيش الايراني المعركة التي شكلت عقدة للجيش العراقي، كانت ارتال العسكر تدخل الفاو فتباد، حتى تحررت في 17 /4/1988 .

فغنى كاظم الساهر اغنية التحرير

سمرة وجدايلها الشمس.... سحر الخليج عيونها

من لبست ثياب العرس... ماكدرو يوصفونها

الله يا فاو العرب.... كاع الوطن هي الذهب

بينما كان التلفزيون يبث صورا من المعركة تظهر جنودنا يبتسمون والارض من تحتهم منخورة بالقذائف التي حفرت فوهات فيها فجعلت الارض تبدو كسطح القمر.

لن يغادرني طنين هذه الاغنيات وقد صحوت اليوم وعلى لساني اغنية

لا والله والعباس... نوكع زلم فوك الزلم

لمن يشيب الراس... هالكاع ماتنداس

التي كتب كلماتها عبد الرزاق عبد الواحد، حسبي يا الهي ان يظل هذا الوطن محض طنين يملأ راسي ويلاحقني في صحوي ونومي حتى بعد ان اعتصمت بالجبل، وتحصنت بالبحر وهدير نسائمه العابرة من شرفتي.

 

د. لقاء موسى الساعدي

 

ahmad katawiما يفتأ البلل يطالني كما أطال باشلار وهو يغترف من وعاء الملتقى القصة بالبيض

يرشح المكان والزمكان "باستمولوجيا".

الزماكانية عبر أروقة دار الثقافة محمد بلخير بالبيض.

"ليصب ماء عذبا من منابع" المهبولة

ويكرّع في إناء

المنهج الظاهراتي في الامتناع

التخييل والتحليل النفسي وما إلى ذلك في ماهية المكان الؤثث والمؤسس .

ضمن هذه الكوكبة المعرفية وعلى راحلة ومتن هذه ..

هذه الصهوة توزعت مضامين المداخلات في ملتقى القصة الجزائرية

الذي احتضنت فعالياته قاعة دار الثقافة محمد بلخير بالبيض .

حيث ركب كل من المتدخلين هودجه ليصهل "تقاطبا" وانحدارا أو نزولا ويشفع نوازله بما يرشح إناؤه

رصعت القاعة في يومها الاول مداخلة الاستاذ القاص التجريدي

جيدل بن الدين فكان باشلار أحد أوتاد الخيمة في

ترسانة المصطلحات والمناحي والوتر الانعطافي

في مسار هذا الملتقى الناجح الذي تعاقبت على منصته أسماء أدبية تتعاقب في بحة كل قاصة بحة المخيال والتحليل والتعاطي مع المكان: صدحت حناجر المتدخلين

جيدل بن الدين

في تجريد المبنى العام فكرا ورؤى ومرايا ..

في مداخلة له ظلت فيها قيم

السفر خصائص ومميزات القاص والمتدخل جيدل بن الدين

وتعاقبت لتأخذ نفس الريتم ولمبنى والتعاطي وبشيء من الترتيبية المنهجية المتميزة عند الروائي القاص

عبد القادر ضيف الله الذي سبر أغوار غاستون باشلار بشيء من الفيض والتمنهج

لتحذو الحذو

وترنو الى مباه ثلاثية باشلار في افيك ثلاثية الزمكاية وتعقبها للمكان

مع تدخل الروائي أحمد ختاوي، القاصة نسيمة بن عبد الله

الروائي والناقد

مليس بوحفص

القاص مكاوي عبد القادر مكاوي

الاديب الجيلالي بن عبيدة

الكاتب الاستاذ :

عامري الشيخ

القاص سعدي صباح

وكل من أعتلوا المنصة

تعاقبا في الرؤى وفي "صيحة" التعاطي مع الوطن والزمكانية

فكان باشلار عنوان النجاح و الاغتراف، والكل كان على مدار هذا الملتقى الناجح يكرع من عذب ميه المهبولة

وقد أصابنا البلل جميعا غيثا وميمنة

حتى باشلار الذي بلله الغيث تيمنا وليس كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لبائع الطعام حين قال له أصابه البلل : في إشارة للغش

كان البلل هنا نمودجا للنجاح بشيء من التفاوت من متدخل لآخر بالاحرى بشيء من مدارج" النمطية من متدخل لاخر ولكل واحد منهجية وتعاطيه مع زمكانية ذاته كموقع ذاتي

بطني أو ظاهري

وكتجنح ، وربما حتى جنوح

لكن مع كل هذا ظل البلل يطيل الجميع ميمنة ، إيذانا وعربون نجاح لهذا الملتقى في وقائعة وفعالية

فالببل كان منهجية وكان نبراسا لمنحى دلالات المأمول في هذا الملتقى الذي عرف نجاحا منقطع النظير على جميع الاصعدة

هذا عبور عابر في انتظار ورقة اكثر تفصيل لمجريات الملتقى

كل الشكر للسيدة مديرة الثقافة والاستاذ مدير دار الثقاف محمد بلخير

بالبيض

وكل القامئن: المؤطرين

على منحنها هذا " الكوب المعرفي الذي ارتوى منه حتى باشلار ولا ننسى رولاند بارت وغيرهما

ألف تحية لكم أهل البيض رجالا ونساء وقائمين و مثقفين وأدباء

 

كتب / أحمد ختاوي