عبده حقيتشير الهيمنة الثقافية إلى السيطرة أو التحكم من خلال الوسائل الأيديولوجية أو الثقافية. عادة ما يتم تحقيق هذه الهيمنة من خلال المؤسسات الاجتماعية، التي تسمح لمن هم في السلطة بالتأثير بقوة على القيم والمعايير والأفكار والتوقعات والنظرة العالمية وسلوك بقية المجتمع.

تروم الهيمنة الثقافية من خلال تأطير النظرة الشمولية للطبقة الحاكمة، والبنيات الاجتماعية والاقتصادية التي تجسدها، إلى إظهار على أنها عادلة وشرعية ومصممة لصالح المجتمع ككل، على الرغم من أن هذه البنيات جميعها قد تفيد فقط الطبقة الحاكمة. إن هذا النوع من السلطة يختلف عن التحكم بالقوة، كما هو الحال في الديكتاتوريات العسكرية، لأنه يسمح للطبقة الحاكمة بممارسة السلطة باستخدام الوسائل "السلمية" للأيديولوجيا والثقافة.

لقد طور الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي مفهوم الهيمنة الثقافية من نظرية كارل ماركس القائلة بأن الأيديولوجية المهيمنة في المجتمع تعكس معتقدات ومصالح الطبقة الحاكمة. وقال جرامشي بأن الموافقة على حكم المجموعة المهيمنة تتحقق من خلال انتشار الأيديولوجيات والمعتقدات والافتراضات والقيم - من خلال المؤسسات الاجتماعية مثل المدارس والكنائس والمحاكم ووسائل الإعلام من بين عوامل أخرى. إن هذه المؤسسات تقوم بعمل التنشئة الاجتماعية ضمن معايير وقيم ومعتقدات الفئة الاجتماعية المسيطرة . وبالتالي فإن المجموعة التي تهيمن على هذه المؤسسات تهيمن كذلك على بقية المجتمع.

تتجلى الهيمنة الثقافية بقوة عندما يعتقد أولئك الذين تحكمهم المجموعة المهيمنة أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية طبيعية وحتمية، وليست من صنع أشخاص لهم مصلحة خاصة في أنظمة اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة.

لقد طور أونطونيو جرامشي أيضا مفهوم الهيمنة الثقافية في محاولة لشرح سبب عدم حدوث الثورة التي قادها العمال والتي تنبأ بها ماركس في القرن العشرين. من بين الأمور المركزية في نظرية ماركس عن الرأسمالية هي الاعتقاد بأن تدمير هذا النظام الاقتصادي قد تم بناؤه في النظام نفسه لأن الرأسمالية تقوم على أساس استغلال الطبقة العاملة من قبل الطبقة الحاكمة. ورأى ماركس أن العمال لا يمكنهم أن ينالوا الكثير من الاستغلال الاقتصادي إلا قبل أن ينتفضوا ويسقطوا الطبقة الحاكمة . ومع ذلك فإن هذه الثورة لم تحدث على نطاق واسع.

وأدرك غرامشي أن هيمنة الرأسمالية كانت أكثر من البنية الطبقية واستغلال العمال. من جانبه أدرك ماركس الدور المهم الذي تلعبه الأيديولوجيا في إعادة إنتاج النظام الاقتصادي والبنية الاجتماعية التي تدعمه، لكن غرامشي من جهته اعتقد أن ماركس لم يعطِ الدور الكافي لقوة الأيديولوجيا حقه .

في مقالته بعنوان " المثقفون "التي كتبها بين عامي 1929 و 1935 وصف غرامشي قوة الأيديولوجيا في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية من خلال مؤسسات مثل الدين والتعليم. وقال بأن مفكري المجتمعات، الذين يُنظر إليهم غالبًا على أنهم مراقبون منفصلون في الحياة الاجتماعية، هم في الواقع جزء لا يتجزأ من طبقة اجتماعية مميزة ويتمتعون بمكانة عظيمة وبالتالي فإنهم يعملون كـ "نواب" للطبقة الحاكمة، ويقومون بتعليم وتشجيع الناس على اتباع المعايير والقواعد التي وضعتها هذه الطبقة.

وشرح جرامشي الدور الذي يلعبه نظام التعليم في عملية تحقيق الهيمنة الثقافية، في مقالة له بعنوان

" في التعليم ".

في دراسة الفلسفة تحدث غرامشي عن دور"الفطرة السليمة" – إن الأفكار السائدة حول المجتمع وحول مكانتنا فيه - في إنتاج الهيمنة الثقافية على سبيل المثال فكرة "رفع الذات عن طريق التمهيد" وهي فكرة مفادها أنه يمكن للمرء أن ينجح اقتصاديًا إذا حاول ذلك بجهد كافٍ، وهو شكل من "الفطرة السليمة" التي ازدهرت في ظل الرأسمالية، والتي تعمل على تبرير النظام . بعبارة أخرى، إذا كان المرء يعتقد أن كل ما يتطلبه النجاح هو العمل الجاد والتفاني، فإن ذلك يعني أن نظام الرأسمالية والبنية الاجتماعية المنظمة حوله عادل وصالح. ويترتب على ذلك أيضًا أن أولئك الذين نجحوا اقتصاديًا قد كسبوا ثرواتهم بطريقة عادلة ومنصفة وأن أولئك الذين يكافحون اقتصاديًا، بدورهم، يستحقون دولتهم الفقيرة . هذا هو الشكل الصحيح من "الفطرة السليمة"

باختصار، إن الهيمنة الثقافية واتفاقنا الضمني حول معناها هو نتيجة التنشئة الاجتماعية، وتجاربنا مع المؤسسات الاجتماعية، ومواجهتنا مع الصور الثقافية اليومية، وجميعها تعكس معتقدات وقيم الطبقة الحاكمة. .

 

عبده حقي

مترجم بتصرف.

 

 

سعيد الشيخيكتبون ما يشبههم، أو ما يشبه زمانهم الأغبر، وهم على قطيعة مبينة مع وظيفتهم التنويرية

ولّى ذلك الزمن الذي كانوا فيه نجوماً تأتلق، لتبدد ظلام خرائط الجمهوريات والممالك المنفلتة حديثاً من براثن الزمن الكولونيالي، التي تتلمس الطريق إلى الاستقلال والحرية، وحينها كانوا من صنو الأنبياء، حيث الأفكار من هداهم تتقولب مناهج ويقيناً للضالين أن يهتدوا على شكل الأوطان، دستوراً وأمناً لسيادة قيم الإنسان، يجترحها الوعي المبدع بذائقته الفنية، لإطلاق عجلة الإنتاج إلى رحاب الترقي، تحت شمس العالم المترامي، ولا يُسقطون .البوصلة الدالة أبدا إلى العدالة

٭٭٭

اليوم، يكتبون ما يشبههم أو ما يشبه زمانهم، مثقفو السوق، وحسب العرض والطلب. وما حولهم سوى الحطام والاستبداد، يخالفون وظيفتهم، حينما يرتضون أن يكونوا جزءاً من هذا الحطام، ومن هذا الخراب المنتشر، ويرتضون أن يتحولوا إلى مجرد مداميك الهاوية، وينفخون على الجمر لبثّ الاشتعال. إذا قلنا إنّ الأنظمة السائدة مصابة بالعجز، فإذا بهم سادة العجز. يجترّون كلماتهم المتفحمة من كثرة سواد القلب، الممتد إلى جدار العقل. يتصدع هذا الجدار، ومن تشققاته، يخرج الدخان الأسود، فإذا بالبلاد واقعة تحت ضباب كثيف، والسواد يملأ المعمورة كلها، والكلّ يتخبّط.

٭٭٭

مشهد الثقافة العربية الراهن لا يختلف عن مشهد أوطاننا المحترقة. الكلّ في الأتون، ولا ريادة ثاقبة تأخذ زمام المبادرة نحو طريق الخلاص، لأن الأرجوحة الفكرية أفرغت اليقين من لمعان الهداية. الشارع الذي من المفترض والبديهي أن يكون نبض كتاباتهم، وشاهد خطاهم، ينصبون معه القطيعة ويوصمونه بالغوغائية والتخلف، يجترون ما تقوله قوى الظلام والاستبداد. عينة واسعة من الفلاسفة والكتّاب إياهم، الذين يبذرون في الحياة العربية بذور الطائفية البغيضة. وهؤلاء هم أول من يقع في غواية المعاني وخطابات التضليل، التي هي نتاج عقولهم الدكناء. وينفخون في بوق الغوغائية سمفونياتهم الرديئة، إمعانا في عصر الانحطاط، وإصراراً عجيباً على المشاركة في إدارة الأزمة.

السؤال البديهي: كيف لا يختلف المشتغلون في الفكر من فلاسفة وكتّاب ومفكرين مع أسباب الأزمة؟ وبدل أن يخالفوا عناصر البلاء لشعوبهم، كيف ينصبون أفكار الفتنة كمصائد تنتظر ضحاياها؟ والكتابة لديهم تصبح في إطارها العام تخصيبا للحقد والكراهية..والسؤال الصارخ هنا: كيف للمثقف أن يكون داعية لسفك الدماء؟

٭٭٭

من الطبيعي أن يغتبط المفكر التنويري لسقوط الفكر الظلامي المضاد. ومن غير الطبيعي أن يغتبط هذا المفكر لفكرة الموت والنفي للآخر ككائن، حيث تبدو الثقافة، هنا، لا تسير في إطارها التثقيفي والاجتماعي، ولا بد أنّ انحرافاً خطيراً قد أصابها، وقد أصاب بالتحديد إنسانية النص وعطب الحواس. وفي أثناء هذا الوضع، وإلى المستقبل، إنْ لم يتمّ تدارك الخلل، فإنّ أي نتاج، هو نتاج مهزوز من إنسان مختل، شقي ويدعو إلى الشقاء.

 

سعيد الشيخ

 

 

حسني التهاميآنية الهايكو: يمكننا وصف الهايكو الكلاسيكي بأنه بيتٌ شعري مقسم إلى ثلاثِ شطرات، تشتملُ على سبعةَ عشرَ مقطعاً صوتياً (5-7-5) موزعة كالتالي: خمسة مقاطع صوتية في السطرِ الأول وسبعة في الثاني وخمسةُ مقاطعَ في السطرِ الأخير، ينقلُ الهايكست من خلالها مشهداً جمالياً من البهاءِ الكونيِ بكائناتِه الدقيقةِ وتفاصيلِه اللا متناهية المذهلةِ بصورة تعكسُ خبرته وعمقَ تجربتِه وقدرته الإبداعية في التقاط هذا المشهدِ الآني المتفجرِ بالدلالاتِ والمعاني، فعند القول بأن الهايكو لقطةٌ آنيةٌ نعني أن الحدث الفعلي وقت التقاط الصورة يتم في لحظة عابرة، لكنها تستدعي في طياتِها تجربةً إنسانيةً ممتدةً من أعماق الماضي، وربما تستشرفُ ملامحَ مستقبليةً تُرسمُ عبر مشهد حسي مُستقى من واقعه الحياتي:

"ليستِ الريحُ ما يَهُزُ أعطَافَكِ

أيتُها الصَفصافةُ-

إنما أنفاسُ أبي

(حسني التهامي، ديوان وشم على الخاصرة، ص5)

يستدعي الهايكست عبق الماضي عبوراً بلحظةٍ آنيةٍ وهي اهتزازُ أعطافِ الصفصافة، لتمتدَ فيما بعد وتشكلَ الحضورَ المستقبلي لأنفاسِ الأب التي تمثلُ ديمومةَ الحياة والذكرى، فالمتأمل في بنية الهايكو يجد أن المشهد كان مسبوقا بشيء ما كان يحدث قبله، وأنَّ أحداثا أخرى سوف تأتي لاحقا.

الموسمية (الكيغو) Kigo:

يتضمن الهايكو الكلاسيكي كلمةً موسمية، إما مباشرة بذكر أيٍ من الفصول الأربعة صراحة أو ضمنية مثل (أوراق ذابلة- زخات مطر- أزهار- يوم قائظ)، كل هذه الكلمات والعبارات تشيرُ إلى فصلٍ معين من فصولِ السنة. تمثل الموسمية المشهد الأمامي في نص الهايكو الذي يمهد للحدث؛ إذ لا يُمكنُ تصورُ الهايكو التقليدي دون تلك الإشارة التي تُنشئ العلاقة الوثيقة بين الشاعر والطبيعة، بناءً على ماسبق يمُكن تعريف الهايكو الكلاسيكي بأنّه شعورٌ إنسانيٌ مستخلص من عوالم الطبيعة ومرتبط أيّما ارتباط بفصولها ودوراتها.

إن سر ارتباط اليابانيين بالطبيعة يرجع إلى النزعة الدينية التي ترفعها إلى منزلة الآلهة، فالزهرة مثلا عند شعراء الهايكو لا تصور جمال الطبيعة فحسب، بل يكون لها كيانٌ وجودي أيضاً؛ إنها تمثل العلاقة الوجودية بين الشاعر والكون الذي يعيش فيه ويتجاوب معه بمشاعره وأحاسيسه.

(1)

صباحٌ ربيعيٌ

قطةٌ تتمَطى

تحتَ شجرةِ "التيكوما"

(2)

شجرةُ أكاسيا-

على الغُصْنِ العَاري

تحطُ يمامةٌ

(مزار الأقحوان 37)

في النص الأول يأتي التعبير عن الموسمية بشكل صريح تارة في عبارة "صباح ربيعي"، وتارة أخرى بذكر "شجرة التيكوما"، بينما تأتي الإشارة إلى فصل الربيع ضمنية في النص الثاني في عبارة "الغصن العاري".

أحيانا يَذكرُ الشاعرُ أكثرَ من فصلٍ في نصٍ واحدٍ كما في قصيدة باشو:

" أول يومٍ في الربيعِ

أظلُ أفكر

في نهايةِ الخريفِ"

يبدو أن الكيغو الرئيس الذي يمثل خلفية النص ويحدد الجو العام للالتقاطة هو بداية فصل الربيع الذي تم فيه الحدث (التفكير المستمر في نهاية فصل الخريف).

إن الأساسَ في الهايكو الكلاسيكي الناجح هو الإشارةُ إلى الطبيعةِ والكائناتِ المرتبطةِ ارتباطًا وثيقًا بها، بينما لم يلتزم الشعراء – حتى اليابانيون- في الهايكو الحداثي بهذه الخاصية، فقد استبدلوها بعبارات تحمل تفاصيل جديدة من واقع الحياة اليومية أو القضايا الكونية.

 

حسني التهامي

 

2355 حسين السكافمرة أخرى يطل علينا الروائي العراقي حسين السكّاف بعمل إبداعي آخر من خلال روايته "وجوه لتمثال زائف" الحائزة على جائزة كتارا للرواية العربية. سردية حسين السكّاف ترصد واقعاً صادماً في بلد اختار أن لا يسميه مباشرة، ولكنه لا يحتاج إلى جهد كي يعرف القارئ أنه يقصد بلده الأم، العراق.

المشهد المرعب للواقع الذي يسرده السكّاف بوصفية متقنة من كاتب محترف ومتمكن من  أدواته ومتقن لحرفة السرد القائم على تأثيث المشهد بتفاصيل تجبر القارئ على تصديق كل ما حدث، حيث تستفز ذاكرته كي يربط المشهد الروائي بالخبر الإعلامي وبأحداث كانت متداولة ولكن في المحصلة يُفلت الأمر لصالح السرد الروائي بسبب اللغة والمفردات والتوصيف الذي اعتمده المؤلف في إغناء المشهد والابتعاد عن طريق تحرير الأحداث صحفياً.

يسرد السكّاف سيرة قاتل محترف ونذل ووصولي وانتهازي بامتياز باعترافه الشخصي.

بطل الرواية هو "مرهون الصاحب" الصبي الذي تهجرهُ أمه ليكون تحت رحمة زوجها دون أن تترك أثراً أو سبباً لإختفاءها حتى يصبح قاتلاً منذ الصغر دفاعاً عن نفسه ضد الاغتصاب إلى أن يصبح قاتلاً محترفاً ومنفذ لمخططات السلطة عن طريق القتل، والتصفية والتفخيخ والكواتم.

بطل الرواية، نموذج أفرزته ظروف الحكم الدكتاتوري وما بعد الدكتاتورية، ليصبح نموذجاً لأدوات الأحزاب والعصابات والسلطة الجديدة.

ونموذج صارخ لانعدام القيم والثوابت في المجتمع الجديد "ما بعد الدكتاتورية" وكذلك نموذج لمثقف الصدفة الذي يحتمي بالثقافة السطحية ويمارس القتل والبشاعة بدم بارد وهو يستذكر أقوال كبار الكتّاب والفلاسفة.

أي رعب وبشاعة يعيشها العراقي؟ سؤال يطرحه المؤلف في روايته حيث يأخذنا إلى عالمٍ صادمٍ مهووس بالقتل!

عندما تُنتَج سلطة هجينة ليس لها مبادئ أو خط واضح أو ملامح كوريث مُنَصَّب لسلطة همجية المنهج، فإن أبطال حاضرها حتماً سيكونون على شاكلة "مرهون الصاحب" وكل الشخوص الذين من حوله ممن يتلقى منهم أوامر مهماته القذرة وكذلك سيكون هناك حتماً ضحاياها وأدواتها لتنفيذ أهدافها.

لقد استطاع حسين السكّاف التقاط تلك اللحظات الفاصلة في كل حدث ليرسم لوحة غنية التفاصيل حتى يكاد أن ينفذ تحت جلد كل شخصية من شخوص الرواية، حيث إننا نصادف في الرواية شخوصا متنوعة شكّلت نسيجاً منسجماً يعكس صفة المرحلة ويؤرخ لها بشكل الأفعال التي اقترفتها، سواء كانت خيرة أم شريرة ، من مفسدين وجلادين وسجانين، وأنذال، وساسة، ووزراء، ورئيس جمهورية، وقوادون، ومومسات ومثقفين وصناع قرار وباعة أعضاء بشرية وأطباء كفروا بقسم أبقراط، فنانون وضحايا مشاريع "التفصيح" البشري حيث المتاجرة بالأعضاء البشرية.

وتطول قائمة الشخصيات التي تركت بصمتها في العمل وإن كانت شخصيات عابرة، تختفي بفعل إجرام بطل الرواية "مرهون الصاحب" أو تؤدي دوراً صغيراً قد لا تنسجم الرواية بدونهم.

إن الحرفية في الكتابة التي أجادها حسين السكّاف والتي عززتها إمكانياته المتطورة في النقد الفني والأدبي وإمكانياته في الكتابة المسرحية وكلاهما يشترط الدقة والتفصيل والالتقاط الحاسم للحظة الفعل.

لقد استطاع الكاتب أن يوظف هواية البطل "مرهون الصاحب" الاحتفاظ بتذكار من كل ضحية- يحتفظ بشيء معدني كان بحوزة الضحية، حركة بارعة تتكرر مرات عديدة في مسار الرواية - للتذكير بأفعاله  "صحوت مبكراً كعادتي، وقررت الذهاب إلى غرفتي في بيت الندائي، لأودع كيس السجن هناك، وأُلحِقُ رموز وأشياء القتلى إلى أغراض من سبقوهم قبل دخولي السجن للمرة الثانية، وهناك جلستُ على الأرض وأفرغت الكيسين، ورحتُ أتذكر الأشخاص بدلالة أشياءَهم، بدءاً من مفاتيح مانع ونعاله البلاستيكية، وحقيبة نقوده التي لم تعد ذات قيمة تُذكر، وصولاً إلى فازة الضابط حاتم، ثم إسوارة وخاتم زوجة الدكتور كريم، وساعة الرجل العجوز الذي مات خوفا، ومن ثم مصاغ سهام الجميلة، وانتهاءً برمز آخر ضحية خدرتها وبعثتها إلى مستشفى التفصيخ..." صفحة 223، من خلال جمعها في أكياس ثم لتنتهي أخيراً قطعاً منصهرة في تمثال... "أفرغت أكياس الضحايا قطعة إثر قطعة في بوتقة المصهر الكبيرة، ومع كل قطعة، كانت ذاكرتي تعيدني إلى لحظات الموت، إلى العيون الشابحة صوب السماء، وأرواح تئن زافرة آخر أحلامها، كنت أشم رائحة الدم الساخن، واسمع آخر الكلمات، حتى شعرتُ بأنني أقتل ضحاياي مرة أخرى" صفحة 507.

بصهر التمثال استطاع الكاتب حسين السكّاف أن يؤرخ للمرحلة ويخلّد أحداثها المؤلمة كرموز لتلك الأحداث وما يدور في محيط شخوصها، مرحلة أنتجت نَماذِج فاقدة الجذور والمحتوى.

لقد أضاف الكاتب حسين السكاف عملاً إبداعياً إلى قائمة الأعمال التي سوف يكون لها  أثراً في مسار الرواية العراقية الحديثة .

 

قراءة: محسن عواد

مالمو/ السويد 02/04/2021

 

 

يسري عبد الغنيوكان دور قاسم أمين مختلفًا، والمشهور عنه هو أنه: نادى بتحرير المرأة المصرية، ويبدو أننا قد نسينا عامدين أو متعمدين دور جدنا العظيم / رفاعه رافع الطهطاوي، والذي من مؤلفاته المهمة (المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين)، الذي يهمنا أن الناس قد اختلفوا في قاسم أمين، فمنهم من مجده ورفعه إلى عنان السماء،  ومنهم من لعنه وخسف به أسفل سافلين .

بعض الدارسين قالوا: إن محمد عبده هو صاحب الفكرة التي أوحى لصديقه المستشار / قاسم أمين، بكتابتها ونشرها في كتابيه: (تحرير المرأة) و(المرأة الجديدة)، فكان لهما دوي هائل في المجتمع المصري والعربي والإسلامي .

عندما أذهب إلى مقابر أسرتي في حي الإمام / الشافعي جنوب القاهرة، أمر على مدفن المستشار / قاسم أمين، والذي يبعد عن مقابرنا بأقل من خمسين مترًا، أسأل نفسي: لماذا لا يتذكر الناس حقيقة مهمة في حياة قاسم أمين الفكرية ، قبل موضوع الدعوة لتحرير المرأة، وأعني بذلك مهاجمته الشديدة للاحتلال البريطاني، ودفاعه المجيد عن مبادئ الثورة العرابية المحبطة، ودفاعه الرائع عن مصر والمصريين ضد من أراد الإساءة إليها ؟ !!.

هذه الأفكار بلا شك كانت من نتائج المناقشات الدائمة والواسعة مع محمد عبده وسعد زغلول، فقد أصدر قاسم أمين المستشار بمحكمة استئناف القاهرة، كتابًا قيمًا باللغة الفرنسية عنوانه (المصريون )، هذا الكتاب كان ردًا على (دوق هاركور)، القاضي بالمحكمة المختلطة بالقاهرة، وقد زعم هذا القاضي المتعصب أن الاحتلال الإنجليزي يعمل على تقدم المصريين وترقيتهم، فتصدى له قاسم أمين وفند آراءه كلها تفنيدًا علميًا متميزًا، وأوضح أن مصر قبل الاحتلال البريطاني كانت أحسن وأفضل حالاً، رغم كل ما حدث في أواخر عهد الخديوي إسماعيل من كوارث ونكبات وديون .

وقد بين قاسم أمين في تحليل علمي مدعم بالبيانات والأرقام والإحصائيات كل ما حدث في مصر بسبب الاحتلال الإنجليزي الغاشم من تخلف وفقر وجهل ومرض، ودلت الأرقام على أن التعليم كان يتراجع كل يوم إلى الوراء من ناحية عدد المدارس، وعدد التلاميذ والتلميذات، وأصبحت الشهادة الابتدائية كافية للتعيين في الوظائف الحكومية، وبذلك تحول التعليم على يد الاحتلال إلى إعداد طبقة من الموظفين أنصاف المتعلمين أو أقل من ذلك بكثير .

إن كتاب (المصريون) لقاسم أمين من الكتب المهمة التي ظهرت في مصر خلال العصر الحديث، رغم أنه لم يترجم من الفرنسية إلى العربية حتى يومنا هذا بكل أسف، ولو تمت ترجمته عندما صدر في سنة 1894، لأحدث ضجة أخطر من كتاب (المرأة الجديدة) وكتاب (تحرير المرأة)، لأن القضية التي أثارها (المصريون) ليست مفردة أو من جانب واحد، إنها مجموعة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المكتوبة بشكل علمي حديث، كان لزامًا أن نننشره للناس جميعًا ليعرفوا ماضيهم وحاضرهم وواقعهم ومستقبلهم، وهنا أناشد وزارة الثقافة المصرية (أدام الله فضلها) أن تعيد إصدار هذا الكتاب المترجم  إلى اللغة العربية مرات ومرات مرفقًا به دراسة تضيء جوانبه المهمة، ونقدمه إلى شبابنا الباحث عن المعرفة لعله يعرف تاريخه، وبذلك نعمق فيه معنى الولاء والانتماء والمواطنة .

ولكن الناس انشغلت برأي قاسم أمين في تحرير المرأة، وأقاموا القيامة قبل موعدها، وهاجوا وماجوا واشتعلوا ولم يهدأوا حتى الآن، مع أن المسألة التي أثارها المستشار في كتابه (المصريون) كانت مسألة سياسية عامة، مسألة مصيرية مهمة، أما كلامه عن المرأة فكان مسألة اجتماعية، وها هي المرأة قد أخذت جميع حقوقها غير منقوصة نتيجة التعليم والوعي، وعليه فمن الضروري أن ننتبه إلى أن قاسم أمين كان يتحدى سلطات الاحتلال البريطاني صاحبة الأمر والنهي، كان يناضل بقلمه ويكافح من أجل شعبه وأمته بالفكر الجاد والكلمة الشجاعة، وكان من الممكن جدًا أن يسجن أو يعتقل أو يفقد وظيفته، ولكن المناضل الشريف الذي لا يعرف العمالة والخيانة والتآمر على بلاده لا يهمه أي شيء من أجل وطنه وأمته، أبعد ذلك يأتي بعض السفهاء فيقولون: إن قاسم أمين كان عميلاً إنجليزيًا؟!! .

نعم، كان التاريخ المصري في حاجة ماسة إلى حركة الرومانسية الوطنية التي قادها الزعيم الشاب / مصطفى كامل بين ثورتي: ثورة الفلاحين التي قادها زعيم الفلاحين (على حد عنوان مسرحية أستاذنا / عبد الرحمن الشرقاوي، عرابي زعيم الفلاحين) سنة 1881، وثورة الشعب سنة 1919، التي قادها سعد زغلول، وقد أطلق بعض المؤرخين الإنجليز على حركة / مصطفى كامل الرومانسية، ثورة الأفنديات أو ثورة أبناء الذوات .

ولكن أبناء الثورة العرابية كانوا يعيشون في أتون الواقع وعذاباته، يعيشون وسط تفاعلات وتطلعات الشعب المصري، وكان على قمة هؤلاء الأبناء العظماء: محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين، وكان محمد عبده الأستاذ الإمام هو الأب الروحي لحركة النهضة الجديدة التي تمثلت في تحرير المرأة والدعوة إلى تعليم كافة فئات الشعب، وكان لمحمد عبده المفكر المصلح المجدد، دورًا بارزًا في الحركتين .

 

بقلم/د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيمخطوطاتنا العربية والإسلامية، بكل ما تحمل من علوم ومعارف وجماليات، هي كنوزنا الروحية، وذاكرة الأمة، ولكن الآلاف منها متناثرة في المكتبات الأجنبية في العالم، حيث اقتناها الغرب عاشقاً وطامعاً، واستولى على كثير منها بعد أن كانت محفوظة في خزائن الكتب في المساجد والمدارس ودور العلم وقصور الخلفاء والأعيان.. وقد استنار الغرب بحضارتنا العربية الإسلامية العريقة، واستفاد منها في علومه ومعارفه،

تضم المكتبة الوطنية السويدية في ستوكهولم، مئات الآلاف من الوثائق والكتب العريقة والمخطوطات النادرة، منها بضع مئات مكتوبٌ باللغة العربية، التي تم الاستحواذ عليها عن طريقين، إما عن طريق حروب السويديين مع شمال ووسط أوروبا، أو إهداءات خصَّ بها المستشرقون مكتباتهم عبر القرون.

ويعود الفضل في ذلك إلى الاستشراق، الذي لم يكن غائباً عن الساحة السويدية في القرنين التاسع عشر والعشرين، بل سطعت أسماء مستشرقين أمثال: كارل يوهان تورنبرج الذي قام بفهرسة مجموعة مخطوطات جامعة أوبسالا، كما حرص المستشرقان كارل زترستين وهنريك صمويل نيبرج، على سعيهم في الحصول على المخطوطات العربية والإسلامية لإغناء مكتبتهم الوطنية.

وتحتوي المكتبة السويدية الوطنية على نفائس المخطوطات، مثل «الناسخ والمنسوخ» لهبة الله البغدادي، الذي يعود إلى القرن الحادي عشر الهجري، وكتاب «الموسيقي الكبير» للفارابي الذي يقع في 93 ورقة، وهناك مخطوط في غاية الأهمية عن أسس الموسيقى العربية ويتمثل في «الرسالة الشرفية في النسب التأليفية»؛ تأليف صفي الدين الأرموي الموسيقي والمنظر الكبير - من أصول أرمينية - وتحقيق محمد الأسعد قريعة، وتصدير محمود قطاط، وكان له الأثر الأكبر في تقدم دراسة التراث العربي الموسيقي على مر العصور.

وتمتلك المكتبة السويدية مخطوطة رسائل حمزة بن علي الزوزني، المتوفى 433 هجرية، مزخرفة وملونة ومذهبة، تحتوي على 145 ورقة، تضّم مجموعة من الرسائل، منها: رسالة القرمطي إلى مولانا الحاكم، بدر التوحيد، ميثاق النساء، البلاغ والنهاية، السيرة المستقيمة، كشف الحقائق.. وغيرها، ولا بد من ذكر مخطوطة «رسالة عمر بن الوردي في رسم الدائرة»، وهي مخطوطة مزخرفة ملونة، في غلاف أنيق مذهّب، مكتوبة سنة 1015 هجرية، وتقع في 161 ورقة، وبها خرائط ورسوم لشكل الأرض ولمواقع البلدان وموضع الكعبة.

وتعتني السويد بفهارس المخطوطات في جامعة أوبسالا، كان أسبقها ظهوراً فهرس كارل يوهان تورنبرج (1807- 1877)، وآخرها صدوراً فهرس كارل فلهلم تسترستين (1866- 1953)، وهناك أيضاً بطاقات فهرسة خاصة لتسهيل الوصول إلى المخطوطات.

إضافة إلى تلك المحتويات الزاخرة من المخطوطات، تمتلك المكتبة السودية مخطوطات هامة أخرى مثل «الحِيَلُ الروحَانِية» للفيلسوف الشهير أبو نصر الفارابي، و«الحكمة العروضية» للشيخ أبو علي الحسين (ابن سينا)، و«سِرُّ الخليقة» 933 ميلادية، مؤلِّفها الحكيم بلينوس، وهي تعد أقدم مخطوطة بجامعة السويد ودول الشمال الأوروبي، و«كُمامةُ الزَّهر» لأبي محمد عبد المجيد بن عبد الله الفهري الأندلسي، و«ميزان الطبيب» لابن البيطار (ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي)، و«كتابُ الجوهرتين العتيقتين» لمؤلِّف غير مشهور اسمه الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف كنيته: أبو محمد ولقبه ابن الحائك الهمداني.

وبالإضافة إلى مخطوطات المكتبة الوطنية السويدية، تضّم جامعة أوبسالا التي يعود تاريخها إلى ما قبل أربعمائة سنة، وتخرّج فيها معظم العلماء والباحثين والأطبّاء والقانونيين والمشاهير، معهد الاستشراق المتخصصّ في الدراسات العربية والإسلامية في كافة اتجاهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعيّة والثقافية واللغوية، ويعتني هذا المعهد بدراسة العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، وتتركز دراساته على الجوانب التاريخيّة للعالم العربي والإسلامي، بل يمتد إلى عصور ما قبل الإسلام أيضاً.

ولعل أهم الباحثين الذين تخرجوا في هذا المعهد، هو السفير السويدي الذي عمل في دمشق، وهو أنغمار كارلسون صاحب كتاب «أوروبا والإسلام»، الذي أنصّف الحضارة العربية والإسلامية، وقدم الباحثون السويديون من معهد الاستشراق عدداً كبيراً من رسائل الدكتوراه في شعر محمود درويش ونزار قبّاني والنابغة الذبياني والصموأل، وغيرهم من رموز الثقافة العربية وأعلامها.

وكان للمستشرقين في السويد دور كبير في جمع المخطوطات العربية والإسلامية وفهرستها وترقيمها ودراستها، أمثال هنريك صموئيل نيبرغ 1889 ـ 1974، تخرج بجامعة أوبساله وسمّي فيها أستاذاً للعربية، وأحد أعضاء المجمّع السويدي الثمانية عشر، وألقى محاضرات حول «حماسة أبي تمام»، ونشر كتاباً عن محيي الدين ابن عربي، وآخر عن «المعتزلة»، ونشر بالعربية كتباً منها «الشجر» لابن خالويه، و«التدابير الإلهية» لابن عربي، و«الرد على ابن الراوندي» و«الفرق بين الفِرَق» للخياط.

وعملت السويد على تحويل هذه المخطوطات إلى إصدارات رقمية، ضمن ما أطلقت عليه (المكتبة الرقمية للمخطوطات)، التي أفاد منها الباحثون والدارسون، كما أصدرت جامعة أوبسالا مخطوطات تجاوز عمرها الألف عام، مثل مخطوطة سر الخليقة وصنعة الطبيعة التي كُتبت سنة 322 هجرية، وترمي الصيغة الرقمية إلى تسهيل عملية توفيرها إلى الباحثين والدارسين في أنحاء العالم.

وقد أهدت السويد سبع أسطوانات رقمية عن المخطوطات العربية والإسلامية إلى مكتبة الإسكندرية، وكل أسطوانة تحتوي على نسخة رقمية كاملة من مخطوط نادر، وهي قصيدة البردة للبوصيري، ديوان سلامة بن جندل، «الزيج الجامع» لكوشيار الجيلي، «غِيَاثُ الأُمم في التياث الظُّلَم» للجويني، «البديع في نقدِ الشعر» لأسامة بن مُنقذ، «اللُّمع في النحو لابن جني»، «التاريخ الكبير» للمقريزي.

وتقدم المكتبة فهرساً متكاملاً للمخطوطات المتوفرة لديها، ويمكن للباحثين والدارسين استخدامها بسهولة أو طلب نسخة منها على موقعها، ويمثل إصدار المجموعة الرقمية الخاصة بجامعة أوبسالا السويدية حدثاً هاماً في مجال المكتبة الرقمية للمخطوطات. ومكتبة جامعة أوبسالا، من أعرق الجامعات الأوروبية، تضم 5 ملايين كتاب، بالإضافة إلى 1280 مخطوطة شرقية، منها حوالي 540 باللغة العربية، والمتبقي منها باللغتين الفارسية والتركية، ويرجع تاريخ هذه المجموعة الشرقية إلى بداية القرن الثامن عشر، وكانت النواة الأولى لها عبارة عن مخطوطات مهداة إليها، ثم بدأت تتزايد بمرور السنوات.

وتسعى السويد أن تقيم علاقات وطيدة بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية، لذلك تعمل على تشجيع الباحثين والدارسين على دراسة اللغة والتاريخ، سواء من السويديين أو الأجانب أو العرب.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيموفق الدين عبداللطيف البغدادي (557 -629) هجرية، عالم موسوعي، مكتشف داء السكر وعلاجه.

وهو عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي أبو محمد موفق الدين الموصلي البغدادي عرف يإبن اللباد وإبن النقطة، كان عالما بالطب والتشريح والكيمياء والنبات والفلك والمنطق، كما كان مؤرخا وجغرافيا وعالما بالحديث والنحو.

ولد في بغداد وجاب مدنا كثيرة طلبا للعلم والعمل ثم عاد إليها وتوفي فيها.

مؤلفاته:

لديه ما يزيد عن مئة مصنف ومنها " المجرد في غريب الحديث، الواضحة في الفاتحة، شرح بانت سعاد، شرح نقد الشعر لقدامة، إختصار كتاب الحيوان للجاحظ، أخبار مصر، إختصار كتاب الأدوية المفردة لإبن وافد، مختصر في الحميات، مقالة في المزاج، البادئ بصناعة الطب، النصيحتين للأطباء والحكماء "، والكثير من مؤلفاته مفقودة.

ومن إنجازاته الطبية إكتشافه (مرض السكر)، وحصر أعراضه السريرية بإسترسال البول وكثرته، والعطش الدائم، والهزال وجفاف البدن، وجعل علاجه بالحمية، والتغذية المقننة والهدوء، وراحة البال والنفس.

فهو رائد مرض السكر، وأول من أشار إليه بعلمية، ووصفه سريريا وإقترح العلاج، الذي لا يزال معتمدا رغم توفر الأدوية، فالحمية من أساسيات علاج مرض السكر.

ولابد من التطرق إلى النزعة الموسوعية، فهو من العلماء الموسوعيين الأذكياء، الذين تفاعلوا مع ما يستجد في الحياة، ووفقا لملاحظاته يُعْمِل عقله ويستنتج ما يراه مناسبا للتصدي والتطور، وحتى أنه كان مهتما بالحمضيات وتطعيمها وإنتاج أصناف جديدة منها.

فهل أن الموسوعية طاقة كامنة في أعماق الجينات البشرية؟

أم أن القدرات العقلية والإدراكية التي يتصف بها أمثاله أكبر من المعارف السائدة في زمانهم؟

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيعاشق السمسمية وأيقونة المقاومة الشعبية:

"غنّي يا سمسمية لرصاص البندقية، ولكل إيد قوية، حاضنة زنودها المدافع، غني لكل دارس، في الجامعة و المدارس، لمجد بلاده حارس، من غدر الصهيونية، غنّي لكل عامل، في الريف وفي المعامل"

كلمات قاوم بها الشاعر محمد أحمد غزالي الشهير بـ«الكابتن غزالي بمشاركة الفدائيين ولاد الأرض بالسويس.

وُلد شاعر المقاومة الشعبية بمدينة السويس في 10 نوفمبر عام 1928، وعمل موظفاً بمديرية الصحة بالسويس.

اكتسب شاعر المقاومة لقب "كابتن غزالي" ﻷنه لم يكن الشعر وحده هو محور حياته، فقد كان شاعرًا ورياضيًا، فكان لاعب مصارعة سابق، وكان يعمل مدرب جمباز بالمحافظة.

كما كان صاحب مَرسم بمدينة السويس، و يُعّد كابتن غزالي المُحافظ على تراث السمسمية بالسويس بعد رائدها الأول الرحّال عبدالله كبربر.

من مؤسسي فرقة "ولاد الأرض"، التي أسسها عقب نكسة 1967 لبث الروح الحماسية الوطنية في نفوس المقاومة الشعبية وقوات الجيش المصري وطلاب الجامعات خلال حرب الاستنزاف وانتصارات أكتوبر، مقدمًا أعماله للجنود في الجبهة ليساعدهم على تحقق النصر.

جاءت فكرة الفرقة بعد أن استقر غزالي بمدينة السويس بعد النكسة ولم يغادرها ضمن التهجير الجماعي للمدينة، ولاحساسه بدوره الوطني المحتم عليه القيام به نحو بلده قام بالمساعدة في تجميع الجنود المشتتتين، وساعد الجرحى، وقام بإيصال الذخائرللجنود؛ وتطوع في المقاومة الشعبية للدفاع عن مدينة السويس.

و كان للفرقة تيمة مُعيّنة لدخولهم في بداية حفلاتهم مُتمثلة في "سقفة الكّف"السويسية مع الكلمات التالية:-

إحنا ولاد الأرض

ولاد مصر العظيمة

تارنا هانخدُه بحرب

للنصر غناوينا

شباب ثوار

ما نسيبش التار

إحنا ولاد الأرض

وضمت الفرقة الخال عبدالرحمن الأبنودي ومحمد حمام والملحنين إبراهيم رجب وحسن نشأت والمطرب محمد العزبي، الذي غني له «والله هترجع تاني لبيتك ولغيطك يا خال»، من تأليف وتلحين غزالي.

الكابتن غزالي ألف ولحن جميع أغاني فرقة "«ولاد الأرض" باستثناء «يا بيوت السويس» للشاعر عبدالرحمن الأبنودي.

وقدم غزالي عددًا من الأغاني على السمسمية كانت تعبر عن حب الوطن والكفاح ضد العدو على شط قناة السويس، ومن أشهرها "فات الكتير يا بلدنا"، والتي لحنها بنفسه وغنتها الفنانة فايدة كامل، وتقول كلماتها:-

فات الكتير يا بلدنا

مبقاش إلا القليل

أنت بترمي بإيديك قنابل

وإحنا إيدينا تزرع سنابل

ياللي قلبوكوا البوم ساكنها

وإحنا في قلوبنا ساكنا البلابل

وإن كان على الأرض هنحميها

وإن كان على بيوتنا هنبنيها

وعضم إخواتنا نلمه نلمه..

نسنه نسنه نعمل منه مدافع وندافع..

وندافع ونجيب النصر هدية لمصر

فات الكتير يا بلدنا مبقاش إلا القليل

وتغنى بمؤلفاتة عدد أخر من المطربين منهم سمير الإسكندراني الذي غنى له  "من برج الحمام بيطل مدفعي"، وأركان فؤاد الذي غني «أغنية "تعظيم سلام".

من أشعاره نقرأ:-

يسعد صباحك يا بلدنا

يسعد مساكم يا حبايب

من طول غيابكم إحنا دبنا

وفي بلد عايشين غريب

نلضم الصبح في مساه

واشتاقنا والله يا حبايب

يسعد صباحك يا سويس

والشمس طالعه بين حطامك

يا أم التاريخ دهب وفضه

للغريب فاتحه بيبانك

يام الولاد واقفين انتباه

اشتاقنا والله

والقلب دايب

مليون سلامة يا قنال

يا بورسعيد...يا سماعيلية

يالي التاريخ حافظ غناكم

عمل.... عرق...... وفدائيه

مهما القدر زاد من اساه

إحنا اكبر من النوايب

أهل القنال اهلي وناسي

الفرقه طالت والحرب اهيه

الوقفه صعبه والمراسي

نسيت غناوي السمسمية

مشتاقه للنصر وغناه

ولبسمه الفجر اللي غايب

وحياة غلاوتك يا سويس

يا بلاطوه يا اسمعلاويه

ح تعودوا تانى للقنال

والبواخر رايحه...... جايه

والولاد تملأ.......الحوارى

والفل يطرح فالخرايب

وأحب أن أقول أنني شرفت بلقاء هذا الرجل الذهبي أكثر من مرة، وجدت فيه الأصالة الحقيقية، والانتماء المتفرد لتراب أرض مصر المحروسة، هذا الرجل الذي تحول إلى مجرد خبر قرأناه اليوم، يقول لنا: رحل عن عالمنا كابتن غزالي، رمز المقاومة الشعبية بالسويس، يوم الأحد 2 إبريل 2017عن عمر يناهز 89 عامًا، بعد صراع مع المرض.!!!

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيأبو زيد بن إسحاق العبادي المعروف بحُنين بن إسحاق العبادي (194 - 260) هجرية، ولد في الحيرة وتوفي في سامراء، عالم لغات ومؤرخ ومتوجم وطبيب، ترجم أعمال جالينوس، وأبقراط، وأرسطو، والعهد القديم من اليونانية.

درس الطب في بغداد، وعينه الخليفة المأمون مسؤولا عن بيت الحكمة وديوان الترجمة.

كان الطبيب الخاص للمتوكل بالله.

إشتهر بمقالاته بطب العيون التي تعد مرجعا أساسيا في هذا التخصص، ولديه أكثر من مئة مؤلَّف.

ومن كتبه: " العشر مقالات في العين، المسائل في العين، تركيب العين، الألوان، تقاسيم علل العين، إختيار أدوية العين، علاج أمراض العين بالحديد، الفصول الإبقراطية، حيلة البرء، القول في حفظ الأسنان وإستصلاحها، التشريع الكبير، مقالة في الآجال، المسائل في الطب للمتعلمين"

كان قريبا من المتوكل وبه إنتهى دور عائلة يختيشوع التي تثار الشكوك حولها، لكن حساده ومناوئيه قد كثروا للمكانة التي يتمتع بها عند المتوكل.

ويُقال أن المأمون إستحضره وكان لايزال صغيرا في السن، وأوكل إليه ترجمة كتب أرسطوطاليس، ومضى في بيت الحكمة ينهل من العلوم التي كانت تفيض في أروقتها.

وهو من أوائل الأطباء العرب المتخصصين بطب العيون، ولمقالاته أثر كبير في تطور هذا الإختصاص، وكان محل ثقة عند الخلفاء الذين عهدوا إليه بالعناية بصحتهم.

ولابد من الذكر هنا، أن الخلفاء يأتمنون صحتهم عند أطبائهم، ويعتبرونهم المسؤولين عن صحة الدولة وعافيتها، لأنها مقرونة بصحة الخليفة وعافيته، ولهذا تكون مكانتهم مرموقة وتأثيرهم كبير في إدارة شؤون الدولة، وعلاقتهم بالخليفة قريبة وخاصة جدا.

فالخليفة يبدو كالأسير عند طبيبه، فالخوف من الموت كان يتملك الخلفاء ويرعبهم، وهم لا يدرون إذا ناموا هل سيصبحون، وإذا مضى يوم هل سيعيشون يوما بعده، فكان الطبيب عندهم عامل طمأنينة وهدوء ومبعث لمشاعر الأمن والأمان.

البعض يرى أنه كان طبيبا للأمين والمأمون وهذا لا يتوافق مع تأريخ ولادته، ويبدو أن المأمون قد إستدعاه بعد أن أمضى في الخلاقةعشرة سنوات أو أقل بقليل، فكان حنين بن إسحاق في مقتبل العمر، أي عمره أقل من العشرين.

وبعض المصادر تشير إلى أنه كان طبيبا للواثق بالله، ويمكن القول وطبيبا (للمعتمد على الله) في السنوات الأربعة الأولى من خلافته، وتوفي في زمنه ودفن في سامراء.

وربما يكون طبيبا للخلفاء الآخرين، كالمنتصر بالله، المستعين بالله، المعتز بالله، والمهتدي بالله، ولا توجد أدلة وافية لتأكيد ذلك، لكنه بقي في سامراء طيلة خلافة المتوكل وحتى وفاته.

 

د. صادق السامرائي

 

 

يسري عبد الغنيالألعاب الإلكترونية المقدمة للأطفال باعتبارها جزءًا من أدب الأطفال، إننا أحيانا كآباء ومقدمي رعاية ننظر للألعاب الإلكترونية كأداة لتسلية الصغار، وبشكل منفصل عن أي قيمة أخلاقية أو فلسفية، وقت يشغل الأطفال الصغار عن الزن والإلحاح، يطلق ضحكاتهم ويسليهم بعيدا عن الآباء المشغولين في شيء ما، ولكن هل هذه الصورة البريئة حقيقية؟ الحقيقة أن لعب الأطفال تحتوى على الكثير والكثير من الخيارات الأخلاقية والفلسفية والتي يتوجب على الطفل إنجازها والتحيّز لها من أجل إتمام اللعبة أو الدخول في مرحلة جديدة، وكمثال يمكننا أن نتحدث عن لعبتي "أسانسز كريد Assassin's Creed[9]"

فاللعبة تدور في حقبة الحملات الصليبية، في الأراضي المقدسة وايطاليا، وفي بيئة إلكترونية مثيرة تحفز على الانغماس، هذه اللعبة أشرف عليها إومبيرتو إيكو- (Umberto Eco) الباحث في تاريخ العصور الوسطى والروائي المشهور من أجل خلق أدوار للاعبين، خلق هذه الأدوار تعني انغماس الأطفال في اتخاذ قرارات أخلاقية ومعقدة ومتعددة المستويات، بالإضافة لاحتواء اللعبة بالطبع على القتل والإعدام والاغتيال وإيذاء أشخاص آخرين والتعذيب.. وبالتالي على البطل/ طفلك في هذه الحال، القيام باختيارات تتعلق بالإيذاء والقتل، وهنا يمكن أن نطرح سؤالا عن أخلاقية إجبار الأطفال - ولو بشكل غير مباشر- على القيام باختيارات أخلاقية والضغط عليهم نفسيًا من أجل اختيار قرار بالقتل أو التدمير فقط لاجتياز مرحلة أو خطوة من اللعبة، خاصة أن انغماس الأطفال في اللعبة يعني فقدان "لحظي" بإحساسهم بوجودهم وتقمص وتلبسّ شخصيات أخرى، هي في الأصل وهمية، فهل ينهمك طفلك في اللعب العنيف بعد إنتهائه من لعبة الملاكمة على الأجهزة الإلكترونية ؟- نعم هذه هي الإجابة.

إننا عندما نتحدث عن الثقافة أو الفلسفة أو الأيدولوجيا التي يمكن أن تحملها أدب الأطفال، لا نقول إنه يجب تقديم أدب أبيض بلا أيدولوجيا، أو أدب بلا فلسفة، فكل ما يقدم للأطفال إنما يتلبّس حتما بروح صاحبه، وقيمه، فحتى لو كان الأدب المكتوب للطفل يدربهم على تحمل المسؤوليّة والقيم الأخلاقية الحميدة وتدريبهم على التفكير والتحليل، من أجل الوصول لوعي أخلاقي - حتى لو كان كذلك- فإن هذا نفسه يحمل موقفا أخلاقيا وفلسفيا، وبهذا فإن المطلوب ليس حجب الفلسفات والثقافة عن الأطفال، بل أن نكون أكثر وعيا بما نقدمه لأطفالنا، ونسأل أنفسنا عن الرسالة الخفية الذي نقدمها بأيدينا لأطفالنا، هل يتوافق معنا؟ مع ثقافتنا؟ ومواقفنا الأخلاقية؟ هل هو ما نرضى عنه أن يشكل أطفالنا؟ هل ما نقدمه لأطفالنا يشكل ضغطا نفسيا لا ينبغي لهم أن يتعرضوا له في هذا السن؟.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

صادق السامرائيتقي الدين أحمد أبو محمد أبو العباس بن علي بن عبدالقادر بن محمد المقريزي (764 - 845) هجرية، ولد وتوفى في القاهرة، وألف العديد من الكتب التي تؤرخ لها بتفاصيل دقيقة.

من أعلام التأريخ والفكر والعقل ووبحث في أصول البشر والديانات وله دراية بمذاهب أهل الكتاب، ولديه ما يربو عن (200) مؤلف، وأستاذه عبدالرحمن بن خلدون، الذي تعلم منه مبادئ علم التأريخ.

تلاميذه:

أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي مؤلف كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الحافظ السخاوي، أبو الفداء قاسم بن فطلوبغا الحنفي

مؤلفاته:

السلوك لمعرفة دول الملوك، إتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الخلفاء، تجريد التوحيد المفيد، عقد جواهر الأسفاط في تأريخ مدينة الفسطاط، الخطط المقريزية، البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب، إغاثة الأمة بكشف الغمة، الإعلام بمن ملك أرض الحبشة في الإسلام، المقفى الكبير، درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة. وغيرها.

وله كتاب " الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك" يبدأه بحجة الوداع، ويمضي في تسطير مَن حج من الخلفاء والملوك والأمراء.

وفي كتاب " إعاثة الأمة بكشف الغمة" تحدث عن المجاعات في مصر وأسبابها ، وبرع بالإشارة إلى الآثار النفسية والإقتصادية الناجمة عن الأوبئة، ويُقال أن إبنته الوحيدة قد ماتت بوباء، فإستثارته الحادثة ليهتم بموضوع الأوبئة.

وفي كتابه " شذور العقود في ذكر النقود" تناول المفاهيم الإقتصادية والنقدية بإقتراب خبير.

وكان فيما يكتبه موضوعيا، يتقصى الحقائق والعلل، والتفاصيل الدقيقة، والتركيز على الموضوع الذي يتصدى له.

علاّمة زمانه الموسوعي، المولع بالتأريخ وكتَبَه وفق منهج علمي تحليلي، وبأسلوب مشوّق وواضح ودقيق التفاصيل والإشارات، وربما يمكن القول بأنه إمتداد لمدرسة إبن خلدون التأريخية، وإتباعه لمنهجه في كتابة التأريخ وبتوسع وتعمّق أكثر، ويُعد من المؤرخين النوابغ الأفذاذ.

"مازال يلهج بالتأريخ يكتبه...حتى رأيناه في التأريخ مكتوبا"

 

د. صادق السامرائي

 

 

يسري عبد الغنيعالم لا يعرف الخرافة--!!!

النصف الأوَّل من القرن الرابع الهجري والنصف الأوَّل من القرن العاشر الميلادي يمثِّله أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت 346هـ / 957م)، فقد كان ملمًّا بكثير من العلوم والثقافات، وقد اشتهر أكثر ما اشتهر في علم الجغرافيا، ويُعَدُّ كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" من أفضل المصنفات العربية الجغرافية التي تناول فيها الكثير من فروع علم الجيولوجيا في ثنايا المعلومات الجغرافية؛ فقد تناول فيه استدارة الأرض وإحاطتها بغلاف جوي، وطبيعة العواصف التي تهُبُّ على الخليج العربي والمناطق المحيطة به، ووصف الأرض والبحار، ومبادئ الأنهار والجبال، ومساحة الأرض، ووصف الزلازل التي حدثت سنة (334هـ/ 945م)، وتحدَّث عن كُرويَّة البحار، وأورد الشواهد على ذلك، ودرس ظاهرة المدِّ والجزر وعَلاقة القمر بذلك، وتحدَّث عن دورة الماء في الطبيعة وتراكم الأملاح في البحر ووصف البراكين الكبريتية في قمم بعض الجبال، كما أورد العلامات التي يُستدَلُّ بها على وجود الماء في باطن الأرض.

كما تناول في كتابه "التنبيه والإشراف" كثيرًا من الجوانب في الجغرافيا البشرية، وذكر أحوال العمران، وهو العلم الذي أسَّسه ورتب قواعده ابن خلدون (ت 808هـ / 1406م).

وبصفة عامَّة فقد أبدع المسلمون في رسم الخرائط والمصوَّرات الجغرافية، وعرفوا كُرويَّة الأرض، وقاسوا أبعادها بدقَّة، خصوصًا أيام المأمون، وحدَّدوا خطوط الطول ودوائر العرض، مُتَّخذِين جزر البليار مبدأ خطوط الطول، وقد ظهرت أبحاث حديثة تقول: إنهم وصلوا عبر بحر الظلمات (الأطلسي) إلى أمريكا قبل كولومبوس بمدة 300 أو 400 سنة!

وقد نشرت صحف البرازيل في سنة 1952م تصريحًا للدكتور جغرز أستاذ العلوم الأثرية الاجتماعية في جامعة "ويتواترستراند" في جمهورية أفريقيا الجنوبية، جاء فيه:

إن كتب التاريخ تُخطئ عندما تنسب اكتشاف أمريكا إلى كريستوف كولومبس؛ ذلك لأن العرب في الواقع هم الذين اكتشفوها قبله بمئات السنين!

وفي عصر المسعودي اشتهر أيضًا الهَمْداني (ت 334 هـ / 945م)، والذي كان له دور لا يخفى في اكتشاف قانون الجاذبية؛ فهو الذي ربط ظاهرة الجاذبية بالأرض التي تجذب الأجسام الصغيرة في كل جهاتها، وأخبر بأن هذا الجذب إنما هو قوَّة طبيعية مركَّزة في الأرض؛ وبهذا المفهوم العلمي يكون الهَمْداني - كما يقول الدكتور أحمد فؤاد باشا - قد أرسى أوَّل حقيقة جزئية في فيزياء ظاهرة الجاذبية، وإن كان لم يقُلْ في النصِّ صراحة أن الأجسام تجذب بعضها بعضًا، وهو المعنى الأساسي الشامل لقانون الجذب العام لنيوتن.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني  

 

 

يسري عبد الغنيمن العواطف التي طبع عليها الإنسان، وأودعها الله تعالى في روحه الميل إليها، وجبله على طلبها في كل زمان ومكان: حب الجمال، والتأثر به، والبحث عنه، والله جل شأنه جميل يحب الجمال، وفعل القبيح والقبح تأباه الفطرة السوية .

والجمال في القديم، وفي الحديث هو شغل الإنسانية الشاغل، والبحث عنه ـ لأسباب كثيرة ـ دائم ومتواصل .

كما أن الجمال نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى التي لا تعد ولا تحصى، بل هو نعمته الكبرى على هذا الوجود، ومن فضل الله على خلقه أن جعل صور الجمال عديدة، وألوانه كثيرة متعددة، فإذا أردنا أن نعرف مدى فضل الله الكريم على هذا الوجود فلنتأمل إبداعه للجمال فيه .

فلنتصور ـ ولو لثوان قليلة ـ خلو الحياة التي نحياها من الجمال !، إن ذلك ـ ولا شك ـ سيكون في نظر كل من له قلب، الفزع الأكبر، والخوف الأعظم، الذي يفقد فيه المرء الحب والأمل، وتلك لحظة من لحظات الضعف التي قد تنتاب الإنسان، فيفقد فيها الإحساس بالجمال، فينطلق بالتحطيم لكل شيء حتى نفسه، والتخريب لكل شيء مهما كان غالياً أو نفيساً، لأن الشعور والإحساس والإدراك والوعي بالجمال، يجعلنا نرى كل شيء في الوجود جميلاً، والعكس صحيح، لأن الجمال هو الحياة التي لها قيمة ولها معنى .

بهذه المقابلة نستطيع معاً أن نقف على قيمة الجمال في الوجود، وندرك أن الإحساس بالجمال معناه السعادة، ومعناه الأمل في القادم بإذن الله، ومعناه الحياة المشرقة المفعمة بالبهجة والخير والسرور .

والجمال سر من أسرار المولى عز وجل، يهبه لمن أحب من عباده، فيضع في قلبه الأمل، وفي نفسه الخير، وفي روحه الصدق، بل يجعله في شوق دائم إلى الحق والعدل والسلام والتسامح والنقاء.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

محمد توفيق علاوياول مسرح أنشأ في العالم كان في بلاد ما بين النهرين (العراق) قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد حيث كشفت التنقيبات عن مسرحين بتصاميم مميزة مكشوفة السقف مستطيلة الشكل بها مداخل خاصة للجمهور ومداخل خاصة للممثلين، كما وجد نصين مسرحيين كاملين احدهما بعنوان (رثاء اور) تعود الى الالف الثالث قبل الميلاد والثانية بعنوان (حوارية  السيد والعبد) يعود إلى الالفية الثانية قبل الميلاد؛

لقد اندثر المسرح العراقي بعد ذلك لاسباب مجهولة ثم برز المسرح الحديث في عام 1889 حيث عرضت مسرحية (نبوخذ نصر) في احدى الكنائس في الموصل.

يوم 27 آذار هو يوم المسرح العالمي، إن أول دولة احق باحياء هذا اليوم هي الدولة الاولى في العالم التي أنشأت المسرح وهي ارض الرافدين، لقد كانت مدينة البصرة هي الرائدة  في احياء هذا اليوم العالمي ولكن للاسف الشديد تم الاكتفاء باحياء هذا اليوم على كلية الفنون الجميلة اما فنانو البصرة فقد رثوا ايام مسرحهم.

لقد اعجبتني كلمة للفنانة المسرحية سحر البصري في قولها (إذا صرخ المسرح سكتت المدافع)؛ لا بد من إعادة إحياء معالم التطور والمدنيّة المتمثلة بإعادة المسرح وبناء دار الاوبرا وهو انعكاس لرقي المجتمعات، وهذا ما سنسعى له بمشيئة الله في تحركنا للنهوض بالبلد تحت مسمى مشروع (المنقذون)، مع وافر تهانينا وتقييمنا للفنانات والفنانين العراقيين في يومهم العالمي للمسرح.

 

محمد توفيق علاوي

هاشم عبود الموسويتتفق كل الاداب في العالم على ان استعمال الاسطورة كأداة للتعبير عما يسمى بالاتجاه العام. فالاسطورة رغم ماتحويه من عنصر الخرافة، مخلوقات غريبة، وقائع مستحيلة، تصبح في مجمل الموقف الذي تعرضه. ومن خلال شخصيات تنوء بمجمل هذا الموقف ، اكثر فعالية في الكشف عن الوضع الانساني واشد ملامسة لاغواء النفس البشرية الاحداث الواقعية اذ يذكر (خلدون الشمعة) في لا مدخل الى مصطلح (الاسطورة بأن الاعتراف بأن المضمون الواقعي لاستبصارات الاسطورة ينطوي على قيمة خاصة). هذة المفارقة لابأس كانت مدركة لدى كتاب العصر الكلاسيكي، وهو ما يفسر اصرارهم على الاستعانة بالاسطورة كمادة لموضوع الشعر. وفيما يخص الشعر الادرامي (التراجيديا) فأن الاسطورة تصبح ضرورة صعب تجاوزها اذ ان فن عرض المأساة ليس في صميمه ، الا فن تصوير مأساة الانصات وقد يقال بأن الخيال هو اقصر الطرق التي يمكن ان تؤدي الى الحقيقة.

 

د. هاشم عبود الموسوي

 

محمود محمد عليفي الحادي والعشرين من شهر مارس الجاري احتفلنا في مصر بعيد الأم،، حيث يلتف الأولاد حول "ست الحبايب" فى المنازل لتقديم الهدايا، فى انتظار دعوات خالصة من الأمهات، بالصحة والستر وراحة البال؛ وهذا المشهد المألوف فى جميع منازلنا المصرية، محرومة منه بعض السيدات، اللاتى يقبعن خلف أسوار السجون، بتهمة الفقر، سيدات يعرفن هناك بـ"الغارمات"، لم يقتلن أو يسرقن أو يتاجرن فى المخدرات، وإنما دفعتهن الحاجة و"العوز" إلى مد أيدهن للغير للاقتراض، والتوقيع على إيصالات أمانة بمبالغ أضعاف ما حصلن عليه، وما أن حل موعد السداد وعجزن على الإيفاء بالأموال، وجدن أنفسهن خلف أسوار السجون.

ولهذا العيد قصة، فقد جاءت أم تشكو عقوق ابنائها وقد مات زوجها وهم صغار وربتهم ولم يدركوا ما عانته في تربيتهم وكيف عملت في أكثر الأعمال الدنيا والبسيطة حتي تربيهم وظلت تحكي قصتها لأستاذنا علي أمين وتبكي، فقال لها سوف أكتب مقالاً أعنفهم فيه واشرح لهم كيف أن امهم تعبت معهم وانهم أبناء عاقون، سوف أكتب عنهم بالاسم ليعرف من حولهم عقوقهم وأنهم لا يستحقون الاحترام ولا التعاطف ولا الشهادات العالية والمهن الراقية التي يعملون بها فصرخت رافضة أن يذكر أسماءهم لأن ذلك سيفضحهم وهي لا تريد ذلك. وعندما طالبها بأن تقترح نوع العقاب.. فرفضت كل اشكال العقاب فقالت له أن ذلك مجرد "فضفضة" وأنها لا تريد منه أن يكتب عن أولادها ما يسئ إليهم. وبعد أن سمعت تلك الحكاية من الاستاذ علي أمين تعجبت من تضحية تلك الأم. وقد جاءت فكرة عيد الأم للأستاذ علي أمين وأن يكون أول أيام فصل الربيع حيث التفتح والعطاء في كل مظاهر الحياة .

وفكرة عيد الأم تعول علي أن الله تعالى كرَّم الوالدين تكريمًا خاصًّا باعتبارهما مظهرًا كونيًّا تتجلى فيه صفة الإيجاد والخلق للإنسان واستمرار وجوده، وعلى ذلك تقوم العلاقة بين الولد ووالديه على الإنسانية المَحْضَة، فلا يوجد نظامٌ اجتماعي عبر التاريخ لم يتمسك بهذه القيمة النبيلة، فضلًا عن أن تكون مسألةً تحث عليها الأديان والشرائع.

ولهذا أوجب اللهُ تعالى ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم على الأبناء بِرَّ الوالدين وإظهار كل ما يصدق فيه الإحسان من الأقوال والأفعال والبذل والمواساة عند التعامل معهما بعد الأمر بإفراده بالعبادة وصدق التوجه إلى حضرة قدسه، فقال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا) [الإسراء: 23-24].

عيد الأم يوم من الأيام التي تستأهل توقفا من جيل غابت عنه الفكرة، وأضاع المعني الكامن في الفكرة، واستهان باللفتة، وأشاح بوجهه لاهيا، وطفق يلهو ويتلهي، ونسي او تناسي أمه، قبر يلمه، ولم يجلس تحت قدميها، ولم يطعمها بيديه، ولم يقبل رأسها، ونسي نفسه ونسيها، صار نسيا منسيا، وأمه هي نفسه المعذبة التي تاهت منه في الزحام.

الأم، نبع دائم وفيض جارف من الرحمة، تعطي فتحسن، عطاء متميزاً لا يضاهيها فيه أحد، إنها الخير الذي لا ينقضي والنبع الذي لا ينضب، وهي التي إذا هزت مهد أبنها بيمينها فإنها تهز العالم بشمالها، فكل أم مهما كان شأنها اعطت وضحت وكانت أيامها مشقة وعناء في إعداد أجيال سوية صالحة، بدون انقطاع وحتى آخر يوم من حياتها يتواصل عطاؤها وتضحيتها دون نضوب ولا كلل، الأم قدوة جعل الله برها من أصول الفضائل وجعل حقها أوكد من حق الأب لما تحملته من مشاق الحمل والوضع والإرضاع والتربية.

إن قيام الأم بتربية أولادها وخدمة زوجها وإدارة شؤون البيت يرقيها إلى أعلى الدرجات وعملها الصالح يعادل جهاد الرجال في المعارك وثواب صلاة الجمعة في المساجد؛ فالأم رمز خالد لأن مشاعر الأمومة لا تتغير طبيعتها، ومهما كبر ابناؤها وتزوجوا وانجبوا لها الأحفاد تظل الأم أما وتبقى مشاعر الحنان والحب والإيثار والاهتمام مختزنة في صدرها، لا تؤثر عليها تراكمات السنين وثقل الشيخوخة  أو العوامل اليومية بتعقيداتها التي تمر بها فلن يكون عبئا على كاهلها إن هي سعت وبكل الطرق كي تقدم ما يمكنها تقديمه دون تردد ولوحت على حساب راحتها وسعادتها فقط من أجل أن تلمح الابتسامة مرسومة على محيا أبنائها فتسعد بذلك لسعادتها، لن يكون كثيرا عليها بذل ما تبقى لها من جهد أو طاقة أو مال، رغم ما قد يكون بها من خصاصة من أجل كفكة دموع أحدهم ومسح همومهم التي تعتري مسار رحلتهم في هذه الدنيا الواسعة، فيا لرحمة الله تعالى الذي أنساها متاعبها في الحمل بشوقها إلى رؤية وليدها بين ذراعيها، واستعذبت الأم الوسع رجاء أن تنعم مبن يدفئه صدرها وترعاه في رفق عيناها ولا يغيب لحظة عن قلبها هو منها وبها، تسهر لسهره سعيدة راضية ترعى منامه حانية قريرة العين، لا تمله وأن أملها أو أذاها ولا تضيق به وأن اتعبها وأشفاها، لأنها سر وجوده، نور حياته، جاور قلبها تسعة أشهر وعاش فيه ما قدر الله لها أن تعيش، يشغل يقظتها ومنامها، وهي نفسها من يتسع له صدرها إذا ضاقت به الدنيا، والمأوى الآمن إذا الدهر يوما عاداه، عاطفتها .

نعمة عظيمة لا يستنكف عن سكرها العظماء، وهي الجنة لا يحظى بها إلا الأبرار والسعداء، هي الأحق بالصحبة والرعاية، وهي الأولى بالرب والعناية وما طمع فيه الأبناء بالأمس من بالغ عطفها، وعامر حنانها ليس له مثيل سوى أن تصان حرمتها في كربها، يطلب رضاها الجميع، وبرها خير ما يتقرب به إلى المولى عز وجل، أن ابتسامة عند لقاء الأم، أو كلمة طيبة، تدخل السعادة إلى قلبها أو قبلة حانية تطبعها على جبينها ويديها أعمال جليلة عظيمة لا يحيط بثوابها إلا الله سبحانه وتعالى، كما لا يقدرها حق التقدير إلا كل بار يدرك أنه لولاها ما كان هو، ً ولولا رعايتها ما استوى، والذي يعي تمام الوعى أن الأم التي استهلكت شبابها ليسري وليدها شابا عفيا، استنفذت قواها ليقوى هو وتعبت هي ليستريح وسهرت الليالي لينام ومل تسعد إلا إذا سعد ولا تسبع إلا إذا شبع.

وما نود أن نؤكد عليه أن تكريم الأمومة والاحتفاء بها إنما هو بتكريم المعاني النبيلة التي تتمثل في كل أم فاضلة تسير علي هدي الفطرة الإنسانية السليمة وتقوم بواجباتها نحو أسرتها وأبنائها وتؤدي هذه الحق بأمانة وإخلاص.. ان عاطفة الأمومة هي أعمق العواطف وأسماها.. إنها فريدة في نقائها وعمقها وصفائها.. إنها أصل كل ما في الدنيا من خير وبر ورحمة.. إنها نهاية الكمال لأنها منزهة عن كل هوي.. إنها قوية كالحق ونقية كالخير.

جاء رجل إلي رسول الله فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟

قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك.. قال: ثم من؟ قال: أمك.. قال: ثم من؟ قال أبوك.. وجاءه رجل يسأله عن بره بأمه وكيف أنه أدى مناسك الحج وهو يحملها على كتفيه هل يكون بذلك قد وفاها حقها فقال صلى الله عليه وسلم: لا ولو بطلقة من طلقات الولادة، وقد قيل قديما "الجنة تحت أقدام الأمهات" ولا يختلف أحد على ذلك لكن في زمننا هذا صار الاحتفال بعيد الأم تقليدًا نتبعه بعد أن أقرته الأعراف..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........

1- د/ شوقى علام: يوم الأم.. مقال منشور .

2- نعم الباز: عيد الأم.. له حكاية.. مقال منشور.

3- حمدى رزق: عيدٌ الأم.. بِأَيةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ.. مقال منشور.

4- محمود عبد الراضى: فكوا كرب الغارمات قبل عيد الأم.. مقال منشور.

5-صبحة بغورة: كل سنة وأنت طيبة يا أمي، الأمن والحياة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، مج33 ,ع3، 2014، من 385-387.

6- محمد عمارة: عيد الأم.. تكريم للمعاني النبيلة.. مقال منشور.

7- محمود فتحى: مأساة عيد الأم.. مقال منشور.

 

 

يسري عبد الغنيعاب الكثير من النقاد على الشاعر المصري الرومانسي ابراهيم ناجي أنه كان منصب تركيزه على الشعر العاطفي الرومانسي وقصائد الهجر هي أغلب ما تركه للأجيال، غير أن هناك رأي آخر يرى أن الشاعر من جهة لم تجمع كل قصائده فإنتاجه الحقيقي أكبر من الدواوين القليلة المجمعة ولم يكن يهتم بحفظ شعره الذي ألقاه في العديد من المناسبات والدليل على هذا كشف الأستاذ حسن توفيق للعديد من القصائد المجهولة للشاعر بإصدار الأعمال الشعرية الكاملة، ومن جهة أخرى فهناك العديد من القصائد التي تبرهن على حبه لأمته العربية، ومن الفريق الأول الدكتور والأديب محمد مندور بقوله "قد أوشك معظم شعره أن يصبح قصيدة غرام متصلةٍ وإن تعدّدت أحداثها وتنوّعت أنغامها"، ومن الفريق الثاني الدكتور طه وادي الذي رأى بأن قصيدة "ليالي القاهرة" نوعٍ الغَزِل العجيب لحبٍّ آخر وحبيبةٍ أخرى، وأنّه غزلٌ في حبّ مصر، وحسرةٌ على ما أُصيبتْ به من عدم القدرة على قهر أعدائها، كذا الأستاذ الناقد مصطفى يعقوب عبد النبي والذي برر الأمر بكثرة القصائد المجهولة لناجي. ومنها قصيدة بعنوان "المجد الحي" ضمن كتاب "أدب العروبة" الذي أصدرته جماعة أدباء العروبة وهي جماعة أدبية ترأسها الوزير الأديب إبراهيم الدسوقي أباظة ومنها

يا أمّة نبتتْ فيها البطولاتُ     لا مصر هانت ولا الأبطال ماتوا

ويدل أيضا على ذلك قصيدته المنشورة ضمن "المجلّة الطبية المصرية" عام 1937 ضمن رصد وقائع المؤتمر الطبّي التاسع الذي حضره عددٌ من الوفود الطبيّة العربيّة ومنهم إبراهيم ناجي قال فيها:

يا شاعرَ الوادي وغرّيد الرّبى    قُلْ للضيوفِ تحيّةً وسلاما

مصرالعريقُ وفادُها حفَظْتُ لكُم َ هْداً على طُول المَدى وزِمَاما

لستُمْ بها غُرَباءَ، أَنْتُمْ أَهْلُها أَنّى حَللَتُم تَنّزِلُون كِراما

ومنها أيضا:

الشّرْقُ مَهْدٌ للنبوغِ ومَوْلدٌ للمجْدِ فيه رَبَا وشَبّ غُلاما

زَكَت النبوّة في حِمَاهُ ورعْرعتْ وتألّقت كالفرقديّنِ نِظَاما

مُوسى الذي شَقّ العُبابَ وفجّر الصخّر العنيدَ سواكباً تترامى

عيسى الذي فدّى الوجودَ وعلم الغفّران والإحسانَ والإكراما

ومحمّدٌ يَكْفيكَ أنّ محمّداَ بيّن البريّةِ أَوْجَدَ الإسلاما

هذا هو الشّرْقُ العظيم لم يَزَلْ نوراً لمن رَام الهدى وإماما

ومن قصيدة بعنوان مصر يفتتحها بقوله:

أجل إن ذا يوم لمن يفتدي مصرا فمصر هي المحراب والجنة الكبرى

أجل عن ماء النيل قد مر طعمه تناوشه الفتاك لم يدعو شبرا

فهلا وقفتم دونها تمنحوها أكفاً كماء المزن تمطر خيرا

سلاما شباب النيل في كل موقف على الدهر يجني المجد أو يجلب الفخرا

تعالوا فقد حانت أمور عظيمة فلا كان منا غافل يصم العصرا

شباب نزلنا حومة المجد كلنا ومن يغتدي للنصر ينتزع النصرا

***

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

 

ذكرى البياتي صديقي أقول لك أنا

تروقني الأشياء المستحيلة دائماً، والتي تجلب معها مقدار صدق الأصدقاء الأوفياء، وقوة الحب التي تكمن في قلب كل منا

الحب الذي ليس من أول صفعه يا صديقتي قدر يغادر الحب الذي نمشي اليه، مهما رفضت الأيام وجودنا معاً

دائماً أرى الحب في قلوب الكثير من الاشياء والمواقف التي لا تتخطاها يد واحدة بل يد بيد  ياصديقي مع من نحب.

فمازال منظر الرجل في عمر عدى الستين ممسكاً بيد زوجته لا يسبقها خطوة، دائماً هكذا جنبا الى جنب متوازيين في هذا العمر الطويل من الأشياء الحلوة والمرة التي عاشاها معاً، يعاملها كانها فتاة في بداية الثلاثين مدللة

كم أرسم خيالاً كهذا كل ليلة، وأنا أردد الحب يجب أن يكون

هكذا أن نهزم معاً مع كل ذكرى ستكون منذ لقائنا الأول ونظرتنا الأولى خفقة القلب أرتباكنا، أشتقنا لصوت قلوبنا،صمت السنتنا ،

ونظل واقعين في غرام هذا اليوم للأبد، أمنية لوجود هذا الحب

سأحضى بك وأن كنت على هامش الحياة ونضحك كثيرا .

لأخبرك بمشاغباتي وثرثرتي وحديثي عنك مع رفيقاتي رغم جهلي بك ومن تكون

وأخبرك كيف أحدث ربي عنك،  وأنا استودعك آياه كل يوم

فطريق المحبين بالصبر يبنى معاً

أنا أعلم إننا سنمر بأوجاع لكل شئ،  وضعت دعاء مننذ الان

سأنتظرك لكي أقص لك ذلك وأنا على يقين،

لا أعلم من هو ولكن اللهم استودعتك اياه وقلبه حتى القاه .

***

ذكرى البياتي

 

جمال العتابيإذا كانت حيوات مئات المبدعين الراحلين لم تأخذ سبيلها للتسجيل الصوري الحي، أو حتى الصوتي الشائع، فأن المؤسسات الثقافية والفنية قد سجّلت على نفسها شهادة تقصير بحق الأحياء منهم على الأقل، إذ لم تستدرك حتى الآن خطأها الجسيم في هدر كل ذاك التاريخ الذاهب إلى مقابر النسيان.

إن مبدعاً مدعواً للحياة من جديد في مدى الصورة المرئية والمسموعة، سيعانق دون شك أفقين في آن واحد، أفق الآخر، وأفقه هو بالذات، فيما يصبح ساكناً لحيز حياتي جديد، متخطياً الأبعاد، محرراً من القياس الذي تحتويه كل المسافات، ذلك لأنه ينتقل إلينا، ويديم حياته بيننا، ويأتي ليلتقي بنا دون أن يحجبه عامل الزمن أو يغيبه النسيان، وهكذا يعيش تاريخنا الثقافي والفني المشترك، كما لو كان نبضة حيّة في وحدة الوجود.

وإذا كنا ندرك الآن بأن منطق الحياة في هذا العصر، أصبح يتخطانا ليس بالزمن وحده، وإنما بكل التراكم الكمي لمبتدعات العلم والتكنولوجيا، فأن مراسم العزاء لم تعد قادرة على إحياء ذِكر من تقام لأجلهم بحكم العادة، كما انها لاترفع عنا طائلة الذنوب بحق من عاشوا بيننا دونما قدر من عناية ورعاية وتعاطف، ولو كان على  المبدع الراحل أن يجرح إحساسنا بلسان صمته الأبدي، لأسمعنا مرّ العتاب على حياة قضاها بيننا، فلم يجز فيها مستراحاً من صراع، أو مزاحمة في رزق، أو حسد على كسب، أو وظيفة، أو متاع، وهي صورة تقلب النفاق الإجتماعي إلى ما يشبه المساءلة عما يمكن أن يجابه به من رد أخلاقي تكفله القوانين وليس الأعراف.

مثل هذه الظاهرة لابد أن تدرس بعناية تامة، وبروح مدركة لأهمية الثقافة في المجتمع، ليصار في النهاية الى تشخيص أسبابها، وم ثم إزالة الأسباب بتشريعات تنظم العلاقات وترعى الحقوق، وتكفل الحد المناسب لحياة كريمة تحرر المبدع من مذلّة السؤال والفاقة والعوز، بعيداً عن مزاجيات من لا زالوا يعيشون تحت خيمة القبيلة، تحلّل وتحرّم وفق مصالحها، تزيّف الوعي الإنساني، وتنسف الأثر الحضاري، بذهنيتها المتخلفة الجاهلة.

من غيض ذلك الفيض، صور الاصدقاء المبدعين عاطري الذكر، شفيق، وبسام، وصلاح، وآشتي، وغيرهم كثرٌ، هؤلاء كانوا ينتشرون كأرج الورد، إبداعاً، وعملاً، وأصلاً ومعرفة، وقلوباً مفعمة بالحب يتسع لكل الناس، كانوا يكتبون ويرسمون، دون أن يضعوا حدوداً فاصلة بين الناس، لكنهم رحلوا بصمت، بعد أن تقطعت قلوبهم حسرات على أمنيات عزيزة لم تتحقق. في ٱن يصبح الإبداع موقع تشريف، لا سوق مهانة، وإذا كان الكلمة الطيبة ٱن تعطي شيئاً مهماً في هذا المجال فأنها ستفقد صدقها  ومعناها إذا  كانت دون رصيد أخلاقي ومادي.

 

جمال العتّابي

 

 

هاشم عبود الموسويلم تظهر فكرة اللاشعور إلا حديثا، وعلى العكس من ذلك، نجد القول بان الشاعر يسيطر على نفسه، والفنان الموهوب فكرة قديمة، قِدَم الدنيا. فهو في ساعات معينة لا يُسيطر على نفسه، ويلوح كما لوكانت فد استولت عليه قوة ما، ورفعته فوق ذاته و أصبح فريسة للحماسة والغيبوبة والنشوة.وتصبح الكلمات التي ينطق بها، و الأعمال التي يعدها في حالته هذه غير صادرة عنه، بل مما هو هو أعلى وأكبر منه .

أليس من المفيد أن نذكر بان مشاهير الحضارة اللاتينية القدماء يعتقدون بأنهم يقدمون للناس نداء الاآلهة و يتصلون بها ..

 هناك تقليد آخر لا يقل عن هذا قدما وتأكيدا، ويجري التعبير عنه بأمثلة سائرة كهذه: العبقرية صبرٌ طويل الأمد .. أو .. عمر الفن مديد والحياة قصيرة’، ودواوين"فن الشعر" ـ:{تكرر تعاليم "هوباس وباولو" بعد أن تعكسها فيقول:

ضع عمك الفني مائة مرة على آلة النسيج، وفي مثل هذه الأحوال يظهر العمل الفي، لا كهدية تهبط من السماء،بل كثمرة جهاد مرير وعمل متواصل وهكذا يحل "الشاعر العاقل" محل الشاعر الملهم، ولا يصبح؛ الفنان موهوبا تفضله الآلهة أو ربات الشعر، على غيره، بل عاملا كاداحا صانعا ماهرا .

إن هذين التقليدين في الحقيقة يتصفان بالتكامل اكثر مما يتصفان بالتناقض. فإذا تركنا جانبا و مؤقتا تلك الناحية التي تكاد تكون "دينية" فيهما،لرأينا أن الفنان في آن واحد ملهم وصانع ماهر.. ولوجدنا أن الوحي يدفع بالعمل و ُبضفي عليه خصبه، ويشير إليه أحيانا.

 

هاشم عبود الموسوي