صادق السامرائيأبوه وصيف من الذين إشتراهم المعتصم، وقد تقدم في سلم القيادة وكان قائدا له شأن، وقتله جنوده، فتولى إبنه الأمر من بعده.

وصالح بن وصيف، قائد عسكري تركي في سامراء، تعاظم أمره في زمن المتوكل، فكان من قادته المقربين، ورافقه في رحلته لدمشق (243) هجرية،  التي كاد أن يستقر فيها.

وتتميز شخصيته بالقسوة والتوحش، وفيه الكثير من الخصائص السايكوباثية، فهو جزار فظيع، ويتلذذ بترويع الآخرين، ويتفنن بأساليب القهر والإذلال، ولديه الكثير من أتباعه الذين يجيدون مهارات التعذيب الشديد.

وهو قاتل (المعتز بالله) وخالعه ومعذبه حتى الموت، والمستولي على أموال والدته قُبيحة التي أنكرتها على ولدها، وقد قتله (موسى بن بُغا) بعد أقل من سنة من قتله للمعتز بالله.

أبوه من القادة الذين برّزهم المعتصم وإعتمد عليهم، فصار صاحب شأن ونفوذ، وهو الذي تآمر على قتل المتوكل، وإبنه صالح قتل إبن المتوكل، في زمن (المهتدي بالله) والذي تم قتله لأنه متّهم بالتحالف معه، فهو الذي نصّبه خليفة  بعد أن عذّب إبن عمه أشد العذاب،  ومن ثم قتله.

ويبدو أن المهتدي بالله قد تألم لمقتل (صالح بن وصيف)، فأرسل بكتاب إلى (مكيال) (الذي آزر موسى ضد صالح) يطلب منه قتل (موسى بن بغا) و(مفلح التركي) الذي كان معه أو يمسكهما، فأطلعَ مكيال (موسى بن بغا) على الكتاب، والذي قفل راجعا إلى سامراء، لخلع المهتدي بالله وقتله، وقد تم له ما أراد.

وهذا السلوك يدل على عدم ذكاء المهتدي بالله وسذاجته، وتركيز إهتمامه على النيل من أبناء عمومته خوفا من منافستهم له على الخلافة.

وكان صالح بن وصيف الآمر الناهي في زمن المستعين بالله، وقد تحالف مع بغا التركي لقتل (باغر التركي) الذي فتك بالمتوكل.

وهرب هو وأبوه وبغا مع المستعين بالله إلى بغداد، ثم عاد ليبايع المعتز بالله، وبقي هو الآمر الناهي في شؤون الدولة، ومن ثم قتلَ المعتز بالله وصادر أموال أمه وأهانها ونفاها مع حفيدها إبن المعتز.

كان المعتز بالله مرعوبا من صالح بن وصيف، فهو القاعل المطلق وكل مَن حوله مفعول بهم من قِبله.

وقد ذكر السيوطي في كتابه تأريخ الخلفاء، أن (موسى بن بغا) قد جاء لقتل صالح بن وصيف بدم المعتز بالله، ودارت بينه وبين المهتدي بالله (أسير صالح بن وصيف)، مساجلات كلامية، وتهديد بالحبس وغيرها، وما كان المهتدي بالله ذكيا وقادرا على إستثمار الحالة، فإنتهت بقتل  صالح بن وصيف والمهتدي بعد ذلك، الذي تم تعذيبه وعصر خصيته حتى مات وهو في عمر ما بين (35 - 40) بعد أن تولى الخلافة لأقل من سنة بإسبوعين.

ففي الفترة (252 - 256) هجرية، أنطلقت نوازع صالح بن وصيف الوحشية القاسية ففتك بقادة وخرب بيوتهم ونهبها، وتأسد على الجميع في سامراء، فلا من أحد يستطيع أن يواجهه أو يتعارض معه، فعبث بالمدينة والعباد، حتى نال جزاءه، بقطع رأسه والتطواف به، وعرضه على العامة، والفتك بأهله وماله وقصوره التي خربت وأنتهبت.

ومما قام به أنه جلد (إبي نوح عيسى بن إبراهيم)، كاتب قبيحة، و(أحمد بن إسرائيل)، وزير عند المهتدي بالله، (500) سوطا، وصادر أموالهم، وطوّف بهم على بغلتين حتى ماتا، وما إستطاع المهتدي بالله أن يقول شيئا سوى التأسف!!

ولم يكن المهتدي بالله سياسيا ولا يمتلك مهارات القيادة، وكان معتمدا على الذي جاء به من منفاه وسلمه مقاليد الخلافة، وإنتقم له من إبن عمه، وكان عليه أن يجعل بأسهم بينهم، ويكون هو الخليفة المتنفذ المطاع، لكنه بقى وفيا لرب نعمته وحاميه في قصر الخلافة، وفي صدره تتأجج روح الإنتقام من أبناء عمومته، حتى إنتهى الأمر بقتله.

وأثناء إحتلال (موسى بن بُغا) للجوسق وتنفذه فيه، كان المهتدي بالله يجلس لمحاكمة إبن عمه (أحمد بن المتوكل)، وربما كان يريد قتله، قاستدعي للجوسق وواجه ما واجهه من التحدي والإذلال، حتى أخلوا سبيله على أن يعاهدهم أن لا يكون مع (صالح بن وصيف) الذي يشكّون بأنه يعرف أين يختبئ.

والمهتدي بالله هو القائل حال توليه الخلافة بعد إجبار المعتز بالله على التنازل عنها وأمامه : " لا يجتمع سيفان بغمد"، مما يعني أنه أعطى الإشارة بقتل إبن عمه!!

وقد رثا المهتدي بالله صالح بن وصيف بقوله:" رحم الله صالحا...فقد كان ناصحا، لم يزل في فعله...نافذ الرأي ناصحا، ثم أضحى وقد ترا...مى به الدهر طائحا، المنايا إن لم تغا...دك جاءت رائحا".

ويبدو المهتدي بالله شخصية إنتقامية غريبة الأطوار، ويتماهى مع هذا الوحش الفتاك المنفلت النوازع، والمعبر الأشرس عن أمّارة السوء الفاعلة فيه!!

قد يبدو المقال فوضويا كتعبير عن فوضى سامراء آنذاك!!

 

د. صادق السامرائي

 

محمد السعديغادة السمان .. كاتبة وأديبة وشاعرة سورية ناشطة في الكتابة والنشر والفكر والجرأة في طرح الافكار حول قضايا المرأة والمجتمع والتقاليد والتحرر، ولدت في العاصمة دمشق مطلع الاربعينيات لعائلة سورية دمشقية ميسورة الحال، والدها كان من رجالات الدولة والعلم والأدب، ومن هنا كانت بداياتها الاولى مع الإبداع والادب والحياة، من منفاه الباريسي تواصل معتركها الادبي والسياسي في الصحف والمواقع وأرشيفها الشخصي من تجارب حب ورسائل عشق جمعتها مع شخوص مروا بحياتها، وتركوا أثراً يحكى به، مما سجلت سابقه واضحة وجريئه في العلاقات الانسانية في أطر تقاليد مجتمعاتنا المكبلة بالقيود والتخلف، أنها لمعة إستثنائية في عالمنا اليوم وفي جرأتها بنشر رسائل الحب وعشق مع شخصيات مهمة في عالم الادب والنضال وعلى الرغم ما تعرضت له من المتابعين والنقاد بتقليل من أهمية تلك الرسائل وتسطيحها والتقليل من اهمية كتبها التي سطرت بها رسائل الشاعر اللبناني أنسي الحاج والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني، ووصفها البعض إنها بلغت عتياً من الزمن وبدافع اليأس والمرارة .

الكاتب والروائي الجزائري الفرنسي ألبير كامو ورسائل الحب مع حبيبته الفنانة والممثلة ماريا كازاريس عبرت عن أسلوب أدب جديد في عالمنا بما حملتها تلك الرسائل من معاني حب وود ولفهة بين عاشقين يتبادلان في رسائلهما درجات الشوق وروح الوفاء ورؤية واقعية لتطورات المجتمع ومعتركات السياسة في الادب الاوربي .

سجل كارل ماركس الشخصي والانساني عندما وبسبب قحالة الظرف الصعب بحياتهما الزوجية حملت زوجته جيني بناتها الثلاثة من لندن الى المانيا، هرباً من العوز والجوع . وكان ماركس يكتب لها الرسائل ممتلئه بالألم والأمل في المستقبل القريب وشوقه الطافح بالحب والحنين لها .

الذين مروا بحياة الاديبة غادة السمان الشاعر كمال ناصر والشاعر اللبناني أنسي الحاج، لكن الأكثر صخباً وعنفواناً هو الشاعر والسياسي الفلسطيني غسان كنفاني وهذا ماورد في سيرة غادة السمان بنشرها رسائل غسان لها وما حملت من مشاعر حب وهموم مشتركة وقضايا ملتهبة .

تزوجت غادة مرة واحدة في حياتها من مالك دار نشر الطليعة في بيروت بشير الداعوق البعثي الانتماء وقومي الهوى وأنجبت منه ولداً أسمته حازم تيمنناً باحد ابطال روايتها (ليل الغرباء) . تعرض زواجها الى سيل من الافتراءات والسيناريوهات واعتبروه بمثابة علاقة النار بالثلج لاختلاف طباعهما، ونظرتهما لجدلية ومعترك الحياة اليومية، لكن في حياتها الزوجية الجديدة دحضت تلك السيناريوهات التي أخرجت مسبقاً عن سيرة حياتها الزوجية، فعاشت حياة زوجية طبيعية وشاركته بهموم الحياة ومسراتها، ولازمة حياته بأصعب ظروفه في تعرضه الى المرض، وظلت مخلصة له الى آخر يوم في حياته، لكن في حياتها وفي جانبها المخفي والممنوع، والذي كشف عنه بعد سنوات تفاصيل وأسرار من قصص عشق ورسائل حب مع مبدعين عرب في محط اهتمام وتناول روادها ومعجبيها ومتابعيها .

كانت أحدى رسائل المناضل والشاعر غسان كنفاني الى غادة . يقول لها ..  (أنت من جلدي، وأحسك مثلما أحس بفلسطين، ضياعها كارثة بلا أي بديل، وغيابها دموع، تستحيل معها لعبة الاحتيال).

فردت عليه .. ايها البعيد كذكرى طفولة، أيها القريب كأنفاسي وأفكاري أحبك وأصرح بملؤ صمتي أحبك .

ولعدة سنوات كانت الرسائل متبادلة بينهم الى حد الهيام لكنهما لم يلتقيا الا مرتين، وكان هذا النوع من الادب الراقي والغير رسمي والممنوع في مجتمعاتنا، وغير متعارف عليه في اوساطنا الأدبية .

وتكتب له مرة أخرى في روعة لهفتها له .. ضمني أليك كالكفن وكن موتي الاخير:

تلك الرسائل، التي أطلق سراحها أعتبرها البعض تمس وتأثر على جانب مفاوضات ” أوسلو في وقتها . ومن يتابع نشاطات غادة السمان على مستوى الشاشة واللقاءات الصحفية فهي مختفية تماماً بعد أن اصيبت بخيبة أمل كبيرة بآخر أطلاله لها من القاهرة، بعد أن أكتشفت أن المذيعة التي تجري الحوار معها لم تقرأ حرفاً واحداً من منجزاتها الادبية  ولا عن أهم محطاتها الحياتية.

في عالمنا اليومي المتردي والمرتبك على المستويات الانسانية والفكرية والتراجعات الحياتية في بناء الانسان ووعي الشعوب، تعد غادة السمان من الرائدات العربيات في منجزها الفكري والاجتماعي من أفكار وآراء حرة وجريئة في أختراقاتها للممنوعات ودعوتها الى التحرر والتوق والانسان .

***

محمد السعدي

مالمو/ حزيران ٢٠٢١ . 

 

ناجي ظاهرمضت فترة ليست قصيرة من الزمن، ونحن نردّد اننا نعيش حاليا مرحلة انتقالية في واقع منطقتنا والعالم عامة. ويرى الكثير من المتابعين كما تصرّح كتاباتهم وتلمح، في مقدمتهم الناقد السعودي عبدالله الغذامي، اننا نعيش مرحلة الانتقال من ثقافة النخبة الى الثقافة الشعبية، او الثقافة التفاعلية، كما يرى الباحث المغاربي سعيد يقطين. ان هذه الفترة- فترة ازدهار وسائل الاتصال الاجتماعي-، تتصف بالكثير الكثير من الفوضى، الا انني اعتبر نفسي واحدًا من المتفائلين فيما ستتمخّض عنه من نتائج.

فيما يلي اود الاشارة الى عدد من صور الفوضى الحاصلة:

* لاحظت كواحد من المهتمين بالشأن الادبي الثقافي، خلال متابعتي ما يكتبه وينشره اخوة ، بعضهم كتبوا ونشروا منذ سنوات بعيدة، خلال تطرقهم الى هذا الكتاب او ذلك الحدث الادبي، قولهم انهم ليسوا نقادا ولا يعتبرون انفسهم كذلك، وانهم انما يُدلون برأي عنّ لهم او خطر في بالهم!! وينزل هؤلاء بعدها نقدًا وتشريحًا فيما يتعرّضون له وكأنما هم اعلم العلماء، وارفع النقاد معرفةً. لا شك في انه من حق كل انسان ان يقول رأيه في هذه القضية او تلك، خاصة ان الحديث يدور حول قضايا عامة وتهم الكثيرين، الا انني انبّه هنا.. الى امر غاية في الاهمية كما ارى، هو ان هناك فرقًا كبيرًا بين من يعرف ومن لا يعرف، بين القارئ النموذجي والقارئ العادي، بين الناقد الراسخ والناقد العابر، ففرقٌ كبيرٌ بين رأي المثقف العابر العادي والمثقف المتخصص، ولعلّي اشير في هذا السياق الى ما ذهب اليه الاديب المترجم السوري الراحل سامي الدروبي في كتابه " علم النفس والادب"، عندما ميّز بين المقصودين.. فلينتبه الاخوة عند قراءتهم مادةً نقديةً الى من كتبها ومدى معرفته ورسوخ قدمه في المجال القولي.

* من صور الفوضى الجارية، كثرة الكتاب وقلة القراء، وقد اشار اكثر من كاتب وباحث الى هذه الظاهرة، رائين فيها بشكل او بآخر موت الكاتب او: " موت الناقد"، فقد مضى كما يرى هؤلاء زمن سلطة الناقد، وابتدأ "زمن اللايك"، فبينما كنا في الامس القريب ننتظر ما يقوله الناقد، بتنا في هذه الفترة، ننتظر ما يقوله القراء، ولا نبتعد كثيرًا عن الهدف من هذا الكلام اذا ما قلنا ان هذا الانتقال من سلطة الناقد الى سلطة القارئ، انما هو واحدة من صور الانتقال من ثقافة النخبة إلى الثقافة الشعبية. مع هذا ارى وهو ما يراه اخرون ايضًا ان زمن الناقد المتخصّص العليم العارف لما ينته تمام الانتهاء وان هناك فرقًا كبيرًا بين مليون قارئ عاديّ الثقافة او متوسطها وبين ناقد واحد متتخصّص. وربما كان هذا هو السبب الاكبر في ان الكثير من كتّاب وسائل الاتصال الاجتماعي، يلجؤون في العادة الي من يعرفون للاستفادة مما لديهم من علم ومعرفة بالشأن الادبي والثقافي.

* هذا الوضع كله افضى إلى ان يتحوّل مَن يعرف ومن لا يعرف، الى ناقد ادبي وفني وموسيقي وما اليها من الصفات، فراح بعضُهم يكيل المديح لهذا العمل "الابداعي"، او ذاك دون درايةٍ او معرفة، بهدف واحد وحيد هو ان يكسب ود صاحبه، ولتنضرب بعد ذلك كل اسس المعرفة المعتمدة وغير المعتمدة!! المهم ان "احك لك لتحك لي"، وبعدها يكون الفرج!! وقد لاحظت في هذا السياق ان الكل يمتدح الكل في وسائل الاتصال الاجتماعي، الفيسبوك خاصة، جهرًا، ويهجوه سرًا، الامر الذي دفعني للتفكير في السبب لأتوصل إلى أن السبب يكمن في ان الكل يخشى الكل، جراء قلة معرفته، الامر الذي يدفعه الى الظهور بوجهين، المادح في العلن.. والقادح في السر!!

* اتوقّف فيما يلي عند صورة اخرى من صور الفوضى، هي الاحتفالات التكريمية المجانية ومنح الجوائز والالقاب، اذكر انه في بداية انتشار وسائل الاتصال الاجتماعي.. قبل سنوات، ظهرت مجموعات فيسبوكية، وقد تشكلت هذه المجموعات من اناس متوسطي الثقافة والمعرفة ومن " مبدعين"، محدودي القدرات والامكانيات، وما ان لمس هؤلاء امكانية نشر ما يكتبونه بقواهم الذاتية، حتى بادروا الى النشر واصفين انفسهم، بما تمنوا واشتهوا من اسماء والقاب، غير عابئين بما يمكن ان يقوله اخرون عما كتبوه او نشروه، بل ان الكثيرين رددوا:" هيك طلعت معي"، وكأنما هم فوق المعرفة واسسها المتعارف عليها!! اما بالنسبة للاحتفالات التكريمية ومنح الالقاب، فقد برزت ظاهرة مريعة، تمثّلت في ان من لا يملك اعطى من لا يستحق. فأضيف الى الفوضى الحاصلة المزيد.

بقيت ملاحظتان اود ان اوردهما فيما يلي:

* احداهما ان صور الفوضى هذه خفّت وخفتت جلبتها في الفترة الاخيرة، بسبب خيبة امل اصحابها وفشل توقعاتهم، فمن اعتقد انه سيصبح علمًا يشار اليه بالبنان بين ليلة وضحاها، وعبر كتابة ضحلة.. ولا قيمة ادبية لها، ادرك بعد فترة من خوضه التجربة، ان "نقبه طلع على شونه"، وان وضعه الابداعي لم يتقدم قيد انملة، وقد تمثل هذا النكوص على مستوى المجموعات الفيسبوكية في تقلّص نشاطاتها وفعالياتها إلى نسبة الصفر بعد ان تجاوزت المائة في سنوات سابقة.. والسؤال الآن هو: هل نحن على ابواب مرحلة جديدة تتطلب منا البحث عن اساليب اخرى مبتكرة للاحتفالات الادبية الثقافية؟ اعتقد هذا.

* قلت انني مع كل ما قلت وقد اقول، اعتبر نفسي انسانا متفائلًا، وها انذا اوضح ما ارمي اليه، انني من المؤمنين ان كل تبدل وتطور، يبدأ كميًا وينتهي نوعيًا، من هذا المنطلق ارى الامل القريب القادم.. في ابهى صور التطور والتقدم.. فلنتفاءل بالخير.. لعلّنا نجده.

 

ناجي ظاهر

 

 

حمزة بلحاج صالحالمرأة في سياق مسطوري

الكتابة حالة من وحي واقعة ونازلة وحدث ومعاش..

أكتب عن الأنثى إنصافا وواجبا تمليه علي فهومي وكسبي العلمي بما يمنحني رؤية للإنسان..

تتعدى طروحات المساواة و" الهيمنة الذكورية"..

فالرجال والنساء بعضهم من بعض وبعضهم أولياء بعض..

ناظمهم وجامعهم وفيصلهم الإنسان..

أكتب عتابا للذكور في حالات عادية وأكتب منفعلا بحالة من رحم وقلب الواقع الذكوري تستفزني تثيرني..

عادة أكتب عن القضايا المفصلية المعرفية الثقافية المحددة لوجهتنا ومالنا ومصيرنا وراهننا..

لكن الكتابة أيضا إستفزار وانفعال وتفاعل وكابة وحزن وفرح..

يستفزك الإنسان ذكرا أو أنثى أو قيمة إنسانية مشتركة..

أو خصائص طبعية أنثوية وذكورية..

استعملت عبارة أنثى لأن من أخص خصائص الأنثى أنوثتها..

و منها أنها كالقارورة " رفقا بالقوارير"..

و سيمياء القارورة سرعة انكسارها وجماليتها كوعاء للورد ومزهرية  وقارورة عطر مثلا ومن ثمة لزوم الحفاظ عليها...

و للرجال خصائص طبعية وتكوينية تختلف عن الأنثى يذكرون بها..

و الجاري عموما هو أن هذا لا ينقص من تلك ولا يبجل هذا على ذاك..

بل لكل خصائصه الطبعية التي تضاف إلى ميزاته ومحاسنة الخلقية ( يعني التكوينية المتعلقة بخلق الله له)...

و ما كتبته في قبح بعض الرجال كثير كثير..

و ما كتبته إنصافا للأنثى كثير وكثير..

و ما كتبته في قبح بعض النساء موجود..

كتبت عن " القوامة " و في فهم حديث " ناقصات عقل ودين" بغض النظر عن سند الرواية لأنني إشتغلت بالمتن..

و كتبت في حملات تحميل المرأة مسؤولية الفساد والتضايق من حظوظ توظيفها في العمل وحصولها على فرص للعمل أكثر من الرجال دون مراعاة نسب الذكور والنساء في كل مجتمع وغيرها..

لا موقف لي دوني ولا سلبي من الأنثى عند من تعود وألف متابعة كتابتي وفحصها وتابعها بتجرد كلا لا بعضا أو مناسبة عابرة..

كتبت منشورا من قبل مباشرة من وحي واقعة صدمتني..

ولو كان المعني بهذا الحيف والظلم ذكرا لقلت عنه إنصافا بما يناسب خصائص الرجل..

مساواة الرجل بالمرأة كمساواة عينتين بخاصيتين مختلفتين وهو امر خارج المعقول..

من جنسين بتكوينين بيولوجيين وسيكولوجيين لا يسمحان بالحديث لا عن الأفضلية ولا عن المساواة ولا عن الدونية...

لنتحدث عن مساواة الإنسان بالإنسان تحت طائلة الحق والقانون والدين ..

الإنسان يعيش حالات القهر والظلم والتهميش والتجهيل ذكرا وأنثى..

قد تكون من بين تلك الحالات ظلم الذكور للإناث وهو ما يجب رفضه وقد تفرزه حالات ثقافية واجتماعية ونفسية تتبطن بالنص الديني..

قد تظهر من بين النساء المعروفات بلطفهن فلتة قبيحة أو قبيحات وذميمات الطبع فظات السلوك فهذا لا يعمم ويحمل غيرها من النساء تبعات قبحها..

و قد يظهر من بين الذكور حالات سوء وقبح وتهور فلا يتحملها كل الذكور..

الأصل هو إنسانية الإنسان كمرجع وإطار للكتابة والحراك الاجتماعي كسياق ..

و الكتابة انفعال يرتبط بسياق المسطور...

المرأة إنسان كالرجل والقوامة تكليف لا تشريف...

النساء شقائق الرجال ..

و لا فضل للرجل على المرأة على أساس مدعى القوامة المفهوم غلطا وخطأ..

القوامة تكليف لا تشريف..

و سؤال سر اختيار الرجل لا يختلف عن سر اختيار المرأة لو حصل ذلك فهو عند المناطقة القدامى سؤال دوري لا يتصل بالعقل والمعقولات..

هكذا اتناول في بعض كتابتي الشذرية المرأة تحت غاية كبرى ومقصد مركزي هو تحرير الانسان رجلا وامرأة من الهيمنات والاستلابات سواء تبطنت بالدين او بالعقل او الثقافة التحررية الغربية او بالاعراف الفاسدة التي امتزجت بالدين...

 

حمزة بلحاج صالح

 

نوميديا جروفيفيلم هيليوبوليس،جديد المخرج جعفر قاسم. الفيلم الذي جمع شمل العائلات في قاعات السينما من جديد بعد أن كانت فارغة ومغلقة لأكثر من سنة.

الفيلم عبارة عن قصّة مُستوحاة من حقبة تاريخية في الجزائر إبّان الاستعمار الفرنسي ويُجسّد أبشع جرائم فرنسا التي لا ولن تُنسى ما دمنا نتنفّس ونكتب ونُذكّر أبناء جيلنا والأجيال القادمة.

هيليوبوليس يحكي عن زمن الكولون الذي عمل لصالح فرنسا وكيف كانت امتيازاته من بيت فخم وعبيد وحقول، لكنه في المقابل باع نخوته وكرامته وووطنه للعدوّ وبقي عبدا مطيعا لأسياده.

الفيلم كان جدّ رائع من حيث الصورة، الألوان، الشوارع والثياب التي عادت بنا كلها عبر الزمن لتلك الفترة بالذات.

محفوظ ابن الكولون الشاب الذي رفض إتمام دراسته وترك بيته بترفه ليلتحق بأصدقائه المناضلين الشجعان.

إنه الابن الذي عشق ميصالي الحاج وكان يتوق للقاء فرحات عباس، ليكون في نهاية المطاف ضمن من حضر لمظاهرات 8 ماي 1945 الخالدة.

استشهد في الأخير رميا بالرصاص على مرأى والده الذي ترجى قاتله وأصبح كلبا مطيعا يُكرّر كل كلمة بعده.. الاب الذي ركع تحت علم فرنسا لأجل اطلاق سراح ابنه الوحيد.. رغم أنّ محفوظ رفض صارخا في وجه أبيه حتى لا يُطيعهم فيما أمروه وفضّل الموت برجولة وشموخ رافعا رأسه عاليا لأجل جزائر حرة.

* الفيلم رغم إبداع المخرج فيه لنقل رسالة للمتفرّج إلاّ أنه مليء بالهفوات التي سأذكرها كما يلي:

- اللغة الفرنسية الغالبة في النص والسيناريو والحديث في الفيلم رغم وجود الترجمة الفرنسية في أسفل الشاشة.

كان الأحرى والأجدر أن يبقى النص جزائريا خالصا باستثناء كلام الفرنسيين بالفرنسية ليكون للفيلم هيبة وحضور قويّ في دور السينما الغربية أو شاشات التيلفزيون الاوروبية.

- ابن الكولون محفوظ وهو على علاقة غرامية مع فرنسية!!

أيُعقل من باب المنطق أن يفعلها مناضل شاب ترك مستقبله وراءه لأجل هويته وكرامته وحرية وطنه؟!

ألا يُعتبر هذا تشويه لمن ضحى بروحه وأغلى ما يملك لأجل الوطن؟

- ما غاب عن المشاهد الجزائري في ابنه الكولون لالة نجمة.

من خلال معرفتي وربط الأحداث،اكتشفت أن المخرج جعفر قاسم له قراءة سابقة للروائي والمسرحي الخالد كاتب ياسين ورائعته (نجمة).

حيث أنّ جعفر قاسم استلهم شخصيتها في هيليوبوليس من خلال أنها كانت ممرضة وعالجت المرضى الذين آويتهم لمنزلها وأخفتهم في الاسطبل وأشرفت على علاجهم بعد أن رفض والدها وجودهم.

2516 فيلم هيليوبوليس

عصت أوامره هذه المرة لأنها تحمل روحا ثائرة ومناضلة على خطى أخيها الشهيد محفوظ.

إنها نجمة الثائرة والاستثنائية على مرّ الزمن في عين كاتب ياسين.

- المشهد الغائب والذي كان سيجعل الفيلم رهيبا جدا هو مظاهرات ومجازر 8 ماي 1945 التي خلّفت قتلى وهي وصمة عار في تاريخ فرنسا الدمويّ.

- المشهد الذي أزعجني كثيرا وأزعج غيري كمشاهدين هو خطاب فرحات عباس وسط جمهوره من المناضلين باللغة الفرنسية!!

هل يُعقل أن يطمس فرحات عباس لغته ويُغيّرها للغة العدوّ في خطاباته؟؟

* في الأخير أقول:

الجميل والرائع في هيليوبوليس أنّ التمثيل كان في القمّة.

الممثلون أدّووا أدوارهم بجدارة ليُبرهنوا أنّ التمثيل لأصحابه الحقيقيّين.

وأنا بدوري أحييهم لعملهم الجبار هذا الذي أعادنا بعجلة التاريخ لأحداث مؤلمة حدّ الوجع.

سأقول من خلال ملاحظاتي ومشاهدتي أنّ كل من دخل قاعة السينما وخرج منها كان حزينا وكئيبا لأنه عاش أحداث الفيلم بوجع من ضحّى واستشهد في سبيل الجزائر، لأجل من عُذّب وشُنق  وعُلّق على الأشجار عاريا لأجل كلمة: (تحيا الجزائر..).

شكرا لك جعفر قاسم لهذا الفيلم التاريخي الذي سيجوب كل قاعات السينما وسيكون ذو بصمة دولية منافسة للأفلام.

تمنياتي لك بدوام التألق والإبداع والنجاح بقلمك ورؤيتك وإخراجك.

 

نوميديا جروفي، شاعرة،كاتبة وناقدة/ الجزائر

 

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (9)

شهرزاد : كثير من علاقاتنا يصيبها الجفاء بعد طول مودة ، وفي غالب الأحيان لا نعرف سببا مقنعا ، فهل من وصفة لدوام محبة الناس؟

شهريار :لا أتفق معك حقا على عدم وجود أسباب مقنعة لانقطاع شريان المحبة مع الناس ، نحن نظهر محبتنا ونسعى جاهدين للتعبير عنها غير أننا ننسى او نتناسى مواقف متكررة قطعت خيوط الوصل خيطا بعد خيط حتى انفرط عقد المحبة حينها يصعب جمع حبات اللؤلؤ  .

وفي شعر العربي :

وَاحْرَصْ على حِفْظِ القُلُوْبِ مِنَ الأَذَى ... فرجوعها بعد التنافر يصعب

 إِنّ القُلوبَ إذا تنافر ودُّها          ...   شِبْهُ الزُجَاجَة  كسْرُها لا يُشْعَبُ

وشَعَبَ الإِنَاءَ بمعنى أَصْلَحَ صَدْعَهُ.. وقد أحسن القائل بذلك الوصف العميق ، وكلنا يعلم إن الزجاجة إذا انكسرت صار محال جمعها ألا اذا أذيبت بنار وأعيد تشكيلها ،وذلك أمر في غاية الصعوبة يخلف عيوبا وإعوجاجا في تلك الزجاجة ، وقيسي على ذلك إعادة المودة الى سابق عهدها بعد اكتواء القلوب بنار إصلاح ماانكسر ، وبدلا من ذلك دعينا نحاول أن نتمسك بها ،وأن نحافظ على خيوطها مجتمعة مرصوصة كحبل متين .

نحن نخطئ بحق من نحبهم في لحظات غضب ،او بفعل أحمق لا نلقي له بالا ، او لفظ سيء يصيب أعمق نقطة في نفوسهم،وبطبيعة الحال لا نستطيع أن نتوقف عن ارتكاب الأخطاء، لكننا قادرون على زيادات جرعات المودة لتكون بلسما لكل جرح وعلى قدر تمسكنا بتلك المودة يزداد عطاؤنا ، فمحبة الناس كنهر لا يتوقف عن المسير ، وعلينا دائما أن نرفده  بما أسميه (إطلاقات المحبة ) تماما كإطلاقات المياه الوفيرة من السدود والبحيرات لدوام مياه النهر .

تلك الإطلاقات تنفذ الى نفوس الناس قبل أجسادهم، وتجعل محبتنا في قلوبهم ندية مفعمة بالحياة ، فإن أصابهم كدر من سوء أفعالنا ، او ألفاظنا ، غسلت أدرانها  الأطلاقات المتدفقة بلا توقف .

ولتلك الأطلاقات قواعد تحافظ على ايصال معاني المحبة الدائمة الى قلوب الناس  (فكل ما كان مفتاحا للمحبة فهو سبيل لدوامها ) وقد تحدثنا عن التواضع والإهتمام والتأثير الإيجابي ، ويمكننا في هذا المقام أن نذكر لباقة الحديث والإحترام الدائم ،ومحاولة تفهم مشاعر الآخرين بإعتناء متواصل ، وإن للإهتمام ببعض الأشياء الصغيرة إطلاقات عظيمة تطرّي القلوب ،وتسعدُ كل محبوب .

وفي الحديث الشريف يقول الهادي البشير محمد (ص) : (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)  . 

وفي التفسير العام لدى الشرّاح : أنْ تحب لاخيك في الإنسانية ماتحبه لنفسك من الخير، وتبغض له ما تبغضه لنفسك من الشر .

غير أن معاني الخير الشخصية تختلف من فرد إلا آخر ، وهذا يصعب مهمة طالب دوام المودة، والفطن من  يدرك بعين الملاحظ شواهد تقربه من معرفة تلك الأمور .

ولي زميلة في العمل أسميها (خوخة) تلطفا ، وبيننا مودة وإحترام ، وهي تتقبل مني تلك الكنية  بلا إنزعاج ، وإنها لدائمة التعلم حريصة على فهم أسرار المهنة التي جمعتنا في إحدى المؤسسات الإعلامية ، وكنت أظن أنني أفهم تلك الأشياء الصغيرة التي تجعل المودة بيننا دائمة ،وكلي حرص على إطلاقات يومية ترسم الإبتسامة على محياها كبقية الزملاء ،  وذات يوم إتصلتْ بي صباحا ،واعتذرت عن المجيء الى العمل ، وقد كان باديا على صوتها أثر المرض ، فقلت لها بصوت واثق لا تهتمي سأقوم أنا وبقية الزملاء بواجباتك اليومية ، ولم أفهم في حينها نبر الحزن وهي تودعني شاكرة لموقفي .  

حضرت (خوخة) في اليوم الثاني وعلامات الإنزعاج على وجهها تفوق أثار المرض ، وقالت بصوت كله آلم وقد اغرورقت عيناها بالدموع محدثة الجميع : كنت أنتظر منكم موقفا أفضل من هذا ، لم يتصل بي أحد للاطمئنان على حالي ، والأستاذ ( تقصدني) كان كل همه أداء العمل ،ولم يفكر للحظة أن يقول لي : هل ترغبين بمساعدة ؟ .. هل هنالك من يصطحبك الى الطبيب ؟ .

صُعقتُ في تلك اللحظات حقا ، ولم أجد مبررا أدافع فيه عن نفسي ، كانت كلمات الإهتمام (ولو على سبيل المجاملة)  أهم لديها من جهود مضنية بذلنها مجتمعين  لتعوض غيابها عن العمل ، وكلمة (لا تهتمي) التي قلتها بكل ثقة كانت كوقع السيف على حبال المحبة بيننا.

لقد كلفني هذا الموقف الكثير من الجهد والوقت لأُصلِح ما أفسده عدم فهمي للأمور الصغيرة التي تمثل إطلاقات دوام المحبة لدى زميلتي .

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

........................

* مقتبسات من مؤلفي : شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

عقيل العبودما زالت كربلاء تحكي قصة صبح مخلوع، وقوانين الألوان ما انفكت تحكمها الأرض.

خطوط العرض كما أختيرَ لها أن (تحتجب الشموس)، و(التراتيل) امرأة حبلى، مهج تضطرم، أشلاء تقطنها أشياء، وهنالك خلف الأسوار عروش تزهو بالفوز.

(هول الفجيعة )قلوب تحتضر، و(عصافير) تختصر المسافات، تمهد الطريق لعرس تشهد أفراحه الملائكة، والمنظر أرواح مغموسة بعطر الدم.

هو الإثم تقطعه جلبة الأصوات المأسورة بالدسائس ، وعلى غرار المقام (بابل) يبحث الموت فيها عن اقنعة للستر.

(رايات الفرات) تعانقها أجرام الافلاك، تتزاحم معها ، فتسقط العواصف، وتغور رائحة الحرب تباعا، لتشدو السماوات نشيد المروءة.

(أسوار النهر تفترس خضرتها الحرائق )، والرأس المقطوع سيف تمسك قبضته رماح الجور، تدور به بحثا عن غائلةٍ يفرضها السلطان.

(صُورَ الأحبَّة) كما أشرعة غرقت؛ (... نفثت في أنحائها الأفاعي )، وأغارت عليها سطوة الطواغيت.

(موسيقى الدخان)أغنية موقوتة، تحكي (قصة أشجار) أغصانها هلعا تطايرت يوم نَوَى الزمان عنها، وافترقت عنها الحشود، وعند المساءات، أبحرت بعيدا قافلة الأنفاس.

 

عقيل العبود/ سان دييغو/ كاليفورنيا

 

———-

*رأسُ الفُرات بقلم الشاعر سعد ياسين

 

بابلُ التي اصطبغتْ

بالدَّمِ حدَّ الخاصرة ِ

وعلى مَشارفِها ...

ترفُّ راياتُ الفراتِ

تضمُّ بصَدِرِها

هَولَ الفجيعةِ

وهيَ تخطو

بينَ أجسادِ النخيلِ المشتعلِ

بِطَعناتِ الشَّظايا والرِّماح ِ.....

رافعةً جلبابَها المدمي َّ نحوَ العرش ِ.

تحتجب ُالشّموسُ ..

تَصمتُ موسيقى المعابدِ القريبةِ

التراتيلُ

العصافيرُ...

تُغطّي الأجسادَ بريشِها

كي لا تجرحَ السماءَ .

الأشجارُ نَفَضتْ أوراقَها

لَّكنها احترَقتْ قبل الوصول ِ

هُم يحلمونَ اللحظة َ

او يَسترجِعون للمرَّة ِالأخيرة ِ,

صُورَ الأحبَّة ِ

يُودعُونها الله َ .

الصَّمتُ مُطبقٌ

إلّا من موسيقى الدُّخانِ الناعية ِ

فيضُ الدماءِ يد ٌ

جرحٌ ،

وأغصانٌ

أثكلتَها الحرائق ُ

الكاسِرونَ مرايا الصَّحو ِ

أمسَكوا عنقَ الفراتِ...

لوَوهُ

قطَعوهُ

ليَدخُلوا أسوارَها

غير أنَّ النهرَ أبى أن يستديرَ

تُوغلُ الأفاعي

تنفثُ الموتَ

في شارعِ الموكبِ

لكنَّه مازال َ

يبحثُ عن رأسه ِ

بين أشلاءِ انفجارِ بابل

ا

ل

أَ

خ

ي

ر

ة

————-

الشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف

 

 

حاتم جعفرما قاله المتصوف جلال الدين الرومي:

 إلهي، خذ روحي إلى ذلك المكان الذي يمكن فيه أن أتحدث بِدونِ كلمات.

 في كتاب الحكمة وثوابت العصر جاء ما يلي: إنَّ الناس راحلون وإن بعد طول دهِِر، وان المكان هو ألابقى. ومن كان على ألفة ومحبة وذو قربى باﻷثر فلا مناص من العودة اليه مهما طال السفر ومهما بعدت المسافات. ولوعة التواصل مع الماضي ستبقى كذلك وسيزداد الحنين اليه كلما هزَّكَ الشوق، فالعودة الى النبع اﻷول حيث إرتويت لا ينازعك عليه أحد. أما عن شكل إستحضاره (الماضي) فلا أظنه موضع خلاف أو إجتهاد، كذلك سوف لن يُمسي موضع شك أو تساؤل،  فمهما إبتعدت فسيبقى شاهداً حيا، وصادقاً، لا يمالئ أحداً ولا يحابيه، حتى وإن فعل الزمان وعاتياته ما فعل. عُدْ اليه إذن، فلابد أن تَجِدَ أو تعثر على بقايا أثر كنت قد تركته هنا أو هناك، فمنه وبه ستستعيد نعمة التذكر التي ظننتها قد خَبَتْ وإنطفت جذوتها.

إن عدتَ فلا تنسى المرور بتلك الشجرة الباسقة التي ما إنفكتْ تناجيك منذ ابتعدت. إن عُدتَ فتذكر يوم تسلقك كرمة العنبِ رُغمَ عدم نضوجه، إن عدت فتذكر ذلك الزقاق وسطح ذاك الدار، يوم رمت إحدى الصبايا وردة حمراء لا زال عطرها عبقاً، وكُدتَ تهوى من الهوى ولوعة الحب. إن  عُدتَ مُرْ  بذاك الحجر وذاك الذي كان على عهدك يسمونه قنطرة أو جسرا، كنتَ قد عبرته وعَبرهُ أيضاً سواك من البشر، منهم ما زال حيّا ومنهم من غادرها.

 المكان هو ذات المكان إذن..  ثابت، لم ولن يتغير، شاهد حق لا يساوم أو يخاتل، صابر على ماهو عليه وليس في ذلك من هوانٍ أو ضعف، ولا تذهب في حسابك سوءا أو يخونك التقدير. لم تستطع الريح هزّه (المكان) ولم ينحنِ لها ذات يوم أو ذات مرة. واهمٌ ذلك البعض ممن طوعته الغربة ولوَت ذاكرته، بأنه باتَ شاهد زور، أو  أنَّ رقبته مالت حيث الحاكم وقسوته. أجْزِمُ انه لم ولن يُخطئ أبدا، إنَّه أصدق مني ومنك، راسخ أصلب مني ومنك حتى وإن بانت عليه علامات الكبر وتغضن وجهه بشيخوخة العمر ومصائب الدهر.

 إذن سيبقى المكان وكما عهدناه، منصفاً، لمن استقرَّ أو مرَّ به أو حتى غادره على الكراهة أو مجبرا. لا يأتيه الباطل من أي جنبٍ، لا من يساره ولا من يمينه. لا يخاتل ولا يهادن، ولا يميل نحو هذا أوذاك، أو يضربه الهوى فيفقد الصلة الحسنة والقسطاس بين الناس. فهو واﻷرض التي نريد ونحلم صنوان لا يختلفان، فكلاهما وطأتهما قدماك، وهما مَنْ حَماكَ يوم ولدت ويوم غادرت ويوم ولّيت وجهك صوب أصقاع العالم وأطرافه.

 آه، تذكرت الآن وقبل أن يفلت السؤال من بين يدَي وذاكرتي، لِمَ أدرت ظهرك ونأيت عن ذلك الذي حملك على هذا الكف وذاك الكتف؟ ألمْ يصلكَ نداء المكان وخشية العابثين به؟ هل أصغيتَ الى صوت من سامرك الخمر والحب والطفولة وما بينها من مشاكسات محببة؟. إن نسيتَ أو تناسيت سأعيد عليك ما قالوه وقاله أخاك اﻷكبر: لا ترحل، ثم أضافوا عليه وبنسيم لغة عذبة، مخافة عليك لا منك: إياك يا ولدي، فقد تهتز الارض من حولك أو من تحتك وتفقد الوصل باﻷصل وبالجذر! لكنك لم تصغِ ولم تلتفت، فَرِحْتِ مولّيا وجهك صوب اللامكان وصوب اللاعودة، وأصبحت في تيه من أمرك، يأتي بك اﻷغراب والريح حيث تشاء، من يدري فكل الإحتملات  ممكنة بل لعلها لَوَتْ ذراعيك. وربما صادفتك أسوء المآلات، واعلم إنَّ اﻷحمال الثقيلة لا تُلقى على أي أرضٍ . ولعلك صاحبت مَنْ كان عصيٌ عليك أن تألفهم أو يألفوك، وليس مستبعدأ إن ضاقت بك المصادفات الطيبة وحُسن الأحوال رغم طول المقام هناك. لذا عُدْ الى الجذر والى تلك الشجرة الباسقة وَنَم تحت فيئها فظلالها لا زالت وفية، بإنتظار عاشقيها. 

***

 ما فات ذكره هو مفتتح رواية كنت قد فرغت منها منذ فترة، والمكان فيها هو لبُّ الموضوع وهو جوهره. السرد في العمل السردي اﻵنف قد يأتي متداخلا، يُقسِمُ أحياناً ويُشطرُ بعضه بعضا، أو يخترق بعضه بعضا دون إستئذان. وقد تتداخل فيه اﻷيام والحوَلْ، غير اني سأحرص أو قُل حرصتُ على المسك بالتتابع الزمني ما إستطعت. أما إذا فُرضَ علي أو تسَلَّلَ من بين يدي ما هو خارج عن السياق والرغبة، وبما لا يوحي بالتسلسل الزمني للاحداث، فإعلم إنَّ وراء ذلك خلل ما قد حصل، مردّه الغفلة أو سوء الحساب، أو لضرورات اقتضاها النص فدُفعت للِّحاق به لتدارك ما فات من خطل ومن خطأ، لذا حسبتني مرغماً، ملتجئا الى شيئ من (المراوغة)، غير أن الأمل يحذوني أن تبقى الحبكة ويبقى السرد متماسكان، مترابطان.

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

 

صادق السامرائيأبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين علي الرازي الملقب (فخر الدين الرازي)، (إبن خطيب الري)، (سلطان المتكلمين وشيخ المعقول والمنقول)، ولد في (الري) وتوفى في (هراة) (544 - 605) هجرية.

عالم موسوعي صنف في العلوم الإنسانية والعقلية واللغوية والفيزياء والرياصيات والطب والفلك، وإشتهر بردوده على الفلاسفة والمعتزلة.

تصانيفه:

كثيرة ومتنوعة ومنها: " التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، التفسير الصغير، أسرار التنزيل وأنوار التأويل، معالم أصول الدين، فضائل الصحابة، القضاء والقدر، نفثة المصدور، شرح ديوان المتنبي، الخلق والبعث"

وفي الطب لديه: " كتاب الطب الكبير، شرح كليات إبن سينا، التشريح من الرأس إلى الحلق، كتاب في النبض، مسائل في الطب، كتاب الأشربة".

كان طبيبا حاذقا ومشهورا، قوي النظر بصناعة الطب، شرح في مقتبل عمره (قانون إبن سينا)، وبرع بالتشريح، وجعل من الطب والفراسة فرعا للعلم الطبيعي، فقد جعل الفراسة كالطب النفسي، وكان يعالج أمراض البدن بالعقاقير والأدوية، وبالفراسة يعالج أمراض النفس، ويرى ضرورة العناية بجميع الظواهر النفسية لدى المريض، وقوة الملاحظة، والمواظبة على العمل وإجراء التجارب الكثيرة.

وقد جعل من الفراسة فرعا من علوم الطب.

من شعره: " نهاية إقدام العقول عقال...وأكثر سعي العالمين ضلال ، وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا...وحاصل دنيانا أذى ووبال، ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا...سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا".

هذا العالم الموسوعي لديه إكتشافات متميز في الفيزياء والرياضيات، سبق الذين إدعوها من بعده وغمطوا حقه فيها، وأوهمونا بأنهم إكتشفوها، فلديه نظريات وقوانين ذات قيمة علمية باذخة.

وما وددت التركيز عليه أنه من رواد الطب النفسي، والذين أدركوا بالملاحظة الذكية أن للحالة النفسية تأثيراتها على الصحة البدينة، ولهذا كان يقترب من المريض كوحدة متكاملة نفسيا وبدنيا، وإستثمر في علم الفراسة وإتخذه وسيلة لمعالجة الجوانب النفسية، التي تتفاعل مع العلل البدنية، وكأنه إكتشف العلاقة الوثيقة بين النفس والجسم، وضرورة مداواة الإثنين معا، ليتحقق الشفاء الكامل للمريض.

 

د. صادق السامرائي

 

 

عقيل العبودللشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف

يوم أراد الكاهن أن يصبح ملكا، تنازلت السماوات عن عرش أمومتها، ولذلك مثل تفاحات تساقطت مواكبها، تلك البذور.

ومن خفقان الغيوم ، نالت أقراط الأصناف من الأشجار ما كان لها من أمنيات.

وبَانَ سرورها يوم (أشفقت الدمعة في عينيها عمتنا)، فهي على شفا حفرة كانت، قبل ان يتلى ميثاق دعوتها.

وذات يوم (هزت مريم جذعها المخلوع)، فتزاحمت أسماء ملوك الأرض مثل حبات القمح، وتوزعت بين مسامات التربة أرتال سلالاتهم تنتظر السقاية.

وملخص (الحكاية)، أن ارتدت لبوس عهدها المقدس تلك السعيفات، لتنأى بعيدا هناك عند زاوية من (الرب)، لكنها بعد حين وهنت، (وتناثر الحبر المدمى تباعا)، بينما صار لآدم مرتبة دنت في علوها، لتسقط في السرد.

أبكت حواءَ في يومها (آلهةُ الخصب)، وتمايلت مشيتها بفعل إعصار توسد ألواح الطين، حتى نبتت من أرض العراق (ترتيلةٌ سمراء)، لها نَضْرة تعود صبغتها إلى سومر.

وهي ملحمة سُرِقَت أحشاؤها، واحتفل اللصوص بغنيمتهم الكبرى، فلم يعد (لمدائننا) أسوة (بالطوفان)، ان تحدو حدوها، حتى أن بغضاء الآلهة تجللت رفقا، وتجلجل إشفاقا عرشها المنكوب، (...)*.

 

فالمقام على أرض بلادي، لم يعد بعد يؤرقه ان يمتلك الجرأة للرفض، (وموائدنا) مثل الضمائر التي تهشمت اشلاؤها ، هزُلت، والأنهار جفت، وسواد الليل كرهاً راح يعترض (النوارس).

 

عقيل العبود سان دييغو/ كاليفورنيا

............................

هوامش:

*https://youtu.be/RJLYWngIt2Y

*راجع: موقع الإشراق، الشبكة العالمية الفصل الخامس عشر - الكيان الاسمى

http://alishraq.net/gita/ch15.htm

الفصل الخامس عشر في الفلسفة الهندية

“قال الرب المبارك: يتحدثون عن شجرة خالدة، الاسفاطا [1]*جذورها في الاعالي، وأغصانها هنا في الدنيا”.

“[1] الأسفاطا تعني ما لا يستمر حتى الغد، أي ما هو دائم التغير”.

 

 

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (8)

قالت شهرزاد: هل تعتقد أنّ المحبة والثناء المحمود مع عين الملاحظ وبعضا من صفات القيادة أسباب كفيلة بأن نكون مؤثيرين على الناس من حولنا؟، أجد ذلك في غاية الصعوبة لا سيما وأن الكثيرين لا يمتلكون قدرة التحرر من الأطر الفكرية القديمة ! .

شهريار: أنوار المحبة كثيرة ومن أخيرها الأمانة في العطاء، وذلك ضياء لا تحتجب دونه الأطر الفكرية المغلقة، والقلوب المشفقة، وإن الحديث في معاني الأمانة يطول، لكننا سنتحدث عن جانب له كل الأثر في تحرر النفوس، وتمتين الثقة حتى تكون لأفعالنا وكلماتنا أثر المطر النافع في الأرض الجرداء .

وقد ذكرنا فيما سبق أن الثناء والحمد من قلب محب لا يكونان إلا لعمل صالح، او إبداع وتميز، وهو أول معاني الأمانة، ومن أحوالها أن نكون مؤتمنين على إصلاح الطالح من الأفعال، وعلى افتراض أن قلوب أولئك الناس متفتحة لنا كاشفة لأسرارها مستعينة بنا لتحسين أحوالها، فنحن مدينون لهم بالأمانة وعدم المهادنة في بيان أخطائهم وتقويم أفعالهم .

لكن أعمق معاني الأمانة ان نحفظهم في غيابهم، وليس بمقبول أن نتلذذ بالإستماع لانتقادٍ، او كشف عيب أحدهم بقصد دعم متحدث قد أصابه آذى من الغائب، وإن المتفكر في هذا الموقف يعلم علم اليقين أن المنتقد او الكاشف لعيوب الغير يقول في قرارة نفسه: (سيقبلُ أن أتعرض للإنتقاد في غيابي كما قَبِلَ بانتقادي لأحدهم في غيابه)، هنا يضيع معنى الأمانة، وتتلاشى ثقة الناس بنا .

 قمة الأمانة أن نسعى الى جميع الأثنين، والتحدث بصراحة، وإصلاح الخطا بدون مجاملة .

في إحدى المؤسسات التي أعمل فيها بصفة مدير قسم الأخبار أتعرض الى مواقف متكررة من هذا النوع، وكنت منتبها لضرورة المحافظة على الأمانة والمحبة، وما أن ينطلق لسان أحد المنتقدين لزميله او زميلته من الغائبين حتى أقف كحد السيف، ولا أرضى بذكرهم بأي سوء، وإنني لاسعى الى مواجهة الإثنين معا بصراحة شديدة مع التحفظ على أي لفظ جارح، وفي يوم سادت فيه البغضاء بين إثنين منهم أخذت المواجهة معنى التدافع، وكل يرمي بالتقصير في إنجاز عمل ما على الآخر، وكاد الأمر يخرج عن السيطرة حين قلت بصوت هادئ: "ليس المهم من كان سببا في التقصير، المهم أن نكون متكاتفين أكثر لإنجاز العمل، حينما يكون هدفنا واحدا فإننا نحمل أعباءنا سوية،  ونلتمس العذر للغائب، ونحل محله بكل خير".

حينها أحس الإثنان (كما أظن) أنهما خارج دائرة الإتهام المباشر بالتقصير، ثم أثنيت عليهما بما يحققان من نجاح مشترك في العمل، واستنهضت روح المحبة والتكاتف بينهما من جديد .

بعد نحو عام على العمل المتواصل لم أعد أسمع، إلا ما ندر، إنتقادا للغائبين، وصرنا نحقق نجاحات بتكاتفنا تحسدنا عليها بقية أقسام المؤسسة التي ربما غاب عن مديريها حفظ الأمانة للغائب، والتماس المحبة في قلوب العاملين قبل توجيه أوامر العمل .

ومن الأمانة ياشهرزاد أن نكون على طبيعتنا مع من نحب، وننزع عن وجوهنا أقنعة الرياء، والإبتسامة الزائفة، والصبرالمتكلف، والرضا المصطنع، ولتكنْ ملامحنا صورة لنبض قلوبنا ومكامن نفوسنا، إننا بالابتسامة الزائفة نرحل الازمات بقصد المحافظة على مشاعر الآخرين، ونضحي بأواصر المحبة، فوراء الرضا المتكلف بذرة سوداء تنغرس في قلوبنا، ومع تكرار المشهد يحيط بالمحبة ظلام دامس تضمحل بين أسواره معاني المودة، وتتكسر تحت وطأته جسور الثقة، وتختفي بين طبقات عتمته ملامح الأمانة .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

.......................

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

يسري عبد الغنيتعد اللقاءات في المنتديات والمؤتمرات والصالونات الأدبية سبباً مهماً لانتقال الآداب من لغة إلى أخرى، وبذلك تقوم هذه المنتديات بدورها الواضح في عملية التأثير والتأثر في الآداب والفنون المختلفة.

ففي المنطقة الإسلامية كان بعض العلماء والأدباء يلتقون في  مجالس أو صالونات أدبية (بلغة عصرنا الحديث)، ويثيرون بعض القضايا الأدبية والعلمية والفكرية عند العرب والفرس والروم والهنود، وقد يطلعون على عض الكتب أو المؤلفات الأدبية والعلمية المترجمة من الفارسية أو غيرها إلى العربية، أو من العربية إلى غيرها من اللغات التي كانت معروفة ومستعملة في تلك الآونة .

وهذه المنتديات يبدو منها التأثر الواقع بين هذه الآداب، وكان هذا يعتمد على معرفة المجتمعات الإسلامية باللغة العربية أو الفارسية أو غيرها من اللغات المعاصرة، وكثيراً ما دفعت هذه اللقاءات الأدبية والتي كانت تعقد في بيت أحد الأدباء أو العلماء، أو في قصر الحاكم أو أحد الأمراء، كثيراً ما دفعت إلى ترجمة بعض الكتب أو المؤلفات من لغة إلى أخرى، وذلك كترجمة أو تعريب ابن المقفع لحكايات كليلة ودمنة، وذلك من الفارسية إلى العربية، وبعد ذلك تم ترجمتها مرة أخرى من العربية إلى الفارسية .

ومما جرى من آثار تلك الترجمة ما نلحظه من بديع الزمان الهمذاني رائد فن المقامات، والصاحب بن عباد الشاعر واللغوي المعروف، ولعلنا نعرف أن الهمذاني كان يجيد قول وكتابة الشعر باللغة العربية، فسأله الصاحب أن يترجم على الفور ثلاثة أبيات فارسية، ومن نظم الشاعر الفارسي / منطقي، وذلك في صورة شعر عربي، وبالفعل قام الهمذاني بالترجمة الفورية، بعد أن سأل الصاحب عن البحر والقافية التي يريدها، وهذا يدل على علو كعب بديع الزمان الهمذاني في مضمار الترجمة الفورية، ومضمار النظم الشعري .وقد تناولت ذلك عند تحقيقي لديوان بديع الزمان الهمذاني الشعري في أوائل التسعينات من القرن الماضي وصدر ببيروت في العديد من الطبعات--

أعود لأقول : لقد كان هذا الموقف بين الصاحب والهمذاني في أحد المجالس الأدبية التي ضمت المبدعين الكبيرين، بالإضافة إلى لفيف من الأدباء والعلماء الذين عاصروا الأديبين .

ولا يخفى ما لهذه المنتديات الأدبية من أثر كبير في نقل آثار الأدبين العربي والفارسي كل منهما إلى الآخر .

وفي أوربا قامت نواد أدبية مكنت لبعض الآداب أن تنتقل من قطر إلى آخر، ومن أقدم النوادي الأدبية ما سمي (رامبو بيه) في فرنسا والذي ازدهر في الفترة ما بين عامي 1624 م إلى 1648 م، وعن طريقه انتقلت الآداب الإيطالية والأسبانية إلى فرنسا في العصر الكلاسيكي .

وفي القرن الثامن عشر كان للنوادي الأدبية في فرنسا آثار كبيرة في اتصال الآداب الإنجليزية والألمانية بالأدب الفرنسي، ومن أهم النوادي الأدبية في أوربا خلال العصر الرومانسي، نادي مدام / دي ستايل الذي كان يعقد في قصر كوبيه ما بين عامي 1795 م إلى 1821 م، والذي ضم بين جنبتيه العديد من الأدباء والفنانين والمفكرين الأوربيين، وقد ذهب بعض النقاد ومؤرخي الأدب إلى أن هذا المنتدى الذي كانت تديره مدام / دي ستايل الأديبة والناقدة، هذا المنتدى شهد مولد الأدب المقارن، أو فلنقل : شهد بداياته الحقيقية .

وبالطبع لا ننسى عندنا الصالون الأدبي الذي كانت تعقده الأديبة اللبنانية الأصل / مي زيادة، كل يوم ثلاثاء، في شارع علوي بوسط القاهرة، والذي ضم العديد من الشعراء والأدباء والمفكرين العرب، وكان له بدون شك دوره الفاعل في الأدب والفكر، وكذلك المنتديات والصالونات التي كانت تعقد في العواصم العربية المختلفة –ولنا بحمد الله العديد من المقالات حول موضوع المنتديات الادبية في القديم والحديث.

وعلى كل حال فهذه النوادي الأدبية وغيرها من وسائل تبادل القيم الأدبية بين الشعوب تؤدي إلى لقاء وتلاقي الأدباء، ونقل آداب أو أفكار أمة إلى أخرى، وهذا له أثره البالغ الذي يؤدي إلى قيام المقارنات الأدبية بين الأمم  المختلفة .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائييوسف أبو يونس بن إسحاق بن بكلارش، من علماء الطب والصيدلة في الأندلس، ولديه خبرة بالأدوية المفردة، وخدم بطبه بني هود.

المتوفي سنة (500) هجرية

مؤلفاته:

المجدول في الأدوية المفردة، ويسمى المستعيني، ألفه في مدينة المرية للمستعين بالله أبي جعفر بن عبد المؤمن بالله بن هود المتوفي سنة (503) هجرية.

رسالة التبين والترتيب، وقد تحدث فيها عن القوى الأربعة الحدية والحاصرة والهاضمة والرافعة، وأفعالها بأعضاء البدن المختلفة.

والنسخة العربية من كتابه المستعيني تتألف من خمسة أجزاء (اسماء الأدوية المفردة، الطباع والدرج، تفسيرها في اللغات المختلفة، الإبدال منها، منافعها وخواصها ووجوه إستعمالها)

والشكل المجدول "...التأليف لا يتم حتى يتضمن ثلاث خصال، إحداها جمع ما إفترق، والثانية إختصار مطول، والثالثة إيضاح مشكل...."

إبن بكلارش من رواد الكتابة المعاصرة عن الأدوية لأنه رتبها بجداول، وأعطى أسماءها بلغات مختلفة، وإتخذ منهج التأليف المركز أو (المجدول)، الذي يموجبه يوصل للقارئ فكرته بإختصار وإيضاح وتبسيط، وهذا ما تنتهجه المراكز الأكاديمية العالمية اليوم، أن تبتكر ما ييسر إيصال المعرفة العلمية للناس.

كما أنه مَثّل التفاعل المنير للحضارة العربية في الأندلس بخصائصها التنويرية والتفاعلية مع معطيات الحضارات الإنسانية الأخرى.

ولهذا فأنه يعلمنا كيف نؤلف الكتب العلمية، ويرشدنا إلى حفايا الطاقات الكامنة في البشر، التي يمكنه أن يحفزها ويكون بها.

ومن أمثاله أنوار متنوعة في تراثنا الحضاري الزاهر، الذي علينا أن ننهل منه ما يؤهلنا للإنطلاق الأمثل في عصرنا، لتحقيق المواكبة والسبق الإبداعي والإبتكاري.

فإذا كان أجدادنا بهذه القدرات المعرفية الأصيلة المتميزة، فلماذا لانجيد التفاعل مع واقعنتا بذات القدرات المعرفية والعلمية؟

إننا نستطيع عندما نريد أن نكون!!

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيإن الإعلام لسان ناطق بواقع الحال، والشعر لسان ناطق بواقع الخيال. سوى أن الإعلام ليس أداة إخبار فقط، وإن كان ذلك من مهماته الأولى، بل هو أداة ترفيه وتربية وتثقيف أيضا. ولما كان يخاطب مجتمع المشاهدين والمتتبعين له، فهو مطالب بأن يخبرهم بما يجري في واقعهم، مثلما هو مطالب بأن يرفع من سقف أحلامهم، وأن يخبرهم بما وصل إليه خيال المبدعين، وفي طليعتهم الشعراء، أبعد الناس خيالا وأكثرهم تعلقا بالحرية، وتلك إرادة الإعلاميين أيضا.

ونتساءل عما إذا أنتجت الشعرية العربية قصيدة تغري الإعلام بعرضها وتقديمها؟ وكيف للقصيدة أن تفرض صوتها في الفضاء العمومي؟ وإلى جانب الصوت الشعري، هل للقصيدة العربية في وقتنا الراهن ملامح وصورة بصرية يمكن أن تمثل مادة للإعلام المرئي؟ يمكن الحديث هنا عن الشعر باعتباره فنا من فنون الأداء المعاصرة. ثم هل كان ثمة إعلام شعري عربي خالص خارج "البيت"؟ ونقصد بيوت الشعر العربية وبعض المنتديات ، بينما اختفت المشاريع الشعرية الإعلامية الأخرى، منذ أربعينيات القرن الماضي،ومعها بعد ذلك المشاريع الواعدة الأخرى .

كيف يمكن للشعر أن يفرض حضوره، إعلاميا، أمام فيض الوسائط المرئية والتفاعلية الجديدة، من مواقع وقنوات وتطبيقات وشبكات تواصلية تذرع الفضاءات الحقيقية والافتراضية سواء بسواء؟ ألسنا في حاجة إلى "شعر جديد" يظهر في مرايا ما يعرف بـ "الإعلام الجديد"، باعتباره ثمرة لقاء ما بين تكنولوجيا الاتصالات وشبكات التواصل الرقمية؟ وكيف أمكن لهذا الإعلام الجديد "التفاعلي" أن يفلح في نقل الآداب والفنون، وأن يضمن تداول الإبداع الشعري على نطاق واسع، إلى جانب نقل الأخبار والمعلومات؟ أليست دوافعنا تجاه الإعلام هي دوافع وجدانية أيضا، مثلما هي اجتماعية ومعرفية؟ وإذا كان هاجس الإعلام هو الوصول إلى المعلومة، فكيف يضمن هذا الإعلام الحق في الوصول إلى الشعر؟ ثم كيف يمكن للشعر أن يقيم في الفضاء المرئي، بينما هو خطاب لا مرئي في من فرط مجازاته وخيالاته؟

وأخيرا، هل يمكن الحديث عن الشعر في علاقته بإعلام واحد، أم أننا أمام إعلام بصيغة الجمع والتعدد، من كثرة الوسائط، ووفرة الحوامل المتدخلة لنقل الأخبار والأفكار والأشعار؟ والأصل اليوناني Media صيغة جمع أصلا. والحالة هذه، أيصح أن نتواضع على وجود "ميديولوجيا شعرية"، بينما لا يني العقل المجنون للإنسان المعاصر يبتكر حوامل ووسائط جديدة جديدة. بينما تبقى مقولة مارشال ماكلوهان الشهيرة "الوسيط هو الرسالة نفسها"، محتفظة بوجاهتها، فمتى كان هنالك إعلام شعري، على غرار الإعلام الثقافي والفني، فإنه سيعرض الشعر أمامنا.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

 

صادق السامرائيأبو بكر محمد بن يحيى المعروف بإبن باجة، وبإبن الصائغ، ويسمى في الغرب (إبنفيس).

ولد في سرقسطة وتوفى في فاس (487 - 533) هجرية.

فيلسوف أندلسي درس علوم الطب والفلك والرياضيات، يهوى الطرب ويحسن العزف على العود.

مؤلفاته:

شرح على آراء أرسطو، شرح كتاب الحيوان لأرسطو، إختصار الحاوي للرازي، كلام على شيئ من الأدوية المفردة لجالينوس، كلام في المزاج لما هو طبي، كتاب التجربتين، رسالة الوداع، رسالة الإتصال، كتاب النفس، رسالة في تدبير المتوحّد، شرح كتاب الطبيعة، شرح كتاب الآثار العلوية، شرح كتاب التوالد.

تلامذته:

إبن رشد، إبن طفيل، أبو إسحق البطروجي، البير توس ما غنوس

مكابداته:

كان له أعداء رموه بالمروق والإلحاد، وحاربوه بشدة، وألبوا العامة عليه، حتى الأطباء الذين كان يشاركهم صنعتهم عادوه، ويُقال أن الطبيب (أبو العلاء بن زهر)، قد نجح في دس السم له فقتله وعمره (46) سنة.

كان فيلسوفا مجددا حاول فصل الأفكار العرفانية، التي إختلطت بالفكر الإسلامي، كما فعل إبن حزم ومن ثم إبن رشد.

ومن أقواله ورؤاه:

"كل حي يشارك الجمادات في أمور، وكل إنسان يشارك الحيوان في أمور، لكن الإنسان يتميز عن الحيوان غير الناطق والجماد والنبات بالقوة الفكرية، ولا يكون إنسانا إلا بها"

وهو من أوائل المتحدثين عن اللذة العقلية، وخصوصا لذة اليقين عندما يصل المرء إلى إدراك المعاني الصائبة أو الحقائق، ولذة العلم التي يشعر بها مَن أدرك شيئا جديدا.

ويسمى "أبو الفلسفة العقلانية العربية"، وهو ثائر عقلي عربي، أحدث ثورة فكرية وإدراكية سباقة لعصره، أثرت في الأجيال وأنارت دروب الإنسانية من بعده، وكدح كدحا قاسيا لترسيخ أفكاره وتوضيح رؤاه، وأهمية إعمال العقل والتمسك بالتفكير السليم، الذي يوصل إلى الحقيقة اليقينية الساطعة.

 

د. صادق السامرائي

 

علي الجنابيعَجبي لأمَّةٍ وَسْمُها ” العربُ”!

وإنَّما البَيانُ هُنالكاَ، وإنّي لأراه مُتّكِأ على ارِيكَة من خشب هُناكَا، في مَوضِعٍ حَذو البَيتِ العَتيقِ مُحاطٍ بالأخشَبين، فرُشُهُ رملٌ وسقفُه سَماء.

ويكأنّي بصَخرِ الأخشَبين قد تَشَقَّقَ فَصاحةً عَلَت فَطَغت ذانك الموضعَ فَبايعها قاطِنوه، فأمسى كلُّ إمرؤٍ منهمُ (كأنَّ كلامَ النَّاس جُمِّع حولَه * فأطلق في إحسانه يتخيَّرُ)!

فَوَقَّرَتْهُمُ عُيُونُ الأرضِ في بيانٍ وَحدهمُ مَلكوُهُ.

ولئن كانَ بَيانُ فتىً مِنهمُ قَد سَحَرَ حُقَبَ الآخرينَ من بعدهِ تَلَوهُ، وَسَحَرَ كلَّ بيانٍ جَمَعوُهُ وتَلَوهُ، فكيفَ الأمرُ هوَ  إذاً مع سَادتهم في بيانٍ عَلِموُهُ !

فهاهو ذا الفتى (عَمرو بن كلثوم) يَسبِرُ أغوارَ الحَرفِ، فيَنقشَ وَبثلاثةِ أبيات لاغير، مَلحَمةً لحرب عُرْف، تامةً غير منقوصةٍ، وكيفَ البدءُ كانَ فيها، وكيفَ النَزفُ، وكيفَ الحَماسُ مِن قَبلُ، ومَن كَرَّ على الطَرف، وكيفَ الختامُ والنصرُ وكيف المغنمُ والصَرف..

(وَكُنَّـا الأَيْمَنِيْـنَ إِذَا التَقَيْنَـا وَكَـانَ الأَيْسَـرِيْنَ بَنُو أَبَيْنَـا

فَصَالُـوا صَـوْلَةً فِيْمَنْ يَلِيْهِـمْ وَصُلْنَـا صَـوْلَةً فِيْمَنْ يَلِيْنَـا

فَـآبُوا بِالنِّـهَابِ وَبِالسَّبَايَـا وَأُبْـنَا بِالمُلُـوْكِ مُصَفَّدِيْنَــا).

مُذهلٌ انتَ يا عَمرو!

يا لعلوّ بيانٍ في مَعانٍ زَخَخْتَه !

ويا لسموّ كَلِمٍ في بلاغةٍ نَضَخْتَه !

ويا لغلوّ شجنٍ في قافيةٍ ضَخَخْته !

أنّى تَسنّى لكَ إلآنةَ ذاكَ البيان وكيفَ طَوَّعْتَ نمر الفصاحةِ فنَخَخْتَه!

قد تَسَّمَرَ البيانُ مِن بَعدِك يا عَمرو مَهابةً من سحرٍ فَخَخْتَه!

مَنْ عَلَّمَكَ هذا! وأيُّ فَجرٍ من زمانٍ! وأيُّ مَسمَعٍ أنصَتَ لعطر نَداك ونِداك حين بَخَخْتَه !

إنِ البَيانُ -يا عمرو- إلّا شهابٌ في سَماء بَرِقَ طَرفةً عَينٍ فَما حَازَ رِئيَّهُ الّاكُمُ.

وعَجبي لأمَّةٍ وَسْمُها ” العربُ” وإن هي الّا انتُمُ!

فماذا دهاكَ يا ٱبن المُغِيرةِ !وويحكَ أبا الحَكَم، وعَتَبي عليكَ يا عُتبة..

أوَليسَ عَمرو  هذا فتاكُمُ و من مضاربِكُمُ، جاءُكمُ ببيانِهِ ليَحظى بثَنائِكُمُ، فكيفَ اذاً هوَ البيانُ في وِعائِكُمُ ؟

كيفَ نَبَذتمُ وراء ظهوركم ذؤابةَ البيانِ والمُهيمنَ عليهِ (القرآن) لمّا اتاكُمُ !

وأنتمُ في البيانِ من أنتمُ؟

إنّها ص {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر}..

ولقد عَلِمتُمُ..

أنَّ في آياتِ صاد ألَقَ الإعجاز وذُروةَ بيانِ الضاد !

وأنَّ في راياتِ صاد حَلَقَ الفصاحةِ وعِلمَ الجَوامِع والاضداد.

وأنَّ في غاياتِ صاد فَلَقَ البلاغةِ وسؤددَ القرى والأفراد.

لِمَ كنتم تَستَرِقونَ السمعَ من وَراءِ جُدُر شَغفاً بِها وعَجباً، وحَذَراً مِن أحَدٍ الّا يَراكُمُ ، ثمّ تَنطَلِقونَ مُتواصِّينَ بصَبرٍ على آلهةٍ خَلَقَتْها أياديكُمُ.

أيا عتبةُ، قد كان حقيقٌ عليكَ أن تَتقَيَّأَ التَّكبُّرَ، وتَتَفَيَّأَ ظِلالَها غَراماً ببيانِها، وخشيةً يومِ التناد!

وقِمنٌ لكَ – أبا الحَكم- أن تَتَهَيَّأَ لِهِلالِها، و تَتَبوَأَ مَوطِئاً خَلفَها، فتلفظ وسم الجَهلِ وتنعُمَ بالرشاد. ولقد فَكَّرتَ وقَدَّرتَ يابنَ المغيرة، وعَرَفتَ السِرَّ فَلَم تَلزمْ ، فَنَظَرتَ فعَبَستَ وبَسَرتَ، ثم أدبَرتَ واستَكبرتَ فَفاتَكَ الضادُ والزادُ.

ولكن يا ثالوثَ البيانِ..

مَن يُضللِ اللّهُ فما لهُ من بيانٍ يُغنيِهِ، ولاحُلمٍ يُدنيهِ، ولا حُكم يثنيهِ، ولن يكونَ له مجدٌ يَبنيهِ، ومالهُ من اللّهِ من هاد.

مُذهلٌ انتَ يا عَمرو !

ولا عجَب يا عمرو !

فإن الذِكرَ عليكُمْ اُنزِلَ وأَنَّكم اُمَّةُ سَيِّدِ البيانِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم .

سَيَّدُ امّةٍ وَسمُها ” العَرَبُ” .

وإنَّ الضاد  لمَن جاد بهِ وحاد، وكان الرمح الضّادّ لكل ضاد، وإنَّ مَن نطقَ الضادَ عشقهُ وحاز بواطنَ الحكمة بين العباد، بل وقاد الأمم وساد .

واَسَفٌ في خافقي مَكنُونٌ، وماإنفكت تختزنهُ في النبض السنون:

(انْ يُجِلَّ جُلُّ أعدائِها شَدا بيانِها، ويُقِلَّ ابناؤها صَدا كِيانِها)!

 

علي الجنابي - بغداد

 

 

صادق السامرائيالكتابة فن وصنعة بحاجة لمعرفة بتقنياتها وأساليبها وغاياتها، فالمكتوب من المفروض أن يُقرأ، وما نكتبه بلغة الضاد، النسبة العُظمى منه لا يُقرأ، والعلة في فقدان تقنيات الكتابة، وعدم تعلمنا كيف نكتب!!

فواقعنا الكتابي، خصوصا في زمن النشر السريع وكثرة المنافذ والمواقع والصحف، التي تنشر كل شيئ بذريعة حرية التعبير عن الرأي، وما هي كذلك، فضاعت قيمة الكتابة، وإنتفى دورها، وأصبح المكتوب مجرد كلام.

ومن الكتاب المتميزين بمهاراتهم وتقنياتهم الكتابية والأسلوبية، الدكتور علي القاسمي، الذي قرأت له منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، وبين يدي كتابه (مقدمة في علم المصطلح \1985) وكنت قد قرأته في حينه، ووجدتني أتصفحه قبل بضعة أسابيع.

فكتاباته تمنحكَ متعة القراءة، التي نفتقدها في معظم الكتابات المنشورة، فمهما كان الموضوع طويلا وبعدة صفحات فأنك تقرأه من أوله لآخره، إذ يبدأ واضحا فيما يريد تناوله، ويشدك إليه بعبارة إفتتاحية جذابة ومغرية للتواصل بالقراءة، ويضخ ما يكتبه بمعلومات مشوقة ومشجعة على المتابعة، ويوضّح مفرداته وما يعنيه في كل عبارة أو مصطلح يطرحه، ويأتيك بالأدلة والبراهين البينة المقنعة، وبإنتظام منطقي سببي مرموق.

ويأخذ بمناقشة فقرات الموضوع، ويربطها ببعضها، حتى لتجد نفسك مرهونا بإتمام القراءة، والتمتع بما تقرأ.

هذه القدرة على الكتابة، والإحاطة بتقنياتها نادرة فيما ننشره، ولربما أستطيع الجزم بأن كتاباته ذات مقروئية عالية، لأنها تجذبك إليها وتتملكك تماما.

وأجدني أتمتع بما يكتبه، فأزداد معرفة وأتعلم أسلوبا، وأكتشف الوفاء للكلمة وللقارئ في كتاباته.

والدكتور علي القاسمي، يقدم مثلا وقدوة للكتابة المعاصرة، اللازمة للتفاعل مع القارئ، والتعبير السلس الواضح المنظم عن الفكرة، التي يتناولها مهما كان الموضوع طويلا وصعبا.

تحية للدكتور علي القاسمي، ولقدرته العالية على التعاطي الخبير مع الكلمة، وبها يقدم لنا صورة عملية عن كيف للكتابة أن تكون.

فكتاباته تترجم رسالة الكلمة، وقيمة الكتابة ودورها في صياغة الوعي الجمعي، وبث وهج التنوير المعرفي.

ومعظم الكتابات الطويلة التي تتناول موضوعات صعبة، ينحى كتابها إلى زيادة تعقيدها، وإفهام القارئ بأنهم لا يعرفون ماذا يريدون قوله، فتجد نفسك في متاهة، وتنفر من المكتوب من أول عبارة أو فقرة.

فليكتب أصحاب المقالات والدراسات الطويلة وفقا لتقنيات الكتابة المعاصرة، فالكتابة بحاجة إلى ثورة أسلوبية وتعبيرية، وقد أوقد جذوتها الدكتور علي القاسمي، وبأدلة متكررة في كتاباته.

مع خالص التحايا، ودمتَ مبدعا متنوّرا ومنيرا!!

 

د. صادق السامرائي

28\5\2021

 

يسري عبد الغنيكتب أوغست مارييت "باشا"، عالم الآثار الفرنسي ومدير الآثار المصرية في ذلك الوقت، رسالة إلى شقيقه إدوار قبل افتتاح قناة السويس بخمسة أشهر، وردت في كتاب بعنوان "خطابات وذكريات شخصية" صدر في باريس عام 1904، قال فيها :"تصور أنني كتبت أوبرا!... إنها أوبرا كبيرة سيضع فيردي موسيقاها، نعم لا تضحك إنها حقيقة"، وقال إدوار إنه شعر بالقلق عندما علم بهذا الأمر.

ويشير الكاتب والمؤرخ الفرنسي روبير سوليه في كتابه "مصر ولع فرنسي" إلى أن الكثيرين لم يتوقفوا عن إسناد نص أوبرا عايدة إلى مؤلفين شتّى، إن لم يكن الخديوي إسماعيل شخصيا صاحب مبادرة تأليفها، وقد ثبت اليوم انتساب هذا العمل إلى مارييت الذي كتب السيناريو وصمم الملابس وديكورات العرض فضلا عن وضع الخطوط العريضة لإخراج العمل الفني.

لم تُعرض أوبرا عايدة عند افتتاح دار أوبرا القاهرة الخديوية، على نقيض الأسطورة الرائجة تاريخيا بهذا الشأن، نظرا لعدم الانتهاء من تجهيزها وطلب استعجال من الخديوي إسماعيل رغبة منه في تقديمها أمام ضيوفه خلال حفل افتتاح قناة السويس، لذا قدمت أوبرا أخرى في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1869 هي أوبرا "ريغوليتو" المقتبسة من قصة للأديب الفرنسي فيكتور هوجو "الملك يلهو"، وهي أيضا من تلحين الموسيقار الإيطالي جوزيبي فيردي.

اختار مارييت باشا اسم "عايدة" عنوانا لعمله لما يحمله الاسم من دلالة مصرية، كما استلهم أحداثها من تاريخ مصر القديم، معطيا لنفسه حرية التحرك في سرد أحداثها دون التقيد بفترة زمنية محددة، على الرغم من اتجاه البعض إلى ربط الأحداث بفترة حكم الملك رمسيس الثالث.

وقصة أوبرا عايدة تجسد صراعا بين "الواجب والعاطفة"، وتروي قصة أميرة حبشية أسيرة في مصر، تصبح وصيفة لـ "آمنيريس"، ابنة الملك الفرعون. وتقع الفتاتان في حب رجل واحد "راداميس"، القائد الحربي المصري، الذي يبادل عايدة حبا كبيرا.

ويستمر القالب الدرامي في سرد الأحداث بعد أن تفسد الأمور نتيجة اندلاع حرب بين مصر والحبشة، وتنتصر مصر ويطلبون من راداميس الزواج من ابنة الفرعون مكافأة له على الانتصار، فيسعى إلى الهرب مع حبيبته عايدة، ويفشي بعض الأسرار العسكرية لها عن دون قصد، فيعتبرونه خائنا لواجبه العسكري ويحكم عليه بالدفن حيا، وتلحق به عايدة وتموت بين ذراعيه في قبرهما.

تعتبر أوبرا عايدة أول أوبرا يضعها عالم في تاريخ مصر القديم، وكان مارييت قد قضى ستة أشهر في صعيد مصر ينسخ بمنتهى الدقة نقوشا وتفاصيل فنية على صفوف أعمدة المعابد، كي يستفيد منها في إخراج عمله ليكون الأقرب علميا للطبيعة الفنية للنص التاريخي.

لم تكن أوبرا عايدة الأولى التي تستلهم تاريخ مصر القديم في أحداثها المسرحية، فقد سبقتها "الناي السحري" لموزار، والتي قدمت في باريس في 20 أغسطس/آب 1801 بعنوان "أسرار إيزيس"، فضلا عن أوبرا "موسى" للموسيقار روسيني عام 1827، و"الابن الضال" لدانيل فرانسوا إسبري أوبير عام 1850.

أرسل مارييت سيناريو أوبرا عايدة إلى كاميي دو لوكل، مدير "أوبرا كوميك" في باريس، لتجزئة النص إلى مشاهد وتحديد بنية العمل في أربعة فصول، ثم تُرجم النص إلى اللغة الإيطالية، وأُعطي للشاعر الإيطالي أنطونيو غيزلانزوني لنظمه شعرا، ثم أعيد ترجمة النص الشعري إلى لغته الفرنسية.

أراد الخديوي إسماعيل أن يضع فيردي موسيقى أوبرا عايدة ، وكان فيردي قد سبق وقدم أوبرا "ريغوليتو" و"لاترافياتا" المقتبسة عن قصة غادة الكاميليا للأديب الفرنسي أليكسندر دوما (الابن).

ويشير سوليه في كتابه إلى أن فيردي رفض في البداية قائلا :"ليس من عادتي تأليف قطع موسيقية للمناسبات الخاصة"، فألمح وسطاء الخديوي بإسناد المهمة إلى موسيقيين آخرين مثل فاغنر وجونود، إن أصر على رفضه فوافق بشروط مالية خاصة.

وقع مارييت العقد مع فيردي نيابة عن الخديوي في 29 يوليو/تموز عام 1870 بعد ثمانية أشهر من افتتاح قناة السويس نظير دفع 150 ألف فرنك فرنسي بالذهب، ونص العقد على أنه إن لم تُعرض عايدة في القاهرة في يناير/كانون الثاني عام 1871، فمن حق فيردي عرضها في مكان آخر بعد مضي ستة أشهر من الموعد المتفق عليه، لكنه تغاضى عن هذا الشرط.

"معضلة الموسيقى الفرعونية"

لا يشكل تقديم أعمال مسرحية تستلهم تاريخ مصر القديم صعوبة كبيرة في حالة توافر القصة الموثوق بها والتمويل الكافي وتصميم ديكورات مناسبة، فماذا عن تقديم عمل موسيقي يستلهم موسيقى الفراعنة؟ هذه الموسيقى المجهولة عن مسامع الجميع، باستثناء ما ورد من نقوش عن بعض الآلات الموسيقية المستخدمة في ذلك الوقت والتي سجلها كتاب "وصف مصر" الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801).

يشير جان-بيير بارتولي في بحث بعنوان "البحث عن أصوات مصر القديمة: الولع بالموسيقى المصرية في فرنسا من روسيني إلى ديبوسي" إلى أن فرنسيين اثنين استطاعا تأسيس "علم الموسيقى المصرية (القديمة)" وهما غويوم أندريه فيلوتو، الذي رافق بونابرت في حملة مصر، ووضع قائمة بالآلات الموسيقية التي استخدمت في العصور المصرية القديمة واستلهم الألحان الدينية القبطية.

والثاني هو الموسيقار فيليسيان ديفيد، الذي وضع سيمفونية "الصحراء" عام 1844 مبتكرا أساليب موسيقية جديدة استفاد منها أوبير في أوبرا "الابن الضال".

عُرضت أوبرا عايدة في القاهرة أول مرة في 24 ديسمبر/كانون الأول عام 1871 وحققت نجاحا غير متوقع، وعرضت في الثاني من فبراير/شباط عام 1872 في لاسكالا في ميلانو، وبارمي في وسط إيطاليا.

بعدها قررت باريس عرضها على مسارحها مع استخدام ديكورات وملابس جديدة، الأمر الذي أثار دهشة فيردي نفسه وقال "هل ما يصلح للإيطاليين لا يصلح للفرنسيين؟"، بحسب سوليه.

استفاد مسرح "غارنييه" في باريس من كتاب "وصف مصر" رغبة في إعادة تكوين العمل المسرحي التاريخي بطريقة أكثر دقة، مستعينا في ذلك الوقت بأوجين لاكوست، أبرز مصمم أزياء في باريس، كما استعانت لجنة التنظيم بغاستون ماسبيرو، عالم الآثار الشهير، في تصميم بعض الرسوم.

ألهمت أوبرا عايدة الكثير من الموسيقيين وكتّاب المسرح لوضع أعمال مستوحاة من تاريخ مصر القديم، مثل الموسيقي الفرنسي فيكتور ماسييه في "ليلة كليوباترا" عام 1884، والكاتب المسرحي فيكتوريان ساردو في "كليوباترا" عام 1890.

واستمر تقديم أوبرا عايدة سنويا على مسرح دار الأوبرا المصرية "الخديوية"، حتى احترقت بالكامل عام 1971، وشهدت منطقة الأهرامات أضخم إنتاج للعرض عام 1987، عندما شارك فيه 1600 فنان على مسرح مساحته 4300 متر مربع ، وحضره 27 ألف متفرج واستمر تقديمه على مدار ثمانى أمسيات متتالية.

كما قُدمت عروض أوبرا عايدة عام 1994 أمام معبد حتشبسوت في الدير البحري بالأقصر متخذة من عمارة المعبد خلفية لها.

ومازالت تجتذب عروض أوبرا عايدة في مصر والعالم الكثير من الجمهور فضلا عن إثراء المنافسة بين المخرجين والقائمين على تنظيمها لتقديم كل ما هو جديد من الناحية الفنية، ويقول روبير سوليه إن "الولع الموسيقي بمصر التاريخية يسمح بكل شيء، إن لم يكن يسمح بالشيء ونقيضه".

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيلقد انتشر في بدايات العصر الحديث موضة تعريب الروايات، والذي كان من أثر الاتصال بالأدب الغربي حيث اتجه الأدباء إلى فن القصة، وسلكوا إليها مسالك متعددة منها مرحلة الترجمة .

في هذه المرحلة بدأ الأدباء العرب يترجمون بعض القصص الأجنبية محتفظين إلى حد كبير بمعالمها وشخصياتها وأحداثها، ومن أوائل من سلكوا هذا المسلك، جدنا العظيم الشيخ / رفاعة رافع الطهطاوي، الذي ترجم عن الفرنسية رواية : (مغامرات تليماك) للأب / فنلون الفرنسي، وسماها (مواقع الأفلاك في وقائع تليماك)، ونذكر محمد عثمان جلال الذي ترجم عن الفرنسية قصة (بول وفرجيني)، وسماها (الأماني والمنة في ذكر قبول ورد جنة)، ونذكر نجيب حداد الذي ترجم رواية (الفرسان الثلاثة) للإسكندر ديماس، التي حولتها السينما المصرية إلى أكثر من فيلم سينمائي .

وفي أواخر القرن التاسع عشر هاجر إلى مصر عدد من السوريين، وكان لهم أثرهم الملحوظ في تنشيط حركة الترجمة القصصية، ومنهم : نيقولا رزق الله، الذي ترجم رواية (سقوط نابليون الثالث)، ونيقولا حداد، وطانيوس عبده، ومما ساعدهم على ذلك  أنهم وجدوا أبواب النشر مفتحة لهم، وأن الصحف أفردت صفحات لما يقدمون إليها من قصص تلبية لرغبة الجمهور .

وانتهى القرن التاسع عشر والترجمة هي المسيطرة على القصة، كما أنها كانت في بعض الأحيان ترجمة هابطة لم يحسن أصحابها اختيار القصص، ولا عرضها بأسلوب أدبي قويم .

ومع أوائل القرن العشرين استمرت حركة الترجمة في طريقها، وظهرت إلى جانبها حركة التعريب أو التمصير، وذلك بإعطاء شخصيات القصص وأماكنها أسماء عربية، والتصرف في بعض أحداثها لتتفق مع الجو العربي أو المصري، ومن ذلك رواية (البؤساء) التي عربها شاعر النيل / حافظ إبراهيم عن اللغة الفرنسية، وإن كان هو في الأصل غير متمكن منها .

وهنا قد يطرح سؤال : هل ترجم أحد المجيدين للغة الفرنسية رواية (البؤساء) لهوجو ، ترجمة حرفية، ثم أخذها حافظ وهو صاحب بلاغة وفصاحة وأعاد صياغتها ؟ !  .

أو هل اعتمد حافظ على ترجمة لها كانت موجودة في الأصل ؟، ثم أعاد صياغتها، وذلك لأن حافظا لم يكن يعرف اللغة الفرنسية ؟ ! .

هذان السؤالان في حاجة إلى إجابة شافية واضحة، ولكن ذلك لن يتأتى إلا بالفحص والدرس والتمحيص، نأمل أن نقوم به إذا كان في العمر بقية—حيث نستوفي مسألة   الترجمة الامينة غير الجميلة فى نهضتنا الادبية—كما يقول اهل البحث في الادب المقارن    .

وأذكرك أن الشيخ / مصطفى لطفي المنفلوطي في روايات (الفضيلة )، و (الشاعر )، و (ماجدولين )، و (في سبيل التاج)، فعل نفس الأمر، ولكن المؤكد ـ حسب بحثي ـ أن المنفلوطي كان له صديق يعمل في مهنة المحاماة، ويتقن اللغة الفرنسية، وكان يقوم بترجمة هذه الروايات ترجمة حرفية، ثم يأخذها شيخنا المنفلوطي ويعيد كتابتها بأسلوبه العذب الرقيق .

وهناك فرق واضح بين حافظ إبراهيم والمنفلوطي في طريقة الصياغة والكتابة، فحافظ شاعر في المقام الأول، والمنفلوطي كاتب متمرس، المنفلوطي الذي ولد سنة 1876، وتوفي سنة 1924، ولد بقرية منفلوط إحدى قرى صعيد مصر، وحفظ القرآن الكريم في حداثته، ثم درس بالأزهر الشريف لمدة عشر سنوات منتظمة، ولكنه شغف بالأدب، وعكف على كتب الأدب العربي القديم ينتقي أطايبها من الشعر والنثر، كما تتبع بشغف شديد كتابات الكتاب المعاصرين له، وبخاصة كتابات الأستاذ الإمام / محمد عبده أستاذه وشيخه، كما قرأ الكتب المترجمة على عهده، ولاسيما القصص الرومانسية .

ومن هذه القراءة المتصلة الواسعة تكون ذوقه الأدبي، وقويت أداة التعبير الأدبي لديه، وبدأ الكتابة في صحيفة (المؤيد) لصاحبها الشيخ / علي يوسف، واتصلت أسبابه بزعيم الأمة / سعد زغلول باشا، وكان معجبًا به، فعينه محررًا عربيًا بوزارة المعارف العمومية، وانتقل معه إلى وزارة الحقانية (العدل)، ولما قامت الحياة النيابية بمصر سنة 1924، عينه سعد زغلول رئيسًا للكتاب بمجلس الشيوخ، ولكن حياته لم تطل في هذه الوظيفة حيث أنه توفي في نفس العام!!!! .

كان المنفلوطي أديبًا مطبوعًا، ذا سليقة مواتية، وحس مرهف، وعاطفة جياشة، وقلم مطواع، وقد اصطنع لنفسه أسلوبًا متميزًا في الكتابة والتعبير به في طلاقة وعذوبة، وبعد عن التكلف والصنعة والزخارف اللفظية .

وبهذا الأسلوب الرشيق المكين المسترسل السهل مكن للمقالة الأدبية الحديثة، وخلصها من قيودها، وما كان يكبلها، واعتبرت كتابات المنفلوطي فتحًا جديدًا أصيلاً في عصره، وكانت منزلته في النثر الحديث بمنزلة رب السيف   والقلم / محمد سامي البارودي في الشعر الحديث، ومن آثاره الأدبية (العبرات) و(النظرات)، وكذلك القصص التي نقلها إلى العربية مع كثير من حرية التصرف، وحرية التعبير بعد أن ترجمت إليه حرفيًا .

وأسلوب المنفلوطي يتسم بوضوح الفكرة، وإحسان التدليل عليها، وفصاحة القول، وسلامة التعبير، وتقسيم الأسلوب إلى فقرات قد يتكون منها سجع خفيف تلقائي، دون إسراف أو تكلف، والخيال في كتاباته غير كثير، ولكنه وضع في موضعه من أجل توضيح وتأييد الفكرة المراد التعبير عنها، وكم من مرات قمنا بتدريس مقطوعات من أدب المنفلوطي لأولادنا في مراحل التعليم المختلفة عندما كنا نعمل في مدارس وزارة التربية والتعليم، وكم كان يروق أسلوب الرجل لأولادنا، في زمن كان يقدر فيه الأدب والأدباء .

(جزء من دراستي  عن الترجمة في عصر النهضة الأدبية العربية الحديثة : إضاءات وملاحظات)

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

نايف عبوششاع استخدام الرموز التعبيرية في وقتنا الراهن، كوسيلة تعبير، واداة تواصل فنية، في الدردشات الرقمية، على ساحة الفضاء الافتراضي، للتعبير عن المشاعر الإنسانية بين المستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي، لما تتركه في نفس المتلقي لها من أثر، في دلالاتها التعبيرية، وما تفرزه من معاني رمزية في نفس الوقت. ولأنها أيقونات صورية وحسب، فإنها تظل (لغة صور بصرية)، وليست (كلاما مكتوبا)، وبالتالي فإنها (لغة صامتة)، ولكنها تؤدي المقصود منها، مع انه لا مكان للألفاظ فيها .

وكما هو معلوم، فقد بدأ استخدام الرموز التعبيرية، في أواخر تسعينات القرن الماضي، في اليابان، بمسمى (الإيموجي)، حيث تم إدخال المجموعة الأولى منها، من قبل شركة اتصالات، لتسهيل التواصل الالكتروني، بعد أن استوحت إشاراتها من رمزيات (المانغا اليابانية)، وتطورت بسرعة، وأصبحت تستخدم في جميع منصات الإنترنت، لتصبح لغة عالمية في عام  ٢٠١٠، بعد أن اتفقت جميع المنصات على معايير موحدة، تجعل الرموز التعبيرية، مقروءة فيما بينها، وأصبح بالإمكان تبادلها بين أجهزة الهواتف الذكية.

ولابد من الإشارة إلى أن التحول من اللغة المكتوبة بالكلمات، إلى استعمال الرموز التعبيرية، المستوحاة من ملامح الحياة اليومية، جاء وليد الثورة التقنية الرقمية الهائلة، في مجال التواصل والاتصال،إذ يتطلب  التواصل بين المستخدمين عبر فضاء الأنترنت في عصر التكنولوجيا الرقمية، السرعة، والتكثيف، والاختزال، وبذلك يكون من الأسهل عندئذ، استخدام الرموز، بما اصطلح عليها بين المستخدمين في الفضاء الرقمي، من دلالات تعبيرية، بدلاَ من اللجوء إلى استخدام الكثير من الكلمات، التي قد تستهلك الوقت .

وبالرغم من كل ما تتمتع به الرموز التعبيرية من دلالات في التعبير عن المشاعر، وما تحظى به من قبول، وسهولة، وسرعة في الاستخدام، فإنه لا يمكن اعتبارها لغة حية حقيقية مستقلة، ما دامت تفتقر إلى الأحرف، وتنقصها قواعد بناء الجملة، وبالتالي فإن غياب قواعد اللغة عنها، ومحدودية دلالاتها التعبيرية، يجعلانها تفتقر لوظائف اللغة الأساسية، التي تسمح بالتواصل العميق، والمركب بين الناس، وهكذا فإن الرموز التعبيرية، تظل غير فعالة كلغة بشكل مستقل، من دون لغة رديفة حاوية لها، لكي تكتسب، عند استخدامها، معناها وسياقها من النص، عندما يتم الجمع، بين الرموز التعبيرية، والكلمات في عملية التواصل .

وهكذا تظل الرموز التعبيرية، مجرد أيقونات صورية بسيطة وحسب، مع كل ما ألهمته إياها التقنية من روح، ومنحتها من معنى تواصلي، وما اضفته عليها من قبول كخيار بديل للكلمات، حين يصعب فنياً، توظيف النص الرقمي في صناعة المعنى، والمبنى في عملية التواصل، لتظل الرموز التعبيرية بهذه الصيغة، مجرد أداة تواصل رقمي، تفتقر إلى النبض والتوهج،حتى مع اقترابها في دلالاتها التعبيرية  في التخاطب، من تخوم اللغة الحقيقية الحية، إلى حد كبير، باعتبارها في رمزيتها، لغة جسد، تقود الى مدلولات أكثر عمقا، وأكثر صدقًا، من لغة الخطاب المسموع .

 

نايف عبوش