علي الجنابيمهلاً يا صاح!

لا تدعْ فؤادَكَ يسترطبْ ناظراً لغزلٍ بتغنجٍ وإجترار، فلا هيامَ هنا ولا غرامَ وما عادَ في الوجناتِ من إحمرار، بل إنَّ إنتصارَ موظفةٌ تعيلُ أباها المُقعد وأخوتَها السبعةَ الصّغار..

فاتَتْها بهجةُ العرسِ ف(عَنَّسَت) لكنّها راسخةٌ ولا تأبهُ إن بَصُرَت زفةَ عرسٍ في قِطار، فعندها من البرِّ لأبيها ومن المَودّة لأخوَتِها غرامٌ من ألفِ قِنطارٍ وقنطار. مُحتشمةُ وبحجابٍ هيَ، ومُتَنَعِمةٌ وبوجهٍ بشوشٍ بلا إستهتار. لا تصافحُ رجلاً، وحاضرةُ الحرف فلا تَتَلكأ ولا تَحتار..

ولكن يا إنتِصار!

(إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ)، الشقاءُ على الرّجلِ وحدُهُ بأمر جليٍّ لا دبلوماسيةَ فيهِ ولا تأويلَ ومن الواحدِ القهّار، هكذا قالَ اللهُ وهكذا فَسَّرَ الأخيار: إنها في دستورهِ: (تَشْقَىٰ) وما هي ب (تَشْقَيا) فلِمَ العَنَتُ والتشبُّهُ بالرّجالِ؟ لمَ الإصرار يا إنتصار؟ ولمَ نَسَفتِ نصّاً إلهياً محكماً فخَرَجتِ خارجَ أبوابِ الدّار؟ أوَمَا عَلِمتِ أنَّ المرأةَ ما خلقت إلّا سَكَناً لهُ مِن بعدِ شقاءِ يومِهِ ومَودّةً في الحُجُراتِ ورحمةً وإستقرار، فلا أزَّ ولا لمزَ ولا في الوجهِ إكفهرار؟ فوجهكِ الآن يا إنتصارَ لا ينقصُهُ إلّا شنباً ليُشبِهَ وجهَ بَرهَم المُختار!

يا نبيلَ الحرفِ يا عمّاهُ، إن كانَ لا طاقةَ ليَ في مناطحةِ دستورِ(خولةَ)حرمُ أخينا الجار، أفأتَجَرَّأ على مناكفةِ دُستور المليكِ الجبار! أفَرأيتني لو كان أمرُ الإسلامِ قائماً، أفأخرجُ لرغيفِ خبزٍ وكسوةٍ وقلمٍ وقرطاسٍ ودِينار؟ بل لكنتُ الآن مُرضعاً لصَغيرتي، أغمِزُ لها بين فَخِذيَّ في ظلالٍ وفي سَمَار، لكنّه الهَمُّ والهضمُ والآهُ يا عمَّاهُ جعلني شبيهةَ ذي اللغو برهم المُختار، بل نسخةٌ من أناقةِ أبي مازنِ النّجارِ، رشيقةً كالمسمار، طموعةً كالمنشار، وأوَّاهُ عمَّاهُ! فما ذاكَ إلّا أنَّ الناسَ عن حقيقِ الخيراتِ وَلّوا الأدبار، فَفَهِموا أنّ "التَعُدُّدَ" شهوةٌ، ونسوا أنّهُ تكافلٌ ولغيرةِ الرّجالِ إختبار، وباتَ سنامُ الخيرِ عندَ الشواربِ والّلحىً، أن يَمنحوا درهماً في زقاقٍ لمُتَسولٍ منهار. بل أمسى أمرُ التكافلِ عندَهُمُ: (فَاظْفَرْ بِذَاتِ الوظيفة؛ تَرِبَتْ يَدَاكَ) ثيِّباً كانت أم من الأبكار! وياللعارِ يا عمَّاهُ ويا للعار! فما هكذا ربَّاهُمُ النبيُّ الجميلُ: المُصطفى المُختار! أفَحَقَّاً عمَّاهُ، باتَ شقاءُ القارورةِ ودراهمُها أمنيةً ومغنماً للرجالِ الأخيار! أوَحَقّاً عمَّاهُ، شرطُ النكاحِ: [عليَّ دراهمُ الكسوةِ والرّغيفِ يا إمرأة، وعليكِ دراهمُ الإيجار]، أفهكذا هو القسطُ وهكذا هو العقد والإشهار؟ فلا خاتمَ زواجٍ ولا قلادةً ولا عطراً (باريسياً ولو مُقَلَّداً) ولا كرستالةً في إسوار؟!

لا تتزوَّجي يا إنتصارُ!

لا تتزوَّجي مادامَ الدلوُ في الجُبَّينِ شقاءً بمرار وإستعمارَ، ثُمَّ إنَّ عندكَ ثمانيةَ أزواجٍ وإنَّهمُ لخيرُ مشروعٍ لفِردَوس وخيرُ إستثمار، وهمُ بكِ أولى من عَريسٍ بئيسٍ تعيسٍ مُبَحلِقٌ لما في جعبَتِكِ من دينار.

يحيا العَنَسُ يا إنتصارَ، ويحيا العَنَتُ وقبلة على جبينِكِ حبيبتي إنتصارَ. ولا ذنبَ ولا تثريبَ عليكَ في خروجِكِ من الدّار، وتوَجّهي بأوزارٍ غيرِ هذا للعزيز الغفّار، ثمّ أنّ بابَ الرزق هو الإستغفار، ليُنزِّلَ عليكِ من السماءِ المنحَ بكرمٍ مدرار، وكَم وكَم من (رَجُلٍ) سَتُورِدِينَهُ يا إنتصارٌ وستَلفحُهُ بِسببِكِ النّارُ، بِدأً مِن ولاة أمرٍ في ناصيةِ الحُكمِ يَرمَقونَكِ بإحتقار، نزولاً الى عَمائمَ كالحةٍ ضالّةٍ تدلّسُ جَهرَةً بإفتِخار، ثمّ أولو رَحِمٍ لا شاغلَ لهم إلّا حَكَّ مناخيرهُم بسذاجةٍ ومغرمون بالأهازيجِ والتخاصمِ والإنكار، ولا ننسى أولي قرابةٍ ذوو خسَّةٍ وطَمَعٍ لُؤماءُ وأشرار.

بُنَيَّتي وحبيبتي إنتصار. إنتصرتِ عليَّ وأسمٌ على مسمى.

 

بغداد / بقلم : على الجنابي

 

ناجي ظاهريلاحظ المتابع، وحتى المراقب من بعيد، للحياة الأدبية في بلادنا، خلال الفترة الأخيرة تحديدًا، هذا الإقبال غير المسبوق على طباعة الكتب، حتى أن من يعرف ومن لا يعرف، قام ويقوم بطباعة كتاب أو أكثر، فمن أراد أن يظهر اجتماعيًا قام بطباعة كتاب، ومن أرادت أن تقاهر زوجها وتثبت له أنها جديرة ويحق لها قامت بطباعة كتاب، ومن أراد أن يُضخّم قائمة مؤلفاته تمهيدًا لقبض المزيد من المال، لقاء استعارتها من المكتبات العامة وقراءتها.. قام بطباعة كتاب. ساهم في الإقبال على آفة طباعة الكتب اشتراط اتحاد الكتاب أن يكون العضو المنتسب إليه قد أصدر كتابًا أو أكثر، غاضًا النظر عن القيمة الأدبية والفنية للكتاب ومُركزًا على صدوره.. وكفى الله المؤمنين شر القتال.

هناك العديد من الأسباب لهذه الفوضى في إصدار الكتب، دعمت تفاقمها وسائل الاتصال الاجتماعي التي سلّطت الضوء على الإنسان الفرد وضخّمته، حتى بات لا يرى سواه إلا لحاجة في نفسه وغاية يرمي إليها، لقد مضى الزمن الذي عزت فيه طباعة الكتب وعز إصدارها، واذكر هنا أن الكاتب كان يلقى الأمرين من اجل إصدار كتابه، وأحاول الآن وأنا اكتب هذه الكلمات أن أتصور ما عاناه طابع الكتاب الأول في البلاد بعد قيام إسرائيل، الشاعر المرحوم جورج نجيب خليل ابن قرية عبلين، ورئيس مجلسها في فترة سابقة، يوم أصدر مجموعته الشعرية " ورد وقتاد"، أو الكاتب المرحوم عيسى لوباني، من مهجري قرية المجيدل وعاش جل حياته في الناصرة عاملًا حينًا في سلك التعليم وآخر في إدارة مكتبة، أتصوره يوم أصدر مجموعته الشعرية " أحلام حائر"، كان هذا في أواسط الخمسينيات.

لقد عانى كتابُنا في إصدارهم كتبهم ومؤلفاتهم، وكان الكاتب في فترة سابقة، وحتى في هذه الفترة الراهنة نوعًا ما، يعاني في إصدار كتابه، إذ عليه أن يكون هو الكاتب ومتابع الطباعة وموزع الكتاب أيضًا، وقد بقي هذا الوضع على ما هو حتى شرعت دائرة الثقافة العربية التابعة لوزارة المعارف بادراة طيب الذكر المرحوم موفق خوري، بطباعة الكتب، فخف العبء عن الكتاب، وكان أن قام العشرات من الهواة والكتاب ومُدّعي الكتابة باستخراج مؤلفات كانوا قد كتبوها، أو بادروا للكتابة والتأليف، من إدراجهم، وتقدّموا بها إلى الدائرة فقامت هذه بطباعة معظم ما قدمه هؤلاء إليها، وهنا نشأت مشكلة جديدة، عانينا منها وما زلنا، تمثلت في توزيع الكتب مجانًا، وقد ساهم هذا في تخفيض قيمة الكتاب، إذ أن الكتاب عادة ما كان يُطبع إرضاء لغرور صاحبه، والانكى من هذا أن من كان يأخذ الكتاب مجانًا، لم يكن يقوم بقراءته في العادة.. ولنا في هذا حكايات وحكايات.

في الفترة الجارية، فترة ما بعد دائرة الثقافة العربية، وانتشار وسائل الاتصال الاجتماعي، انتشار النار في الهشيم، وما أفضت إليه من شخصنة القضايا العامة والانكفاء الذاتي، اتخذت ظاهرة طباعة الكتب طابعًا آخرَ، تمثّل في عدة تجليات، فطباعة الكتاب، كما قالت لي سيدة مجتمع، لا تُكلّف صاحبها سوى امتلاك مبلغ خمسة آلاف شاقل، أي ثمن فستان سهرة فـ" فأيهما أفضل.. شراء فستان سهرة.. أم طباعة كتاب؟". سألتني محدثتي. فما كان مني إلا أرسلت ابتسامة وأنا أقول "طباعة كتاب أفضل بالطبع". من التجليات الأخرى.. تحوّل معظم دور النشر في بلادنا وفي العالم العربي المحيط بنا عامة، إلى دكاكين لطباعة الكتب، هات بضعة آلاف من الشواقل ونحن نطبع لك كتابك... ومن المستغرب المستعجب أن هناك دور نشر سبق ولعبت دورًا حقيقيًا في تدعيم الحركة الأدبية في عالمنا العربي، لبست قُبعها ولحقت ربعها، فراحت تطبع الكتب دون النظر إلى جودتها، كما كانت تفعل أيام ازدهارها وعزّها، وهناك تجل لا يخلو من طرافة مؤسية تمثّل في رجالات الجامعات من ذوي الياقات المنشاة والعلاقات العامة القوية، فقد اقتحم العديد من هؤلاء ميدان طباعة الكتب طامحين إلى رفع درجاتهم العلمية، وهذا ليس معيبًا بحد ذاته، إنما المعيب أن يقوم هؤلاء بالمبادرة إلى استخراج دراساتهم التي تقدموا بها لجامعاتهم للحصول على هذه الإجازة أو تلك، أو قاموا بتجميع مقالات كانوا كتبوها في الماضي لتقديمها إلى من لهم دالة عليهم، دون مراجعة وإعداد للنشر، لتصدر في كتب لا غاية ثقافية منها وإنما طبعت لأهداف شخصية ضيقة.

إنني لا افهم، في هذا السياق، لماذا يبادر احدهم لطباعة خمسة كتب دفعة واحدة، وأخرى تسافر إلى القاهرة و عمان لتطبع أربعة دواوين شعرية دفعة واحدة، فهل بتنا في زمن الكم وتركنا الكيف يندب حظه؟

للحقيقة أقول إن ظاهرة طباعة الكتب الطامّة الغامّة، ليست ظاهرة محلية، فهي ظاهرة عالمية، انتشرت أكثر كما المحنا آنفًا، مع انتشار العولمة ومع تحول العالم إلى قرية صغيرة.

للاختصار والإجمال اروي حكاية طريفة رواها لي صديق صحفي قبل سنوات، وما زالت تفاصيلها ترنّ في أذني، مفادها أن محدثي، دخل على محرر أدبي في صحيفة أمريكية، فلفتت نظره كومة كبيرة من الكتب الملقاة قبالة مكتبه. سأله ما هذه الكومة؟ فرد المحرّر إنها كتب يحملها إلي البريد يوميًا... ما يلفت نظري أضعه قريبًا مني، وما لا يثير اهتمامي القي به قبالتي كما ترى، لترتفع الكومة هناك. انتهت الحكاية.. بعد تقديمي هذه الحكاية.. أود توجيه سؤال ذي مغزى إلى عشاق إصدار الكتب من رجال ونساء أيضًا، هو: هلّا فكرت قبل إقدامك على طباعة كتابك العتيد.. وأين سيكون مآله.. كومة الكتب.. أم تلك الزاوية القريبة من قلب المحرر وروحه.

 

ناجي ظاهر

 

 

ناجي ظاهرأعدتُ هذه الايام قراءتي للعمل الادبي المسرحي الشعري الخالد "فاوست"، لشاعر المانيا المرموق، يوهان فولفغانغ غوته، وذلك بعد قراءتي الاولي لها بنحو الثلاثين عامًا ونيفًا، السبب في اعادتي قراءة المسرحية يعود لعدد من الاسباب أشير إلى اهمها، اولًا: اعادة " المركز القومي- المصري- للترجمة، طباعتها (عام2014)، ضمن مشروعه المبهر " ميراث الترجمة"، ثانيًا: حصولي، قبل فترة، على نسخة من هذه الترجمة، ثالثا: محبتي للعودة إلى اعمال ادبية تُعتبر من الامهات في الآداب العربية والاجنبية ورغبتي في اعادة قراءتها في فترات متباعدة للتمعن والاكتشاف. ولعلّ هذه مناسبة لان اذكّر الاخوة القراء بأهمية مثل هذه العودة إلى الكتب الامهات بين الحين والآخر.. وكلّما سنحت الفرصة.

يُعتبر غوته ( 1749-1832).. مؤلف هذا العمل الادبي المُعجز، من أبرز الاسماء الادبية المتداولة في العالم، حتى هذه الايام. درس القانون بناء على رغبة والده المقتدر، إلا أن الادب اجتذبه واستولى على اهتمامه وساعده في تجسيد محبته هذه للأدب والشعر خاصة، العديد من الامور لعلّ ابرزها اقامته في دوقية فايمار الالمانية جنبًا إلى جنب في قصر حاكمها الذي اعجب به أيما اعجاب ومنحه كل الامكانيات للكتابة والابداع، وادى هذا الاعجاب لأن يبرز اكثر فاكثر، ولأن يرتبط بشخصيات ادبية لها اهميتُها الخاصة في الادب الالماني والادب الاجنبي بصورة عامة مثل هيردر وشيلي، وقد تُرجمت معظم اعمال غوته الادبية إلى العديد من لغات العالم بما فيها لغتنا العربية، ويشار في هذا السياق أن غوته اتقن العديد من اللغات، واطلع على العديد من الاعمال الادبية العربية القديمة المترجمة إلى الالمانية، وهو صاحب كتاب يُذكّر بشرقنا هو" الديوان الشرقي" إضافة إلى العديد من المؤلفات التي يمكن الاطلاع عليها عبر كبسة بسيطة على محرك البحث العالمي " غوغل".

كما يعتبر غوته بشهادات الكثيرين من النقاد والباحثين العالميين، قامةً ادبية شامخة تنتصب إلى جانب الكاتب المسرحي الانجليزي وليام شكسبير بجدارة واستحقاق.

اتصف غوته في ابداعه الادبي بعدم التحدُّد والتخصص الذي مكّن أبناء جلدته من الالمان من الابداع وتقديم الكثير من الانجازات ذات النجاعة والفائدة للعالم، وكان واسع الرؤية بعيد الافق، ولعلّ مسرحيته هذه تُقدّم صورة لشخصه المبدع، فقد كتبها وعمل على تجويدها، خلال حوالي الثلاثين عامًا من عمره، واتمها في أخريات ايامه، ليبهر بها القراء في العديد من اللغات التي تمت ترجمتُها إليها، وقد تكون هذه مناسبة لأن أشير إلى أن هذه المسرحية تُرجمت أكثر من مرة إلى العربية.. نفذ إحداها المفكر الوجودي العربي المصري عبد الرحمن بدوي.

تدور احدث هذه المسرحية حول الحق والباطل، وتُفتتحُ بِرهانٍ بين الله وابليس حول شخصية الدكتور فاوست المعروفة بتقواها ووقوفها إلى جانب الحق مهما كلّف الامر وبلغ الثمن، وتتنامى عبر لقاء يتقصّده ابليس مع الدكتور فاوست.. الدكتور يبدو متعبًا، فما ان يقترح عليه ابليس ان يمتعه ويسره بمباهج الحياة حتى يوافق من فوره، وتتصاعد المسرحية حتى يمكّن ابليس فاوست من التعرّف على فتاة هامَ بها من النظرة الاولى، وتنتهي المسرحية بأن تقع هذه الفتاة في الخطيئة، فتطعم اثنين، حسب تعبير جميل يرد في المسرحية، أي تحمل من الدكتور فاوست، بعد ان تقتل امها بناء على اقتراح منه.. ليخلو لهما هما الاثنين معا الجو، بعدها يأتي اخوها متحديًا، مدافعًا عن شرفه، فيلقى حتفه، وتقتل هذه الفتاة ابنها فلذة كبدها، ضمن محاولة للتخلص من العار، لتجد نفسها مُدمرةً، وتنتهي المسرحية بعودة الدكتور فاوست إلى شخصيته الاولى، ليتمرّد على ابليس، وليعاود سيرته الاولى مع الحق وإلى جانبه.. وضد الباطل الذي اغراه به ابليس، فكان ما كان.

يتضح من هذا الموجز، الاكثر من شديد لهذا العمل الادبي الرائد، انه يتغلغل إلى أعمق اعماق الوجود الانساني، بل ان بعضًا من النقاد رأوا فيه ما يُذكّر بأحداث وردت في العهد القديم من التوراة مثل قصة ايوب، على أن اهمية هذه المسرحية تنبع من اكثر من سبب، فهي تتضمن العديد من الحوارات المدهشة في عمقها، ومما اذكره بكثير من الاهتمام، مقولة أن النساء يفضلن الرجل المؤمن لأنه ينصاع لهن بصورة عامة، إضافة إلى هذا هناك مشاهد مدهشة في حال قراءتها ومشاهدتها ايضًا، وتكتسب هذه المسرحية أهمية خاصة من أنها وصفت اوروبا في الفترة التي سبقت الثورة الفرنسية وإبانها، ومما يشار إليه في هذا السياق أن غوته كان معجبًا بشخصية نابليون، الامر الذي دفع الكثيرين إلى انتقاده، إلا أن المانيا كما يرد في مقدمة الترجمة العربية موضوع حديثنا، كانت مقسّمة إلى عشرات وربما المئات من الدوقيات، أي لم تكن المانيا القوية التي سيعرفها العالم فيما بعد.

تعتبر مسرحية فاوست رغم شهرتها العالمية، عصيّة على الفهم، وقد يكون حكم مدام ستايل عليها هو الاصدق، فقد قالت :" إن هذه القصة تضطرك إلى التفكير في كل شيء وإلى أن تفكر في أمر آخر.. فوق كل شيء".

نفّذ الترجمة العربية موضوع حديثنا المثقف العربي المصري محمد عوض محمد، بلغة راقية، وقد شعرتُ بان هذا الُرقي احدث فجوة ما بين الروح الشعرية لهذا العمل الادبي، وبين قارئها، انا على الاقل، إلا أنني ما لبثت أن تراجعت عن هذا الاحساس، كون العمل الادبي، أي عمل، يُعتبر في مُجمله عملًا افتراضيًا، ومما يلفت النظر أن الاغاني التي وردت في المسرحية جاءت موزونة موقّعة، الامر الذي قد يُسهل انتاج هذه المسرحية وإخراجها باللغة العربية. يقول الدكتور طه حسين في تقديمه لهذا العمل الادبي، انه عندما ترجم الشاعر الفرنسي جيرار دي نيرفال مسرحية فاوست واطلع عليها صاحبها غوته، الذي اتقن الفرنسية أيما اتقان، اعرب غوته عن رضاه التام من ترجمتها، ويضيف انه لو قُيّض لغوته أن يطلع على ترجمة محمد عوض محمد لها لأعرب عن رضى مماثل، فقد تمثل مترجم فاوست إلى العربية الحالة التي كتب ضمنها غوته فاوسته، وقام بترجمتها معتمدًا على اتقانه للغتين التي ترجم عنها وتلك التي ترجم اليها وهي.. العربية هنا.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

صادق السامرائيطه حسين (عميد الأدب العربي)، ولد في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني عام 1889، وتوفي يوم الأحد في الثامن والعشرين من شهر تشرين أول 1973، فقد بصره في سن مبكرة، لكنه لم يفقد عزمه وإرادته وإصراره على النجاح والتأثير، وتحقيق رسالته الثقافية والمعرفية المنيرة.

فإخترق جدران الفقر وهدم أسوار الفاقة، وتحدى المعوقات والإحباطات، وشق طريقه نحو الأزهر، وبرع فيه، ودرس في السوربون وتعلم الفرنسية، وأعجبت به (سوزان) الفتاة الفرنسية، التي صارت فيما بعد زوجته ورفيقة عمره، وعيونه التي يرى فيها ويقرأ. 

هذا الإنسان رفع مشعل الثقافة والتعليم، وأدرك أن العمى الحقيقي هو فقدان القدرة على القراءة والكتابة، وعدم المعرفة، ولهذا جاهد في أن تكون المعرفة كالماء والهواء، من ضرورات الحياة الأساسية اللازمة للتقدم والرقاء.

وكم دعى الكُتّاب للثقافة الواسعة والتعمق والتفكير، ليساهموا في صناعة الواقع الثقافي الحضاري الواعد المعطاء، وكان ينكر عليهم التسطح والتسرع وعدم القراءة، ويحثهم على التثقيف الذاتي والبحث والإستقصاء والإطلاع المتواصل.

ولأفكاره تأثير متميز في مسيرة العقل المصري، وثقافة الإنسان في المجتمع العربي بأكمله، فهو الأديب المفكر، الذي أغنى الحياة برؤاه المنيرة.

ومنذ أول ما كتب، أخذت أفكاره تثير الجدل وتلهب التساؤلات، وتستنهض العقل، وكانت ذروة عطاءاته في رسالته للدكتوراه، عن مقدمة إبن خلدون، وبعدها كتبه الأخرى ومقالاته، التي فتحت آفاقا جديدة أمام العقل والفكر العربي.

وتولى عمادة كلية الآداب، كما تقلد وزارة المعارف وأضاف إليها مشاعل فكرية وثقافية،  لا تزال تنير دروب الأجيال، وإرتقى بالعربية إلى آفاق المعاصرة والروعة والإبداع الأصيل.

وكان لكتابه (في الشعر الجاهلي) دويّه في الأوساط الثقافية والدينية، وعانى من جرائه الكثير، لأنه طرح إقترابا جديدا للتبصر والبحث والتنوير.

وكم أمضينا الأوقات مع كتبه، الأيام، وحديث الأربعاء، والفتنة الكبرى، على هامش السيرة، الوعد الحق، دعاء الكروان، جنة الحيوان، أحلام شهرزاد، قادة الفكر، مرآة الضمير الحديث،   وغيرها من كتبه التي تعلم اللغة العربية السليمة، وتمنح الذوق لمسات نحوية وإعرابية، ليكون جزيلا وصحيحا وتاما.

وبعد ما يقرب من نصف قرن على وفاته، من الواجب أن نتذكر (طه حسين) ونتأمل إسهاماته الحضارية، ونتعلم منه آليات التحدي والتواصل والنبوغ.

فهو مدرسة صيرورة، وخارطة إنطلاق في كل العصور.

 

د. صادق السامرائي

 

نبيل عرابيأتساءل أحياناً.. كيف تهرب مصابيح الفجر من بين أصابعي، كيف تتوارى كالهشيم الذي تذروه الآمال الزائفة في لحظة انكسار لا يُدرك حقيقة أسرار الوجود، ولا ينتظر من الشمس إلا أنين وهجها المتضائل..

أتساءل أحياناً..عن هذا الفراغ المتعمّد في دائرة ألوان الفرح، وعن هذا التفاوت المترامي الأطراف بين ضوء وآخر، وكأنها امتداد لعزفٍ غجريّ يلوّح باللامبالاة ويضمر شر الترحال الملبّد بطقوس الغيم العابر، فوق مقبرة ضاقت شواهدها بالرضوخ لسكّان الأضرحة كلّما طال بهم العمر..

أتساءل أحياناً..كيف تستحيل علبة التبغ فارغة ولم تلتقط أصابعي أيّاً من عناصرها، حتى أنّي كثيراً ما أتفقّد آثار احتراقها، وأنا أقلّبُ كفَّيَّ حسرةً وندماً، على ما خسرته كلّما امتلكتُ علبة منغلقة على نفسها بكل وسائل التوضيب المتاحة..

ترى.. هل أنسى إشعال كل طرف من أفراد عصابتها على حِدة، أم أن الأمر لا يعدو كونه حال ضياع، بين لا إرادة وعفوية مطلقة مع انغماس كُلّيّ في حمأة واقع أصم.. أو استسلام قسري لا تُجدي معه المواجهة بشتى الوسائل البدائية مهما علا شأنها، ومهما تبنتها مثاليات الأجيال المتوارثة لها، منذ اعتذار أول طفل عن طاعة والديه بحجة أن لوجهة نظره فسحة تجب الإستفادة منها مع بلوغ الخطوة الأولى موطئها، ومع اكتمال نصف الدائرة الجديد من إطلالة الحياة المنتظرة..

أتساءل أحيانا..عن هذه العُقد المتداخلة بين الجنون والوعي، بين الظنون والعيون المبصرة بلا فائدة، بلا تمييز وبلا تواصل مع أبسط قواعد الرفض والقبول للإمساك بطرف خيطٍ يُفضي إلى ملامح هزيلة من المشهد المأساوي المتكرر عند كل لحظة دهشة، أو إلى نقاط الضعف المتراكم كضوء مزيّف خلف تلال من الأوهام والضجر.

أتساءل كثيراً.. عن سرّ هذه الضفّة من العيش المتصحّر، رغم الرذاذ المتطاير من الضفة المقابلة، وعن شراكة هذا الماء الراكد في الانحياز علناً للضفة الأخرى، وكأنه يبتسم بهدوء ليرمُق أحوال الضفة المتهالكة بالمزيد من النظر إلى أي عشب قد يطلّ برؤوسه الصغيرة في التربة العطشى، وأي نبض قد يثير الشك في الخروج من مأزق الهلاك المحتّم...!

 

نبيل عرابي

ناجي ظاهرقدّم الكاتب المسرحي القاص الامريكي نيل سيمون، خلال حياته المديدة العديد من الاعمال الادبية الهامة وقد اتسمت كتاباته على انواعها المختلفة بروح فكاهية مرحة. كتب نيل سيمون في مختلف الانواع الادبية وضمّن مسرح انسمبل فرينج - الناصرة مسرحيته الاولى عن "ابن خلدون" واحدة من قصصه اللامعة. حظي سيمون باهتمام شعبي لافت وحصل على العديد من الجوائز. عاش حياة صاخبة. وذهب إلى عالمه الآخر.. الاخير.. بتاريخ 26/8/2018 قبل ثلاث سنوات.

فيما يلي أقدّم نبذة مختصرة جدًا عنه، خاصة اننا عرفناه في الناصرة وساهمنا في مشهد مسرحي تأسس على قصة لافتة له.

ولد مروين نيل سيمون، وهذا اسمه الكامل، عام 1927 في مدينة نيويورك لأبوين يهوديين، انفصلا بالطلاق، بعد ولادته بفترة وجيزة، وذلك على خلفية مصاعب معيشية خلّفتها الازمة الاقتصادية العالمية.. عام 1929.

عاش سيمون عمرًا مديدًا ناهز الـ 91 عامًا، وولّى تاركًا وراءه أكثر من أربعين مسرحية تحوّل بعضها إلى افلام مشهورة، في مقدمتها "الزوج الغريب"، و"وتائهون في يونكرس"... مثّل فيها فنانون اعلام مثل فرانك سيناترا. روبرت ردفورد وجين فوندا.

اعتبر سيمون منذ الستينيات حتى اواسط التسعينيات، ملك الفكاهة والميلودراما، وكانت مسرحياته تعتبر من اهم الاحداث المسرحية في برودواي، الامر الذي عاد عليه بمردود مادي وفير جعله ثريًا ويعيش حياةً مرفهةً.

مما يذكر بكثير من الود أن "مسرح انسمبل فرينج- الناصرة"، أدخل إحدى قصص نيل سيمون في عمله المسرحي الاول "ابن خلدون"، وكان لي الشرف في أن اعد النص الخلدوني الذي تمثّل بالتعليقات الذكية على ما قدّمته المسرحية من مشاهد أبدع الصديق المخرج المسرحي هشام سليمان باختيارها واعدادها المسرحي.. ليشاهدها متابعو المسرح في بلادنا وليستمتعوا بتعليقات ابن خلدون، عبر حضور الممثل المخرج السينمائي شادي سرور، ابن مدينتي الحبيبة الناصرة.. عليها.

حظي سيمون بأربع جوائز هامة طوني وبوليتسر، وكان مرشحًا اربع مرات للاوسكار.

في السنوات الاخيرة من عمره عانى سيمون من مرض الالتسهايمر- الخرف-، علمًا انه مرّ عام 2004 بزراعة كلية تبرع بها له صديقه ووكيل اعماله الملازم له خلال سنوات مديدة.

تزوج سيمون خمس مرات، وكانت زوجته ديان لاند وابنتاه عند مفارقته الحياة.. إلى جانبه.

*همسة ليست عابرة.. الكتابة عن المبدعين الراحلين المهمين، في رأيي، افضل بكثير من تملق الاحياء واستجدائهم.. حتى لو كانوا مبدعين ومهمين.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

عمار عبدالكريم البغداديحينما يبتسم الطفل تشرق الدنيا بأنوار ربانية لامثيل لها، ولا نملك إلا أن نبتسم معه، وربما نضحك، ذلك أن نقاء السريرة سر سعادة لا تنضب .

لو كنتِ ياشهرزاد في حالة حزن شديدة، ودموعك تتقاطر كالسيل والقت الأقدار في حجرك طفلا رضيعا مالبث أن رفع رأسه اليك وابتسم، هل تملكين إلا ان تبتسمي او تضحكي في لحظتها ؟

تلك الإبتسامة الساحرة العفوية تمحو أشد حالات الحزن والألم، وتزيح القساوة عن القلوب، وتعيد البهجة الى النفوس، وترسم ملامح السعادة على الوجوه إينما حلت .

 شهرزاد: حقا إنها لا تقاوم، لكن ما السر في سحرها ؟.

- قد علمنا فيما سبق أن النفوس تقترب من أرواحنا النورانية وضيائها كلما ابتعدت عن الجسد وشهوانيته والغرائز وظلماتها، والطفل بلا شهوة ما خلا شهوة الطعام والشراب، وهو على الغالب لايدرك معناها، لذلك نراه يبكي ويصرخ إذا أحس بالم الجوع او العطش، نفسه أقرب الى النورانية دائما، إنه نقي السريرة لايعرف إخفاء مشاعره كما يفعل الكبار .. ليس لديه حل وسط، ولا أقنعة يضعها على وجهه تخفي سحر ابتسامته، إنه يعكس في تلك الإبتسامة الساحرة أنوار روحه الطيبة، كأننا نرى أنوار الخالق فيها، فلا نملك إلا أن نبتسم بهجةً، او نضحك فرحا .

والإبتسامة البريئة بحاجة الى سريرة نقية تقترب من النورانية كما قلنا، وكلما تقدم بنا العمر تقمصنا أدوارا جديدة في الحياة، وعادة ما تكون مثقلة بالمسؤولية والمناصب - علت او دنت - فهي تفرض علينا أقنعة ما نلبسها لنعيش الدور كما يقولون، حينما نواجه مسؤولا نعمل معه في المؤسسة ذاتها، فإننا نلبس قناع التوقير المفروض علينا، ونبتسم ابتسامة مصطنعة لا يكمن وراءها أي واعز للبهجة، أو إحساس بالإرتياح، وحينما نكون في موقع مسؤولية أعلى ونتلقى ابتسامة المجاملة نفسها نرد عليها بمثلها، وفي الحالات كلها نحن نلبس أقنعة تحول بيننا وبين نقاء السريرة، وما يشرق منها من إبتسامة ساحرة .

شهرزاد: لكننا لا نجابه المسؤولين فقط، فهنالك الأهل والأصحاب والأحباب والجيران، فما الذي يمنعنا ياترى؟

- قالوا قديما إنْ لكل مقام مقال، وأقول: لكل مقام قناعه الذي لاغنى عنه للسواد الأعظم من الناس، فهناك قناع الأب والأم، الجار المتعالي، الصاحب ذي الخبرة، القريب المثقف، الأخ الاكبر، العم المتسلط، الخال الفهيم، صاحب الملايين، الممثل المشهور، الكاتب العبقري، الضابط الكبير، الوزير، الرئيس، وغيرها من الأقنعة كثير، إلا أصحاب النفوس الكبيرة تلك التي وصفنها، فيما سبق، بالقدرة على الفصل مابين العلاقات الشخصية وأحكامها في ميادين الحياة وبين سوح العمل، ونصفُ أصحابها اليوم بالقدرة على إستحضار النفس الى عالم النورانية في لحظة واحدة وإنْ كانت غارقة في ظلمات الجسد وشهواته، وكل ذلك في الوهلة الأولى التي نواجه فيها أحد الأهل أوالأصحاب والجيران والطيبين في كل مكان، ذلك الإستحضار لسرائرنا النقية المنبعث من الطاقة الكامنة فينا، ولو للحظات، سيغير الأحوال، حينها ينقشع القناع، وتزول الأهواء، وتتعطل النوايا السيئة، وتتهاوى الأفكار المظلمة، وتتحجم الأحزان العظيمة، وتخفت الآلام الأليمة، لتشرق ابتسامة الطفل فينا، فنسعد أنفسنا ومن حولنا أيما إسعاد قبل أن ننطق بحرف واحد.

والحد الفاصل بين تلك الإقنعة وابتسامة الطفل المختبئة بين ثنايا النفس أنْ نعيَ أنّ الابتسامة سر كل بهجة، ومقدمة لكل سعادة، ومفتاح كل القلوب، ومنها القلوب النابضة بين أضلعنا، حينما نبتسم بصدق تتجسد فينا معالم الإنسانية جمعاء، وحينما نصطنع الابتسامة نتحول الى آلة بلا حياة وإنْ فاضت منا ملامح النضارة والشباب.

يقول أمرسون:"عندما يدخل شخص سعيد الى الغرفة يكون كما لو أن شمعة أخرى قد أضيأت، فإذا رُسمتْ إبتسامة جميلة على وجهه، فإن النتيجة لن تكون فقط برد الناس هذه الابتسامة اليك، ولكنك أنت ايضا ستشعر بالسعادة".

إن الإبتسامة الجميلة التي يتحدث عنها الشاعر والفيلسوف الأميركي رالف والدو إمرسون، هي تلك الإبتسامة الصادقة والنابعة من نفوسنا لحظة اقترابها من النورانية، وهي ليست كفيلة بإضفاء جو من السعادة على صاحبها والمتلقين لها فحسب، وإنما هي قادرة على شفاء النفوس من الأحقاد والكراهية، ومحو الذكريات السيئة التي تدفعنا الى التجهم لحظة لقائنا فردا من الخواص او خواص الخواص، فلانذكر له الا موقفا سيئا، وننسى كل مواقفه الطيبة في لحظة المواجهة .

إن (الأنا) المتعالية تسابق الطفل القابع فينا، تدفع بالنفس البشرية نحو الظلام، ولا تذكّرُها إلا بالفعل السيء، وتنصحها برد فعل أسوأ، والطفل يدفعها الى الأنوار ولا يذكّرها إلا بموقف جميل ويرشدها الى رد فعل أجمل ، فان سبق الطفل (الأنا) تَبَسمنا، وان سبقته عَبَسْنا، وعلى فرضية أننا جميعا في الأصل نمتلك قوة الإستحضار لنفوسنا نحو الخير والنور، فكلنا قادرون بالنتيجة على نصرة سريرتنا النقية لتتجلى الإبتسامة مع كل لقاء، ولقاءً بعد لقاء نشفى من علل القلوب وعطب النفوس، فتُمحى من ذاكرتنا كل المواقف السيئة، وتكاد تتلاشى (الأنا) المتعالية، لولا أنها مصدر تحفيز لا يموت جُبلت عليه البشرية جمعاء، غير إنها كالضارة النافعة، فلولا إدراكنا لمعاني الشر ما عرفنا معاني الخير، وماسعينا لها كمصدر للسعادة .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

.........................

* من وحي شهريار وشهرزاد (24)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

عقيل العبودتعاقبت ساعات وحدتي مع فضاء ليل بلا أصدقاء، جلست انا والبرد عند أنس أغطية تعاشر دفؤها مع شحوب زمن معتم. أمست أرصفة الحزن تجرجر أصداء خيبتها بصحبة سحابة اضطربت اجزاؤها

ارتدت ايامي اثواب كهولتها، توالت أفكاري مع دوي قطار قادم من جهة الخريف، بينما ارتسمت ملامح أحبتي على شاكلة ماض اتجهت عرباته صوب قافية للبكاء

استحضرت ضحكاتهم، ودموعهم، كلماتهم، وقفت على جنائز بعضهم، بينما عانقت البعض الآخر على أمل اللقاء ولو بعد حين

انحنى الفراق خجلا عند أوجاع مشاعر رافقتها أوهام الشيخوخة

استغرقني الصمت بناء على حكاية مقبرة نائية،

تجزأ الوطن وفقا لقافية الهزيمة ، صرت اغني،

حطت أوجاعي عند بقايا محطة مقفرة، ارتفع الصوت استجابة لنشيد حملته تضاريس مشهد أبكم

حلق الغراب بعيدا بحثا عن ذروة شجرة بها يستعيد عشه المسافر، استيقظ الموت، استوقفتني قافلة الحياة

شهدت الملائكة وقائع تلك القرون، بقيت السجلات تبحث عن أخبارها، تحولت الأزمنة الى منصات مبعثرة

انزويت عند مكان ما، هنالك بعيدًا عن الزحام

كتبت المقطع الأول عن أنباء كهولة معدمة

 

عقيل العبود - سان دييغو

صادق السامرائيأبو عبدالله محمد بن مسرّة الجبلي (269 - 319) هجرية، مفكر ومتصوف  أندلسي، وهو أول فلاسفة الأندلس وأول مفكر أصيل فيها.

أساتذته:

أبوه الذي أشبعه بأفكار المعتزلة، إبن وضاح، محمد بن عبد السلام الخشني .

تلامذته:

حي بن عبدالملك، خليل بن عبدالملك القرطبي، إبن الموروري، أحمد بن فرج بن قيس، إبن المديني، إبن صقيل وغيرهم.

إعتزل في جبل قرطبة وتحدث بوحدة الوجود، فشن عليه الفقيه خالد بن أحمد الحباب المالكي حملة عنيفة، وألف كتابا في الرد عليه وإتهمه بالزندقة.

ففر من قرطبة سنة (301) إلى مكة، ثم عاد إليها بعد حين وقد كثر أتباعه.

مؤلفاته:

"خواص الحروف وخصائصها وأصولها، رسالة الإعتبار، التبصرة ، توحيد الموقنين (لا أثر له)

وتنسب إليه كتب أخرى: إختصار مدونة مالك، التبيين، الغريب المنتقى في كلام أهل التقى.

هذا ما تبقى من كتبه لأن الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله أحرق كتبه ولاحق أتباعه سنة (340) هجرية، لأسباب طائفية وسياسية.

فهو مفكر ريادي إهتم بالدراسات العقلية ونبغ فيها، وتمكن من إستقطاب عدد كبير من الأتباع، تعمق في العلوم الباطنية والصوفية، وأدلى بما أدركه من أسرار العلوم، وما إستوعبه عصره، وثارت عليه ثائرة الفقهاء، وفسروا ما جاء به على أنه يتعارض مع الدين، وأنه من المضرين بالمجتمع والدين، ولهذا تعرض لهجمات وحملات لمحق ما جاء به بعد وفاته، رغم أنه لم يتعرض للأذى أثناء حياته، لأنه كان بليغا ومعقدا في طرحه لأفكاره، بحيث يصعب على الآخرين التوصل إلى مقاصده بسهولة.

وتلك حالة كل خطوة تنويرية في الحياة، وكان لمنطلقاته دورها في مسيرة الفكر والفلسفة في بلاد الأندلس فيما بعد، وكأنه كان القادح الذي أذكى جذوة الإدراك المعرفي العميق.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو زكريا يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا التكريتي (280 - 364) هجرية، منطيق وفيلسوف ومترجم للفلسفة، ولقبه المنطقي.

"إليه إنتهت الرئاسة في المنطق وعلوم الحكمة، أي الفلسفة، كان أوحد دهره ومن البارزين في ترجمة التراث الفلسفي من السريانية للعربية . وكان كثير الكتابة والنسخ، شديد الشغف بالعلم ومتابعة شؤونه"

ولد في تكريت لعائلة مسيحية سريالية  وتوفي في بغداد، ودفن في مقبرة كنيسة القديس توما.

الذين أثروا فيه:

متي بن يونس، أبو نصر الفارابي، أبو بكر الرازي

الذين أثر فيهم:

أبو حيان التوحيدي، مسكويه، أبو سليمان السجيستاني، إبن الخمار، أبو علي إبن السمح، عيسى بن زرعة، أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى.

مؤلفاته:

لديه (49) مؤلفا ومنها:

"النواميس لأفلاطون، النفس لأرسطو، الشعر لأرسطو، شرح الكون والفساد لأبمفيدورس، تفسير منطق أرسطو، تفسير طوبيقا لأرسطو، تفسير السماع الطبيعي لأرسطو، مقالة في الكل والأجزاء، قول في الجزء الذي لا يتجزأ، جواب على مسائل لأبي علي بن زرعة، رؤيا (في النفس )، مقالة في إثبات طبيعة الممكن، مقالة في ما هية العلم،  تهذيب الأخلاق، مقالة في سياسة النفس، إيضاح في التوحيد، مقالة في وجوب التأنس، البرهان في الدين"

 وغيرها العديد من المؤلفات والترجمات والتفسيرات الفلسفية وعلم الكلام وما بعد الطبيعة، والتوحيد والتثليث، والنفس واللاهوت.

وكتابه (تهذيب الأخلاق)، تحفة أدبية فكرية راقية، كثف فيه خلاصات تجاربه الإنسانية، ودعى إلى إعمال العقل للتمييز بين الصالح والطالح من الأخلاق والمستحسن والمستقبح منها، وأكد على العفة والقناعة والتصون والوقار، وعرّفها تعريفا وافيا.

فهو فيلسوف عربي موسوعي مشغوف بالعلم والكتابة، وسطع نجمه في أرجاء أمة العرب كعقل فلسفي متوهج، ومؤثر في معاصريه من العقول الحضارية الكبيرة، التي أسهمت في تنوير المسيرة الإنسانية بمعارفها وعلومها الساطعة.

والأمة تلد أمثاله على مر العصور، ولا يعقمها سوء الأحوال، وهجمات العدوان المتوالية على وجودها، الذي يزداد نصاعة وقوة وقدرة على المطاولة والبقاء العزيز.

 

د. صادق السامرائي

 

 

2752 إلهام بلانإلهام بلان دعبول كاتبة وشاعرة صاحبة إحساس مرهف، ورسالة اجتماعية، ونظرة تفاؤلية، شغوفة بالحياة، وتجسد صوت الأنثى الجريء، وتمارس كتابة الشعر والخاطرة والمقالة. قدمت إلى الدنيا في بلدة كفر كنا، قانا الجليل، وفيها نشأت وترعرعت وكبرت وتعلمت وتركت ذكريات خالدة في وجدانها وخيالها وأعماقها، وهي تسكن في مدينة الناصرة. تشغل معلمة للعلوم في مدرسة المجد، وحاصلة على اللقب الأول في العلوم الطبيعية من كلية أورانيم، واللقب الثاني في العلوم والتكنولوجيا من جامعة تل أبيب.

بدأت إلهام الكتابة في جيل مبكر، لكنها توقفت فترة طويلة، وقبل عقد من الزمن عادت لتكتب الشعر والخواطر والمقالة، ونشرت كتاباتها على صفحتها في الفيس بوك، وفي موقع الحوار المتمدن، وغير ذلك من مواقع. وفي العام 2017 صدر ديوانها الأول عن دار الرصيف للنشر والإعلام بعنوان "أنا لا أحبّكَ أنتَ"، لاقى أصداء إيجابية واسعة لدى القراء واوساط المتأدبين.  ويحتوي الديوان على نصوص ما بين الشعر والنثر، تطرح من خلالها رؤيتها للأنثى التي تراها حرة مستقلة، ولا تخضع للموروثات الاجتماعية، وتصبو لتغيير المسلمات والعادات والتقاليد الاجتماعية، وتوجه نقدًا لاذعًا للرجل الذي يقمع المرأة، وللمجتمع الذكوري الذي يكبلها ويسجنها ويحاصرها، وتحاكي الوطن والطبيعة، وتكتب عن شخصيات لها ارتباط والتصاق بها.

تقول إلهام دعبول عن نفسها في أحد خواطرها: " أشبه نوال السعداوي من حيث الايمان والحرية، وغادة السمّان في الحب والتعبير الصارخ عنه، والمهاتما غاندي في التواضع مع المستضعفين، وتشي جيفارا بتقزيم الصلاحيات أمام الفرد والشعوب، واللبؤة لحماية عائلتي، وزوربا اليوناني في شغفه الذي لا يشيخ ابدا، وبدر شاكر السياب في حساسيته عند كتابة الشعر، وأبي في حُلُمه وتفاؤله، وأمّي حين تغنّي في مطبخها...

أشبه الزعتر بثباته، والياسمين برائحته، والسنونو في فرحته بالتحليق، والغزال بقامته...لكني انسان".

وللشاعرة إلهام دعبول مكانة في الفضاء الشعري، وقد أعطت لنصوصها شعريًا وجماليًا بحكم ما راكمته من تجربة على مستوى اللغة والصورة، وعمق بوحها وتعبيراتها الصادقة عن الحس الأنثوي ونقدها للرجل والظواهر السلبية والفكر الرجولي السائد في المجتمعات العربية، الذي ينتقص من قيمة ومكانة ودور المرأة. إنها تعبر عن أفكارها التحررية ومشاعرها كامرأة، وعندما تعبر عن ذاتها ونفسها تكون قد عبرت عن المرأة والمجتمع بشكل عام.

ومن يقرأ نصوص إلهام يرى ويلمس القيمة الإنسانية لموضوعاتها بإطار فكري فلسفي يقترن بواقعية مثالية نفتقدها في التعبير الشعري الاعتيادي. فهي تهمس دومًا بالتجريب الشعري والفني المنبثق عن حساسية ذاتية وجمالية لا تقف عند حدود التخييل المرئي، وإنما نظر في مناطق يباب من جسدنا البشري والمجتمعي.

تمتاز كتاباتها بمفردات لغتها المنتقاة من قاموس خاص بها، وهو منتقى من الواقع اليومي الذي تحياه، حيث تبني منه قصيدتها ذات الفكرة، وتعتمد لغتها الكثافة الرمزية والايحائية والشفافية الجميلة والصور الحية. لنسمعها تقول:

وحين تتبدّل الأدوار ما بيني وبينكَ

وتحمل في أحشائِكَ

حبيبات لقاحٍ،

لقاحي...

لزهرة الياسمين،

ربّما حينها،

ربّما...

يكفّ هذا العالم

عن قطف الحياة لفتياتٍ...

بعمر الورد!

إلهام بلان دعبول شاعرة متمكنة من أدواتها، منحازة لشاعرية قصيدتها، وتنوع موضوعاتها كجزء من حالتها الإنسانية كامرأة تطمح للعدالة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

صادق السامرائيطبيب عربي موسوعي متنوّر نشأ في بيت علم وفقه، وتأدّب وتهذب وتعلم الطب من أشهر أساتذته في عصره، وبرع بممارسته وتفوق على أقرانه.

وكانت علاقته بأستاذه متينة حيث رافقه في سفراته وتنقلاته، ووقف على مداخلاته ومعالجاته، وإستحضر ذكاءه ومواهبه ومعارفه  في مهنته، التي عطرها بزهده وورعه وكرمه وإنسانيته الفياضة.

من كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء:

"هو الحكيم الأجل العالم الكامل بدر الدين المظفر بن القاضي الإمام العالم مجد الدين عبد الرحمن بن إبراهيم، كان والده قاضيا ببعلبك ونشأ هو بدمشق وإشتغل بها في صناعة الطب. وقد جمع الله فيه من العلم الغزير والذكاء المفرط والمروءة الكثيرة ما تعجز الألسن عن وصفه.

قرأ صناعة الطب على شيخنا الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم وأتقنها في أسرع الأوقات، وبلغ في الجزء العلمي والعملي منها إلى الغايات، وله همة عالية في الإشتغال ونفس جامعة لمحاسن الخلال....."

أستاذه:

مهذب الدين الدَخوار، وصحبه في الرقة واشتغل في بيمارستانها، ثم رجع إلى دمشق وعمل في البيمارستان الكبير النوري، وصار رئيسا للأطباء والكحالين في ديار الشام.

وكان متعبدا كثير الصدقات والإحسان، فوسع  عمارة البيمارستان النوري، ورمم القديم منه وجدد أثاثه من ماله الخاص.

مؤلفاته:

مقالة في مزاج الرقة، كتاب مفرح النفس – في الأدوية وأصنافها، كتاب الملح في الطب، شرح تقدمة المعرفة لأبقراط.

وتوفى سنة (675) هجرية.

ويقدم لنا مثلا عن ورع الطبيب وأدب السلوك المهني، وكيف يجب أن تكون عليه نفس الطبيب النبيلة السامية.

 

د. صادق السامرائي

 

ابو الخير الناصرينشَر كاتبٌ مقالا فتلقى اتصالا من أحد أصدقائه:

- ما كان عليك أن تكتب ذاك المقال يا أخي؟

- لماذا"

- لأن المعارضة ستستفيد منه وتوظفه في معركتها ضد الأغلبية.

- صدقت.

بعد أسبوع نشر الكاتب مقالا ثانيا، فاتصل به صديق آخر:

- كان من الأفضل ألا تنشر ما نشرته يا صديقي؟

- لماذا؟

- لأن الأغلبية ستجد فيه مدحا لها ولمنجزاتها. وطبعا ستوظفه في مواجهتها للمعارضة.

-  صدقت.

بعدها صار الكاتب يحسب ألف حساب قبل أن يخط حرفا واحدا، وكفّ عن الكتابة ما دام كل موضوع يُرخي بظلاله على مصلحة المعارضة أو مصلحة الأغلبية.

لم أعش هذه الحكاية، ولم أسمع بشخص عاشها، لكنها ممكنة الوقوع كلما وُجد كاتبٌ يبحث عن إرضاء الآخرين ويُريد لكلماته ألا يستغلها عمرو في حربه مع زيد أو زيد في حربه مع عمرو.

من أجل ذلك ينأى الكثير من الكتاب بأنفسهم عن الانتماء إلى هذا الفصيل أو ذاك..هذا الحزب أو ذاك..هذه الحركة أو تلك؛ بحثا منهم عن الحرية والاستقلال في التفكير والكتابة.

في الواقع لا يمكن لأي كتابة أن تنفك عن مصلحة جهة ما، إذ لا بد أن يجد المكتوبُ هوى أو نفورا في نفوس أشخاص داخل بعض الهيئات والمؤسسات أو خارجها.

ما العمل إذاً أمام هذا الانتفاع بالمكتوب، انتفاع الأغلبية أو المعارضة؟

العمل ألا يحسب الكاتب حسابا إلا لما يُمليه عليه ضميرُه.

العملُ أن يفكر الكاتب في القضايا والموضوعات التي يود الكتابة عنها، وأن يهتم بتجويد كتابته ويحرص - ما أمكنه ذاك - على الموضوعية والصدق، لا أن يفكر في تقاطع ما يكتبه مع مصلحة هذا الطرف أو ذاك.

العملُ أيضا أن تنشغل الأغلبية والمعارضة بقضايا الناس وهمومهم، وأن يبذل الطرفان مجهوداتهما لإصلاح البلاد ونفع العباد.

أما لعبة القط والفأر بين الطرفين فأقصى ما تؤدي إليه هو محاولة كل طرفٍ تشويه الآخر و"شَيْطنتَه" والتشكيك في نيته، وليس في ذلك ما يدل على ممارسة للسياسة بمعناها النبيل وقصدها الأصيل.

أما أنت أيها الكاتب المستقل فحَسْبُك النظرُ إلى الواقع المعيش، وانتقاد ما يبدو لك من قبيح، والإشادة بما تراه من حَسَن دونما نظر إلى شخص المسيء أو المحسن، ودونما نظر إلى موقعه ومصالحه، ودونما ابتغاء للتقرب منه أو الهجوم عليه. هكذا تستطيع أن تبقى "خارج القفص". وبالله التوفيق.

 

أبو الخير الناصري

أصيلا  في 17 من غشت 2021م.

 

صادق السامرائيبيت الحكمة بدأ إنشاؤها في زمن هارون الرشيد وتألقت في زمن المأمون، ومدة سطوعها الحقيقية ربما كانت لعقدين، وهي فترة خلافة المأمون، وبعد ذلك أصابها الإهمال التدريجي، وتآفل دورها وخمدت أنوارها المعرفية.

وبعد إنتقال العاصمة إلى سامراء تآكل بيت الحكمة، وإنتشر العلماء والمترجمون الذين كانوا مكدسين في بغداد، وتوزعوا في حواضر الدولة العباسية وإماراتها، التي أخذت تنفصل عن إرادة المركز فيما بعد.

وأكثرهم أنشأ بيت حكمته الصغير الخاص به، وتحوّلت الجوامع والمساجد إلى مواطن للكتب والمخطوطات، ونشطت حركة النسخ، ولا يوجد كتاب في بيت الحكمة لم يُنسخ ويُنشر في أرجاء الدولة.

فدور بيت الحكمة الفعلي قد إستمر لنصف قرن أو يزيد بقليل، أي من (170) هجرية إلى (222) هجرية، وهولاكو جاء إلى بغداد بعد مقتل المتوكل (248) هجرية، بما يقرب من أربعة قرون في (626) هجرية.

فالقول بأن بيت الحكمة بقي لآكثر من أربعة قرون يضم المخطوطات، التي وجدت فيه أيام المأمون فيه نظر، ولا يعقل ولا يتوافق مع سلوكنا الذي لا يرحم القديم.

إن ما نقرأه بأن التتر قد ألقوا الكتب في نهر دجلة حتى تغير لون مائه، فيه تهويل ولا معقول، فإذا أرادوا تدمير بيت الحكمة فمن الأسهل لهم حرقه، بدلا من رمي الكتب في النهر، وهم قد أحرقوا معظم المدينة للخلاص من الأمراض والأوبئة، التي إنتشرت بسبب تكدس الجثث في الشوارع.

والتضليل الساري في وعينا الجمعي هدفه، القول بأن العرب لا توجد لديهم مخطوطات توثق إنتاجهم العلمي المتنوع السبّاق، لأن التتر قد أجهزوا على بيت الحكمة، والواقع أن المخطوطات العربية مخبوءة في المكتبات والمتاحف العالمية، ولم يتم تحقيق إلا أقل من نسبة 5%  منها، والنسبة العظمى تنام في ظلمات الخزائن.

فالعرب تركوا ملايين المخطوطات، لأن صناعة الكتاب والنسخ كانت نشاطات مشهورة ومنتعشة في ذلك الزمان.

وكانت بيت الحكمة المصدر الأساسي للكتب الجديدة، التي يتم نسخها وبيعها وإيصالها إلى الحواضر العباسية،  بل وإلى بلاد الأندلس أيضا.

فالقول بأن النسبة الكبيرة من المخطوطات العربية قد أكلها ماء دجلة، تضليل وإفتراء لا دليل قاطع له، فلا يمكن التصديق في ذلك الزمان أن الكتب التي تنقل على ظهور الحمير والبغال أن تتكدس في النهر، وهو في ذروة عنفوانه الجرياني آنذاك، وحتى في عصرنا الحالي لا يمكن حصول ذلك لو جلبنا الكتب بشاحنات وبمئات الأطنان.

فعندما يتحدثون عن بغداد يحسبونها وكأنها في زمن هارون الرشيد، وعن دار الحكمة وكأنها في زمن المأمون، والغزو قد حصل بعد أربعة قرون من زمانهما!!

هذا ما تبديه القراءة الموضوعية لهولاكو وبيت الحكمة، فهل من دليل وبرهان يبين غير ذلك، أم أن المدوّن المنقول بتكرار صار من الثوابت الدامغة؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

ناجي ظاهراعتبر الكاتب الروائي السوري المبدع حنا مينة ( 1924-  21/8/2018)، منذ سنوات بعيدة واحدا من ابرز الروائيين العرب، ولفتت رواياته ابتداء من روايته الاولى المصابيح الزرق، صدرت في اوائل الخمسينيات، الانظار اليه روائيا مبشرا الا انه غاب عن الساحة الادبية مغتربا في الصين وهنغاري ودول اخرى، مدة عشرة اعوام، وكان ان عاد الى وطنه الام سوريا بعد هذه السنوات للمساهمة في انهاضه من عثرته الفظيعة ونكسته عام 1967. وقد اجمع من تعرضوا لإنتاجه الروائي انه فتح افاقا جديدة للرواية العربية، هي افاق البحر والمغامرة مما جعل نقادا ذكيا يقول انه رغم ان العالم العربي يقع على شطوط البحار الا ان كتابنا العرب لم يقتربوا من عالم البحر حتى ظهور حنا مينا وتكريسه جل انتاجه الروائي للبحر والمغامرة. فيما قال ناقد اخر التفاتات متعمقة للبحر والمغامرة في ادبنا العربي كانت في الف ليلة وليلة، موضحا ان حنا مينة صاحب نهاية رجل شجاع اعاد الى هذه الالتفاتة بهجتها ونضارتها.

تحل اليوم السبت، الذكرى السنوية الثالثة لمغادرة كاتبنا حنا مينة عالمنا، عن عمر ناهز الرابعة والتسعين عاما، وقد ترك مينة وراءه اكثر من اربعين رواية تم تحويل عدد وفير منها الى مسلسلات وافلام سينمائية، كما ترجمت اعمال له الى نحو الاربعين لغة حية من لغات العالم، وقد اعتبر نقاد مشهود لهم حنا مينة كاتب البحر الاول في ادبنا العربي الحديث، فيما قارنه اخرون وقرنوه بالكاتب الأمريكي الشهير ارنست همنجواي، فوصفوه بـ" همنجواي العرب"، اما حنا مينة فقد رفع منذ بداياته الاولى في الكتابة شعار الصدق ومعايشة التجربة بعمق، شعارا له.

لن استرسل فيما يلي في الكتابة عن حياة حنا مينة.. اذ بإمكان اي من الاخوة القراء ان يطلع بنقرة على شبكة البحث الالكترونية العالمية "غوغل"، على كل ما يريد ويرغب واكثر عنه وعن نتاجه الروائي الغزير،.. وانما سأتحدث عن علاقتي الادبية به.

منذ اطلاعي على روايته الاولى "المصابيح الزرق"، بات حنا مينة واحدًا من كتّابي الاثيرين القريبين من نفسي، وقد توطّدت هذه العلاقة سنة تلو سنة وعملًا ادبيًا اثر عمل، ومن اوائل المحطات التي توقفت فيها معه، اعادة "منشورات صلاح الدين"، المقدسية، طباعة روايته "الشمس في يوم غائم"، بعد صدورها وكان هذا في اواسط السبعينيات، اما المحطة الكبرى في علاقتي به، فقد تمّت بعد سنوات مديدة.. كان ذلك يوم عاد صديق طبيب متأدب من العاصمة البريطانية لندن، وفي جعبته عدد من الكتب الجديدة آنذاك، منها رواية "الياطر"، استعرت منه هذه الرواية، لاكتشف بعد قراءتي لها انني امام كاتب حقيقي يوجد لديه ما يقوله بإبداع ومسؤولية. بعد قراءتي هذه الرواية، ابتدأت في البحث عن بقية روايات مينة، ودأبت على الطلب ممن سافر من الاصدقاء والمعارف إلى احدى الدول العربية المجاورة، تزويدي برواياته المتبقية، إلى ان تمكن أحد الاصدقاء من تلبية طلبي، فقرأتها مجتمعة لاكتشف انني امام كاتب إنساني وغير عادي ويستحق القراءة.. وحدث بعد قراءتي روايات مينة أن سألني ناشر صديق عن كتب جديرة بإعادة والطباعة والاصدار في بلادنا، فلم اتردّد باقتراح روايات حنا مينة، وقدّمت له هذه الروايات لترى النور في بلادنا، وليقوم بعض الناشرين، المجهولين لي حتى اليوم، بنشرها لتباع بالتالي مجتمعة وضمن رزمة واحدة.

علاقتي الادبية بحنا مينة مرّت بالعديد من المراحل ابرزها مرحلتان. احداهما النشر عنه وعن انتاجه الروائي بغرض تعريف القاري العربي في بلادنا به. والاخرى تقديم المحاضرات واقامة اللقاءات الادبية بغرض التعريف به ايضًا. فيما يتعلّق بالنشر عنه كتبت في العديد من الصحف التي عملت فيها وتلك التي كتبت فيها واذكر من هذه الصحف كلًا من: "الاتحاد"، "الجماهير"، " الراية"، " الميدان " ،"الصنارة"، "كل العرب "، " " و"حديث الناس"، اما فيما يتعلّق بتقديم المحاضرات، فاذكر انني قدّمت محاضرة عنه إبان الثمانينيات لطلاب مدرسة المطران الثانوية في مدينتي الناصرة، ومحاضرة اخرى في بلدة عبلين لنادي العائلة، اضافة إلى محاضرة قدمتها في بلدة مجدل شمس في الهضبة السورية المحتلة، وقد حظيت هذه المحاضرة باهتمام شديد من منظميها الجامعيين، حتى انهم اخبروا مينة بأمرها، واعتقد ان اطلاق اسم حنا مينة على مكتبة في بلدة بقعاتا في الهضبة السورية المحتلة، كان واحدًا من اصدائها، ومما اذكره في هذا السياق ان اذاعة "صوت فلسطين"، اجرت معي مقابلة مطوّلة استغرقت ساعة من الزمن تحدثت فيها عن حنا مينة وابداعه الادبي.. الروائي خاصة.

ملاحظات سريعة عن انتاج مينة الأدبي:

* قال عن نفسه انه كاتب الكفاح والفرح الانسانيين. وتنبأ مبكرًا جدًا ان الرواية ستكون ديوان العرب، وهذا ما تم فيما بعد.

* ولد مينة لعائلة سورية فقيرة جدا وربما معدمة عام 1924. ولم يتلقَ تعليمًا منظمًا ويعتبر مثقفًا عصاميًا اسس نفسه بنفسه. عمل في بداياته حمّالًا في الميناء. مصلّح درّاجات هوائية وحلاقًا. وبعدها صحفيًا وكاتب مسلسلات تلفزيونية.

* قضى عقدًا من الزمان متنقلًا بين دول اجنبية منها الصين وهنغاريا. عن الصين كتب روايته "حدث في ببتاخو"، وعن هنغاريا كتب روايته "الربيع والخريف". عام 67 عاد الى بلاده.. ليساهم في رد الهزيمة واستعادة الثقة.

* انتمى منذ بداياته الادبية الاولى إلى المدرسة الواقعية الاشتراكية، وكتب مستنيرًا بهديها.. لكن بشكل ديناميكي وخلّاق، فساهم بإعادة الرونق إلى هذه المدرسة التي ظلمت كثيرًا في ادبنا العربي. ولم تفهم حق الفهم!!

* كرّس معظم نتاجه الروائي للتحدث عن البحر وأجوائية المغامراتية، حتى أن نقادًا وصفوه بانه كاتب البحر الاول في ادبنا العربي. من رواياته في هذا المجال "الشراع والعاصفة"، "حكاية بحار"، "الدُقل"، و"نهاية رجل شجاع".

* تم تحويل العديد من رواياته الى افلام سينمائية. نذكر منها "الشمس في يوم غائم " ، "بقايا صور"، وقد جرى تحويل روايته "نهاية رجل شجاع"، إلى مسلسل تلفزيوني، مثّل فيه دور بطلها مُفيد الوحش، في شبابه نجل حنا مينة.. سعد مينة، ومثل دور بطلها فيما تلا من فترات ايمن زيدان، وكان لهذا المسلسل الذي بثته محطات عديدة في آن واحد، الاثر الاكبر في شعبية مينة وانتشاره.

* كتب اكثر من اربعين رواية، وعددًا من المؤلفات الادبية. من أهم مؤلفاته غير الروائية كتابه "ناظم حكمت. السجن المرأة الحياة"، "هواجس في التجربة الروائية"، "كيف حملت القلم " و"أدب الحرب"، وقد وضعه بالاشتراك مع الكاتبة، وزيرة الثقافة السورية في فترة سابقة، الدكتورة نجاح العطار، ويعتبر مينة واحدًا من الكتاب العرب القليلين الذين كتبوا رواية تتحدث عن الحرب واقصد بها روايته "المرصد"، التي دارت احداثُها حول حرب اكتوبر 73.

* معظم روايات حنا مينة تذكّر بروايات اجنبية سبق واطلع عليها القارئ العربي. مثلًا: "الشمس في يوم غائم"، تذكر برواية "زوربا" للكاتب اليوناني المهم جدًا نيكوس كازنتزاكي. روايته "الياطر"، تذكر برواية "روبنسوم كروزو" للكاتب الانجليزي دانيال ديفو، وروايته "مأساة ديمتريو" تذكر برواية "مستر جيكل ومستر هايد"، للكاتب الانجليزي روبرت لويس ستفنسون، ومع هذا بإمكاننا القول إن مينة كتب روايته الخاصة به.. فابدع، علمًا أن رواياته تُرجمت الى العديد العديد من اللغات الاجنبية.

* نشر مينة مجموعة قصصية واحدة هي "الأبنوس البيضاء"، وقد حَول عددًا من قصص هذه المجموعة فيما بعد، لتكون الفصل الاول لأكثر من واحدة من رواياته. اذكر منها "حمامة زرقاء في السحب"، التي تعتبر مرثاة مبكية لكريمته التي ماتت في الثمانينيات متأثرة بالمرض العُضال.

* تولّت" دار الآداب" اللبنانية، إصدار مؤلفات حنا مينة، وخصّصت له راتبًا شهريًا مدى الحياة.

* كان مينة واحدًا من مؤسسي اتحاد الكتاب العرب، ويروي في كتابه عن "ناظم حكمت"، طُرفة ذات بعد ثوري نقدي، مفادها أنهم عندما اسسوا اتحاد الكتاب العرب، طُلب من الكتاب المنتسبين إليه ان يقدّموا شهادةَ حسن سلوك. فقدّموا جميعهم هذه الشهادة بمن فيهم هو نفسه. ويعلق مينة على هذا قائلًا: ترى ماذا ستقول عنا الاجيال القادمة.. هل ستقول إنهم كان خرافًا ينامون مع انفسهم؟

*

* اوصى حنا مينة في كتابة علنية، نشرتها صحيفة "تشرين" السورية وتناقلتها الصحف قبل نحو العقد من الزمان، بدفنه بعد وفاته بصمت، ودون خطابات طنانة رنانة، لأنه سمع كل ما يتمناه المرء في حياته من ثناء واطراء.

صورٌ ماتعة من حياةِ الأمِ الرائعة

(اقدم فيما يلي قراءة خاصة في كتاب اشياء من ذكريات طفولتي لحنا مينه)

احب حنا مينه، امه كما يُحب إبن مرهف الحس، رقيق القلب والروح، مصدر وجوده وموئل ذكرياته، وقد اعلن عن هذه المحبة في أكثر من فرصة ومناسبة، أذكر منها هنا ما كتبه عنها في روايته " الرحيل عند الغروب"، من كلام مؤثر، أروعه انها تدعوه، بعد ان اكتهل وشاخ، للعودة إلى اللعب بأشيائه الطفلية الصغيرة، فيرد عليها، ضمن حوار فريد في نعومته، ما مفاده إن ابنك قد كبر يا امي، فما يكون منها إلا أن تقول له من عالمها الآخر: عُد يا بني.. إن العابك الصغيرة ما زالت هناك على الحصيرة.

في كتابه "اشياء من ذكرياتي- ذكريات في رواية"، الذي عدت إلى قراءته مرة اخرى هذه الايام بعد مضي سبع سنوات على قراءتي الأولى له، يعلن مينه عن محبته لأمه مجددًا، وقد بلغ من العمر عتيًا كما يردد في تقديمه لكتابه هذا. مُجليًا حبَه لامه، على طريقته الخاصة الممثلة بإشارات مكثفة لفضائلها، مفاداتها وعطاءاتها، في ظروف هي اقسى ما تكون، وقد صورها فأبدع في روايته المعروفة لدى القارئ العربي" بقايا صور".

يفتتح مينة، احاديثه وجُلها عن امه، بقول معبر ومؤثر هو:" وجه الأم، هو الوجه الاول الذي يتفتح عليه وعي الطفل، وقد كان وجه امي هو اول الوجوه، واحب الوجوه"، ويتحّدث ضمن حديثه هذا تحت عنوان" الوعي الاول بالوجود"، عن حاسة الشمّ الاولى التي تفتّحت لديه، يقول:" كنت اشم رائحة امي فأعرفها، وافرح بها، واستريح اليها، واندغم فيها واتنشقها واهدأ لها"، بعدها يتطرّق إلى صلته برحم امه، متسائلًا: إلى متى تدوم الصلة الرحمية..، ويجيب:" ظني ان المرحلة الرحمية امتدت طويلًا، وان وشائجها الخفية ما زالت قائمة"، مضيفًا: ان " الحب الامومي هو الحب القلبي وهو الحب الزوجي وهو الحب الاسروي، وكذلك هو حب الفكرة والقضية والكفاح والنشوة وكل ملذات العيش والبذل والعطاء". بعدها يتحدث مينه عن المرأة عامة منصفًا اياها، اسوة بحبه لأمه، ويورد حكاية مؤثرة عن امرأة انجبت البنات واحدة تلو الاخرى، فاغتاظت حماتُها وعبّرت عن اغتياظها هذا، بصورة جلية واضحة.. لتنتهي هذه القصة الحزينة بموت تلك المرأة، لذنب لم تقترفه قصدًا وكان خارجًا عن يدها وارادتها.

في حديث آخر عن " الأم الخالدة ومفاداتها"، يورد مينه قصة مؤثرة عن مفاداة الام لابنها، تقول القصة إن أسدًا تمكّن من انتزاع طفل من حضن امه، فقادتها مشاعر الامومة المتفوقة، لأن تلحق به، وتركع قبالته، ليتوقف ويتعاطف معها، ويرخي فكيه معيدًا الابن إلى امه، بعد ان قادتها غريزتها لإيصال رسالتها كأم مُحبة رؤوم، لا تتنازل عن ابنها فلذة كبدها حتى لو تطلب الامر ان تتنازل عن حياتها.

في فصل آخر من كتابه، تحت عنوان " يوم رأينا الموت.. من خلال الجوع"، يعود مينه إلى روايته المؤثرة " بقايا صور"، (هذه الرواية تحولت، بالمناسبة، الى فيلم سينمائي ادت الدور الرئيسي فيه الفنانة المبدعة منى واصف)، يعود مينه ليشير إلى قصة ضمّنها إياها عن امه وتضحياتها من اجل ابنائها، تتحدث هذه القصة عن سنوات القحط التي عاشتها عائلته ايام كان طفلًا صغيرًا لمّا يتجاوز الخامسة من عمره، مفادها أن الام خرجت من بيتها الفقير المتواضع للبحث عمّا يُقيت ابناءها، الجوعى، وكان انها اتكأت على شجرة وسقطت مغمى عليها، وهنا تظهر امرأة/ جارة، جارت عليها الايام، فوصمتها بالخطيئة والعار، لتأخذ بيدها، ولتنقذها من موتٍ ربما كان محتّمًا، ولتشق العتم والظلام وتعود إليها بأبنائها، من بيتها المجاور، ولتقدم للجميع بالتالي ما يتوقون إليه من طعام ودفء، فما يكون من الام/ امه، إلا أن تقدم إليها غطاء رأسها عرفانًا بالجميل وردًا له، وذلك رغبةً منها في السترة كما سترت عليها وعلى صغارها في ليلة معتمة شديدة الظلام.

في حديث آخر تحت عنوان" شيء من الذكرى" يشير مينه إلى اللحظات الأخيرة في حياة أمه بكلمات مؤثرة جدًا، ويقول ربما ملخصًا ما بينه وبينها:" لقد أعطتني (يقصد امه-ن.ظ)الحياة وكانت حياةً شقية، جاهدتْ، على طريقتها، لأن تجعلها رخيّة، لكن المجتمع أراد غير ما ارادت، فكان هو الاقوى، وكنّا الاضعف، وكان صراع، ولكن النصر لنا، وطريق الكفاح طويل والبشرية تسير.. طفولتُها كانت أشقى من شقية وطفولتي أشقى من طفولتها، ومن الايام السود إلى الأيام البيض، يحمل بعضنا بعضًا، ونناضل معًا في سبيل قومنا ونتعلّم محبة كل يوم اقوى وكل يوم افضل، كما يقول ناظم حكمت".

في هذا الكتاب، الذي اقترح على الإخوة القراء قراءته، فهو متوفر في المكتبات جنبًا الى جنب مع مؤلفات صاحبه الروائية اللافتة، خاصة" الياطر" و"نهاية رجل شجاع"، يتحدّث مينه عن "وحدة الثقافة – العربية- واستعادة الدور التنويري النهضوي"، وعن " الكتابة والحرية" والبحر، وعن حياته بما تضمنته من اخفاقات ونجاحات ويلخّص رأيه قائلًا:" إن الطريق طويل جدًا، وإن الجزر الذي نحن فيه، لن يتحوّل إلى مدّ، إلا بعد عقود، فمن تعب فرغب في أن يستريح فله الحق، ومن أصيب بالإحباط، والاحباط صار بالنسية الينا قدرًا، نعذره على احباطه، ومن ادركه اليأس نعذره على يأسه، ولا نطلب، مقابل ذلك كله، إلا أن يعذرنا، او يعذروني، لأنني لم ايأس، ولن ايأس، لأنني " الحجر الذي رفضه البناؤون فصار حجر الزاوية، ولأنني والبحر (المغامرة- ن.ظ) عروة وثقى!".

يؤكد مينه في كتابه هذا الذي كتبه وهو في ارذل العمر، كما يقول، أمرين هما حُبه الرائع لأمه، وللمرأة بصورة عامة، كما يؤكد انه كاتب الكفاح والفرح الانساني.. كما وصف نفسه وكما وصفه اكثر من باحث وناقد..

 

بقلم: ناجي ظاهر

..................

* "اشياء من ذكريات طفولتي"، كتاب أرى انه احتاج إلى تحرير منعًا للتكرار الذي اتصف به، وليس رواية كما كتب ناشره في صفحته الاولى. صدر عن دار الآداب اللبنانية، ناشرة كل روايات صاحبه حنا مينه، صدر عام 2010، وجاء في 128 صفحة من القطع المتوسط.

 

 

يسري عبد الغنيمسرحية (شهرزاد) للحكيم، كانت طبعتها الأولى في القاهرة، عن دار الكتب المصرية، سنة 1934 م، في 162 صفحة .

 وفي سنة 1943 م، قامت مكتبة الآداب بالقاهرة بإعادة طبع هذه المسرحية في 160 صفحة، وكتبت على غلافها أنها الطبعة الأولى . !!

 ثم قامت مكتبة الآداب نفسها بطبع هذه المسرحية طبعة قالت إنها الطبعة الثالثة، وتقع في 171 صفحة، بتاريخ سنة 1952 م، ولا نعرف حتى الآن أين الطبعة الثانية بحساب المكتبة المذكورة؟!

 ثم عادت نفس المكتبة وللمرة الثالثة بطبع هذه المسرحية سنة 1968 م، في 168 صفحة، دون أن تحدد رقم الطبعة في هذه المرة .!!

 وقام المخرج / جلال الشرقاوي في القاهرة بإخراج مسرحية شهرزاد للحكيم، في 120 دقيقة، من تمثيل الفنانة / ليلى طاهر، والفنان / جلال عيسى، والفنان / عدلي كاسب .

 وقامت هيئة الكتاب بطبع هذه المسرحية سنة 1974 م، في 167 صفحة، ضمن سلسلة (مكتبة توفيق الحكيم الشعبية)، والطريف أن ثمن النسخة كان خمسة عشر قرشاً مصرياً فقط لا غير!!

 وفي 17 / 9 / 1954 م، اعترض الحكيم رسمياً على تمثيل مسرحية (شهرزاد) من جانب فرقة تسمى الفرقة المصرية الحديثة بحجة أن الفرقة غير مستقلة، في حين أعلنت الفرقة أن الحكيم وافق على أن تمثل الفرقة مسرحيته، ولكنه عاد وطلب أجراً مبالغ فيه، وعندما أوضحت له الفرقة أنها لا تملك المبلغ الذي طلبه، عاد وأعلن اعتراضه الرسمي على أن تمثل الفرقة مسرحيته .

 وكتب الناقد الأستاذ / رجاء النقاش مقالة في صحيفة الجمهورية الصادرة يوم 19 / 11 / 1964 م، بعنوان: (توفيق الحكيم وشهرزاد الجديدة)، وهو يقدم مسرحية الحكيم، ويقول: إنه يعتقد أن الحكيم لم يصل إلى التوازن الكامل بين الفكر والفن منذ أن كتب مسرحية (السلطان الحائر)، ولكن توفيق الحكيم في نهاية الأمر هو توفيق الحكيم ... ويعني بذلك أن كل أعماله فيها حد أدنى من المهارة الفنية يحفظ عليها متعتها وجمالها، فهو فنان متمكن، وصاحب أجمل حوار في المسرح العربي .

 وفي عدد 24 / 11 / 1966 م، من صحيفة الجمهورية، كتب الأستاذ / أمير اسكندر مقالة عنوانها: (على خشبة المسرح القومي شهريار بعد ألف ليلة وليلة) تحدث فيها عن تصور الحكيم لشخصية الملك شهريار، وإنه لا يقدم الأسطورة المعروفة مرة أخرى، ولا حتى يعيد تفسيرها من جديد، على العكس فعندما تنتهي الأسطورة ويطلع الفجر على الليلة الأولى بعد الألف، تبدأ رحلة شهريار الحقيقية، وينشب الصراع الحاد داخل نفسه بين ماضيه وحاضره .

 وفي عدد مجلة (المقتطف) الصادرة في شهر يونيو 1934 م، كتب الأستاذ /بشر فارس نقداً وتعليقاً قيماً على كتاب مسرحية (شهرزاد) لتوفيق الحكيم.

 وفي مجلة (الرسالة) الصادرة في 23 / 7 / 1934 م، وبعنوان : (توفيق الحكيم بين يدي شهرزاد )، نقرأ جزءاً من مسرحية (شهرزاد) للحكيم .

 وبعنوان : (شهرزاد وصداها الأدبي في أوربا) نقرأ في مجلة (مجلتي) في عددها الصادر في 15 / 7 / 1936 م، مقالة عن ترجمة أو نقل مسرحية شهرزاد للحكيم إلى اللغة الفرنسية، وما في ذلك من شرف للكاتب ولمصر وللأمة العربية كلها .

 والمعروف أن مسرحية شهرزاد هي أول عمل مسرحي للحكيم ينقل إلى اللغة الفرنسية، حيث كتب جورج لكونت، عضو الأكاديمية الفرنسية، مقدمة لها، وصدرت عن دار نشر (نوفيل إديسيون لاتين) .

كما أنه تم ترجمة نفس المسرحية إلى اللغة الإنجليزية، في طبعة أولى عن دار نشر إنجليزية في لندن تسمى (ببلوت) .

ثم تم طبعها مرة ثانية في نيويورك بأمريكا، سنة 1945 م، عن دار نشر (كروان) .

وفي سنة 1981 م، قامت دار نشر (ثري كنتتنتز بريس)، في أمريكا بنشر مسرحية (شهرزاد)، بالإنجليزية .

كما أنه من المعروف لنا أن أول عمل روائي ترجم للحكيم، للغات الأوربية هو روايته (عودة الروح) .

 وفي شهر إبريل سنة 1963 م، مثلت مسرحية شهرزاد على مسارح باريس الفرنسية .

 وفي نفس الشهر والعام تم ترجمة مسرحية (سليمان الحكيم) للحكيم إلى اللغة الألمانية .

 وفي شهر مايو سنة 1954 م، انتهت السيدة / ماريا جروهمان الألمانية من ترجمة مسرحية شهرزاد إلى اللغة الألمانية .

وكتب الناقد الأستاذ / فؤاد دواره مقالة في مجلة (المجلة) الصادرة في شهر ديسمبر 1966 م عنوانها : (شهرزاد الحكيم) وهي عبارة عن مقالة كتبها الناقد عن قصة شهرزاد، يروي فيها القصة، ثم يتعرض للبناء الفكري لها، ورأي الحكيم الخاص فيها، كما يذكر الأستاذ / دوارة أن القصة عبارة عن تجربة ذاتية لمؤلفها الحكيم، ثم يأخذ في تحليل هذا الرأي الذي ذهب إليه .

 وفي مجلة الهلال القاهرية، في عددها الصادر في فبراير 1968 م، كتب الأديب والشاعر الأستاذ / عبد الرحمن صدقي مقالة تحت عنوان: (الأنثى الخالدة: عدو المرأة وشهرزاد)، حلل الكاتب في هذه المقالة مسرحية (شهرزاد) للحكيم، وإن غلب عليه الأسلوب الشاعري في التحليل، ويقصد بعدو المرأة الأستاذ / الحكيم، فهذه الصفة عرف بها الحكيم في بداياته الفكرية , وذلك لبعض مواقفه المتشددة تجاه المرأة، ولكن بعد أن تزوج الحكيم سيدة فاضلة وأصبح أباً، وخبرته تجارب الواقع الحياتي، أصبح الحكيم من أكبر المدافعين عن المرأة وقضاياها .

 وفي شهر أغسطس سنة 1981 م، قدمت إحدى الفرق المسرحية الفرنسية مسرحية (شهرزاد) باللغة الفرنسية، وقام ببطولتها الفنان المصري / جميل راتب، وحضر العرض مؤلف المسرحية / توفيق الحكيم .

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

 

 

غفران الجبوريأن تقرأ للدكتور عبد الجبار الرفاعي، ذلك يعني أنك تقرأ كُتباً تتحداك ولا تُعجزك، تجعلك تتمتع بقابلية جيدة لاستيعاب الجديد،  تُثريك بلاغةً وفِكراً وفلسفةً، أن تُعاد صياغة رؤيتك الدينية، أن تُطَبَب مواطن عطبٍ كثيرةٍ أصابت روح هذا الجيل، نتيجة تربيةٍ دينيةٍ شائهة.

"الدين والكرامة الإنسانية":

هذا العنوان الدافئ للكتاب، الذي يُثير فيك فضولاً عميقاً لتتلقفه بشغفٍ ودهشة، دهشة أن تقرأ من يكتب عنك، عن أفكارك التي خشيت التصريح بها مراراً، دهشة وجود بيئةٍ فكرية تُعبّر عنك أخيراً.

تجد بين ثناياه أجوبة لتساؤلاتك وحيرتك، وضياعك.

أن تفهم الدين برؤيةٍ إنسانية فلسفية نفسية اجتماعية، رؤية رحيمة أخلاقية عظيمة، بهية بهيجة، رؤية تبعث النور بين ثنايا القلب المظلم بسوداوية الفهم السطحي الشائه للدين.

لا يُمكنك فهم الدين ما لم تفهم الإنسان أولاً، وطبيعته البشرية المركبة العميقة؛ هذا ما كان يجب أن يُدرك منذ زمنٍ بعيد.

موضوعات هذا الكتاب تلتقي وغيره من كتب د.عبد الجبار الرفاعي المنشورة عن الدين، "كُلّها تنويعات لرويةٍ واحدة، رؤية تحاول أن تتعرف على الدين، عبر اكتشاف الإنسان، وتمييزه عن غيره من الكائنات في الأرض بحاجته المزمنة للدين، وحاجته للكرامة ووجودِ كل شيءٍ من أجل الإنسان بوصفه الغاية لأنه خليفة الله في الأرض."

2616 الدين والكرامة الانسانية

"الإنسان غاية الدين، كُل دينٍ لا تكون غايتُه الإنسان ليس إنسانياً، جوهر إنسانية الدين حماية الكرامة، لا كرامة بلا مساواة بين البشر، ورفض كل أشكال التمييز بينهم، كل دين لا يحمي كرامة الإنسان ويصونها ليس إنسانياً. الإنسان وكرامتُه وسلامُه وسكينتهُ وطمأنيتُه وإسعاده غايةُ ما ينشدُه الدين."

"التدين العقلاني الأخلاقي الرحماني يظل فيه أفق المعنى الروحي ثرياً متدفقاً مُلهماً يتجدد بتجدد احتياجات الروح للسلام والسكينة، أما التدين الشكلي فهو العامل الأساسي لنفور الجيل الجديد من الدين، لا دينية أكثر الشباب اليوم هي احتجاجٌ على التدين الشكلي، بوصفه تديناً يغيب فيه الضمير الأخلاقي، تديناً يُفقر الحياة الروحية، تديناً يعجز عن تذوق جماليات الوجود، تديناً ضد الفنون، ضد الفرح، تديناً حزين، كأنه اكتئاب".

 

بقلم: غفران الجبوري

 

 

رنا خالد"الصراخ او الضجيج، مهما اشتد وعلا، فانه لا يطفئ شموع قالب الكيك، فقط قرب فمك من تلك الشموع، وانفخ بهدوء تنتهي الحكاية" هذه الكلمات قراتها فأعجبتني، فعلا.. كم من فعل صغير يدوم ويكبر ويثمر وكم منها على العكس من ذلك فيكون زوبعة في فنجان كما يقال. وهنا يمكن ان نفسر ذلك بتغذية الشر وفعله حول مشكلة ما والتي يمكن حلها بكلمة جميلة تدخل القلوب فتنعشها بالبهجة والرضى والطمأنينة، كالخلافات بين الاقرباء والأصدقاء او بين أي زوجين والتي ربما تحل بفعل بسيط وكلمة صادقة تخرج بنية طيبة.

ان الخلافات الاجتماعية نجدها بيننا او نسمع بها من حولنا بين الحين والحين، منها المشاكل الزوجية التي تعكر حتما صفو التعايش بين شخصين متحابين في بيت يجمعهم بفرح وامان وذلك غالبا ما يكون بسبب فتح مناقشات بينهما او بين اهليهم ومنها ما يعود الى الماضي فيكبر الخلاف وربما يصل الى الانفصال (لا سامح الله). لذلك على الزوجين في هذه الحالة الانتباه لكل ما يتكلمون به والحل يمكن ان يكمل بكلمة (آسف) او غيرها من الكلمات او العبارات التي تساعد الى عودة الأجواء الى طبيعتها، والتركيز على فهم مشاعر بعضهما البعض بودٍ واحترام حتى يتمكنا من حل خلافهما بدلا من مواصلة اللوم. وهنا اعود من حيث بدأت كلامي فالضجيج لا يطفئ الشمعة بل ان الخلاف يكبر بكثرة الصراخ وتذكر الاخطاء واختلاف الآراء الذي لا نجد له قبول في مجتمعاتنا.

هذا جانب، وهناك جوانب أخرى من الخلافات منها التي تحدث بين الأصدقاء بسبب الغيرة او التخلي عن بعضهم أوقات الازمات او الاشخاص غير صادقين ممن يوصلون الكلام غير الصحيح، والصداقة كما يعرفها الجميع من أسمى العلاقات بين الناس اوسعها انتشارا كبيرة في معناها ومضمونها. ولا يمكن الشعور بمعنى الحياة دون هذا النوع من العلاقات كونها تمثل الحب، الوفاء، الثقة والولاء حيث يشارك الاصدقاء لحظات الحزن الفرح والمواقف الصعبة لحين تخطيها. وعدى ذلك لا يمكن ان تسمى صداقة. وينسحب الامر على وجود صديق حقيقي في حياتنا نعتز بصحبته، وفجأة يظهر من لا تعجبه تلك الصحبة فيبعث بإشارات سلبية (كلمات، تصرفات) قد تؤدي الى الخصام مالم نحافظ على شمعة الصداقة.

وجانب اخر من العلاقات يكون مسرحها موقع العمل، وشخوصها الشركاء في ذلك الموقع، فيجتمع اختلاف طبائعهم كبشر مع اتفاقهم كفريق عمل واحد لإنجاز مهامهم الوظيفية. تختلف طبائع البشر من حولنا، وأحيانا كثير تفرض علينا متطلبات العمل اشخاصا لا يمكن ان نتقبلهم في حياتنا لا كصديق ولا كزميل، ولكن لا يعني هذا ان نكون معهم في خلاف فبيئة العمل لها قواعد واصول والتزامات معينة، وربما نجد فيهم صديق العمر وليس زميل المكان داخل العمل فحسب. علينا كبشر ان نتحلى في بعض الأمور منها عدم نسيان دور الزميل في العمل والاعتذار عند الخطأ لأننا معرضون ان نكون نحن المخطئون وان لا نسخر من زملائنا وننقل الكلام عنهم او بينهم لغرض التقليل من دورهم او غير ذلك. أي باختصار نقول (إذا كان بيننا اختلاف فلا داعي للخلاف). واذكر قول قراته في مقال للمؤلف البريطاني بول جونسون يقول: " اياكم والصراخ، انه غير ضروري، لكنه حتما يقلل من قيمة الانسان".

وصلنا للختام نحن والقارئ الكريم ممسكون بالشمعة المضيئة لنلخص القول بوجوب التسامح بين البشر بكل علاقاتهم الإنسانية في كل زمان ومكان.

 

كتبت: رنا خالد

 

يسري عبد الغنيعبد العزيز أحمد القوصي (1906 - 27 أبريل 1992) عميد علم النفس العربي. وهو الحاصل على جائزة الدولة التقديرية، ومندوب مصر في اليونسكو وعضو المجالس القومية المتخصصة ومنشئ العديد من مجالات التعليم العليا الأكاديمية والتربية النموذجية.

النشأة

ينحدر الدكتور القوصى من أسرة عريقة ضاربة في جذور التاريخ والعلم والتقوى، والده الشيخ حامد القوصى، وكان معلماً كبيراً فاضلاً بأسيوط في مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية وأخوته عبد الرشيد القوصى كبير الخطاطين بجامعة عين شمس وعبد الحميد مدرس باحدى المدارس الثانوية بالقاهرة، والمهندس محمود رئيس المنطقة الوسطى للسكك الحديدية والدكتور محمد رئيس قسم الجراحة بالقصر العيني وأخته الحاجة نفيسة حامد زوجة الشيخ محمد القوصى وأعمامه الشيخ أحمد القوصي الزجال الكبير والشيخ محمود القوصي رئيس محكمة مصر العليا وعضو هيئة كبار العلماء وعضو البرلمان عن دائرة قوص والشيخ محمد القوصي من حفظة القرآن الكريم وكان يتمتع بصوت جميل .

ولد في 1906م ونشأ في قوص، أتم حفظ القرآن الكريم واتجه إلى أسيوط وأكمل تعليمه الابتدائي في مدرسة الجمعية الإسلامية ثم مدرسة أسيوط الثانوية وانتقل إلى القاهرة، وكان أول فرقته في مدرسة المعلمين العليا عام 1928م، فأوفدته وزارة المعارف إلى بعثة في إنجلترا وكانت رحلته من قوص إلى أسيوط إلى القاهرة والإسكندرية إلى جامعة برمنگهام في بريطانيا وحصل على بكالوريوس علم النفس بجامعة برمنجهام 1932م، ثم ماجستير علم النفس من جامعة علم النفس من جامعة برمنجهام، ثم دكتوراه فلسفة علم النفس لندن 1934م، ثم زميل جمعية علم النفس البريطانية 1934م.

حصل الدكتور القوصي على درجة الدكتوراه في علم النفس التربوي عام 1933 وقد توصل في رسالته للدكتوراه إلى اكتشاف علمي سيكولوجي نشرته له جامعة إدنبرة عام 1934 وأطلق على هذا الكشف اسم عامل إدراك المكان ويعرف باسم القوصي في جميع أنحاء العالم من ذلك التاريخ، يرمز لها عالمياً بحرف K إشارة إلى اسمه. وكان لهذا الكشف آثار وضحت في جهود علماء النفس ببريطانيا مثل "طومسون" والولايات المتحدة الأمريكية مثل "ثرستون" حيث تابع العلماء طريقه وبدؤوا من حيث انتهى.

وفي ضوء هذا الاكتشاف قامت الهيئة القومية البريطانية بتصميم الاختبارات النفسية لتصور العلاقات المكانية كما قام عالم النفس البريطاني "ڤرنون" بتصميم عدد من الاختبارات على أساس اكتشاف القوصي استخدمت هذه الاختبارات في عملية الاختبار والتوجه المهني للمهندسين والفنيين بالقوات المسلحة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية وقد توصل القوصي إلى نظرية حول تكوين بناء القدرات العقلية على أساس ثلاثة أبعاد هي:

المضمون الأساسي والوظيفة والشكل وأطلق عليها اسم نظرية الأبعاد الثلاثة. وعرض القوصي هذه النظرية وأطلق عليها هذا الاسم. وعرض القوصي هذه النظرية على مؤتمر عالمي لأسلوب التحليل العاملي في باريس عام 1955. وحضر هذا المؤتمر مع القوصي أعلام علم النفس في العالم مثل جيلفورد وثرستون، وشهد له الجميع بالتميز العلمي والقدرة على التنظير.

وفي ذلك الحين تتلمذ على يديه عدد من علماء النفس البارزين في كل من إنجلترا وسويسرا والسويد.

أما في مصر فقد كان القوصي رائدا لمدرسة مصرية في علم النفس تابع تلاميذه العمل العلمي في مجال دراسة القدرات العقلية والدراسات النفسية التي تعتمد على الإحصاء التجريبي نذكر من بينهم المرحومين الأستاذ الدكتور فؤاد البهي، السيد والدكتور أحمد زكي صالح، والدكتور عزت سلامة، والدكتور محمد عبد السلام.

ويهمنا أن نذكر أن القوصي كانت له مكانة عالمية بارزة تمثل الاعتراف العالمي بأستاذيته في كل من:

دعوته إلى عدد كبير من المؤتمرات العالمية لعرض اكتشافه أمام علماء النفس البارزين في مجال اكتشاف القدرات الإنسانية.

دعوته لإلقاء بحوث عديدة في المؤتمرات الدولية المهتمة بشئون التخطيط للتربية والتعليم للصغار وللكبار.

دعوته للإسهام في رسم سياسة التعليم في عدد كبير من البلاد الأوروبية والعربية.

عضويته في مجلس تحرير عدد كبير من المجلات الدولية المتخصصة في علم النفس.

دعوته للإشراف على رسائل الدكتوراه أو مناقشاتها في عدد كبير من البلاد الأوروبية والعربية.

الاستشهاد باكتشافاته في بعض البحوث النفسية في أنحاء العالم.

دعوته لعضوية عدد كبير من الهيئات الدولية المهتمة بشئون التربية والثقافة.

أما في مصر فكل أساتذة علم النفس والتربية يدينون له بالكثير من الفضل وخاصة خلال فترة عمادته لكلية التربية جامعة عين شمس وتأسيسه للعيادة النفسية بها.

و القوصي أول من أدخل إلى اللغة العربية اصطلاح "الصحة النفسية" وألف أول كتاب لها، لا يزال يعتبر مرجعا أساسيا، "أسس الصحة النفسية" والذي ترجم إلى لغات العالم والذي يعتمد على كل من التأصيل النظري والخبرة الواقعية العملية في العيادة النفسية.

وعلى المستوى الإنساني لعب القوصي دور الأستاذ والأب لكل من تلاميذه وعاونهم في الكثير من المواقف.

 

د. يسري عبد الغني

...........................

الاسانيد

- أسامة محمد أمين الشيخ (1992). "رائد علم النفس في مصر والعالم العربي، الدكتور:عبد العزيز القوصى". رابطة أدباء الشام، موقع يصدر من لندن.

- أ.د. كاميليا عبد الفتاح (ربيع 1992). "كلمة التحرير: رحيل رائد علم النفس". مجلة علم النفس، مجلة فصلية تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، السنة السادسة - العدد 22.

 

 

نبيل عرابيتتجلّى أصالة اللغة العربية، في استخدام الكلمات المبتكرة بأرقى معانيها التي استنطقت قائلها في فجر حياته البِكر، من خلال العمل والفكر، وصولاً إلى اكتمال مراميها في إعجازها عبر القرآن الكريم، وصدى صوتها ووقعها على النفس. فقد تشكّلت اللغة عبر مسيرة تاريخ طويل، وارتقت الحروف والكلمات من طور الهيجان والإنفعال الفطري الغريزي، إلى مرحلة الإيماء والتمثيل وصولاً إلى الإيحاء الصوتي، الذي يؤكّد على مكانة الكلمة الطيبة واهميتها .

وبعد أن تشكّلت اللغة العربية، وتمّ استخدامها واستخراج ضوابطها، وقواعد صرفها ونحوها، استمرّت في كلّ العصور تقاوم حتى كوّنت ثقافة الأمة، وصاغت قاعدتها الأساسية، وأصبحت عصية على كلّ اندثار، تنتقل من جيل إلى جيل، تواكب الوعي والنمو والإرتقاء بالشخصية العربية، وترهيفها للمشاعر والأحاسيس، وتنمية المَلَكات العقلية والذوق الرفيع .

وصار المضمون– بما هو عليه سلباً وايجاباً– في الكلمات، تعبيراً عن الحاجات والظروف الرديئة التي اعترضت العربي، فكان من الطبيعي أن يصرّح عن مشاعر الكره والغضب والنّفور، كما يعلن عن التحبب والمودة والألفة وغير ذلك، مستخدماً المفردات التي تحمل المعاني وموسيقاها وموحياتها، فغدا لكل مقام مقال. وهذا ما يؤكّد على أن رحلة الكلمات والمعاني، لم تكن خاتمتها وَقفاً على المعاجم، وإنما حفظاً لها، من أجل العودة إلى الأصول، والبحث عن الجذور، ومن ثم استثمارها في متابعة المسير، وإضافة المصطلحات الحديثة التي تواكب كل جديد لربطه بالأصل، واستخدامه وفق الضوابط التي تتلاءم مع حياتنا وتُلبّي احتياجاتنا.

فالمفردات على علاقة كبيرة بالخيال، فكما لا يسعف المعجم الجاف صاحبه في البحث عن آفاق يشقّ غبارها، فإنّ غزارة المفردات وتنوّعها يسهم إلى حدِّ بعيد في شحذ المخيّلة ومساعدتها كي تتمكّن من اجتياز المألوف، والحصول على كم هائل من الصوَر والتشابيه. من هنا، كان تجديد المعجم لأي كاتب، والعمل على إثرائه ورفده بالكثير من القراءة، يُعَدُّ حلاً سحرياً للقضاء على التكرار واجترار الحالات أو الصور، من دون إضافة جديد على الكتابة. فكم من الشحنات الشاعرية تقتلها إساءة استخدام اللغة ، أو المفردات التي تشكل مدماكاً مهماً في الكتابة الشعرية أو السردية  فاللغة هي أهم مقتنيات الإنسان. آه كم تبدو رائعة حين نلوّنها في العينين إرسالاً واستقبالاً . إنها الدافع للكائن البشري لأن يستعين بها على الوهم، فيؤكّد بواسطتها قوة المعرفة من خلال اكتشاف الأدلة والبراهين .

وباللغة أيضاً، استطاع أن يسكب على الورق ما حملته الذاكرة من نصوص ووقائع محفوظة شفهياً، وأحاديث جميلة مقنعة بحججها القوية وأدلّتها الدامغة، وخاصة بالنسبة للذين غرفوا ممن يجيدون التعبير الشفهي حتى الأمانة، لكنهم يعتقون أنفسهم من ملامستها كتابة، مما فتح الباب على الشك والريبة في الكثير مما نُسب إلى أدباء وكُتّاب وعلماء، عمدوا إلى تدوين ما لاكت به الألسن، وصدحت به القريحة، فليس من المؤكد أن قضية التعبير الشفهي تتعلق بذاكرة يتعبها القلم، ولا هي حال تنصّل من التوثيق الذي قد يكون حجة في لحظة ما، لكن ربما تكون سلوكاً وثقافة اعتادها البعض، وأضحت مع الأيام نهجاً، لأن النص هو الوثيقة الدائمة التي يمكن المحاججة بها.

لهذا، فإن لغتنا العربية الجميلة تقوى بقوتنا، وتضعف بضعفنا، فلنعمل على تمكينها، لأنها أهم كواشف المستقبل، ولنستمر في دفاعنا عنها، كطائر البجع الذي عندما يموت، يبقى صوته لدقائق ممتداً في الفضاء، كمزمارٍ ينهي لحناً، ذلك لأن له عنقاً طويلاً، لكي يؤدي به ما يُعرف: بالأغنية الأخيرة للبجعة!

 

نبيل عرابي