عقيل العبودلغة الكون بريقها مثل مليحة، تستحضر نضارتها، بين الفينة، والفينة، ليشع لون السماء بنورها، وينهض ضوء القمر. وهنالك في البساتين أغصان، نبضاتها، شغاف القلب يسكنها، وينحني لأجل حنوها المطر.

(والبشارة) انه ذات يوم، عند نحيب ساقية أتعبتها (التمتمات)، إمرأة بالصبر كانت تنتظر (الصبح)، مع الصلوات، وبصحبة الدموع تؤدي ما تبقى بذمتها من تسبيح.

حينها مع نشوة الضفاف، عند (أول المكان)؛ طيور راحت تنحت أسرار بهجتها عبر ذلك السطوع الذي من بذور هيبته تنبت الأمنيات.

لذلك (نوارس شط العمارة)، كعادتها راحت محلقة يحيط بها العناق.

والمشهد أن الصمت (قناديل) على شاكلة سنبلة تتدلى (قلادة احلامها) عند عرين علوها الأبدي، إستجابة لنداء الملائكة.

ومع أروقة الزمان، خفقان الفراشات، على غراره، يستيقظ الديجور، يسرع خلف دهاليز الموت المسكون ب (زحمةِ السُّوقِ العتيقِ) إلى وحشة جهنم، بحثاً في الخفاء عن ( آثار عفريت )، راح يختطف العطر الخالص من جناح عش تداعت أوصاله بفعل ريح، تقرر ان تداهم السكون (المقفى برائحة (القرنفل).

أما (النار) فشيطان من الجن، تستفز ريحه (صرخة في المهد، ليغتصب رداء سكونها الحذر بغطاء متسكع).

ولذلك (مبتور العزيمة)، لا يقوى على التمرد...

ذلك الرضيع، يوم كان المارد يمشي بمحاذاة (تلك القلادة) متحديًا وقار كاهن ظل يصلي في (محراب معبده المقدس)، تلبية لخشوع (غيمة) أطلقها الشفق، لتتحول بعد حين الى نداء به تستعيد الحياة ثمار (أمومتها المهشمة).

إذن لا محالة علوها لم ينحن، آلهة الارض، التي من نور رحمتها تنبض الحياة، وتنتفض القصائد.

 

عقيل العبود / سان دييغو / كاليفورنيا

......................

https://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/955817

 

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (7)

قال شهريار: من أسرار المحبة إنها توسع دائرة تأثيرنا على الناس، والجهول من يجاهر بالمودة وليس بقادر على استنهاض الخير في القلوب. 

شهرزاد: وكيف للمحب أن يوجِد الإبداع في عمل الأحباء؟

- دائرة التاثير تلك المساحة العجيبة التي تتنازع فيها الأنفس بين المثير والإستجابة، كما يقول أهل الصنعة، وقلنا آنفا:إننا  بالمحبة ننفذ الى قلوب الناس، وننفث أفكارنا الطيبة في صدورهم،ونكون أكثر تأثيرا عليهم من أنفسهم لو كسبنا ثقتهم، وكما أننا نؤثر فنحن نتأثر، وعلينا ابتداءً التحصن قدر المستطاع من الإنهزام امام أمواج الشر كيما نوسع دائرة الخير، وقد تتسع دائرة تأثيرنا أكثر لتشمل القلوب المريضة،والصدور البغيضة .

إننا نتحدث هنا عن مبادر للمحبة يحمل سحر صفات القيادة، وتطلعاته للريادة التي تفتح للآخرين  آفاق السعادة، ومن بينها سعادته هو، ذلك المعطاء الذي بحث عن السعادة في كل مكامن الحياة وأفكارها، وتبحر في علومها وأسرارها، فلم يجد عميق معانيها  إلا في إسعاد الآخرين .

ولأن القائد ينظر الى آفاق بعيدة،ويستخدم خياله وقوة إدراكه لينال حريته و يكسر قيود التأثير السلبي للمتكئين على العثرات،والمتسلقين على الزلّات، وبينما الطيبون منغمسون في أداء الواجبات، تبرز لدائرة التأثير الايجابي أرفع السمات، كالمعدن الأصيل كلما زدناه طرقا زاد لمعانا وتألقا .

لناخذ جولة سريعة مع قصة الطبيب النفساني الشهير فيكتور فرانكل الذي أعتقل  في المعسكرات النازية الألمانية، وقد مات والده وزوجته وأخوه في تلك المعسكرات، وعانى فرانكل من التعذيب والإنتهاكات مرات عديدة، وذات يوم وهو جالس وحيدا عاريا في معتقله بدا يدرك ما سماه لاحقا (آخر حريات البشرية)، تلك الحرية التي لم يكن بمقدور معتقليه النازيين سلبها منه، كان بإمكانهم السيطرة على بيئته بشكل كامل وبإستطاعتهم فعل ما يريدون بجسده، لكن فكتور فرانك كان مخلوقا مدركا لذاته، يستطيع النظر بعين الملاحظ لمحيطه، وحافظ على هويته الأساسية السليمة، ويستطيع أن يقرر في قرارة نفسه كيف ستؤثر كل هذه الضغوطات الكبيرة عليه، وبين ماحدث له أي المحفز، وإستجابته له تولدت حريته او قوة الإختيار .

رفض فرانكل التأثر بالعالم القهري الذي يحيط به من كل جانب وعن طريق إستخدام ذاكرته وخياله كان يلقي محاضرات على طلابه وكأنهم حاضرون أمامه، ويشرح لهم الدروس التي كان يتعلمها أثناء تعذيبه، ومع استمرار تدريبات ضبط النفس بدأ يصقل حريته الفكرية، حتى أصبح يتمتع بحرية تفوق مثيلاتها لدى معتقليه، بل إنه أصبح مصدر إلهام لمن حوله،واستطاع أن يوسع دائرة تاثيره لتشمل حراسه الذين تعلموا منه إيجاد حلول لمعاناتهم اليومية،واستقوا منه معاني الحرية، وعلى هذا الأساس يقول ستيفن آر كوفي: (بين المؤثر والإستجابة تكمن حرية اختيار الإنسان)  .

صدقا اقول ليس كل واحد منا يحمل هذه الصفات العظيمة كفكتور فرانك لنقف بوجه أمواج كاسحة  قد نتعرض لها في أي وقت  لكننا جميعا قادرون على أن نتعلم منه منع تاثير دوائر الشر علينا، وأن نكون مؤثرين لزيادة الخير في قلوب الطيبين قولا وفعلا وإبداعا .

لقد كان فرانكل أحد الفروديين المدافعين عن الحتمية ومفادها أن اي شيء يحدث لنا في طفولتنا يشكل شخصيتنا،ويسيطرعلى حياتنا بالكامل، ولايمكننا فعل شيء إزاءه، لكنه،أي فرانكل، تعلّم من مأساته: إننا قادرون على التحرر من هياكلنا القديمة، ومنع تأثرنا بالمتسلطين والأشرار .

وسبق أن أشرنا ياشهرزاد الى أن أفضل مايمكن فعله في مواجهة المتكبرين تجاهلهم، فإن الطبيعة البشرية  تدفعنا الى التنافس،  لكن حرية الإختيار المكتسبة تمنع تأثير المتكبر على نفوسنا لنرد عليه بالمثل على إعتبار إن ذلك يمثل تواضعا(عند أصحاب هذا الراي)، وأجد بتواضع شديد إن التكبر على المتكبر ردة فعل لتأثرنا بصفته الذميمة، وأن تجاهله دليل على اقترابنا من حرية الإختيار التي نقلت فرانكل من الجحيم الى الجنة وإنْ كان قابعا في معتقله .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

........................

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

ناجي ظاهريُعتبر الفنان الكاتلوني/ الاسباني سلفادور دالي. منذ سنوات بعيدة. فنانًا مثيرًا للجدل، فقد انتمى للمدرسة السريالية بعد خمسة اعوام من وضع الشاعر الفرنسي اندريه بريتون بيانها المشهور. الا انه اختلف مع هذه المدرسة الثورية في الفن التشكيلي. بالضبط كما اختلف مع الشيوعيين الذين طالبوا دائما وابدًا بفن واقعي. يتعارض بطبيعته مع السريالية التي رأت اللاشعور والاحلام مرتعًا خصبًا لها.

كتاب سلفادور دالي تأليف كونروي مادوكس. ترجمة جان دمو. الصادر عام 2012. عن منشورات الجمل. يقدم صورة واضحة لهذا الفنان وحياته. كما يسلّط اضواء كاشفة على نتاجه الفني السريالي. وقد يكون سبب هذا هو ان مؤلف الكتاب رسّام وكاتب بريطاني انتمى للحركة السريالية عام 1938. وشارك في العديد من نشاطاتها وفعالياتها. مترجم الكتاب جان دمو ولد في كركوك عام 1943 توفي في استراليا عام 2003 بعد ان هاجر اليها واقام فيها. سبق لمادة هذا الكتاب ان نشرت مترجمةً الى العربية في مجلة "الاقلام" العراقية عام 1989.

يستشف قاري هذا الكتاب. ان السريالية هي دالي. ودالي هو السريالية. ومنذ الصفحة الاولى في تقديم المترجم لكتابه يتمّ الايحاء بهذا المعنى. بعدها يفتتح المؤلف كتابه بالإشارة المدققة لميلاد دالي ووفاته ايضا. فقد ولد دالي في الساعة الثامنة واربعين دقيقة من صبيحة 11 ايار 1904. ورحل عن عالمنا بتاريخ 23/ 1/ 1989. ويشير المؤلف الى ان مظاهر الموهبة تبدّت عليه وهو لمّا يزل في السادسة من عمره. ولم يتفهم ذووه هذه المظاهر. فدخلوا معه في خلاف كان هو المنتصر فيه. في النهاية.

***

كان عام 1929 عامًا مباركًا في حياة دالي. فقد اقام فيه معرضًا في باريس بيعت فيه كلُّ لوحاته. وتعرّف في العام ذاته على محبوبته روسية الاصل غالا. وكانت آنذاك زوجة الشاعر الفرنسي بول ايلوار. فلفت نظرها بطريقته الجنونية واستولى على اهتمامها بعد اهمال وعدم اكتراث. لتتحول إلى حبيبته.. رفيقة عمره و.. جنونه. علما ان دالي كان يردّد دائمًا. ان الفرق بيني وبين المجنون انني لست مجنونا!!

يتطرّق المؤلفُ إلى اهم مبادي السريالية عبر استعراضه بيانها الاول الذي صاغه الشاعر اندريه بريتون عام 1924. وقد ورد فيه. ان السريالية الية سايكولوجية صرفة. المقصود منها التعبير شفويًا بالكتابة. او بوسائل اخرى. عن حركة الفكر الحقيقية. اوامر الفكر. في غياب كل سيطرة يمارسها العقل خارج جميع التسلطات الجمالية او الاخلاقية. انسكلوبيديا. فلسفة. ترتكز السريالية على الايمان بالواقع الاعلى اشكال معينة من تداعي الافكار المهملة قبل الآن. بالوجود الكلي للحلم وباللعب النزيه للفكر. انها تنزع للتخلص من جميع الاليات السوسيولوجية وان تحل محلها في حل المشاكل الاساسية للحياة. يقول الفنان السريالي ميرو عن طريقته في الرسم السريالي. بدلا من الشروع برسم شيء ما. انا ابدا بالرسم. واذ انا ارسم تأخذ الصورة بتأكيد نفسها. او توحي بنفسها تحت فرشاتي. ويصبح الشكل علامة على امرأة او عصفور فيما انا اعمل.. ان المرحلة الاولى حرة.. لا شعورية.

اما دالي ذاته. يقول. ان حقيقة كوني انا نفسي. في لحظة الرسم. لا افهم صوري. لا يعني ان هذه الصور بلا معنى. على العكس. فان معناها يبلغ من العمق. التعقيد. التماسك واللا ارادية بحيث انها تفلت من اكثر التحاليل بساطة للحدس المنطقي. لأجل وصف صوري باللغة اليومية. لأجل تفسيرها. من الضروري اخضاعها لتحليل خاص.

ينقل المؤلف عن فرويد. ملاحظتين على الرسم السريالي ودالي. الاولى تقول. في اللوحات الكلاسيكية ابحث عن تحت. الوعي. اما في اللوحات السريالية فإنني ابحث عن الوعي. الملاحظة الثانية تقول عن دالي. انني لم ار قط نموذجًا اكثر كمالًا عن الاسباني. اي متعصب. وينقل المؤلف عن دالي تعقيبه على هاتين الملاحظتين قوله. ان فرويد حكم بالموت على السريالية .. من الآن فصاعدًا يجب الا تكون تجريبية بل تراثًا.. لا ثورة بل نهضة.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

يسري عبد الغنينؤكد على أنه لا يتعلق الذوق الأدبي في حقيقة الأمر بالشكل الفني فحسب، بل به وبالمضمون معًا؛ إذ هما مرتبطان، بل ملتحمان، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، اللهم إلا على المستوى النظري فقط، أما في الواقع فالفصل غير ممكن، والذين يظنون أن التذوق الأدبي لا عَلاقة له إلا بالجانب الفني في القصيدة أو المقال أو المسرحية... إلخ هم ناس يهيمون في الفراغ، أو يجرون وراء الأوهام؛ إذ أين يمكن أن نجد الشكل الفني منفصلًا عن مضمونه؟!

إننا لو عملنا على مسايرة هؤلاء النقاد، وحاولنا التوصل إلى شكل قصيدة من القصائد، فأين يا تُرى نجد الوزن دون الكلمات التي وُزِنَتْ عليه؟ وأين نجد البناء بعيدًا عما احتوته من أغراض أو أفكار، أو أحداث أو مشاعر، أو ما إلى ذلك؟! وأين نجد حرف السين - مثلًا - الذي يكثر في البيت الفلاني للإيحاء بجو الهمس والإسرار، إلا إذا أوردنا الألفاظ التي يظهر فيها هذا الحرف؟!

إذ أن الأدب بطبيعته وأهدافه ووظيفته بحثٌ عن الأخلاق من خلال الجمال، كما أن الأخلاق تريد أن تبرز بصور جميلة من خلال أشكال معينة، أحدها الأدب، وليس هناك قضية أكثر إلحاحًا على عقل ونفس وروح الإنسان من البحث عن الجمال، الذي يبعث في الروح الطمأنينة والسكينة، وينفخ في النفس روح الاستقرار، ويطلق الخيال من عنانهفي الطرف المقابل يقبع مفهوم مناقض وهو: الشذوذ الأدبي: يأتي من شذوذ الكاتب ذات نفسه، حيث إنه يستسلم لنوازعه الخاصة، وهوى نفسه، دون أن يُحِسُّ أو ييب أو غضاضة.

أو هو بهذا يقدم أدبًا مسمومًا غالبًا، يحمل بذورًا منحرفة، وفكرًا هشًّا، ولا يحمل رسالة فريدة وسامية، ويعتبر أدبًا غير سويٍّ؛ نظرًا لفكره غير الطبيعي عمومًا.

أقول لكم الأصل في الأدب أن يتجه لمكارم الأخلاق، وأن يسهم في تغيير الواقع المملوء بِقِيَمٍ غير سوية ليضع مكانها قِيمًا سوية تتفق مع ثوابت الأمة، والأديب يتصف ليس فقط بكونه مؤدِّبًا - بكسر الدال - وقائدًا اجتماعيًّا وفكريًّا، لا بل يتعداه إلى أن يكون مؤدَّبًا - بفتحها - بحيث يبتعد فيه عن الفحش والسِّباب والشتم والتقزيم والشخصنة، وكل ما من شأنه أن يخدش بلور شخصيته، وغني عن القول: إن على الأديب أن يكون قدوة ومنارة يرى فيها الناس الصورة المشرقة الخالية من الشروخ والخدوش والتشويه.

فالشذوذ الأدبي إذًا هو شذوذه عن رسالته الخلقية، والدينية أو السلوكية، والتزام ما يخدم قضايا الإنسان المصيرية. وكلمة شذوذ مرتبطة بالسلوك غير السوي، ولو حاولنا تفسير معنى كلمة شذوذ ، لقلنا: إنها الخروج عن المنطق، والمنطق يتبع لظرف زمان مكاني. وبالتالي فإن الشذوذ في موقع ما، ربما لا يعتبر شذوذًا في موقع آخر.

مثال على ذلك قصيدة النثر التي تلاقي صعوبة في تجنيسها عندنا، قد لاقت القبول في الغرب. والقصة القصيرة أيضًا بدأت تأخذ مسارًا غير الذي عهدناه في كلاسيكياتنا، ألا يعتبر هذا شذوذًا إلى أن تفرض هذه الأجناس الجديدة نفسها ويتقبلها المتلقي؟

أما الشذوذ بمفهومه السلبي في الحرف المكتوب، من خدش لطهارة الأدب بشكل عام، وتضمين النصوص ألفاظًا لا تليق، فهي مسؤولية الكاتب، ومن بعدها مسؤولية المتلقي الذي لا يرضى بمثل هذا الشذوذ.

نأتي للأفكار والمضمون والرسالة التي من أجلها كُتب النص، نقول: إن للكاتب كامل الحرية في طرح أفكاره، ولا يعتبر ذلك شذوذًا بمفهومه السلبي، إلا إذا ترتب من جرَّاء ذلك ضررًا للمجتمع.

أناشدكم جميعًا قائلين : لا تقيِّدوا المبدع وتقولوا له أبدع! إلا إذا ترتب من جراء ذلك ضرر للمجتمع؛ أي إبداع مشروط وليس حرية مطلقة. والضرر للمجتمع بمعنى كتابة أو تناول كل ما يمس القيم والعادات والعرف بطريقة فجة منفِّرة (وطبعًا الدين أسمى وأجلُّ) . أو بمعنى آخر: الضرر قد يقع على الأفراد، وأيضًا قد يكون ضررًا على المجتمع.

ولا أظن أن كاتبًا محترمًا، صاحب رسالة، يهدم ما يود إيصاله للقارئ لمجرد معالجة موضوعات خارجة - له الحق في معالجتها - بطريقة فجة - إلا إذا كان مهووسًا مريضًا يضر المجتمع أكثر مما يفيده.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

 

 

معراج احمد الندويتشكل قضية فلسطين من أهم الموضوعات والأغراض الشعرية في الشعر العربي المعاصر. فهي أقل تقدير مثلت خلال القرن العشرين أرضا خصبة في وجدان الأمة العربية والإسلامية. لقد استطاعت الثقافة الفلسطينة، والشعر في طليعتها حراسة الروح الوطنية الفلسطينية. فهي أرض المغتصبة والزمن المفقود، واللغة الدامية والرموز والدلالات المتعددة، والشخصية الضائعة الغريبة. اتخذت قضية فلسطين جانبا مهما في من شعرها. وكان شعر المقاومة عندها عنصرا أساسيا. وكان طابع الحزن والتأمل من أبرز الطوابع في شعر فدو طوقان والعاطفة والوجدان جعلها تعبر عن إحساس الأنثى دون تكلف أو محاكاة أو ابتدال.

 هذه الأرض امرأة

 في الأخاويد وفي الأرحام

 سر الخصب واحد

 قوة السر التي تنبث نخلا

 وسنابل

 تنبت الشعب المقاتل

تعبر الشاعرة بعض القضايا الحساسية بلغة الرمز. فلا تخلو دواوينها من الرمز. فقد ظفرت جميعها من الديوان الأول بعدد من الرموز. وتتميز رموزها بالشفافية غير الموغلة في الغموض وتتمحور هذه الرموز حول مرموزات معينة. هي: الوطن، الفدائي، العدو والرمز الاجتماعي إلا أننا نجد تكثيفا لموز العدو في خماسية العدو قصيدتان رامزتان أولهما بعنان الطاعون. تقول فيها:

 يوم فشا الطاعون في مدينتي

 خرجت للعراء

 مفتوحة الصدر إلى السماء

 أهتف من قرار الأخزان بالرياح

 هي وسوقي نحونا الساحاب يا رياح

 وأنزلي الأمطار، تطهر الهواء في مدينتي

 وتغسل البيوت والجبال والأشجار

 هي وسوقي نحونا السحاب يا رياح

 ولتنزل الأمطار!

 ولتنزل الأمطار

 ولتنزل اأمطار

الحرية في شعر فدوى طوقان:

عاشت فدوى طوقان بين حربين عالمتين. فلما فتحت عينها وجدت الاحتلال الإنجليزي جاثما على وطنها الحبيب. ولما أدركت الشاعرة معنى الحياة ومدلولها وجدت أن العرب يموجون غيضا وكانت فلسطين تعمها ثورات وتموج بمظاهرات وتسودها اضطرابات. رأت الشاعرة أن العرب يقاتلون من أجل حريتهم ويبذلون كل ما في وسعهم لإعادة مجدهم وبقاء شرفهم ويقدمون أنفسهم وأموالهم لوطنهم ويفدون بكل غال وثمين في سبيل الحرية. فلم تبق للشاعرة أن تحس هذه المقاومة ولم تلبث أن تعبر عن خلجات نفسها في قالب الشعر. فتقول:

 حريتي!

 حريتي

 حريتي

 صوت أردده بملء فم الغضب

 تحت الرصاص وفي اللهب

 وأظل رغم القيد أعدو خلفها وأظل رغم الليل أقفو

 خطوها

 وأظل محمولا على حد الغضب

وأنا أناضل واعيا حريتي

إن الحنين إلى الوطن وحبه العميق نفسية من نفائس الإيمان عندها، قضت هذه الشاعرة معظم حياتها لوطنها الحبيب ولأمته ولصلاح شعبه. تتجلى أهمية الوطنية الصافية التي عبرتها الشاعرة من أعماق قلبها. إن شعورها الوطني الواسع يحضها على الانطلاق لتحقيق هذه الحرية. يمتاز شعرها بالرقة والعذوبة والوجدان، والمزج بين الشعر والفكر الناطق الذي تصب فيها هموما معاصرة من خلال انفعالها وأحاسيسها ومشاعرها. وهي أمام حنين الحب وعواطف الوجدان ترق وتلين، وأمام القضايا الوطنية والإنسانية تثور وتمرد. صاغت قصائدها أحلاما للحرية والمحبة والكرامة. عبرت فدوي طوقان عن حلمها لوطنها فلسطين وغرست في النفوس أن يكون الحب والحرية للجميع.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

 

عقيل العبودفي ندوة جموح النص وفروسية الناقد- قراءة في الإنجازات النقدية والفكرية للبروفيسور الدكتور محمد عبد الرضا شباع باسهام الأستاذة الدكتورة اناهيد الركابي في الصالون الثقافي متعدد اللغات جنان اركَانة في روما يوم الثلاثاء ٢٥/٥/٢٠٢١ بالإدارة المتميزة للأديبة الأستاذة الشاعرة لاله دليلة حياوي

 الاستاذة الدكتورة اناهيد اضافت من اريج عطرها المعرفي لحديقة غناء اتاحت لنا المجال جميعا لأن نلتقي ذلك على طاولة لها الفضل لان تجمعنا مع كبار الاساتذة والمبدعين، وهذا ما يدعوني لان اعبر عن خالص شكري لاستاذتنا الرائعة المبدعة دليلة حياوي والاستاذة لالا فوزية اللتين لهما الفضل على إقامة هذا المهرجان الجميل.. مع تحياتي الخالصة لأساتذتي الاكارم جميعا!

في كتاب الخلفية النصية الاسبانية، الاستاذ الدكتور شياع محمد عبد الرضا اراد ان يضع القارئ امام مضامين جديدة من خلالها يمكن استنتاج تعريفات وصور وابعاد اخرى لبعض المفاهيم وخاصة ما يتعلق منها بالتقارب بين الصور الحضارية للثورة ففي الخلفية النصية (ال السوسيو نصي) مثلا السوسيونصي هنا يعني تفاعل المكان مع النص، بناء على مقولة الثورة والتمرد اي الفعل.

كان على بوابة الجحيم بيكاسو وكان عازف القيثارة في مدريد ص ١٧٢

اذن هنالك صورة لتاريخ اسبانيا معفرة اثارها بالوان الثورة ضد النازية والفاشية..

اسبانيا التي ولد من رحم ارضها بيكاسو، ليسافر عنها بعيدا، صارت واجهة للمطالبة بحرية الانسان، وتلك مساحة تجاوزت حدود المشهد، حيث بها كان يرسم بيكاسو حروف وطنه المرصع بالدم

تمردا على وحشية الفكر النازي..

2494 عقيل العبودبيكاسو كان قد تم اختياره في اللوحة الشعرية رمزًا للفقراء، وهذا الرمز نفسه صورة للصراع مع العنصرية التي اتخذت من الكراهية والعنف سلاحا لها ضد الانسانية،.

ولذلك ما بين مقولتي الحرب والسلام، عازف القيثارة في مدريد كان يرسم معنى الثورة في اطارها المعمد بعذابات الانسان في هذا العالم،

وتلك ما يسمى (بالبنية السوسيو نصية)، كونها يمكن ان تكون شاهدا للصراع بين منظومتين - الخير والشر، ما يجعل مقولة النص تحمل بعدا ايديولوجيا وانثروبولوجيا يمكن تسويقه في اي زمان ومكان.

 وهذا يعطي انطباعا ان الباحث انما اراد ان يضع القارئ امام طريقة جديدة لتسويق الرمز الشعري، كونه به يمكن ان يتم توظيف وتوطين الصورة الشعرية، رغم اختلاف الخيال المكاني، والمشهد الزماني.

 ولذلك يصبح هنالك تعريفا اخر لمعنى (السوسيولوجي) بالنسبة الى النص الشعري بحسب شياع، فهو ليس معناه كما هو معرف عندنا في الدراسات البحثية لمنهج دوركهايم، باعتبار ان النص الشعري هنا يعد منظومة شاملة للثورة يتفاعل مع الصورة المتخيلة، ما يجعله يساهم في امكانية تسويق المشهد الشعري مع كل الثورات، حيث يمكن الاستشهاد بالرمز الاسباني لأي ثورة في العالم، وهذا ما ظهر مع قصائد البياتي وباقي الشعراء.

ففي صورة التفاعل النصي مع (لوركا صامت والدم في انية الورود وليل غرناطة تحت قبعات الحرس الاسود والحديد يموت والاطفال في المهود يبكون) ص ٢٠٢ هنا ترتسم لغة الفعل السايكولوجي للثورة في الصورة الشعرية بحسب شعر البياتي .

وفي ص ٢٦٢ الاندلس كربلائية المشهد في شعر محمد علي شمس الدين المُناصة هنا تأخذ طابعا سيكولوجيا وجدانيا في البناء الصوري للمشهد

المناصة هنا الترجمة الحية للثقافة الأخرى

وهي تعني هنا في بعدها الايتمولوحي الاشتقاق الاركيولوجي الحضاري للرمز ،وهذا يعني ان هنالك جذورا انثروبولوجية لهذا الرمز، هذه الجذور هي التي تمنح بل تبرر حقيقة التفاعل النصي بين الشعر الاسباني والشعر العربي، وهذا الاكتشاف انما تم بفعل انتخاب القامات الشعرية العربية، ومطابقتها وتحليل انماط اعمالها الابداعية مع الادب الاسباني ما ساعد في تقريب البنى النصية كما هو مع الشاعر محمود درويش في صور النظام الليلي ص ٢٩٧- (قصيدة لوركا في شعر محمود درويش عفو زهر الدم يا لوركا، وشمس في يديك وصليب يرتدي نار قصيدة) اذن هنالك رموزا شعرية اشتغل عليها الباحث شياع ليوصل القارئ الى نتيجة مفادها يقول: ان لا مناص من تداخل وتفاعل النص الاسباني مع النص العربي وان هنالك ضرورة حضارية اثرت البحث عنها لإثبات اولتبيان حقيقة ومعنى التفاعل النصي الاسباني مع الادب العربي) وهذا النوع من (الاشتغال) يساعد القارئ العربي، بل وغير القارئ العربي لتحليل ذروة النص ومساراته بناء على فكرة المتخيل النصي للواقع الاسباني.

 

عقيل العبود سان دييغو/ كاليفورنيا

 

 

ناجي ظاهرهناك العديد من الاسئلة التي اقلقت وتقلق المعنيين بالكتابة الروائية، سابقا ولاحقا، وما اكثرهم في هذه الفترة المنفتحة عبر وسائل الاتصال الاجتماعي المزدهرة باضطراد، والحافلة بالتباهي بسبب وبدون سبب. من هذه الاسئلة المتعلقة بإغراء الكتابة الروائية.. ماذا اكتب وكيف اكتب.. وربما لمن اكتب وما اليها من اسئلة مشابهة.

كتاب "حياة الكتابة- مقالات مترجمة عن الكتابة"، اعداد وترجمة عبد الله الزماي، الصادر عن "مسليكيان للنشر والتوزيع"، في تونس، عام 2018، يجتهد في تقديم الاجابات عن الاسئلة المطروحة آنفًا، عبر مجموعة من المقالات التي كتبها روائيون مشهود لهم في العالم اجمع. منهم اليف شافاق، مؤلفة" قواعد العشق الاربعون"، هاروكي موراكامي مؤلف "كافكا على الشاطئ"، وايزابيل اللندي مؤلفة "بيت الارواح". مُعدُّ الكتاب يقول في تقديمه له، انه قام بترجمة ما ضمّه كتابُه خلال فترات متفرقة.

ما ضمّه الكتاب من آراء ومعلومات يُقدّم الاجوبة عن الاسئلة المذكورة بطريقة غير مباشرة، تصف ولا تقدّم الارشادات المباشرة. ما يجمع عليه اصحاب المقالات المترجمة في الكتاب بشكل عام، هو انهم كتبوا ما كتبوه وانتجوا ما انتجوه من كتابات روائية شهد لها القراء في مختلف انحاء العالم، بدافع القلق الوجودي. ولعل تجربة يان مارتل صاحب الرواية الفريدة "حياة باي"، تقدّم صورةً واضحةً لهذا القلق، فقد عانى مارتل حد البكاء عندما بلغ الثلاثين من عمره، وغاص في بحور المعاناة والبحث الى ان شرع في التخييل.. فترة اثر فترة. الى ان ابتدأت اطياف روايته بالتجسد المضبب.. وابتدأ الكتابة.

2495 حياة الكتابةاما ايزابيل اللندي، فقد كتبت تقول انها بعد ان بلغها عام 1982 ان جدها يحتضر، وانها لن تتمكن من توديعه، كتبت الجملة الاولى في روايتها. الاولى. "اتانا بارباس عبر البحر". تقول اللندي مُعلقةً على هذه الجملة: مَن كان بارباس هذا؟ ولماذا اتانا عبر البحر؟ لم اكن محيطة بهذه الفكرة الضبابية، لكنني واصلت واكملت الكتابة كمجنونة حتى الفجر، وعندما بلغ مني التعب ملغًا، زحفت نحو السرير، تمتم زوجي:" ماذا كنت تفعلين"، اجبته:" السحر "، وقد كان بالفعل، ففي الليلة التالية بعد ان تناولت عشائي، اقفلت على نفسي مرةً اخرى في المطبخ كي اكتب. كرّرتُ الامرَ في كل ليلة متناسيةً ان جدي قد مات. بعد سنة كنت قد فرغت من كتابة خمسمائة صفحة.. هي صفحات روايتي الاولى "بيت الارواح".

يضمُّ كتاب حياة الكتابة تجربةً اخرى هامةً في مجال الكتابة الروائية، يقدّمُها الروائي كازو ايشيغورو، اجابة عن سؤال: كيف كتب روايته الثانية "بقايا اليوم"، في اربعة اسابيع. تتخلص هذه الاجابة بانه كتب خلال فترة كتابته روايتَه، يوميًا من الساعة التاسعة صباحًا حتى العاشرة والنصف مساء، لا يتوقّف عن الكتابة الا خلال فترات تناول الطعام ليعود الى الكتابة، منبتًّا عن العالم ومستغرقًا في عالم كتابته وتخيّلاته.

هذا الكتاب، كما اوحيت آنفًا، يقدّمُ تجارب في الكتابة الروائية، تتيح الامكانية لمن يبحث عن اجوبة لأسئلة تتعلق بالكتابة الروائية، العثور عليها او على بعضها.. ولعلّ اهم ما تضمّه هذه الاجابات المتخصصة، هو ان الكتابة الروائية تحتاج الى العيش في عزلة.. والابتعاد عن الواقع اليومي المعيش.. بهدف الالتحام به مجددًا.. عبر عوالم متخيلة.. بإمكان كل ما فيها ان ينطق ويروي.. بما فيه الاشجار والانهار، كما تقول اليف شافاق في تقديمها تجربتها الروائية المثيرة واللافتة في الآن.

 

ناجي ظاهر

 

 

صادق السامرائيالإبداع يعني الخلق والإتيان بجديد غير مسبوق، وهو موجود في الأفكار المصنعة ماديا، وربما لا معنى ولاقيمة له في المسطور بكلمات وعبارات تُحسب على أنها إبداع.

فالإبداع الحقيقي علمي الطباع والمواصفات والقدرات، وبدون الروح العلمية والإرادة المقتدرة على التصنيع والتنويع لا يوجد إبداع!!

فالشعراء يحسبون ما يكتبونه إبداعا، وما هو إلا تصوير لواقع حال قائم في مكان وزمان ما، والصورة أبلغ تعبيرا من الشعر في هذه الحالة.

فإبداعهم فوتوغرافي، أو رسم بالكلمات لا أكثر، والصورة المعاصرة تتفوق على اللوحة المرسومة بالكلمات.

كما أنه إعادة تصنيع، فما أن تكتب في موضوع حتى تكتشف أن السابقين قد تناولوه مرارا، فلا جديد في الشعر عندنا.

ولا قيمة لأي إبداع إذا إنتفى الإبداع العلمي، فالشعر تابع إبداعي للعلم، والأشكال الشعرية في المجتمعات المبدعة علميا والمتطورة صناعيا متوافقة مع تطلعات الإبتكار والإختراع، وتصنيع الأفكار إلى موجودات مادية فاعلة في الحياة، ولهذا يكون الشعر المستورد من بلاد الآخرين متوافقا مع إيقاعات مكانه وزمانه، ولا يتوافق مع إيقاعات مكاننا وزماننا، مما أدى إلى نبذه وعدم الإكتراث لقيمته وإنتفاء دوره.

إن المجتمعات الخالية من الإبداع العلمي، لا تستطيع أن تأتي بإبداع آخر مهما توهمت، فالذي تأتي به عبارة عن محاولات حول نيران الإبداع الحقيقي، ومواقده المستعرة بالجديد المتوقد بالولادات الأصيلة.

إن هذه المجتمعات تبدد طاقاتها في إعادة تصنيع ما لا ينفعها ويساهم في ترقيدها ودفعها إلى نوام طويل، فتخرج من نهر الحياة وتخمد على الجرف، تنتظر من يطعمها ويساعدها للبقاء عالة على النهر؟

فلا تتحدثوا عن الإبداع وأنتم بلا قدرة على إطعام أنفسكم، وتسويق منتجاتكم الزراعية إن وجدت، وتصنيع حاجاتكم، وتعتمدون على الآخرين في كل شيئ، وحتى فيما تسمونه إبداعا ما هو إلا إستنساح لما ينتجه غيركم من تعبيرات عن آليات تفاعلهم مع الحياة، المنوّرة بالأفكار المصنعة إلى موجودات مؤثرة فيها.

ونحن نتبناها ولا ندرك فحواها، ونحسبها كما يمليه علينا هوانا، وقصور رؤانا، وتلك محنة كبرى وعاهة حضارية مريرة، تمخر عباب وجودنا المصاب بعقم إبداعي أليم.

فهل من إصرار على الإنبعاث العلمي والحياة في العلم المشرق المنير، بدلا من تعطيل العقل ونبش القبور؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

عقيل العبودمن فتوح للشاعر محمد علي شمس الدين

(الابواب)

تخطيط الفنان حسن جوني

افتح في جسدي بابا يفضي للبحر

افتح في البحر طريقا لا يرجعني

افتح في بيتي حانة أقداري

افتح نحو السرطان مداري

افتح في "طيبة" شمسا سوداء

افتح خمس مدائن في الصحراء

افتح نحو "سمرقند" النايات

افتح بابا سريا خلف الابواب

افتح في الكوفة باب المحراب

افتح في المحراب طريقا يصعد بي نحو الجنة

احفر في الجنة سردابا يهبط بي نحو النار

احفر في النار طريقا يدفعني نحو الانثى

افتح في جسد الانثى بابا يفضي للملكوت

افتح في ملكوت الله الواحد بابا للتكرار

محمد علي شمس الدين

......................

أي سماوات هذه التي تعصف بنهايات اقدارنا لتمضي بها الى عالم الملكوت، وأية ابواب تحول بيننا وبين ايماءات الاجرام السارية في جسد هذا الصمت المكتظ برائحة البحر ونقش الجنة والأشجار!

الطيور النائية مثل المسافات تحلق بعيدا لأنها عصية إلا على أطياف أرواحنا التي تحتاج الى ترويض، لعلها تصبح قادرة ذات يوم لأن تغوص في عالم الأفلاك، بعد ان كانت عاجزة عن التمعن في مديات ألوانها الا عبر ذلك الخيط الرفيع من الترقب.

أهو الرجاء الحالم هذا الذي يقود خطواتنا احيانا لأن نقذف بأنفسنا من أعلى مراتب النزول الى أدنى حافات الصعود، وصولا الى عالم الامنيات، أم هو النزوع الى الصمت والتأمل بحثا عن نافلة للصواب؟!

ترى أي جزر للسحر هذه التي تدور بنا، تعصف بعلونا المتغطرس، لتلقي به هبوطا عند قاع كياناتنا المتعجرفة إرضاء لميل هذا الوجدان المتأرجح بين رحيق الفردوس المسجور برائحة الورد، وذعر الهاوية المضطرمة بلهيب النيران.

لذلك دوما تسكن في نفوسنا نزعة الترجي تمسك بجوارحنا، تشدنا اليها، تجعلنا يساورنا القلق ربما لكي نبقى هكذا محاطين بفراغ هذا الامتداد الذي يفصل بين حضور ذواتنا الحسية، واملاءاتها التي تسعى لالتقاط آخر ما تبقى لها من نواة.

وذلك مخاض عسير من مخاضات اكواننا التي تحيط بارجاء معمورتنا المتمردة لتسوق اثارها نحو مغارات تلك الاسرار..

فهنالك خلف الاسوار فقط يصبح لبريق الشمس كما للصلوات رفعة بها تتجلى سيماء ذلك المحيا.

حيث ومن اضمار تراتيلها المقدسة تعرج مهجنا الى جبروت مسكنها الأبدي لتحيا في زهو دائم.

 

عقيل العبود

سان دييغو/ كاليفورنيا

 

 

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (6)

قالت شهرزاد: دخلنا دائرة الإهتمام وأشعرنا الآخرين بأهميتهم في حياتنا، هل علينا أن نثني عليهم بكل صغيرة وكبيرة لدوام الحال؟

شهريار: الثناء هو غاية الأحساس بالأهمية، وإنه لمدعاة للفخر بما ينجزه الإنسان من أعمال صغيرة كانت أو كبيرة، وإن أحدنا ليلتمس الثناء التماسا بعبارات رقيقة أو شديدة تُذكّر من حوله بنجاحاته التي لم يُكافأ عليها، ذلك الثناء الذي يدفع المعلمين المخلصين الى تخريج أجيال وأجيال، على مدى عقود طوال، لينالوا البركات والتهاني ببلوغ طلابهم أعلى الدرجات، وإنهم ليتفاخرون بطبيب تخرج من صفوفهم قبل 20 عاما، أو مهندس بارع تعلم على أيديهم في أيام شبابهم، وهو الذي ألهم الشعراء والفلاسفة والمفكرين والمبدعين ليسطروا أعظم العلوم الإنسانية ويحققوا ذواتهم ويثبتوا أهميتهم وينالوا اعلى مقامات الثناء.

يقول وليم جيمس: (إن أعمق مبدأ في الطبيعة البشرية هو التماس الثناء).

وعلى قدر فهمنا لأهميته نسلك طرقنا للثناء، فهناك من يسلك طرق الخير بإنشاء المستشفيات، او معالجة الفقراء، وهنالك من يسير في طرق الإبداع كالرسامين والموسقيين، وصنف ثالث يكسب الشهرة بالإجرام، وهو يتلذذ بوصفه رئيس عصابة او تاجر مخدرات، وإنه لعاجز على القيام بأي خير ليكسب الثناء المحمود .

ولناخذ أمثلة عالمية على التماس الثناء طلبا للإحساس بالأهمية: جورج واشنطن أراد أن يدعى (جلالة رئيس الولايات المتحدة)، والتمس كولومبوس لقب (أميرال المحيط ونائب الهند )، وكانت كاترين العظيمة ترفض فتح الرسائل التي لاتحمل عبارة (جلالة الملكة) .

إن الثناء ياشهرزاد باب من أبواب المحبة في قلوب الناس، لكن ذلك لايعني الثناء عليهم بما لايستحقون، فإن التماس الثناء، أو الثناء على العدم هو النفاق بعينه .

ومن أجل أن نفرق بين الإثنين ونحن نعلم يقينا أن الجميع يبتسمون حين تتعالى أصوات المديح والثناء نقول: لقد وصلنا الى قلوب الناس بغايات سليمة، إستنهضنا المحبة في قلوبنا وبادرنا بتواضع لفتح بوابة الإهتمام وكانت تلك بداية نابعة من نفوس طيبة، فكيف لنا أن نعفرها بالمداهنة ؟.. الفرق بين الثناء والمداهنة، إن الذي أبدى الثناء إنسان محب نصوح يرى السعادة في نجاحات الآخرين، ويرغب أيما رغبة بأن يكون داعما لها، فهو صادق لا يثني إلا على مايرى من خير، وأمّا المداهن فهو منافق لا يعرف الى الحب سبيلا، يستخدم مهاراته الماكرة في بناء علاقات بلا أساسات سرعان ما تنهار، وهو يغدق القول الحسن على رؤسائه في العمل، وزملائه الذين يبغضهم، ويظن أنه بتلك المداهنة والكذب يبقي الأمور على أحوالها، وهيهات أن يستطيع .

نحن ندرك بالفطرة والإيماءات المنبعثة مِن أعماق مَن حولنا، ولغة العين، والسلوكيات الدائمة، والإهتمام غير المتكلف مَنْ يحبنا، ونعرف تماما مَنْ يداهننا، وتلك لغة الأرواح تعكسها مرآتها التي لا تكذب (العين)، وتفضحها الحركات اللاإرادية (تعابير الوجه وايماءاته)، ويُظهر مقاصدها السلوك العام، وتنجلي مكامنها بمسالك الإهتمام.

علينا أن نتبع بصيرتنا قبل حواسنا لنتعرف على المحبين من حولنا، وإنهم لألمع من نجوم الصيف، وأقرب من أوراق الخريف، وإنْ لم يظهروا المحبة.

كثير من الناس ياشهرزاد لا يجيدون المبادرة في الحب والعطاء، وهم بحاجة الى متواضع تتكشف به رقة قلوبهم، ومهتم يوقد أنوار محبتهم ، ومثنٍ صادقٍ يستنهض الإبداع في نفوسهم، هم كأغصان الياسمين كلما زدناهم هزا أفاضوا علينا عطرا .

 

عمار عبد الكريم البغدادي

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

يسري عبد الغنينحن لم نعرف أو أكثرنا لا يعرف ما هو اسم السيدة الفاضلة / زوجة أمير الشعراء أحمد شوقي، لأن المجتمع المصري أو العربي في عصره كان يخفي النساء في الحريم، وكان الرجل عندما يتحدث عن زوجته، يكني عنها بتعبير (الجماعة)، فيقول: (جماعتنا ذهبت)، و(جماعتنا جاءت)!!.

 كانت الأنثى الوحيدة التي عرفها شوقي للناس، هي ابنته (أمينة)، ولعله فعل ذلك لأنها كانت مازالت طفلة صغيرة، محال أن تطمع فيها العيون .

 الدكتورة / سهير القلماوي (عليها رحمة الله) وهي تلميذة نجيبة لطه حسين، وأول الطالبات اللاتي التحقن بكلية الآداب / جامعة القاهرة، وحصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه، تقول لنا: لا بد من أن نتصور بعين الخيال، حال المرأة في عصر شوقي، لنرى الواقع الذي استطاع الشاعر أن يستوحيه في مسرحياته .

 وإن يكن شوقي قد عالج المرأة في عدة عصور، في مسرحياته، فإنه كان دائمًا محكومًا بالواقع الذي يعيشه، وسواء أكانت المرأة في مسرحه قد بعثها من أغوار التاريخ، مثل الملكة (كليوباترا) أو هو قد ألبسها حياة الفن من الواقع القريب، مثل (الست هدى)، فإن المعالم العامة التي جالت فيها صورة الماضي البعيد، والحاضر القريب، كانت تحددها ظروف الحياة من حول شوقي .

 لقد قال شوقي مقطوعات شعرية طريفة في ابنته (أمينة)، ولعله ألف أشعاره للأطفال، أو قصصه الشعرية على ألسنة الطير والحيوان من أجلها .

 كان شوقي يحب ابنته (أمينة) حبًا شديدًا، ويمنحها عن رضاء تام حافظة نقوده، تتصرف فيها كما يحلو لها، وما منعها أبدًا عن ذلك، كان حب شوقي لابنته حبًا عظيمًا، بل إنه من أنبل وأعظم أشكال الحب الإنساني .

 وكانت عواطف شوقي الأبوية زاخرة، عاصفة، حتى أنه اصطحب ولديه : (حسين) و(علي)، معه عندما نفي إلى أسبانيا، ووجد فيهما السلوة في الاغتراب .

 ولكن (شوقي) لم يطلب من السلطات الإنجليزية اصطحاب زوجته معه إلى منفاه، ولو طلب ذلك لوافقوا عليه فورًا، وهذه إحدى عجائب عبقرية شوقي ..!!

 كيف ذلك؟ ! ـ أقول لك: شوقي ليس في حاجة إلى المرأة بالمعنى التقليدي المعروف لنا، ولكنه في حاجة ماسة إلى حب آخر، من لون آخر، هو حب الأبناء، لا حب النساء، أو عشق النساء

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيأبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري، ويعود نسبه إلى محمد بن أبي بكر الصديق، ولد وتوفي في بغداد، (510 - 597) هجرية، خطيب حنبلي محدّث ومؤرخ ومتكلم، وله مكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتضنيف.

قال إبن كثير: " أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وإنفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوا من ثلاثمائة مضنف"

وقال الذهبي: "ما علمت أن أحدا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل"

من أقواله: " مغنية الحي لا تطرب، الكتب هم الوالدون المخلدون، وفي صيد الخاطر له أقوال حكيمة متنوعة"

ولديه شعر، منه: " إذا قنعت بميسور من القوت ...بقيت في الناس حرا غير ممقوت، يا قوت يومي إذا ما در خلفك لي...فلست آسي على در وياقوت"

وجرت عليه محنة، أدت إلى سجنه في سجن واسط، وبقي في المطمورة خمسة سنوات.

العجيب في أمره أنه لم يمارس الطب لكنه كتب فيه ومن مؤلفاته في الطب:

"لقط المنافع في علم الطب، مختار اللقط في الطب، الخفير النافع في الطب، الطب الروحاني، تدبير الأشياخ، لغة الأمان في الطب، كتاب الباه، النائم الغمر على حفظ مواسم العمر، الشيب والخضاب، شفاء علل الأمراض".

ومن مصنفاته الأخرى: "زاد المسير في علم التفسير، نواسخ القرآن، صفة الصفوة، تلبيس إبليس، صيد الخاطر، تأريخ بيت المقدس، أخبار الحمقى والمغفلين، أعمار الأعيان، بستان المواعظ، ذك الهوى، كتاب الأذكياء" وغيرها الكثير من المؤلفات.

وكان له قبر في (باب حرب) قرب قبر (أحمد بن حنبل)  لكنه نقل إلى (سوق السنك).

المدهش أن إبن الجوزي العالم الموسوعي الذي لم يمارس الطب، لكنه كتب فيه مصنفات ذات قيمة علمية ومعرفية تفيد الأطباء، فقد ولد محبا للعلم وما إقتصر على علم من العلوم، بل إجتهد في ما ساد من علوم في عصره، وأجاد بتأليفه وقدرته على الإستيعاب والتمثل، وعلى التعليم ونشر ما يعرفه، مما ينم عن ذكاء مفرط وموهبة نادرة.

فما إستعصى عليه علم، حتى وجدناه يخوض غمار العلوم الطبية الصعبة، ويقدم لنا فيها كتبا ذات قيمة وأثر في الثقافة الطبية.

تحية لعالمنا العربي الموسوعي الجهبذ، الذي علينا أن نقتدي به ونتمثل خطواته، ونعبر عن إرادته العلمية الأصيلة.

 

د. صادق السامرائي

 

 

صلاح حزاملعل الجميع او الكثيرون يلاحظون التراجع الثقافي في المجتمع والذي يكشف عن نفسه بوضوح عند الحديث في برنامج تلفزيوني او اذاعي او لقاء عابر تجريه قناة تلفزيونية مع المواطنين او برامج المسابقات الثقافية (الفضائحية) التي اصبحت مجالاً للتندر بسبب جهل الكثيرين المشاركين فيها ..

كذلك نكتشف حجم الجهل والتراجع الثقافي من خلال قراءة المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي والتعليقات والحوار حول نقاط معينة.

غياب عادة القراءة وتراجعها كثيراً لدى البعض (هذه ظاهرة عالمية وليست عراقية فقط مع ان درجة التراجع مختلفة)..

كل ذلك يجعلنا نفرح فرحاً طفولياً عارماً عندما نجد شخصاً يكتب املاءً صحيحاً ويعرف قواعد اللغة العربية ..

اصبحنا نترك جوهر الموضوع الذي يكتبه الشخص ونتعلّق ونكتفي بسلامة اللغة التي يستعملها !!

معرفة اللغة الأم يفترض ان تكون بديهية، ولكن هذا هو الواقع المحزن.

التقيت بفتاة من دولة عربية، خريجة جامعة ولكنها لاتعرف معنى الدول الاسكندنافية ولم تسمع بها !!

كما انها لاتعرف الفرق بين السنتمتر والأنج ولاتعرف ان القدم يساوي ١٢ أنج !!

شاب آخر خريج جامعة / بكلوريوس اقتصاد، لكنه لايعرف معنى سعر الفائدة ..

العدو الحقيقي للأمم هو الجهل وليس فقط الاعداء الخارجيين، كل الدول لها خلافات وصراعات مع قوى خارجية من أجل المصالح والنفوذ ونحن لسنا استثناء، لكن العدو الاشد خطورة هو الجهل وتردي مستوى التعليم.

 

د. صلاح حزام

صادق السامرائيأبو عبيد الله بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري السنجاري، من مواليد قضاء سنجار شمال العراق (1286 - 1348) ميلادية، (665 - 749) هجرية، نشأ فيها وعاش وتوفى بالقاهرة بعد إصابته بالطاعون.

طبيب وباحث وعالم بالحكمة والرياضيات وفقيه أصولي حنفي، كان حاذقا في تشخيص المرض، وتركيب الدواء، وإشتهر بمعرفة الجواهر والعقاقير.

مارس الطب في بيمارستان قلاوون بالقاهرة.

أساتذته:

علاء الدين عبد العزيز البخاري، حسام الدين السناقي

مؤلفاته:

أنتج ما يزيد عن عشرين كتابا ومنها: معراج الدراية شرح الهداية في الفقه، جامع الأسرار شرح المدار في الفقه، عيون المذهب، إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد،، كشف الرين في أمراض العين، نهاية القصد في صناعة الفصد، روضة الألباب في أخبار الأطباء، غنية اللبيب عند غيبة الطبيب، إيضاح محجة العلاج، نخب الذخائر في أحوال الجواهر، بغية السائل في إختصار المسائل، نبذة في الطب.

ما يميزه أنه موسوعي، وقد جمع بين هوايته في الجواهر والأحجار الكريمة والطب،  وألف كتابه المشهور (نخب الذخائر في أحوال الجواهر)، فهل هناك علاقة بين الطب والأحجار الكريمة؟!!

لابد أن تكون هناك علاقة ما قد أدركها لكنها لا تزال خافية علينا، وربما يكون للأحجار الكريمة تأثيرات نفسية على الإنسان تولد فيه طاقات إيجابية تعينه على الشفاء، ولا يُعرف هل إستعملها في علاج المرضى.

كما أنه إشتهر بمحاولة مساعدة الناس على معالجة الأمراض، بكتابة الدليل العلاجي لهم في حالة غياب الطبيب كما في كتابه (غنية اللبيب عند غيبة الطبيب).

ترى مَن الذي دفعه للرحيل عن مدينة سنجار في ذلك الوقت بعد إنهيار بغداد على يد هولاكو (656) هجرية.

هل هو التحدي والإصرار؟

هل هي إرادة الأمة التي لا تنكسر؟!

إنه ظاهرة سلوكية عراقية تستحق الدراسة والبحث، وكأنه يخبرنا بأن العراق لن تنال من جوهره العاديات!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

عقيل العبودبصوت سعد ياسين يوسف

يوم كان للصورة روح، بغداد، والموصل اسوة بغيرها من المدن التي من رضابها استرق الحب لغة الحياة لتبقى نافلة النص هكذا مثل ايقونة بها يتغنى الفن، والشعر، والشعراء.

ولذلك مع الصبح نهض المعمدان ليبقى حاضرا بيننا يحكي لنا قصة الموت النابض عند اكتاف اشجار تقرر قتلها يوم استباح الطواغيت حرمة الخلود.

الساحات والانهار جميعًا، والحدائق مثل العصافير والنوارس كان لها حضورا مثل أرصفة تعيش على دبيب العابرين، لتنتقل من بقاع الصمت نحو أرصفة الأمل.

انذاك المشهد لم يكن مكتملا، لكنه يمتلك القدرة لأن يعزف فوق أوتار الكلام اغنية للروح، ولكن بقدر هذه المساحة التي تحتوينا بناء على شروط حقيقتها الواهنة.

الخيال الشعري في اللوحة هنا هو النص المعذب وفقا لسياقات الأسئلة، والمشهد دماء تئن تحت إمرة هذه الفؤوس التي تمسك بقبضتها أذرع لا تفهم في هذا العالم الا شهوة القتل، والترويع.

فهنالك على قارعة الطريق ثمة انفجارات صماء تدوي في عالم يبحث عن استغاثات تحمل بين اصدائها اسماء الله، لكن الآذان كما يبدو هذه المرة لم يف باستجابته لحمل هذا الكم الهائل من الصراخ!

ومع تفاصيل هذا النوع من البكاء، يبقى الصوت يجلجل عاليا في مسامعي، يدنو من مشاعري يرسم لوحة للخوف جديدة، يتبعها بقافية للأسئلة.

الكاظمي عبد المحسن، وجميع التماثيل اسوة بالاشجار التي هطلت طيورها مثل المطر يوم تساقطت اعشاشها بفعل جناية ريح داهمتنا في يوم عاصف.

والجولة هنا تعلن عن قبضة خنجر تتعطش لدماء أضحية تحلق انفاسها مثل طيور تتلقفها البنادق، لتتساقط كما زخات مطر موجوع عند كهوف مغارات الوجع المسكون بقوافل تلك التوابيت التي اشلاؤها تتنفس ما زالت من أنين الارض بذور الألم.

الواسطي عاد الى بغداد هذه المرة بعد رحلة طويلة ليتبعها الى الموصل ثم واسط، لعله يعيد لنا تراث الانبياء بفرشاة الطيبين، ينحت أوجاعهم بطريقة ما، أويرسم اغنية لعذابات المكبلين بشظايا الفزع المسكون برائحة الجريمة.

https://youtu.be/jL9Ci9W4j9o

 

عقيل العبود/ سان دييغو/ كاليفورنيا

 

 

نبيل عودةالشعراء هم أفضل رمز للمثقف في كل زمان، وخاصة في ثقافتنا العربية.

دأب سلاطين العرب دائمًا على استئجار قرائح الشعراء، وكيف لا، والشعر هو الوسيلة الاعلامية الأكثر انتشارًا في عالم العرب في وقت قلَّ من يعرف القراءة والكتابة، ولم تتغير الحال في وقتنا، انما تعمق تحكم السلاطين برقاب الناس وانفاسها.

ازداد عدد من يعرفون القراءة والكتابة، ولكن القراءة صارت من الكماليات في حياة العرب، اي لم يتغير الحال وظل الرواة والمحدثين من مروجي الحكايات الشعرية والغيبيات والخرافات والخوارق هم وسائل اعلام المجتمع.

حمل الشعر في وقته، الحكايات والأحداث، حسب مفاهيم ذلك العصر، وكان اما شعرًا هجائيًا أو مديحًا اما إذلالاً او تكريمًا، اما حبًا أو كراهية… أو بطولات اسطورية، وما زلنا في نفس الساحة لم يتغير فينا الا وسائل تنقلنا ونوع مساكننا، وأنواع أكلنا.

قال الشاعر السوداني المبدع محمد الفيتوري:"نحن كشعراء في هذا العصر، فقدنا أنفسنا وفقدنا علاقتنا بالواقع الاجتماعي، وفقدنا قيمنا الانسانية، ولم نعد نمثل شيئاً على الأطلاق، لذلك يزعم بعض المدعين انهم شعراء، أنهم مجرد ضباب ومجرد فراغ، يسيرون في الهواء الطلق بدون ماض وبدون مستقبل".

لو قرأت هذا التقييم بدون اسم الفيتوري، لظننت ان كاتبه اديب محلي يقلقه ما يدور في ثقافتنا العربية داخل اسرائيل وخاصة في شعرنا.

بالطبع السلاطين العرب ازدادوا عددا وأشكالا وتعددت مناصبهم طولا وعرضا، وارتفاعا وانخفاضا، وكثر الطلب على الدلالين والمداحين ومنظمي الكلام. وبما ان الشعر والشعراء هي أشهر ما تبقى في الذاكرة من موروثات تاريخ “الأمجاد العربية”، لذا طمع السلاطين بحشد الشعراء في صفوف “السحيجة”، ارادوا اخضاعهم لسلطانهم بصفتهم حافظوا على مكانتهم كأهم وسيلة اعلامية الى جانب الدعاة والشيوخ الأجلاء، في مجتمع سماعي يرفض استعمال كماليات القراءة، فاستأجروا قرائح الشعراء وذممهم، بصفتهم ممثلي الاعلام الشعبي، بعد ضمان الاعلام الإلهي بإعلانهم الرسمي المتكرر اسبوعيا بالورع وطاعة الله وتقديم قرابين الدولارات، وبصفتهم أولي أمره في دولهم وأحزابهم وقبائلهم.

ربما تكون بعض الحكايات التي نقلها التاريخ على ألسن الشعراء، مجرد تشويه للحقيقة التاريخية وتحريفها بما يتلاءم وحجم العطاء (القربان) الذي يهبه السلطان. حجم العطاء يقرر نوع المديح واعلاء شأن السلطان، وتمجيد كل ترهاته الكلامية وبطشه واستبداده وجعل غبائه وضيق أفقه استجابة لأوامر ربانية، وبالطبع تعداد بطولاته الحربية (مثل انتصارات العرب على الصهاينة والأمريكان) وفحولته الأسطورية، وتعداد صاحبات النعمة اللواتي فض سلطان زمانه بكارتهن.

إن الابتذال في الفهم الأدبي، هو من أخطر الاجتهادات الثقافية ويقود الى التستر بالأقوال الطنانة المنمقة على الغالب، أو التستر بالحكمة الكاذبة، ويجيئني قول لكارل ماركس عن الاجتهادات الثقافية المماثلة التي عملياً لم تتوقف منذ بدأ العقل البشري مسيرته الفكرية، إذ وصف ماركس الابتذال في التفكير بـ "تفاهة الأعمال وعظمة الأوهام" وهذا ما يفسر الكثير من مجريات حياتنا الثقافية اليوم ابداعاً ونقداً.

في مراجعة نقدية لناقد حول ديوان شعر، ولا اريد التطرق للأسماء، لأن الموضع ليس شخصي، كتب بتمهيده النقدي عن صاحب الديوان: " هو في جميع ما يكتب تتجلى شاعريته بخصوبة الفكر والكلمة التي باتت تميز ما يكتب. وهو انسان واسع الاطلاع مثقف وقارئ كثير القراءة والمطالعات. ونحن نلمس ذلك من خلال قصائده والتلميحات الكثيرة لمصطلحات ادبية عالمية ولأسماء لامعة في الابداع في أدب الغرب والشرق على حد سواء، وهو الى جانب ذلك متبحر في قواعد اللغة العربية وبحور الشعر على مختلف تفعيلاتها."

لم نقرأ نقدا، لأنه عندما تتحول هذه "الفتوى" الأدبية الى مقال نقدي ينشر كنقد ادبي، يصبح من حق القارئ ان يفهم القاعدة التي ينطلق منها هذا التأليه للشاعر وشعره موضوع "النقد".

لست في مجال تقييم شعر ذلك الشاعر، وقد يكون حقا يستحق المديح، لكن تلك المقدمة انهت النقد وافقدت مقال الناقد من قيمته النقدية والفكرية.

 ولا بد ان أسجل حتى لا افهم خطأ، ان الموضوع ثقافي عام ويخصنا جميعا بغض النظر عن ابداع الشاعر واستحقاقه للمدح!!. 

ولا بد من إضافة انهي بها مقالتي: يؤلمني حتى النخاع التضليل الأدبي الذي يقوم به بعض مثقفينا، تحت نصوص تسمى بالنقد، يغيب عنها النقد، وتغيب عنها الذائقة الأدبية البديهية، وأكثر ما يغيب عنها المصداقية والاستقامة الادبية، وهذه الظاهرة تتسع باضطراد في الثقافة العربية داخل إسرائيل، ويبدو اننا ننسخها من حركة النقد العربي عامة.

 

نبيل عودة

 

عقيل العبودقرر ان يحتفي بجنازاتهم، يشيعها، ذلك العدم المقيد باسرار الزمان، عندما المكان إنكارا أعلن لغة الحداد، وتلك حكاية بقيت على الأذهان عصية، لتمضي أشواط فصولها المكبلة بذلك النوع من الاضطراب.

هو اللغز، اوالإعصار هذا الذي صار العالم محكوما اليه، يوم خطاه راحت تدب في عالمنا، تقوده باتجاه ذلك الحيز المترامي من الانتشار، ليخيم علينا بجدرانه المعتمة، متجاوزا حدود وجودنا النابت في رحم هذا الامتداد.

هنالك حيث لا احدَ يعلم اسرار الكون الا ذلك العلو الشاهق من الاتصاف، الطائرُ الذي اجنحته اصطبغت بلون الحزن، اشفاقا مع الصمت، أعرض بمنقاره، ربما خجلا من الإدلاء بإفادات تسود صفحاتها الإبهام.

بينما اُطلِق العنان لتلك الأشجان، استجابة لاستغاثات مسها الإعياء، فعلى حين غرة ، السحابة المسكونة بقشعريرة الموت والطاعون، تدافعت أثوابها صوب بقعة اخرى من بقاع الأرض، على شاكلة كائن ابعاده تناسلت إرجاؤها، لتصطف بعيدا عن مغارة اختبأت في جوفها الافاعي.

الكورونا هذه التي جاءت بحلتها القديمة، تنتصف اليوم عند زوايا الأقطاب المكتظة بالسكان، لتمسك باحلام العابرين مصطحبة اياها صوب اقبية الكرب المسكون بنوبات ذلك النوع من الحمى.

الاحبة صرنا تباعا نودعهم، اوننأى عنهم، نبحث عن أوراقهم، تلك الذكريات التي هي الأخرى تباعدت مسافاتها، لتحط بأوزار أثقالها المتعبة في ملجأ آمن.

آثارهم بقيت تتلى على مسامعنا كل يوم بطريقة هذا الاحتضار الذي احضر عدته وفقا لهذا النوع من التصنع، ليعصف بنا في محيط جبروته العبوس.

لذلك صرنا نؤرشفها تلك السيناريوهات محبة ربما، اواشتياقا لمحطات بقيت مشاهدها تعيش في نفوسنا، نبحر مع أطلالها املا بمرافقة حكايات من الدهر مضت.

لقد سقط الألم في قاع ذروة اُجهضت محبتها يوم مات صاحبي الذي ما انفكت ابتسامته تختزل اسرار الكون المشحون بروعتهم، اولئك الذين غابت ملامحهم مع أدران آفة أمسكت بخاصرة الأشياء معلنة عن لحظات مصرع مؤجل.

اسماؤهم التي تعطلت دوائر سعيها لتنأى بعيدا عن مغارات كابوس مخيف، امنياتهم تلك التي تغفو عند ضفاف البساتين ، تتطلع الى رحيق الأزهار، ما انفكت تطل عليها الفراشات في حدائقنا، مذ أذعنت دون إرادة منها لذلك النوع من الانكماش.

لقد احيطت دائرة الوجود بشبح قوة تكاد ان تفوق جبروت ابديتنا الحالمة، لكن الخلود بقي متربعا على عرش حلمه المقدس.

وتواصل الإنسان في سعيه مواظبا، يخفق قلبه دون كلل لمواجهة هذا النوع من الخذلان.

لقد تجسد حقا ذلك الهلع في محيط هذا الدوي الصاخب من الحركة، متماسكا مع لغته الشؤوم.

ترى هل هي أسطورة الموت هذه التي بقيت قائمة في يقيننا المفعم بالحياة، أم هي سلطة نفوسنا التي تسعى لأن تقتحم سطوة التحدي؟

هنا تازرا، العازف ذلك الذي ما انفك مشغولا يقلب أوراق العاشقين، تحديا راح يصغي لنداء تلك الإرادة الخارقة، يتنفس معها، يرتدي ثوب جبروتها، لعله يمضي بتلك الروح المحاصرة بدائرة الخوف الى محيط عالمها المتوهج.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان باحث اجتماعي جامعة سان دييغو/ كاليفورنيا

12/21/2020

 

عبد اللطيف الحسينييسعى المرءُ الثائرُ في حياتِه كلِّها لتحويل النظريّ إلى فعل سياسيّ اجتماعيّ مشخّص بل يسعى لاشراك الآخر معَه في هذا الفعل ليكون الآخرُ أنا، ومن حقّ المرء أن يخلط الحلمَ بالثورة والثورةَ بالحلم حتى يصبح الشارعُ كلّه محتجّاً .. منتفضاً بعدَما قال"نعم" مُكرَهاً، أصبحَ الآن يقولُها "لا" حرّاً، فقد اختفى الخوفُ نهائياً من حياة السوريّ الثائر أو السوري الشعبي صاحب الحس المليء بالمتناقضات، لكن الثورة غربلته ليصبح صاحب الحس الذي يفرّق بينَ الصواب والخطأ. فقط لو اكتفينا بذلك لقلنا"هذه أعظمُ ثورة أنجبتها البشرية". فمن الطبيعي أن تتفاوت الكتاباتُ عن الثورة السورية، فقلما قرأتُ كتاباً يتناول مفاهيمَها كما في هذا الكمال ل"ثورة الحرية السورية" وهو بحث سياسيّ اجتماعيّ للثورة التي حاول النظامُ البعثيّ انزياحَها الذي انطلى على السذّج، لكن اعتنقها العقلاءُ في الداخل السوريّ وخارجه ليقينهم أنّ اللعبة لعبة أسديّة مخابراتية، وقد شذّ البعضُ قائلاً أنّ ما قبل 2011 أفضل ممّا بعدَه، ولا يعلم هذا البعضُ أن ما فعلَه الأسد ما بعد 2011 أسوأ ما فعلته الأنظمة الارهابية، حيث نصفُ سكان سوريا لاجئون، والنصف الباقي المقيم في سوريا نازحون بعدَما تمّ تدمير البنية التحتية بدءاً من أقصى جنوب غرب سوريا حيث نشأة الكاتبة وانتهاء بأقصى شمال شرق سوريا حيث نشأتي، وهذه صدفة غريبة، قد أكون المحتجّ الثاني ضدّ الأسد بعد احتجاج عُلا شيب الدين أوّلاً.

2479 الثورة السوريةالكتابُ مقالاتٌ تدور حول الثورة ومنها وفيها. إنها تكتب الثورة ولا تكتب عنها باعتبار عُلا مُساهمة ومُشاركة وكاتبتُها، وهنا المفارقة بينها وبين ممّن شاركوا في الثورة ثم لاحقاً اعتكفوا بعدَ عدّة مقالات عنها، لكن عُلا تدوّن الثورةَ منذ يومِها الأوّل معترضةً على مفهوم "الربيع العربي" الذي تجوز هذه التسمية على البلاد العربية التي اندلعت فيها الثورة، لكن يختلف المفهوم في الحالة السورية حيث الشعب الكرديّ الذي قوامُه القوميةُ الثانية في سوريا بعد العربيّة شارك في الثورة منذ البداية، فقد كانت مدينتي عامودا صاحبةَ أضخم تظاهرة في العالم في إحدى جمعات الثورة آخذين بالاعتبار عدد سكان عامودا ومساحتها.

أتمنى من الجميع قراءة الكتاب أو أجزاءَ منه، متمنياً من المنتديات السورية التي تغزو المدن الألمانية أن تحتفي بالكتاب وأن تُدار حولَه حلقاتُ نقاش وحفلاتُ التوقيع.

لا تنسوا اسم الكتاب: ثورة الحرية السورية، واسم مؤلفته: عُلا شيب الدين.

 

عبداللطيف الحسيني

.............................

الناشر: دار الدراويش

 

 

شاكر فريد حسنوصلني من الصديقة الشاعرة فاتن مصاروة، مجموعتها الشعرية الثالثة الموسومة "كأني حدائق بابل"، الصادرة حديثًا عن دار الرعاة في رام اللـه، وجسور الثقافية في عمان. وقد قرأتها من الغلاف إلى الغلاف، ووجدت فيها الكثير من المتعة، ومن الكلام البليغ الجميل، الذي لا يصدر إلا عن روح مرهفة، وشاعرية حساسة، وموهبة ملهمة.

تقع المجموعة في 136 من الحجم المتوسط، وقدم لها الناقد الفلسطيني خالد عرار، وجاء في الاهداء: "إلى ميسلون.. أيا زعرورة الوادي/ سأنشد وهج أغنيتي على خصلات حرفك/ فكوني بوحي الباقي/ لأطبع قبلتي/ في حنّاء وردك"، وتحتوي على نصوص تتراوح بين الشعر والنثر، ما بين قصيرة وطويلة، وتدور حول موضوعات شتى، تغني وتحاكي الوطن والأرض والأحزان والأوجاع وغربة الإنسان الفلسطيني، وتستحضر فيها الأمكنة التي شكلت جزءًا كبيرًا من حياتها، ومن الوجدان والتراجيديا الفلسطينية، فضلًا عن قضايا إنسانية ووجدانية متنوعة.

تقتاد فاتن مصاروة في مجموعتها القارئ والمتلقي لينطلق من القهر والوجع والعذاب اليومي والضيق والحصار والموت إلى الحياة والمقاومة والصمود والتشبث بكل حبة تراب من أرض الوطن المقدس، ولا تتوانى عن الزج به في فضاءات التغريبة الفلسطينية والفاجعة العربية على وجه الخصوص، وصولًا لعودة الطيور المهاجرة.

قصائد المجموعة رقيقة حالمة، وومضات ذكرى، ومحطات وقوف مع الذات الفلسطينية الحقيقية، زاخرة بالصور والخيالات والتشبيهات، وتنبع من أحاسيس مختلفة ومتضاربة وجدل مع الذات، حافظت فيها على أسلوبها الذي انتهجته منذ دخولها محراب الشعر وعالم الإبداع في الوضوح والجمالية الفنية واضفاء الجرس والايقاع الموسيقي، مستخدمة لغة حداثية رشيقة، جذابة، والدفقة الشعورية بما تمتزج به من معنى، جاءت متماسكة من حيث الصياغة والسبك، متقنة الفرز والتصفيف، فلا حشو في التركيب، ولا ثغرات في النص، وهو ما تطلبه البنية الذاتية لقصيدة النثر.

وما يلفت النظر في قصائد المجموعة، صدق الإحساس والرقة المتمازجة مع العاطفة الشفافة والروح الدافئة، والايحائية، وكثافة العبارة، وسعة الخيال، محلقة عبر مشاعرها بأجنحة خيالاتها إلى فضاء الدهشة، الفضاء الذي ترسمه بأحلامها ومكنونات روحها وقلبها وحروفها الأنيقة وإلهامها الشاعري، وتنجح في توظيف طاقاتها الإبداعية للتعبير عن خلجات نفسها الهائمة بعشق الوطن الفلسطيني الذبيح والجريح، فتقول:

وأظن يا قلبي المُطلَ على البلادِ

على النَّوافذِ

شاهقًا 

مُتأنِّقَا 

مُتموسِقًا 

سَتَرى

بأنَّ جَوارِحي قد تَحمِلُ الآنَ اغتِرابي قُبلةً 

أو غَيمةً 

لِتُلملمَ الوطنَ الجَريحَ قرنفلًا 

أرويه فيكَ صدى 

فَقُم 

قُم عاشِقًا 

طر عاشقًا

سبِّح بصوتِ بلادِكَ الأشهى 

...لِتبقى للبلادِ مَنازلًا فِيَّ

..انتصارًا للبلادِ

فَيا سفرُ

اتلُ القلوبَ بِصوتكَ الأشهى 

لِيكتملَ الوطن

فاتن مصاروة ترتوي بماء المجاز والاستعارة والخيال الجموح، وتنصاع لعوالم التخييل، ونوستالجيا الذات الفلسطينية، وأثبتت قدرتها الفائقة على التقاط اللحظة الراهنة، وتشييد عوالم شعرية بهية، وهي تطل من أعلى شرفة الحزن، وتجعل من صوتها متفردًا بعمق الرؤيا وجسارة استشراق آفاق واعدة، من خلال الانخراط في قضايا الوطن والحرية، ومسائل العصر والواقع واسئلته الحارقة في تعالقاتها الممكنة مع المتخيل والذائقة الشعرية، وتشكيل بنية عميقة قابلة للقراءة والانشاد والتأويل. ويجد القارئ صدى لذائقته وإحساسه الوطني وفكره وموسوعته في هذه الإضمامة الشعرية الوارفة.

ولا يسعني في النهاية إلا أن أتمنى للصديقة الشاعرة فاتن مصاروة ديمومة الإبداع، وأن تكون دائمًا ودائمًا متجددة ومجددة بموضوعاتها وصورها الفنية والجمالية، تقدم رؤية منفتحة على الدلالات وتطرح اشكالات وجودية كبيرة وعميقة، مع خالص التحيات.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

صادق السامرائيطبيب سرياني مشرقي عاش في بغداد ينتمي لعائلة يختيشوع، التي تعود أصولها لجنديسابور في إقليم الأهواز، كان طبيب الرشيد والأمين وسجنه المأمون (لأنه ترك قصره بعد موت أبيه الرشيد ومضى إلى الأمين)، ثم أعاد خدمته (وفي ذلك قصص تروى)، غير معروف تأريخ ولادته، لكنه توفى (828) ميلادية.

مؤلفاته: "رسالة إلى المأمون في المطعم والمشرب، المدخل إلى صناعة المنطق، في الباه، رسالة مختصرة في الطب، كناشة، صناعة البخور ".

قال الرشيد لأصحابه: " أ كل من كانت له حاجة فليخاطب بها جبرائيل، لأني أفعل كل ما يسألني فيه ويطلبه مني".

ويذكر أنه من أثرى الأطباء لما ناله من العطايا الكبيرة الكثيرة من الرشيد والأمين من بعده.

"أنشأ الخليفة هارون الرشيد (148 - 193) بيمارستانا في بغداد سماه بإسمه، ورشح لرئاسته (ماسويه الخوزي)، من أطباء بيمارستان جنديسابور، وتولى (جبرائيل بن يختيشوع بن جورجس) رعايته".

وفي طوس كان الأسقف الذي إستدعاه الرشيد لمعالجته يقول له، أن ما يعانيه بسبب أخطاء جبرائيل، وكأنه كان يشير إلى مقصودية الخطأ، كما أن جبرائيل كان يحمّل الرشيد في آخر أيامه، سبب مرضه وتفاقم علته مما جعله يغضب عليه.

وعائلة جورجيس من أثرى العوائل الطبية وقد توارثت مداواة الخلفاء العباسيين من أبي جعفر المنصور وحتى المتوكل، وبعضهم صار متحكما بالخلفاء، ويبدو كلما تم الإغداق الكبير عليهم إزدادت رغبتهم بالمزيد، مما يدفعهم لخيانة رب النعمة سعيا وراء غيره الذي سيزيد في إغداقه عليهم.

وهذا ما حصل مع جبرائبل الذي مال نحو الأمين الذي ضاعف من عطاياه وإغداقه عليه، وكان لا يأكل إلا بأمره.

وهذه العلاقة مابين الأمين وجبرائيل قد أثارت الشك حول دوره في وفاة الرشيد.

ويبقى الطبع البشري متسلطا على السلوك ومفعّلا للمطمورات الخانسة في ظلمات النفس الأمّارة بالسوء والفحشاء، فمهما بلغ البشر من الورع والتقى والتظاهر بالنزاهة والنقاء، فأن ما فيه يقحمه في تأكيد نوازعه المتحررة من الروادع.

وعندما تغري البشر بالمال والقوة، فأنه يتأسد على أسباب قوته ونعمته، ويتمادى في طغيانه، فإن كان طبيبا لخليفة فأنه يستشعر بأن مصير دولته قد صارت في يديه، خصوصا عندما يقربه الخليفة ويضفي عليه صفات الهيبة والإحترام، حتى لينقاد بعض الخلفاء لأطبائهم كالأطفال.

فالخليفة يشعر بالنكوص أمام طبيبه، فيتحول إلى طفل بين يديه، ويتوهم بأن حياته ومصير دولته تعتمد على طبيبه.

ومن التقييم السلوكي لطبيب هارون الرشيد، يمكن القول من الصعب تبرأته من تعجيله بوفاته، وهو في عمر يناهز (45) .

وبهذا ربما يكون قد إرتكب خيانة مهنية، وما تواصى بأخلاقيات ممارسة مهنة الطب!!

 

د. صادق السامرائي