ناجي ظاهراعادتني الذكرى السابعة لرحيل الشاعر الصديق العزيز سميح القاسم، التي صادفت اليوم الخميس (19-8-2021)، إلى السنوات الاولى من حياتي مع الكلمة ومعايشتي لها. كان ذلك في أواخر الستينيات من القرن الماضي، يوم ارسلت قصة لي إلى مجلة "الجديد" الحيفاوية، واضعًا يدي على قلبي فهل سيقبل الشاعر المشهور مُحرِّر تلك المجلة في حينها أن ينشر تلك القصة، لا سيما وانها تعارضت نوعًا ما مع كان ينشر آنذاك في المجلة من مواد سياسية، وتحدثت عن حب الام وحب المدينة. وماذا سيكون موقفه؟ وتشاء الصدف أن التقي الصديق العزيز الراحل المرحوم نواف عبد حسن، في احد شوارع مدينتي الناصرة، فيسألني عمّا اذا كنت قد أرسلت قصة إلى مجلة الجديد، فلا اجيبه خشيةً وتوقيًا، فيرسل إلي ابتسامة حافلة بالمودة مرفقًا إياها بابتسامة من طرف فمه، ويطمئنني على أن قصتي ستنشر في العدد القريب من مجلة "الجديد"، عندها أسأله كيف عرفت هذا؟ فيبتسم مرة اخرى مرفقًا ابتسامته هذه المرة بكلمات لا اتذكرها حرفيًا الآن وقد مرّ عليها كل تلك السنوات، مفادها أن سميح القاسم سأله عني ومن اكون فأخبره انني شاب متأدب وفدت عائلتي عام النكبة من قريتها سيرين إلى مدينة الناصرة للإقامة فيها، وقال لي إن سميحًا قرر نشر تلك القصة لأنه رأى في صاحبها كاتبًا مبشرًا وموهوبًا.

خلال علاقتي بسميح منذ ذلك العام حتى أيامه الاخيرة، تأكد لدي حادثًا اثر حادث ولقاءً تلو آخر، ان سميح القاسم تعامل مع الحياة الادبية بشفافية، وأراد دائمًا ان تتفتح في بستاننا الف ومليون زهرة، كما ادرك ما لأهمية اعطاء من رأى فيهم اناسًا موهوبين الامكانية لأن يعطوا ويعطوا بلا حدود.

في الفترات التالي وخلال سنوات وسنوات، كان سميح رحمه الله، يسعى للتعاون مع كل من يرى فيه مقدرة على العطاء ودفع عربة ثقافتنا العربية الفلسطينية في البلاد، كل ما يحتاج إليه ويتطلبه للمزيد من التفتح والعطاء، واذكر بكثير من المودة أنه طلب مني ومن آخرين في فترات تالية، أن نكتب عن كل من غادر عالمنا من فنانين وكُتّاب. فعل هذا معي يوم رحل الفنان اللبناني الذي اشتركنا في محبته حسن علاء الدين الملقب بـ" شوشو"، ويوم طالت يد المنون شاعرنا الفلسطيني راشد حسين، الراحل احتراقًا في لندن، في هذا الصدد لا اتذكر أن سميحًا ردّ انسانًا جادًا عن بابه، وكان مقرُّه في حي واد النسناس في حيفا، ملتقى للأدباء والفنانين، هناك في مكتبه التقيت عددًا وفيرًا من فنانينا وكتابِنا ممن لم اكن اعرفهم، بينهم الفنانة الممثلة بشرى قرمان رحمها الله، والشاعرة البارزة المرحومة فدوى طوقان ابنة مدينة نابلس، التي توطّدت معها العلاقة فيما بعد. وعندما توقف سميح عن تحرير مجلة الجديد انتقل ليدير المؤسسة العربية للثقافة والفنون من مكتبه في شارع الموارنة، واذكر بكثير من الدفء انه بادر في تلك الفترة لإيجاد تمويل لإقامة مهرجان الفولكلور الأول في الناصرة بالتعاون مع الصديقين فوزي السعدي مدير جمعية المهباج والشاعر سيمون عيلوطي، وقد انتدبني في حينها لتغطية وقائع هذا المهرجان أولًا بأول لينشر ما اكتبه تباعًا في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية التي عمل فيها سميح ايضًا، محررًا فترة مديدة من الزمن.

عندما انتقل سميح إلى الناصرة ليعمل محررًا لصحيفة "كل العرب" تواصلت العلاقةُ بيننا، واذكر انني قمت بزيارته اكثر من مرة في هذه الصحيفة، واشهد انه كان يفتح بابه لكل من طرقه، لا اتذكر انه اغلق ذلك الباب بوجه احد، وقد رافقته في هذه الصحيفة بنشري لعدد من المتابعات الأدبية الثقافية والفنية، بل انه اقترح علي أكثر من مرة أن اعمل معه وإلى جانبه، واذكر انني سألته في اللقاء الأول لي معه في مكاتب صحيفة كل العرب، عمًا اذا كان سيأتي من بلدته الرامة كل يوم إلى الناصرة، فنظر إلي مستغربًا السؤال، فما كان مني إلا أن حذرته من الطرق وحوادثها، عندها ابتسم وقال:" لي لا تخف عمر الشقي بقي".. إلا ان ما حدث هو أن حادث طرق كاد ان يودي به وحدّ من حركته وقع له خلال تنقله بين بلدته ومدينتي.

مما اتذكره عن سميح، أنني قمت قبل سنوات بالتعاون مع صاحب مجلة "الشرق" الفصلية الثقافية التي صدرت في شفاعمرو ابتداء من السبعينيات الاولى، وتوقفت عن الصدور قبل سنوات، اقول إنني قمت بالتعاون مع الدكتور محمود عباسي، امد الله في عمره، بتحرير عدد خاص عن سميح القاسم قدّمنا فيه مادةً ضافيةً عن سيرته ومسيرته، كما قدّمنا فيه مجموعة اختارها هو ذاته من بين كتاباته، وأذكر أن سميحًا تعاون معنا إلى اقصى حد ليصدر العدد بحلة انيقة تليق به وبالمجلة.

الشخصية الانسانية الحانية ميّزت سميحًا طوال عمر علاقتي به، وأذكر مما اتصف به من سعة صدر وتفهم عميق لمجريات الامور، أنني ضقت ذات يوم كما ضاق كثيرون سواي، بالادعاء أن شعرنا في هذه البلاد اقتصر على ثلاثة او اربعة اسماء، فكتبت سلسلة من المقالات انعي فيها على هكذا حركة ادبية تتوقف على مثل هكذا كم من الاسماء، فما كان من سميح إلا ان قام بالثناء على تلك السلسلة من المقالات قائلا إنه يوافقني الرأي وأن البلاد التي تتوقف عن تقديم الشعراء تشبه المرأة العقيم التي لا تلد الابناء.. وبلادنا والحد لله بلاد حباها الله بالكثير من القدسية والعطاء.

هذا عن سميح الإنسان المثقف المُحرّر المشجّع لكل موهبة ثقافية يقتنع بها، اما عن سميح الشاعر، فان الحديث يبدأ ولا ينتهي، ولعلّي اجد في هذه المناسبة المؤسية، مناسبة الحديث عنه في ذكراه، فسحة للتحدث عن علاقته بصديقه وأخيه الذي لم تلده أمه، شطر البرتقالة الآخر، الشاعر المرحوم محمود درويش، فقد ظهر كل منهما في نفس الفترة، وقد اعطيا الكثير وأحبهما الناس، كونهما شاعرين مبدعين يثيرهما ما يثير الجميع من احداث سياسية جسام تمر بها بلدان العالم وبلادنا خاصة، وعندما غادر محمود البلاد في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، كتب إليه سميح قصيدة ملأى بالمحبة للأرض والوطن، داعيًا اياه للعودة لأنه لا توجد بلاد في الدنيا تتسع لنا مثلما تتسع بلادنا. واذكر ان هذه القصيدة نشرت في احد دواوين سميح الأولى واقصد به ديوان" دمي على كفي". بعدها جرت مكاتبات بين الشاعرين تلقتها صحيفة "الاتحاد" أولا بأول، ليقوم محررها الادبي في حينها الكاتب محمد علي طه بنشرها وليختار لها عنوانًا لافتًا هو " رسائل بين شطري البرتقالة"، واذكر انني عندما قام محمد علي طه بنشر هذه الرسائل كنت اعمل مساعدًا له في تحرير الصفحة الأدبية في الاتحاد، بل اننا تشارونا معًا في اطلاق عنوانها المذكور عليها، مع التشديد على أن طه هو من أطلق هذا العنوان اللافت عليها. 

لقد رأيت دائما في سميح القاسم شاعرًا مبدعًا، واذكر أن ندوة اقيمت في الناصرة في ذكرى أحد أيام الارض السنوية، شارك فيها اكثر من عشرة شعراء قدموا من اماكن ومواقع مختلفة من بلادنا، وكيف تألق سميح بينهم وكأنما هو من كوكب وهم من آخر، مع الاحترام لكل من كتب وقرأ في تلك الندوة.

ايماني هذا بقدرة سميح وتمكنه من ملكته الشعرية والابداعية بصورة عامة، دفعني لترداد رفضي لأية مقارنة بينه وبين شطره الآخر، الشاعر محمود درويش رحمه الله، وكنت اتذرع برفضي مثل هذه المقارنة، قائلًا إننا لسنا بحاجة للمقارنة بين أي شاعر وآخر، لأن لكل من الشعراء في عالمنا الرحب هذا، عالمه الخاص به، بل اختلافه عن سواه وهو ما يميزه في عطائه. مشيرًا إلى ان لكل من شاعرينا قدرته المميزة في القول الشعري، وأن المطلوب منا ألا نطلب من شاعر ان يكون نسخة من الآخر، وإنما المطلوب منا أن نميز الشعراء باختلافهم لا باتفاقهم.

رحم الله سميحا، فقد اعطى الكثير وترك وراءه الكثير، وقد احسن رحمه الله بكتابته سيرته الذاتية قبل رحيله بفترة وجيزة.. لتصدر في كتاب يمكِّن قارئه من معرفته اكثر. لقد عاش سميح القاسم حالته الشعرية حتى النخاع واعطى الكثير، لهذا سيسجل اسمه بحروف من المحبة في أعلى قائمة شعرائنا الاماجد في هذه البلاد السخية المعطاء.

 

ناجي ظاهر

 

عمار عبدالكريم البغداديقلنا في المرة السابقة إن المازوحي الذي يعمل موظف استعلامات بمستشفى نود زيارة مريض فيها يتلوى بين ابتسامتي الأنتصار والرضوخ وهو يقول: "موعد الزيارة انتهى ..إرجع غدا" .

وقلنا ايضا ياشهرزاد إن تلك الابتسامة توقع المتلقيين بإحد ثلاثة فخاخ، فإمّا أنْ نرضخ ونبتسم إبتسامة (المازوخيين) وننصرف، وإمّا أن نبتسم ابتسامة (قناعة) بما نسمع ونحترم النظام، أو نبتسم ابتسامة الإستماع التي يصاحبها همهمات تدل على عدم تأثرنا بما نسمع، وفي الحالتين الأولى والثانية فإننا ننصرف مبتسمين، وفي الثالثة نستنهض روح الإقناع في داخلنا ونبتسم، وسألتني ياشهرزاد ان كنت اعتبر انصرافنا مبتسمين في الحالتين الأولى والثانية سعادة، وقد أخفقنا في تحقيق هدفنا؟. وقبل الإجابة دعيني أخبرك بتجربة سادية مشهورة أجراها الطبيب النفسي كارني لانديس عام 1924، عندما جمع عدداً من الطلاب والأساتذة في جامعة مينيسوتا، إضافة الى مرضى نفسيين بينهم طفل في الثالثة عشر من العمر في غرفة صغيرة لمعرفة تأثير الصدمة والخوف على هذه الفئات المختلفة .. أجلسهم على كراسي مريحة، ورسم على وجوههم خطوطاً واضحة تمكنه من قياس تعبيراتهم، وتقلصات ملامحهم مهما كانت بسيطة، وأطلق ألعاباً نارية متفجرة تحت كراسيهم، وعرّضهم لصعقات كهربائية، ثم أتاهم بفئران بيض حية، و طلب منهم أن يقطعوا رؤوسها، وكانت المفاجاة بأن الجميع كانوا يبتسمون، وفي حينها كتب أنديس قائلاً: (كلما أوغلت في القسوة أثناء هذا الإختبار، لم أكن أجد تعبيراً سوى الإبتسامة التي كانت حاضرة في عدد كاف من الصور الفوتوغرافية التي التقطتها، لاعتبارها إنموذج تعبير مشترك في ظروف مختلفة).

التجربة لم تلقَ ترحيبا باعتبارها تجربة وحشية وغير إنسانية، كما أنّ علماء النفس لم يعترفوا بنتائجها، وعلى افتراض أن ماقاله لانديس كان صحيحا يتبادر الى الذهن سؤال ملح: ما الذي جعل هذه العقول بادراكاتها المختلفة تعطي إيعاز الابتسامة المشتركة ؟ .

قلنا فيما سبق أن المرضى النفسيين يعيشون عالما خاصا، ويفلسفون الأمور بما يسعدهم حتى ذلك الصبي ذو الثالثة عشرة الذي أشركه لانديس في تجربته الوحشية، وبرأيي فإن أطباء النفس وطلبة العلوم النفسية نالوا نصيبهم من الرعب والمفاجات والإذلال، فتبسموا رضوخا أو غبطة أو حتى سخرية من التجربة السادية، في الحالات كلها كانوا يبتسمون للخلاص من الموقف، عقولهم صارعت الواقع المرير تحت عنوان (تجربة وستنتهي قريبا) فأبتسموا لتخفيف إحساسهم بالألم .

كما ترَين ياشهرزاد، فان عقولنا اللاواعية تدافع عن الطمأنينة في نفوسنا عبر إبتسامة خفيفة في أوقات الشدة بمجرد استلامها إيعازا من المخ بأن ما يحصل حولنا كابوس وسينتهي .

ولو عدنا الى إبتسامتي الرضوخ والقناعة في الحالتين اللتين سالتني عنهما، فإننا منصرفون لا محالة، وعلى أساس مبدأ المخالفة فالإنصراف بدونهما يعني التحسر والحزن والألم، إنّ كلتا الإبتسامتين لم تكونا لإرضاء هلمر الصغير، وإنما للترفيه عن أنفسنا، لقد حققنا انتصارا على الألم والتحسر، وعدنا أدراجنا بخسارة أقل، هي الإبتسامة ياشهرزاد تطري النفوس، وتطمئن القلوب، وتحفز العقول على فلسفة الأمور بما يخفف من وطأة الألم، ويزيد من فسحة الأمل .

شهرزاد: تقنعني في كل مرة بطرق عجيبة، لكن ماذا عن الإبتسامات الأخرى كالخوف والإحراج والإزدراء.

-أسلفنا إن السر الذي يجعل الإبتسامة لغة يفهمها الجميع إنها تأتي بإتساق عجيب مع تعابير الوجه، لكل ما مر ذكره، توصل المعنى المقصود بعمق أكبر، ولعلّ من أجمل الإبتسامات تلك التي ترافق لحظة الإحساس بالخجل أو الإحراج، ذلك أنّ إحمرار الوجه يكون مصحوبا بشد الخدين، وإبتسامة خفيفة مع رأس مائل إلى الأسفل، او باتجاه اليسار قليلاً، تلك الإبتسامة تبعث برسائل اعتذار رقيقة، أو طلب توقف عن زيادة الإحراج، فأن كان صاحب الإبتسامة مذنبا لانت له النفوس، وأنجته ابتسامته من العقاب، أو خففت منه على أقل تقدير، وإنْ كان مجنيا عليه رقت له القلوب، وتفَكر أصحابها مليا، وقد يصيبهم حرج أكبر إْن كانوا من أصحاب الأفئدة الطيبة .

وأمّا أبتسامة الخوف فإني أجدها مبالغة إن أطلِقتْ على الإنسان، فقد أكتشف الباحثون أن الشمبانزي يخاف فيفتح فمه حتى آخره ويظهر أسنانه على شكل إبتسامة، ورآى داروين الذي إهتم بـ(علم الإبتسام)، وعلى فرض أن تعبيرات الوجه غريزية: أن رفع الحاجبين، الذي يدل اليوم على المفاجأة، قد ورثناه عن أسلافنا الذين اعتادوا على رفع حواجبهم لتوسيع مجال الرؤية، وبالتالي الهرب من الحيوانات المفترسة.

وهنا تكمن المغالطة .. حينما يلجا بعض الباحثين الى استدلال ليس في محله بين ابتسامة الشمبانزي المرعوب، والإنسان الخائف، فأحدنا إذا شعر بالخوف لا يبتسم وإنما يرفع حاجبيه، ويبحلق بعينيه وقد يفتح فمه، وترتعد فرائصه، وتتسابق أنفاسه، أمّا تلك الإبتسامة التي أودعها الله في الشمبانزي فهي للتعبير عن خوفه بإظهار أسنانه، وتثبيتها على بعضها البعض، ليؤكد أنه لن يقدم على الهجوم أو العض.

وقد قلنا آنفا أن تجربة (لانديس) السادية دفعت بأطباء النفس وطلبة العلوم النفسية الى أبتسامة مشتركة للخلاص من الموقف، وتخفيف إحساسهم بالالم، فقد صارعت عقولهم الواقع المرير: (تجربة وستنتهي قريبا)، بمعنى أن الإنسان يبتسم ليبعد عنه الخوف.. إنها ابتسامة مضادة للخوف وليست أثرا له .

ولا أنكر أن بعض حالات الخوف يصاحبها ابتسامات حائرة، او مرتعدة، وتلك دلالة على صدمة عالية تفوق ملامح الخوف نتيجة لمفاجاة غير متوقعة، وسرعان ما تتحول الى بكاء أو صراخ، وعويل يمحي أي أثر للابتسامة، بل إن الإنسان الخائف إذا أحس بأول لحظة طمأنينة بعد دقائقِ الفزع تبسم فرحا .

ولابتسامة الإزدراء أثر جارف، وهي الى حد كبير تشبه الإبتسامة العفوية، غير إنها تمتاز بشد زوايا الشفاه، ولإنها مزيج من الاشمئزاز والإستياء، فهي تكبح جماح المتسبب بها بفعل أو قول غير محمود، وتجبره على السكوت، او الإعتذار .

ودعيني أخبرك بنوع ماكر من الإبتسامات.. إنها ابتسامة السياسيين، إنهم يتدربون عليها كما يتدربون على الخطب الرنانة، والعبارات المؤثرة بالجماهير، وهي ابتسامة إرادية مصطنعة لإيصال رسائل الرضا عن الأوضاع، فالإبتسامة الحقيقية العفوية لا تستمر طويلا، بينما (الإبتسامة السياسية ) مستمرة لإيصال الرسائل، فان غابت فجأة فهي رسائل مضادة تدل على إستياء صاحبنا من أمر ما حدث أثناء اجتماع مهم، أو في محفل جماهيري كبير، وكلما اقتربت الإنتخابات إتسعت واشرقت إبتسامة السياسيين، وطال أمدها أكثر فأكثر .. حقا إنني لاعجب من قدرتهم على الإستمرار بإظهار الرضا والسعادة أشهرا طويلة، فإن فاز أحدهم حل محلها إبتسامة الإحساس بالإنتصار، وهي إبتسامة صادقة سرعان ما تختفي حتى إشعار آخر، وقد يطول الأمر الى الإنتخابات المقبلة، لكن السياسي الفطن لاينسى أهمية ابتسامته الأولى، والمفارقة أن الشعوب تدرك إنها مصطنعة، لكنها تشعرها بالأمان مادام المسؤول مبتسما .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

............................

* من وحي شهريار وشهرزاد (23)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

يسري عبد الغنيأبو الفتح علي بن محمد الكاتب البستي (330 هـ - 400 هـ = 1010م) من بلدة بست في بلاد أفغان وهو من شعراء القرن الرابع الهجري بدأ حياته معلما للصبيان في بلدته ثم عمل كاتبا في بلاط الدولة الغزنوية ارتحل إلى بخارى وفيها توفي.

ولد في بست (قرب سجستان) وإليها ينسب، سنة ٣٣٠ هـ تقديراً.

ذكر البستي أنه ينحدر من أصل عربي، حيث يقول:

أنا العبد ترفعني نسبتي إلى عبد شمس قريع الزمان

وعمي شمس العلا هاشم وخالي من رهط عبد المنان

تتلمذ البستي على يد أبي حاتم محمد بن حِبَّان.

وكان من كتاب الدولة السامانية في خراسان وارتفعت مكانته عند الأمير سبكتكين. وخدم ابنه يمين الدولة السلطان محمود بن سبكتكين ثم أخرجه هذا إلى ما وراء النهر فمات غريباً في بلدة (أوزجند) ببخارى.

له (ديوان شعر - ط) صغير، فيه بعض شعره، وفي كتب الأدب كثير من نظمه غير مدون.

وهو صاحب القصيدة المشهورة التي مطلعها:

زيادة المرء في دنياه نقصان

وهو شاعر بارع وكاتب مجيد يهتم كثيرا بتجويد ألفاضه في نثره وشعره. ويقول عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان:

صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس البديع التأسيس، فمن ألفاظه البديعة قوله: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. من أطاع غضبه، أضاع أدبه. عادات السادات، سادات العادات. من سعادة جدك، وقوفك عند حدك. الرشوة رشاء الحاجات. أجهل الناس من كان للإخوان مذلا، وعلى السلطان مدلا. الفهم شعاع العقل. المنية تضحك من الأمنية. حد العفاف، الرضا بالكفاف. ما لخرق الرقيع ترقيع.

ومن نادر شعره قوله:

إن هز أقلامه يوماً ليعملها ** أنساك كل كميٍ هز عامله

وإن أقر على رق أناملـه ** أقر بالرق كتاب الأنام له

وله:

وقد يلبس المرء حر الثياب ** ومن دونها حالة مضنـية

كمن يكتسي خده حمـرةً ** وعلتها ورم فـي الـرية

وله:

إذا تحدثت في قوم لتؤنسـهـم ** بما تحدث من ماض ومن آت

فلا تعد لحديث إن طبعـهـم ** موكل بمعاداة الـمـعـادات

وله:

تحمل أخاك على ما به ** فما في استقامته مطمع

وأنى له خلـق واحـد ** وفيه طبائعـه الأربـع

وللبستي حين تغير عليه السلطان، وهو معنى بديع:

قل للأمـير أدام ربـي عـزه ** وأناله من فضله مـكـنـونـه

إني جنيت ولم يزل أهل النهـى ** يهبون للخدام مـا يجـنـونـه

ولقد جمعت من العيون فنونهـا ** فاجمع من العفو الكريم فنونـه

من كان يرجو عفو من هو فوقه ** عن ذنبه فليعف عمـن دونـه

وله أيضاً:

إذا أحسست في لفظي فتوراً ** وحفظ والبلاغة والـبـيان

فلا ترتب بفهمي إن رقصي ** على مقدار إيقاع الزمـان

هكذا قاله في " زهر الآداب ".

وتوفي سنة أربعمائة، وقيل سنة إحدى وأربعمائة ببخارى. وقد تقدم الكلام على البستي في ترجمة الخطابي، ورأيت في أول ديوانه أنه أبو الفتح علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز الكاتب الشاعر".

آثارهُ

نسخة مخطوطة من «عنوان الحِكم» - جامعة أم القرى، رقم ١٥٢٨١-٢

اشتهر بالقصيدة التى تعرف بـ «عنوان الحِكم» أو «نونية البستي» ومطلعها:

زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران

وكل وجدان حظ لا ثبات له فان معناه في التحقيق فقدان

قال المنيني الدمشقي (ت ١١٧٢ هـ) أن القصيدة «يستهيم في حفظها وروايتها أهل الأدب ويعنى بها الناس حتى الصبيان في المكتب.»

وقد اعتنى بها عدد من العلماء والأدباء منهم:

أبو منصور الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) شرحها في كتابه «نثر النظم وحل العقد».

بدر الدين الجاجرمي (ت ٦٩٠ هـ) ترجمها إلى الفارسية.

شرحها عبد الرحمن العمري الميلاني (ت ٧٠٨ هـ).

شرحها محمود بن عثمان النجاتي (ت ٧١٣ هـ).

شرحها عبد الله بن محمد بن أحمد النقره كار (ت ٧٧٦ هـ).

شرحها الحسن بن محمد البوريني (ت ١٠٢٤ هـ).

عبد القادر بن العيدروس (ت ١٠٣٨ هـ)، شرح بعض أبياتها.

ترجمها المعصار محمد سعدي جوكنلي نثراً إلى التركية. وذكر أنه لا يعرف ترجمة للقصيدة إلى التركية غير هذه.

أنشدها الشيخ مشاري العفاسي

وللبستي كتاب «شرح مختصر الجويني» في الفقه الشافعي، ذكره له صاحب كشف الظنون.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

..........................

الاسانيد

خالد الشبل (2004-09-20). "أبو الفتح البستي". شبكة الفصيح.

- ملف: شرح تاريخ العتبي - ويكي مصدر

- نثر النظم وحل العقد - ص١٢٣

- الذريعة - آقا بزرگ الطهراني - ج ٢٤ - الصفحة ٢٢٠-٢٢١

- شرح لقصيدة البُستي "زيادة المرء في دُنياه نقصان" - المكتبة الرقمية العالمية

- قصيدة عنوان الحكم. مكتب المطبوعات الإسلامية. p. ٣٠.

- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون - ج ٢. دار إحياء التراث العربي. p. ١٦٢٦.

 

 

صادق السامرائيالكاتب يرى ما فيه والقارئ يرى ما في النص، ومن الصعب أن يضع الكاتب ما يراه في نصه، وإنما يحاول ويجاهد ويكدح، لتتمكن الكلمات من إحتواء ما يراه ويريد قوله.

وليس كل كاتب يمتلك المهارة والقدرة على صب ما فيه في قوالب الكلمات وفيض العبارات،، ولهذا فالكاتب يقرأ ما فيه ولا يرى نصه كما هو بل كما يراه، والقارئ يرى النص كما هو أمامه، ويحاول أن يستخلص منه ما يراه فيه، وقد تتقاطع رؤية الكاتب مع القارئ، لأن الكاتب لم يتمكن من التعبير الأمثل عمّا يريد أو يقصد بالكلمات التي سطرها في نصه.

وهنا تحصل المفارقة، ما بين النص المكتوب والمقروء، الكاتب في عالم والقارئ في عالم آخر!!

وتلك معضلة تواصلية تمكن من تجاوزها قلة من الكتاب، الذين تميزوا وسادت كتاباتهم، لأنهم إمتلكوا قدرة الكتابة والقراءة في آن واحد.

إن النص هو الذي يبين طبيعة كاتبه وما فيه، ويبرز مهاراته الإبداعية وقدراته الفكرية والمعرفية، فالنظر إلى النص وإستكناهه وإستكشافه، كأنه إبحار في دنيا كاتبه وغوص في أعماقه النفسية والروحية والفكرية.

وإذا تساءلنا كيف لكاتب أن يتشابه مع نصه، لا أن يتطابق فذلك أمر بعيد المنال؟

فالجواب يكون بأن يتعلم كيف يكون قارئا للنص الذي ينشره، أي أن يراه بعين الناقد فيفككه ويتأمل كلماته ودلالات عباراته، وهل أنها أوصلت الفكرة إليه كقارئ.

وهناك العديد من الحواجز النفسية التي تمنع ذلك، ولهذا يلجأ بعض المبدعين إلى كتابة النص والعودة إليه بعد حين، لرؤيته وتشذيبه، لأن حمى الإبداع تصيب البصيرة بحالة من الإنغلاقية وعدم المرونة والمطاوعة، إذ تتوهم بأن ما أوجدته هو ذروة الممكن الإبداعي.

وطبع الموجود الحي يتلحص بالسعي نحو الكمال، وهو هدف تطارده البشرية منذ الأزل، وسيبقى كذلك إلى الأبد، لأن البحث عن الكمال يمد الموجودات بطاقات التواصل والبقاء والنماء.

وبلوغ الكمال يعني الحركة الدائبة والنشاط المتواصل، والإنطلاق المتوثب الذي لا يعرف السكون، ويستمد ديدن نشاطاته من الإرادة السرمدية للدوران، الفاعل بكينونة الأكوان ومنها أمنا الأرض.

فلا كامل ولا تام، وسلطة النقصان تتحكم فينا، وقوة الدوران تعيد تصنيعنا وتوليدنا مما نظنه ليس فينا، فالتجدد برهان حياة، والتمام عنوان ممات، وتلك سنة الوجود، ولا مناص من إتخاذ سبيل التفاعل معها وسيلة لصناعة ما نراه، يتآلف ويتكاتف فينا من رؤى وتصورات، نستحضرها من فيض التفاعلات الدائبة حولنا!!

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيكاتب  مصري محب لتاريخ مصر ..الاسم الكامل للكاتب هو (محمد جمال الدين إسماعيل بدوي)، ولقد ولد في مدينة بسيون في محافظة الغربية شمالي القاهرة يوم 12 فبراير 1934 ودرس الأدب، كما أنه كتب دراسات تاريخية بالإضافة إلى تقديمه أكثر من برنامج تاريخي بالتلفزيون المصري، هذا إلى جانب عمله الصحفي.

يعد جمال بدوى من أشهر الصحفيين الذين كتبوا في التاريخ  في العصر الحديث..كتب في الشأن العام والتاريخ والسياسة والفكر وقدم البرامج في الإذاعة والتليفزيون، ولقب بشيخ الصحافة المتحرر.

 ونال على عطائه الغزير وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى من الرئيس حسنى مبارك عام 1995، كما حصل على الجائزة الأولى من جريدة "الشرق الأوسط" عن أفضل مقال نشر عام 1996، وحاز كتابه "أنا المصري" على أوسكار أفضل كتاب في لمعرض الدولي للكتاب عام 2004

 ولد محمد جمال الدين إسماعيل بدوي بمدينة بسيون بمحافظة الغربية عام 1934 ونشأ وتعلم في كتاتيبها ومدارسها الأولى، وتخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة - قسم الصحافة عام 1961، وأثناء دراسته اختاره مصطفى أمين للعمل في أخبار اليوم. وانتدب عام 1972 - مع آخرين- إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لإصدار صحيفة "الاتحاد" وعاد عام 1981 إلى أخبار اليوم،

وشارك عام 1984 شارك في تأسيس صحيفة الوفد مع الراحل مصطفى شردي وعمل مديرا للتحرير، ثم رئيسا للتحرير عام 1989، إلى أن استقال وعاد إلى "أخبار اليوم" وتخصص في كتابة الدراسات التاريخية في صحف مؤسسة أخبار اليوم ومجلة "المصور" بدار الهلال أسبوعيا والجمهورية والاتحاد الإماراتية والشرق القطرية. أسس الراحل جمال بدوي جريدة "صوت الأزهر" عام 1999، وحاضر في التلفزيون، وكانت له برامج كل يوم اثنين على القناة الأولى، وبرنامج آخر في القناة الثقافية. أصدر بدوي حوالي عشرين كتابا في الفكر والتاريخ، منها "في محراب الفكر"، الهيئة المصية العامة للكتاب 1998، و"محمد على وأولاده" الهيئة المصرية العامة للكتاب 1999، و"مسرور والسياف.. واخوانه" دار الشروق 1996، و"مسلمون وأقباط من المهد إلى المجد" دار الشروق 2000. كما أصدر الراحل "في دهاليز الصحافة" الهيئة المصرية العامة للكتاب 2002، و"الطغاة والبغاة" دار الشروق 1996، و"مصر من ناقة التاريخ"، و"مسافرون إلى الله بلا متاع" و"الوحدة الوطنية بديلا عن الفتنة الطائفية" و"حدث في مصر"، و"معارك صحفية"، و"المماليك على عرش فرعون"، و"حكايات مصرية"، و"أنا المصري"، و"من عيون التراث". والراحل عضو في الهيئة العليا لحزب الوفد ورئيس لجنة الثقافة والفكر، وشارك في عدد من الندوات والمؤتمرات الثقافية والسياسية وله بحث عن حوار الحضارات ضمن فعاليات ندوة أقامتها مكتبة الملك عبد العزيز بالرياض في مارس عام 2002.

من مؤلفاته

(في محراب الفكر)

(مسلمون وأقباط من المهد إلى المجد)

(مصر من نافذة التاريخ)

(مسافرون إلى الله بلا متاع)

(الوحدة الوطنية بديلاً عن الفتنة الطائفية)

(المماليك على عرش فرعون)

(مسرور السياف وإخوانه)

(أنا المصري)

(معارك صحفية).

(الفاطمية دولة التفاريح والتباريح)

(نظرات في تاريخ مصر)

(الطغاة والبغاة)

***

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيجورج طرابيشي (1939م - 16 مارس 2016م)، مفكر وكاتب وناقد ومترجم عربي سوري.

من مواليد مدينة حلب عام 1939، يحمل الإجازة باللغة العربية والماجستير بالتربية من جامعة دمشق. عمل مديراً لإذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيساً لتحرير مجلة دراسات عربية (1972-1984)، ومحرراً رئيسياً لمجلة الوحدة (1984-1989). أقام فترة في لبنان، ولكنه غادره، وقد بعد حربه الأهلية، إلى فرنسا -التي بقي فيها حتى وفاته متفرغاً للكتابة والتأليف.

تميز بكثرة ترجماته ومؤلفاته حيث ترجم لفرويد وهيغل وسارتر وبرهييه وغارودي وسيمون دي بوفوار وآخرين. بلغت ترجماته ما يزيد عن مئتي كتاب في الفلسفة والأيديولوجيا والتحليل النفسي والرواية.

له مؤلفات هامة في الماركسية والنظرية القومية وفي النقد الأدبي للرواية العربية التي كان سباقاً في اللغة العربية إلى تطبيق مناهج التحليل النفسي عليها.

 من أبرز مؤلفاته: "معجم الفلاسفة" و"من النهضة إلى الردة" و"هرطقات 1 و2 " ومشروعه الضخم الذي عمل عليه أكثر من 20 عاماً وصدر منه خمسة مجلدات في "نقد نقد العقل العربي" كان آخرها الجزء الخامس "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" (دار الساقي، بيروت، 2010)، أي في نقد مشروع الكاتب والمفكر المغربي محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، ويوصف هذا العمل بأنه موسوعي إذ احتوى على قراءة ومراجعة للتراث اليوناني وللتراث الأوروبي الفلسفي وللتراث العربي الإسلامي ليس الفلسفي فحسب، بل أيضاً الكلامي والفقهي والصوفي واللغوي، وقد حاول فيه الإجابة عن هذا السؤال الأساسي: هل استقالة العقل في الإسلام جاءت نتيجةً لعامل خارجي، وقابلة للتعليق على مشجب الغير؟ أم هي مأساة داخلية ومحكومة بآليات ذاتية يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه؟

أهم نقاط المسار الفكري لطرابيشي هو انتقاله عبر عدة محطات أبرزها الفكر القومي والثوري والوجودية والماركسية. انتهى طرابيشي إلى تبني نزعة نقدية جذرية يرى أنها الموقف الوحيد الذي يمكن أن يصدر عنه المفكر، ولا سيما في الوضعية العربية الراهنة التي يتجاذبها قطبان: الرؤية المؤمثلة للماضي والرؤية المؤدلجة للحاضر.

توفى المفكر والفيلسوف جورج طرابيشي يوم الأربعاء 16 مارس 2016م في العاصمة الفرنسية باريس عن عمرٍ ناهز 77 عاماً.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيأبو كامل شجاع بن أسلم بن محمد بن شجاع (850 - 930) ميلادية، ويُعرف بإسم (أبي كامل الحاسب)، مهندس وعالم حساب، ولد في مصر وتوفي فيها.

"وكان فاضل وقته، وعالم زمانه، وحاسب أوانه، وله تلاميذ تخرجوا بعلمه" (أخبار العلماء باخبار الحكماء).

"يعتبر من أعظم علماء الحساب في العصر الذي تبع عصر الخوارزمي" (لسان الميزان للعسقلاني)

مؤلفاته:

"الجمع والتفريق، الخطأين، الكامل، الوصايا بالجبر والمقابلة، الجبر والمقابلة، الوصايا بالجذور، الكامل في الجبر والمقابلة، الطرائف في الحساب، الكفاية، مفتاح الفلاح، العصير، الفلاح، رسالة في المخمس والمعشر".

ويقول إبن خلدون:

"أن أبا كامل قد إعتمد على كتب الخوارزمي".

ومن تلاميذه: الكرجي وعمر الخيام ، وتأثر به الإيطالي ليوراندو فيبوناتشي

ويبدو أنه ثورة في علم الحساب بعد الخوارزمي، وربما خليفته، درس الأشكال الهندسية لمعرفة مساحاتها وحجومها، أوجد الجذرين الحقيقيين للمعادلة الجبرية ذات الدرجة الثانية، ومن أشهر مؤلفاته "الوصايا بالجبر والمقابلة".

ويعد من رواد وطلائع علماء الحساب المسلمين العرب يعد الخوارزمي، ومن الذين أسهموا في تطويره ونقله إلى مراحل متقدمة من الفهم، والتعبير بمعادلات جبرية ذات قيمة معرفية وعملية.

ولعلم الحساب أهميته ودوره في العلوم الأخرى فهو لغتها، وبذلك فأن عالمنا العربي المصري الجليل قد أفاد العلوم الأخرى وإستنهضها، وزودها بآليات للإنطلاق بها إلى آفاق معرفية متقدمة.

وتغفل الأجيال دور العلماء العرب في مسيرة الحضارة الإنسانية وإسهاماتهم الأصيلة التي رفدتها بمسارات أوصلتها إلى ذروة العلم بها، وتسخيرها لبناء المدنية التي نتنعم بمعطياتها المادية، المولودة من تلك العلوم، ومن جهود علمائنا الأفذاذ وما قدموه للبشرية من أفكار علمية ونظريات ومعادلات، وحلول لمعضلات كانت صعبة في وقتها.

فهم الذين عبّدوا دروب العلوم المعاصرة وأطلقوا إرادة العقل الإنساني العلمي الحر!!

 

د. صادق السامرائي

 

محمد الكرافسازداد الشاعر الروسي سيرغي ألكساندروفيتش يسينين في قرية كونستانتينوفا في مقاطعة ريازان عام 1895، وأمضى معظم طفولته في بيت عائلته، وهناك تلقى تعليمه في مدرسة ابتدائية دينية. ارتبط اسمه بالشعر تلقيا ونظما منذ حداثة سنه، إذ ظهرت موهبته الشعرية منذ سن التاسعة، مستفيدا من حياة الريف الهادئة التي تشرب أنواءها ومناظرها الخلابة.

تفتقت عبقريته في المدرسة بعدما لاحظت أسرته سرعة بداهته وقدرته الكبيرة على الحفظ والقراءة بنهم، ورغم أنه ابن فلاحين روسيين إلا أن دواليب الثقافة والشعر تسربت رويدا رويدا إلى مخيلته، فتغذى من الطبيعة الآسرة في قريته الجميلة، وانعكس ذلك بشكل لافت في أشعاره الرومانسية والثورية بلا شك.

 ومما ميز هذا الشاعر في طفولته أنه كان صبيا كثير المغامرات والشقاوة في الريف الروسي، قبل أن تحمله الأقدار في سنه السابعة عشرة  إلى مدينة موسكو الصاخبة، التي جاءها باحثا عن عالم جديد، عالم مغاير تماما عن هدوء قريته وبساطة حياته السابقة. وابتداء من 1912 سيبدأ العمل كمصحح لغوي في مطبعة اسمها أي. دي. سيتين، وهناك سيتشبع بالفكر الحر، وسيتأثر بالأفكار النضالية بعدما وجد ضالته في الفكر الثوري لدى زملائه في العمل، سنوات قبيل الثورة الروسية.

اشتغل الشاعر في المطبعة بلا كلل، ونجح في التوفيق بين العمل وقرض الشعر، كما أعجب بزميلته في العمل آنا إزريادنوفا وأحبا بعضهما البعض، لتثمر هذه العلاقة زواجا أنجبا من خلاله طفلا وسيما مثل والده، لكن سرعان ما عاد الفكر التحرري والبوهيمي والتنصل من مقاليد الحياة ليخيم على ذهنية الشاعر، ليجد نفسه مرة أخرى معانقا لأمداء الحرية ثائرا على نظم المجتمع والأسرة والالتزامات العائلية التي وجدها مكبلة لانطلاقته في الحياة، ومخصصا كل وقته لكتابة الشعر الذي عشقه بجنون.

ومافتئ الشاعر أن عاد مرة أخرى للانضمام إلى جامعة موسكو سنة 1913، ليتركها مجددا في ربيع 1915 بعدما تعرف على حلقة شعراء جدد، ضمت ألكسندر بلوك وسيرغي غوروديتسكي وأندري بيلي في مدينة سانت بطرسبرغ (لينينغراد وبتروغراد سابقا)، وهناك استطاع فرض ذاته في مجال الشعر رغم حداثة سنه، إذ بالكاد كان قد أكمل عقده الثاني، لكن عبقريته الشعرية كانت طافحة بالسليقة والموهبة الفذة والعذوبة الساحرة.

ومما زاد شهرته أن جميع الحلقات الشعرية والأدبية اهتمت بنباهته الشعرية وعبقريته، مما جعل قصائده تنشر في عدد من المجلات والصحف الروسية آنذاك. وفي عام 1916، نجح الشاعر في نشر أولى مجموعاته الشعرية  تحت عنوان ''رادونيستا'' التي كرسته واحدا من كبار الشعراء في تلك الفترة وهو لازال في سنته الحادية والعشرين، تماما مثل تجربتي الشاعرين الفرنسي أرثور رامبو والتونسي أبي القاسم الشابي.

استضافته الصالونات الأدبية وانهالت عليه العروض من كل حدب وصوب للمشاركة في اللقاءات الشعرية، وبدأ الشاعر يغوص في حياة السهر والبوهيمية والنساء وعالم الأضواء، حيث تزوج بعد ذلك زيجات قصيرة  وغير مستقرة ، ارتبط من خلالها بعدة نساء منهن: مواطنته زينيدا رايخ والراقصة الأمريكية إزادورا دونكان وناديشدا فولبين وكالينا أرتوروفنا بنيسلافسكايا وصوفيا تولستايا حفيدة الكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي. ارتبطت علاقة سيرغي يسينين مع النساء بالمزاجية واللهو والملل الذي كان يتسرب إلى ذاته بسرعة، وهو الذي اعتاد حياة اللهو والمجون والتحرر والإدمان على الكحول الذي دمره في النهاية.

يعتبر يسينين واحدا من مؤسسي حركة "التصويريين'' سنة 1919 رفقة الشعراء مارينغوف وشيرشينوفيتش وإفليف، إذ آمنوا مجتمعين بأهمية التصوير في الشعر، رغم أنه اختلف معهم في الوظيفة التي يمكن أن تؤديها الصورة الشعرية في التعبير عن الخيال الشعري والتلقائية في عكس المعاني الشعرية المضمخة بإكليل العنفوان.

لم يكن يسينين شاعرا عاديا في روسيا، فقد شغل الناس وألهمهم بقصائده الثورية والعاطفية وحمل مشعل الشعر خلال مرحلة الثورة البلشوفية التي كان موقفه منها متناقضا، إذ دعمها في البداية، لكنه عاد ليرفض بعض مكوناتها وتوصياتها بعدما لم تنجح في تغيير حياة الناس البسطاء إلى الأحسن، حسب زاوية نظره الخاصة.

ومما زاد عذابه الداخلي سفره إلى أمريكا رفقة زوجته الراقصة إيزادورا دونكان التي وضعته بين جحيمين: جحيم العودة إلى الحياة في روسيا (السوفيتيية)، وجحيم الحياة بعيدا عنها، وهو ما عذبه ليتخذ في النهاية قرار العودة إلى روسيا محملا بوعي جديد ونظرة مغايرة عنها، وقد عاوده الحنين إلى قرض الشعر في موسكو والبحث عن جماعة أدبية جديدة تحتضنه، وتوفر له فرص الحياة الناجحة.

حاول الشاعر أن يتخلص من حياته البوهيمية في منتصف عشرينيات القرن الماضي، لاسيما بعد زواجه من صوفيا أندرييفنا تولستايا (حفيدة الكاتب الروسي العظيم تولستوي) التي أدركت استعصاء ترك يسينين للكحول وحاولت مساعدته، بعدما خلقت بارقة أمل في حياته الفوضوية.

 ولكنها ربما جاءت متأخرة لأن شوكة البوهيمية والمرض النفسي كانت قد غاصت حتى النخاع في حياة وفكر يسينين، ليلقى حتفه يوم 27 دسمبر من سنة 1925، وبقي خبر وفاته غامضا ما بين التصفية الجسدية من قبل جهات حانقة عليه وما بين الانتحار. وقد كتب قصيدة الوداع الأخيرة بدمه في إحدى غرف فندق ''أنجلوتير''، تحت عنوان ''وداعا صديقي وداعا''، ودفن في مقبرة فاغانكوف بموسكو ذات يوم خريفي حزين.

إن المتأمل لحياة هذا الشاعر القصيرة يدرك جزءا من عبقريته الشعرية وقد خاض مغامرات كثيرة جمعت بين الانضمام إلى الجيش في فترة قصيرة ومناصرة الثورة البولشوفية وكثرة مغامراته النسائية التي لم تستقر على حال. وقد كان يسينين في كل مرة يفلت من عقال الزواج ويعود إلى التحرر والبوهيمية والشعر والصعلكة التي أعطت منتوجا شعريا رائدا جعله من عمالقة الشعر الحديث في روسيا، لاسيما وقد تمت إعادته لاحقا إلى مكانته التي تليق به، بعدما سبق للرقابة السوفيتيية أن منعت تداول شعره منذ وفاته إلى حدود ستينيات القرن الماضي، ليعود شعره ويحلق من جديد في سماء روسيا باعتباره رمزا من رموزها ومبدعيها الذين ساهموا في تكريس الرأسمال الرمزي والثقافي في بلاد الكرملين.

 

بقلم:  د. محمد الكرافـس

باحث وروائي/ المغرب

 

يسري عبد الغنيرسائل إخوان الصفا، هي موسوعة تضم 52 رسالة، كتبها إخوان الصفا من البصرة، العراق، في النصف الثاني من القرن 10 (والأكثر احتمالاً في القرن 11). كان لرسائل الصفا تأثير كبير على رواد الفكر في العالم الإسلامي، مثل ابن عربي، ونقلت في أقاصي العالم الإسلامي مثل الأندلس. ساهمت رسائل إخوان الصفا في تعميم وتشريع الأفلاطونية في العالم العربي.

صدرت عدة طبعات من رسائل اخوان الصفاء وخلان الوفاء، أولها في العام 1812 في كلكاتا Calcutta (الهند) وتبعتها اصدارات هامة وضعت باللغة الألمانية من قبل المستشرق فريدريك ديتيريشي في الفترة الممتدة بين 1861 و1872. أما النسخة المحّققة والكاملة الأولى من رسائل اخوان الصفاء فقد طبعت في أربعة مجلدات (مطبعة نخبة الأخبار) من 1887 إلى 1889 في بومباي Bombay (الهند)، من تحقيق ولاية حسين. وبعد ذلك نشرت طبعة القاهرة في العام 1928 (المطبعة العربية بمصر)، وقد حققها خير الدين الزركلي وقدمها عميد الأدب العربي: طه حسين، بالإضافة لمقدمة من تأليف أحمد زكي باشا. أما الطبعة الأكثر تداولا بين أصحاب الاختصاص في دراسة ارث اخوان الصفاء تعود إلى نصوص الرسائل التي حققها بطرس بستاني ونشرتها دار صادر في بيروت في العام 1957. هنالك أيضا طبعة حققها عارف تامر وأصدرتها منشورات عويدات في بيروت في العام 1995. يجب الإشارة أيضا في هذا السياق بأن كل الطبعات المتوافرة حاليا (أي حتى أواخرالعام 2008) من رسائل اخوان الصفاء غير محققة بشكل نقدي من حيث أنها لا تبرز المخطوطات التي تمّ الاعتماد عليها في تقديم محتويات نصوص الرسائل وتعددية معانيها والاختلافات في صياغاتها. ونظرا إلى ذلك الحال قام الباحث نادر البزري ببلورة مشروع أكاديمي يضم فريق عمل من أساتذة متخصصين بالبحث في شؤون تاريخ العلوم والفلسفة عند العرب، وذلك لاصدار رسائل اخوان الصفاء في طبعة مححققة نقديا وعلميا، وتستند إلى مجموعة من المخطوطات القديمة ومعظمها محفوظ في مكتبات ومتاحف إسطنبول العريقة ،وتضاف إليها الترجمة الإنجليزية التامة والأولى لهذاالارث العلمي. هذا المشروع تبنّته دار النشر العريقة التابعة لجامعة أكسفورد (Oxford University Press) في بريطانيا بالتعاون مع معهد الدراسات الإسماعيلية في لندن من خلال سلسلة علمية (عنوانها Epistles of the Brethren of Purity)،وقد صدر المجلد الأول من هذه السلسلة في العام 2008 من تحقيق نادر البزري (عنوانه The Ikhwan al-Safa' and their Rasa'il).

 

بقلم/ د.يسري عبد الغني

 

شاكر فريد حسنما يميز الشاعر العراقي الكبير مظفر النوّاب كونه شاعرًا غاضبًا متمردًا ومعارضًا، نادى بالوحدة وحمّل الجميع ذنب فلسطين الذبيحة الضائعة، وأثقل كاهل الحكام العرب بكلماته الثورية، وألقى كلمة حق فينا منشدًا: لا أستثني أحد.

فهو شاعر الحقيقية الفذ، وصوت الشعب المغلوب على أمره من جور السلطان وجشع الرأسمال، ويغلو بما يختلج في صدور الناس.

وفي الفضاء الشعري للقصيدة التحريضية يتعالى صوت النوّاب شادًا على أيدي المحرومين والمقهورين والمهمشين والمتعبين، لاعنًا الحكام، ومباركًا الإنسان والزمن الآتي، وفي القرائن والأضداد تنساب القصيدة النوّابية بتوزيع سيمفوني يحتد أحيانًا ويرق حينًا آخر.

والمطلع على قصائد مظفر يمكنه تجزئتها إلى ثلاثة أنواع، الأول التي كان فيها الشاعر محورها، كما في نصوصه التي تناولت علاقته مع الحزب الحاكم في العراق، ومع الحزب الشيوعي العراقي، ومع الأنظمة العربية، وغالبًا ما كان في هذه القصائد يتمثل تجربته الشخصية، والنوع الثاني قصائده الوجدانية والفلسفية التي يطرح فيها وجدان الجسد والروح والنفس.

أما النوع الثالث فتلك القصائد التي كتبها متمثلًا فيها تجارب عامة كتجربة الفلسطينيين في لبنان، وتجارب شخوص ورموز كان لهم دور في الحياة السياسية العربية، وفي هذه القصائد لم يكن هو المحور، وإنما آخرون، أو المكان والجغرافيا، ومن أبرز هذه القصائد قصيدته التي كتبها عن تل الزعتر، الذي تعرض لمذبحة رهيبة طالت المخيم بأكمله، نقتطف منها:

طفل يكبر بين الجثث المحروقة

قالوا يا عرب الردة مرثية

أيهم الميت إن القبر يزخرف

ام تكثرت الماعز للحقل إذا حضر الذبح!

ماذا يطبخ تجار الشام على نار جهنم؟

إن الطاعون قريب

أول ما يظهر نجم مثقوب

قلق.. يرسل أضواء مهلكة

وتضيء محاجر جمجمة

تلعب فيها الريح بتل الزعتر

ان كراب العالم لا يغمض عيني جمجمة

تبحث عن وطن

منذ قليل سقطت عاصمة الفقراء

صنوج العنة قد ضربت حتى البيت الأبيض

خصيان العرب الحكام ارتجفت شرفا

أبناء الكلب ... هنا

صرخ الكرش الأشقر.. أردى طفلا

سحب البزازة دامية من فمه ومزدان بها

أبناء الكلب هنا.. يعني بالضبط هنا

حمد الأطفال

وقد ذهب البؤس بكل ملامحهم

وقف الله مع الأطفال الوسخين

فعاصمة الفقراء قد سقطت

حاول طفل ان يستر جثة جدته

فمن المخجل ان تعرض افخاذ الجدة

أردوه على فخذيها

لا بأس بني فذاك غطاء

هل تلد المرأة في الخيمة إلا جيشا

أولاد الوسخة

أولاد فلسطين

سوف تعودون إلى فلسطين ولكن جثثا

نظر الأطفال إلى الوطن العربي

خصيان الحكام العرب ارتجفت شرفا

صرح نفط بن الكعبة ان يغقد مؤتمرا

لسنا في زمن التفكير

سيأتي ذلك.. يأتي ذلك.. يأتي ذلك

والجوكر في اللعبة اضحى معروفا

بلاع الموسى كذلك

كيف يغيب النخر عليكم..

يا أهل الفطنة بالنخر لقد سقطت عاصمة الفقراء

وقيل قديما مأرب بالجرذ لقد سقطت نسفا والنسوة يرفعن

اياديهن ويمشين فرادى

والحامل بيت أنوثتها

طرحوا الحامل أرضا

سحبوا رحما فيها في الليل فدائي

أسمعتم عرب الصمت

أسمعتم عرب اللعنة

لقد وصل الحقد إلى الارحام

أسمعتم عرب اللعنة

ان فلسطين تزال من الرحم

دعاة الدين الأمريكي بمكة

والسوق عليها في اوجه

مزاد علني يا أشراف

نمانون على تجار الشام

ثمانية وثمانون على تعطيل الدستور كويتيا

وفي هذه القصيدة التي يطغى عليها الحزن والشجن والأسى يعتمد النوّاب في حركتها، التصويرية الإنسانية والتوصيفية المشهدية، التي تزيد الصور إحساسًا دقيقًا بالحدث، وطريقة التعبير الفني، والجمل التعبيرية والوصفية السردية ذات الانفعال الشعوري، المكتنز والمكتظ بالرؤى المترامية الأطراف على صعيد الكثافة الشعورية وعمق الرؤيا، ما يجعل الصور انفعالية في صداها النفسي وبعدها المشهدي المحمل بشتى ألوان الأسى والانفعال والصخب الدلالي. وكما في كل قصائده تضج القصيدة بالروح الثورية الانفعالية والقلق والتوتر والاغتراب، وبإيقاعها الصاخب والوجع الذي يحملها في باطنها الشعوري المأزوم.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

 

 

قاسم جمعةهل نسيت هديتي لك بعيد ميلادك الاخير، انا لا اتذكر.. المهم انها كانت بعشرة الاف دينار. وهل تتغافل انت متى كان اخر موعد لنا عندما اشتريت وابتعت بأموال مني انا.. انا لا أتذكر ذلك قلت لك.. جيد إذن. لقد كانت حياتي كلها لحظة تمرق من ناظري عندما ساق هذا الحوار البينذاتي كما ينعتوه، مع اخر شخص صعد قطار مع زوجته، عندما كنت متوجه إلى احدى القرى. فهي تملكه حبا وهو يتملكها كرها.. لا اعرف ان كنت حقا مدرك لهول العلاقات الزوجية، الا ساعة ألتقيت صديقي هذا الذي سقت لكم عينة من حواره الاستعراضي المقيت. فتمنيت لصديقي زوجة لا يمتلكها حب تملكي، فهو يعشق الحب ولا زوجة تعانق زوجا يحب المال.

هي تعشق ذلك الذي يشرق ساعة الصباح ويهل بظله ساعة احتضار الليل في ظلمته.على اي حال، قالت له كل ما أملك لك، لان كل ما قلته توا يهون امام ما قدمته لي !.وهو يخاف لحظة خوفه وكل من التقى به صار يوبخه.اتصل واستعلم بعدها وعرف حينها موعد الزفاف الاسود لحبيبته اللاتملكية. فما معنى انك تحب لكنك ضعيف وما فائدة معرفتك بعد فوات الأوان. فالذي كشفته متأخرا يعادل جهلك به والذي كنت دوما ترمقه باستخفاف صار ينصرك امام نفسه.لقد كان يعشق نساء كثيرات وصادف في سفره امرأة جميلة كانت ترغب به.. لكنه كان خائفا مترددا.على كل حال اصعب الأزمان هي التي تقضى في غير اماكنها المعتادة.واغرب الأماكن عندما يسوقك إليها دهر ما. لقد تصادف ان تفرق كل حبيب من ألاحبة وعرفت هي، انه هو. وبحسب لغة نيتشه.. فهل يمكن للمرأة ان تكون صديقة؟.

اعرف فتاة تزوجت ليلا واصبحت مطلقة في نهار اليوم الثاني.. وعندما سالتها اجابت لا يعرف التعامل معي فهو يعشق جيبه. وآخر يهوى المال والاكتناز فهو يعد زوجته صفقة لا ربح فيها.وغيرهم من يتلفت خلفه ويسير بالمقلوب لانه انتصر لذكوريته المؤجلة.!.

ونصادف كثيرا مع سقراط وزوجته المتجادلة والموبخة لشهيد الوثنية جدل الحب والكره وغلبة التملك، فهي على مدار اليوم تبرق وترعد وتغضب كما ينقل عنه هذا القول.لكن الغريب انها كانت ملهمة له في تدشين نمط جديد من التفكير الفلسفي يلهم الحوار وينتهي به الى وضع حد للمفاهيم وتغييرمضمونها.. فالحقيقة تولدت من النكد النسوي وهو لايعير لها شانا، فمخالفة العقل النسوي بتجاهله، حيلة براجماتية قال لي عنها، شيخ كبير عندما خالفت رايه. فهل يمكن القول إن الضجر من النسوة يولد مفكرا!.وهل في مخالفتهن دعوة للتفكير الحر وانتاج نمط تفكير منتج.. أسئلة كثيرة تحوم حول المبدعين وعلاقاتهم بالمرأة فهل انت حر ما دامك تخرج من ذاكرة النساء منتصرا !..

وبالتالي لم تفلح زانثيبي زوجة سقراط بمهادنة عقله وصرفه عن توليد الأفكار كما كانت تفعل امه لتولد النساء في وضع حملهم..

افلا يصح القول ان زوجته كانت سببا لولادة التهكم والتوليد، عندها ايكون الاصدق، القول انها افلحت وقتما ارادت صرفه عن مجال اهتمامه، فولدت لديه القدرة على التفلسف خارج رحم النكد والمساجلة الزوجية التملكية، انه زواج للتملك .

اما حب المال يلمس ذلك من العلاقة التي انقهرت وانصهرت بين اينشتاين وزوجته التي يقال انها الهمته افكارا. وكانت له خير عون في تنظيم وكتابة بعض من اوائل نظرياته.. المال كان المحطة الاخيرة في زواجها اذ اتفق الاثنين ان تكون جائزة نوبل التي ستمنح للزوج على جهده العلمي الخارق وجاءت الاقدار، بما اتفقت الانفس عليه، ومنح غداة استلامه مال الجائزة لزوجته عام ١٩٢١..

لكن اينشتاين لم يكن راضيا على زوجته التي وضع لها شروطا لا يمكن أن يستمر تطبيقها فكل من يقرأها يشعر ان طلاقها آت.على اي حال (ماريك زوجة العالم) انتهت لحياة العوز والمرض بعد أن تم طلاقها وتزوج العالم من زوجة أخرى.وانتصر المال وظل التملك مزهوا يتربع على عرش الزيجات الخائبة.

أيصح أن يعبرهذا الانفصال، عن الوجه الآخر المغيب للتصاهر بين التفكير والحياة والفلسفة، فيكون مصيرهما الانفصال رغم التظاهر بالتصاهر. او يكون مصير الفيلسوف والعالم الابتعاد عن النساء بوصفهن زيجات مزعجات.ربما يكون الاضطراب المتحقق من جراء عدم التواصل مع عالم النساء، عاملا للتعويض واللجوء الى عالم الكتب والعلم. اذا صح فهمنا لاليات الهروب وتعويضها او وفقا لتصارع اللذة والواقع.. فتكون منجزات المفكرين وكل مبدع وسيلة للهرب.. لاسيما اذا كانوا مفلسين كحال سبينوزا ورفضه لعطايا الملك او منشغلين بالسماء والقيم مثل كانط او فاشلين بالحب ك نيتشه وشوبنهار، او عوز ماركس اوزاهد مثل فتجنشتاين وثروته التي احتقرها.. وعليه يمكن أن يكون نكد النساء وجدالهن الغير منتهي عاملا للإبداع. فيضاف مصدر جديد للإبداع الا وهو، النكد النسوي.

 

د. قاسم جمعة

 

 

امان السيد اعرف نفسك بنفسك، مقولة سقراط الشهيرة، قفزت إليّ، وأنا أتابع مسلسلا أردنيا حديثا على نتفليكس، وجعلتني أفكر، هل يحكم على المجتمعات أيضا من خلال مستودعاتها السكانية، وهل الأعمال الدرامية شديدة الالتصاق بالميدان الإنساني لشخوصها، أم أن للمؤلف، وللمخرج رؤيتهما التي يسوقان لها، والتي قد تحيد عن صميم الواقع، أو توجه المخيلة إلى مضمار يقتنص منها وعيها أنى فرّ؟!

مسلسل "مدرسة الروابي للبنات"، حلقاته ستّ، غير كاف بالقياس إلى المشكلات والأزمات الصادمة التي ينبشها في مجتمع أردنيّ لا يختلف عن غيره من المجتمعات العربية في أطُر قوامها التقاليد الصارمة، ورغم أن الشخصيات قُدّمت في مجسّم غربيّ الواجهة، والممارسة، لكنه يكرس التناقض الورِم الذي غدا سمة للمجتمعات العربية في انفتاحها على عولمة تخوض في ركابها رغم أنفها، وهي ما تفتأ تردد: " ماذا سيقول الناس عنا؟!"

نظرة المجتمع، ماذا سيتحدث المجتمع عنا حين نشذّ عنه، يجعلنا نتيقظ للكثير من العلن المبطن بخفاء مرير، غير أن المسلسل ينطلق من فكرة جديدة كليا على مجتمعاتنا، نشعر بها تسري سريان النار في الهشيم، وتجرف أبناءنا نحو مجتمع هو مرآة، وظل للمجتمعات الغربية، وليته كان في الفكر والمعرفة، والانفتاح المجدي الذي نأمله، بل إنه في أسوأ ما يمكن أن ينهش أوصالنا.. التنمر!

متى عرفنا كمجتمعات عربية، ذاك التنمّر الذي يقلبنا نمورا، وذئابا في شرع الغاب، نعم، نسترجع ممارسات عدوانية بعض الشيء أيام الدراسة، ضد رفاق، وأولاد حيّ، تستدعي معها مؤلفي القلوب من كبارنا، ومواعظ الأهل، وحكمة الجدات، لكننا لا نتذكر مرة أنه أدى إلى القتل في انتقام ليس أقبح، ولا أفظع منه، ومعه نحن مضطرون إلى التوقيع بأنه واقع!

المسلسل الذي يستفزّ المتابع منذ أول مشاهده يستوقف في كثير من القضايا التي يغوص فيها مجتمع، لن أنسبه إلى الأردن فقط، بل هو في كل مكان، بيئته مدرسة عريقة، بناتها يتسلسلن من آباء ذوي سلطة، إدارة تحرص على المنصب والجوائز، وإن كان ذلك على حساب سمعة فتياتها، انفتاح في الطالبات في المظهر، لا تخفى الإشارة أن المدرسة تنوّع في هيئتها التعليمية ما بين الملتزمة، والسافرة المحترمة، والعاملة الفقيرة، المديرة تنتمي إلى مجتمع مخملي يغور في التسطح والزيف، أما العنصران الأساسيان محور الصراع المتنمر فهما طالبتان متباينتان في السلوك، إحداهما قيادية نرجسية، خصمها فتاة هادئة تنتمي إلى عائلة تتبدى متفاهمة، لكن الخلفية المصدّرة لهما واحدة: إهمال أسريّ باختلافه!

أكثر من جانب يستدرّ الكتابة والنقاش، سلبية الأهل في معالجة مشاكل بناتهم المراهقات، الثقة المعدومة بينهم، رعب من المجتمع يتفوق على الخوف على بناتهم، الحمق، والجهل، العنف ضد الأنثى، تطاول الرجل على جسد الأنثى بلا مقاصصة، رعب الأنثى من الإبلاغ عنه، المتحرش الذي لا يفرق بين محتشمة ومتبرجة، القانون العاجز عن إجراء تحقيق شفاف،  ليُختم المسلسل بالنجدة تأتي من العقل التقليدي، وتمثله المدرّسة المحجبة التي تتجرأ على تحطيم قيود تسويف تمارسه مديرة بلا ضمير تجاه طالباتها، و... الكثير، كل ذلك كان التنمر منبثقا له، والموسيقى الشبابية العصرية مسرحا مؤرخا له.

تساؤل ما.. هل استطاعت الجهة المتبنية للعمل الدرامي أن تقدم عملا يزلزل الأكوام من المتراكمات، والأوابد في المجتمع الأردني والعربي عامة، وهل هي حقا ساهمت بغرز وتدٍ يتحدى للتغيير، أم أنها أشرعت الباب على مصراعيه لتنمّر خامد ينتظر الصفارة ليتنفسه بارتياح، أم أنه التمسيد بأسنان مشط لعالم إنساني يجردنا من خصوصية نتكمش بها؟!

 

أمان السيد

 

 

صادق السامرائيسنان بن أبي الفتح الحراني، عالم رياضيات وفلك، من مدينة حرّان، عاش في أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع الهجري، وتوفى عام (331) هجرية.

مؤلفاته وأكثرها لا تزال مخطوطات:

"شرح الجمع والتفريق، حساب المكعبات، شرح كتاب المقابلة والجبر للخوارزمي، التخت، حساب الوصايا، الكعب والمال والأعداد المتناسبة"

إبتكر العمليات الحسابية المتعلقة بالضرب والقسمة، والتي فتحت الأبواب أمام علم اللوغاريتمات بحساب المتواليات الهندسية والعددية.

كما إبتكر الأسس وعلاقتها ببعضها، وحل معادلات تكعيبية من الدرجة الأولى.

كان عالما ماهرا فذا في الرياضيات خاصة، مهتما بالحساب والجبر والعلاقة بينهما، وقد إنطلق من ثورة الخوارزمي في الرياضيات، وما وضعه من أسس لعلم الجبر، التي فتحت آفاق التواصل العلمي الإبداعي الأصيل في مسيرة الأجيال حتى الآن.

ولو تأملنا حياة هؤلاء العباقرة الأفذاذ، لتبين مدى الصعوبات التي حفت بهم، لكنهم إستطاعوا أن ينفذوا خلالها ويؤكدوا مواهبهم ويجاهدوا بعلومهم ويفتحوا أبوابا مغلقة في مسيرة الإنسانية، مكنت العقل من الوصول إلى ناصية المجد الحضاري.

وبذلك يقدمون قدوة للعزيمة والإصرار والتفاعل مع الأفكار وتجسيدها رغم العوائق والمصدات، وما تمر به الأمة من صراعات، فهذه الأمة في مسيرتها ما عرفت الإستقرار والهدوء، فهي كالبحر الهائج، وبين آونة وأخرى تجتاحها ثورات تزعزع أركانها، لكنها تتواصل بعطائها وتدوم.

والرياضيات بفروعها المتنوعة إبتداءً من الحساب، هي لغة العلوم، وبهذه اللغة المعبرة عن الفكرة العلمية، تلاقحت العلوم وتطورت، وبموجبها تقدمت البشرية وإرتقت، ولهذا تكون إسهامات العلماء العرب من الأساسيات الجوهرية التي إرتكزت عليها إرادة العلوم بأسرها، ومنها وبها شقت طريق وجودها الساطع الفعال.

فتحية لأعلام الرياضيات العرب الذين كانوا بوصلة مسار الرقاء الإنساني!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

جمال العتابيلم تخطىء أمك حين سمّتك (ريسان)، فأنت في معاجم اللغة، تعني تبختر الرجال، والقائد، والغالب، وتعني كذلك، تبختر الأسد، وكما أظن ليس بوسع هذه التسميات  أن تضيف لك شيئا، لكنني أعتقد أن واحدة منها، ترسبت في أعماقك، وتماهيت معها بلا شعور منك، (التبختر) هي وحدها، من فرط إكتمالها فيك، بوسعها أن تضيء حياتك، لكن أين؟ ومع من؟ وبأي مستوى،؟ انها في الناي الذي تعزف به أناشيدك، فأنت يا ريسان القادم من (الهدام)، إلى المدينة، لا تحمل معك سوى جِرار من ماء (الهدام)، في العمارة جنوب العراق، من روافد ومصبات آل زيرج، والميمونة، وأهوار العودة، ونهر أبو فحل، فتعمق إحساسك بالماء، وتشبثت بجذوره الطينية،

الهدّام نهري وطفولتي

وأنت في متحف الأنهار

كيف إهتديت إلى النهر والنهار؟

أبا طيف : أشعر أن مئات المدن، ومئات الأنهار، وآلاف من أعواد القصب والبردي، والطيور تعيش في قلبك، ها أنا دائماً أقف أمام نصوصك في الشعر، والشعر الشعبي، على وجه الخصوص، منصتاً، متأملاً، مندهشاً، وأتساءل :من أية نافذة تأتيك الكلمات؟ من أي باب نمدّ يدنا إليك، ربما تصنع بالكلمات شيئاً من حزننا، وإنكساراتنا، وفرحنا، وأملنا، لكنك تشعرنا دائماً ان العالم كله يعيش بيننا، كيف تجمع الماء، والريح، والهوى، والطين لتبني لنا بيتاً، توقد النار فيه إنتظاراً لحلم جديد؟  يا ريسان: حتى وانت في حالات انفعالاتك وتحدياتك الليلية ، تترقب الصبح ليشرق في وجهك، لتنسى مبتسماً خجولاً، تستعيد صورتك التي أينعت وإزدهرت بعطر قصائدك:

ينشاف طولك رجفة بالمفتاح

جرفين النهر.... لو ما الماي مابيه روح

وخرزتي الوردية تاهت فوگ حز النهد يسمر....

والعشگ كله لعب حز

جدمك راهم بكاشي الممر

هذا حزني الليله ماي، جانت الجامة نهر

حتى الخيال إمن الفرح لابس دلع ثوب أحمر

وبكسرة الگذله الفرح يتشلبه

وبخيط ارموشك متوزرة

حزامي أترف من جف إمعرسه

هذه المقاطع لاتنتمي لقصيدة واحدة، انها من مئات. الأمثلة التي يفيض بها الخزعلي، بالمشاعر الدافقة، بمزيج من الغناء والحب، والهمس، والإنغماس في الحياة، معتمداً موهبته، وإقترابه الحميم، من المفردة المشحونة بأقصى درجات العاطفة. أي جلالٍ هذا الذي يحيط بإبن (الهدّام)؟ أي سمو هذا الذي دعاك أن تحلق دائماً في الأعالي بأجنحة تخفق بعوالم فسيحة، وبأنفاس طيبة متواصلة لا تنقطع؟ تغمرك غبطة الكتابة، فهي فردوسك الأثير، فأية عذوبة مشحونة بالإمتلاء والدهشة، تحملها، قصائدك؟، من أين لك كل هذا الجمال؟ وأية إحتفالية يمكن أن أقيمها بما هو مخفي بين حروفك؟

ثمة منعطفات ومحطات مهمة في حياة ريسان الخزعلي، لم تكن خفية لدى المتتبع أو الناقد لآثاره الإبداعية، لم يكن كاتباً عابراً، ولن يكون فكره كذلك، الذي أهّلَهُ ان يكون دقيقاً، صارماً في آرائه النقدية، بصلابة الموقف في خضم المعترك السياسي والثقافي، خصماً لأشكال التخلف والجمود في الفكر والثقافة، مراهناً على التجديد والتنوير بإسلوب حضاري، في كل الأجناس الأدبية التي كتبَ وأبدعَ فيها. فأضحى علامةً متميزةً في حركة الشعر العراقي.

ريسان (ظلٌ يمشي على الماء*) ، ترافقه حَشدٌ من الصور اللامعة، تشبه شلالاً، صور تبهر وتجذب، انها مقطوعات متوهجة ثرية، عميقة الأثر، بعمق تجربته وغِناها الفكري والسياسي، وهي فضاءٌ عام يتلاعب فيه بالذائقة الفنية، يكتشف المعاني الإنسانية عبر ما أنتجته عقليته المتفتحة.

من حقك ياريسان أن تتبختر علينا ! فأنت نسّاج شعر، وساحر، يُلزمنا صوتك، وروحك الشّابة، لكي نكتمل فيك، ونضمن مواصلتنا الشوط.

 

جمال العتّابي

.............................

* أنا الظل الذي يمشي على الماء.... مقطع من قصيدة (مصرع العنقاء) لمحمود درويش

 

 

عبد اللطيف الحسينيربما ماركيز وصفَ هذه العزلةَ بالمقدّسة ليقينه بأنّ المرءَ يعيشُ فيها ملءَ حياته بعيداً عن ضجيج الواقع وبما يقابلُه الأكثرُ ضجيجاً وسائلُ الاتصال الاجتماعيّ التي ينعدم فيها التواصلُ.. غيرَ أنّ الأنفسَ الكبيرة تحيّي بعضَها عن بُعد في فترات متباعدة، فغربةُ المكان تستبدُّ بالمرء وتفضي به إلى غربة الزمان الغابر المعادي مستثنى منه سَمَر الأصدقاء والعمر الذي قفز من سنة إلى سنوات بلمح البصر والبصيرة الشائخة، مضافاً إلى هذه الغربة غربةَ اللغة.أستشهد دوماً بمعاصرنا المتنبيّ" غريب الوجه واليد واللسان."

**

في مثل هذه الأيام كان مسرحُ فاوست موّاراً بالنشاط الاستعراضي من مسرح وإلقاء الخطب والأشعار والرقص وعرض اللوحات في الهواء الطلق، في اليوم الواحد كنتَ تشاهد معرضاً ومسرحاً ورقصاً وشعراً والكثير من البسمات حتّى تخال أنّ الألمان لا يضحكون، فقط يوزّعون البسمةَ على المجهولين من أمثالي.. والمعروفين. لكن الآن.. هنا المكانُ خالٍ إلا من شباب يتجرّعون البيرة المثلّجة،شكوتُ هذا الطارىء الجديد لأخي عبدالرحمن الذي أفادني بأنّ المدير الإداري لفاوست قد توفّيَ، وهو الذي عرّفني عليه إيماءً أنّ هذا هو Hans-Michael Krüger مفردٌ بصيغة الجمع يصوّتُ صمتَ هانوفر ويوصل ليلَها بنهارها، الرجلُ مات وبقي فاوست، كما مات غوته وبقي فاوست مع شياطينه تخاطب التائهين و شرّيبي الكأس..

**

الداخلُ إلى حارتي يظنُّ أن هانوفر كلها صحت للتوّ، والخارجُ منها يظنّها نائمةً بعدَ طول عمل مرهِق، فالساعة تجاوزت الثالثة فجراً.. لا صوتَ في الغرفة إلا صوت لوحة المفاتيح،أفكّر بالخروج.. لكن إلى أين؟ فالمكان ليس مكاني.. ولا الزمان زماني..  ولا الأصدقاءُ أصدقائي الحمقى.. ولا اللغة لغتي التي تشبه الصمت حين أتكلّم بها.. ياااا لهذا العمر الذي طال! يا إلهي.. مَن رماني إلى هذه البلاد، وكيف أتيتُها خالياً إلا من الوحدة والوحشة ؟، مَن يأتي لي بصديقي غسان جانكير إلى هذه الوحشة كي نتبادل الأدوارَ في الشتائم.. متسامِرَين.. مبتسمَين.. مختلفَين على الرغم من وحشة الطريق وقلّة الزاد ؟ في كلّ أرضٍ وطئتُها أبحتُ عن صديق أحمق، فالمرءُ على دين خليله، في المصحّ النفسي ناديتُ رجلاً أسميتُه غسان.. وعندما لم يلتفت لندائي.. اقتربتُ منه فأدار وجهَه إليّ فإذا هو رجلٌ غريب.. لا أعرفُه ولا يعرفني.. أَخرجَ هاتفَه فأراني مدينةَ حمصَ مدمّرةً على ساكنيها.. قائلاً:" أ أنت من هنا"؟ أجبتُه نعم..  وأدرتُ له ظهري حتى اختفى.. واختفيتُ..

 

عبد اللطيف الحسيني

برلين.

 

عبده حقيقبل عشرات السنين توصل بعض المختصين في علوم البيولوجيا إلى حد تجميد الإنسان بعد الموت على أمل أن يكون العلم يومًا ما قد تقدم بما يكفي لبعثهم وإحيائهم من جديد.. فيما يعتقد البعض الآخر اليوم أن السبيل إلى الخلود يكمن حاليا في العالم الرقمي.

كانت النظرية القائلة بإمكانية رقمنة البشر والعيش ضمن الحدود الرقمية للوجود القائم على الكمبيوتر موضوعًا للنقاش. ولكن حتى وقت قريب لم يكن أحد قد أخذ الفكرة على محمل الجد إلى ما هو أبعد من البحث والمناقشة فقط.

السؤال العريض اليوم هو ما إذا كان من الممكن للإنسان أو أي كائن حي أن تتم رقمنته في المقام الأول وللإجابة على هذا السؤال برزت مدرستين فكريتين مختلفتين.

هناك المدرسة التي تؤيد بعض المفكرين مثل جيل دولوز و هنري برغسون حيث يقوم تفكيرهما الفلسفي على فكرة أن ازدواجية العقل والجسد ليسا من نفس الشيء. لذلك يبدو أنه من المستحيل رقمنة الإنسان، بل كيف يمكن للمرء أن يضع جوهر الروح البشرية في الكمبيوتر مثلما يضع الساحر العفريت في زجاجة؟

على العكس من ذلك يؤكد العديد من العلماء وجراحي الأعصاب البارزين أن الجسد هو كل ما هو قابل للوجود. حيث إذا كان بإمكان المرء نسخ دماغ الإنسان في شكل رقمي فسيكون تحقيق الباقي أمرا يسيرا. ورغم ذلك فإن نسخ الدماغ ليس بالأمر السهل بحيث تضمنت الاقتراحات صنع آلاف الشرائح الدقيقة من الدماغ ونسخ الشبكة العصبية التي تم الكشف عنها.

للقيام بذلك يجب إنشاء آلة يمكنها صنع هذه الشرائح ومن ثم يجب العثور بعد ذلك على شخص متطوع لإنجاز هذه التجربة. ثم ستكون هذه شرائح جسدية من دماغ تم الحفاظ به قبل الموت. في الواقع تقترح إحدى الشركات الناشئة القيام بذلك والحفاظ على عقل الإنسان حتى يوم رقمنته في المستقبل.

سوف يتم نقل محتويات دماغ الإنسان في النهاية إلى جهاز كمبيوتر وبالتالي يبقى على قيد الحياة أو ربما قد يولد من جديد. لقد تم إجراء تجارب مشابهة على دماغ فأر ولكن لم يحدث اختراق في رقمنة مجموع ذلك الدماغ.

بالانتقال من الآليات التي قد تجعلنا جميعًا مرقمنين ما الذي ينتظر البشرية بخصوص الخلود الرقمي؟ يقول أحد العلماء إن السياسيين والمفكرين والفنانين العظماء سوف يمكن للأجيال القادمة متابعة حياتهم المهنية لقرون عدة، ولن نحتاج أبدًا في المستقبل إلى تشييعهم في جنازات وحفر قبور لهم تحت التراب.

ستنخفض أيضا الطلبات على موارد الأرض كثيرا إلى موارد جديدة خاصة فقط للبشر المتبقين على كوكب الأرض وبالطبع أجهزة الكمبيوتر التي تحمل بقاياهم. وربما قد يعود كوكب الأرض إلى حالته الطبيعية الأكثر نقاء ونظافة بيئية.. وسوف تختفي المجاعة والأوبئة والأمراض وبالتالي يمكن أن نستمر في الحياة إلى ما لانهاية...

ربما يبدو هذا هدفا رائعا وحلما طوباويا فقط. ولكن إذا تم إطلاق العنان للتجارب البشرية في هذا العالم الرقمي على ما يبدو فهل سنستفيد من تلك الحرية أم ننتقل ببساطة إلى إعادة إنتاج جحيم رقمي على الأرض؟ وماذا عن الفيروسات الرقمية والتشوهات الأخرى للعالم الافتراضي نفسه؟

 

عبده حقي

 

صادق السامرائييوسف إدريس كاتب قصصي مسرحي روائي مصري (1927 - 1991)، تخرج من كلية الطب عام (1947)، وتخصص في الطب النفسي عام (1951).

تولعتُ به لحدٍ عجيب وقرأت معظم ما كتبه، وكنت أتابعه في مقابلاته الإذاعية والتلفازية والصحفية، وكان لي صديق مصري إسمه محمود من متابعيه أيضا ومتأثر بكتاباته، فكنا نتحدث عنه ونناقش قصصه ومسرحياته، وكان أسلوبه السردي المكثف يشدني إليه.

ولا أدري سر إنجذابي إليه، أ لأنه طبيب وكاتب؟!

لا أعرف!!

 لكني عندما أتفحص مَن قرأت لهم وتأثرت بهم كانوا من الكتاب الأطباء العرب والأجانب، وكأني كنتُ أشعر بأني سأكون طبيبا وأنا في المرحلة المتوسطة.

تعرفت على حياته ونضالاته ومواقفه السياسية، ومسرحياته التي كانت تنتقد الواقع وتدينه، وتابعت مقاساته وما أصابه وألمّ به حتى وفاته.

قرأت له الحرام، جمهورية فرحات، بيت من لحم، ليلة صيف، العتب على النظر، رجال وثيران، الفرافير، المهزلة الأرضية، وغيرها من كتاباته التي كانت تصلنا.

وكانت لشخصيته تأثيراتها وتعبيراتها الكرزماتية، فكنت مأخوذا بهذه الشخصية الجريئة المتحدية الناطقة بما تراه وتكتشفه بلا تردد أو خوف.

وتعلمت منه لكي تكتب عليك أن تكون جريئا، لأن طريق الكتابة معبّد بالأشواك والمطبات، ويزدحم فيه أعداء الكلمة.

وكان صديقي المصري أكثر معرفة به ومتابعة له، فيحكي لي عن تفاصيل حياته وما يقاسيه، فهو من المولعين به والفخورين، لكونه كاتب مصري متميز.

وقد تحيَّرت بأمره في أواخر عمره وما عدت أتابع ما يكتبه، لأنه صار وكأنه يكتب بلغة أخرى، ويرى بمنظار معقد رمزي مكتئب حزين، ولا أدري إن كنتُ مصيبا، فكتاباته المتأخرة أصبحت لا تستهويني، لكنه أثر على علاقتي بالقصة والكلمة، وتعلمتُ منه كيف أكتب ما يعين على التنوير والتثوير.

تحية للكاتب يوسف إدريس الذي لا تزال كتاباته ذات قيمة إبداعية وإستنهاضية للأجيال.

 

د. صادق السامرائي

 

 

ثامر الحاج امينيُعتبر السفر نشاطا ًانسانياً متعدد المنافع لا تنحصر في حالة الاسترخاء والمتع البصرية الاخرى التي يستمتع بها الانسان خلال جولاته السياحية انما تتعدها الى التعرف على ثقافات الشعوب وتجاربها في تنظيم حياتها والتي قد يجد السائح فيها الفرصة لمراجعة ذاته واصلاح عيوبه، وقد أوجز كل ذلك الشاعر حبيب بن أوس الطائي بقوله (وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدّد) .

 في سفرتي الى ماليزي لمست كل تلك المزايا وفي الوقت نفسه أثارت انتباهي جملة من المشاهدات التي تستحق التأمل والاستفادة من دروسها، فعلى الرغم من ان المجتمع الماليزي مجتمع متعدد الأديان، وان الغالبية من سكانه هم من المسلمين الذين تصل نسبتهم الى 60% الاّ ان هذه الغالبية لا تشعر بهيمنتها على واقع الحياة اليومية وتكاد تنسى انك في بلد اسلامي وأنت تعيش وسط طوفان من البشر فيه المسلم والبوذي والهندوسي والمسيحي والكونفوشوسي واللا ديني وذلك بسبب محدودية الاشهار عن هوية الأديان في الأماكن العامة ان لم نقل انعدامها تماما، وتجربة تعدد الديانات والجنسيات التي يزخر بها مشهد الحياة في ماليزيا هي تجربة مثيرة للإعجاب وتستحق الاشادة والاستفادة من دروسها القيمة التي من أبرزها قدرة المجتمعات المتحضرة على تخطي هوياتها الفرعية والانضواء تحت هوية واحدة أعم وأشمل وأسمى وأصلح هي هوية المواطنة التي يمكن ان تضم الجميع تحت جناحها دون تصادم و صراعات تكلف الكثير ولا تنتهي، كما ان تجربة ماليزيا تحفزنا على عقد المقارنة بين حياتها وحياة شعوبنا المتخمة بشعارات التقوى وتعاليم الدين ومظاهر التدين الشكلي التي لم تفلح في الحد من انتشار الجريمة وتفشي الفساد بأشكاله في مجتمعنا يضاف الى غياب الشعور بأهمية البناء للأجيال القادمـة . ففي العاصمة الماليزية كوالالمبور لم نشهد خلال تجوالنا في معظم احياءها وشوارعها اي مظهر يدل على اسلامية هذه الدولة سوى الحجاب الذي ترتديه بعض المسلمات وكذلك جامع واحد اسمه (مسجد جامك) وهوكيان بسيط غير مبالغ في طرازه ومساحته ومنائره وموقعه ، كما عشنا حالة الأمان الذي يسود مجتمعها حيث لم نشهد شجاراً او مخالفة او جريمة او تجاوز على نظام المرور طيلة وجودنا فيها، كما لم نتعرض لعملية نصب او قرصنة حتى في الاوقات المتأخرة من ليل المدينة الصاخب بكل مظاهر البهجة والأمان والاستقرار، على العكس اننا وبسبب ما اتخمنا به من ثقافة التعصب (اننا خير امة ..) ومشروعية الشك بالآخر المختلف معنا في الدين والعقيدة وتكفيره، فإننا اكتشفنا هذا الهراء عندما لم نأخذ بنصيحة السائق البوذي الذي استأجرناه عند عودتنا الى الفندق في ساعة متأخرة من الليل وكانت الاجرة التي دفعناها له بشكل مضاعف هي ثمن الشك في صدقه وعدم الأخذ بنصيحته . كما ان مشاهد التعايش بين المختلفين دينياً في المجتمع الماليزي تبدو حقيقية لا رياء فيها وهو ما جسدته مشاهد الود في جلوس المرأة المحجبة الى جانب السافرة ومشاركتها الحديث دون نفرة او تأفف بسبب الاختلاف في الدين والمعتقد، فالكل يعرف حدود حريته ويحترم حرية الآخر المختلف .

ان العبرة التي يمكن استخلاصها من كل هذا هي ان وجود الدين وفاعليته والالتزام بتعاليمه هو ليس في عدد الجوامع و المجاهرة في أداء العبادات و الطقوس المتعددة و... و... و... بل في مدى صدقك وأمانتك وانعكاسهما على مظاهر الحياة العامة المتمثلة في تدني نسبة الجريمة وغياب الفساد وصيانة الأمانة وتجسيد ذلك ايضا في احترام حقوق الاقليات والأديان وحرية الآخر من خلال الالتزام بحدود حريتك

 

ثامر الحاج امين

 

ناجي ظاهريدخل الكاتب التونسي شكري المبخوت، قارئ روايته "الطلياني"، إلى اعماق الحياة التونسية، عبر اكثر من باب، وتسير روايته وفق خطين متوازيين، كما في العديد من الروايات المعروفة عربيًا وعالميًا، وهما الخط الشخصي/الروائي بكل ما فيه من تخييل، والخط العام الذي يتحدث عن التاريخ التونسي الحديث، اواسط الثمانينيات واوائل التسعينيات، وما رافقها من انتظار وترقب خلال وبعد انقلاب علي زين العابدين على بورقيبة. هذان الخطان يتقاطعان حينًا ويلتقيان حينًا آخر.

شكري المبخوت من مواليد تونس عام 1962 وهو مؤلف العديد من الكتب البحثية. هذه هي روايته الاولى. صدرت عن دار التنوير في لبنان وتونس، قبل سبعة اعوام وحصلت بعد صدورها بعام واحد على جائزة الرواية العربية. اتيح لي قراءة هذه الرواية في الفترة الاخيرة، واقدم فيما يلي قراءة خاصة لها.

تفتتح الرواية بصفع الطلياني، واسمه عبد الناصر، للشيخ خلال تلقينه والده اثناء تسجيته قبره، الامر الذي يثير العديد من التساؤلات لدى المشاركين في التشييع ولدى القارئ ذاته ايضًا، ولا نحصل على الاجابة إلا في الصفحات الاخيرة من الرواية، فنعرف أن ذلك الشيخ الملقن حاول اكثر من مرة اغتصاب صافعه الطلياني اكثر من مرة خلال طفولته، علمًا انه عِنين، ويريد ان يواجه عنته بمحاولته مجامعة ابن الجيران.. الطلياني بهيَ الطلعةِ جميلَ المحيّا.. لهذا ايضًا اطلق عليه لقب الطلياني.

بعد هذه البداية المدهشة، يبدأ الراوي العليم بسرد احداثها، خلال هذا السرد يدخلنا الراوي الى الحياة التونسية الشعبية مسلطًا الضوء على علاقة الطلياني في بلوغه الاول بزوجة ذلك الشيخ الملقن وتدعى للا جنينة، وما حفلت به من مشاهد جنسية، كان لا بد لها من ان تنتهي خشية ان تنكشف اكثر. بعدها يُدخلنا الراوي إلى الحرم الجامعي لنتابع الصراعات الطلابية الجامعية السياسية بين الاطراف المختلفة المتناحرة، في مقدمتها اليساريون والاسلاميون. ولنتمحور بالتالي في العلاقة التي تنشأ رويدًا رويدًا بين الطلياني وزينة وهي طالبة جامعية متمردة. يتمثل تمردها في انها ترتبط به لكن بالسر. وتنتهي علاقتها بأن تعود لترتبط بأستاذ فرنسي تعرفت عليه قبل تعرفها على الطلياني بقليل، غير عابئة بأنه يكبرها بكثير، في جيل ابيها. خلال علاقته الزوجية هذه. يخوض الطلياني مغامرتين جنسيتين ملتهبتين، احداهما مع شقيقة زوجة أخيه الاكبر الاوروبية، والاخرى مع صديقة زوجته نجلا. العلاقتان تنتهيان بالفراق كما هو متوقع. بعد أن تطلق زينة الطلياني، وبعد ان تنتهي علاقته بصديقتها نجلا، يدخل الطلياني بعلاقات نسائية عديدة غير عابئ بالشكل او الجيل، إلى ان يلتقي بريم، وينسج كعادته سلسلة من الألاعيب، تنتهي بسرعة فائقة.. بان تُسلمه نفسها، إلا انه يتلقى تلفونًا يخبره أن أباه قد توفى، فيشعر الطلياني بالعجز عن مجامعة ريمه الجديدة.. ويتوقف عن مواصلة مضاجعته لها، لتصل الرواية، بصورة دائرية مُحكمة، إلى سبب صفع الطلياني في اول الرواية لذلك الشيخ الملقّن..

خلال سرد الراوي لهذه الاحداث نتعرف على جوانب من الحياة اليومية التونسية وما رافقها من احداث سياسية مؤثرة، ومما نتعرف عليه، الوضع الشخصي التحرري الفائق للمرأة التونسية. اوضاع العمل الصحفي والسياسي المكبل في تونس، وما اتصف به ابان احداث الرواية من تردد لدى ممارسيه.. ويتردد اكثر من مرة في الرواية ان الشعب التونسي غير مبالٍ.. وانه يتقبل التغيير السياسي بسهولة ويسر.

اسجّل فيما يلي ملاحظتين اثارتا اهتمامي خلال قراءتي هذه الرواية. احداهما تتعلق بأحداثها والاخرى براويها. الطريف بأحداث هذه الرواية التي تُذكر بالسرد القصصي في كتاب "الايام" لطه حسين، رغم حداثيتها، انها تخضع لتوقعات القارئ المتيقظ، وهذا يعني انها تمتلك عالمها التخييلي امتلاكًا تامًا، حتى ليخيل لقارئها انه يعيش زمنها الخاص بها، وكأنها واقع يومي معيش، اما فيما يتعلق بالراوي، فانه يختفي بين الحين والآخر ليظهر بسلاسة لافتة، وكأنما هو الصديق المقرّب من بطلها الطلياني، في حين يشعر قارئها، أنا مثلا، بان الراوي في هذه الرواية ما هو الا الجانب الآخر للطلياني.. وربما كاتبها ذاته.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

عمار عبدالكريم البغداديلأنها اللغة التي يفهمها الجميع فهي قادرة بلا شك على إيصال المعاني المقصودة .. باختصار الإبتسامة لغة العالم بأسره.

الدراسات الحديثة تتحدث عن 50 نوعا من الإبتسامة وتفاصيلها كثيرة،  لكن اللافت في الأمر أنها جميعا تتلخص بالتعبير عمّا يراودنا من مشاعر يفهمها الجميع ـ وعلى رأسها الإبتسامة الساحرة .. إبتسامة السعادة التي هي مفتاح للقلوب وبدون منازع، وكلنا ننجذب الى أصحاب هذه النعمة لسبب بسيط ذلك أننا نبحث عما يسعدنا بشكل مستمر، والمفارقة أننا نبحث عنها في وجوه الآخرين ونفتقر أليها في تعابيرنا، إلا من حفظ الدرس، وأدرك أهمية تلك الإبتسامة في إسعاد نفسه وأسرته وأصدقائه وكل من حوله، وحتى ابتسامة التعاطف للتعبير عن المواساة، أو الإحساس بألم الاخرين هي إبتسامة ساحرة توصل الى المتلقي عبارات رقيقة تعجز عنها الألسن في اللحظات الحزينة .

شهرزاد: البعض يسميها إبتسامة البؤس ألا تراها كذلك ؟

- نتحدث هنا عن ابتسامة خفيفة ترتسم على الشفاه، والعجيب أنها تتقاطع مع الحزن البادي في العينين لكنها بتوليفة ربانية تعطي معنى المواساة، فكيف لنا أن نسميها ابتسامة البؤس؟! .

شهرزاد: لكن البعض يطلقها للتعبير عن حزنه وآلمه الخاص فمن يواسي بها ياترى؟!.

- هو يواسي نفسه ..فمهما كانت الإبتسامة ضيّقة فهي تبعث على الإرتياح، وقد يَطلبُ بها إبتسامة مواساة من المتلقي، فإن حصل عليها في الوقت المناسب، قد ينفجر بالبكاء لبرهة، لكنه سرعان ما يشعر بالتحسن، والتجارب في حياة كل واحد منا كثيرة بلا شك .. هي إبتسامة تعاطف نطلقها لنواسي بها الآخرين، او أنفسنا، وفي كلتا الحالتين فإن لتلك الإبتسامة الخفيفة مبعث أمل وسط أجواء ملبدة بالأحزان والآلام .

وليس كل ابتسامة لها تأثير إيجابي، فهنالك إبتسامة متعجرفة وأخرى سادية، إنما أدافع عن أصل فعل الإبتسامة، لكن معانيها الأخرى بفعل مايختلط بها من تعابير الوجه كاتساع العينين، او ضيقهما، ورفع الحاجبين وخفضهما، وانفراج الوجنتين أو التصاقهما، أسمحي لي أن اتحدث على سبيل المثال لا الحصر عما يسمى بابتسامة (دوشيني) نسبة لطبيب الأعصاب دوشيني دو بولوغن، وهو من مؤسسي مدرسة العلاج بالكهرباء، ومن المهتمين بدراسة تعبيرات الوجه، وبالتقلصات التي تحدث فيه عندما يبتسم المرء.

لقد عمد دوشيني إلى إخضاع الوجوه لشحنات كهربائية، ومراقبة كيفية تفاعل عضلاتها، وهي عملية مؤلمة لم يستطع تجربتها على الأحياء، حتى التقى برجل مختل عقلياً، لا يمكنه التحكم بعضلات وجهه، فلما عرضه للشحنات الكهربائية ظهرت على وجهه إبتسامة عريضة تنم عن علامات سعادة، وقد وصفت في وقتها بانها (سعادة غبي)، وقد تقلصت الدوائر حول عينيه.

ولا أدري ياشهرزاد لماذا يسمونها بالابتسامة الغبية، أترانا نصف من يرسم على وجهه ابتسامة عريضة مع تقلص هالة العينين بأنه غبي ؟ !.

غالبية المجانين - من غير المصابين بعاهة في خلايا الدماغ أو لأسباب عضوية أخرى- يجدون شعورا بالأهمية لم يستطيعوا تحقيقه في عالم الواقع، كما يؤكد أطباء الإختصاص، إنهم سعداء في عالمهم الخاص، يحقق أحدهم أحلامه من غير ان يصطدم بالواقع المرير، والشواهد كثيرة ..فمنهم من يتخيل نفسه أمير البحار، أو قائدا لجيوش هتلر، أو معلما لإفلاطون، أو مهندس برج إيفل، او آسر قلوب العذارى، أو محطم الأرقام القياسية في العاب الساحة والميدان، وغير ذلك كثير، ولا أدري كيف حكم (دوشيني) المتخصص بتعابير الوجه على ابتسامة المجنون السعيد في تلك اللحظات بأنها ابتسامة غبية، ربما نسي أو تناسى أن صاحبنا يعيش عالمه الخاص، وأنه قادر على ترجمة تلك الشحنات الكهربائية لقبلات من شفتي حبيبته التي عجز عن الزواج منها في الواقع، أو أنها لسعات نحل يدافع عن قلعته العسلية وقد سال شهدها في فم صاحبنا المحروم من طعمه اللذيذ منذ سنوات .. لم تكن تلك ابتسامة غبية ياشهرزاد، إنها إبتسامة فيلسوف وجد ضالته في شحنات دوشيني .

حتى المتتبعين لتلك الإبتسامة يسمونها اليوم (الإبتسامة العفوية) التي تنتج عن مشاعر متعة غامرة، فهي تشرق من فتحة فم عريضة برغم تقلص العينين.

 أمّا المتعجرف فإنه من يحمل صفة الغرور والتكبّر كما أسلفنا، ولو سلمنا بأنها أبتسامة تحمل دلالة الغطرسة والإعتداد بالنفس بإطباق الشفتين مع ارتفاع الشفة العليا قليلا الى الأعلى وربما رفع الحاجبين، تزامنها نظرة دونية للمتلقي، لكنها وبرغم نواياه السيئة تثير الضحك لدى كثير من الناس، أي إنها تسعدهم ولو بنية السخرية من المتغطرس، كما ترين ياشهرزاد حتى ابتسامة المتغطرس لها اثر سعادة على النفس .

شهرزاد: أنتظرك أن تقنعني بسعادة تجلبها إبتسامة السادي فان فعلتْ صدقتُ أنّ للابتسامة أثر إيجابي في الأحوال كلها .

شهريار: ذكرنا آنفا إن ابتسامة السادي تشعره بالسعادة وتحقيق الأنتصار، وهي ابتسامة لئيمة خسيسة الطباع، وعلى إفتراض أن البيروقراطي أكبر نماذج السادية الباردة في مجتمعاتنا وحتى المجتمعات الغربية، فإنه بشكل او بآخر سيكون تحت وطاة المازوخية من السادي الاكبر حيث يعمل، وهو بالنتيجة يتلوى بين ابتسامتي الإنتصار والرضوخ، ونزيد هنا أن تلك الإبتسامة تبدأ برفع الشفة السفلى قليلاً، وربما تحريك الرأس جانباً أو إلى الأسفل، قبل أن ينطق (هلمر الصغير)، وإنْ كان موظف استعلامات بمستشفى نود زيارة مريض فيه، ليقول : "موعد الزيارة انتهى ..إرجع غدا" .

تلك الابتسامة ياشهرزاد توقع المتلقيين بإحد ثلاثة فخاخ، فإمّا أنْ نرضخ ونبتسم إبتسامة (المازوخيين) وننصرف، وإمّا أن نبتسم ابتسامة (قناعة) بما نسمع ونحترم النظام، أو نبتسم ابتسامة الإستماع التي يصاحبها همهمات تدل على عدم تأثرنا بما نسمع، وفي الحالتين الأولى والثانية فإننا ننصرف مبتسمين، وفي الثالثة نستنهض روح الإقناع في داخلنا ونبتسم - بعد تفكير سريع- إبتسامة سحرية تتبعها كلمات توقير لهلمر الصغير، واعتذار شديد عن (سبب طارئ) أخّرنا عن موعد الزيارة، ورجاء السماح باجرائها، وغالبا ما تنال تلك المسرحية رضاه، وتشعره بشخصية الآمر الناهي، فيشير لنا بإحدى يديه الى غرفة المريض .

يقول ديل كارينجي: (الطريقة الوحيدة التي أستطيع إتباعها لكي تفعل كل ما أريده، هي منحك ماتريده أنت) .

باسلوب كارنجي ياشهرزاد وأبتسامة الإقناع المتفجرة من أعماقنا استطعنا أنْ نمنح السادي ما يريد فمنحنا مانريد .

شهرزاد: وهل تعتبر انصرافنا مبتسمين في الحالتين الأولى والثانية سعادة، وقد أخفقنا في تحقيق هدفنا .

- ساجيبك في لقائنا المقبل فللحديث بقية .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

............................

* من وحي شهريار وشهرزاد (22)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة