عقيل العبودعند سرير يبدو بهيئة مبعثرة، وحالة صحية تتراوح بين الاستقرار تارة، والوهن اخرى، ومع انشطار مزاج يترنح بين الاندفاع والتراجع، مزيته ذلك الراقد مع الوصف، تكاد ان تكون في مظهرها العائم اشبه بملابسات فنان تسكنه الدهشة بازاء خرائط الألوان المتقاطعة، والمتجانسة حيال ما تم تصويره في لوحته التي اعد خطواتها مسبقا في افكاره.

ففي عالمه اللامرئي، ثمة مشاهد تفرض نفسها بطريقة تتزاحم فيها الاشياء، والمظاهر، كما ذرات اشعاع تحتاج الى تحييد.

الزوايا الحادة من الحيز المنظور لا تختلف عن اضاءات تحيط بها بقاع ضوء على شاكلة منضدة تهشمت احدى أطرافها، لتنكمش بعد سقوطها المفاجئ من مكان مرتفع، حيث وبجانبها بعض الاوراق المتناثرة على غرار هشيم تذروه ريح جائرة من جهة النافذة التي بقيت معطلة في ستائرها المطلة على الطابق الثاني من البناية الواسعة؛ لذلك الأفكار كانت تتطاير مثل ضباب يحلق بين شظايا وقائع تعوم اجزاؤها في سيناريوهات فضاءات عائمة؛

يوميات لا تخلو من مشاهد مكررة لمحطات تفرض على المسافرين التهيؤ للرحلة القادمة، حيث صفير القطار المقبل من الشمال يفاجئ الواقفين على ارصفة المقام القديم كأنه يتطلع الى وجوههم الواحد تلو الآخر ليتلو عليهم تفاصيل البيانات الخاصة بالذهاب.

هنالك كنت واقفا بصحبة حقيبتي، مأخوذًا مع افكاري التي حولت بعضا منها الى كلمات مكتوبة، وذلك كل ما امتلك طوال هذه السنوات من عمري من رصيد.

كون ما اكتب يمثل الطريق الذي يأخذ بخطواتي الواهنة يقودها، لآخر ما تبقى من رحيق الأرض حيث منتصف الزحام الى أقبية تسكن فيها النفوس المتعكزة على ارواح، تقرر ان تنفصل عن عوالمها المادية لتعيش ما يؤنس وحدتها تحت سلطة صمت مطلق.

وعليه لم يبق من الضوء الا تلك الدوائر القزحية التي تدور دائما حول أروقة تملأ انسحاباتها سماءات محاطة بالشمس لتصطحب جميع المواقف المزهوة بالذكريات، تتزاحم معها، لتنال حقها في الكلام.

 

عقيل العبود/ سان دييغو

بغداد تجد ذاتها في القدس توآمها الروحي والثقافي، وهي تواجه بشموخ وإباء محاولات الاحتلال لمسخ هويتها وطمس معالمها والغاء موقعها كرمز ومعلم رئيس للحضارة الاسلامية". حينما نحتفي ببغداد والقدس كعواصم للثقافة العربية، فاننا نبغي ان تكون المناسبات جسور تواصل بين ابناء الامة العربية، تؤدي الى تعارف اكبر وفهم اعمق لبعضنا البعض.

نعم---القدس عاصمة القلوب القدس ليست مقدسة بمعالمها بل بناسها. ورجال ونساء المقاومة الباسلة، ولن نستطيع المحافظة على عروبتها ما لم نستطع المحافظة على عرب القدس"هكذا يفول سميح القاسم، وأضاف قبل أن يقرأ إحدى قصائده عن مدينة القدس 67% من أهالي المدينة المقدسة يعيشون تحت خط الفقر. هذا عار على العرب والمسلمين. وعلى العرب أن يحافظوا على كرامة أهل القدس". وأوضح القاسم أن القدس كانت دائما عاصمة للثقافة العربية "هذه مسالة تاريخية.. كان العلماء يتمون علمهم بعد بغداد ودمشق والقاهرة في القدس".واعتمدت جامعة الدول العربية قرارا يقضي بأن تكون القدس عاصمة أبدية للثقافة العربية يجري توأمتها مع كل عاصمة للثقافة العربية في كل عام.

القدس قلب العرب النابض، عاصمة فلسطين، مهد السيد المسيح عليه السلام، ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أولى القبلتين، وثالث الحرمين.

حظيت القدس باهتمام الشعراء العرب، في أقطار الوطن العربي كله، حتى في المهجر، فنظم الشعراء أبهى القصائد في التغني بها، والدفاع عنها، وتأكيد الأمل في خلاصها من أذى العدوان الصهيوني.----ولقد حملت معظم القصائد معاني مشتركة، من أبرزها- التنبه في وقت مبكر إلى الخطر الصهيوني، وتنبيه العرب على ضرورة العمل لوقف الغزو الصهيوني، بالتضامن والاتحاد،فضح شراسة العدو الصهيوني في إلحاقه الأذى بالشعب العربي في فلسطين واحتلاله الأرض.- تصوير مآسي الشعب العربي في فلسطين وما لحق به من مجازر وتهجير واحتلال لأرضه- تمجيد البطولات والإشادة بالشهداء وتصوير صمود الشعب في الأرض وتمسكه بها.

ومنذ البدء كان الشعراء جميعاً واعين لخطورة العدو الصهيوني حتى من كان منهم بعيداً عن الوطن، ففي المهجر الأمريكي، يندد الشاعر القروي رشيد سليم الخوري بوعد بلفور عام 1917، ويذكر بصلاح الدين معتزاً به فيقول فاحسب حساب الحق يامتجبر - مهج العباد خسئت يامستعمر

 ويفخر الأخطل الصغير (1885- 1968) ببطولات العرب في فلسطين يوم انتفضوا على المحتل الغادر عام 1936 ويشيد بالشهداء ويدعو الشيخ جميل العقاد من حلب (1898- 1968) إلى المشاركة في حرب عام 1937 في فلسطين، ويؤكد أن القدس هي قلب سورية وتأتي دعوته عفوية حماسية، وبأسلوب خطابي فيقول: لفلسطين اشرئبوا   إن جيش العرب لجب---

وفي عام 1947 أقرّت الجمعية العمومية مشروع تقسيم فلسطين، فرفض العرب هذا المشروع، وتم تشكيل جيش الإنقاذ من مئات المتطوعين ودخلوا فلسطين في صور جديدة، ولغة متميزة، يقول:

يارؤى عيسى على جفن النبي

صهلة الخيل ووهج القضب

ونمت مابيننا من نسب

وإذا بغداد نجوى يثرب

وفي صباح يوم 15 أيار 1948 أعلن الصهاينة عن قيام دولة إسرائيل.

وينفجر الغضب في قلب الشاعر العربي عمر أبو ريشة فيعاتب أمته بقسوة منكراً عليها تقصيرها، ويعبّر الشاعر المصري صلاح عبدالصبور (1932- 1982) عن صمود الفلسطيني وتعلقه بأمل العودة، مستعيناً على ذلك بشعر التفعيلة، متخلّصاً من كثير من الخطابة والحماسة، محاولاً تطويع هذا الشعر لموضوعات كان الشعر التقليدي ينفرد بها، يقول:

كانت له أرض وزيتونه

وكرمة وساحة دار

وعندما أوفت به سفائن العمر إلى شواطئ السكينة

وخطّ قبره على ذرا التلال

انطلقت كتائب التتار

ويؤكد الشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي (1926- 1999) أن يوم العودة قريب، مادام هناك قلب ينبض بالحياة، ويعبر عن ذلك بقدر كبير من العفوية والبساطة والمباشرة، منطلقاً من مفهومه التزام الشعر لقضايا الواقع، يقول:

أنا لن أموت

مادام في مصباح ليل اللاجئين

و يقول نزار قباني في قصيدة له عنوانها القدس ترجع إلى عام 1968 يمجد فيها القدس مدينة السلام ويسأل من سينقذها:

ياقدس يامدينة الأحزان

ادمعة كبيرة تجول في الأجفان

من يوقف العدوان؟

عليك، يالؤلؤة الأديان؟

من يغسل الدماء عن حجارة الجدران

من ينقذ الإنجيل

من ينقذ القرآن؟

من ينقذ الإنسان؟

إن قصيدة " منشورات فدائية على جدران إسرائيل " تكاد تكون وحدها ممثلة لكل ماتضمنه الشعر العربي من معان وأفكار في اهتمامه بالقضية الفلسطينية، وهي جديرة أن تكون بحق قصيدة فلسطين الأولى.وينتفض الشعب العربي في فلسطين، ويحمل كل طفل حجراً، ليرمي به آلة العدوان، مؤكداً الحق العربي، فاضحاً زيف الكيان الصهيوني، يقول ممدوح عدوان:

هذا زمان من حجر

الظل وسط الصيف مات من الضجر

والسيف وسط الحرب مات من الضجر

والماء في الأنهار قد أضحى حجر

إن ماقيل عن القدس من شعر وعن القضية الفلسطينية كثير، هو بقدر ماأريق من دماء الشهداء، وبقدر مادمّر من بيوت وقرى في أرض فلسطين، وهو شعر شارك فيه كل الشعراء في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه،،، و كان مخلصاً للقضية، محباً لها، مدافعاً عنها.

ومن حق هذا الشعر أن تترجم بعض نصوصه إلى اللغات الحية، وأن ينشر في الغرب، ليتعرفوا إلى القضية الفلسطينية، والحق العربي.

وحسب ذلك الشعر فخراً حمله القضية هماً، وموضوعاً، وفناً، وإخلاصه لها، وقديماً قيل: "الشعر ديوان العرب"، وسيظل "الشعر ديوان العرب".

كم نحن العرب والعراقيين، ادباء وشعراء بحاجة ماسة لااقامة اسبوع ثقافي في مدينة القدس تنفذه المؤسسات الثقافية المقدسية بأشراف الطرفين والسعي لانشاء بيت ثقافي عراقي --- عربي في مدينة القدس بالتنسيق مع اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية لما للقدس من مكانة خاصة لدى الشعب العربي

 

نهاد الحديثي

 

 

عمار عبدالكريم البغداديعمار عبد الكريم: تعلمْ أن تنصت لتنالَ ثقة الآخرين

قالت شهرزاد: ألا ترى ان البعض يظنون أننا نراقبهم ونتدخل في شؤونهم حينما نحاول ان نوصل رسالة إهتمامنا بهم ؟

شهريار: نعم ذلك حق .. قلنا ابتداءً إننا نُقبِل على الناس بقلوب مُحِبة، وإننا لنقدر ذواتنا ونوقرها قبل المباردة الى محبتهم، وإن عقولنا اللاواعية لقادرة بشكل عجيب على ترجمة تلك المحبة الى أفعال إهتمام لا مراقبة، ومع بداية كل تعارف علينا أن نتصرف كما يفكر علماء النفس، ونحاول جاهدين أن نبلغ أعماق الطرف الآخر في العلاقة، أتحدث هنا عن الداخلين في دائرة اهتمامنا حصرا من جميع الصنوف آنفة الذكر، وليس في الأمر صعوبة بالغة، فإن قمة الإهتمام بالآخرين تتجسد في محاولة فهمنا لهم، والإستماع إليهم، والنظر الى همومهم من وجهة نظرهم، وليس من وجهة نظرنا، وهو مايسمى بالتقمص العاطفي، وإنْ إبداء التأثر، والتوقف عن إطلاق النصائح أعظم دليل على الإهتمام، وخير طريق لكسب ثقة الآخرين .

إنّ أحدنا ليلبس قبعة الخبير كما يقول العبقري جون غراي، ويطلق كمّاً من النصائح والحلول قبل أن ينصت بشكل كامل الى المتحدث، تجاربنا الشخصية تدفعنا الى التفاخر من حيث لا ندري، ونعتقد أننا قادرون على حل جميع المشاكل قبل أن نستمع الى تفاصيلها، ذلك ياشهرزاد يدفع المتحدث الى الندم على أنه قد كشف أسراره لنا ولسان حاله يقول: (عفوا لا أستطيع ان أستمع الى نصيحتك فانت لم تسمع شكواي).

علينا ياشهرزاد أن نتعلم فن الإنصات، وهو يحتاج الى تدريب وصبر ولجم (الأنا الخبيرة) التي تحاول إبتداءً النصيحة على عجل .

إن أعظم أبواب الثقة الى النفس البشرية أن نحقق للمتحدث عن همومه ومشاكله فرصة التعبير بلا مقاطعة وهو مايسمى (الهواء النفسي) الذي يشعره بأهمية مايقول وبوجود من يستمع إليه من أجل أن يفهمه لا من أجل أن يرد عليه، أو يبدي له النصائح، الإنصات بصيغة التقمص العاطفي لايعني التعاطف مع صاحب الشكوى فإن التعاطف يعني الموافقة على كل مايقول، بينما نحن نحاول أن نفهم حقيقة الأمر لنكون طرفا أصيلا في حل المشكلة .

يقول ستيفن آر كوفي:(إن مقولة "حاول أن تفهم أولا" تنطوي على تغيير عميق في التصور الذهني، فنحن في العادة نسعى كي يفهمنا الآخرون أولا، فمعظم الناس لا ينصتون بنية الفهم بل ينصتون بنية الرد، وهم إمّا يتحدثون، أو يعدّون أنفسهم للرد، ومن ثم فهم ينتقون مايستمعون إليه من خلال تصوراتهم الذهنية، ويقرأون سيرهم الذاتية في حياة الناس) .

هكذا هو الحال .. إنْ أنصتنا للناس من أجل أن نفهمهم فإننا نمد جسور الثقة معهم، فإن أفلحنا في ذلك كسبنا محبتهم وثقتهم وتلك هي الغاية .

وبالرغم من ذلك كله فأنا ادرك تماما أنه ليس جميع الناس كتباً مفتوحة نقرأ فيها مانريد فمنهم الكتوم قليل الكلام عن نفسه ومشاكله، لكن لكل واحد منا نقاط ضعف، والمحب للناس يغتنم تلك النقاط في أحوالهم بنية التقرب والمساعدة، وإن للفضول فنونا يجهلها الكثيرون، وأفضلها المراقبة بعين رحيمة لا يراها الا الله، تستبصر لحظات يكون فيها الكتوم في أشد الحاجة الى البوح بما فيه، كأنه بركان يكاد يقذف حمما تبلغ عنان السماء، وإنّ الحسرات والتنهدات والإطراق دلالات لاتخفيها النفس الكتوم .

لي صديق أسميه رفيق الدرب، وإنه لخير رفيق في السراء والضراء، قبل 15 عاما كانت المودة بيننا متعثرة، لكنه يميل الى رفقتي بين الحين والآخر، وكنت أشعر بتميزه وطيبة قلبه ووقاره لكنني لاأجد منه إلا كلاما عاما، فهو كتوم لايبوح

بأسراره وعلى وجهه إبتسامة لا يفارقها طعم مرارة، وبالعين الرحيمة كنت أراقبه وأنتظر الإشارة، علّي أصل إلى خفايا نفسه ذات يوم، وأسمع منه منصتا بلا لوم، وفي لحظات مظلمة، وتحت تأثير هموم مؤلمة أطرق رفيق الدرب، وكنت أفكر بتركيبة سحرية تنفس الكرب، من غير أن تؤذي حمم البركان الملتهبة مشاعر صاحبي، قلت له مازحا: هل تعرف أنني أبحث منذ أعوام طويلة عن صدر كتوم لأسراري وبدلا من ذلك وجدتك كتوما لأسرارك وحسب .

تبسم بمرارة كما عهدته ثم قال: وأنا كذلك .

منذ ذلك اليوم وأنا أستمع أليه حتى أفهمه جيدا، وهو يبادلني الفعل بمثله فأذا أخذ أحدنا (هواءه النفسي)، وباح بما في صدره، وأتم الحديث بلا مقاطعة مع تركيز منقطع النظير من المنصت، ومحاولة جادة للوصول الى تصور ذهني متطابق لم نتأخر في إيجاد حل للمشكلة، ولا أظن أننا أخفقنا في ذلك يوما، العين الرحيمة، والنوايا السليمة كانتا كلمة السر التي تفتحت بها مغاليق قلبينا لتسفر عن مغارة تملؤها أنوار محبة دائمة، وأسرار دفينة الى يومنا هذا .

 

عمار عبد الكريم البغدادي

.....................

* مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

حسني التهاميعند سماع صوت الطبيعة والكائنات البسيطة والتفاصيل الكونية يستطيع شاعر الهايكو خلق نوع من التماهي والتعاطف مع الآخر، في ذات الآن يمكنه اكتشاف الذات والولوج إلى أعماق النفس للتعرف على حقيقتها وكوامنها، فمن خلال احتضان العالم وبالأخص تلك التفاصيل الدقيقة التي لم يتم التطرقُ لها والتعبير عنها بالشعر، يفتح الهايكو آفاقا جديدة لاكتشاف العالم المحسوس، وعبر تلك الكائنات والدقائق الكونية المكتشفة، يستحدث الهايكست تفاصيل جديدة في شعره، وينفذُ إلى المناطق الخبيئة في مجاهل ذاته.

يعطي الهايكو قيمة لأشكال الحياة سواء أكانت مرتبطة بالإنسان أو بالطبيعة والكون، لكي تنطلق رحلة الهايجن إلى عوالمه الداخلية عبورا بالعالم الخارجي واستكشاف كنهه وجوهره، فعلى الرغم من قصر هذا النمط الشعري، إلا أنه يحمل في طياته روحا تأملية من أجل الوصول إلى الكمال من خلال تماس ذواتنا مع جوهر الأشياء. يقول ماتسو باشو "إذا أردت أن تتعرف على الصنوبر، اذهب إليه"؛ فليس الهدف هنا فقط رؤية الشجرة وتصويرها من الخارج، بل علينا أن نتعرف على طبيعتها وجوهرها الحقيقي. ولو تأملنا رحلة سانتوكا تانيداSantoka Tanida  (1882-1940) الشاعر الحداثي، نجد أنها رحلة بحث عن الذات مرورا بالتفاصيل الدقيقة في حياتنا اليومية التي ستقود حتما إلى المعرفة الحقيقة بالعالم والواقع الحياتي. إذن فروح الهايكو تعبير عن شعور المرء تجاه الطبيعة بشكل غير مباشر، هذه الروح الجمالية تتجاوز الشكل الياباني الكلاسيكي إلى أسلوب عام للحياة يسعى إلى توحد الذات مع الطبيعة، وامتزاجها مع العالم الخارجي بدلاً من محاولة السيطرة عليه.

مصبُ النهر-

أراهُ اليومَ أضْيقَ

بعيّْني شيخْ

(مزار الأقحوان ص 43)

يمثل هذا النص المختزل رحلة حياة ممتدة منذ الطفولة حتى مرحلة الشيخوخة لاستكشاف الذات عبر التفاصيل اليومية على ضفاف النهر. في هذه الرحلة لا يراوح النهر مكانه، لكن تتغير طبيعته عبر الزمن، فهو يرمز في التواءاته وتعرجاته إلى حياتنا المليئة بالتجارب العديدة المتنوعة، لذا تختلف نظرة الإنسان للأشياء من الطفولة إلى فترة الشيخوخة؛ فالطفل يرى الأشياء بعين المهابة والإجلال خاصة عند رؤيتها لأول مرة، وعلى عكس ذلك يرى الشيخ الأشياء الكبيرة صغيرة قياسا لتجاربه الحياتية؛ وعليه فالنهر انعكاس لحياة الشاعر وعيشها لحظة بلحظة، فعلى ضفافه الممتدة تنشأ علاقة حميمية بينهما ويتنامى الوعي باللحظة الزمنية عبر رحلة البحث والاستكشاف.

بساطة الهايكو

لعلّ ما يفسر سر انتشار الهايكو الذي يُعدّ درةَ الشعر الياباني، وتخطيه حدود الزمان والمكان عنصرُ البساطة وهو في الآن ذاته يمثّل مصدر الجمال الحقيقي، فقد استطاع الشعراء اليابانيون من خلال تلك الخاصية النفاذ إلى روح الهايكو عبر تصوير الجمال الطبيعي في الكون والاحتفاء بكل ما هو روحاني، لذا يعتمد شاعر الهايكو على حدسه في نقل الصورة بلغة بسيطة غاية في التكثيف والعمق.

تلخص الناقدة النمساوية جودرون م جرابرGudrun.M.Grabher  ما يتطلبه الهايكو بشكل عام في هذه الكلمات المهمة: "لكي يأتي الهايكو إلى الوجود، يجب أن يكون الشاعر على اتصال بالعالم، من خلال أشياء وأحداث مشتركة، بسيطة وصغيرة، يستطيع رؤيتها وفهمها والتقاطها بلغة سلسلة ودقيقة وموجزة، من أجل مشاركة الآخرين الشعور الذي أثارته هذه اللحظة". يظل الهايكو تعبيرا عن لحظة جمالية تنقل تجربة إنسانية عميقة تبتعد كل البعد عن كلمات المشاعر المباشرة والتكلف في التعبير كاستخدام اللغة المجازية التي تُعد من أهم سمات الشعر بصفة عامة، فهي في الأساس لغة الخيال والجمال الشعري. لكنَّ هذه اللغة المفعمة بالخيال المجنح قد نالت من القيم الجمالية لنصوص الهايكو وأصبحت عبئا عليه، وإن كان لا محالة من الجنوح إلى المجاز، فعلى الشاعر أن يغمس فرشاته في ألوان اللغة المجازية المغرية غمسا خفيفا كي لا تصبح لوحته الشعرية ضبابية خالية من الجوهر الحقيقي للهايكو، وهو البساطة. كما يقدم لنا باشو تصورا حقيقيا للهايكو حين يصوره "كإصبع يشير إلى القمر، فكلما كان مرصعا بالجواهر، لن تستطيع رؤية القمر."

كتب باشو نصه الشهير عندما زار هيريزومي عام 1689، (محافظة إيواتي اليابانية حاليا):

أعشابُ الصيف-

من أحلام الجندي الشجاع

الجَزَّةُ الثانية.

لا شيء في ساحة المكان سوى أثر الدمار، مع ذلك تبدو حشائش الصيف يافعة في عنفوانها؛ فهي تمثل الأبدية ودورة الطبيعة، بينما كانت أحلام المحاربين بسيطة ومؤقتة. يقارن باشو بوضوح بين قوة الطبيعة الأبدية وبين الطموحات الزائلة للساسة وصناع الحروب، وقد استعار لغة رمزية تلمح إلى معان عميقة، مع ذلك لم تكن أداة إبهام تضيق زوايا الرؤية بالنص وتمنع إمكانية سبر أغواره واستكناه بهاء معناه.

تتميز قصيدة الهايكو عن أي لون شعري آخر بخصوصيتها في تناول المفردة اللغوية، "فليس ثمة حيزٌ لفعلٍ غير شعري لشدة الإيجاز اللغوي واقتصاده، وذلك يوجب على الشاعر الاختيار الدقيق لكل مفردة، وكل حرف والانتباه لمحوري الاختيار والتأليف معا انتباها بالغ الدقة ليكون المشهد المكثف التقاطة سريعة مكتنزة بفتنة البساطة"، (د.بشرى البستاني). على الرغم من ذلك فاللغةُ العربيةُ قادرةٌ- بعبقريتِها وخصوصيتِها وتنوع إيقاعاتها وبميزة الاشتقاق التي تهبها خصوصية وتفردا عن بقية اللغات- على أن تستوعبَ جماليات قصيدةِ الهايكو، بل وتُضفي عليها طابعاً عربيا آسراً ومميزاً. تلك اللغة المعروفة بقوتها وثراء مفرداتها التي مكّنت الشاعر العربي من أن يكتب نصوصا طويلة مفعمة بالخيال وأساليب البلاغة الجامحة، لقادرة على أن تروض نفسها وتكبح جماح المجاز المفرط الذي يحول دون بساطة الهايكو.

 

حسن التهامي

 

قاسم محمد الساعديعلى مدى الاعوام التي قضيتها في هذا الفضاء الذي أَصَر مارك أن يطلق عليه العالم الازرق، ظننت ان العالم لم يحفل بمن يَخَفْي تَمَاثِيل هُبَل أَو الْلَاتِ أَوْ العَزَّى تَحْتِ ثِيَابِهِم، لكنني توهمت

**

كتبت في الفيس نَقَلَه شِطْرَنْج ثَانِيَة وَيَمُوت الْمَلِك، فأعلن استقالته وفي رقبته دم الشباب من ثوار تشرين

**

 وَسَط بُيُوت العشوائيات وباعة على الرصيف تطاردهم البلدية والشرطة، ونازحون، وشعراء لا يملكون ثمن قدح شاي في مقهى رضا علوان

 اِحتار مَاذَا اكتُب !!

**

لست وصياً على أحدٍ ولا مزايدة على وطنية الادباء ومواقفهم الشجاعة

لكن بعد ثورة تشرين علينا ان لا نقيم مهرجانا للشعر برعاية محافظ فاسد او مجلس محافظة تظاهر ضده شعب محافظته

**

لم اكن معتقل بتهمة شتم الحكومة في الحافلة علنا بل شتمت الجنرال المحلي الصنع الذي اضاع ثلث البلاد وقلت انه يتبختر في سيره كديك نزال

حصلت وقتها على تهديدات مبطنة او علنية على الخاص

**

دخلت الفيس كمحارب قديم في جيش الحب سرعان ما وجدت نياشيني واوسمتي تباع في سوق الخردة

**

اقرا قصائد لشعراء تشبه ما يقوله الاستاذ طراد الكبيسي (قلق الشعر من قلق الروح التي تبحث عن منطقة أمنة) والبعض من القصائد كأنك تركب عربة خشبية فارغة لا تسمع سوى الضجيج

**

قلت مرة دخلت الفيس كقروي لكن بعد عقد مازلت لا افرق بين سيارة الاطفاء من باص المصلحة واقع في اخطاء كارثية ولم اجد للان تفسيرا في معلومات طلبات الصداقة (تعمل لدى ‏كلام فى الحب)

**

قرات منشورات لمُلحِدين متعصبين (قافلين) ومتدينين متعصبين (قافلون) وانا بينهم واقف على خط التماس الرمادي

**

قصيدة الملك الاخير قرأتها في امسية الاحتفاء بديواني (حياة قاحلة) في اتحاد الادباء عام 2015 وانا للان لم اعرف هل انا ملكي او متضامن مع الزعيم صديق الفقراء

**

قالت لي صديقة قصيدتك (هناك) تمس الذات الالهية و يعاقب عليها القانون، شلون ورطة ههههه

**

اجرت معي قناة AN B العربية لقاءاً في برنامج قهوة الصباح، لكن للأسف قبل البث حدث انفجار في ساحة الطيران التي مررت بها قبل ربع ساعة من الانفجار

**

اللقاء مع اذاعة مونت كارلو اتعب المذيع باسم الذي كان يسمع مع الحوار، اصوات مكبرات، لباعة الخضروات وبائع قناني الغاز، ورقي على السكين و(مي ارو)

**

صديق يحظى بمحبة كل يوم يهدد متابعيه بغلق الصفحة لعدم التفاعل مرة قال سأغيب عنكم وانهالت التعليقات (خير ان شاء الله ) وووو بعد ساعات نشر قصيدة، تمنيت ان يعتذر من اصدقائه لكنه لم يفعل

**

التهديد بالحظر لمن يتجرأ ويدخل على الخاص يشبه اعلانا بإنتاج جديد من شركة مفلسة

**

اخبار الوباء تثير الهلع فشمر عن سواعدهم من ذوي غير الاختصاص والمشعوذين حتى صار الفيس مثل افلام هيتشكوك

**

تألمت جدا حين رأيت بالفيس خبر وفاة صديقتي الزميلة سلوى البدري

فقد شكت لي سابقاً عن مرضها ونحن ذاهبان لنقابة الصحفيين واخر لقاء كان في اتحاد الادباء كانت تريد ان تدخل قاعة الجواهري بدت مستعجلة للدخول قالت محاضرة في منتدى العقل (قلت لها هل عندك عقل) ضحك الراحل قيس المولى وقالت له (شوف قاسم)

– سلوى انا نادم لمزحة ابكتني حين سمعت خبر رحيلك

**

اي قلب يحمله هذا الذي يضع صورة ميت للتو على صفحة الفيس لا حرمة حتى للموتى

**

في الفيس كتب شاعر احبه جدا على صورة لي معه (مع عميد الادب العربي) كتبت له عمي فضحتنا أحذفها

**

نقترب من عقدين على الغزو الامريكي والبعض مازال يصنف الكتاب والنقاد والشعراء الى فئة ما قبل 2003 وما بعده رغم ان كتابات البعض من القدامى مع كل الاجلال لهم تبدو سطحية (الا انهم ماشين بأسمائهم) كما يقول صديقي المحامي هادي الجساس

**

اخر طلب صداقة تم رفضه (زهراء اسمي ولقمر رسمي) الكتاب واضح من عنوانه

**

اغلب الذين يرسلون على الخاص لا يعلقون تحتاج الى تفسير لماذا؟

**

على يقين ان الفيس اصبح اشبه بكروبات منغلقة فلان يعلق لفلان

**

اتابع جولات قيادة الاتحاد لتفقد المرضى من اعضائه وهم يرسمون علامة الانتصار للحياة على الياس __ موقف مشرف

**

مفاجأة في جلسة الشاعر ناظم الصرخي حين القى ومضات وقصائد نثر مذهلة – قلت له : كسبنا شاعرا يكتب نثراً

**

لماذا يصّر البعض على أن يسحب الشعر الى مدارات أخرى

ويظن ان الالقاب تضيف رصيدا له، خذ مثلا لقب، شمس الشعر وامير الكلمة وسيد الحرف – قمر الشعر.. الالقاب المجانية وان كانت بمحبة علينا رفضها واستنكارها

**

 سفيرات وسفراء السلام فحدث بلا حرج في بلاد تريد السلام ولو للحظة

**

(عندما يموت الابناء يبدأ الموت الرسمي للإباء) أين قراءته! هل هو لي؟ لا اعرف، قلت النسيان ليس جريمة يعاقب عليها القانون

**

اغلب الجدال في الفيس لا طعم له، كتب صديق (أن كولومبس كان يبحث عن جزر التوابل)

 لتنبري صديقة وتقول انها جنة الله على الارض ويبدأ عراك أشد ضراوة

**

المطرب احمد عدوية ربما الكثير من اقراني لا يحبونه لكن ذات يوم قرأت حوارات بين ادباء وانيس منصور – ان عدوية ليس مطرب السلطة – و اغنية حبة فوق وحبة تحت ** إشارة واضحة للتمايز الطبقي

**

كتبت صديقة أشبه بإستبيان من يحررنا من قيد الحب

 (اللامبالاة، اليأس، الهجر)

قلت: الموت

**

بعض المؤسسات الثقافية جوائزها لن تصل الى مستوى القبائل التي تصنع قلادة من الريش

**

بعد هذا العمر ركضنا وراء حلم حد الإعياء، متذكراً قول الشاعر خليل حاوي (مات النسر في داخليِ – الذي أعتاد الهزيمة).

***

قاسم محمد مجيد الساعدي

 

صادق السامرائيأبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (283 - 346) هجرية، ولد في بغداد وتوفي في الفسطاط،  من ذرية عبدالله بن مسعود.

مؤرخ، جغرافي، ورائد نظرية الإنحراف الوراثي، المعروف بهيرودوتس العرب.

وكان كثير الأسفار، وهو من نسب عربي أصيل.

مؤلفاته: " مروج الذهب، معادن الجوهر في تحف الأشراف، الملوك وأهل الديارات، التنبيه والأشراف، المسائل والعلل في المذاهب والملل، سر الحياة"، وغيرها من المؤلفات في التأريخ والأخلاق والأنساب.

وفي كتابه مروج الذهب وصف البحر الميت والطواحين الهوائية، وما ذكره فيه عن الكائنات الحية أصلا لنظرية التطور، فقد أشار إلى الإنحراف الوراثي في الحمضيات أثناء نقلها من بلاد السند إلى مصر، وسجل هذا الإنحراف على أصناف من الليمون.

كما لديه نظريات عن الزلزال وخطوط الطول والعرض والأرض، وهو من أبرز العلماء العرب الذين إعتمدوا الملاحظة والتحليل العلمي ومناهج البحث الرصين، فكانت معظم إبداعاته أصيلة وغير مسبوقة.

وملاحظته الوراثية ذات قيمة علمية، وربما إعتمد عليها غيره بإدعائها، فمعظم ما أدّعيَ أنه مكتشف أو مبتكر أجنبي له أساس عربي، لكن العرب يجهلون تأريخهم ولا يعرفون ماضيهم حق المعرفة، وقد شغلوهم بما يحط من قيمتهم ودورهم الحضاري.

وهو يمثل العالم الموسوعي العربي النابغ في تفاعله مع الحياة، بما يلاحظه ويُخضعه لمناهج التقييم العلمي الدقيقة، فيستخرج منه نظريات وقوانين فاعلة في الطبيعة.

وقدرتهم في ذلك الزمان الخالي من المهارات التقنية على تصور حالة الأرض وشكلها وما يحيطها ويعتمل فيها، لدليل على قابلية إستنباطية وإستقرائية متميزة، فبتلك الإمكانات أنجزوا ما يقترب بنتائجه من منجزات الزمن المعاصر بتقنياته الفائقة التطور والإسبار.

تحية لللمسعودي العلامة الجهبذ الذي أنار المسيرة الحضارية الإنسانية، بإنجازاته  الأصيلة الساطعة.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو خلف بن عباس الزهراوي (936 - 1013) ميلادية.

ولد في مدينة الزهراء وتوفي في قرطبة. ويسمى في أوربا (البوقاسيس).

كان طبيبا فاضلا وعلى دراية بالأدوية المفردة والمركبة، وله تصانيفه في الطب، ويعد من أعظم الجراحين في عصره، ويمكن وصفه بأبي الجراحة الحديثة.

مؤلفاته: التصريف لمن عجز عن التأليف (موسوعة طبية من ثلاثين جزء)، الزهراوي .

مقتطفات من إسهاماته الأصيلة:

- علاج الأمراض بالكي

- إختراع أدوات جراحية

- أول من وصف الحمل المنتبذ (الحمل خارج الرحم) عام 963

- وضح الأنواع المختلفة لأنابيب البذل

- عالج الثؤلول باستخدام أنبوب حديدي ومادة كاوية

- أول من إتخد خطافات مزدوجة في العمليات الجراحية

- أول من توصل إلى طريقة ناجحة لوقف النزيف بربط الشرايين الكبيرة

- أول من وصف عملية القسطرة

- أول من صنع خيطانا لخياطة الجراح (من أمعاء الماشية والقطط)

- أول من إستعمل قوالب خاصة لصناعة الأقراص الدوائية

- أول من وصف الهيموفيلبا، ورفع حصاة المثانة، وضربات القلب الضائعة

وهو أشهر جراحي القرون الوسطى، ودرَّست أوربا اللاتينية كتبه في الطب ما يزيد على خمسة قرون.

تعلم الطب: قرأ الزهراوي ما كتبه الرازي في  الحاوي والمنصورى، والمجوسي في كتاب الملوكي، وإبن سينا في القانون، ولعيسى بن الحكم، وإبن التلميذ البغدادي، وعلي بن عيشى الكحال، وما توفر من كتب الطب في زمانه وعندما إهتم بالجراحة ذهب إلى كتب بولس الأجيني وأتيوس الأمدي.

تلاميذه: أبو بكر الكرماني، أبي العرب يوسف بن محمد، أبي بكر أحمد الخياط، إبن واقد اللحمي، يوسف بن أحمد بن حسداى.

شيوخه: ربما يكون قد تعلم الطب من أبو بكر حامد بن سجون، أبو عبيد الله البكري وهما من علماء النبات والعقاقير البارزين.

الزهراوي ثورة علمية ألمعية أصيلة، ونابغة في العلوم الطبية الجراحية، أحدث تغيرات غير مسبوقة، وكان يمتلك جرأة علمية لا تُضاهى، لخبرته الواسعة في علم التشريح، الذي عدّه من أساسيات ممارسة الجراحة.

ولدية مهارات إختراعية لآلات جراحية متنوعة، فهو من رواد صناعة الآلات الطبية، ومن أفذاذها الذين أوجدوا ما يعينهم على إستئصال الأورام وتسهيل التداخلات الجراحية والمتنوعة.

كما أن له باع طويل في إبتكار ما يعين أطباء الأسنان على مداواة مرضاهم.

 

د. صادق السامرائي

 

 

امان السيد ست سنوات ونيف قد مرت بهذه الكتابة، وما يزال الأمر يحفر في خاطري، فالأمور المؤلمة، المغيظة، الأمور الإنسانية لو دققنا أكثر لا يمكن أن تنسى بسهولة، ومن أهملها طعن العدالة، وأرخى للظلم أنيابه..

هي أوراق عثرت بها بين قديمي في دبي، حركت النار تحت الرماد حقا.. لقد سجلتها برصاص قلم، وذلك يخالف عادتي مذ تعرفت بالكي بورد والأجهزة الألكترونية، وقد ذيلتها بتاريخ .. وفي الطريق إلى معرض الكتاب في أبوظبي.. أذكر ذلك تماما، في الباص الصغير الذي أقلني مع حشد من الأصدقاء الكتّاب، وغير الكتاب من المهتمين بالثقافة والكتب وشجونهما، ولم يكن يدور في خلدي أني بعد ذلك بشهرين سأنتقل إلى جهة أخرى من الكون نقلة جديدة أثق أني استحققتها لما لحقني من ظلم وإساءة وتشويه لضميري وأخلاقي المهنية، وتجاه من؟! تجاه اللغة العربية التي عشقتها طفلة، واستهلك مني تدريسها سنين عمر نهشت من راحتي وأعصابي، ولكنها أسعدتني في العطاء الذي يلازمني في مطلق أحوالي..

استقالتي، والتعبير.. هو عنوان الكتابة هذه، حيث قدّر لي أن أختتم بالاستقالة رحلة كاملة من تعليم العقول بين سورية والإمارات، وسيدني أيضا.. وأن تجيء خاتمة مرة العلقم، ولكن لحقها حلو العسل في أستراليا وطني الأجمل الذي أعتز به بعد الوطن الذي تجذّرت فيه..

سأضع الكتابة القديمة بين قوسين، وكل ما سبق كان ضروريا لأربط قارئي بحالة ماضية مستمرة، ولكني سأهيل عليها التراب بعد أن أطلق الرصاص في صفحة لاب توبي العزيز، وأغلق القوسين على الفاصلة الأخيرة:

" في كثير من الأحيان يحتاج الكاتب أن يكون أكثر من واقعي، أكثر من ميداني، برغم أنه في أغلب ما يصدر عنه ينتشل بذاره من أرض الواقع ويلبسها تحليقه، فمن ذاك الكائن الذي يقدر حقا أن ينتشل ذاته من كون هو نفسه حلّق فيه نطفة، ثم علقة، ثم..، كائنا مجاهرا به؟!...

قد يتساءل قارئي: لعل نقطتك سقطت سهوا من التغيير فتحولت إلى التعبير، فالعنوان نفسه إن ربط بين الاستقالة والتغيير سيكون أكثر حضورا، وقبولا، إذ كم يحتاج المرء إلى الاستقالة من كثير الدوامات، والسير حثيثا في التجديد، لكن أستميحك عذرا، فهنا يجيء العنوان بحرفية تامة!

نعم، لقد كان الأمر بادئ ذي بدء رغبة في التغيير لغبنٍ أطال تربّصه، بعد تأرجح بين شطين أزرقين، المتوسط، والعربي، وآن للبحّار أن يستكين قليلا من صراعه في ميناء يختاره، لكل إنسان الحق في اقتناص فرصة أفضل، ونشد الفرح وإن تناساه، لكن أن يلحق بي ما لحق، لم أكن لأتخيله يوما في جزء من العالم التربوي، يضحي فيه التعبير والكتابة من ألد خصومي، والجبابرة الذين قصموا ظهري حينها.. يحضرني هنا النازيون وهتلر وما حصل من المحرقة المدعاة، فالمكان الذي استنجدت به كان موازيا لذلك!

كان من أروع الأمور لدي خلال فترة التدريس المُنهِكة أن ألتقط خبرا، أو أقرأ كتابا تومض منه فكرة للكتابة أستغرق فيها فأنسى متاعبي اليومية وقرف المدراء وتجّار العمل، وأوامرهم الجوفاء، وكما المطر أنهمر غزيرا، أكتب وأكتب، فيتحول الفضاء حولي إلى زهراء ابن زيدون وولّادته، ومذ كنت في الطفولة كان ذاك الإرهاص يصيبني ويبللني بالعطر، كفرخ القطا أنتظر معلمة العربية وهي تعود بدفتر تعبيري وقد جال وتجوّل بين الصفوف، وقد انهال الثناء عليه، حتى أنني لم أنس دفتر البكالوريا "الثانوية العامة بمسماها السّوري" الذي استعارته صديقة فاشلة رسبت في الامتحانات معللة نفسها بالتفوق، وضاع، نعم أضاعته.. أنا لم أنسه، كما لم أتمكن من نسيان أن التعبير في هذه المدرسة التي ختمت بها تدريسي النظامي قد غدا مشنقتي!

كان العدد المطلوب من طلابي ستين موضوعا من التعبير، كيف سينجزون الأمر، غير مهم، المهم أن يُقدّم العدد كاملا في الشهر، ليُذرّ الرّماد في وجه مفتشي اللغة العربية كواجهة مزيفة لتفوق طلاب هذه المدرسة الذين ألغيت مهاراتهم الأخرى في المادة تماما. طالب لا يفقه القراءة جيدا، ولا يملك من المهارات النحوية، أو الإملائية إلا الفتات، طالب لا ينفتح على رصيد ثقافي يؤهله للكتابة، يجب أن تأتي منه المعجزة، أن يكمل الثلاثين في عشرين يوما، والباقي في العشرة الباقية.. يكتب ويكتب، تُسحب منه حصص الدين، والتربية الاجتماعية وتسخّر لرتق أحجار الواجهة، سباق يجري منافسا للإنكليزية التي يتقنها الطالب أكثر لأسباب معروفة لا داعي للخوض فيها، والأنكى من ذلك كله، كيف للغة أن يحترمها الطالب أو يقربها وهي تقدم بمثل هذا الجفاف والتشويه، وكيف لمعلمها أن تكون علاقته طيبة بطلابه الذين يؤمر باغتصابهم فكريا وتعليميا؟!

ما أزال أحمل تلك الصور البغيضة لدفاتر التعبير التي كانت تُقذف متتالية أسفل قدميّ حيث الأوامر أنّ وجهي، ووجوه المعلمين الآخرين مطلوب منها أن تتّجه إلى الحائط كي لا تسلو عملها لثانية، الدفاتر تُحشر في كراتين المياه الفارغة، وتلقيها بغضب واستهتار مسؤولة باردة الملامح لم تبتسم لحظة، وقد تقمصت عمل المخبر في البلدان العربية والاستعمارية، تحصي أعداد الموضوعات، وتكتب من التقارير ما ترتئيه بفكرها الضيق عن تقصير يخيل إليها في المعلم، وبين هذا وذاك، فوضى، واجتياحات، ولصوصية، واستخباراتية، والكل مثل الجرذان يتسارعون، يلهثون لإرضاء إدارة مصابة بالمرض النفسي، والانفصام رغم مظاهر الأناقة المحيطة بها.. زيف في كل شيء، في المشاعر، وفي الضمير هشاشة مرعبة، وفي الطلاب كره مقيت للغة العربية، ولمادة التعبير بالذات..

لا يزال يحضرني إشفاقي عليهم، وهم يطلبون مني بتردّد فتح حواسيبهم المحمولة، ليترجموا موضوعات إنكليزية إلى العربية ليستطيعوا الكتابة وملء دفاترهم بما سيلذ ويطيب للمسؤولين لعلهم يفوزون بتقييم "الجيد"!

المضحك في الأمر أن الطالب لا يتعدى احتجاجه المعلم، إذ أن مجمل التّهم ستصب عليه وحده، مما يعظّم من قبضة المشنقة الحمراء على رقبته، بينما ذاك التمثال الأبيض المنتصب في الغرفة الزجاجية الموشورية الأبعاد سينتصب أكثر مستغرقا في دموع خفية متى أراد أظهرها سلاحا، ومتى أراد كتمها تأهبا..

هل سقطت النقطة عن التغيير سهوا؟ بالطبع لا، فقد رفض التعبير أن يرخي القبعة، وآثر الاستقالة والتوالد في زهراء ولّادة ابن زيدون، ومراتع الكنغارو"..

ملاحظة: أعتقد أنني سأحذف التاريخ الذي دونته أعلاه، وأحتفظ به لنفسي..

 

أمان السيد

 

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (4)

شهرزاد: قلتَ آنفا إن لمغاليق القلوب مفاتيح كثيرة وذكرت منها التواضع، ولاأظنك تغفل عن القول المشهور: إن التكبر على المتكبرين تواضع؟

شهريار: لاينطبق هذا القول إلا على الداخلين في دائرة الهموم، وإني لاجدها ثلاثة عوالم تحيط بنا وليست محيطين اثنين كما يقول ستيفن آر كوفي وغيره من عباقرة علوم النفس البشرية وتنميتها الذين يؤكدون "أننا نعيش بين دائرة الهموم ودائرة التأثير، وكلما اتسعت دائرة التأثير انحصرت دائرة الهموم "،وأستند في مخالفتي لهم الى أن الإهتمام يختلف تماما عن الهموم، وأن دائرة التأثير تنحصر عند عامة الناس بالخواص وخواص الخواص،أمّا العارفون المتخصصون فإنهم يعممون هذا المحيط على جميع الناس، ولهم الحق في ذلك لتسلحهم بعلومٍ وسلوكياتٍ تجعلهم قادرين على توسيع دائرة تأثيرهم، وحينما يكون المتكبر من الجهلاء والأغنياء في دائرة الهموم، وهم خارج عالمنا الحقيقي، ولا نلتقيهم إلا صدفة في محفل أو مناسبة إجتماعية، وهم يحاولون استعراض مظاهرهم الخاوية من كل روح، فالنبادرهم بالسلام والإبتسامة، فإن أحسوا بلذة التسلط فإن قمة التواضع - كما أرى - بالتجاهل وليس برد التكبر بمثله،نحن بتجاهلنا نحافظ على سلامة القيم العليا في نفوسنا حيث يتربع التواضع على عرشها المنير في أعماق نفوسنا .

إن دائرة الهموم تشمل العالم كله، وإنها لذات سطوة على الإنفعاليين أكثر من غيرهم، هم يجعلونها شماعة عريضة لتعليق إخفاقاتهم،أو النظر الى الدنيا وكأنها كابوس عظيم لا أول له ولا آخر، نعم.. نحن نتعاطف مع ضحايا الكوارث في كل بقاع الأرض لكننا لا نمتلك أن نمنع (تسونامي جديد) يضرب ساحلا، او بركانا يلتهم مدينة،أو ثلوجا وعواصف تقتل الآلاف في كل عام، علينا أن نقلص دائرة همومنا ما استطعنا فإن مافيها من حزن عالمي يمنع تركيزنا على عالمنا الخاص، مافائدة أن نذرف الدموع على مشهد عاطفي في أحد الأفلام الأجنبية ويصيبنا الإحباط بموت البطل ونحن في غاية القساوة  بلفظ: (أس)، أو (صه أو مه) نقولها لأحد أبنائنا الصغار، وهو يحاول أن يشاركنا همه في درس يجد صعوبة في فهمه، او سعادته بنجاح باهر في أحد الفصول؟ .

إن المنغمسين في دائرة الهموم أكثر الناس تعاسة، وإنهم ليتصدرون لها،وينشغلون فيها بوجوه متجهمة في الليل والنهار، وهم من حيث يدرون أو لا يشعرون يهمّشون واقعهم،ويخسرون أنفسهم ومن يحبونهم.

اما دائرة الإهتمام وسر تعلقنا جميعا بان نكون مهمين فهي فطرة انسانية تشعرنا باهميتنا في هذا العالم، إننا من حيث نعلم  أو لا نعلم نشعر بالمرض والأسى حينما نتلفت من حولنا فلا نجد من ينظر او يتحدث إلينا، او يبدي اهتماما بأفعالنا، أو ما تخطه أفكارنا، وتنتجه أيدينا، وربما يكون إحساسنا بالتجاهل سببا مباشرا لتمارضنا، وهي خدعة فطرية يلجأ اليها المشاهير قبل البسطاء لأستجداء إهتمام الناس .

أن نكون في موضع الإهتمام ياشهرزاد فذلك غاية المنى، كأنها وصفة سحرية تجبر القلوب المنكسرة، وتسكنُ إليها النفوس الثائرة، وترتقي بالأمال الضامرة، وتُسعِدُ العقول الحائرة.

يقول المع فلاسفة أميركا جون ديوي:" إن أعمق حافز في الطبيعة الإنسانية هو الرغبة في أن يكون مهما".

ولنا أن نتخيل عِظَمَ السعادة التي يشعر بها إنسان فقير حينما ندعوه الى مائدة الطعام بدلا من أن نعطيه بعضا منه بعيدا عن أصحاب البزّات اللامعة،والكروش الساطعة، أو تلك الإبتسامة العريضة التي ترتسم على وجه عامل النظافة حينما نثني على عمله،ونعامله بوقار بدلا من محاسبته على بقايا سقطت من بين يديه، وهو يخلصنا من أوزار بيوتنا، وفضلات إسرافنا في الطعام والشراب .

دائرة الإهتمام ياشهرزاد أحد مفاتيح المحبة لمغاليق قلوب الناس وقلوبنا نحن،فهي تشعرنا جميعا بالأهمية التي تسري فينا من غير توقف، كأنها الأمل الذي يغذي كل جزئية في نفوسنا قبل مسامات أجسادنا.

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

...............

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

صادق السامرائيهل إنتهت أشكال الإبداع؟

سؤال يفرض حضوره في الساحة الثقافية المعاصرة، فهل يا ترى إنتهى ما نسميه قصيدة، قصة، رواية، مسرحية، وغيرها من الأشكال التي إعتدنا عليها في القرن العشرين وما قبله؟

هل سيسود في هذا القرن التعبير الحر المطلق عن الأفكار والمشاعر في نصوص بلا ملامح متعارف عليها، لكل منها ما يريد رسمه وتأكيده تطابقا مع فحواه؟

وهل لكل نص ليلاه؟!!

القراءة المتمعنة للواقع الإبداعي تشير إلى أنه يمضي في مسارات مبتكرة ومتسعة، لا تعرف التمركز والتكاثف في هيأة ذات قواسم مشتركة مع غيرها، فلكل إبداع كينونته التي يصعب تحديد ملامحها، وكأنها هلامية تبحث عن مأوى في فضاء متسع.

فالشعر، شعر، ولا تسأل عن شكله!!

والنثر، نثر، ولا تسأل عن إسمه؟

وبين الشعر والنثر تسميات وتوصيفات لا نهاية لها ولا مرفأ!!

فاكتب ما شئت، وابني عمارات رؤاك فوق رمال العصر، الذي يصطلي بنيران العلم الأجّاج، وتنعم بمطاردة سراب المعنى، وتوهم بأنك أصيل العطاء!!

فالعلم منبع الإبداع وبرهانه المُطاع!!

فهل ما بعد العلم إبداع؟!!

سقطت أوهامٌ والغيب صراع!!

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيإبراهيم بن عبدالرحمن بن أبي بكر، عالم بالطب، يماني، عاش في القرن التاسع الهجري .

 إشتهر بكتابه (تسهيل المنافع في الطب والحكمة)، وهذا الكتاب تعود مخطوطاته للقرن الخامس عشر ميلادي، كتب فيه عن الإستطباب بالبذور والحبوب، بالإضافة إلى أطعمة أخرى وقيمتها الغذائية.

ينقسم الكتاب إلى خمسة أجزاء: (أشياء من علم الطبيعة، الحبوب وطبائع الأغذية والأدوية ومنافعها، ما يصح البدن في حال الصحة، علاج الأمراض الخاصة بكل عضو من أعضاء الجسم، علاج الأمراض العامة).

وإعتمد في الكتاب على مصادر مَن سبقه ككتب: الرحمة، برء الساعة، شفاء الأجسام، تذكرة السويدي.

مؤلفاته:

مغني اللبيب حيث لا يوجد الطبيب، تسهيل المنافع في الطب والحكمة.

لايُعرف كثيرا عن حياته وأساتذته وتلاميذه، لكنه إشتهر بكتابه المذكور أعلاه، وتميز عن أقرانه به، ويبدو أنه كان يميل إلى نشر الثقافة الطبية بين الناس، ومعاونتهم على معالجة أمراضهم بإعتمادهم على ما يذكره في كتابه، وذلك لندرة الأطباء، وعدم قدرة العامة للوصول إليهم.

وبهذا فهو من رواد التثقيف الطبي وإشاعة المعرفة الطبية الضرورية للحفاظ على صحة الأبدان.

ومن الواضح أنه لم يكتب للأطباء، أو كما نسميه كتبا أكاديمية، وإنما إستهدف تنمية الوعي الصحي وتقديم الدليل العلاجي للناس، فيرجعون إلى كتابه في مداواة أمراضهم، فكتابه هو الطبيب بغياب الطبيب.

وأنه من الذين مارسوا العلاج بالغذاء، وكما هي الحال في المجتمعات المعاصرة حيث الإهتمام الفائق بالأطعمة التي يمكنها أن تساعد في العلاجات، وبالعودة إلى كتبه يمكننا إستحضار الأدوية النباتية الطبيعية اللازمة لمعالجة العديد من الأمراض الشائعة.

وبهذا نرى السبق الحضاري عند العرب، ويأنهم من الرواد في ميادين العلوم والمعارف المتنوعة، وعلينا أن نكشف عن الجواهر العربية المطمورة في بطون الكتب، وخزائن المتاحف الساعية لتغيبها عن أنظار أهلها، فيتوهمون بأنهم عالة على الحضارات!!

فهل من يقظة حضارية ذات سطوغ؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو محمد موسى بن المهدي بن المنصور (147 - 170) هجرية، عاش (23) سنة، وحكم سنة وأشهر (169 - 170)هجرية.

تواصل في قتل الزنادقة وقتل منهم خلقا كثيرا، وكان يُسمى (موسى أطبق) "لأن شفته العليا كانت تقلص، فأوكل إليه أبوه خادما، كلما رآه مفتوح الفم قال له : موسى أطبق.

"كان يتناول المسكر ويلعب، ويركب حمارا فارها، ولا يقيم أبهة الخلافة، وكان مع ذلك فصيحا، قادرا على الكلام، أديبا، تعلوه هيبة، وله سطوة"

(نحن نتكلم عن شاب عمره 22 سنة!!)

مات مبكرا جدا، ويُقال أن أمه الخيزران قد سمته، وهناك حادثة أخرى تروى عن موته أو مقتله، لأنه كان يتصرف بطيش وربما لتناول المسكرات دورها في نهايته.

وحاول عزل أخيه الرشيد ويُقال كان عازما على قتله.

تولى الخلافة في عمر (22) . لديه عاهة، يتناول الخمر، تعادى مع أمه وأخيه، يتصرف بطيش مع خدامه، ولا يعي معنى المسؤولية الملقاة على عاتقه، ولم يكن ناضجا نفسيا ولا عقليا لتولي الخلافة.

فماذا يُرتجى منه؟

حاول أن يتجبر ويتكبر، لكنه يفتقد المهارت والخبرات، ويلجأ إلى المسكرات، ويبدو أن العاهة التي يعاني منها قد أثرت على سلوكه، وجعلته في حالة ثوران، وتوجه نحو سفك الدماء، وفقا للقميص الذي بموجبه تتأكد القوة والبطش وهو (الزندقة).

حاول قتل أمه، وكذلك أخية لينفرد بالسلطة التي لايعرف منها سوى ملذاتها وما يحيطه من أبهة وتكريم، وإمتثال الآخرين من حوله لأمره مهما كان ساذجا أو غريبا، فهو الخليفة المطاع الذي لا يجوز لأحد أن يعترض على مشيئته.

وكان منشغلا بملذاته وجواريه، وخلف سبعة من البنين وهو في هذا العمر.

وما أنجز شيئا مهما، وإنتهت خلافته بسرعة.

 

د. صادق السامرائي

 

نجيب طلالعلى التوالي؛ ينعـدم الاحتفال باليوم الوطني للمسرح (14مايو) بحكم إسدال الستار على القاعات والمسارح؛ وبحكم الإغلاق الشامل لأبوابها التي ربما تغير أو سيتغير طلاؤها نتيجة الظروف الاستثنائية جدا جراء الوباء [الكوفيدي 19] الذي طبعا تسبب في شل جميع القطاعات على المستوى العالمي وليس المسرح وحده؟ وإن كان في واقع الأمر؛ لم يكن هنالك احتفال حقيقي وعملي قبل الجائحة؛ بقـدر ما كانت هناك قبل الوباء، بعض الومضات و الرشات هنا وهناك؛ ورغم ذلك سيظل اليوم الوطني للمسرح، يوما له قدسيته و محتفظا بقيمته الرمزية .

لكن ما حدانا لتجديد - قول - قيل في صيغ مختلفة أعقاب هـذا اليوم؛ تلك النعرة والغيرة الدفينة في أعماقنا؛ وما نراه خلال ما أفرزته الجائحة من ظواهر سلبية وقاتلة في المشهد الفني والإبداعي؛ وبالتالي قولنا نلقيه على كل الفنانين المهووسين حقيقة باللذة السيزيفية؛ وإن أمست قلة قليلة؛ هَـذا لا يعـدم أن يتم القول؛ وإن كانت والبقية تهرول نحو الأموال؛ ولا يهمها غير ذلك؛ ومعطيات الجائحة في أوج هجومها على العالم؛ قدمت لنا صورة مجسدة على الفنان؛ كيف يفكر؟ وكيف يتضامن؟ وكيف ينظر للعالم؟ وماهي فلسفته؟ وهذا ناتج عن التحولات التي عرفها المشهد الفني والإبداعي؛ وساهمت فيه عوامل متعَـددة أبرزها الوضع الوبائي؛ بحيث لم يتوحَـد صف الفنانين للبحث عن سبل الإنتعاشة الفنية؛ عبر وسائل التواصل الإجتماعي؛ بل كان الهم الوحيد عند الأغلب الأعَـم ! التفكير في لقمة عيش كيف ينالها؟ هـذا حَـق مشروع؛ ولكن على أسس عملية وفـعلية؛ بحيث ما أهَـمية الشركات والتعاونيات والفرق التي تتهافت على الدعـم وينخرط فيها الفنان من أجل دريهمات الدعْـم؟ وما أهمية بطاقة (الفنان)؟ وما أهمية تعدد النقابات المهنية؟ وما أهمية الغرف المهنية؟ وهناك أصوات متعددة من رجالات الفن والفرجة ارتفعت وصرخت تجاه ما تعانيه من الحاجة والعطالة، وقلة الحيلة؛ بحيث في ظل الجائحة لم تطالب إلا بتوفير المصروف اليومي لنفسها ولعيالها؛ مقابل هذا نجد شلة أو شرذمة تستفيد من الإنتاج التلفزي؛ في ظل (الجائحة) !! ولا يقف الحد هاهنا بل يلاحظ بالملموس والمكشوف؛ نوع من الاستحواذ والهيمنة (أي) نجد ممثلا (ما) يشخص في عدة مسلسلات كما ورد في شهر الصيام المبارك؛ هل من حقه أم لا؟ ففي سياق النقد الفني؛ لو كان ذاك الممثل تنوع ظهوره وتغيرت ملامحه وهيئته طبقا للشخصية التي يلبسها؛ والتي أسندت له من لدن (المخرج/ المنتج) فمن حقه . لكن حينما نجده بلباسه وشعره ولكـْنته وحركاته هنا وهناك؛ ولا يضيف شيئا لظهوره الفني؛ فالمسألة تناقش؛ فمن سيناقشها؟ أليس اليوم الوطني فرصة سانحة للتعبير عما يختلج الفنانين من هموم ومعاناة؛ ومن حيف وإقصاء ... طبعا الظرفية لا تسمح؛ لكن وسائل التواصل الإجتماعي سند أساس للتحاور والتشاور الهادف للدفاع عن مهنيي الفنون الدرامية بكل مشاربها ومواقفها؛ شريطة البوح الصادق في حدود المعقول خدمة للفن والفنانين؛ وذلك لملامسة ووضع اليد على مكامن الخلل، نحو استشراف فعال لممارسة إبداعية حقيقية، وليست مزيفة !

فلماذا لم تستطع أي نقابة مهنية/ فنية؛ لحد الآن أن تنشئ موقـعا إلكترونيا؛ واسع الانتشار. لخلق كوة عملية للتواصل الفعال بين الفنانين والمنخرطين والمريدين؟ إذ المثير نتكلم ونصهلل عن المسرح أكثر من ممارسته والبحث عن سبل إنعاشه فعليا وانتعاشة ممارسيه تقنيين وفنيين ومشخصين؛ وليست هنالك بادرة لإنشاء موقع مسرحي فعال ونشيط بشكل مستمر وتحييني؛ وإن كان الواقع الرقمي سيفرضه على المسرح عاجلا أم آجـلا . أليست بعض النقابات المهنية (عندنا) لها اتفاقيات مع الهيئة العربية للمسرح؟ وكيف يمكن أن يوثق من تطاولوا على التوثيق المسرحي؛ حسب لجنة التوثيق التي أنشأتها (الهيئة)؟ هنا لن ندخل في حسابنا (موقعين إلكترونيين للمسرح) لأسباب من داخل الموقعين(؟؟) وهذا نقاش آخــر. لا حاجة لنا به؛ من قريب أو بعيد؛ بل أثرته (فقط)؛ حتى لا يعتقد القارئ المفترض؛ أنني أمارس الإقصاء؛ أو نملك نوايا مبيته تجاههما .

وبالتالي فما دورنا إن لم نبحث عن طرق عملية للخروج من الأزمة؛ أليست لدينا القدرة على تفعيل قنوات التواصل الإجتماعية؛ كما فعلت عدة دول عربية؛ كما أشرنا إليها في مواضيع مختلفة؛ وللتذكير أثرنا قضية العروض المسرحية بدون جمهور التي أبدعتها وفرضتها وزارة الثقافة والشباب على (المدعمين)؛ من أجل النقاش وتبادل الرأي والقضية؛ فالعجيب لا أحد ممن يتكلمون عن المسرح باستسهال مفرط في الموائد المستطيلة والمربعة؛ بادر للنقاش؛ فليس الموضوع فيه عملية اللامبالاة؛ أو كما يقال (عـدم رمي الملح على الطعام) بل المسألة وما فيها وفيها أن الأغلبية من المسرحيين لايقرأون؛ والذين يقرأون يتهربون من المواجهة؛ لآنهم يستفيدون من الوضع كيفما كانت تقلباته؛ ولهذا السبب سيظل مسرحنا أو إبداعنا ينهار وسينهار للحضيض؛ وها نحن أمام إبداع التفاهة؛ والأغلب الأعم من المواطنين؛ صرحوا بذلك بمصطلح(الحموضة) أليس هذا الاتهام يمس كل الفنانين؟ ألا يمس الجسد الفني برمته؟ رغم أن هنالك بعض من حاول شراء أصوات للتعبير عن الاستثناء في الكوميديا؛ حتى أنه وقع تهجم عبر (الفيديوهات) على من أدلى برأيه وتصوراته تجاه إحدى (السيكومات) وهناك فنانين كانوا مقصيين لأسباب (خاصة) أشادوا بالكوميديا وأطنبوا مدحا وشكرا لإتاحة لهم الفرصة كمشاركين فيها (أليس هذا استهتار بقيمة ذات الفنان) حينما يتم تناوب أقداح المدح؟؟ ولاسيما أننا نلاحظ هاته السنة تحديدا؛ غياب يوتوبات (فيديوها) تشرح أخطاء المسلسلات وتفاهتها؟ هنا لنتفق ف[ التفاهة] بدورها إيديولوجيا؛ هل ننخرط فيها جميعا ونؤمن بها؛ كما كان الإيمان في عقود خلت الفن للفن؛ وإن كان أي فعل كيفما كان نوعه وشكله؛ هو أساسا (مؤدلج) بقصد أو دونه . أثرت (مسألة التفاهة) كموضوع للنقاش؛ لتلافي الاصطدامات والمشاحنات بين الفنانين أنفسهم والفنانين والجمهور؟ ولنؤمن فيما بعد أن (التفاهة) تيار فني له رواده وعشاقه ! ففي هذا اليوم الوطني أليس مناسبة أكيدة لنقاش مثل هاته القضايا بروح عالية؛ وتقبل الرأي الآخر بأريحية وبدون التشنجات أو تعصب؛ يزج بنا في صراعات خفية بين الإفراد؛ لأننا مقبلين عن فرجة رقمية طواعية أو قسرا؛ وما تقديم عروض مسرحية بدون جمهور؛ ماهي إلا عتبة أكيدة لما يسمى – [الهايبر دراما/ Drama hyper ] – أوالدراما الترابطية. كما هي عند. (تشارلز ديمر/ Charles deemer)ونلاحظ أن هنالك بوادر رائدة يقوم بها بعض الشباب بحماسة عبر الوسائط الإجتماعية؛ وهناك بعض الفنانين المرموقين اقتحموا هذا العالم بأفلامهم ومسلسلاتهم ومنولوجاتهم؛والمتتبع للشأن الإبداعي عن كتب وليس عن السماع؛ سيعرف عمن أتحدث. لأن هيمنة تكنولوجيات الاتصال الحديثة فرضت نفسها بغير رجعة؛ وإن حاول المسرح فرض سحره وجاذبيته وجانبه الحميمي؛ فلم يعد له جمهور كما كان في عقود خلت؛ لأسباب متعددة ومعقدة جدا. لأن الغلبة ستكون الآن للمسرح الشبكي/ الرقمي/ التفاعلي/ هنا لست متحمسا لذلك ولا منظرا له؛ بل طبيعة المواكبة التكنولوجية تفرض نفسها؛ ومن خلالها نطرح الموضوع للنقاش العام؛ وليس في الكواليس. ولندلي بمثال شاهده الجميع وتعايش معه؛ عبر الهواتف الذكية؛ أو اللوحة الإلكترونية . فأغلب أفلام [ شارلي شابلين ] اقتحمت الفضاء الأزرق واليوتوبات، وحققت تفاعلا روحيا غريبا؛ مبدؤه التمعن في طروحات (شارلي) وأفكاره الجمالية؛ والاستمتاع بحركاته وأحداث الشريط؛ وآخره الضحك من الإعماق على درامية الصورة، ومؤخرا اقتحمتنا الكاميرا الخفية juste Gags)) واخترفت الفايس بوك . بكل وثوقية ومهنية؛ كما كنا نشاهدها تلفزيا . فمن سمح لها بذلك؟ أليست الشركة المنتجة هي التي وضعت ملفها وفتحت حسابا لذلك؟ هنا المنتوج الإبداعي والفني يبحث عن تسويق وانتشار بصيغ أخرى؛ وتلك عتبة الاكتساح الرقمي التي فرضتها تصورات العولمة والكوننة؛ فهل مسرحيونا لهم الجرأة والشجاعة للانخراط في عوالم الشبكة العنكبوتية بكل وثوقية؟ هنا نعيد السؤال: أي نقاش مناسب لليوم الوطني للمسرح من أجل استمرار التعطش للفرجة الحية؛ رغم اكتساح الرقمي في حياتنا اليومية؛ وفي إبداعنا؟

 

نجيب طلال

 

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (3)

شهرزاد: تعرفنا في حوارنا السابق على الأسباب التي تدفع من يدعي العلم ولا يملكه نحو الغرور فما بال الجهلاء يتعالون على الناس من حولهم ؟!

شهريار: أجد أن المتكبر بغير علم يصنع من حوله هالة يختبئ خلف ضوئها الخافت ظنا منه أنها تخفي عيوب شخصيته السطحية، وهو من حيث يدري أو لا يدري يتصنع تجهما مذموما على وجهه، ويحيط نفسه بإعجاب مكذوب،وهو ذاك المتغطرس في عيون الناس الذي يتتبع العثرات ليقول لنفسه قبل أن يحدث من حوله: (هاهو من تظنونه فطنا ذكيا يخطئ ويتعثر،وأنا أفضل منه بكثير).

وإني لأنظر الى الواحد من هؤلاء بعين الرأفة لا الإشمئزاز،فهو ممن قال فيهم حكماء العرب: (إنه لا يدري ويدري أنه يدري وذلك جاهل فعلموه)، غير أن إحساسه بالفارق بينه وبين المتعلمين، واتكاءه على مال كثير،أو جاه قديم، أو سمعة عائلة طيبة يزيد من حماقته وتكبره على الناس ، هو يردد دائما: (أعلم ذلك قبل أن تنطق به)، وهكذا يعيش داخل هالة الثناء لذاته المنكسرة،وبهاء صورته الذي لا يراه غيره ليبقى جوهره هشا،وتذكّره نفسه اللوامة بحقيقته دائما، ليتعالى على نفسه قبل أن يتكبر على الناس، ولي صديق منذ أيام طفولتي انبرى لسوق المال والأعمال منذ صغره، وتحاشى إكمال دراسته وهو يحظى بحب أبيه التاجر، ولم تنقطع علاقتنا حتى الساعة، وكلما زاد ماله زاد غروره بنفسه التائهة في ظلام الجسد، وهي لبعيدة كل البعد عن أنوار المعرفة،وأسرار التواضع والمحبة، لكنني بلافخر كنت أمتلك مفاتيح محبة خافتة،وتواضع كسيح في جوفه منذ ذلك الحين، وإنني لأتعرض الى لوم شديد من الأصدقاء والمقربين،غير أنني مازلت غير مبالٍ بكل كلمات النقد والعتاب،وأحاول جاهدا أن أنمي فيه حب المعرفة والتعلم والتواضع، وإنني لأجد فرقا عظيما بين (بهلول زمانه) في صحبتي، والرجل نفسه اذا حدث الناس،واستعرض قواته وأمواله وحكمته العرجاء، وإنه ليتلذذ بكبريائه الهوجاء، وما إنْ فارق الناس وجاء حتى حدثني بتواضع شديد، وأستنهض في أعماقه شبح عقل رشيد، يقول لي بهلول زمانه: أنت الوحيد الذي لا أخشى أن أتعلم منه فأنت تحبني .

والسر في ذلك يا شهرزاد أنني أنظر إليه بعين العطف والمحبة،وأزيد تواضعا كلما دنوت منه،ناصحا له، داعما لبعض صفاته الطيبة، علّني أرتقي به من وادي الكبرياء الى قمم التواضع .

وقبل أن تتهمينني بتحميل الناس مسؤولية أوضاع المغرورين، دعيني أقول: إنْ آمنا بأن التغيير يأتي من داخلنا دائما،فعلينا أولا أن نغير تصوراتنا الذهنية التي نعامل بها هؤلاء، ونبحث عن آثر بذرة الخير فيهم لنسقيها، فإن فعلنا أزهرت أرواحهم وأقرّوا بضعفهم وبدأوا من جديد، الخير فينا يدلنا عمّا يماثله في دهاليز النفوس المظلمة، فلنعلمْ أننا بحاجة الى أن نلتمسه في نفوسنا أولا، فاقد الشيء لا يعطيه عبارة لا أجدها متكاملة المعنى، وعلينا أن نقول: فاقد الشيء لا يعرف مكامنه في نفسه حتى يجده في نفوس الآخرين .

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

.............................

* مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

 

صادق السامرائيأبو عبدالله محمد بن المنصور (127 - 169) هجرية، عاش (42 أو 43) سنة، وتولى الخلافة في عمر (31 أو 32)، ولمدة (11) سنة، (158 - 169) هجرية.

"كان جوادا ممدحا مليح الشكل محببا إلى الرعية، حسن الإعتقاد، تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقا كثيرا"

"أول من أمر بتصنيف كتب الجدل للرد على الزنادقة والملحدين"

قبل الخلافة، كان أميرا على طربستان وما والاها، وتأدب، وجالس العلماء وتميز.

ومن خطبته عندما بويع بالخلافة: "... ولقد فارقتُ عظيما، وقُلِدْتُ جسيما، وعند الله أحتسب أمير المؤمنين، وبه أستعين على خلافة المسلمين..."

وفي سنة (159) هجرية، أوصى بولاية العهد، لإبنيه موسى الهادي ومن بعده هارون الرشيد.

وفي سنة (166) هجرية، وفيما بعدها جدّ المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة.

توفى سنة (169) هجرية، ساق خلف صيد، فاقتحم الصيد خربة، فتبعه الفرس فدق ظهره في بابها، فمات لوقته، وقيل أنه مات مسموما.

يبدو أنه كان متعلقا بوالده ومعجبا ومتأثرا به ولا يستطيع مقارنة نفسه به، مما دفع به إلى أن يحتذي خطاه بما يستطيع إليه سبيلا، وكأنه لم ينل قسطا كافيا من التدريب والتثقيف على إدارة الحكم، فلديه بعض التردد وعدم الثقة بالنفس.

وهذه المشاعر وما يتصل بها، دفعت به إلى تسويغ سفك الدماء بقميص (الزندقة)، الذي إتخذه منهجا لحكمه، ومضى عليه إلى آخر آيامه . فأصبحت تهمة الزندقة سهلة وتفضي إلى قتل المتهم بها فورا.

ومن أخطائه التي حتمها عليه الخوف من الموت أن دعى بولاية العهد من بعده لولديه في أول سنة من حكمه، مما تسبب بتفاعلات خفية بين الإبنين، وبينه وبينهما، وربما يكون إحتمال موته بالسم من نتائج ذلك.

ومن الواضح أن لزوجته الخيزران دورها الكبير في مسيرة حكمه، وقصتها معه معروفة، فهي الجارية التي تمكنت منه، وأنجبت ولديه اللذين عهد لهما بالخلافة من بعده.

فهو برغم فتوحاته وإنجازاته وإزدهار بغداد بعصره، يتميز بخصال إعتمادية، وبمخاوف جاثمة على وعيه، وحتى في قصة موته المزعومة ما يشير إلى أنه كان يطارد صيده، فوقع صيدا لما كان يعتمل فيه من الأحاسيس والمشاعر التي أذهبت بصيرته، وأفقدته السيطرة على جواده الغائر نحو موته!!

 

د. صادق السامرائي

 

عبد اللطيف الحسينيالكمان من أرقى الآلات الوترية ذات القوس، جسمُه من خشب القيقب والقوسُ من عود الخيزران مشدودٌ عليه خيوط من شَعر الخيل وصوتُه من أحنّ الأصوات. ذاك تعريف للكمان الذي كنتُ أتدرّبُ عليه قبلَ أكثر من أربعة عقود، واقتنيتُ واحداً منه لأعيد بذاكرتي لتلك السنوات التي انطفأت من حياتي، غيرَ أنّي تذكرتُ ابنتي دارين التي طلبت مني ذات يوم تلك الآلةَ ...فأهديتُها إياها.

سمعتُ والدي يقرأُ شعراً يتوهّج بالخيال ثم مُستدرِكاً لأخي عبدالرحمن عفيف..ثم مرشداً له: "النثرُ يُقرأ أكثرَ من الشعر، فالشعرُ متكلّفٌ مهما كان ناثرُه أو ناظمُه خبيراً بعوالم النثر والنظم، أمّا القصةُ أو الحكايةُ فيفهمها الكلُّ ....حتى البسطاء دون إعمال واجهاد الفكر.

هذا ما دار بين والدي وعبدالرحمن المستمع إليه وأنا المتلصّص عليهما. سرقتُ نصيحة والدي مُذّاك أي قبلَ أكثرَ من ثلاثة عقود، وبقي عبد الرحمن أميناً لفضاء الشعر الخصب المتوهّج" وادي الديازيبام و نجوم مؤلمة تحت رأسي" ويبدو أنّ الزمن آنذاك كان زمنَ شعر فقط، فاستحوذ الزمن على أزمنة وأمكنة عبدالرحمن في مغتربه منذ ربع قرن، وبعد ربع قرن خطف عبدالرحمن ذاكرتَه القصصية للخلف ليكتب مناخَ القصَّ الكردي..... أو السوري في العموم، غيرَ أن الخصوبةَ تجلّت في منبته"عامودا وما حولَها"حيث المكانُ الأليف الذي يُعيد القاريء لألفته المفتقَدة ولأعشاش الطفولة والشباب الأوّل، هذا إن حوّرنا اسم البيت واستبدلناه بالعُش بحسب باشلار، فقرّاءُ في سيارة ابن صراف يفهم تفاصيل الكتاب ودقّة المكان وشخوص الحوادث، هذا إن كان القرّاء من جيل عبدالرحمن وما بعدَه وما قبلَه، فهؤلاء القرّاء هم المشاركون معَه في الحدث أو هم الذين أَمْلوا عليه، وإن شطح بيَ الخيالُ لقلتُ هم الذين كتبوا أجزاءَ و خلعوا وركّبوا قِطعاً لسيارة ابن صراف، أتذكر دوستويفسكي حين أنهى إحدى رواياته جمع أصدقاءَه وقال لهم"أنتم كتبتم هذه الرواية ....لا أنا". عبدالرحمن جرّب ذاكرتَه التي عادت به إلى عامودا الثمانينيّات.للصدق ما كان لعبدالرحمن ليكتبَ تفاصيل الحياة اليوميّة إلا لأنه بعيدٌ عن المكان، فالأمكنةُ تُستعَاد أدقَّ إن ابتعدَ عنها مدوّنُها.

2438 سر النور

لو قرأ جيلُ الألفين هذا الكتاب فلن يستوعبَه ...فالمعالمُ كلُّها تغيّرت أو اضمحلّت أو اختفت من المدينة نهائيّاً....إنها المدينةُ... الأطلالُ، سأتخيّلُ عبدالرحمن زائراً مدينتَه عامودا الآن فلن يعرفَ أحداً فيها أو لن يعرفَه أحدٌ فيها...أتخيّلُه واقفاً على الأطلال حيث لا صديقَ يُستوقَفُ ليشكو له عبدالرحمن شهقاتِه و زفراتِه.

تلك المدينةُ التي كانت موّارةً بالشعر والسياسة والأدب باتت الآنَ قبضَ ريح.

عظمةُ أبي تمّام تكمن أنّه الناطق باسمنا: "فكأنّني ـ مذ غبتَ عنّي ـ غائبُ".

 

عبداللطيف الحسيني - هانوفر.

 

 

شاكر فريد حسنلم تحظ مدينة في الدنيا، ما حظيت به مدينة القدس من حضور لافت في الشعر والأدب العربي المعاصر، وذلك لأهميتها التاريخية، بقدسيتها وتراثها، وباعتبارها قلب فلسطين النابض وعاصمتها، وإننا لعلى ثقة ويقين أنها على كل لسان فلسطيني وعربي.

فالقدس تمثل في الأدب موتيفًا ومركب من خاصيات تاريخية وثقافية ومكانية وأسطورية ترتبط بها كمكان إنساني معيش، وكرمز كنعاني وفلسطيني وتاريخي وديني، وما تثيره هذه الخاصيات من انطباعات ولواعج وأحاسيس ومشاعر وجع وألم، وما تعنيه من ايحاءات ودلالات ذهنية تلتحم بوعي المبدع والشاعر الفنان، وتشكل جماليات الصورة للمكان.

والقدس ليست فكرة فحسب، بل هوية وانتماء، وارتباطنا بها وجدانيًا، ويحمل أبعادًا وطنية وقومية وسياسية واجتماعية ودينية. ولا أظن أن أي شاعر فلسطيني لم يذكر القدس في شعره، ولم يتغنَ بها وبمجدها. ولعل الأرض الفلسطينية تنبت شعراء يحملون الهم الوطني والوجع الفلسطيني، والقدس تمثل كل ذلك في مشاعرهم وأحاسيسهم ووجدانهم.

وتقف شاعرتنا الفلسطينية المبدعة ابنة طرعان الجليلية د. روز اليوسف شعبان متألقة بقصيدتها الرائعة "زهرة المدائن" التي تضمنها ديوانها الشعري "أحلام السنابل"، حيث تمزج فيها التاريخ الماضي والحاضر والمستقبل بكل صوره، وتصف فضلًا عن البعد التاريخي، المعاناة الخاصة لهلها، والصورة الذهنية، فتقول:

في غنجٍ ودلالٍ تمخطرتْ

أمام تاريخٍ مضى وتاريخٍ آت

حمرةٌ مشوبةٌ بخجلِ العذارى 

يخطُفُ الأبصارَ

وجديلةٌ مطوقّةٌ بتاجٍ ذهبيَ

يأخذُ بمجامع الألباب 

في غنجٍ ودلالٍ تمخطرتْ

تنتصبُ أمامَها أشجارُ الزّيتون 

تعلو فوق أسوارٍ 

تمتدُّ بعيدًا في الآفاق

تروي قصصًا مضتْ

وقصصًا ستُروى 

لتاريخٍ آت!!

في غنجٍ ودلالٍ تمخطرتْ

في شموخها رائحةُ البخور والعنبرِ

تعبَقُ في فضاء الأسواق

تخترقُ الكنائسَ

والمساجدَ والآفاق 

تنشُدُ مزمورًا 

مُلفّعًا بالأماني والأشواق 

في إبائها تمضي 

تروي حكاياتٍ جسامًا 

يبوس وأورسالم وإلياء 

المسيحُ بنورهِ

وأحمدُ في معراجِهِ إلى السّماء

صلواتٌ للمحبّةِ والإخاء 

في عَليائها تسمو 

ترنو إلى ذُخْرِ الأمجاد

تطوي قصصًا 

تعبقُ 

بتاريخٍ مضى وتاريخٍ آت!!

تنشدُه

في سكينةٍ واعتداد!!

هذه القصيدة التي تقدم وتشرح نفسها دون عناء، بمنتهى الروعة والفتنة، وتتبدى فيها ملامح الأصالة، والشعور الوطني العفوي الصادق، وقد أبدعت الشاعرة في مبانيها، ومعانيها، وسبكها في نسيج متكامل الترابط، متسلسل الصور، متتابع الأسلوب، سهل اللفظ، رقيق التعبير، خفيف التلقي. إنها قصيدة عذبة وحريرية وشفافة إلى أبعد الحدود، تثبت وتؤكد على شاعرية روز شعبان، وعلى موهبة غير متكلفة، وذات إحاطة بما تريد قوله والبوح به، من المعاني والصور والأبعاد التاريخية والمكانية والجمالية والفنية.

أستاذة روز اليوسف شعبان، أجدت الوصف والتعبير، فبورك حرفك ويراعك وإحساسك الوطني الباذخ، ودمت في عطاء وتألق متواصل، ودامت القدس في شموخٍ وإباء.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

صادق السامرائيأبو إسحاق إبراهيم بن بكس المتوفي سنة (393) هجرية، كان يدرِّس في البيمارستان العضدي منذ سنة (360) هجرية، وكف بصره في أواخر عمره، فانقطع للتدريس دون التطبيب.

وهو من سريان بغداد، وكان يترجم من السريانية للعربية .

مؤلفاته: " الأقرباذين، مقالة في الجدري، كتاب في الطب (الكناش)، مقالة الماء القراح أبرد من ماء الشعير، ترجمة كتاب ثيوقراسطس في النبات"

وفي طبقات الأطباء: "كان من الأطباء المشهورين وترجم كتبا كثيرة إلى لغة العرب، ونقله أيضا مرغوب فيه"

وإبنه أبو الحسن علي بن إبراهيم كان طبيبا ومترجما وكف بصره كذلك.

ولا يُذكر عن أساتذته وتلاميذه، وكيف تعلم الطب ومارسه، ويبدو أن لبيت الحكمة دور كبير في تعليمه وتطوير إهتماماته بالطب.

كما أن لمعاصريه من الأطباء المشاهير دورهم في تعليمه وتأهيله للمارسة الطبية البارعة، لهذا إكتسب شهرته وقابليته التدريسية والعلاجية، وتمكن من العمل في المستشفى العضدي الذي كان من المستشفيات الكبرى والمتميزة بالأطباء المشاهير المهرة في مهنة الطب.

إضافة إلى أنه أثرى عقول الأمة بما نقله من ترجمات من السريانية إلى العربية، وبهذا قام بدور تنويري وأسهم بنشر المعارف الإنسانية وتلاقحها بين الأجيال والأمم.

وهو كغيره من أطباء ذلك العصر العربي المشرق، كان يتمتع بمكانة إجتماعية عالية ومن المكرمين في الدولة، والمعززين في المستشفى التي يطبب فيها ويدرّس الطب.

والعمل في المستشفى العضدي آنذاك يُحسب إعترافا بتميز الطبيب وإمتلاكه القدرات الفذة النادرة، والنبوغ في علوم الطب.

ولهذا فهو من كبار الأطياء الموسوعيين الذين أغنوا المعارف العربية برؤاهم وترجماتهم ودراساتهم وبحوثهم العملية القيّمة.

فتحية للطبيب إبراهيم بن بكس البغدادي المنير!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

الحسين بوخرطةفي نهاية القرن التاسع عشر، نزل العمالق اﻠﺷﱡقر بترسانتهم المعرفية في ضوء النهار في أقطار الأرض العالية، وشخصوا الآثار، ودونوا حقائق الحفريات الترابية والثقافية والتراثية. استعانوا مرارا بالأهالي الأبرياء، وانتشلت مركباتهم الضخمة من أوحال الأدغال المجهولة، التي تنتشر على المجال الترابي الأبرك والأوسع والأغنى كونيا. طمست هوية أهل المنطقة، وأضاعت ويلات الانحطاط سجلات الأمجاد.

توالت الزيارات والكشوفات بانتظام مدروس. عمقوا الحفر، وغاصوا في الأعماق بسواعد محلية، واستخرجوا المعادن النفيسة، وخصبوا الأراضي، واستخلصوا الاستنتاجات واحتكروا الأرباح. يغمر الأهالي فرح وابتهاج السذاجة. تلذذ الوافدون أطعمة الكرم العربي، وأباريق الشاي والقهوة المعطرة، ورغيف النساء المطلي بالزبدة والعسل. خططوا ودبروا، وتفاعلوا في فضاءات براءة أهل الدار. اطمأن رؤساء القبائل لدفئ المعاشرة، وكأنها حماية رسمية، لتتوافد الفيالق العسكرية المدججة بالعتاد الحربي.

مرت الأيام، واشتد قنوط وذهول رجال ونساء أقطار الأرض العالية، وتجمدت لغة تواصلهم، وانفصلت عن تاريخ أمجادها. انبجست الدموع من العيون. اشتدت الحيرة والحسرة، وتوانى الزعماء في التفكير والحركة. بعيون شاخصة إلى العمالق وبدلاتهم الخارقة خاكية اللون وآلاتهم المتطورة الغريبة، اصطف الأهالي بحواشي الطرقات والممرات يخالجهم إحساس مزيج إعجاب وحقد دفين.

توﺟﱠمت الأفواه، صرخت أرواح الأوطان، لتثور الأصابع والسواعد هنا وهناك. كثفت النخب المفاوضات مع الدخلاء. تم استعجال خروج العمالق الشقر، وتنادﱠت الجماعات، واستفحل الداء الوبيل. تعددت الانقلابات، فتوجست النفوس إذلالا، وزامن الأذى بصائر الأجيال المتعاقبة، وطالت واشتدت مزامنته، وتراكمت الكتابات والأطروحات في موضوع النهضة المؤجلة.

 

الحسين بوخرطة

صادق السامرائيعبد الرحمن بن علي، كنيته  أبو القاسم، ويعرف بإبن ابي صادق، ولد في نيسابور (995 - 1068) ميلادية، وبعض المصادر تذكر أنه عاش أكثر من ثمانين سنة.

درس الطب على إبن سينا وصار عالما بأفكاره والأفكار اليونانية ولقب بأبقراط الثاني

ومن مؤلفاته: شرح على كتاب تقدمة المعرفة لأبقراط، شرح كتاب الفصول لأبقراط، شرح مسائل حنين، إختصار شرحه الكبير لمسائل حنين، شرح كتاب منافع الأعضاء لجالينوس، شرح شكوك الرازي على كتب جالينوس.

ومما ذكره عنه إبن أبي أصيبعة: "هو طبيب فاضل بارع في العلوم الحكمية، كثير الدراية بالصناعة الطبية، له حرص بالغ في التطلع إلى كتب جالينوس، وما أودعه فيها من غوامض الطب وأسرار العلم، شديد الفحص عنها، وكان فصيحا، بليغ الكرم، وما فسره من كتب جالبنوس في نهاية الجودة والإتقان، كما فعل في كتاب منافع الأعضاء لجالينوس، فإنه أجهد نفسه فيه، وأجاد تلخيص معانيه".

"كان طبيبا ماهرا وصيدلانيا بارعا، ومن مفسري المخطوطات التأريخية، فقد شرح مجلدات العلماء والأطباء الأقدمين تسهيلا للرسالة وتبليغا إياها للأجيال".

ومما يلاحظ عنه أنه إجتهد في تبسيط العلوم الطبية، فانهمك بشرح المخطوطات القديمة بلغة عربية معاصرة تساهم في فهمها والإنطلاق بها ومنها إلى آفاق علمية جديدة.

وهذه خطوة معرفية ثورية ذات رؤية مستقبلية سبّاقة لعصرها، فهو يقدم رسالة للأجيال المتوافدة من بعده ويعينها على فهم وإستيعاب التراث الطبي وهضمه، وإستخلاص ما فيه من مهارات علاجية وأدوية ذات فائدة شفائية للآمراض.

ولا نعرف كثيرا عن حياته وممارسته للطب، لكنه إتصل بإبن سينا، وإستوعب أفكاره، وإجتهد في فهم ما كتبه جالينوس، وقدم شروحات وافية للمنطلقات العلمية التي إستخلصها منهما.

وبهذا يكون قد أسهم في إرساء الدعائم القوية للعلوم الطبية عند العرب.

فتحية لإبن أبي صادق الطبيب اللامع!!

 

د. صادق السامرائي