ريكان ابراهيمفي  علم النفس الديني (9)

قد يتزعزع إيمان بعض الناس. ويؤول أمر هذا الإيمان إبى واحدةٍ من ثلاث حالات:

1- حالة الثبات أمام محاولات زعزعته.

2- حالة إصابته بنوبات الشك.

3- حالة تحولِه إلى الإنكار أو الإلحاد.

ونحاول أن نناقش ما يكمن من مؤثرات وراء كل حالةٍ من هذه الحالات الثلاث.

1- حالة الثبات أمام محاولات زعزعته:

إن الإيمان يَثبُتُ في الفرد ويقاوم عوامل زعزعته إذا تحققت المؤثرات الآتية:

أ‌- قيامُهُ على يقينٍ ثابت: إن الإيمان مسألة دقيقةُ الحساسية في النفس البشرية وما لم يقم على أساس راسخ فإنهُ يُصبح عرضةً للإهتزاز أو التأرجح.

إن ما يحصل للمؤمنين الذين تَسلموا إيمانهم بطريقة التلقين والملائية الخطابية من دون ترسيخه على فهم واضح وقدرة على مواجهة تغييره هو إنحيازهم سريعاً إلى نقيضه من إلحاد. ولهذا يوصي علم نفس التربية المبكرة للنشىء بضرورة الإجابة الصريحة وتقديم البرهان الواضح أمام كل تساؤل حول الذات العليا.

ولقد أثبتت الدراسات أن طريقة قمع الأسئلة المبكرة لدى الطفل على أساس (الحلال والحرام أوالمُقدس المحرم) تقود إلى إنتاج إنسان حائر مقموع الأسئلة غير قانع بالإجابة .

ب‌- سلامة الفرد النفسية والعقلية: لا يؤمن الإيمانَ الحَق مَن لم يكن سليماً في نفسه وعقله، لأن المريض فيهما يعاني من فقدانه الإستقرار على رأي ثابت في الأمور الكبرى التي تتعلق بكينونته ومنها الإيمان. وتُعَدُ هذه السلامة النفسية من المرتكزات التي يقوم عليها الإيمان الثابت.

ج- إزدهار المجتمع بثقافة مؤمنة: إن المجتمع يؤثر في أفراده بحكم مؤثراته في العلاقة بالخالق ونوع الدين وطبيعة الثقافة. ومهما كانت مَلكَات الفرد الذهنية متميزة بالتفرد والإبداع وخصوصية النظرة، فإن للمجتمع أثراً فيه.

إن المؤمنين بالله الواحد في المجتمعات المختلفة يتفقون على الخطوط العامة للإيمان لكنهم يختلفون في الطقوس والممارسات التي يتعاملون بها مع إيمانهم. إذا كانت ثقافة المجتمع ما تُملي على أفراده نوعاً من التعبُد غير المستساغ عقلاً ومنطقاً أو عُرفاً، فإن هذا النوع من التعبُد كثيراً ما يكون سبباً للنفور من الإيمان، ليس بسببعدم إنعدام حياتية وفاعلية الإيمان، لكن بسبب سذاجة الطقوس الممارسة.

إذن يُؤسس المجتمع بثقافته الصحيحة في إيمانها والسليمة في ممارستها لمؤثر  حقيقي من مؤثرات الثبات في الإيمان.

د. الإفادة من المُعززات: صحيحٌ أن الإيمان ليس طريقاً للمقايضة بين العبد الصابر وربُه كأن يؤمن لكي يحصل على ثواب؛ لكن المؤمنين الصابرين على إستمرار الإمتحان الصعب وتكرار المآسي القدرية في حياتهم على الرغم من تحملهم هم معاشرُ قليلة مهما كثروا.

فالمؤمن الذي يُلاقي مع العسر يسراً ومع الشدة فَرَجاً من حين إلى آخر يزداد إيماناً ولا يشعر بالإحباط واليأس من روح الله المعين على البلوى. ذلك لأن الإنسان مجبولٌ على قلة الصبر أمام الصعوبات.

2- حالة إصابته بنوبات الشك:

لقد ناقشنا سابقاً موضوع الشك الذي يقود إلى الإيمان وإعتبرنا الإيمان الذي يُمثل محطةً أخيرةً في مسيرة الشك إيماناً راسخاً.

إن هذا هو شك الفرد القلِق في إلحاده والباحث عن إيمانٍ تستقرُ إليه نفسه.لكن هناك نوعاً من الشك لا يشبع فيه سؤال الإنسان جواباً ولا يُروى فيه ظمأُ الظامىء بماء يقين.

هذا النوع من الشك كثيراً ما يتكرر عند الإنسان آمن إيماناً مهزوزاً فيُصبح نوباتٍ تعاوده وهو في حضرة إيمانٍ عُرضةٍ للإنتكاسة. إن الشك لا يعاود المؤمن في إيمانه إلا في الحالات الآتية:

أ‌- الإيمان الناتج من اليأس: كثيراً ما يُتعب الإلحاد صاحبه فيجعله يائساً من نجاح تفكيره في إلغاء وجودالخالق. في مثل هذه الحالة يلجأ المُلحد إلى الإيمان لأن إلحاده فاشل في يديه.

مثالُ ذلك الجندي الذي يفشل في الإنتصار على عَدوِه فيعترف به لا حُباً وإنما إضطراراً. هذا الإيمان ناقصٌ في تركيبتهِ وسرعان ما يعود بصاحبه إلى الشك عند ظهور بصيصٍ في صفحة الإلحاد.

ب‌- الإيمان المريض: هناك أربعة أنواع للإيمان المريض كما ذكرنا سابقاً وهي: إيمان الخوف، إيمان الطقوس، إيمان النفاق الإجتماعي والإيمان المسيء إلى القضاء والقدر.

إن الإيمان في كل هذه الأنواع إيمان مُزعزَع رجراج وعرضةٌ لمعاودة الشك إليه والطعن فيه. وما إن يسود الشكُ حتى يصبح الإيمان مزعزعاً من جديد.

ج- تَعرُض الفرد للمرض: إن من الناس يَعبُد الله على حرف فإن أصابته مُصيبةٌ إنقلب.

إن من الناس من ينظر إلى غيره من المُخلين بشرف الإنتماء إلى الله وهم في بحبوحةٍ من العيش وسداد الأمور فيشك في جدوى إيمانه بالله الذي لم يُعطهِ وهو المؤمن ما أعطى غيره وهو المُلحد.

هذا هو إيمان المنفعة الشخصية وهو إيمان (أعطيك فأعطني). إن الشك يتسلل إلى هذا الإيمان بالتسلل إلى مفردةٍ من مفردات الأخير التي ذكرناها وهي مفردة (الإيمان بقضائه وقدرِه).

وبهذا الشك يتزعزع الإيمان. ويزداد الإيمان زعزعةَ وتدهوراً عندما يُبتلى صاحبه بمرض عضوي لم يُصب به غيره من غير المؤمنين أو بمرضٍ عقليٍ أو نفسي يفقدهُ لذة الإيمان.

3- حالة تحولِه إلى الإنكار أو الإلحاد:

 يختلف إنكار الفرد لله عن إلحاده بِه. فالإنكار هو إنعدام الإعتراف الفرد بوجود الله مع أنه يعرف أنه موجود. والإلحاد هو إنعدام وجود الله عند الفرد لأنه لم يتوصل بطريقة معلوماته أو قناعته إلى إثبات وجوده.

وتسود المبالغة والغرور والتبجح حياة المنكر فيما تسود الحيرة والقلق والإضطراب حياة الملحد. كلاهما مريض في قدراته النفسية والعقلية، فالأول مريض داء العظمة والهوس والثاني مريض الذهان أو الإكتئاب أو التخلف الإجتماعي والعقلي

والإيمان يتزعزع عند مرور الفرد بحالة تحول إيمانه هذا إلى إنكار أو إلحاد وتقف وراء هذه الحالة ثلاث مؤثرات:

أ‌- المبالغة الفردية: يميل بعض الناس إلى البحث عن مكانةٍ لهم بين الآخرين وتُصبح مكانتهم لديهم غاية لا يعني سقوط الوسائل فيها شيئاً. لقد أخرج كثيرٌ من الكُتاب كتباً ضخمةَ في مهاجمة وجود الله.

إن هذا الجهد الذي بذلوه دليلٌ على جهلهم هم، لأن الأمر بسيطٌ للغاية. إذا كنت لا تؤمن بالله غير الموجود عندكَ أصلاً فكيف تهاجم فراغاً؟ إنك تقول إنه غير موجود فلماذا تُهاجم غير موجود؟ وإذا كان موجوداً فلماذا تُهاجم موجوداً؟ وماذا يضيرك أن يكون لك ربٌ؟ يزيد هؤلاء الطين بِلةً حين يَعدون إعتقاد الناس بالله وطقوس أديانه سبباً لتخلف مجتمعاتهم التي أصبحت أسيرة قوةٍ تُحدد تفكيرهم وتحد من إنطلاقهم.

يقولون هذا لكنهم لا يهاجمون الظالمين من حكامهم الدكتاتوريين من رؤسائهم الذين هم سبب تخلف تلك المجتمعات. إن ثقافة هؤلاء كانت سبباً في زعزعة إيمان جيل كبير من الناس.

ب‌- إستمرار الفكر الميثولوجي:  إذا تعرض الإيمان لما يُشوه صورته النقية تَعرض للزعزعة. إن أديان الأساطير التي ظهرت في حيان الإنسان عبر مسيرته الطويلة رسخت ما يُسميه كارل كوستاف يونغ "ذاكرة الخلية، أو الذاكرة الجمعية".

إن الإنسان لم يتخلص من رواسب هذه الذاكرة تماماً. إن الله أعدم الوسيط بينه وبين خَلقه وبموجب ذلك تحطمت الأصنام على أيدي الأنبياء، لكن الوسيطية ما فتئت ان قامت من جديد، ليس في صورة صنم، إنما في صورة نائب الفاعل للإله:

1- صورة الزعيم الحاكم

2- صورة الساحر.

3- صورة الكاهن

4- صورة الضريح المَزار

5- صورة شيخ الطريقة الدينية.

***

علامات الإيمان المزعزع: بثلاثة خصالٍ، دون غيرها من خِصال أُخرى، يستطيع الفاحص أن يتعرف بصورةٍ سريريةٍ للإنسان الذي يحمل في نفسه وسلوكه إيماناً مُزعزَعاً مضطرباً. هذه الخصال الثلاثة هي:

1- إضطراب الشخصية.

2- الفصل بين الظاهرة العلمية والظاهرة الدينية (نمط التفكير).

3- الإستغراق في العبث (إضطراب السلوك).

ونحاول أن نناقش بإختصار كلا من هذه الخصال:

1- إضطراب الشخصية: لا تسأل مضطرب الشخصية في أحد أنواعها المُعتلة عن إيمانٍ مُستقر ثابت، ذلك لأن الإيمان الثابت هو:

أ‌- الدائم الذي لا يتغير بالمزاج.

ب‌- الدائم الذي لا يتأثر بآراء غيرهِ.

ج. الخالي من الهوى والمنفعة

د. الذي تصنعه سلامة الفكر ونقاء العواطف.

والإيمان بهذه المواصفات لا يتوفر في الشخصية المضطربة التي هي:

أ‌- عُرضة للتغير بالمواقف

ب‌-  سببٌ لتبديل المزاج.

ج - عرضةٌ للإنتكاسات الذهنية

د- عرضةٌ لتكرار الخطأ.

هـ - عرضةٌ لفقدان أثرها الإجتماعي.

2- الفصل بين الظاهرة العلمية والظاهرة الدينية:

إن التاريخ، يلتحم فيه الدين مع الأنثربولوجي، فليس هناك طوفانان، واحدٌ لكلكامش وآخر لنوح، وليس هناك تابوتان في اليَم، واحدٌ لموسى وآخر لسنحاريب، وليس هناك (صفا ومروة) للدين و(أُساف ونائلة) للأسطورة.

إن الفرد المنشطر في إيمانه على هذه الصورة من المحاكمة التاريخية للأحداث سينحاز إلى جانب الظاهرة الأرضي، الوضعي وينسى رواية الدين لها فيجيءُ إيمانه مزعزعاً هشاً.

3- الإستغراق في العبث:

إن إيمان الفرد يُصبح عرضةً لزعزعة إذا لم يكن رادعاً لصاحبه، فالإيمان ليس قصيدةً تُحفظ أو قصةً تُقرأ، إنما هو تطبيق. ومن مفردات الإيمان أن يؤمن صاحبه بأن طول الأمل يُورث الغفلة (مَن ركضَ وراء أملةِ عَثَر بحبال أجله، علي بن أبي طالب). ومن المظاهر الواضحة على صاحب الإيمان المزعزع ميل هذا الفرد إلى الإستغراق في الحياة اللاهية الملهية عن الجد والصواب.

***

كيف نحافظ على الإيمان: يجب علينا أن نناقش ثلاثةً من الأمور التي تساعد على زعزعة الإيمان وبمعالجتها يستقر هذا الإيمان. ان هذه النواحي التي سنعالجها تجعل من إستقرارها وثبات التعامل معها سبباً من أسباب الإيمان المطمئن الراسخ في عقل المؤمن وقلبه: 1. تعديل النظرة إلى الحظ. 2. إشاعة الزهد في الحياة 3. تعديل النظرة إلى القيم.

1- تعديل النظرة إلى الحظ:  شغلً موضوع الحظ والنصيب والقسمة والمقسوم أذهان الكثيرين عبر التاريخ. لقد إختلفت الدراسات في النظرة إلى الحظ، وعد بعض هذه الدراسات أن الإيمان بالحظ عاملٌ يدعو إلى الإتكال والكسل والتراخي عن تحقيق التقدم في الحياة، فيما عدت دراسات أُخرى  الحظ سبباً من أسباب الدعوة إلى الجبر والإختيار. وهناك دراسات أُخرى دعت إلى محاربة مفهوم الحظ والإجهاز عليه وعدت الإنسان مسؤولاً عن خياراتهِ ورفضه لما يُحب ويكره تباعاً. إن هذه الإختلافات أدت إلى تشويش مفهوم الحظ على نحو أصبح الإيمان فيه مزعزعاً هلامياً عند الكثيرين. ويقتربُ مفهوم الصدفة كثيراً من مفهوم الحظ على الرغم من وجود الفارق اللغوي بينهما. ومن المقاربات التي قامت بين الحظ والإيمان ما يأتي:

أ‌- الإيمان ورسوخه في النفس البشرية ضربٌ من ضروب الحظ الجيد.

ب‌- الإلحاد ضربٌ من ضروب الحظ السيء.

ج- لا علاقة للحظ بالإيمان والإلحاد لأن الحظ عنصرٌ دنيويٌ زائل.

د- الفهم الخاطىء عند بعض الناس لقول القرآن: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{

هـ - الحظ مجموعةٌ من النعم الموهوبة من الله، ما إن يمنح سبحانه الفرد إحداها حتى يسلبه أُخرى من دون الإخلال بعدالة التوزيع.

والذي لاحظناه في حياة الناس عبر تأمل طويل في مسيرتهم أن الحظ هو الفأل الحسن الذي يصادف الإنسان في ما يسعى من أجله ويثابر على تحقيقه، وفي  هذه الكلمة " الحظ" ومن وجهة نظر علم النفس تكمن حقيقتان إذا فهمهما الإنسان عاش سعيداً من دون أية إساءةٍ أو مساس بإيمانه. هاتان الحقيقتان هما:

1- على كل منا أن لا ينظر إلى نعمةٍ واحدةٍ يتمتع بها فردٌ من الأفراد. فقد نجده ذا بسطة في المال أو مكانةٍ في الجاه والمنزلة أو وفرةٍ في البنين. ان هذه النظرة قاصرة، لأننا لو دققنا في صاحب هذه النعمة أو تلك وجدناه يعاني من غياب نعمةٍ أُخرى يُنكِدُ عليه حياته فقد تجد ذا مال] يحسد المتفوقين عقلياً أو تجد ذا جاهٍ يتمنى لو عاش مغموراً لا يعرفه أحد ولا يطالبه بما يمليه جاهه عليه أو ستجد ذا بنين فيهم الأشرار الذين يُلحقون الضرر به وبسمعته.

2- إن النظرة إلى الحظ تتوقف على طبيعة إحساس الفرد بها. فقد يرى بعض الناس فرداً من الأفراد محظوظاً لكنه لا يشعر أنه كذلك. فالفرد في داخلِه هو الذي يُحس بقيمة الخظ وإذا فقد الإحساس أصبح الحظ لديه نكداً وبلوى.

ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ       وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ

المتنبي

إن الذين يمارسون حالة الإيمان ظناً منهم أن الحظ سيبتسم لهم في مال أو بنين أو صحةٍ هم أُناسٌ واهمون لأنهم نسوا أو تناسوا أن الإيمان هو نفسُه الحظ السعيد ومن دون هذا الإيمان لن يُحسوا بحلاوةٍ لنعمةٍ أُخرى.

2.إشاعة الزهد في الحياة: على الرغم مما تحتويه الحياة من كائنات تنطق بقدرة الله على الخَلق والتصور، هذه الكائنات التي يَعدُها الإنسان المؤمن آثاراً للخالق في مخلوقاته وبها يستدل على وجود الله، تظلُ الحياة بإغرائها في الملذات واللهو سبباً لزعزة الإيمان.

إن الفرد الذي يُعلن عن إيمانه وهو بعيدٌ عن الملذات ومطايب اللهو ليس فرداً ثابتاً على إيمانه بالضرورة، لأن الملذات هي الفاحص الحقيقي لقوة الإيمان وثباته في وجه الإغراء.

إن أفضل وسيلة لفحص إيمان الفرد هو تعريضه للذةَ والإغراء في مالٍ أو جاهٍ أو جنس أو خمر، فإذا استعصم وأبى أن ينحرف أو ينجرف فذلك هو المؤمن القوي الصامد، وإذا إنساق وراء مهاوي الحرام وصغائر المُتع فذلك هو المؤمن الواقف على شفا حفرةٍ من إيمانهِ.

وكثيراً ما يَعدُ ضعافُ الإيمان أن إيمانهم يعني حرمانهم من نعمة الحياة فيسمون اللذائذ نَعِماً والرزائل سلواناً. لقد قال الفقه قولُه في موضوع التعامل مع الحرمان الحياتي فأشار إلى حقيقةٍ مهمة يُؤيدها علم النفس كل التأييد وهي أننا لو حَسبنا المنهي عنها من الممنوعات في مقابل المدعوِ إليها من المسموحات لوجدنا أن المسموح به أكبر بكثير حجماً وأكثر بكثير عدداً من الممنوع.

إن الفقه يقول إن الأصل في الأشياء هو الإباحة والمتفرع من هذا الأصل هو الإستثناء. مثالاً على ذلك: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ{. هذا هو المباح الواسع العريض بينما (حرمنا عليكم ال...وال...وال...) هو إستثناء قليل من هذا الواسع العريض.

وفي الدين الإسلامي قد يتزوج الفرد بواحدة ويزني بثانية فيميل إلى الأخيرة لأنه يجد فيها تعويضاً عن واحدةٍ لم تُعطهِ ما يطلبه في المعاشرة الجنسية. فلو مارس مفهوم المباح لوجدَ أنه يستطيع الزواج بثانية، قد لا تعوضه خسارته في الأولى فيتزوج الثالثة التي قد لا تعوضه خسارته في الإثنتين فيتزوج الرابعة.

وإذا لم يقتنع بأربعِ من النساء فعليه أن يراجع نفسه بدلاً من مراجعة زوجاته. إن الزهد لا يعني الحرمان إنما يعني الترفع عن المبالغة في الأشياء. الزهد يعني إستصغار النظرة إلى قيمة الأشياؤ ولا يعني إهمال الأشياء.

الزهد هو الإقتناع بالقليل الكافي وليس بالكثير الكافي. إن الزهد الحقيقي هو طريق الإيمان الذي لا يتزعزع.

3.تعديل النظرة إلى القِيَم: لا إيمانَ بلا قِيَم. والقِيمُ التي يحترمها الفرد ويعمل بموجبها نوعان: قيم ذاتية كامنة في نفسه وقيم إجتماعية يكتسبها من الوسط الذي يعيش فيه. إن الصحة النفسية لا تعني خلو الإنسان من الأمراض حَسب، إنما تعني قدرته، بحكم هذا الخُلو من المرض، على أن يكون عضواً نافعاً متواصلاً مع المجتمع الذي ينتسب إليه ومع المؤسسة التي يعمل فيها.

إن القيم الذاتية ثابتة بينما القيم الإجتماعية المكتسبة متغيرة مغ تغير المجتمع زماناً ومكاناً. ومن القيم الذاتية التي لاحظها علم النفس في الإنسان:

1- معرفة النفس (رَحم الله إمرءً عرف قدر نفسه).

2- الحياء (المؤمن يستحي)

3- الوفاء

4- التسامح

5- الصدق

 

إنها قيم ذاتية تُولد مع الإنسان وتَعجزُ مدارس علم النفس عن زراعتها في مَن لا يملكها لكنها تستطيع تنميتها وتقويتها عَبرَ التعليم بالمقارنة والمعززات السلوكية.

قال لي أحد المُحاورين يوماً: إن هذه القيم قد توجد في إنسان غير مؤمن بالله فقلتُ له: ان من يملك مثل هذه القيم هو مؤمن مؤجل أو مُلحدٌ مؤقت، لأن هذه القيم لا تنمو إلا بالإيمان بالله فهي سمات الفطرة والإيمان فطرة خصوصاً الإيمان الذي أشرنا إليه وهو (الإيمان قبل المعرفة).

ونقصد بقولنا (قيم الفطرة) إنها القيم التي لا تنتظر أجراً ولا ثواباً على ما تقوم به النفس المالكة لها من تطبيقات لها. فالفرد العارف لقيمة نفسه، الحيي، الوفي، المتسامح، الصادق الذي لا ينتظر رد فعل الآخر ولا يسألأ كلمة الشكر على ما هو فيه.

وتنقسمُ القيم المكتسبة من البيئة والمجتمع على أنواع فمنها قيمُ الخوف، وقيم النفاق للأقوى، وقيم التأقلم من أجل المصلحة الخاصة وقيم الوفاق الإجتماعي التي هي أقل هذه القيم نسبةً في الصدق نظراً لقلة من يمارسها من الناس.

إن الظلم والسادية، والطمع والغرور قيَمٌ سالبة تتعارض مع قيم الله والإيمان به. إذا استطعنا أن نُعزز القيم الثابتة في الفرد فإننا نستطيع أن نحافظ على إيمانه من الزعزعة والإنحراف.

***

المواقف التي يتجلى فيها الإيمان:

وما دمنا نتحدث عن زعزعة الإيمان فإننا مُلزمون بالحديث عن المواقف التي يزدهر فيها إيمان المؤمن أصلاً وينشأ الإيمان من جديد في مَن لا إيمان عنده أصلاً أيضاً. إننا هنا نتحدث عَمن يلجأون إلى الإيمان في مواقف معينة حينما لا يجدون لهم سنداً في مواجهتها إلا الله. ومن هذه المواقف التي إخترناها مثالً لا حصراً:

1- المرض المزمن الذي لا شفاء منه.

2- السجن طويل الأمد.

3- الغربة الطويلة.

4- مواجهة لحظات الموت

5- مواقف الشعور بالموت القريب

لقد وُجد بالإحصاء أن كثيرين من المُلحدين الذين كانوا يجاهرون بإلحادهم والتغني بإنعدام وجود الله تلاشوا أمام أمراضهم التي إستيأسوا فيها من الشفاء، فيم يبقً في أيديهم إلا اللجوء إلى الإيمان لجوءاً يُلغي فيهم كل غطرسة. إن إيمان المُضطر هو أردأُ أنواع الإيمان الذي يتعارض مع حكمة الله القائلة (إعرفني في السراء أعرفك في الضراء). وينطبقُ على ممارسي هذا النوع من الإيمان قول الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}.

ومن الدراسات التي عثرنا على بعضها هي التي قامت بفحص الوضع النفسي لنزلاء السجون بمحكوميات طويلة الأمد، حيث ينقطع النزيل عن العالم الخارجي في سجن يُمثلُ لديه صورةً من صور الرحيل إلى عالم الأبدية أو صورةً من صور القبر.

إن عقابيل (تناذر) مرحلة ما بعد السجن Post Prison Syndrome ظاهرةٌ مرضية يتعرض لها الكثيرون عند خروجهم من السجن. والسبب الكامن وراء ظهورها هو الحرمان الحسي Deprivation. ومن أعراض هذه الظاهرة: الحزن أو مشاعر الذنب، وتغير ملامح الشخصية، والأعراض الذهانية في الهلوسة وأفكار الإضطهاد والنفي الإجتماعي؛ وتغير الأفكار السابقة. ويُمثل السجن نوعاً من أنواع الحرب على الدماغ أو ما أصطلح عليه إعلامياً بغسيل الدماغ Brain Wash.

ومن نتائج هذه العلمية (السجن) أن يخرج الملحد مؤمناً بعد أن أدرك أنه لم يجد في سجنه من يُعينه ويرعاه إلا ذكر الله الذي به تطمئن القلوب. في السجن يبدأ السجين بفحص أفكاره ومعتقداته ويُصفي حسابه مع كثير من أوهامهِ. ولا يُعاود السجن ويقبله مرةً أُخرى إلا مرضى الشخصية غير الإجتماعية (Antisocial Personality) الذين لا يردعهم العقاب ولا يتعظون بما جرى لهم لأنهم يفتقرون إلى الإحساس بالذنب وهم مَن إصطلح على تسميتهم في مذاهب القانون بذوي السوابق.

وحينما يغترب الإنسان بالسفر إلى بلادٍ بعيدة ومجتمعات غربية يمرُ بمرحلتين يكونُ فيهما على واحدةٍ منهما: مرحلة التشابه الكامل مع المجتمع الجديد (Assimilation) حيث ينقطع عن كل ما يربطه بمجتمعه القديم ويلتحق كاملاً بالمجتمع الجديد؛ ومرحلة التشابه الجزئي (Acculuration) حيث ينقطع عن بعض ما كان يربطه بماضيه ويلتحق ببعضِ ما يجده في حياته الجديدة.

إن هذا، في المرحلتين، هو نوعٌ من المواقف التي يزدهر فيها الإيمان أو يندحر على وفق ثقافته الجديدة. فكثيراً ما نصادف من غادرونا مؤمنين ليصبحوا لاحقاً ملحدين كما نصادف من غادروا ملحدين ليصبحوا لاحقاً مُوحدين مؤمنين. في الحالة الأولى (الملحد الذي يُصبح مؤمناً)تبرز المؤثرات الآتية:

أ‌- يتأثر بمجتمع جديد مؤمن بالله ومعتقد بوحدانيته وعظمة شأنهِ (عامل خارجي).

ب‌- يتأثر بغربته ولا يجد سلواناً إلا إيمانه (عامل داخلي)

ج- يعود إلى الإدراك أن الزمان والمكان والشخوص لا تلغي صورة الله الخالدة فيعود إلى الإيمان بالله (عامل خارجي).

د- يصادف مجتمعاً متقدماً متحضراً لكنه يدين بالولاء والإنتماء إلى الله فيفهم أن التقنية والتقدم العلمي طريقان إلى الإيمان فيؤمن (عامل مشترك داخلي وخارجي).

وفي الحالة الثانية (المؤمن الذي يُصبح مُلحداً) تبرز المؤثرات الآتية:

أ‌- يتأثر بمجتمع مُتقدم تقنياً يفصل دينه عن حياته اليومية ولا يُعير إهتماماً لموضوع التأليه والعبادة فينساق المغترب إلى محاكاة هذا المجتمع.

ب‌- يُعوض غربته تعويضاً خاطئاً بأن ينساق وراء مواطن اللهو والعبث والفوضى الفردية فينسى الله والإيمان به.

ومن المواقف التي يتذكر الفرد فيها إيمانه فيزدهر فيه؛ لحظة مواجهة الموت. إن لحظة المواجهة مع المصير المحتوم هي لحظة تذكر الله ونسيان ما سواه.

فالفرد الذي يلتف حول عنقه حبل المشنقة أو الفرد الذي يُوجهُ فريق الإعدام إليه رصاصة الرأس، ينسى كل شيء إلأ الله. هذا هو إيمان اللحظة الحرجة، وهو نوع آخر من أنواع إيمان المُضطَر الذي لا ينفع صاحبه في شيء.

وفي موضوع (الشعور بالموت القريب) لدينا حالتان مرضيتان كثيراً ما يشعر الفرد المريض فيهما بالموت القريب القادم لا محالة، ونعني بهما (متلازمة ما بعد الكرب أو الشدة) (Post-Traumatic Stress Disorder)، وحالة (الفزع) (Panic Disorder)، حيث تنتاب الفرد مشاعر قوية ان الموت قادم فينهار  أمامها ولا يتذكر إلا رداءة غرورهِ وطيشه وإنحيازه عن الإيمان بالله الذي صار قريباً من اللقاء به.

 

د. ريكان إبراهيم

 

 

ريكان ابراهيمفي  علم النفس الديني (8)

إن ظاهرة وجود الكثير من المُلحدين الذين تحولوا إلى الإيمان ثم إستقروا عليه يدل على وجود سرٍ أو أسرار وراء هذه الظاهرة.

فالمعروف في حياة الإنسان أن التصديق بحقيقةً ما ينبع من أمرين: الإيمان المُبرر المنطلق من قوة هذه الحقيقة وثباتها وهو ما نسميه بالإيمان الأولي (Primary Belief)، والإيمان الناتج من استحالة رفض تلك الحقيقة حيث لا يبقى إلا الإيمان بوجودها وثباتها وهو ما نسميه بالإيمان الثانوي (Secondary Belief).

وحين يُصبح الإلحاد فكرة فاشلة في رفض الظاهرة يُصبح، ضرورةً، طريقاً إلى الإثبات. إن الإلحاد محطة من محطات التفكير فيما يكون الإيمان المحطة النهائية.

إن الوقوف على الوسط بين الإلحاد والإيمان هو توقف العملية الفكرية وهذا مُناقضٌ لفلسفة وجود الإنسان الذي وُجدَ ليفكر (أنا أُفكر، إذن أنا موجود؛ ديكارت). نحن لا نخاطب الذين توقفوا، لأننات لا نخاطب الذين ماتوا، والذي لا يفكر ميت وإن عاش، لأن العيش بلا فكر سمةٌ حيوانية والعيش بفكر سمةٌ إنسانية.

***

هل الإلحاد نظريةٌ أم فكرة؟: إن مفردات النظرية، لكي تُصبح نظرية، تشتمل على النواحي الآتية:

أ‌- وجود الموضوع

ب‌ - وجود غاية في الموضوع

ج - وجود وسائل للوصول الى تلك الغاية

د - وجود تطبيق لهذه الوسائل

هـ - وجود مردود من هذا التطبيق

وإذا حاولنا فحص وجود أو توافر هذه المفردات في الفكرة وجدنا موضوعاً ووجدنا غاية ووجدنا وسائل لكننا لا نستطيع بالضرورة، أن نجد تطبيقاً أو مردوداً.

وهذا هو السبب في موت الأفكار وإستمرار حياتية النظرية، فكل نظرية فكرةٌ أولاً وليس كل فكرة نظرية لاحقاً. إن نفي وجود الإله فكرة لا يمكن تطبيقها ناهيك بسخافة مردودها. فناتج الإلحاد (نفي وجود الله) هو العبث والمزيد من الحيرة التي تقود إلى القلق المُحطم لميسرة الإنسان.

إن فكرة النفي هي واحدةٌ من أفكار العدم، وكثيراً ما يمرُ الإنسان بالتفكير العدَمي (Nihilistic delusion) كأن يعتقد أحدنا في لحظة من اللحظات أن طرفه العلوي أو السُفلي أو رأسه غير موجود، على الرغم من وجودهِ.

ويعرف الأطباء النفسيون هذه الظاهرة في بعض الناس الذين يفحصونهم في عياداتهم. ولا نعني هنا ظاهرة التصور (أي أن يتصور الفرد كأن جزءاً من جسمه غير موجود)، لاحظ أيها القارىء الفرق بين الإعتقاد (Belief ) والتصور (Imagination).

فالإعتقاد فكر والتصور ممارسة (Experience)، فنقول عن الأول (Nihilistic delusion) ونقول عن الثاني (Depersonalization). ومن الأمور المُتفق عليها أن كل تفكير عدَمي، كما في الحالة الأولى، هو تفكير مريض فيما يكون التفكير الثاني الذي سمينَاه تَصوراً، كما في الحالة الثانية، حالة قد نمرُ بها ونحن في حالةٍ من السَواء النفسي والسلامة العقلية.

هذا ما يحدث للإنسان في إنكار وجود جزءمنجسمه وهو يراه، فكيف نأمل منه التصديق بإلهٍ لا يراه، وهو إنسان مريض؟ من كلِ هذا الذي أوردناه بإختصار مفيد أن نستنتج أن الإلحاد فكرة لا تصل إلى مستوى النظرية. وهذا هو السبب، بين أسباب أُخرى سنوردها الآن، في ظهور الإلحاد طريقاً إلى الإيمان.

***

هل الإلحاد شكٌ؟:  لا يقوم الشك حول فراغ. فالشك يناقش شيئاً يفترض بعضٌ وجوده فيدافعون عنه فيما يفترض بعضٌ آخر إنعدام وجوده ويدافعون عن وجهة نظرهم.معنى هذا أن الشك يدور دائماً حول النقاط الآتية:

أ‌- شيء يُفترضُ وجودهِ.

ب‌- الفشل في إثبات وجودهِ.

ج - النجاح في إثبات وجودهِ.

د - الفائدة من نفيه.

هـ - الفائدة من إثباته.

وحينما يفشل إثبات النفي ينجح إثبات الوجود. إننا نناقش إنحياز الكثيرين من إلحادهم بإتجاه إيمانهم. معنى هذا أن إلحادهم الذي فشل أصبح طريقاً إلى ظهور الإيمان لديهم.

ومن بين الأسباب التي قادت المُلحد إلى تكذيب أفكاره الملحدة وتصديق الإيمان ما يأتي:

1- قصور وسائل الحس عن إدراك اللامحسوس في كثير من الظاهرات. فالهواء لا نراه لكننا ندرك آثاره. والعواطف لا نقررها لكن نقرر آثارها.

2- إتساق الكون والنفس البشرية خارج دائرة الصدفة.

3- تحدي الثوابت للزوال على الرغم من مجاهدات الإنسان. فالهرم وشيخوخة الأنسجة في الجسم يتحديان الفتح العلمي.

وحينما أصبح نفي وجودالله مغرياً لبعضهم في الإستمرار في شكهم طُولبوا في إثبات الشك فقدموا التصورات الآتية:

1- لكل مخلوق خالق، فمن خلق الله.؟

2- دينامية الحياة تتطلب ظهور النقيض فمن هو نقيض الله؟

3- الله أزل وأبد، فماذا يفعل الله بعد موت الإنسان؟

بمثل هذه التصورات التي ظهرت على هيئة أسئلة يظهر لدينا الملحد وهو لا يجيب إنما يسألأ، وسيد المحتارين هو من يبحث عن أجوبة لأسئلة.

إذن الملحد ليس صورةً نهائية للفكر إنما هو مؤمن مؤجل كامنٌ في نفسه (Potential Person). إن السبب الذي حدا بهذا الإنسان أن يسأل هو أنه حاول أن يدرك اللامحسوس بحسهِ، وهذا ليس كافياً إن لم يكن مُضللاً أصلاً.

إنه يبحث عن خالق الخلق ولو عرف خالق الخالق لعاد يبحث عن خالق الخلق وهذا ناتجٌ من جهله بأن الإيمان هو الإدراك بأن الله هو الصيغة المطلقة النهائية لكمالٍ وليس التكامل.ونُذكر القارىء بما أوردناه في مدرسة الجشتالت عن دائرة الغَلق النهائي للفكرة (Closure).

***

نصل الآن إلى مناقشة الفائدة من نفي وجود الخالق (الإلحاد) والفائدة من إثبات وجوده (الإيمان). إقرأ  أيها القارىء هذا الجدول وراقب النتائج:

الإلحاد                                الإيمان

1- إنسانٌ بدون خالق   /  1- إنسانٌ مخلوقٌ بخالق

2- سيدُ ولادته وعيشه ومصيره ومسؤول عن أعمالهِ وخياراته. / 2- مسَودٌ بخالق في ولادته وعيشه ومصيرهِ وله مسؤول عن خيرِه وشره في كل أعماله.

3- لا شعور بالذنب لأنه ليس مؤمناً بمن يحاسبه ومحاسبه نفسه في المقطع الزمني المحدد ولا يُفحص الماضي بعين الحاضر. / 3- يشعر بالذنب ومحاسبهُ هو الخالق والماضي تراكمٌ لا يتركه الله سُدى إلا بمغفرة.

4- لا وجود للعالم الآخر والمجنون والمُتخلف عقلياً لاحصة لهما في شيء لأنهما لا يملكان أدوات إدارة الصراع. / 4- مَن حُرم قدراته الفردية يُعوض في العالم اللآخر بالإعفاء من أخطائه الدنيوية والمكافأة في عالم الحساب.

5- الثنائية ناتجٌ من نتائج الوجود.  / 5- الثنائية سببٌ للوجود لأنها سبب للصراع.

6- مركزُه الشك وفي الشك يكمن قلق السؤال. / 6- مركزُه اليقين الذي لا يحمل سؤال القلق.

7- الشيء الذي لا يُدرك ليس موجوداً. / 7- قد يُوجد الشيء ولا يدرك لسبب فيه أو لقصور في وسائل الإدراك.

8- التطور في الشيء يعني التغير فيه. / 8- قد يتطور الشيء من دون أن يتغير (الله هو الأزل والأبد، لكن كل يوم هو في شان).

9- الشيء يصارع ضِده ومن صراع الأضداد ينشأ شيءٌ آخر. / 9- صراع الأضداد يدار بقوةٍ  من خارجها وعلى وفق مبدأ الثنائية.

10- العدم نقيض الوجود. / 10- قد يخرج الوجود من العدم لأنه ليس نقيضه والمناقض لا ينتج نقيضه (يُخرج الحي من الميت)

***

من هنا يمكن أن نناقش (بالمقارنة) الفائدة من نفي الإله والفائدة من إثباته على الوجة الآتي:

نتائج النفي                       نتائج الإثبات

1- ظهور الكثير من الأمراض النفسية التي أساسها الإغتراب الروحي وقلق الوجود.  / 1- زوال الكثير من الأمراض النفسية نظراً لإختفاء الشعور بالغربة والإغتراب والقلق

2- شعور الإنسان بالفوقية التي لا تتحقق لوجودنقيضها (الشعور بالدونية). / 2 -  إختفاء الشهور بالفوقية التي لا تتحقق لأنها محكومة بمن هو فوقها (الله)

3- البحث عن الخلود الذي لا يتحقق مهما بالغ الإنسان في البحث. / 3 - إنعدام البحث عن الخلود طبقاً لقاعدة الإيمان التي تقول:إن كل من عليها فان.

***

العوامل التي تدفعُ بالإلحاد أن يُصبح إيماناً: يمكننا أن نُقسم العوامل التي تقف وراء تحول الإنسان من إلحاده بالله إلى الإيمان به بعد رحلةٍ من المجاهدة والبحث على ثلاثة محاور: 1. عوامل في الإنسان. 2. عوامل في الكون. 3. عوامل الإيمان.

1- عوامل في الإنسان:

إن الإنسان نفسه يحمل في داخله بذرة الإيمان مهما غالى في إلحاده. وتتوزع هذه البذرة على المرافق الآتية:

أ‌- العمر:  لوحسبنا نسبة الملحدين في شبابهم ممن إنحازَ منهم إلى الإيمان في شيخوختهم ومراحلهم المتقدمة في العمر مقارنةً بنسبة من ظلَ منهم على إلحاده إلى عمر متأخر لوجدناها كبيرةً جداً.

استخدمت  إحدى الدراسات المعتمدة إحصائية لمائةٍ من الشخصيات الفكرية العالمية المشهورة ووجدت تلك الدراسة ان (73%) منهم غيروا معتقداتهم الإلحادية إلى معتقد إيماني، فيما ظل (12%) على قاعدة (اللاأدرية)، وظلَ ما تبقى من المائة ملحدين.

إن العمر عامل من عوامل النُضج (Growth) والنمو (Development). إن مرحلة الشباب هي مرحلة الإستعراض بالاختلاف والمجاهرة بالخصوصية وعرض الذات بالتقمص.

كل هذا تُغطيه العواطف والنزوات في قصور ذهنيٍ واضح عن إدراك الحقيقة. كلما تقدم العمر بالإنسان يوماُ تقدم نضجه بإتجاه الموت خطوة وفي مراحل توقع الموت يدرك الإنسان سراب البحث عن شيء لا يُدرك.

صحيحٌ أن التفكير عمليةٌ لا تتوقف بالعمر لكن محتوى التفكير يتغير من دون أن يتوقف.

ب‌- الثقافة: تُؤدي ثقافة المجتمع دوراً في ثقافة الفرد المنتسب إلى ذلك المجتمع. وفي مرحلة الشباب يكثر عدد المتمردين على ثقافات مجتمعاتهم فيما يقل هذا العدد كلما نضج الفرد الشاب. لاحظ عدد الشباب الذين يُقبلون على قراءة كتب الإلحاد وقارن هذا بعددهم وهم شيوخ.

إنهم يُسمون مراحل ما كانوا عليه بمراحل الطيش والصخب والثورة على حقائق كانوا يجهلونها ومنها حقيقة الله. إن الثقافات التي تُروج للثورة الجنسية والخمور والرقص هي ثقافات تُسهلُ للإلحاد بالله وقيمه التي تحارب الإبتذال في السلوك البشري.

ج. الجنس: يختلف الرجل عن المرأة في علاقته بالإلحاد. لقد أشارت دراسات كثيرة إلى أن نسبة الملحدين بين الرجال تفوق نسبة الملحدات بين النساء.

وتقف وراء هذه الظاهرة مجموعة عوامل منها:

أ‌- تُدرك المرأة دائماً أن عُمرها الأدائي في الحياة أقصر من عمر الرجل وهي بذلك تُضيق على نفسها فرصة التمرد  بالإلحاد.

ب‌- المرأة تتمتع بعواطف تفوق ما يتمتع به الرجل، والإيمان يُلزمُ صاحبه بالخشوع الوجداني مهما كان الجانب العقلي فيه فاعلاً، وبذلك تنحاز المرأة إلى عواطفها سريعاً.

ج - تميل المرأة إلى الطاعة كثيراً. فهي مطيعةٌ حتى لزوجها الصارم، وبذلك يتحقق لها الميل إلى الإيمان إنطلاقاً من ميلها إلى الطاعة (وهذا نوعٌ من أنواع إيمان الحب والخوف في آن).

د - لا تميل المرأة إلى الجدال والنقاش الفلسفي ولا يعنيها كثيراً الدخول في المعارك الفكرية لأن إيمانها بدورها الأرضي الحياتي المعيش أكبر من إيمانها بالمسائل الفكرية ومنها البحث عن الله.

هـ - التمرد السلوكي مكروهٌ لدى المرأة ولا تُحب أن تظهر به بين الناس، والإلحاد تمرد.

من كل هذه العوامل نستطيع أن نعد عامل الجنس في الإنسان أحد العوامل التي تدفع بالإلحاد أن يُصبح إيماناً.

د- قصور الحِس: يحاول الإنسان أن يُدرك الأشياء والموضوعات والظاهرات بوسائل حسه. فهو يريد أن يرى ما لا يُرى ويسمع ما لا يُسمعُ، وهذا أمرٌ لا يمكن الوصول إلى تحقيقه.

فالشيء الذي يقع خارج مدى البصر لا يمكن رؤيته مع أنه موجود. والأصوات التي لها ذبذبات أقل من 16 ذبذبة في الثانية هي مثل الأصوات التي ترددها أكثر من عشرين ألف ذبذبة في الثانية، كلاهما لا يدركه السمع مع أنه موجود.والروائح التي تفشل في إستثارة عصب الشم لا يمكن شمُها مع أنها موجودة.

هذا القصور الحسي للأشياء على الرغم من وجودها، حدا بالإنسان إلى التفكير في عجزه عن الإدراك الكلي لله وجعله يعيد النظر في مسألة الإيمان.

أخير اصطلح العُلماء على إضافة حاسة جديدة إلى الحواس الخمس سموها الحاسة السادسة. وفي هذه الحاسة تقع مصطلحات الإلهام والإبداع والميتافيزيقيا والشعور العُلوي والتطلع الفلسفي والتخمين والتصور.

إن الحاسة السادسة تُحقق ظاهرة الإرتباط بواحدة أو أكثر من الحواس الخمس. فقد نسمع اللون، وقد نرى المسموع على مستوى من مستويات التصور. فعند قول أحدهم أن فلانة إمرأة ناعمة يقودنا القول إلى تصورها بيضاء أكثر من تصورها سمراء. واللون الأسود يثير  إنفعال الخوف لأنه يرتبط بالليل البهيم.

وقد لا يوافقنا القارىء على ذلك ولكي يوافقنا قليلاً أو كثيراً نسوق إليه مثالاً، ظاهرة إنفصال أداة الحس عن وظيفتها عند المتعاطي لمادة (لاسرجك أسيد LSD)، حيث يبدأ المتعاطي بإدراكه للون في الصوت الذي يسمعه وإدراكه لوجود صوتٍ في  اللون الذي يراه، وهذه ظاهرة طبية معروفة لدى الأطباء النفسيين الذين يعالجون مرضى الإدمات بهذه المادة.

هـ - الإلحاد مرضاً والإيمان صحةً: وهذا عامل كامن في الإنسان يُعدُ دافعاً له للرحلة من الإلحاد إلى الإيمان. إن المُلحِدَ مريض نفسي بحكم المعايير الآتية التي تحكمه:

أ‌- المُلحد يعاني من قلق دائم، إما لأنه يبحث عن سندٍ يُعلق عليه مشكلاته فلا يجده أو يعاني من داء  عظمة زائفة لا تُوفر في داخله إستقراراً حقيقياً.

ب‌- المُلحد يعاني من النبذ الإجتماعي حيث لا يُستشار في صغيرةٍ أو كبيرة ولا يؤتمن رأيه في دوائر القضاء في أية قضية كما لا يؤتمن على الحرمات حتى التي تخصه لأنه بلا قيم يُثبتها دين. فالملحد لا يرى ضرورةً لإلتزاماته أمام ذوي قرباه في الأفراح والأحزان حيث ينظر إليها نظرته إلى طقوس إجتماعية خلقها المجتمع الذي نبذه أو الدين الذي لايؤمن به.

2- عوامل في الكون:

تؤسس مجموعةُ عوامل في الكون المحيط بالإنسان لدوافع ضاغطة بإتجاه ترحيله إلى الإيمان ومنها:

أ‌- (هارمونية) النظام الكوني: في القرآن، الكتاب السماوي وردَ: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا) فأصبح هذا القول سبباً لثبات الإيمان عند المؤمن ومُحرضاً للملحد على المزيد من التأمل. فوجودالكائنات بهذا النظام العجيبمن الإتساق الطبيعي وإمتلاء الفضاء بالكواكب المحكومة بقوانين الجذب وثبات مواقيت الليل والنهار والفصول الأربعة مدعاةٌ لفحص القدرة الكامنة في من يقوم على هذا النظام الذييخرج عن قوانين الصدفة.

ب‌- مصداقية النتائج: يميل المُلحد إلى تصديق الظاهرة العيانية على نحو مباشر أكثر من تصديقه الوعد والوعيد اللفظي. وحينما أثبتت مسيرة الأديان السماوية أن ما يجري في الكون ينسجم مع ما تشير إليه كتب تلك الأديان أصبح هذا المُلحد مُهدداً بإستمرار إلحاده بحقائق لا يقوى على رفضها.

ج. أثر الكون في الإنسان: لقد أثبتت الدراسات النفسية الطبية أن الذين يصابون بالفصام العقلي هم، في أغلبهم، من مواليد الشتاء وأن الذين يُصابون بداء الهوس الإكتئابي هم، في أغلبهم، من مواليد أواخر الربيع أو أوائل الصيف.

كما أثبتت الدراسات الأُخرى أن الأبراج وهي الكُوى الكونية التي تقع بين المجرات السماوية تُؤثر في المواليد الذين تحدث ولادتهم في وقت من أوقات تعرض الأم لواحد من هذه الأبراج. كما أثبتت دراسات أُخرى تعرض بعض الأفراد لحالات الإكتئاب عند عيشهم الطويل وقتاً في بلاد يقلفيها ضوء الشمس وهو ما نُسميه بالكآبة الموسمية.

إن الطبيعة الأرضية (الجغرافية وهي جزء من المؤثر الكوني) أصبحت مسؤولة عن تحديد شكل الإنسان وجهاً وقواماً على عكس ما يشيع عن أثر التاريخ العرقي.

ومثال ذلك: الشكل المنغولي. وحين تقدم البحث العلمي أثبت أن هذا لا يتم عشوائياً إنما على وفق نظام دقيق من السببية، مما حدا بكثير من المنادين بقانون الصدفة هو قانون الذي ينفي أثر الخالق إلى مراجعة أنفسهم في مسألة إلحادهم.

3- عوامل في الإيمان:

وفي عملية الإيمان نفسهِ تكمن أسباب كثيرة تُحرض المُلحد على المغادرة بإتجاه الإيمان، نختار منهم الأهم الآتي:

أ‌- صِدق الصورة الكُلية: لنأخذ مثلاً على التعريف بالإيمان مما ورد في القرآن: " الإيمان هو إتخاذ الله واحداً لا شريك له والإيمان بأديانه وأنبيائه وما أُنزل عليهم والإيمان بالغيب واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيرُه وشره".

هذا هو البناء الكلي والصورة الشاملة التي لا تقبل التجزئة لمفرداتها من الإيمان. فالإيمان بالله على أنه الذي خلقنا وكفى يُعد إيماناً ناقصاً وإن كان أساساً أولياً في عملية الإيمان.

معنى هذا التعريف يشمل الأساس العقلي للتصديق بوجود الله مضافاً إليه الجانب القيمي الأخلاقي في الضابط لهذا الوجود. ولأجل تقريب هذه الصورة نسوق للقارىء مثالاً من واقع حياتنا اليومية، هل يجوز لنا أن نُصدقَ بطبيب من الأطباء ونأتمنه على تشخيص مرضٍ ما ثم لا نُصدق بالدواء الذي يصفه وبالوصية التي يذكرها، إستكمالاً للعلاج؟ منطقياً يُعتبر هذا غير صحيح ومثل هذا ما ينطبق على صِدق الصورة الكلية للإيمان.

إن المُلحد شخص تجزيئي أي أنه يُجزىء المعرفة على مفاصل فلاتخدمُه في شيء ومثل ذلك ما فعله حكماء الإغريق القُدامى يوم جزأوا الآلهة على واجباتٍ منفصلة حيث وزعوا ظاهرات الكون على آلهةٍ كثيرة. إن البريق المعرفي في ظاهرة الصورة الكلية للإيمان كانت عاملاً مهماً لدعوة الملحدين إلى مراجعة إلحادهم.

ب‌- السبيية العلمية: إن عملية الإيمان عملية علمية تستند إلى الإثبات، ولا تقوم حقيقةٌ في الكون بدون سندٍ علمي. ألا يستطيع الله الخالق أن يستخدم قدراته الممثلة بقوله: "كُن فيكون" في خلق السماوات والأرض من دون أن يلجأ إلى خلقها في ستة أيام؟ ألا يستطيع الله الخالق أن يُقيم القيامة بلحظةٍ واحدة من دون أن يسبقها بمُمهدات كالشمس إذا كُورت والبحار إذا سُجرت والعشار  إذا عُطلت؟

ألا يستطيع الله الخالق أن يخلق الكائنات من أُحادية مفردة من دون الثنائية التي تقوم على القبح والجمال والأسود والأبيض والذكر والأنثى؟ ألا يستطيع الخالق أن يسترد النفخة التي نفخها من روحه في الطين المفخور كالصلصال من دون أن يُوكل قبضالأرواح إلى ملاك الموت؟

ألا يستطيع الخالق أن يجعل العقل البشري قادراً على إدراك وجوده من دون أن يُنزل كتابا  أو يبعث نبياً؟ بلى أنه لقادر ولكن مبدأ السببية التي تقوم بقانون ضابط هو المبدأ الذي أقره الله ناموساً للكينونة.

وبمثل هذا التوصيل نستطيع القول أن الله هو الذي جعل البحث العلمي في المختبرات سبيلاً إلى معرفة خفايا النفس البشرية. لقد آمن الإنسان القديم بآلههِ (على صورةٍ من الصور) وهو لا يرى إلا سلوكه غير المشروح في أسبابه، فكيف يلحد الإنسان المعاصر بعد أن عرف أن هذا السلوك هو ناتج لعمليات فسلجية تتداخل فيها مكونات جسمه من الهومون والموصل العصبي والكهربائية الساكنة والكيمياء؟ هذا هو ما حدا بالكثير من الملحدين إلى التراجع عن الإلحاد.

ج - الحكمة من إختفاء الله: لقد اصطفى الله لنفسه صفتين لم يمنحهما لغيره، وهما الخلود والإختفاء عن الإدراك المباشر. وكثيراً ما شكك المُلحدون بالله ووجوده لأنهم لم يروه عياناً. إن لإختفاء الله عن الإدراك حكمةً لا يعلم سرها غيره لكننا نستطيع أن نتفحص بعضها بما يُدلل على عظمة حكمته.

دعنا أيها القارىء نُوضح هذه النُقطة ببعض الظاهرات في حياتنا اليومية. غن أحد علماء الإجتماع كان نشر دراسةً عن العلاقات بين الأفراد في المؤسسة الإجتماعية فطالب بضرورةقيام ما سماه ب " المسافة الإجتماعية" التي تفصل بين المدير العام وباقي المنتسبين، وعدَ هذا الباحث مثل هذه المسافة ضروريةً لقيام عنصر الهيبة والوقار بين المسؤول وأتباعه.

تصور لو أن الناس تطلع على خالقها وتعرف مكانه وأشياء أخرى، فإن هؤلاء سيتحولون إلى حالة أخرى من الوعي بالخالق، إن دراسة هذا الباحث أثبتت مصداقيتها على مستوى بشرٍ عاديين فكيف الأمر أمام الخالق العظيم؟

إن مجهولية مصدر للخبر تزيد من سرعة إنتشاره وثبوت تصديقه فكيف الأمر مع الخالق العظيم؟ إن العرب في لغتهم أنشأوا ظاهرة "نائب الفاعل" وعزوا كثيراً  من الحكم والموعظة في أقوال الشعر والنثر إلى قائل مجهول فزادوا شدة تعلق الناس بهذه الحكم والموعظة.

كم من الناس من يستطيع مقابلة حاكمٍ من حكامهم بسهولةٍ في المكان والزمان؟ إذا كان هذا هو ما يحدث مع حاكمٍ بشري فكيف يكون الأمر مع حاكم الحكام، ملك الملوك؟.

د - فلسفة الموت: إختار الله لذاته الخلود، فكلُ مَن عليها فان.ولو خَلَدَ الإنسان لحدث الآتي:

1 - تزدحم الأرض بمن عليها وتضيق موارد العيش.

2 - تزداد الجريمة التي ترتبط طرداً بكثرة البشر.

3 - تقِلُ الموارد وتشيع المجاعة

4 - تفقدالحياة قيمتها لأنه لا يوجد موتٌ يُهددها بالزوال

5 - يشارك المخلوق خالقه في صفةٍ متفردة.

6 - تشيع الأمراض النفسية، فكثيرٌ من الأمراض التي لدينا تظهر في آخر العمر حيث أفردَ  لها قاموس الطب النفسي مُسمى " أمراض آخر العمر" وسبب ذلك أن الشعور بالخلود يُولد الرتابة والرتابة سبب من أسباب الكآبة.

7 - تنتفي الحاجة إلى العالم الآخر حين يخلد الإنسان وتُصبح الأرض مكاناً لعقابه وثوابه.

هذه هي الحكمة من الموت. وظاهرة الموت جزءٌ من متطلبات الإيمان التي أشرنا إليها مثلما أشار القرآن، وهي، مرةً أُخرى، صورة من صور النهاية التي جعلت وتجعل الكثيرين من المُلحدين يراجعون أنفسهم في مسألة إلحادهم بحكيمٍ عظيمٍ هو الله.

 

د. ريكان إبراهيم

 

ميثم الجنابيالتاريخ جهاد واجتهاد

لقد سعى قسطنطين زريق لجعل المقدمات النظرية المجردة أساسا لنظريته العملية. بمعنى انه سعى من اجل جعل العمل محك ومعيار ومقياس وأسلوب بلوغ الأهداف الكبرى. فهو لم يقف عند حدود الفكرة العامة عن ضرورة العمل، بل ووضع لها متطلباتها الدقيقة. فقد شدد قسطنطين زريق على أن آرائه أقرب ما تكون إلى متطلبات وإدراك مهماتها. الأمر الذي جعل من فكرته بهذا الصدد شيئا أقرب ما يكون إلى نظرية الجهاد العقلانية. وبالتالي يمكن دعوة نظرته التاريخية بتاريخ الجهاد والعمل. ومن الممكن رؤية كل ذلك بالأخص في جميع كتاباته المتأخرة، وبالأخص موقفه من النكبة الأولى والثانية (النكبة مجددا). إذ نراه يعتبر التاريخ هو نتاج جهاد النفس وجهاد الطبيعة[1]. مع ما ترتب عليه من اعتبار العمل مقدمة ضرورية للإبداع الحضاري. وأدرج فيه ما اسماه بمتطلبات ضرورية ست هي "متطلبات العمل التاريخي المبدع". وأدرج فيها كل من:

- صحة الإحساس بالحاضر وحدّة هذا الإحساس،

- والتطلع إلى المستقبل والإقدام عليه،

- والإبقاء على الصلة بالماضي بوصفها صلة إدراك وحكم واستلهام وتسامي،

- والشعور بالقدرة على الاختيار والاستعداد على تنفيذه،

- والشعور بحدوده،

- وأخيرا اعتبار الإنسان نفسه خاضع لحكم التاريخ[2].

وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاج عام يقول، بأن "إحساس الإنسان بالمشكلات الحاضرة وضرورة حلها على ضوء رؤى المستقبل وبروح الأمانة للتراث وشعوره باختباره وقدرته وبقيوده وحدوده. إن هذا كله يملأ نفسه روعا وهيبة"[3].

القومية والحرية

ولا يعني هذا في الوقع سوى تناسق فكرة النقد والحرية، أي تأمل الماضي والحاضر والمستقبل بمعايير الرؤية التاريخية والحضارية العصرية. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لفكرة الحرية كما فهمها قسطنطين زريق. إذ ليست حقيقة هذه الروعة والهيبة سوى الحرية بمختلف مستوياتها ومظاهرها، بوصفها إبداعا عقليا صرف. وليس مصادفة أن تتخلل فكرة الحرية كامل الرؤية القومية لقسطنطين زريق كما لو أنها النسق الساري في كل ما كتبه، بوصفها تنظيما متصفا بفكرة الحداثة. بحيث نراه يحولها إلى عنصر جوهري في نظراته التاريخية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "كل عمل منتج مسبوق بالحرية والاختيار. وأن قيمته متوقفة على مدى الحرية التي يتمتع بها المرء"[4]. ليس ذلك فحسب، بل وأن فكرته العامة والأساسية عن "الثقافة التاريخية" بوصفها القوة الفكرية والروحية القادرة على توحيد الذات الفردية والاجتماعية والقومية بمعايير الرؤية العقلانية والإنسانية، كانت تهدف أساسا إلى إرساء أسس الإطلاق والتحرر، أي الحرية والإبداع الأصيل.

لقد وضع قسطنطين زريق فكرة الحرية في أولوية القضايا التي ينبغي فهمها وحلها في المشروع القومي العربي[5]. بحث نراه يجعل من الحرية فكرة جوهرية في "الحكم على التاريخ". وينطلق بذلك من أن جوهر الإنسان هو قابليته للتحرر واكتساب الكرامة الذاتية. أما الإبداع التاريخي فهو فعل الحرية (الفردي والجماعي) للتخلص من النقائص الذاتية العقلية والخلقية والروحية[6]. وفيما لو تجاهلنا ضعف دقة التعبير في مفاهيم ومقولات قسطنطين زريق، فإنَّ مضمون أفكاره القائلة، بأن "الإبداع التاريخي لا يأتي من الخضوع المطلق للتاريخ، بل يتطلب نوعا من التحرر"، وأن "الاتجاه المستقبلي يتميز بالثورية والتحرر، لكنه يجهل أو يتجاهل تاريخية الإنسان"[7] وغيرها، تشير إلى حدسه الحقيقة القائلة، بأن حقيقة التاريخ المبدع هو التاريخ الحر والمستقبلي. ونعثر على ذلك في محاولاته وضع منظومة من المقاييس الضرورية للحكم على إبداع الثقافة بوصفها مقدمات الحرية. لهذا نراه يدرج ضمن مقاييس التقدم الحقيقي في الحضارة خمس وهي كل من:

- إدراك فهم إسرار الطبيعة وتطورها الفعلي (في التكنولوجيا والتطبيق)،

- وتعميمها النظري الفلسفي،

- والإبداع الجمالي (الأدب والفن)،

- والتطور الأخلاقي (مراتب الخير والفضائل)،

- وأخيرا تحصيلها جميعا في إحراز الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وفي العدل والمعرفة والعلم[8].

ذلك يعني أنه جعل من هذه المقاييس معيارا للحرية، تماما بالقدر الذي تكشف فيه عن وحدة أو معاني الحرية والكرامة. وجعل منه ما اسماه بالمعنى القوي للأثر في "إشاعة الحرية والكرامة"[9].

وبهذا يكون قسطنطين زريق قد جعل من معنى الحرية جوهر التاريخ وحكمه. ووضع ذلك في عبارة تقول، بأن "حكم التاريخ في نهاية المطاف هو حكم في مقدار إدراكنا لحريتنا، ومقدار تحقيقنا لها"[10]. أما حصيلة كل ذلك فتقوم في وصوله إلى الحكم القائل، بأن "كرامة أي فرد أو أية أمة هي حصيلة الحرية الحقيقية التي يتمتع بها الفرد أن تنعم بها الأمة. وهذه الحرية هي بدورها نتيجة لتحقيق القابليات التي يتميز بها الإنسان من الإدراك العقلي والسمو الأخلاقي والروحي والفعل المبدع الناتج عنهما"[11]. وبالتالي، فإنَّ بلوغها الممكن والواقعي والضروري يكمن في الكفاح من اجلها، بوصفها تاريخا وتصنيعا له.

فعندما يعتبر التاريخ (بما في ذلك النظر إليه من حيث نتائجه) متوقفا على إدراك الناس لمعنى الحرية وحقيقتها، فإنه يقسّم مواقف الناس وتياراتها إلى من ينظر إلى مشكلاته الآنية فقط، وإلى من يعتقد ويشعر بالصعوبات التي يواجهها، لكنه يعتقد بأنها بقضاء وقدر، ومن يعمل ويهتم به لكنه رجعي. ووجد فيهم "فئات لا تصنع تاريخا". ذلك يعني أن صنع التاريخ مرتبط بفكرة الجهاد العملي والثقافة التاريخية المؤسسة بمعايير ومقاييس الحضارة المعاصرة.

الفكرة القومية فكرة حضارية

لقد تمثل قسطنطين زريق الفكرة القومية بمعايير وعي الذات بالاستناد إلى جوهرية الفكرة التاريخية والحضارية. من هنا بلورته لفكرة الارتقاء إلى مصاف المتطلبات والتحديات التي تفرضها الحضارة المعاصرة. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة العقلانية والواقعية لإدراك معنى وحقيقة ووظيفة الفكرة القومية بالنسبة للعالم العربي المعاصر. الأمر الذي جعل من فكرته القومية بقدر واحد نقدية ومستقبلية. وفي هذا تكمن قيمتها النظرية والعملية. إلا أنها كانت تعاني من ضعف التأسيس الفلسفي. مما طبعها في الأغلب بطابع النصيحة والإرشاد أكثر مما بطابع التفسير العميق والأصيل للتاريخ العربي وإدراك نوعيته. مع ما رافقه ذلك من موازاة بين النزعة العلمية والخطابية، كما هو جلي في هيمنة عبارات "ما لابد منه" و"ما ينبغي" و"من الواجب" وما شابه ذلك في الموقف من تفسير الماضي والواقع. بينما الفكر العميق فلسفي بالضرورة. بمعنى انه مبني على مبادئ وقواعد تأسيس الفكرة وليس على أساس تقديم النصائح، بما في ذلك أكثرها سلامة وحكمة. فحكمة النصائح فعالة ضمن سياقها التاريخي الثقافي. أما العالم المعاصر، فإنه لا يقر بالحكمة كمرجعية في السلوك، بقدر ما يعتبرها نادرة مفرحة للعقل ومثيرة للمزاج ومروحة للهموم فقط. وهذه فضيلة لكنها لا ترتقي إلى صاف متطلبات الحكمة المعاصرة بوصفها منظومة عقلية وأخلاقية متجانسة، ومن نوع يجمع بين طرافة الوجدان المعذّب ودقة العقل الصارمة في نظرته للمسار الواقعي وآفاقه الفعلية التلقائية. بينما كان أغلب ما كتبه قسطنطين زريق أقرب إلى المواقف منه إلى أفكار. وهذا بدوره ليس معزولا عن هيمنة التقاليد شبه السائدة في التفكير العربي المعاصر، وبالأخص في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين، أو بصورة أدق في كل مجرى العقود التي سادت فيها نفسية وذهنية الفكرة الراديكالية والثورية بمختلف أشكالها وأنواعها.(انتهى).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، ص178.

[2] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، ص186- 192.

[3] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، ص192.

[4] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، ص179.

[5] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص204.

[6] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص222.

[7] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص184.

[8] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص223- 224.

[9] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص228-  230.

[10] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص239.

[11] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص240.

 

 

عبد الجبار العبيديفلنترك السياسة والدين جانباً ونحاول ان نتطرق الى جماعة اخوان الصفاء وخلان الوفاء ودورهم في تاريخ الفكر العربي الاسلامي، وكيف عالجوا بعض فصول الحضارة الاسلامية في الشمولية الحضارية، والقوة النشطة للانسان الفرد وهو يمارس نشاط حياته اليومية، وكيفية تكامل الوجود البشري عن طريق الفكر والتعقل، لتحقيق الهدف الذي يربط بين افراد المجتمع في الحقوق .

أختلفت أراء العلماء والمؤرخين في تسمية الاخوان ومذاهبهم ذلك انهم عملوا جهدهم على تغطية حقيقة امرهم واسمائهم. اختلف المؤرخون في الرسائل وواضعيها فالقفطي ينسبها الى المعتزلة، واخر ينسبها الى الحكَم القرطبي الاندلسي ومؤرخ ثالث يدعي انها تعود الى جماعة من فرق الاسماعيلية، واراءُ اخرى كثيرة تنسبها لاخرين(1).

لكن المتتبع لتاريخهم يرى ان الجماعة نشأت كجمعية سياسية دينية في البصرة بعد استيلاء البويهيين على بغداد في سنة 334للهجرة، وكان لها فرع في بغداد وهي تتكون من اربع طبقات هي: (2)

- الاولى، تكونت من شبان تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر الى ثلاثين سنة ينقادون لاساتذتهم أنقيادا تاماً.

- الثانية، تتكون من رجال تتراوح اعمارهم بين ثلاثين الى اربعين سنة يتلقون الحكمة الدنيوية من حكامهم.

- الثالثة، تتكون من رجال تتراوح أعمارهم من اربعين سنة الى خمسين سنة، وهم كما يسمونهم طبقة الحكماء.

- الرابعة، تتكون ممن تجاوزوا الخمسين عاماً وهم الذين أرتقوا الى الطبقة العليا، وصاروا يشهدون حقائق الاشياء كما هي كالملائكة المقربين. لكن الملاحظ ان الجمعية قد خلت من العنصر النسائي تماماً، ولم نلمس تفسيرُ لذلك ممن عاصرها او من المقربين لها.. ولربما للعادات والتقاليد دور في هذا الخو النسائي منها.

ورغم تعدد طبقات هذه الجماعة وأهدافها الكبيرة، ألا ان التاريخ لم يدون لنا أكثر من خمسة أسماء كما ذكرهم المؤرخ ابو حيان التوحيدي وهم، ابو سليمان محمد البيستي المعروف بالمقدسي تلميذ الكندي الفيلسوف العربي المشهور، وهو على الارجح منشىء رسائلهم، وابو الحسن علي بن هارون الزنجاني، ثم ابو احمد المهرجاني المسمى بالنهرجوري، وابو الحسن العوفي، فريد بن رفاعة. ويؤخذ من كلام لابي حيان التوحيدي بأن هذا الاخير كان متهماً بمذهبه(3). ولا شك بأن أنضوى تحت اسم هذه الجمعية رجال من طبقات المجتمع المتباينة كما يفهم من رسائلهم، وان سكت التاريخ عن ذكر ذلك.لقد قال بعضهم: لنا اخواننا من اولاد الملوك والامراء والوزراء والعمال والكتاب، ومنهم طائفة من أولاد الاشراف والدهاقين والتجار والصناع والمتصرفين وامناء الناس، وقد ندبنا لكل طائفة منها واحداً من أخواننا لينوب عنا في خدمتهم(4).

لكن بعض المؤرخين يعتقدون ان الرسائل من صنع الفِرقة الاسماعيلية الباطنية بزعامة احمد بن عبدالله الاسماعيلي الذي يعود نسبه الى الامام جعفر الصادق. ويبدو من خلال الدراسة المقارنة بدأ الاعتقاد يميل الى انها من صنع الافكار الاسماعيلية، وأنها من وضع دعاتهم (5).

أما اصل التسمية أشتق من صفوة الاخوة المبنية على التعاون لبناء مدينة فاضلة روحانية وتسميات اخرى تزخر بها كتب التاريخ(6).

وبغض النظر عن اهدافهم السياسية والدينية، نجد ما يؤثر عن أفراد هذه الجمعية أنهم ألفوا أحدى وخمسين رسالة.خمسين رسالة منها في مختلف الموضوعات العلمية والفلسفية، ومقالة واحدة جامعة لانواع الرسائل على طريقة الاختصار والايجاز، منها ثلاثة عشر رسالة في الرياضيات، وسبعة عشر رسالة في الطبيعيات، وعشرة رسائل في العلوم النفسية والعقلية، وعشرة رسائل في العلوم الناموسية الالهية والشرعية، وواحدة جامعة لكل الرسائل(7).

تدل هذه الرسائل على ان اخوان الصفاء أصابوا من الرقي الفكري حظاً كبيرًواقتبسوا اراءهم وعلومهم من جميع المذاهب والاديان وذلك انهم قالوا:"ان الشريعة دنست بالجهالات وأختلطت بالضلالات ولا سبيل الى غسلها وتطهيرها الا بالفلسفة العملية والنظرية، وافردوا لها فهرساً وسموها رسائل اخوان الصفا وكتبوا فيه اسماءهم وبثوها في الوراقين ووهبوها للناس"(8). ولهم نظريتهم المعمقة في العلم والنشاط العقلي، فقالوا :

"ان النفوس لا تستطيع الارتقاء في مدارج معرفة الله معرفة بريئة من الشوائب الا بالزهد والاعمال الصالحة"(9). وحين عالجوا الرياضيات قالوا:ان الغاية المقصودة في الحساب والهندسة ارشاد النفوس والتوصل بها من المحسوسات الى المعلولات، وبحثوا في المنطق وفي الله والعالم والنفس الانسانية، وحاولوا ان يوفقوا بين العلم والحياة وبين الفلسفة والدين(10).

ولا شك ان رسائلهم تمثل الحياة العقلية في ذلك العصر، كما تمثل الحياة السياسية، فهي مرآة تنعكس فيها الحياة العقلية أنعكاساً مباشراَ.ورسائلهم أشبه بدائرة معارف فلسفية علمية جمعت كل ما يمكن تحصيله من الرجل المثقف، وتعتبر مدخلا الى رسالة جامعة، هي خلاصة العلم وغاية الغايات التي هدفت اليها الجماعة.

ولرسائل اخوان الصفا قيمة اخرى، هي قيمتها الفنية الخالصة، فقد عني كتابها بألفاظها واساليبها عناية أدبية خاصة، ففيها خيال كثير وتشبيه متقن، وألفاظ متميزة، ومعانٍ ميسرة، والسبب يعود الى أنها اتجهت الى جمهرة الناس للتعليم والتثقيف والمعرفة العامة.

ان احدى الميزات البارزة في هذه الرسائل هي عنصر الشمولية الذي يتميز به مفهوم الحضارة وهو العنصر الاول. وتنطلق هذه الشمولية من الضروريات والحاجيات التي يزاولها الانسان في نشاطه الاجتماعي، وهي تشمل نتاج جميع القيم الفكرية والمادية للانسانية.ففي مجال الحضارة الفكرية او الروحية، نجد مثلا الافكار الفلسفية والقيم الاخلاقية والجمالية والصور الفنية، فهم يحثون على الاعتدال بين رغبة النفس الانسانية ومعرفة حقائق الاشياء، وبدونها يخرج الانسان من الدنيا دون معرفة بها وفائدة للاخرين، لذا فمسئولية الفرد فردية لنفسه وجماعية لمجتمعه.. وهذامالم يوافق السلطة .

والعنصر الثاني في رسائلهم هي القوة النشطة المبدعة عند الانسان، وهذا العنصر هو الذي يفرق بين النشاط العادي الذي يقتصر على مجرد اعادة المعارف والعمليات اليومية لتهُذب وتنمي قدراته العقلية والمعرفية والكفاءة المهنية لتصب في مصلحة الناس الاخرين ومصلحتهم لتكمل الاجزاء الكلية للحضارة الانسانية(11)

والعنصر الثالث هو دور الفكر والتعقل في انجاز تكامل الوجود البشري، حين آولوا النشاط الجسماني والروحي للانسان، ليثبتوا ان الهدف هو احراز فائدة اكبر والاستفادة من الصناعات المبتكرة وتطويرها لصالح الانسان والنفس البشرية. هذه العناصر الثلاثة التي بحثت فيها الرسائل أثبتت أهميتها في الدراسات الحضارية لابراز نظرية الكيان البشري واهمية الانسان في الوجود في السابق والحاضر..

ومن يطلع على الافكار الشمولية لهذه الجمعية يدرك انها جمعية علمية عقلية فلسفية على جانب كبير من الرقي العقلي والعلمي، ولو ان الظروف السياسية مكنت لها من النهوض والظهور لكان بامكانها تغيير الحالة العلمية التي كان عليه الناس في القرن الرابع الهجري، والتي فلسفها الفقهاء بالرأي الديني الجامد دون تحريك حين لم يعترفوا بالصيرورة الزمنية التي جاءت بها الجمعية.. ولو سمح لها بالعمل والنتشار لكان دورها لا يقل عن دور المعتزلة في الحركة العقلية، ولا اصبح العرب والمسلمين في مقدمة الركب الحضاري المنشود.. الذي أسقطته اطماع السياسة الدينية.. ولازالت تعمل على اسقاطه الى اليوم..

 

بينما نلحظ ان الأوربيين حين كونوا الجمعيات العلمية نشطت أذهانهم من عقالها، وبدات تفكر في شئون الكون على اساس من الفكر غير المقيد، والعقل المتطلع الى المعرفة العلمية تحت البحث والتجربة.. حتى حققوا مالم تحققه العصور السابقة فحولوا العلم القديم الى جديد . بينما ظل علماؤنا في العصور الوسطى يدرسون الظاهرة العلمية على غير ما جاء به النص الكريم الذي دعا الى البحث والنظر والتأمل في الكون ودراسته والبحث عن حقائق الاشياء مادية ومعنوية " قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدلأ الخلق" .

فجوبهوا بالرفض من قبل الحركة الدينية حين حصروا الحركة العلمية بما لا يخرج عن علوم الدين المبتكرة منهم وحين فسروا القرآن بما يوائم هوى السلطة، والاكثار من الاحاديث النبوية المخترعة منهم، ظناً ان الانصراف الى دراسة ما سوى ذلك انما هو مضيعة للوقت وصرف للانسان عن عبادة الله.. فوقعوا في خطأ التقدير.. نحن بحاجة اليوم الى كتابة قاموس علمي جديد قائم على ترتيب عقلي للعلوم والاداب والحرف وعلى رأس كل فرع مجموعة من الأكاديميين المتخصصين الذين يؤمنون بالفكر والحرية والتقدم، وليس في رؤوسهم الماضي القديم.. شرط ان تبعد العناصر الحكومية المتزمتة دينياً في تكوينه لحين الانتهاء منه.. ثم مناقشته بالطريقة العلمية المعتمدة.. ساعتها لربما يتكون لنا أمل جديد.

 

د. عبد الجبار العبيدي

..............

مصادر البحث

1- رسائل اخوان الصفاء وخلان الوفاء - طبعة بيروت ج1 ص5.

2- ابو حيان التوحيدي- الامتاع والمؤانسة ج2 ص6.

3- نفس المصدر السايق.

4- المقريزي –أتعاظ الحنفاء ص139.

5- عارف تامر –جامعة الجامعة ص15-17.

6- سعيد عاشور –دراسات حضارية ص5 وما بعدها.

7- القفطي – اخبار العلماء ص83.

8- رسائل الاخوان ح1 ص5.

9- القفطي –اخبار العلماء ص83.

10 - دايتر بيرمان- العناصر الحضارية ص10.

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية والثورية في الفكرة القومية

لقد سعى قسطنطين زريق إلى إيجاد النسبة المعقولة والمقبولة بين النزعة الثورية والنزعة العقلانية. ولم تكن هذه الرؤية معزولة عن ثقل الوهج الأيديولوجي المهيمن على الفكر والتفكير العربي آنذاك. الأمر الذي يجعل من تصوراته بهذا الصدد تراكما بمعايير الرؤية الواقعية أيضا. فقد انطلق قسطنطين زريق من واقع انتشار وهيمنة الروح الثوري في العالم العربي. ووجد فيه دلالة على ما تغلي به الصدور والنفوس من أحاسيس بالحاجات الملحة ومحاولة مصارعة الزمن (التخلف)[1]. لكنه في الوقت نفسه سعى لتحقيق فكرة "العقلنة" الضرورية لهذه النزعة الثورية التي أطلق عليها أيضا عبارة الثورية العقلية. لكنه خلافا للصيغة المتناحرة آنذاك بين القوى المتصارعة حاول عقلنة الرؤية الثورية للتيارات السياسية الحاكمة والمعارضة من خلال صياغة "مرجعيات" عامة للرؤية الاجتماعية والسياسية والتاريخية حصرها بأربع وهي

- ضرورة التخلي من سحر الماضي،

- ومقارنة التجارب الخاصة بتجارب الآخرين من حيث تحديد قيمتها وحقيقتها،

- والتجانس في التطور والعمل والشخصية (بمعنى عدم العيش في مراحل مختلفة في آن واحد)،

- والإقرار، بأن كل بناء يشيد يكون ضعيفا بمقدار بعده عن الحقيقة.

لقد سعى قسطنطين زريق إلى إيجاد صيغة معتدلة أوسع تجمع بين الثورية والعقلانية قادرة على تخطى حدود التماس السياسي والأيديولوجي والفكري من خلال رفعها إلى مصاف الفكرة والأسلوب القادرين على التوحيد الاجتماعي السليم والتطور الديناميكي، أي كل ما وجده في فكرة المستوى الحضاري، أو الصيغة الحضارية للفكرة السياسية وعوارضها المختلفة والمتنوعة. من هنا نراه يقر بأهمية وضرورة الفكرة الثورية والثورة بالنسبة للتطور الحضاري. لكنه أكد في الوقت نفسه على خطورتها، انطلاقا من أن "لكل اختصار ثمنه، ولكل ابتسار ضريبته. وعلى الشعوب التي تختار هذا الطريق (أول ما عليها) أن تدرك مبلغ هذا الثمن وأن تقدّر نتائجه"[2]. وذلك لأن للثورة ثمنها الباهظ. ومنه ما يتعلق بنظام الحكم. إذ قلما تتفق الثورة مع الحرية السياسية والأساليب الديمقراطية. أما الثاني، وهو الأشد خطورة، فيكمن في كون الثورة تؤدي إلى الانقسام الحضاري [3].

وفيما لو دققنا المضمون الواقعي والفعلي لهذه الأفكار، أي ما أراد قسطنطين زريق تأسيسه، فإنها كانت ترمي إلى تذليل الراديكالية الفكرية والسياسية. فقد وقف قسطنطين زريق إلى جانب نقد الواقع، لكنه عارض الاتجاهات المتطرفة وبالأخص الثورية منها. وكتب بهذا الصدد يقول، "إن هذه الثورة ذاتها تستدعي، إذا أردناها صحيحة مثمرة، أن نكون مدركين لما نثور عليه حق الإدراك، وإلا قضت على الصالح والفاسد دون تحقيق أم تمييز"[4]. بعبارة أخرى، إن الثورة التي دعا قسطنطين زريق إليها هي ثورة عقلية ومستقبلية بقدر واحد، أي تستند إلى رؤية تاريخية ومحكومة بفكرة الحضارة ومتطلباتها وتحدياتها المعاصرة. من هنا تقييمه الرفيع لأهمية الرؤية المستقبلية للتاريخ، بحيث نراه يعتبرها إحدى مقدمات الرؤية الثورية والحركات الإصلاحية. لكنه شدد في الوقت نفسه على ما فيها من ضرر، لأنها "تنكر صفة أساسية من صفات الإنسان، وهي تاريخيته، وتناقض سنّة من سنن الحياة، ألا وهي سنّة التماسك والترابط والتراكم"[5]. ووضع هذا الاستنتاج في أساس نقده للتطرف والغلوّ والنظرة الأحادية الجانب في الرؤية التاريخية والعقل التاريخي. وأشار بهذا الصدد، إلى أن "الإنسان الحي الفاعل صانع التاريخ ليس "مستقبليا" مطلقا سابحا في الرؤى والأحلام، ولا "حاضريا" مطلقا غارق في ما حوله من المشكلات، ولا "تاريخيا" مطلقا يحنّ إلى الماضي، إنما هو يعيش في توتر دائم بين الماضي والحاضر والمستقبل"[6]. ووضع هذا الموقف العقلاني الواقعي المبني في الوقت نفسه على فلسفة "الثقافة التاريخية" ومنحاها الحضاري تجاه الإشكالية الكبرى التي كانت تقف وراء بلورة وتراكم فكرته القومية. والمقصود بذلك إشكالية النكبة.

البديل العقلاني لحالة النكبة القومية

انطلق قسطنطين زريق من أن هزيمة العرب في فلسطين هي نكبة بكل ما للكلمة من معنى[7]. وبالتالي، فإن إدراك أسبابها وعلاجها يفترض الحديث عن علاج قريب وآخر بعيد المدى. ووضع في أساس العلاج القريب المدى خمسة أركان وهي:

- تقوية الإحساس بالخطر وشحذ إرادة الكفاح،

- والتعبئة المادية في ميادين العمل،

- وتحقيق اكبر قسط من التوحيد الممكن بين الدول العربية،

- وإشراك القوى الشعبية في النضال،

- والاستعداد للمساومة والتضحية ببعض المصالح لدرء الخطر الأكبر.

أما في مجال المعالجة البعيدة المدى، فإنه يفترض تحقيق تبدل أساسي في الوضع العربي وانقلاب تام في أساليب التفكير والعمل والحياة بكاملها قادر على مواجهة أي خطر أجنبي[8]. واعتبر من بين أهم مقومات هذا الكيان العربي المنشود الاتحاد والتقدم الصحيح. والمقصود بالتقدم الصحيح حسب رؤية قسطنطين زريق هو "أن يصبح العرب بالعقل والروح قسما من العالم الذي يعيشون فيه، بحيث تجري مجاراته في نظم العيش والفكر والتكلم بلغته، والاتصال بأصوله، والانضمام بالمقدرات الذاتية إلى مقدراته[9]. ولا يمكن بلوغ ذلك دون وسائل تناسبه أدرجها قسطنطين زريق في ست وسائل كبرى وهي:

- اقتباس الآلة،

- وفصل الدولة عن التنظيم الديني فصلا كاملا،

- وتدريب العقل وتنظيمه بالإقبال على العلوم الوضعية والتجربة،

- والابتعاد ما أمكن عن الخيال المخدّر والرومانسية المائعة،

- وفتح الصدر واسعا لاكتساب خير ما حققته الحضارات الإنسانية،

- أما الأسلوب الأمثل لذلك فيقوم عبر "الإصلاح التطوري في مختلف نواحي الحياة القومية"[10].

عندها يمكن مواجهة الجميع أيا كانت مصادره ونوعيته. وحينذاك يمكن مواجهة إسرائيل وأمريكا وغيرهما. بمعنى انه وجد في "السعي لإحراز قدرة تساوي أو تشابه أو تقارب قدرتها علما وفنا وتقنية وتنظيما وتجنيدا للقوى الداخلية وللمؤيدات الخارجية" الأسلوب الوحيد والواقعي والأمثل لهذه المواجهة[11].

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية للنزعة القومية، التي تنظّم وتجمع بنسب واقعية الرؤية الثورية والعقلانية من خلال رفعهما إلى مصاف الفلسفة الإصلاحية. وهذه بدورها إصلاحية تستند إلى رؤية خصوصية الحضارة المعاصرة والعمل بمعاييرها، أي السير معها وبها مع الاحتفاظ بالأصالة القومية المبنية على أساس الثقافة التاريخية وبلوغ حكمتها الفعلية. لهذا نراه على سبيل المثال يتكلم عن ضرورة التوحيد الدائم بين العلم والإنتاج والاستقلال التام. وأعتقد بأنَّ التجّهز بالعلم والإنتاج هو مصدر القوة وأساس الاستقلال الفعلي. وبالتالي، فإنَّ عدم بلوغ الاستقلال الفعلي للعالم العربي يكمن في أنه لا يوجد استقلال تام، ووقوف الاستقلال عند الحد السياسي. بمعنى أن الاستقلال الفعلي هو الاستقلال التام فقط. ومن اجل بلوغ ذلك وضع قسطنطين زريق ما يمكن دعوته بالحل المستقبلي الأمثل من خلال "بلوغ المجتمع العلمي"، و"دور الدولة" الخاص بذلك، و"فكرة النضال"، و"متطلبات النضال". كما لو انه يؤسس لأركان البديل الضروري بهذا الصدد.

وحصر سبل بلوغ المجتمع العلمي في ثلاث هي كل من

- الإيمان بها،

- وجهد رجال الفكر والعمل وقادة الحكم،

- وأن يكون المجتمع المنشود ما نريده، أي بقدر وضوح الإرادة وعمقها وانتشارها[12].

أما دور الدولة، فحصره في قواعد عامة وهي "أن يصبح هذا الهدف أساس سياستها ومحور نشاطها". وذلك لأن "الدولة لا تستطيع أن تبني مجتمعا علميا منتجا إلا إذا كانت هي ذاتها منظمة على أساس العلم ومنصرفة إلى الإنتاج"[13]. من هنا ضرورة الإنتاج والإنماء، والتخطيط والإستراتيجية، بحيث تسود العقلية التخطيطية التصميمية على نشاط الدولة والأفراد والجماعات[14]. وأن يجري استكمال ذلك بالبحث والاهتداء بهدى الحقيقة. وذلك لأن "البحث العلمي هو الركن الركين للإنتاج والإنماء والتخطيط. لهذا يجب أن ينفذ التخطيط في عروق الدولة وشرايينها لبثّ القوة والمناعة في أجهزتها"[15]. الأمر الذي يتطلب "حشد الكفاءات المادية والبشرية وتهيئة الكفاءات الممكنة"[16]. وأخيرا إتمام ذلك بتنشيط دور الشعب، من خلال جعله حافزا ومراقبا، أي ضرورة الرقابة الشعبية وحرية الفكر والكلمة. فالحرية ليست حقا، بل هي أولا وقبل كل شيء واجب وتبعة، كما يقول قسطنطين زريق[17].

أما فكرة النضال وبث الروح النضالي، فيحصرها زريق بمصادر وهي: وضوح الغاية وتغلغلها في النفس عبر إزالة الفرقة أو عدم الانخداع بوصفها قضية جوهرية. مع ما ترتب عليه من انقسام الدول والشعوب والأفراد إلى "قوميين" و"اشتراكيين" و"تحرريين" و"انقلابيين" و"تطوريين" و"مناضلين" و"انهزاميين" وما إلى ذلك من نعوت. وإنَّ أبرَز مظهر لتعّثر النضال هو انعدام الإرادة العربية الواحدة في مستويات الحكم العليا. من هنا ضرورة الإرادة الواحدة في صفوف الشعب والتعبئة الشعبية، وكذلك ضرورة ارتباطها بالدار والأرض والوطن. بمعنى الاستفادة من الدرس التاريخي لنكبة فلسطين. فقد وضع الفلسطينيون حربهم في أيدي الدول العربية وأنظمتها السياسية. وكان المفروض بالعكس، بمعنى جعلها فلسطينية بوصفها حربا وجهادا من أجل الأرض والوطن. وأخيرا ثقة الشعوب بقادتها[18].

أما متطلبات النضال فيحصرها قسطنطين زريق بأربعة وهي:

- العقلانية، أي التشوق إلى الحقيقة والأنفة من الجهل والخطأ والانخداع والخديعة،

- ومحبة العمل والقدرة عليه عبر رفعها إلى مستوى العقيدة،

- والانضباط والانتظام،

- والتقشف[19].

إنَّ الحصيلة الكامنة في هذه الرؤية تكشف عن طبيعة وحجم وغاية النقد الذاتي المكتوي بناء المحنة. فقد أراد قسطنطين زريق أن يجعل منه مصدر الإثارة بالنسبة للعقول وصهر النفوس وإعادة الخلق الذاتي خلقا جديدا. فالمحنة تغدو فاتحة النصر إذا هي أدت إلى خلق الإنسان العربي الجديد، كما يستنتج قسطنطين زريق[20]. وضمن هذا السياق يمكن فهم قيمة اقتراحه الذي دعا فيه إلى تأسيس "مؤسسة الدراسات العربية" من أجل دراسة الواقع والإمكانيات والمشاكل المشتركة[21]. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص204.

[2] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص254.

[3] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص246.

[4] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص19.

[5] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص183.

[6] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص190.

[7] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص8.

[8] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص8.

[9] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص9.

[10] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص9.

[11] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص19.

[12] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص35.

[13] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص36- 37.

[14] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص40.

[15] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص42.

[16] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص44- 45.

[17] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص47- 48.

[18] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص63- 65.

[19] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص50- 51.

[20] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص82.

[21] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص52.

 

 

ميثم الجنابيماهية القومية العربية

من الممكن العثور على الصيغة الأوسع والأكثر تدقيقا لرؤيته النقدية والبديلة لماهية القومية العربية ومقومات نجاحها في ما اسماه بشروط نجاح القومية. وأدرج ضمنها ستة شروط كبرى وهي:

- ضرورة بلوغ نوع من التطور والانسجام في الحركة القومية، وبدونها يستحيل نجاحها وتحقيق أهدافها،

- وعلمانية (دنيوية) الدولة،

- ومنافاة الإقطاع،

- والتطور الاقتصادي الحديث،

- وانتشار العلم والمعرفة،

- وأخيرا القضاء على القبلية والطائفية1.

على أن تكون هذه الشروط التأسيسية محكومة بفكرة الحرية، والوحدة، والثقافة الحضارية الحديثة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه لا يمكن للحركة القومية العربية المعاصرة أن تنتصر دون أن تدرك وتحلّ إشكاليات التحرر والاتحاد والحضارة2 . وفي الوقت نفسه ربط هذه الشروط والأفكار الكبرى بنوعية القادة السياسيين الذين ينبغي أن ترتقي عندهم الفكرة القومية وغايتها إلى مصاف الفكرة الصوفية. بحيث نراه يتكلم عما اسماه بالحاجة للصوفية القومية. وكتب يقول، بأنه "إذا كان لابد من صوفية قومية في قلوب القادة وفي نفوس الشعب، فلتكن صوفية تضع القومية في نظامها الحضاري، أي كل ما يساهم في خلق إنسان عربي أقدر وأرقى ومجتمع متحرر"3 .

إن رفع الفكرة القومية إلى مصاف الفكرة الصوفية، يعني ضرورة تجريدها التام عما سواها. وهي الفكرة التي شاطرها الفكر القومي العربي الحديث عند مختلف شخصياته. وقد يكون الموقف من الدنيوية (العلمانية) هو محكها النظري والعملي المباشر. فقد كتب قسطنطين زريق منذ وقت مبكر في (الكتاب الأحمر) بأن الدولة العربية المنشودة دولة قومية لا دولة دينية، والأديان عندها هي سبيل المرء إلى خالقه في العبادات، فهي مصونة ومحترمة وفق ما يرد عنها في القوانين. ونعثر على نفس الفكرة بعد تدقيق جوانبها لاحقا عندما كتب يقول، بأن العلمانية ليست معاداة الدين والروحانية، أي "إنها لا ينبغي أن تتعارض مع الدوافع الروحانية أو الكفر بالله"4 . إن العلمانية (الدنيوية) ضرورية للقومية بحد ذاتها. وأعتقد زريق، بأن القومية علمانية بالضرورة. ووضع ذلك في استنتاج ملزم يقول: "إن القومية والأمة ينبغي أن تؤسس وتستند إلى ذاتها، أي أن تكون أمينة لذاتها وللقومية، بمعنى العمل بمنطق القوى التي أوجدت القومية في العصر الحديث"5 . وبما انه لا يمكن للقومية أن تنتصر دون تجانس تطورها لهذا "يستلزم كأول شرط علمانية الدولة"6 .

لم يكن هذا اليقين الجازم بصدد علاقة الدنيوية والقومية، سوى الوجه الآخر للرغبة الجامحة في تذليل بقايا البنية التقليدية في الوعي. وذلك لأنه لا إلزام منطقي ولا واقعي ولا حتمي لهذه العلاقة. فقد كانت هذه المرجعية جزءً من تقاليد التجربة الأوربية. كما أن التجربة الأوربية لم تذلل في الواقع العلاقة الخفية بين الديني والدنيوي بهذا الصدد. فصعود القومية، على الأقل في ميدان النزوع الأورومركزي والكولونيالي، كان وثيق الارتباط بالتراث الديني من حيث التمثل والاستغلال والتوظيف والتطويع. غير أن آراء قسطنطين زريق ومواقفه وأحكامه بهذا الصدد كانت تتمثل رحيق الفكرة القومية المجردة، والرغبة في تجسديها بوصفها فكرة منطقية. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة النظيفة واللطيفة لبقايا وآثار الرؤية الأيديولوجية وأوهامها التاريخية الخلابة للعقل والضمير.

القومية والفكرة العقلانية

أوصل التحليل التاريخي واستشراف الواقع وآفاق العالم العربي الحضارية قسطنطين زريق إلى استنتاج مهم ألا وهو ضرورة العقلانية. ولا يغير من قيمة هذا الاستنتاج كونه كان أقرب إلى الحدس منه إلى منظومة فكرية لها حدودها الخاصة. فعندما تطرق إلى حالة العالم العربي المعاصرة له، فأنه اعتقد أن ما يميزها هو هيمنة الفكرة والحالة الثورية. ومن ثم لم يقف بالضد منها بقدر ما دعا إلى مهمة تحويلها إلى "ثورية عقلية"، أي ثورية تتخذ من العقل دليلا لها. لأن العقل هو الأكثر ثورية في التاريخ، كما يقول قسطنطين زريق. وبالتالي، فإنَّ استمداد هذه الثورية لروحها من العقل يجعلها الأكثر ثورية. وذلك لأنه يحررها من قبح الغوغائية والأهداف الآنية. إذ تكمن فيها ما اسماه قسطنطين زريق بضمانة الثورية اللازمة للشعوب العربية. بعبارة أخرى، إن "العقلانية" هي التي ينبغي أن تكون مضمون الثورية العقلية. ووضع هذا الاستنتاج في قوله "لا ندحة للعرب إن أرادوا النجاة والفوز في معركة الحضارة التي هي مصدر المعارك الأخرى ومحورها، من أن "تتعقلن"7 .

ووضع هذه الحصيلة في فكرة أوسع تقول، بأننا بالعقلانية ندرك أن مشكلتنا الأولية هي التخلف. وبها نقدم على محاسبة النفس، وعبرها يمكن السير في مضمار التحضر (التقدم). ذلك يعني انه حاول أن يعطي للعقلانية الثورية بعدها المناسب من خلال إبراز وإفراز أولوياتها النظرية والعملية. إذ لكل قومية وحضارة وتاريخ خصوصيته. فعندما تطرق، على سبيل المثال، إلى ما اسماه بطغيان الحضارة الغربية، فإننا نراه أيضا يكشف عن مبادئها الجوهرية، التي شكلت مصادر إيمانها ومعتقداتها وهي: الإيمان بالعالم الطبيعي وبأنه العالم الحقيقي، وأن الإنسان أهم كائن في هذا العالم الفعلي، ومبدأ العقل8 . مما حدد بدوره موقفه من الحكم على الحضارة الغربية. ذلك يعني أنه نظر إليها عبر جوهرية المبادئ الفاعلة والمحدد لكثير من خصالها، وليس من خلال ما يبدو على سطحها من مظاهر الاقتصاد والسياسة وغيرها. لقد حاول البحث عن مبادئ مرجعية فوجدها في ما أشار إليه. لكنه في الوقت نفسه اعتقد، بأنَّ انجازات الحضارة الغربية والمادية منها بالأخص تعاني من مفارقات عديدة. ومن بين اشد مفارقاتها إثارة بهذا الصدد اثنتين، الأولى وهي مفارقة التطور العلمي التقني والنظم السياسية والفكرية، والثانية هي مفارقة التطور العلمي التقني والأخلاقي.

مما سبق يتضح، بأن قسطنطين زريق أراد القول، بأنَّ لكل بديل عقلاني مقدماته الفكرية ومبادئه الكبرى وقواعده، أي كل ما يشكل أولويات عقله النظري والعملي. والأولويات التي ينبغي أن تختارها العقلانية الثورية العربية تقوم في مواجهة تحديات التخلف من خلال قواعد كبرى حصرها في سبع وهي:

- مصارحة النفس ونقدها بوصفه دليلا على النضج وبرهان على القدرة والثقة بالنفس،

- والحاجة إلى فيض من التوق الحضاري،

- وإيمان بالعقل وتوق إلى الحقيقة،

- والتطلع والتشوف للمستقبل،

- واكتساب الذهنية المنفتحة،

- وتنمية الثروات الطبيعية والقدرات الإنتاجية،

- وأخيرا العقلية الثورية 9.

وليست هذه المبادئ أو القواعد الكبرى للأولويات سوى الصيغة الايجابية لنقد الحالة العربية. فعندما تناول مقدمات النكبة والأسباب القائمة وراء هزيمة العرب آنذاك أمام بني إسرائيل، نراه يشير إلى أن السبب الجوهري يكمن في كون "مجتمعنا العربي والمجتمع الإسرائيلي الذي نجابهه ينتميان إلى حضارتين مختلفتين أو إلى مرحلتين متفاوتتين من مراحل الحضارة. وهو السبب الأساسي لضعفنا على كثرة أعدادنا وتفوقهم على قلة عددهم"10 . ذلك يعني أن مصدر التخلف بالنسبة له يكمن في فكرة المستوى الحضاري للمعاصرة ومقوماتها الأساسية وهي العلم والعقلانية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن تفوق الحضارة الحديثة يقوم أساسا على انجازاتها العلمية النظرية والتطبيقية. وبما وراء هذه الانجازات من عقلانية متطورة11 . وبما أن العلم هو مصدر القوة في كل شيء بما في ذلك القوة الاقتصادية والسياسية، فإن السؤال المتعلق بكيفية حل هذه المشكلة في العالم العربي يفترض "قلب المجتمع العربي قلبا جذريا سريعا من مجتمع انفعالي توهمي ميثولوجي شعري إلى مجتمع فعلي تحقيقي عقلاني علمي"12 .

إننا نقف هنا أمام تحديد شكلاني شديد ومكثف لمتضادات ثنائية كبرى وهي ثنائية انفعال– وفعل، أوهام – وتحقيق، أسطورة – وعقلانية، شعري – وعلمي. وبغض النظر عما في هذه الصيغة من تبسيط مباشر وراديكالية مشحونة بحالة النكبة الثانية (1967) إضافة إلى استنتاجاتها السياسية ومقارناتها الحضارية المتسرعة المحكومة بأثر الهزيمة، إلا أنها تحتوي على نبض الفكرة الداعية للخروج من واقع الأزمة أو التخلف إلى ميدان الحداثة الحقيقية. وبهذا يكون قسطنطين زريق قد حاول جعل الفكرة التاريخية فكرة مستقبلية. وفي الوقت نفسه نظر إلى المستقبل بوصفه مشروعا بديلا بمعايير العلم والحداثة. وبهذا يكون قد سعى لإدراك التاريخ الذاتي بوصفه تاريخا واقعيا وعقليا يفترض البحث عن حلقة الربط بين الحداثة والمستقبل. ووجد هذه الحلقة في الرؤية الواقعية والعقلانية المتسمة بالاعتدال.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص203.

2- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص204.

3- قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص393.

4- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص37.

5- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص38.

6- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص203.

7- قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص411.

8- قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص355-356.

9- قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص388-411.

10- قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، بيروت، دار العلم للملايين، 1967، ص13.

11- قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص13.

12- قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص17.

 

 

مجدي ابراهيم(نقائض التصوف): (1)

تعرض التصوف لهجوم ناقد من قبل البعض بغير منهج يقوم على الموضوعية وكشف جوانب الإيجاب والسلب، ولم يتسو النقد على أسس علمية تضع التقييم في مقدمة أولوياتها. ولكن بدا نقضاً في غير ما مبرر علمي يتسند عليه. 

على أن النقد لا يعني الهدم والتقويض بمقدار ما يعني البناء والتقويم. والأصلُ في النقد (critics) فلسفيّاً، وبالتالي منهجيّاً، هو قبل كل شيء: اعتراف الناقد بمحدوديّة تفكيره. والقول بحصول هذا التفكير ضمن أطر تقيد عملياته وتخضع عملية التفكير ذاتها لمراجعات صارمة، بمعنى خلخة اليقينيات الثابتة وإعادة بنائها المعرفي بمقدار إعادة النظر فيها مراجعة وتصحيحاً. وعليه؛ فمن يفهم من النقد معنى الهدم يتجرّد عن العلم وتغيب عنه الموضوعية؛ وبخاصة إذا كان المنقود "حالة" فوق عطايا الإدراك المحدود. فماذا عساك قائلاً إزاء من يتصوّر: " أن الصوفية في خبراتهم التي توصلوا إليها وكشوفاتهم التي غمرتهم فيها حالاتهم الروحية لم يتزودوا بأية بينة توضح طبيعة (الاتحاد) الذي حققوه، ولم يتوصلوا إلى معرفة الله ولا العالم، ولا أي شيء، كل ما حصلوا عليه أو غنموه هو (انفعال) بطّال أو عطلان، لا ينتهى إلى شئ سوى أنه حالة من حالات العقل والشعور، ولا شيء آخر؟ أو أن الصوفية تضع في مقدمة مبادئها محق الشخصية الفردية والقضاء عليها؛ وأن العشق الإلهي يعني أن نتجاوز عواطفنا وننفعل بعاطفة غامضة الاتجاه، تنتهى دائماً إلى استغراق في عبادة الذات، وأن الله (سبحانه وتعالى) مجرد عاطفة غامضة. والتوجه إليه توجه هُلامي! وأن التصوف بهذا المعنى المثالي يسعى إلى غرس مشاعر الكراهية للحياة والناس (راجع: إحسان الملائكة مقدمة كتاب (جلال الدين الرومي صائغ النفوس)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2015م؛ ص 17 -19).

ماذا عساك صانعاً أمام من يصوّر هذا أو مثله؟ وهو هدم ليس هو بالنقد، يتخذ من النقد وسيلة هجوم وتبرئ واستعلاء ولا يتخذ منه وسيلة تقييم أو تقويم؛ فهو يخرج عن إطار العلم ويدخل في أهواء لا يقرها العلم بحال، ونحن لا ندرى كيف يكون هذا كله ومبادئ التصوف قائمة بالتقرير على الدعوة إلى التسامح واحترام جميع معتقدات البشر، ورفض التحيز العرقي، والتحرر من التزمت الديني والتعصب الأعمى.

ثم يحذرنا أحدهم ويشدّد في تحذيره: من الانسياق وراء العبارات البرَّاقة التي ينقلها مؤلف الكتاب عن مشاهير الصوفية، ويأتي تحذيره هذا في إطار قناعاته التي يريد أن يَفْرضها علينا صَاغرين. عنده أن ليس ثمة داع يدعو للإسهاب في القول بأن التصوف ما كان، ولن يكون أبداً، على ما يعتقد، هو طريق الخلاص من وضعنا المتردي .. فهو طريق - في نظره - استسلامي يشجع على استكانة المشاعر وانهيار القوى في وقت نحن فيه بأمس الحاجة للروح الوثابة والمشاعر الثائرة والفكر النير والحلول التي تخلصنا من مشاكل التخلف التي نَرْزَح تحت وطأتها صباح مساء (د. عدنان عباس علي في مقدمة ترجمته لكتاب تور آندريه: التصوف الإسلامي، منشورات الجمل، ألمانيا، الطبعة الأولى، سنة 2003م، ص 5).

ومن الغريب أن هذه الصفات الأخيرة التي ومضت في عقل مترجم الكتاب والتي يَرُصَّها لفظاً ميتاً بغير معنى هى في الأصل من العمل الحي للتصوف ومن فاعليته الكبرى؛ فالروح الوثابة، الحرة، الطليقة، والمشاعر الثائرة والفكر النير هى في الواقع صفات الصوفي الحقيقي الذي لا يعرف للخمول ولا للاستكانة طريقاً، بل هِجِّيره العمل، وديدنه الجهاد في سبيل مطلوبه، فلا يهدأ الصوفي أبداً إلا أن ينال ما يريد. لكن الفرق بينه وبين غيره من أصحاب الإرادات أن مراده غير مرادات الذين غرقوا في الواقع الوحل المتردي، فانهارت قواهم على التصدي له فلم يَتَقدَّمُوا في إصلاحه ولا حتى ترقيعه قيد أنملة؛ بل كلما رقعوه تمزق منهم، ولا يَزَال مع التمزق حتى مَزَّقَ؛ بشراهتهم عليهم؛ نفوسهم وقلوبهم حسرة على الضعف والتردي والشره المادي اللعين.

 وتلك لا شك رؤية -  فضلاً عن كونها طامسة للحقيقة متعالية عليها - تكشف من الوهلة الأولى عن ظلمة الوعي وضيقه وتحجُّره في العقول التي تتخذ مواقف مُعَادية للتصوف بل مُعَادية لنفسها؛ لأنها تأتي ضد نفسها: ضد وجودها الروحي بمقدار ما تجيء ضد حقيقتها الأصلية التي يمُسَّها التصوف ويشتغل عليها، ويكشفها لصاحبها - إذا أرَادَ - في جلاء ووضوح وطمأنينة ويقين.

إنما الوعي الصوفي ليَتَجَوْهَر عندنا في تلك الذائقة الروحية الفريدة، وإنه ليتحدد في مثل هذا الإدراك الذوقي الكشفي لغةً وتعبيراً وإشارةً؛ ذلك الإدراك الذي يؤهل صاحبه للاتصال بالله تعالى اتصالاً يقوم فيه الوعي بالتوحيد عاملاً وفاعلاً؛ لتتحقق أسمى آيات التذوق للفكرة الإلهية؛ يعيشها حياة ويوظف سلوكه وفق ما يَفْقَه منها على منهج يَسْتَنَّهُ ويترقى به على الدوام؛ مَادَاَمَ تَرَقْيهُ إليها مشروطاً بصفاء البصيرة والإلهام وبالنقاء الروحي (Spiritll purification).

هذه الملاحظة مع بساطتها وتواضعها قد تكشف بالقطع عن أصالة الوعي الصوفي؛ وهو وعي عالي وليس بالعادي، وعن تفرُّده، وعن امتلائه بفيض المعنى وغزارة الوجدان، وعن خصوصيته الشاملة المحيطة، وعن تمايزه واختلافه عن منهجية النظر المجرَّد المحدود أو العقل المسطح الذي لا يَتَحَرَّر عن مقولاته بل يظل يَتَعَبَّدْ في محرابها صباح مساء. إنمَّا الوعي الصوفي هنا لهو وعيُنا بالحقيقة الأصلية؛ أعني وعينا بالوجود الإنساني على صفته الجوهرية الباقية الدائمة: حقيقته الجوهرية.

ثم بالصدفة العارضة لا القصد المباشر وقع بصري على صفحات من كتاب مجهول (عبد الله شريط: الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون؛ ص 524 – 525). كتب صاحبه تحت عنوان جهودنا اليوم للتخلص من أضرار التصوف؛ ولسوف نورد عبارات الكاتب بلفظها ونصها؛ لأنها تعبّر في الغالب عن وجهات نظر عدائية ضد التصوف:" إنّ عقول مجتمعاتنا اليوم ومنذ عصر ابن خلدون، تزخر بهذا الفكر الخرافي الذي كان نتيجة مباشرة للفكر الصوفي، والذي أدى بها إلى الاستسلام عن مقاومة كل ما يعترضها في طريق التقدّم، لأنها تعتمد على "البركة" في أن تقوم مقامها بهذه المقاومة. وأدبنا اليوم في المشرق والمغرب - هكذا يقول المؤلف - يحاول أن يعالج مساوئ هذا الإرث المسموم في عقول الشعب فلا يشق طريقه إلا بصعوبة، ورجال الدين أنفسهم أو بعضهم على الأصح هالهم ما أصبحت عليه شعوبهم من عودة إلى الفكر الجاهلي الصميم، كأن لم يمر عليهم الإسلام إلا مروراً من خارج، ولم يلامس أرواحهم بأشعته التحريرية فأهملوا كل الآثار الدينية والأحاديث المنتحلة التي كان يعتمد عليها المتصوفة وفي مقدّمتهم الغزالي لتبرير حركة التصوف، وراحوا في مقابل ذلك لأوّل مرة منذ العصر العباسي، يحاولون بعث الفكر الاعتزالي المعتمد على العقل والمناوئ للفكر الغيبي الذي كان أساساً للفكر الصوفي والفكر الخرافي المشئوم، أو يتبني بعضهم الآخر الفكر السلفي أو فكر ابن تيمية كالحركة الوهابية في الحجاز أو الحركات الإصلاحيّة في مصر والشام والجزائر ممّن تمكنوا من الاستضاءة بأضواء الفكر العلمي الحديث، وقارنوا بين ما تتخبط فيه شعوبهم من شلل عام وما تزخر به الشعوب المتقدّمة من حيويَّة وحركة وإنتاج. وهذا بالإضافة إلى ما آل إليه الفكر الصوفي على يد أغلب حركاته وطرقه من خيانات سياسية وتعاون مع العدو ضد مصالح شعوبهم، باستثناء بعض الحركات القليلة كزاوية محيي الدين والد الأمير عبد القادر في الجزائر، أو الحركة السنوسيَّة في ليبيا، وبعض الشخصيات القليلة الأخرى في مصر وسوريا، وهى حركات أو شخصيات بلغت من الندرة، بالنسبة للحركات الأخرى، ما جعلها فعلاً استثناءات تؤيد القاعدة العامة".

تلك هى نقائض التصوف فيما جرت به كلمات هذا الكاتب على العسف والتهور والغرور، والخلو من الموضوعيّة والحياديّة في البحث وتحميل التصوف مسئولية تخلف المسلمين، ثم إنكار حقائق التاريخ؛ وأوْلها فيما يبدو؛ خلطه الشنيع في المنهج بين التصوف وعلم الكلام، فهو إذا كان يريد بعث الفكر الاعتزالي القائم على العقل، فإن التصوف محور آخر قد يُكمّل لدى العقول العارفة بدوره محور العقل؛ فالعقل والروح جانبان لا يتضادان بمقدار ما هما لا يتناقضان بل يتكاملان، وقد ينفصل عنه ويراه البعض شيئاً آخر لا يقوم على العقل بمقدار ما يقوم على التجربة الذوقيّة، فالجدل والبرهان وعقم الإدراك قوانين لا محل لها في التصوف، والخلط بين منهج المتكلمين الجدلي الخطابي ومنهج التصوف الذوقي الوجداني خلطاً عشوائياً بغير الدخول في تفاصيل معرفيّة يكشف عن قلة عناية الكاتب بما لديه من بضاعة علمية خالية الوفاض سواء في التصوف أو في علم الكلام.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

ميثم الجنابيفكرة الأصالة القومية

أعطى قسطنطين زريق للأصالة أبعادا فكرية أولا وقبل كل شيء، باعتبارها اجتهادا ذاتيا. من هنا دعوته إلى تنقية الكيان الذاتي وتأصيله. وكتب يقول، "يجب أن نهتدي في حل مشكلاتنا وبناء حياتنا الحاضرة وإعداد مستقبلنا (وبصورة خاصة) في تنقية كياننا الذاتي وتأصيله واغنائه. هذا الكيان الذي هو السند الأخير والجوهر الباقي لأية خطة نختطها، أو أي نظام ننشئه، أو أية قومية نبعثها"1 . وبغض النظر عن الطابع الإنشائي والدعائي لحد ما في هذه العبارة إلا أنها تحتوي على هاجس وباعث عميق يقوم في سعيها لتأسيس الهوية الثقافية وتأصيلها بوصفها قاعدة كل بديل حقيقي.

وضمن هذا السياق تراكمت وتبلورت رؤيته القومية. فقد مرت الفكرة القومية عنده عموما بمرحلتين، الأولى وهي المرحلة السياسية الأيديولوجية، والثانية هي المرحلة الفكرية النظرية. لكنهما تلازما من حيث الهاجس والهموم والغاية. ومن الممكن رؤية مضمون ومظهر المرحلة الأولى في (الكتاب الأحمر)، والثانية في مؤلفاته الفكرية السياسية والفلسفية التاريخية اللاحقة مثل (نحن والتاريخ) و(هذا العصر المتفجر) و(في معركة الحضارة) و(معنى النكبة مجدداً) و(نحن والمستقبل). وما بينهما كانت تتبلور ملامح الرؤية النقدية وصيرورة الفكرة القومية بوصفها رؤية تاريخية ثقافية مستقبلية كما هو الحال في كتبه (معنى النكبة) و(أي غدٍ).

ففي (الكتاب الأحمر) نعثر على ما يمكن دعوته بالدستور السياسي للفكرة القومية العربية. من هنا كثرة "مواده" التي تحدد ماهية الفكرة العربية، والقومية العربية، وماهية العرب والعالم العربي، ومختلف المواد "العملية" الداعية للتنظيم والجهاد الحشد والإيمان وغيرها، إضافة إلى طبيعة الدولة القومية وعلاقة الديني والدنيوي (العلمانية) وما إلى ذلك. إذ نقف هنا أمام تحديد سياسي أيديولوجي يعتبر الفكرة العربية قضية كبرى. وأنها تعبير عن الحركة الساعية للتحرر من الاستعمار والاستعباد والفقر والجهل وسائر ضروب الوهن. وإنها الفكرة الداعية والساعية إلى تأسيس دولة عربية قومية قوية متحضرة تضمن صيانة وجودهم المادي والمعنوي، وترفع من شأنهم لأداء رسالتهم الإنسانية والحضارية.

أما ماهية القومية العربية فهي كل ما يجمع العرب من صفات ومميزات وخصائص جعلت منهم في مجرى الزمن أمة واحدة. وأدرج فيها الأرض (الوطن)، واللغة، والثقافة، والتاريخ، والمطامح، والآلام، والجهاد المستمر، والمصلحة المادية والمعنوية المشتركة، باعتبارها العناصر الأكثر جوهرية. وإن هذه القومية ليست وليدة الحاضر، بل لها تاريخها العريق في الشعور والوعي. وقد كانت مصدر صعودهم التاريخي، وبالتالي هي مصدر نهضتهم الحديثة أيضا.

أما العربي فهو كل من يتكلم العربية ويعتبرها لغته الأم وينتمي إليها طوعا. والبلاد العربية هي جميع الأراضي التي يتكلم سكانها اللغة العربية. ويحدها شمالا جبال طوروس والبحر المتوسط، ومن الغرب المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، ومن الجنوب بحر العرب وجبال الحبشة وصعيد السودان والصحراء الكبرى، ومن الشرق جبال تشتاكو والبختيارية وخليج البصرة. أما الجزر القريبة من الشواطئ العربية والتي يسكنها العرب فهي عربية. من هنا رفعه لفكرة الانتماء العربي إلى مصاف المرجعية الكبرى وتحريم كل ما يتناقض معها من طائفية وعنصرية وطبقية وإقليمية وقبلية وعائلية وأشباهها. من هنا أهمية العمل من اجلها بغض النظر عن المكان والحالة الاجتماعية والانتماء الفكري والسياسي. مما يستلزم بدوره تنوع أساليب العمل وتوّحد غايتها. مما يحدد بدوره أهمية التنظيم والتنسيق من اجل بلوغ الوحدة والدولة القومية الحديثة والتقدم الشامل.

لقد كانت هذه الصيغة التعبير الوجداني السياسي الذي يرتقي إلى مصاف الحدس القومي. بمعنى انه يعبر عن الحالة الوجدانية والرؤية السياسية الآخذة في النمو والتبلور تحت تأثير الصيرورة الجديدة للدولة العربية الجديدة ونمو فكرتها القومية الحديثة. وشأن كل صيرورة من هذا القبيل لا تخلو من تأثير التاريخ العريق المتغلغل في كل مسام الوعي التاريخي والروحي. من هنا محاصرتها الذاتية بين تاريخ واضح جلي وواقع لم ينتظم بعد. من هنا بدائل المستقبل الجلية، ومن ثم صعود الفكرة السياسية الأيديولوجية، بوصفها البديل الأكثر صلابة وثقة ويقينا وإيمانا بما ينبغي. لكن الصيرورة التاريخية عادة ما تتلذذ بمكرها العقلي مع فكرة الواجب واللازم لكي تصنع منهما مع مرور الزمن مقولات قابلة للتنظيم في بدائل أكثر واقعية وعقلانية. وعادة ما يبدأ ذلك بصعود الفكرة النقدية لينتهي بادراك الحكمة في ما جرى ويجري. ومن ثم وضعها في أساس الرؤية المستقبلية.

 

في نقد حالة الفكرة القومية

وقد تهذبت هذه الصيرورة الخشنة بالنسبة لقسطنطين زريق (أو هذا النمط من التفكير والفكرة) في مرحلة ما بين النكبتين (1948 و1967). وليس مصادفة أن تظهر أغلب كتبه النقدية وملامح الرؤية الفلسفية التاريخية بأثرهما. من هنا البحث في (معنى النكبة) و(أي غدٍ) نريد و(النكبة مجددا)، أي تبلور ملامح وعناصر ومفاهيم واتجاهات الرؤية النقدية ما بين أعوام 1948 -1967. الأمر الذي جعل من الفكرة القومية وجها آخر لهذه الحالة. ذلك يعني أن الحصيلة الفكرية الجديدة تكون قد مرت بدهاليز الرؤية السياسية والأيديولوجية بوصفها المرحلة ما قبل النقدية. إلا أنها مع ذلك لم تنف عناصرها الجوهرية الأولية كما هي. لقد جرى إعادة تأسيسها بمعايير فلسفة التاريخ. أو على الأقل انه جرى نقدها وتمحصيها وتأسيسها النظري بخليط من الفلسفة وعلم التاريخ الواقعي.

وليس مصادفة أن يأخذ قسطنطين زريق بالحديث عن "تاريخ" القضية القومية. فنراه يشير إلى أن الحركة القومية بدأت بفكرة الاستقلال السياسي وتوقفت عندها. بينما المهمة الجوهرية الآن تقوم في تحديد ماهية القضية القومية 2. فإذا كانت الفكرة القومية وحركاتها قد جسدت الكثير من الانجازات، وبالأخص دخول مصر العالم العربي بعد استقلالها، إلا أن القومية واجهت انكسار بعد النكبتين بحيث أصبح الشعار المرفوع هو "المطالبة بانسحاب القوى الإسرائيلية المحتلة". وحصر أسباب هذا الانتكاس في اثنين. الأول وهو انتشار وغلبة الفكرة الاشتراكية، والثاني هو ضعف المجتمعات العربية.

فقد وجد قسطنطين زريق في انتشار الفكرة الاشتراكية مظهرا من مظاهر انحسار الفكرة القومية الذي لم يكن معزولا عن ضعف وجود برنامج إصلاحي يهدف إلى فك القيود الداخلية ومكافحة الظلم الاقتصادي والاجتماعي. مع ما ترتب عليه من استعداد لقبول ومن ثم تغليب فكرة الصراع الطبقي على وحدة الأمة3 . أما السبب الثاني فيقوم في "أن القومية لم تظهر في المجتمعات البدائية" كما استنتج زريق. وبالتالي عجز الدعوة القومية عن أن تحدث في المجتمعات العربية التطور الاقتصادي والاجتماعي والفكري الذي يكفل لها البقاء والارتقاء، ومن ثم يتيح للولاء القومي التغلب على الولاءات الأخرى وأن يصهرها في ولاء شامل4 . (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنانبي

............................

قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص24

قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، بيروت، دار العلم للملايين، 1967، ص27.

قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص29.

قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص30.

 

 

ميثم الجنابيالثقافة التاريخية والفكرة القومية

 وجد زريق في "الثقافة التاريخية" القوة الفكرية والروحية القادرة على توحيد الشخصية الفردية والاجتماعية والقومية بمعايير الرؤية العقلانية والإنسانية. وذلك لأنها تشكل أساس الاختبار العقلي والنقدي لتجارب الأفراد والأمم والثقافات. فهو الأسلوب الضروري الذي يجعل من الذات الفاعلة والعاقلة جزء من كل حلقات السلسلة الضرورية للوجود الإنساني. من هنا حديثه عن أن هذه الثقافة تؤدي إلى أن يشعر المرء ويدرك نفسه باعتباره فردا وأبن أمة وعضو أسرة عالمية. ومن ثم يضعه ويضع المجتمع والأمة ككل أمام إشكاليات التقدم والحضارة والحرية والعقل والإنسان والكون وما وراء الكون، أي كل ما يشكل قضايا الوجود الإنساني العام. مع ما يترتب عليه من إدراك "ما له وما عليه، وما للأجيال السابقة واللاحقة" كما يقول زريق. وتنعكس في هذه الرؤية والمواقف شعور بالكرامة الظاهرية والباطنية، الفردية والقومية والإنسانية العامة. وليست هذه بدورها سوى الصيغة المعبرة عن رقيه ورقي الأمة الفكري والثقافي. فالشعور بكرامة الإنسان وحرمته هو من أبلغ الأدلة على رقي الفكر وأصالة الثقافة، كمال يقول زريق. ووجد في هذه الخاتمة المقدمة الضرورية لما اسماه بتقوية الأصالة الفردية والقومية والإنسانية. أما الحصيلة النهائية لكل ذلك فهو إرساء أسس الإطلاق والتحرر، أي الحرية والإبداع الأصيل.

إننا نقف هنا أمام حصيلة نظرية ومجردة عامة تقول، بأنه حالما تبلغ "الثقافة التاريخية" في موقفها وفهمها للتاريخ درجة معرفة النفس ونقدها، والتحرر من كل ما يقيدها بهذا الصدد والمسار، والعمل من أجل بلوغ غايتها المتسامية وآثارها المنشودة في فهم الحياة وحقيقتها، حينذاك تصل إلى درجة "حكمة الثقافة التاريخية نفسها"[1]. ولا يعني هذا بدوره سوى جوهرية الوعي التاريخي الذي يرتقي إلى مصاف الإدراك العقلي الشامل لإشكاليات التاريخ، بوصفه إدراكا عقلانيا وعمليا.

فمن الناحية الظاهرية لا يعني الوصول إلى "حكمة الثقافة التاريخية" باعتبارها ذروة "الثقافة التاريخية"، سوى الوجه المباشر لفقدانها في الوعي العربي التاريخي العام والقومي الخاص. لكنها في الوقت نفسه مؤشر على ضرورتها بالنسبة للوعي القومي وتحدياته لمختلف إشكاليات التقدم والحضارة والحرية والعقل والإنسان والكون وما وراء الكون، ومن ثم إشكاليات الحضارة ككل. ومن حصيلة هذين الجانبين يمكن التوصل إلى أن الفكرة المتحركة في رؤية قسطنطين زريق للتاريخ والثقافة التاريخية والحكمة ليست إلا الحلقات الضرورية في الكشف عن حلقات أو أسباب الخلل في الكينونة العربية القومية الحديثة.

إن فقدان هذه الحلقات بوصفها سلسلة واحدة في الوعي النظري والعملي هو الذي أدى ويؤدي إلى تراكم النكبات وعدم الخروج منها. الأمر الذي يجعل من فقدان "الثقافة التاريخية" الحقيقية وبالتالي عدم بلوغ حكمتها، الوجه الآخر لفقدان الوعي التاريخي الفعلي بالمعاصرة، أي فقدان الإدراك الشامل لمعنى وحقيقة الحضارة الحديثة والعيش والعمل والإبداع بمعاييرها. من هنا استنتاجه النظري والعملي القائل، بأن "تكوين هذه النظرة الحضارية عند الشعوب العربية يساعدها على إدراك المعاصرة ومواجهة تحدياتها"[2]. ذلك يعني، أن القضية الحضارية من وجهة نظر زريق هي الوجه الآخر لقضية الحكمة العقلية للثقافة التاريخية. وهذان بدورهما ليس إلا وجهان متحركان لغاية الفكرة القومية الحديثة وفاعليتها الذاتية أو التلقائية. وبالتالي، فإنهما وجهان لقضية الأصالة بوصفها وعيا تاريخيا قوميا ذاتيا.

 الفكرة القومية وقضية الأصالة والحداثة

 توصل زريق في مجرى تحليله لهذه القضايا والجوانب والمستويات إلى انه متى كانت الحضارة حية ناشطة، كما كان الحال بالنسبة للحضارة العربية الإسلامية على سبيل المثال، جاء تفاعلها مدعاة للنمو والإثمار. وبالعكس متى كانت الحضارة ضعيفة أو منحلة، كما هو الحال بالنسبة ط"للعالم العربي الحديث وغيره من المناطق، فإنَّ "أثر المفاهيم الجديدة يزيد من انحلال الحضارة، وقد يؤدي إلى زوالها"[3]. وليست هذه النتيجة سوى الصيغة النظرية المبنية على أساس تأمل ونقد الحالة التاريخية للعالم العربي الحديث في ما يتعلق بإشكالية الأصالة والتقليد. غير أنها مرفوعة إلى مصاف الأبعاد العقلانية الشاملة للقضية القومية الحديثة.

لقد أراد قسطنطين زريق القول، بأنَّ إشكالية القومية العربية الحديثة هي إشكالية الأصالة. وأن إشكالية الأصالة هي إشكالية الوعي التاريخي، وأن إشكالية الوعي التاريخي هي إشكالية حضارية. وبالتالي، فإنَّ إشكاليات القومية العربية الحديثة هي إشكالية الحداثة في فهم الأصالة والتاريخ والحضارة. لكنها حداثة الوعي الذاتي أولا وقبل كل شيء، أي أصالة الفكرة القومية بوصفها وعيا تاريخيا حضاريا جديدا. ووضع هذه النتيجة في مقدمة إدراكه لقيمة وأهمية تحديد ماهية فكرة الحضارة بالنسبة للعالم العربي.

إن وضع إشكالية الحضارة في أساس الرؤية التاريخية يحتوي على محاولة وضع فكرة "الأصالة" القومية في إطارها الفلسفي الثقافي. من هنا فكرة زريق عن أن قضية الحضارة هي القضية الكبرى في عصرنا، بل وفي كل عصر، لأنها الحيز الذي تنبثق منه وتنتظم فيه مختلف القضايا القومية والإنسانية[4]. وبهذا تصبح فكرة الحضارة التجلي الأكثر نظاما وقيمة بالنسبة للرؤية التاريخية. وحاول زريق تأسيس ذلك من خلال الفكرة القائلة بنفوذ الحضارة إلى عالم القيم. بمعنى أنها تنفذ إلى عالم القيم، التي بمساعدتها يمكن مواجهة مفاهيم أساسية مثل التقدم، والحرية، والكسب العقلي، والإبداع الفني، والخير الفردي والجماعي، وما إلى ذلك. من هنا أهمية وقيمة "النظرة الحضارية" و"التفّهم الحضاري"[5]. إذ بدونها يستحيل إدراك المعاصرة ومواجهة تحدياتها الحاضرة والمستقبل. أما مقاييس هذه النظرة الحضارية والتفهم الحضاري، فقد أرجعه قسطنطين زريق إلى ما يمكن دعوته بالعقل المبدع أو الخلاق. بمعنى أنه سعى إلى رفع معايير الثقافة التاريخية إلى مستوى أوسع قادر على شمول الميادين الكبرى للحضارة بشكل عام والمعاصرة بشكل خاص. وحصر هذه المقاييس بكل من القدرة التقنية والقدرة النظرية (من المعرفة المكتسبة)، والإبداع الأخلاقي والإبداع الجمالي (من دين وفلسفة ونظم مؤسسات وآداب وفنون)، والحرية الفكرية وانتشار المكاسب، والإبداع والتحرر[6].

ووجد في القدرة التقنية، والذخيرة العلمية الخالصة، والقيم الخلقية، والابتكار الفني والأدبي فروعا لأصل واحد، أو مظاهر لعقل واحد هو الإبداع. بحيث جعل من الإبداع تعبيرا عن التحرر ومقياسا له في الوقت نفسه. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الإبداع بمقدار التحرر، وثمرته الكرامة. وبهذا يكون قسطنطين زريق قد جعل من حلقات الإبداع – التحرر– الكرامة سلسلة الدورة الدائمة لحقيقة الحضارة الحالية وعقلها الفعال.

وعندما حاول تطبيق ذلك على العالم العربي وموقعه في الحضارة العالمية ومواجهة تحدياتها، نراه يعتبر مشكلة التخلف هي مشكلته الأولى. ولعل ضآلة السيادة على الطبيعة ومواردها، وهزال التنظيم الاقتصادي والاجتماعي المظاهر الأكثر جلاء لها. وأعتبر كل ذلك نتاجا لركود العقل وفقدان الفضائل الفردية والاجتماعية التي تكونت في التراث العربي الخاص[7]. بمعنى أنه نظر إلى نقد الذات من خلال إدراك العُقد التي تعيق التحرر الفعلي الشامل، باعتباره الأسلوب الضروري للتقدم والرقي الحضاري. لكنه أبقى في الوقت نفسه على جوهرية ما يمكن دعوته بالمعاناة الذاتية القومية في البحث عن وسائل وطرق ومستويات ونوعية الرقي الحضاري. من هنا يمكن فهم موقفه المعارض للفكرة القائلة بالدوران المطلق للحضارة. وكذلك موقفه المعارض للفكرة القائلة باتجاه الحضارة نحو غاية معينة تقدميا أو رجعيا. ووقف إلى جانب الفكرة الوسط القائلة، بأنَّ "التاريخ يعيد نفسه بمعنى، ولا يعيد نفسه بمعنى آخر"[8]. وليس ذلك في الواقع سوى الصيغة المعبرة عن محاولاته للجمع بين فكرة الأصالة والعقلانية.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص173.

[2] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، بيروت، دار العلم للملايين، ط4، 1981، ص21. الطبعة الأولى عام 1964)

[3] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص140.

[4] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص7.

[5] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص18-19.

[6] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص260-286.

[7] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص389.

[8] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص168-169.

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (7)

إن الإنسان يولدُ على صفحة التعادل بين الإيمان بإله والجهل بذلك في محطة اسمها (اللاأدرية)، ولكن ميلَهُ الداخلي الذي يتحدى كل ممانعته كانَ إلى الإيمان، وهذا ما جعله يبحثُ دائماً عن سندٍ  يواجه به خوفه من نفسه ومن الكائنات حوله وهو الإله بواسطةٍ هي الدين في طريقةٍ وزع بها رجاءه على أكثر من إله لأكثر من ظاهرة وعلى نحوٌ عَدَد فيه الإله الواحد على آلهةٍ. وإستناداً إلى هذا الميل الداخلي إلى الإيمان سنناقش الكيفية التي يُحقِقُ بها الإنسان هذا الإيمان.

الإيمان في نظرة المدارس النفسية: إن مدارس علم النفس المختلفة ومنذ نضوجها وإعتمادها خطاً خاصاً بكل منها لم تغفل إعتقاد الإنسان وعلاقته بالكون. إنها  حاولت أن تُفسر هذه العلاقة لأنها وجدت أن مسيرة الإنسان المتمثلة في عقله وعواطفه وسلوكه لا تكتمل ما لم يكتمل الجانب العقيدي.

نظراً لاختلافها عن بعضها في فحص هذه العلاقة فإننا سنشير إلى طريقةِ  كُل من ثلاث مدارس كبيرة في هذا العلم بما يخص إيمان الإنسان بالرب الذي يؤمن به وبقدرته، ونعني بها:

أ‌- المدرسة السلوكية

ب‌- مدرسة التحليل النفسي

ج- مدرسة الجشتالت (المدرسة الشكلية)

أ‌- المدرسة السلوكية: إنطلاقاً من قانون هذه المدرسة الذي يقوم على التعلمLearning  بأنواعه: التطبيعيConditioning، والملاحظات  Observational، والمقارن Comparison، يُنظر إلى الإيمان فيها بأنه نوع من التعلم، شأنه شأن أية حقيقة تدور حول الفرد وتُلح عليه في ضرورة معرفتها. وعلى وفق هذا النوع من الإيمان يُصبح الفرد متلقياً لإيمانه من مرشد آخر أو مُعلم كثيراً ما تقوم الأسرة بتمثيله.

هنا يُصبح الفرد في إيمانه تابعاً لغيره وطريقته في تعليمه إياه. وفي الدين الإسلامي يُشير الرسول الكريم محمدﷺ  إلى أن الفرد يُولد على الفطرة، إنما أبواه هما اللذان يُهودانه أو يُنصرانه.

هذا الحديث الكريم لا يُشير إلى الإيمان موضوعاً بحد ذاته إنما يُشير إلى الطريقةِ التي يُعلمُ بها الفرد طريقة وصوله إلى هذا الإيمان وهي الدين، تبعاً لدينين سماويين كريميين هما اليهودية والمسيحية، سبقا الإسلام ظهوراً.

وعندما يُشير هذا الحديث إلى الآلية في تَعلم الدين إرتقاءاً إلى معرفة الله، يفترض أن التعليم يبدأ في الصِغَر (ربما هذا فهمي المتواضع للحديث الكريم) ولكننا نطمع أكثر في تفسيره أو تأويله فنشير إلى هذا التعلم (من مُلقِن إلى مُلَقَن) لا يمنع الفرد لاحقاً من الإنقلاب على ما سبق أن تعلمه مُمثَلاً في تغيير الفرد دينه في كِبرَه.

إن هذا يحدث دائماً (قليلاً أو كثيراً) ليُوضح لنا حقيقتين لا مناص من ذكرهما:

1- حياتية موضوع الإيمان الذي لا يتغير حتى لو تغير الدين.

2- حياتية الدين في قبول إنتقال الفرد إلى دين آخر لأن موضوع الإيمان يعتمد على المجتوى أكثر من إعتماده على الآلية أو الكيفية عن الإطار النهائي لمفردات الإيمان.

إن سؤالاً  عن الذي قلناه جديرٌ بالظهور: هل يعني مفهوم هذه المدرسة عن طريقة نشوء الإيمان أن الإنسان آله صماء يتم تصنيعها وتصديرها إلى العالم الخارجي كيفما  أراد المُصنع؟ إجابة عنه نقول: أن تعليم الإنسان الفكر يختلف عن تعليم الإنسان السلوك.

فالسلوك ناتج من نتائج الفكر، والمُفكر (أساسُه التفكير) قابلٌ للتغير بسهولةٍ تفوق ثوابت السلوك. هنا تبرز حقيقة  أن الإنسان وعلى الرغم من تصنيعه في المدرسة السلوكية يظلُ مالكاً لحصته الخاصة في التًمرد على ما تعلمه.

ب‌- مدرسة التحليل النفسي: تعتمد هذه المدرسة على توجهات المُنشىء الأول لهذه المدرسة (سيغموند فرويد) وأتباعه. إنها تنظر إلى الإنسان على أنه الناتج النهائي (فكراً وسلوكاً وعواطف) لمجموعة العوامل التي أسمهت في طفولته الأولى والثانية ومرحلة المراهقة حتى سن النُضج (ونعني بها سن الثامنة عشرة التي لم يعرف الباحثون لماذا سُميت بسن الرُشد).

بناءاً على هذا التصور الذي قدمتهُ هذه المدرسة، يقوم الإنسان في إيمانه على أسس صورته هو، تكوينه هو، وليس على أساس ما يُلقَن به، فيأتي الإيمان حصيلة جهده التي لابُد من أن تُثمر إيماناً أو إلحاداً.

إن مدرسة التحليل النفسي لا تخلو، إن لم تكن تعتمد، من الإستناد إلى ما عاناه مؤسسها فرويد من خصوصية تصوره هو في موضوع الإيمان، لأن منظورات هذه المدرسة تنطلق من الخبرة الفردية السريرية أكثر من إنطلاقها من مبدأ الإحصاء.

بذلك تُعد مدرسة التحليل النفسي كأنها (مدرسة تحليل نفسية فرويد)، وهذا ما يشير إلى نظرتها إلى الإيمان نظرةً متأرجحة بين الشك واليقين، بين التصديق والتكذيب، وبين الفردية والجمع.

ولكي نحدد هدفنا من أقوالنا هذه نحاول أن نُحاصر الموضوع بالكلمات على النحو الآتي:

1- ترى هذه المدرسة أن ظروف نشأة الفرد (طفلاً ثم يافعاً) مسؤولة عن إنتاج فرد مؤمن أو مُلحد. لا تعني بذلك أن المدرسة هذه تتفق مع المدرسة السلوكية في ضرورة تعليم الفرد إيمانه من مُعلم لأنها ترى أن المعلم ليس أسرة أو مُعلماً أو مرشداً بل أنه الطفل واليافع نفسه، الذي سيكون علاقته بالإيمان قبولاً أو رفضاً.

2- ترى هذه المدرسة أن الطفل الذي (يُربى) في كنف أم مسيطرة قاسية سينشأ رجلاً مستسلماً يتلقى حتى إيمانه تلقياً خائفاً.

3- ترى هذه المدرسة أن أمراض النشوء المُبكر في حرمان طويل الأمد من حنان أبٍ قاسٍ مُستبد مسؤولة عن إنشاء طفلٍ مُتمرد على صورة الله التي قدما أب بهذه القسوة.

4- ترى هذه المدرسة أن طقوس الدين الذي هو وسيلة هي عادات لا يفهم مغزاها ممارسُها فيثور على دينه وبذلك يثور على إيمانه.

5- ترى هذه المدرسة ان الإنسان في بواكيره يرسم للإله الذي آمن به صورةً قريبةً من إيمان يصنعه هو. فالذهاني يرى في إلههِ أن هذه الإله اختاره دون سواه من أقرانه رجلاً مُختاراً مصطفى، ومريض الوسواس القهري يرى في إيمانه حالةً من حالات القبول والرفض، والتصديق والتكذيب.

ج. مدرسة الجشتالت (المدرسة الشكلية): ترى هذه المدرسة أن الكُل في أية ظاهرة، ومنها ظاهرة الإنسان، لا يساوي بالضرورة حاصل جمع أجزائهِ. فالتلاميذ في الصف المدرسي (وفيهم الذكي المتفوق والتلميذ الأقل القريب من بطء التعلم) لا يساوي ذكاؤهم حاصل جمع ذكاء أفرادهم لأن القضية لا تعتمد على التراكم.

وعندما يُلقي المعلم الدرس على هؤلاء التلاميذ يصير مُلزماً بالتعامل مع التلميذ الأوسط في قدراته حيث يفهمه المتفوق بالنزول عن شيءٍ من قدراته ويفهمه الأدنى بتصعيد المزيد من قدراته ويحصل الأوسط على حصته الدسمة لأنه يمثل الحالة الوسطى.

في موضوع نظرة هذه المدرسة إلى الإيمان، نودُ أن نُشير إلى أنها تعتمد أصلاً على قاعدته (إغلاق الدائرة الفكرية في أي موضوع لكي لا تتركه سائباً).

الإنسان في هذه المدرسة يبحثُ عن الماهية في الظاهرة مُمثلة بظهور الفكرة ثم خضوعها لعوامل (المقاربة، المقارنة، التشابه، المفارقة ثم الإغلاق). والإنسان المُلحد هو الإنسان السائب بلا نهايةٍ يستقر عليها تفكيره. وفي الأديان السماوية تتحقق عملية الغلق فالإنسان كائن: (يُولد ← فيعيش ← فيترُك أثراً ← فيموت ← فيلتحق بالله). عملية الغلق هذه تتم بمشيئة الله عند المؤمنين من أتباع هذه المدرسة فيما تتم بمشيئة موت البايولوجيا عند المُلحدين من أتباع هذه المدرسة.

***

عوامل نشوء الإيمان: سنقصر نقاشنا في فحص العوامل التي تُسهم في ظهور الإيمان، إستكمالاً لموضوعنا في كيفية نشوئه، على عاملين أساس في هذا النشوء:

أ‌- العامل النفسي .  ب . العامل الإجتماعي.

أ‌- العامل النفسي: لا يوجد إنسانٌ سعيدٌ وهو يتخذُ من عقله حلالاً لكل مشكلاتِه ومن نفسهِ مرجعاً وحيداً للطمأنينة.

إن أسعد إنسان (على فرض تمكنا من وضع تعريف كامل للسعادة) هو من يُفوضُ أمر المستعصي منه في حياته إلى القوة العظمى : الله. لا يُوجَدُ إنسان لم يقلق يوماً  أو يمُر بأعراض إكتئاب وهو يملك عقلاً يفكر أو نفساً تتأمل.

ويُعفى من هذا الشقاء المجنون، والطفل، والمتخلف عقلياً. إن نواة القلق هي الخوف. وأكبر مخيف هو الموت. فلكي نُحقق شيئاً من السعادة علينا أن نأخذ استراحةً من الحالات الآتية:

1- قلق العيش

2- الطمع في الحياة

3- التفكير في الموت

إن هذه المفردات صعبةٌ جداً في التعامل معها. إن القول المأثور (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ولآخرتك كأنك تموت غداً) قولٌ جميلٌ على مستوى التصور ولكنه قولٌ صعبٌ على مستوى التطبيق. السعادة في الفرد لا يمكن صُنعها إطلاقاُ لأنها شعور داخلي لا يخضع للهندسة.

إذن علينا أن نلتفت إلى هذا الشعور الداخلي في كيفية نشوئه. إن المفتاح الذي يفتح باب الخلاص هو القناعة. إن هناك خيطاً دقيقاً يفصِلُ بين القناعة واليأس. والخلاص من اليأس لا ينشأ إلا من فهم حقيقة واحدة وهي الإيمان بأن هذه الحياة لا تُمثل النهاية لأن حياة أخرى ينتظرها الإنسان.

إذا آمن الفرد بأنه تلميذٌ مُنح فرصةً لقراءة دروسه التي سيُمتحن بها لاحقاً استطاع أن يتعامل مع هذه الفرصة (عمره) بشي من : القلق الموجب المُحرض على الإخلاص في القراءة، وبشيء من الإيمان بالموت بأنه عبور إلى قاعة الإمتحان وبشيء من اليقين بأن الإمتحان هو الفيصل بين جودة قراءته وردائتها.

ومجرد إيمان الفرد بالحياة الثانية سيحمل إليه الإيمان بالله. إن كل الأديان الصغرى (غير السماوية) التي نادت بأن هذه الحياة هي كل شيء للإنسان لم تُحقق للإنسان خلاصاً من القلق، لأنه سيقلق إذا لم يكسب المال وسيقلق لأنه لم يتسنم الوظيفة الأعلى وسيقلق لأنه لم يكن جميلاً أجمل من غيره وسيقلق لأنه سيموت فاقداً حياةً لم تتكرر.

وفي مقابل الإيمان بالفناء المحتوم في هذه الدنيا يبرز طمع الإنسان في الخلود ونسأل هذا الإنسان الطامع في الخلود: هل فكرت يوماً بالرتابة؟ إن من بين أبرز الأسباب لظهور الإكتئاب عند الإنسان هو شعوره برتابة حياته، والخلود رتابة.

وبمثل هذا التصور يُعدُ العامل النفسي سبباً في نشوء الإيمان الذي سيُخلص الفرد من:

1- الخوف من الموت: ويعرف الأطباء النفسيون أن من بين المعايير التي يجب توفرها لتشخيص حالة الإكتئاب معيار الشعور بالموت القريب.

2- إعتلال الشخصية: فالإيمان يُشعرُ الإنسان بأن لا قوة على الأرض تستطيع أن تُشعر الإنسان بالتبعية لمخلوق وبالأصغرية أمام قوة من القوى إذا كان مؤمناً بأن لا قوي إلا الله.

ب‌- العامل الإجتماعي: وفي الميدان الإجتماعي نستطيع أن نُعدد المرافق الآتية أسباباً لنشوء الإيمان:

1- الأسرة: على الرغم من وجود الإستثناءات القليلة التي أفرزت ظهور مؤمنين من أُسر مفككة ممزقة معتمدين على فروقهم الفردية عمن أنجبهم من آباءٍ تظلُ الأسرة أول مرفق إجتماعي يزرع في الإبن الإيمان بالخالق. إن وجود الأسرة المؤمنة يصير سبباً لاحقاً لإلقاء اللوم والتثريب على من ينحرف من الأبناء عن سكة الصواب في تلك الأسرة.

2- الإقتصاد: يُعد الفقر سبباً من أسباب الكفر بالخالق وفيه الإلحاد. إننا لا ننسى حالات الترف المادي التي أدت بالمترفين إلى الإنزلاق عن جادة الإيمان لكن هذا قليلٌ إذاما قورن بالحالة الأولى.

ومن بين الأسباب التي تجعل من الفقر كفراً  وجود الناس الذين ينظرون إلى المال والحصول عليه بأنه نعمةٌ ذهبت إلى من لا يستحقها فيظهر الشعور بالغُبن في التوزيع وهذا إخلال بالإيمان الذي لا يقوم على أساس أن الله واحدٌ حسب إنما على أنه الواحد العادل المنصف الحكيم الذي لا تُدركُ حكمته العقول ولا يعرف (لامحسوسه) صاحبُ الحس المباشر.

إن المال يبني مجتمعاً مدنياً متمدناً مُرفهاً لكنه لا يبني بالضرورة إنساناً فاضلاً والتمدن ليس سبباً للإيمان مقارنةً بالفضيلة التي هي أساس الإيمان. إن المجتمع الذي يُميز بعضاً من أبنائه بالمال وينظر بأصغريةٍ إلى المحرومين منه يُعزز ظاهرة الثورة على العُرف الإجتماعي ومغادرة الإيمان بالعدالة السماوية التي لم تنتقم لهؤلاء المحرومين ممن أهان تلك العدالة. وبذلك يجعل المجتمع عامل الإقتصاد سبباً في التقليل من حالات الإيمان.

3- الإعلام:  ونخصُ بالذكر هنا الإعلام الصحيح في مرئيهِ ومسموعهِ ومقروئهِ، المبني على التربية الصحيحة للجيل الغض من الشباب وتقويم رؤيته إلى الميلاد والوجود والموت.

إن كتب التربية إعلامٌ من نوع مدرسي خاص لها دور كبير في إشاعة الإيمان في صدور التلامذه. ونأسف لبعض هذه الكتب التي تُقدم الإيمان في صورة من صور التخويف والوعيد لتجعل الله رمزاً من رموز المعاقب المنتقم وهذا ما يخالف المطلوب من الإيمان المبني على الحب والقرب من إله رحيم.

4- نوع الدين: قررنا في أكثر من موضع أن الدين هو الوسيلة الكبرى التي تقود إلى الإيمان. والأديان الوضعية عبر كل تاريخ الإنسانية هي ناتج ما يتصوره المجتمع حول الخالق. هنا تُصبغُ ثقافة المجتمع أديانها الخاصة بصبغتها.

ففي مجتمعات العنف وثقافة القوة تنشأ أديان يكون فيها الإله جباراً عنيفاً مُمثلاً في الرعود والزلازل والبراكين والحيوانات المفترسة القاتلة.

أما في مجتمعات ثقافة الذل والخضوع الت تُصلي للأقوياء فيها من رجالها فإن الدين فيها يُقدم الفرد موالياً لخوفه وخاشعاً للقوة التي قهرت إرادته. على هذا الأساس أصبحت الأديان السماوية التي قدمت الله إلهاً للرحمة والعفو وعقوبة المسيء مثالاً للوسيلة الصادقة في إنشاء الإيمان الصحيح.

***

الشخصية والإيمان: لقد أوجد علم النفس تصنيفات للشخصية الإنسانية ودرج على التعامل مع أنواعها بالمزيد من الدقة الفاحصة لإختلافات سلوكها. ومن الأنواع المشهورة من هذه الشخصيات:

أ‌- الشخصية الغير  الإجتماعية (الشخصية السيكوباتية).

ب. الشخصية الإكتئابية.

ج. الشخصية الرحامية (الهستيرية التحولية).

د. الشخصية الحافية (Borderline P.). (تُسمى أيضاً الحدية).

هـ. الشخصية الوسواسية القهرية.

و. الشخصية النرجسية.

ز. الشخصية الذهانية(Schizotypal).

ح. الشخصية المحجمة المهاجمة (Passive –aggressive p.).

ط. الشخصية العصابية.

ونحاول الآن أن نفحص نوع الإيمان في كل من هذه الأنواع من هذه الشخصيات وعلى وفق الجدول الآتي:

أ‌. الشخصية الغير الإجتماعية (الشخصية السيكوباتية) بنوعيها:

نوع الإيمان: العدواني والمبدع إيمان زائف، ذرائعي، يُستخدم كغطاء لتمرير الألاعيب السلوكية التي تخدم مصلحة هذه الشخصية المريضة. إيمان لا يقوم على الندم في عمل أي شيء سيء. ويتميز نوعها المُبدع (Creative) بقُدرته على إتخاذ الإيمان وسيلة لخدمة غرض أرضي شخصي لا يدوم بل يزول بزوال الغرض.

ب. الشخصية الإكتئابية.

نوع الإيمان: إيمان سوداوي يسوده التشاؤم والنظر إلى الخالق بعين اليأس من رحمته وفقدان الأمل في الحصول على معونتهِ ورعايته.

ج. الشخصية الرحامية (الهستيرية أو التحولية).Convertive p) (

نوع الإيمان: إيمانٌ قلقٌ متغير حسب الظروف التي يمرُ بها الرحامي، فهو إيمان قوي في لحظة وضعيف مُتهاوٍ في لحظة أخرى.

د. الشخصية الحافية (Borderline P.).

نوع الإيمان: إيمان مليءٌ بالتقلبات التي تُحدثُها نوبات الذهان العقلي. صاحب هذه الشخصية يؤمن إيماناً يختلف فيه بإختلاف  تأرجحه بين صفحتي العصاب والذهان.

هـ. الشخصية الوسواسية القهرية.(Obsessive compulsive P.)

نوع الإيمان: إيمان وشك متناوبان. ما يُصدقه صاحبها اليوم يُكذبه غداً. وصاحب هذه الشخصية ضحيةٌ دائمة لإيمانه المؤقت وشكه المتكرر. وصاحب هذه الشخصية عُرضة للإيحاء والتأثر بما يسمعه من غيره ويقرأه في إعلام.

و. الشخصية النرجسية

نوع الإيمان: إيمان يُشبع في صاحب هذه الشخصية غروره بنفسهِ. فهو يعتبر إيمانه إمتداداً لهويته هو وعلى وفق ما يُمليه هواه الشخصي.

ز. الشخصية الذهانية(Schizotypal).

نوع الإيمان: يرى في إيمانه تجسيداً لذاته أكثر منه تجسيداً لذات الله. إنه يُفسر وجود الله خدمة للإشارة إلى أهميته الشخصية في مجتمعه وهومستعد لتفسير آيات الكون تفسيراً خاصاً به يُشبع غروره ويُفهم الأخرين بأنه مخلوق متميز. وكثيراً ما يشتط به الهوس إلى عد ذاته اصطفاء من الله له بين العباد.

ح. الشخصية المحجمة المهاجمة (Passive –aggressive p.). 

نوع الإيمان: هذا هو إيمان المنافق الذي يُعلن فيه عن إيمانه إذاكان يواجه قوة إجتماعية تُطالبه بالإيمان فيما يُظهر إلحاده إذا إختفت تلك القوة أو ظهرت ظروف مناسبة لإعتقاده ويُعد هذا النوع من أخطر أنواع الإلحاد التي تواجه صفحة الإيمان في حياة المجتمع؛ لأن الذي يكذب على الله في إيمانه مُستعد أن يكذب على نفسه وعلى مجتمعه.

ط. الشخصية العصابية (Neurotic P).

نوع الإيمان: أيمانٌ غير ناضج، يتحول من صورةٍ إلى أخرى. يتأثر بما يقرأ وتؤثر فيه ثقافة المقروء. سيد هذه الشخصية هو القلق الذي لا يجعل صاحبه مستقراً على حالة من الثبات

الإيمان المريض: على الرغم من كرهنا الشديد للإلحاد، وقانا الله شره، فإننا نعتبر الإلحاج عند فرد من الأفراد أوضح صورةً وأدعى إلى راحة البال من الإيمان المريض المهزوز عند فرد آخر، يستغل إيمانه لنواح شخصية وحياتية أُخرى. ومن أنواع هذا الإيمان المريض ما نستطيع ذكره الآن:

1- إيمان الخوف: إن الإيمان الذي يقوم على توقي الخوف من الخالق إيمان زائف لأنه يقوم على أساس الولاء وليس على أساس الإنتماء.ونلاحظ هذا النوع من الإيمان شائعاً في مجتمعات الخوف من السلطة والحاكم القوي المتسلط.

فكثير من الناس يخاف من هذا الحاكم وسرعان ما يُسقط صورة خوفه هذه على خالقه فيحاكية محاكاة المنتصر المُطالب بطاعته في المقبول والمرفوض. وهذا النوع من الإيمان يُمثل دائرة العتمة والإفتقار إلى رؤية التفريق بين سلطان الأرض الظالم القاسي وسلطان السماء العادل الرحيم.

2- إيمان الطقوس: كثيراً ما نصادف (مؤمنين) كاذبين أو جاهلين. لاحظ أيها القارىء أننا قلنا: مؤمنين كاذبين جاهلين وهذا لا يصح إلا على سبيل الإيضاح المجازي لأن الإنسان لا يجوز له أن يكون مؤمناً كاذباً أو جاهلاً في آن.

هؤلاء هم عُشاق الطقوس المتدينة وليست الدينية وإتباع الأعراف والمصطلحات الزائفة التي لا تُمثل حقيقة الإنتماء إلى الله. إن الوصول إلى الله لا يحتاج إلى وسيط ومن أمثلتهِ الطقوس.

لقد أفرز  إيمان الطقوس طبقة إستعراضية من الناس تُمالىء الآخرين بالمظاهر وتتخذ من التعبد وسيلةً لإيهام سواهم بإيمان زائف. لا يمكن أن يكون مؤمن الطقوس إلا مريضاً نفسياً بواحد من أمراض الشخصية.

3- إيمان النفاق الإجتماعي: وفيه يظهر دعيُ الإيمان شخصاً مُتبتِلاً منقطعاً عن الآخرين بالنوافل دون الفروض وبالإستعراض في الملبس والهيئة دون صلابة الداخل وإستقراره.

4- الإيمان المٌسيء إلى القضاء والقدر: كثيراً ما يُخطىء بعضهم في فهم القضاء والقدر على أنه مشيئةٌ لاغية لجهد الإنسان ومثابرته، فيتنازل صاحب هذا الفهم عن حصة (الاختيار) في الجيد من السلوك والإبتعاد عن الخطأ معتبراً أن الشر والخير من الله فينشأ بذلك إتكالياً منهزماً لا رأي له في شيء. إن القضاء لا ينفذ في الإنسان إلا بعد أن يستنفد طاقته في المحاولة.

***

الدوال النفسية على الإيمان: إن الفحص النفسي للفرد الذي يُجربه أطباء النفس في عياداتهم يُفًصح كثيراً عن وجود الإيمان أو إنعدامه في الفرد المفحوص. لقد دللت الدراسات الطبية النفسية على أن المريض الحامل لإيمان ضعيف بخالقه يُؤسسُ لصعوبة تشخيصية وعلاجية كبيرة عند المُعالج.

إن الفحص النفسي يقوم على أخذ التاريخ الكامل الشامل لذلك الفرد. وكثيراً ما يُقدم تاريخ الأسرة المرضي بما فيها من تفكك وسوء تربية أدلة على ضبابية الإيمان عند الفرد المفحوص.

وإذا أردنا  أن نفهم أفكار هذا الفرد عن الإيمان فعلينا أن نناقش تاريخ أسرته وطريقة تعليم والديه له في مجال الإيمان بالله. ويُعدُ التاريخ العدلي أساساً لمعرفة طبيعة الشخص ونوع شخصيته. فنزيل السجن ومرتكب الجرائم شخصٌ مُرشح للشك في أمر إيمانه.

إن ثقافة الفرد تُفصح عن محتويات عقله وخفايا نفسيتهِ حول النظرة إلى الله والإنتماء إليه. وحينما نفحص مظهر المريض وطريقة كلامه ومزاجه ونبرة صوته وذكاءَه وذاكرته وقدرته على الإستنتاج ومحتوى أفكاره في الوهم والصواب ومدى تعرضه للهلاوس السمعية والبصرية وطبيعة أحلامهِ ونمط سلوكه بين أقرانه، نستطيع أن نفحص كمية الإيمان الذي من مفرداتهِ الأدب الجَم في الخطاب والإستقرار في الإجابة والحياء أمام البذاءة اللفظية. بهذه الصورة يستطيع الفحص النفسي أن يُقدم صورة الإيمان في ذلك الفرد.

تعامل المؤمن مع المرض النفسي: إننا نؤمن كأطباء نفس بأن المريض النفسي معذورٌ في الكثير من أفكاره وعواطفه وسلوكهِ بما يختلف فيه عن الحالة السوية ولكن أرضية الفرد التي كان عليها قبل المرض

تظلُ فاعلة فيه على نحوٍ تتميز به عن مريض آخر.( Premorbidity)

ومن هذه الأرضيات التي نقصدها في حديثنا أرضية الإيمان. إن المريض المؤمن أساساً قبل ظهور مرضه يختلف عن المريض الملحد في الأمور الآتية:

1- الصبر: ان التعامل مع المرض بالصبر على شدته في الأعراض وزمنه في الظهور ونتائج الأمل في شفائه هو تعامل المؤمن الذي يُدرك على الرغم من مرضه بأن الصبر شيءٌ أوصى به الله الذي آمن به. وكلما كان الإنسان صبوراً فإن نتائج مرضه تكون في صالحه.

2- رفض الإنتحار: يٌعدُ الإنتحار إحتمالاً وارداً في كثير من الأمراض النفسية وعلى رأسها الإكتئاب الشديد المزمن المتكرر. لقد وجدت الدراسات النفسية الكثيرة ان نسبة المنتحرين عند المرضى المؤمنين تكاد تصل إلى الصفر. إن المريض المؤمن بالله الذي حرم قتل النفس وجعل عقوبن=ته النار في العالم الآخر يظلُ رافضاً فكرة الإنتحار مُضحياً بدنياه وسعادته المؤقته إرضاءً لله الذي آمن به.

3- عدم الإيمان بقوى الجن والسحر: إن الإعتقاد عند الناس بالمس العقلي وتأثير السحر في العقول والقلوب أمر شائع يكاد لا يخلو منه مجتمع مهما تضخمت حضارته وثقافته، لكن المريض المؤمن بالله وبكتبه السماوية لا يخضع لمثل هذا الإعتقاد لأنه يدرك سلفاً بأن هذه القوى لا تستطيع ان تفعل للإنسان خيراً أو شراً من دون مشيئة الله الذي آمن به.

4- الإنتصار على الوراثة: تُولي الأبحاث النفسية أهمية كبيرة لأثر الوراثة في إكساب اللاحق من الأفراد أمراض سابقيهم من الأقارب. إن الفرد المريض المؤمن يُقلل من هذه الأهمية ويعتمد على خالقه الي يُخرج الطيب من الخبيث كما يقول عن نفسه في كتبه المنزلة.

***

إستبيان الإيمان:  نود الآن أن نُقدم استبياناً خاصاً بفحص كيفية نشوء الإيمان وطريقة التعامل معه من الفرد لفحص حالة ثباته أو إضطرابه. إن هذا الإستبيان سبق أن طُبق على مائة عينة من المفحوصين لأغراض تشخيث المرض.

وسنضع في نهايته مديات وجود الإيمان في قوته وضعفه عندالفرد المفحوص على أساس نفسي:

السؤال          نعم     كلا

1- إيمان ناشيء من تلقين الأسرة لى وتعليمها إياي عن الخالق

2- بعد بلوغي سن الرشد (18 سنة) تغيرت قناعاتي

3- يزداد إيماني بالله في أوقات التعرض للكرب وأيام المرض

4- أتأثر كثيراً بقراءاتي للكتب الداعية للإلحاد

5- يقودني خوفي من الموت إلى الإيمان بالله

6- أميل إلى ظهوري ملحداً  أمام أقراني حباً في الإستعراض الشخصي

7- أؤمن أحياناً وأتخلى عن إيماني لأسباب غير معروفة

8- أعتبر الإيمان إستسلاماً

9- أعدُ خوفس من العقاب سبباً للإيمان

10- أعدحبي للجنة سبباً لإيماني

11- أساير المجتمع في الإيمان والإلحاد

12- أعتبر النساء أكثر إيماناً من الرجال

13- أعتبر نفسي غير مسؤول عن إيماني وإلحادي

14- أحاول الوصول إلى إدراك وجود الله بوسائل الحس

15- ـأومن أن الفتح العلمي لأسرار النفس البشرية دليل على وجود الله

16- أؤمن أن الشك يقوم إلى الإيمان بالله

ولأجل إيضاح فاعلية هذا الإستبيان اخترنا أجوبة أحد المفحوصين المائة، وندعو القارىء إلى متابعة هذه الأجوبة لنتعرف بطبيعة هذا المفحوص إيماناً أو إلحاداً.

لقد أجاب هذا المفحوص الذي إخترناه بالطريقة الآتية:

السؤال          الإجابة

رقم (1)        نعم

رقم (2)        كلا

رقم (3)        نعم

رقم (4)        كلا

رقم (5)        نعم

رقم (6)        كلا

رقم (7)        كلا

رقم (8)        كلا

رقم (9)        كلا

رقم (10)      كلا

رقم (11)      كلا

رقم (12)      نعم

رقم (13)      نعم

رقم (14)      كلا

رقم (15)      نعم

رقم (16)      نعم

***

 د. ريكان إبراهيم

 

ميثم الجنابيالعرب وإشكالية وعي الذات التاريخي

إذا كانت المصاعب والمصائب تلعب أحيانا دور الابتلاء الضروري لتنقية القلب والإرادة، فإنَّ النكبات الكبرى عادة ما تحرق الوعي لتسلّط لهيبه على مسار الوعي الذاتي. عندها يمكن للمصيبة أن تصبح سببا للإرادة الفاعلة، والنكبة مصدرا للمحبة المبتلاة بفكرة الالتزام الوجودي نفسه. وقد تكون هي الحالة الأكثر تعبيرا عن شخصية وإبداع قسطنطين زريق (1900-2000). بمعنى إننا نعثر في فكرته القومية عن انعكاس خاص لهذه الحالة.

فمن الناحية الزمنية كان قسطنطين زريق ابن القرن العشرين، أي قرن الصيرورة الجديدة للعالم العربي الحديث. أما من الناحية التاريخية فقد كان وليد النكبتين! الأمر الذي نعثر عليه في الوحدة الخفية للزمن والتاريخ، أي في رؤيته وموقفه النقديين من نكبات العالم العربي، ومقترحاته المتعلقة بمشروع البدائل الضرورية للمستقبل. وما بينهما تراكمت فكرته القومية بوصفها فكرة تاريخية ثقافية (حضارية). وفيما لو أردنا اختصار كل هذا المسار الدرامي الخفي لنظريته القومية فمن الممكن وضعه بعبارة تقول: أنه أحب قوميته زمن المصائب، وأدرك واقعها زمن النكبة، وسعى لترميم وعيها التاريخي والثقافي بوصفه الشرط الضروري لتكاملها القومي. ووجد ذلك انعكاسه وتعبيره في رؤيته الخاصة للفكرة القومية من خلال إبراز وإفراز إشكالية الأبعاد الحضارية بوصفها جوهر المشكلة القومية العربية[1]. تماما كما كان الحاتل عند مالك بن نبي، ولكن بمعايير اخرى.

وبهذا يكون قسطنطين زريق الأول من بين مؤسسي الفكرة القومية العربية بمعايير الرؤية الحضارية (الثقافية). ومن ثم وضعه فكرة الارتقاء إلى مصاف المتطلبات والتحديات التي تفرضها الحضارة المعاصرة، بوصفها الصيغة العقلانية والواقعية لإدراك معنى وحقيقة ووظيفة الفكرة القومية بالنسبة للعالم العربي المعاصر. ووجد ذلك انعكاسه في تركيزه على فكرة وعي الذات التاريخي وتأسيسها العملي.

وليس مصادفة أن يشير في مقدمة كتابه (نحن والتاريخ)، الذي وضع فيه الصيغة الأولية لأهمية الرؤية التاريخية، إلى أن ما يكتبه "ليست فلسفة التاريخ"، بل هي "مطالب وتساؤلات" دعا إليها "النظر في الواقع العربي واختباره ومجابهة المشكلات الفكرية التي تنجم عنه"[2]. بعبارة أخرى، أن الأولوية في الرؤية التاريخية تضع مهمة إدراك الموقع الذاتي في التاريخ المعاصر عبر اختبار ما فيه ومواجهة الإشكاليات الفعلية الكبرى القائمة فيه وأمامه. ومع انه أشار إلى أن ما يريده أيضا هو "محاولة تلمس الأسئلة الهامة التي تثيرها علاقتنا بماضينا"[3]، إلا أن القضية الجوهرية ظلت تحوم حول كيفية وضع التاريخ العربي المعاصر وإشكالاته في صلب الرؤية المستقبلية أيضا. من هنا إدراكه لقيمة الرؤية التاريخية. فقد كتب بهذا الصدد يقول، بأنه "لابد لنا كأفراد وكأمة إذا أردنا أن نحيا من أن نجابه التاريخ"[4]. ووضع هذه المجابهة ضمن سياق التاريخ العالمي الحديث أو ما اسماه بواقع الإنسانية الحاضر. ولا يعني ذلك سوى رفع مهمة وعي الذات القومي إلى مصاف المعاصرة. بمعنى إجراء المقارنة التاريخية بمعايير الحاضر من اجل فهم الماضي والحاضر والمستقبل. ومن خلاله يمكن تحديد مهمات الوعي القومي. من هنا غلبة "المطالب والتساؤلات" على الإجابة والتأسيس النظري للتاريخ القومي. إلا أننا نعثر فيها على تأسيس خاص ومتميز، رغم بساطته، لفكرة وعي الذات التاريخي بوصفها فكرة عملية سياسية وثقافية حضارية. وضمن هذا السياق يمكن النظر إليها باعتبارها إحدى النماذج النظرية الأكثر رقيا لتأسيس الفكرة القومية العربية الحديثة.

انطلق زريق في تحديده لماهية التاريخ، باعتباره "سعيا لإدراك الماضي البشري وإحيائه"[5]. ولا يعني ذلك سوى تحويل التجارب التاريخية إلى مصدر فعال بالنسبة للإحياء الجديد، أي لوعي الذات مع ما يترتب عليه من تنشيط القوى المختلفة للإصلاح والارتقاء. ووجد في صيرورة العالم العربي الحديث تجسيدا لهذه الفكرة. إذ وجد فيما اسماه بتنبه العرب لتاريخهم أحد أعظم العوامل في النهضة القومية الحديثة منذ بزوغ فجرها في القرن التاسع عشر[6].

ووضع هذه المقدمة العامة في أساس تصنيفه للمواقف المختلفة من التاريخ، ومن ثم أثرها بالنسبة لمواجهة إشكاليات العصر. فقد اعتبر ما اسماه بالتيارات التقليدية والقومية والماركسية والعلمية، الصيغ الأكثر انتشارا وتأثيرا في الرؤية العملية. فالتيار التقليدي ينظر إلى التاريخ العربي على انه تاريخ "الأمة الإسلامية". وأن مجراها هو المجرى الرئيسي في التاريخ العالمي. وقيّم زريق هذه الرؤية على أنها "نظرة إلهية في تعليلها للأحداث". أما التيار القومي، فهو تيار صاعد متزايد تكيفت نظراته بعوامل عديدة. ويتميز بالإقبال على الماضي والانغماس شبه الكامل فيه، كما هو الحال في كتابات العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل، مع أن اتجاههم مخلوط بالتقليدي[7]. وما يميز هذا الاتجاه هو اعتباره الماضي القومي لب الماضي، أي يعزل التاريخ القومي عن التاريخ العالمي. وأطلق زريق على هذه الرؤية صفة "التعليل التيوقراطي". بينما تطابق التيار الماركسي في رؤية زريق مع ما اسماه بتغلغل الماركسية في العالم العربي بفعل الصراع الخارجي. وجعلت من الصراع مع التيار القومي احد همومها الكبرى. أما التيار العلمي فيتميز برؤية عقلانية. وذلك لأنه يجعل العقل مرشدا هاديا. كما انه يتوجه إلى الماضي دون فكرة مسبقة.

وفيما لو أهملنا عدم سلامة هذا التصنيف من حيث حده لبعض التيارات وتحديده لحقيقتها ومضمونها الفعلي، وبالأخص ما يتعلق بتحديد ماهية ومضمون التيار التقليدي و"التيار القومي" بشكل خاص، فإن أهميته تكمن في إبرازه القيمة الموضوعية للرؤية التاريخية. ويظهر ذلك بوضوح في إدراكه النظري للقيمة العملية للرؤية التاريخية. إذ اعتبر الهمّ القائم وراء تأسيس الرؤية التاريخية يقوم في تعميق "الرؤية الاجتماعية السياسية الثقافية الصحيحة عن الغايات والمهمات"[8]. بمعنى أنه يوّحد في كلّ واحد الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية في رؤيتها للمهمات والغايات. وليس هذا بدوره سوى الصيغة المباشرة والعملية للفكرة التي وضعها في تحديده للتاريخ باعتباره سعيا لإدراك الماضي البشري وإحيائه. من هنا وضعه في فكرة الرؤية العلمية التاريخية ما اسماه بالفضائل المكتسبة والمزايا المطلوبة، والتي حصرها بخمس وهي كل من الجد والمثابرة، والشك والنقد، والدقة، والتجرد، وأخيرا محبة الحقيقة[9]. ووجد في هذه الفضائل المكتسبة حلقات لسلسة مهمتها إحياء الرؤية التاريخية بوصفها مشروعا مستقبليا. من هنا حديثه عما اسماه باحتياج العالم العربي المعاصر إلى هذه الفضائل المكتسبة. ففيها ومن خلالها تتوحد الرؤية المجردة، أي التي تنفذ إلى حقيقة الأشياء كما هي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العلم التاريخي في مواده علم نقلي. وبالتالي، فإنها خاضعة للأهواء والمصالح، كما أن الوثائق عادة ما تكتب في ظروف تسيطر فيها أفكار أو سياسات محددة. من هنا ضرورة الدقة بوصفها النتيجة الملازمة للنقد والشك، وذلك لما لها من أثر علمي بالنسبة "لترويض الذهن على الانضباط والانتظام".

وتوصل زريق بأثر هذه الرؤية إلى جملة استنتاجات عامة حصرها أيضا بخمس مزايا وهي: أن استعمال التاريخ واستغلاله الحسن هو احد أفضل الوسائل في بعث الروح القومية وتكوين الأمم ودفعها إلى ما تنشده من نهضة وعزة؛ وضرورة التخلي مما فيه عما هو مثير للأحقاد القومية والطائفية والدينية؛ وأن استغلال التاريخ لأهداف قومية يتوقف على أصالة فهم الموجهين والباحثين والمربين؛ كما أن استغلال التاريخ لأهداف قومية مسألة خطرة ينبغي إدراكها؛ وأخيرا، أن الغاية القومية ذاتها لا تؤتي نتائجها البعيدة المدى إلا إذا وافقت الحقيقة واهتديت بهديها[10].

وفيما لو أجملنا الحصيلة الفكرية لهذه القواعد الضرورية في تربية الرؤية التاريخية، أو المواقف المنهجية من التاريخ، فإنَّ غايتها ترمي إلى صنع وتوسيع مدى ما دعاه زريق نفسه بالثقافة التاريخية، بوصفها وعيا ذاتيا عمليا. بعبارة أخرى، إن الرؤية التاريخية العميقة ينبغي أن تسهم في صنع "ثقافة تاريخية". لهذا نراه يحدد مفهوم هذه "الثقافة التاريخية"، باعتبارها "الخلاصة التي يجنيها الإنسان من جهده في استكشاف الماضي. وبهذا الصفة يكون عاملا فعالا في تكييف نظرته وتعيين اتجاهه بالنسبة إلى الحياة بأكملها: ماضيا وحاضرا ومستقبلا"[11]. ذلك يعني، أن التاريخ يحتوي على إمكانية العبرة المستنبطة من مقدمات عقلية نقدية علمية هادفة من حيث أبعادها العملية. ونعثر على ذلك في محاولته تكثيف هذه العبرة النظرية من خلال إبراز أثر هذه "الثقافة التاريخية" في الفكر والنفس. وحصرها هنا أيضا بجملة فوائد عملية كبرى لعل أهمها هو أنها توّسع اختيار الإنسان وتعمقه، وترسي سبيل إدراك الذات، وتشيع في نفسه شعور الحرمة، وتعمل على تركيز الفرد والأمة وتوطيد كيانهما، كما أنها تعمق فيه نقد الذات والماضي، وأخيرا أنها تصنع  أداة التحرر[12]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.......................

[1] أهم مؤلفاته (الوعي القومي) (1939). و(معنى النكبة) (1948). و(أي غد) (1957). و(نحن والتاريخ) (1959). و(هذا العصر المتفجر) (1963). وفي (معركة الحضارة) (1964). و(معنى النكبة مجدداً) (1967). و(نحن والمستقبل) (1977). و(مطالب المستقبل العربي) (1983). و(من بعيد ومن قريب) -مقالات وخطب (1994). و(الكتاب الأحمر). ونشر مركز دراسات الوحدة العربية أعماله الكاملة في أربعة مجلدات في بيروت عام 1994،. مع أنها لم تتضمن كل ما كتبه ونشره. وصدرت بعنوان (الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق).

[2] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، دار العلم للملايين، ط6، 1985، ص7. (الطبعة الأولى كانت في عام 1959). إذ نعثر فيه على تأمل مرحلة التحولات العاصفة بعد انقلاب 1952 في مصر و1958 في العراق وقبلها في سوريا.

[3] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص8.

[4] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص16.

[5] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص49.

[6] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص17.

[7] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص34.

[8] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص60.

[9] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص90-102.

[10] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص103-104.

[11] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص157.

[12] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص161-173.

 

 

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (6)

هناك قولٌ لأحدهم مفادُه: إن الإيمان يسبق المعرفة. معنى ذلك أن الإيمان بالله يسبق معرفة الفرد له بوسيلة من الوسائل (مراقبة آثاره الكونية) أو بطريقة الإستنتاج (الإستنباط العقلي والمقارنة).

إن الإيمان الذي سبق المعرفة مرَ بمراحل ومنها ظهور الدين البدائي الذي اعتمد الكائن البشري عنصرين من الدلالة:

1- فضول النفس البشرية في معرفة القوة الأعظم في الكينونة.

2- الخوف من المجهول والبحث عن سندٍ ضد هذا الخوف .

إن هُيولي الكون وعظمة الخلق قادا إلى صعوبة إدراك الإنسان حقيقة أن هذه الظاهرات يمكن، بل يجب، أن تُدار بقوة واحدة.

ومن هذه الصعوبة في الإدراك وزع الإنسان إيمانه على أكثر من قوة فوقع في مصيدة (تَعدُد القوى وفيه تَعدُد الآلهة). إن تَعدُد الآلهة كان منسجماً مع ميل الإنسان الدائم إلى التجزيىء. فما زلنا إلى الآن نميل إلى تجزئة الأمور والمسائل والمشكلات محاولةً منا لإيجاد الحل. والتجزئة هذه تقود دائما إلى قاعدتين:

أ‌- الإفتراض

ب‌- الإحتمالات

وفي الإفتراض يلجأ الإنسان إلى الإفتراض وجود الشيء أو إنعدامهِ (موجود أو غير موجود). وفي الطب النفسي يبرز دائماً سؤال من المفحوص إلى الفاحص (الطبيب النفسي): هل أنا مريض أم أن ما أعاني منهُ ليس مرضاً؟ ومثل هذه الحالة واجهت الإنسان: هل الكون بإله أو بدون إله؟ وإذا لم يكن بإله فهل تستطيع الطبيعة خَلق نفسها؟ وإذا كان هناك إله فكيف هو؟ وأين هو؟

إذن، لم يكن البحث مُتجهاً إلى إنكار وجود الله بل إلى معرفة وجودهِ. إن الإلحاد عملٌ إختزالي يمارس فيه الإنسان استراحة عقلية (بلادة وتجاهل) لا يبذل فيها جهداً، بينما الإيمان عملٌ فكري يتطلب المجاهدة.

ومع هذا العقل برزت عواطف الإنتماء إلى القوة التي تُخيف وتَرحم وتُشفي من المرض وتُصيبُ بالداء والكارثة.

إن العقل يؤمن بما يحس وبما يدرك بوسائله الأشياء، لكن العواطف تنحازُ إلى ما يطمئنها من الخوف، ولذلك ظل ويظل للعواطف (وفيها المزاج والمشاعر والحب والكره) السهم الأكبر في الإعتقاد بما يثير من خوف وما يبعث على طمأنينة.

بتلك العواطف صنع الإنسان آلهتهُ، ومن أقرب الأشياء إليهِ (الأفعى لأنها تخيف بالسم، والنار التي تحرق، والزلزال الذي يُدمر....الخ). هذا هو الإيمان الذي يسبق المعرفة، وهذا هو ما نقوله عن الأمراض. أما في مجال الإحتمالات فإن الإنسان كان ينشطر في أفكاره حيث تطول قائمة التوقعات فاحتمالٌ يقود إلى إحتمال في مسلسل لا ينتهي.

من هذا نستنتج أن الإيمان الذي سبق المعرفة كان إيماناً بالمخيف أكثر منه إيماناً بالرحمة والحُب. أي أن الآلهة التي آمن بوجودها الإنسان كانت رموزاً للخوف.

لاحظ الرموز التي صنع منها الإنسان آلهةً: التنين، العنقاء،الطوطم، البرق، الرعد، الأفاعي. وحين تطور العقل الإنساني أضاف إلى هذه الرموز أسماء أقل قدرة على إلحاق الضرر من سابقتها (كيوبيد إله الحب، سايكي آلهة النفس، نرسيس إله العشق...).

ومن بين أسباب التي جعلت الإنسان يختار رموز الخوف أسماء لآلهته هو تأثر هذا الإنسان بصور الرعب البشري من الإنسان الظالم، والإنسان السارق، والأسد المفترس، فأضفى هذه المسميات على آلهته.

وإلى الآن ظل الإنسان يعاني من الحاكم المخيف فيظهر له الطاعة من باب الوقاية من شره لا من باب الطمع في رضاه وحبه. وحين ظهرت الكتب السماوية أعلنت أن طريق العبد (الإنسان) إلى الجنة هو رضا الرب وإن طريقه إلى جهنم هو سخط الرب عليه وإنعدام رضاه.

وشتان بين صورة رب السماء وصورة الإنسان الظالم ولكن الإنسان لم يكن يدرك لأن إيمانه سابق لمعرفته. يقول القران (كتاب السماء): (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ...الآية).

معنى هذا أن مُنطلق الإنسان إلى إدراك الله هو الجبلة أو الفطرة التي تُحببُ الإيمان أصلاً فيها (في تفكيرها وعواطفها وسلوكها)، لهذا لا يوجد مُلحدٌ ما لم تقم نفسه على العناد والمكابرة ضد الميل الفطري، وكل عناد يقود إلى حالة مرضية.

أسباب ظهور الإيمان بالشيء قبل المعرفة:

لأجل ان نتدرج في تعرفنا بالإيمان الذي سبق معرفتنا بالله، نودُ أن نقرب الأمثلة بالتحاور في أشياء قريبة من الحس لأن أكثر الناس الذين عانوا من الإلحاد هم الناس الذين يميلون الى التعامل بالمحسوس.

دعنا أيها القارىء نتكلم على شيءٍ ما مما يقع حولنا فلأجل أن نصل بيقيننا إلى أن ذلك الشيء موجود يجب أن نمر بالمرحلة الآتية التي تُعدُ أسباباً لرسوخ إعتقادنا بوجوده:

1- توقعُ وجود ذلك الشيء: إنك لا تبحث ولن تبحث عن (لا شيء) لأنك مسبوق ذهنياً بتوقع وجودهِ. إن التوقع هو الذي يقودك إلى إحدى النتيجتين: نتيجة وجودِه أو نتيجة عدم وجودِه.

وكثيراً ما يكون إنعدام عثورنا بهذا الشيء سبباً لتأجيل البحث بدلاً من إصدار قرارنا بإنعدام وجوده لأن إنعدام العثور لا يعني بالضرورة عدم أو إنعدام الوجود. إذن يظل التوقع هنا بمثابة (الدافع).

2- ظهور آثار لفعل ذلك الشيء: إن الذي يقود إلى ظهور التوقع هو الحاجة لدينا إليه أو الأثر الذي كان قد أحدثه ذلك الشيء. فحاجتنا إلى الماء تقودنا إلى البحث عن (الماء)، وفي الصحراء يقودنا وجود واحةٍ بأشجار مزهرة خضراء إلى توقع وجود الماء وإلا لما نبتَ النبات فندرك وجود الشيء (الماء) في جوف تلك المنطقة من الصحراء من النبات الذي أزهر. فعلى مستوى المشاهدة والرؤية لا نرى الماء الجوفي لكن ظهور آثاره (النبات) دلل على وجوده.

3- إستحالة تَفسير الأثر بدون وجود مؤثر: أن لكل مُؤثِر أثراً يرتبط به نوعاً وشدةً وزمناً. ففي مثالنا السابق في الفقرة (2) لا يظهر النبات في بقعةٍ صحراوية قاحلة بسبب وجود النفط في باطن تلك البقعة لأن النفط غير قادر على إنبات النبات أو تغذيته بل إنه الماء.

ووجود التلف في الملابس المخزونة في خزانة الملابس لا يمكن ربطُهُ بوجود سابقٍ لسارق في البيت لأن مهمة السارق السرق وليس إحداث التلف في الملبس فيقودنا إستدراكنا للأمر إلى وجود حشرة العِث في الخزانة فكانت سبباً في مثل هذا الأثر المخصص، من هذا نستنتج أن الأثر يكفي للدلالةِ على وجود المؤثر حتى لو لم ندركه أو ندرك هذا الوجود.

هذا على مستوى الأشياء التي يختصُ كل منها بأثر مُعين فكيف يكون الأمر حينما تتعدد الآثار بمؤثر واحد. إننا الآن أدركنا بأن تعددُ الآثار بمؤثر واحد يستلزم وجود هذا المؤثر بقوةٍ عظمى لا ترقى إليها قوة أخرى.

هذه القوة التي تعددت آثارها في الكون على أنواع من اللون والطعم والرائحة والطول والقصر. بهذه البساطة نصل إلى وجود هذه القوة ولكن الذي يحدو ببعضهم إلى الإنكار وصولاً إلى الإلحاد هو العجز الذهني عن إدراك هذه القوة.

إن وجود تِلالٍ من الأرض يمكن أن يقودنا إلى إحتمال أن مجموعةً من الآليات قد عملت على إنشاء هذه التلال لكن وجود جبال الهملايا بقمتها "إفرست" يُحجُم فينا هذا الإحتمال ويقودنا إلى أن القوة التي أنشأت هذه الجبال هي من الضخامة والشدة ما يدعو إلى العجب.

ومثل ذلك ما ينطبق على المكوك المصنوع الذي يُحلق في الفضاء وهو من صنع البشر لكنه لا يجيب عن القوة التي بأثرها يظل المريخ والزُهرة وعطارد أجساماً مُعلقة في الفضاء.

إذن، الأمر واحد لكن العظمة تكمن في وجود النسبة والتناسب في القدرة على إحداث الأثر. إن الإنسان مخلوقٌ على شاكلة الله ولكن هذه الشاكلة تحمل مفهوم (الجزء من الكل) و (المحدود من المُطلق) فتتماهى إلى أن تقف لأنها ستصطدم بالقوة الأعظم (الخالق).

4- إستمرارية الأثر وتكرر صوره: بسبب قانون التطور يحدث التغير، والتغير الذي نعنيه في الشيء هو إما زوالُه أو تحولُه من حالةٍ إلى أُخرى. معنى هذا أن الشيء المؤثر يزولُ يوماً ما أو يتحول إلى حالةٍ أُخرى يوما ما.

وبهذا الزوال يختفي الأثر كما أنه بهذا التحول يتغير الأثر، مثالاً على ما ذكرنا: سُم الأفعى.... كان هذا الشيء في سالف القرون من حياة الإنسان سبباً في حدوث أثر (التسمم والموت). فكانت الأفعى تٌقتَل ليزول هذا الأثر وكلما إزداد قتل الأفاعي في منطقة سكانية بالمبيدات والمصائد، حتى يصل العدد منها إلى الصفر، يَزول أثرها.

وتدرج العلم صعوداً بالإنسان إلى مرتبة أعلى فأصبح سٌم الأفعى علاجاً لأمراض كثيرة فصارت الأفاعي تُربى في أحواض المختبرات، فتحولت بذلك من (شيء) يُقتل إلى (شيء) يُربى ويُرعى.

معنى هذا وعلى وفق مفهوم الزوال أو التحول يتحددُ الأثر. لكن هذا الطرح لا ينطبق على (قوة) ظلت هي الأقوى لأن أثرها، ومن ثَمَ آثارها، ظلت مُستمرة وغير قابلة للنقصان بالزوال أو إختلاف الأثر بالتحول.

هذا ما ينطبق على (الأشياء) من حولنا فكيف يمكن لنا أن نتدبر (القوة الأعظم) التي تمارس حالة الثبات بعيداً من الزوال أو التحول؟

***

بعد هذه المناقشه التي أوردناها عن أسباب ظهور الإيمان بالشيء قبل المعرفة، نَودُ أن نناقش دلائل وجود الإيمان قبل المعرفة.

دلائل وجود الإيمان قبل المعرفة:

1- وجود العقل المفكرِ المتأمل: إن الحيوانات لم تبحث في يوم ما عن رب تعبدُه وتتقرب إليه لأنها بلا عقل يُفكر أو يتأمل فأصبحت تلك الوظيفة خاصةً بالإنسان.

إن الله لا يحتاج إلى أن يؤمن به أحد، لكن الإنسان هو الذي في حاجة إلى هذا الإيمان بحكم ما يقدمه هذا الإيمان من استقرار نفسي وثبات على حالة السواء في القيم والموازين وبناء المملكة الإنسانية.

ولولا تزود الإنسان بعقله لما ظهرت محاولات البحث عن الله. ومَن لا عقلَ سليماً لديه لا يُطالب بهذا البحث. صحيحٌ أن محاولات البحث في العقل البدائي كانت ساذجة لكنها كانت جادة في حياة الإنسان وكلُ طور عقلي محكومٌ بوسائل نضجه. 

2- علاقَتهُ بالناحية النفسية (العواطف): ومن الأدلة على وجود الإيمان قبل المعرفة جبلةً وفطرةً، ظهور الميل إلى الإستقرار النفسي لدى من يؤمن بوجود الله منذ بواكير الإنسانية.

فالأديان التي صنعها الإنسان وصولاً إلى رَبه كانت تسدُ شاغراً عاطفياً بالحُب والتقرب تارة وبالخوف واتقائه تارةً أُخرى. إن الإنسان كائن خائف منذ وجودِه على الأرض وحتى زوالها مهما إختلفت مراحل تقدمه الفكري وحالات نضوجه العقلي. إن أكبر دليل على ضرورة إيمان الإنسان بخالقٍ يخشاه أو يحبه هو ظاهرة (الموت).

فلقد أدرك الإنسان أنه لابُد من أن يموت يوماُ فأدرك الخوف وصار الأخير سبباُ للبحث عن الإله الذي يُميت أكثر من بحثه عن الإله الذي يخلق. ولولا وجود الإيمان بالعالم الآخر بما في من عاقبة وثواب لما إنشغل الإنسان بالبحث عن ربه لكن القاعدة التي تقول: إن الموت أصعب من كل ما قبله وأهون من كل ما بعده، هي القاعدة التي رسمت خارطة تفكير الإنسان في كيفية التعرف بهذه القوة التي تَخلُقُ وتُحيي وتميت وتبعث مرة أخرى.

3- علاقة الإنسان بالناحية الإجتماعية: كان المَيل الجمعي، العقل الجمعي والضمير الجمعي، هو الغالب على حياة الناس منذ بواكير الإنسانية الأولى. فلقد أنشأ الإنسان مجموعاته في العيش معاً وعدَ هذا التجمع سبباً للإطمئنان من عزلة وجوده ووحشة إغترابه.

وأمام هذا التجمع في فرق وفصائل وقبائل أصبح الإنسان مُلزما بتقديم التنازل عن أفكارِه الخاصة لصالح ما يُرضي به تَجمُعه وتقرِبه إليه. ويُعدُ الميل المبكر إلى روح الجماعة نوعاً من أنواع الإيمان برب الجماعة إيماناً دالاً على الرب قبل معرفته بأثاره.

ومن دلائل استمرار مناغاة الإنسان لإيمان جماعته فطرةً ظهور الملحدين، حتى في عصورنا هذه، وكأنهم غرباء عن مجتمعهم. فقد يتوحدون في منظمةٍ أو حزب أو مؤسسة تظل مهما تضخم عددها، معزولةً عن (القطيع) نافرةً بخصوصية أفكارها.

ومن دلائل الوحدة الإجتماعية وإجماعها على الإيمان أن الملحد يعاني من النشوز الإجتماعي مشاراً إليه بإنحرافه عن السواء العام.

4- دور الإيمان في الإرتقاء الفكري: وهذا دليلٌ آخر على وجود الإيمان قبل المعرفة. فالمعروف المُطالب به دائماً هو قدرة المُلحد على إثبات إلحادهِ وليس قدرة المؤمن على إثبات إيمانه.

فإذا قلت ببساطة أن لكل مخلوق خالقاً وأن هذه الكائنات موجودة بخالق كفى بذلك دليلاً فيما يظلُ المُلحد يعاني من مسألة إثبات إلحادِه. إن إنعدام إقتناع الإنسان الأول بما تصورهُ عن صورة الإله ورمزُه على هواه هو السبب في إندفاع الإنسان نحو ضرورة المزيد من التفكير بما يكون عليه هذا الخالق وهذا ما نعني به الإرتقاء الفكري.

لقد استطلع الإنسان الآفاق قبل أن يستطلع نفسه فكان البحث عن تفاصيل الكينونة والكون سبباً في ظهور أبحاث الفضاء والأجرام والكُوى والبروج وهذا هو، مرةً أخرى، ما نعني به الإرتقاء الفكري.

5- دليلُ الميل إلى الخلاص من الحيرة والإغتراب: لم تكفِ الإنسان الأول فردانيته وقدراته المودعة في دماغه ومراكز عواطفه سبباً لشعورِه بالإنسجام مع الكون الذي حوله، فلم يجد إلا الإله ونوع الدين الذي أنشأه محطةً لإستقرار عواطفه وخلاصهِ من مشاعر الحيرة في الوجود والغربة عن داخله ومحيطه.

لقد كانت الأسطورة تُوفر عليه عنصر الطمأنينة على الرغم من سذاجتها وإنعدام قدرتها على الصمود مع الزمن. لا يمكن أن يستقر الإنسان وأن يتحدى إغترابه إلا بإيمانه بالإله الخالق.

***

بقي علينا هنا أن نفحص المجالات التي ظهر فيها الإيمان قبل المعرفة لأننا سنصل بهذا الفحص إلى معرفة التدرج الإنساني في مسألة الإيمان النهائي الذي قدمته الكتب السماوية عن صور الخالق العظيم.

وسنقسمُ هذه المجالات على نوعين:

1- المجالات المُبكرة في الظهور

2- المجالات المتأخرة في الظهور

أ‌- المجالات المبكرة: ونًقسمها على الآتي:

1- الآفاق (الشمس والقمر والنجوم والسماء): لقد سبق تفكير الإنسان في إيمانه إلى تأمل الآفاق قبل تأمله نفسه إنسجاماً مع القرآن الذي نزل متأخراً عن هذه الصورة الإيمانية فأثبت حكمة الله في هذا السبق (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)، فقدم الآفاق وهي البعيدة عن الإنسان على النفس التي هي بين خوالجهِ.

إننا إلى الآن كثيراً ما ننسى التفكير في دواخلنا وننشغل بالتفكير في ما حولنا. فالإنسان لا يندهش بما يملك أكثر من إندهاشه بما يملك من البعيد عنه (ومن ذلك حالة الحسد حيث يحسد الإنسان حالة غيره ناسياً ما هو عليه من نعمة). هكذا مارس الإنسان حالته الإيمانية بآثار الله في ما حوله من الآفاق.

2- الليل والنهار والزمن: وللزمن مفهومان: الزمن الفسلجي الداخلي الذي لا نشعر به إلا بالتقادم في العمر ودلائله التشريحية والوظيفية. والزمن الرياضي الخارجي المصنوع بحركة الأرض حول نفسها لتصنع الليل والنهار وحول الشمس لتصنع الفصول الأربعة.

والإنسان فطرياً، تنبه على الزمن الرياضي قبل أن يتنبه على زمنه الفسلجي. لقد كان الإنسان يتعامل مع الزمن الرياضي فيتزوج في عمر متأخر ولا يقيم إعتباراً لعمره، على عكس الإنسان المعاصر الذي أقام الفواصل حينما تعامل مع عمره وأصبح يحارب الشيب بالأصباغ وتجاعيد الوجه بالجراحة التجميلية وهرم القامة بزاهي الثياب.

3- الظاهرات الطبيعية المتكررة (المطر والبراكين والزلازل): لقد كانت مخيفةً له، وغامضةً في أسباب حدوثها فكانت بذلك سبباً في إيمانه بكيفية الوقاية منها حباً أو كرهاً فجعلها من جملة منظمة الغيب التي يجب أن تُعبد.

إن الفهم المعاصر لهذه الظاهرات الكونية جردها من صفاتها الدينية وروادعها الأخلاقية واعترف بإمكان حدوثها على رؤوس من آمنوا ومن ألحدوا لأنه لا توجد علاقة بين هذه الظاهرات وقيمتها الأخلاقية.

هذا الأمر كان مختلفاً عند الإنسان الذي آمن قبل معرفته حيث ربطها بالعقاب لذلك أقام للمطر رباً وللبراكين رباً وللزلازل رباً كما أوردنا سابقاً

وعلى الرغم من إكتشاف الإنسان المعاصر لأسباب حدوث هذه الظاهرات، ظل إيمان الإنسان القديم بجانبها الردعي الأخلاقي أحلى تفسيراً وأحب إلى النفس تأويلاً

ب‌- المجالات المتأخرة: ونقسمها على الآتي:

1- النفس (العقل والعواطف والسلوك): لقد آمن الإنسان بربِه في الآفاق ونسيَ نفسه بكل ما فيها من عمليات النضج وتركيبة الدماغ ومنعكسات الحبل الشوكي ومسيرة الهرمونات والموصلات العصبية وأسرار النوم وكهربائية الدماغ والقلب ووظيفة الحيمن وصورة المبيض وأسرار الدورة الشهرية وإلى آخر ما هناك ان كان هناك من آخر.

ومن بين الأسباب التي جعلت الإنسان ينشغل بالظاهرات الخارجية عن نفسه هو أن الإنسان هذا كان محكوماً بالتطلع إلى كبريات منها نائياً عن فحص الدقيق القريب منه ناسياً أن صورة الكون ممثلة في داخله.

2- الميلاد والموت: عندما تنبه الإنسان الباحث عن خالقه عبر مخلوقاته فأقام لها رموزاً، كان يتوسم فيها نصرته على الموت.وحينما أخفق في الحصول على هذه النصرة بدأ يفقد الأمل في إلههِ المصنوع بواسطته.

واستقر به الحال ان الفسحة الزمنية المحددة بميلاد وموت (وهي حياته) أمرٌ لا يحققه إلههُ الوضعي فآمن أن إله الموت والحياة هو إله آخر يختلف عن آلهة العذاب والنعيم الأرضي لكنه ظل يؤمن بالقوة الأعظم.

3- السلوك الفاجر والسلوك التقي: وهذا المجال هو من المجالات المتأخرة في إيمان الإنسان الذي سبق المعرفة بالله. فلقد كان الإنسان يٌنزه آلهة الخير عن فعل الشر فيجعل للأخير آلهة أُخرى، فيتقرب إلى الأولى بالحب ويبتعد عن الثانية بالنذر والقرابين الواقية من شرها.

إذن كان الإيمان (وقد ظل إيماناً) مُقسماً على مفاصل طبيعة الإله المختص بشرٍ أو خير. إن الإنسان في إيمانه بأن الخير والشر ليسا من صنعه بل من وجود قوةٍ أُخرى تملي عليه السلوكين نحى عن نفسه-بصورة أنانية- فعل الشر ليحيله إلى فاعل خارجي؛ إلى أن جاء النص السماوي الذي يقول: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، واضعاً أمام الإنسان حرية الإختيار والكينونة بواحدةٍ من الخيارين: الفجور والتُقى.

***

وصلنا الآن إلى مناقشة الإيمان بمعرفة ونعني بذلك المحطة التي نضَجَ فيها العقل البشري وتهذبت العواطف. كيف ظهر هذا الإيمان. بمعنى آخر: هل هناك من عوامل أدت إلى ظهوره؟ نعم هناك عوامل.

عوامل ظهور الإيمان بالمعرفة: نستطيع أن نتكلم على هذه العوامل كالآتي:

1- التقدم العلمي الكوني: مما لا شك فيه أنه كلما طابق ما يصل إليه العلم الإنساني بما حوله وبما يدور من فسلجتِه ما قال به الدين مُمثلاً بالكتاب السماوي إزداد إيمان المؤمن وقل إلحاد المُلحد لأن هذه الكتب السماوية نزلت يوم كانت الأداة العلمية للبحث والإكتشاف ضعيفة وقليلة، فلما تقدم الفتح العلمي فوجد أن لدى الباحثين فيه مطابق لما قالت به هذه الكتب تأكدت مصداقية الداعي إلى الإيمان.

ولو كان الكتاب السماوي يروي أحاديث عن أحداثٍ سبق أن حصلت لأصبح بذلك كتاب روايةٍ عن تاريخ يمكن أن يذكره أي مؤرخ، لكن الكتاب السماوي تحدث عن أحداث المستقبل وظل إلى الآن يحمل الكثير من الأسرار التي يكتشفها التقدم العلمي تباعاً.

2- تطور فن الأخلاق: إن الأخلاق التي يسير عليها مجتمعٌ ما من المجتمعات الإنسانية تحمل جانبين: الجانب الفني والجانب العقلي. وكثيراً ما يصادفنا من يقول أن العقل لا أخلاق له ولا يؤمن بها.

هذا هو العقل المجرد الباحث عن المعادلة الحسابية في الأشياء لكن العيش بهذا العقل يعني تصحر النفس البشرية، لأن هذه النفس تحتاج إلى رطوبة العواطف، فنشأ من هذه الحاجة فن الخطاب وأخلاق المعاشرة وأدب النفس وطريقة التعامل.

إن الإلحاد كان يُعلم الإنسان فوضى الكلمات وإهمال الحوار والجدال المثمرين ولو أخذنا القرآن مثالاً على كتب السماء نجده كتاباً ينمي ذوق المحاور وطريقة إمتثال الصغير للكبير والحنو على الضعيف بما لا يجرح فيه نفسه وكرامته، فجاء هذا الكتاب سابقاً دائماً لكل المدارس الوضعية التي تُعلم الإنسان ما يدعي في المدنية الحاضرة ب(الأتيكيت).

3- تقدم دراسات النفس: عندما تحدث الدين عن الثوابت التي تحكم النفس البشرية عارض أهل الإلحاد هذا التوجه وزعموا أنه ضد التقدم العلمي الطبي الذي يحاول أن يسمو بالإنسان نحو الأصح والأفضل.

وحينما توصل الباحثون إلى فسلجة الإنسان والصورة السريرية الناشئة من تفاعل فسلجته مع البيئة شيٌ يفوق الجهد العلمي آمن هؤلاء بما نادى به الدين، حيث الحدود الفاصلة بين المُقرر والطموح وبين الممكن والمستحيل.

كما أثبتت الدراسات المعاصرة في علم النفس الهيولي الكبرى في مغالق وأغوار النفس البشرية فطابق هذا الكشف ما نادى به (علم) الدين من ضرورة الوقفة الطويلة المتأملة أمام هذه النفس، السر المغلق الطلسم الذي يحتاج إلى أقصى الجهد لكشف أبسط الممكن منه.

بهذه المجالات (العوامل) الثلاثة (الكون،الأخلاق، النفس) وجد الفتح العلمي نفسه أمام حالة اللقاء بقول الدين: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).

***

أثر الإيمان بمعرفة: لقد إختلف الإيمان قبل المعرفة عن الإيمان بمعرفة في ظهور آثار واضحة للأخير تفوقَ بها على الأول. ومن هذه الآثار:

1- زوال أو تجحيم الدين البدائي: قام الإيمان بمعرفة الله في دلائل خَلقه بتفنيد العقلية الأولى التي أنجبت دين الميثولوجيا والرمزية الطوطمية.

وعلى الرغم من ذلك ما زالت هناك مجتمعات تمارس طقوس أديانها القديمة بعيدةً عن الإيمان بخالقٍ واحدٍ لا يعتمد التوسط في الوصول إليه.

وتنقسم تلك المجتمعات من هذا النوع على ثلاثة أقسام:

أ‌- مجتمعات لا تملك أدلة القطع الجازم بالتوحيد

ب‌- مجتمعات لا تملك أدلة القطع الجازم بالإلحاد

ج. مجتمعات لا تملك قوة الرفض للقديم من تراثها الذي تملؤه الأسطورة

2- استقرار الإنسان صحياً: ونعني بالصحة هنا: صحة النفس وصحة البدن. فعندما عرف الإنسان ربه عَبر ما خلق فيه وحله من دلائل إعجازه غادر مرحلة القلق.

إن البحث العلمي في المجال النفسي والعقلي والعصبي أثبت أن المؤمن بالله إيماناً مُطلقاً أقل الناس تعرضاُ لأمراض النفس. ولا يُحسب على قولنا هذا ظهور الأمراض تلك في الناس الذين يتعاملون مع حقيقة الله (ووسيلة الإيمان به: الدين) تعاملاً طقوسياً جامداً يخلو من التأمل.

3- زيادة تلاقح الدين والعلم: لقد أضاف الدين إلى العلم الآتي من الأمور:

أ‌- الأخلاق والتهذيب: حيث علم الدين رجل العلم الصبر والتريث وإحترام المجهول واستقصاء النتائج والمطاولة وإنعدام الإضطراب في البحث.

ب‌- قصور الحس عن إدراك اللامحسوس وإبطال مقولة (مالا أعرفه ليس موجوداً )، حيث أعاد الدين إلى العلم ضرورة إحترام ما لا نعرفه وإحترام القادم من النبوءة بالأشياء.

ج. ثبات النص الديني في وجه المتغير العلمي: إن نظريات العلم تتغير، فكثيرٌ مما تم الإستقرار عليه تَعرضَ للتفنيد والإلغاء أو للتطوير إلى أن التقى أخيراً مع الثابت الديني ( أثبت العلم ثبات الشمس ودوران الأرض حولها، وقال الدين أن الشمس تجري لمستقر لها، فناقض العلم الدين الى أن ثبت أخيراَ أن كل المجموعة الكونية تتحرك بإتجاه مرسوم ومنها الشمس فالتقى العلم مع الدين، فتغيرت نظرية العلم وظل النص الديني ثابتاً).

***

لقد أفرز الإيمان بالله بواسطة معرفتهِ عبر وجود آثاره المتحول ظهور الدين. إن الإيمان قبل المعرفة، والإيمان بمعرفة سبق ظهور الدين. وحينما ظهر الأخير احتاج، لكي يؤسس ثباتاً له، إلى ظهور المبادىء الأربعة:

1- المعبد (الكنيسة، الجامع) Established Organization

2- الطائفة، الفرقة Sect

3- الإنتساب أو التلقيب Denomination

4- المحتوى (العبادة أو الدين) Cult

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

ميثم الجنابيالقومية ووعي الذات العربي

أدت حصيلة التأمل الفكري، والمعايشة الشخصية، والاحتكاك المباشر بالواقع العربي، وثقل التاريخ المعنوي، وحماس الوجدان الأدبي إلى تعزيز المقدمة المعنوية لتأسيس الفكرة القومية، أو الانتماء الوجداني العقلاني للعالم العربي من اجل تذليل تجزئته الداخلية. ومن هنا دعوته إلى ما اسماه بضرورة "رفع القومية على العصبية الدينية والمذهبية". كما طالب برفع "الحياة المدنية على الدين"، وتفكيك الطائفية والاستعاضة عنها بالوطنية التي تشكل "الوحدة الجغرافية" ركنها الأول[1]. وإذا كان في البداية يقول، بأنه "لا حياة للسوريين واللبنانيين دون العربي، ولا حياة للعربي مع العصبية والتجزئة"[2]، فانه أصبح يقول "كونوا عرب أولا ثم سوريين ولبنانيين وفلسطينيين"[3]. بل اخذ يطالب بعد ذلك "بموت العصبيات، باستثناء عصبية واحدة هي العصبية العربية"[4].

فقد وجد الريحاني في غياب العصبية العربية عصب المشكلة، التي لازمت فقدانهم للحرية. وهو سبب نقده اللاذع والشديد والمتطرف أحيانا للسيرة التركية والأتراك. فعندما تعرض "لنكبات" العالم العربي، فانه صاغها بالشكل التالي: "وجاءك هولاكو عدو العمران، وتيمورلنك عدو الإنسان، وابن عثمان كابوس الزمان"[5]. واعتبر النزعة التركية وبقاياها أحد الأسباب الخطرة لاستمرار انحطاط العالم العربي وقطع السبل أمام ارتقاءه الأدبي. إذ اعتبر بقايا الظواهر التركية في الحياة الاجتماعية والسياسية خطرا على الدولة والمجتمع. فعندما شاهد بعض مظاهر الأبهة عند الملك حسين، تساءل "إن كان في الحجاز يبتدأ التتريك أم ينتهي"؟[6]. واعتبر ضعف الملك حسين ناشئا عن تشربه بالروح التركية بسبب عيشه بينهم ما يقارب العشرين سنة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "مهما كان من انتصار العرب على الترك في الحجاز وفي سوريا باسم الدين أولا، فان انتصار الروح التركية على زعيم النهضة وكبيرها، إنما هو رأس الخيبة"[7]. ومن هنا يمكن فهم سبب تمجيده لشخصية محمد الإدريسي، الذي وجد الريحاني فيه "عربيا صميميا وجسورا في سبيل ما يبتغيه، يحالف أية دولة كانت على عدائه للترك"[8]. كما أيد فكرة الإدريسي القائل، بأن "أكثر ما تضرر العرب به هو من الأتراك"[9].

شكلت حصيلة هذه المواقف النقدية من الأتراك مقدمة استنتاجه القائل، بأن دخولهم الإسلام قد أّخر الإسلام أيضا"[10]. لهذا اعتبر "التساهل العثماني" تجاه الأديان سياسة ترمي أساسا إلى إخضاع العرب (مسلمين ونصارى). كما وجد في اعتقاد الأغلبية الساحقة في سوريا (والعام العربي ككل حينذاك) بأن الرقي والعمران والسعادة القومية لا تكون إلا بدولة إسلامية فيها العدل والمساواة والرفق بالرعية، بينما إحياء المشاريع الاقتصادية من الأمور ثانوية، هو الذي أّخر سوريا وجعلها خاضعة للسيطرة التركية[11]. من هنا مطالبته بالثورة على السيطرة التركية، معتبرا أن من "الأفضل الاضطراب والعذاب على الراحة المصطنعة"، كما فّضل الثورة على ما اسماه بالراحة الممقوتة، راحة الذل والجهل والعبودية[12].

فكرة العروبة الحية

دفع الريحاني أولوية العروبة على كل معيار آخر. ووضعها في صلب تصوراته عن الاستقلال والحرية والرقي والتمدن وبناء الدولة العصرية. وانطلق من "الحقيقة التاريخية" المباشرة والقائلة، بأن "العرب كانوا قبل الإسلام والنصرانية، وسوف يبقون بعد النصرانية والإسلام"[13]. ولم يقصد هو بذلك وضع أحدهما بالضد من الآخر، بقدر ما كان يقصد تمجيد الكيان الثقافي العربي وضرورة استقلاله في العلم والعمل. ووجد في ذلك استجابة حقيقية لحقيقة الإسلام نفسه، بل أن صيرورته الروحية والوجدانية العربية كانت بمعنى ما الاستجابة الحقيقية لحقيقة الإسلام الحضارية كما عثر عليها للمرة الأولى في كتاب (الحمراء) لارفنغ واشنطون، الذي دفعه للرجوع إلى "مهبط الوحي والنبوة - الجزيرة العربية"[14]. وعلى الرغم من تأكيده المتكرر على انه مسيحي عربي، فإن انتماءه الواعي للعالم العربي جعله أكثر قربا من الإسلام وأشد اندماجا بمكوناته الثقافية. وهو إدراك أوصله إلى القول بأنه لا يمكن للعربي ألا يكون مسلما للثقافة الإسلامية. وهو "قدر" تحسسه للمرة الأولى عندما وصفه ويلز في إحدى مقالاته بعد لقائه به "بالسوري المسلم"!

لقد أدى الاندفاع الروحي والوجداني للريحاني صوب "مهبط الوحي" الثقافي العربي أن يصبح تدريجيا أكثر النصارى العرب آنذاك إسلاما. ووجد ذلك انعكاسه في كل ما خطّه قلمه وخطت قدماه. إننا نعثر على ذلك في شعره ونثره، سجعه ومعارضته للسجع، في رحلاته إلى الجزيرة وصحاريها، وفي بحثه عن شيمة ملوكها وأمرائها العرب، وفي رغبته تصوير قلوبها النابضة. ففي قصيدته التي كتبها عام 1907 في نيويورك تحت عنوان (ريح سموم) نقرأ:

بربك القيوم فالذي تظنه يدوم

صوت سمعته في الكروم

***

يومئذ تنقلب المجتمعات

وترتعد فرائص الطغاة العتاة

وتهب على الأرض الذاريات السافيات

يومئذ ورب الأكوان

لا بقاء لسوى الجد والعرفان

والمعروف والإحسان

وفي قصيدة (الثورة) التي كتبها أيضا في نيويورك عام 1907، نقرأ:

ويل للظالمين، المستكبرين والمفسدين

هو يوم من السنين، بل ساعة من يوم الدين

ويل يومئذ للظالمين

وفي قصيدة (هتاف الأودية) نقرأ:

أنا رسولك إلى صفوة العباد

إلى خير من زين الأحلام في المعاد

وإلى من هام في كل واد

وخط بيراعه (ملوك العرب) و(قلب لبنان) و(قلب العراق)، كما لو أنه أراد إحياء تراث تليد مخفي تحت غبار النسيان لا يكلف المرء مهمة رؤيته سوى أن يصرخ بأعلى صوته من اجل رؤية حروفه الناصعة وكلماته المثيرة ومعانية الجلية. وأشار بهذا الصدد إلى انه جاء إلى الجزيرة العربية من اجل إعادة الارتباط الروحي بتاريخ العرب وبهم[15]. وجعله ذلك مرة يقول "أنا عربي جنسيتي على لساني وفي وجهي وطيّ ضلعي. أنا عربي أرمل البادية عزيز عندي كدم أبنائها. وسيئات العرب أجمل في نظري من حسنات عبيد التمدن"[16]. وهو موقف استقاه فيما يبدو من الفكرة الصوفية القائلة، بأن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. لكن إذا كان للفكرة الصوفية مقدماتها الخاصة في الطريق ومستوى "قهر الإرادة" وتسويتها في مساعيها صوب المطلق، فأن لموقف الريحاني أبعادا وجدانية فقط، أي انه حوّر الفكرة الصوفية التي رفع من شأنها كما هو الحال عند كل الوجدانيين الكبار، إلى نموذج للتذوق الحياتي والفعل الواقعي. وليس مصادفة أن يقول الريحاني مرة، بأن "أجمل الكمالات التي نتمناها محققة في الحياة هي تلك التي تفترض فيها روحية الصوفي الحقيقي بالأعمال السياسية والاجتماعية والأدبية كلها"[17].

لكنه أدراك بحسه العملي، بأن "الكمال الصوفي" هو الكمال الذي ساعده على رؤية العظمة الخفية في تاريخ العرب، المستترة تحت غبار الزمن. وهي رؤية لا تتطلب أكثر من أن ينفضوا هذا الغبار عنها. لأننا في هذا العالم مجرد "رموز زائلة لحقائق خالدة. وكل حقيقة تتكون تكوّنا روحيا جديدا كلما طوى رمزها، وفي كل تكوّن تزداد انتشارا وقوة"[18]. وليست هذه "الحقائق الخالدة" المستعدة للتكوّن الروحي الجديد كلما طوى رمزا سوى حقائق التاريخ العربي. وانطلق في يقينه هذا من الفكرة القائلة، بأن "الأمم التي كان لها في نشر المدنية أيد بيضاء لا تضمحل، بل هي خالدة في مآثرها، وحيّة على الدوام في يقضاتها ووثباتها. والعرب لمن هذه الأمم الخالدة"[19].

كما جعل الريحاني من العروبة معيار الحقيقة التاريخية أيضا. فالفضل الأكبر في بروز سوريا و"عظمتها التاريخية تعود للفتح الإسلامي واستعراب شعوبها"[20]. بل نراه لا يجد في تاريخ سوريا شيئا يستحق التقدير والاعتزاز من جانب ذاتها والعالم سوى "الحقب العربية المجيدة"، التي كانت "الدولة العربية العزيزة الجانب، التي استمرت نحو تسعين سنة، وبالتدقيق إحدى وتسعين سنة وعشرة أشهر، هي الوحيدة الحقة، وما عداها مجرد تخبط بالدماء"[21]. وليس هذا الغلوّ العروبي، الذي يتجاهل قيمة العروبة في الكلّ الإسلامي اللاحق سوى الصيغة الوجدانية الحساسة في مساعيها استنهاض العروبة الخالصة من تحت رماد العثمانية المحترقة في أتون التحلل والفساد. لهذا نراه يضيف "سبب الجهل" إلى جملة الأسباب التي أوردها محمد علي كرد في بحثه عن شقاء سوريا في ظل السيطرة التركية. والمقصود بالجهل هنا هو جهل الأمة بذاتها. وأوصله ذلك في نهاية المطاف إلى إقرار ضرورة بلوغ الأمة إدراك وجودها المستقل من اجل تلافي مصيرها كدمية تتلاعب بها أيادي الأمم الأخرى. ولكي لا يجري استخدام الدول الأجنبية أيا كانت أغراضها، كما استخدمتها الدولة العثمانية. وطالب سوريا بالتخلص من إرث الماضي العثماني القائم على مبدأ "دفع الخراج وأكل الكرباج"[22]. لهذا نراه يقدّر عاليا كل إنجاز مهما بدا صغيرا في مساعي الاستقلال الذاتي العربي، واستعادة الأمة العربية لكيانها الخاص. بحيث نراه يبحث ويَجِدُ في الرمل النظيف لكثبان الجزيرة العربية عما يمكنه أن يبعث الرغبة والشوق اللذين يمكنها تعميق الانتماء الوجداني للعروبة. فعندما يتطرق إلى الحجاز آنذاك، فأنه يكتب قائلا "بأن الحجاز كتاب مفتوح، وأهم ما في هذا الكتاب اليوم بعد الحرمين هو الفصل الذي عنوانه الملك حسين والنهضة العربية"[23]. بل نراه يرفع شأن الملك حسين للدرجة التي يجعله نموذجا للملك الديمقراطي العربي. بل ووجد في شخصيته تجليا "للديمقراطية العربية" وللروحانية الشرقية المتأثرة بالتأدب الغربي. ونفس الشيء قاله عن الملك فيصل ملك العراق، باعتباره "اقرب ملوك العالم المعاصرين إلى الديمقراطية"، وفي ذلك يكمن سبب عدم ارتياح الإنجليز له[24]. ولكنه حالما قارن الملك حسين وابن سعود والإمام يحيى والملك فيصل، نراه يشدد على أن "رعية الملك حسين تطيعه وتخافه، ورعية ابن سعود تطيعه وتحبه، ورعية الإمام يحيى تطيعه دون حب ولا خوف، ورعية الملك فيصل لا تخافه ولا تطيعه ولا تكرهه"[25]. وهي تقييمات متضاربة، وجزئية لحد ما، ولكنها تصبّ في الاتجاه العام للعروبة الوجدانية. وهو السبب القائم وراء محاولات الريحاني إبراز الهوية القومية للملوك العرب والتأكيد على أنهم أولا وقبل كل شيء عرب. وليس مصادفة أن يمجد المتنبي بهذا الصدد ويصفه بشاعر العرب الأكبر، ويستشهد بأحد أبياته الشهيرة بهذا الصدد:

إنما الناس بالملوك وما

تفلح عرب ملوكها عجم

لقد بحث الريحاني في المتنبي عن "واسطة عقد الجوهر في العروبة". ووجد في "شعره الصافي رسالة العروبة" التي جسدها في كل أشعاره[26]. بحيث تمثل في شعره الروح العربي. لذا أصبح كل ما قاله عن كل شيء عربيا خالصا، كما في أشعاره التي أوردها الريحاني

أنا صخرة الوادي إذا زوحمت

وإذا نطقت فإنني الجوزاء

أو أن يقول:

تحقر عند همتي كل مطلب

ويقصر في عيني المدى المتطاول

أو كما في قوله:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

عقيدة الروح القومي العربي

وكما فعل في انتقاده اللاذع للمتنبي وإبراز "العقل العربي" للمتنبي في الشعر، كذلك فعل في موقفه من الملوك العرب في السياسة. فقد انتقد الريحاني بصورة غير مباشرة رذائلهم، ولكنه ابرز ما اسماه بالفضائل العربية الأصيلة. لهذا نراه يقف موقف المعارض الشديد للتغريب الظاهري عند الملوك، ويتعاطف مع ابن سعود. وسجل في إحدى ملاحظاته العميقة هذا التعاطف الوجداني عن صلاة الملك حسين في البادية، وكتب بهذا الصدد يقول، بأن صلاة العرب في البادية وهم يرددون "آمين" اهدنا الصراط المستقيم، لها بعدا وجوديا ومعنويا متطابقا يدرك حقيقته من يقوم في البادية. إذ تصح حقيقة كما تصح مجازا "في تلك الفيافي والمفازات التي تمحو كل أثر بحيث تجعل من الصراط المستقيم نعمة للحياة بالمعنى الحرفي للكلمة"[27]. كما يسجل المعنى الضيق للعروبة في تصورات وأحكام الملوك العرب. ويستنتج من ملاحظاته عنهم، بأن دعوة العرب بالنسبة لهم هي دعوة إسلامية غير قابلة للتجزئة دينيا وقوميا ووطنيا ولغة. وأورد معنى العروبة على لسان الملك عبد العزيز، الذي صورها بأنها "الدين والشرف".

لقد أدرك الريحاني البعد الظاهري في استيعابهم للفكرة القومية، ومن ثم تصوراتهم عن الأبعاد السياسية والثقافية للقومية. إلا انه وجد فيها مع ذلك الحد الضروري الأدنى آنذاك لتوحيد العرب. لذا نراه يقترح للجزيرة أن تتوحد على أساس جعل الملك حسين ملكا دينيا (خليفة) وابن سعود ملك المشرق ككل، والإمام يحيى ملك المغرب، مع بقاء جميع الإمارات ضمنها ولكل منها استقلالها وحكمها الذاتي في الدولة الموحدة. وهو مشروع لم يفقد جوهريته إلى الآن رغم التغيرات الكبرى التي حدثت وتراكمت في مجرى صيرورة الدول العربية الحديثة في الجزيرة.

إلا أن الهاجس الأعمق وراء التقييمات والمشاريع التي اقترحها الريحاني لتوحيد الجزيرة كان يكمن في اعتقاده بقيمة ما اسماه "بعصمة الروح القومية". لذا نراه يعلن على الملأ من أن روحه عربية سورية لبنانية. وهي روح تجنبّه الوقوع في الخطأ. انطلاقا من أنه "إذا كان هناك من عصمة للإنسان ففي هذه الروح التي تربط الإنسان بشعبه وقومه"[28]. وهو موقف وجداني خالص، له معناه السليم من حيث معاييره الصادقة في "ارتباط" الإنسان بشعبه وقومه بما يخدم الوحدة والازدهار والأبعاد الإنسانية فيهما. لقد أراد الريحاني من وراء إعلاء شأن "الروح القومية" وجعلها "قوة عاصمة" من الخطأ تقديم الصيغة الأيديولوجية الأولى للملوك العرب من اجل التمسك بها بوصفها "عروة وثقى" تقيهم من الوقوع في أخطاء التاريخ السالفة، تحت أي غلاف كانت إسلامية أو غيرها. لذا نراه يبرّز في "وثيقة الاستقلال" لعام 1916 التي سجلها للملك حسين ترتيبه لأخطاء السيطرة التركية على العالم العربي ابتداء "من مخالفة نصوص الشريعة وإهانة النبي(!) ومخالفة نصوصا واضحة في القرآن إلى الاحتجاج على إعدام الأحرار في سوريا"[29]. وجعل الريحاني من هذه "العصمة" المقدمة الضرورية واللازمة للدول الجديدة في بناء كيانها الذاتي اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. من هنا إشاراته المتكررة إلى أن أهم ما في الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمت (والتي شاهدها ورعاها شخصيا) هي المواد التي تختص بادخار الأموال من اجل إقامة مشاريع اقتصادية مشتركة[30]. وأطلق بهذا الصدد أيضا تنبؤات عميقة. فهو أول من أشار في كتابه (قلب العراق) إلى ما سيلعبه النفط من دور في المنطقة (على مثال العراق آنذاك). وكتب بهذا الصدد يقول "وقد يصير النفط في العراق في المستقبل روحها الكيماوية العظمى، وروحها المركبة في بوتقة هذا الزمان البراق الخناق"[31]. كما حذر من مغبة تغير النظام السياسي مطالبا بضرورة دعم الأنظمة الملكية من اجل استقرار المنطقة وتطويرها. بل اقترح بأن لا يطالب أيا كان بالنظام الجمهوري وإسقاط الملكية إلا بعد عقود من الزمن. واقترح لذلك ألا تقل هذه المدة عن عشرين إلى ثلاثين سنة. كما طالب الدولة العربية الناشئة بالاهتمام الجدي بالثقافة والتربية والتعليم. واعتبر مساهمة الدولة في إحياء التراث العربي الحي ضرورة كبرى. على أن يجري ذلك بصورة مخططة ومدروسة. بل نراه يقف بالضد من الانهماك في ترجمة الدراسات والآداب الأوربية المعاصرة له، لأنه وجد في كثير منها مؤلفات رجعية أو مادية مبتذلة تختلف شديد الاختلاف عما هو مميز لبداية تطور أوربا وفكرها الإنساني. إذ وجد في هذه الترجمة تخريبا للاستقلال الفكري وترسيخا للاتكالية الفكرية على إبداع الآخرين. وذلك لاحتياج الفكر العربي المعاصر  إلى التمرين على التدقيق والتماسك في التفكير، كما يقول الريحاني. وهي مكونات موجودة في التمدن الحديث، أما الشيء الوحيد الذي يحتاجه العرب من الغرب فهو الإنتاج العلمي[32].

وهو تصور مرتبط بالفكرة التي توصل إليها الريحاني عن أن "مشروع الوحدة العربية" يحتاج إلى "سيادة العقلية العربية الجديدة" التي تساوي عنده سيادة الفكرة القومية العربية. وهي فكرة ومشروع اقترحه الريحاني على أساس وجود وفاعلية "الحكومة المنظمة العادلة" و"المدارس الوطنية العامة" و"طرق المواصلات الحديثة"، بوصفها الأسس المادية التي تربط جغرافيا العالم العربي ي كل واحد.

لقد مثّل هذا التيار مساعي الملوك الجدد والرؤساء الجدد والسياسيين الجدد والرعاع الجدد. وبالقدر الذي أراد تحرير النفس من قيودها التقليدية، فأنه وضعها في قيود التجديد العارم، الذي لم يدرك مخاطر الفطام المبكر. أنه لم يدرك الحقيقة البسيطة القائلة، بأن أصوات الرجال القوية تفترض تمرسها بالبكاء الحار والصادق لمرحلة الطفولة. لهذا كان هذا التيار كالعاصفة في صحراء لا تنبت أشجار ولا تحفر انهارا. وأكثر ثمارها خيرا هو صنعها واحة للمسافرين، بوصفها الحلقة الرابطة بين الصحارى الثقافية التي نشأت تاريخيا بسبب الانقطاع الطويل والانفصال العميق عن مصادر الديمومة الفعلية للدولة العربية وثقافتها المتوحدة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص49.

[2] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص7.

[3] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص50.

[4] المصدر السابق، ص58.

[5] أمين الريحاني: النكبات، ص10.

[6] أمي الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص28.

[7] المصدر السابق، ج1، ص61.

[8] المصدر السابق، ج1، ص316.

[9] المصدر السابق، ج1، ص347.

[10] أمين الريحاني: النكبات، ص109.

[11] المصدر السابق، ص109.

[12] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص19.

[13] أمين الريحاني: أدب وفن، ص125.

[14] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص6.

[15] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص10.

[16] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص129.

[17] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص288.

[18] المصدر السابق، ج، ص287.

[19] أمين الريحاني: أدب وفن، ص101.

[20] أمين الريحاني: النكبات، ص57.

[21] المصدر السابق، ص14.

[22] المصدر السابق، ص147.

[23] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1 ص12.

[24] المصدر السابق، ج2، ص321.

[25] المصدر السابق، ج2، ص433-439. إن ما يشير له الريحاني هنا هو الوجه الظاهري المتعلق بشخصية الملوك العرب آنذاك، أما الوجه الباطني لهذه العلاقة فانه يعكس تقاليد وطبيعة العرب في هذه المناطق من الملوك ومن أنفسها.

[26] أمين الريحاني: أدب وفن، ص116.

[27] أمين الريحاني ملوك العرب، ج2، ص47.

[28] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص16.

[29] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص60.

[30] المصدر السابق، ج1، ص390.

[31] أمين الريحاني:الأعمال الكاملة، 1980، ط1، ج4، ص93.

[32] أمين الريحاني أدب وفن، ص147-148.

 

 

صادق السامرائيإنطلقت (محنة خلق القرآن) في عصر المأمون سنة (212) هجرية، بإيحاء من فقيه المعتزلة (أحمد بن أبي داؤد)، الذي تمكن من عقله وهيمن على مداركه، فجعل القول بخلق القرآن من أهم أركان حكمه، ويُقتل من لا يقبل به.

إستمرت هذه المحنة في السنوات الستة الأخيرة من خلافة المأمون، وزمن المعتصم ومعظم فترة حكم الواثق، أي أنها تواصلت على مدى عقدين (212 - 232)، فتسببت بقتل العديد من أعلام الأمة.

إنها مسألة رأي وتأويل، فما هي علاقة الدولة بالموضوع؟

وتأويل الخلق ضعيف، ويستند على الآية : "إنا جعلناه قرآنا عربية " الزخرف: 3، وجعلناه أي صيّرناه، مما يعني خلقناه، ففي تأويلهم كل مجعول مخلوق، وإن صح أو لم يصح، ما هي دواعي إتخاذها منهجا للحكم؟

القول بخلق القرآن تعني أن القرآن قابل للتأويل، والقول بغيره لا يجيز الخروج عن النص القرآني، وهذا صراع فكري لا يزال قائما في واقع المسلمين، والمأمون كان يميل إلى إعمال العقل في كل شيئ، وتأثرَ بالفلسفة اليونانية، وأمعنَ بالدراسة والتعلم وتقريب العلماء ومحاورتهم، ولهذا مال إلى مناهج ورؤى المعتزلة، وتمكن منه فقيهم البارز (أحمد بن أبي داؤد)، وصار يأتمر برأيه، وينفذ إرادته، وقد إستغل هذه الفرصة لفرض رؤيته في الحكم، فابتدع فكرة (خلق القرآن)، ليجبر الفقهاء والممثلين للدين بإتباع مدرسة المعتزلة، وهي فكرة ذكية مختصرة بكلمتين.

وولعُ المأمون بالفكرة كان غريبا وقويا وحازما، وما تردد بسفك دم من يرفضها من أعلام الأمة وفقهائها، وهذا سلوك يستحق وقفة طويلة وإمعان بدراسة شخصية المأمون التي يبدو أنها تعاني من عاهات مزمنة.

وكانت وصيته للمعتصم عندما عهد له بولاية العهد واضحة وصريحة، بضرورة إتباع (إبن أبي داؤد) والإذعان لإرادته، وتنفيذ أوامره بمسألة (خلق القرآن) وإمتحان الناس بها.

و(إبن أبي داؤد) تسبب بمقتل عشرات الفقهاء، وتحكم بثلاثة خلفاء لتمرير نواياه الخفية، التي روّعت فقهاء المسلمين وأعلامهم في كل مكان.

وقدم مثالا واضحا على العدوانية والإنتقامية، والتعبير عن العاهات النفسية والسلوكية بأساليب دينية، وكأنه التقي الورع النقي المنزه من السوء والبهتان، وهو عدواني متبرقع بلباس الدين، الذي خدع به خلفاء تمكن من وعي ما في نفوسهم من أهواء ورغبات.

فكانت وحشيته تتألق عندما يوضع الفقهاء على النطع، ويقترح بدم بارد على الخليفة بضرب أعناقهم بالسيف، لأنهم كفرة وزنادقة لعدم إقرارهم بخلق القرآن، فينفذون أوامره!!

ويبدو أن لكل فترة حكم قميص، فمنذ (قميص عثمان) التي إبتكره (معاوية بن أبي سفيان)، وحتى اليوم، هناك قميص لكل نظام حكم، وخلق القرآن قميص إتخذه الخلفاء الثلاثة وسيلة للتحكم بمصير العباد، وإذعانهم لإرادتهم المطلقة.

وفي تأريخ الخلفاء للسيوطي: " قُتِلَ أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من أهل الحديث، قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أحضره من بغداد إلى سامرا مقيدا وسأله عن القرآن، فقال: ليس بمخلوق، وعن الرؤية في القيامة، قال كذا جاءت الرواية، وروى له الحديث، فقال له الواثق: نكذب، فقال للواثق: بل تكذب أنت، فقال: ويحك يُرى كما يُرى المحدود المتجسم، ويحويه المكان ويحضره الناظر؟

إنما كفرت برب صفته ما تقولون فيه؟

فقال جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله: هو حلال الضرب، فدعا بالسيف، وقال: إن قمت إليه فلا يقومَن أحد معي، فأني أحتسب خطواتي إلى هذا الكافر، الذي يعبد ربا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع فأُجلِس عليه وهو مقيّد، فمشى إليه، وضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فصلب بها، وصلبت جثته في سر من رأى، واستمر ذلك ستة سنين إلى أن تولى المتوكل، فأنزله ودفنه. (فهل يُعقل أن تبقى جثة معلقة لستة سنوات؟!!).

ولما صُلبَ كُتبتْ ورقة وعلقت في أذنه فيها :هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الأمام الهارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره."

هذا فقيه ثقافته لا تضاهى يؤتى به ليقف أمام خليفة قليل الثقافة، ومشحون بالإنفعالية ومُحشد من فقهاء المعتزلة لمناصرة مسألة (خلق القرآن) وقتل مَن لا يقبلها، ويوهمونه بالمعرفة والقدرة على المحاججة، وأنه على حق، ويحِق له أن يكّفر مَن يكّفر ويقتل مَن يقتل، وهو كالدمية في أيديهم، ويحللون له ضرب عنق الفقيه، الذي عليه أن يفتخر به ويعزه، بدلا من إذلاله وقتله.

وما فعله به وإبقائه لجثته ورأسه معروضة على الناس، إنما يشير أن (خلق القرآن) قميص للترعيب والتخويف وتأمين الإذعان المطلق، فالمشكلة في تأكيد فاعلية (الأمر والطاعة)، فلا رأي ولا قول غير ما يهذرب به السلطان، ومَن حوله من المتسولين الميتين الضمائر والفاقدين للقيم والأخلاق، والذين يهمهم ما يكسبونه من العطايا والجاه.

واليوم هناك العشرات من أمثال (إبن أبي داؤد) في مجتمعاتنا التي تعيث فيها العمائم فسادا وسفكا للدماء، وما أكثرهم وهم يتصرفون من وراء حجاب، فكل سلوك بشع مسوّغ بقتاوى المبرقَعين بدين!!

ولعنة الله على كل أفّاكٍ مُتاجرٍ بدين!!

وأتمنى أن يدحض ماتقدم قلم مختص من العارفين!!

 

د. صادق السامرائي

 

ميثم الجنابياعتقد الريحاني، بأن تغلغل السياسة والرؤية السياسية المتطرفة للأمور هو سبب التفاؤل المفرط والتشاؤم المفرط. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "المتشائمون والمتفائلون في الشرق لا يتجاوزون في نظراتهم ومساعيه الحدود السياسية"[1]. وهو حكم دقيق ينطلق من فكرة الريحاني نفسها عن أن الإصلاح هو تدرج في ارتقاء من المستوى الطبيعي إلى المستوى الاجتماعي ومنه إلى الأخلاقي، أي عملية مترابطة ومعقدة تفترض التوازن والتجانس بين مكونات التطور والرقي. لهذا حذر من مغبة التطرف وتجاهل قيم الإصلاح الحقيقي. وتوصل هنا إلى أحد أهم استنتاجاته الفكرية العميقة القائلة، بأنه "إذا اختل التوازن في المنفعة ومالت كفة الميزان فهناك السيادة الفاسدة أجنبية كانت أم وطنية، من القوي كانت أم من الضعيف، وهناك الاستيلاء والاغتصاب والظلم والاستبداد"[2].

من هذا المنطلق يمكن فهم موقفه من تقييم ثورة العشرين في العراق، التي وجد فيها تسرعا. إذ اعتقد حينذاك بأفضلية وجود الإنجليز المؤقت في العراق انطلاقا من أن العراق تحمل السيطرة الأجنبية (من فرس وأتراك) حوالي الف سنة، وبإمكانه أن يتحمل ذلك سنة أخرى! لاسيما وأن المعتدلون والمتطرفون يدركون بأن الاستقلال لا يعطى مجانا. وأن الانصياع والاندفاع وراء رجال الدين مهما كان إخلاصهم، لا ثبات فيه، لأنهم عرضة للتغير السريع. وليست الثورة في الواقع سوى نتاج مغامرات رجال السياسة وتأييد القبائل، وليست نتاج تطور اجتماعي وإدراك حقيقي للتقدم. لهذا أدت إلى صنع أحد أسباب التخريب الكبيرة، ألا وهو تأسيسها لشرعية استخدام السلاح وتقاليد الاقتتال عوضا عن دفع أولوية صراع الفكر وحاكميته في حل الخلافات. ولعل القدر الإيجابي الوحيد في ثورة العشرين في العراق، أنها وحّدت العراق في مدنه وقراه وقواه[3]. ولم يعن ذلك انتقاده للثورة كما هي أو انتقاصه منها. على العكس. فقد قيّم الريحاني الثورة عاليا، بل اعتبرها ضرورة تاريخية ووجد فيها "كلمة الله مجسدة في الأشياء"[4]. بل وجد تجليها في كل شيء، بما في ذلك في الطبيعة من زلازل وبراكين وسيول وطوفان. ومن هذا المنطلق توصل إلى أن تاريخ الإنسان هو "هزات هائلة تسمى بالثورات والحروب"[5]، أي انه أعطى لها بعدا ناموسيا (طبيعيا)، واعتبرها حلقة ضرورية في كسر مسار التاريخ "السيئ". من هنا استنتاجه القائل، بأن الثورة هي "مطهر الأمة وقد ثارت على ما فيها من الظلم والفساد، ومطهر الإنسان وقد ثار على ما في نفسه من قديم التقاليد والخرافات"، وبالتالي فأن من لا يثور على ما في نفسه لا ينجو من العبودية، ولا حق له بأن يشكو من العبودية[6]. واعتبر نفسه لهذا الغرض إنسانا ثوريا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه ثوري لا تهمه الكعبة أكثر مما يهمه الدستور[7]. ولكنه "ثوري روحي سلاحه الكلمة". وأكد في إحدى مقالاته على أنه كان متخصصا في البداية بحياة روبسبير وكتب سلسلة مقالات عن "زعيم الثورة المعصوم" لجريدة شبلي شميل[8]. وهي "عصمة" وجدها في كل تاريخ الثورة الفرنسية والثورة البلشفية بالنسبة لتاريخ العالم ككل. وأورد بهذا الصدد الحكاية التي تروي قصة الملك الذي أمر باختصار حجم الكتاب الكبير الذي دوّن له حسب طلبه لأجل معرفة تاريخ الشعوب كلها. وعندما اختصره للمرة الأولى رده إليه ثانية وأمر باختصاره مرة أخرى. وفي كل مرة بعد اختصاره يأمر باختصار إلى أن شارف على الموت. عندها اختصره له الحكيم بعبارة واحدة:"لقد تنفسوا وتنافسوا وتعرفوا وماتوا"! وعلق على هذه الحكاية، قائلا بأن "في الأمة الفرنسية من نتائج الثورة العظيمة ما تبقى آثاره حية في ترقي الأمم"[9]. ونفس الشيء قاله عن الثورة البلشفية، التي "زرعت بذور الإصلاح البشري الأكبر، بحيث وجد فيها أسلوبا لتطهير الشرق من أمراضه واستثارته صوب الترقي"[10]. واعتقد بأن الثورة البلشفية أو ما اسماه أحيانا "بالكارثة الحمراء" تغطي برياحها "على كل الأضاليل الروحية والمدنية والسياسية والاقتصادية التي قيدت الإنسانية منذ البدء حتى الآن"[11].

فالثورة بالنسبة للريحاني هي ليست فعلا مرتبطا بالبطش. ولهذا عارض فكرة كارليل، الذي وجد فيها فعلا لأجل الخبز. ورد عليه قائلا، بأن المؤرخ الذي يعتقد "بالصعود المتواصل والترقي الدائم فهو لا شك يرى أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"[12]، أي أن للثورة أبعادا تتجاوز المتطلبات المادية المباشرة. فالثورة هي "كلمة الله المجّسدة في الأرض"، أي أنها معنى البديل الحق. لهذا نراه يقول، بأن قوة الفوضى زمن الثورات يتبعها نظام جديد مبني على الخير والعدل هو أفضل من المظالم المستمرة[13]. لاسيما وأن الثورات في الأمم هي "نوع من العدل البشري الذي يمده من جهة عدل الإنسان، ومن جهة أخرى عدل الله"[14]. وليس عدل الإنسان وعدل الله هنا سوى الصيغة "التقليدية" لوحدة العدل كفضيلة (أخلاقية) والارتقاء (كحاجة طبيعية). وفي نهاية المطاف يرتبطان بحرية الإنسان وإرادة الخير باعتباره تحررا. وهي فكرة نعثر عليها واضحة في بحثه الذي قدمه عن (الشاهنامة) وفي تمثيليته (وفاء الزمان)، التي جعل من الثورة فيها أسلوبا للتحرر من الظلم كما جعل من الفعل الإنساني شرطا ضروريا للتحرر. ومن ثم ليس الإبداع الحق للحرية سوى الفعل الذي لا يحدده شيئا غير الحق. وليس مصادفة أن يشيد الريحاني بالخوارج ويعتبر نفسه خارجيا، على الأقل في ميدان اللغة والأدب[15]. وأن يفسر فكرتهم عن أنه "لا حكم إلا لله" بمعناها الصحيح، معتبرا إياها تمثلا وتمثيلا للحق المطلق، أي حق الجماعة (المجتمع). بل اعتبرها كلمة عظيمة لم ينضج آنذاك المجتمع ولا الآن لتمثل حقيقتها كما هي. وذلك لأن تنفيذها يفترض ارتقاء المجتمع إلى مصاف الحق[16]. كما وجد في المسيح اشتراكيا مبشرا بالحرية والعدل والمساواة وعدوا للمسيحية المعاصرة والكنيسة، لأنهما على طرفي نقيض. إذ لو ظهر المسيح الآن لخاطب المسيحية والكنيسة قائلا: أين عهد الإيمان؟![17].

لم تكن آراء الريحاني المبعثرة عن الثورة في مقالاته وتعليقاته وتمثيلياته ويومياته سوى الوجدان الذي تحسس وتلمس معنى الانتفاضة على الواقع القائم والرد إلى الرذيلة المنتشرة بوجد الفيلة ونفيها لمضاداتها. لهذا اعتبر طريقة الشخصية المثلى في الثورة هي إنجاز الثورة الفكرية. من هنا فكرته عما اسماه بأولوية الثورة الأدبية على الثورة السياسية، وأولوية الثورة الروحية على الثورة الاجتماعية[18]. ولهذا السبب وجد في الفلسفة الرواقية "أصلح الفلسفات"، لأنها "تعلمّ الواجب والإرادة والهمّة"[19]. وفي هذا تكمن رؤيته للدنيوية (العلمانية) والمجتمع المدني باعتبارهما ميدان تجلي الثورة السياسية والاجتماعية. وبهذا المعنى أيضا يمكن فهم آراءه عن ضرورة إصلاح الدين وتنقيته من خلال "تخليصه من السياسة". ووجد في ذلك الشرط الضروري للإصلاح، الذي لا تتم بدونه النهضة الفكرية والروحية الحقيقية[20]. ومن هنا شعاره "كن من أنصار الدعوة الإصلاحية التي تنير بنور الوطنية"[21]. وليس مصادفة أن ينتقد بهذا المعنى كل من الأفغاني وسليم سركيس اللذين اشتركا في اللهجة الحرة والغيرة الشرقية والجرأة، إلا أنهما لم يتجردا من التقاليد الدينية، الأول من الإسلام والثاني من النصرانية. واعتبر ذلك ضعفا[22].

إن الشيء الوحيد الذي يجمع آراء الريحاني المتضاربة هو وجدانيتها الصادقة، أي ليس فقدان النظام الفكري فيها سوى الصيغة التي تتفاعل مع متغيرات الوجود. أما هذه المتغيرات فهي الوحيدة التي تستحق الانتباه والتأمل والتحليل وتحديد المواقف. وهي وجدانية أرادت جمع كل شيء من اجل قول كل شيء. لهذا ظلت عائمة مع ما هو قادر على العوم، وغائصة مع ما هو قادر على الغوص، ومتحركة مع ما هو حي، وجامدة مع ما هو ساكن. كما احتوت على أنواع المتضادات دون أن ترتقي إلى مصاف الوحدة. ولم يكن ذلك معزولا عن رغبتها الوجدانية الصادقة في الوحدة. بل يمكن القول، بأن الوحدة هي علة التنوع والمتضادات في إبداع الريحاني وهاجسه الخفي. وقد أجاب مرة على سؤال عن ماهية ذاته، قائلا "من الناحية العنصرية هي سامية آرية (آشورية-إيرانية-يونانية-عربية)، ومن الناحية الدينية هي بعلية-ادونيسية-مسيحية-إسلامية-صوفية، ومن الناحية الأدبية هي شرقية-غربية، ومن الناحية السياسية هي أرستقراطية (شرقية بالإرادة) وديمقراطية (غربية بسيطة)"[23]. وهو خليط يمكن عقله والقبول به، باعتباره أمرا "طبيعيا" من الناحية التاريخية والثقافية "للنشوء والارتقاء" الفردي للريحاني. ولكنه خليط ظل "متجزئ" في المواقف، أي انه لم يتحول إلى نظام معقول له مبادئه المستقلة. وهي نقيصة لها فضيلة في ميدان المعركة الدائرة آنذاك في العالم العربي بشكل عام وفي سوريا الطبيعية بشكل خاص، من اجل "الارتقاء" عن حضيض التجزئة والطائفية.

لقد أراد الريحاني القول، بأن الوجود "الطبيعي" للعالم يفترض انطلاقه من المستوى "الطبيعي"، والإرتقاء إلى مصاف المستوى الأدبي والروحي. وهو ارتقاء لا يمكن تجسيده دون ما اسماه بالتساهل، حيث وجد فيه مبدأ ضروريا ومطلوبا في كل أمور الحياة[24]. إذ أنه "أساس التمدن وحجر زاوية الجامعة المدنية"[25]. وفي هذا يكمن سرّ معاداته للحزبية والسياسة المبتذلة، باعتبارهما الأساليب الأشد تدميرا للكينونة العربية ووحدتها الداخلية. واستغرب أن يكون ما اسماه بالأمة السورية التي لا يتجاوز عددها ثلاثة ملايين أن يكون فيها خمسة عشر حزبا وملة. وجعل من شعر ابن عربي

لقد صار قلبي قابلا كل صورة       فمرعى لغزلان ودير لرهبان

شعاره العملي في محاربة التجزئة والحزبية والطائفية بمختلف ألوانها وأشكالها ومستوياتها. وردد في أكثر من مكان آراء ابن عربي عن أن قلبه يتسع للأديان جميعا، لأن دينه هو دين الحب، فكيفما توجهت ركائبه فالحب دينه وإيمانه. وهو رد يستند إلى ملاحظاته ودراسته لتاريخ سوريا، باعتباره تاريخ النكبات بسبب العصبية والقبلية والجهوية والأسرية والطائفية. ووجد في العصبية سبب سقوط الدولة العربية، التي طابقها مع المرحلة الأموية فقط. واعتقد بأنها عصبية ظالمة وليست عصبية عربية جامعة للكلّ[26]. وتجربة التاريخ العربي تكشف عن انه حتى الدين التوحيدي (الإسلام) لم يستطع القضاء على عصبيات العرب من قبلية وجهوية ومذهبية. وجعله ذلك يصف سوريا ببابل العصبيات وبابل الأديان[27]. وهي تسمية يهودية توراتية تفتقد لما يسعى إليه الريحاني نفسه، لأن بابل هي ليست رمزا للعصبية والتجزئة، بل رمز القدرة الكبيرة على ردم عصبيات اليهود وأمثالهم. إلا أن معناها هنا يقوم في ذم التجزئة. وقدم نفسه نموذجا لتجاوزها، عندا كتب يقول، بأنه لبناني المولد عربي اللسان، ماروني مسيحي، روحه في العالم العربي ككل. وتوصل إلى هذا الإدراك في مجرى رحلته المديدة إلى أمريكا ورجوعه منها إلى مسقط رأسه. ذلك يعني أن العصبية التي نشأت معه عرضة للتغير والتبدل والارتقاء، شأن كل شيء آخر. من هنا اعتقاده بإمكانية حل العصبية في سوريا والعالم العربي ككل. أما حلها فيفترض القضاء عليها. إذ العصبية بحد ذاتها ليست حكما أزليا، بل عرضة للتغير. ومن ثم فهي عملية تحوير وتحرير. وحلها الحقيقي يقوم عبر استبدالها بفكرة القومية أو الوطنية السليمة. والتجربة التاريخية لسوريا تكشف عن أن "الأقليات" الدينية والطائفية والمذهبية وما شابه ذلك عادة ما تكون "طعما للسائد من الحكام" و"مطية للمظالم" و"سيفا بيد الغزاة" وفريسة للمنتفعين". كما أنها كانت في الأحوال جميعا ويلا على نفسها وعلى الأكثرية في البلاد[28]. ولعل أشد هذه الأشكال إثارة في التعصب هو التعصب الديني والطائفي. بحيث وجد فيه "آفة الشرق الكبرى". من هنا استنتاجه الراديكالي القائل، بأنه "إذا كان الكفر هو السبيل الوحيد للقضاء على هذا التعصب، فلا بأس من أن يكون الكفر لازما للشرق"[29]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] المصدر السابق، ج2، ص137.

[2] المصدر السابق، ج1، ص353.

[3] أمين الريحاني: ملوك العرب، 2، ص335-336.

[4] أمين الريحاني: بذور الزارعين، ص38.

[5] أمين الريحاني، التطرف والإصلاح، ص24.

[6] المصدر السابق، ص24.

[7] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص129.

[8] أمين الريحاني: وجوه شرقية وغربية، ص146.

[9] المصدر السابق، ص56.

[10] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص19.

[11] المصدر السابق، ص23.

[12] أمين الريحاني: وجوه غربية وشرقية، ص52.

[13] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص19.

[14] أمين الريحاني: وجوه غربية وشرقية، ص19.

[15] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص154.

[16] المصدر السابق، ج2، ص133-134.

[17] المصدر الساق، ج2، ص142-143.

[18] أمين الريحاني: الطرف والإصلاح، ص31-32.

[19] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص183.

[20] المصدر السابق، ج2، ص130.

[21] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص15.

[22] أمين الريحاني: وجوه شرقية وغربية، ص111-112.

[23] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص10.

[24] المصدر الساق، ج1، ص15-16.

[25] المصدر السابق، ج1، ص25.

[26] أمين الريحاني: النكبات، ص74.

[27] المصدر السابق، ص59.

[28] المصدر السابق، ص5.

[29] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص15.

 

 

ميثم الجنابيإن التاريخ بالنسبة للريحاني هو ليس مادة وعي الذات وأسلوب الرؤية الواقعية وفرضيات البدائل الممكنة، بل مدرسة المواجهة الوجدانية مع الواقع وآفاقه. وتحتوي هذه المواجهة في أعماقها على أثر ما ادعوه  بتيار "لغة الضمير" و"تحصين الأركان" كما كان الحال عند جرجي زيدان وأمثاله، دون أن تتمثل استنتاجاتهما بصورة متجانسة مع تجاهلها لإبداع الإصلاحية الإسلامية الكبير. لهذا نراه ينتقد بصورة لاذعة آراء كارليل المليئة بأساليب الازدراء والسخرية في تعامله مع الماضي، معتقدا أن هذا الأسلوب لا يليق في سرد التاريخ لأنه كثيرا ما يشوش المعنى الحقيقي فيه[1]. بينما يعتمد على رؤيته عن البطولة والأبطال في التاريخ باعتباره أسلوبا جوهريا في "نسيان" الماضي، من ثم أسلوبا للتأهب نحو مواجهة الحاضر والمستقبل. ويندفع في نفس الوقت إلى "تسويد" الماضي وتعريته من كل فضيلة من اجل ألا ينخدع المرء به. ففي تعليقه على كتاب (خطط الشام) لمحمود على كرد، الذي جعل من تاريخ الدولة العربية الإسلامية نموذجا مثاليا يستحق التعظيم والبعث والمحاكاة، نرى الريحاني يبحث في التاريخ السوري (العربي) عما اسماه "بالنكسات". بحيث يقدم لنا في كتابه (النكسات) صورة مضادة تماما "للصورة الجميلة" عن التاريخ العربي. إذ يجعل من تاريخ سوريا سلسلة من النكسات القبيحة ابتداء من "الاستيلاء المصري" عليها وانتهاء "بالمماليك"، مرورا بالآشوريين والفرس والسلوقيين والأنباط والغساسنة والرومان والعرب والصليبيين وهولاكو! ويتحول تاريخ سوريا عنده هنا إلى سلسلة من الهدم والردم والخراب والدمار. إضافة لذلك أدت "موضوعية" الريحاني الوجدانية في التعامل مع "أحداث" التاريخ "السوداء" فقط إلى أن يتناسى دورته. وهو نسيان له قيمته الإيجابية في ما اسماه الريحاني نفسه بضرورة التناسي، لأن الهاجس المباشر وراء "اكتشافاته" للنقاط السوداء في التاريخ يتلألأ في بحثه عن العدالة والسلم والحرية والتسامح والعمران. مع أن كل هذه القيم لا يعقل إدراكها بمعزل عن نقائضها. وذلك لأن عمق محتواها نفسه يتحدد تاريخيا بمدى وسعة وعمق وجوه الشر والظلم والاستبداد.

إن تحويل التاريخ إلى "نكبات متواصلة"، لا يبدع وعيا ذاتيا، بل يؤدي في أفضل الأحوال إلى بلورة رؤية نقدية عادة ما تحفر فجوة الانفصال والانقطاع الثقافي مع التاريخ الذاتي. وأقصى ما يستطيع الوعي الفردي والقومي بلوغه فيها هو حدود القيمة الوجدانية للأبطال. وهو السبب الذي جعل الريحاني يطالب الإنسان العربي بقراءة التاريخ من اجل إدراك اللب فيه، و"من اجل نسيان قريضه وقوافيه". ووضع هذه الفكرة في عبارته القائلة "اقرءوا التاريخ متفهمين روحه وروح أبطاله، فتودون إذ ذاك أن تنسوا الماضي"[2]. ومع أن "نسيان الماضي في قريضه وقوافيه" يعني بالنسبة للريحاني استذكار أبطاله وذواته القوية والفاعلة، والذي نعثر عليه في إلحاحه على أن يكون هذا النسيان "مقدمة كتابة صفحة جديدة في تاريخ هذه البلاد"، إلا انه لا يؤدي فعليا إلا إلى اجترار تجارب الماضي والوقوع في دورة التاريخ التجريبية. وذلك لأن الوجدانية العارمة لا يمكنها خزن تجارب الماضي ولا جعلها وسيلة لترسيخ وعي الذات الثقافي ونفيه الدائم.

لقد "حرر" ذلك آراء الريحاني من هاجس الحصانة الذي ميز آراء أسلافه كالطهطاوي وخير الدين التونسي، وأبقى في نفس الوقت عليه بهيئة ذرات منحلّة لا يجمعها نظام، كما هو جلي في مقارناته بين الشرق والغرب. أما مساعيه لتوليفهما في سبيكة جديدة، فإنها مجرد تمني يستحيل تحقيقه، لأنه من مكونات مختلفة. فنراه يعظم إنجازات الغرب الأوربي في مختلف الميادين بحيث جعل منه نموذجا للمحاكاة وحافزا للرقي والتمدن الشرقي من جهة، وينتقد بصورة جلية ومستترة ما يتميز به هذا التمدن الأوربي من نواقص جوهرية.

فنراه ينتهز في مجرى استعراضه لأعلام الشرق والغرب كل فرصة متاحة من اجل كشف خلل الحضارة الأوربية. ففي تطرقه، على سبيل المثال، إلى شخصية تولستوي، نراه يشير إلى "أن أعماله تثبت أقواله، وله أقوال هي اقرب إلى رد الفعل على التمدن الأوربي مما هي إلى التعاليم التي قام عليها هذا التمدن"[3]. وارجع سرّ الخلل الجوهري في التمدن الغربي إلى ما اسماه بمدنية المال. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "تمدن أهل الغرب مؤسس على التجارة فقط. وروح التجارة الخبيث سائد على دوائرهم الاجتماعية والمدنية والأدبية والدينية". بل التمدن "عندهم هو التمويل بجميع أساليبه"[4].

وارجع أسّ التمدن الغربي، بما في ذلك خارج النطاق الأوربي إلى سيادة ما اسماه بروح التجارة. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأن "روح التجارة الخبيثة منبثة في دوائرهم الاجتماعية والمدنية والدينية. ومن اجل التجارة ينشرون حضارتهم في الشرق"[5]. فالولايات المتحدة علي سبيل المثال، حررت "نفسها من سيادة التاج البريطاني، ولكن فيها تيجانا أكثر خباثة"، كما أنه "لا الاختراع ولا الحرية متخلص من سيطرة المال عندهم"[6].

وتوصل في نهاية المطاف إلى أن ما يميز روح المدنية الغربية، بما في ذلك فكرها الإصلاحي، هو "سيادة روح التجارة والقوة والسيطرة"[7]. وهو روح شق لنفسه الطريق في حروب الأوربيين ضد الشعوب الضعيفة والاستيلاء على ثرواتها وقهرها. وليس ذلك في نهاية المطاف سوى النتاج الملازم للخلل الجوهري في الحضارة الغربية، وبالأخص بسبب سيطرة وسيادة التعصب والفكر الفاسد فيها. فهي تتساهل فيما بينها، على عكس ما هو عليه الأمر مع المستضعفين والمختلفين معها. ذلك يعني أنها لا تتمسك بالمبدأ الشريف الذي تدعو إليه[8]. ولعل معاهدة فرساي وما تبعها من نتائج وسياسيات بعد الحرب العالمية الأولى قد ذهبت أدراج الرياح وكشفت عن حقائق التمدن الأوربي. فكل الأحاديث والشعارات عن جمعية الأمم وحرية الشعوب الصغيرة والحكم الذاتي واستئصال السياسة السرّية وتخفيض السلاح وما شابه ذلك، مستمر لحد الآن بل وبقوة أشد وأخشن وأرذل[9]. في حين أن لدى الشرق من الصفات والفضائل ما تمكنه من إنقاذ الحضارة الغربية نفسها من رذائلها. إذ لدى الشرق من السكينة والاطمئنان ما لو وجد شيء منه في الغربيين لقلّت في مجتمعاتهم المنكرات والمفجعات مثل القلق والسكر والانتحار، وكذلك لقلّ تكالبهم على الماديات ولقلّت الحروب. كما توجد عند الشرقيين (والمسلمين بالأخص) من الديمقراطية الحقيقية في الحياة الاجتماعية ما لو توفر لدى الغربيين ليّسر لهم حل المشاكل الاقتصادية التي تهدد بالبلشفية![10].

بصيغة أخرى، إن إنقاذ الحضارة الغربية ممكن من خلال ما اسماه بوصل الشرق بالغرب، أو حسب عبارته بوصل "عالم العلم بعالم الشعر والروح"[11]. لكن إذا كانت آفات التمدن الغربي معروفة ويجري محاربتها، فأن الشرق بدأ ينتفض لتوه. مما يعطي له حق التمرد والانتفاض والثورة إذا استلزم الأمر من اجل الحرية[12]. إننا نعثر في الشرق على أثر التطور الاجتماعي، ولكنه ما يزال يعاني من "ضعف النشوء الطبيعي" و"الارتقاء الخلقي"، أي القوة المادية والأدبية. وأن الذي يقيدهما هو التقاليد والعقائد التي لا تلتئم مع العصر. من هنا فأن نهضة الشرق تفترض تحرره من قيود القديم أولا، ومن ثم الاستناد إلى نظام يقضي على الفوضى المنتشرة فيه[13]. ولا سبيل لذلك غير الثبات الدائم والمجاهدة الذاتية، لأن مشكلة الشرق تقوم في "افتقاره إلى الثبات الذي يتغذى به الإتقان"[14].

وهو افتقار عانى منه الريحاني. فهو لم يستطع تمثل هذا "الافتقار" وتجاوزه منهجيا رغم إدراكه العميق لآثاره وتأثيره في مجال العلم والعمل. فقد أعاقت وجدانية الرؤية وهواجسها العميقة صياغة نظام "للثبات يتغذى به الإتقان" العلمي والعملي. وهي صفة ميزت اغلب كتاباته. ولعل (بذور الزارعين) أحد النماذج الرفيعة لما يمكن دعوته بالحكمة المبتورة. فقد مثل الريحاني مزاج المرحلة العاطفي للخلاص من قيودها. وليس مصادفة أن تتشبع آراءه وآراء "الانعتاق الوجداني" بالحماسة المخلصة "لناموس الارتقاء والتطور". فقد تغلغل يقين الدارونية الطبيعي في وجدانية الرؤية وجعل من "بذر البذور" المهمة الأولى والضرورية، والقيمة الكبرى للفعل والعقل، لأن يقين نموها اللاحق وارتقاءها وتطورها هو نتيجة طبيعية أيضا!

تمثل الريحاني هنا أسلوب شبلي شميل في موقفه من "سنّة الارتقاء والتطور". وعبّر عن ذلك في (وجوه شرقية وغربية) قائلا، بأن من محاسن شبلي شميل هو ثباته على آرائه، وأنه أول من بّشر ونشر مبدأ النشوء والارتقاء في الأمة العربية، وله المقام المنشود فيها[15]. وكرر في أكثر من موضع في كتاباته على جوهرية مبدأ الارتقاء والتقدم والتطور، وجعل منه "ناموسا عاما شاملا ينطبق على الطبيعة الفكر والحياة". وكتب بهذا الصدد يقول، بأن فكرة القضاء والقدر كانت في يوم من الأيام قوة دافعة، أما الآن فأنها قوة مدمرة. والشريعة التي حررت المرأة فيما مضى أصبحت غير مقبولة الآن كما هي. كل ذلك يستلزم أخذه من قبل الجميع أدباء ورجال دين وسياسيين[16]. لاسيما وأن كل ما "ظهر في العالم حتى اليوم من حقائق الاجتماع والسياسة والدين، إنما هو خاضع لناموس التطور والتحول، وناموس النشوء والارتقاء"[17].

لم يكن تركيز الريحاني على "ناموس النشوء والارتقاء" سوى الصيغة النظرية للأعراض النفسية الملازمة للانبهار الوجداني في تأمله بساطة الاكتشاف وروعته في نفس الوقت. فقد ترافق اكتشاف هذه "الناموس" مع بداية اكتشاف "الأنا العربية" و"نشوءها وارتقاءها" المعاصر. فمن الناحية الفعلية لم تكن فكرة النشوء والارتقاء سوى فكرة الصيرورة التاريخية الخاصة للثقافة الأوربية المعاصرة، أي أنها لم تكن عنصرا علميا خالصا فيها. وهو سبب وشرط تغلغلها في نسيج الوعي الفلسفي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي وتمثلها بصيغ ومستويات ذوّب حقائقها في صرح الأوربية وكيانها الروحي. بينما لم تكن بالنسبة لتقاليد الوجدانية العربية، كما هو الحال عند الريحاني وسلامة موسى وشبلي شميل، أكثر من فكرة علمية خالصة. وبالتالي فأن "موضوعيتها" كانت جزء من اجتهاد دعاتها ومعتنقيها. إذ لا تاريخ ذاتي فعال ومتواصل بها في الثقافة العربية المعاصرة آنذاك. من هنا ظاهريتها وطفوها على سطح المستنقعات الآسنة كما لو أنها الوردة الوحيدة المرمية من أيد غافلة. إلا أن ذلك لم يفقدها جمالها ورونقها ورائحتها. على العكس! أنها أصبحت محل الإثارة والمنافسة والاحتراب!

لم تكن فكرة "ناموس النشوء والارتقاء" سوى الصيغة الدافعة على ضرورة النشوء الجديد والارتقاء المدني المعاصر كما هو والتي نعثر عليها في إحدى العبارات الطنانة التي أطلقها الريحاني في معرض تقييم المبجل لشخصية محمد علي باشا ودورها في نهضة مصر الحديثة قائلا:"وجاءك من مصر ابن ألباني عظيم ينشد ضالة الكورسكي الأعظم بونابرت"[18]. ولم يكن هذا الإطراء معزولا عن اعتقاده القائل، بأن النهضات الكبرى ترتبط  بسيرة الأبطال في استكمال أداورهم التاريخية بوصفهم "زارعين لبذور التجديد". بينما لم تكن هذه المواقف في الواقع سوى التمثل الجزئي لما في "لغة الضمير" و"تحصين الأركان" من حب للجديد والتمسك العقلاني والإيجابي بتقاليد الماضي. من هنا نراه يسير في اتجاه تجديد اللغة عبر نقد الاهتمام المفرط باللغة القديمة ومفرداتها وحشوها، وعدم تطابق المعنى والعبارة، والكلمة والمنطق. فقد علّق على كلمات من وصف الإسلام بعبارة "نشب مخالبه في أعماق البسيطة، وثبت رجليه على تخوم الأرض، واطلع رأسه من وراء خط الاستواء، ووضع قوادمه على جدران الصين"، بعبارة "تصوير غريب يصور الإسلام بصورة حيوان غريب بدايته طائر ووسطه أسد ونهايته بعير"[19].

إن الجوهري في اللغة بالنسبة للريحاني هو "روح اللغة" وطريقة التفكير فيها. وأسلوب الكاتب الذي هو صورة لشخصيته، والحرية الذوقية والاختراع في معالجة لمواضيع[20]. ومن ثم فأن الجديد هو المشيع للحقيقة والذوق، والنابذ للماضي البائد، والمتبع للجميل[21]. وقدم في (انتم الشعراء) مجموعة وصايا جعل منهن شعارا للتجديد والإبداع، حيث طالبهم فيها بتجريد النفس من قيود التقليد، والصدق في الشعور، والحرية في الفكر، وأخذ البيان من لوح الوجود، وأن يكون في خيالهم حقائق كونية وبشرية، وأن تكون للقصيدة بداية ونهاية، وأن يجري النظر إلى الكون من خلال النفس الباصرة[22].

وليس مصادفة أن يجلّ الريحاني من بين الشعراء الأمريكيين الشاعر ولت ويتمان، الذي فتح طريق "الشعر الحر" وديمقراطية الفكر والأخلاق. ووضع تقييمه لويتمان بما اسماه بفلسفته الأمريكية التي وجدت انعكاسها في شعره، الذي تدور مزاياه على عدم انحصارها بقالب الغريب الجديد فقط، بل بما فيه من الفلسفة والخيال مما هو اغرب وأجّد"[23]. بل أن الريحاني نفسه كتب قصائد من "الشعر الحر"، التي يمكن عدها من بين أول التجارب العربية بهذا الصدد. غير أن قيمتها الحقيقية تقوم لا في شعريتها، بل في تجسيدها لانعتاقه الوجداني ومفهومه عن الحرية. فعندما قلّد الريحاني والت ويتمان في شعره، فانه لم يسع لمحاكاة الفلسفة الأمريكية، بل لإبداع صيغة مناسبة لما سيدعوه بالاستمداد من لوح الوجود العربي في التعبير الحر عن الحياة كما هي، وصدق البيان والاهتمام بحقائق الوجود الكونية والإنسانية عبر معاناة فردية اجتماعية تدرك مسئوليتها تجاه كل ما هو حولها. وعبّر في أشعاره ومأثوراته عن تعامل مع الكلمة، حررها نفسها من قيود البديع التقليدي، كما سعى لتحرير النفس في صغائرها وكبائرها من إسار الجمود والعادة. ووضع هذا المبدأ في موقفه من الشعر العربي عل مثال موقفه من مقارنة المتنبي مع المعري. فقد اعتبر إبداع المتنبي ناقصا بسبب عدم تطابق الحقيقة والمشاعر والعبارة فيه. إذ اعتقد بأن الانسجام في الشعر العربي يكاد ينحصر في الألفاظ وفي الصيغ اللغوية. أما في المعاني فهو نادر وكثيرا ما تجئ المعاني مستقلة بعضها عن بعض ومتقلقلة في قصائد أكثر الشعراء[24]. ولعل المعري هو الوحيد الذي طابق في إبداعه بين الكلمة والمنطق، والعبارة والمعنى، والشعر والحقيقة. وجعل من حياته وشخصيته نموذجا لإبداعه من صدق الشعور وحرية الفكر واخذ البيان من لوح الوجود، والاهتمام بالحقائق الكونية والبشرية، والنظر إلى الكون بعيون النفس الباصرة.

ولا يعني "لوح الوجود" هنا سوى الحياة كما هي بكافة ميادينها ومظاهرها. لهذا أكد على أن الجديد في اللغة لا يعني الخروج على روح اللغة، وألا تصبح الكتابة إفرنجية بحروف عربية. وهو المعنى الذي شدد عليه فيما اسماه بالرجوع إلى لوح الوجود ومنه استمداد الشكل والمعنى[25]. ومن ثم ليس الرجوع إلى لوح الوجود سوى الرجوع إلى النفس. وهذا بدوره ليس إلا المهمة الملحة والمرتبطة بادراك وظيفة الأدب والأديب، والشعر والشاعر تجاه المجتمع والتاريخ والأمة والثقافة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الكاتب الحر هو العالم الحقيقي الذي يضع أمام الناس نتائج علمه وثمار بحثه ودروسه حقيقة الأمة[26]. واعتبر الشاعر الحقيقي "مرآة الجماعات"[27]، انطلاقا من موقفه المؤيد للفكرة القائلة بالتوازن بين الشعور والفكر في الآداب والفنون، والخيال الذي ينتشر من حقائق الحياة كما تنتشر الروائح من الأزهار فتقود بالمرء المبدع إلى الحقيقة المادية والاجتماعية التي نشأت منها[28]. وهو موقف يستمد جذوره من الفكرة الأوسع التي أيدها الريحاني والقائلة، بأن الشعر والأثر الفني الجميل فوق صاحبه (مبدعه)[29].

لم تكن أولوية الوظيفة المعرفية والجمالية والعملية سوى الصيغة النظرية والتاريخية لأولوية الإصلاح الأدبي (المعنوي) والسياسي. إذ نعثر فيها على نفس هواجس انعتاق الوجدان من تشديد على قيمة الروح المعنوي ضمن "ناموس النشوء والارتقاء". حيث أكد الريحاني على انه "لا تدوم إلا سنّة التطور". وأن "الثابت في الحياة ثابت إلى حين، أما التجدد فثابت إلى الأبد"[30]. ولا يعني ذلك سوى أن الحركة هي الشيء الوحيد المطلق، وأن الجمود عرضة للفساد، بينما التجدد دائم أبدي. ووضع هذه الرؤية الفلسفية في موقفه من الإصلاح، باعتباره إصلاحا ورقيا، كما هو جلي في عبارته عن أن حقيقة الإصلاح تقوم في ربط "النشوء الطبيعي بالتطور الاجتماعي وبالارتقاء الخلقي"[31]. ذلك يعني انه أعطى للإصلاح الحقيقي أبعادا اجتماعية وأخلاقية مترابطة مستندا بذلك إلى الفكرة العامة عن أن الحركة والتجدد هما الثوابت الوحيدة في الكون، وبالتالي ليس الإصلاح الحقيقي سوى ذاك الذي يعني وحدة هذه المكونات، باعتبارها روابط ضرورية. بمعنى الانطلاق من "الحقيقة الأبدية" للتحوّل والتغيّر ودمجها في الرؤية الاجتماعية والأخلاقية عن التقدم،. أي أنه أعطى للإصلاح بعدا ذاتيا، انطلاقا من أن التدرج في سلم التطور الاجتماعي والارتقاء الأخلاقي هو استمرار للنشوء الطبيعي، كما يقول الريحاني. من هنا تأكيده على أن "الخطر على تمدننا الكاذب هو من الداخل لا من الخارج"[32]. ووضع هذه الفكرة في نقده اللاذع للتقليد الأجوف. وأكد بهذا الصدد على الفرق بين ما اسماه بالإصلاح النهضوي والتقليد الأعمى. وعبر عن ذلك في أحد مواقفه من التقليد الأعمى للغرب في المدارس المعاصرة له. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن مدرسة مثل تلك التي أسسها البستاني في زمانه "لأصلح وانفع من هذه التي يتخرج الشبان فيا متفرنجين لا يعرفون لغتهم ولا تاريخ بلادهم، وقلما يحترمون غير الأجنبي"[33].

حددت هذه الرؤية موقف الريحاني من الإصلاح باعتباره اعتدالا. وكتب عن نفسه يقول، بأنه "إنسان يهمه من الحياة كل ما يفيد الإنسان في جسده وعقله وروحه. الماديات لا يحتقرها، والعقليات لا ينبذها، والروحانيات لا ينكرها. ولكنه رجل ولوع بالتوازن والاعتدال"[34]. وهو موقف حياتي استند إلى آرائه عن قيمة الاعتدال، بوصفه القدر الذي بلور أيضا شخصيته "التوليفية" المعتدلة (مقارنة بانطون فرح وشبلي شميل). من هنا استنتاجه الإصلاحي العميق عن أن "الأمة في مجموعها الراقي والترقي التام لا يكون إلا في التوازن بين قوى العقل والروح والجسد"[35]. ووضع هذه الفكرة في حكمه العام القائل "لو كانت الإنسانية مرنة في معقولها لأثر فيها الحكمة والاعتدال تأثير حسنا سريعا"[36]. من هنا موقفه المعارض لمن اسماهم بالمشعوذين من السياسيين، الذين وجد فيهم سبب وجود التشاؤم المفرط والتفاؤل المفرط في الموقف من التطور في الشرق بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص[37]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] أمين الريحاني: وجوه شرقية وغربية، ص43.

[2]أمين الريحاني: النكبات، ص8.

[3] أمين الريحاني: وجود شرقية وغربية، ص18.

[4] أمين الريحاني: أدب وفن، ص7.

[5] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص91.

[6] المصدر السابق، ص92.

[7] المصدر السابق، ص103-104.

[8] المصدر السابق، ص16-17.

[9] المصدر السابق، ص266.

[10] أمين الريحاني: وجوه شرقية وغربية، ص103.

[11] المصدر السابق، ص119.

[12] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص179.

[13] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص29-30.

[14] أمين الريحاني: وجوه غربية وشرقية، ص15.

[15] المصدر السابق، ص59-61.

[16] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص185.

[17] المصدر السابق، ص240.

[18] أمين الريحاني: النكبات، ص16.

[19] أمين الريحاني: أدب وفن، ص88-89.

[20] المصدر السابق، ص70.

[21] المصدر السابق، ص55-57.

[22] أمين الريحاني: انتم الشعراء، ص90-92.

[23] أمين الريحاني: هتاف الأودية، ص9.

[24] أمين الريحاني: أدب وفن، ص7-10.

[25] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص148-150.

[26] المصدر السابق، ص48.

[27] أمين الريحاني: أدب وفن، ص50.

[28] المصدر السابق، ص43.

[29] المصدر السابق، ص21.

[30] أمين الريحاني: بذور الزارعين، ص37.

[31] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص29.

[32] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص93.

[33] المصدر السابق، ص171.

[34] المصدر السابق، ج2، ص11.

[35] المصدر السابق، ج2، ص11.

[36] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص23.

[37] أمين الريحاني الريحانيات، ج2، ص131.

 

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (5)

من المعروف الشائع في الطب النفسي أن الأمراض النفسية والعقلية التي تصيب الإنسان لا تنشأ من عامل محدد واحد بل تشترك عوامل كثيرة في ظهورها وإستمرارها.

ونحن هنا لا نبحثُ عن هذه العوامل إنما نركز إهتمامنا على سببٍ من أسبابها طالما أثبت حقيقة قدرته أو قدرتها على إحداث مثل هذه الأمراض ونعني به: الإلحاد بالله تعالى. ومن الأدلة الواضحة على أثر الإلحاد في أحداث المرض النفسي أو العقلي دليلُ قدرة المعالج النفسي على تحسين حالة المريض صعوداً إلى مرحلة إبرائه من مرضه بإستخدام العلاج الديني الذي يشمل تقوية إيمان المريض المؤمن بالله وعفوه ورحمته وتقوية معنويات المريض الملحد في العودة به إلى الإيمان.

ولقد دأبت مراكز الطب النفسي على إعتماد العلاج الديني جزءاً من العلاج العام فيها بعد أن لاحظ العاملون في هذه المراكز الأثر الموجب لهذا النوع من العلاج. سنختار نخبةً من الأمراض النفسية والعقلية وإعتلال الشخصية والإضطراب السلوكي، التي يتأثر ظهورها بجلاء عند الفرد الذي يعاني من خلل في إيمانه بالله.

1- العقل وأنواعه المَرضية السريرية: يظهر القلق (Anxiety) عند الإنسان نتيجة وجود مثير خارجي في البيئة المحيطة بالفرد أو مثير داخلي في جسمهِ. ولا تُسمى الظاهرة التحوطية التي يستخدمها الإنسان في مواجهة ظروف طارئة بالقلق ما لم تُحدِث أعراضاً تشمل المزاج والتفكير والسلوك وتتطلب علاجاً.

فالحالات المطلوبة من الحذر والإستعداد للمثير على نحوٍ منظم بدون أعراض مرضية، كالإستعداد للإمتحان، ومراقبة خطر داهم وأخذ الحذر في قيادة المركبة والتأكد من صحة الغذاء وغلق أبواب البيت الخارجية ليلاً، هذه لا تُعدُ قلقاً إنما درجة مطلوبة من الإنتباه تُفرق بين الإنسان المنتبه والآخر الخامل البليد، وإن كان بعض الباحثين يُسميها بالقلق الموجب.

إن ما نعنيه بالقلق هو ظهور الحالة على نحوٍ مرضي يعيق الإنسان عن التفكير السليم في مسألةٍ من المسائل وعن العواطف المنظمة المطلوبة في التعامل مع هذه المسائل على نحوٍ يؤدي إلى ظهور سلوكٍ مرتبك شامل للآتي:

أ‌- المزاج والعواطف: حيث يظهر الفرد القَلِق مُتطيراً متشائماً متوتراً مرتبك المزاج لا تتناسب عواطفه مع المطلوب من الإثارة في مواجهة مثيرٍ ما.

ب‌- الأعراض الجسمية: حيث يؤثر القلق في فسلجة الفرد فيبدو متعرق الجبين واليدين، جاف الفم،مرتعش الكفين، جاحظ العينين، مضطرب المشية، متنقلاً لا يستقر في مكان. قصير النَفَس، لجوج الصدر، خائفاً من خطر لا يستطيع معرفة مصدرِه، سريع التنفس، متلعثم الكلمات، سوداوي النظرة، مستريباً من الآخر، حساساً للكلمات من الطرف الآخر، كثير الأرق، ضعيف الشهية، بارد الأداء الجنسي. 

ج‌- الأعراض الإجتماعية: حيث يفقدهُ القَلق قدرته على التواصل مع الآخرين فهو متشائم لا يطيل الحوار ولا يتحمل مجالسة الآخرين، غير صبور على إنجاز أعمالهِ، شرودٌ من ساعات الإلتزام في العمل، مُنصرفٌ إلى نفسه وهمومها، غير معطاء للآخرين في ما يطلبونَهُ: فاقدٌ لقدرة تقديم الحنان إلى أسرته.

أنواع القلق:

ينقسم القلق على أنواع، نذكرُ المهم منها الذي يعنينا:

أ‌- الرهاب(Phobia)

ب‌- القلق العائم (General Anxiety)

ج‌- المُراق(Hypochondriasis)

د‌- التحولات الرحامية (الهستيريا Hysteria)

ه‌- الحصار القهري (Obsessive Disorder)

و‌- الفزع (Panic)

ز‌- داء الكرب (Post-Traumatic Stress Disorder)

كيف يكون الإلحاد سبباً للقلق:

إن أول ما يحتاج إليه الإنسان في حياته لكي لا يشعر بالقلق أو يعاني منه أمران:

1) معرفته لسبب قلقه حيث أن معرفة سبب القلق تُقلل كميته أو تمحوه تماماً.

2) شعُورهُ بأن له سنداً يحميه ويتكىء إليه في ساعاتِ ضعفهِ فلا يشعر أنه يواجه مشكلاته وحده.

لقد إكتشف الطب النفسي المعاصر على أيدي باحثيه أن هناك مراكز دماغية يكون إضطراب عملها نسيجياً أو كيميائياً أو هرمونياً سبباً لحصول حالة القلق ومنها: الدائرة الموقعية (Locus Circulus)، اللوزة (Amigdala)، والنواة القاعدية (Cuadate Nucleus).

ويختلف نشاط العمل الوظيفي في هذه المراكز من فرد الى آخر وبهذا الإختلاف يقلق بعض الناس لأبسط الأمور فيما يستطيع بعضٌ آخر مقاومة أعلى الحالات من القلق بدون تأثر.

ولكن حتى في هذا (البعض) الأخير، إذا كانت الصدمةُ شديدة وزمنها طويلاً فإن هذا البعض سريعاً ما يضعف وينهار. كل ذلك يحدث مالم يظهر السندالواقي والمعالج القوي الساند للفرد ضد حالة الإنهيار.

والإنسان بطبيعته ميال إلى الضعف أمام الأزمات وما لم يجد أو يشعر أن هناك قوة كبرى تحميه فالإنهيار مصيرُه. على هذا الأساس يشعر المحدون اللذين لا يعرفون الله ولا يؤمنون بقوته ولا يعترفون بإسنادهِ ولا يعرفون لغة الإستعانة به بأن فردانيتهم التي آمنوا بها وإنسانيتهم التي اعتبروها هي المرجع سرعان ما تنهاران ويظهر القلق.

وفي حالة الرهاب الذي ينقس على نوعين: الرهاب الخاص (Specific Phobia) والرهاب العام (رهاب الناسSocial Phobia) يخاف الفرد من أشياء صغيرة كالعقارب والضفادع والمرتفعات والأماكن الضيقة ومن مجموع الناس حتى لو كانوا على عدد أصابع اليد، يحث ذلك لأنَ هذا الفرد يشعر بأصغريته، وإذا كان مُلحداً فإنه يضيف إلى خوفه هذا خوفه من فقدان القوة التي تحميه من خوفه؛ على عكس الفرد المؤمن بأن (الله أكبر) تعني حقاً إن الله أكبر من كل مخيف، هذا الفرد سينتصر على خوفه بإيمانه بالله.

وينطبقُ هذا الخوف على حالات القلق المُراقي. والفرد في حالة الوسواس القهري هو الذي يعيش بنفس لوامة لا تستقرُ على حال. فالموسوس لا يظل على حالة يقينية واحدة وإيمانه مهزوز وفي حالة ضعفهِ تسيطر عليه أفكار التردد وإنعدام الإستقرار.

فالإلحاد يجعله خاضعاً لسيطرة أفكاره الخاصة لأنه لا يؤمن بسند كبير هو الله. وفي قلق الفزع (Panic) يمر الفرد بحالة خوف شديد من الموت الذي يُصبح لديه يقيناً وانه سيموت بعد لحظات، هذا الفرد إذا كان ملحداً فإنه سيصارع فكرتين في آن: فكرة أن الموت قادم وفكرة أن الحياة غالية.

أما إذا كان مؤمناً فإنه سيقنعُ بعمق في مشيئة الله وان الموت حقٌ عليه وعلى غيره وأنه ميت في هذا اليوم أو في يوم آخر. ولقد أجرينا هذه المحاولات العلاجية مع حالات الفزع عند مرضى مؤمنين فحصلنا على تحسنٌ كبير في الحالات التي عالجناها.

إن الإيمان كلمةٌ أكبر من الإلحاد، فالإلحاد هو القول بأن لا إله موجوداً لهذا الكون بينما يعني الإيمان أن تؤمن بالله وبقدرته وما أنزل وبأنه المحيي والمميت والباعث من العدم حياة وبأن القضاء نازلٌ على الناس بصور مختلفة وحالات شتى، وهذا ما يجهله مريض داء الكرب الذي أشرنا إليه.

نعني بداء الكرب(Post-Traumatic Stress Disorder) تعرض الإنسان لشدةٍ أو مشهدٍ أو حدثٍ يُصيح فيه على وشكالموت أو الأذى لكنه لا يُصاب بأذى جسدي ويقتصرُ أمرهُ على المشاهدة مما يترك لديه ذاكرة مؤلمة عن الحدث الذي تعرضَ لهُ فيمرُ بحالات معاودة تذكرية إلى زمن الحدث ومكانه ويُصاب بحالة قلق شديد حيث يتمثل ما جرى أمامه عياناً.

هنا يبرز الإيمان الذي قلنا أنه الشامل لكل مفردات هذه الكلمة. أما عند الملحد الذي لا يؤمن بأن ما حدث هو قضاءٌ نازلٌ رده الله عنه أو خفف منه فإنه سيظل يعاني من الحدث وتتكررُ صورته السريرية التي ذكرناها.

2- الكآبة:

لكي نُشخص مرض الكآبة في فرد منا فعلينا أن نتوفر على مجموعة معايير(Criteria ) يُصبح التشخيص بموجبها صحيحاً. وعلى رأس هذه المعايير (مفردها معيارCriterion ) يبرز أمامنا: إنخفاض المزاج، فقدان الرغبة في العيش والحياة (فقدان الأمل)، والألقاء باللوم على الذات سبباً في الإكتئاب.

هذه المعايير الثلاثة هي الأساس في التشخيص الذي يُصبح كاملاً إذا أضيفت إليه معايير أُخرى لسنا بصددها لأننا نعالج موضوعاً خاصاً. إن الإلحاد يقود إلى خفض مزاج الفرد لأن المزاج المستقر العالي في درجته يستقي قوته من معنويات الفرد وشعوره بوجود السند الحياتي له ولا سند للفرد أقوى من الله، والحياة التي بلا هدف يستمر مع الفرد حياً ويلاحقه الى عالم آخر بعد الموت تُصبحُ حياة سقيمةٌ خالية من الغاية.

فهذه الحياة ليست حكماً على السعادة وإنعدامها، حيث يعيش كثيرٌ من الناس كما عاش قبلهم كثيرون حياةً لم يجدوا فيها ما يرضيهم في عيشهم مالاً أو أبناءً أو صحةً. فإذا لم تكن هناك حياةٌ أخرى يُنصف فيها المظلوم في دنياه أصبح هذا المظلوم كئيباً خائباً في أمله الذي لم يتحقق.

وعودةً منا إلى تعريفنا بالإيمان بالله بأنه التصديق بوجود الله معطياً في الدنيا ومُكملاً لعطائه في العالم الآخر تُوجُب علينا أن نعترف بأن الإلحاد بالله هو الإلحاد بوجود دار القرار التي تُنصف من لم يُنصف في دنياه.

هنا لا يُوجَدُ مجال للفرد أن يكتئب لأنه لم يُوفَق في دنياه ما دام يؤمن بأن الله موجود يُعوِضُ خاسر الدنيا في سعادته بسعادةٍ أوسع وأشمل في آخرتِه.

والإلحاد مرةٌ أُخرى، هو ما يجعل الفرد مسؤولاً عن قرارِه في صحته ومرضه حيث لا مرجع له في اللأئمة إلا نفسه التي هي ليست كذلك وهنا يلوم هذه النفس ويعدها مسؤولة عما أصابه من إكتئاب. أما الإيمان فهو الذي يجعل الإنسان مؤمناً بالقضاء والقدر الذي يُقرر حصة الإنسان في الصحة والمرض.

إن أمامنا مسألة الفروق الفردية في كمية السلامة النفسية والقدرة على مقاومة المرض النفسي وهذه الفروق التي تُقسم الناس على قوي أمام المرض وضعيف ينهار أمامه هي من حصة الله في الكينونة لأنها جزء من الرزق الذي لا يؤمن بعدالة تقسيمه بين الناس إلا الإنسان المؤمن.

3- الذُهان (المرض العقلي):

يُوصَفُ المريض الذهاني بأنه مريضٌ أُحادي البُعد في التفكير فهو يتمتعُ بتفكير ابتدائي . وهذا الفكر هو الذي أنتج أديان الأسطورة والتابو البدائية الساذجة.

فالذُهاني، كمريض الفصام والهوس والذهان الزوري ومتلازمة التخلف العقلي، يعاني من الفكر الواهم الذي يتعدى بالمريض مرحلة العلاقة مع الناس إلى مرحلة الإساءة إلى مفهوم الإله الواحد.

وقد يكون الذُهاني مؤمناً بالله ولكن إيمانه يعتريه التشويه والنيل من الصورة المشرقة فيتصورُ مثلا أن الله قد عاقبه بمرضِه نتيجةً لسبب كامن في نفسه فيجعل من الله صورة للعقاب خاليةً من الرحمة (حاشا الله العلي القدير).

كما قد يكون الذُهاني مُلحداً أصلاً وقبل نشوء مرضه ووضوح صورته السريرية فيبدأ بوضع التفسيرات الساذجه للكينونة بحكم ما يُضدقه من إعتقادٍ بأنه نبي مرسل من الكواكب وبأنه مأمور بهدي الناس إلى صورة أخرى لله بعيدة عن الأيمان الحق.

ولقد وجدنا في علاجنا لمرضى فصاميين من كلتا الفئتين (المؤمنة والملحدة) صعوبةً في معالجة الفصامي الملحد تفوق الصعوبة الكامنة في معالجة الفصامي المؤمن على نحوٍ دعا إلى إعتبار الإلحاد عاملاً مُهدداً بعودة الفصام في أي ظرفٍ مُرشح للحالة.

4- إعتلال الاشخصية:

يُعدُ موضوع الشخصية من أصعب الموضوعات التي درسها علم النفس والطب النفسي، إن لم يكن أصعبها إطلاقاً. فهناك الكثيرون من أطباء النفس الذين لا يعتبرون إعتلال الشخصية مرضاً خاصاً إنما يقدرونه إختلالاً للنمط السلوكي يتعرض له الإنسان ولا يمكن علاجه لأنه شامل لكل معطيات الفرد على نحوٍ يمتاز به عن غيره، فيما يميل آخرون إلى إعتباره مرضاً يتطلب العلاج.

وإذا أخذنا القرآن (الكتاب السماوي في دين الإسلام) شاهداً على هذه الإتجاهات وجدنا أن هذا الكتاب لا يُشير بوضوح إلى مسألة (الشخصية)، إنما يتعامل مع الأنماط السلوكية البشرية بلغة (النفس البشرية) فيجعل كامة (النفس) معادلاً لفظياً لكلمة (الشخصية).

ففي القرآن الكريم نجد "النفس اللوامة" و" النفس المطمئنة" و " النفس الفاجرة" و" النفس التقية". وفيما يشيؤ مصطلح " النفس المطمئة" ومصطلح " النفس التقية" إلى حالة السواء والخلو من الإعتلال، يُشير مصطلح " النفس اللوامة" و" النفس الفاجرة" إلى إصابة هذه النفس " الشخصية" بالإعتلال.

وما دام الأمرُ كذلك فإننا غير مُلزمين بإيجاد مُرادفات لتقسيمات الشخصية المريضة حسب علم النفس بما يقابلها في القرآن، لكننا مُلزمون بأن نضع أوصافا لصورة المرض في الشخصية عموماً إذا كان صاحبها يحمل فكراً ملحداً بالله يقود إلى زيادة وطأة المرض في هذه الشخصية على النحو الآتي:

أ‌- النزوع العبثي في الشخصية غير الإجتماعية (السايكوباثية)؛ يزدادُ هذا النزوع إذا كان صاحب هذه الشخصية ملحداً لأنه لن يشعر بذنب في عملٍ يقوم به ولا يرتدع عن الإتيان بخطأ كان أتى به سابقاً.

إننا نعرف أن سمات الإيمان بالله سمة الإرتداع عن الخطأ خشيةً من الله والشعور بالذنب إنطلاقاً من الحياء أمام الله. وما دام الله غير موجود في مريض هذه الشخصية فإنه سيزداد إهمالاً لكلٍ من إرتداعه وحياته.

ب‌- النزوع التشاؤمي في الشخصية الكئيبة يزداد إذا كان صاحبها ملحداً لأنه لا يُعلقُ أملاً في الخلاص من مرضه على إلهٍ لم يعد موجوداً لديه.

ج. النزوع العدمي في الشخصية الذُهانية يزداد شدةً ودرجةً إذا كان صاحب هذه الشخصية ملحداً لأنه يؤمن بالعدم أكثر من إيمانه بوجودهِ ولا يعتقد بالله الكفيل بالخَلق من العدم إلى الوجود. إنه نزوع أُحادي الإتجاه ينتهي بالوجود إلى العدم حيث لا بعثً ولا نشوراً بعد الموت.

د. النزوع الجنسي في الشخصية الرحامية (الهستيرية) يزداد شدةً إذا كان صاحب هذه الشخصية ملحداً لأنه مركزي الإهتمام بذاتهِ ولا يعد أو يعتبر أنه ذو إمتداد إلى قوة خارقة تفوق مركزيته. إنه يُفسر الأمور تفسيراً أنانيا فلا يحفل بأن الكون يَسعُهُ ويَسع غيره بإدارة القوة الأعظم(الله تعالى).

هـ. النزوع الترددي في شخصية الأفكار التسلطية (Obsessive compulsive personality disorder) يمتاز صاحب هذه الشخصية بإمتلاكه سماتٍ سلوكية لا ترتقي شدةً وزمناً إلى مصاف مرض الوسواس القهري لكنها تحمل شيئاً منه. وإذا كان حامل هذه السمات مُمهداً سلفاً بأفكار الإلحاد فإنه يظلُ عرضة للشك في الخالق وفاقداً للإيمان به على نحوٍ يجعل الإلحاد سبباً في طول زمن الإصابة بهذا النمط من السلوك.

ي‌- النزوع المنافق في شخصية (السلب والإيجاب Passive-aggressive personality disorder) إذا كان صاحب هذه الشخصية بثقافة فيها من الإلحاد ما يكفي للملاجحة والإعتراض فإنَ هذا النزوع الإلحادي يزيد صورة هذه الشخصية المريضة وضوحاً. فإذا شعر صاحبها أنه محكومٌ بسطوة إجتماعية تفرض عليه الإيمان فإنه يعلن عن إيمانه وإذا تسنى له ظرف الإعلان عن إلحاده فإنه لا يتردد في ذلك.

إنه شخصية غير مستقرة لكنها تتبع هوى الظروف المحيطة. وفي الأدب العام ولغة التداول ينطبق هذا النمط الشخصي على المنافق، نهاز الفرص، الذي لا يملك الجرأة التصريح بما يعتقد بل يساير الأقوى ويخضع له.

هذه هي أهم أنواع الشخصية المٌعتلة وقد أخذنا فيها أثر الإلحاد في زيادة وطأة السمات التي تمتاز بها؛ على عكس ما تؤول إليه نتائج المعالجة عندما يكون المصاب بها مالكاً لصورةٍ من صور الإيمان بالله.

***

إلى هنا في أعلاه نكون قد ناقشنا الأمراض النفسية والعقلية الشائعة في حياة الإنسان والتي رأينا ان للإلحاد حصة في ظهور وإستمرار وصعوبة الخلاص منها.

بقي علينا الآن أن نناقش الميول المرضية التي يمكن للفرد أن يمارسها في ظل إلحاده الذي يُجرِدهُ من الخوف من الله أو الحُب في إكتساب رضاه كما يُجرده من الحياء وإحترام أعراف المجتمع الذي يقيم فيه وينتمي له.

ومن هذه الممارسات:

1- الجريمة: ولا نعني بها الفعل الجرمي الذي يقوم به المريض النفسي أو العقلي الفاقد للإرادة والإدراك ساعة إرتكابه؛ إنما نعني به ذلك الفعل الناتج من فقدان الفرد لحرمة خالقه. فقتل النفس مُحرم إلا بالحق، ومن لا يملك الإيمان بالله لا يعرف الحق.

ومثل هذا المتهم القابل للإدانة يكون مجرماً، يؤسس لصعوبة قضائية حيث لا يردعه تحليف أو قسم أو ضمير ينشأ عند الفرد السوي من الإيمان بالله.

2- تعاطي المؤثر العقلي والإدمان: إن إيذاء النفس حد من حدود الإيمان بالخالق ومن لا يؤمن بالله لا يعرف مثل هذا الحد فيبدأ بإيذاء نفسه.

3- الزنا بالمحارم: وهذا أمرٌ يقع في دائرة التمرد على القانون الطبيعي ونداء الفطرة. ومن لا يؤمن بالله لا يعرف معنى المحرمات والمحارم من النساء.

4- الكذب: الكذ في المواعيد والكذب في المواثيق وإفتقاد المصداقية في الحديث، حيث ينهار إحترام الزمن وتزول الثقة بين الناس.

5- إضطهاد الأسرة: من لا وقار لله في نفسه لا وقار عنده لأبنائه وزوجه الذين كانوا ناتجاً لزواجه وتأسيسه أسرته.

والأسرة هي أصغر نواة إجتماعية ينتمي إليها الفرد ومنها يتضخم إنتماؤه إلى مجتمعه. ومن لا ينتمي إلى خالقه بالإيمان لا ينتمي إلى أبنائه.

هذه هي أهم الممارسات التي يقوم بها الملحد أو يكون مرشحاً لها. ورُبَ قائلٍ يرد علينا بوجود شخوص يقومون بمثل هذه الممارسات على الرغم من إيمانهم بالله.

ورداً على مثل هذا القول نقول: إن الإيمان عملية كبرى في النفس البشرية لا تقبل التجزئة، والذي يقوم بهذه الممارسات يعاني من خللٍ في إيمانه لأن الإيمان الناقص المريض شيء قريب من الإلحاد.

***

نودُ الآن أن نُثير قضيةً غايةً في خطورة طرحها على القارىء الكريم. مُلخص هذه القضية يُشير إلى وجود بعض الباحثين الذين يقولون إن الدين (وهو الطريق إلى الإيمان بالله) قد يُؤسس لأمراض نفسية؛ فيعدُون الإيمان نوعاً من الإستسلام وليس الإسلام بوجود الله فيكون الإيمان هنا قيداً في عنق صاحبه يعيقه عن حرية الإختيار.

لقد عالجت في عيادتي الخاصة نوعاً من هذه النتائج حقاً ولكنني فهمتُها على غير ما فهمها هؤلاء الباحثون. لقد صادفتُ مرضى يتعلقون بالإيمان على نحوٍ خاطىء.

وجدتُ بعضهم لا يُقبل على آيات القرآن (وكانوا من المسلمين) بروح التفاؤل بل يُقبل على آيات التهديد والوعيد ويكثر من استلهام مشاهد العذاب يوم القيامة فيعدُ نفسه مذنباً وهو لم يرتكب ذنباً، وبذلك يستحيل إلى مُستحق لعقوبةٍ لا وجود لها. ووجدت بعضاً آخر يحاول أن يعرف الله على وفق ما قربت به الآيات القرآنية صورة الله بيد وكرسي وعين، فيهمل فقه اللغة ومعنى المجاز في القول ويعمد إلى التفسير المباشر الذي يُشوش عليه صورة الله المُطلقة.

نعم ... هذا النوع من التواصل مع الإيمان نوعٌ مريضٌ يخلق الكثير من الأمراض النفسية التي يكون أساسها الخيبة من الرجاء والشك في رحمة الله وإخفاق الدعاء عن الإستجابة.

لقد أشار سيغموند فرويد إلى شيءٍ من هذا القبيل حين إعتبر الفكر الديني نوعاً من أنواع الحصار القهري واعتبر عدد ركعات الصلاة في الدين الإسلامي حصاراً قهرياً عندما يتعرض المُصلي إلى نسيان عدد الركعات في صلاتِه التي قام بها، ثم زاد على ذلك بعد رتابة الصلاة نوعاً من تعليم النمطMannerism Or Stereotypy.

كما أشار كارل ماركس إلى أن (الدين أفيون الشعوب) معتبراً أن الصلاة المكررة بتوقيت غير واضح والذرائعية في تفسير سلوك المستفيدين من الدين وممالاة الحكام بعدهم أولي الأمر نمطاً من الأفيون الذي يُخدر الناس ويُروِضهم على قبول النفاق.

إن كلا من سيغموند وماركس مردودٌ عليه في قولهِ. فهذه أمور تقع على عاتق الممارس الجاهل للطقوس، الذي لا يفهم المعنى الأبعد مدى والأعمق غوراً، وخطأ الممارس لا يُعَدُ خطأ الدين.

***

وفي الغُربة التي يتعرض لها كثيرٌ من الناس بسبب ضيق العيش في وطنهم الأول أو بسبب الإضطهاد الذي يواجههم في مجتمعهم الأول ينشأ كثير من الأمراض النفسية وعلى رأسها الشعور بالإغتراب.

تُعدُ كآبة الإغتراب Alienation depression أبرز الأمراض التي تصيب الفرد المهاجر. وعند الإصابة بهذا المرض لا يجد المريض سلواناً له ومُعيناً على الغربة إلا الإيمان بالله.

وإذا كان المهاجر مُلحداً فإنه يمرُ بأقسى أيامه من الشعور بالعزلة والإنطواء حيثُ يغيب عنه السند الإلهي المعين له على غربتهِ. وكثيراً ما يستعين هذا الفرد بتعاطي المواد المؤثرة عقلياً فيصبح مدمناً العقاقير التي تعيق مسيرته وتزيد غربته شدةً وزمناً. وأمام هذا الإنحدار السلوكي لا يجد غير الله واقياً له من الإنحراف.

***

إن تعرض الفرد للمآسي يستحث فيه العودة إلى الإيمان. فالسجين سجناً طويل الأمد يتعرض للعزلة القسرية وللحرمان الحسي حيث يَتشوَه عنده إحساسه بالزمن ويُصبح في حاجةٍ شديدة إلى الإستعانة بالله. ومثل ذلك ما يحدث للناس عند التعرض للوباء والزلزال والبركان والفيضان، حيث لا يعرف الإنسان ربه إلا عند الشدة التي تختفي فيها وأمامها كل تنظيراتهِ في الإلحاد وتفلسفه الفارغ في مسألة الوجود.

إن المحكوم بالإعدام لا ينسى أن يقول (لا إله إلا الله) ساعة تلتف المشنقة حول عنقه ناسياً إدعاءه السابق بأن لا إله لهذا الكون.

***

سألني أحد الأصدقاء: هل يُوجد فارقٌ في أثر الإلحاد في نشوء الأمراض النفسية بين المرأة والرجل؟ فأجبتُه: إن نسبة الملحدين في المجتمعات التي خضعت لدراسة بعض الباحثين تفوق نسبة الملحدات من النساء؛ وذلك لأسباب كثيرة منها حاجة المرأة تكويناً بايولوجياً إلى من تستند إليه، وانطفاء نزوع العبث والسلوك الفوضوي الصاخب مبكراً في حياة المرأة، وميل المرأة الفطري إلى الإيمان، وكره المرأة الدائم للدوران في ميادين الفلسفة الملحدة،ونزوع المرأة الدائم إلى الحتمية والإيمان بالقضاء والقدر. بهذه الأسباب يندر الإلحاد عند النساء فيقودُ إلى إنخفاض أثر هذا الإلحاد في إحداث أمراضهن النفسية.

 

د. ريكان إبراهيم

 

 

ميثم الجنابيإن الغموض الذي يلف حقيقة الشخصيات الكبرى الناشئة في مراحل الانقلابات والتحولات العاصفة والمفاجئة عادة ما يؤدي إلى سوء فهم مقاصدها. وهي إساءة تتولد في الأغلب عن أعماقها السحيقة والمتضادة أيضا، والتي يصعب سبر غورها دفعة واحدة. ويشتد هذا الغموض وما يرافقه من سوء فهم، عندما "يتذبذب" المفكر في تفكيره مع انعطافات التاريخ الحادة.

فقد مرت طفولة أمين الريحاني (1876-1940) وكذلك صباه وفتوته في المهجر (أمريكا). ومن هناك قفل راجعا إلى "مهبط الوحي" العربي بعد أن تعرف على أصوله وجذوره في مرآة الآخرين، وأعجب بها أيما إعجاب. وأشار في مذكراته إلى أنه تعرف على "سيد العرب النبي محمد" من خلال كتاب توماس كارليل عن (الأبطال وعبادة البطولة). كما أدهشته حضارة أسلافه الأندلسية من خلال كتاب ارفنغ واشنطن (الحمراء). وعندما أراد التغلغل إلى أعماق الروح العربي، فأنه عثر عليه في أبي العلاء المعري[1].

وهي انعطافات مفاجئة أّسرت أعماقه وساهمت في نفس الوقت ببناء كيانه الروحي. من هنا تطابق ذاته التاريخية مع تاريخ الصيرورة الجديدة للعرب في القرن العشرين. ورسم الريحاني هذه الحالة في ردوده التي ذيلها على كتابه (فيصل الأول)، وبالأخص على الاتهامات والانتقادات التي شككت فيما إذا كان هو أمريكيا أم لبنانيا أم عربيا أم الكلّ في واحد؟ وهل هو ملكي أم ديمقراطي أم اشتراكي أم الثلاثة في واحد؟ وردّ آنذاك قائلا، بأنه تربى في أمريكا الديمقراطية ولكنه اقتنع بأن الاسم فيها للأحرار والحكم للدولار. وأن الإنسان لم يتوصل بعد إلى حكومة صالحة من حيث الشكل والروح لكل شعوب الأرض. ذلك يعني أن نوعية الحكم ينبغي أن تتوافق مع "تقاليد الأمة وثقافتها"[2]. فإنجلترا على سبيل المثال لا يصلح لها النظام الجمهوري وإن كان الشعب ألف الأحكام الديمقراطية في النظام الملكي (الدستوري). كما لا تصلح الملكية لأمريكا رغم اقتناع شعبها بمساوئ الحكم الجمهوري. أما تقاليد العرب فهي تقاليد حب الملوكية وأبهة السلطة رغم فطرتهم الديمقراطية. بل أن تاريخ العرب كله هو تاريخ منافاة الشورى الإسلامية. ذلك يعني أن عقلية الأمة العربية عقلية ملوكية، كما أن تقاليدها في الحكم تقاليد ملوكية. لهذا اعتبر من الخطورة المجازفة بجعل النظام الجمهوري نظاما سائدا في العالم العربي[3]. وذلك لأن تقاليد العرب مبنية على أولوية فكرة العدل كأساس للملك (الدولة والنظام)، إضافة إلى أبوية السلطة. وبالتالي فأن أي تحويل لهذه التقاليد سوف يؤدي إلى صنع فجوة قاتلة. وهو السبب الذي يفسر رؤيته لما اسماه بخطورة النظام الجمهوري في العالم العربي. فالملوك العرب هم من قاد عملية تغيير حالة الأمة وتطويرها. فلولا الملك حسين لما قامت الثورة على الأتراك، ولولا ابن سعود لبقيت الجزيرة خراب وعراك، ولولا الإمام يحيى لهلكت اليمن، ولولا الإدريسي لتمزقت عسير[4]. وبغض النظر عن النتائج الواقعية، التي تزكي جزئيا استنتاجات الريحاني بهذا الصدد، فإنها كانت من حيث واقعيتها النتاج الملازم "لصيرورته" و"تناسقه" مع انقلابات العالم العربي آنذاك.

فقد كان خروجه من العالم العربي ورجوعه إليه صدفة. وما وراءها كان هناك تيار الانتماء للعروبة الذي يصعب تفسيره، شأن كل انتماء وجداني صادق بمعايير المنطق الشكلي. لكن اليقين الجازم هنا يقوم في أن اكتشافه للنفس لم يكن اكتشافا تاريخيا، بل اكتشافا وجدانيا جرى على خلفية الانكسار الحاد في صيرورة العالم العربي ودوله الحديثة، الذي صنع ما يمكن دعوته بالثبات العقلي فيه. فقد بحث الريحاني عن "عروة وثقى" في كل شيء من ديمقراطية وملوكية واشتراكية، أي في المتضادات التاريخية لنشوء النظم الاجتماعية وتغيرها. وفي نفس الوقت حاول التأسيس الحقوقي "للعقلية العربية" في نمط الحياة ونظام الحكم. مما أدى إلى دخول كافة هذه الأجزاء المختلفة في ذاته وأن تتعايش كمكونات طبيعية صيّرت وجوده الفكري وكيانه الروحي. لهذا نراه يجمع في آرائه كل شيء كما لو أنه يريد قول كل شيء. وليس مصادفة أن يجعل من "قل كلمتك وامش!" شعاره الحياتي.

لم يعن شعار "تكلم وامش!" عند الريحاني سوى تحديد الموقف الحر دون تهيب من المكان والزمان. فالكلام لم يعن هنا كلام المتكلمين، كما لم يعن المشي مشائية الأرسطيين، رغم صداهما الباهت في آرائه، وذلك لأن الكلام والمشائية هنا ليسا منظومة للقيم والأفكار، بقدر ما أنهما خليط من المواقف المعبّرة عن العاطفة المتحررة والراغبة في أن تكون مسموعة رغم أن السماع يبدو ثانويا في شعارها. ثم أن شعار "قل كلمتك وامشي" يوحي ظاهريا بان القائل لا يهمه ردود الفعل ولا يدقق فيما إذا كان المخاطب صما أو بكما! أما في الواقع، فأن هاجس الاستماع الحر للنفس والبوح بما فيها هي الصيغة المقلوبة لحب السماع والاستماع. أما في حالة الريحاني فقد كانت هذه الصيغة تعبيرا عن ثباته في الحركة الدائمة والدائبة والمتقلبة للوجدان، التي تجعل من تناسق الأفكار واتساقها في نظام من الألف إلى الياء أمرا مستحيلا. فقد كانت هذه الديمومة المتقلبة التمثيل الوجداني النموذجي الذي يسعى لجمع كل ما يمكن جمعه من اجل قول كل ما يمكن قوله، والذي عادة ما يميز مراحل التحولات العاصفة وانقلاباتها المفاجئة. وهو نموذج له فضيلة كبرى زمن التعصب وضيق الأفق، ورذيلة مماثلة أيام الحسم والقرار.

صوّر الريحاني في (ملوك العرب) مرحلة الانتقال كما شاهدها وتحسسها وعايشها وعاناها وتصورها. إذ وجد فيها حالة البؤس المتعدد الجوانب. وفي بعض "إرهاصاته اليمنية" عندما تجوّل في شمالها، كتب يقول، بأنه "يخيل له انه في أرض غريبة الظل والسراب، فيها أشباح تتكلم العربية"[5]. وهي أشباح وجدت انعكاسها في كل شيء فترى الشخص هندي الأم، صومالي الأب، عربي اللسان، إسلامي الدين. فلا هو مسلم ولا هو عربي ولا هو صومالي ولا هو هندي لا في أخلاقه ولا في ملامحه ولا في ملابسه[6]. ولم يقصد الريحاني بذلك إدانة الاندماج بين الأقوام والأديان والثقافات، بقدر ما كان ينتقد صيغتها المفككة انطلاقا من أن السبيكة المتماسكة تفترض وجود عناصر جوهرية متناسقة في تركيبها الداخلي. بينما تشير حالة البلاد العربية إلى التفكك في عرى الأحكام والتفرد والضعف المهلك في السيادة[7]. وهي حالة تكشف عنها الواقعة التي أوردها الريحاني عندما استفسر الإنجليز من الحديديين (سكان منطقة الحديدة اليمنية) عمن يريدون أن يحكمهم!؟ أجابوا: نريد الترك! وعندما قال لهم الإنجليز بأن ذلك محال، قالوا "نبغي إذن الحكومة المصرية!". وهي حالة تشترك فيها البلاد العربية حينذاك جميعا، رغم تمايزها الجزئي من مكان لآخر. ولكنها تشترك من حيث تغلغلها في "الأنظمة السياسية" العربية آنذاك، والتي ظل اغلبها أسير وحدة الدين والدنيا والطائفية والعشائرية والعائلية. بمعنى افتقادها للطابع المدني. وفي هذا يكمن بنظر الريحاني أحد الأسباب الأساسية لهلاك العالم العربي. ووجدت هذه الحالة تعبيرها غير المباشر في كثرة وانتشار كلمات الجهل والكسل والادعاء والظلم والعبودية والتعصب والخوف والخرافة والطاعة العمياء والأثرة والجبن والخداع والنفاق والأضاليل والغبن والخمول والفخفخة والأبهة والتدليس والكذب والقلوب المترهلة والقلوب المائعة والدموع والأسى والنحيب والنواح وكثير غيرها، في كتاباته. وهي كلمات موجودة في قواميس الأمم جميعا في مراحل صعودها وانحطاطها، إلا أن كثافتها المركبة في عبارات الريحاني تشير أولا وقبل كل شيء إلى وجدانية تعامله مع الأحداث والوقائع التي وصفها بحالة التفكك العام آنذاك.

وهي وجدانية أرادت أن تتحسس في عباراتها كل ما بإمكانه إثارة الجسد المتهرئ للعالم العربي حينذاك. لهذا أخذت بالإفحام والاتهام والتعظيم السريع. ولم تقصد بذلك شيئا غير ذاتها. وحدد هذا الحافز وجدانيتها العارمة في تحدي كل ما يمكن تحديه وتوجيه الاتهام إلى نفسها ومخاطبتها بأقسى الكلمات وأرقها. مثل أن ترى في نفسها "نبيلا يتجلى بجلاله كما يتجلى في مظاهر الربيع الجليلة"[8]، أو أن يشعر بالغربة المتسامية بحيث "يصرخ ساكتا: إلهي إنا غريبان ههنا"[9].  كما يجد في صوته صدى واستمرارا "لناي الرعاة، وعود الفسّاق، وكنارة الراقصات، وصوت الدهر، وروح الفيدا، والرسول إلى الصفوة"[10]، أو أن يصرخ بأنه "هو الشرق وأنه حجر الزاوية الأول لهيكل من هياكل الله، وأول عرش من عروش الإنسان". لهذا نراه "منحني الظهر ولكنه قويم الرأي ثابت الجنان"[11]. وهي الطاقة الخالدة للحقيقة والمتجسدة في "سلام الأنهر المقدسة"، وفي "لبيك اللهم لبيك"، وفي "منابر الوطنية والدعوة للثورة"، وفي "نشيد النرفانا وعقيدة الكارما"[12]. وليست هذه "المتناقضات" سوى الصيغة الوجدانية والعقلانية لحقيقة التصوف المتجزئة والمندمجة في نفس الوقت في مشاريع التفاؤل المغري للريحاني.

بحث الريحاني عن قلوب نابضة في المراكز التاريخية الغابرة للعالم العربي. لذا نراه يكتب عن "قلب لبنان" و"قلب العراق". كما نراه يعثر في مصر على "ابنة فرعون"، الذي أول من قال للموت: لا! وأول من قال للحياة: نعم! فمصر هي آية الزمان، وابنة فرعون، ومعجزة الدهر، وفتاة النيل، كما أن دجلة هي رب العراق وحياته الخالدة[13]. فقلب العراق حي إلى الأبد[14].

سعى الريحاني إلى "كسر" عود المنطق المتكلس بعبارات الخنوع أمام الحروف المتجزئة في الكلمات، والأوهام المستطابة للسرديات الجليلة الفارغة، والحماقات المستلذة لإطنابها بالماضي الممتطى، وقذارة الحنكة المتمرسة في إركاع الكلمات إلى ما تهواه الأنفس الخائرة. لهذا نراه يهاجم ما اسماه "بالقلوب المائعة للشرقيين"، ويدين "داء البكاء" ويطالب "برفع القلوب من مستنقعات التخنّث"[15]. ولم يعن ذلك في الواقع سوى مخاطبته الوجدان العربي بمعايير الوجدان نفسه، باعتباره الأسلوب الخالص والمخلص في نفس الوقت للحق والحقيقة والعدالة والحرية، ورفض الظلم والكذب والاستبداد.

وجسّد الريحاني مواقفه هذه عبر مخاطبته الشعراء باعتبارهم ممثلي الوجدان. وكتب في (بذور الزارعين) يقول، بأن "الشاعر هو من يخلص لإنسانيته أولا"، وأن "شرّ ما يكتبه الإنسان مقال لا إيمان فيه". ووجد القيمة الكبرى في كل ما ينظّم شعرا ويكتب نثرا يقوم في ما اسماه "بروح الشاعر الصادقة في قصائده وحياته معا"[16]. وليست هذه "الحنبلية" الشعرية سوى الصيغة الصارمة للوجدانية المتسامية في تعاملها مع النفس في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم وضعه للمعري فوق مرتبة المتنبي. فقد وجد في المعري نموذجا متساميا لحقيقة الشعر (العربي). إذ كان شعره صورة صادقة لبيئته، حيث انتقد فيه الواقع "بكلمات من نار وقواف من نور". بينما انتقص من شعر المتنبي "لكذبه في المدح"[17]. وهو موقف مبني على انتقاده للفكرة القائلة بأن أجمل الشعر أكذبه، وما ترتب عليها من فجاجة في الرؤية تعتقد بأن الشعر لا علاقة له بالحقيقة وهدف الشاعر. من هنا نقده الشديد للمتنبي، حيث اعتبر صوره الشعرية في الغالب "صناعية تقليدية لا أثر فيها للعقل المقرون بالروح، أي للخيال الذي تغذيه الرؤيا"[18]. وعندما جمع حصيلة انتقاداته إياه، فانه وضعها في تقييم عام يقول:"ليس في المتنبي أتضاع الفيلسوف، وليس فيه روح الصالح التقي، بل ليس في ديوانه إلا بيت واحد يذكر الرحمة"[19].

إن تقييم المتنبي المذكور أعلاه له معناه ومغزاه الخاص بمعايير الوجدانية التي مثّلها الريحاني، بوصفها التيار العملي للملمة الجزئيات المتناثرة في التاريخ والمعاصرة والثقافات من اجل سكبها في الكلمة الفاعلة والإخلاص لها في الإحساس والعمل. من هنا انتقاده اللاذع للأنانية الضيقة بين الشعراء، ولخضوع شعرهم للأوزان والقوافي لا لمعاناة الإخلاص للعدل والحرية[20]. ووضع هذا الإخلاص في عباراته التي حورّ فيها مضمون الوصايا البابلية، بأن "يكرم أبويه من سيبويه ونفطويه والكسائي، وأن لا يحلف باسم ليلى بالباطل، ولا يمدح بالزور، ولا يكذب على هند وشقيقاتها، وأن لا يشته قصيدة أخيه"[21].

لقد أراد الريحاني الانتصاف من الشعر والشعراء، والإنصاف للمخلصين منهم. ولا معيار للإنصاف سوى الوجدان الذي ينبغي أن تتلألأ فيه ومن خلاله صدق المعاناة ورؤيتها الحالمة وقدرتها على إدراك المعنى الحق في الفعل. ولا يعني ذلك سوى الدعوة للخروج من إسار الكلمة وحروفها إلى فضاء الحقيقة الكامنة فيها، والاعتماد عليها في تأسيس وبناء وعي الذات القومي. ووضع الإطار العام لهذه الفكرة في مطالبته لأن يكون وجدان الشاعر "قوميا صحيحا في إنسانيته". فالإبداع الأدبي بشكل عام والشعري بشكل خاص عند كل أمة لها وزنها التاريخي، يكشف عن أن أدبها وعلمها مسخران للغرض الأكبر من جهادها وهو هويتها واستقلالها وتعزيز قوميتها ووطنيتها[22]. من هنا اعتقاده القائل، بأن "من ينشد فنا لا وطن له يمسي ولا فن له ولا وطن"[23]. وذلك لأنه حتى الأمة القوية التي لا أدب لها ولا فن لهي كالعملاق الأبكم. بينما الأمة القوية الحرة لا تستحق حريتها ما دام في العالم أمم مستضعفة[24].

لا غاية لهذه الوجدانية العارمة التي مثّلها الريحاني في عباراته الخطابية وملأ بها كتاباته، وبالأخص في (انتم الشعراء) و(بذور الزارعين) و(الريحانيات) غير استثارة عقل وضمير الأمة العربية في أفرادها وجماعاتها. من هنا استنتاجاتها العامة الجميلة التي لا أساس تاريخي لها. وهو ضعف لازم تيار الوجدان ككل. فالتاريخ الواقعي يكشف عن أن "الأمم الحرة القوية" هي أكثر من يستعبد "الأمم المستضعفة"، وبالتالي، فأن حرية المستضعفين ليست هبة أو هدية من أحد، بل النتاج الضروري لإرادة الأمم نفسها. ومن ثم فلا حرية حقيقة دون النضال من اجلها.

وهي فكرة شاطرها الريحاني خطابا ووجدانا، ولكنه لم يكن قادرا على صياغة منظومتها. وهو نقص عوضته "عقلانية الجنان" في نسجها الخيوط غير المرئية لوجدان الأمة وصقل عاطفتها بقيم العدالة والوحدة. من هنا تحول التاريخ عندها إلى جزء من العاطفة لا بالعكس. مما أدى إلى ضعف رؤيتها الواقعية وكذلك ضعف قدرتها على تأسيس منهج قابل للنفي الذاتي في مجرى بناء وعي الذات الثقافي. بل حتى في استلهامه الإيجابي والمتفائل لفكرة الدورة التاريخية القائلة، بأن التاريخ هو سلسلة دائرة تبدأ وتنتهي بالرجوع إلى بدايتها، باعتبارها "ناموس الارتقاء والتطور"، فأن الدورة تظل جزئية وعابرة. وذلك لأنها لم تعدو، شأن "منهجيته" التاريخية، أكثر من كونها اجتزاء للفكرة وتطبيقا خاطفا لها بما يتناسب مع مزاج الوجدان الهائج. ولعل قصته القصيرة المنشورة بعنوان (عام 1950)، التي كتبها عام 1920، والتي يمكن اعتبارها من بين أجمل القصص السياسية (الخيالية) القصيرة وأكثرها "نبؤة" في القرن العشرين عن الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 وآفاقها، نموذجا متميزا لذلك. حيث نراه يستلهم في آن واحد الفكرة الماركسية والدارونية المخلوطتين بالرومانسية الأدبية وشذرات متناثرة من مختلف التيارات السياسية الأوربية. إذ يتكلم فيها عما اسماه بسلسلة التاريخ التي تبدأ من الحكم الأبوي وتنتهي بالحكم الاشتراكي مرورا بالحكم الاستبدادي والحكم الدستوري. في هذه القصة القصيرة "يتنبأ" بسقوط الثورة البلشفية وذلك لعدم مرور روسيا بالدستورية بعد النظام الاستبدادي. وكتب بهذا الصدد على لسان أحد أبطاله الذي يروي قصة انتصار وهزيمة الثورة، قائلا:"إذا تأسس حكم العمال على عرش الحكم الاستبدادي مثلا لا يلبث أن يسقط فيقوم مقامه الحكم الدستوري البرجوازي. كذلك الحال في روسيا، عندما سقطت البلشفية"[25]. غير أن دورة التاريخ الخالدة لا تلبث أن تعيد مجراه إلى نصابه الحق، حيث تنتصر الثورة البلشفية من جديد على النطاق العالمي بعد اتحاد عمال بريطانيا وأمريكا ووقوفهما ضد الحرب الجديدة. ولكن "لا برايات حمراء، بل برايات بيضاء". حينها "تنبعث البلشفية من قبرها وقد طهّرها الفشل والزمان، فاستولت وهي عزلاء على زمام الأحكام في العالم المتمدن"[26].(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.........................

[1] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص2-3.

[2] أمين الريحاني: فيصل الأول، ص277.

[3] المصدر السابق، ص278. وهو استنتاج سبقه إليه الأفغاني.

[4] المصدر السابق، ص280.

[5] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص104.

[6] المصدر السابق، ج1، ص281.

[7] المصدر السابق، ج1، ص277.

[8] أمين الريحاني: هتاف الأودية، ص23.

[9] المصدر السابق، ص25.

[10] المصدر السابق، ص29.

[11] المصدر السابق، ص84-85.

[12] المصدر السابق، ص89.

[13] المصدر السابق، ص93-94، 97.

[14] المصدر السابق، ص101.

[15] أمين الريحاني: انتم الشعراء، ص6-7.

[16] المصدر السابق، ص153.

[17] المصدر السابق، ص44.

[18] أمين الريحاني: أدب وفن، ص112.

[19] المصدر السابق، ص113.

[20] أمين الريحاني: انتم الشعراء، ص14-18.

[21] المصدر السابق، ص10.

[22] المصدر السابق، ص82.

[23] المصدر السابق، ص88.

[24] أمين الريحاني: بذور الزارعين، ص87.

[25] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص267.

[26] المصدر السابق، ص274.

 

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (4)

لقد صنعَ العقل البشري ديناً كما صنعَ الدين عقلاً. هذا ما حصل عبر مسيرة الإنسان الطويلة إلى أن التقى العقل والدين في محطةٍ واحدةٍ أو حقيقةٍ واحدة هي وجود الله واحداً لا مُتعدداً وشاملاً لا محدداً.

ونحاول الآن أن نفحص الدين (الوسيلة إلى الله) كما حاول العقل أن يصنعه. عندما نقول أن العقلَ صنع ديناً، فمعنى ذلك أن هذا الدين هو مُعطى عقلي أو فاعلية عقلية (Mental activity). وكل فاعلية عقلية لا تعدو كونها وسيلة، كما هو الحال مع اللغة التي هي فاعلية عقلية يتخذها هذا العقل للتواصل والوصول إلى غاية. إن غاية (اللغة، الوسيلة) هي تحقيق التواصل الإجتماعي، بينما يقوم الدين الذي أوجده العقل البشري وسيلةً غايتها الوصول إلى الله.

أ‌- إنسان بعقل ← بوسيلة اللغة ← تواصل إجتماعي مع مجتمع.

ب‌-  إنسان بعقل ← بوسيلة الدين ← الوصول إلى إله.

وكل وسيلة تحمل جانبين فيها: الجانب العملي والجانب النظري. والجانب العملي هو المحسوس الملموس بينما النظري هو الذي يمكن تصورُه لكنه ليس بالضرورة ممكناً أن يتحقق. لقد كان الإنسان قديماً يميل إلى تصديق المشاهدة والميل إلى الجانب العملي أكثر من ميلهِ إلى الجانب النظري وفيه التنظيرات، لذلك أصبح الإنسان كائناً طقوسياً يحاول بالطقوس الوصول إلى الماهية. ولازال الإنسان المعاصر ميالاً إلى المختبر الذي يُقدم له نتائج التجربة. إن الطقوس ممارسات سلوكية تملك قدرة إرجاعية إلى أفكاره (Bio Feed Back)، ومركز هذه الأفكار هو الدماغ.

تبرز لدينا في الإنسان الباحث عن ربِهِ آليتان: آلية الدفاع (Motive) وآلية الحافز (incentive). ويقف وراء الدافع عاملان: حُب الفضول في إكتشاف الشيء والخوف من المصير. الحافز هو وجود ظاهرة المخلوقات التي تَحث الإنسان على إكتشافها وإكتشاف مُوجدها.

وفي علم النفس يرتبط الحافز بالدافع إرتباطاً كبيراً، فكلما كان الحافز كبيراً، ضخماً، مثيراً، دعا إلى وجود دافع كبير ضخم مستثار. أمام هذه المراوحة بين الدافع والحافز حاول الإنسان الأول أن يُوجد طقوساً يتقرب بها إلى فهم الحافز الذي استثاره.

***

إن إنعدام الإستقرار النهائي على فهم الحافز (وجود الله) حدا بالإنسان إلى ظاهرتين:

1- ظاهرة تَعدد الدوافع.

2- ظاهرة الإحتمالات.

وقبل قليل قلنا أن هناك دافع الحُب في الإكتشاف ودافع الخوف من المصير. أما ظاهرة الإحتمالات التي أصبحت لاحقاً نظريةً معترفاً بها في مجالات البحث، فإنها واحدةٌ من وسائل الدافع الى المعرفة. والمشكلة في نظرية الإحتمالات هي مشكلة قدرة تلك الإحتمالات على الإنشطار والتشظي إلى عدد لا محدود من التوقعات على نحوٍ يُربك الفكر وقد لا يقود إلى نتيجةٍ حتمية.

ولكي يخرج الإنسان الإبتدائي من نظرية الإحتمالات التي تحتاج إلى عقلٍ كبيرٍ ناضج في إنشائها والقيام على جداليتها لجأ إلى إقامة الطقوس الميثولوجية فأصبح له دينٌ (إتقائي) يواجه به خوفه بتلك الطقوس وممارستها.

على هذا الأساس كان الدين الذي صنعه العقل ديناً:

1- تحولياً من حالة إلى حالة

2- طقوسياً أدائياً يفتقر إلى النظرية.

ويحاول بعض الباحثين في العصر الحاضر إعتبار الطقوس التي وردت في الدين السماوي (الكتاب السماوي، وممارسة رسوله) بقايا من الدين الأول الذي صنعه الإنسان، ولكن هذا غير صحيح لأن الطقوس في دين السماء تستند الى إرتباط وثيق بين المعملية والنظرية؛ ومثالنا على ذلك: النُذر أو الفدية، تلك الحالة التي أقرها الدين السماوي (دين النضج) لأنها تحمل دلالات ورموزاً تتحقق بها مصداقية السريرة.

إن الدين، صنعة العقل، ظلَ يؤثر في قدرة الإنسان المعاصر على استلهام الإشراق الفاضل في الدين السماوي الذي صنع أو صنَع العقل الإنساني من جديد فظهرت لدينا في هذاالإنسان حالة (التدين) ونعني بها الإتكاء على الوسائل الوضعية في فهم الدين الخالص.

والإنسان كائن بطيء الإنسحاب من معتقداته حتى في أجلىى حالاته الفكرية لانه لا يملك عقلاً (مفكراً) نقياً خالياً من التفكير الوجداني الذي يغطي مساحة العقل بالسلوان العاطفي ورطوبة المشاعر.

والتدين هو الذي أوجد الإنشطار المذهبي في الدين الواحد حينما أصبحت الشخصيات وقداسة الفرد وطهرانية الضريح وإختلاف النظرة إلى طبيعة الدولة التي أنشأها الدين السماوي عوامل ناخرة هادمة لحقيقة الدين الخالصة.

***

قلنا كما نقول الآن أن وظيفة الدين العُليا هي بث الطمأنينة والإستقرار في النفس البشرية، وهذا ما عجزَ عنه الدين الذي صنعه العقل، لأن العقل صانع والدين الذي أوجده العقل مصنوع، والمصنوع لا يجوز أن يكون أكبر أو أقدر من الصانع على أداء المهمة.

هل يرضى الأب أن يكون إبنه قائداً له في مسيرة حياته وهو الذي كان سبباً في ولادته ومُعلماً له دروس حياته؟ وإذا أردنا أن نشير إلى فضيلةٍ للعقل في إختراعه ديناً خاصاً به، مُفصلاً على حالة وعيه المحددة بزمانه ومكانه وثقافته، فإننا ملزمون بالإعتراف بأن الدين ضرورة عقلية للإنتماء على الرغم من الإختلاف القائم في فهم محتواه.

فما دام العقل قد (فكَر) في إيجاد دين ينتمي إلى نفسه وإلى خَلقِه وخالقه فيعني ذلك أن الدين يظل عملاً عقلياً لم يُسعفه الدين السماوي بالتبكير في الظهور فأوجده الإنسان من عندياتهِ.

إذن، لو فرضنا أن الدين السماوي لم يظهر ابداً، فهل كان العقل البشري قادراً على الوصول بتدرجه الديني الذي هو من صُنع محاولاته إلى مرحلة الدين السماوي أم أنه سيستمر في الإنتقال من دين الى دين بصورة وضعية حسية تعتمد على إدراك اللامحسوس بالمحسوس (استخدام الحس الفائق)؟ الذي نعتقده هو انه سيصل إلى مشارف الدين السماوي أو الدين السماوي نفسه ولكن بعد أن يستنفذَ كل محاولاته في صناعة إله على هواه فينشأ عنده ما نُسميه (إدراك اليقين باليأس من الشك).

هنا يلتقي الدين الذي صنعه العقل مع الدين الذي ضيع العقل، وهذا ما يؤكد ان الدين السماوي هو دين الفطرة والفطرة هي التلقائية والإستعداد الجبلي لقبول التوحيد والدين الذي ينادي بالتوحيد.

فلنعترف الآن أن الإنسان في مسألة إعتقاده كان قد دار في حلقة مُغلقة لم يُخرجهُ منها إلا استسلامه إلى القدرة الأعلى وهي الله.

نحاول الآن أن نفحص الدين الذي صَنع العقل، أي الذي أخضع العقل الطاغي المتمرد لقوته ونظَم وعيه بالطريقة التي يريد. إن الكائن الإنسان محكوم بتلاثة معطيات: التفكيروالعواطف والسلوك.

والذي فعله الدين في العقل، لكي يسيطر على هذه المعطيات هو الآتي:

1- قَدم الدين السماوي صيغة المُسلمات وهي النصوص التي لا جدال فيها. ولكي لا تكون تلك النصوص قيوداً على العقل ترك الدين للعقل فرصة التفكير في النص ولماذا جاء بهذه الصيغة الثابته. أي أن الدين لم يسلك مع العقل سلوك التدرج بل قَدم الثابت ليدور حوله النقاش.

2- قَدم الدين معلوماتٍ عن الخَلق (آثار الله) بطريقة رمزية وإشارية تتطلب من العقل البشري إعمال المجاهدة فيكشف تلك الرمزية.

3- جعل الدين ظاهرة الشك قائدة إلى اليقين ولم يجعل اليقين سبباً لإسترجاع الشك.

4- رسخ الدين السماوي في العقل ظاهرة التأمل.ويعرف الكثيرون أن التأمل هو أولى الخطوات إلى المعرفة الحقة.

5- أردفَ الدين السماوي ظاهرة العواطف في الإيمان إلى جنب ظاهرة التفكر لأننا نعرف، وفي علم النفس تحديداً، أن التفكير الوجداني يشحن التفكير العقلي بقوة المتابعة والإستمرار في المتابعة.

6- جَرد الدين السماوي سلوك الإنسان من الممارسات الساذجة والطقوس البدائية في التابو والطوطم والأسطورة لأنها لا تُفضي إلى الإيمان الحق بالخالق الحق.

7- علم الدين السماوي العقل البشري ظاهرة التواضع أمام المجهول لحين إكتشافه فأصبح عقلاً لا يمارس العمل الإختزالي في الوصول إلى النتائج.

***

لقد إتجه الدين الذي صنعه أو أوجده العقل البشري إلى فحص ظاهرة الطبيعية التي تحيط بالإنسان لكنه أهمل أهم ظاهرة إنسانية وهي ظاهرة النفس البشرية بكل ما يكتنفها من غموض وأسرار وخفايا.

فلقد حاول هذا الدين الوضعي حلَ ألغاز البراكين والزلازل والشمس والقمر والرعد والغيوم ناسياً أن أكبر لغز هو هذه النفس العاقلة؛ بينما إهتم الدين السماوي بالنفس واعتبر خَلقها وكينونتها تحدياً واضحاً أمام العقل.

أتزعمُ أنك جُرمٌ صغيرٌ    وفيك إنطوى العالَمُ الأكبرُ؟

إن هناك إختلافاً واضحاً في المعاني والتسميات بين علم النفس العام وعلم نفس الدين.

وسنضع الآن جدولاً لهذه الإختلافات لنُبين فيه ما ذهب إليه علم النفس الوضعي الناتج من الدراسات الإنسانية وما ذهب إليه الدين في محاولته تأسيس علم نفس ديني يصوغ العقل البشري من جديد.

علم النفس العام - علم النفس الديني

1- هو نتائج ما تَوصلت إليه الدراسات الإنسانية للدماغ ومعطياته الفكرية والعاطفية والسلوكية.

 1- هو الناتج الجاهز للنص الديني الذي يعتمد الثبات والتقدير المُسبق للسلوك الإنساني.

2- لم يناقش هذا العلم ظاهرة (الروح) وإعتبر الحديث عنها عودةً إلى بدايات غير واضحةِ المعالم.

2- أكد موضوع الروح وإهتم بها.

3- إهتم بموضوع "الشخصية" وقسمَها على نوعين: السليم والمريض وعدد أنواعاً كثيرة للشخصية المريضة.

3- لا يوجد موضوع واضح باسم "الشخصية" في علم النفس الديني بل أناب عنها مصطلح النفس في صحتها ومرضها كالنفس المطمئنة والنفس اللوامة.

4- إعتبر الدماغ مسؤولاً عن إدارة الصراع في توجيه السلوك وتحديده.

4- تحدث علم النفس الديني عن الأفئدة والقلوب وجعلها شريكة للعقل في ما تفقه فيه أو ما تضمُره من نوايا

5- لم يُفسر الأحلام تفسيراً نبوئياً مستقبلياً بل إعتبرها محاولات رمزية لحل المستعصى من المشكلات التي عجز الوعي عن حلها.

5- تعامل مع الحلم على أنها استنباءٌ بما سيحدث من خير أو شر.

6- لم يؤكد موضوع الجن والسحر والكهانة واعتبرها ميثولوجيا مَجة مُتخلفة.

6- يشير إلى هذه الأشياء بإهتمام واسع ويؤكد أثرها في النفس البشرية.

7- لا يؤمن بالحتمية السلوكية ويعد الإنسان كائناً قابلاً للتعديل والعلاج.

7- يميل إلى تقرير حالة الإنسان الذي يتصرف في حياته على وفق ما هو عليه من ثوابت وُلِد عليها.

***

كان الإنسان في دينهِ الوضعي (الدين الذي أبدعه أو إبتدعه العقل) يتغير لكي يتطور فهو ينتقل من حالة وعي إلى أخرى مستخدماً التدرج الزمني. فإله الغيم عند قوم من الأقوام يتغير إسماً وتكويناً طبقاً لوعي وثقافة أولئك القوم من زمن إلى زمن. وعدَ الأنثروبولوجيون الثقافيون حالة التغير هذه نوعاً من أنواع التطور.

هذا ما حصل في الدين الوضعي بينما كان الإنسان في الدين السماوي (الدين الذي صنع العقل والوعي) مُطالباً بأن يتطور من دون أن يتغير. وقد تحقق ذلك للدين السماوي لأنه أكد استمرارية ثبات مَرافق في حياة الإنسان وأكد مطالبة الإنسان بأن لا يتغير فيها إنما حقه أن يتطور في ضمنها. هذه المرافق هي: الإقتصاد ، واللغة، والمحرم المقدس.

ففي حالة المسلم في الإسلام لا يستطيع هذا المسلم أن يُغير من ثوابت الحلال والحرام في مصادر إقتصاده خلافاً لِما قرره كتابه السماوي (القرآن)، فهو ثابتٌ فيه وعليه أن يتطورَ في حدود هذا الثابت.

وفي اللغة العربية لم يستطع المسلم أن يُغير من لغته التي نزل بها القرآن حرفاً واحداً لأن القرآن عنده هو سيد المعاجم ورائد القواميس الذي يندحر أمامه كل إجتهاد في التغيير. وهذا ما جعل هذا الكتاب صعباً جداً على مترجمه إلى لغة أخرى لأن الترجمة الحرفية النصية أخفقت كثيراً في استلهام روح التأويل وفقه ما بعد المعنى المباشر في الجملة القرآنية.

وأدى ثابت (المُقدس المحرم أو المحرم المقدس) دوراً في العمل ضمن دائرة الطاعة للقوة الأعظم وليس في التمرد عليها، أي في العمل من الظاهرة بإتجاه خالقها. أمام هذه الثوابت وجه الكتاب السماوي العقل إلى العمل في ضمنها فأشاع في النفس البشرية الآتي من التعلم:

1- التواضع الجم في البحث العلمي عن الخالق وانعدام المكابرة في إصدار قرار الإلحاد. لأن العلم يعترف ويناقش في ما وصل إليه ولا يُصدر رأياً بالإلغاء والنفي لما يجهله، وإذا قال عالمٌ عن شيء لا يعرفه بأنه غير موجود لأنه لا يعرفه فقد جَهِل.

2- الصبروالتأمل الكاملان وهما سمتان في طالب التعلم، وبدونهما تشيع اللجاجة والفوضى والإستعجال. وإذا شاع الصبر والتأمل قلت كمية (العُصاب) في النفس البشرية وأصبح صاحبها أكثر إستقراراً ة وقدرةً على الحوار من أجل الحقيقة.

3- العلم بالمقارنة (Comparison learning): وهذا ما كان مفقوداً في الدين الوضعي، فلم يكن مُعتقِدُ دينه الوضعي قادراً على المقارنة بين ما أوكل إلى تصوره في معتقداته وكمية المنجز من هذه المعتقدات.

لقد ظل الذي يتصور ربه أفعى أو كائناً بحرياً أو صنماً حجرياً عاجزاً عن فهم العجز الكامن في هذه المؤلهات عن تحقيق شيء، أما الدين السماوي (وفيه الكتاب) فقد أوقد فتيل المقارنة في العقل.

4- محاربة الشك بفتح باب اليقين: فعلى الرغم من عدِ الشك عند بعض المدارس الفكرية سبباً لليقين فإنه له أثراً سالباً في النفس البشرية حيث يقود أحيانا الى ظهور البارانويا (أفكار الإضطهاد وأفكار العظمة). ولا يمكن أن يتحقق الإيمان ما لم يتحقق اليقين. فالفصامي والهوسي ومريض الأفكار الحصارية ومريض القلق يعانون من الوهم الذي كانت بدايته تدور في دائرة الشك.

***

من هذا الذي أوردناهُ نستنتج أن الدين السماوي أثر في العقل وقاده إلى التوحيد على ثلاثة أصعدة:

1- التفكير: وهو الذي يرتكز إلى الذكاء والذاكرة واللغة والإستنتاج عبر أدوات الحس وما فوقها من قدرة على الإستلهام.

2- العواطف: حين هذبها تهذيباً يليق بوقار الكائن الإنساني المُطالب بكيفية المثول أمام قدرةٍ تتمتع بالمُطلق.

3- السلوك: حين استطاع هذا الدين أن يرسم حدوداً وحرية محكومةً بإحترام حرية الأخر.

لقد حَقق الفكر الإنساني المُلحد بالله إغراء لدى الكثيرين فنشروا نظرياتهم وأفكارهم الداعية إلى إنكار وجود الله، واستطاع هؤلاء بما ملكوهُ من قدرة على الكتابة والنشر أن يُغروا جيل الشباب من بني الإنسان بأفكارهم.

وكثيراً ما يكون الإنسان في مُقتبل عُمرِه متمرداً مشاكساً باحثاً عن وجودهِ عبر قاعدة "خالف تُعرَف"؛ حتى إذا تَقدَم العمر بهؤلاء الشبيبة آلو إلى التمحيص وإعادة النظر في ما أغراهم من هؤلاء المفكرين الداعين إلى الإلحاد.

إن علم النفس الملحد لم يستطع أن يقف أو يصمد أمام علم النفس المؤمن بالله، لأن ذلك العلم كان يدرس السلوك البشري بواسطة مختبره النفسي والعقلي فيأخذ الظاهرة الإنسانية أخذاً تفسيرياً لا تأويلياً.

لقد جعل علم النفس الملحد الإنسانَ نواةً لأبحاثه وأوكل إلى طبيعة الإنسان كل قدرةٍ على الكينونة. ولنأخذ أمثلةً على ذلك: درسَ علم النفس حالة الغضب (Anger) عند الإنسان ووصل إلى أن مركز السلوك الغاضب هو اللوزة (Amigdla) التي تجعل الإنسان غاضباً عندما يتعرض لأسباب نفسية أو إجتماعية أو بيئية؛ فيصبح غاضباً لأن منطقة اللوزة مستثارة، لكن علم النفس لم يستطع أن يجيب عن الأسئلة الآتية:

1- لماذا اصبحت اللوزة مركزاً للغضب عند استثارتها؟

2- لماذا تُثير الأسباب النفسية والإجتماعية اللوزة؟

مثال آخر: قرر علم النفس أن المكان الأكثر من غيرهِ في الدماغ إختصاصاً بالذاكرة هو الفص الصدغي وقرن آمون.

لكن الكتاب السماوي يقول: يومَ تشهد عليهم جلودهم وأقدامهم وأيديهم. والشاهد لا يكون إلا بذاكرةٍ لديه عن الحدث الذي حضر حدوثه. هنا لم يستطع علم النفس أن يجيب عن سبب قدرة الجلود والأيدي على الشهادة.

هذا هو التحدي الذي قام به الدين أمام العقل البشري فإما أن يرفضه هارباً منه إلى الإلحاد أو أن يكتشف حقيقةً لا يستطيع إنكارها. مثال آخر:

1- لماذا تُبصر العين ولا تسمع؟

2- لماذا تسمع الأُذن ولا تبصر؟

3- لماذا لا يضحك الحيوان؟

4- لماذا ننام؟

5- كيف نحلم؟

6- هل ينام الدماغ؟

***

إن العقل المجاهد في محاولة صناعته إلهاً وديناً يوصله إلى ذلك الإله سيلتقي يوماً ما مع الدين السماوي الذي قدَم للعقل صورة الإله وطبيعة الدين الذي أقره الله طريقاً للوصول إليه، وهذا ما حصل عَبر كل ما قدمناه من تدبر وقراءة.

إذا كان الأمر كذلك وقد كان كذلك، فهل يمكن القول إن واحداً منهما يكفي للقيام على حياة الإنسان وصولاً إلى التوحيد؟ هل سيكون العقل وحده عقلاً ونائب فاعل عن الدين كما سيكون الدين ديناً ونائب فاعل عن العقل فيعيش الإنسان بواحدٍ منهما؟

إثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عقلٍ بلا  دينٍ، وآخر دَينٌ لا عقلَ له.

للإجابة عن هذا السؤال نقول: ستستوي كفة العقل والدين وصولاً إلى مرحلة الإيمان بالله على المستوى العقلي الرياضي المجرد لكن لن يغني وجود العقل عن وجود الدين على المستوى القيمي للأشياء وعلى مستوى الأخلاق، لأن العقل في طبيعته لا يؤمن بالقيم ولا أخلاق مع العقل بينما تكمن القيم التي تٌقاس بالميزان ولا تحسب بالعداد في الدين.

فالإيمان العقلي بالله يُشبه الإيمان بالمسألةِ الحسابية يقرأها ويضع حلاً لكنه لا يقيم لها اعتبارات أخلاقية. فيما الإيمان الديني يضيف إلى الإيمان العقلي حلاوة ورطوبة ومذاقاً.

للإيضاح أكثر نقول: هَب أن رجلاً عالماً في الرياضيات أو الفيزياء يُوحد الله ويؤمن بخلقه للصغير والكبير بدون أن يعتنِقَ ديناً، فهل يجد هذا العالم معنى للصلاة والصوم وصولاً إلى رضا الله كما يفعل أتباع الدين السماوي؟ إنه لن يقوم بذلك لإفتقاده إدراك الغرض من هذا، لكن رجلاً آخر عالماً مثله في الرياضيات أو الفيزياء مثلاً يُوحد الله بعد إعتناقه ديناً سماوياً، سيقوم بالصلاة والصوم لأنه يؤمن بهما طريقاً إلى رضا ربه. فالأول لا يفهم معنى للعلاقة بين أن يُوحد الله وأن يُصلي له. هذا المثال يكفي على ما نعتقدُه سبباً للقول أن العقل يُوفر الإيمان المجرد بالله فيما يوفر الدين الإيمان المًعضد بطريقة الشكر لهذا الإله.

***

لماذا يُثير أتباع العقل الأسئلة حول الله فيما يتحاشى ذلك أتباع الدين وخصوصاً الدين السماوي؟ إن أسئلة أتباع العقل تتركز على النواحي الآتية:

1- إذا كان الله هو خالق كل شيء فمن خلق الله؟

2- لماذا أقر الدين قاعدة (لا إجتهاد في النص)؟

3- إذا كان الله جميلاً فلماذا خلق القبح في الأشياء؟

4- إذا كان الله يعاقب المجرم فلماذا خلقه غير قادر على الفضيلة؟

5- إذا كان نور الله يملأ كل شيٍ في الكون فأين تكمن النجاسة؟

6- إذا كانت الوراثة تفعل فعلها في إنتاج أجيال الملحدين فما دور العقل في الإنتصار على الموروث؟

هذه هي أهمُ الأسئلة التي أثارها العقل فلم يجد لها جواباً فمالَ إلى الإلحاد. وفي مقابل هذه الأسئلة لجأ أتباع الدين إلى ترك أسئلةٍ لا يملكون إجابة لها فأقروا ان مجرد إثارة مثل هذه الأسئلة عملٌ يقع في دائرة الحرام، فلجأ الكثير منهم إلى الصمت حتى تناهى إلى أذهان أتباع العقل أن اسئلتهم مفحمة ومعجزة لأصحاب الإيمان.

إن علم النفس يردُ على أتباع العقل بالآتي:

1- في مسألة (مَن خلق الله؟) يسأل علم النفس أتباع العقل ما يأتي: إذا كان النجار قد صنع (خَلق) الكرسي فكيف صنعه؟ إنه صنَعه بالفكرة فمن صنع الفكرة؟ صنعها الدماغ. فلماذا لم يسأل هؤلاء: من صنع الدماغ؟ إنهم لا يبحثون عن صانع للدماغ بل يحيلون إليه قدرة وفكرة الصناعة وينسون أن الدماغ مخلوق.

فإذا وصلنا إلى أن الله هو خالق الدماغ نكون قدوصلنا إلى سؤال: مَن خلق الله؟ ولو أجبنا أتباع العقل بالقول أنه لابد لله من خالق فينشأ سؤال آخر يقول: من خَلق خالق الله؟ وهنا ينشأ الإلحاد بالله لأنه سيُصبح قيمة وسطى بين خالقهِ ومخلوقاته، بمعنى آخر إنه سيُصبح مبعوثاً من خالقه إلينا وهذا لا ينطبق على الوصف الذي أقر بأن الله هو المُطلق.

وإذا أردنا أن نُقرب ما أوردناه بأمثلة فلدينا ما نقول به الآتي: يوجد في عضلة القلب مركز لكهربائية القلب تُسمى (العتبة الصانعة Base maker). وفي الدماغ البشري تنبعث موجات كهربائية من الفص الخلفي له (Occipital lobe) و تبعث الموجات الكهربائية المغذية لفصي الصدغ والجدار والفص الأمامي.

من أين جاءت الطاقة الكهربائية للدماغ مع علمنا أنه لا يوجد أي إتصال للنسيج الدماغي مع أنسجة أخرى أو محطات تغذية أخرى؟ معنى ذلك أن الدماغ صانعٌ لطاقته الكهربائية بنفسه فلماذا لا يقودنا هذا إلى استنتاج أن الله قوةٌ مكتفية بذاتها في صُنع ما تريد؟

2- الدين دينان: دين الإيمان بالله خالقاً أزلياً واحداً لا يتجزأ، ودين العقيدة. والنصوص تخص الحدود التي تجعل للإيمان معنى. مثال ذلك المدرسة : للمدرسة مناهج تُعلم التلميذ الكيمياء والفيزياء والرياضيات واللغة ولها أعرافٌ وطقوسٌ تقوم على إحترام المعلم والنظر إلى المعرفة بأخلاق وإنضباط أمام مُعلمها ولها مراسم إحترام زمن الدرس واللباس الخاص بالتلمذة.

ومثلما لا يمكن الإعتراض على عِلم المدرسة (النص) بينما يمكن الإجتهاد في أعرافها بحرية محدودة، كذلك لا إجتهاد في النص الذي منه وعلى رأسه الإيمان بمنهج الكون (الله).

3- الله جميل وقد خلق القبح في مخلوقاته لكي يُبرزَ صورة صورة الجمال على طريقة صراع الأضداد (الضِدُ يُظهرُ حسنه الضد). ولولا القُبح لما ظهر الجمال. فالكون في كل مفاصله محكوم بالثنائية. فالرسام البارع يرسم المناظر الجميلة لكنه يستطيع أن يرسم لوحةً تظهر قبح رأس البوم.

4- أودع الله في الإنسان عنصري الصراع (الشروالخير) ليرى كيف يجاهد الإنسان في خلاصة من السلوك الشرير.

5- الوراثة مؤثرٌ قويٌ لكن مبدأ الطفرة عامل كبير كما أن وسائل التعليم الجيد تٌخفي الكثير من آثار التوريث السيء.

 

د. ريكان إبراهيم

 

منى زيتونكان بيان ترامب الأربعاء 6 ديسمبر 2017 بتنفيذ قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ضربة قاسية لجميع العرب، وإن لم تكن مفاجئة.

يدّعي الإسرائيليون أن القدس هي عاصمتهم الأبدية، وأن ما يُعرف بأرض فلسطين هي أرض كتبها الله لهم، ولا مجال للتشكيك في ذلك، فهو مسطور في التوراة، بل وفي آيات القرآن أيضًا. فما هي حقيقة تلك المزاعم؟

في موضع واحد من كتاب الله ذكر الله تعالى أنه كتب الأرض المقدسة لبني إسرائيل. ففي سورة المائدة، يقول الله تعالى قاصًا علينا حوارًا بين الرب سبحانه وتعالى وموسى عليه السلام وبني إسرائيل:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ، يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ، قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة 20: 26]

والحوار القرآني يوضح لنا أنهم خالفوا أمره تعالى ولم يمتثلوا لنبيهم موسى عليه السلام بالعودة إلى الأرض المقدسة "أرض فلسطين" التي كانوا يسكنوها زمن أبيهم يعقوب عليه السلام قبل أن يتركوها ويدخلوا مصر زمن يوسف عليه السلام، وحل محلهم فيها العمالقة. ورغم أن موسى عليه السلام حذرهم من تبعات عصيان أمر الله تعالى وأنهم إن لم يفعلوا ما أمر الله به سينقلبوا خاسرين، فقد تجاسروا على الله تعالى وكليمه عليه السلام، فما كان منه تعالى إلا أن عاقبهم بالتيه أربعين سنة، حتى مات آخر هؤلاء العُصاة، ونشأ من بعدهم جيل آخر دخل أرض فلسطين على يد يوشع بن نون، الذي خلف بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، وبعد مدة بعث الله لهم طالوت ملكًا، الذي حارب والمؤمنون معه العماليق بقيادة جالوت، ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 251]. وتكونت مملكة بني إسرائيل في بلاد الشام كلها، وليس فقط في غربها "أرض فلسطين"، على يد نبي الله داود.

جاء في سورة الأعراف وصفًا لحال بني إسرائيل بعد أن بُعث فيهم النبي الملك داود. يقول تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137].

قال الإمام الطبري في تفسير الآية: "يقول تعالى ذكره: وأورثنا القوم الذين كان فرعون وقومه يستضعفونهم, فيذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم, ويستخدمونهم تسخيرًا واستعبادًا من بني إسرائيل مشارق الأرض الشأم، وذلك ما يلي الشرق منها، ﴿وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، يقول: التي جعلنا فيها الخير ثابتًا دائمًا لأهلها. وإنما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾، لأنه أورث ذلك بني إسرائيل بمهلك من كان فيها من العمالقة"أهـ.

والملحوظ هنا تغير الصياغة التعبيرية بين دعوة موسى الأولى لهم لدخول الأرض المقدسة، بقوله تعالى: ﴿كَتَبَ﴾، وتقرير حالهم بعد عقوبتهم ثم مبعث داود بقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾. فما الفرق بين "كتب" و"أورث"؟

"كتب" في العربية أصلها من كتب البعير أي قيّده، ثم استخدمت الدلالة المعنوية للكلمة وغلبت على الدلالة الحسية، حتى لم يعد يعرف الدلالة الحسية للكلمة إلا قليل. وفي "المصباح المنير" كتب أي حكم وقضى وأوجب.

و"كتب" تُستخدم لتقرير أبدية الحكم ما لم يُنسخ، فنجد الأحكام القرآنية تستهل عند تقريرها بـ ‏﴿‏كُتِبَ﴾، مثل: ‏﴿‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216]. والله تعالى يخبر عن نفسه ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54].

فأي تقرير يبدأ بـ﴿كَتَبَ﴾ أو ‏﴿‏كُتِبَ﴾ فهو حكم أبدي ما لم يُنسخ، كآية الوصية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، والتي يكاد يجمع العلماء أنها نُسخت بآيات المواريث.

وكذا الحال فيما يخص حكم الأرض المقدسة بالنسبة لبني إسرائيل، فقد نُسخ حكم كتابتها لهم، والنصوص القرآنية تؤكد أنهم انقلبوا خاسرين، عقابًا على عدم امتثالهم أمر الله وأمر نبيهم موسى، وأنه حتى بعد أن نشأ منهم جيل آخر استجاب وحارب العماليق، فقد وهبهم الله تعالى كامل أرض الشام وليس غربها المقدس فقط، ولكنها كانت ميراثًا، والميراث يدور بين الناس، ولا يبقى حكمًا أبديًا لأحد.

فلِم الاستمرار في الكذب على العالمين يا بني إسرائيل؟! فهذا ما جناه آباؤكم عليكم بعصيانهم، ولم تجف أرجلهم من ماء البحر بعد!

 

د. منى زيتون