ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (5)

إن الإرادة الساعية صوب الوحدانية النقية والإخلاص لها تفترض نفي ما هو غيرها بصدد توحيد الناس والعالم الروحي للجماعة والأمة. وهو منطق الإرادة النبوية أو الإرادة المتسامية. فهي الوحيدة القادرة على إيجاد الحلول بحدس الحرية والإخلاص، أي المتحرر من رق التقليد والقيم الجامدة والعادات والعبادات الموروثة، التي ماتت فيها أو تحللت طاقة الوجدان الحي، أي كل ما يتعارض مع حقيقتها الأولى، بوصفها وسائل الوحدة والإرادة الفاعلة بإخلاصها للحق

وقد كان صرف القبلة إلى الكعبة احد المظاهر الكبرى لهذه الإرادة التاريخية. إذ احتوت في أعماقها أيضا على أهم رموز التوحيد الجديد. فقد أدرك النبي محمد طبيعة وعمق الخلاف الآخذ بالتوسع بين اليهودية والنصرانية من جهة، وبين الإسلام الناشئ من جهة أخرى. ومن ثم توصل إلى استنتاج ثابت فيما يتعلق بالأديان والإيمان، بوصفها أنماط لا تلتقي فيما بينها رغم اشتراكها في الفكرة الجوهرية للتوحيد ومبادئها العامة المتعلقة بالحياة والموت، والمبدأ والمعاد، والثواب والعقاب، وكذلك أغلب القيم الأخلاقية الأخرى. ووضع ذلك في الآية القائلة:"وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ". 

احتوى الفعل التاريخي لصرف القبلة على بعدين ديني وسياسي. الأول مرتبط بفكرة البديل الديني الجديد، والثاني كان استجابة لإشكاليات الوجود التاريخي العربي آنذاك من أجل نقلهم من وثنية لا آفاق فيها بالنسبة للتوحيد القومي والدولة إلى طور جديد في التطور التاريخي الثقافي (المرحلة الدينية السياسية). فقد توقف امتداد وانتشار النصرانية واليهودية في شبه جزيرة العرب، كما توقفت الوثنية عن صنع عقائدها الثقافية والدينية الموحدة ودولها. وليس مصادفة أن تتعايش العرب، والعرب العاربة، والغاربة بوصفها حالة وجودية وذاكرة تاريخية. مع انه لا رابط بينهم. بمعنى تعايش الواقع السيئ والذاكرة الأكثر سوءا. الأمر الذي جعل إمكانية تحدي هذا الواقع مرهونة بإرادة تاريخية متسامية كان منفذها الوحيد آنذاك هو الدين التلقائي، أي النابع من الواقع وتحسس وإدراك مشاكله ورؤية بدائله بمعايير المستقبل.

فقد بلورت التقاليد العربية السابقة الروحية منها والفكرية شخصية محمد. وتركت القبلة والمسجد الحرام انطباعات عميقة في نفسه. والأهم من ذلك تعمق عالمه الروحي. ومفارقة الانعزال عن أديان التوحيد الكبرى آنذاك تقوم في شحذها للإرادة التاريخية الجديدة التي جرت أيضا من خلال اكتشاف "بيت الله" القديم بوصفه بيتا أزليا أبديا. ومن ثم هو أقدم وأحدث من القدس. وبغض النظر عن كل الملابسات القابلة للتأويل بما في ذلك مواجهة حالة الانعزال الصامت والناطق، والعداء العلني والمستتر للنصرانية واليهودية من الإسلام، فإن التوجه أو صرف الوجوه صوب الكعبة القديمة قد أنتج "بيت الله الحرام". وتطابق هذا من حيث أبعاده الدينية والسياسية بإعادة الانتماء العميق والضروري في الدين الجديد، بوصفه دين التجربة الذاتية للعرب ومهبط وعيهم الثقافي لفكرة المقدس. وبالتالي، فإن تحويل الأنظار صوب القبلة والبيت الحرام ثم مكة جعل منهم قبلة التحرر من تقاليد الاغيار المتخشبة، والشكل الجديد لتنوير الفكرة الجوهرية القديمة للتوحيد، التي وجدت انعكاسها في الآية القائلة:" قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ".

لقد كانت هذه العملية المتدرجة التي جعلت من مكة مدينة الروح التوحيدي الجديد بالنسبة للإرادة التاريخية المتسامية، أي لإرادة النبي محمد أشبه ما تكون بمطرقة التحدي وسندان الإرادة. فقد ظهرت في مجراها وتبلورت شخصيته النبوية. الأمر الذي جعل منها بداية ونهاية مصيره الروحي وفكرته الدينية والسياسية. وليس مصادفة أن يقول عنها وعن بيتها "اللهم زد هذا البيت تشرفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد عظمة من حجّه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة". وأن تنتهي علاقته بها بتحريرها من قبضة الوثنية والجاهلية والقرشية، أي كل ثالوث المواجهة والتحدي الذي بلور وشحذ إرادته التاريخية. وليس غريبا أن يجري ختم الزمن المكي القديم بتاريخ البديل الإسلامي الذي جرى وضعه في أسطورة العبارة الجليلة القائلة حالما حررها بعد كل زمن العداء والمقاطعة والتهجير والحروب: "إن الله قد حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة. وإنها لم تحلّ لي إلا ساعة من نهار ثم رجعت إلى حرمتها بالأمس".

تحولت مكة إلى مدينة الروح الأبدية، لأنها مدينة البداية المحرمة. ولم يكن ذلك معزولا عما يمكن دعوته بتمركز قوتها الذاتية، وتمركز الإرادة المحمدية فيها ومن خلالها وحولها. فقد كان تمركز القوة الذاتية لمكة نتاج مرحلة تاريخية طويلة، وجدت تجسدها بأشكال وهيئات ومؤسسات متنوعة. ومن الممكن أن نتخذ من حلف الفضول احد الرموز والعلامات التاريخية الاجتماعية والسياسية الكبيرة بهذا الصدد. والقضية هنا ليست فقط في أثره الفعلي بالنسبة لمركزية القرار، بل ولهويته الرمزية بالنسبة للنبي محمد. فقد عايشه وشارك في تأمله. الأمر الذي أبقى عليه في ذاكرته العملية. وذلك لأن التجربة الناجحة لحلف الفضول جعلته مرجعية مغرية للوحدة الدائمة بوصفها اتفاقا ضروريا ووفاقا عادلا. بحيث نرى الحسين بن علي يدعو إلى تجديد حلف الفضول في حال عدم كف السلطة الأموية عن انتهاك حقوقه في الحجاز. ولم يكن ذلك نكوصا إلى الوراء، بمعنى تخطي ما وضعه الإسلام من قيم وحدود للعلاقة بين الأمة وإمامها، بقدر ما تعني أهميته في الوعي الإسلامي المحمدي نفسه، بوصفه إجماعا على الحق بالحق. أما بالنسبة لحياة الإرادة المحمدية آنذاك، فإن مضمون حلف الفضول يعكس أهمية مكة الروحية والأخلاقية مقارنة بغيرها. إذ تضمن على فقرة تنهي القيام بأي فعل محرّم فيها، والذي وجد انعكاسه أيضا في الفكرة المجردة القائلة، بأن "مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا". أما في الواقع فإن الأمر قد جرى بشكل آخر. بل أن القرآن نفسه يحتوي على آيات عديدة في نقدها لقريش ومكة عما فيها من بغي وظلم وضلال. ومع ذلك ظلت مكة تشكل الهاجس الخفي الأكبر لمحمد. لقد كان النبي محمد يحس ويحدس بأنها مركز البدائل، وأنها "أم القرى". وقد جرت الأحداث كلها باتجاه أن تكون مكة "أم القرى" ليس بالمعنى الوجودي المباشر فحسب، بل وبالمعنى الميتافيزيقي. وحصلت هذه النتيجة على صيغتها التامة والثابتة في تمامها وثباتها بوصفها قبلة المسلمين و"بيت رب العالمين".

فعندما اشتد الصراع مع اليهودية آنذاك بوصفها ديانة توحيدية تحولت لاحقا إلى ديانة "قومية" صرف لا تختلف عن ديانات القبائل من حيث وظيفتها، حينذاك وجد في مكة قبلة روحه وملجأ جسده أو كلاهما في كلّ واحد. ولا يعني ذلك تعمق الأبعاد القومية العربية في الإسلام، رغم أنها كانت جزء من صراع المرحلة لكي يبرز ويتأطر، بوصفه دينا نوعيا جديدا ينفي ما قبله من أديان. إلا أن جذوره كانت أعمق من ذلك. إذ تحددت فيه معالم ومسار التمركز الذاتي لمكة في الوعي العربي والإسلامي.

فقد ذلل النبي محمد معالم ومضمون الوثنية المكية بإخراجها إلى عوالم أخرى. وليس مصادفة أن تكون مكة غاية صراعه السياسي. ومع ذلك لم يجعلها مركز إشعاعه اللاحق بعد تحريرها من الهيمنة القرشية. لقد أبقى عليها وحوّلها إلى جزء من منظومة الشعائر الإسلامية فقط. لقد انتزعها من زمن القبائل والعائلات، وأرجعها إلى تاريخ الجماعة والأمة. ووجد ذلك انعكاسه في العبارات المنسوبة إليه بعد فتحها واستباحتها السريعة قائلا:"إن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض. فهي حرام إلى يوم القيامة. ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ثم رجعت كحرمتها بالأمس". لقد قضى النبي محمد بهذه العبارة أو الفكرة على مكة الجاهلية وزمنها الوثني عبر إرجاعها إلى أصلها الأول بوصفها مدينة الله الأبدية. 

سرت روح النبي محمد في معراجه صوب المسجد الأقصى، لكنها لم تهدأ إلا في "البيت الحرام". فالأول ظل بعيدا، بينما تتراوح في "المسجد الحرام" روح اليقين والثبات، الذي وجد تعبيره الدقيق في الآية التي خاطبته بعبارة: "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ".

ولا يغير من هذه الحقيقة هروبه اللاحق منها. اذ لم تكن هجرته إلى يثرب هجرانا لمكة بقدر ما كانت الوجه الآخر للرجوع إليها. وذلك لأنها ظلت على الدوام بالنسبة له هاجس التخطيط والفعل وميدان الإرادة وبدائل المستقبل. فقد ظلت مكة تلازم صيرورته وكينونته بوصفها قبلة روحه وجسده، ومن ثم قبلة الروح والجسد. لقد تحولت مكة إلى عنصر جوهري في شعور الانتماء الموحد ووعيه التاريخي. أنها شكلت وعاء الانتماء الذاتي ووعيه الثقافي والروحي. فقد افرد لها التاريخ العربي مكانة البؤرة الروحية والثقافية والعقائدية في الإسلام.

فقد كدست مكة مشاعر العرب تجاه أربابها وتصوراتهم حول القواسم المشتركة بوصفها الصيغة المجردة والمقننة لتجاربهم التاريخية. ومن ثم جمّعت وبلورت هذه القواسم المشتركة في مبادئ وقيم كبرى موحدة. وبالتالي توسطها وتوسيطها لتقاليد العرب بلهجاتها المتنوعة ودياناتهم وأربابهم، بحيث جعلتها معقولة ومقبولة للجميع. ذلك يعني أنها صاغت وبلورت قبل ظهور الإسلام جزئية الاتحاد الروحي العربي. الأمر الذي أدى إلى إنفرادها في التاريخ العربي والإسلامي بمكانة خاصة لم ولن تفقدها فيما يبدو قيمتها المتميزة، شأن كل المدن التي ترتقي إلى مصاف "القبلة" الجاذبة للروح والجسد.

 ولم ينفصل هذا الترابط العربي والإسلامي فيها منذ البدء. فهي عربية بمعايير الجسد، إسلامية بمعايير الروح. والأخير هو الذي نقلها من زمن الوثنية إلى تاريخ الاسلام. وفيه فقط امتلكت معناها "المقدس"، رغم انعدام القدسية في المكان كما هو. فهي لا تتعدى كونها كومة من الحجر والصخر والرمال بمعايير الجسد، لكن الروح الإسلامي هو الذي جعل منها قبلة المسلمين. الأمر الذي وجد طريقه إلى مختلف الأساطير وحكايات الخيال، بوصفها الحالة الملازمة للانتقال إلى الوعي الثقافي الديني. فقد قلّم التوحيد الاسلامي مخالب الوثنية القبلية، مع ما لازمه بالضرورة من تهذيب وتجميل للجسد التاريخي وللروح الثقافي، اللذين تراكمت مكوناتهما في مجرى قرون من الزمن قبل الإسلام، أي كل ما حدد "مصيرها التاريخي". تماما بالقدر الذي لعب دورا هائلا في تثبيتهما بالمعنى العربي الوثني والإسلامي. وليس مصادفة ألا تنكر الرؤية الإسلامية العلاقة الحميمة والمتنافرة أيضا، شأن كل وجود متواجد في العقل والوجدان والذاكرة. بمعنى يطربهم ويدفئهم ويثير فيهم في الوقت نفسه حمية الانتفاض والتمرد. لقد رفع الإسلام مكة مع مرور الزمن إلى مصاف المكان المكرّم. وبقي هذا الاسم يلزمها ويلازمها، كما سيطلق لاحقا على المدينة كلمة المنورة. ثم تجري لاحقا بلورة وصياغة مختلف القصص والحكايات الجميلة والمعتوهة، بوصفها الوحدة المركبة لكل محاولة تسعى لإضفاء القدسية على ما لا قدسية فيه بحد ذاته. وذلك لأن المدن هي نتاج التاريخ، الذي لا ينفي ولا يتعارض عما في بعضها من خواص لا ترتقي إليها المدن الأخرى. وبالأخص تلك التي تجسّد في ذاتها رمزية الوجود الطبيعي والماوراطبيعي، مع أن كل ما في الوجود رمز، كما يقول ابن عربي.

بهذا المعنى، فإنها تكون قد ارتقت إلى مصاف بابل وأثينا وروما ولاحقا بغداد، أي أنها عرضة للزوال والبقاء في الذاكرة التاريخية وإبداعها المتنوع. ولعب الخيال الإسلامي اللاحق دورا كبيرا في توسيع مداها الروحي، رغم أن ملامحها المادية بقت كما صورها القرآن، بوصفها "وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ" و"بكة المكرمة" التي آمنها الله من الخوف.

وشأن كل مدينة من هذا النوع، عادة ما تستثير اللغة ومباحثها، والتاريخ وذاكرته، والأسطورة وخيالها من اجل رسم ملامحها الفعلية والخيالية، أو حدّها وحقيقتها كما كان يقول الفلاسفة المسلمون. اذ وجد البعض فيها تحريفا لاسم المقرّبة مثل بكة ومكة. والمقربة تعني تلك التي يتقرب الناس لها وبها. وبالتالي تجري ضمن سياق ما نقله ياقوت الحموي عن أن مكة تعني الامتكاك، أي الامتصاص. فهي تمتص الناس وتجذبهم بأثر قدسيتها. وتنتشر في كتب السيرة النبوية تفسير مكة على أنها تعادل معنى الازدحام. ويقال تمككت العظم إذا اجتذبت ما فيه من المخ، فكأنها تجتذب إلى نفسها ما في البلاد أو بفعل جمعها الماء من الجبال والتلال المحيطة، لأنها واقعة في واد. وتختلف هذه التفاسير في البحث عن المعنى، لكنها تلتقي في كونها تأويلات محكومة بالأثر الذي أحدثه الإسلام فيها. 

إن أهمية مكة ومعناها وقيمتها ومصيرها كان محكوما بالتغير الوعي الذي أحدثه الإسلام في وجود العرب. إذ يستمد تقديس مكة مقوماته من الانتصار الإسلامي بوصفه أيضا نفيا لما أنجزته العرب الوثنية في مجال توحيدها الروحي ووعيها الديني والاجتماعي والأخلاقي. وقد ظهرت ملامح هذه الصورة للمرة الأولى بعد الانكسار الذي تعرضت له بأثر غزوة أبرهة الحبشي للجزيرة. أنها أعطت لمكة بعدا ميتافيزيقيا جديدا وقوة لم تتمتع بها من قبل. فقد وقعت الهزيمة عند تخوم مكة كما لو أنها العملاق الخفي الذي اهلك الأعداء بقوة السماء!

فقد كان في غزوة أبرهة الحبشي لمكة بعدا يكشف عن أهميتها المركزية والروحية بالنسبة للعرب آنذاك. ولا يقلل من ذلك كمية الأخبار والمعطيات التي تقلل من هذه الأهمية. وذلك لأنها كانت مجرد جزءا من الصراع والمنافسة. إذ تورد الأخبار التاريخية على سبيل المثال، موقف ثقيف في مهادنتهم أبرهة الحبشي وإشاراتهم له أن ما ينبغي قصده هو مكان الكعبة لتهديمها وليس كعبتهم (بيت اللات). ونعثر في هذا الموقف على واقع يقول، بأن مكة لم تحتل بصورة نهائية وتامة موقع المركز الروحي الموحد لعرب الجزيرة آنذاك. كما تعكس في الوقت نفسه تمسك أهل الطائف بآلهتهم، ومن ثم استمرار صراع الكعبات في الجزيرة. وليس مصادفة ان يتوجه النبي محمد في بداية دعوته بعد صدّ المكيوّن له، إلى الطائف. وهناك حصل على أقسى رد ومهانة. وهكذا استمر الحال حتى بعد احتلال الطائف. اذ أرادوا الاحتفاظ بآلهتهم ولو لعام واحد، والذي رفضه النبي محمد. وسمح لهم بتهديمها بمعاولهم.

إن الحصيلة الجلية لكل هذه الغزوة تقوم في صعود مكة من بين ركام القوة الحبشية المسحوقة بطيور أبابيل الأسطورية. فمن المعلوم إن الأسطورة لا تتكامل بين ليلة وضحاها. وهزيمة أبرهة الحبشي وصيغتها الأسطورية قد تكاملت في مجرى عقود من الزمن. فالزمن في جزيرة العرب آنذاك ليس تاريخا بل زمن الهواء والعواء، أي زمن العواء الذي ينقله هواء الخواء التاريخي في أوديتها وواحاتها. وقد تكاملت هذه الصورة الخيالية تدريجيا إلى ان بلغت نمطها الأعلى في الآية القرآنية القائلة:"وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ*تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ". فمن الناحية الدينية كان ينبغي الوقوف إلى جانب أبرهة الحبشي بوصفه نصرانيا من أتباع التوحيد في هجومه على أوثان الكعبة. بينما نرى القرآن يقف إلى جانب الوثنية في حماية "رب البيت للبيت". وهو تناقض سرعان ما ينحلّ فيما أسميته بالأبعاد الميتافيزيقية الجديدة التي أحاطت بمكة اثر هزيمة الغزوة الحبشية، أي تلك التي أعطت لمكة "مصيرها الأبدي" في الخيال الإلهي بوصفها مدينة الله الجديدة ومأوى بيتها المقدس. فهي الذروة التي تكاملت في الوعي العربي الأسطوري والواقعي ووجدانه القومي. ففي شعر رؤبة بن العجاج نقرأ ما يلي:

ومّسهم ما مّس أصحاب الفيل

 ترميهم حجارة من سجيل

ولعبت بهم طيرا من أبابيل

فمن الناحية الفعلية لم تكن هذه الصورة الأسطورية سوى التعبير المناسب عن حالة العدوى القاتلة التي أصيب بها جيش أبرهة بأثر أمراض الحصبة والجدري. إذ تنقل كتب التاريخ والسير قولا عن يعقوب بن عتبة قوله "أول ما رأيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام". واكتملت هذه الصورة الأسطورية بأبعادها الميتافيزيقية الجديدة في القرآن من خلال ربط قدسية مكة بالله الإسلامي وشعائره الجديدة. اذ أخذت مكة قدسيتها من "الإرادة الإلهية" كما في الآية "أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ؟ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ؟". ومنها جرى صنع مفارقة الفكرة الإسلامية البديلة لمكة في منظومة العقائد والشعائر الإسلامية الجديدة التي طالبت بعبادة "ربت البيت" فيها، كما في الآية " فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ".

بعد ذلك أخذت تتكامل صورة مكة بوصفها قوة مادية روحية لعبت دورا كبيرا في صيرورة الشخصية المحمدية والإسلام ككل. إذ تحولت إلى مركز وعصب الحياة الاقتصادية للجزيرة ورحى حرامها وحلالها الروحي والأخلاقي. كما برزت في شخصيتها فكرة المدينة التي لا تذل ولا تذيل. بحيث نراها تحصل لاحقا على هيئة الفكرة التي جرى وضعها بعبارة "مكة لقاح لا تدين لملك لقاح بالفتح"، أو ما قاله عبد الله الزبعري:

تنكلوا عن بطن مكة أنها    كانت قديما لا يرام حريمها

إن القدسية الجديدة لمكة هي قدسية من طراز نوعي آخر يمكن رؤيتها في الاستعداد السريع للتحول من بيت الآلهة الوثنية إلى بيت الله الإسلامي. الأمر الذي يكشف عن وحدة مسارها التاريخي الذي ذلل الإسلام أبعاد الزمن العابر فيها. بمعنى التحول النوعي في موقع مكة بالنسبة للعقيدة الإسلامية وشعائرها. وما عدا ذلك، فإنها شأن المدن الأخرى. فقد هدمها واحرقها "أمراء المؤمنين" و"خلفاء المسلمين"، خصوصا زمن الأمويين عندما استعصت عليهم في المعارك السياسية والحربية. وكما يذكر الجمحي في (طبقات فحول الشعراء) قصة موت كثير وعكرمة في يوم واحد، وكيف أن أهل مكة خرجوا جميعهم لتشييع جنازة كثير مداح الأمويين وقصائد التشبيب، بينما لم يوجد لعكرمة مولى ابن عباس من يحمل نعشه!

كل ذلك يشير إلى أن المقصود بالقدسية هنا هو القدسية الروحية، أي الفكرة المجردة بوصفها النتيجة المترتبة على سيطرة الإسلام وشخصيته المركزية: محمد. إذ ليست القدسية الروحية سوى النتاج الذي رافق تطور وتوسع وتعمق الوعي الديني العربي وتمركز مؤسساته الكبرى في مكة، أي كل ما نعثر عليه في تطور التصورات الدينية العربية قبل الإسلام. فقد بدأت ظاهرة التمركز والمؤسسات بتنظيم الحمس، الذي لا يشكل بحد ذاته أهمية جوهرية كبرى. غير أن الاعتراف اللاحق بهذه الفئة الاجتماعية الدينية، كان يحتوي ويتضمن على تحول نوعي في المشاعر العربية تجاه مكة ومركزيتها الروحية والأخلاقية. وهي الظاهرة التي أقرّها الإسلام إلى جانب أشياء أخرى عديدة. وتكاملت هذه الصورة مع مرور الزمن بأثر تراكم الخيال والأساطير، التي أضفت على مكة هالة القدسية والتقديس، بحيث جعلتها خارج إطار الخضوع لأية قوة باستثناء "القدرة الإلهية" في قدرها، والتي سعى محمد، بإرادته التاريخية المتسامية، إلى تمثلها وتمثيلها في الفكرة التوحيدية الجديدة للإسلام.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (4)

كانت الهموم العقائدية والعملية للنبي محمد في ميدان الإرادة تقوم في صنع الإرادة المتوّحدة من خلال توحيد المعنى الإسلامي للمفاهيم والقيم. ففي معرض رده، على سبيل المثال، على رسالة مسلمة الحنفي (مسيلمة الكذاب)، فإننا نرى فيها الموقف من الإسلام والتوحيد بوصفه مبدأ دينيا سياسيا وليس سياسيا دينيا. فعندما كتب إليه مسلمة الحنفي (مسيلمة الكذاب)، كما تنقل الروايات التاريخية، كتابه الذي احتوى على نفس نموذج التحية الإسلامية، واعتبار نفسه رسول الله، وانه أشرك معه في أمر النبوة، ومن ثم اقترح عليه "تقسيم الأرض بينهما بالمناصفة"، رد عليه النبي محمد قائلا: "بسم الله الرحمن الرحيم.. السلام على من اتبع الهدى. الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". ونرى نفس الشيء في موقفه من مطالب ثقيف مقابل القبول بالإسلام واعتناقه. فقد طالبت مع قبولها باعتناق الإسلام، بأن تبقى على عبادة اللات ثلاث سنوات، وترك الصلاة، وأن يزيلوا الأصنام بأنفسهم. وقد وافق محمد على طلبهم الأخير ورفض الأول والثاني. وليس مصادفة ان يتمسك أبو بكر الصديق زمن الفتنة التاريخية الصعبة التي واجهها في ظاهرة الردة بعد موت النبي محمد، بالرفض التام والقاطع لمطالب من أراد مقايضة البقاء على إسلامه ان يتركوا الصوم والصلاة وعدم إتيان الزكاة.

ونفس الشيء يمكن رؤيته في مواقف النبي محمد من التقاليد والأعراف والقيم. ففي موقفه من النسيء نعثر على رفض أولي قاطع للاستهانة بثباتها، بمعنى رفض من أراد تغيير حالة اشهر الحرام حسب رغباته، بحثا عن الثبات، ولكنا نراه يجد فيها حجر عثرة زمن الضرورة الحاسمة للصراع. وعندما سألوه عن ذك كما في الآية القائلة " يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ...". وبرر ذلك بأن الكفر بالله والصد عنه، وإخراج أهله من المسجد الحرام عند الله أكبر من التمسك بالنسيئة. الأمر الذي يعني انه يدينها من حيث كونها جزء من إرادة الأهواء لا إرادة الحق.

كما تنوعت وتوسعت مواقفه من المفاهيم والقيم، لكنها كانت على الدوام مرتبطة بإرادة الحق والتوحيد. اذ أدى توسع وتنوع أشكال الصراع إلى أن يعيد النبي محمد ويوسع تصوراته وأحكامه عن الله ونفسه وجميع المفاهيم والقيم السائدة في عالم الوثنية والعرب الجاهلية. اذ لم تعد الهزيمة والفوز، على سبيل المثال، من عند البشر بل من عند الله. فالفوز هو هبة إلهية بينما الهزيمة بلاء منه لاختبار إرادة المسلمين. واعتبر ان ما يمس المسلمين من حرج في مجرى الصراع فقد مّس آخرين غيرهم، انطلاقا من أن الهزيمة والانتصار من حيث الظاهر هي حالة طبيعية بوصفها "أيام نداولها بين الناس". ومن ثم فإن الشيء الأكثر أهمية بالنسبة للإرادة هو الثبات عند فكرة التوكل الفاعل انطلاقا من المبدأ القائل " وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ". وذلك لأن جميع الأحداث والمجريات محكومة بسرّ الهي، ومن ثم فإن البقاء ضمنه وفيه أولى. فبعدما صرخ البعض في مجرى معركة احد، بأن محمدا قد مات، جاء الرد في الآية " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ "، " وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا  "، وأن الموت أصناف وأنواع وأفضلها هو الموت في سبيل الله، أي في سبيل الحق، كما في الآية "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا، بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ". وبهذا تكون الفكرة الجديدة عن الموت قد حررت الروح من ثقل الجسد، والجسد من فكرة الاندثار والتلاشي. بمعنى الإبقاء على كينونة الإنسان بوصفه مخلوقا أبديا.

إن سوء الفهم لحقيقة الله، أو ما وصفه النبي محمد بعبارة "يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ" هو اساس ومقدمة الرؤية والمواقف المغلوطة التي شكلت حجر المسن الفعلي للإرادة المحمدية بوصفها إرادة التحدي والمواجهة والبدائل. بعبارة أخرى، لقد وجد النبي محمد في آراء ومواقف وأحكام العرب الوثنية بصدد مختلف القضايا والقيم مجرد ظنون خاطئة، أي ليست عقلية ولا تستقيم مع الحق والحقيقة. ففي الموقف من الموت، على سبيل المثال، كانت العرب الوثنية في مجرى صراعها ضده تؤكد على أن الإنسان يولد ويموت شأن كل ما في الوجود، وأنه لا قدرة للإنسان ولا اثر فيه. بينما جعل محمد من الموت والحياة أيضا أجزاء أو عناصر في الإرادة الإلهية التي تعطي في نهاية المطاف للإنسان بعدا وقيمة تتجاوز حدود ما أعطته الوثنية له. فالعرب الوثنية تقول بأنه "ليس لنا من الأمر شيء". بينما يجيب النبي محمد: " قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّه" بما فيه الحياة والموت. مع ما ترتب على ذلك من أبعاد أخلاقية وروحية. بمعنى الاستعاضة عن فكرة الموت زمن الشدائد بفكرة الشهادة الحية. بحيث نرى انعكاس هذا التعارض وتغلغله في المواقف والسلوك والإحساس والخطابة والشعر.

فقد كتب الزبعري، بعد معركة أٌحد، في إحدى قصائده الجميلة في الثأر على هزيمة ومقتل قريش في بدر قائلا:

كل عيش ونعيم زائل         وبنات الدهر يلعبن بكل

كم قتلنا من كريم سيد         ماجد الجدين مقدام بطل

ليت أشياخي ببدر شهدوا  جزع الخزرج من وقع الأسل

بينما رد عليه المسلم كعب بن مالك قائلا:

ابلغ قريشا وخير القول أصدقه  والصدق عند ذوي الألباب مقبول

إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا     والقتل في الحق عند الله تفضيل

إننا نقف هنا أمام لوحة تنعكس فيها الأفكار والمواقف المتضادة عن معنى الحياة والموت. الأول يعكس موقف التقاليد الوثنية القبلية عن القدر والثأر، بينما الثاني يربط الحياة والموت بالقيم المتسامية عن الحق والتضحية من اجله. بمعنى نفي قيم الوثنية والقبلية بقيم الروح المتسامي الذي تتكشف وراءه ما يمكن دعوته بإرادة التوحيد.

إن إرادة التوحيد هي القوة والطاقة والوسيلة التي تتوحد فيها الرؤية العقائدية المتسامية بالرؤية والمواقف العملية للوحدة الاجتماعية. وقد اتخذت الأخيرة في الإرادة المحمدية هيئة ونموذج الجماعة والأمة من أجل تنظيم توحيدها الروحي العقائدي والسلوك العملي، أي وحدة الروح والجسد على مستوى الفرد والجماعة والتنظيم. وتمثل الحادثة المروية عنه ورؤيته للحل الواقعي تجاه اختلاف أو تنافس القبائل في بناء الكعبة، سواء جرت بصورة فعلية أو رمزية، عن الأبعاد الفعلية أو الدفينة، الواقعية أو التأويلية للمغزى العميق في رؤيته وسلوكه. فعندما اختلف الناس فيمن يكون الأول بنقل الحجر إلى الكعبة. بينما اقترح محمد أن يكون من كل قبيلة من يمثلها، ثم وضع الحجر في الرداء الذي يحمله وأشركهم جميعا في رفعه وحمله دفعة واحدة. إننا نعثر في هذه الصورة على نموذج الفعل الجماعي، ومساعي التوحيد الاجتماعي. وطبق ذلك لاحقا على جميع العبادات ونمطها الإسلامي الجديد من صلاة وصوم وحج وغيرها. فعندما تم الإعلان عن الدعوة جهرا، اخذ النبي يصلي بالمسلمين في إحدى شعاب مكة. ولاحقا سينقلها إلى مكة و"بيت الله الحرام". وتجرى تدقيق وتنظيم هذه الوحدة العبادية (الروحية والعقائدية) في مجرى الصراع ضد قريش والوثنية عموما. بمعنى أن آراءه الخاصة بتوحيد الإرادة أخذت بالتطور والتدقيق والتهذيب في مجرى الصراع الاجتماعي والديني والفكري، الذي تبلور في مجراه أيضا فكرة الواحد والجماعة، بوصفها الحد الفاصل بين المتضادات والجماعات والأفراد والعلاقات. 

كانت فكرة التوحيد تعني بالنسبة للنبي محمد وتتطابق مع فكرة الحق. ومن ثم فما سواها باطل أيا كان شكله ومستواه ومظهره. فالله هو الإله الواحد ضد الكثرة، لأن الكثرة في هذا المجال هي أوثان وأوهام. ذلك يعني، أن الإله الواحد هو الحق، كما أن الحقيقة واحدة واحدة. وتغلغلت هذه الحقيقة الواحدة في أعماقه بوصفها وحيا حيا صنع على مثاله مقوماته الذاتية وإرادته الحرة، بوصفها قدرا أيضا. ففي هذه المفارقة كان ما يكفي من حيوية وصدق جعلته مستعدا للتضحية من اجلها دون تردد، ولكن بوصفها تضحية النبوة وليس قربان الوثنية، أي تضحية الإبداع التاريخي أو القربان التاريخي. وهذه أشياء مختلفة ومتباينة بل ومتناقضة أحيانا بمعايير المنطق الشكلي، لكنها وحدة حية بمعايير الإرادة المشتركة. من هنا يمكن فهم معارضته الأولية للمقايضة التي حاولت قريش إغرائه بها. إذ رفض أن يكفّ عما يقوم به ولو أعطوه مقابل ذلك الشمس والقمر. الأمر الذي أثار دهشة قريش المتربية بحب الجاه والمال والثروة. بحيث نراهم يجدون في موقفه وشخصه "سحرا عجيبا". وسحبوا ذلك على غيره من المواقف، مثل استغرابهم بقدرته على التفريق "بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه". أما في الواقع، فأن الإرادة النبوية وتحديها الشامل قد قلب الموازين والقيم، وأصبح ما هو غريب عاديا، وما هو مثيرا للاستغراب مقبولا، وما هو سحر معقولا. ولا غرابة في الأمر، فإن للتاريخ الفعلي مساره الغريب والمدهش والمثير للاستغراب أحيانا، مثل أن تتحول قريش التي أكثر من ناصب محمد والإسلام العداء إلى قبيلة "مقدسة" وحاملة الحق الأوحد في مدّ الخلافة بقبائلها ورجالها! لكن هذه المفارقة تبقى في نهاية المطاف الصيغة المشوهة للانقلاب التاريخي الذي أحدثته فلتة صعود أبو بكر للخلافة ومغامرة الأموية في تثبيتها اللاحق.

أما المسار الأول للخلافة النبوية، أي استخلاف النبي محمد للإرادة الإلهية، فقد كان له مساره ومنطقه الخاص القائم في البعد التوحيدي الكامن في كل فعل كان يقوم به محمد. فعندما اضطروه للهجرة الأولى إلى الحبشة، فإنه جمعهم وكوّنهم كوحدة من مختلف القبائل، بحيث نرى فيهم من بني هاشم وبني أمية وبني أسد وعبد شمس ونوفل وعبد قصي وعبد النار وهديل وبهراء وتميم وغيرهم.

وفي نفس الوقت كان النبي محمد مستعدا لمساومة قريش، ولكن بالاتجاه الذي يخدم وحدانية الدين الجديد، ومن خلاله توحيد العرب. انه دعا قريش الوثنية من اجل أن تسود قريش الإسلامية. وكان مستعدا للاتفاق معها بما في ذلك إزالة عبارة "محمد رسول الله"، على أن تبقى عبارة "لا اله إلا الله" وخلع عبادة الأوثان. حينذاك يمكن لقريش أن تسود العرب وتدين لهم العجم. ولا يتعارض هذا السلوك في احد مراحل تحديه للعرب الوثنية. فالإرادة المتسامية تعمل بمعايير الحق وليس بالأهواء. والجوهري في إسلام محمد هو "لا اله إلا الله"، أي الوحدانية الخالصة والإخلاص لها. وما عدا ذلك يمكن التساهل به ومعه. ولكن إلى حد.

فقد تنوعت مواقفه، لكنها توّحدت في الإصرار والثبات على فكرة التوحيد. إذ سمح في البداية وأحيانا وتساهل مع اقتراف الإثم، على الأقل فيما يتعلق بقضايا وإشكالات ما بعد الموت. ووجد تخريج لهذا الموقف في العبارة القائلة "الله إن شاء عذّب وإن شاء لم يعّذب". وينطبق هذا على مواقف أخرى متغيرة ومتبدلة، باستثناء مبدأ الاعتراف بالله. اذ وجد فيه السرّ العميق الكامن في كل الفضائل المحتملة. ومع ذلك وضع حدودا دقيقة متراكمة عن كمية ونوعية الفضائل التي شكلت منظومة القيم الإسلامية. من هنا توكيده منذ البدء على عدم السرقة والعدوان والقتل والزنا وقتل الأبناء وإتيان البهتان. كل ذلك كان يهدف إلى التوحيد الاجتماعي عبر شحذ مثال وأنموذج الفكرة الوحدانية الإسلامية، التي أخذت ملامحها تتراكم وتتضح في كمية ونوعية الجماعة المتجمعة حوله ودوره فيها وشخصيته.

غير أن أهم وابرز ملامح الفكرة التوحيدية ضمن مسار الإرادة وثباتها تظهر في الأبعاد العقائدية للإسلام المحمدي الأول، وبالأخص في الموقف من اليهودية والنصرانية في جزيرة العرب. ووجد ذلك انعكاسه الأولي في الحكم المؤقت للفصل بين اليهود والنصارى. فقد كانت تكمن فيه أفضلية الإسلام، لما فيه من رمزية كامنة ومبطنة. إذ لم يقف محمد إلى جانب طرف ضد آخر، بل سعى للسمو والعلو عن هذه المعارك ومن ثم الكشف عما فيها من خلل كما صوره القرآن في الآية القائلة: "قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ. كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ".

إننا نقف هنا أمام موقف يتساوى فيها العلم والجهل بأثر تحزبهما وانعدام علاقتهما بالحقيقة كما هي. بمعنى إنهما ابتعدا عن حقيقة الدين اليهودي والنصراني. إذ لا يعترف أحدهما بالآخر، وكلاهما لا يعترفان بالإسلام، بينما الإسلام يقر بما فيهما من حقيقة وينتقد ما يجافيها عندهم.

فعندما طالبته اليهود بالتهّود، والنصارى بالتنّصر، أجاب بأن الهدى الإسلامي أهدى لله الحق والتوحيد الحق. وانه لا يستطيع إتباع ما جرى تحريفه. وانه يتبع مضمون التوحيد وحقيقته في اليهودية والنصرانية وليس ما يتبعه اليهود والنصارى من تحريف له، أو ما وضعه في عبارة تقول بإتباع "مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين".

كان مسار النقد الإسلامي لليهودية والنصرانية يقوم في تنقية الفكرة الوحدانية ورسم حدودها الحقيقية. ومن ثم البرهنة على أن التوحيد الحق لا علاقة له بالأديان نفسها ولا حتى بالأشخاص. ذلك يعني، إن حقيقة التوحيد تقوم في إبراز حقيقته كما هي. وإن التوحيد فكرة سليمة بحد ذاتها، أما محاولة امتلاكها ومصادرتها الخاصة فهو أما جهل أو بأثر التقليد وتلوث القلب الأخلاقي. من هنا اعتباره تصورات اليهود عن يهودية إبراهيم، وتصورات النصارى عن نصرانية إبراهيم أحكام لا علاقة لها بحقيقة إبراهيم وذلك لأنه قبل التوراة والإنجيل. إن حقيقة إبراهيم تقوم في كونه "حنيفا مسلما". وبهذا يكون محمد قد سعى لإبراز قيمة الحنيفية، أي التوحيدية الخالصة. فهو لم يناقش فكرة الانتماء والمصادرة للأشخاص أيا كانوا. وذلك لأن الجوهر والجوهري هو الله الواحد، وما عداه أشخاص وأسماء لا غير.

لقد أراد النبي محمد إبراز نقاء فكرة التوحيد، وأن دين الله واحد، أي أن الوحدانية الخالصة تقوم بالإخلاص لله الواحد الحق. وهي فكرة تتضمن في أعماقها مهمة تنقية الإرادة والعمل بموجبها من أجل التوحيد العام والشامل. وضمن هذا السياق يمكن توقع ما نسب إليه عن ضرورة الدين الواحد في الجزيرة، أي أن "لا يترك بجزيرة العرب دينان". وأيا كانت حقيقة هذه النسبة، بمعنى أن تكون من كلمات محمد أو من الاجتهاد الديني السياسي اللاحق لعمر بن الخطاب، فإن مقدماتها الخفية تكمن في فكرة الإرادة النقية. وبالتالي لا علاقة لها بفكرة القيم من تسامح وتعدد وما شابه ذلك. فهي حالة متناقضة بمعايير المنطق الشكلي، لكنها معقولة بمعايير الإرادة الساعية إلى دفع التحدي الشامل للوثنية صوب نهايته المنطقية. الأمر الذي نعثر عليه في الوحدة المتناقضة لفكرة "لا إكراه في الدين" و"لا دينان في جزيرة العرب". فالفكرة الأولى هي شعار الدفاع، والثانية شعار الهجوم. وبالتالي، يعّبران عن مسار الصيرورة الطبيعية والماوراطبيعية لفكرة التوحيد الروحي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي، الذي وجد انعكاسه في تدّرج الإرادة المتحدية والمتفائلة.

ففي بداية الأمر كان الصراع موجها من اجل القضاء على الوثنية، ولاحقا الإبقاء على الدين الأكثر تأثيرا وفاعلية، وأخيرا تحديد معالم ومهمات وغايات الدين التوحيدي الحق وإبعاد البقية الباقية وفرزها بهيئات مختلفة من كفار، ومشركين، وأهل ذمة، وأهل كتاب، وغيرها. وتوّجت هذه الغاية في الكتاب الذي أرسله النبي محمد بيد عمرو بن حزم إلى بني الحارث ينهي فيه الدعوة لشيء أيا كان لغير الله. وورد فيه النص التالي: "إذا كان بين الناس هيج الدعاء إلى القبائل والعشائر، فليكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له. فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليحذفوا بالسيف حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له". بعبارة أخرى، إن الإرادة الساعية صوب الوحدانية النقية والإخلاص لها يفترض نفي ما هو غيرها بصدد توحيد الناس والعالم الروحي للجماعة والأمة. وهو منطق الإرادة النبوية أو الإرادة المتسامية. فهي الوحيدة القادرة على إيجاد الحلول بحدس الحرية والإخلاص، أي المتحرر من رق التقليد والقيم الجامدة والعادات والعبادات الموروثة، التي ماتت فيها أو تحللت طاقة الوجدان الحي، أي كل ما يتعارض مع حقيقتها الأولى، بوصفها وسائل الوحدة والإرادة الفاعلة بإخلاصها للحق.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (3)

الإرادة صانعة المصير، سواء جرى النظر إليها بمعايير التجربة التاريخية والواقعية أو بمعايير القضاء والقدر اللاهوتية. وذلك لأن جذرها يكمن فيما يريده المرء ويسعى إليه، أي كل ما يتمثل القوة والرغبة العميقة في الإنسان. وبدونها يتحول المرء إلى كتلة بلا طاقة. فالإرادة تصنع العظمة والعظماء وتحقق من خلالهم إحدى المآثر التاريخية الكبرى. إذ تكشف التجارب التاريخية لصيرورة الأمم الكبرى عن ارتباط كينونتها الثقافية بشخصياتها الإرادية الكبرى، ومن ثم فإن الإرادة هي العنصر الجوهري بالنسبة للانتقال من طور وحالة ثقافية تاريخية إلى أخرى. فالإرادة الفاعلة تعادل معنى "الطاقة التاريخية" أو الإرادة التأسيسية بوصفها الحلقة الضرورية في سلسلة الآلية الداخلية لهذا الانتقال. وفيها ومن خلالها تبرز قيمة وأهمية وفاعلية العظماء في التاريخ. والمقصود بالعظيم هنا الشخصية الإرادية المتفائلة، والعاملة بمعايير الرؤية المستقبلية ومتطلباتها. فالانتقال من المرحلة الإثنية الثقافية إلى المرحلة الثقافية الدينية سواء ارتبطت بشخصية فردية أو جماعية، فإنها تعمل بالضرورة بنفسية وذهنية الإرادة المتفائلة بالمستقبل والإرادة الذاتية، الأمر الذي يحدد صيرورة المرجعيات الثقافية المتسامية والعمل بموجبها في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي، كما نراه على سبيل المثال في شخصية حمورابي وإرادته في تحديد ملامح الانتقال التاريخي صوب المرحلة الثقافية الدينية عبر بناء الدولة الإمبراطورية الموحدة، والقوانين الموحدة، والآلهة الموحدة.

وليست العظمة في الواقع سوى الإرادة التاريخية المتفائلة في تحديها للواقع والخروج منه عليه بعقل ثقافي مستجد ومتجدد صوب بدائل منظومية كبرى. وليس مصادفة، على الأقل في العربية، أن تكون العظمة والعظيم والعظم من جذر واحد يدل على القوة والبقاء. لكن العظمة في مسارها الفعلي هي تاريخ الصراع والكفاح والتحدي مع ما يتخلله بالضرورة من وحدة المتناقضات الملازمة للحياة والتاريخ الفعلي للبشر من نصر وهزيمة، وفوز وانكسار، وفرح وألم، والذي يجعل من الإبداع مرارة ومن مذاقها الثقافي حلاوة. كما انه لا احد يتذوق مرارة العظمة غير حاملها ومبدعها، ومن ثم لا يمكن تذوقها بوصفه أسلوبا لإدراك الحقيقة كما هي إلا من خلال معاناتها وتمثل ما فيها في العلم والعمل. وقد عانى محمد وتمثل رحيق التجربة التاريخية للنبوة من خلال صقل الإرادة الذاتية المتسامية وتجسيدها العملي في إرادة تاريخية كبرى وتحقيق ما فيها من مساع وغايات.

إن العلاقة بين الإرادة الفردية المتسامية والإرادة التاريخية هي الصلة الضرورية التي لا يمكن بدونها تحقيق الانتقال من طور تاريخي ثقافي إلى آخر. وكما لا ينجح التحدي الفردي إلا بوجود إرادة فردية متسامية، كذلك لا ينجح التحدي التاريخي بدون إرادة تاريخية كبرى. فالأولى وثيقة الارتباط باليقين الفردي المتفائل، بينما الثانية وثيقة الارتباط بالعقل الثقافي الجديد، أي بالعقل المؤسس لمنظومة المرجعيات المتسامية. وهذا بدوره ليس الا منظومة البديل التاريخي الذي يعي الخلل البنيوي أو المأزق التاريخي للعنصر الجوهري في صيرورة وكينونة المرحلة التاريخية الثقافية السابقة. فالإرادة التاريخية للانتقال من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية يفترض إدراك طبيعة ونوعية الخلل في العنصر الديني بوصفه المكون البديل لما قبله وإضافة العنصر البديل القادر على نفي عناصر المرحلة السابقة. وفي الحالة المعنية تذليل الفكرة الدينية السابقة بأخرى أكثر فاعلية في إرساء أسس البديل التاريخي الثقافي الجديد وتجذير البديل عبر العنصر الأكثر فاعلية ألا وهو العنصر السياسي. ومن ثم إرساء أسس الطور الديني السياسي ومنظومة مرجعياته المتسامية، أو المافوق تاريخية لكي ترسي أسس التاريخ الجديد.

صنعت الإرادة الفردية لمحمد شخصيته النبوية، كما صنعت شخصيته النبوية إرادة تاريخية أو طاقة تاريخية ثقافية كبرى وجدت تعبيرها وتحقيقها في الثقافة الإسلامية اللاحقة وحضارتها. بعبارة أخرى، لقد جعلت الإرادة الفردية المتسامية من محمد نبيا، بينما جعلت إرادته التاريخية الكبرى من النبي محمد رسولا ذا رسالة وشريعة.

وجسّدت الشخصية المحمدية وحققت فكرة الإرادة التاريخية، أي الإرادة المتفائلة تجاه المستقبل، وذلك لأنها كانت منذ بداية النبوة مليئة باليقين. ونعثر على هذه الحالة النفسية والعقلية للإرادة المحمدية من ناحيتها الفكرية المجردة في ظهور عبارات "عين اليقين" و"حق اليقين" في الآيات الأولى للوحي القرآني. ووجد ذلك تعبيره العملي الدقيق والواضح والجلي والمستميت من أجل تحقيقه في العبارة العميقة والمباشرة التي واجه بها طلبات وتحديات قريش من أجل ترك النبوة والتخلي عنها: "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

فما قبل النبوة، لم تكن الإرادة الفردية لمحمد أكثر من إرادة البحث عن اليقين. اذ لا نعرف عنه ما قبل النبوة إلا أشياء قليلة وعادية مثل كونه يتيما، ورباه عمه أبو طالب، وعمل بالرعي ثم التجارة عند خديجة التي تزوج منها لاحقا، وسفراته إلى العراق والشام، وأمانته بحيث وصفوه بالأمين. وفِي الميدان الاجتماعي كان مختفيا وراء صيرورته الفردية وشخصيتها، بمعنى أنها كانت تتراكم في مجرى تأملاته العقلية والوجدانية في وديان مكة وديارها. والحالة الوحيدة التي أشار هو شخصيا إليها وجوده في مجرى الاتفاق على حلف الفضول في مكة عام 590 (ميلادية) بعد شهر من انتهاء "حرب الفجار" بين كنانة وقيس عيلان1.

ذلك يعني، إن إرادته الأولية المتراكمة في تصوراته عما يسعى إليه والطريقة المثلى لبلوغ ما يسعى إليه في مواجهة إشكاليات الواقع وقضاياه، لم تكن أكثر من إرادات الآخرين. لكن بأثر تحول الإرادة الفردية إلى إرادة متسامية (نبوية)، أخذت الشخصية المحمدية تعطي للإرادة قيمتها ومعناها التاريخي. بمعنى تحسس ورؤية الأبعاد المافوق تاريخية والماوراطبيعية في سلوكه ومواقفه التاريخية والطبيعية. إذ أصبحت إرادته جزء وتمثلا "لإرادة الله". ولعل الحادثة المشهورة عن مساهمته في رمي الحصى على أعداءه في معركة بدر، احد النماذج الحية بهذا الصدد، والتي وجدت انعكاسها وتعبيرها في الآية القائلة (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).

إن رؤية الإرادة الإلهية في إرادته تعكس من حيث طابعها الرمزي التأويلي والواقعي العملي، أو الديني والسياسي عن أن جوهرية الإرادة في شخصيته الجديدة تنبع من جوهرية الإرادة في مراحل الانتقال. وذلك لأنها تحدد مسار ونوعية التحدي والبدائل، ومن ثم تجد انعكاسها وتجسيدها في العقل الثقافي. من هنا أثرها الجلي اللاحق في المواقف العملية والنظرية للمرحلة التأسيسية الأولى للثقافة الإسلامية كما نراه على سبيل المثال في حركات الخوارج والمعتزلة والمتصوفة.

جعلت هذه الحالة المعقدة والمتداخلة من حيث مقدماتها ومكوناتها وقواها من محمد نبي الإرادة. بمعنى اختارها واختارته. وقد يصعب الكشف عن سرّ هذه العلاقة بمعايير المنطق، لكن المنطق يكشف ويبرهن على حقيقة جوهرية ألا وهي أن غلبة الإرادة في التحدي الشامل جعلت من "إرادة الله" الملجأ الأول والأخير لاختيار الفعل بوصفه تحديا. وبالتالي، فإن "إرادة الله" تعني الإرادة المطلقة، أي إرادة اختيار الفعل بمعايير الحق، التي ستجد منفذها الجلي بالنسبة للوعي الديني والسياسي والأخلاقي فيما يسمى بأسماء الله الحسنى، بوصفها مؤشرات على الفضائل العملية. بينما يشكل اختيار أي منها تحقيقا للإرادة. وضمن هذا السياق يمكن فهم تنوع واختلاف المواقف من الشدة إلى الرحمة، ومن الهجوم إلى الصبر وكثير غيرها، على وحدة الثبات في التغير. وذلك لأن عدم اقتران الفعل المختار بمعايير الحق يؤدي بالضرورة إلى زعزعة اليقين وخلخلة الإرادة. فالإرادة الحقيقة بلا رغبة. بينما الإرادة المقيدة بالرغبة مجرد أهواء عابرة. ومن ثم ليست قادرة على الصمود أمام التحديات الكبرى. فقد جعل النبي محمد من كل تحد درجة قصوى، وانه لا صغائر في الأمور، انطلاقا من أن الأشياء بالنسبة لله كلها سواء. الأمر الذي يجعل من الأشياء كلها سواء بالنسبة للإرادة المتسامية.

ونعثر على هذه الصيغة في شخصية محمد وإرادته حالما تجسدت في حالة "شخصية نبوية وإرادة متسامية". ولعل الحادثة الشهيرة عن رفضه المساومة على نبوته وإرادتها الفاعلة مهما كلفه الأمر بالعبارة الشهيرة "حتى يظهره الله أو اهلك دونه". ففي هذه العبارة والموقف نعثر على باعث اليقين بوصفه جوهر الإرادة المحمدية. فالإرادة المتسامية تعادل على الدوام فكرة اليقين، اذ يتغلغل اليقين في الإرادة ويتماهى معها بالشكل والمضمون، بحيث لا يمكن التفريق بينهما. فقد ظهرت عنده منذ البداية فكرة "حق اليقين" و"عين اليقين". وهو يقين يختلف عن يقين العلم والمعرفة، ويقين التقليد، ويقين البلادة والغباء. فالأول يحتمل الشكوك، بينما الثاني لا يعرف الشك، أما الثالث فهو يقين التقليد بمختلف مظاهره وأشكاله، والذي كان يطغي على تقاليد الوثنية العربية. أما اليقين المحمدي فهـو يقين متفائل، وذلك لأنه يقين النبوة أو حدس الوجدان الخالص. من هنا تداخل التفاؤل بالمعاناة العميقة التي تضعه أحيانا أمام هاوية اليأس والقنوط، ثم تعيده من جديد إلى تفاؤل مغر. فالإنسان الذي يدرك إرادته على أنها الحلقة الرابطة بين الأزل والأبد لا يصاب باليأس والقنوط، أو على الأقل إن هذه الأحوال تظهر وتضمحل بوصفها شفرات القطع الحادة لما هو عالق وعابر، أو حجر المبرد الذي يقطع الشكوك بيقين الإحساس الجديد بنعومة "الأذى"!

إن حالات الإحباط واليأس والقنوط وما شابهها ليست إلا أحوال الروح في معاناته شحذ قوة الإرادة بوصفها يقينا متفائلا. وقد كان هذا هو مضمون الإرادة الإلهية في القرآن، أي مضمون الإرادة المحمدية بوصفها إرادة إنسانية تاريخية كبرى. ذلك يعني، إن الإرادة الإنسانية إلهية بمعايير النبوة حالما تتمثل الحق والحقيقة. وبالتالي كانت الإرادة المحمدية إرادة التحدي والبدائل، المبنية على أساس فكرة التفاؤل واليقين، أو الإرادة المتفائلة يبقينها الذاتي. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن تأسيس المرجعيات الثقافية الكبرى للإسلام، بوصفها الأساس البنيوي لانتصاره وإرساء أسسه الذاتية، هو النتاج الخالص للإرادة المتفائلة للنبي محمد، والتي يمكننا رؤيتها أيضا في جميع مظاهر وجوده وفعله العلني والمستتر بما في ذلك أثره وتأثيره فيمن حوله.

وقد تكون نبوة الإرادة من بين أكثرها نموذجية، بمعنى الاقتناع واليقين بنبوته وعلاقته بالله بوصفه رسولا للعالمين من جانب العرب الوثنيين، أي الواقعيين جدا والمشككين في كل ما لا يتجاوز حدود المعقول المباشر في الرؤية والفعل. وقد تكون الحادثة الطريفة بين محمد وأبو سفيان بعد تحرير مكة من بين أكثرها نموذجية بهذا الصدد. فقد استجاب أبو سفيان للشطر الأول فقط من الشهادة الإسلامية عندما نطق بها قائلا "لا اله إلا الله" ثم سكت. وعندما قال له محمد "الم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟"، فأجابه "أما هذه، والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا" 2.

فإذا كان إسلام الشخصيات الأولى بصورة طوعية، بأثر إدراك لا يخلو من نوعية الإرادة المحمدية الشخصية والنبوية كما كان الحال بالنسبة للشخصيات التي ستلعب لاحقا دورا كبيرا في تاريخ الإسلام وإرساء أسس الخلافة. فقد كان إيمان عتيق بن عثمان (أبو بكر الصديق) وما تبعه من إسلام شخصيات أخرى كبيرة وكثيرة يعكس من الناحية الاجتماعية والنفسية والفكرية أيضا اثر الإرادة الفردية للنبي محمد. وذلك لأن إيمان هذه الشخصيات المتعرّكة في تجارب الحياة، والكبيرة في أعمارها، وغير المعروف عنها الاهتمام بقضايا الروح وما وراء الطبيعة، بل على العكس، الاهتمام بالثروة والتجارة، هو احد المؤشرات الدقيقة لأثر الإرادة المحمدية وشخصيته الفردية. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار الحالات الفردية الخاصة للكثير منهم، ممن سيلعب دورا هائلا في تاريخ الإسلام والدولة والثقافة.

كان عمر بن الخطاب، على سبيل المثال، من ألد اعداء محمد والداعين إلى قتله. اذ كان يسمي النبي محمد بالصابئ. كما كان سلوكه يتسم بالعنف والقسوة تجاه المسلمين، بما في ذلك تجاه أخته التي أسلمت قبله. بحيث قال عن نفسه لاحقا "كنت  للإسلام مباعدا، وكنت صاحب خمر في الجاهلية، أحبها وأسرّ بها". كما أسلم أغلب قواد الفتوحات الإسلامية مثل عمرو بن العاص وخالد بن الوليد. ويقال أن الأول أسلم خوفا من ملك الحبشة بسبب مؤامراته لقتل النبي محمد، بينما كان إسلام الثاني عاديا. في حين وجد فيه بعض من الخزرج، كما تنقل الروايات، ما كانت تبشر به اليهود عن النبي الجديد الذي يمكنه أن يجمع بهم شمل الأوس والخزرج. بينما كان إسلام اغلب من أسلم بعد فنح مكة بأثر القوة والخوف!

مما سبق يتضح، بأن محمدا كان يخضع، كما هو جلي من هذه الحادثة وأمثالها، كل ما كان يقوم به لتأسيس فكري وتبرير عقائدي. الأمر الذي كان يجمع بين الرؤية الواقعية (السياسية) والتأويل الفكري (الديني) ومن ثم احتوائهما على أبعاد غير متناهية بوصفهما جزء من الوحي. ومن ثم أعطى لكل ما يقوم به صفة التأييد الإلهي. والهدف من وراء كل ذلك هو التوحيد الاجتماعي والعقائدي، كما نراه في الآية "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ". ومن ثم صنع المناعة الذاتية والروحية، كما في الآية القائلة: "لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ... وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ"

لا يعني إتباع "أحسن ما انزل" في الوحي سوى اختيار ما هو ملائم للإرادة الفاعلة بمعايير الحق. بعبارة أخرى، إننا نعثر هنا على مرونة الموقف باختيار ما هو مناسب في تأسيس أو تبرير الموقف، ولكن بشرط ارتباطها بأحسن أو أفضل ما هو موجود في ذخيرة الرؤية العقائدية. وفي هذا كان يكمن الأساس العقائدي للإرادة المحمدية في صراعها ضد الوثنية العربية أولا، والأديان الأخرى لاحقا في الجزيرة من اجل إرساء أسس "التوحيد الخالص". واستعمل النبي محمد كل ما كان في متداول يديه من الذاكرة التاريخية وقوة المنطق والبلاغة والبيان ومعطيات الحس والعقل السليم، باختصار كل ما كان بإمكانه تقوية وشحذ الإرادة في مواجهة إشكاليات الواقع وقضاياه الفعلية. فنراه على سبيل المثال، يستشهد بحياة وأفعال ومآل من سبقه من الأنبياء والصالحين. بمعنى العمل من اجل شحذ الهّمة وإثارة الهموم لتلافي الرذيلة واليأس والقنوط. ومن ثم بناء منظومة المعنى أو المعاني المتسامية في الموقف من الوجود بوصفه حركة لا تنتهي. وقد كان هذا يعني من حيث مقدماته وغاياته العمل على تأسيس المعنى الروحي للعمل من اجل البديل التاريخي والمستقبلي، الذي كان يتطابق من حيث أسسه وآفاقه التاريخية مع فكرة الانتقال من المرحلة الثقافية الدينية (الوثنية) إلى المرحلة الدينية (الإسلامية) السياسية. ومن ثم يتطابق مع مهمة إرساء أسس الكينونة التاريخية الثقافية والسياسية الجديدة للعرب، بوصفها كينونة إسلامية. 

استمد هذا الإرساء أسسه من تمثل التجربة التاريخية للعرب بعد نفيها بمعايير الإسلام ومرجعيته الكبرى والجوهرية في التوحيد. وينطبق هذا على كل ملامح ونماذج المواجهة والصراع التي قام بها محمد ضد عرب الجاهلية بشكل عام وقريش بشكل خاص. اذ تنوعت أشكال الصراع ضد البنية الاجتماعية للعرب(القبلية) والديانة الوثنية، والتقاليد والقيم والأعراف التي وجد فيها أحوالا أو أساليب لا تخدم فكرة الوحدة أو تتعارض معها. فإذا كانت العرب، على سبيل المثال، تقول وتعمل بتقاليد الجوار (القبلي)، فإن الفكرة الإسلامية البديلة التي اخذ النبي محمد يدعو إليها تقوم باستبدالها بفكرة "جوار الله".

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

........................

1- حرب الفِجَار (43 قبل الهجرة الموافق لعام 580 ميلادية). وهي إحدى حروب العرب في الجاهلية التي جرت بين قبيلة كنانة (ومنها قريش) وبين قبائل قيس عيلان (ومنهم هوازن وغطفان وثقيف وغيرها). وسميت بالفجار لما استحلوا في معاركهم المحارم في الأشهر الحرم وغيرها من الرذائل.

2- هذا قول أبو الخليفة الأموي الأول. وهو إسلام مزيف دون شك.

 

ميثم الجنابيانطلق الغزالي من أن الإنسان قادر على بلوغ الكمال الأخلاقي كما هو الحال في مثال النبي محمد. لكنه أكد في الوقت نفسه على أن العظيم الكامل (النبي) هو العظيم في أمته. وبالتالي، فأن المثال والمثالي هو النموذج الواقعي المتخلّق بالأخلاق المطلقة. إذ ليست النموذجية هنا سوى الحلقة الجامعة بين المطلق والعابر، والتي تنحلّ فيها حوافز التقديس العمياء، تماماً بالقدر الذي يصبح التقديس مثالاً للحقيقة الكاملة في نموذج الإنسان الحق والواقعي. من هنا تشديده على فكرة عظمة النبي في أمته. إذ كل عظيم، كما يقول الغزالي، ناقص بالإضافة إلى المطلق. أما الهيبة والاحترام والتبجيل وما شابه ذلك من مظاهر العظمة، فإنها تتهاوى وتندثر مقارنة بالمطلق. أما نموذجها الأرقى أو صيغتها الجامعة في الإنسان الكامل فتكون فيمن يوحد "الآداب الظاهرة في الجوارح، والحقائق الباطنة في القلوب"[1]. أي مبدئية الأخلاق الشاملة، ونموذجها العملي في ما أسماه "بكمال المعرفة وحسن السيرة "ومثالها في "الإنسان الذي لا تطفئ نور معرفته نور ورعه".

فالغزالي لم يحصر نموذجية مثاله الإنساني في ميدان النفس الأخلاقية، بقدر ما أنه وجد فيها المقدمة الجوهرية للانطلاق صوب العالم الأوسع استناداً إلى الفكرة القائلة بأن الإنسان الكامل، هو الذي تسري صفات كماله في الوجود ككل. مما جعله يشدد على مهمته الإرشادية والإصلاحية، باعتبارها مهمته الكبرى[2]. وكتب بهذا الصدد قائلاً، بأن الإنسان المرشد المصلح هو الذي يصير قدوة يقتبس من أنواره وعلومه[3]، أي أنه لم يفرض هيبة التقليد والاستبداد في مثاله، بقدر ما أظهر منه قدوة المثال الأخلاقي والمعرفي.

إن مأثرة الفكرة الغزالية عن القدوة المثالية للإنسان الكامل تكمن في ربطه إياها بالقيم المطلقة لا بأشخاصها. وهي الصيغة التي نعثر على انعكاسها في موقفه من الحقيقة ورفضه كون الإنسان معيارها. بمعنى رفض فكرة أن يكون الإنسان معياراً لكل شيء ورفض تضييقها الإنساني وتحجيمها التاريخي. لهذا أكد على أنه لا ينبغي قياس الحقيقة بالرجال، بل الرجال بالحقيقة. وحتى حالما تكلم عن مثال الشخصية الكاملة في النبي محمد، باعتباره المثال النموذجي للإنسان الكامل، فإنه لم يفرضه كمثال مطلق. لهذا قيّد الصيغة المطلقة لمثالية الإنسان الكامل بالأسماء الإلهية. من هنا تأكيده حال الحديث عن الاسم الإلهي المؤمن، بأن تجليه الملموس يكون في الفرد الذي يكون سبباً لأمن الخَلق. أما نموذجه الحي فيقوم فيما أسماه "بحرفة الأنبياء والعلماء"[4]. أي كل ما حدد اهتمامه الكبير بالإنسان الكامل في منظومة الأخلاق العملية وروحها الإصلاحي.

إن حياة الإنسان الكامل على قدر حظه من حقيقة الحي (الاسم الإلهي). بمعنى على قدر سلامة قلبه من الغش والحقد والحسد، وسلامة إرادته من الشر، وجوارحه من الآثام، وصفاته من الانتكاس والانعكاس. وألا يكون عقله أسير شهوته وغضبه وسائر صفاته السلبية الأخرى[5]. أو كل ما يجعل من اكتمال صفاته الجميلة قدوة فاعلة حقة. وذلك لأن التخلّق بالأخلاق الإلهية ما هو إلا وسيلة بلوغ المثال الاجتماعي الأخلاقي الأسمى. لهذا رفض الغزالي، تحويل الغاية إلى وسيلة، رغم إدراكه الصلة الدائمة بينهما بما في ذلك تحول مواقعهما، أي تحول الوسيلة إلى غاية والعكس بالعكس. وفي الوقت نفسه شدد على أن الغاية الأسمى لا غاية لها غير السمو والكمال.

لقد حوّل هذا المبدأ إلى شعار الفعل والقول ومثال تجلي الحكمة العملية.. فالأخيرة هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. وإذا كانت أجلّ العلوم هو العلم الأزلي (علم الله)، فإن وجوده الواقعي يتجلى في إدراك حقيقة النسبية المطلقة في الأخلاق العملية. وهو لم يبتعد هنا كثيراً عن الحقيقة في حالة تجريد آراءه ومواقفه من الميتافيزيقيا الدينية. إذ ليس العلم الأزلي سوى الحقيقة المطلقة، باعتبارها أرقى وأجلّ العلوم والمعارف. إلا أن التجلي الدائم للحقيقة المطلقة، يقوم في إدراكها الملموس. وبالتالي فإن الحقائق الكلية لا يمكن سكبها في قوالب اللغة المعرفية وتأثيرها المعنوي. وقد جعله ذلك يتكلم عن أن ما يميز الحكيم هو سعيه لإظهار الكلي في كلامه وتجنب الجزئي فيه. ولم يربط ذلك بإرادة الحكيم الشخصية، بقدر ما ربطه إياه بالحكمة نفسها وصيرورتها وغاياتها. فهي الحصيلة المعمِّمة للوعي الفعال في وقوفه أمام ذاته الفردية والاجتماعية والثقافية والكونية لتأمل مصيرها في الكلّ. فهو الوعي الذي يدفع الحكيم إلى إعادة النظر، أو بصورة أدق، إلى تجاوز الجزئي في الكلام والتعرّض للكلي، أي فكرة عدم التعرّض للمصالح العاجلة والتعرض لما ينفع في العاقبة[6]. غير أن الغزالي لم يسع من وراء ذلك وضع العاجلة (الحياة الدنيا) بالضد من العاقبة (الحياة الأخرى)، بقدر ما أن يزنهما في كفتي المصلحة العابرة والمنفعة الحقيقية. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الاجتماعية الأخلاقية الدينية لمعرفة الجزئي والكليّ. وإذا كان الكليّ هو السائد في كلام الحكيم، فلأنه النتاج المجرد لتعميمه للجزئيات وتوليفها النظري. وينطبق هذا بالقدر ذاته على ما أسماه بمصلحة العاجلة ومنفعة العاقبة. بمعنى السعي لوضع أولوية المثال الأخلاقي الشامل والكليّ مقابل الأصغر والجزئي.

وحصلت هذه النتيجة على صيغتها النظرية في مواقفه المعارضة لتحويل الله إلى وسيلة بلوغ الجنة. لهذا أيضاً أكد على أن من "طلب شيئاً لغيره لا لذاته، فكأنه لم يطلبه فإنه ليس غاية طلبه". أما مضمونه الجوهري في منظومته الأخلاقية فقد تحقق في قيمتها التحويلية الممكنة. بمعنى رفضه تحويل الدين وعقائده الكلامية أو أيما شعار أو هدف معلن لأن يكون وسيلة بلوغ المآرب الشخصية. وبالتالي، فإن من الصعب فهم حقيقة مثال الإنسان الكامل إلا على أسس الأخلاق الفردية الصارمة باعتبارها أيضاً المقدمة الضرورية للفعل الاجتماعي الأوسع.  لهذا لم يضع في حظ الإنسان من الاسم الإلهي الجبار سوى فكرة الارتفاع عن الإتباع ونيل درجة الاستتباع، والانفراد بعلو المرتبة إلى الدرجة التي "يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به. ويفيد الخلق ولا يستفيد، ويؤثر ولا يتأثر، ويستتبع ولا يتبع، بل لا يطمع أحد في استدراجه واستتباعه"[7]. ذلك يعني إنه شدد على ضرورة الارتفاع الدائم للذات الكاملة في توجهها صوب المطلق من خلال استجماع إمكانياتها الأخلاقية. إنه حاول رسم الصورة المجردة لإمكانية تجسيد المطلق دون أن يقيدها بغير قيوده. مما أعطى له تاريخياً، فعالية الإشعاع الروحي وخميرة الاحتجاج والإصلاح الاجتماعي والسياسي والأخلاقي.

فالإنسان الكامل، إن أمكن القول، هو أسير المطلق وأداته. لهذا ركّز الغزالي، في معرض تناوله الاسم الإلهي العزيز على صيغة تجليه الإنساني بمثال الشخصية التي يحتاج إليها الآخرين لبلوغ سعادتهم الأبدية. وأكد في الوقت نفسه على أن الكاملين يشاركون الأنبياء كل في عصره[8]. حيث أدرج بين هؤلاء الكاملين أيضاً الخلفاء والعلماء، أي رجال السياسة والحكمة العلمية والعملية، وشدد على أن عزة الإنسان الكامل على قدر "عنائه في إرشاد الخلق"[9].

إنه حاول إظهار قيمة الفعالية الاجتماعية التاريخية في شخصية الإنسان الكامل، انطلاقاً من إدراكه للحقيقة القائلة، باستحالة وجود  هذه الفعالية الحقيقية دون وجود الإنسان الحق. من هنا تركيزه على مهمة التطهير الذاتي ببدائل القيم الأخلاقية. ومن هنا أيضا تشديده في مواقفه من حظوظ الإنسان من الأسماء الإلهية على ضرورة الانتقام من النفس باعتبارها أحد أعدائه، وعلى قهرها الدائم باعتباره مقدمة العمل، وعلى الإنصاف منها باعتباره شرطه[10]. إلا أن هذه السلبية الظاهرية، بما في ذلك موقفه المعارض للعنف ما هو إلا السلم الأخلاقي، لا سلبية الممارسة الاجتماعية السياسية. فعندما يتكلم عن الاسم الإلهي المنتقم، فإنه شدد على فكرة المحمود في الانتقام. غير أنه لم يضع في الانتقام بواعث الهمجية وردود الفعل النفسي التبريري، بل فعل الأخلاق الصارمة وضرورة توجيهه ضد النفس، باعتبارها "أعتى أعداء الله"[11]. أنه سعى لتحويل "الانتقام الذاتي" إلى وسيلة الرقي الأخلاقي والفعل السياسي السليم. ولم ينظر إلى الانتقام نظرته إلى ممارسة قائمة بذاتها، بل إلى جزء ضروري من الكلّ الأخلاقي. فهو لم يرد من وراء ذلك سوى إظهار قيمة المثال الفردي في الإنسان الكامل وفعاليته الاجتماعية الممكنة. ووجد في السلم والقدوة الحسنة الروحية أسلوبها الأمثل. فالتخلّق بأخلاق الاسم الإلهي الرحيم يعني أن "يرحم عباده الغافلين بصرفهم عن طريق الغفلة بطريق اللطف دون العنف"[12]. وأن التخلّق بأخلاق الاسم الإلهي اللطيف يعني أن يكون مثاله "الرفق بالناس والتلطف بهم ودعوتهم للحق من غير عنف ومن غير تعصب وخصام"[13]. وبغض النظر عن تباين المضمون السياسي في مفهوم العنف عند الغزالي عما هو عليه الحال في العالم المعاصر، إلا أنه أعطي لمفهوم وفهم العنف واللاعنف أبعاداً جديدة في منظومة البديل القيمي، من خلال تحويرها في قيم التسامح، بما في ذلك السياسي. ومن ثم نبذ التعصب. لهذا أكد على أن الوسيلة الفضلى لإظهار حظ اللطيف الإلهي في الإنسان، أو الدعوة للحق من غير عنف وتعصب وخصام هو "السيرة المرضية للأعمال الصالحة، فإنها أوقع وألطف من الألفاظ المزيفة"[14].

وحدد هذا الأسلوب العام فعالية الشخصية المتخلّقة بأخلاق الله في مواقفها وأحكامها وحلولها. فالإنسان الكامل هو الذي يتعامل مع معضلات الوجود كما لو أنها قضاياه الخاصة.  بمعنى  نفيه لعدم المبالاة وتحويل ذاته صوب ميدان الهموم الاجتماعية باعتبارهامن صميم همومه، أو ما عبّر عنه بكلمات "أن ينظر إلى كل مصيبة تجري كمصيبة له في نفسه"[15]. مما حدد بدوره استمرار المهمة الفعالة للإنسان الكامل. فالمتخلّق بأخلاق الاسم الإلهي الفتاح، هو "المتعطش لأن يصير بحيث ينفتح بلسانه مغاليق المشكلات الإلهية، وأن يتيسر بمعرفته ما يتعسر على الخلق من الأمور الدينية والدنيوية"[16]. والمتخلّق بأخلاق الاسم الإلهي المعز المذل، هو الذي "يستعمل في تيسير أسباب العز على يده ولسانه"[17]. مما يعني أولوية التيسير في عمله وقوله مقابل التعسير. ولا يعني ذلك في مضمونه الاجتماعي من الناحية التاريخية سوى أولوية المصلحة العامة.

إن مأثرة الغزالي هنا تقوم في أنه لم يترك هذا التيسير والمصلحة العامة سائب الأطراف، بل حاول ربطهما بما أسماه بالرؤية الصادقة والحل السليم. وبغض النظر عما إذا كانت حلوله ومقترحاته صائبة أم لا، فإن قيمتها الفكرية المجردة تقوم في تأسيسه لضرورة العمل الأخلاقي والرؤية السليمة. وبالتالي بلورة قيمتها وقيمها الاجتماعية السياسية والفكرية. فقد نظر هو إلى كل ما هو موجود، باعتباره داخلاً في الوجوب[18]، أي لزومه وضرورته ونسبته في الوحدة والكلّ، بما في ذلك في الاجتماع. وهو ما حاول إظهاره بصدد مختلف القضايا والمشكلات والمسائل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، مثل رؤية الخير في الشر، وعرضية الشر في الوجود الاجتماعي، تماماً بالقدر الذي يفترض مثالية الحقيقة المجردة والمبدأ الأخلاقي المطلق. لهذا لم يجد، على سبيل المثال، حقيقة العدل في المنفعة، بل في وضع كل شيء في نصابه[19]. ولم يعن ذلك تبريراً لما هو موجود، وذلك لأنه انطلق من أن الوجود هو أفضل ما في الإمكان إبداعه. لكنه أقرّ في الوقت نفسه، بأن كل شيء عرضة للزوال، وأن الوجود هو الأفضل. وبالتالي فسح المجال أمام الفعالية الممكنة في ميادين الحياة وقيمة المصلح الأخلاقي، وذلك لأنه ينظر إلى الحركة الدائمة في الوجود ويعيها ويحكم عليها باسم المبدأ الأخلاقي. وقد حدد كل ذلك خصوصية الفكرة الإصلاحية في تآلفه الصوفي وتأسيس المثال لإمكانيات البدائل الشاملة ومثال الإنسان الكامل.

لم يحصر الغزالي ميدان فعل الإنسان الكامل في مجال دون آخر. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام ضرورته العملية الاجتماعية السياسية الرفيعة، باعتباره خليفة الله في الأرض، أي ما سبق وأن وضعه في  معنى حقيقة الخلافة بوصفها الاستمرار الحق للإلهي في الإنساني. لهذا جمع في كلّ واحد قيمة المثال المطلق للإنسان، باعتباره هدفاً لمساعيه العملية، وربطه في الوقت نفسه بتلقائية التأييد الإنساني الحقيقي. من هنا عدم تقييده بزمان دون آخر. فعندما يتكلم عن الاسم الإلهي البديع، فإنه يشير إلى أن مثاله في الإنسان هو من "يختص بخاصية النبوة أو الولاية أو العلم لم يعهد مثلها. إما في سائر الأزمان وإما في عصره، فهو البديع بالإضافة إلى ما انفرد به، وفي الوقت الذي هو منفرد به"[20]. مما يعني تضمنه إمكانية ظهوره الدائم.

لقد أبدع الغزالي المثال المجرد للإنسان الكامل وقيّده في الوقت نفسه بالميتافيزيقية الصارمة. وقد كانت هذه المفارقة نتاج التوليف الذي سبق وأن بلورته اتجاهات الثقافة الإسلامية في منظومات الكلام عن الخليفة، والشيعة عن الإمام، والمتصوفة عن القطب. ولهذا لم يكن مثاله عن الإنسان الكامل خليفة بالصيغة التاريخية لها، ولا إماماً بمقاييس الحكمة الإلهية الشيعية وباطنيتها، ولا قطباً صوفياً في فردانيته الروحية الخالصة. لقد وحّدها عبر توليف المبادئ العملية للإصلاحية الشاملة ومثالها في التخلّق بأخلاق الله.

مما سبق يبدو واضحاً المضمون الاجتماعي لفكرة التخل!ق بأخلاق الله. فعلى الرغم من تركيزه على هذه النتيجة في ميدان خلق الإرادة الذاتية، إلا أنها شكلت في منظومته العملية العلمية أسلوب الخروج إلى الآفاق الأبعد للوجود الاجتماعي. لقد ثوّر، إن أمكن القول، السياسة في حركة السموّ الأخلاقي وكشف عن محدودية السلطة السياسية من خلال إظهار سلطة المطلق الأخلاقي في الذات واستبدال واقعية الهيمنة واستبداد السلطة بالحرية الأخلاقية المعرفية للإنسان. وبهذا يكون قد حاول الكشف عن معالم السمو الأخلاقي والهوة الفاصلة بينها وبين الواقع والمثال. بحيث نراه يظهر في كل اسم إلهي يوحي بعناصر السلطة والقوة، هشاشة السلطة الظاهرية مثل سلطة القوة والمال والجاه وما شابه ذلك. فليس الملك الحقيقي سوى المستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود. أما الملك الحقيقي من الأنس فهو المستغني عن كل موجود سوى الله. ولا حكم حقيقي في مملكة الإنسان أكثر من التحكم، كما يقول الغزالي، بجنوده (شهوته وهواه) ورعاية أعضاء جسده. وبالتالي ليس الملك الحق في الأسماء سوى من "انضمّ إليه استغناؤه عن كل الناس واحتياج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة. فهو الملك في عالم الأرض"[21]. وليس المهيمن (الاسم الإلهي) الحقيقي سوى المراقب والمشرف على أنوار أسرار الذات الإنسانية ومن تشمل سعة سلطته واتساع إشراقه واستيلائه على حفظ عباد الله[22]. وعلى الرغم من تشديده على إمكانية الملك الحق في الأرض، إلا أنه لم يعط له أكثر من وظيفة المرشد الحق. واستند بذلك إلى أن حق السيطرة الفعلية مرتهن بعمق ذاتها الأخلاقية. فجلال الإنسان على قدر جلال همته. وبالتالي فإن قيمة الإنسان الفعلية على قدر ما فيه من مطلقها.

وقد حددت هذه النتيجة بدورها تأسيسه لاستمداد ما أسماه بمملكة الوجود الواحدة كامل مثالها من وحدة المطلق. فالموجودات كلها مملكة واحدة "لأنها مرتبطة بعضها ببعض. فإنها وإن كانت كثيرة من وجه، فلها وحدة من وجه. ومثاله بدن الإنسان. فكذلك العالم كله كشخص واحد، وأجزاء العالم كأعضائه. وهي متعاونة على مقصود واحد. وهو إتمام غاية الخير الممكن وجوده، على ما اقتضاه الجود الإلهي ولأجل انتظامها على ترتيب متسق، وارتباطها برابطة واحدة، كانت مملكة واحدة"[23]. فمملكته الواحدة هي غاية الخير الممكن وجوده في الأفراد والجماعة، أي رفع شأن حقيقة المملكة من خلال صنع مملكة الذات الواحدة.  ومن ثم بلوغ رتبة العزة والتكبّر والجبروت في الذات الإنسانية. أما شأنها الكامل، فإنه يقوم في سيادة الحرية الفاعلة في الإنسان واستقلالية المنزع والغاية، أي بلوغ الخير الممكن وجوده في الوجود "الكوني والاجتماعي التاريخي"، والذي تكف فيه قدوة العزة والتكبر والجبروت المستبد عن أن تكون تمثيلاً لحقيقته.

فقد شدد الغزالي على أن العزيز هو الذي يقلّ وجوده ومثله. وهو الذي تشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه. والجبار هو الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل واحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد. وإن المتكبر هو الذي يرى الكلّ صغيراً بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظم والكبرياء إلا لنفسه. ولا يمكن إغفال ما في هذه الأحكام من انعكاس للوجود الاجتماعي التاريخي السياسي لهرمية السلطة وإدانتها في الوقت نفسه، ونفيها فيتجانس المملكة الوحدانية لمبادئ (أسماء) الخير المطلق. وبهذا يكون قد انتزع أيضاً وهم القوة التاريخية من خلال الكشف عن أنه لا جبار ولا متكبر ولا عزيز حق مطلق إلا الله، تماماً بالقدر الذي أبقى عليه في متناول المساعي الدءوبة لبلوغ الخير الممكن وجوده. وبهذا يكون قد أسس أيضاً للفكرة القائلة، بأن حقيقة السلطة تقوم في قدرتها الرفيعة على الاصلاح، باعتبارها تمثّلا للتخلّق بأخلاق الله. إذ ليس العزيز من الناس سوى من يحتاج إليه الناس في أهم أمورهم[24]، ألا وهي السعادة الدنيوية والأبدية. وليس الجبار من الناس سوى من ارتفع عن الإتباع ونال درجة الاستتباع وتفرد بعلو رتبته، بحيث يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته[25]. وليس المتكبر من الناس سوى الزاهد العارف، المتنزه سرّه عما سوى الحق، والمتكبر على كل شيء سوى الحق، والمستحقر للدنيا والآخرة[26].

لقد أراد الغزالي وسعى لإبداع أطر السلطة الحقيقية في النفس الأخلاقية. وبحث في الوحدة الأخلاقية المعرفية للإنسان عن مثال وحدة المجتمع والدولة، والفرد والجماعة. بمعنى إزالة الوسائط من مؤسسات وأحزاب وسلطات، دون أن يلغي ضرورتها. وبذلك يكون قد أّسس لنظرية عن الإنسان خارج إطار الفقه الرسمي والتقليدي، ولكنه صاغ فكرتها المجردة والعامة، وأبقاها في الوقت نفسه أسيرة الروح الفردي. ولعل قيمتها الكبرى تقوم في تناقضها هذا.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص143.

[2] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص110.

[3] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص110.

[4] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص71.

[5] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص70.

[6] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص.120

[7] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[8] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[9] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[10] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص143.

[11] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص139-140.

[12] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص64.

[13] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص113.

[14] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص103. من غير الصحيح تضمين هذه المفاهيم والمواقف ابعادا سياسية معاصرة مثل الديمقراطية بمفهومها المعاصر. لكننا نعثر في آراء الغزالي ومواقفه وأحكامه على صيغة تاريخية ثقافية (اسلامية) لها في احد نماذجها المتسامية، كما هو جلي في إظهار قيم السلم والتسامح ونبذ العنف والتعصب واستعمال القوة علة مثال الإنسان المتسامي. إذ ليس الإنسان الكامل سوى الكلّ الاجتماعي في نموذجه الأرقى. وبهذا نستطيع القول، بأن الغزالي قد أّسس في منظومته الأخلاقية الاجتماعية لقيم ديمقراطية الأمة. ولم يكن هذا التأسيس غريبا على تقاليد الفقه الإسلامي نفسه. وبالاخص ما يتعلق منه بشمول احكامه القانونية. وبالتالي تحويل القانون (والشريعة ككل) الى القوة النازعة للعنف المحتمل في الصراع الاجتماعي والسياسي. وإذا كانت هذه الفكرة ومقوماتها القانونية لم تنجح في تثبيت اسس النظام السياسي الشرعي الافضل، فلأنها في الاغلب كانت نتاج الفصام بين السلطة والقانون، وعدم توحيد المذاهب الفقهية في قانون موَّحد.  مع ما ترتب عليه من اغتراب للقانون والحق عن السلطة والدولة من جهة، وحصر وكسر شوكة القانون في قضايا العبادات والمعاملات. ومن ثم ابتعاده شبه التام عن إشكاليات السياسة. وانحسر روح الإبداع في القانون واقتصر على الأحكام الجزئية الواقعية والمحتملة. وتحول القانون والتشريع والفقه ككل إلى خادم وضيع للسلطة، وبالأخص ما يتعلق منه بنظام الحكم. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة آراء الغزالي بهذا الصدد على أنها الصيغة الأكثر تلطيفا ضد العنف الواقعي في مراحل انحلال وتفسخ الخلافة. وبالتالي كمّلت "تناقضات" التاريخ الفعلي من خلال توجيه الفكر والتفكير صوب قضايا الإصلاح والبدائل. فبالقدر الذي لم يجد الإغريق القدماء تعارضا بين الديمقراطية والعبودية، فإن تناقض الغزالي هنا يقوم في تشدده بقضايا المبادئ وتلطفه في المعاملة. وقد كانت تلك من تناقضات التاريخ الثقافي الواقعي.

[15] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص64.

[16] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص86.

[17] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص90.

[18] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص96.

[19] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص100.

[20] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص147.

[21] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص67.

[22] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص73.

[23] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص141.

[24] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[25] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[26] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص75.

 

 

ميثم الجنابي"النبي محمد هو التحقيق الأصيل للحقائق الإنسانية الكبرى والحق الأخلاقي"

 إن بداية النبوة المحمدية واستمرارها أعمق وأعرق من أن يجري ربطها بحالة أو ظرف أو حادثة عادة ما يجري وضعها في بداية النبوة، أو يجري النظر إليها عن أنها بداية الإسلام. فقد كان ظهور الإسلام نتاجا لإسلام محمد نفسه. وهو إسلام تشكلت ملامحه التأملية الأولى في مجرى نمو شخصيته، وبالأخص في مجرى رحلاته إلى العراق والشام، الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن البذور الأولية لإسلام محمد قد زرعها العراق والشام في أعماقه. فقد كانت مكة عصية على استيعاب وقبول الفكرة التي سيجاهر بها محمد بعد عقود من الزمن، اي حالما يبلغ الأربعين من العمر، بحيث جعلوا منه "عمر النبوة"، أي بلوغ الكمال بالنسبة لأولئك الرجال الذين قدر لهم لعب دور كبير في حياة الروح والتاريخ الفعلي للأمم.

فالفكرة الإسلامية هي فكرة "الهلال الخصيب"، على الأقل من حيث استعدادها للكمال الروحي الوحداني. وليس مصادفة أن يحصل الإسلام على بعده العالمي والثقافي بفضل المشرق (العربي). فقد كان تعرّب المشرق تعربا ثقافيا، وذلك لأنه استطاع بفعل تاريخه الثقافي العريق ان يتحول إلى كينونة ثقافية على عكس شبه الجزيرة العربية، التي كانت وما تزال بنية إثنية قبلية مغلقة. الأمر الذي أبقى على الإسلام فيها إسلاما بدويا، يصعب ان تتبلور فيه حالة العقل النظري.

ومع ذلك فإن الوعي التاريخي المحكوم بقيمة الزمن التاريخي يربط بداية الإسلام ببداية الوحي، أي الحالة التي أوحى إليه ملكه ومالك الوساطة الحية لتحويل المعاناة الفردية الصادقة والخالصة إلى آيات قابلة للقراءة في غار حراء، أي كل ما هو متعارف عليه عما حدث له في شهر رمضان، حيث ظهر له "جبريل" بكتاب فقال له:

- اقرأ!

- ما اقرأ؟

قال فختني به (خنقني) حتى ظننت انه الموت ثم أرسلني فقال:

- اقرأ!

وكرر طلبه أربع مرات. وفي الرابعة قال جبريل "اقرأ بسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علّم الإنسان بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم". إننا نعثر في هذا الوحي على البذرة الأولية واللحظة التأسيسية للفكرة الجديدة النابعة من معاناة ذاتية عميقة لازمته منذ زمن مبكّر عن علاقة الإنسان بالله وعبرها بالوجود من خلال قراءته بمعايير العلم والمعرفة. لقد كانت بداية الدعوة قراءة وقلم (كتابة) وعلم، اي أولوية الروح، شأن كل حركة محكومة بالروح ومتطلباته. وقد كانت الصيغة الأولية والجوهرية التي نبعت من أعماقه الصافية في غار حراء، أي في دهليز الصمت المدوي للتأمل الخالص، تقوم في تعلم قراءة الوجود وتجارب الإنسان والأمم. اذ لم يحميها ولن يحميها وينقلها إلى الأجيال اللاحقة غير القلم وما يسطّره من الأبجدية الثقافية للعلم والمعارف.

وما قبل ذلك لم يعرف محمد النبوة على حقيقتها. لقد كان لقاء حراء النداء العقلي الأول للوجدان المتراكم في مجرى عقود من الزمن في تأمل ما حوله، أي تأمل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي لعرب الجزيرة. وبعدها أخذت تداعب خياله، كما هو جلي في حالة انقطاع الوحي إلى ان يظهر من جديد ليناديه بقوة أكبر بحيث تجعل كل ما فيه يرتجف، مع ما أدى به لاحقا إلى النهوض بعد ان تدّثر ظاهريا بالغطاء وباطنيا بمعطف التحدي والإرادة الذي ارتداه حتى مواراته الأرض.

أما القصة المروية عن مخاطبة خديجة لأخيها ورقة بن نوفل لفهم ما جرى، باعتباره احد النصارى العارفين بشؤون النبوة استنادا إلى تقاليد النصرانية واليهودية، فإننا نعثر فيها على اختلاط الواقع بالاختلاق. فقد أجابها ورقة بن نوفل، حسب المصادر المؤرخة لهذه الأحداث، بعبارة: "قدوس قدوس! والذي نفس ورقة بيده لأن كنت صدقتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى. وانه لنبي هذه الأمة. فقولي له: فليثبت!". وتحتمل هذه الرواية الصدق والكذب بقدر واحد، وذلك بسبب عدم تجانس ما فيها وسلوك نوفل بن ورقة نفسه. فعبارة الناموس الأكبر فلسفية إغريقية، ولو كان هذا الكلام صحيحا لكان هو أول من أسلم. ثم ماذا تعني عبارة "انه نبي لهذه الأمة". بمعنى طابعه القومي العربي؟ أو الصيغة الأولية والعادية لظهور نبي عربي بين العرب، وليس نبي من خارجهم. وتحتمل جميع هذه الفرضيات على قدر من الواقعية، لكنها لا تغير وقد لا تعني شيئا على الإطلاق بالنسبة لفهم وتحديد ماهية النبوة المحمدية وحقيقتها. لكنها تشير إلى حقيقة جلية، وهي أن محمدا كان يعرف الأنبياء ولا يعرف النبوة. وهي الصيغة الواقعية والتلقائية لحقيقة النبوة المحمدية بوصفها معاناة روحية وعقلية كبرى وعنيفة وضعته أمام تحديات هائلة تجاه إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للعرب آنذاك. 

لقد كان محمد يعرف الأنبياء، أي أولئك الذين "يرتبطون بالسماء" بوصفه طريق العودة للأرض. لكنه لم يعرف النبوة. والفرق بينهما جوهري وهائل. الأولى سماع وحكاية، والثانية إلهام واستلهام للعلم والعمل. فقد أدهشه حتى الهلع صوت ملاكه الغامض، أي ملاك الروح النابع من همومه الذاتية العميقة في تأمل الوجود. مما أنتج بدوره مهمة القراءة الجديدة للوجود بمعايير تتوحد فيها الرؤية الواضحة والجلية ومغامرات المستقبل، أو ما سيطلق عيها القرآن كلمة الغيب، أي كل ما يختبئ وراء الأفق ويظهر من جديد في الدورة الأبدية للحياة نفسها، بوصفها تحديا وكفاحا تجاه إشكاليات الحاضر والمستقبل، والطبيعة وما وراءها.

 إن معرفة محمد بالأنبياء والنبوة مبنية على السماع، أي تستمد تصوراتها مما تراكم في التقاليد العربية القديمة. فقد كانت العرب على معرفة ودراية كبيرة بالأنبياء والكهنة والعرافة وغيرهم. بمعنى أن تجاربهم التاريخية الروحية والفكرية بهذا الصدد تتسم بقدر كبير من الدراية الواقعية والنقدية. وليس بقاء الوثنية العربية، التي لا تخلو من روح وأرواح، واستمرار هيمنتها، سوى أحد الأدلة الدامغة بعدم قناعتهم بفكرة النبوة "السماوية" وما شابه ذلك. لقد كانت هذه التصورات تبدو لهم مجرد خرافات لا غير. وليس مصادفة ألا يقتنع محمد نفسه بنبوته في أول الامر، كما نعثر عليه في الخبر المشهور عن طلب محمد من خديجة ان تستفسر من ورقة بن نوفل، أخيها، الحنفي المتنصر. والسبب القائم وراء ذلك هو ضعف انتشار تقاليد الأنبياء بينهم، كما هو الحال عند بني إسرائيل الذين نعثر عندهم في كل حي ومزبلة على أربعة أنبياء! بينما قطعت النصرانية فكرة النبوة والأنبياء، انطلاقا من ان الله اختتمها بنفسه! إذ لم تكن الأولى قادرة على تثبيت اليقين، بينما تبدو الثانية غير منطقية وغير واقعية بحد ذاتها بالنسبة لذهنية العرب الواقعية الخشنة والشكوكية آنذاك. وعموما، إن الأديان جميعا لا تقتنع إلا بما عندها وفيها، وذلك لأنها تلقين واستسلام. وسوف يجري غرس هذه الشجرة الميتة في أرض الإسلام، وسوف تنتج أيضا ثمارها الميتة بهيئة تقاليد جازمة وحازمة تجاه كل ما يتعارض مع وعيها من تلقين سيء وتقنين أسوء. وهذه بدورها لم تكن معزولة عن اثر التقاليد الوثنية العربية وجمودها المتعجرف. فقد أنتجت الجزيرة العربية منذ بداية الإسلام النماذج الأولية لكل الأنماط الكلاسيكية للتقليد والإتباع وتقديس النصوص، أو ما يسمى بأهل الرواية، على خلاف أهل الدراية والعقل التي نشأت في العراق. من هنا ضعف أو اضمحلال الفكرة النقدية العقلانية فيما يخص إشكاليات عوالم الطبيعة والماوراطبيعة، والتفكير النظري في الجزيرة.

كان تفكير محمد وذهنيته في البداية يسيران ضمن هذا السياق، أو إنهما لا يخلون من أثره. فقد عاش محمد قبل النبوة أربعة عقود من الزمن في "الجاهلية" وتربى على قيمها ومفاهيمها. لكنه كان يعاني من خلل مضامينها الروحية والمستقبلية. وبالتالي، فإن ظهور النبوة من أعماقه في أعماق حراء، تكشف من الناحية البيانية الغور العميق للخلوة والابتعاد عن عالم الجاهلية، التي أثمرت نبعها الأول في إرواء مساعيه الشخصية التي أثمرت لاحقا بيقين النبوة والرسالة. فالنبوة الأولى هي كالطفولة الأولى كتلة وجدانية من البراءة والبراعة في كل شيء. بينما الرسالة هي وعي للبراءة، وبراعة في التحدي تجاه كل شيء. اذ نعثر عليهما في استفسار خديجة من أخيها ورقة عن ماهية ما جرى لمحمد، وخطابها لمحمد بعبارة "اثبت وأبشر! فو الله انه ملك وما هذا بشيطان". كما أنها تسمي جبريل في خطابها لمحمد بكلمة "صاحبك". وهي الصيغة التي كانت العرب تطلقها على الكهانة والعرافة. ذلك يعني إنهم كانوا يعرفون الله والملاك والشيطان. لكن الله المحمدي هو ليس إله الجاهلية.

فقد ارتبط الإله المحمدي بفكرة النبوة المحمدية أولا، وفكرتها التوحيدية الخالصة ثانيا، وانتصارها ثالثا. فهو ثالوث واقعي وتاريخي لا علاقة له باللاهوت أيا كان شكله ومحتواه. الأمر الذي أعطى للنبوة المحمدية أبعادها الخاصة، بوصفها تحديا نوعيا لتقاليد الوثنية بشكل عام والعربية بشكل خاص، أي كل ما سيحصل على معناه الدقيق في وصف "الجاهلية". وليس مصادفة أن تعكس ما وضعته التقاليد الإسلامية اللاحقة في تصوير النبوة المحمدية سواء بمعايير الفكرة الدينية والأسطورية أو غيرها، بأقدار ونوعيات متباينة الطابع التاريخي للظاهرة، أي تصويرها على أنها نبوة تاريخية من حيث الشكل، والمحتوى، واللغة، والعبارة، والصورة، والفكرة أيضاً. إذ كل ما فيها من توكيد على صحتها وغايتها كان يستمد شكله ومحتواه من مجرى الصراع ضد الوثنية. وتكفي الإشارة هنا إلى "أسباب النزول" لمعرفة حيثيات هذه الظاهرة. بمعنى إن كل آيات القرآن المرتبطة بالنبوة المحمدية هي انعكاس أما لتحدي الوثنية أو مواجهة الجاهلية، وأما لتأسيس معناها وحقيقتها بالنسبة للإنسان والجماعة والأمة، وأما لغايتها العملية والمستقبلية بوصفها أسلوبا ونموذجا لبلوغ الحق والحقيقة.

 كان اليهود، على سبيل المثال، يهددون غيرهم في جزيرة العرب من أن الله سيبعث نبيا يخلّصهم ويخلّص غيرهم من الظلم والحيف ويبسط سيطرته على من حوله. وقد وجد محمد في ذاته بعد الشعور بالنبوة وإدراك مهماتها الأولية وغاياتها الكبرى، ذلك النبي المقصود. وقد صورته آيات القرآن العديدة بعبارة "مصدّق لما معهم" أو "بين يديهم"، أي مصدّق للفكرة المذكورة أعلاه. وتصور إحدى الآيات ذلك بوضوح عن أن ما يأتي به "من عند الله مصدّق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به".

فقد كانت تلك فترة أو زمن النبوة والأنبياء، الذي حوّله محمد إلى تاريخ الإسلام. فقد كانت الجزيرة مليئة آنذاك بالأنبياء والكهنة والعرافين. الأمر الذي يشير إلى تراكم الشحنة الوجدانية التي تتحسس الأفق المسدود لما هو موجود على الأرض، ومن ثم السعي للخروج منه إلى عالم السماء في مجتمع لا يتسم بالتعقيد، ولكنه يتسم بخراب معنوي وأخلاقي كبير. وعادة ما تظهر في هذه الحالات التاريخية "قوة المستقبل" الجسدية أو الروحية أو توليفهما. وقد كانت النبوة المحمدية في بدايتها قوة المستقبل الروحي، بحيث يمكننا القول، بأن الإسلام "المكي" هو إسلام الروح، بينما الإسلام "المديني" هو إسلام الجسد. ولكن قبل ان يتخذ هذا التمايز طريقه بما في ذلك في تقسيم السور والآيات القرآنية، كان لابد للنبوة أن تقطع هذا المسار بتحولها من نبوة الروح إلى نبوة الجسد. بمعنى الصعود للسماء والهبوط منها إلى الأرض. وبأثرها تآلفت وحدة الروح والجسد، أو الدين والدنيا في "رسالة" تتعامل مع إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي بمعايير الفكرة الوحدانية الجديدة. لكنهما (المكي والمدني) بقيا مع ذلك في ترابط أو وحدة واحدة بالنسبة لتاريخ النبوة المحمدية بوصفه وحيا ذاتيا، أي وعيا فرديا خالصا لما يجري من حيث التحدي والإرادة والعقل والبديل.

 إن هذا التحول للنبوة من الروح إلى الجسد يتمثل مضمون الانتقال التاريخي من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية. فهو التحول الذي أوقف الامتداد الزمني لفكرة الوحدانية، كما نعثر عليه في الحنيفية، عبر تحويلها من تأمل فردي وعروج صوب السماء الصافية للروح إلى عالم الصخب الأرضي وإشكالاته، أي تحويل الزمن إلى تاريخ، والذي نعثر على صيغته الرمزية في قصة سلمان الفارسي. اذ نعثر فيها على نموذج البحث عن نبي ينقله من سماء الروح إلى أرض التحدي الشائك للإرادة والعقل. ففي قصته نعثر على البحث عن إنسان - فكرة لكي يشاركها الكفاح من أجل الحق، بوصفه طريق الأمان والطمأنينة الصافية للروح والجسد. فقد اعتنق سلمان الفارسي المجوسية (ديانة قومية) ثم النصرانية (عالمية) لكنه ظل قلقا في إيمانه. انه يقطع مسافات وأحوال غاية في التعقيد آنذاك من اجل الأمان والإيمان الروحي العملي. بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذه القصة الواقعية والرمزية أيضا على المغزى التاريخي والفكري والروحي القائل، بأن الإسلام المحمدي هو مستودع الإيمان والأمان الروحي، ومن ثم خاتمة ما يصل إليه الإنسان المخلص في إخلاصه. أما عدم إيمان بعض من آمن بالله الواحد بنبوة محمد (من بين رجال الحنيفية العربية) فإنه يدل آنذاك على تعاظم الفكرة المجردة الوحدانية أكثر مما له علاقة بفكرة النبوة.

كان ظهور النبوة المحمدية بوصفها دعوة للتوحيد الحنيفي، الصيغة التاريخية لتقاليد الفكرة وشخصياتها العربية

1 . وبالتالي، فقد كانت النبوة المحمدية واحدة من بين نبوات كثر آنذاك. ذلك يعني أنها ظهرت ضمن حالة روحية تعكس حالة انغلاق الأفق التاريخي للعرب آنذاك. ومن ثم كان البحث عن قوة ما فوق طبيعية هو الأسلوب الوحيد للرجوع إلى الطبيعة أو الواقع. فقد بلغت التجزئة ذروتها وتكلسها، الأمر الذي جعل من الصعب توحيد العرب. فلا البنية الاجتماعية ولا الاقتصادية ولا الثقافية ولا الفكرية ولا الروحية تحتوي على الحد الأدنى للتوحيد. بينما كان اغلب الأنبياء الذين انتشر ظهورهم آنذاك أمثال مسيلمة وسجاح وطلحة والأسود العنسي وكثير غيرهم يمثلون ويتمثلون مساعي الوحدة المجزئة، أي القبلية والمناطقية والفئوية. لقد كان هؤلاء الأنبياء كهنة التقاليد المتكررة، أي غير القادرة على الخروج من الطريق المسدود للعرب آنذاك.

كانت المهمة الفكرية والعملية للخروج من دهاليز الانحطاط والانغلاق ليس بالدوران فيها بل عبر كسرها ككل. اذ لا طريق فيها ولا مخرج. وهي المهمة التاريخية التي أنجزها محمد عبر تحويل نبوته إلى رسالة كونية وأبدية، بمعنى الخروج من المأزق العربي ككل إلى رحاب غير محدودة بالإثنية والجغرافيا المحلية، وتذليل الزمن الوثني بتاريخ الخلق الإلهي. بعبارة أخرى، لقد كانت مأثرته التاريخية بهذا الصدد تقوم في تحديه الشامل للوجود التاريخي للعرب آنذاك بنبوة تتمثل حقيقة ومعنى "الرسالة السماوية" الهادفة للتوحيد الخالص لله الواحد الأحد. لقد جمع محمد بين النبوة والرسالة عبر قراءة جديدة مهمتها تحدي الواقع بكل ما فيه بفكرة تحتوي في أعماقها على كل شيء.

وإلا فقد عرف تاريخ العرب ما قبل محمد كلمة النبي والرسول، ومن ثم لا معنى لقول من قال بأن أسم الرسول من أصول آرامية سريانية أو مسيحية (بالإغريقي ابوستولوس). فهذه مجرد خزعبلات لغوية لا غير، أي أنها اقرب إلى اللغو اللاهوتي منه إلى اللغو الثقافي. فالقرآن لم يستعمل كلمة رسول بالمعنى الوارد في (العهد الجديد)، كما أن القرآن يتكلم عن رسل المسيح باستعمال كلمة الْحَوَارِيُّونَ، التي تعادل معنى الصحابة، وليس معنى الصيغة الأمهرية لها. فكلمة حواري من حاور ويحاور وحوار.

 وقد أشار الهمداني في كتاب (الإكليل) إلى وجود عبارة رسول الله على قبور الأنبياء القدماء، مثل "أنا الحارث بن عمر. رسول رسول الله شعيب إلى مدين"، و"أنا حنظلة بن صفوان. رسول الله إلى حِمْيَر"، أي إلى عرب اليمن. كما كانت كلمة الرسول موجودة عند أهل حران بمعنى المبّشر والمنقذ. وتختلف كلمة الرسول بالمعنى الإسلامي عما ينسب إلى النبي ماني من قوله، بأنه رسول الله، في حين كان محمد يقول انه رسول للعالمين، ورسول أمين ومبشر ونذير وما إلى ذاك من وظائف تكشف عن وحدة الأبعاد الدينية والسياسية (العملية) التي سيجرى لاحقا تتويجها بفكرة خاتم الأنبياء. وقد سبق للنبي ماني أن قال بها، كما ينقل البيروني، لكن الفرق جلي بين الإعلان عن الفكرة وتحقيقها. فهي لم تتجسد في التاريخ الفعلي إلا في شخصية محمد. اذ لم يظهر بعده دين عالمي. وليس لهذه الخاتمة علاقة بالفكرة الدينية والدين واللاهوت، بقدر ما لها علاقة في بسط الديانة الجديدة في كل ما لم يخضع لأثر الديانات القومية والعالمية على النطاق "العالمي آنذاك"، أي نقل "العالم الإسلامي" إلى مرحلة تاريخية ثقافية جديدة لها عقيدتها الشاملة في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة.

 لقد دمج محمد النبوة بالرسالة، أي الفكرة الدينية بالفكرة السياسية. وهو ما لم يعرفه تاريخ النبوة والنبوات في الجزيرة. كما لم تعرف الجزيرة أيضا أهمية الفكرة السياسية. بمعنى جمعهما في كل واحد هو الذي أدى إلى الانتصار الأعظم في تاريخ العرب بنقلهم من أطوار المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية.

إن بلوغ النبوة المحمدية درجة الرسالة أدت إلى رفع درجات التحدي التاريخي إلى ذروتها القصوى. فإذا كانت النبوة شيئا معهودا لحد ما في جزيرة العرب، وكونها جزء من تقاليدها الروحية والوثنية، بمعنى تعايش النبوة والكهانة والعرافة بوصفها أشكال مختلفة للوساطة بين الله والإنسان، فإن نبوة الرسالة كانت تتضمن بالضرورة صيغة التشريع، أي أن الرسالة الموجهة للعالمين وباسم رب العالمين، حسب الرؤية المحمدية، تحتوي على تشريع يمسّ عالم الإنسان الطبيعي والماوراطبيعي. الأمر الذي وضعه بالضرورة في مواجهة الوثنية العربية ككل وعلى كافة المستويات والجوانب. بمعنى مواجهة ونقض التقاليد الوثنية في الموقف من الله، والآلهة، والملائكة، والجن والشياطين، والحياة والموت، وما بعد الموت، والقيم الاجتماعية والأخلاقية وغيرها. بمعنى مواجهة وتذليل مضمون وأشكال الوثنية، ومن ثم الاستناد إلى الشريعة وليس إلى تقاليد القبيلة في فكرة الحق والقانون، وأولوية العقيدة على كل انتماء آخر، وأخيرا تأسيس وإرساء الفكرة السياسية عبر فكرة الجماعة والأمة.

ومرّت هذه العملية المعقدة للتحدي، التي لازمت حياة محمد حتى النهاية، بثلاث مراحل أو تحديات كبرى. الأولى وهي تحدي النفس؛ والثانية وهي تدقيق وتحقيق الفكرة الوحدانية؛ والثالثة وهي التحدي الذي بلغ ذروته في الفكرة الدينية السياسية عن أولوية وجوهرية الجماعة والأمة. 

فقد جرى مسار التحدي الأول (تحدي النفس) من خلال فكرة النبوة ذاتها، ومن خلال التحرر التدريجي ثم القطيعة الشاملة مع تقاليد الحنيفية في الجزيرة. وكلاهما كانا يتداخلان ويكمل أحدهما الآخر.

فتحدي النفس بفكرة النبوة تمثل نفسية وذهنية النقد المستتر والعلني لتقاليد الوثنية العربية، والابتعاد التدريجي عنها، ثم مقاطعتها التي بلغت ذروتها الأولى في الاقتناع الذاتي بنبوته. إذ كان الإعلان والجهر بنبوته يحتوي على يقين تام بصحة الفكرة التي يدعو إليها، أي فكرة التوحيد الخالص للإله الواحد ونبذ تعدد الآلهة بوصفه رديفا للوثنية. فقد توصل محمد، بأثر تأمله الطويل والعميق إلى فكرة جلية تقول، بأن تعدد الآلهة لا يصنع وحدة ولا يقينا. الأمر الذي يترتب عليه ديمومة الخلاف والصراع وانعدام وحدة القيم والقواعد الملزمة للجميع، مع ما يترتب عليه من ضياع للحق والحقوق والحقيقة. فإذا كانت بداية التحدي الأول والنقد العلني للوثنية مبنية على فكرة وموقف يقولان، بأن الأوثان والأصنام التي يعبدها العرب لا تضر ولا تنفع، فإنه سيقرر لاحقا، بأنها مجلبة للضرر. بعبارة أخرى، إن الأصنام ليست حجارة لا تضر ولا تنفع، بل نمط حياة ورؤية وعقيدة وقيم. فالحجارة بحد ذاتها على الدوام تضر وتنفع عندما تكون في محلها أو غيره. فحجارة الطريق ليست كحجارة على قارعة الطريق. أما حجارة الأوثان فهي رمز قوته بما فيه. فأوثان جوبيتر الرومية ليست كأوثان قبائل بدائية. فالأولى تعكس قوة الدولة والإمبراطورية والإرادة، بينما الثانية تحشر أتباعها في انغلاق مزدوج. وعلى العموم يمكن القول، بأن الأثر الأكبر للأوثان يقوم في قدرتها على تجزئة الإرادة ونثر الشلل في عضلات ومفاصل العلم والعمل. فالوثنية يمكنها صناعة الدولة والحضارة والوحدة والإمبراطورية، عندما تكون جزء من صيرورة الدولة والثقافة المرافقة للمرحلة الثقافية الدينية، بينما تفقد قيمتها وتتحول إلى أحجار معرقلة لمسيرة الروح والجسد في حالة الانتقال إلى المرحلة الدينية السياسية. وهي الحالة التي واجهها محمد في مجرى انتقال الدعوة النبوية للإسلام إلى إسلام الشريعة والمرسلة، التي شكلت فكرة الوحدة والتوحيد والوحدانية باطنها العقائدي والروحي والعملي. فقد تماهت الوحدة في الجزيرة مع المعشر القبلي. أما التراكم الفعلي لعناصر الوحدة فقد كان يجري بصورة بطيئة ومتوازية مع التجزئة القبلية، بينما كان التوحيد الفعلي يفترض وجود آلية ومرجعية من نوع آخر. وهو السرّ الذي يفسر القبول النسبي والجزئي باليهودية والنصرانية بين العرب قبل الإسلام. إذ جرت محاربة الوثنية عبرهما، من خلال نزع قدسية شعائرها واستبدالها بأخرى. أنها غزوة الروح، بمعنى الخروج إلى عالم أوسع وأعمق وأكثر تجريدا، بحيث تصبح معها فكرة خلق الله للإنسان والكون معقولة ومقبولة.

واحتوت هذه الفكرة على أبعاد نافية للفكرة الوثنية، ومن ثم اعتبار الوثنية في أفضل أحوالها مجرد أصنام وأوهام مخلوطة بقيم ومفاهيم واقعية أيضا. بمعنى أنها قادرة على صنع قوة الجسد والروح الأخلاقي أيضا وذلك لأنها تنزع عقيدة الثواب والعقاب الجسدي ما بعد الموت، لكنها غير قادرة على الديمومة ما لم تستنفذ طاقتها الدينية. وليس مصادفة أن يجري نفيها بالفكرة الدينية. فقد كان القضاء على الوثنية مجرد مرحلة أولية تلازم بالضرورة انتصار الفكرة أو العقيدة  أو الدين الجديد. هكذا جرت في كل مكان وزمان. ففي جزيرة العرب قبل الإسلام، أدى انتشار اليهودية في اليمن إلى هدم "بيت رئام" الوثني، رغم أنه كان يعني "بيت الرحمة". بينما سيقوض الإسلام لاحقا كل بقايا الكعبات العديدة مثل ذو الخلصة (الكعبة اليمانية) التابعة لقبائل خثعم وبجيلة ودوس، وكعبة أياد (شداد) الخاصة بقبائل أياد2 ، وذو الكعبات التابعة لبكر وتغلب، و"سقام" وهو بيت كان للعزى وكانوا يضاهون به الكعبة في التعظيم والإجلال، وبيت الربة (اللات) التابع لثقيف، إضافة إلى ما كان يقع خارج الجزيرة مثل كعبة بيت الأقيصر، الواقعة في مشارف الشام، التي كانت تقصدها قبائل قضاعة ولخم وجذام وعاملة، وغيرها من الكعبات، وبالمقابل يبقي على كعبة مكة باعتبارها قبلة الإسلام وبيت الله الحرام.

جعل محمد من محاربة الوثنية الأسلوب العام لنفي كل أشكالها ومظاهرها الفكرية الروحية والعملية، كما هو جلي في محاربة الكهانة والعرافة، والنسيئة، وتقسيم الثروة بين الآلهة والبشر، ومختلف أشكال العبادات القبلية، باستثناء "العبادات العامة"، أي تلك التي كانت تحتوي على عناصر التوحيد الاجتماعي والسياسي والروحي بعد دمجها في منظومة العبادات الإسلامية كالصلاة والحج وغيرها. وعموما تنوعت وتغيرت وتبدلت في مجرى تحدي النبي محمد لمعالم الوثنية، أساليب صراعه العملي معها. لهذا لم توجد صيغة واحد جامعة لموقف الإسلام من التقاليد الوثنية. والسبب يكمن في أن الوثنية بالنسبة للإسلام كانت تتطابق مع تقاليد "الجاهلية" أكثر مما مع تقاليد عبادة الأوثان والأصنام. ولعل موقف النبي محمد من تقاليد العرب الأخلاقية القائل، بأن "خيركم في الإسلام خيركم في الجاهلية، "وخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، و"الناس معادن، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، تعكس رؤية محمد الواقعية والعميقة لقيمة التقاليد بوصفها تجربة حياتية ومن ثم تحتوي على متناقضات الوجود. وضمن هذا السياق يصبح الإسلام الوريث الجديد للتقاليد الوثنية بعد إعادة دمجها في العقيدة النظرية والعملية للإسلام المحمدي، أي أن قبول هذه التقاليد كان مرتبطا بشخصية محمد وبما يضمن استمرار الموقف من الفضيلة والرذيلة بوصفها قيما مجردة، ودمج البعض منها في عقيدة النبي محمد، بوصفها جزء من مهمة عملية. لكنها كانت في الاطار العام محكوم بفكرته عن التوحيد. وهذه بدورها كانت تسعى لتحديد وتقييد القيم والمفاهيم والسلوك الظاهر والباطن بالفكرة الوحدانية، بوصفها مصدر ومعين الحق والحقيقة واليقين التام. فإذا كانت العرب تحترم الكهانة والعرافة، فإن محمد وقف بالضد من إطلاقها عليه من أجل أن يحدّد ويقّيد الخلاف الجوهري بينهما وبين نبوته، انطلاقا من أن الفرق بينهما هو الفرق بين الحدس الشخصي والشعوذة من جهة، وبين الوحي واليقين الحق من جهة أخرى. إذ لا عرافة ولا كهانة عند محمد، مع أن ما يقوله في الشكل يتشابه معهما، والاستثناء الوحيد هو ما ورد في سورة (الروم).

إن الفرق الجوهري بين نبوته وبين الكهانة هو الفرق بين الطبيعي والماوراطبيعي في تأمل وفهم الوجود. فالعرب كانت تقول عن سقوط نجم "مات ملك"، أو "ظهر ملك"، أو "ولد مولود" أو "مات مولود". بعبارة أخرى، أنها كانت تربط حياة وموت النجوم بحياة وموت الناس. بينما أعطى لها محمد بعدا ميتافيزيقيا. فسقوط النجوم هو انعكاس لأمر الهي ينتقل منه إلى حملة العرش ثم أسفل حتى السماوات الدنيا. فالشياطين تسترق السمع لهذا الخبر أو ذاك فتنقله إلى الكهان. وبالتالي، فإن الكهانة تستند إلى طرق خاصة بها للاتصال بالله. الكهانة شيطانية، بينما النبوة رحمانية. والكهان يرتبطون بالله ولكن عبر وسيط آخر (شيطاني)، بينما تتصل النبوة بالله عبر الوحي (ملائكة الرحمن). فالكهانة تستمد مقوماتها من تقاليد الوثنية التي تعتبر الشيطان قوة مبدعة للشعراء والكهان والعرافة، بينما أعطى محمد لهذه العلاقة بعدا يتسم بالمغامرة والتخريب المريب للحس والعقل والحدس. الأمر الذي يفسر الموقف المعارض للشعر والشعراء، ليس فقط من اجل إبراز خصوصية الآيات القرآنية واختلافها عن بيوت الشعر والشعراء، بل ولمصادرهما الذاتية. فالشعر من دغدغة الشيطان، بينما الآيات من وحي الرحمن. لهذا نرى محمد لاحقا يدفع فكرة وشخصية الشيطان إلى أقصى درجاتها بمعايير الفكرة الوحدانية بحيث جعل منه مصدر الخطأ والخطيئة في المواقف والأحكام. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

1-  وبالتالي لا علاقة لها على الإطلاق بالفكرة الشائعة الانتشار (بالأخص بين المستشرقين والمستعربين) من أن النبي محمد في مجرى احتكاكه باليهود والنصارى وتعرفه على بعض ما في كتبهم عن النبي الموعود هو الذي رسّخ عنده اعتقاد نبوته ويقينه بها. إذ كل ما في الآيات "المكية" يؤسس لفكرة النبوة والأهم من ذلك فكرة الوحدانية الجديدة. أما محاولة البعض تفسير النبوة بمعايير علم النفس، انطلاقا من أن النبوة أقرب إلى الجنون والنبي شبه مجنون! فهذا ليس اكتشافا، بل أن أهل قريش اعتقدوا بأنه قد يكون مريضا لشيطان يلعب فيه، ومن ثم فهم مستعدون لتقديم المال من اجل علاجه! وينطبق هذا على اغلب الدراسات الأوربية بصدد النبوة المحمدية المبنية على مقارنات مألوفة لهم أو لاكتشافات شخصية ولغوية عابرة. 

2- وهي مجموعة قبائل كانت تعيش في تهامة إلى أن حاربتهم قبائل مضر وربيعة فأبعدتهم عن جزيرة العرب إلى العراق.

 

 

محمد بنيعيشأولا: حال الأمة الإسلامية في الواقع وأحكام الوجود

لو أعطينا هذا العنوان حقه من الدراسة والبحث لما استطعنا وضعه في وريقات قابلة للعد بهذه السهولة، ولما سلمنا من التخلص من البحث حوله إلا بانقضاء العمر ودون استيفائه كاملا، ذلك لأن الأوضاع التي كانت منذ بداية تأسيس الخصوصية الروحية للأمة الإسلامية قد مثلت التكامل التام بين المقتضيات النصية والإجراءات التطبيقية الواقعية على كل الأصعدة، ابتداء من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة حتى عهد التابعين .

والتصوف لم يكن نشازا عن هذه الوحدة والتكاملية، كما أنه لا ينبغي لنا عرضه بشكل منفصل عن هذه الوحدة وإعطائه صفة زئبقية وحلزونية رخوة ولينة تخضع للظروف والتغيرات والمزايدات السياسية والطائفية حتى نرضي الآخر أو نزايد على أجندات ومخططات بعض الدول القريبة أو البعيدة من الإسلام جوهرا وعقيدة وتطبيقا. فيكون كل هذا التنازل من أجل نيل رضا الآخر ، سلطة سياسية أو مالية كانت أو دولة داخلية وأجنبية، وتسهيله لمقامنا عنده أو الاستفادة منه أيما استفادة !!!.

وهذا كله منافي كل المنافاة للتصوف ومبادئه الرفيعة المستمدة من مقام الإحسان:"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

فليس التصوف مادة للتوظيف والركوب عليه واللعب به لأن هذه الطائفة كما يقول بعض شيوخه "تلعب بالشيطان لا أن الشيطان يلعب بها".

ومن هذا المبدأ أقول باختصار وتواضع: فلقد اتفق المؤرخون والمحدثون أصحاب الإسناد القوي على أن هذه المرحلة كانت أعظم عصر مرت به البشرية في وجودها كله وفي مسيرتها الطويلة .

ففيها قد بدأت بعثة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، سيد الكونين والثقلين، حاملا الرسالة ومؤديا للأمانة وسراجا منيرا للسالكين . يقول تعالى :"يأيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا"[1].

فلقد كان هذا الرسول العظيم يدعو إلى الله على بصيرة ووعي تام لا يتخلله شك أو اضطراب"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني "[2]، فكانت حالته أنه خير العقلاء وكانت صفته أنه خير المتخلقين " ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لأجرا غير ممنون، وإنك لعلى خلق عظيم"[3].

ولقد سئلت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن صفته فقالت: "كان خلقه القرآن "[4].

و قال في مدحه الإمام البوصيري رحمه الله تعالى في قصيدته البردة مطلعها:

ظلمت سنة من أحيا الظلام إلى أن اشتكت قدماه الضر من ورم

حتى قال:

دعا إلى الله فالمستمسكون به مستمسكون بحبل غير منفصم

فاق النبيين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرم

ثم:

فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم

نعم تلك هي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك هو نعته حيث لا يصل ناعته إلى استيفائه حقه، ففضائله أسمى ما تكون الفضائل وأخلاقه أزكى الأخلاق.

فلقد كان يحيي الليل صلاة ودعاء وذكرا، حتى اشتكت قدماه من كثرة الوقوف وتورمت مع أنه قد كان مغفورا له ما تقدم وما تأخر من ذنبه.وفي نفس الوقت كان داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وكان رحمة للعالمين بالمؤمنين رءوفا رحيما، فالقرآن خلقه وشريعته وهو "ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"[5].

ولقد كان لهذا الرسول أصحاب، ورجال حوله، وأتباع آمنوا به وأحبوه وأطاعوه، بحيث لم أجد أية أداة أصدق وأنصع وأسمى أصف بها وضعيتهم وحالهم في صحبة هذا الرسول العظيم، وفي معاملة بعضهم بعضا إلا بما وصفهم به الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حيث قال:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر الجود، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما"[6]صدق الله العظيم.

فلقد كانت سمة المجتمع آنذاك تطبعها الوحدة في القول والعمل، في الحب والبغض، في الخوف والرجاء، والكل يخضع لسلطان الله وشريعته المبلغة بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فكان المجتمع يسمى بالمجتمع المسلم، والبلاد بالبلاد الإسلامية والتشريع بدين الإسلام، فلا مذاهب ولانحل ولا طوائف، فالكل معتصم بحبل الله لا يبغي به بديلا "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها"[7].

إذن، فلا عملة تتداول في وسط هذه صفته إلا العملة الإسلامية، ولا ألفاظ تنطق إلا ما نص عليها الكتاب والحديث، وهكذا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين، استمرت الحالة على ما كانت عليه:طهر وعفاف وتقوى وصلاح، لم يقع التغير إلا في اختفاء شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهريا وانقطاع الوحي تشريعيا:"من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت " هكذا قال أبو بكر رضي الله عنه حينما تأكد من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واستيقن من ذلك[8] "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شينا وسيجزي الله الشاكرين"[9].

ثانيا: حتمية التصوف عند التغيرات الاجتماعية والسياسية

نعم ! لم تنقلب هذه الأمة على عقبيها، بل استمرت في زحفها وأتمت فتوحاتها على كل الأصعدة، روحية كانت، أو فكرية أو اجتماعية أو علمية... فكان الخليفة له منصب عام يتولى من خلاله الأمور الدينية والدنيوية، ويقيم شرع الله كما أمر به سبحانه وتعالى، فلا يحيد عنه قيد شعرة، ولا يزيغ عن محجته البيضاء، ويحمي بيضته من كل دخيل أو متعنت بتحريف أو تأويل وتضليل..

من نموذج هذا ما وقع في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في رواية الدارمي من طريق سليمان بن يسار قال:قدم المدينة رجل يقال له صبيغ، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه فأعد له عراجين النخل فقال من أنت؟قال أنا عبد الله صبيغ!قال:وأنا عبد الله عمر، فضربه حتى دمى رأسه، فقال:حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي!!!.

وأخرجه من طريق نافع أتم منه قال:ثم نفاه إلى البصرة وأخرجه الخطيب وابن عساكر من طريق أنس والسائب بن يزيد وأبي عثمان النهدي مطولا ومختصرا: وكتب إلينا عمر لا تجالسوه! قال :فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا..."[10].

بحيث قد كان هذا الإجراء ليس قمعا لحرية الرأي أو التعبير كما قد يتوهمه بعض العبثيين وإنما كان عملا وقائيا وعلاجا نفسيا واجتماعيا بوسائل فعالة، غايتها حماية الأمن الباطني للأمة وضمان انضباط المجتمع على عقيدة سليمة وموحدة حتى لا تتشتت المفاهيم وتتسرب الزندقة و التشكيك والميوعة ، وبالتالي قد تتوالى الجراءة على المقدسات الدينية ومرتكزات الأمة وهيبتها قصد الاستهانة بها واختراق حدودها، مما سيؤدي إلى الفساد والانحراف حتما ونتيجة.

وعلى هذا المنهج والاحتياط سيتوالى الخلفاء الأربعة تطبيقا وتحقيقا، والدين لم يمسه شيء من البدع والمجتمع لم يفلس بعد، لأن أفراد الأمة التي مدحها الله سبحانه وتعالى مازالوا أحياء "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا"[11]، يمثلون خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.

ولئن كانت قد وقعت أحداث واختلافات في عهد الخليفتين عثمان وعلى رضي الله عنهما وذلك عقب المؤامرة الدولية-إن صح التعبير- بين اليهود والنصارى الممثلون للروم والفرس الممثلون للمجوس إضافة إلى المنافقين بالمدينة، بحيث قد "شاع عقب ضرب عمر أن قتله لم يكن مجرد عمل أبي لؤلؤة المجوسي بل هناك أشخاص اشتركوا في دمه، فقد قال عبد الرحمن بن أبي بكر غداة طعن عمر:"مررت على أبي لؤلؤة أمس ومعه جفينة والهرمزان وهم نجي ! فلما رهقتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه فانظروا بأي شيء قتل، فجاءوا بالخنجر الذي ضرب به أبو لؤلؤة فإذا هو على الصفة التي وصفها عبد الرحمن"[12]ناهيك عن تلميحات كعب الأحبار- الحديث العهد باليهودية - وإنذاره لعمر بن الخطاب بقرب أجله من مزعم أنه قرأه في التوراة، الشيء الذي أدخل الشكوك حول كونه له ضلع في القضية حتى نظم على إثرها شعر على لسان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:

فواعدني كعب ثلاثا أعدها ولا شك أن القول ما قال لي كعب

وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذار الذنب يتبعه الذئب[13]

فكل هذه الأحداث لم تكن لتمس جواهر المسلمين ودينهم، وإنما قد كان ذلك الاختلاف ناتجا عن اجتهادات واعتبارات، تلبست بصبغة سياسية كان لليهود والمنافقين يد طولى فيها، لا أطيل الكلام عنها في هذا المختصر، لكن الكل قد بقي يعبد الله ويوحده وينزهه عن كل أنواع الشرك والشبهات، والكل بقي يقوم الليل ويصوم النهار وينفق في سبيل الله ويجاهد ويذكر ويذكر، فرضا ونافلة ووجوبا وندبا وتطوعا، على تفاوت وتنافس محمود في باب الطاعة، والكل يحترم الشرع في أصوله وفروعه.وذلك ثابت بنص شرعي حيث أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله:"خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه".

وحتى إن ظهرت أثناء ما حصل من تلك الفتن وبعدها بقليل مذاهب وطوائف إلا أنها كانت في جل أقوالها تتعلق بإبداء الرأي في الإمام المنصب والمقتول وما حكم قاتله وما منزلته من حيث الإيمان، فكانت في الحقيقة ليست إلا مذاهب فقهية أو سياسية أو ذات نزعات شخصية وإن تسمت بأسماء دينية عقائدية[14].

هكذا، وبعد وفاة معاوية، تولى يزيد ابنه الخلافة سطوا وعنفا وغدرا بالعهود-كما قد يصفه البعض- فلقد كثر في عهده المجون والشرود، وأريقت الدماء، وكان من أبشع ما وقع أن سقطت دماء سيد الشهداء وحفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما في كارثة كربلاء سنة61هجرية وحوصرت الكعبة المشرفة ورميت بالحجارة، وكذلك غزيت المدينة المنورة في وقعة الحرة، واستبيحت فيها محارم الناس، وأخذ من بقي من أهل المدينة بالبيعة، لا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن على أنهم موالون ليزيد وخول له.

يقول محمد بك الخضري: "لم تقف مصائب المسلمين عند قتل الحسين ومن معه بل حدثت حادثة هي في نظرنا أدهى وأشنع وهي انتهاك حرمة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي الإلهي وهي التي حرمها عليه السلام كما حرم إبراهيم مكة فصارت هاتان المدينتان مقدستين لا يحل فيهما القتال، فانتهاك إحداهما من الشرور العظيمة والمصائب الكبرى فكيف انتهاك حرمتهما معا في سنة واحدة؟"[15].

وبهذا فقد انتهك أصل من أصول التشريع في الحكم، ألا وهو مبدأ الشورى، وقضي على سنة الخلافة الراشدة و تفرق المسلمون شيعا وأحزابا، وكانت السلطة آنذاك قائمة على ملك عنيف لا يقوم على الدين وإنما يقوم على الأهداف السياسية والمنفعة الذاتية[16]، كما يصفها بعض المؤرخين والأدباء.

ولم تنقض الفتنة بموت يزيد وإنما قطعت مرحلة من مراحلها ثم استأنفت عنفها وشدتها بعد موته فعرضت المسلمين ودولتهم لخطوب ليست أقل جسامة ولا نكرا من الخطوب التي وقعت في عهد –الطاغية- يزيد بن معاوية[17].

هكذا، وبعد هذه الخطوب وما بولغ فيها من توصيف سواء من طرف المؤرخين الموالين أو المعادين لهذا الفريق أو ذاك أو المتربصين بالجميع، استمر حال المسلمين في انحلال دائب بين مد وجزر يزداد به المجتمع سوء وتضعف فيه همم الرجال، حتى صار الدين غريبا في بعض الأحياء، وأصبحت الفئة التقية والمحافظة على عقيدتها وشعائرها موسومة بالخصوصية.ولم يعد ذلك العموم في التقوى يوصف به المجتمع وإنما دخل الناس وخاصة من ذوي الثراء والسلطة في طور اللهو واللغو، والطرب والغناء…

فكان تطورا وتغيرا سلبيا خطيرا كأنه حدث في الأمة، وكان لابد من رد فعل قوي ضد هذه الظاهرة الغريبة والدخيلة على الحياة العامة، وكان لابد من العمل بكل جهد للمحافظة على الأصالة والعمل على ضمان استمرار نسخ منها في الوجود المرئي والحضور السلوكي والاجتماعي . ومن هنا بدأت بوادر التصوف كثورة روحية وسلوكية متميزة بالحال قبل المقال وبالواقع قبل التعريف والتصنيف والتوصيف ...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

........................

[1] سورة الأحزاب آية 45-46

[2] سورة يوسف آية 108

[3] سورة القلم آية 2-4

[4] رواه مسلم في صحيحه

[5] سورة النجم آية 4

[6] سورة الفتح آية 29

[7] سورة آل عمران آية103

[8] حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والاقتصادي والاجتماعي مكتبة النهضة المصرية ط7 ج1ص151

[9] سورة آل عمران آية 144

[10] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام ، دار الكتاب العربي بيروت ط1ص63

[11] سورة الأحزاب آية 23

[12] محمد بك الخضري:الدولة الأموية ، المكتبة العصرية بيروت ط1423-2003ص233

[13] نفس ص230

[14] أحمد أمين: ضحى الإسلام مكتبة النهضة المصريةط6 ج3 ص5

[15] محمد بك الخضري: الدولة الأموية، المكتبة العصرية صيدا بيرو ط1423-2003ص322

[16] طه حسين: إسلاميات منشورات دار الآداب بيروت ط1 ص1030

[17] نفس ص1032

 

 

 

ميثم الجنابيإن البحث عن المطلق في آراء الغزالي هو البحث عنه في النفس. بمعنى إبداع مثال المطلق في النفس، أو التخلّق بأخلاق الله، أو أنسنة القيمة المطلقة، أو توحيد الذات بالذات. وإلا فبأي وسيلة يمكن للإنسان أن يبدع في ذاته الأسباب ومسبباتها، والاضطرار الاختيار؟ إذ ليس القضاء والقدر سوى الجبرية المطلقة، التي ترى في جزئيات الوجود كليتها الموَّحدة بغير المتناهي، باعتباره الامتداد الدائم في كل ما هو موجود. أما الاختيار (الحرية) فهو الامتداد الذي يعي حقيقة نسبته في المطلق أو الحقيقة التي يتجلى معناها في الجلاء الأخلاقي للعدم. آنذاك يستطيع الإنسان أن يتحول إلى حكم في ذاته بذاته. فالوجود في ذاته متحكم بذاته. إذ ليست الشقاوة إلا الشقي، وليست السعادة إلا السعيد. لكنه ليس لهذه الأشياء قيمتها بذاتها إلا في إطار الوجود ككل، أي في حركته وغايته بالخاتمة، انطلاقاً من أنها ذاتها هي حقيقة البداية.

إن هذه المحدودية الأنسية، في حالة إدراك حقيقتها غير المتناهية في المصير الفردي، ما هي إلا حركة المطلق، أو ما دعاه أحياناً، بقضاء الأزل، لأنها تظهر في ذاتها هوة الشرخ المعنوي أمام الوعي الإنساني وحيرته المندهشة أمام إدراك هويته ومعنى وجوده بين الأزل والأبد. الأمر الذي جعله يتكلم عن ضرورة النظر إلى الإنسان باعتباره ابن الوقت (ابن وقته) وترك الأزل والأبد، أو الماضي والمستقبل والنظر إلى ما هو موجود باعتباره حقيقة الأزل. أما حقيقته ففي خاتمته. وقد استندت هذه الفكرة بدورها إلى أنه لا بداية للإنسان بفعل نهايته، ولا نهاية له بفعل بدايته. فهي الذروة القلقة في عالم الحال، التي تصبح إحدى درجاتها العليا "استغراق القلب" بالحكم وملازمته "في الشهود".

لقد أراد الغزالي البرهنة على ضرورة إدراك الكلّ في الوحدة. لهذا أكد على أنه لا معنى للأول والآخر إلا في ظواهر تجزئته (الوجودية) التي يفرضها العقل لترتيب أوقاته وتصوراته ومساعيه. وإلا فلا أول ولا آخر. وبالتالي لم يسع إلا لإظهار حقيقة الكلّ في الوحدة وليس نفي الأولية والآخروية. إذ ليس الأول والآخر في منظومته الأخلاقية سوى علاقة الأزل في ما لم يزل. بينما الإنسان هو بؤرة وجودها. فالأول الأزلي يستحيل بلوغه، والآخر الأبدي يستحيل بلوغه. أما بلوغ وحدتهما فتقوم في تذليلها المعرفي الأخلاقي بالاتصاف بها، فالأخير الإلهي هو آخر ما يمكن أن يرتقي إليه الإنسان في درجات معرفته. وكل معرفة تحصل لديه هي درجة في السعي إليه. وآخر ما تبلغه درجاته هو الأخير. وبهذا يكون قد فتح الطريق في بدايته وأغلقه في آفاقه، وأغلقه في بدايته وفتح إمكانياته في نهايته. لقد بحث عن ثغرة الوجود الإلهي فوجدها في القلب. وبحث عن أسلوب الولوج إليها فوجده في حُجب الوجود الاجتماعي الأخلاقي والمعرفي التقليدي، أي كل ما جعله يصل إلى أن الطريق إلى المستحيل هو تذليل حُجب الوجود، من خلال إدراك حقيقة الكلّ في مساعي النفس صوب وحدتها بالمطلق، أو أنسنة الأزل في ما لم يزل. فهي الوحدة التي تجد انعكاسها في الاسم الظاهر – الباطن. لكنه لم يسع هو هنا للكشف عنها في ما يمكن دعوته بشفافية السذاجة، بل للتلاشي في عبير الوحدة. فالظاهر الباطن هو الأول الأخير بعد انتقاله من وجود الزمن إلى وجود الحال، ومن الوجود المعرفي إلى الوجود الأخلاقي. أما التشابه بين الظاهر والباطن في الله والإنسان فهي الصيغة الثقافية للوجود المعرفي. بمعنى أن الله باطن إن طُلِب عن طريق إدراك الحواس، وظاهر إن طلب عن طريق العقل (بالاستدلال)، تماماً كما هو الحال بالنسبة للإنسان. فهو ظاهر إن استدلّ عليه بأفعاله المرئية، وباطن إن طُلِب من إدراك الحس.

وشكلت هذه الفكرة المقدمة التي حاول من خلالها إظهار المستوى المعرفي الأول في مفهوم الظهور - البطون، باعتباره ما هو مضاف إلى المدركات. من هنا مفهوم الظاهر الباطن. إذ لا ظاهر ولا باطن، بل الكلّ. أما التجزئة والتباين فإنهما نتاج إدراك حقيقة الإضافة في المعرفة. لهذا ليس خفاء الله إلا لشدة ظهوره. وبالتالي فإن شدة ظهوره هو سبب خفائه، تماماً كما أن نوره هو حجاب نوره، لأن كل ما جاوز حده انقلب إلى ضده1 . وهي الظاهرة التي يشكل خفاء السرّ في الإنسان مثالها الملموس، باعتباره تجلياً للرحمة الإلهية. لهذا شدد الغزالي، على أنه لو كان بالإمكان معرفة سرّ الإنسان على الدوام لتهدمت أركان كينونته الذاتية والاجتماعية. وهي الرحمة التي يشكل إدراك حقيقة مثالها صورة مثالها في الله ومنه.

إن مثال الإنسان الحق في منظومة الغزالي الأخلاقية هو قطب الوجود الاجتماعي التاريخي، أو البؤرة المؤنسنة للأخلاق الإلهية، باعتبارها الذروة المتكررة في وجوده. غير أنه لم ينظر إليها كما لو أنها صدفة الزمن العابر بل تعامل معها كما لو أنها ضرورة الوجود التاريخي في تجليه الأخلاقي. وبهذا يكون قد فتح الطريق أمام التثوير الروحي في عالم التجزئة. فالتاريخ بمعنى ما هو التجزئة الدائمة للزمن الوجودي.. بينما لا سبيل لتوحيده في الذات الإنسانية سوى سبيل السعي نحو الواحد. وبغض النظر عن الطابع المجرد وصفة الخواص في مثال الذات الموَّحدة، إلا أنه لم يحصرها "بوحيد عصره" و"يتيم دهره" وما شابه ذلك من إطراء ومديح مفرط، بل بإمكانية بلوغه الفعلي. مما يعني واحديتها في لحظاتها الثابتة والمتغيرة. وإذا كان هذا الاستنتاج صائباً في ميادين الوجود الأخلاقي والمعرفي، استناداً إلى واحدية الحقيقة والوجود والذروة والفرادة والأصالة، فإن ذلك لا يلغي تعبيرها الزماني، بفعل عدم تناهي المعرفة والرقي الأخلاقي. بحيث جعله ذلك ينظر إلى الواحد الإنساني نظرته إلى ذاك الذي "لا نظير له في عصره وجنسه في خصلة من خصال الخير"2 .

إن الفرد الواحد هو تفرّد الوجود الاجتماعي التاريخي، أو ما دعاه أيضاً بمن "لا نظير له بالإضافة إلى أبناء جنسه بالإضافة إلى الوقت. إذ يمكن أن يظهر في وقت آخر مثله بالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع"3 . فالواحد المطلق أزلاً وأبداً هو الله. وهو المثال الدائم للدائم الأخلاقي والتاريخي. مما يعني إمكانية هذا الواحد من حيث وجوده التاريخي. إذ ليست الأسماء الإلهية سوى أسماء المطلق الإلهي. وبالتالي، فإن تحديدها الحق هو استمداد وجودها منه. وبهذا يكون الغزالي قد هشّم عوارض النخبوية المستندة إلى قوة الثروة والجاه والنسب وما شابه ذلك، من خلال تذليل قيمة الوسائط الواقعية والوهمية بين الإنسان والمطلق في مساعي العارف والمعرفة.

لقد ردد في نهاية "تنبيهاته" (شروحه) على الأسماء الإلهية، من أن التخلّق بهذا الخلق أو ذاك منها وأخذ نصيب منه هو المعني بذلك الاسم. بينما شدد في حالات أخرى على نسبة الممكن وطابع المجاز فيه. ومع ذلك لم يطابق بين القيمة المطلقة في أي من أسماء الله الحسنى وبين واقعيتها في الذات الإنسانية. وبهذا يكون قد حدد مسبقاً حدود التخلّق الإنساني بالاسم الإلهي. إلا أنه لم يحدد الإمكانية الدائمة وغير المتناهية للسمو الأخلاقي في ميادين الأسماء. لهذا أكد على أن الإنسان لا يمكنه أن يكون علياً وجليلاً وكبيراً وعظيماً وجامعاً مطلقاً، تماماً بالقدر الذي فسح المجال أمام إمكانية الارتقاء الأخلاقي المعرفي بالشكل الذي يمكنه بلوغ مصاف الأنبياء والملائكة، مشيراً إلى أنه يمكن تصور نيل درجة لا يكون من جنس الأنس من يفوقه، وهي درجة النبي محمد 4. وإذا كانت هذه الدرجة في وعي الغزالي هي درجة المثال الإنساني المطلق، فإن الأخير يتأنسن بقدر التخلّق بأخلاقه.

ذلك يعني، أن الإنسان يمكنه أن يكون جليلاً جميلاً، أي كمال صفاته على مثال كمال الصفات الإلهية. وأن يكون كامل الذات على مثال الكبير الإلهي، وأن يكون عظيماً بمعنى توحيده للكمال الذاتي والصفاتي والفعلي وجمعهم بوصفه الإنسان الجامع الكامل. وإذا كانت هذه الأحكام العامة تحمل في مظاهرها بصمات الصيغة التأملية، فإنها ترسي في منظومته العامة أسس روحها الإصلاحي العملي. بمعنى أنها تذلل في ميتافيزيقيتها الصارمة مظهرها الطوباوي من خلال تأسيسها لحقيقة النسبة المعقولة بين المطلق والعابر. وبالتالي لم يكن إهمال الأثر الظاهر للوجود الاجتماعي التاريخي والحضاري في الشخصية المجردة للكامل سوى وسيلة البحث في المطلق الميتافيزيقي عما يمكنه أن يكون بديلاً أخلاقياً لنموذجية المثال.

فعندما وضع مثال الجليل والكبير والعظيم المطلق في أنموذجه الأنسي، فإنه لم يقصد بذلك سوى مثال الواقعي الممكن. فالجليل (الإنسان) هو الكامل الصفات، الموّحد للجمال الأخلاقي في الباطن باعتباره تكامل الذات الباطنية على أفضل ما يكون. والكبير (الإنسان) هو الذي يوّحد في ذاته العقل والورع. والعظيم (الإنسان) هو الذي يوّحد في شخصه كمال الذات والصفات، والظاهر والباطن، والأخلاق والمعرفة. أما مثاله النموذجي ففي درجات الأستاذ للتلميذ والشيخ للمريد والنبي في أمته5 . ذلك يعني، بأن ميتافيزيقيته ما هي إلا الصورة النموذجية التاريخية لثقافة عصره. أنها تكشف في مثالها واقعية الأخلاق الكاملة ومهمتها العملية والعلمية. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص136.

2- الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص133.

3- الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص133.

4- الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص109.

5- الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص105.

 

ميثم الجنابي"إن قدر الإنسان على قدر جلالة مراده"

(الغزالي)

إن الضغوط التي تفرضها مشاعر الانتماء للمطلق، هي ضغوط الأنا الباحثة عن وحدتها في عوالم التجزئة والتحلل. إنها تبحث وتنظّم في آن واحد حقائق المعنى المتسامية في الوجود، وتذليل كوامن الضعف الدائمة في الأنا التاريخية، وبالتالي توليفها في قيم الواجب، باعتباره توحيداً لمكونات الكمال في تجارب الأمة. فقد كانت الأمة في تجليها التاريخي هي أمة الإسلام، وفي تجليها الواجب مثالية الكلّ المتناثرة في تجاربها. وبالتالي لم تعن أنسنة المطلق سوى تحقيق التجربة الكلية لتاريخ الخلافة في نظامها المبدع وكمونها المثالي في ما ينبغي. وهذه بدورها ليست إلا الوحدة المماثلة في واقعيتها لتوحيدية الواجب المتسامي. فإذا كانت محاولة الغزالي إيجاد الصلة المعقولة بين الإنساني والإلهي هي الصيغة المعبّرة عن توليفه للتاريخي والمثالي، باعتبارها الحصيلة المجردة للعينات المثلى والمتسامية لتجربة الخلافة الروحية، فإن أنسنتها الأخلاقية هو استدراج منطق الخلافة الروحية في استخلافها لكيانها التاريخي. وبالتالي استمرار وجودها التاريخي والثقافي في مثالها الإلهي. ووجدت هذه الصيغة انعكاسها في موقفه من تساوي الأسماء الإلهية، بمعنى موقعها ووضعها في كل واحد لا تفاوت فيه. ولم يكن ذلك في الواقع سوى الصيغة التي مثّلت فيها أعلام الفكرة المطلقة، أو تجليات المطلق الإسلامي في أسمائه الموِّحدة لعناصر التاريخ والمثال.

فالغزالي لم يضع أياً من الأسماء الإلهية في مرتبة تفوق إحداها الأخرى، بينما جعل الاسم الإلهي الله اسما جامعا للكل. ولم يعن الأخير في منظومته سوى الكلّ الأخلاقي. وقد استمد هذه الفكرة من تقاليد التصوف في سلوكه وأحكامه عن التخّلق بأخلاق الله، أو الكلّ الأخلاقي الجامع لأسمائه الصفاتية. وبغض النظر عما في آرائه من توكيد على تباين واختلاف الأسماء والصفات والذات، وما يقابلها من الأسماء والصفات والذات الإنسانية، واستحالة تذليل البون الشاسع بينهما، إلا أنه لم ينف مشاركة الإنسان لله في أسمائه، بمعنى استعداده على امتلاك ما يمكن امتلاكه في مسعاه الدائم للتخلّق بصفات الحق.

لقد أدى ذلك إلى أن تحتل مبدئية الأخلاق الصارمة، ميدان الترقي الأخلاقي في إدراكه وتحقيقه الذاتي للمطلق، أو تشاكله معه بالشكل الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى "احتقار كل ما في الدنيا والآخرة"[1]. ولم يقصد هو باحتقار الدنيا والآخرة سوى تذليل الهوة غير المتناهية بين الإنسان والمطلق. فقد سعت منظومته عن الأسماء الإلهية في إظهار وحدة الذات الإنسانية في سموها الأخلاقي، وتحرير كيانها الأخلاقي من ثقل السلوك النفعي الضيق ونفسية الأعواض. ولم يقصد هو بذلك رفض ما في المنفعة المادية من أثر ضروري للعيش والوجود والأخلاق، بقدر ما حاول إنزالها من برجها المتحصن بمعايير الفقه النفعي ونفسية التبرير المصلحي. لهذا أكد على ما في المنافع المادية من مصدرية للخير، بل و"منبع الخيرات"[2]. ولم يعن ذلك في منظومته سوى عزل الروابط "الصنمية" وفك ارتباطها في وحدة تكاملها الخاصة، باعتبارها مثالاً واجباً للسلوك الاجتماعي الفردي والجماعي.

لقد سعى الغزالي إلى تأسيس استقلال الذات الإنسانية وتقييد حركتها بالمطلق. مما حدد بدوره طابع العلاقة المعرفية بالمطلق ومهمتها العملية عند العارف. فإذا كانت الأسماء الإلهية تحوي في ذاتها على كافة تجليات الوجود الأخلاقية، فإن ضرورة معرفتها تقوم بالسعي صوب اكتساب ما دعاه أيضاً بمطابقة الصورة العلمية للصورة الوجودية، أو مطابقة العلم للعمل. بمعنى تحوّل مثال اسم الله العالِم إلى نموذج الرقيب الأخلاقي، والخالق بقدرة الاختراع الدائم، أو "استنباط أمور لم يسبق إليها" وتجسيدها والترغيب فيها صوب "منبع الخيرات. ومن ثم يصبح الخير المطلق حافز الإبداع الإنساني في "الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات"[3]. وبالتالي ليست هذه المعرفة سوى ترتيب الاستمرار العلمي والعملي، الذي تتوحد في ذروته الأخلاقية تراث الماضي ومثال المطلق الإلهي واكتساب المعرفة الدائمة وتوجيهها صوب إدراك بدايتها في الأول والأخير.

غير أن ما يثير اهتمام الغزالي ليس المعرفة ككل،رغم تأكيده على أن المعرفة بالجسمانيات هي مثال المعرفة بالروحانيات، بل "المعرفة الدينية" أو ذات "الواعز الديني" أو الأخلاقي[4]. وطابق حقيقة هذه المعرفة مع حقائق "الفتح النبوي" والكشف الصوفي. وعندما يشدد على أفضلية الإلهام الصوفي، فإن ذلك لا يعني إهماله للمعرفة الحسية والعقلية، بقدر ما أنه أدرجها في توليفة المساعي الأخلاقية. وبهذا لم تعد هذه المعرفة شيئاً ما مجرداً، بل معرفة اجتماعية سياسية وروحية. فالأنبياء تستمد، على سبيل المثال، مثالها العملي من الجمال والجلال الإلهيين (المطلقين). وإذا كانت "مفاتيح الغيب والوجود" أو الممكن والواجب بيد الله، فإن ذلك يستلزم في معرفة الإنسان الكامل تجليها وتحلّيها برؤية الجمال والجلال، التي "يتيسر بها ما تعسر على الخلق من الأمور الدينية والدنيوية"[5].

وقد حدد هذا بدوره وحدة القلق الروحي الأخلاقي والمعرفي، وبالتالي اضمحلال اغتراب الموضوع ونهاياته في ذهنية العارف من خلال تحولها إلى ما يمكن دعوته بمصيره الوجودي الأخلاقي. وذلك بفعل كفّ الحركة الوجودية والأخلاقية عن أن تكون أطراً قائمة بحد ذاتها. وإذا كان ذلك ممتنعاً في الوجود، فإنه أشد امتناعاً في المثال. وسبب ذلك يقوم في مطابقته في آراء الغزالي مع فكرة ترتيب الله للأشياء والموجودات، أو وحدة البداية والنهاية، والأخذ والعطاء، وكل ما يلف عالم الحركة والسكون وتجليها على مثال الاسم الإلهي القابض الباسط، باعتباره الاسم المعبّر عن وحدة الوجود الأخلاقية وإبداعها الصوفي في رياضة النفس. فعزلة الصوفي هي ميدان الانطلاق غير المتناهي، تماماً بالقدر الذي لا معنى للانقباض دون البسط، ولا قيمة للأخير دون الأول. وعلى قوة كل منهما يتكامل الآخر كما هو الحال في كل حال ووجود. فهي الوحدة المتناقضة في ظاهرها والطبيعية في مجراها، باعتبارها وسيلة ارتقاء كل ما هو موجود، بما في ذلك عالم النفس الأخلاقي. فهو أكثر ميادينها دقة وفي حساسيته إرهافاً، لأنه الوحيد الذي تستثيره الكلمة وتهدّئه، تبعثره وتوّحده، تفرِّده وتجمّعه، تبغضه وتحببه، تبعده وتقرّبه، تؤنسه وتوحشه، تهلكه وتنجيه، وتبقي عليه في الوقت نفسه متناثراً في الظاهر والأشياء.

ذلك يعني، أن مهمة الرقي الأخلاقي المعرفي هو فعل الذات الحر. لهذا ربط الغزالي بلوغ ذروة الكلّ الأخلاقي بأفعال التخلّق الفردي، بوصفها عملية دائبة لوحدة العلم والعمل النافية للتجزئة الداخلية. ومن ثم صهر التجزئة في تجارب الفعل الأخلاقي الحر، والمقنن في الوقت نفسه بقيود الإرادة المتسامية ومثالها الصوفي في علاقة المريد بالشيخ. غير أن الغزالي، لم ينظر إلى هذه العلاقة بمعايير الصوفية الخالصة عن آداب الصحبة والمريد، بقدر ما أنه أدرج تراثها في منظومة الفعل الحر، أي توليف عقلانية البناء المنظومي للفكر والبحث عن اليقين.

فالتخلّق بالأسماء الإلهية هو الإدراك العملي الحق لحقيقة النسبة القائمة بين الملموس والمجرد، والنسبي والمطلق. وإذا كانت الأسماء الإلهية كالملك والقدوس والسلاّم والمهيمن تعبر عما هو مطلق فيها، فإن ما يقابلها في عالم الشهادة والملك (كإمكان ووجوب) هو اختلاقهما الدائم في النفس، باعتبارها عملية معرفية وأخلاقية. فالملك المطلق هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود. والقدوس هو المنزّه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير، أو المنّزه عن أوصاف الكمال التي يظنها الناس كمالاً. والسلام هو الذي تسلم ذاته من العيب وصفاته عن النقص وأفعاله عن الشر. والمهيمن هو القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم (بالعلم والقدرة والفعل). وما يقابله في عالم الملك والشهادة من إمكانية السعي الدائم صوب المطلق في واقعيته التاريخية ولا نهائيته المثالية. إذ لا يمكن للإنسان أن يكون ملكاً مطلقاً. وليس مردّ ذلك إلى ما فيه من نقص واعوجاج، بقدر ما أن حدود أفعاله الواقعية هي حدود الملموس (التاريخي). فهو عرضة للتغير والتبدل، وبالتالي لا يتصور أن يحتاج إليه كل شيء، وفي كل شيء. بل يستغني عنه أكثر الموجودات. ولكن قدرته على الاستغناء عن بعض الأشياء تجعله شبيهاً بالملك المطلق. ووضع هذه الفكرة في تأسيسه لماهية الاشتراك بمعايير غير المتناهي، بوصفها الذروة الفعلية للإنسان. فالملك بين الناس وفي ذاته هو من يقدر على التحكم في ذاته وفي "مملكته ورعاياه". وبما أن الإنسان هو صورة الكون الجامع، فإنه يحوي في ذاته على كل مكونات مملكته الوجودية. فجنوده شهوته، ورعاياه لسانه وعيناه ويداه. وبالتالي ليس التحكم فيها سوى إحكام السيطرة عليها. بمعنى تحويل الملوكية الظاهرية إلى عبودية باطنية. وقد عبّرت الصوفية عنها بنادرة طلب أحد الأمراء (أو الخلفاء) من أحد العارفين (الصوفية) قائلاً:

ــ سلني ما حاجتك؟

ــ أو تقول لي هذا ولي عبدان هما سيداك؟!

ــ ومن هما؟

ــ الحرص والهوى. فقد غلبتهما (أنا) وغلباك، وملكتهما (أنا) وملكاك!!

ووضع الغزالي هذه الفكرة في نظرته إلى حقيقة الحرية باعتبارها إحكام السيطرة الأخلاقية في الذات الإنسانية. بمعنى إدراك ضرورة الوجود المطلق بما يتطابق معه. وذلك لأن إدراك ضرورة الوجود المطلق، هو مقدمة التخّلق به. فالأسماء الإلهية هي الرموز المتسامية للذات الإنسانية في جمعها كلية الاتجاه العام للتخلّق بأخلاق الله[6]. فالاسم الإلهي القدوس يعني المنّزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم، أو يقضي به تفكير. فهو المنّزه عن كل وصف عن أوصاف الكمال التي يظنها أكثر الخلق كمالاً، أو الكمال المطلق، الذي يدرك الإنسان صفاته المناسبة لصفات نفسه. وبغض النظر عن التباين الهائل بينهما إلا أنه شّكل في الوقت نفسه مؤشر "التنزيه" الإنساني، الذي طابقه الغزالي مع تنزيه العلم والإرادة الإنسانيتين. ولا يعني تنزيه العلم سوى التجريد العقلي الرفيع في البحث عن الحقائق المطلقة، أو ما عبّر عنه بكلمات "تنزيه العلم عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات، وكل ما يشاركه فيه البهائم من الإدراكات. بل يكون تردد نظره وتطواف علمه عن الأمور الأزلية الإلهية المنزهة عن أن تقترب فتدرك بالحس، أو تبعد فتغيب عنه، بل يصير متجرداً في نفسه عن المحسوسات والمتخيلات كلها، ويقتني من العلوم ما لو سلب آلة حسه وتخيله بقي ربانياً بالعلوم الشريفة الكلية الإلهية المتعلقة بالعلوم الأزلية الأبدية"[7].  وهذه بدورها ليست إلا المعرفة المنّزهة، التي يقابلها في عالم الإرادة الإنسانية السعي نحو الكمال النظري والعملي، أو ما دعاه أحياناً بتنزيه الإرادة عن الدوران حول الحظوظ البشرية، التي ترجع إلى لذة الشهوة والغضب. ولا يعني ذلك سوى متابعة المستوى المعرفي ذاته في ميدان التنوير والتنشيط الأخلاقي في مسعاه الواجب صوب المجرد المتسامي. وصاغ هذه الفكرة بعبارة "الارتقاء إلى ما هو من خواص الإنسانية" أو "الارتفاع عن ضعف البشرية والشهوانية والبهيمية"، انطلاقاً من أن "قدر الإنسان على قدر جلالة مراده. ومن همّته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج منه"[8].

ومهّدت هذه الآراء لتأسيس فكرته عن رفع شأن الأخلاق بالنسبة للعارف. وليس مصادفة أن يركز على معالم المراقبة الذاتية ومحاسبة النفس في شرحه للأسماء الإلهية كالسميع والبصير والحسيب والرقيب والصبور. وهي الأفكار التي سبق وأن عرض بعض جوانبها في (إحياء علوم الدين)، وبالأخص في ما دعاه بالمقامات الستة لمحاسبة النفس ومراقبتها وهي كل من المراقبة والمحاسبة والمعاقبة والمجاهدة والمعاتبة[9]. أما في (المقصد الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى)، فإنه تناولها ضمن سياق ما يمكن دعوته باخلاق الخاصة والصفوة، دون أن تفقد قيمتها المعنوية لعوام الأمة. فالسمع والبصر، على سبيل المثال، هو كل ما له علاقة بالمحسوس. وبالتالي، فإن حظ الإنسان منهما محدود. وذلك لأن الإنسان لا يدرك جميع المسموعات، ولا يرى جميع المبصورات. ثم إن أدوات السمع والبصر عرضة للتلف والعطب والزوال. وبالتالي ليست حقيقة السمع والبصر سوى حقيقتهما الأخلاقية، أو ما دعاه أيضاً بالحظ  الديني في السمع والبصر. بمعنى ضرورة معرفة الإنسان بأن الله سميع فيحفظ لسانه، وأن يعلم بأن السمع له هو سماع كلام الله وحديث رسوله. في حين أن البصر للإنسان هو لكي ينظر به إلى عجائب الملكوت، وليعلم بأنه بمرأى من الله، وأنه الواعز الأخلاقي والحاكم النهائي فيه.

إن هذه الصياغة الحذرة والزلقة لحد ما في آرائه لها مضمونها المعرفي الأخلاقي والصوف. فهو لم يقصد بسمع كلام الله سوى ما يتطابق مع مفهوم الوحي النبوي والإلهام الصوف.  وليس اعتباطاً أن يضع عبارة كلام الله قبل القرآن والسنة. وهو لا يجاري هنا تقاليد أهل السنّة في دفعها إلى الأمام القرآن والحديث في كل ما جدّ واستجد. لكنه نظر إليها بالعين والسمع الإلهيين،أي بالأسلوب الباحث عن النسبة الضرورية والمعقولة بين النظر والسمع والكلام الإلهي والإنساني، بوصفها صفات تجلي الأخلاق والمعرفة الحقيقية. فإذا كان السمع والبصر بحق الله هو "عبارة عن صفة تتكشف بها كمال صفات المسموعات وكمال صفات المبصرات"[10]، فإن كلامه هو الآخر صفة بها تتكشف كمال صفة "الخط الإلهي" في كل ما هو موجود.

وحدد هذا بدوره مضمون الرقابة الذاتية ومثالها في الاسم الإلهي الرقيب. فالرقيب هو العليم الحفيظ، الذي لا يغفل في مراعاة شيء، ويلحظه على الدوام ملاحظة لازمة لزوماً، لو عرفه الممنوع عنه لما أقدم عليه. وبهذا المعنى فإن الرقيب كأنه يرجع إلى العليم والحفيظ، ولكن باعتبار "كونه لازماً دائماً بالإضافة إلى ممنوع عنه". أما مثاله في الإنسان المتخلّق بأخلاق الله، فهو مراقبة القلب بسدّ منافذ الشر وفتح أبواب الخير. فهي العملية التربوية لرؤية النسبة الحقة بين وجود المثال المطلق ووجوده الفردي. كما أنها النسبة التي يكشف عنها الاسم الإلهي الحسيب. فالحسيب هو الكافي، الذي من كان له كان حسبه. أما حقيقة الكافي فهو الله. فالكفاية "يحتاج إليها المكفي لوجوده ودوام وجوده ولكمال وجوده. وليس في الوجود شيء هو وحده كاف لشيء إلا الله"[11]. وذلك لأن كل ما في الوجود هو واسطة في الكلّ. مما جعله يؤكد على أن احتياج المرء للطعام والشراب والأرض والسماء والماء والهواء والشمس ما هو إلا احتياج لله. وإن الطفل الذي يحتاج لأمه لا يحتاج إلا الله. إذ لا كفاية في الوجود بغيره. فكل ما في الوجود مرتب على هيئة لا ينفصل أحده عن الآخر. والكلّ هو الله. إذ "ليس في الوجود شيء وحده هو حسب شيء سواه. بل الأشياء يتعلق بعضها ببعض وكلها تتعلق بقدرة الله"[12]. وبهذا المعنى لا يمكن إطلاق لفظ الحسيب على الإنسان إلا مجازاً. ولم يعن الغزالي بالمجاز هنا سوى نسبة الكفاية في الإنسان باعتباره واسطة في الوجود من حيث ذاته المنفردة. لهذا أيضاً تكلم عن مجازية كفايته بالإضافة إلى بادئ الرأي وسابق الظن. ففي الحالة الأولى، إن كان كافياً لطفله بتعهده أو لتلميذه بتعليمه حتى لم يفتقر إلى الاستعاضة بغيره، فإنه مجرد واسطة في الكفاية، ولم يكن كافياً بحد ذاته. إذ ليس للإنسان قوام بنفسه، ولا كفاية له بنفسه. أما بسابق الظن، فإنه حتى لو قدّرنا استقلاليته بالكفاية وليس بواسطة، فإن وحده لا يكفي، لأنه يحتاج إلى محل لفعله وكفايته. وهذا أقل الأمور. فالمعدة، على سبيل المثال، هي مستقر الطعام ولابد منها لتكون كافية بإيصال الطعام إلى بدنه. وهذا ما يحتاج إليه في أمور كثيرة لا يحصيها ولا يدخل شيء منها في اختياره. وإذا كان أقل درجات الفعل حاجته إلى فاعل، فالفاعل لا يكفي دون القابل أصلاً. ولم يرد الغزالي من وراء ذلك سوى إظهار واقعية الوسائط بالنسبة للوجود الإنساني وارتباطه بها، باعتباره جزءاً منها رغم ذاته المستقلة وقدرته، أي كل ما يجعل منه حلقة في الوجود ورابطة بين الباقي والزائل، والخالد والعابر. فلإنسان هو الحلقة الوحيدة القادرة في سلسلة الموجودات، على بلوغ الكمال الحقيقي لا الوهمي، وإدراك حقيقة وجوده وصلته بالوجود وبه، باعتبارها الوسيلة المثلى لتربيته الأخلاقية عبر توجيه نيته وفعله، وتأمله وفكره صوب الذات المطلقة. ووضع هذه الفكرة بالكلمات التالية:"أن يكون همه الله، فلا يريد الجنة ولا يشغل قلبه بالنار، بل يكون مستغرق الهمّ بالله وحده"[13].

ولا يعني ذلك في الواقع سوى "تذويب" المطلق في الممكن (الواقعي) أو ما يمكن دعوته بأنسنة الاسم المطلق. فهو يضع نصب عينه مهمة البرهنة على استحالة إدراك المطلق، بفعل تعدي حقيقته كل الاشكال الملموسة والجزئية، رغم أنها ميدان إدراكه المعقول. مما جعله يدقق فكرة التخلّق بأخلاق الله من خلال تشديده على أن المطلق ليس كياناً قائماً بذاته ذا قشور صلدة يكفي كسرها لرؤية حقيقته اللامعة. إذ ليس وجود المطلق الحق سوى الوجود المنفي في إدراك العدم. أما الصيغة القصوى للتعبير عنه فهي صيغة التعبير المفارق للدليل. وحالما يجد هذا التعبير سبيله إلى الوعي، حينذاك يصبح أسلوبه التام هو أسلوب البحث عن المطلق باعتباره الوجود المنفي في إدراك العدم. (يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 .........................

[1] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص75.

[2] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص79.

[3] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص79.

[4] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص78.

[5] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص86.

[6] نقف هنا امام نفس الملامح المميزة لابداع الغزالي المتأخر،أي نزعة التوليف الكبرى تجاه مختلف القضايا والمفاهيم والمواقف. وفي الحالة المعنية ما له علاقة بقضايا المثال الإنساني. فقد ربط هنا في كل واحد تقاليد وتراث الفكر الصوفي والتيارات الفلسفية تجاه قضية "التخلّق بأخلاق الله"، وقضية السلوك العملي الساعي لبلوغ حقيقة الحق. فهي الفكرة الجورهية في طريق التصوف. اما التقاليد الفلسفية للهيلينية المتأخرة وبالاخص تيارات الغنوص منها. وقد أشار الغزالي نفسه إليها في معرض حديثه عن الاسم الإلهي المهيمن. (المقصد الأسنى، ص7). ومن الممكن اجراء مقارنة بين ما وضعه الغزالي وما جرى وضعه في كتاب (الأسماء الإلهية) المنسوب إلى ديونيس الاريوباغيتي. غير أن اوجه التباين والاختلاف في المنحى والغاية تجعل لكل منهما تراثه الخاص. إذ ليست "الأسماء الإلهية" عند الغزالي، وفي التراث الإسلامي كل، سوى منظومة تعميق وعي الذات الأخلاقي الملازم بالأخص لروحانية التصوف وأسلوبه المتميز في فلسفة الطريق (الطريقة)، بوصفها أسلوب تربية النفس والإرادة والمريد.

[7] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص68-.69

[8] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص69.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص394-422.

[10] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص90-91.

[11] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص114.

[12] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص114.

[13] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص115.

 

ميثم الجنابي"إن الانسان على صغر حجمه جمع في ذاته

ما يكاد يوازي عجائب كل العالم"(الغزالي)

إن الثقل المرهق لإشكالية الإنسان في ثقافة الخلافة، لم يكن نتاجاً تأملياً للفكرة القائلة باستخلاف الإنسان للنبوة والإلوهة، بقدر ما أنه كان الاستمرارية المعقدة لتداخلهما، أي الانعكاس الثقافي لوحدة التاريخي واللاهوتي في فرق الإسلام وعقائدها. وهي النتيجة التي جعلت التوحيدي يقرّ بأنه لا شيء أشكل على الإنسان من الإنسان نفسه. وهي المفارقة التي شكلت في صيغتها المبسّطة الاستيعاب الفلسفي والأدبي الأعمق للروح الباحث عن معنى يقف خارج حيثيات العادة والتقليد. وهي ذات المفارقة الكبرى في الفكر الإسلامي حتى زمن الغزالي. بمعنى التركيز الهائل على عوالم الإنسان والولوج إلى أدق هواجسه دون أن تفرد له مع ذلك، استقلاليته الذاتية في تصوراتها ومنظوماتها.

فقد احتل الإنسان في ثقافة الإسلام موقعه المناسب لتصورات القرآن الأولى، وأحكامه المتنوعة عنه. وبغض النظر عن تباينها، إلا أنها حاصرته فيما بين الديني والدنيوي، الدنيوي والأخروي، بين ذاته والله. مما أعطى للمسافة القائمة بينهما ومضامينها المختلفة هيئة الانعكاس النموذجي لرؤية العلاقة الواجبة والمثال الحي بين الإنسان والمطلق. أي كل تلك العلائق المترامية في وجوده بين «أعلى عليين وأسفل سافلين». أو نماذجه العديدة لتفسير وتبرير وجوده في منظومة العلاقة الواقعية والمثالية، والتي تبدعها الثقافة عن ذاتها في ذواتها.

فقد شدد القرآن على قيمة الخلق الإلهي في الإنسان باعتباره الكائن الذي سجدت له كيانات الوجود جميعاً، كما في الآية "لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين"[1]. وكذلك في أمثالها العديدة المصورة لخلق الإنسان وقضائه أجلاً مسمى[2]. والآيات التي تكشف عن جوهرية الفعل الإلهي في الإنسان. فالأخير لم يخلق عبثاً، وإن مرجعه النهائي إلى الله[3]. وإن موقعه في الكون، الأكثر رفعة لأن الله أكرمه وحمله في البر والبحر ورزقه الطيبات وفضله على أكثر ممن خلقه تفضيلا[4]. غير أنه شأن كل ما في الوجود عرضة للزوال. إذ لا وجود حق في نهاية المطاف إلا لوجود الحق (الله). مما حدد في نماذج الإدراك الإسلامي المختلفة المذاق الخاص لمقامه ومعنى وجوده وقيمته الجوهرية بمعايير الحياة والموت جميعاً. أو الوحدة المرنة في الآيات القائلة، بأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الإنسان يبلى في الحياة فتنة له، تماماً بالقدر الذي يعني ذلك رجوع الأعيان إلى خالقها. وليس ذلك في محتواه الواقعي سوى التعبير الديني للمعنى الأزلي في المصير الوجودي للفرد والجماعة، والصيغة الأكثر غائية في أخلاقيتها.

وقد ظلت هذه العناصر المتناثرة في القرآن والموحدة على خلفية الوحدانية الإسلامية تلبي متطلبات الانقسامات الجديدة في وحدة الخلافة الدولتية والاجتماعية. فقد وحدت الدولة عالم الإله الإسلامي وربوبيته العقائدية ضمن حدودها العسكرية، وفسحت المجال لاحقاً أمام المحاولات الجريئة لإعادة النظر بها (الوحدة) في عالم السياسة الديني. وهي الملامح التي نعثر على بداياتها في مساعي القوى المتصارعة البحث عن مثالها في آيات القرآن المتنوعة. فالخوارج سعت لتذليل الانقسام والفرقة من خلال تضحيتها بأفرادها وذاتها. وبهذا تكون قد سعت لتذليل الانقسام الديني السياسي بمعايير الروح الفردي وتضحياته في تماهيها الذاتي في "الشراة"، أي كل ما طابق حقيقة الإنسان مع قدرته الدائمة للتضحية بالنفس من أجل المبدأ الأعلى. مما جعلها ترمي بعالم الإنسان الفردي إلى ما كان يترادف في الذاكرة التاريخية لأسلافها ببعد عاد وثمود. انطلاقاً من أن الله نفسه قد اشترى من المؤمنين أنفسهم. ولهذا لم تتحسس الخوارج واقع هذه العلاقة بمعايير التجارة القرشية، بل بمعيار من إذا دعاه الأجل كان من فرسانه. فقد غيّبت الذات الإنسانية وراء فعل المبدأ، ورفعت الأخير إلى مصاف المطلق. وهو كل ما نعثر عليه في غلوّهم حتى منعوا تحكيم الرجال!! أما تاريخياً فقد كان فعل الخوارج في مسعاه الأخلاقي- العملي لإعادة لحمة الذات للفرد والجماعة، هو مسعى التجزئة العميقة في صيرورة الروح الثقافي. ولهذا رفعت الكل الأخلاقي وطابقته في الوقت نفسه مع ميدان معاركها الجسدية.

بينما عمّقت الشيعة هذه العملية من خلال رفعها الإنسان وشأنه إلى مصاف المطلق الإلهي. بتركيزه بالإمام والأئمة. بمعنى تعميقها للروح الأخلاقي، ولكن في عالم السياسة. فقد انتقدت هي الأخرى، شأن الخوارج، رذائل العقل الماكر، ولكنها استعاضت عنه ببدائل العصمة الإمامية. غير أنها لم تطابق هذه العصمة مع جدوى معاركها المباشرة، رغم تضحياتها الجسام وضراوة غلوها الفكري في أفعالها، بل مع روحانية العصمة الإمامية. وبهذا تكون قد عمّقت مكونات الفكر الإسلامي في مواقفها من الإنسان، رغم انزوائها العميق في خيالات الباطنية وفرضياتها المقدسة عن أخطاء الأدلة والبراهين (العقلية). ولهذا بحثت في أعيان الموجودات وصيرورة الأكوان عما يؤيد فرضياتها عن حقيقة الإنسان – الإمام. بحيث نظرت إليه كما لو أنه الذروة الحاكمة والمحكومة فيه. ودفعت بعالمه إلى نهايته اللامتناهية لكي تكتشف في هذه المفارقة اللامنطقية منطق الوحدة المعقولة في باطنية التأويل وتجسيدها الأمثل في الإنسان – الإمام، باعتباره البؤرة الروحية المشعة لحقائق الكلّ الإلهي- الإنساني. وهي الصيغة الموازية في حوافزها ومظاهرها لما في قطبية الصوفية، رغم اختلافهما الهائل.

ساهمت المدارس العقلانية واللاعقلانية جميعاً في بناء الهيكل الثقافي الإسلامي لملامح الإنسان النموذجي كما جسدته مدارس الكلام والفلسفة والتصوف، تماماً بالقدر الذي تزاحمت في صيرورته أذواق العلوم وقيمها من لغة وأدب، وطب وفلك. وكل ما تداخل في مكونات الرؤية المتراكمة عن حقيقة الإنسان وإشكالات وجوده التاريخي والميتافيزيقي. فقد أبرزت المعتزلة قيمة العقل والفعل في الإنسان، بينما شددت الأشعرية على شمولية القدرة الإلهية وماهية الإنسان الفاعلة في وحدانية الفعل المكتسبة، في حين وّحدت الفلاسفة تصورات الكلام وعمقت أحكامه في منطقها عن الوجود والميتافيزيقيا والنفس الإنسانية، بينما ولع الفقه في ربط الإنسان بحقوق العادات. في حين بعثر الشعر والأدب عواطف الإنسان ووّحدها في ديوان هجائه ومديحه، ووصفه وغزله. بينما دوّن التاريخ صعوده وإخفاقه، خيره وشره، فضائله ورذائله، حكمته وجهالاته، قدرته وعجزه، ونشرها على حبال القضاء والقدر تارة وعلى إرادته تارة أخرى. وأرّخ للأخلاق والروح في السياسة، وروحن التاريخ وأخلقه في الوعي والذاكرة. ووراء كل ذلك تلألأت عوالم الإنسان المتشظية، التي أعطى لها المتصوفة وحدة البريق الخاطف للروح في الجسد، والخالد في العابر. ولم يكن ذلك معزولا عن انطلاقهم من كل ما هو عرضة للزوال، والبحث فيه عن آن الأبد، باعتباره تجلياً لوحدانية الحق. مما حدد بدوره قواعد سلوكهم الأولية في قلب معايير الآن الزائل (الأجل) واكتشاف حقيقة الحق. ومن هنا مخالفتهم للنفس وتذليلهم للأعراض والأعواض والعوائق والعلائق من خلال تحويلهم المساعي العملية الأخلاقية صوب إدراك معنى العظمة في المذلة، والغنى في الفقر، والمعرفة في الجهل، والقوة في الضعف. لكنهم وضعوا قواعد سلوكهم في مخالفة النفس أمام حاكمية المطلق ومعاييره الدائمة. ولم يسعوا من وراء ذلك لتذليل جانب ما معين على حساب آخر، بل في وحدة الكلّ.

وقف الغزالي أمام هذه الحصيلة، كما هو جليّ في (المنقذ من الضلال). فهو يشير إلى أنه وقف وقفة الشجاع الجسور أمام التنوع الهائل لإبداع ثقافة الخلافة في قرونها الخمسة السابقة له في تصوراتها وأحكامها عن الإنسان وعالمه الاجتماعي السياسي والأخلاقي. ولم تعن شجاعته الجسورة تحدياً ما معنوياً لإنجازاتها، بل وتأثراً عميقاً لما في كلّها الفكري. وبهذا تكون قد تضمنت العناصر الأساسية للوجود والمعرفة كآنيات دائمة. إذ ليس الوجود الحقيقي والمعرفي، أو الجمال والكمال الحقيقيين سوى التجلي الحقيقي للأخلاق المطلقة ومثالها في الله. وهو المعيار الذي قاس به ماهية الإنسان وغاية وجوده.

ومما هو جدير بالاهتمام هنا كون الغزالي لم يتطرق إلى قضايا الإنسان إلا في مرحلة تصوفه. إذ لا نعثر على مواقف واضحة له بهذا الصدد للمرة الأولى إلا في (ميزان العمل). أما (إحياء علوم الدين) فقد كان في جوهره وغايته هو إحياء الإنسان والأمة في إدراكهما لحقائق وجودهما المادي والمعنوي، المعرفي والأخلاقي. وإذا كانت (عاداته) و(عبادته) (الأرباع الضرورية لوجوده المادي، فإن (مهلكاته) و(منجياته) هي الأرباع المكملة لوجوده الروحي.

فهو يشير في (ميزان العمل) إلى أن الإنسان على صغر حجمه جمع في ذاته ما يكاد يوازي عجائب كل الدنيا، حتى كأنه نسخة مختصرة من هيئة العالم[5]. وبغض النظر عن أنه لم يطابق بينهما، إلا أن للمقارنة مقدماتها المنطقية في نظرته عن كمال المخلوقات في الإنسان وحقيقة الرحمة الإلهية السارية في الوجود، أي إبداع كل ما هو موجود على أفضل كمال. إذ لا يمكن لحقائق الكمال أن تتباين في حالة إدراكها الحق. من هنا تأسيسه النظري العميق لمعرفة النفس باعتبارها أسلوب معرفة الله والعالم.

إن الشبه القائم بين الإنسان والعالم، حسب نظر الغزالي، يقوم في كل شيء. فرأسه مشابه لسماء العالم من حيث أن كل ما علا فهو سماء. وحواس الإنسان تشبه الكواكب والنجوم من حيث أن الأخيرة أجسام مشعة تستمد نورها من نور الشمس فتضيء بها. وأن الحواس هي الأخرى أجسام لطيفة تستمد من الروح أضواءها فتضيء سلك المدركات. وروح الإنسان تشبه الشمس. فضياء العالم ونوره وحياة الحيوان والنبات تظهر بمساعدة الشمس وفضلها، وكذلك روح الإنسان، به يحصل ظاهر نمو أجزاء بدنه ونبات شعره وحلول حياته. وإذا كانت الشمس وسط العالم تطلع في النهار وتغيب في الليل، فكذلك الروح موقعها وسط جسم الإنسان، تغيب بالنوم وتطلع باليقظة. ونفس الإنسان تشابه القمر من حيث أن القمر يستمد من الشمس، وكذلك النفس تستمد من الروح. والقمر خالف الشمس والروح خالف للنفس. والقمر والنفس آيات ممحوة، ومحو القمر في أن لا يكون ضياؤه منه، أما محو النفس فيكون في أن ليس عقلها منها. ويعتري الشمس والقمر خسوف وكسوف، والروح وسائر الحيوان غيبوبة وذهول. وإذا كان في العالم نبات وأنهار وجبال وحيوان، ففي الإنسان نبات هو شعره، وأنهار هي عروقه ودمه، وجبال هي عظامه، وحيوان هي هوام جسمه[6].

وعلى الرغم من إدراكه لظاهرية هذه المقارنة، إلا أنه وجد فيها تشبيهاً لذوي العقول ومعنى منعه عن الاستفاضة به واقع، إنه "لما كانت أجزاء العالم كثيرة، ومنها ما هي لنا غير معروفة ولا معلومة، لذا كان في استقصاء مقابله جميعها تطويل"[7]. ومع ذلك لم يقف الغزالي عند حدود المقارنة الظاهرية بين العالم والإنسان. ولهذا أوّل الحديث (الموضوع) القائل بأن "الله خلق آدم على صورته" بالصيغة التي جعل من الضمير في صورته صورة العالم الأكبر بجملته[8]. وبهذا المعنى يكون آدم (الإنسان) مخلوقاً على مضاهاة صورة العالم الأكبر، ولكنه مختصر صغير. ولم يعد هذا الاختصار نسخة وجودية خالصة فحسب، بل ومعرفية أيضاً.  وهي المشابهة المعقولة في حالة النظر إلى قسمة الإنسان والعالم بمفاهيم الظاهر والباطن، والمحسوس والمعقول، والملك والملكوت والجبروت، والمحسوس والمعقول وتوليفهما.

فقد قّسم الغزالي العالم إلى ما هو ظاهر وهو عالم الملك (عالم المادة المحسوس) وإلى ما هو باطن وهو عالم الملكوت (عالم المعقول والحدس). وينطبق هذا بالقدر ذاته على الإنسان من حيث انقسامه إلى ما هو ظاهر محسوس كالعظم واللحم وسائر جوارحه المحسوسة، وإلى ما هو باطن كالروح والعقل والعلم والإرادة والقدرة وما شابه ذلك. وإذا كان العالم ينقسم بقسمة أخرى إلى عالم الملك (الظاهري المحسوس) وعالم الملكوت (الباطن المعقول)  وعالم الجبروت (الوسط التوليفي بينهما أو المركب)، فإن الإنسان ينقسم هو الآخر إلى ما هو محسوس مشابه لعالم الملك (كاللحم والعظم) وما هو معقول مشابه لعالم الملكوت (كالعقل والروح) وإلى ما هو وسط توليفي ومرّكب مثل الإدراكات الموجودة في الحواس والقوى الموجودة في أجزائه[9].

وقد فسحت فكرته هذه عن مشابهة الإنسان للعالم والعالم للإنسان، المجال ضمنياً أمام بلورة العناصر الجوهرية لنظرية الإنسان الكامل. حقيقة إن الغزالي لم يصغ هذه الفكرة في منظومة واضحة المعالم لها أسسها المستقلة، لكنه سعى لكشف العلاقة الجوهرية بين الإنسان والعالم من خلال تشريحهما الوجودي، عبر  وضعهما في علاقة التداخل الضرورية، أي تحول الإنسان إلى جزء من العالم، تماماً بالقدر الذي كان هو بحد ذاته عالماً صغيراً محاكياً للعالم الأكبر. ذلك يعني، أنه لم يؤكد على تطابقهما أو أن أحدهما هو هو نفسه. الأمر الذي تضمن في ذاته إمكانية تعميق المعرفة الذاتية باعتبارها وسيلة إدراك العالم كما هو، وإمكانية مطابقتهما الوجودية والمعرفية. وقد سار الغزالي  ضمن سياق الاتجاه الأول، بينما سيسير ابن عربي والجيلي لاحقاً ضمن سياق  الاتجاه الثاني.  غير أننا نعثر عنده أيضا على هذين الاتجاهين بأقدار متفاوتة من الانضباط والترابط المنطقيين.  بمعنى أنه لم يدفعهما إلى النهاية بهيئة منظومات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه. بمعنى ربطه في كل واحد العالم والإنسان في تشابههما الوجودي والمعرفي، كما هو جلي في مقارنته بين الظاهر والباطن والمحسوس والمعقول، وثلاثية الملك والملكوت والجبروت في العالم والإنسان، وبين فكرته عن أنه ليس بالإمكان إبداع أفضل من صورة هذا العالم.

فإذا كان العالم بنظره هو صورة الكمال، انطلاقاً من أنه لا أظهر من الوجود وجوداً وكمالاً، وأن الإنسان يحاكي في مكوناته ووجوده مكونات العالم ووجوده، لهذا فإنه يحمل في ذاته صورة الكمال. بمعنى كماله الوجودي، باعتباره وجوداً أو الكمال في ذاته، والذي لا يمكن إدراكه دون معرفة حقيقته كما هي.

وبهذا يكون الغزالي قد وحّد في آن واحد  الطابع الوجودي والمعرفي في الإنسان، ولكنه غلّب الثاني على الأول في الأخلاق. ففي الأخلاق يتمايز الإنسان عن الطبيعة، بسبب ما فيه من عالم الروح الإلهي أو الأمر الرباني. أما الوحدة القائمة بين الإنسان والعالم، فإنها لا تلغي التباين في درجات الكمال. على العكس. إنها تستلزمه في إطار وحدته انطلاقاً من أن لكل شيء كماله الخاص به. وكمال العالم في وجوده، بينما الإنسان في معرفته. وكلاهما يؤديان إلى الإقرار بوحدة الكلّ، باعتباره إبداعاً لله. فهي المعرفة السائرة من العالم إلى النفس، ومن النفس إلى العالم، ومنهما إلى الكلّ، ومنه إلى الله. وأدى هذا الاستنتاج بالغزالي إلى مهمة البحث عن أخلاق التجانس وتأسيسه في علاقة الإنسان بالله، أو معالم المطلق الأخلاقي، باعتبارها الصيغة الأكثر تجريداً لهذه العلاقة. لهذا السبب وقف موقف المعارض من نزعة التشبيه التي حاولت الحشوية دسّه في تأويلها للحديث القائل بأن الله خلق آدم على صورته، من خلال إبراز تشابه الصفات أو نفيها. بمعنى وقوفه في آن واحد ضد إمكانيات الحلول والتجسيم أو التعطيل، أي نفي الصفات. وهي الفكرة التي حاولت أن تكشف عما هو مشترك بين الله والإنسان استناداً إلى الصفات الإلهية التقليدية بالنسبة للكلام الإسلامي عن قدرة الله وسمعه وبصره وعلمه وإرادته وكلامه وحياته، تماماً كما أن للإنسان قدرة وإرادة وسمع وبصر وإرادة وكلام وحياة. حيث وجد فيها عجزاً عن رؤية وإدراك ما أسماه بحقيقة النسبة. لهذا أكد في (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) على أن كون هذه الصفات جميعاً موجودة عند الله والإنسان، لا تستلزم المماثلة والتشبيه. إذ لو كان الأمر كذلك لكان الجميع مشبّهة، إذ لا أقلّ من إثبات المشاركة في الوجود[10].

وبهذا المعنى يكون الغزالي قد فسح المجال أمام الاعتراف الجزئي بمشابهة الإنسان لله. لكنه  تشابه اللفظ لا الحقيقة والمعنى. فإذا كانت صورة الإنسان محسوسة مكنونة مخلوقة مقدّرة بالفعل، فإنها لله مضافة باللفظ. وقد أدرك ما في هذه العبارة من إمكانية مؤدية لنفي الصفات، من هنا تشديده على أن مقصده ليس نفي الصفات، بل الإشارة إلى التباين ما بين الصورتين بأبعد وجوه الإمكان[11]. انطلاقاً من أنه ليس لله صورة على أية حال. وبالتالي  لا تعني خلقه الإنسان على صورته إلا ما سبق للشبلي وأن عبّر عنه بعبارة "خلقه على الأسماء والصفات لا على الذات". وهي الفكرة التي عمّق في (مشكاة الأنوار) بعض ما وضعه في (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)  عن إمكانية بلوغ الإنسان لمرتبة الملائكة، استناداً إلى رقيه المعرفي وسموه الأخلاقي. بمعنى إمكانية الاقتراب غير المتناهي للإنسان من الله. وهي ذاتها عملية ارتقاء الإنسان من عالم الحس إلى عالم العقل المجرد[12]. وهي العملية التي تكشف عن نماذجها غير المتناهية التي لا يخلو أي منها عن محاكاة لا ترتقي إلى ذروة المساوقة، ولكنها تفطننا إلى إدراك معنى وحقيقة القول المأثور بأن الله خلق آدم على صورته[13]، أي كل ما سيضعه في شروحه للأسماء الإلهية في (المقصد الاسمى في شرح أسماء الله الحسنى).

مما سبق يبدو واضحاً، بأن تشديد الغزالي كان منصباً على رفض الحشوية المباشرة وغير المباشرة. ولهذا السبب رفض التأويلات التي قدمها ابن قتيبة في فكرته القائلة، بأنه "صورة لا كالصور"، لأنه وجد فيها تناقضاً من حيث الأسلوب والغاية. فقد كان بحث الغزالي يسير في اتجاه الكشف عما أسماه بحقيقة المعنى في حقيقة النسبة المعقولة. إذ لولاها لكان من الصعب على الإنسان معرفة الله ومعرفة العالم، انطلاقاً من أنه لا يعرف الشبيه إلا الشبيه. في حين أن الشبه القائم بين الإنسان والطبيعة، الظاهر والباطن، المحسوس والمعقول، هو الأسلوب الضروري لوجود الأشياء وحالاتها. بينما لا حالة محددة لله. وبهذا يكون قد حاول حل إشكالية المنطق الثنائية من خلال تذويبها في وحدة العابر والمطلق في عملية المعرفة والأخلاق. فهي الحالة التي تحل ّفي ذاتها إشكاليات الثنائيات المذكورة أعلاه، من خلال تحويل وجود الإنسان إلى الوسط الحقيقي، أو الجبروت القائم بين الملك والملكوت. استناداً إلى فكرته القائلة بأن الإنسان هو في آن واحد نسخة مختصرة من هيئة العالم، يتوصل من خلال تأملها ومعرفتها إلى معرفة الله. أما في منظومة الوجود ككل، فإنه يمثل رتبة ما بين البهيمة والملك[14]. بمعنى وجوده الدائم بين العوالم المادية والروحية، العابرة والخالدة، والتي يمكن توحيد حقيقتها بحقيقته في المعرفة المتخلِّقة بأخلاق الله، أو ما أسماه أحياناً بالمشاركة.

فهو يؤكد في (ميزان العمل) على أن للإنسان جملة من الصفات والقوى المشابهة للبهيمة. وفي مظهره لا يختلف كثيراً عما هو في الطبيعة. إلا أن ما يميزه عنها هو خاصية العقل ودرك حقائق الأشياء.. وبهذا المعنى، فإنه يشبه الملائكة. وهي الصيغة التي تجعله قادراً وجديراً بأن يسمى ملكاً وربانياً[15]. فالملك في نهاية المطاف هو "عبارة عن موجود لا يؤثر القرب والبعد في إدراكه، بل لا يقتصر إدراكه على ما يتصور فيه القرب والبعد. إذ القرب والبعد يتصور على الأجسام"[16]. إضافة لذلك أن الملك منزّه عن الشهوة والغضب. وإن دواعيه الدائمة هو التقرب الى الله[17]. وقد تطابقت هذه الفكرة في آرائه مع نظرته لحقيقة العقل أو المعرفة الأخلاقية المجردة. في حين أن الإنسان هو الكيان المتوسط بين هاتين الدرجتين، كما لو أنه "مرَّكب من بهيمية وملكية"[18].  وإذا كانت الصفات البهيمية هي الطاغية على الإنسان في بدايته، فلأنها النتيجة الطبيعية لسيطرة الحواس بفعل كونها وسيلة بلوغه المحسوس والقرب منه. أما تطوره اللاحق، فإنه يتوافق مع إمكانية بلوغه الأشياء الملموسة والمجردة بالعقل دون البدن والأعضاء. آنذاك يكون كالملائكة في إدراكها الأمور المقدسة عن قبول القرب والبعد بالمكان، أي إدراك الأمور العقلية كما هي. فإذا كانت خاصية الحياة هي "الإدراك والعقل"، وإليهما يتطرق النقصان والتوسط والكمال، لهذا كان التشبه بهاتين الخاصتين (الإدراك والعقل) يعني الاقتراب من الملائكة والابتعاد عن البهيمية. وبما أن الملك قريب من الله، فإن القريب من القريب قريب[19]، أي بلوغ تلك الحالة المعرفية الأخلاقية، التي تجعل الإنسان مشاركاً لله في أوصافه لا مماثلاً له. إذ لا مماثلة لله، لأنه ليس كمثله شيء. وبالتالي فإن بلوغ الإنسان درجة المشاركة لا تعني المماثلة ولا تستلزمها. انطلاقاً من أن المشاركة لا تستلزم المماثلة. فالأضداد تتشارك ولا تتماثل، كما هو الحال بالنسبة للسواد والبياض في اللون. فالمشاركة خارجة عن الماهية، بينما المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية[20].

وقد فسح ذلك المجال أمام الغزالي لتدقيق أفكاره السابقة وتعميقها. إذ أخذ يركز أكثر فأكثر على الطابع المعرفي الأخلاقي للتشابه استناداً إلى عدم تناهي الصفات والأسماء الإلهية بالنسبة للعارف في مساعيه صوب الحق. وهي الفكرة التي عبّر عنها في (مشكاة الأنوار) على مثال الترقي في منازل العارفين. إنه حاول الكشف عن أن الصورة الإلهية هي مثال وحدة القلم واللوح واليد والكتاب في ترتيبها المنظوم. ولا يعني ذلك في اصطلاحات الصوفية سوى وحدة المعرفة في تجلياتها الحسية البسيطة وصيغتها العقلية المعقدة في إدراكها لوحدة العالم ونظامه المرتب وشبهه بالإنسان. لهذا أكد على أنه إن "كان يوجد للصورة الإنسية ترتيب منظوم على هذه الشاكلة (وحدة ترتيب القلم واللوح واليد في مثال الصورة) فهي على صورة الرحمن[21]. في حين ضمّن مفهوم الرحمة في الرحمن في أولى درجاتها "العطف على العباد بالإيجاد"[22]، أي الوجود الذي يمتلك وحدته في الكمون باعتباره مقدمة إدراك حقيقة الكلّ. مما جعله يضع للمرة الأولى فكرة الكون الجامع في الإنسان. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأن "الله أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع ما في العالم، حتى كأنه نسخة ما في العالم، أو هو نسخة العالم ولكن بشكل مختصر"[23]. وهي الصورة المختصرة الجامعة المكتوبة "بالخط الإلهي"، أي وجودها به وظهور آثاره وفعله بها، باعتبارها رحمة. إذ لولاها لعجز الآدمي "عن معرفة ربه. إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه. فلما كان هذا من آثار الرحمن، كان على صورة الرحمن، لا على صورة الله"[24]. ولم يتعد الغزالي هنا ما سبق وأن بلوره في آرائه السابقة. كل ما في الأمر، أنه بحث عن مستويات جديدة تعكس ذات الفكرة الجوهرية، التي حاول البرهنة عليها. إنه أراد حصر المسألة بين الوجود واللانهاية، والخلافة والمطلق، والسّر واليقين، والفطرة والحق. وبالتالي سعى صوب المطلق بالصيغة التي جعل منه معيار العلم والعمل الأخلاقيين. فإذا كان الإنسان هو الكون الجامع في مقارنته ومشابهته للوجود، فإنه يكون بذلك قد تضمن في ذاته ووجوده صورة الرحمن الإلهية غير المتناهية، أو كل ما يتطابق في نهاية المطاف مع معرفة الله والسعادة الأبدية. وبما أنه الكون الجامع في وجوده، فإنه الموِّحد في ذاته للعالم العلوي والسفلي، أو عالم الملائكة (المعرفة) والبهيمة (النفس الحيوانية)، أو وحدة الإنساني والحيواني (النفسي البهيمي والمعرفي العقلي). وذلك لأنه بالنور الإنساني السفلي، كما يقول الغزالي، "ظهر نظام العالم السفلي"[25]. وهو المقصود به بعبارة إن "الإنسان خليفة الله في أرضه" كما في الآيات (وهو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)[26]، و(يستخلفنهم في الأرض)[27]، و(يجعلكم خلفاء الأرض)[28]، و(إني جاعل في الأرض خليفة)[29].(يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] القرآن: سورة الاعراف، الاية11.

[2]  القرآن: سورة الانعام، الاية 2.

[3] القرآن: سورة المؤمنون، الاية 115.

[4] القرآن: سورة الاسراء، الاية 70.

[5] الغزالي: ميزان العمل، ص25.

[6] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء، ص31-32.

[7] المصدر السابق، ص32.

[8] المصدر السابق، ص38.

[9] المصدر السابق، ص38-39.

[10] الغزالي: المقصد الاسمى في شرح أسماء الله الحسنى، ص 49.

[11] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء، ص32.

[12] الغزالي: المقصد الاسمى في شرح أسماء الله الحسنى، ص48؛ مشكاة الأنوار، ص49.

[13] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص49.

[14] الغزالي: ميزان العمل، ص25، 30.

[15] الغزالي: ميزان العمل، ص31.

[16] الغزالي: المقصد الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، ص47-48.

[17] الغزالي: المقصد الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، ص48.

[18] الغزالي: المقصد الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، ص48.

[19] الغزالي: المقصد الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، ص48.

[20] الغزالي: المقصد الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، ص48-49.

[21] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص98-99.

[22] الغزالي: المقصد الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، ص63.

[23] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص99.

[24] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص99.

[25] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص77-78.

[26] القرآن: سورة هود، الابة61.

[27] القرآن: سورة النور، الاية55.

[28] القرآن: سورة النمل، الاية62.

[29]  القرآن: سورة البقرة، الاية30.

 

 

محمد بنيعيشمن خصوصيات الدين الإسلامي الحنيف أنه يجمع بين تلازم العقيدة والعبادة والسلوك في صياغة بعده التوحيدي الشامل والخالص، وذلك في معطاه النصي المؤسس للمعطى الواقعي العملي، مما يترتب عنه توحيد البنية والوظيفة في كيان الإنسان ووجدانه كوسيلة لمنع أي تناقض بين عناصره الجوهرية والعرضية وبالتالي تحقيق الانسجام الذاتي الذي سيؤدي لا محالة إلى الانسجام الموضوعي والحركي بشتى أبعاده وصوره سواء كان فرديا أو جماعيا أو كونيا أو كيانيا.

غير أن هذا المفهوم التوحيدي الشامل الذي قصده الدين الإسلامي في معطاه النصي قد يجد لدى بعض المنتمين إلى الأمة الإسلامية من مثقفين ومتصدرين للدعوة نوعا من القصور النظري عن طرح الجانب التعبدي في ارتباطه بالجانب السلوكي والدعوي وغيره من السلوكات العملية والعقدية على مستوى وحدة الغاية والتلازم الموضوعي بين هذه العناصر مجتمعة.

وهذا القصور قد ينحو بالبعض إلى التعامل مع موضوع ذكر الله بصفة خاصة والعبادات بصفة عامة تعاملا ضيقا ومن وجهات نظر تنم عن خلفيات تلتبس فيها الذاتية بالموضوعية والقصدية بالعفوية... الشيء الذي يؤدي إلى إهدار فعالية الشعائر التعبدية في الإسلام وسلخ مفهوم القدوة و الائتساء السلوكي طابعه الحقيقي، وبالتالي إحداث شرخ في مفهوم التوحيد بالمعنى الإسلامي الخالص.

ومن هنا فقد نجد مواقف متضاربة من الشعائر التعبدية وأبعادها في الإسلام وخـاصة جـانب ذكـر الله تعالى، وهي مواقف متأرجحة ما بين الإفراط الناجم عن إصباغ الطابع المادي أو الوضعي وتغليبه في فهم الأحكام الشرعية وأبعادها التوحيدية وما بين التفريط المترتب عن تضييق الوظيفة التعبدية في دائرة متداولة ربما لا يراعى فيها الروح الإسلامي وعمقه المعرفي والسلوكي بشقيه الظاهري و الباطني مما ترتب عن هذين الإتجاهين على أقل تقدير أن كلا طرفي قصد الأمور ذميم ألا وهما: الإفراط والتفريط.

1) التحجير المادي لأبعاد العبادات:

فالممثلون لجانب الإفراط قد حولوا العلوم الإسلامية بل العمل الإسلامي بصفة شاملة وخاصة في العصور المتأخرة إلى مفهوم مادي أرضي لا يكاد يرتقي إلى ما فوق الغلاف الجوي للكرة الأرضية.

فقد أضفوا على العلوم الإسلامية طابعا تقنينيا جافا لا تراعى فيه سوى حقوق الأشخاص العينيين والهيكليين لا غير، ولا ينظر إلى آثارها إلا من وجهة بدنية صحية واجتماعية تنافعية واقتصادية نقدية وسياسية سلطوية... إلخ. إلى أن أضحت العلوم الإسلامية محل المقارنة والمزايدة بينها وبين العلوم الوضعية إنسانية كانت أم مادية تجريبية.. إلخ. وبالتالي تسرب هذا المفهوم إلى إسقاطه على الشعائر التعبدية، فاعتبرت الصلاة من هذا المنظور رياضة بدنية، والحج كذلك استجماما سنويا وسياحة بالإضافة إلى بعده الإنساني في التواصل وتبادل المنافع وخاصة التجارية والاقتصادية.

أما الزكاة فإنها لا تكاد تخرج عن تصوير واحد منحصر في بعدها الاقتصادي النقدي لا غير، وأما الصيام فإنه يغلب عليه الطابع الصحي البدني ويصاغ بمرادف مادي يكاد ينحصر في الحمية وتربية الأمعاء.. إلخ. أما موضوع ذكر الله بمفهوم تكرار اللفظ والتركيز على معناه فإنه إما أن لا يجد اهتماما بالمرة وإما أن ينظر إليه بصورة مادية هو الآخر وذلك بالمقارنة بين إجراءات الذاكرين الله من المسلمين وبعض أساليب العمل المادي الرياضـي في شعـائر الهـنود أو الصينييـن وغيـرهم من شعـوب آسـيا كـاليوغا  والايحاء الذاتي وغيرهما من الرياضات المتأسسة على التركيز الذهني (لا الروحي) والتحديد البصري والجسدي بصفة عامة لضبط الانفعالات، أو للقيام ببعض الأعمال البهلوانية التي قد تعتبر توهما في نظر الهاوين لها من خوارق العادات ومن أعمال الروح، بينما هي ليست سوى نتيجة رياضة بدنية وذهنية لتقوية الإرادة ولا علاقة لها بالروح ألبته : « قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا».

وعلى هذه الوتيرة تستمر بعض التفاسير في إسقاطاتها وجراءتها على أحكام العبادات في الإسلام حتى ليكادوا يصورون الدين في صيغة شبه علمانية، لا علاقة للمعتنق له بالغيب ولا بالعمل الروحي إلا من باب التسليم المبدئي بأصل الدين في كليته مع إقصاء هذا الجانب بصورة شبه كلية من حساباتهم العلمية وتعليلاتهم بدعوى المعاصرة والموضوعية الوضعية وما إلى ذلك من المبررات الزائفة والمنمة عن عجز في الإدراك الموضوعي لأبعاد العبادات في الإسلام وبالتالي عن عجز في مواجهة التمويهات المعادية للإسلام بعقيدته وعبادته وحدوده... حتى أن البعض قد يلجئون إلى التضحية بالمعاني الدينية لحساب مفاهيمهم الضيقة وعجزهم الفكري.

ولربما قد يذهب البعض إلى بتر الآيات قصدا أو اقتصارا أو إهمالا وذلك بعرضها مفصولة عن طابعها الروحي وشرط صحة أو كمال أبعادها. كما نجد مثلا لدى بعض الكتاب المسلمين عند عرض هذه الآية محور هذا الموضوع وهو قول الله تعالى: « لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كـان يرجـو الله واليوم الآخر وذكر اللــه كثيرا».إذ يتم عرض الآية للاستشهاد على ضرورة الائتســاء برســول اللـه وشروطه دون إكمـال الآية  بقول الله تعالى « وذكر الله كثيرا». وكأن هذه الجملة من الآية مجرد نفل من القول أو زيادة لا محل لها من الإعراب جل كلام الله تعالى في أن يظن به هذا.

2) التضييق اللغوي لمجال العبادات:

أما التفريط المترتب عن تضييق الوظيفة التعبدية وحصرها في المبنى اللغوي التداولي فهو ما نجده عند بعض أصحاب الاتجاهات التي تدعي الأصولية أو السلفية، إذ رغم تعاملهم مع الدين بدعوى الاتباع الحرفي للنصوص الدينية والتسليم الإيماني، فإنهم يحصرون مالم يرد فيه حصر ويقتصرون على مالم ينص عليه الدين بقصر. ومن هنا يعطون للشعائر التعبدية صورا سطحية وتفسيرات لفظية عرفية أكثر منها مفاهيم دينية إسلامية لها خصوصياتها وطابعها الروحي وبعدها الغيبي، وذلك بالاهتمام بظاهر الشعائر دون أبعادها وبواطنها وبحرفياتها دون معانيها وهكذا، حتى قد يتم المزج بين العبادة الواجبة والمستحبة في حكم واحد. فيسقطون أحكام الفرض على أحكام النافلة، ويقيدون هذه الأخيرة تقييدا لم يرد به نص ولم يرد به قطع، إذ أغلب الأعمال التي تدخل في دائرة النوافل هي من خبر الآحاد وتختلف الروايات في تحديد صيغها وأعدادها وأركانها ومددها بما يجعلها في بعض الأحيان تدخل في حكم ظني الثبوت حسب اصطلاح المحدثين.

ورغم هذا فقد يصدر البعض من المسلمين فتاوى مضيقة لعمل النوافل بدعوى أن لا اجتهاد في العبادات، وأن لا نوافل إلا ماورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولاصيغة للأذكار والأدعية إلا ما رواه عنه الصحابة رضوان الله عليهم. وهذه دعاوي حق أريد بها تضييق مجالاته، إذ أنه لم يرد في القرآن الكريم أو السنة النبوية نص يحصر الأذكار والأدعية في صيغة معينة لايجوز تجاوزها. اللهم إلا ما كـان مـن تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلـم عليـه للحيلول دون تغيير معنى كلامه وإعجاز بلاغته.

كتصحيحه لنقل الصحابي عنه مباشـرة دعـاء الـنوم عـند قوله - أي الصحابي- « ورسولك الذي أرسلت» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم

« ونبيك الذي أرسلت» . وذلك لأن الصيغة الثانية أبلغ وأكثر دلالة وتحديدا لمعنى النبي والرسول في جملة واحدة.

كما أنه فيه إفادة علمية متلخصة في أنه لا وصول إلى مقام الرسالة إلا بعد الحصول على مقام النبوة وأن كل رسول نبي وليس العكس.

إذن يبقى الغالب على مسألة الذكر والدعوات الحرية في التعبير والصيغة مع مراعاة صحة المعنى وصدق النية. ولهذا فقد وردت الآيات الكثيرة و الأحاديث المفيدة للذكر بكل أسماء الله تعالى. كقوله تعالى: « ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها» وكذلك قوله: « قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى»، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدد صيغة الصلاة عليه إلا بعد مراجعته فيها، مما يعني فتح المجال للاجتهاد في صياغتها.

ولذلك وردت في عدة أحاديث بصيغ مختلفة بحسب الاقتضاء وحاجة المصلي عليه صلى الله عليه وسلم.

كما أنه لم يرد في نص قرآني أو حديثي إشارة أو دلالة أو اقتضاء يفيد بأنه لا يجوز التلفظ باسم «الله» بصورة مفردة أو إسم «هو». أو باقي أسماء الله الحسنى. كوسيلة تعبدية وسلوكية روحية، بل العكس هو الوارد كما رأينا إذ  أن صريح النص يدل على الذكر به إسما وضميرا وجملة.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

نعمان المغربيتبيّن من خلال جائحة الكورونا أن حقل الصحة (وحقل البيئة) حقل حاسم في تمكن الدولة وتمكن الطبقة وتمكن الجهة وتمكن الفرد، تماما كالحقل المَعَاشي والحقل الثقافي. بل إن الحقل القُوِّيّ متداخل مع تلك الحقول، بل في بعض الحالات (كحالة هذه الجائحة) حاسِمٌ ومُتحكم في بقية الحقول.

قبل تناول هذه المقولة عموديّا، في سورة ص، سنتناولها أفقيا بامتداد الفضاء القرآني.

1- ما «الحظّ» في النسقية القرآنية؟

- شبكة المقولة القرآنية:

- ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ. إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)﴾ (القصص، 79).

- ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء، 176).

- ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (المائدة، 14).

- محمول مقولة «الحظ»:

إنه «الوظيفة في سيرورة التسخير الاجتماعي. والوظيفة هي المرحلة الحركية الممتدة في الزمان والمكان المحددين، انطلاقا من التفكير في العمل الاجتماعي وصولاً إلى إنجازه» (محمد الصالح السباعي، مقدمة منهجية في النسقية القرآنية، مجمّع الأطرش، تونس، 2020، ص48).

أهم حظوظ الدفع الاجتماعي عند المفكر محمد الصالح السباعي: حظ الفكر (وحظ النِّسْيَان)، وحظ الكسب، وحظ الأمن، والحظ المَنكحي. ولكنه لم ينتبه مُطلقا إلى حظ التمكن الاجتماعي من الصحّة والقوة.

2- كيف يمكن أن نحدد مقولة حظ التمكن القُوِّيّ والصحي؟

- شبكة المقولة القرآنية:

1- ﴿اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (الروم، 54).

2- ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (...) تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ (الواقعة،71 و73).

3- ﴿كَالَّذينَ مِن قَبلِكُم كانوا أَشَدَّ مِنكُم قُوَّةً وَأَكثَرَ أَموالًا وَأَولادًا، فَاستَمتَعوا بِخَلاقِهِم فَاستَمتَعتُم بِخَلاقِكُم، كَمَا استَمتَعَ الَّذينَ مِن قَبلِكُم بِخَلاقِهِم وَخُضتُم كَالَّذي خاضوا. أُولـئِكَ حَبِطَت أَعمالُهُم﴾ (التوبة،69).

4- ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ (...)كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ (المنافقون،4).

5- ﴿وَلَولا إِذ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلتَ ما شاءَ اللَّـهُ لا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّـهِ﴾ (الكهف، 39).

6- ﴿ثُمَّ توبوا إِلَيهِ يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدرارًا وَيَزِدكُم قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُم وَلا تَتَوَلَّوا مُجرِمينَ﴾ (هود، 52).

7- ﴿وَما جَعَلناهُم [الأنبياء] جَسَدًا لا يَأكُلونَ﴾ (الأنبياء، 8).

8- ﴿قَالَ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (البقرة، 247).

9- ﴿يا يَحيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيناهُ الحُكمَ صَبِيًّا﴾ (مريم، 12).

10- ﴿قالَ لَو أَنَّ لي بِكُم قُوَّةً﴾ (هود، 80).

11- ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص، 34).

12- ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال، 60).

13- ﴿فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجًا؟ (...) قالَ ما مَكَّنّي فيهِ رَبّي خَيرٌ فَأَعينوني بِقُوَّةٍ﴾ (الكهف، 94 و95).

- محمول مقولة الحظ القُوِّيّ:

الحظ القُوِّيّ هو طاقة الامتداد الزماني والمكاني الجسدية. إنه مشروطٌ بالعُمُر (النشأة حق الشيبة)، وبطاقة التمكّن المَعَاشي والسياسيّ والعسكري والعُصْبويّ ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ (القصص، 72) / للدُّولة، الذي يُراكم «الخَلاَق» (=الخيرات المادّية) الإجرامي ببخس طاقة الكسب، أو بطاقة التمكن المَعَاشي والسياسي العَدْلي؛ وبالوضع البيئي (المطر، النار، الطهارة...)الذي لا يراكم «الخَرْج» وإنما يراكم القوة الفكرية (في العلم) والجسدية (بسطة في الجسم) «الأوّابة»، المستندة إلى المشيئة الإلهية والمشيئة الإنسانية.

فالجسم «الكُفْري» إنما هو جسم «زينة» (﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾) إعجابية-استخافية، أي مَظهرية، أمّا الجسم «النِّفاقي»، فهو جسمٌ «خشبي» مُسْنَد إلى المِلّة الاستكبارية التي تسْتزلِم لها وبها.

3- الصحة والمرض:

سرُّ الحياة، حسب القرآن الكريم كامن في الماء، «فهو أصل العناصر والأركان. ولذلك جعل الله تعالى ﴿مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾ (الأنبياء، 30)» (ابن عربي، فصوص الحِكم، دار المحجة البيضاء، بيروت، 2001، ص259).

إن أصل الإنسان بشر﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (سورة المؤمنون ،الآية 12)، ولكن هذا ليس دليل فخر أو دونية في ذاته، بل الأهم هو: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ﴾ (الحجرات، الآية 13). أما الكرامة الأصلية : ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، فمشروعية سجودها تعود إلى إمكانيات غير «معهودة» وضعها الله فيه.

وقد نص القرآن الكريم أن الله تعالى قد خلق الإنسان أصلا دون مرض أو اختلال :﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍۢ﴾، (سورة التين، الآية4) . ففي الأصل ليس هناك عمى أو صمم أو بكم: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ [كلكم جميعا دون استثناء]ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۖ ﴾،(سورة الملك،الآية 23) ، فليس هناك عمى أصيل، وإنما هناك عرض عمى:﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَٰرُ﴾،(سورة الحج، الآية46). فتسافل الصحة الإنسانية لأن البشر﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾، ،(سورة الملك، الآية 23) ، وهذا الفساد إنما هو ذو أصل بشري عارض:﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ﴾، (سورة الروم ، الآية41). وما على الذكاء الإنساني الطبي إلا أن يكتشف سبل تجاوز عرض العمى (وغيره من الاختلالات) حتى الولادي. فمن معاني ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء،الآية 80) أن الله تعالى جعل أسباب إرجاع التقويم متيسرة للذكاء الإنساني، إذ أن الإنسان ينبغي أن يأتم بالسببية: ﴿فأتبع[ذو القرنين] سببا﴾ (سورة الكهف، الآية85). وقد فسر الرسول صلى الله عليه وآله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ بقوليه: «لكل داء دواء» (رواه مسلم)، «أبى الله أن يجري الاشياء إلا بالأسباب» (رواه المجلسي، بحار الانوار). ذلك من مصاديق قوله تعالى: ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ﴾ (سورة ابراهيم ، الآية 34)، ومنه السؤال الطبي.

وعندما يقول الله تعالى لأيوب، المعتلّ، عليه السلام: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ. هَـذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (سورة ص، 42)، إنما هو كِناية عن كون الطب هو«النقص في الزائد، والزيادة في الناقص. والمقصود هو طلب الاعتدال، ولا سبيل إليه إلا أنَّه يقاربه» (ابن عربي، م. س، ص260).

فالاعتدال، يعني أن «الحقائق والشهود تعطي التكوين مع الأنفاس على الدوام. ولا يكون التكوين إلا عن ميل يسمّى في الطبيعة انحرافًا، أو تَعفينًا» (م. س، ص260).

ولذلك كان المرض، في سورة ص «شيطانًا»، لا بالمعنى الموجود في السّوَر الأخرى، فلكل سورة استقلالها الذاتي النِّسْبي. فالشيطان في اللغة العربية أصْلا مِن «الشَّطْن» وهو «الحبل الطويل الشديد الفُتَل» (ابن منظور، لسان العرب، مادة ش. ط. ن). فالمرض، هو ليٌّ، فَتْلٌ، وقَلْبٌ، لحالة الاعتدال (والشيطان الأخلاقيُّ، مِن الجن والإنس كذلك). وهذا «الشيطان» الملتبس بالجسد، يصيبُ ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (ص، 41).

ولم يكن الصبر عند أيوب (ع) مناقضا للشكوى إلى الله تعالى، «فإن الرضاء بالقضاء لا تَقْدح فيه الشكوى إلى الله، ولا إلى غيره» (م. س، ص263)، بل عليه «أن يتضرّع، ويسأل الله في إزالة ذلك عنه» (م. س، ص264). وبذلك «يصبح الافتقار [هو] حقيقتُك، فيرتفعُ عن الحق الأذى بسؤالك إيّاه في رفعه عنك» (م. س، ص264).

قاوم أيوب (ع) المرض بالوسائل الدُّعائية، وبإمكانيات الجسد (الركض...)، وبالوسائل الطبيعية التي وفّرها الله تعالى بالبيئة: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (ص، 42).

وبعد المرض، الذي أصاب كل الأهْل، حسب سورة ص، كان إتيان الجميع ما أتاهُ وليّهم (ع)، بل تضاعف عددهم بالتوالد عند استرجاعهم قواهم الجسدية: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (ص، 43). فالشافي الحقيقي هو الله تعالى، لأنه هو خالق تلك الأسباب الروحية والجسدية والبيئية. قال إبراهيم (ع)، في ما رواه عنه ربه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ .

آبَ «أيُّوبُ» إلى حياته الاجتماعية والعبادية الاعتيادية. وكما وَعَدَ ربّه بأنْ يشكره بمضاعفة حظوظه الجهادية، أخذ ﴿ضِغْثًا﴾، أي خليطًا من الوسائل الكدْحية، في المجاهدة والدعوة إلى الأخلاق الكريمة، ضَارِبَا به ﴿فِي الأَرْضِ﴾ التي بوّأها الله تعالى له (سوريا). كان ﴿نِعْمَ﴾ الصابر، وكان ﴿نِعْمَ﴾ الأوَّاب إلى الحياة الاعتيادية، فلم يَحْنِثْ في نَذْرِهِ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ [بالقدرة المتاحة لك] ضِغْثًا [خليطًا مِن الوسائل الروحانية والجسدية والبيئية والاجتماعية-التمكينية للجميع]، فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ. إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا [بالصبر على المرض وبالصبر على المجاهدة]. نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص، 44).

مع داود (ع)، نجد رجُلاً عارفًا ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ (ص، 17)، أي له يد القوة الفكرية ويد القوة الجسدية ويد القوة الروحانية، ويد القوة السياسية... فشدُّ مُلْكِهِ إنما كان بإتيانه ﴿الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (ص، 20)، إذ أن القوة الجسدية وحدها دون الحِكمة إنما تعني «إحباط الأعمال» (التوبة، 69) و«الخَشَبية» المُسْنَدَة إلى الاستكبار والمنافقة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ (...) كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ (المنافقون، 4)، ولذلك كانوا جبناء: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ (المنافقون، 4).

ولمّا ابتلاهُ ربُّهُ بمفاجأة تَسوُّر مَنْ هُمْ أقوياء لمسجده، آب هو أيضا إلى ربه، ونَذر أنْ يأخذ ﴿ضِغْثًا﴾ آخر ليُعدّ ما استطاع من قوة عِمَاريّة من أجل مقاومة الاستكبار المجاوِر لحِمى دولته. ثم ابتلاه ربّه، بأن جعله يعترف أن الحِكمة العدالية التي توصّل إليها يجب أن تكون كلَّ يوم في شأن، لتغير الأحوال والأزمان والأماكن والأشخاص: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ (ص، 26)، فمن ﴿الْهَوَى﴾ تعميم الأحكام كسلاً عن التفهم المتريّث. هنا خرّ أيوب ﴿رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص، 26) لكي يَعود إلى المجاهَدة مرة أخرى، بضِغْثٍ أنطولوجي واجتماعي مستجد.

وهذا سليمان (ع) أيضا، كان ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص، 30). فلقد ابتلاهُ الله تعالى بالصحة، فأنهك كيانه الذكائي والجسدي والروحي، في إعداد القوة الدفاعية تجاه إجرامية القوى الاستكبارية: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال، 60)، ضد الذين تولّوا (= حَكموا) ﴿مُجْرِمِينَ﴾ (هود، 52). فلمّا كان يستعرض أسلحته «الصَّافِنَة»، أي المسْتعدّة جدًّا (ص، الآية 31)، انشغل عن صلاة مستحبة بالعشيّ -دُونَ قَصْدٍ-. «فتألم ذلك، وطلب أن تُرَدَّ الخيلُ من جديد ليربت على سُوقِهَا وأعناقها لتسبيلها في سبيل الله تعالى، ويعوّض عن ما فاته بالجهاد، ويتقرّب إلى ربه أكثر فأكثر» (محمد علي التسخيري ومحمد سعيد النعماني، المختصر المفيد في تفسير القرآن المجيد، المجمّع العالمي للتقريب بين المذاهب، 2012، ص. 455).

وقد ابتلاه ربه بالمرض أيضا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص، 34). فطلب من الله تعالى أن «يَغْفِر» له هذا المرض (أن يمحوه) نادرًا أن يطوّرَ مُلْكَه مجتهدًا في أن يكون هو الأفضل -إن استطاع-، أي لن يَدَّخِرَ أي «يَـدٍ» من الأيدي الذاتية التي خلقه الله بها، ولا الأيدي الموضوعية المتوفرة له: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص، 35). وقد استطاع أن يهيمن على ﴿الشَّيَاطِين﴾ الموجودَة بحِمَوِيّته، أي كل «الحِبال» القالِبة لوضعية الاعتدال البيئي، ليجعلها «أَيْـدٍ» في الوضعيات السوية: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ (ص، 37)، أو ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ (ص، 38)، سَلْبًا (أو إفناءًا أو إيجابًا للأيدي الإجرامية)، حسب وضعيات تلك «الأَيْـدي» سابقًا. فلقد ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (الروم، 41)، والإصلاح البيئي يكون بسَوْق اعتداليّ ذكيّ جدًّا.

4- التكاثرية المؤدية إلى الجحيم البشري:

إن الفساد البيئي عكس «الاعتدال» البيئي. وهو نتيجة كَسْب الناس: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم، 41). وذلك نتيجة المراكمة من أجل المراكمة، والإنتاج من أجل الإنتاج (حالة مَنْ سيصبح بالتوجيه السَّلْماني والسليماني (بولاية المدائن)، والمحمدي-المهدوي: ﴿كُلُّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أو من أجل الإجرام: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [جسدية وعسكرية ومعاشية..] وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (الروم، 9).

وكلا الصّنفيْن «تكاثُريّون» أي إن «هدفهم التكثير لغرض التكثير» (التسخيري والنعْماني، م. س، ص600)، ﴿وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (الحج، 8). والتكاثرية بغاباتها الاستكبارية والبَخسية إنما تؤدي إلى «الفساد» البيئي والأمراض والأوبئة بسبب «إجرامية» الأيدي القُوِّيّة: ﴿فَأَرسَلنا عَلَيهِمُ الطّوفانَ وَالجَرادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ [مُهَدِّدَات] مُفَصَّلاتٍ. فَاستَكبَروا، وَكانوا قَومًا مُجرِمينَ﴾ (الأعراف، 133).

إنّ «التكاثرية» هي نقيض «الكوثرية»، فالأولى إجرامية القوة، والثانية إحيائية القوة (= يَحْيَوِيَّة) تأخذ الكتاب الوجودي بقوة علم اليقين وعين اليقين، وربما أيضا –في مرحلة من التكامل الإنساني- حق اليقين: ﴿يا يَحيى [أيها المستزيد في الحياة بالقوة المشيئية] خُذِ الكِتابَ [المعرفي والموضوعي] بِقُوَّةٍ [ضِغث الأيدي]﴾ (مريم، 12). والإثنى عشر خليفةً، هُمْ كلُّ ضِغثِ الرسولِ (ص)، الذين يَضرب بأيديهم في الأرض التي تُشرق بنور ربّها.

لقد ألهت التكاثرية البشر طويلاً، حتى وصلوا إلى «مقابر» كثيرة بسبب الأمراض والأوبئة والفساد البيئي الذي تسبّبَتْ فيه أيْديهم الكسبية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر، 1 و2). سيحاسبُ الله تعالى كل البشرية، وخاصة ﴿أَكابِرَ مُجرِميها﴾ (الأنعام، 123)، مِن أئمة الاستكبار، على كل ﴿النّعِيم﴾ الذي «كسبوه» من التكاثرية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر، 8)، فلقد أوصلوا البشرية إلى جَحيم مَعَاشي وصحّيّ فظيع، بسبب إفسادهم للطبيعة، فهنالك بالآخرة جحيمٌ بجحيمهم الذي اختلقوه في الدنيا: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (التكاثر، 6).

5- ترسيمات الشبكات المَقولية:

1896 تخطيط 1

- الترسيمة العامة للقوة

1896 تخطيط 2

- ترسيمة القوة الإجرامية

1896 تخطيط 3

- ترسيمة القوة اليَحْيَوِيّة

6 - التمكين الجماعي من الصحة والقوة:

عندما يريد الله تعالى أن يمن ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (سورة القصص، الآية 5) ، فمن الواضح أن التنصيص على لغة الجمع ، واستعْمَالَ مقولة «الوراثة» إنما يعنيان

هذا التمكين جَمَاعِيٌّ. ومن مؤكدات ذلك: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (سورة الحشر، الآية 7) .

وهذا التمكين الجماعي ، إنما هو في كل أمر وفي كل حقل . ومن ذلك :حقل الصحة والقوة .

ف:﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ إنما تعني التمكين الجماعي من القوة جميعا، ومنها القوة الصحية والجسدية .

وعندما يدعو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الْقُرْآن النَّاطِقُ ، ربه سبحانه وتعالى بالمطلق: « اَللَّهُمَّ

أَغْنِ كُلَّ فَقيرٍ. اَللَّهُمَّ أَشْبِعْ كُلَّ جائِعٍ. َللَّهُمَّ اكْسُ كُلَّ عُرْيانٍ (...) اَللَّهُمَّ فَرِّجْ عَنْ كُلِّ مَكْرُوبٍ(...) اَللَّهُمَّ اشْفِ

كُلَّ مَريضٍ. اَللَّهُمَّ سُدَّ فَقْرَنا بِغِناكَ. اَللَّهُمَّ غَيِّرْ سُوءَ حالِنا بِحُسْنِ حالِكَ»، لم يحدد الضمير الطائفي للفقير

والجائع والعريان والمكروب والمريض، فهو « كل» جائع و«كل» مريض من الإنسانية مطلقا، أي كل

الناقصين من البشرية كلها . وهذا من مصاديق المقولة القرآنية :﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾جميعا.

فلم يكن تمكين دولة النبي (صلى الله عليه وآله) خَاصًّا بطائفة دينية دون أخرى، أو طائفة عرقية دون

أخرى، أو طبقة دون أخرى، أو جنس دون آخر، أو لون دون آخر، بل إن دستور هذه الدولة (صحيفة المدينة) يؤكد أن هذا التمكين كان للجميع: « وأن كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف» ،أي بالمعقول المدروس واقعيا وعلميا (راجع تدبرنا في سورة البقرة).

وقد كان من أهم معالم تأسيس الرسول لدولة يثرب ثورته الصحية والبيئية فيها، فقد كانت مدينة كثيرة الأوبئة والأمراض. فأوقف الحرب الأهلية التي كانت العامل الأكبر في إنتشار العدوى، وفي السكن الفوضوي إذ لا مجال للتوسع العمراني والتنظم في تواتر التقاتل الأوسي-الخزرجي. وأعاد تنظيم الطرقات حتى لا تكون مكتظة، وأعلن: «النظافة من الإيمان»، وجعل الوضوء والغسل من شروط العبادة، وجعل التخلص من الإفرازات خارج المنطقة السكنية في حفر عميقة، أي بلغة ذلك العصر في «غائط» (راجع: ابن منظور، مادة «غ وط»). كما جعل للصحة والطبابة مؤسسة قائمة بذاتها لأول مرة في الحجاز، وكانت على رأسها السيدة فاطمة (ع) إذ اكتشفت لأول مرة التضميد والضمادة، ولولا ذلك لكانت كارثة صحية منجرة عن مقتلة المسلمين الفظيعة في أحد. ثم ظهرت السيدة رفيدة وغيرها من الممرضات. وقد سعى رسول الله صلى الله عليه وآله لاستدراج طبيب الطائف الذي تعلم طويلا في اليمن وإيران الحارث بن كلدة ليصبح مقيما بالمدينة بعد إسلامه من أجل إكمال تلك الثورة الصحية-الاستطبائية ، ولكن المنية عاجلت رسول الله .

ففهمنا لمقولات الاحتكار في القرآن الكريم(«البخس» و« الدُّولَة» و«الكنز»...) ينبغي أن لا نحصرها في الأمر المعاشي والبيئي فحسب . ف«الناس» [مطلقا] «مشتركون في ثلاث:الماء والكلأ والنار»، إنما هو اشتراك في مَصَادِر الصحة والقوة والأمن البيئي المستقبلي... أما «إتيان» ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ (سورة الكهف، الآية96)، فإنه يتطلب التمكين الجماعي من القوة بداهة.

لقد كان عيسى (ع) صاحب مشروع «عَوْسٍ» (=«إصلاح معيشي»- راجع: ابن منظور) لبنى السوريين الإجتماعية الذين اُنْهِكُوا بكثرة التقتيل«الرومي» وتفشي الوفيات بسبب ذلك، فكانت طِبَابتُه مُكَرَّسَةً لمقاومة ذلك: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ .فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . و« الطَّيْريّة» هي كناية عن التمكين الصحي الجماعي وتقلص الوفيات إذ يوفران استعدادا موضوعيا للتحرر والانعتاق من الاستكبار«الرومي». فلا ننسى أن العيسى ابن المريم كان من مفجري الثورة الزَّيَلُوتيَّة السورية الكبرى على «الروم» والكهنوت اليهودي المتحالف معه (راجع تدبرنا في سورة الإسراء).

وكان على رأس الأمراض المتفشية في سوريا المحتلة: الكمه (العمى منذ الولادة) والبرص، فكانت طِبَابتُه مُكَرَّسَةً أساسا لمقاومة المرضَيْن: ﴿أبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾.

ولقد تسبب الإحتلال في تدهور النظام الغذائي السوري، فكانت المهمة « العَوْسِيَّة » الثالثة هي تقويم ذلك النظام وإدراج التقليد الإدخاري من أجل المقاومة المعاشية والصحية أمام الاستكبار:﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ (آل عمران ، الآية 49). وذلك ما تفسره الآية: ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦ﴾ (سورة عبس ، الآية 24)، نظرا طبيا وصحيا ومعاشيا-استقلاليا عن الاحتكار الامبريالي أو الطبقي.

ولقد كانت وزيرة اقتصاد دولة محمد (صلى الله عليه وآله)، السيدة فاطمة بنت محمد(ص) قائمة ب«العَوْس»، ومن ذلك مراقبتها لصحة المقاتلين وجراحهم في كل معارك الدفاع عن المدينة (راجع تدبرنا في سورتي الحشر والكوثر).

إن العَوْسْ هو عينه ما سماه الإمام الخامنئي: « الإقتصاد المقاوم» بمعانيه التي تشمل أيضا حظ التمكن الصحي.

 

د. نعمان المغربي

(باحث في علوم الأديان المقارنة، تونس)

 

عبد الله اسكندر المالكيالحروف ليست بدعاً في التراث العربي فقد استعملها العرب في نثرهم وشعرهم حيث إن طباعهم تميل إلى الايجاز والاختصار في التعبير عن مقاصدهم وقد نسب إلى الوليد بن عقبة قوله:

قلت لها قفي فقالت قاف… لا تحسبينا قد نسينا الايجاف

وقاف يعني وقفت، وقال آخر:

نادوهم ألا ألجموا ألا تا… قالوا جميعاً كلهم ألا فا

وهنا أراد: ألا تركبون، قالوا: ألا فاركبوا، وقال زهير:

بالخير خيرات وإن شراً فشر… ولا أريد الشر إلا أن تا

وأراد هنا وإن شراً فشر إلا أن تشاء.

ونجد أن الحروف ظاهرة في قصيدة لامرئ القيس يقول فيها:

فكم كم وكم كم ثم كم كم وكم وكم… قطعت الفيافي والمهامة لم أمل

وكاف وكفكاف وكفي بكفها… وكافي كفوف الماء من كفها انهمل

هذا ويستمر في ذكر كثير من الحروف على هذه الطريقة علماً أن هناك بعض الأبيات التي لا تتناسب مع نوعية المقال لذا أعرضنا عنها.

ولما كانت الحروف المقطعة مستعملة في أشعارهم وخطبهم كان لا بد للقرآن الكريم أن يتحداهم بما ألفوه في لسانهم وكأنه يقول إن اللغة التي تتكلمون بها مكونة من نفس الحروف التي نزل بها القرآن الكريم، فهلا استطعتم مجاراته والمجيء بمثله أو بحديث مثله على أقل تقدير، لأن اللغة لا يحيط بمقاصدها إلا من يملك سعة الفهم بها. من هنا نعلم أن أساتذة البلاغة وفصحاء اللسان كان لديهم علم اليقين أن هذا الكتاب هو من عند الله تعالى لذا آثروا الصمت دون المحاولة أو بذل الجهد في أن يأتوا ولو بسورة واحدة من مثله.

ولا يمكن أن يكون صمتهم هذا بسبب الصرفة كما يدعي بعضهم علماً أن التحدي لا يزال قائماً إلى اليوم وصدق الله تعالى حيث يقول: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) الإسراء 88. من هنا يظهر التحدي في استعمال القرآن الكريم لهذه الحروف، فكأنه يقول إن الصنعة التي بيننا مكونة من نفس هذه المادة، فهلا جئتم بكلام من مثل القرآن الكريم، أو من مثل النبي الأمي (صلى الله عليه وسلم) وقد بين الله تعالى ذلك في قوله: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين) البقرة 23. وهذا التحدي الذي أشار إليه القرآن الكريم من خلال الحروف المقطعة نجده قد تكرر في تسع وعشرين سورة. وقد جمع العلماء هذه الحروف بعد حذف المكرر منها في جملة مفيدة وهي: نص حكيم قاطع له سر.

من هنا نستطيع القول إن الله تعالى أنزل القرآن الكريم على غرار ما هو مألوف عند العرب في ديوانهم المتضمن لجميع أنواع الشعر التي يتفنن بها الشعراء بين الرجز والهزج والمقبوض والمبسوط إضافة إلى تصوير حياتهم وما يحدث بينهم من حروب وغزوات وصولاً إلى علاقاتهم الخاصة وجلساتهم التي يتفاخرون بها بالنفس أو القبيلة وما إلى غير ذلك، وقد جُمعت أشعارهم وسيرهم في هذا الديوان الذي نزل القرآن على غراره وزيادة، وهذا ما يفهم من اشتمال الأول على القصائد والثاني على السور، وتتكون القصائد من الأبيات فيما تتألف السور من الآيات، وتسمى نهاية الأبيات بـ "القوافي" ويطلق على نهاية الآيات "الفواصل". فإن قيل: ما هي الزيادة التي تفرق بين القرآن الكريم والشعر؟ أقول: تكمن الزيادة في مجموعة من النقاط أهمها:

أولاً: المبالغة في الخيال الشعري: وهذا يتعلق بشيء من عدم الصدق الذي لولاه لما كان للكلام أن يصل إلى ملامسة القلب على الوجه الذي يريده الشاعر، وقد وجد هذا الضرب من الخيال في القرآن الكريم، إلا أن قياساته تبنى على الأمثال التي يتلقاها الإنسان عن طريق المخيلة التي تجعله يقوم بتحليل الكلام على ما يحاكي عصره دون النظر إلى المستجدات الخافية التي يقررها العصر اللاحق بدرجات تفهم من خلال المقتضيات الآنية التي ترتبط في مقام الكلام والنسب المتفاوتة التي يحتملها، كما هو الحال في تعليم الأسماء لآدم "عليه السلام" أو الرحلة التي قام بها موسى مع العبد الصالح، وكذا في متفرقات القرآن التي يمكن أن تكون أقرب إلى المثل المقرر في سياقه الذي يشتمل على الأبعاد الحادثة أو التي تظهر في كل وقت، كما في قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين***فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) الأعراف 189- 190.

من هنا يظهر الفرق بين الكلام الذي جاء به القرآن الكريم وبين المباني الشعرية الخاضعة إلى تحكم النفس البشرية، أو مقتضى الحال الذي يمر به الشاعر الذي يُحسّن القبيح أحياناً أو العكس، إضافة إلى المصالح الخاصة ورثاء الأهل والثناء على أصحاب الشأن وهكذا، ولهذا كان الاهتمام بفلسفة الشعر يأخذ الجوانب الإيجابية في تبيان الحقائق التي يعجز عن فهمها من كان بعيداً عن الذائقة الشعرية، أو عن دراسة أحوال العرب قبل نزول القرآن الكريم، وأنت خبير من أن بعد المسافة الزمنية تجعل التنقيب عن المعنى الشعري لا يرقى إلى المستوى الحقيقي، ما لم يكن هناك شرحاً وافياً للكلام أو تحليله فلسفياً من قبل أصحاب الذوق الرفيع، أو ما يعبر عنهم بأصحاب الصنعة الشعرية، ومن الأمثلة على ما نحن بصدده، هو ما قيل إن الفرزدق سمع إلى رجل ينشد معلقة لبيد بن ربيعة التي يقول في أولها:

عفت الديار محلها فمقامها… بمنًى تأبد غولها فرجامها

حتى وصل إلى البيت الثامن الذي يقول فيه:

وجلا السيول عن الطلول كأنها… زبر تجد متونها أقلامها

فما كان من الفرزدق إلا أن يسجد عند سماع هذا البيت، فقيل له ما هذا؟ فقال أنتم تعرفون سجدة القرآن وأنا أعرف سجدة الشعر. وبناءً على ما تقدم يظهر أن المدح والرثاء أو الهجاء مثلاً لا يستقيم إلا إذا تنازل الشاعر عن الصدق الذي لا سبيل له عند أرباب هذه الصنعة الذين يحق لهم الدخول في جميع الأودية مما يجعل كلامهم يحتمل التناقض في طياته، فالذي يُمدح اليوم ممكن أن يُذم غداً، والقبيح سيصبح حسناً وهكذا  فالأمر لا يتعدى إلى أكثر من الحالات التي تبنى عليها مصالحهم أو ما يرضي القبائل التي ينتمون إليها، ولذا قال تعالى فيهم: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين***تنزل على كل أفاك أثيم***يلقون السمع وأكثرهم كاذبون***والشعراء يتبعهم الغاوون***ألم تر أنهم في كل واد يهيمون***وأنهم يقولون ما لا يفعلون) الشعراء 221- 226. وكذا قوله: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) يس 69. وقوله تعالى: (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون) الحاقة 41. من هنا يمكن الوصول إلى معرفة الفرق بين القرآن الكريم وبين الشعر، فالأول ملاكه الصدق والثاني يعتمد على الخيال والمفاخرة والانتقال من واد إلى آخر تبعاً للحياة التي تعيشها القبائل آنذاك. فإن قيل: ألا يعتبر هذا الطرح تقليلاً من شأن الأدب العربي؟ أقول: أنا أتكلم عن المتن الشعري دون التقليل من البلاغة التي لولا الاعتراف بها لما ظهرت درجات التحدي بينها وبين القرآن الكريم.

ثانياً: اختلاف القواعد الشعرية مع القرآن: ومن الأمثلة على ذلك ما نجده في معلقة امرئ القيس التي يقول فيها:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل… بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فقد قيل إن امرئ القيس كان يخاطب صاحبه بصيغة المثنى لأسباب تتعلق بالضرورة الشعرية أو النسق الذي يتحكم في فحوى الكلام ومقامه، وما قيل إنه خاطب الكلب والبعير فلا يعول عليه في مواقف تحتاج إلى البكاء على الأطلال، أما ما ذكره عنترة عن حصانه فذاك شأن آخر، ولهذا أراد جمع من المحققين أن يجعلوا من هذه القاعدة دليلاً على خطاب القرآن للاثنين وإرادة الواحد أو العكس، أو التكلم عن الجماعة وإرادة الواحد، وهذه القاعدة وإن كانت تتطابق مع صحة اللفظ إلا أن المعنى الخارجي لها لا يتناسب مع أجواء القرآن الكريم، ومن أمثلتهم على ذلك، قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) ص 21. فظاهر اللفظ هنا يبين أن المتخاصمين مجموعة من الناس، ثم بعد ذلك تغيرت الألفاظ إلى اثنين فقط، وللجمع بين الوجهين يحمل اللفظ على حقيقته لأن الخصم مصدر كالخصومة أو الخصام، ويمكن التعرف على هذا الوجه أكثر من قوله تعالى: (وجاءوا على قميصه بدم كذب) يوسف 18. أي دم كاذب، والمراد هنا مجموع القوم الذين تسوروا المحراب، وقولهم: (لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض) ص 22. أي فريقان بغى بعضنا على بعض، أما قوله تعالى: (هذا أخي) ص 23. فهو كلام من يمثل القوم المعتدى عليهم حسب السياق، ولا يوجد في اللفظ ما يدل على التكلم عن الواحد وارادة الاثنين أو الجمع، وهذا كقوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم) الحج 19. فالمراد هنا إشارة إلى الفريقين لا إلى شخصين بعينهما، وما يبين ذلك أكثر تجده في قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) الحجرات 9. فقوله تعالى "طائفتان" إشارة إلى الفريقين أما عند انتقال الآية إلى قوله "اقتتلوا" فهذا بيان إلى دخول مجموع أفرادهما في القتال، وهذا باب واسع في القرآن الكريم يحتاج إلى تأمل.

 

عبد الله اسكندر المالكي

.....................

من كتابي: القادم على غير مثال

رابط قناتي على اليوتيوب…https://www.youtube.com/channel/UCKySYHgSfl5G4DSHGE31EOw?view_as=subscriber

 

 

مجدي ابراهيم"وَاصْبر نَفْسَكَ مَعَ الذَّين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة وَالغَشي يُريدُونَ وَجْهَهُ، وَلا تَعْدُو عَيْنَاكَ عَنْهُم تُريدُ زينَةَ الحياة الدُّنيَا وَلا تُطَع مَنْ أغَفلنا قَلْبَهُ عن ذكرنا واتَّبَع هَواهُ وَكَانَ أمرُهُ فُرَطاً" (الكهف: آية 28).

الكتابة عن أولياء الله فوق كونها متعة وهداية وتذكار وتبصير فهى كذلك ضربٌ من المُعاناة، وتمثل تطلعاتهم الروحية واستكشاف أثار تجاربهم المعرفيّة معاناة أخرى، تُضَاف إلى تلك المعاناة التي تظهر من الوهلة الأولى لدى الباحث حين يدرك أنه لن يستطيع أن يسبر غور الشخصية المختارة على بساط البحث من جميع جوانبها والإحاطة بها من كل أطرافها؛ وذلك لأنها تبدو بالنسبة إليه كما لو كانت شخصية مُغْلقة غامضة تُحاط بالأسرار رغم بساطة أثارها وسهولة أفكارها وآرائها. ولعلَّ السرّ في ذلك يرجع إلى تجربة العارف نفسه؛ فكما أن العارف يعاني في تجربته معاناته في أحواله ومنازلاتها، فكذلك لابد لمن يتناوله بالدراسة والتحليل أن تنسحب عليه تلك المعاناة وأن يتذوق منها ما من شأنه أن يقوده التذوق إلى رقي الفَهم، وإلى شعور التعاطف، وإلى صواب التخريج لعباراته وإشاراته؛ وليس هذا بالشيء القليل.

وإذا كان التصوف تجربة ليس هو بالفلسفة ولا هو بالنظرية؛ فمن المؤكد - رغم اتفاق المشرب الواحد والمنهج الواحد بين جميع الصوفية بغير استثناء - أن لكل متصوف خصوصيته يُضيف من خلال تجربته ما ليس موجوداً في تجارب سواه، حتى ولو كان هذا السّوى شيخه في التربية والترقية برغم وجود وحدة الروح التصوفيّة في الإسلام.

ومن هنا، يجيء التأثير في مجال الفلسفة ليس هو التأثير القائم في حقل التصوف - ولن يكون - فيما لو عَوَّلنا التعويل كله على التجربة الصوفية واختلافها عن الفكرة الفلسفية، فمن السهولة بمكان تحديد مصادر الفيلسوف ومعارفه التي أستقى منها فلسفته، وكذلك الأمر يُقال في المتكلم؛ في حين يصعب قوله في التصوف؛ إنما التأثير في مجال التصوف انتقال سر إلى سر ووراثة حال عن حال، وليس هو بتبني فكرة نظرية ووراثة مَقال عقلي؛ وذلك لأن الصوفي يعطي من ذاته، ويجود من تجربته خاصّة، ويفيض من تلك التجربة فيما عَسَاهُ يتصور ويرتأى. الصوفي ابن وقته؛ ومعنى كونه ابن وقته يعنى ابن حاله، وابن تجربته، وابن معاناته الخاصّة، فكرته هى نفسه، ورأيه هو ذاته، وإشاراته ومعارفه وشذراته من أنفاسه خَاصَّة.

وما يُقَال عن هذه الجزئية يُقال كذلك عن العملية النقدية التي تجرى في الغالب بطريقة عشوائية في هذا الميدان بين كثير من الباحثين؛ فالنقد في ميدان التصوف ليس كالنقد في مجال الفلسفة؛ لأن مَنْ حَرَمَ الذوق في حقل التصوف أَنَّىَ له أن يمضي على بصيرة من إدراك لإشارات العارفين؟! لا شك أنه في تلك الحالة سيخبط خبط عشواء، وسيكون نقده من أول وهلة مردوداً عليه؛ فما يُقَال في مجال الفلسفة نقداً لا يُقال بنفس الكيفية في مجال التصوف.

ولو أنك أعملت العقل الفلسفي في ميدان التصوف العملي خَاصَّة؛ لحذفت وصايا الشيوخ ونصائحهم من قائمة الكلام المقبول؛ ولاسيما شيوخ القرن العاشر، فلابدّ من معيار آخر غير العقل تُقَاس به تجارب الأولياء وشذور العارفين، وإلا كنا كمن يريد أن يقيس الشيء وهو يجهل كيف يُقاس.

وليس من مشروعية النقد أن تتخذ من العقل مطيةً لنقد التصوف وأنت تعرف مُسَبَقَاً أنه قائمٌ على منهج ذوقي لا يجوز محاكمته بالعقل وحده معزولاً عن منهجه الخاص به. ودليلينا على ذلك هو أن القوم أنفسهم، على مدار تاريخهم الطويل كانوا نَقَدَةً على الأصالة : أهل طَهَارة ونظافة، ليس في الظاهر فحسب ولكن في الباطن أيضاً، ينقدون أنفسهم بأنفسهم أشدّ النقد ويطهرونها من الداخل فيتطهر بها من الباطن حقل التصوف برمته. كانوا لا يَتَوَرَّعون عن نقد بعضهم بعضاً نقداً ذاتياً، لكن هذا النقد لا يجري كيفما أتفق خَبْط عشواء، بل يصدر عن فهم وملاحظة وغيرةً على الطريق أن يلوثه ممَّن لم يكن منه، فإذا التصوف من خلالهم يتطهر ذاتياً ممّا لحق به من لوثات الأدعياء وغرور المنتسبين إليه خطأ وهم ليسوا منه.

والأمثلة التي تبيّن النقد الذاتي في التصوف : شخصيات ومذاهب لا حَصَر لها سواء في التصوف السني أو في التصوف الفلسفي وعلى مدى القرون الماضية جيلاً وراء جيل : فعل ذلك كبار المتصوفة كالحارث المحاسبي (ت 243هـ) وأبي طالب المكي (ت 386هـ) والحكيم الترمذي (ت 285هـ) ومن تلاهم من صوفية القرن الثالث والرابع، ثم القشيري (ت 465هـ) والغزالي (ت 505هـ) من صوفية القرن الخامس، والسَّهْرَوَرْدي المقتول سنة 587هـ وابن عربي (ت 638هـ) وابن سبعين (ت 669هـ) من صوفية القرن السادس والسابع؛ ومن عاصرهم أو تلاهم ممَّن نهج منهاج التصوف السني خاصَّة من رَوَّاد المدرسة الشاذلية : أبو الحسن الشاذلي (ت 656هـ) وأبو العباس المرسي (ت 686هـ) وابن عطاء الله السكندري (ت 707هـ) وابن عباد الرندي (ت 790هـ) شارح الحكم العطائية، والشاطبي في كتابه الاعتصام، ثم لما تَفرَّعَت المدرسة الشاذلية من بعدُ وانتشرت في المشرق والمغرب وانتسبت إليها الطرُق الفرعية ظهر رواد دانوا بالولاء إليها وأسسوا فروعاً لها كان من بينهم من أتخذ من النقد تطهيراَ للساحة الصوفية مما يُعَكر صفائها فظهر على سبيل المثال الشيخ زَوُّرق (ت 899هـ) في عُدَة المريد الصادق وقواعد التصوف، والشيخ أحمد بن عروس مؤسس الطريقة العروسية في تونس وليبيا؛ وعبد الواحد الدُّكالي في ليبيا، وهو رفيق الشيخ زَرُّوق، ثم ظهر الشيخ عبد السلام الأسمر مُجدد الطريقة العروسيّة الشاذلية في رسائله ووصيته الكبرى، ثم جاء من بعدهم في المغرب ابن عجيبة الحسيني؛ في كتابيه "التشوف إلى معراج التصوف"، وفى "إيقاظ الهمم في شرح الحكم"؛ وغيرهم، غيرهم؛ ممَّا يصعب حصره في هذا المقام.

ومن هنا، وجدنا النقد بالنسبة إليهم جميعاً إصلاحاً للسلوك الديني وتخلقاً بالخُلق الصالح ليس نقداً من أجل النقد فقط، بل من أجل غاية أسمى من مجرد "النقد" أو (النقض = الهدم)؛ هى بلا شك التربية ثم التغيير والإصلاح باعتبارهما تبْعَة دينية مفروضة فرضاً على القادرين عليها تمهيداً للدخول في مراحل التحقق.

ليس من مهمة الباحث أن ينقد لمجرد النقد ليجيء نقده نقضاً وكفى، ولا من مهمته أن ينساق وراء آراء مَنْ يبحث في آثاره ممَّنْ كان اختاره لنفسه موضوعاً لبحثه من الأولياء والعارفين انسياقاً لا يَدَع له وجهة النظر تحتملها أذواقه هو، وتدلُ من أقرب طريق على شخصيته. وليس من بديهيات النظر عقلياً ومعرفياً أن يزعم لنا أحد أن منظوره إلى الحقيقة لهو المنظور المطلق المعصوم الذي لا يقبل الخطأ أو أنه الصواب النهائي الذي لا يحتمل المراجعة والتصحيح. لستَ تَجد هذه النزعة الطائشة لدى صوفية الإسلام سواء على مستوى الإيمان أو على صعيد الرأي والتفكير. كان القوم أهل إصلاح ولم يكونوا أهل غطرسة وكبرياء؛ دانوا للحقيقة ولم يَدَّعوا امتلاكها، وَتَوَقَّحَ عليهم المتوقحون وتطاول السفهاء فلم يثنهم ذلك عن قصودهم العالية، فلئن كانوا قد أخطئوا فيما ليس لهم فيه حيلة، فليسوا هم بالمعصومين الذين يدعون امتلاك الحقائق المطلقة، وإنْ كانوا بالطبع من المحفوظين؛ فللولي الحفظ وللنبيّ العصمة.

ومن هنا تجيء مهمة الباحث فيما نتصور أن يُضْفي من ذوقه الخاص وفكرته المُستقلة تخريجاً لإشارات العارفين على هذا الذي أمامه ممّا يقرأ أو ينظر أو يستسيغ؛ وهذا وحده كفيلٌ بمعاناة الكاتب فيما لو أراد لنفسه أن يتذوق آثار الأولياء. إنّ هذا التذوق نفسه ضربٌ من التجربة يعاني فيها الكاتب ما يُعَانيه لتتوحد شخصيته مع من يبحث لمعرفة ما عَسَاهُ يقف عليه ممّا أراد لصاحبه أن يتولاه بالرعاية والعناية فيما أقرّه من رأي أو فيما غاب عنه ممَّا لم يدرك له معنى ولا فحوى.

وعندي أن هذا (المنهج الذوقي) خَاصَّة لهو المنهج المناسب - إنْ لم يَكُن الوحيد في تقديري - لمعالجة موضوعات التصوف بعرفان يلائمها ويتناسب مع استبصارها الذوقي ويترقى إلى إدراك مواجيد أصحابها كلما ترقى المستخدم له في نفسه أولاً وقبل كل شيء.

إذا نحن أردنا أن نكون نَقَدَةً على الأصالة في هذا المجال فلا مناص من أن يجيء نقدنا من الباطن، نمتثل الوعي الصوفي ونتفهمه ذوقاً ومعرفة ومعايشة من الداخل، ولا نخبط إزاءه خَبْطَ عشواء؛ كيما نقدم رؤيتنا كلية جامعة لتكون أقربُ إلى الوصف والتحليل منها إلى عشوائية النقض الهدام الذي لا يُبقي ولا يذر أو بالاصطلاح الصوفي أن نَتَعرَّف - قبل أن نتوقَّح - على "مذهب أهل التصوف" تماماً كما سَنَّ الكلاباذي كتابه "التعرُّف لمذهب أهل التصوف"، بتواضعه الشديد، ليكون نموذجاً يُحْتَذَى حقيقيةً إزاء علوم القوم ومعارفهم؛ لأن التَّعَرُّف الصحيح للتصوف أسلم للباحث من الإنكار العقيم يستند عليه معول النقد الهَدَّام.

أعود على ما بدأته فأقول؛ إن حديثاً شريفاً ينهض بحياة الأولياء والعارفين كيما تصبح صورة تعطي من ذاتها "ذكر الله" الذي أمر الله بذكره الكثير في الكتاب العزيز:" وأذكر رَبَّكَ إذا نسيت " جاء في معناه:" إن أولياء الله إذا هُم رؤوا ذُكرَ الله "؛ فإذا رئي العارف ذُكر الله، على معنى أنه حين يُرى الولي يستلزم حدوث الذكر في نفس الرائي ولو لمدة يسيرة؛ ومادام الأصل هو الذكر والنسيان عرضٌ طارئ صار ذكر الله في مشاهدة الولي ضرباً من ضروب الوصلة (وصلة التقريب) التي بدونها تحدث الغفلة؛ لأن نسيان الله ليس أصلاً بل عرض طارئ ولكنه يستلزم التوبة، ومادام النسيان عرضاً أصله الغفلة؛ فإنه يؤدي بالضرورة إلى وجوب التوبة، فقد استوجبت التوبة من الغفلة التي هى أشد الذنوب رؤية العارفين فيما لو شوهدوا، حتى إذا ما شوهدوا أو رؤوا ذُكر الله، وفى ذكر الله تكون التوبة ثم تتدرج صعداً إلى الإنابة، فالأوْبَة.

من ذلك صارت صحبة الأولياء والصالحين تفيد استنزال الرحمة، وصحبة العارفين ذكرٌ لله وحضورٌ بين يديه.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

 

نابي بوعليأهمية فقه الأقليات، وأسباب العناية به

أستهل بحثي بالحديث عن إشكالية الحاجة إلى فقه الأقليات الإسلامية، نظرا لأهمية هذا الفرع الفقهي وفائدته الكبيرة ومن ثمة ضرورة الاعتناء به لمعرفة الأحكام الشرعية والبحث عن أفضل المخارج الدينية والتكييفات الفقهية المناسبة للكثير من المسائل التي أصبح يثيرها وجود المسلم المقيم في ديار المهجر حتى يكون على بينة من أمر دينه، ومثالا للإسلام عقيدة وسلوكا، لأنه مأمور بتحكيم شرع الله في كل ما يتصل بحياته" ولهذا احتاجت (الأقليات المسلمة) إلى فقه خاص ولا يعني ذلك إحداث فقه جديد خارج إطار الفقه الإسلامي ومرجعيته الكتاب والسنة"[1].

إن الجمود الفقهي يتعارض مع التغير كحقيقة وسنة من سنن الله تعالى في خلقه، ولكن رحمة بالمسلمين، فإن حياتهم مخصوصة بعقيدة وشريعة صالحة لكل زمان ومكان باعتبار النص يتجاوز التاريخ، أي يتجاوز السياق الذي نزل فيه ليمتد إلى مطلقية الزمان والمكان، وهو ما يستدعي قراءة متجددة تضمن استلهام الحلول من خلال الواقع ومشكلاته وحاجاته ومستجداته، لأن كلام الله يخاطب البشر في كل حين مادامت أحداث التاريخ متجددة ولا تستقر على حالة واحدة ثابتة. وهذا ما يؤكد خلود النص وحيوية، ويمنح فرصة للإنسان للاستفادة منه في إطار تحقيق مقاصد الشريعة من حيث السعة والشمول، ويمنح للفقه الإسلامي مرونة كبيرة في التعاطي مع النوازل والمستجدات التي تواجه المسلمين في حياتهم، لا تعطل روح الشريعة التي لا تغفل حاجات العصر ولا تهمل الضوابط الشرعية، وذلك فضل من الله ونعمة" ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة"[2]. ومن حكمة الله سبحانه وتعالى كذلك أن ترك للمسلمين باب الإجهاد مفتوحا، لاستنباط الأحكام الشرعية لرفع الحرج عن العباد في النوازل التي قد تنزل بهم" وما جعل عليكم في الدين من حرج"[3]، وهي نتيجة عظيمة لمرونة الإسلام في التعاطي مع المستجدات والالتفات إلى سلطة الواقع والتحرر من التزمت المذهبي، فكل التفاصيل التي سكت عنها النص هي من طبيعة المتغيرات التي تظل متروكة للاجتهاد وبذل الوسع فيها لاستيعاب الوقائع المتجددة من قبل الفقهاء وهم صفوة الخلق وأشد الناس معرفة بالحق، لأنهم ورثة الأنبياء، فيتحرون أحكامها استنادا إلى شريعة الإسلام ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا﴾[4]. والجدير بالذكر أن الاجتهاد وإعمال الرأي لم يغفل عليه الرعيل الأول من المسلمين، فقد ثبت أنه جرى منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار عليه أصحابه من بعده.

وتحقيقا لمقاصد الشريعة الإسلامية التي أوصى الشارع بها، انفرد الدين الإسلامي الحنيف بمساحة واسعة للاجتهاد في القضايا التي لم يكن للسابقين عهد بها فصار" فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتمها الواقع"[5]، وقد حثّ علماء الأصول على ذلك حيث قال الإمام  الشاطبي رحمه الله أيضا" إن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة، فلابد من إعمالها. ولا يسع الناس تركها، وإذا ثبت في الشريعة أشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه. ولو كان المراد بالآية*[6] الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر بمرسوم، وقد نص العلماء على هذا المعنى، فإنما المراد الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل[7] .

ومن هذه الرؤية الدينية التي يطبعها اليسر والتخفيف، يسعى فقه الأقليات الإسلامية إلى توجيه جهوده للتصدي للتحديات التي تواجهها الأقليات المسلمة في بلاد المهجر والتي تحرص على المحافظة على هويتها وخصوصياتها الثقافة، وامتدادها الحضاري القادم من أعماق التاريخ أمام قوّة وشراسة الثقافة الغربية التي تسعى إلى تذويب المختلف والمغاير، زيادة على انتشار البدع والمحدثات. وفي هذا الشأن يلاحظ يوسف القرضاوي أن:" كثيرا من مشكلات المسلمين في بلاد الغرب لها طابع فقهي وذلك ناشئ من رغبة الأقليات المسلمة في تلك البلاد بالتمسك بهويتها الدينية وعقائدها الإسلامية وشعائرها التعبيرية وأحكامها الشرعية في الزواج والطلاق وشئون الأسرة ومعرفة الحلال والحرام في أمور المطعومات والمشروبات والملبوسات وسائر المعاملات وشتى العلاقات بين الناس  وخصوصا غير المسلمين هل ينعزلون عنهم أو يندمجون فيهم وإلي أي حد يجوز الاندماج"[8].

من هنا تبرز الحاجة إلى فقه الأقليات للتعامل مع هذه الظروف التي يواجهها المسلمون المقيمون وسط المجتمعات الأخرى، والتي تفرز أوضاعا جديدة قد تتعارض مع مبادئ دينهم، فيكون فقه الأقليات منهجا حقيقيا يستجيب لمقتضيات بات يفرضها الواقع الجديد بتحدياته وتعقيداته، للنظر والتعامل مع القضايا المطروحة على هذه الجالية التي تعيش خارج أرض الإسلام وتخضع لسلطة لا تطبق أحكامه وليس في مقدورها تغيير تلك القوانين.

إن الوقائع المستشكلة على الأقليات الإسلامية تفرض على الفقيه إعادة قراءة النص ليستوعبها في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومن ثم الحصول على إجابات جديدة وتفعيل الفتاوى وإدراجها في دائرة الاجتهاد الفقهي إذ" يعد إلى اجتهادات كانت مرجوحة، أو غير مشهورة، أو متروكة لسبب أو آخر من أسباب الترك، فيستدعيها وينشطها ويحييها، لما يُرى فيها من أسباب مناسبة لأوضاع الأقلية المسلمة تتحقق بها المصلحة، فيعالج بها تلك الأوضاع، في غير اعتبار لمذهبية ضيقة، أو عصبية مفوتة للمصلحة، مادام كل ذلك مستندا في الدين إلى أصل معتبر"[9]. ومن جهة أخرى، وأمام تحدي الغرب الذي يشتعل حبا في فرض التبعية بكل أشكالها وعولمة قيمه والدعوة إلى قيام إسلام أوروبي يسعى الغرب من خلاله إلى فصل الأقليات الإسلامية عن دينها الإسلامي، زيادة على مظاهر العنف المادي والرمزي والنظرة الدونية والاضطهاد المعنوي، والضغوط السياسية والمضايقات الأمنية التي يتعرض لها المسلمون في الغرب، وتزايد نمو مشاعر الكراهية ضدهم من قبل شرائح تتوسع باستمرار، كل ذلك يشكل هواجس حقيقية تجعلنا ننظر إلى هذه الأقليات الإسلامية من جديد في واقعها داخل فضاء الحضارة الغربية. ومن هذا الواقع، تكتسب الكتابة عن فقه الأقليات الإسلامية أصالتها وأهميتها، وتفرض العناية بها. ولعل اهتمام المملكة العربية السعودية بشأن المسلمين خارج حدود المملكة عامة، وبالشأن الفقهي للأقليات الإسلامية في البلدان التي لا تخضع للحكم الإسلامي خاصة، يمثل خدمة جليلة، ودعما قويا لهذه للأقليات من وراء الحدود الإسلامية، حرصا على التشبث بهويتها الإسلامية، وحفاظا على دينها وحماية لها من أي غزو ثقافي محتمل ومنعا لأي خطر قد يتسرب إلى الأجيال المسلمة اللاحقة في ديار المهجر. إن تقديم هذه الخدمة الجليلة من قبل القائمين على شؤون الفتوى في العالم الإسلامي لمن هم في أمس الحاجة إليها، يعتبر مكسبا كبيرا في تثبيتهم على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وتحقيقا لتطلعاتهم المشروعة إلى حياة مستقرة آمنة في إطار العقيدة والشريعة الإسلامية باعتبارهم جزءا من الأمة الاسلامية، وما تمثله تلك العقيدة بالنسبة للمسلم بوصفها مرجعيته في تطبيق أحكامه التفصيلية. وعلى أية حال فإن " ملف الأقلية المسلمة في البلاد غير الاسلامية يبقى مفتوحا لمزيد من البحث والدرس والاجتهاد والمتابعة، على المستوى الفكري والفقهي والثقافي"[10]

وتنطلق إشكالية هذه الورقة من كون الوجود الإسلامي في ديار الغرب يتعاظم باستمرار، في الوقت الذي لا يحظى فيه الإسلام كدين برعاية الدولة في الغرب، فالدولة ذات طبيعة مدنية وعلمانية في الغالب، مما ولّد الشعور بالحاجة لدى الأقليات الإسلامية إلى معرفة رأي الدين في الوقائع المتجددة التي يصطدمون بها في بلاد المهجر، والتحديات التي تواجهونها في معيشتهم اليومية، فلا يمكن ترك هذه الجالية المسلمة في المجهول والضياع وعدمية الحياة تتخبط في مشاكلها دون تبيان ما ينبغي عليها فعله. وتتمثل فرضية هذه الورقة في: إنه يصعب التعامل مع الظروف التي يواجهها المسلمون المقيمون في الغرب في إطار القوانين الوضعية لتلك البلدان فقط، والتي تتعارض في معظمها مع جوهر ومبادئ الدين الاسلامي من دون اعتماد فرع فقهي يختص بشؤونهم، ويقوى على استيعاب الوقائع المتغيّرة في المجتمعات التي يعيشون فيها استنادا إلى شريعة الإسلام التي جاءت باليسر والسماحة، فالمشقة تجلب التيسير ﴿يريد الله ليخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا﴾[11].

وقد قسمت هذه الورقة البحثية إلى مقدمة، وثلاثة فصول: الفصل الأول يحمل عنوان: فقه الأقليات: المفهوم النشأة والتطور، والفصل الثاني يحمل عنوان: خصوصية وجود الأقليات الإسلامية في الغرب، والفصل الثالث:  ضرورة الاعتناء بفقه الأقليات وتأصيله، وخاتمة تتضمن جملة من الاستنتاجات والتوصيات.

فقه الأقليات: المفهوم، النشأة والتطور

يكون من المفيد في البداية تحديد المفاهيم التي تشكل محور الدراسة، والتي من أهمها: فقه الأقليات، فما المقصود بذلك؟

أما فيما يخص مفهوم الأقليات، فإنه توجد اختلافات كثيرة بسبب بنية المفهوم في حد ذاته والتفريعات الناتجة عنه والمبنية على أساس الدين أو اللغة أو العرق أو الحيز الجغرافي، وهذه العوامل تتحكم إلى حد بعيد في تمييز الأقليات في مقابل الأكثرية في أي مجتمع غير متجانس، ومن هنا تمثل الأقلية" كل مجموعة بشرية في قطر من الأقطار تتميز عن أكثرية أهله في الدين، أو المذهب أو العرق، أو اللغة أو نحو ذلك، من الأساليب التي تتمايز بها المجموعات البشرية بعضها عن بعض"[12]

أما الفقه في اللغة: هو الفهم، وقيل هو الفطنة، أي المهارة والحذق في التوصل إلى النتائج من المقدمات ومن ثم استنباط الأحكام. ‏وهذه الفطنة وهذا الحذق لا يتأتيان لكل أحد، بل لابد من موهبة أصيلة، وقدرة راسخة، وملكات فائقة يستطيع بها الفقيه الفهم والاستنباط الصحيح. ‏ أما الفقه في الاصطلاح فيطلق على ما يستنبط من أحكام الشرع التي تتعلق بأعمال المكلفين، من حيث حلها أو حرمتها، أو إباحتها أو كراهتها.‏ إذن فالفقه هو ذلك النبراس الذي يضيء للبشرية طريقها، فينظم علاقات الناس بعضهم ببعض، سواء ما تعلق منها بالأفراد أو الجماعات، كما أنه الطريق الموصل إلى تنظيم العلاقة بين العبد وربه عز وجل .[13]وفقه الأقليات الإسلامية: مفهوم يقصد به معرفة الأحكام الشرعية التي يحتاج إليها المسلمون المقيمون في بلاد لا تطبق الشريعة الإسلامية. أي علاج  المشكلات التي تتطلب حلا من الفقه الإسلامي في ضوء الشريعة الإسلامية" وقد كان دأب النظار من الفقهاء المجتهدين في كل زمان أن يعالجوا الأحوال الطارئة في حياة المسلمين بالحلول الشرعية، وأن يوسعوا الاستنباط الفقهي بالنسبة لتلك الأحوال التي لا يكون فيها من نصوص الوحي تفصيل ... بل كان من دأبهم أن ينتقلوا بالنظر الفقهي من تشريع الأحكام التفصيلية في معالجة تلك الأحوال إلى تأسيس القواعد والأصول المنهجية التي توجه ذلك النظر وتكون له ميزانا هاديا يُتحرى به ما يريده الله تعالى من أحكام في ترشيد الحياة، وتلك مهمة أدى منها الاجتهاد الفقهي في شأن أوضاع الأقليات المسلمة التي أفرزتها التطورات الماضية للتاريخ"[14].

أما إذا تأملنا المقاربات حول ماهية فقه الأقليات والذي يسمى أيضا فقه المهجر، نجدها تشير إلى أن هذا المفهوم لم يكن معروفا ومنتشرا في السابق، وذلك لعدم وجود فئات كبيرة من المسلمين يعيشون في بلاد غير إسلامية ما عدا بعض الحالات النادرة التي فرضها احتكاك المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى. ولكن موجات هجرة المسلمين نحو البلاد الغربية المستقبلة ارتبطت بشكل واضح بالحركة الاستعمارية التي رافقت نمو الليبرالية في أوروبا، ثم توسعت بعد الحرب العالمية الثانية لجلب اليد العاملة خصوصا لتحريك الآلة الصناعية التي تعطلت نتيجة الحرب العالمية الثانية، وهو ما فتح الباب أمام موجة الهجرات المتواصلة نحو بلاد الغرب، و" مصطلح فقه الأقليات مصطلح حديث لم يكن معروفا من قبل وقد نشأ مع تطور أوضاع المسلمين بالغرب وحاجتهم إلى فقه يعالج الإشكاليات الدينية التي تقابلهم في حياتهم والتي قد تكون في كثير منها مغايرة لما يقع للمسلمين في العالم الإسلامي وقد حدث جدل واسع حول هذه التسمية ولكن المجلس الأوروبي للإفتاء استقر على صحة استعمال مصطلح فقه الأقليات حيث لا مشاحة في الاصطلاح وقد عرفه بأنه الأحكام الفقهية المتعلقة بالمسلم الذي يعيش خارج بلاد الإسلام"[15]. وبهذا المعنى الأخير يختص فقه الأقليات الإسلامية بالمسائل الشرعية التي تهم حياة المسلمين داخل المجتمعات الغربية التي يستقرون فيها بشكل نهائي. وهو بالتالي كغيره من أشكال الفقه الأخرى مثل الفقه السياسي، والفقه الاقتصادي، والفقه الاجتماعي...

يطلق المفكر الفرنسي أليفييه روا OLIVIER ROY على الأقليات الإسلامية مفهوم الإسلام الأقلي ويقصد به" المسلمون المهاجرون إلى الغرب، والذين قرروا الاستيطان نهائيا في البلدان التي هاجروا إليها حيث يشكلون أقلية، ويسعون لإقامة هويتهم الدينية في مجتمعات علمانية وذات أصول مسيحية، ما يجعل سعيهم صعبا ومعقداّ"[16].

من هذا المنطلق نلاحظ أن فقه الأقليات الإسلامية نشأ مع اتساع دائرة الهجرة وتعاظم الوجود الإسلامي في ديار الغرب "إذ يمثل الوجود الإسلامي فيه ثقلا بشريا يقدر بحوالي اثنين وعشرين مليون مسلم في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية فقط"[17]، في حين تشير إحصائيات أخرى إلى ما يفوق هذا العدد بثلاث مرات" يعيش في أوربا اليوم في هذا الوضع ما يقارب الستين مليونا من المسلمين"[18]. وقد ذهب البعض إلى اعتبار هذا الوجود الكبير للمسلمين في الغرب والمرشح للارتفاع في المستقبل فرصة كبيرة يجب على المسلمين استثمارها لتقوية نفوذ الإسلام والدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية من داخل المجتمع الغربي، كما يعتبر جسرا حقيقيا للتواصل مع غير المسلمين لتبليغ رسالة الإسلام إلى الشعوب والأمم الأخرى التي لا تزال تجهلها من خلال تنشيط الحركة الدعوية وتطوير مؤسساتها، نظرا لما يحمله الإسلام من أبعاد إنسانية وحضارية تتسع للمسلمين ولغيرهم من حيث هو دين موجه للناس كافة" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"[19].

ومن بين القضايا التي تتصدر سلم الأولويات أمام المسلمين هي تصحيح الصورة المشوهة والنمطية المغلوطة التي كونها الغرب عن الإسلام والمسلمين، والتي يسعى إلى تسويقها عبر قنوات التضليل الإعلامي ووسائل التآمر التي يسخرها أعداء الإسلام وإصرارهم على التخويف من الإسلام. لقد صار الإسلام محل طعن وسخرية، وتوالت الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أقدس رمز بشري عند المسلمين. إن المتأمل يرى على النقيض من ذلك، أن التعارف الثقافي والتواصل الحضاري بين الجماعات البشرية يعد من صميم الدعوة الإسلامية تحقيقا لمقصدية الاستخلاف"﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[20]

ولعل المبادرات الأولى للاهتمام بشأن الأقليات، كانت بإنشاء المجالس الفقهية مثل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا للنظر في قضايا المهاجرين برؤى عصرية تراعي تبدل الحال والأحوال. وبالموازاة مع ذلك نشطت حركة إقامة المساجد وبناء المدارس لتعليم اللغة العربية لأبناء الجالية المسلمة وتفعيل دور المراكز الثقافية وتوسيع أنشطتها للتعريف بالثقافة الإسلامية، والمبادرة إلى إنشاء فروع البنوك والمصارف التي لا تتعامل بالربا، وغيرها من المؤسسات الأخرى التي تهتم بالشأن الديني والثقافي، كما لم تغفل تلك المبادرات عن القضايا المهمة التي تمس حياة المسلم  كاللباس والغذاء والاختلاط والحلال والحرام والزواج والطلاق والوظائف في القضاء والمؤسسات المالية.

وبما أن الدساتير في الغرب عموما تضمن الحريات العامة والخاصة للمواطنين، فإنه يصبح من حق الأقليات الإسلامية أن تعيش لدينها وعقيدتها في إطار حرية المعتقد التي يكفلها القانون، ولذلك فهي تحتاج إلى معرفة رأي الدين في الوقائع المتجددة التي تصطدم بها في بلاد المهجر، ومن هنا ظلت الأقليات الإسلامية عرضة لفوضى الفتوى من جهة، وإغراءات الحداثة الغربية من جهة ثانية. من هذا الواقع رأى الفقهاء، أنه لا بد من استحداث فرع فقهي جديد يتولى أمر الأقليات الإسلامية، غاياته حفظ الحياة الدينية لها في مجتمعات تتقاذفها أمواج اللائكية والتنصير والإلحاد والعلمانية والعدمية والفردانية القاتلة، ومعرفة الضرورة والحاجة التي يتسع إليها الفقه الإسلامي لاستيعاب الوقائع المتجددة وإيجاد مخارج دينية للمشكلات التي تواجه المسلمين في المجتمعات التي استقروا فيها بعد أن هاجروا إليها تحت ضغط الحاجة والضرورة. ولذلك فهو علم وضع لحاجة محددة فرضتها البيئة والظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على الأقليات الإسلامية في بلاد الغرب. ولذلك كان منهج فقه الأقليات يتفاعل مع الواقع ومتطلبات العصر ويقدم إجابات معاصرة لأسئلة الواقع والراهن، ولا يتعارض مع مبادئ الشريعة المطلقة ويستوعب في الوقت نفسه حركة التاريخ الخاضعة لمنطق التغير ويضبط العلاقة بين الثابت والمتغير، ويستند في ذلك إلى قواعد أصولية مثل: قاعدة مآلات الأفعال، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وقاعدة يجوز فيما لا يمكن تغييره ما لا يجوز فيما يمكن تغييره وغيرها من القواعد الأصولية التي تحقق الغاية في ضوء الشريعة الاسلامية ومقاصدها.

وبناء على ما سبق يمكن القول إن فقه الأقليات الإسلامية يشكل بؤرة الحركة الاجتهادية، وباب مخصوص من الفقه ينفرد بموضوعاته ومشكلاته، يبحث بمجمل الأحكام الشرعية المتعلقة بالمسلم، ويستند في ذلك إلى المرجعية الإسلامية المعلومة ويفتح أفقا للتوسعة يتجاوز بها حالات التضييق والمغايرة التي تفرضها القوانين الوضعية على المسلم في الغرب سواء في العبادات أو المعاملات، لأن الأصل في الاجتهاد هو التوسعة والإباحة والتيسير رحمة بعباد الله، والآيات الكريمة والأحاديث النبوية التي تدل على ذلك كثرة، مثل قوله تعالى في سورة البقرة: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" [21]، وقوله تعالى في سورة المائدة: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون"[22]،

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا"[23] .

وهكذا يمكن القول بناء على ما سبق أن منشأ فقه الأقليات ومقاصده يتأسس على حاجة هذه الجماعة المسلمة إلى تنظيم حياتها في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية ضمن الضوابط الشرعية لتحافظ على كيانها وخصوصيتها في المجتمعات الغربية التي غالبا ما تحيا بعيدا عن مقتضيات الدين، ونظرا لأهمية تلك المقاصد في نظر الفقهاء والغاية منه نورد هذا النص ليوسف القرضاوي الذي يحدد فيه تلك المقاصد والأبعاد كما يلي:

1 أن يعين هذه الأقليات المسلمة أفرادا وأسرا وجماعات علي أن تحيا بإسلامها حياة ميسرة بلا حرج في الدين ولا إرهاق في الدنيا.

2 أن يساعدهم على المحافظة علي جوهر الشخصية الإسلامية المتميزة بعقائدها وشعائرها وقيمها وأخلاقها وآدابها ومفاهيمها المشتركة، بحيث تكون صلاتها ونسكها ومحياها ومماتها لله رب العالمين، وبحيث تستطيع أن تنشئ ذراريها على ذلك.

3 أن يمكن المجموعة المسلمة من القدرة علي أداء واجب تبليغ رسالة الإسلام العالمية لمن يعيشون بين ظهرانيهم بلسانهم الذي يفهمونه، ليبنوا لهم، ويدعوهم على بصيرة، ويحاوروهم بالتي هي أحسن.

4 أن يعاونها على المرونة والانفتاح المنضبط، حتى لا تنكمش وتتقوقع على ذاتها وتنعزل عن مجتمعها، بل تتفاعل  معه تفاعلا ايجابيا... محافظة بلا انغلاق واندماج بلا ذوبان.

5 أن يسهم في تثقيف هذه الأقليات وتوعيتها بحيث تحافظ علي حقوقها وحرياتها الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسة التي كفلها لها الدستور، حتى تمارس هذه الحقوق المشروعة دون ضغط ولا تنازلات.

6 أن يعين هذا الفقه المجموعات الاسلامية علي أداء واجباتهم المختلفة... دون أن يعوقهم عائق من تنطع في الدين أو تكالب على  الدنيا ...

7 أن يجيب هذا الفقه المنشود على أسئلتهم المطروحة ويعالج مشكلات هم المتجددة في مجتمع غير مسلم ...في ضوء اجتهاد شرعي جديد صادر من أهله في محله [24].

خصوصية وجود الأقليات الإسلامية في الغرب

لقد شكلت المجتمعات الغربية مغنطيس الجذب والنموذج الأبرز لظاهرة الهجرة والمهاجرين والمهجّرين، حيث استقطبت الجاليات من مختلف القارات والأديان والثقافات. وتزداد اليوم هذه الظاهرة بوتيرة سريعة، وبطرق شرعية وغير شرعية ولأسباب متداخلة ومعقدة، حيث اتخذت أبعادا سياسية واجتماعية وديمغرافية وحقوقية وقانونية. وتمثل الأقليات الإسلامية التي حكمت عليها الأقدار بالهجرة إلى بلاد الغرب جزءا مهما من هذه الظاهرة العامة "الأقليات المسلمة بالغرب -على وجه الخصوص- تكونت في أساسها بموجة من الهجرات من البلاد الإسلامية عبر مراحل متتالية من القرن العشرين، ولم يكن المنضمون إليهم من الذين أسلموا من أهل الغرب إلا أعدادا قليلة بالنسبة لعدد المهاجرين. وقد كان أغلب هؤلاء المهاجرين إلى أوربا على وجه الخصوص من طبقة العمال، ثم انضم إلى العمال طلبة العلم، ثم انضم إليهم المضطهدون السياسيون، ثم انضمت إليهم أعداد من العقول المهاجرة، وبالتراكم الزمني أصبح لهؤلاء المهاجرين أبناء وأحفادا شكلوا ما يُعرف بالجيل الثاني وأصبح الآن الجيل الثالث قيد التشكل"[25]. ومهما اختلفت الفئات والشرائح التي شكلت موجة الهجرة خاصة نحو القارة العجوز إلا أنها تشترك كلها في أنها هاجرت تحت ضغط الضرورة والحاجة" إن القاعدة العريضة للأقليات المسلمة في الغرب هي قاعدة الحاجة فهم مهاجرون بدوافع الحاجة، إما طلبا للرزق، أو طلبا للأمن، أو طلبا للعلم، أو طلبا للظروف المناسبة للبحث العلمي، لذا كان هذا الوجود ـ في عمومه ـ وجود حاجة لا وجود اختيار"[26] . وبالنظر إلى تعاظم وجود الأقليات الإسلامية واتساع حجمها، وتزايد عدد أفرادها، فإنها أصبحت النموذج الأكبر للأقليات في المشهد الأوروبي، وتشكل واقعا داخل نسيج المجتمعات الغربية لا يمكن تجاهله، وهي تبحث عن ذاتها في خضم الصراع بين الثقافات والحضارات حفاظا على هويتها ومعالم شخصيتها. وعلى الرغم كذلك من وجود المسلمين المبكر في ديار الغرب، إلا أنهم لم يتمكنوا لأسباب ذاتية وموضوعية من تجاوز هذه الثنائية المركزية (الجيديو كريتياني) التي تطبع المجتمع الغربي، وظل ينظر للمسلمين كجسم غريب في المجتمع الغربي خارج هذه الثنائية، وبلا سلطة، ويوضعون في خانة العزلة والغرباء، وظل حضورهم في الغالب حضورا غير مرحب به، ولم يتمكنوا من انتزاع الاعتراف بوجودهم كمكون طبيعي من مكونات الاجتماع الغربي وكحقيقة دينية وثقافية واجتماعية من النسيج الاجتماعي" كل مسلم ينظر إليه كأنه مستورد حتى المؤمنون الجدد يوصفون بهذه الصفة، إذ يوضعون عموما في خانة الغرباء"[27].

لقد ظل الغرب يكتم أو يؤجل الاعتراف بهذه الحقيقة ويصرّ على إنكارها بل ويحاربها وهذا الإنكار البائس وغير المبرر ليس في مصلحته، ولا في مصلحة الأقليات الإسلامية التي ضحت وقدمت للغرب الشيء الكثير، فلا يمكن لأحد أن ينكر أو يجحد الفوائد الكبيرة التي يجنيها الغرب من وجود الجالية المسلمة. إن هذا الواقع لوجود الأقليات الإسلامية في الغرب، يتطلب تنشيط الحركة الاجتهادية حتى تتناسب مع أوضاعهم ـ من دون أن تخالف شرع الله في مجال الشغل والتعليم والعبادة والصحة والمصارف والقضاء وغيرها من المسائل حتى تتماشى مع ثقافتهم وهويتهم الإسلامية من دون الذوبان في ثقافة الآخر. وهذه مسألة أساسية يجب أن يحرص عليها المسلمون المغتربون لأنهم يتعاملون مع غير المسلمين وفي ظل أنظمة ومؤسسات غير إسلامية.

ولما كان العالم مقسما إلى مساحات ثقافية متباينة تتوزع فيها الشعوب حسب الهوية والانتماء، فإن التفكير في ترسيم فرع فقهي جديد يخص الأقليات الإسلامية، أصبح على سلم الأولويات لأنه الرابط بينها وبين انتمائها الروحي ويقضي على وهم المسافة التي تقيمها الهجرة، ويحفظ لها دينها ويتكفل بقضاياها التي تتطلب معالجة خاصة حسب ظروفها ومتطلبات الحاجة والضرورة، ومراعاة المصالح والمفاسد، بل ينظر في تلك القضايا وفق أصول وقواعد وأسس الاجتهاد المعمول بها لحماية مقاصد الشريعة الإسلامية المتمثلة في الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، كما حددها الإمام الشاطبي رحمه الله المتوفى سنة 1388م."

وقد اهتم الفقه الإسلامي المعاصر بوضع الأقليات الإسلامية في أوروبا منذ بعض الزمن، واتجه إليه بالمعالجة الشرعية التي أثمرت فقها من الفتاوى والأحكام ظلت تثري الحياة يوما بعد يوم"[28].

ضرورة الاعتناء بفقه الأقليات وتأصيله

إن الاعتناء بفقه الأقليات هو من باب الاعتناء بجزء مهم من الوجود الاسلامي بالغرب وهو امتداد طبيعي للمسلمين فيما وراء الحدود الاسلامية. وفي ظل التقاطع والاحتكاك الذي لا مفر منه للأقليات الإسلامية مع المجتمع الغربي الذي تقيم فيه، اشتدت الدعوة لرسم إطار فقهي لها يتجاوز الفتاوى الظرفية إلى البحث في الاشكالات الفقهية الكبرى لتحقيق المصلحة وتكميلها وتجنب المفسدة وتحجيمها تحقيقا للمقاصد التالية:

أولاً: مقصد عام وهو المحافظة على الحياة الدينية للأقلية المسلمة على مستوى الفرد أو الجماعة.

ثانياً: التطلع إلى نشر دعوة الإسلام في صفوف الأكثرية مع ما يستتبع ذلك من تمكين تدريجي للإسلام في الأرض.

ثالثاً: التأصيل لفقه العلاقة مع الغير في الواقع الحضاري والعالمي وهو أمر قد لا يختص بالأقلية لتداخل الأوضاع العالمية لإيجاد حالة من الثقة المتبادلة والقبول.

رابعاً: التأصيل لفقه الجماعة في حياة الأقلية بمعنى الانتقال من الحالة الفردية إلى الحالة الجماعية[29].

ولقد زاد الاهتمام بأوضاع الأقليات الاسلامية التي تواجه تحديات خطيرة نتيجة قوة الحضارة الغربية التي تجتاح العالم، وما يثير الانتباه والقلق أكثر هو تلك الأصوات التي تتعالى في الغرب بالدعوة إلى قيام إسلام أوروبي يعاش كتجربة شخصية ويخضع للقوانين الأوروبية بعيدا عن الإسلام والثقافة الإسلامية المعروفين لدي المسلمين، وذلك بدعوى القضاء على التطرف الديني وقطع الطريق أمام الأصولية الجديدة وتصفية الحركات الإسلاموية، وإفراغ الدين الإسلامي من محتواه والإبقاء على بعض الطقوس والممارسات الشكلية، مثل ما نجد ذلك في تحليلات الفرنسي أليفييه روا OLIVIER ROY في كتابه الموسوم بـ نحو إسلام أوروبي، حيث يقول" من الآن فصاعدا ينبغي على الإسلام في أوروبا أن يصاغ خارج ثقافات المنشأ، وبالنسبة إلى ثقافة تجهله، تتجاهله، وحتى وإن كانت تتهاود معه"[30]. إن مثل هذه المحاولات ترمي إلى تغريب الإسلام، وإبعاد الأقليات الإسلامية عن دينها، ويمهد الطريق أمامها نحو الاغتراب الثقافي بإفقار الهوية الإسلامية من مرجعياتها وتمييعها وإفراغها من مكوناتها الجوهرية. ولكن الأقليات الإسلامية تعارض بشدة كل محاولات الاحتواء والتغريب وغسيل الدماغ. وهنا تكمن أهمية فقه الأقليات في مساعدتها على التمسك بوجودها الديني، وتميزها الثقافي أمام محاولات الاستدراج نحو ما يسمى بالإسلام الأوروبي وسلخها عن ثوابتها وتراثها وهويتها الإسلامية. من هنا صار تأصيل فقه الأقليات في هذا الزمن، الذي انتشرت فيه المحرمات، وكثرت فيه الشبهات، ضرورة قصوى، وخط دفاع مناعي لحماية  المسلم وتحصينه بالقرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة والأخلاق الفاضلة حتى لا يزيغ في عمله وسلوكه وعبادته مع شرع الله، ويهيم في دائرة الحرام ويبتعد عن دائرة الحلال" ويحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث" [31].

والاهتمام بفقه الأقليات اليوم مطلبا أكثر إلحاحا، بسبب الانفتاح الذي يشهده العالم نتيجة التقارب بين الشعوب وتقلص الحدود في ظل فتوحات العولمة، وحرية تنقل الأشخاص والممتلكات والأموال في حركية معقدة تفترض التعامل معها بقدر كبير من الحيطة والحذر." وإذا كانت أوربا هي قلب الحضارة الغربية ومركز الثقل فيها، وإذا كان هذا الوجود المعتبر للإسلام والمسلمين فيها يمثل المظهر الأبرز للقاء المتفاعل بين الإسلام والغرب في عالم متغير، فكيف لا يكون من الأهمية بمكان أن تتجه الهمم العلمية لاجتهاد تأصيلي فقهي يوفق هذا الوجود الإسلامي لما فيه الخير لجميع القاطنين بهذه القارة ومن وراءهم من بني الإنسان"[32].

لا شك أن ضرورة الاعتناء بفقه الأقليات الإسلامية والتعريف بمزاياه وتأصيله مطلب جوهري يستدعيه وجود الجالية المسلمة، والاهتمام به هو من صميم الاهتمام بالدين وإهماله يعني تهميش عدد كبير من المسلمين وحرمانهم من التمسك بدينهم وثقافتهم الإسلامية وتركهم يتصرفون وفق أهوائهم فإن ذلك كله فساد في الدين. ولا سبيل لإنقاذ الأقليات الإسلامية من المفاسد والبدع والمنكرات وأشكال الإغواء ومفاتن الحضارة الغربية وسمومها، إلا بتنويرها بدينها وحثها على الاعتصام به، فالشريعة الإسلامية تقوم على احتواء ما يجدّ في حياة المسلم وتحميه من المنزلقات والمحرمات، وتتحرى أنجع السبل لتعثر على أفضل الحلول المناسبة. لذلك دعا العلماء والفقهاء إلى ضرورة تأسيس منهج أصولي للنظر الفقهي انطلاقا من قواعد منهجية أصولية تضبط مساره وتنظم حركته في شأن الأقليات الإسلامية تبعا لظروف بيئتها والبلاد التي تنتمي إليها وطبيعة القوانين الوضعية المطبقة في تلك البلاد، إن كل تلك الجهود المبذولة ستؤلف" منظومة متكاملة ذات غاية مشتركة تلتقي فيها جميعا عند هدف التأسيس لمنهج أصولي متميز ومتخصص يكون منهجا علميا شرعيا يعتمده النظر الفقهي في شأن الأقليات المسلمة، لينشأ منه فقه يعالج ذلك الشأن معالجة تبلغ به الآمال المعلقة عليه تعريفا بالإسلام في الديار الغربية فيما يشبه دورة جديدة للتعارف الحضاري بين الإسلام والغرب، ولكنها دورة تتأسس على أسس علمية، هي هذه القواعد الأصولية المنهجية التي تؤسس لفقه الأقليات، وهي في الحقيقة تؤسس لتبليغ الإسلام بالدعوة الحضارية السلمية"[33].

وكمثال عن الاشكالات التي يتعرض لها فقه الأقليات بالبحث والاجتهاد نجد فقه الأسرة المسلمة في الغرب، وهذا من باب حرص الدين الاسلامي على رعايتها والمحافظة عليها بالإضافة إلى التقليد الذي يجعل منها نواة المجتمع والبيئة التي توفر النمو الطبيعي للأفراد، ومن المشكلات التي تواجه الفقيه على سبيل المثال في هذا المضمار" الزواج من أوربية غير مسلمة للحصول على الإقامة...والزواج بامرأة عرفا على خلاف القانون، وتطليق المرأة قانونا، وهو متزوج بها فعلا، للحصول على معونة المطلقة"[34].

خاتمة

فقه الأقليات هو دائرة من الفقه العام يهتم بشأن حياة الجالية المسلمة في المهجر، يسعى إلى تقديم خطاب فقهي يستجيب ويقوى على مخاطبة مستجدات العصر من خلال تفعيل المنجز الفقهي في حاضر الإنسان من جهة، ومن جهة ثانية تطوير أساليب الاجتهاد الفقهية كما يقرّ العلماء بذلك، لأن الفتوى تختلف باختلاف المكان والزمان والحال والعرف حتى تكون الأحكام أقرب إلى معطيات الواقع التي يعيشها المسلم" من خلال فقه إسلامي معاصر، يراعي الزمان والمكان والعرف والحال"[35]، ففقه الأقليات يمثل مصفاة لحياة المسلم حيث يحصنه من متاهات الغزو الثقافي الذي يسعى إلى تذويب الخاص في الكلي، والمحلي في العالمي، كما يسعى بكل قوة لإفناء كل الثقافات واحتوائها داخل مركزية الثقافة الغربية. إن المسلم وهو يعيش في مجتمعات سيطرت عليها بقوّة إغراءات الحداثة تجعله يضيع ويتخبط في مشاكل حين لا ينضبط سلوكه بضوابط شرعية، وهذه بالذات هي وظيفة فقه الأقليات الإسلامية التي تقدم العلاج في الوقت المناسب لمشكلات العصر التي يواجهها المسلم في ديار الغرب التي لا يحكمها حكم الإسلام حتى يشعر هذا الأخير بالتوازن الروحي والعقلي والنفسي" والحق أن مشكلات الأقليات المسلمة لا يمكن أن تواجه إلا باجتهاد جديد، ينطلق من كليَّات القرآن الكريم وغاياته وقيمه العليا ومقاصد شريعته ومنهاجه القويم، ويستنير بما صح من سنة وسيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- في تطبيقاته للقرآن وقيمه وكلياته"[36].

ومن مزايا فقه الأقليات الإسلامية تعديل الثقافة المنحرفة ونشر الثقافة الصحيحة لفائدة المسلم، بعدما لحقها من تشوهات بحكم قوة الاحتكاك بين الثقافة الاسلامية والثقافة الغربية، وذلك حتى تعيش الأقليات الإسلامية في ظل الإسلام وشريعته وأحكامه بعيدا عن فوضى الفتوى وتناقضاتها التي تضر أكثر مما تنفع" يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون"[37]، ومن ثم يكون المسلم نموذجا ومثالا للإسلام عقيدة وسلوكا حتى يصدق عليه وصف المسلم الشاهد على الناس، امتثالا لروح الإسلام ورسالته ومنهجه الوسطي فالإسلام دين الوسطية عقيدة وشريعة وأخلاقا بشهادة القرآن الكريم" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً"[38] .

إن وجود المسلمين في الغرب صار حقيقة لا ينكرها أحد، وحيث يوجد مسلم يوجد الإسلام، مما يدحض الادعاء القائل أن المسلم لا يستطيع أن يعيش إيمانه حقا إلا في مجتمع مسلم, ولكن المسلم المعاصر في الغرب في حاجة إلى وضوح ضوابط العمل والتصرف من خلال تفعيل آليات الفقه حتى يكون قادرا على تحقيق التكيف المناسب مع استشكال القضايا الجديدة والمتغيرات بما لا يناقض الشريعة، بل لا بد أن لا يتوقف الفقه عند هذه الحدود بل يتجاوزها إلى البحث عن آلأليات التي للمسلم بالمشاركة في الشأن العام وتبؤ المناصب حتى يحفظ حقوق المسلمين ويصون كرامتهم

" من واجب المسلمين أن يشاركوا في الحياة السياسية والاجتماعية بإيجابية، انتصاراً لحقوقهم، ودعماً لإخوتهم في العقيدة أينما كانوا، وتبليغاً لحقائق الإسلام، وتحقيقاً لعَالَميته. ولقد قلنا: إن ذلك "من واجبهم"؛ لأننا لا نعتبره مجرد "حق" يمكنهم التنازل عنه، أو "رخصة" يسعهم عدم الأخذ به"[39]. إن مثل هذا الفقه المتجدد يكون عونا للأقليات المسلمة لتجاوز المحن والصعوبات التي تواجهها في فضاء سمته الرفض وعدم تقبل الآخر حيث يتجلى ذلك في خطاب اتهام المسلمين بالتعصب والتطرف والسخرية من الاسلام حتى بدا يثير الخوف تحت وهم خطير هو الاسلاموفوبيا " وبانتظام تثير الروايات الصحافية والخطابات السؤال عن طبيعة هذا الإسلام الذي يلاحق أوروبا اليوم"[40]. لكن لنتساءل :" ما الذي يضر الغربيين؟: الإنسان المسلم المتعبد لربه، الملتزم بأخلاقيات هذا الدين في سلوكه مع ربه، وسلوكه مع نفسه، وسلوكه مع أسرته، وسلوكه مع المؤمنين من أمثاله، وسلوكه مع الآخرين ممن يخالفون في العقيد ة: هل هذا النموذج أولى أم نموذج الإنسان الذي لا دين له، الذي يعيش عاريا من الدين، لا عقيدة تستره، ولا شريعة تحكمه، ولا أخلاق تقوده، ولا قيم تسيطر عليه وتوجه مسيرته"[41] . وفي الأخير يضمّن أنصار فقه الأقليات بعد أخلاقيا يتمثل في البحث عن التعارف في سياق جدل الأنا والآخر" ولابد لهذا الفقه أن يتجاوز الدلالة السياسية لمصطلح الأقليات، لينفتح على مصطلح التعارف الذي يوحي بطبيعة العلاقات الإنسانية الإيجابية التي تجمع بين المسلم وجاره غير المسلم؛ لأن الأهم هو المعاملة الحسنة، والتصرف الطيب اللائق مع الآخر، مصداقا لقوله تعالى:" لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"[42].

في الختام نشكر كل القائمين على هذا الملتقى العلمي المبارك، أتمنى لأشغال مؤتمركم النجاح، يوفقكم الله إلى خدمة الأمة الإسلامية، ويسدد خطاكم إلى سبيل الرشاد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التوصيات:

(1) إنشاء مؤسسات بحثية متخصصة تعمل على تطوير فقه الأقليات وفق أحوال المهاجرين.

(2) دعم المؤسسات الإسلامية بالغرب لمتابعة شؤون الأقليات الإسلامية ومساعدتها على إيجاد الحلول لمشاكلها، خاصة تلك المطروحة على الساحة الأوروبية.

(3) على الغرب أن يضمن التعددية الثقافية وحق الأقليات في المعتقد، بما تحمله الهوية الإسلامية من مميزات وخصوصيات.

(4) ضرورة سن قوانين تحرم الإساءة إلى الأديان والرموز والمقدسات الدينية، وعدم التعسف في استخدام حرية التعبير.

 (5) التصدي بقوة للرد على الأصوات التي تنادي بقيام إسلام أوروبي بهدف ضرب الإسلام وتشتيت الصفوف وتفريق الكلمة.

 (6) التركيز على نشاط المراكز الثقافية والمؤسسات العلمية خارج الديار الإسلامية لتوسيع حظوظ انتشار الثقافة الإسلامية والتعريف بها، في عالم يسعى بكل قوة إلى إفناء كل الثقافات لصالح قطبية الثقافة الغربية.

 

د. نابي بوعلي – معسكر - الجزائر

جامعة مصطفى اسطمبولي

..............................

* بحث القي في مؤتمر الفقه الإسلامي الدولي الثالث، فقــه الأقليات الإسلامية يومي (3ـ 4 / 2 / 1437 هـ  ) الموافق (15ـ 16 /11 / 2015م. تنظيم كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية

الهوامش

1- عبد الله بن بيه، صناعة الفتوى وفقه الأقليات، http://www.saaid.net/book

2ـ سورة لقمان، الآية20.

3ـ سورة الحج، الآية78.

4 ـ سورة العنكبوت الآية69.

5 ـ  يوسف القرضاوي، في فقه الأقليات المسلمة، دار الشروق، الطبعة الأولى، سنة 2001.

6 ـ الإمام الشاطبي، الاعتصام.

7 ـ   يوسف القرضاوي، نفسه.

8 ـ عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

9 ـ   خالد محمد عبد القادر، من فقه الأقليات، كتاب الأمة،  قطر، العدد61، سنة 1418هـ.

10 ـ  سورة النساء، الآية28.

11 ـ  يوسف القرضاوي، فقه الأقليات، ص15.

12 ـ  http://majles.alukah.net/ /

13 ـ  عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

14 ـ  حسن حلاوة، فقه الأقليات عند الشيخ القرضاوي، ملتقى الإمام القرضاوي، قطر 2007.

15 ـ أليفيه لوروا، نحو إسلام أوروبي، تعريب خليل أحمد خليل، دار المعارف الحكمية، الطبعة 1، سنة 2010.

16 ـ صالح بن عبد الله الدرويش: أثر الضرورة والحاجة على أحكام ممارسة الأقليات المسلمة للأعمال التالية: المحاسبة – المصارف- الوظائف العامة كالقضاء والنيابة والمحاماة، المؤتمر السنوي الخامس، البحرين، 2007.

17ـ عبد المجيد النجار، نفسه.

18ـ  سورة الأنبياء، الآية107.

19ـ سورة الحجرات، الآية13.

20 ـ سورة البقرة، الآية185.

21 ـ سورة المائدة، الآية06.

22 ـ رواه مسلم.

23 ـ   يوسف القرضاوي، نفسه.

24 ـ عبد المجيد النجار، نفسه.

25 ـ صالح بن عبد الله الدرويش: أثر الضرورة والحاجة على أحكام ممارسة الأقليات المسلمة للأعمال التالية: المحاسبة – المصارف- الوظائف العامة كالقضاء والنيابة والمحاماة، المؤتمر السنوي الخامس، البحرين، 2007.

26 ـ  أليفييه روا، نفسه.

27 ـ  عبد المجيد النجار، نفسه.

28 ـ  عبد الله بن بيه، نفسه.

29 ـ  أليفييه روا، نفسه.

30 ـ  سورة الأعراف الاية157.

31 ـ  عبد المجيد النجار، نفسه.

32 ـ عبد المجيد النجار، نفسه.

33 ـ  يوسف القرضاوي، نفسه.

34 ـ  طه جابر العلواني، نظـرات تأسيسية في فقه الأقلياتwww.feqhweb.com

35 ـ  سورة الأعراف، الآية 31،32.

36 ـ  سورة البقرة، الآية143.

37 ـ  طه جابر العلواني، نفسه.

38 ـ  أليفيه روا، نفسه.

39 ـ  حسن حلاوة، نفسه.

40 ـ جميل حمداوي، من فقه الأقليات إلى فقه التعارف، www.alukah.net

[1] ـ عبد الله بن بيه، صناعة الفتوى وفقه الأقليات، http://www.saaid.net/book

[2]ـ  سورة لقمان، الآية20.

[3]  سورة الحج، الآية78.

[4] سورة العنكبوت الآية69.

[5] يوسف القرضاوي، في فقه الأقليات المسلمة، دار الشروق، الطبعة الأولى، سنة 2001، ص 40.

* (اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)

[7] الشاطبي، الاعتصام ص817.

[8]  يوسف القرضاوي، نفسه، ص 24.

[9]ـ  عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

[10]  ـ خالد محمد عبد القادر، من فقه الأقليات، كتاب الأمة،  قطر، العدد61، سنة 1418هـ،  ص 38.

[11]  ـ سورة النساء، الآية28.

[12] يوسف القرضاوي، فقه الأقليات، ص15.

[13]  http://majles.alukah.net/ /

[14] عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

[15] حسن حلاوة، فقه الأقليات عند الشيخ القرضاوي، ملتقى الإمام القرضاوي، قطر 2007، ص6.

[16]  أليفيه لوروا، نحو إسلام أوروبي، تعريب خليل أحمد خليل، دار المعارف الحكمية، الطبعة 1، سنة 2010، ص18

[17] صالح بن عبد الله الدرويش: أثر الضرورة والحاجة على أحكام ممارسة الأقليات المسلمة للأعمال التالية: المحاسبة – المصارف- الوظائف العامة كالقضاء والنيابة والمحاماة، المؤتمر السنوي الخامس، البحرين، 2007، ص3.

[18] عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

[19] ـ سورة الأنبياء، الآية107.

[20]  سورة الحجرات، الآية13

[21]  سورة البقرة، الآية185.

[22]سورة المائدة، الآية06.

[23]  رواه مسلم.

[24]  يوسف القرضاوي، نفسه، ص34.

[25]عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، ص14. ttp://www.feqhweb.com

[26]  صالح بن عبد الله الدرويش: أثر الضرورة والحاجة على أحكام ممارسة الأقليات المسلمة للأعمال التالية: المحاسبة – المصارف- الوظائف العامة كالقضاء والنيابة والمحاماة، المؤتمر السنوي الخامس، البحرين، 2007، ص7.

[27]  أليفييه روا، نفسه، ص107.

[28] عبد المجيد النجار، نفسه، ص11.

[29]  عبد الله بن بيه، نفسه.

[30]  أليفييه روا، نفسه، ص97.

[31] سورة الأعراف الاية157.

[32]  عبد المجيد النجار، نفسه.

[33] عبد المجيد النجار، نفسه.

[34]  يوسف القرضاوي، ص6.

[36] طه جابر العلواني، نظـرات تأسيسية في فقه الأقلياتwww.feqhweb.com

[37]  سورة الأعراف، الآية 31،32.

[38]  سورة البقرة، الآية143.

[39]  طه جابر العلواني، نفسه.

[40]  أليفيه روا، نفسه، ص28.

[41] حسن حلاوة، نفسه، ص32.

[42] - جميل حمداوي، من فقه الأقليات إلى فقه التعارف، www.alukah.net

 

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

إن الموقف المذكور أعلاه وأمثاله كما نعثر عليها في (نهج البلاغة) والكتب المؤرخة لحياته وأفعاله، تؤكد بصورة قاطعة على الطابع الاجتهادي لوعيه وفعله. وليست العبارة الشهيرة القائلة بأنه لولا علي لهلك عمر، إلا دليلا على اجتهاده في حل الأمور أكثر مما هي دليلا على "عصمته" في ميدان المعرفة. وإذا كان الارتباط وثيقا بين المعرفة والاجتهاد، فإن المعرفة لا تلزم بالضرورة إنتاج اجتهاد. فقد رأى هو في ظهور الإسلام حلا للفتن التي مزقت شمل العرب بحروبها الدامية. فهو ينظر إليه نظرته إلى الضوء الذي أنار الدنيا الكاسفة النور، والذي لم يفقد شعاعه وتوهجه، على الأقل، بفعل عدم تقدم العهود به والأحقاب والقرون"[1]. وإذا كانت مأثرة النبي محمد التاريخية تقوم في أحد جوانبها بتذليل هذا التفرّق و"دفن الضغائن وإطفاء النوائر والتأليف بين الأخوان" ومن ثم تأسيسه للأمة الإسلامية الموحدة، فإن المصير التاريخي لتطورها الاجتماعي قد وضع علياً ومأثرته على مستوى آخر وباتجاه نوعي جديد. فليست الفتنة من حيث مضمونها التاريخي، والكثيرة التردد في خطاباته، سوى التعبير اللغوي السلبي عن الصراع الاجتماعي المناهض لوحدة الأمة. لهذا نراه يتكلم عن فتنة جاهلية وأخرى معاصرة له. وإذا كان في إحدى كلماته المأثورة قد نصح المرء في أن يكون أيام الفتنة كابن اللبون "لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب"[2]، فإن ذلك لا يعكس رغبته في تجنب الصراع باعتباره ضرورة. فهو لا يحدد هنا سوى موقفه الأخلاقي. ومع ذلك يبقي للنشاط والعمل أهمية كبرى وحاسمة.

فقد اعتبر  الإمام علي الجبن نقيصة، والعجز آفة. كما اعتبر الصبر شجاعة. ومن الممكن رؤية الانطباع العربي (الجاهلي) والإسلامي في موقفه من الصبر باعتباره أكثر الصفات جمالاً. لكن تصويره للصبر باعتباره شجاعة، يتضمن في آن واحد رفع شعار التضحية والاستعداد لتحمّل صعابها باسم العدالة. فالمقولات الأخلاقية لا تتضمن في أحكامه معنى سياسيا مباشرا، لكنها تخدم مقولات السياسة العملية بوصفها قيما عليا. لهذا ربط في كلّ واحد الصبر بالشجاعة، والشجاعة بالعدالة، التي أصبح القتال بين الأخوان يجري من أجلها على ما دخل في الإسلام من الزيغ والاعوجاج والشبه والتأويل"[3].  بصيغة أخرى لقد طالب بمواجهة حالة الزيغ عن مبادئ الإسلام بالصبر والشجاعة، وذلك بسبب ما في هذه المواقف من مرارة قاسية تستلزم الجلد في تماسك الروح وانضباط الجوارح. فهو يقف أمام واقع أصبح فيه القرآن السلعة الأكثر بواراً حال تلاوته الحقة والأنفق بيعاً حال تحريفه.

إن انعدام العدالة ومكابدة الفقر تبرز لا بسبب اختلاف "التأويل"، بقدر ما أصبحت نتاج "الانحراف" الاجتماعي السياسي الذي جعل من "صرخة الدماء الصادرة من جور القضاء" المظهر المفزع لانتهاك القيم والمفاهيم التي استوعبها هو. لقد رغب هو في الوسيلة التي بإمكانها أن تلمّ شعث المسلمين، وكان مستعدا لأن يمسك مقابلها عما سواها، غير أن التطور الاجتماعي الاقتصادي والسياسي جعل من هذه الوسيلة مجرد شعار. ذلك يعني أن سعيه للوحدة الاجتماعية لم يكن وهماً سياسيا. لقد اقترب أكثر من غيره آنذاك من استيعاب وفهم القضية الجوهرية التي أبرزت ضرورة تطبيق شعاره المذكور أعلاه، ألا وهي قضية السلطة.

إن إدراك أهمية السلطة يتطابق مع أنتهاء مرحلة ما يسمى بخلافة الراشدين. وذلك لأنها كانت ترمز من الناحية الواقعية إلى بروز أهمية وقيمة الفكرة السياسية. فقد كان تاريخ الخلافة حتى صعود الإمام علي إلى السلطة صيرورة متراكمة من الصراع السياسي بكل مكوناته من قيم متضادة. وقد رافقت هذه العملية صيرورة الدولة بشكل عام والإمبراطورية بشكل خاص. فقد كان صعود أبو بكر الصديق واستخلاف عمر بن الخطاب صراعا سياسيا بحتا رغم غلافه الديني الذي برز للمرة الأولى في مواجهة حروب الردة ولاحقا بالفتوحات. أما صعود عثمان بن عفان إلى السلطة فقد كان "مؤامرة" سياسية بحتة، من هنا نهايتها المخجلة والتعيسة والمناقضة لما في فكرة "الخلافة الراشدة" من معنى أولي. فمن غير المعقول توقع اضمحلال رشد المسلمين في انتفاضهم ضد خليفة يمثل الرشاد والعقل. فقد وجدت الأمة المنتفضة في عثمان أنموذجا للغي والضلال وانعدام العدالة. وفي انتفاضتها برهنت على إدراك خاص لقيمة "الرشد" بالنسبة للسلطة. وقد شاطر الإمام علي بن أبي طالب هذا الإدراك، رغم دفع الأحداث إياه عنوة صوب التمسك العملي بها. من هنا وقوفه وصراعه المرير بين عوالم السلطة والروح. فقد استلم السلطة بعد عثمان، بمعنى استلامها كما يستلم آخر متبار في سباق البريد من يد شخص منهوك القوى، متأخراً، لم يقبل هزيمته وتأخره فحسب، بل ويرغي شاتما من ينبغي أن يقطع الشوط الأخير. وهي الحالة التي ميزت تقبّل الإمام علي للوديعة الخربة تحت تأثير حماس الجمهور. وقد قبلها "مجبورا" لاسترجاع الفوز السابق في منازلة كانت نهايتها المحتملة تتأرجح بين الخسران أو إزهاق الروح من أجل اللحاق بالأوائل!

فقد ترك عثمان بن عفان للإمام علي بن أبي طالب خلافة الزمن الفارغ، وكمية هائلة من الاحتجاج الاجتماعي وكتلة هائلة من الخراب المعنوي المتجسد في قوى سياسية واجتماعية متمرسة في عوالم الرذيلة، ومحنكة بالدهاء السياسي. فقد بلغ الزمن ذروته في لذة السلطة وتوظيف "الوحي" بالطريقة التي تجعل كل المواقف مباحة مازالت تؤدي وظيفة التجديد الدائم لهذه اللذة. من هنا ليست محاولة الإمام علي بن ابي طالب إعادة واستعادة "الإسلام الحق" سوى المحاولة التاريخية الأولى والكبرى لبناء الدولة والحضارة، التي تمثلت من حيث الجوهر مشروع الصيرورة السياسية للدولة الإسلامية اللاحقة، والكينونة الروحية للثقافة.

فمن الناحية الظاهرية تبدو اغلب مواقفه السياسية الأولى كما لو أنها رد فعل مباشر وغير مباشر على طبيعة وحجم الخراب الذي أحدثه عثمان في مسار الدولة. أما في الواقع، فقد كانت مواقفه ونموذجه الحياتي وكفاحه ومماته حلقات مترابطة في تأسيس الأبعاد الباطنية للمرجعيات الإسلامية الكبرى في الموقف من الدولة والمجتمع والسلطة والإنسان والروح. فعندما صرح في أولى خطبة له بعد أن بويع بالمدينة قائلا "ذمتي بما أقول رهينة. وأنا به زعيم (كفيل). إن من صرّحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزته التقوى عن تقحّّم الشبهات. ألا وإن بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم. حق وباطل. ولكلّ أهل. ولقلما أدبر شيء فاقبل"[4]. لقد أراد القول، بأنه كفيل بما يقول ويعمل، لأن من يدرك تجارب الأجيال والتاريخ وعقوبته تحرزه رؤيته هذه عن خوض الشبهات. وهي شبها جلية في بلية الانحراف عن الحق وانتشار الباطل. كما أنها حالة حرجة انطلاقا من أنه قلما أدبر شيء فأقبل، بمعنى أن ما ذهب يصعب رجوعه. وذهاب الحق صعب الإرجاع لكنه ممكن. بحيث نراه يجعل من هذه المواجهة معنى القول والعمل. وبالتالي إمكانية استرجاع حقيقة النبوة لا النبوة، وذلك لإدراكه طبيعة العقاب التاريخي الذي تعرضت وتتعرض له الأمة في ظل سيادة "أهل الباطل" بعد أن أدبرت مرحلة النبوة. وقد تحسس وقع هذه الحالة وثقلها عليه كما تلمسها بصورة جسدية مباشرة عندما اندفع عليه الجمهور المنتفض ليبايعوه على الخلافة. بحيث نراه يصورها بكلمات تقول "تداكوا عليّ تداكّ الإبل الهيم يوم ورودها، قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها، حتى ظننت أنهم قاتليّ أو أن بعضهم قاتل لدى بعض". كما أشعرته هذه الحالة بقدر متكافئ الرغبة في استعادة الحق وهول مواجهته في ظل الخراب العميق وريبة الرؤية السياسية للنخبة المكية العفانية. ونعثر على كل ذلك في تمنعه وتردده من قبول العرض العام لتسلم السلطة، كما نراه ونسمعه في قوله عندما خاطب الجمهور:"دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول. وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت. واعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب. وإن تركتموني فإني كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم. وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا"[5].

إننا نعثر في هذا الموقف على حجم وطبيعة الإدراك العقلي والوجداني لواقع الدولة وإشكاليات الوجود الاجتماعي والأخلاقي المتمردة من جهة، وعلى طبيعة وحجم التحدي الفردي لكينونته الجديدة بوصفه أميرا من جهة أخرى. لقد نزع من "حق الولاية" تعبير المؤمنين، على خلاف عمر بن الخطاب، وتعامل مع الأتباع والأعداء على أنهم مسلمين من حيث الانتماء الشكلي للأمة والدولة. وتضمن سلوكه هذا معنى الرجوع إلى الرؤية المحمدية في عاملها مع الواقع كما هو لا مع نموذجه المرتجل في رفع شأن الأفراد والأمة إلى مصاف الإيمان. فالإحسان حقيقة الإيمان، ولا إحسان فيما كان يواجهه الإمام علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان، بل خراب وعنفوان وتمرد وصراع. وليس مصادفة أن يشدد في اغلب خطبه على ظاهرة الفتنة. وقد عّبر عن موقفه العام منها في أحد مواقفه القائلة، بأن الفتن "إذا أقبلت شبهّت. وإذا أدبرت نبهّت. ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات". بمعنى أنها تخلط الأمور وتختلط فيها المواقف والأساليب والنتائج. بدايتها قلاقل ونهايتها زلازل، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن حقيقة تقوم في وضعها الجميع أمام تحسس ما في نهايتها من دمار. ووجد إمكانيتها الفعلية الخاصة في بني أمية، أي في السلسلة غير المرئية لأحفاد وأسلاف عثمان بن عفان. وقد قال مرة بهذا الصدد، بأن أخوف الفتن عنده على الناس "فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة عمّت خطتها وخّصت بليتها،وأصاب البلاء من أبصر فيها واخطأ البلاء من عمي عنها. وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي... حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم أو غير ضار بهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه"[6]. وبنى موقفه هذا على أساس تأمل التجربة التاريخية لهذه الكتلة السياسية ومكونات إرثها "الروحي". بمعنى أنه وقف أمام الإرث المتناقض لسياسة النبي محمد تجاهها واستفحاله في زمن عثمان. فقد كان هذا التناقض محكوما بما في شخصية الإمام علي بن أبي طالب من أولوية الروح الأخلاقي وفكرة العدالة المتسامية على مغامرات السياسة وأبعادها المجهولة. لهذا لم ينظر إليها على أنها مكونا في "أمة المؤمنين"، بل قوة لها امتدادها العريق في جاهلية الروح والقيم. من هنا حكمه الواضح تجاهها عندما قال مرة عن بني أمية:"والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه ولا عقدا إلا حلّوه. وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم ونبا به سوء رعيهم، وحتى يقوم الباكيان يبكيان، باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه. وحتى تكون نصرة أحدكم من احدهم كنصرة العبد من سيده. إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه. وحتى يكون أعظمكم فيها غناء أحسنكم بالله ظنا. فإن أتاكم الله بعاقبة فاقبلوا، وإن ابتليتم فاصبروا. فإن العاقبة للمتقين"[7].

فقد اختلط في هذه الرؤية وثناياها بريق الفتنة ودخانها، كما أخذت معالمها تبرز بوضوح بوصفها صراعا بين فكرة الدولة والسلطة. ووجد انعكاسه في مأساته التاريخية بوصفها صراع الروح والسلطة. وهو صراع هائج وعميق المحتوى على قدر ما في الإمام علي بن أبي طالب من أبعاد غير متناهية في وحدة الوجدان والإيمان كما نعثر عليها في تلك العبارة الوجيزة التي كشفت عن أعماقه الملتهبة عندما وقف على شفا قبر فاطمة وهو يقول بملء صوته مخاطبا أبيها:"لقد وسدّتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك... فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة! أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسّهد!"[8]. وتكشف هذه العبارة عن أعماقه المحكومة بالأزل والأبد، بمعنى الهائجة في عوالم لا تتناهى. وهو حال ممكن بالنسبة لأولئك الذين تتسع قلوبهم للوجود والمطلق. وهي قلوب عادة ما تصنعها مراحل الانقلابات الخطرة والعاصفة أما بهيئة شاعر فحل أو كاتب عظيم أو أديب مرموق أو خطيب بليغ أو فيلسوف أصيل أو سياسي مقتول! فقد ارتطمت هذه المكونات جميعها بأقدار ونسب مختلفة في شخصية الإمام علي بن أبي طالب. وليس مصادفة أن يرى "الآفاق قد أغامت" عندما دفعه جمهور الناس لأخذ زمام المبادرة وقيادة الأمة المضطربة بين نشوة قتلها لخليفة جائر وسعيها لاستعادة الحق فيم تراه خصيصا به. وليس مصادفة أن يقف نفسه أمام صراع الروح والسلطة في أعماقه، عندما خاطب الجمهور قائلا:"إني إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب!" لهذا فّضل أن يكون لهم وزيرا من أن يكون أميرا! وفيها يمكن رؤية البطولة والمأساة بقدر واحد. لقد أراد مواجهة العالم وما فيه بما فيه. ذلك يعني أنه لم يسع إلى وضع نفسه بالضد من العالم بقدر ما أراد أن يجعل العالم وذاته المترامية بين الأزل والأبد محكومين بفكرة الروح المتسامي. وهي محكومية عادة ما تؤدي بالشخصية الكبرى إلى مواجهة خطرة في ميدان السياسة واشد خطورة في ميدان الروح. لكنها المواجهة الوحيدة القادرة على صنع مرجعيات الرجال والفكرة في التاريخ ووعي الذات الإنساني والتاريخي. وليس مصادفة أن تكون هذه المرجعية شعار مواجهته المواقع حالما تسلّم الحكم بعد عثمان، بحيث تحول كيانه وكينونته إلى نفي شامل لهما. لاسيما وأنها كانت الخطوة الأولية والضرورية لأية مواجهة تعي وتدرك قيمة الروح بالنسبة للدولة والحق. من هنا محاولته الأولية استرجاع ما اقتطعه عثمان لأصحابه وأقاربه من أراضي الدولة وأموال الأمة كما وضعها في كلماته الشهيرة القائلة:"والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته. فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"[9]. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص157.

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص2. ابن اللبون هو أبن الناقة الذي بلغ السنتين من العمر.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص47-48

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص82.

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص184.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص191.

[8] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص182.

[9] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص46.

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

المستقبل الذي بشر به الإسلام والقرآن بيقين قاطع، لم يعد يمتلك سحره الغابر. فآية الصافات القائلة، (لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين وإن جندنا لهم الغالبون) أخذت تفسح المجال للتنبؤات المشحونة بتخوف الزمن الآتي، الذي سوف لن يكون به "شيئاً أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل"[1]، "الزمان الذي لن تكون فيه" سلعة أبور من الكتاب (القرآن) إذا تلي حق تلاوته ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه"[2]. وبغض النظر عن إمكانية انتحال أو وضع هذه العبارات وأمثالها على لسانه، إلا أن مضمونها يتوافق مع آرائه العامة ومثله الحياتية العملية. إضافة إلى أن ممارسة التنبؤ الإسلامية لم تكن سحرية الطابع ولا أسطورية المعنى. فقد عاش علي بن أبي طالب في تلك المرحلة التي كشفت بوضوح كيفية "تحريف مواضع الكتاب". بصيغة أخرى، أن القضية لا تقوم فقط في أن هذا التنبؤ يستند إلى تقاليد عربية وواقعية، بل ولأن معطيات الصراع التاريخية لتلك المرحلة تكشف عن واقع تحول القرآن أحياناً إلى غطاء، وفي حالات أخرى إلى وسيلة للمكر السافر، كما جرى معه في معارك صفين.

لقد تحولت الآيات القرآنية إلى بديهيات سياسية. لكن مفارقتها تقوم في أنها بديهيات ينبغي أن تخدم مصالح القوى المتعارضة. مما أدى، كما يقول الإمام علي، إلى أن تصبح الناس "أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم"[3]، وبالتالي تحويل الآيات القرآنية إلى جزء من البديهيات السياسية قبل أن ترتقي مفاهيم القرآن إلى هذه الحالة. ذلك يعني أن المصدر الأساسي للأيديولوجيات الإسلامية أصبح منبوذا من قبل حملته، منسيا من حفظته السالفين! ووراء كل ذلك تقف قوة الثروة التي رافقت نشوء الدولة وتطورها. وإذا كان علي قد حدس سرّ الدرهم وقوته، التي أصبحت معها ضربة السيف على المؤمن هينة الوقع[4]، فإنه لم ير في كل هذه العملية سوى تراجع إلى الوراء ونكوص عن المبادئ والقيم وتثليم "حصن الله بأحكام الجاهلية" الجديدة[5].

فالانقلاب الذي أحدثه الإسلام في حياة العرب مازال قائما، لكن أسسه الروحية آخذة في التسوس. وكل ما حوله يشير إلى الانحلال والتعبير عن انحراف مناف للخير الإلهي. ففي كل مكان، كما يقول في إحدى كلماته "لم يعد يوجد إلا فقيرا يكابد فقرا أو غنيا بدّل النعمة كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بأذانه عن سمع المواعظ وقرا"[6]. فالعالم الجديد الذي صنعه تيار الإسلام الجارف أفرز في غضون عقود قليلة من صيرورة الخلافة (الدولة) وسلطاتها "أشباحاً بلا أرواح ونساكاً بلا صلاح"[7] بل أن نشاط الناس ليبدو عبثاً، أو حسب عبارته، كتجارة بلا أرباح. فالناس نوّم في يقظتهم، عمي في نظراتهم، وفي نطقهم بكم، تائهة ضحية المذاهب والمشارب. ولم يعن ذلك وقوفه بالضد من التنوع والتباين بقدر ما أنه وجد في هذا الانهماك المتهالك وراء الخلافات تباين المصالح الدنيوية لا مصالح الحق.

ولعل أعمق عبارة صوّر بها هذا الواقع الجديد وانسلاخ الإسلام التاريخي عن فاعليته السابقة بوصفه دين الحركة الاجتماعية الصاعدة وأيديولوجيتها، هي كلماته التي وصف بها حال الإسلام المعاصر له بعبارة "لبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً"[8]. ومن الصعب القول بأن علياً قد وعي كل جوانب ما ندعوه الآن بالعملية التاريخية لصيرورة الدولة، لكنه تحسس وقاوم الاتجاه الصلد في تطور مكوناتها التي أخذت تهشّم الوحدة القديمة لتنشأ على أشلائها وحدة جديدة. لكنها وحدة لم يعد الإسلام فيها قوة تلقائية، بل قوة مؤدلجة وتراثاً يمكن التلاعب به وتطويعه بالصيغة التي يخدم فيها مصالح القوى المتحاربة.

ولا يعني ذلك بأن علياً سعى لمعارضة هذه العملية في تكون الدولة ومؤسساتها. فهو شأن كل رجال المبدأ الكبار وإصلاحيي الروح الأخلاقي العظام كان لابد وأن تضطرب في أعماقه هواجس قوى المعارضة المتسامية للنفس الغضبية (المتسلطة). وبهذا المعنى كان لابد له من أن يفترض في أي موقف ايجابي من السلطة نزع سلطويتها. لكن هذا التعارض الفعلي بين المسار الواقعي لصيرورة الدولة وبين مضامينها العملية التي سعى لتنفيذ برنامجه من خلالها، كان لابد وأن يضع ويثّور معضلات تشكل في حصيلتها الموشور المتشنج لرؤية الماضي والآفاق، وتقييم التجربة الدائمة. وفي الحالة المعنية، كان موقفه المعارض للاتجاه الصلد في تهشيم الوحدة الروحية القديمة باعتبارها المثال الأعلى لحقيقة السلطة، لم يعن تهاونا أو تهادنا أو هجوما ضد بنائها الجديد، بقدر ما كان يعادل سعيه لتمتين وحدتها الداخلية من خلال الرجوع الدائم إلى يقينها الأول.

بعبارة أخرى، لم تكن معارضته سوى المظهر الأنبل لحقيقة الدولة ومؤسساتها. وهو أمر جلي سواء في حياته قبل استلامه السلطة وبعدها. بحيث يمكن رؤية بعض ملامحها في الاتهامات التي وجهت إليه قبل صعوده لسدة الخلافة، بما في ذلك المنسوب منها للخليفة عمر بن الخطاب، التي انتقد فيها ما أسماه بحبه للسلطة ورغبته فيها. وهو انتقاد لا أصالة فيه ولا إخلاص للحق والحقيقة. لكنه ممكن ومحتمل بمعايير الصراع السياسي والرغبة الدفينة في الريادة والسيادة التي كانت تطبع نفسية عمر بن الخطاب نفسه. من هنا يمكن النظر إلى سعي الإمام علي للسلطة، مع ما في هذه العبارة من تجاوز على حقيقة ما كان يعتمل فيه، هو سعي الروح المبدئي وهمومه المتحرقة تجاه إشكاليات الأمة والدولة والحق. فالإمام علي لم يكن رجل السلطة، بل رجل الدولة، ورجل السلطة الإنساني في أدق وأعمق وأجلى معانيها الروحية. وذلك لأن همومه الكبرى كما سيكشف عنها تاريخ الصراع العنيف اللاحق، كانت هموم الإصلاح النوعي للدولة والقانون والروح الأخلاقي العام والخاص. الأمر الذي يفسر سرّ رجوعه المتحمس إلى التجربة المحمدية وإبراز أولوية العمل بها. ولم يكن ذلك معزولا أيضا عن نضوج الصراع السياسي وتحوله إلى صراع مكشوف وعلني لا مواربة فيه ولا رياء. وليس مصادفة أن يؤكد في وصيته لعبد الله بن العباس في محاججته للخوارج على ألا يحاججهم بالقرآن لأنه حمّال أوجه (أي يحمل معاني كثيرة)، بل ماججتهم بالسّنة[9].

إن احتلال العمل مركز الصدارة لم يعن من الناحية التاريخية، سوى كونه المقدمة الضرورية للتطور الاجتماعي السياسي والفكري اللاحق. فقد أحدث انتصار الإسلام انعطافا حاسما في الحياة الاجتماعية والروحية للعرب آنذاك. لكنه شأن كل انتصار سياسي فكري تاريخي كان لابد له من أن يتجزأ ويعيد صياغة نفسه. فتوحيدية الإسلام لم تعق اختلاف الآراء وتنافرها. لقد وفّرت غطاء، وكانت لحد ما مصدرا للمواقف المتباينة تجاه كل ما يجري. وذلك لأن القوة الفاعلة في تحديد المواقف كانت محكومة بالتوجه الاجتماعي للقوى المتصارعة. فالممارسة الاجتماعية السياسية لم تكن آنذاك عميقة للدرجة التي يصبح معها صراع الأفكار قضية أولى، أو أن يندفع فيها هذا الصراع إلى المقدمة باعتباره التعبير المثالي والانعكاس الروحي لأحداث العالم. ومع ذلك ظل الفعل والعمل معيارا نهائيا سواء وعت ذلك القوى المتصارعة أم لم تعيه.

فالسّنة النبوية هي أيضا التعبير العملي النظري عما جرى، والذي بإمكانه أن يكون مثالا (واجبا) لما يجري. فالكلمة تمتلك إمكانية التأويل المتباين بما في ذلك كلمات القرآن. بينما الفعل - الحدث له حكمه القاطع. وفي هذا يكمن سبب توكيد الإمام علي بن أبي طالب على أن تكون السّنة حجيج ابن عباس ضد خصومه. ثم أن السّنة رمز الوحدة في الممارسة. ففي مراحل الصراع الاجتماعي الحاد يصبح الفعل مضمون الكلمة. وإذا كان بإمكان الكلمة أن تكون مصدر خلاف بين ممثلي المعسكر الاجتماعي الواحد، فإن الفعل لا يمكنه أن يؤدي في حالة الاختلاف عليه سوى إلى تجزئة المواقف، ثم الميول والاتجاهات، وفي نهاية المطاف سيحتدم الصراع بوصفه صراعاً لا مهادنة فيه. فالممارسة هي الوحيدة القادرة على أن تكون معيار الحقيقة المطلقة زمن الصراع الذي لا مساومة فيه ولا هوادة. أنها تكشف عن توجه القوى الاجتماعية. وفي هذا الواقع، لم يكن بإمكان الإمام علي تجنب تأثير عملية التفكك والتآلف الجديدة في المجتمع العربي الإسلامي.

فقد مثل هو استمرار الاتجاه الإسلامي المحمدي ولكن في مرحلة انتقال المجتمع من الوحدة الإسلامية إلى وحدة جديدة ترتكز على مبادئ سيطرة واستقلال الدولة وبزوغ الأيديولوجية، بوصفها قوة مغتربة. فعملية التفكك والابتعاد عن الوحدة الاجتماعية للجماعة الإسلامية شكلت في تصوراته رجوعا إلى الماضي. فالجاهلية بدت بالنسبة له كما لو أنها تعيد تشكيل نفسها وتنتظم خيوطها من جديد كما يفعل العنكبوت تجاه مصايده. وعوضاً عن الهروع في هذه الحالة إلى منبع الجماعة الإسلامية ومصدر قوتها وعظمتها كما دعا هو، فإن "قوى المنكر" تسير في خطاها، وإن لأظلم ما في الأمر، كما قال مرة، عندما لا تعترف هذه القوى بجهلها.

لقد نظر إلى الجهل نظرته إلى أحد الشرور الاجتماعية والأخلاق الجاهلية. بينما أظهرت الممارسة أن الجهل وما يعارضه هنا هو مجرد مقولات سياسية عملية. وفي هذه الحالة كان لابد للماضي من الظهور بقوته المعهودة، باعتباره السند المتين والدفين في أعماق الذاكرة، واليقين الأخلاقي الذي لا يمكن للقوى المتصارعة أن تمسكه بيديها. وبالتالي كان لابد للعروة "الخالدة" من أن تبحث عن مرتكز لها بعيدا عن محاصرة السلطة المباشرة. وليست هذه العروة الخالدة سوى الماضي أو المستقبل.

وإذا كان المستقبل عادة ما يقلق السلطة باعتباره مستقبلها أيضاً وخزانة آفاق وجودها ومصيرها، فإن الماضي عادة ما يشكل بالنسبة لها مستودع ثرواتها المنسيّة. ومن ثم بإمكانها الرجوع إليه بالقدر الذي تضطرها إليه الذاكرة المحاصرة في سعيها للخروج من هذا المأزق أو ذاك، أو لتبرير ما تجده ضرورياً لأعمالها. فالماضي يتحول بهذا المعنى إلى خادم صغير يؤدي خدماته على مثال صغار موظفيها، على عكس تلك القوى التي تبحث في الماضي عن عروة يقينها الأخلاقي. وتوافق هذه العملية من حيث مضمونها مع الرجوع إلى مبدأ الحق. لهذا كان موقفها من الماضي مبنيا على أساس استقامة الاجتهاد والبحث عن دليل العدالة وليس على أساس التبرير والتأويل المفتعل.

وليس مصادفة أن تؤدي هذه العملية أحيانا إلى نتائج عكسية. فقد رفض الإمام علي الانصياع للإجبار "السياسي" غير المباشر، الذي حاول فرضه على الجميع عبد الرحمن بن عوف. فقد طاف الاخير بسؤال محدد على كل أولئك الذين دخلوا في هيئة الشورى لاختيار الخليفة، عما إذا كان كل منهم سيسلك سلوك من قبله (أبو بكر وعمر)، وأن لا يقرّب أحدا من أهله. وإذا كان عثمان قد أجاب بالإيجاب بينما سيكون سلوكه مغايرا تماما، فإن علياً رده قائلاً: مالك ولهذا؟ إذا قطعتها في عنقي! فإن عليّ الاجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها كان في بني هاشم أو غيرهم. وعندما شدد ابن عوف قائلا: لا والله حتى تعطيني هذا الشرط! فأجابه: والله لا أعطيكه أبداً[10]. وبغض النظر عن كل الحوافز الفعلية القائمة وراء ضغوط ابن عوف، فإن ما هو جوهري بالنسبة لنا هو رؤية الموقف الحقيقي من تراث الأسلاف وإدراك الموقع الشخصي في اندماجه بالماضي والمستقبل. فإذا كان عثمان قد قال وخان وأعطى العهد ونكث، فإن علياً رفض القول وآمن ولم يعط الكلمة وتمسك بالحق. وهو السلوك الوحيد الذي يفرضه منطق الحق والروح الأخلاقي. وفي هذه العملية لابد للماضي من أن يتحول إلى معيار صارم ومحك خشن لتقييم كل ما هو موجود. لهذا يصبح الرجوع إلى الماضي أسلوب المقارنة ووعي الذات. لهذا السبب أيضاً وجد الإمام علي في سلوك السلطة رجوعا إلى الجاهلية وماضيها، أي أنه بحث عن المثال الأقوى، الذي يشكل بحد ذاته قيمة معترفا بها من قبل الجميع. والأهم من ذلك قيمة مطلقة بالنسبة له رغم سعيه للاجتهاد الحر. من هنا نستطيع القول بأن الرجوع إلى الماضي في أفكاره وممارسته لم يكن، من الناحية الموضوعية والتاريخية، وهما اجتماعيا(يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص30

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص31.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، 126.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص126

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص154.

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، 2، ص11-12.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص207.

[8] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص209.

[9] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص136.

[10] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص40.

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

للقدر لعبته مع الأفراد والأمم! فهو يدرجهما في حركة المصير والذاكرة. وذلك لأن قدر الأفراد والأمم على قدر مكانتهم في التاريخ والزمن، أي على قدر بقاءهم في سريان الروح ووعي الذات الثقافي، أو اضمحلالهم في الدهر البارد. ولا يشذ عن هذه الفكرة تقدير وتقرير المأثرة التاريخية للأفراد أو اللعنة الأبدية الممكنة في نسيان فاحش أو إدانة أفحش، بوصفها الخاتمة التي طبعت من حيث الجوهر حياة وممات عثمان بن عفان. فقد كانت حياته سلسلة متقطعة من زمن الانسياق البارد وراء ملذات عابرة، بينما كان مماته تفاهة اكبر ورذيلة تامة عندما يجري تقييمها على أساس موقعه في هرم السلطة الإمبراطورية الهائجة بتراثها الروحي المسكون بحب الاستشهاد من اجل القيم المتسامية. وليس مصادفة أن يتحول قميصه فقط إلى بيرق الصراع من اجل السلطة بالنسبة لأولئك الذين تغلغل في أعمق أعماقهم حب الجاه والمال. إذ لا شيء في عثمان كان يمكنه أن يغري العقل والضمير. لهذا اندثر في وقت لاحق بين "محبيه" و"كارهيه"، لأنه لم يكن شيئا. وقد كانت تلك من اعنف مفارقات التاريخ السياسي والروحي للخلافة العربية الإسلامية الأولى.

فقد كان عثمان من حيث النفسية والشخصية رخوا، ضعيفا، هشا، مسلوب الإرادة، محكوما بقوة الغريزة. تربع هرم الدولة الصاعدة في اشد مراحل اندفاعها وعنفوانها! ومن الممكن فهم سرّ هذه المفارقة على أنها جزء من مغامرة النفس الجاهلية القابعة في أعمق أعماق الأغلبية من صحابة العصر آنذاك، ومن اعتبر صكوك "التبشير بالجنة" وثيقة التحرر التام من الالتزام الأخلاقي. فقد كانت فكرة "المبشرين بالجنة" الوثيقة الأولية لإفساد الروح المعنوي. وذلك لما فيها من إمكانية متعارضة بين الإرادة والمصير. فقد كان المصير معلوما والإرادة مجهولة. بحيث جعلت هذه المعادلة المقلوبة من الممكن استثارة النفس الغضبية والشهوانية دون أي رادع أخلاقي، لأن الأفعال أيا كانت تصبح جزء من "حكمة الله" المضمونة بحسن الخاتمة الأبدية! وفي هذا يكمن سبب خاتمة عثمان المخزية. كما أنها النهاية التي تكشف عن أن قدر التاريخ الفعلي هو الوحيد الذي يتمتع بواقعية تتجاوز وتذلل كل الاعتبارات الأيديولوجية أيا كان مصدرها. لاسيما وأن ورع عثمان الكاذب وعوده الرخو ورياءه المتميز قد جعل من الأحكام والتصورات الأيديولوجية تطويعا سياسيا فجا للوحي القرآني. بحيث جعل من الآية القرآنية خادما وضيعا للإرادة المبتورة برغبة الاحتفاظ بالسلطة. لهذا كانت خاتمته الفردية مهينة في بداية مهيبة للدولة! وقد واجه الإمام علي بن أبي طالب هذه الحالة، وجعلت منه بمعنى ما ضحية هذه المفارقة الخشنة. إذ وضعته صفته المكتسبة الكبرى، بوصفه "خشنا في ذات الله" على محك التاريخ السياسي والروحي للدولة الجديدة. بمعنى وضع تماسكه الروحي الذاتي على محك التاريخ السياسي للدولة والأمة، مع ما ترتب عليه من مأساة كبرى جعلت منه أنموذجا للفكرة المتسامية وقيم المعنى والرؤية الأبدية.

فقد صنعت ثلاثية الفكرة الروحية وقيم المعنى ورؤية الأبد المتماسكة في شخصيته كينونته الواقعية والمجردة. وجعلت منه في الوقت نفسه الشخصية الأكثر تمثيلا لما يمكن دعوته بالممثل الفعلي للتاريخ الروحي (العربي والإسلامي). وفي هذا كان وما يزال يكمن بريقها الخاطف ومأساويتها المثيرة للعقل والضمير. وذلك لأن تحقيق هذه الوحدة المتماسكة لثلاثية الروح والمعنى والرؤية المتسامية في ميدان السياسة عادة ما يستثير كوامن الرذيلة المتأصلة في الجسد والغريزة البشرية. وبالأخص عند أولئك الذين تراكمت في جينات وعيهم ولاوعيهم الفردي والعائلي حب المال والجاه (السلطة). إذ حالما تصبح السياسة ميدان التحقيق الفعلي لثلاثية الروح والمعنى والرؤية المتسامية، فإنها تولد بالضرورة شرارة الوجد والوجود، والعقل والضمير، والظاهر والباطن. حيث أخذت هذه الشرارة بالتطاير في مجرى الصراع الضاري الذي استتبع مقتل أبن عفان، وانتهى باغتيال الإمام علي من جانب أولئك الذين كان هو نفسه يمثل الأبعاد غير المتناهية وغير المدركة فيما كانوا يسعون إليه. وجسّدت هذه الخاتمة مأساة الموت البطولي، بوصفه النتيجة المعكوسة لزمن النخر الخبيث للدولة والمجتمع والروح الذي جسدته العفانية[1]. فقد كانت العفانية عفونة قاتلة أعمت الجميع وشوهت أذواق النخبة السياسية، التي وجدت في رفع الجماهير المنتفضة للإمام علي إلى سدة الحكم حكما عليها بالموت! من هنا ثائرتها التي أخذت تثور في مختلف أصقاع الإمبراطورية الكبرى التي استحوذ عليها بقوة السيف والسلم والفكرة. وليس اعتباطا أن تظهر المواجهة الارستقراطية المباشرة بعد أول انتخاب فعلي له من جانب الأمة المنتفضة ضد القهر وانعدام العدالة الذي ميز خلافة ابن عفان. بمعنى إننا نقف أمام ظاهرة الصراع التاريخي الكبير بين اتجاهين، الأول وهو الاحتكام إلى قوة الرأي العام وموقف الأمة، والثاني المتمسك بغريزة القوة العارية وجنوح الارستقراطية للاستفراد والهيمنة. وهو صراع تاريخي كان يتراكم في كل مجرى الخلافة قبل استلام الإمام علي للحكم.

لقد كان هذا الصراع المتراكم أيضا خطوة هائلة إلى الأمام في المسار المعقد لوحدة الأمة السياسية، التي سيشاطرها علي بن أبي طالب نفسه في وقت لاحق. لكنه نظر إليها من خلال تصوراته عن حقائق الإسلام ومبادئه وقيمه وغاياته. فالصراعات الداخلية التي شكلت أسلوب نشوء الوحدة الجديدة أسهمت أيضا في إنتاج ثنائية اليقين والقلق، إي المكونات التي عادة ما يحدد مضامينها الحقيقية وتأثيرها المباشر في الفعل السياسي طبيعة وكيفية احتكاكها بما ندعوه الآن برؤية المهمات الملحة. فعندما استشاره الخليفة عمر بن الخطاب حول شخوصه بنفسه لقتال الفرس، فإن عليا أجابه بفكرة تربط في كلّ واحد اليقين بالأمة والقلق عليها. فقد كان ذا ثقة بقوة العرب بالإسلام وكثرتهم بالإيمان لكنه خوّفه من إمكانية الانتفاضة والردة من الأعراب في حالة خروجه من المدينة باعتباره رمز القوة السياسية. وعبّر عن ذلك بنصيحة سياسية دعاه عبرها بضرورة البقاء في المدينة والقيام منها بإدارة شؤون الحرب (السياسة الخارجية). وشدد في نصيحته على "أن العرب وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالاجتماع"[2].  وحذّره في الوقت نفسه من أن خروج الخليفة من المدينة قد يؤدي إلى أن تنتفض عليه العرب "من أطرافها وأقطارها"[3]. ولم يظهر هذا التحذير عن  فراغ، إي انه كان يستلزم على الأقل وجود من هو قادر على الخروج والانتفاض وأسباب كامنة وراء ذلك.

وإذا كان من الصعب تحديد عمق وقوة الاحتجاج الاجتماعي المختبئ آنذاك في أعماق "الأعراب"، فإن مما لا شك فيه هو أن الفتوحات الإسلامية استقطبت أغلب طاقات الاحتجاج الداخلي وعدم الرضا، الذي لا يمكن القضاء عليه أو استنفاده الكلي في ظروف الدولة ومؤسساتها. فإذا كانت خلافة عمر بن الخطاب قد عمّقت قوة السياسة في الأمة وتثوير طاقاتها الاجتماعية وتوجيه جهودها نحو تأسيس الدولة المتماسكة، فإن التحذير الذي أطلقه الإمام علي يبدو كما لو أنه يحتوي على نزوع رمزي في رؤيته لملامح الانتقال المأساوية. لقد طلب من عمر بن الخطاب أن يكون قطباً يستدير بها رحى العرب. وفي الوقت الذي طالبه بالبقاء في المدينة، فإنه نفسه سينزع إلى مغادرتها في وقت لاحق. وإذا كان يرى في بقاء عمر بن الخطاب مصدرا للقوة، فإن مغادرته لها تبدو إنهاء لقيمة هذا المصدر. لكن هذه المقارنات الشاعرية تبقى من إبداع اللغة المعاصرة وتأملها المترفّع عما كان يجرى آنذاك. فقد كانت هذه المجريات آنذاك "غيبا" ينبغي خوض غماره من أجل رؤية فضائله ورذائله، عظمته وسخافته.

فقد كان الوجود الإسلامي آنذاك في طور التكوين الحكومي، الذي ألهم الجميع مشاعر الاعتزاز والتحدي. فالسلطة ذاتها أثارت شرارة المواجهة، ومن ثم أحرقت مشاعر المؤمنين في تأمل لهيبها. وبهذا المعنى فإن مواقف الإمام علي من السلطة، التي مثلت في كينونتها طبيعة التحولات الجارية، لم تكن مبنية بالضرورة على رؤية كل حيثيات الواقع ومجرياته. لقد كان بإمكان الردة السابقة وحركاتها التي أقلقت حياة أبي بكر، أن تثير في أعماقه شعور القلق السياسي تجاه يقينيات الأمة. وفي هذه العملية كان من الممكن أن تتحول الكثير من العقائد الإسلامية المختلفة إلى بديهيات سياسية.

فقد سلك الإمام علي في أحد مستويات نشاطه السياسي قبل صعوده لسدة الحكم، سلوك الوزير (المستشار)، الذي أثبط لحد ما عزيمته في الصعود للسلطة. بحيث نراه يرفض الخلافة عندما طالبه الجمهور بتقلدها بعد مقتل عثمان بن عفان. بل ونراه يفضل أن يكون لهم وزيرا من أن يكون أميرا. بينما قذفه الصراع الاجتماعي اللاحق إلى المقدمة بحيث جعله ممثل الجماهير المنتفضة ضد السلطة. فقد خاطب عثمان مرة قائلا:"إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم ...فالله الله في نفسك. فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل. وإن الطرق لواضحة، وإن أعلام الدين لقائمة"[4]. وتكشف هذه العبارة عن طبيعة الصراع الاجتماعي وتناقضاته. وفيها نعثر على تصوير للواقع وتعبير عنه، لم يكن مقتل عثمان بن عفان سوى نهايته الخجولة وبدايته الصريحة. وهو صراع واقعي عبّر عنه بكلمات مقتضبة عميقة المغزى عندما صور ملامحه بصيغة بلاغية قائلا:"أقبل مزبدا كالتيار لا يبالي ما غرّق، أو كوقع النار في الهشيم لا يجفل بما حرّق"[5]. غير أن الصراع ليس قوة مغتربة. وقد أدرك علي أسبابه بوضوح متزايد مع تنوع وتعمق تجربته السياسية والأخلاقية. فالمسلمون الأوائل، كما يقول علي، كانوا يقاتلون مع النبي بغض النظر عن أن القتل يختطف الآباء والأبناء والأخوات والقرابات، بمعنى جريانه  على أساس العقيدة الحقة. ولم يفعل ذلك سوى أن يزيدهم بعد كل مصيبة على إيمانهم ومضيهم على الحق تسليماً للأمر وصبراً على مضض الجراح"[6]. أما الآن فإن البحث عن القلوب "التي وهبت لله وتوقدت على طاعته" أصبح في صياغة التمني (المتعجب). مما استثار فيه شعور التألم الأخلاقي الفعال، وبالتالي رؤية الواقع بعيون الرؤية المتسامية.

ذلك يعني أنه أخذ ينظر إلى الواقع من زاوية الحساسية المرهفة لتجمير شعلتها الدائمة. فعندما استفسرت أعماقه بصوت مسموع في إحدى خطبه:"أين العقول المستصحبة بمصابيح الهدى، والأبصار اللامحة إلى منار التقوى، والقلوب التي وهبت لله وتوقدت إلى طاعته؟" فإنه لم ينف وجودها بقدر ما أنه أرادها دائمة الفعل. ومن غير الدقة اتهامه بالقفز على الواقع. فبغض النظر عن البدايات المميزة للحركات العقائدية الكبرى ومحاولاتها تأسيس آلية "الوحدة والحق" والتضحية من أجلها بالغالي والثمين، فإن هذه الخميرة الجوهرية تنحل بالضرورة حال تحولها من بؤرة الروح إلي ميدان السياسة. وهو تحول عادة ما يقلب العالم ويعيد صنعه على مثال مكوناتها. وذلك لأنها لا تعمل في الواقع إلا على صنع واقعٍ له مقدماته التي لا تحددها بالضرورة متطلبات الفكر وأهدافه المعلنة.

ومن الصعب حصر هذه العملية في إطار ما محدد وتعيين نتائجها الملازمة بالضرورة. فالقضية هنا لا تقوم في تتبع كل جوانب وخصوصية هذه العملية التي أدت إلى ما آلت إليه من نتائج في المرحلة السابقة لخلافة الإمام علي، بل من أجل الإشارة إلى الطبيعة العامة للمتغيرات الاجتماعية الأخلاقية والسياسية وانعكاسها في رؤيته لها. فقد تبينت له طبيعة التباين الجوهري بين صراع الماضي والحاضر. فإذا كان الصراع السابق يستند إلى العقيدة والحق، فإن الواقع المعاصر يشير إلى توجه معاكس بحيث أصبح من الصعب رؤية الشخصيات التي تضع نصب أعينها هدف الحق المطلق، أو حسب عبارته، "تلك القلوب التي وهبت نفسها لله". وإن هذا التعجب ليبدو حزيناً بفعل تأسفه المرير، الذي يستثيره "ازدحام الناس على الحطام"[7]، أي المصالح الدنيوية العابرة! (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] المقصود بالعفانية نسبة إلى عثمان بن عفان. وكان الأولى قول العثمانية. ولكي لا يجري الخلط بينها وبين العثمانية (التركية) من هنا جرى نحت هذا المصطلح. وكونها أموية أولية ينبع من كونها هي التي غرست بذور النزعة الأموية وعقدها في الموقف من الدولة والأمة والسلطة والإنسان والقيم والحقوق. ومن الممكن القول، بأن العفانية هي جنين الأموية. أما بمقاييس التاريخ والروح والعقل والسياسة وفكرة الدولة، فإنها كانت خروجا على منطق الحق والعدالة والنزعة الإنسانية.

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص29.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص29.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص69

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص27-28.

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص28.

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (45)

المقصود من كلمة (التطرف) المذكورة في عنوان المقال هو المعنى اللغوي للكلمة وليس المعنى الشائع في هذه الايام، ففي اللغة، التطرف هو الشدة او الافراط في شيء أو في موقف معين وهو اقصى الاتجاه او النهاية، ويقال تطرفت الماشية المرعى أي اتخذت احد اطرافه .

فالتطرف معنى عام يشمل المواقف أو التعاليم المتشددة سواء كانت في اقصى اليمين او اقصى اليسار.

في هذا المقال، سنحاول دراسة بعض معالم شخصية (يسوع الناصري) من خلال الصورة التي رسمتها له الأناجيل القانونية الاربعة، مع التذكير ان هذه الصورة، ليست بالضرورة، الصورة الحقيقية لهذه الشخصية، لان تلك الاناجيل كتبت لاحقا بعد رحيل يسوع الناصري بعقود عديدة، ولم يكتبها شهود عيان

سنحاول دراسة شخصية يسوع المسيح من خلال تتبع التعاليم والأقوال التي نسبها كتبة الأناجيل له، من اجل التوصل الى فهم اعمق ومعرفة ادق لتلك الشخصية المهمة جدا والجدلية الى حد كبير!

من المميزات الواضحة في شخصية يسوع الناصري والتي تعكسها اقواله وبعض تعاليمه وسلوكياته، نجد صفة الحدية و التشدد من خلال تركيزه على تحقيق اقصى الحدود في المفاهيم والتعليمات الصادرة منه

فعلى سبيل المثال، عندما نتتبع تعاليمه حول مفهوم (السلمية) ونبذ (العنف) نجد تعاليم يسوع المسيح بهذا الصدد واضحة وصارمة مع المبالغة الشديدة في التزام أبعد الحدود في التطبيق العملي لتلك المفاهيم

(من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضا، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضا)

ونجد كذلك الحث على اشاعة السلام والتسامح والمحبة (طوبى لصانعي السلام لانهم ابناء الله يدعون)

بالاضافة الى التشدد على نبذ العنف، ولو كان مجرد لفظ يحمل اشارة فيها اساءة او اشارة للتحقير

(إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ... وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ) متى 5:22

ورغم ان هذه النماذج من التعاليم، هي غاية في الروعة، لكنها بنفس الوقت، تحمل من المبالغة الشئ الكثير مما يجعلها غير قابلة للتطبيق في الواقع الإنساني العملي !

فلا يمكننا، مثلا، ان نتصور شخصا، مهما بلغ من درجة الإيمان، عندما يجد لصا يحاول كسر باب بيته او سيارته، سوف يقوم بتقديم المفاتيح له، لمساعدته على اكمال مهمته !!

وعند الانتقال الى جانب آخر من شخصية يسوع الناصري، نجده كذلك متشددا الى اقصى غاية في بعض التشريعات المهمة التي صدرت منه والتي تمس حياة أفراد المجتمع العملية، كما هو الحال في تشريع الطلاق، والذي ذهب به يسوع إلى أبعد حدود التشدد والتزمت، عندما حصره بعلة الزنى فقط

(أما انا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلّة الزنى يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى) متى 5-21

ان الاثار السلبية لهذا التشريع المتشدد جدا، لا تحتاج الى تبيان او نقاش، وهذا واضح من تجاهل المجتمعات المسيحية المعاصرة له، وعدم تطبيقه في الدول ذات الغالبية المسيحية عدا دولة او اثنين!

وكذلك نستطيع ملاحظة التشدد في تعاليم كثيرة اخرى ليسوع الناصري، مثل اعتباره النظرة بشهوة بمثابة الزنى الروحي والذي يستوجب أن يقلع الإنسان عينه لكي يتفادى المصير المأساوي في جهنم

(وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ) متى 5:28

ومن المواقف المتشددة الاخرى، نجد موقف يسوع الناصري من الأغنياء لافتا جدا، وبحاجة للنظر

فقد صرح من خلال أقواله وتعاليمه ان دخول الأغنياء لملكوت الله أمر شبه مستحيل !

(مُرُورُ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ) مرقس 25/10

وعندما اراد احد الاغنياء ان يتبعه، طلب منه يسوع ان يذهب ويعطي كل امواله للفقراء، لكي يسمح له بان يتبعه، فانصرف ذلك الرجل حزينا لانه لم يستطع تنفيذ هذا الطلب المستغرق بالمبالغة واللاواقعية !

ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد الذي يحمل سمات المثالية اللاواقعية،  فعندما أتى إليه رجل قد مات ابوه وطلب منه الإذن لكي يمضي لدفنه، نجد يسوع يجيبه بكلمة قاسيه، وطلب غير واقعي حين قال له :

(دع الموتى يدفنون موتاهم) !!!

وهنا قد يتبادر الى اذهاننا جميعا، تساؤل منطقي ومشروع مفاده :

وما الضير في كون الإنسان متشددا في المبادئ التي يؤمن بها ويدعو الناس إليها؟

اليس هذا دليل على مثالية ذلك الإنسان وتفرده ؟

والجواب على هذا التساؤل يحتاج منا مراجعة مفهوم التطرف و مصاديقه العملية، ثم متابعة تلك المصاديق في شخصية يسوع الناصري، لكي نحدد هل كان سلوكه تحركه المثالية المبدئية او الطبيعة النمطية للشخصية المتطرفة .

من خصائص الشخصية المتطرفة، تقلبها في درجة الحدة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، وبحسب الظروف، وكذلك، نجد سمة التناقض بين الأقوال و النصائح وبين الأفعال والسلوكيات العملية !

وبالعودة الى تتبع معالم شخصية يسوع الناصري، وهو الذي صدرت منه اروع التعاليم حول السلام والمحبة والتسامح، نجده قد نسبت له الأناجيل اقوال اخرى مناقضة تماما لما سبق ذكره من تعاليم

فهو نفسه الذي يقول :

(لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا) متى 10-34

(أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا) لوقا 12- 51

وكذلك نجد يسوع الناصري الذي أوصى أتباعه أن يحبوا أعداءهم، هو نفسه الذي يتوعد كل من لا يؤمن به بالويل والثبور، و يعتبره عدوا له (من ليس معي فهو ضدي ومن لا يجمع فهو يفرق!)

(أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم؟) متى 23 / 33

فقد قرر مصير كل من لا يقتنع به، وهو الخلود في جهنم حيث (يكون البكاء وصرير الاسنان) بعد ان يسحقهم يسوع تحت قدمه عندما يجلس في السماء على يمين الآب !

وبدلا من أن يصلي من أجل الذين لم يصدقوه ممن يسعى لخلاصهم، وجدناه يصف اليهود الفريسيين مثلا بأنهم أبناء جهنم!! (متى 23: 15)، وأنهم أنجاس!! (متى 23: 27) وانهم ابناء ابليس!! يوحنا 8

ومن التناقضات الغير مفهومة في شخصية يسوع الناصري، التي ترسمها لنا الأناجيل، التناقض الواضح بين تعليمات يسوع وبين سلوكه، فرغم تشدده وتحريمه للغضب بلا سبب، والإساءة للآخرين من خلال التلفظ بكلام جارح او شتائم قادحة

(وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ…. وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ). متى 5/ 22

لكننا نرى يسوع نفسه، يثور غاضبا ويوجه شتائم مقذعة بحق الفريسيين حيث وصفهم في انجيل (متى) الاصحاح 23 بأوصاف مشينة، مثل الرياء والسرقة والدعارة، وكال لهم شتائم متنوعة مثل، العميان والجهال و اولاد الافاعي.. الخ

كذلك رأينا يسوع يشتم تلاميذه حين خاطب اثنين منهم بقوله :

(أيها الغبيان والبطيئا القلوب) لوقا 25/24

وفي إحدى المناسبات، قام شخص من الفريسيين باستضافة يسوع الناصري وتلاميذه في بيته، وقام بواجب ضيافتهم واحضر لهم الطعام ليأكلوا، بعدها نجد يسوع يثور غاضبا، ويكيل لمضيفه، ولجميع الفريسيين سيلا من التوبيخ والتقريع، ثم شتمهم ووصفهم ب(الأغبياء) والخبثاء لمجرد أن مضيفه الفريسي تعجب(فقط) من عدم غسل يسوع يديه قبل الأكل!!

(وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ سَأَلَهُ فَرِّيسِيٌّ أَنْ يَتَغَدَّى عِنْدَهُ، فَدَخَلَ وَاتَّكَأَ.وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تَعَجَّبَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ أَوَّلاً قَبْلَ الْغَدَاءِ.

فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ، وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا.

يَا أَغْبِيَاءُ، أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضًا؟

بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً، فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيًّا لَكُمْ.

وَلكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالسَّذَابَ وَكُلَّ بَقْل، وَتَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَقِّ وَمَحَبَّةِ اللهِ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ.

وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحِبُّونَ الْمَجْلِسَ الأَوَّلَ فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ.

وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ مِثْلُ الْقُبُورِ الْمُخْتَفِيَةِ، وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا لاَ يَعْلَمُونَ!).

وقد أثار تصرف يسوع الغريب وشتائمه الغير مبررة، لمضيفه وللحاضرين، استغراب الناموسيين، واراد احدهم لفت انتباهه، فما كان من يسوع إلا أن قام بالتأكيد على توبيخاته، و كال للناموسيين، ايضا، مزيدا من الدعوات بالويل!!.

(فَأجَابَ وَاحِدٌ مِنَ النَّامُوسِيِّينَ وَقالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، حِينَ تَقُولُ هذَا تَشْتُمُنَا نَحْنُ أَيْضًا!».

فَقَالَ: «وَوَيْلٌ لَكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحَمِّلُونَ النَّاسَ أَحْمَالاً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَأَنْتُمْ لاَ تَمَسُّونَ الأَحْمَالَ بِإِحْدَى أَصَابِعِكُمْ.

وَيْلٌ لَكُمْ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ، وَآبَاؤُكُمْ قَتَلُوهُمْ) لوقا (54:11-37)

وشبيه لهذا الموقف، موقف ثاني وقع في مناسبة أخرى، حيث ينسب كاتب إنجيل (مرقس) ايضا الى يسوع كلام مقذع و إساءة لفظية ويصوره منزعجا من تساءل الناس في أورشليم عن سبب عدم غسل تلاميذه لايديهم المتسخة(المدنسة) قبل الاكل!

فكان جواب يسوع غاضبا مع شتيمة من خلال وصفه لهم بالرياء وعدم الإيمان و(الفهم!) كما ورد في إنجيل مرقس اصحاح 7(1-13)

ومن السمات الواضحة لشخصية يسوع الناصري، انه كان شخصا حاد المزاج، لا يتحمل اي نقد او اعتراض واحيانا حتى التساؤل والاستفسار، لم تنقل لنا الأناجيل انه (ضحك) ولو لمرة واحدة !!

ويبدو انه كان سريع الغضب، قاسي في ردوده حتى على تلاميذه !!

فعندما اعترض عليه بطرس شفقة منه وحزنا، نجد يسوع ينهره واصفا اياه بالشيطان !

ولم تكن ظاهرة العنف في سلوك يسوع مقصورة فقط على العنف اللفظي، وإنما تتعدى ذلك الى العنف العملي والجسدي !!.... فعند دخوله الأخير الى أورشليم، وبعد استشعاره للقوة والسطوة نتيجة الاستقبال الجماهيري له، في هذه المرة، نجده يتصرف تصرفا عنفيا لم يكن متوقعا ولا مبررا، حين قام بقلب موائد الصيارفة في الهيكل بعد ان صنع سوطا من الحبال ليضرب به، بعد شتمهم بوصفهم باللصوص

(لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة) يوحنا 2:12-17 وفي متى 21 (انتم جعلتموه مغارة لصوص)

ان يسوع الناصري الذي كانت تعاليمه تحث على محبة الاعداء وعلى التسامح، هو نفسه الشخص الذي اطلق مقولة : (مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ) لوقا 11-23

وهو نفسه الذي كان يوصي تلاميذه (من خلال أسلوب الأمثال) على تعليم متطرف جدا :

(أما أعدائي، أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم، فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي) لوقا 19/27

وهو نفسه صاحب التعليم المتطرف الذي كان مصدر الإلهام لجريمة حرق البشر وهم احياء!!

(إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ) يوحنا 6:15

لقد كانت هذه التوصية اليسوعية هي الأساس الشرعي والسند النصي الذي اعتمدته الكنيسة في تبرير حملات الإبادة والمجازر الجماعية التي تسببت في إزهاق حياة آلاف البشر حرقا وهم أحياء نتيجة اتهامهم بالهرطقة وغيرها من التهم الجائرة طوال التاريخ الدموي للكنيسة والذي استمر لقرون طويلة ولم يتوقف الا بعد عصر الأنوار.

ان الحدية في شخصية يسوع الناصري، تتضح لنا بشكل جلي من خلال قراءة وفحص كلامه الذي أورده كاتب إنجيل (لوقا) في الإصحاح السادس، حيث نجد بداية من العدد 21 من ذلك الاصحاح، ان يسوع الناصري كان له نظرته الخاصة به لمفهوم تحقيق العدالة وتحقق الفرج !

ومن ذلك نستطيع ان نفهم السبب وراء عدم ورود كلمة (عدل) او (عدالة) ضمن أقواله وتعاليمه العديدة

فقد كان يسوع يؤمن بنوع خاص من العدالة يعكس الحدية في شخصيته والتطرف في ذهنيته

فحسب كلامه في الإصحاح المذكور، فإن العدالة اليسوعية التي كان يبشر بها، هي عبارة عن (انقلاب) في مكونات الهرمية التراتيبية التي كانت سائدة في مجتمعه، وهي نظرة تستبطن الرغبة بالانتقام

حيث سيكون الفوز و(الطوبى) للفقراء والمساكين والجياع والمنبوذين، في حين سيكون الهلاك و(الويل) هو المصير الذي ينتظر الأغنياء والشباعى والأشخاص البارزين و الممدوحين بين الناس !

ان التطرف بشكل عام يبدأ كفكرة، ثم يتحول الى كلمة، وعندما تسنح الفرصة يتحول الى فعل، واحيانا قد يموت الانسان المتطرف قبل ان تتحقق له فرصة تطبيق أفكاره عمليا .

 

د. جعفر الحكيم

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة (على مثال خلافة الراشدين)

 لقد توصلت في المقال السابق، في مجرى تحليل ودراسة المحادثات والنصائح السياسية التي جرى تقديمها له في مجرى الصراع قبيل قتله، إلى أنها تكشف أولا وقبل كل شيء عن طبيعة النخبة السياسية والتحول العاصف في بنية السلطة وأنموذج عقلها النظري والعملي. ويكشف هذا الأنموذج عن أن بدايتها ونهايتها محكومة بقيم نفعية ضيقة وعارية من ابسط الفضائل الأخلاقية المميزة للرؤية الإسلامية العامة وتجارب الخلافة الرشيدة كما مثلها وجسدها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب.

فالنصيحة هنا ليست لله، بل لسلطة هي عين الرذيلة والخروج على الحق والحقيقة. ومجرد الاستماع إلى "نصائح" مهمتها الدعوة لقتل المعارضة وتشريد الصحابة وشراء الذمم والنظر إلى الأمة على أنها كمية من البطون التي لا همّ لها غير الطمع، تعكس طبيعة الرذيلة الكامنة في النخبة العثمانية. وتتمثل هذه الأصوات الصدى القائم في شخصية عثمان بن عفان. ولعل المحادثة الفعلية واستمرارها السياسي بينه وبين عمر بن العاص تمثل ما يمكن دعوته بزبدة السياسة وأخلاقيتها الخاصة. فقد كان لسان عمرو بن العاص الظاهري يقول ما تقوله المعارضة، أو صوت الضمير المعذب من رؤية الخروج على ما كان يعتقده حقا وحقيقة. لهذا وجد فيه عثمان أمرا غير جديا، بل اعتبره اقرب ما يكون إلى قمل يدب في فروة ابن العاص. وقد تقبل الداهية الكبير هذه "المهانة" في الظاهر، لأن حقيقة ما كان يسعي اليه هو "نشر" الشائعة والعمل بما يناقضها! بحيث يجعل منه شخصا مقبولا للمعارضة، ومن ثم إمكانية التجسس على خططها من اجل استغلالها بالشكل الذي يقوض دعائهما. وهي فلسفة عاصيّة (على وزن ميكيافلية) تكثف فحش البراعة المهينة التي قبلها عثمان!! بمعنى استعمال كل الأساليب الممكنة بما في ذلك اشد وأحط أساليب الغدر والخيانة والأدوات الرخيصة ضد من كان لا يطالب بشيء غير إتباع نموذج النبوة المحمدية والخلفاء الأوائل، بوصفه مطلبا أخلاقيا وحقوقيا واجتماعيا وإنسانيا ودولتيا.

وإذا كان عثمان قد سلك في نهاية المطاف كما اقترحه عليه "مستشاروه"، بحيث أبقى جميع عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه، فإن ذلك يكشف عن طبيعة الانحراف والتحول الحاد في فكرة السلطة التي جعلت من نفسها مرجعية الوجود الكبرى، بحيث استعاضت عن الله والنبوة وتجارب الأسلاف والحق والأخلاق بما يناقضها. فالجدل والنصائح والمواقف المذكورة (التي اوردتها في المقال السابق) وكثير غيرها مما تحتويه كتب التاريخ والسير يبرهن على حقيقة ونهاية واحدة، تقوم في أن عثمان لم ير ولم يسمع غير ما هو ملائم لنفسية السلطة الغدارة بقوة الثروة المنهوبة، والإرادة المسلوبة بقوة العائلة والقرابة، أي بأكثر النماذج والروابط انحطاطا وتخريبا بالنسبة للدولة والروح العقلي والأخلاقي. لهذا نراه يستمع إلى نصائح المخلصين الكبار مثل علي بن أبي طالب ويؤدي النصيحة المجردة وينقضها بالفعل للحال. ففي إحدى هذه الحالات نستمع إلى المحاورة السياسية بينه وبين علي بن أبي طالب بصدد إمكانية الفتنة وضرورة تذليها. حيث يبدأ عثمان الكلام قائلا:

قد والله علمت ليقولن الذي قلت‏.‏ أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك، ولا جئت منكرا إن وصلت رحما، وسددت خَلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي‏.‏ أنشدك الله يا عليُّ هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك‏؟‏

نعم!

فتعلم أن عمر ولاه‏؟‏

نعم!

فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته‏.

سأخبرك! إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل‏.‏ ضعفت ورفقت على أقربائك‏.

هم أقرباؤك أيضا‏.‏

لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرها‏.

هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها‏؟‏ فقد وليته!

أنشدك الله! هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من غلام عمر منه‏؟

نعم!

فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها‏.‏ فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية

[1]

وتعكس هذه المحاورة طبيعة عثمان بن عفان ونفسيته وذهنيته، التي ليس فقط لا ترى ولا تسمع، بل ومجبولة على التبرير والغوص فيه، لأنها لا ترى في السلطة غير إرادتها فقط. بمعنى غياب أو اضمحلال وتلاشي فكرة الحق وجوهرية الأمة. من هنا ردود فعلها المباشر وانعدام الرؤية البعيدة المدى. والشيء الوحيد الثابت فيها هو رغبة الاحتفاظ بالسلطة والمغامرة بكل شيء من أجلها. وليس مصادفة أن يذهب عثمان إلى المنبر ويبدأ بالكلام والخطابة بعد المحاورة المذكورة أعلاه مع علي بن أبي طالب. وفيها وفي خاتمتها نعثر على انعكاس يكشف طبيعة ومستوى الانفصال والانفصام بين السلطة والدولة، والسلطة والمجتمع، والإسلامي العام والفردي الخاص في شخصيته ونفسيته وذهنيته. إذ يقول فيها:‏"‏أما بعد، فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة! وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة‏‏ عيابون، طعانون، يرونكم ما تحبون ويسّرون ما تكرهون يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق‏!‏ أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نغصا ولا يردون إلا عكرا، لا يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب!‏ ألا فقد والله عبتم عليَّ بما أقررتم لإبن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله‏،‏ وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم! ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي‏، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ‏!‏ أما والله لأنا أعز نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثرا عددا، وأقمن إن قلت هلم! أتي إليّ‏!‏ ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي‏.‏ وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به، فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم! فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا! ألا فما تفقدون من حقكم‏! ‏والله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من قبلي!‏ ومن لم تكونوا تختلفون عليه فضلَ فضل من مال‏.‏ فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد؟!.‏ فَلِمَ كنت إماما؟!‏"‏[2]

تكشف هذه الخطبة بصورة تامة مستوى الانحطاط السياسي والمعنوي والأخلاقي لعثمان وفكرة الخلافة. والقضية هنا ليس فقط في أنه لا يسمع ولا يرى، بل ويستمع ويرى النصيحة المحكومة بفكرة الدولة والمصالح العليا للدولة على أنها مهانة! حيث تصبح لغة التهديد والوعيد والاستنكار والفضيحة مضمون الخطاب السياسي. ويجري تتويجها بمصادرة الحقوق العامة باسم الخلافة، مع أن مضمون الخلافة هو استخلاف فكرة الحق الإسلامي، وليس السلطة. من هنا الفكرة الغريبة التي تستغرب بسذاجتها الوقحة "سلب حقوق" السلطة في فعل ما تريد وما ترغب به. وإلا فما هو معنى الخليفة والإمام؟ وهي "مرجعية" نموذجية لما أسميته ببداية وجوهرية السلطة في توظيف الوحي (النبوي)، التي وجدت مخرجها الوحيد في جزئية الإرادة وطابعها العابر والمتغير والنفسي، أي المنفصل والمتعارض مع العقل والحس السليم وحكمة الأسلاف. لكنها إرادة لا تصنع غير بركان النفور والاحتجاج وهوة الخراب الذاتي والخواء المعنوي. ومن ثم تلجأ السلطة إلى استعمال كل ما هو مباح ومكروه ومحرم دون أية ضوابط. والضابط الوحيد هو إرادتها فقط، بوصفها الرابط الوحيد والشديد بين السمع والبصر! ففي رسالته التي يستنجد بها من هو خارج المدينة ومكة نسمعه يقول، بأنه يرى ويسمع غليان الاحتجاج عليه. ووجد في تلك القوى مجرد "أعراب" و"أحزاب" الجاهلية ومن غزاهم بغزوة أحُد، وهو الذي هرب فيها!! ففيها نقرأ ما يلي:"‏إن الله بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا فبلغ عن الله ما أمر به. ثم مضى وقد قضى الذي عليه. وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيَّن الأمور التي قدَّر، فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا. فكان الخليفة أبو بكر وعمر. ثم أدخلت في الشورى على غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة! ثم أجمع أهل الشورى على ملأ منهم ومن الناس على غير طلب مني ولا محبة‏.‏ فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، متبعا غير مبتدع. فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام. فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر. فعابوا عليَّ أشياء مما كانوا يرغبون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها. فصبرت لهم نفسي، وكففتها عنهم منذ سنين. وأنا أرى وأسمع! فازدادوا على الله جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله وحرمه، وأرض الهجرة. وثابت إليهم الأعراب! فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحُد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق‏"‏‏[3].‏

 إننا نعثر في هذه الرسالة على أبعاد وحجم وماهية الانفصام التاريخي الشامل بين الدولة والسلطة. بحيث تحول التاريخ والنبوة والحق وسيرة الأسلاف إلى أجزاء متناثرة في سمع السلطة وبصرها الخاليين من الاستماع إلى أنغام الوجود ورؤية ألوان الحياة المتنوعة، بحيث يصبح كل ما تسمعه ضجيجا وصخبا ولغوا ومؤامرة، وما تراه ظلاما وسوادا يعمي البصر. إذ تكشف هذه الصورة عن موت البصر والبصيرة والسماع والاستماع لحقيقة ما يجري. بحيث تتحول المدينة ومكة إلى سور الحصار المفروض من جانب القوى التي وجدت في كل ما تقوم به السلطة خروجا شاملا على الحق. أما المحاولات المستميتة الأخيرة من اجل كسب ما يمكن كسبه من أنصار بين الصحابة والناس، فإنها لم تكن في الواقع أكثر من مناورات لم تكن تخفى على المناهضين والرافضين له. بحيث توجت هذه المواجهة مرة برميه بالحصاة وهو يخطب! وقد كانت تلك حجارة السيل القادم، التي جعلت السلطة حصوات مرمية على أطراف تياره العارم. وقد تحسست السلطة هذا التيار، لكن عمى البصر والبصيرة وانعدام استرقاق السمع لحقيقة الأصوات قد اقفل عليها إمكانية حتى الحوار. من هنا عجزها عن محاورة شيء غير نفسها. وهي نفس خربة. من هنا تسارع خطوات الدراما التي أدت إلى مقتل عثمان. فنراه يكرر المشاورة مع علي بن أبي طالب، متقربا إليه بعبارة القرابة والنسب والدم. بينما هي علاقة لا علاقة للإمام علي بها. ثم أنها تعكس مدى الرجوع القهقري إلى قيم الجاهلية التي وجدها عثمان في دفاع "الأعراب والأحزاب" عن الحق!! لهذا نراه يكرر نفس الخطأ، لأن بدايته وغايته خطيئة! فنراه يدخل على علي بن أبي طالب مترجيا:

يا ابن العم! إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم! وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي. ولك عند الناس قدر. وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإن في دخولهم عليَّ توهينا لأمري وجراءة عليَّ‏.

على أيِّ شيء أردهم عنك؟

على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي‏.

إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه! وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد‏.‏ فإنك أطعتهم وعصيتني‏.‏

فأنا أعصيهم وأطيعك!

فأمر علي بن أبي طالب الناس بالخروج. واخبر عثمان بما فعل وكلمه عما ينبغي القيام به من اجل تلافي الفتنة. وقبل عثمان بها. لكنه غيّر رأيه ومواقفه بعد سويعات عندما أقنعه مروان بن الحكم بضرورة إعلام الناس بأن المعارضين والمهاجمين قد رجعوا إلى ديارهم، وإن رجوعهم هو بسبب إدراكهم بأنهم كانوا على عدم بينة من الأمر، وإن ما كان عندهم هو باطل. وبالتالي استغلال هذه الفرصة من اجل انتظار العدة والعدد من المناطق الأخرى لتصفية الحساب مع الجميع! وقد أخذ عثمان بهذه "النصيحة". بحيث أجبرت حتى عمرو بن العاص على مخاطبته بكلمات:"اتق الله يا عثمان! فإنك قد ركبت أمورا، وركبناها معك فتب إلى الله نتب!". لكنها جلعته في الوقت نفسه يخرج عن طوره بحيث رد على عمرو ابن العاص بكلمات:"وإنك هنا يا ابن النابغة! قملت والله جبتك منذ عزلتك عن العمل!". وتعكس هذه المخاطبة طبيعة الخراب الداخلي لعثمان وانهياره المعنوي وفساد عقله. غير أن الضغط اللاحق اجبره على الاستجابة للتوبة العلنية. بحيث نراه يرفع يديه ويستقبل القبلة ويقول:"اللَّهم إني أول تائب‏"‏‏[4].‏

وقد سجلت كتب التاريخ والسير هذه المقطوعة الرقيقة التي لا تخلو من صدق ورذيلة في نفس الوقت! وقد كانت تلك نتيجة لما أسميته بوحدة الخطأ والخطيئة في سلوك عثمان وشخصيته. ففيها نسمعه يقول:"‏أما بعد، أيها الناس! فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله! وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه! ولكني منتني نفسي وكذبتني وضلَّ عني رشدي! ولقد سمعت رسول الله يقول‏‏ ‏"‏من زلَّ فليتب! ومن أخطأ فليتب! ولا يتمادى في التهلكة". فأنا أول من اتعظ! وأستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه‏.‏ فمثلي نزع وتاب‏.‏ فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسّنة العبد، ولأذلنَّ ذل العبد ولأكونن كالمرقوق إن ملك صبر، وإن عتق شكر!"‏‏[5].

إننا نقف أمام توبة لا مثيل لها في تاريخ السلطة. بل يمكننا القول، بأنها قد تكون الوحيدة التي ترتقي إلى مصاف التوبة المتسامية بما في ذلك من حيث الصيغة والوجدان والمنطق والبيان. وقد تكون هي العبارة الأجمل والوحيدة التي تحتوي على قدر من الإخلاص في دراما الخبث السلطوي الذي ذهب عثمان ضحيته. لكنها الأكثر شرا بسبب كونها جزء من "منظومة الغدر". مما جعل منها أداة أضافية في توسيع منظومة الفصام والفطام بين الدولة والسلطة في الخلافة. وهو بداية انهيارها المعنوي ‏وسقوطها الشرعي.

وليس اعتباطا أن ترقّ الأسماع والقلوب لخطبته المذكورة أعلاه. لكنها سرعان ما احترقت في أتون المؤامرة والمغامرة الأموية التي شقت لنفسها الطريق على يد عثمان بن عفان، بوصفه أداتها التاريخية الأولى. وكشفت بالتالي عن أن أكثر الصيغ إحكاما للتوبة النصوح قد تتحول إلى أكثرها إحكاما للفعل الفسوق! وإذا كانت كتب التاريخ عادة ما تربط ذلك بوسوسة مروان لعثمان، فإن الشيطان ليس مروان "الكبير" بل عثمان الصغير القابع في هرم السلطة!

لقد فّضل عثمان الاستماع إلى مروان عوضا عن الاستماع إلى كلام زوجته التي وجدت في عدم الالتزام بالتوبة المعلنة موته. وخاطبته بهذا الصدد قائلة:"لا ينبغي له أن ينزع منها". لكنه انحاز في نهاية المطاف إلى الفكرة السياسية التي دغدغت أعماقه الخاوية. فقد انطلق مروان في محاولته ثني عثمان عن توبته والرجوع عنها من أن مقالته مقبولة لو كان هو "ممتنع منيع". لكنها صدرت عن ضعف واشتداد الضغوط. ومن هذه المقدمة توصل إلى استنتاج يخرق الشرعية وينفي أبسط قواعد الالتزام الأخلاقي عندما قال له:"بأن إقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوَّف عليها". وقد أقنعت هذه المقارنة عثمان للحال بحيث سمح له بالخروج إلى الناس ومخاطبتهم بعبارة:"‏جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟! ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا!‏"‏‏. وقد احتوت هذه النتيجة في أعماقها على معنى القطيعة، التي لم يقطعها آنذاك شيء غير الموت. فقد استاء منه علي بن أبي طالب اشد الاستياء بحيث وصفه بجمل الظعينة يقاد حيث يسار بها. وهدده بأنه سوف لن يعود له، وإنه إنسان بلا شرف فاقد الإرادة[6]. وعكست هذه النتيجة أيضا مستوى التصادم البليغ بين السلطة والدولة. إذ لا تعني الرغبة في امتلاك الدولة من جانب السلطة سوى محاولة ابتلاع ما لا قدرة لها على هضمه. فاللقمة أكبر من البطن، والإنسان ليس أفعى! وبغض النظر عن أن السلطة أفعى لكنها ليست وجودية بل معنوية. وحالما تلتهم كل ما في طريقها فإن فحيحها لا يطرب، وسمومها لا تجذب. والنتيجة هروب أو هجوم. وفي كلتا الحالتين قتل وموت! وبدأت ملامح هذه الحالة تظهر بصورة جلية لا تقبل الجدل والمراوغة. لأن كل منهما لا يفعل في الواقع إلا على تسريعها لا تأجيلها. فالتأجيل وهم. بينما كان سائدا في عائلة عثمان. أما تسريعها فقد كان التيار الجارف في سيل الاندفاع الحانق ضد الانتهاك السافر لأبسط مقومات الرؤية الإسلامية التي مازالت طرية في الذاكرة وأشخاصها الأوائل من صحابة وجاهليين.

أما فاعلية الطراوة الحية للذاكرة التاريخية والاستعداد لشم روائحها العطرة، فإنها عادة ما تظهر في أنفاس المقاتلين بعد دفن ضحاياهم. وهي التقدمة السياسية التي تمتع بها عثمان قبيل مقتله. لهذا كان يمكن للذاكرة التاريخية للمسلمين الأوائل ألا تلتهب تجاه مطاردة ونفي الصحابة أمثال أبو ذر الغفاري، وتجاهل رعيل الصحابة الأول. وتحوّل هذا التجاهل في الأيام الأخيرة من حكم عثمان إلى شيء أقرب ما يكون إلى همجية الخيال المريض. وليس اعتباطا أن يكون عثمان في الأيام الأخيرة من حياته قبل المقاطعة والحصار والقتل، أقرب إلى ألعوبة. وكل دقائق فعله وما أراده وما لم يرده يشير إلى أنه كان فاقد الضمير والإرادة. لقد أعمته السلطة للدرجة التي جعلت من حبه جنونا بلا مواقف صحو فيها! وجعلت هذه الحالة من توظيف الوحي جزءا من سياسة الخطأ والخطيئة. وهو الشيء الذي نعثر عليه فيما يسمى بكتاب عثمان إلى أهل مكة! وهو العائش بينهم! وقد قرأه ابن عباس عوضا عنه. وفيه نعثر على ما أسميته بتوظيف الوحي، الذي جعل من السلطة محور وجود الدولة، باعتباره التشوه التاريخي الروحي الأول للخلافة. أما نص الكتاب فهو التالي:‏‏"‏بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين‏.‏ سلام عليكم‏.‏ فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو‏.‏ أما بعد، فإني أذكركم بالله عز وجل الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته‏.‏ فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق‏‏ (وإن تعدّوا نعمت الله لا تحصوها. إن الإنسان لظلوم كفار). وقال عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا). وقال وقوله الحق (يا أيها الذين آمنوا... واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا). وقال وقوله الحق (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). وقال وقوله الحق (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله).

أما بعد، فإن الله عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبَّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله عز وجل واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف، إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعا وسلط عليكم عدوكم ويستحل بعضكم حرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعا. وقد قال الله لرسوله (إن الذين فرقوا في دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء. إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). وإني أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذركم عذابه، فإن شعيبا قال لقومه (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح).

أما بعد، فإن أقواما ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب الله والحق، ولا يريدون الدنيا ولا المنازعة فيها‏.‏ فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق ونازع عنه حين يعطاه، ومنهم تارك للحق ونازل عنه في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق‏.‏ طال عليهم عمري، وراث عليهم أملهم إلا مرة فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئا كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت‏:أقيموها على من علمتم تعداها‏.‏ أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد قالوا‏: ‏كتاب الله يتلى‏.‏ فقلت‏: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب، وقالوا‏: المحروم يرزق والمال يوفى ليستن فيه السنة الحسنة ولا يعتدى في الخمس، ولا في الصدقة، ويؤمر ذو القوة والأمانة، وتردّ مظالم الناس إلى أهلها فرضيت بذلك واصطبرت له وجئت نسوة رسول الله حتى كلمتهن فقلت‏:ما تأمرنني‏؟‏‏‏ فقلن‏:‏تؤمر عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس، وتدع معاوية، فإنما أمَّره أمير قبلك فإنه مصلح لأرضه راض به جنده، واردد عمرا فإن جنده راضون به وأمره فليصلح أرضه فكل ذلك فعلت‏.‏ وأنه اعتدي علي بعد ذلك وعدا على الحق‏.‏

كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر، ومنعوا مني الصلاة، وحالوا بيني وبين الصلاة، وابتزوا مما قدروا عليه بالمدينة. كتبت إليكم كتابي هذا وهم يخبرونني إحدى ثلاث‏:إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صوابا غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل الله لي عليهم من السمع والطاعة. أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقد من أحد منهم، وقد علمت إنما يريدون نفسي‏.‏ وأما أن أتبرأ من الإمارة فإن يكبلوني أحب إليَّ من أن أتبرأ من عمل الله وخلافته.‏

وأما قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة‏.‏ ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة الله، وإصلاح ذات البين‏.‏ ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب الله، ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة الله والسنة ‏الحسنة التي استنّ بها رسول الله والخليفتان من بعده، فإنما يجزي بذلكم الله‏.‏ وليس بيدي جزاؤكم ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغن عنكم شيئا‏.‏ فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده فمن يرضى بالنكث منكم فإني لا أرضاه له ولا يرضى الله أن تنكثوا عهده‏.‏ وأما الذي يخبرونني فإنما كله النزع والتأمير فملكت نفسي ومن معي ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله وكرهت سنّة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء فإني أنشدكم بالله والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني، وترك البغي على أهله وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله، فإني أنشدكم الله الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر الله فإن الله قال وقوله الحق (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا). فإن هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذكرون.

أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي! إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم‏.‏ وإن عاقبت أقواما فما أبتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى الله من كل عمل عملته وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو‏.‏ أن رحمة ربي وسعت كل شيء إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون‏.‏ وأنا أسأل الله عز وجل أن يغفر لي ولكم وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق"[7]‏.‏

إننا نعثر في هذه الرسالة على ذروة التطويع السياسي للوحي، بحيث تصبح الآية القرآنية خادما وضيعا للإرادة المبتورة برغبة الاحتفاظ بالسلطة. وتشبه إرادته وصيته التي لا تحتوي على أكثر من عبارات يرددها المسلمون بوصفها الصيغة القابعة في وعي ولا وعي الإيمان من انه "لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه‏.‏ وأن الله لا يخلف الميعاد". أما دفنه فقد كان هو الآخر فضيحة بمعايير السلطة والتاريخ والقيم الأخلاقية. فقد بقي ثلاثة أيام لم يدفن. بل وقعد بعض من المعارضين على قارعة الطريق يتربصون جثمانه بالحجارة. بل وحاول البعض حتى منع الصلاة عليه. ودفنوه غفلة قرب أحد حيطان المدينة يسمى حَش كوكب، بحيث حملوه على إحدى الأبواب لدفنه مسرعين لتلافي نظرات المتمردين بحيث كان رأسه يقرع الباب التي وضعوه عليها. ودفن في ثيابه بدمائه، لم يغسل[8]‏. ولم يقل فيه كلمة غير ابنته عائشة وزوجته نائلة! لكنها تبقى مجرد مأثرة لإخلاص النساء لا علاقة لها بعثمان. أنها خاتمة مهينة! لهذا لم يكن بإمكان أي شيء فيه أن يتحول إلى قيمة غير قميصه ليصبح راية الصراع السياسي المرير وبيرق الخبث والرذيلة والمغامرة من جانب القوى التي ناصبت في الماضي محمدا العداء والاستهزاء، والرغبة في الاستيلاء على ميراثه الإمبراطوري الآن. وهي عملية أنتجت على قدر ما فيها من درامية واحتدام في صراع المصالح والقيم، أشباحها وأرواحها، أي مستبدين أشداء ومثقفين خلصاء.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2،ص 645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3،ص 44‏

[2] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2،ص645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3،ص 44‏‏

[3] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص653.

[4] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص657، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص54‏

[5] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص658، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، 54‏.‏‏

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص660، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص57.

[7] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص685‏.

[8] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص687، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص69‏

 

عبد الجبار العبيديالجدلية تعني المحاورة او الجدال بين طرفين دفاعاً عن وجهة نظر مختلف عليها .. شرط ان تكون المحاورة مرتبطة بالمنطق العلمي المبرهن عليه لأن الحجة بالدليل .

بوجب النص المقدس تؤمن الديانات السماوية ..  بأن حرية التعبير عن الرأي وحرية الأختيار .. هما أساس الحياة الانسانية ..  وتؤمن الآيديولوجيات الحرة بحرية التعبير والاختيار بلا حدود .وتؤمن المؤسستان بان قانون تغير الصيرورة (التطور)هو اساس عقيدتهما .. اذن علام الخلاف والأختلاف بينهما ..؟ فلماذا تخلفت الاولى في مضمار الحضارة وحكم القانون .. وتقدمت الثانية وصنعت دولة وقانون ..؟هذه هي الأشكالية الكبرى التي بحاجة الى دراسة وتقييم .. وسنحاول ان نأتي عليها لاحقا ببحث مستقل ..

بما ان الاديان التي وصلتنا وخاصة الثلاثة الاولى منها وهي اليهودية والمسيحية والاسلام متواصلة بكتب مُنزلة تكاد تكون واحدة كما في قول الحق : "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل آل عمران 48" .. فان العلاقة بينها جدلية متأثرة بالاحداث والنتائج التي افرزتها الأحداث الزمانية لكي تتمكن من تحديد حالة الاستقرار التي افرزتها سلبا اوايجابا مجتمعاتهم وما خلفته من اثار مباشرة وجانبية على حياة الشعوب المنتمية اليها.ان الديانات الثلاثة تؤمن بالقيامة والحساب وعودةالروح بعد الموت .. كل منها من وجهة نظرها تختلف عن الأخرى .. رغم ان الروح في القرآن هي ليست سر الحياة كما نحن نفهمها ونعتقد حتى تعود .. انما هي سر الأنسنة (الوعي والادراك ) التي انفرد بها الانسان دون عالم البشر كما في قوله تعالى:"وكذلك أوحينا اليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ، ألشورى 52" .. من هنا ليس للأنسان من روح تموت معه حتى تعود ..  بل هي النفس التي سوف تعود ليوم الحساب. هذه النظرية كانت موجودة في اعتقادات المصريين القدماء حين أعتقدوا ان الروح هي الوعي الأدراكي لدى الانسان .. ولها في البرديات المصرية القديمة تفاصيل كثيرة ..

ومهما تحدثنا عن الأديان السماوية وما جاءت بها من نظريات علمية وسياكولوجية انسانية .. فأن الأديان الوضعية التي سبقتها افرزت الكثير من قيم الحياة لمجتمعاتها ، لذا أعتبرت هي الاساس التي أفرزت قيما توحيدية انسانية وهي الزرادشتية والمانوية وغيرها ولا زالت قائمة الى اليوم ولديها اتباع .

ان الجدلية العلمية بين هذه الاديان السماوية ..  والأديان الارضية التي انتجت الفكر الحر المبدع بوعيها المدرك على اصحابها ألزام هو ان تبرهن صحة قيامها والقواعد التي ارتكزت عليها .. لكي تحقق اهدافها في المحتمعات التي ظهرت فيها .. لانها الى اليوم لم تحقق الاهداف التي جاءت من أجلها وهي العدالة في الأرض .. ولأن أصحابها ما تصوروا أو أدركوا ان العقيدة الدينية في ذاتها قواعد سياسية وفكرية في منهج الحياة المتكامل .. لذا خلقت من وجهة النظر الدينية والعلمية اشكاليات حضارية يصعب ردمها وتعميم فائدتها على المجتمعات البشرية جميعاً .. وهنا يُنظرالى وجودها كحركات دينية اصلاحية من وحهة النظر العلمية الحديثة البحتة ولا غير.وستبقى هذه الديانات معطلة مادام فكرها محجوز.

وبالنظر الى هذين النوعين من الديانات يتبين لنا نظريتان الاولى تتمثل بديانة تمثل وحي آلهي مباشر يلقن انبيائه بالنص المقدس الثبت ..  خَطَتهُ يد بشرية متمثلة بالأنبياء والرسل مثل التوراة والانجيل والقرآن.

والثانية تتمثل بظاهرة ثقافية تخضع لنظام النشوء والتطور ، وينطبق عليها ما ينطبق على كل الظواهر الثقافية الاخرى من تأثير وتأثر لأحلال العدالة الأجتماعية ..  خطته أيادٍ بشريةأيضاً لكن لا علاقة لها بالسماء.

التوراة العبرانية السماوية ، هي الكتاب المقدس عند اليهود (العهد القديم) ويؤمن بها اليهودي بأعتبارها ألهام من روح الله ، على الرغم من ان يد البشر هي التي خطتها.وكتُبتها أو دونَتها بعد السبي البابلي (القرن الخامس قبل الميلاد) ..  لكن معتنقيها أخضعوها للتحديث ، وتتكون من خمسة أسفار ..

سميت باسفار النبي موسى الخمسة

السفر الاول يتحدث عن خلق العالم البشر وعن الطوفان الكبيرالذي افنى البشر .. والثاني يتحدث عن قصة بني اسرائيل وما جرى لهم من احداث تاريخية حتى العودة من السبي البابلي .. والسفر الثالث هو سفر الحكمة الذي يغلب عليه التأمل الفلسفي مثل المزامير ونشيد الأنشاد .. والسفر الرابع ويتحدث عن حياة أنبياء بني اسرائيل مثل حزقيال وعاموس وزكريا .. والخامس يشمل ملخصا لاسفار موسى ومن بعده ..

 العهد القديم (التوراة) تتحدث عن الخلق للسماوات والأرض والله والوجود الآلهي .. والانسان والحرية والطمأنينة والسلطة والرفاهية للبشرية والعلاقة الآلهية بين الله والبشروكيف وهبهم الروح (الوعي) .. ويعتبر عهد ابراهيم واسحاق واسماعيل ومنحهم الشريعة التي بموجبها تقاد البشرية لكنه لم يعطينا النتائج الايجابية التي نتجت عنها .. لكنها صورت جهود الانسان بسبب طبيعته المنحرفة نحو الخطأ التي تعثرت في البداية .. حتى تحققت ارادة الله فيما بعد وتمت النبوءات في عهد المسيح بن مريم (ع) ومجيىء الرسول محمد (ص) من بعده .. وعدد الانبياء الذين ذكرهم القرآن هم24 نبياً منهم13 رسولاً و11 نبياً والفرق بين النبي والرسول هو ان الرسول يأتي بكتاب ورسالة والنبي بكتاب فقط .. وبين المسيح ومحمد ستة انبياء

 بلا كتاب ولا رسالة .. كثير من الأمور لا زالت غامضة على الناس دون توضيح .

اما العهد الثاني الجديد هو العهد الذي جاء بعد نبوءات خاصة بالعهد القديم الذي صور بنهاية العالم الاول (ألقيامة). ومن ثم مجيء السيد المسيح الذي معه جاء الكتاب . الذي سمي الأنجيل وهي كلمة معربة من اصل يوناني وتحمل معنى البشرى أو الخير السار والذي تدعي المسيحية انه البشرى بمجيء المسيح بن مريم (ع) "325 م"حيث يقول:" لا تخافوا ايها الناس مما حصل للعهد القديم .. فها أنا ابشركم بفرح عظيم يعُم الشعب كله فقد ولد لكم .. المخلص . أنظر العهد القديم .. المقدمة

فالأنجيل اذن هو بشرى الخلاص لجميع الناس ومحور موضوعاته يسوع المخلص ، وهدفه هو أعلان الخلاص لكل انسان من شرور البشرية في القتل والأغتصاب والظلم .. وفعلاً حين تقرأ الأناجيل الخمسة – متى ومرقس ولوقا ويوحنا والخامس أنجيل بطرس غير- معترف به من قبل الكنيسة - لم تجد فيها غير كلمة الرضا والحرية والمسامحة والعدالة والذي خلا من الوعد والوعيد .. وان حققت هذه الكتب تقدما فكريا وحضاريا لكن الجانب القانوني ظل فيها باهتاً ..

ثم مجيء خاتمة رسالة الأنبياء بنزول القرآن على الرسول محمد (ص) وأعلانها خاتمة الديانات السماوية ..  كما جاء في القرآن "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ..  المائدة3".  ا ورغم ان الكتب الثلاثة كانت من مصدر واحد هو الله لكن الخلاف والاختلاف ظل قائما بينهم ولحد اليوم ولا يعرف له حلاً .. نتيجة ورود نصوص توراتية وأجلية وقرآنية مقدسة تتعارض مع نصوص اخرى .. ومن وجهة نظري الشخصية ان فقهاء الدين هم الذين لعبوا دورا في هذا الخلاف بدلاً من ردمه ..  لكي تبقى السلطة والقدسية فيهم دون الأخرين.

من هذه النصوص مثلاً .. قال الحق: "يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء .. بعضهم أولياء بعض ، المائدة 51" وفي آية اخرى يقول الحق :" ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ومن آمن بالله واليوم الأخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، البقرة 62".وفي اية أخرى يقول الحق:"ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكوا مؤمنين ، يونس99. وأية اخرى تقول:"لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.البقرة 256" .. .كل هذه النصوص بحاجة الى تأويل علمي بحت وليس الى تفسير فقهي لغوي مختلف .. أستغلت من قبل مؤسسات الدين فخلقت العداوة بين الشعوب بدوافع سياسية بحتة ..

آيات قرآنية متعددة كل منهما يختلف عن الاخرى فأين القصد ..؟ في الاولى يقر التفسير بضرورة امتناع التعامل معهما ويقصد اليهود والنصارى بعد مجيء الاسلام الذين لم يؤمنوا به ..  بينما في الاية الثانية يقصد اليهود والنصارى قبل مجيء الاسلام الذين لا زالوا على فطرتهم ولهم نفس حقوق الأخرين اذن لماذا قاتلتموهم؟. وفي الثالثة والرابعة أختلاف غير مبرر يحتاج الى تأويل ..؟

فهل يجوز ان ينسب الفعل الى فاعل غير مختار ..؟

الأشكالية التي نعاني منها – وهي صعبة الأختراق – ان الكتب السماوية الثلاثة كل منها يأخذ من الاخر ، وغالبية نصوص القرآن تتشابه مع نصوص التوراة كما في آيات المعارج 6-7 ، والفرقان 26 ، والانبياء 40 ، والزمر68 ، والتكوير2 ، والشعراء88-89 ، وغيرها كثير .. ولا ادري من اين جاء الخلاف والاختلاف والعداوة والبغضاء وكلها آيات منزلة من مصدر واحد هو الله؟ .. فهل اراد الله الفرقة للناس دون الآلفة والعيش الرغيد ..؟ وهذا أمر يتنافى والرغبة الآلهية بين الناس .. لذا حدث ولا حرج حين أختلفت المذاهب الاسلامية المعززة بأحاديث موضوعة من صناعة مسلم والبخاري والمجلسي في بحار الانوار .. اختلافا بيناً بين بعضها البعض وكل منها يدعي انه هو الصحيح .. كما قال الشاعر ابو العلاء المعري:

في اللاذقيةِ ضجة ما بين أحمد والمسيح 

هذا بناقوسٍ يدق وذا بمئذنةٍ يصيح

كل ُ يعظمُ دينهُ

ياليت شعري ما الصحيح ..

لكن السئؤال المهم هو: هل تملك الأديان السماوية مشروعاً للدولة؟ أم أنها جاءت مجمعا للنصح والارشاد لطريق الاستقامة لبناء دولة؟ فالدولة في الغرب المسيحي ما قامت الا بعد ان فصلوا الدين عن الدولة .. .أما في الاسلام فلا نجد في مشروعه الدولة ..  فالاسلام لم يأتِ ليكون دولة بل جاء ليكون أمة ، يقول الحق :"ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون ، الأنبياء 92" لذا لا يجوز لأي جماعة ان تنصرف عن هذه الامة لأي سبب ولا تدعي الخلاف بينها ، فمن اين جاءت المذاهب اذن التي كل منها يدعي هو الاسلام الصحيح ..؟. نظرية تنبه لها الاوربيون من زمن ..  ففصلوا الدين عن الدولة وأبقوا الدين وشعائره لمن يرغب بنظرية الاستقامة وهذا هو الصحيح ، لان الدين لايصنع دولة بل يصنع عدالة الزامية ولا غير .. لكون ان مفهوم النص ثابت لكن المعنى متغير ..  وفق سياقات صيرورة الزمن فتقدموا وبنوا حضارة .. وبقي المسلمون متمسكون بالنص دون تآويل وتطبيق ..  فأضاعوا الدين والدولة معاً كما نراهم اليوم.

نحن باستطاعتنا التوسع في المقارنة أكثر من هذا لو كنا قد قدمنا كل ما ورد لدى الجانبين من تصورات دنيوية وأخروية وأقتبسنا من النصوص غير القانونية أكثر مما فعلنا ..  ولكن ما الفائدة في توسع دائرة الخلاف بعد ان اصبح المسلم يتمنى ان يعيش في بلاد الغرب المسيحي بعد ان يأس من تطبيق نظريات الحقوق والعدالة في بلاد المسلمين .. أنظر حركة اللجوء الاسلامي للعالم الاوربي اليوم .

وبما ان الدين هوالطاعة لخالقه فقد أوجب عليهم الوصايا العشر التي تحقق الحق والعدل والاستقامة والاخلاق والتشريع النصي والتقوى للألتزام بالعبادات والاعراف بمفهوم الصيرورة الزمنية أي ..  الألتزام بحدود الله التي هي أهم من الألتزام بالأعراف .. وهم أول من ضيعوها واضاعوا حقوق المسلمين.

ومن هنا يحتم الموضوع علينا البحث في الجدلية التي تتمثل في الاختلاف والتشابه بين بعض النصوص التوراتية والأنجيلية والقرآنية ..  وما جاءت به الكتب الثلاثة ومن أين جاء الخلاف اذا كان المصدر الآلهي واحدا ..؟ .. المهم .. 

ومن وجهة نظري الشخصية ان الديانات السماوية الثلاثة بحاجة الى قراءة معاصرة ونظرة جديدة لها ، تنطلق من خصائص اللغة التي جاءت بها .. وقوفا على الأرضية الفلسفية والمعرفية للقرن الحادي والعشرين .. بغية عرض وجهة نظر جديدة الى الوجود والمعرفة والتشريع والأخلاق والجمال والأقتصاد والتاريخ .. تستنتج حصرا مما جاءت بها هذه الكتب من نصوص تستدعي الأخذ بها من ناحية التشابه بالحدود وخلق العالم ونهايته كما تصورها النصوص في الكتب الثلاثة وان أختلفت في التوجه والمعنى بالتحديد .. والأبتعاد عن عصر النصوص.

من يطلع على كتاب الحياة ..  (العهد القديم) الكتاب المقدس للديانتين اليهودية والمسيحية والقرآن الكريم يتبين له ان العمود الفقري لهذه العقائد هو قانون الصيرورة الزمنية (التطور) حيث تكمن فيها عقيدة التوحيد ، وقانون تغير الاشياء ، أنطلاقاً من النظرة الواقعية للتغيير ليتوصل القارىء الى ركائز البينات المادية وأجماع الاكثرية من المعتقدين بها ليتوصلوا الى ان هذه الديانات وان جاءت متباعدة زمنيا بين الواحدة عن الاخرى .. الا انها تشترك في خيط اساس هو ضمان حرية التعبير عن الرأي ، وحرية الأختيار .. وهما اساس الحياة الانسانية على الأرض. . وهذا هو المفقود عند المسلمين اليوم .. اذن كيف يتقدمون ..؟.

فهل تحققت هذه المعاييرفي دولة الاسلام التي بها يحكمون اليوم؟.هذا هو المهم .. بالنسبة لمعتنقيها الذين لا زالوا اليوم في صراعات الآيديولوجيات المختلفة البعيدة تماما عن اهدافها بالمطلق .هذاالعصيان للأرادة الآلهية ادى الى كارثة كونية كان لها ابلغ الاثر في تغيير معالم الصورة التي جاء بها الخالق لمخلوقاته ، بعد ان حل القتل ، والفساد ، والعداء ، والطمع ، والحروب ونكران الوصايا العشر .. وغيرها من الشرور التي عمت الدنيا .. مما ادى الى انفصام عرى العلاقة الحميمة بين الله والخلق ..  حتى اصبح الانسان عاجزا عن استعادة الفردوس المفقود الذي تمناه الخالق لخلقه .. وهو الأمان والأطمئنان والكفاية والعدل.

وهو محور الحياة الاساس بعيدا عن تصورات العصمة والمعصومين والمسيح القادم والمهدي المنتظر وغيرها من سفسطائيات مؤسسات الدين لتلهوا الشعوب بالتصورات الخيالية دون الانتباه لواقع التغيير .فهل فهم الانسان القصد .. ام لا زال يكابر بالخطأ ..؟ .

 المشروع الديني الذي جاء به الله من اجل سعادة البشرية واحلال قوانين العدالة بينهم يجب ان يتشابه في المضمون والنتيجة ..  لا ان يكون سبباً في العداوة والحروب والأضرار بالبشرية وما يجري عليها من ماسي لا يعلمها الا الله .. هنا هي الاشكالية الاساس التي يجب ان تبحثها مراكز البحث العلمي ومؤسسات الدين التي ساهمت وتساهم في كل غث وسمين ..

نحن نخاطب العقل العربي هل ان الروح التي منحها الله للأنسان تجمدت على مناهج التخلف والتخريف الذي أوجدته مؤسسة الدين بعيدا عن الصيرورة الزمنية والتغيير؟ أم لنكون حريصين على توسيع مدارك البحث للثقافة العربية للتوجه نحو التجديد ، وان لا نبقى في طور الكلاسيكيات المغلقة التي ليس لديها قوة مسايرة الزمن نحو التجديد فتصبح بمرور الزمن في حكم التغييب.

ويبقى المنهج التاريخي العلمي في دراسة هذه الديانات هو المخرج الاساس في العقيدة والتشريع . فكيف لنا تحقيق ما نهدف اليه والعقل العربي اليوم يمر بأزمة اخلاقية صعبة تتحكم فيها السلطة ومؤسسة الدين التي تنكرت للوصايا الخمسة وحولتها الى تخريف .. فليس الخلاص منها سهلا لا بل أشبه بالمستحيل ..

بينما بقيت الديانات الوضعية كالزرادشتية والمانوية والبوذية وغيرها تتعايش مع من يؤمن بها دون خلاف وتتطورمع الزمن في الحقوق ، مما حققت استقرارا قانونيا لمعتنقيها اليوم .. وبنت مجتمعات مستقرة ومتقدمة مما جعل بعض الشعوب في الديانات الاخرى تطمح لتتعايش معها او بلا دين ..  كما في اليابان والصين مثالاً .. فحققت ما لم تحققه الديانات السماوية الثلاث .. عبر العصور .. وهذا ليس طعناً بالديانات السماوية الثلاثة .. لكنها هي الحقيقة التي يجب ان يعرفها المجتمع وخاصة الاسلامي اليوم .. بيقين ..

 

د. عبد الجبار العبيدي