 ثقافة صحية

بهجت عباس: تحرير الجينوم.. جراحة جينيّة لأمراض عصيّة

بهجت عباستحرير الجينوم Genome Editing أو تصحيحه هو تقنية بواسطتها يستطيع العلماء أن يغيّروا الدنا DNA، ذلك بإضافة مادة جينية أو إزالتها أو تحويرها من مناطق معيّنة من الجينوم. وهنا تُستعمل الخمائر / إنزيمات نيوكلييس Nucleases المحورة هندسياً لتستهدف تسلسل دنا معيّن حيث (تقطع) شريط الدنا فَـتُـزيل قِطعة منها . وفي هذا استعمل العلماء تسلسل الدنا المتكرر CRISPR فما هذا التسلسل وكيف توصّل العلماء إليه؟

البكتريا أسّ الاكتشاف

لاحظ د. فرانسيسكو ماجيكا أثناء عمله على البكتريا في عام 1993 قِطَعاً من الدنا في البكتريا مُكرّرةً عدّة مرّات مع مسافات (فجوات) بينها. فأخذ يركّز على هذا التكرار في عمله فوجد بعد عشر سنوات، 2003، أنّ هذه القِطَع المتكرّرة تماثل قِطعاً من دنا الفيروسات التي هاجمت البكتريا ودخلت فيها . هذه القِطَع الجينيّة  تماثل تسلسل الفيروس الموجود فيها، وهذا يعني أن البكتريا استنسخته من الفيروس المصابة به فامترج بها. أمّا كيف تمّ هذا، فهو أنّ البكتريا استقطعت بعض جينوم الفيروس الداخل فيها واحتفظت به لتقي ذاتها من الفيروس الذي سيهاجمها في المستقبل، أي استعملته كمناعة، وذلك بإنتاج قطع صغيرة من الرنا وإنزيم تدعى Cas تقطّع الفيروس المهاجم إلى قِطَع صغيرة وتُبطل عمله. وعلى هذ1الأساس  نشأت فكرة

الـ CRIPSR (Clustered Regularly Interspaced Short Palindromic Repeats) وتحرير الجينوم أو تصحيحه إن كان ثمّة خلل فيه، وكان روّادها د. جنيفـر دودنا و إيمانوئيل شاربنتير ورفاقهما في العشر سنوات التي تلت،  يعني في عام 2012 ، وكانت تُجرى  حينذاك على البكتريا. ولكنّ د. فينغ زانغ استعملها على الخلية العصبية عام 2013. ومن ثمّ قام الباحثون بتطويرها ووضعها قيد الاستعمال وهي التقنية التي بواسطتها يستطيع العلماء تغيير الدنا بإضافة مواد جينية أو إزالتها أو تحويرها من موقع معيّن على الجينوم. وفي عام 2018 تمّت موافقة منظمة الدواء والغذاء الأمريكية FDA على إجرائها على مرضى بيتا ثلاسيميا (قلّة وجود الهيموغلوبين) فإن نجحت فسيكون حدثاً هاماً للتخلّص من هذا المرض المميت.

الأمراض الجينيّة وعلاجها

ليست كل الأمراض جينية، بل قد تكون جرثومية، فيروسية، فيزيولوجية وغير ذلك. ولكن ثمة ما يزيد عن ستة لآف مرض نتيجة انحراف الجينات أو الكروموسومات. ومن هنا حاول الباحثون منذ الثمانينات من القرن العشرين ولا يزالون علاج هذه الأمراض جينياً ولكنّ النجاح لم يكن حليفهم إلا في بعض الحالات القليلة جداّ. ورُغم كلّ هذا لم يزالوا مستمرين في أعمالهم. ولأول مرة كانت محاولة لـتحرير الجنين البشري عام 2015. وهنا أخذ بعض الباحثين يتسابق لكتابة الجنين بصورة مضبوطة ومن دون خلل. ولكنّ هذه العملية تتطلّب موافقة منظّمة الدواء والغذاء FDA قبل القيام بها، لإنّ عمليّة (تحوير) الجنين ممنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية إلا إذا كانت للأبحاث فقط، أيّ دون نموّ الجنين إلى فرد متكامل. غير أنّ هذه الأبحاث وإجراء تقنيات (التحوير)على الحيوان مسموح ومعمول بها منذ عام 1981. وبالرغم من كل هذا فإنّ منظمة الدواء والغذاء أجازت هذه التجربة لعلاج بيتا ثلاسيميا ومرض خلية الدم المنجلية، فإن أصابها النجاح فسيكون استعمال CRISPR وارداً للقضاء على هذين المرضين المميتين.

آلـيّـة العمل

تتألّف CRIPSR من رنا وإنزيم تقطع الدنا، عادة تُستعمل إنزيم Cas9 . وهنا صمّم الباحثون رنا RNA سمّوها (الرنا الدليل أو القائد) التي تقود الإنزيم Cas9 إلى أو تدلّها على موقع الجين المستهدف في الدنا لتزيله من الدنا أو بالأحرى تقطع الدنا وتُزيل بعض قواعدها النايتروجينيّة، فهي تستطيع أن تُزيل أيّ قطعة من الجينوم البشري الذي يتكون من ثلاثة بلايين قاعدة مزدوجة بدقّة تامة. ومن حسنات (كتابة) الجين باستعمال CRISPR Cas9 أنّ بضع مئات من الرنا (القائد) تُستعمل في الوقت ذاته لتشخيص أو لعلاج مئات بل ألوف الجينات في الوقت ذاته. ولكنّ تحرير الجين بهذه الطريقة، رُغْمَ فوائدها، تسبب كسراً في شريط الدنا يُصّلّحُ بواسطة الخلية ذاتها وقد لا يُصَلّح وهذا ما يسبّب عدم السَيطرة و إحداث تغييرات غير مرغوبة. ولكنّ فريقاً مشتركاً من الباحثين من معهد مساشوسيت للتقنية  وجامعة كاليفورنيا – سان فرانسيسكو صمّموا طريقة بديلة تغـيّرُ (إفصاح) الجين من دون حدوث أيّ تغيّر في الدنا. استعمل هولاء الباحثون هذه الطريقة التي أسموها (غلق) و(فتح) CRISPRoff و CRIPSPRon لحث الخلايا الأولية (الجذعية) أن تتحول إلى خلايا أعصاب Neurons وفي الوقت ذاته منعوا الجين الذي يصنع البروتين تاو Tau المتورط في مرض الألزهايمر (هذا البروتين يسبّب عُـقَـداً متشابكة في الدماغ تؤدّي إلى فقدان الذاكرة)  وشرحوا تجربتهم هذه في مجلة Journal Cell. هؤلاء الباحثون أحدثوا ماكنة بروتين ورنا صغيرة تقود هذا البروتين إلى (نقاط) معيّنة في شريط الدنا. هذه الماكنة تضع مجموعات المثيل CH3 على الجينات لتغلق إفصاحها، يعني تمنعها من تخليق البروتين تاو، والتقنية ذاتها تعكس هذه العمليّة، ذلك بإزاحة مجموعات المثيل لتعود الجينات إلى عملها بإنتاج البروتين أي تفتحها. ولأجل السيطرة على هذه العملية لئلا تذهب إلى أبعد ما يكون ابتدع الباحثون في جامعة كاليفورنيا- بيركلي – برئاسة الدكتورة جينيفر دودنا أنواعاً عدّة من الإنزيم Cas9 تنشّط CRIPSR في الخلايا المستهدفة فقط لتحرير الجين. وفي عام 2018 صمّم الدكتور وايزمان ، من جامعة كاليفورنيا – سان فرانسيسكو – تقنية دُعيت بـ CRISPRa وذلك بـ(تضاعف) أو تكرار نسخ  الجين الذي يدعم / يزيد الشعور بالاكتفاء من الطعام لئلا يأكل الشخص أكثر مما يجب وذلك في علاج السّمنة. ومع ذلك فإنّ الدكتور وايزمان يتساءل في حالة استعمال هذه التقنية في مرض الألزهايمر " كيف نوصل هذا إلى الفرد وهل تكفي حقّاً لتؤثّـر على الألزهايمر؟" ولكنّ هذه الطريقة تستعمل بطريقة واسعة في الأبحاث الجينية حيث " باستطاعتنا الآن أنْ نُلجم أي جزء من الجينوم أنّى نريد، إنّها لآلة جبّارة  لاكتشاف فعّاليّة الجينوم" يقول وايزمان.

من هذه التقنية CRISPR استفاد باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو من تطوير جهاز احساس جيني سمّوه (صائد المُستَنسَخ CopyCatcher ) ليكتشفوا الحالة أو اللحظة التي ُتستَنسَخ المادة الجينية فيها تماماً من كروموسوم لآخر خلال خلايا ذبابة الفاكهة. وهذا يعني أنّه باستعمال هذا النظام وفي حال تطبيقه على الانسان يمكننا أن نعرف كم من النسخ (المضبوطة) تقع في خلايا الانسان المتعددة والنسخ المتغيّرة (المشوّهة) لجين سليم ومعالجة هذا الخلل وخصوصاً الموروث بواسطة تحرير الجين في حالة وجود جين مغلق وجب أن يكون مفتوحاً والعكس صحيح أيضاً.

ولكنّ الباحثين في معهد ويس للهندسة البيولوجية بالاشتراك مع كلية الطبّ، وهما في جامعة هارفارد، استحدثوا آلة تحرير جين جديدة أسموها Retron Library Recombineering أو اختصاراّ RLR  وهذه تمكّن ملايين التجارب الجينية من أن تُجرى في الوقت ذاته. إنّ عملية CRISPR-Cas9 هي أنْ تجد مناطق معيّنة من الدنا فتقطعها وتُزيلها ولكنّ جَعْـلَ الدنا أن تكتب (تستحدث) التغيّرات المنشودة البديلة يحتاج إلى (خداع) الخلية لاستعمال قِطعة جديدة من الدنا لتصلّح هذا الكسْر. وهنا قد يكون الخطر على الخليّة، حيث أنّ الإنزيم Cas9 قد تقطع بصورة عفوية من دون قصد مناطق أخرى غير مستهدفة. ولكنّ RLR يسهّل هذه المهمّة، حيث أنّه يُحدث ملايين التغيّرات ويضع علامات على الخلايا المشوّهة فبهذا تُصبح المنطقة بأكملها واضحة المعالم فيسهل تحليل البيانات. كانت الريترونات معروفة قبل عقود ولكنّ فعالياتها لم تكن معروفة حتّى حزيران 2020 .

عمليّات أجريتْ

مرض الخلية المنجلية

هذا المرض وراثي ناتج عن تشوّه في جين سلسلة الغلوبين بيتا يؤدّي إلى إحلال الحامض الأميني (فالين) محل الحامض الأميني (گلوتاميك) في المركز السادس من السلسلة ، فبهذا يتغيّر شكل خلية الدم الحمراء من (الكرويّة) إلى (المنجلية إو الهلاليّة) وهذا يقصّر من عمر الخلية إلى عشرة أيام أو أكثر بقليل (عمر خلية الدم الحمراء 120 يوماً) إضافة إلى عدم نقلها الاوكسجين الكافي إلى الأنسجة وإعاقتها الدورة الدمويّة فتكون الوفاة المبكرة. ليس لهذا المرض من علاج، لذا اتّجه الدكتور حيدر فرانغول من ناشفيل – ولاية تنيسي إلى تجربة جهاز الـ CRISPR-Cas9  لعلّه ينجح في علاجه، فكانت السيّدة فيكتوريا گراي (34 سنة) من ولاية مسيسیپي المصابة به هي أول من أجريت لها هذه العملية الجينية قبل عام تقريباً فنجحت وهي تتمتع بصحة جيدة طبيعية حتّى الآن. تتلخص هذه العملية بغلق جين يُدعى BCL11A . وكما يقول الدكتور حيدر فرانغول الذي أجرى العمليّة " إنّ هذا الجين يُفتح بعد ولادة الطفل بثلاثة أو أربعة أشهر . يقول هذا الجين للخلية أن تتوقف عن إنتاج الهيموعلوبين الطفولي وأن تبدأ بإنتاج هيموغلوبين البالغين." ويتابع الدكتور فرانغول "بأنّنا وجّهنا CRIPSR-Cas9 أن تذهب إلى هذا الجين وتغلقه. وعندما تتكوّن كميّة كبيرة من الهيموغلوبين الطفولي فهذه تمنع الخلية الحمراء (الكروية) أن تتحول إلى (منجلية) الشكل."

انحلال الشبكيّة

في معهد كيسي للعيون في مدينة بورتلاند – أوريغون – غيّر العلماء الدنا في الانسان. ففي عملية سريرية بارعة ، كما أُطلق عليها، صمّمت العملية لتصليح تشوّهات في جين تُسبِّب ضمور أو انحلال شبكية العين التي لا علاج لها. ففي هذا المعهد " أجرِيَت أول عملية جراحيّة في كتابة الجين في الانسان لتفادي العمى نتيجة تشوّه جينيّ معلوم." يقول د. مارك فرومر أخصائي العيون في مستشفى.لينوكس هِل في نيويورك. مستطرداً " فقد أزيلتْ الدنا المشوّهة من خلية مع التشوّه الحاصل. وهذا قد يمنح البصر لأناس بعمى لا علاج له."

إذا حدث أنّ أحدى القواعد أو بعضها قد (تغيّرت) في أحد جينات العين فيجب أنْ (تُصلّح) وإلا فستكون العاقبة وخيمة. ويتمّ إصلاح هذا الخلل بواسطة تحرير الجين، أي إزالة تلك القاعدة الغلط وإضافة القاعدة الصحيحة.  وفي التجربة السريرية البارعة استطاع الباحثون أن يقطعوا (يقصّوا) الدنا الشاذّة من الخلايا  التي سبّبت هذا النوع من انحلال الشبكيّة، وهذا لا يعني أنّهم غيّروا الكود الجيني  للشخص المعنيّ بل غيّروا الدنا في موقع معيّن من الشبكيّة. تختلف طريقة العلاج هذه عن علاج مرض الخلية المنجلية التي أجريت خارج الجسم، حيث استُخلصت الخلايا وعولجتْ وبعدها أُعيدتْ إلى الجسم مرة أخرى. أما في حال معالجة انحلال الشبكية فقد أجريت العملية داخل عين المريض نفسه.

 

د. بهجت عباس

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5376 المصادف: 2021-05-25 06:01:23


Share on Myspace