 كتب وإصدارات

ابراهيم معروف: عرض كتاب قرن من الاوهام

ابراهيم معروفمرجع اكاديمي وسوسيولوجي لاغنى عنه للعراقي الباحث عن هويته

بدءا يأخذك عنوان الكتاب الى السؤال المبهر (هل حقاَ مرّ على العراق قرن من الزمان ولم يقف على اقدامه ولو لفترة وجيزة طوال ذلك القرن لتكون له دولة وهوية خاصة به ؟".

 يبهرك العنوان المنطوي على التساؤل المؤلم " حتى متى نبقى نعيش وهمَ الدولة، ووهم الوطنية والانتماء والهوية!؟" حتى تكتشف من مراجعة أولية للعنوان بأنه حقاً يطوي بين دفتيه قرن من الاوهام  ليسجل العنوان أول نجاح في الاختيار.

الكتاب يعيدنا الى السؤال الاساسي في المنظومة التسلسلية لمقومات قيام الدولة التي بدأت خطواتها في أعقاب تفتت الامبراطورية العثمانية وسعي الشعوب الباحثة عن هويتها وانتمائها الى تحديد كياناتها الخاصة بمقوماتها المشتركة من أين كانت البداية .

في تسلسل الكتاب وفهرسه المفيد تجد سياقاً أكاديمياً لإعادة تشكيل حجرات البناء التوعوي لمجموعة المفاهيم التي يتصدى لها الكتاب . تسلسلاً أكاديمياً وسوسيولوجياً متناغماً مع السياقات التاريخية لتشيوء الدولة ،وكأن الكتاب والكاتب أرادا أن يشركا -على مدى قرن كامل - أجيالا من العراقيين بمسؤولية البحث عن الاجابات التي يطرحها الكتاب على أنها أوهام تستدعي قدح مساحة الوعي وتحمل شرارات الاجابات الصادمة .

ذلك ليس فقط للعراقيين في الداخل  ،حيث وجد العراق وتعرض لكل العاديات خلال قرن من الزمان ، بل للعراقيين في الخارج أيضا الذين يصارعون موضوعة الهوية والانتماء والمواطنة بين قوميات وشعوب وجنسيات وانتماءات تستدعي منهم التسلح جيدا بدريئة من القيم والمفاهيم الباحثة عن تشكيل وتبلور كياناً لم تتحدد صورته وبدت كأوهام تعشعش في مخيلة العقل ولاتجد لها استجابة في الواقع ترى نقائضها من انتماءات بالعنوان وعلى البطاقات الشخصية ولكنها ليست كهذه وتلك في الممارسات الواقعية ، واللافت أنها آخذة في التوسع أفقياً في انخراط تجمعات بشرية واسعة في اللاوعي لمفاهيم الوطن والهوية والانتماء والولاء وعمودياً تنخر عمود الدولة الذي يسعى الى التبلور ضمن عوارض وويلات لاتدع له فرصة التكون للحفاظ على ميكانيزم التطور والتبلور المعبر عن ذاته.

2633 عبد الحسين الطائيفي بدء تشكيل الوعي للتساؤلات التي يطرحها الكتاب كمقومات يساعدك المؤلف في الفهم الاكاديمي للدولة ونشأتها إذ لايمكن مناقشة المفاهيم اللاحقة بدون الحديث عن ماهية الدولة وتحليلها ودراسة النظريات التي تشرح مفهوم الدولة ومكوناتها حسب آراء المفكرين والباحثين الذي قرأ المؤلف جهدهم وتحليلهم وأورد ما يتفق مع المقومات الاساسية لذلك كان الفصل الاول المخصص لنشأة الدولة ومفهومها قد استهل به فصول الكتاب الاربعة ضمن هذه الضرورة المنطقية في التسلسل المعرفي، تضمن العديد من المباحث والمقاربات التي تضع بين أيدي القاريء والاكاديمي والطالب وحتى رجل الشارع البسيط منهجاً علمياً يؤسس لقواعد النقاش والحوار بين الذات والذات أولاً وبين القارئ المتابع والمحاور ثانياً ، فهو ينحى في هذا الفصل وفي مجمل الكتاب منحى تربوياً أكاديمياً بالتوازي مع التحليل السوسيولوجي لعملية الوهم في التطبيق وذلك لتسليح القارئ بتلك المفاهيم وايضاً لمأسسة النقاش وتوفير مفرداته ومفاهيمه كمنهج للتخاطب والتحاور والتساؤل الذاتي، لتجد بحوثاً في مقومات الدولة واركانها يحددها الكاتب بالشعب والاقليم والارادة والسلطة لمفكرين كبارومؤلفين وضع كتبهم وبحوثهم ونظرياتهم رهن الباحث الساعي للاستزادة والتعلم، بالاضافة الى توضيح العلاقة المتناقضة بين قوة الدولة وقوة المجتمع ومدى تبادل أدوار التحكم بناء على قوة احدهما على حساب الاخر، مستطرداً في تعريفه لنوع السلطة ومكوناتها التشريعية والقضائية والتنفيذية ، وصولاً الى اشكال تلك السلطة ونوعيتها وبروز مفاهيم الدولة المدنية والدينية منذ تأسيسها عام 1921 متتبعاً ذلك تاريخياً في التجارب التي سعت الى بناء الدولة العراقية و مسقطا ذلك على واقعنا الحالي  وبالتحديد من دستور عام 2005 الذي تسعى السلطة الى بناء ذاتها في حالة اقرب للوهم منه للواقع المطلوب. إذ كانت النتيجة بعد ذلك وبالذات بعد تجربة الاحتلال مؤسية وعكس المبتغى نجم عنها تفتيت الدولة وتفتيت المجتمع وبروز مقومات وانتماءات ضيقة على حساب العباءة الكلية للانتماء ليبرز وهم الدولة كحلم يدور في الذات اكثر منه في الواقع.

وضمن نفس التسلسل الجدلي يأتي الفصل الثاني مفصلا موضوعة المواطنة والمواطنة متتبعا تسلسلا تاريخيا لفهم الموضوع منذ بدايات التاريخ الاسلامي مشيرا الى وثيقة المدينة التي اسست لمجتمع مدني عنوانه البناء وضمن حقوق المواطن دون تسمية للمواطنة حينها، وحتى عصرنا الحاضر مع المتابعة المتأنية لمدى اسقاطات تأسيس الدولة العراقية على موضوعة المواطنة  ومعاييرها السياسية والثقافية ومدى قدرتها على تـآكيد وتخليق مساحة جديدة من التوحد الوطني ، ويفرد الكاتب صفحات وافية تعكس مدى تطور وتكرس مفهوم المواطنة في الدساتير التي جهد باحثا عن فقرات تؤكد تلك المواطنة على ورق الدساتير دون ان يكون لها صدى في الواقع في ظل سيطرة القيادات السلطوية على الدولة .

خالصا الى نتيجة مهمة في تطور مفهوم المواطنة مرتبط عضويا بتطور الثقافة مابين وعي الصفوة ووعي الجماهير ومدى القدرة على تحقيق دور السلطة وحقوق المواطنة وايضا وهو المهم المواطنة المبنية على الحرية والمساواة.

وبموازاة هذا يتتبع الكاتب بتأن شديد منظور العلاقة المتناقضة والتناحرية في تأسيس التجربة العراقية مابين الموروث الاقطاعي العشائري وبين اسس قيام التركيبة البشرية الجديدة القائمة على العمل والاستثمار متفقا في تتبعه السيسيولوجي وثيقة الملك فيصل الاول وكذلك الجهود القيمة لحنا بطاطو ود علي الوردي وعدد من الباحثين التي تتفق جميعا في ان العراقيين مجموعةتكتلات بشرية خالية من فكرة الوطنية.

يستمر الكاتب في نفس السياق مستعرضا المتغيرات المجتمعية ما بعد التغيير في 2003

التي انتجت الطائفية والتمييز على نحو واضح مدعوم من قوى جديدة تجمعها المصالح الضيقة في محاولة بائسة لاحلال ظاهرة التعصب الديني والمذهبي والقومي بددلا من المواطنة وهي الغطاء الضامن لكل الانتماءات والمعتقدات ولكن ليس على حساب وظيفة ومسؤولية المواطنة.

وفي جو من هذا التخبط في البحث عن غطاء فكري وايديولوجي يأتي الفصل الثالث مفصلا موضوعة الهوية بضم الهاء والذي افرد له الباحث جهدا لغويا لتحليل المفهوم أولا قبل البدء به مستعرضا تطور المفهوم تاريخيا لدى المفكرين ومحللا عناصر الهوية الخاصة المتمثلة بالعناصر المادية الفيزيائية وكذلك العناصر التاريخية بابعادها النفسية والاجتماعية  وبموازاة نظريات متعددة بعضها يعطي للجانب الوطني الاولية والاخر للجانب الاجتماعي أو الثقافي او الافتراض لكي يقودك الكاتب الى ضبابية المشهد الباحث عن الهوية العراقية والحاجة الى تأكيدها واحيائها في الذات اولا ضمن واقع عولمي متغير ومتسارع تضغطه المصالح المادية الكبرى وعلاقات الدول والشركات لتجد ان  الانتماء للهويات الفرعية والارث القديم يشكل ذلك الكابح المتقاطع سلبيا مع جهود تأكيد الهوية الوطنية.

وضمن ضبابية المشهد وصراعاته الاجتماعية يفرد الكاتب بحثا سوسيولجيا مهما في الفصل الرابع لثنائية الانتماء والولاء مبرزا الفوارق مابينهما وبالتوازي مع مفهوم المواطنة والانتماء، وعلاقة ذلك بموضوع الجنسية والجدلية القائمة لتحليل وتأكيد أيهما الارجح في الانتماء

وكخلاصة للكتاب الذي يقع في اكثر من ثلاثمائة وخمسون صفحة من القطع المتوسط اشرف على طباعته دار لندن للطباعة والنشر بغلاف جميل ومعبر عن شريط هذا القرن المزدحم بالاوهام ، يشكل بنظر مرجعا معرفيا واكاديميا مهما للانسان العراقي أولا لمراجعة قاموسه الشخصي من المفاهيم التي يطرحها الكتاب ويقيه من الامية السياسية السوسيولوجية ، كما أن حاجة الطالب والاكاديمي للكتاب ولاكثر من مائة مرجع ودورية وموقع استعان بها الكاتب بجهده المتأني والدقيق يشكل بحد ذاته مرجعاً مهما للبحوث القادمة سواء اكاديميا او معرفياً ، وفوق ذلك يؤكد الكتاب حقيقة مهمة اشار لها الكاتب في مقدمته الرائعة بأننا لسنا فقط كجيل أول يتصدى لتلك الموضوعا فحفيدة الكاتب التي ولدت في مجتمع غربي ودرست في مدارس بريطانيا وجدت في لغتها الأم واهتمام اسرتها بها لصقل تلك اللغة وجدت كل تلك الامكانية الرائعة لترجمة مقدمة الكتاب مؤكدة ان الجيل الثالث سيواصل مهمة البحث عن الهوية والانتماء الوطني وليس فقط جيلنا الثاني فمبروك لها هذا الاختيار والاهتمام والتمكن، وحسنا فعل المؤلف بدفع مخطوطته لها للاطلاع عليها.

 

عرض: ابراهيم معروف

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أحسنت أستاذنا العزيز الخبير الإعلامي والمستشار الأستاذ أبراهيم معروف في أستعراضك لهذا الكتاب الذي بذل فيه الكاتب والباحث والمتخصص بعلم الأجتماع د. عبد الحسين الطائي جهداً أكاديمياً من أجل البحث عن حقيقة هي وهم يعيشهاالمجتمع العراقي لمدة قرن من الزمان والحقبة الأخيرة كشفت الأمور على حقيقتها بعد ان فقدت الهوية الوطنية وحلت محلها الهويات الفرعية التي هي بالتأكيد تعزز من حالة التنافر وعدم الأنتماء الحقيقي .
تحياتي مع الود والتقدير
سامي الفارس

سامي الفارس
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5423 المصادف: 2021-07-11 02:22:51


Share on Myspace