علي القاسمي3) سيبويه ليس " أبو النحو العربي" كما ينعته بعضهم،

وكتابه ليس أوَّل كتاب في النحو العربي

3 ـ تاريخ النحو العربي:

3ـ1. إهمال التاريخ الاجتماعي وتاريخ المدارس الفكرية:

دأب الأَخباريون/ الإخباريون والمؤرِّخون القدامى على سرد أخبار الملوك والسلاطين والأباطرة، وتاريخ صعودهم إلى العرش، ومُدَد حكمهم، وحروبهم، وانتصاراتهم، وانكساراتهم، ومَن تولى الحكم بعد كلِّ واحدٍ منهم؛ على حين أهملوا أخبار المجتمع وأحواله المعيشية، ومستواه الفكري، ومؤسَّساته الاجتماعية والتربوية والقضائية والاقتصادية، وعاداته في الحبِّ والزواج والإنجاب والموت، وغير ذلك، مما يعطي القارئ فكرةً عن الحياة الفعلية لكلِّ شعب في تلك الحقبة من الزمن. وبعبارةٍ أخرى أنَّ التاريخ القديم كان تاريخاً ملكياً، أمَّا التاريخ المعاصر فيحاول أن يكون، في جانب منه، تاريخاً اجتماعياً كذلك.

بيدَّ أن الدكتور محمود محمد علي عُني عنايةً كبيرةً في تتبُّع تاريخ المدارس النحوية العربية، وعلمائها، وتوجهاتهم، وإنتاجاتهم، وأفضل كتبهم، ومناظراتهم العلمية؛ أي أنَّه اهتمَّ بالحياة الفكرية والثقافية. وفي كتابه هذا، قسَّم مراحلَ تطوُّرِ النحو العربي على ثلاث مراحل:

أولاً، المرحلة الوصفية:

أضطلع النحويون في هذه المرحلة بتدقيق النظر في استعمالات اللغة العربية، وإعمال الفكر فيها، لاكتشاف ظواهرها اللغوية، والقوانين التي تتحكَّم فيها، ووضع قواعدها، " وقد استعاروا بعض مضامين النحو اليوناني الذي دوَّن منظومته (ديونيسيوس ثراكس)، وذلك بطرق غير مباشرة، عن طريق السريان."[56]

وتمتدُّ هذه المرحلة حوالي مئة عام، من أبي الأسود الدؤلي إلى الحضرمي وابن العلاء.

" فقد كان نقط أبي الأسود الدؤلي للمصحف فاتحة النحو العربي والخطوة الأولى في نشوئه ومجسّدة للمرحلة الوصفية."[57]

ثانياً، المرحلة التجريبية:

وتستغرق هذه المرحلة، هي الأخرى، مئة عام أو أكثر، وتغطي حقبة الخليل بن أحمد وسيبويه وكتابه الموسوم بـ " الكتاب". فقد اعتمد سيبويه الطريقة الاستقرائية، في دراسة استعمالات اللغة العربية، وتصنيفها والوقوف على العلاقات فيما بينها، على أساس التماثل الشكلي والوظيفي، من أجل الوصول الى القوانين التي تحكمها، ووضع قواعدها. والمقصود بالطريقة الاستقرائية أن سيبوية ينظر في كلام العرب وشعرهم، ويتتبع الفاعل، مثلاً، في جميع ذلك، فيجده مرفوعاً دائماً، في حين أنَّ المفعول به منصوبٌ دائماً، فيقرّر قاعدةً نحويةً عامَّةً هي : الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب. ويرى بعض الفلاسفة ومنهم الدكتور محمود أنَّ الطريقة الاستقرائية منهجيةٌ موضوعيةٌ علميةٌ تجريبية.

ثالثاً، المرحلة الاستنباطية:

أفاد النحويون في هذه المرحلة مما أُنجِز في المرحلتَين الوصفية والتجريبية وما تمَّ خلالهما من تراكم معرفي أدّى إلى تطوُّرٍ في الدرس النحوي على ثلاثة مستويات: مستوى الوسائل المنهجية العقلية، ومستوى مفاهيم العلم، ومستوى نظرية العلم. وفي هذه المرحلة تمت صياغةُ قواعد العِلم ومبادئه، التي تُمكِّن النحويّين من التنبؤ المستقبلي بما يحدث في اللغة من تطوُّر وتغيُّر. وظهر في هذه المرحلة أثرُ المنطق في النحو نتيجةً لحركةِ الترجمة، لا سيَّما ترجمة الأورجانون الأرسطي[58] إلى اللغة العربية. ويُؤرَّخ لهذه المرحلة من أوائل القرن الثالث الهجري إلى ما بعد كذلك.

3ـ2.  سيبويه وكتابه:

خصَّ المؤلِّفُ الكريم سيبويه[59] بفصلٍ كاملٍ من الكتاب هو الفصل الرابع، كال فيه الثناء عليه بلا حساب، وأغدق عليه المديح بسخاء، ووشَّح صدره بالأوسمة والألقاب مثل " سيبويه أبو النحو العربي" و "إمام النحاة"، وقال عن كتاب سيبويه:

"وقد اتخذ كتابُ سيبويه مكانة لا يضاهيه فيها كتاب قواعدَ في أمَّةٍ من الأممِ ، فقد جذَبَ أعيُنَ النَّاظرين ، وتنافسَ في دراستهِ المتنافِسون وشرحه سبعةٌ وثلاثون شارحاً من كبار فقهاء النحو ومفتيه"[60]

حتّى أنَّ علماء النحو سموه بـ " البحر الخضم" لكثرة جواهره وصعوبة مضايقه، ووصفوه بأنه " زينة لدولة الإسلام"، بل نعتوه بـ " قرآن النحو"، إلخ. إلخ. ولهذا كان بعضهم يحفظه عن ظهر خاطر كما يحفظ القرآن الكريم.

وقدَّم المؤلِّف عرضا وافيا لكتاب سيبويه الذي يتكوّن من قسمين:

القسم الأول: في أبوب النحو، ويضمُّ أربعة أجزاء:

ج 1: إسناد الفعل،

ج2: اسناد الاسم،

ج3: الإسناد الذي بمنزلة الفعل: الحروف الخمسة، النفي بلا، والاستثناء.

ج 4: أحكام الإسناد مع بدائل الاسم المُظهَر التامّ المنوَّن: المُضمَر، الاسم الناقص، ما لا ينصرف، والأسماء في باب الحكاية.

القسم الثاني: في أبواب الصرف والأصوات، ويضمُّ:

ج 1: أعراض اللفظ عند النسب، التثنية، جمع التصحيح، إضافة الأسماء الستة وغيرها إلى الضمائر، الإضافة إلى ياء المتكلِّم، التصغير، حروف الإضافة إلى المحلوف به (القسم)، التنوين، التوكيد بالنون، تضعيف آخر الفعل، المقصور والممدود، الهمز، العدد، تكسير الواحد للجمع، بناء الأفعال ومصادرها وما يشتق منها.

ج 2: تأدية اللفظ، وما يجري فيه عند التلفُّظ به من تغييرٍ صوتيٍّ وصرفيّ. وفيه: تلفُّظ أمثلة الأفعال، والاسماء، والإمالة، وإلحاق الهاء فيما يصير حرفا ًنحو ألف الوصل، والوقفّ

ج 3: بناء اللفظ: كيفية بناء اللفظ، وعدد حروفه، وأحواله في الزيادة، والإبدال، والتصريف، والقلب، والتضعيف، والإدغام.

وتصدّى المؤلِّف الفاضل لتحليل منهجية سيبويه في الكتاب، فوجد أنَّها تقوم على استقراء النصوص العربية، وتصنيفها طبقاً للتماثل الشكلي والوظيفي من أجل التوصُّل إلى القواعد التي تحكمها. أما أسلوبه فيتراوح بين الوضوح والغموض. وأدى هذا الغموض إلى تدخّل شيوخ النحو بالشرح والتفسير. ولم يستخدم سيبويه الحدود المنطقية (التعريفات)، بل استعمل التمثيل، فيقول مثلاً:

" اعلم أنَّ من كلامهم اختلاف اللفظَين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظَين والمعنى واحد، واتفاق اللفظَين واختلاف المعنيَين.

ـ فاختلافُ اللفظَين لاختلاف المعنيَين هو نحو: جلس وذهب،

ـ واختلافُ اللفظَين والمعنى واحد نحو: ذهبَ وانطلقَ،

ـ واتفاقُ اللفظَين والمعنى مختلف قولك: وجدتُ عليه من الموجدة، ووجدتُ، إذا أردتَ وجدان الضالة." [61]

وهكذا فنحن نرى أن كتاب سيبويه يشتمل على الأغلبية الساحقة من موضوعات النحو العربي، بيدَ أنَّ ترتيب الموضوعات يختلف عن ترتيبِ النحويّين المتأخِّرين، إذ إنَّ سيبويه لا يذكر المرفوعات على حدة، وإنَّما يخلط بعضها بالاخر.

3ـ3.  هل كان سيبويه " أبو النحو العربي" وكتابه أوَّل كتابٍ في النحو العربي؟!

وأنا شخصياً أشارك المؤلِّف الكريم أعجابه الشديد بسيبويه وبكتابه الرائع، فقد أحبَّ سيبويه المعرفة والتعلّم، وأغرم بلغة القرآن الكريم. ونحن ـ المؤلّف الفاضل وأنا ـ نشترك مع سيبويه في تلك المحبة وفي ذلك الغرام، و"شبيه الشيء منجذب إليه" أو كما يقول الفلاسفة: " إن التماثل علّة الانضمام".. بيدَ أنّي أثير بعض النقاط هنا:

أولاً ـ

لا بُد أن القارئ الكريم لحظَ في حياته باحثين حالفهم الحظُّ، فارتفع قدرُهم، وذاع صيتهُم؛ وواظب الناس على ذكرهم والإشادة بنتاجهم؛ في حين أنَّ باحثين آخرين، أفضلَ منهم علماً وأشدَّ اجتهاداً، لم يحالفهم الحظُّ، فخمل اسمهم، ونسي الناس أمرهم. وقد خصَّ كثيرٌ من الشعراء هذا الموضوع بروائعهم. ولعلَّ الطغرائي (ت 514/515هـ) كان أكثرهم تألُّماً لهذه الظاهرة غير المبرَّرة ولا المفسَّرة التي عاناها، هو نفسه، كثيراً، فنظم قصيدته المشهورة المعروفة بـ "لامية العجم"، ويقول فيها:

تقدَّمتني أناسٌ كانَ شـوطهمُ ... وراءَ خطويَ لوْ أمشي على مَهلِ

... أهبتُ بالحظ، لو ناديتُ مُستمِعاً ... والحظُّ عنّيَ بالجهالِ في شُـغلِ [62]

درس سيبويه النحو ـ بصورة رئيسة ـ على الخليل بن أحمد (100ـ170هـ) شيخ نحاة البصرة في ذلك الزمن. وينعت أصحابُ التراجم العربُ العلماءَ الأفذاذ بعبارة " أذكى زمانه" أو " أذكى القضاة" أو ما شابه ذلك، أمّا الخليل فيتفقون على نعته بعبارة " أذكى العرب". فقد كان الخليل عالماً بالموسيقى له مؤلَّفات فيها مثل كتابَيه " النغم" و "الإيقاع"، وكان عالمَ رياضيات، وعالم صوتيات فريد أكمل ما بدأه أبو الأسود الدؤلي في إضافة النقط والشكل إلى رسم القرآن، ولكن بطريقة جديدة مبتكرة، تزيل اللبس بين النقط والحركات، ولا تحتاج إلى ألوان مختلفة. فقد حوّل النقط التي تدلُّ على الحركات إلى حروف صغيرة توضع تحت الحرف أو فوقه، مثل الواو الصغيرة التي توضع فوق الحرف لتدلَّ على الضمّة، والألف الصغيرة الأُفقية التي توضع فوق الحرف لتدل على الفتحة، والألف الصغيرة الأفقية التي توضع تحت الحرف لتشير إلى الكسرة.   وهذه الحركات هي التي نستعملها اليوم لتبيان الحركات. وابتكر الخليل ترتيباً جديداً للحروف العربية، غيرَ الترتيب الألفبائي والترتيب الأبجدي، يمكن تسميته بالترتيب الصوتي.  فقد رتب الحروف العربية ترتيباً خاصاً حسب مخارجها في علم الأصوات الذي طوّره، يبدأ بحرف العين الذي يخرج من أقصى الحلق ويتدرَّج صوتياً. ولهذا سمّى معجمه بـ " العين" وهو أوَّل معجم عربي كامل في تاريخ صناعة المعجم في العالم. وقد اضطلع بتحرير هذا المعجم واستكماله أحدُ طلابه الأوفياء اسمه الليث بن المظفر الكناني. كما أنَّ الخليل هو واضع علم العروض لبحور الشعر العربي، وهو علم يقوم على الموسيقى والرياضيات واللغة وصوتياتها، وتشترك جميع هذه العلوم في كونها علوماً رمزية. وأخيراً وليس آخراً فالخليل شاعرٌ مطبوع، كلامه شعر وشعره كلام.

كان الخليلُ زاهداً متقشِّفاً متعفِّفاً في حياته ومسكنه وطعامه، لا يعبأ بشيء في هذه الدنيا، ولم يتكسَّب بعلمه ولا بشعره. يقول عنه تلميذه النضر بن شُمَيل: " أقام الخليل في خصٍّ (بيتٍ من قصب) من أخصاص البصرة، لا يقدر على فَلسَين، وأصحابه (طلابه) يكسبون بعلمه الأموال."[63]

وكثير من الأساتذة الشيوخ، يغادر هذه الدنيا من دون أن ينشر دروسه في كتاب؛ فينبري بعض مريديه بنشر بحوثه بعد وفاته، محبة في العلم وتخليداً لذكرى شيخهم. وهذه ظاهرة معروفة حتى في العصر الحديث؛ فأحد رواد اللسانيات الحديثة، عالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير(1857ـ1913م) لم ينشر كتابه الشهير " دروس في اللسانيّات العامَّة " (1916م) ، بل نشره بعد وفاته مجموعة من طلابه باستخدام مذكراتهم التي كانوا يدوِّنون فيها خلاصات أقوال الأستاذ قبل عصر المُسجلات الكهربائية الحديثة[64].

وأحسب أنَّ سيبويه كان طالباً مجتهداً عمل على تدوين دروس شيخه الخليل في النحو، فكانت عماد كتابه " الكتاب".

والخليل من رواد اللسانيِّين في العالم الذين أرسوا علم اللغة على أساس (المدوَّنة) لاستقراء الاستعمال العربي الفعلي، لا في القرآن الكريم والحديث والشعر الجاهلي فحسب، بل كذلك في كلام فصحاء الأعراب في بواديهم، من أجل استقراء استعمالات اللغة العربية، لوضع قواعدها وتصنيف معجمها على أُسس علمية. فعندما سأله تلميذُه علي بن حمزة الكسائي (ت 180هـ)، أحد أئمة القراء من أهل الكوفة:

ـ "من أين أخذتَ علمكَ هذا؟"

أجاب الخليل صادقاً:

ـ "من بوادي الحجاز ونجد وتهامة".

ولم يقُل: من السريان واليونان. ولهذا رحل الكسائي إلى البادية عدة مرات، ومكث فيها ذات مرة حتى "أنفدَ خمسَ عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب، سوى ما حفظ"[65]. ولو أجابه الخليل بأنَّه أخذ علمه من اليونان لرحل الكسائي إلى بلادهم، طبقاً لمقولة " اطلبوا العلم ولو في الصين، فإنَّ العلم فريضة على كل مسلم". ومن أولئك العلماء الذين رحلوا إلى البادية، النضر بن شُمَيْل (ت 204هـ)، أحد تلاميذ الخليل، الذي نشأ في البصرة ورحل إلى البادية عدة مرات حتى بلغ ما أمضاه في البادية قرابة 40 عاماً. ومنهم عبد الملك بن قُريب الأصمعي (ت 216 هـ)، أحد تلاميذ الخليل. وغيرهم وغيرهم كثير.

ولديّ كتاب بعنوان " الأعراب الرواة"[66] أهداه إليّ مؤلِّفه الجليل، صديقي، الدكتور عبد الحميد الشلقاني. وقد تتبع فيه أخبار جميع علماء اللغة العربية من النحويّين والمعجميّين الذين رحلوا إلى البادية لتدوين كلام الأعراب الفصحاء، وأخبار أولئك الباحثين، والمدَّة التي أمضاها كلُّ واحد منهم بعيداً عن أهله؛ من أجل العودة بمدونةٍ خاصَّة به، يستخرج منها قواعد اللغة العربية ومعجمها، أي ألفاظها ومعانيها. ولم يتوقّف علماء اللغة العربية عن الرحلة إلى البادية لجمع مدوَّناتهم إلا في عصر الانحطاط، حينما أخذوا ينقلون قواعدهم النحوية ومعاجمهم من الذين سبقوهم، فأمست كتبهم لا تواكب تطوُّر اللغة العربية وتغيّراتها، ولا تأخذ بما يستجدُّ فيها من مصطلحات واستعمالات؛ وسبَّب ذلك مشاكلَ لا نزال نعاني منها حتى اليوم.

وتؤكّد اللسانيّات الحديثة على دور المدوَّنة في تقعيد اللغة وتعجيمها. وأصبحت المدوَّنات اليوم إلكترونية بالحاسوب ويبلغ عدد ألفاظ المدوَّنة النصيَّة الجيدة بليون/مليار أو أكثر. ولا يمكن أن نستنبط نحوَ لغةٍ من اللغات بصورةٍ علميةٍ أو نصنِّف معجماً أحادي اللغة أو ثنائي اللغة، من دون الاعتماد على مدوّنة نصيّة شاملة بُنيت على أُسُسٍ علميةٍ، وتتَّصف بالشمولية الموضوعية والتاريخية والجغرافية. وأصبحت دراسة المدوَّنات النصية وأنواعها وطرق بنائها وكيفية استعمالها في علوم اللغة والترجمة والنقد وغيرها، عِلماً مستقلاً يتطلَّب مهاراتٍ في علوم هندسة الحاسوب والبرمجة واللغة. ويستطيع القارئ الكريم الاطلاع على فصل " المدوَّنة" في كتابي " صناعة المعجم التاريخي للغة العربية"[67]

ويعود الفضل في تأسيس علم المدوَّنة إلى العلماء العرب الأوائل الذين أمضوا الليالي الطوال في بناء مدوناتهم الشخصية لضبط معلوماتهم في اللغة والفقه وغيرهما من العلوم، مثل الخليل ابن أحمد، وسحنون (ت 240 هـ) صاحب " المدونة الكبرى" في الفقه المالكي.

لم يرِد في كتاب الدكتور الشلقاني، " الأعراب الرواة"، ذِكْرٌ لسيبويه. فهو لم يرحل الى البادية لمشافهة الأعراب، وتسجيل كلامهم، من أجل بناء مدوّنته الشخصية لاستخدامها في استقراء استعمالات اللغة العربية، واستنباط القواعد النحوية منها، بل اكتفى بدروس أستاذه الخليل.

ثانيا، إنَّ كتاب سيبويه ليس من ابتكاره، كما ابتكر الخليل علم العروض، أو البرنامج الحاسوبي المسمى بـ (التقاليب) لإحصاء جميع الجذور العربية والألفاظ المشتقة، المستعمل منها والمهمل، أو نظرية العامل التي يقوم عليها جميع النحو العربي في " الكتاب" وغيره من كتب النحو؛ وإنَّما يمثِّل "الكتاب" تراكماً معرفياً لما يقرب من قرن ونصف القرن من الدرس والبحث الذي اضطلعتْ به كوكبة من العلماء النحويّين. صحيحٌ أنَّه لم تصلنا كتب متكاملة في النحو من تلك الحقبة، ولكن العلم في صدور الرجال تناقلوه عالماً عن عالم ولهم تدوينات متعدّدة فيه. وكانوا يجتمعون في حلقاتٍ في المسجد للدرس والتعلم منذ زمن النبي (ص). وكان لبعضهم مجلسان في المسجد والمنزل، كالحسن البصري. فتلاوةٌ صحيحةٌ لآيةٍ أو لجزءٍٍ من آية من القرآن الكريم تشتمل على معلومات لغوية نحوية مثل ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [68] ولقد قمتُ برسم مخطط لهؤلاء العلماء الذين أخذوا المعرفة اللغوية كابراً عن كابر، وذلك دعماً لجهود صديقي الدكتور محمود في الكتابة عن تاريخ العلم والمدارس الفكرية، وانتهيت إلى المخطط التالي:

النبي (ص) (ت 11هـ)

الإمام علي (ت 40 هـ)

أبو الأسود الدؤلي (ت 69 هـ)

(بدأ بنقط المصحف وإضافة الشكل بلون مختلف عن النقط ...)

الحسن البصري (ت 110هـ)                نصر بن عاصم الليثي (ت 89  هـ)

(حديث، فقه، علوم القرآن واللغة)                (أكمل عمل شيخه الدؤلي في نقط المصحف)

أبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ)                 عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت 117هـ)

(أحد القراء السبعة، عالم بلغات العرب وغريبها)                (أول من فرّع النحو، واشتق قواعده وطرّد القياس فيها وعلّلها)

عيسى بن عمر الثقفي (ت 149هـ)                                  يونس بن حبيب (ت182هـ)

الخليل بن أحمد (ت 173هـ)

الكسائي (ت 189هـ)، الليث بن المظفر(ت؟)، الأصمعي (ت 216 هـ)،  سيبويه(ت 180هـ)، النضر بن شميل(ت203 هـ)

(نحوي، من القراء ال 7)،  (معجميّ)           (راوية)              (نحويّ)             (لغويّ وفقيه)

ثالثاً، يقوم كتاب سيبويه على علم الخليل. فمن حيث الأساس النظري الذي تقوم عليها جميع مباحث " الكتاب"، فهو نظرية العامل التي ابتكرها الخليل بن أحمد باعتراف سيبويه في "الكتاب" عندما تحدَّث عن عمل " إنَّ، وأنَّ، وكأنَّ، ولكنَّ، وليتَ، ولعلَّ".  فالنحو يُعنى أساساً بالإعراب، أي حركة أواخر الكلمات في الجملة، رفعاً ونصباً وجراً وجزماً، وسبب ذلك أو علّته.  ونظرية العامل هي التي تفسّر لنا العلّة التي أدَّت إلى تغيّر تلك الحركات الإعرابية. فمثلاً في الجمل الآتية: جاء زيدٌ، ورأيتُ زيداً، ومررتُ بزيدٍ؛ نجد أنَّ العامل الذي عمل على تغيير حركة آخر كلمة زيد، هو: الفاعلية، والمفعولية، وحرف الجر، على التوالي. فنقول (زيد) مرفوع في الجملة الأولى لأنه فاعل، ومفتوح في الجملة الثانية لأنه مفعول به، ومجرور في الجملة الثالثة لأنه مسبوق بحرف جرٍ. ويقوم النحو العربي كلُّه على نظرية العامل التي هي نظرية عربية أصيلة من ابتكار الخليل بن أحمد، وتستعمل التعليل المنطقي، وليست متأثرةً بالنحو اليوناني ولا السرياني. أمّا اقتباس نقط الحروف أو الحركات من الكتابة السريانية فلا يُعدّ نحواً، بل رسماً أي تصوير الأصوات برموز مكتوبة هي الحروف.

رابعاً، ومن حيث المصطلح، استخدم سيبويه مصطلحات الخليل، بشكل عام[69].. و"المصطلحات هي نصف العِلم" كما يُقال، ولهذا اتخذت (الشبكة العالمية للمصطلحات) في فيينا شعار " لا معرفة بلا مصطلح".[70] وقد اضطلع أستاذنا الدكتور محمود محمد علي بتحليل مصطلحات سيبويه وتوصَّل إلى أنَّ سيبويه لم يأتِ بمصطلحات جديدة بل استخدم مصطلحاتِ شيخِه الخليل فقال:

"نقل سيبويه إلى الأجيال مصطلحات الخليل بن أحمد واستعمالات أسانيده... وفسَّر بعض المصطلحات ببعض"[71]

وتتَّضح لنا دقة ما استنتجه المؤلِّف الفاضل بسهولة إذا ما قارنا بين ما ورد من مصطلحات وتعريفات وأمثلة واستشهادات في كتاب سيبويه وبين ما ورد منها في معجم "العين" للخليل، الخ.

خامساً، ومن حيث التعريفات استعمل سيبويه تعريفات الخليل القائمة في أغلبها على التمثيل، فاستعمل أمثلة الخليل. والتمثيل هو أحد أنواع التعريف[72].

سادساً، من حيث الأسبقية في تدوين النحو، نعلم أنَّ أبا الأسود الدؤلي كتب فصولاً من النحو ولم يكملها، فقد" وضع باب الفاعل، المفعول به، المضاف وحروف النصب والرفع والجر والجزم،" كما ذكر الحافظ الذهبي[73]. أمّا عيسى بن عمر الثقفي البصري (ت 149هـ)، أحد شيوخ الخليل، فقد صنّف كتابَين في النحو هما: " الجامع" و " الإكمال"؛ ولعلَّ الكتاب الثاني يُكمل فصول الأوَّل. ويروى أنَّ تلميذه الخليل أثنى عليهما بقوله:

ذهـبَ النحو جـميعـاً كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر

ذاك " إكمال" وهذا "جامع"... وهـما للناسِ شمـسٌ وقمر

وتذكر مراجعُ معتمدةٌ عديدةٌ أنَّ سيبويه ألَّفَ كتابه على غرار كتاب " الجامع" لعيسى بن عمر[74]. وهذا يعني أن كتابي عيسى بن عمر كانا متوافرَين في أثناء حياة سيبويه. ولكن كُتُب عيسى بن عمر كلَّها أتت عليها آفة من آفات الزمان، فلم يبقَ لنا منها شيء إلا ما ذكرته المظُان المختلفة عرضاً نقلاً عنهما.[75]

سادساً، روى سيبويه في "الكتاب" 22 مرة عن عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري، فظن بعضهم أن عيسى من شيوخ سيبويه، ونصَّت على ذلك بعض المراجع، كمعجم " الأعلام " للزركلي، وشبكة المعرفة، وموسوعة ويكيبديا التي قالت في مادة " عيسى بن عمر": " وهو شيخ الخليل وسيبويه وابن العلاء"[76] ،  على الرغم من أن هذه المراجع جميعها تذكر أن عيسى بن عمر توفي سنة 149هـ، ما يجعل من المستحيل أن يكون سيبويه قد تتلمذ على عيسى بن عمر، لأن سيبويه وُلِد حوالي تلك السنة التي توفِّي فيها عيسى بن عمر الثقفي. ولا تفسير لرواية سيبويه لأقوال عيسى بن عمر إلا أحد احتماليْن:

ـ إمّا أن يكون الذي روى عن عيسى هو تلميذُه الخليل، وقام سيبويه بنقل أمالي الخليل في " الكتاب"؛

ـ وإمّا أن يكون سيبويه قد اقتبس تلك الأقوال من كتاب " الجامع" في النحو الذي ألَّفه عيسى بن عمر. وهذا ما حدا ببعض الباحثين إلى القول بأنَّ سيبويه ألَّفَ كتابه على غرار كتاب عيسى بن عمر " الجامع" الذي لم يصلنا. [77]

سابعاً، نجد في كتاب سيبويه، عندما يتكلّم عن الحرف "ما" وغيره، عبارات مثل:

ـ " وأمّا بنو تميم فيُجرونها مجرى أمّا وهَلْ، ..."[78]

ـ " وأمّا أهل الحجاز فيشبّهونها بليسَ إذا كان معناها كمعناها."[79]

ـ " وسمعنا من العرب مَن يقول ممن يوثق به: اجتمعت أهل اليمامة..."[80]

وأنتَ وأنا، نعلم أنّ سيبويه لم يرحل إلى البادية، ولم يشافه الأعراب في بوادي الحجاز وبوادي بني تميم، وإنَّما الذي فعل ذلك هو شيخه الرئيس الخليل بن أحمد، أو شيخه الثانوي يونس بن حبيب. لقد كان سيبويه ينقل أقوالهما في " الكتاب" ، سواء وضع سيبويه تلك المعلومات بعد عبارة "قال شيخنا:" أو لم يضعها. فعُمْرُ سيبويه المبارك القصير لم يتجاوز حوالي 32 عاماً (148؟ـ 180هـ)، فأعمار العباقرة قصار، ومرضه المزمن (الداء الزلاقي أو الداء البطني وهو مرض يصيب الجهاز الهضمي منذ الصغر) لم يسمحا له بالرحلة المُرهقة إلى البوادي؛ وإذا كان قد ذهب إلى الحجاز، فذلك لغرض الحج أو العمرة، ولم يذهب لبادية الحجاز لمشافهة أعرابها.

ثامناً، إنَّ الشواهد الشعرية التي وردت في " الكتاب" كثيرة تبلغ أكثر من 1050 شاهداً  منسوبة جميعها إلى قائليها، ما عدا قرابة 50 بيتاً مجهولة القائل،  ولا يتقن حفظَها بدقَّة إلا شاعرٌ عروضيٌّ عبقريٌ ذو ذاكرة مذهلة كالخليل، أو لغوي أديب معروف بحفظه لشعر العرب ونقده ، مثل يونس بن حبيب النحوي البصري (94ـ 182هـ؟) الذي تتلمذ عليه سيبويه مدَّة (من المحتمل جداً بعد وفاة الخليل وجلوس يونس مكانه) وروى عنه في "الكتاب" حوالي 200 مرة. ويونس بن حبيب هو الذي يُؤثَر عنه قوله في تقييم شعراء العرب عندما سُئِلَ عن أيّهم أشعر: "لا أومئ إلى رجلٍ بعينهِ، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا رَكِبَ، والنابغة إذا رَهِبَ، وزهير إذا رَغِبَ، والأعشى إذا طَرِبَ".

ومن كُتُب يونس بن حبيب التي وصلتنا: " اللغات " و" الأمثال" و " النوادر" و " معاني القرآن".

أستنتجُ من كلِّ ذلك أمرَين:

الأوَّل، إنَّ سيبويه لم يكُن " أبو النحو العربي " كما نعته بعضهم، بل سبقه كثيرون، كما بيَّنا في المخطط التقريبي لسلسلة النحاة العرب الذين سبقوا سيبويه.

الثاني، إنَّ كتاب سيبويه " الكتاب" لم يكُن أوَّل كتاب في النحو العربي، فقد سبقته كتيبات أو كتبٌ عديدةٌ لم يصلنا بعضها، ودلّ عليها ما نجده من اقتباسات منها أو إشارات إليها في بعض المراجع المعاصرة لها وما بعدها.

وفي تقديري أنَّ سيبويه فعل في " الكتاب" ما فعله الليث بن المظفر الكناني في معجم" العين"، فكلٌّ منهما نقلَ إلينا علم الخليل من أماليه على تلاميذه، في تقعيد اللغة وفي معجمتها على التوالي، غير أنَّ سيبويه حرَّره بشكلٍ يوحي بأنَّه من تصنيفه، وأمّا الليث فأكمل معجم " العين" وحدّثه وحرّره ونسبه إلى شيخه الخليل، حباً ووفاءً.

وملحوظة أخيرة تتعلَّق بكتاب سيبويه، وهي أنَّنا لا نستعمله اليوم لتعلُّم قواعد اللغة العربية أو تعليمها، بسبب الخلل الذي أشار إليه أستاذنا الدكتور محمود محمد علي، وبفضل تطوّر الطرائق التعليمية، بيدَ أنَّ له أهمّية في تاريخ علم النحو العربي. أمّا معجم " العين" الذي أكمله وسهر على نشره الليث بن المظفر فلا يزال مفيداً كمعجم مرحلي لتلك الحقبة من حياة اللغة العربية. ودليلي على ذلك أنَّ مُعالجي ومُحرّري " معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"[81] يضطرون إلى اقتباس كثير من تعريفات " العين " وشواهده، على الرغم من أنَّنا ـ نحن أعضاء المجلس العلمي لمعـجم الدوحة ـ نحثُّهم على أن يعتمدوا على المدوَّنة النصية مصدراً أساسياً، وألّا يستعملوا المعاجم إلا بوصفها مراجعَ ثانوية عند الضرورة القصوى، ولكنَّهم يجدون في " العين" ما لا يجدونه في المدونة ولا المعاجم الأخرى[82].

ولم يفُت استنتاجي وما أدعيه من أنَّ سيبويه مجرَّد ناقلٍ لعلم الخليل وإبداعاته، العلّامةَ بروكلمان حين قال:

" وكان سيبويه أشهر تلامذة الخليل، ومصنّف أول كتاب جمع فيه ما ابتكره الخليل إلى محصول السابقين."

(لاحظ كلمة "مصنِّف" أي مرتّب المعلومات ومؤلِّفها، وكلمة "جمعَ"، وعبارة " محصول السابقين"، التي تنمّ عن دقّةِ كلام بروكلمان).

وقال أحمد أمين عند كلامه عن الخليل:

" ...وأكتفي في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره، ونتائج فكره، ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده وألَّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدّم قبله، كما امتنع على من تأخَّر بعده."

فهذان العالمان، بروكلمان وأحمد أمين ـ اللذان اضطلعا بتأريخ الثقافة العربية وآدابها، حصرا فضل سيبويه في الجمع والحمل. أما التفكير والإبداع، وفلسفة علم النحو ومنهجيته، وإنشاء المدوَّنة اللغوية التي يعتمد عليها النحوي في تقعيد اللغة، والتنظير العلمي المتمثِّل في نظرية العامل التي ينبني عليها النحو العربي أجمعه، فهي جميعاً من إبداع الخليل وابتكاره.

وفي حقيقة الأمر، لم تفُت الدكتور محمود محمد علي تلك الحقيقة، فقد أورد مقولتَي العالِمَين أعلاه في كتابه القيم " النحو العربي وعلاقته بالمنطق". فإذا أخذنا برأيهما لم يبقَ لسيبويه من فضل سوى الحمل والنقل، وتصنيف وترتيب ما حمل ونقل، في مكان الوصول، أي الكتاب.

ومع ذلك، فإنَّ هذا الترتيب الذي قام به سيبويه، مختل وغير دقيق، كما يلاحظ الدكتور محمود، حين يقول:

" وكثيراً ما نجد سيبويه يمزج أبواب النحو في صورة عجيبة (أي: غريبة) فهو ينتقل من الباب إلى غيره قبل أن يستوفي أحكامه، فمثلاً نجد الكلام على الفاعل قد ابتدأ من الصفحات الأولى في الكتاب، ونثر الحديث عنه في صفحات الكتاب في قفزات غير منتظمة، بحسب تداعي المعاني الذي أثَّرَ على منهجه، فهو لا يحدّثك عن أحوال الفاعل مع فاعله تذكيراً وتأنيثاً إلا عند حديثه عن الصفة المشبّهة... وتتعجب من منهجه وهو يقدِّم لك المادة النحوية، المرفوع إلى جانب المنصوب والمجرور!!!"[83]

فإذا علمنا أن فضل سيبويه يكاد ينحصر في النقل والترتيب، ولكنَّه كناقل البيض  المستعجِل وهو يجري بعربة خشبية في طريق وعرة، ما يسبّب تكسُّر كثيرٍ من البيض، وعند وصوله يقوم بترتيب ما بقي من البيض بطريقة مختلة، نتساءل عن سر إطراء النحويّين سيبويه وكتابه: أهو الحظ، أم أنَّهم كانوا يدركون أنَّ " الكتاب" يحمل علم الخليل وينقله إليهم؟! والله أعلم.

وأختم كلامي في هذا القسم من المقال، بالترحُّم على سيبويه والليث لما بذلاه من جهد كبير في خدمة لغة القرآن الكريم، ونشر علم شيخهما الخليل بن أحمد رحمه الله

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي


 

علي القاسمي2) الكتاب: نشأة المنطق اليوناني تأثَّرت بنحو اللغة اليونانية،

فهل تأثرت نشأة النحو العربي بالمنطق اليوناني؟؟!

2ـ1. عنوان الكتاب:

تنصُّ إحدى مقولات المدارس النقدية المعاصرة على أنَّ " العنوان ثريّا النصّ" وكأنّها تردِّد القول العربي السائر " الكتاب يُقرَأ من عنوانه". وهذا يدلُّ على أن العنوان يلخِّص مضمون الكتاب. وتتمتع إستراتيجية اختيار عنوان الكتاب وصياغته بأهمِّيةٍ بلاغيةٍ ونفسيةٍ وتسويقية[20].

فعنوان كتاب الدكتور محمود " النحو العربي وعلاقته بالمنطق" يُمكن أن تُشكَّلَ ألفاظه الأساسية في أربع صِيغ:

ـ المنطق وعلاقته بالنحو العربي،

ـ النحو العربي وعلاقته بالمنطق،

ـ العلاقة بين المنطق والنحو العربي،

ـ العلاقة بين النحو العربي والمنطق.

ولكن هذه الصيغ الأربع ليست متساوية دلالياً، ولا بلاغياً. وقد اختار المؤلِّفُ عنوانه عن دراية وعناية. فتبوؤُ "النحو العربي" صدارةَ الجملة وتعلُّقُ بقيَّتُها به، يدلّان دلالة قاطعة أن الموضوع الأساسي في هذا الكتاب هو النحو العربي: نشأته، وتاريخه، وتطوره، ومدارسه الفكرية، وأبرز العلماء فيه، وأشهر مؤلَّفاتهم، والمرحلة أو المراحل التي تأثَّر خلالها بالمنطق. فالنحو العربي هو المسند إليه كما يؤكِّد النحويون، وهو الموضوع، كما يقول المناطقة. فالنحو العربي هو موضوع الكتاب.

وقد يقول قائلٌ: من المحتمل أنَّ هذه الصياغة وقعت مصادفة. والجواب بالنفي، والدليل على ذلك وجودُ كتبٍ أخرى للمؤلف حملت عنواناً مشابهاً، ولكن صياغته اختلفت لاختلاف طبيعة البحث وأهدافه. ومن هذه الكتب: " العلاقة بين المنطق وعلم أصول الفقه" (2012)، و" العلاقة بين المنطق والتصوف في تراثنا الفكري، السهروردي نموذجاً" (2013).

2 ـ 2. أغراض الكتاب:

في مقدِّمته، يحدِّد المؤلِّفُ أربعةَ أغراضٍ لهذا الكتاب هي:

أولا، يتوخَّى المؤلِّفُ أن يسدَّ هذا الكتاب فراغاً في المكتبة العربية، لأنَّها تكاد تخلو من الدراسات التي تتناول علاقةَ النحو بالمنطق في التراث العربي الإسلامي.

ثانياً، يرمي المؤلِّف إلى الإجابة على السؤال: هل تأثَّر النحاةُ العرب بالمناطقة؟ ومتى ؟ وإلى أيّ مدى؟

ثالثاً، معرفة نوعية الصلات القائمة بين النحو والمنطق، لا سيَّما أنَّ العقل هو الجامع بينهما.

رابعاً، تبيان إسهام العلاقة البناءة بين النحو والمنطق في تطوير الدراسات المنطقية في التراث العربي الإسلامي.

وأرى أن في وسع الأساتذة الجامعيّين أن يضيفوا غرضاً آخر هو توجيه طلابهم باتخاذ هذا الكتاب نموذجاً للبحث العلمي المثالي، فالدراسة التي يضمّها هذا الكتاب تتوافر على جميع شروطِ البحثِ العلميِّ الجيّد، لا سيَّما أنَّّ المؤلّف من المتخصِّصين القلائل في مناهج البحث. إنَّ هذا الكتاب نموذجٌ رائعٌ لإعداد البحوثِ الأكاديمية وكتابتها.

ومع أنَّ الكتاب ـ في نظري ـ قد حقَّق أغراضه الرئيسة وبلغ الغاية المتوخّاة منه، فإنَّ المؤلِّف يتَّصف بتواضعِ العالِم، ويقول بأسلوبٍ جزلٍ جميل:

" ولا ازعم أنَّني قد بلغت الغاية في هذا البحث، أو أنَّ جميع جوانب الحقيقة في موضوعه قد تكشَّفت لي، وهذا يُعدّ شيئاً طبيعيّا لدارسٍ يكتب في موضوعات غير مطروقة، ويسير في طريقٍ بالغ الصعوبة والغموض."[21] .

2 ـ 3. مضمون الكتاب:

يقع الكتاب في 425 صفحة من القطع الكبير، وتتوزَّع مادته على مقدمةٍ، وتسعة فصول هي:

البواكير الأولى للنحو والمنطق،

التأثير اليوناني والسرياني للنحو العربي بين الرفض والقبول،

التفسير الابستمولوجي لنشأة النحو العربي،

النـزعة التجريبية في كتاب سيبويه،

مدرستَي البصرة والكوفة وبدايات مزج النحو بالمنطق،

مشروعية العلاقة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري،[22]

الجدل بين المنطق والنحو وكيف حاول الفارابي والغزالي تطويرهما،

ابن حزم وإشكالية الثقافة المنطقية عند نحاة الأندلس،

طغيان النـزعة المنطقية عند متأخِّري النحاة.

وتأتي بعد هذه الفصول التسعة، الخاتمةُ وقائمةُ المصادرِ والمراجع.

2ـ 4. قائمة المصادر والمراجع:

في الجامعات الغربية، عندما يقيِّم الأساتذةُ بحوثَ طلابهم في الدراسات العليا في العلوم الإنسانية، يبدأ معظمهم بإلقاء نظرة على آخر البحث، للوقوف على عددِ المصادر والمراجع التي اطلع عليها الطالب، ونوعيّتها، وشموليتها؛ فهي معيارُ الجهود التي بذلها الطالب لإعداد بحثه، أمّا مضمون بحثه فهو معِّيارُ فكرِه وفهمه.

وتشكِّل قائمة المصادر والمراجع الموجودة في آخر كتاب " النحو العربي وعلاقته بالمنطق" مكتبةً متخصِّصةً كاملة. فهي تضمُّ قرابة 400 كتاب وبحث، معظمها بالعربية وبقيتها بالإنجليزية. واللافت للنظر أنَّ المؤلّف لم يضع قائمةَ المصادر والمراجع للتباهي فهو غني عن ذلك، بل استعملها فعلاً في بحثه كما هو واضح مما ورد في صفحات الكتاب من اقتباسات من معظمها، ومن هوامش تحيل على أغلبيتها.

والجاري به العمل في الكتب العربية أن المؤلِّفين يفْصِلون في قائمة المصادر والمراجع بين الكتب المنشورة بشكل مستقل، وبين الدراسات والمقالات المنشورة في مجلات علمية أو صحف. بيدَ أنَّ الدكتور محمود لا يفرِّق في قائمة مصادره ومراجعه بين الكتب وبين الدراسات والمقالات. فهو يجمعها كلّها في قائمةٍ واحدةٍ مرتَّبة ترتيباً ألفبائياً تحت لقبِ المؤلِّف أو الباحث واسمه. وهذا ـ في رأيي ـ اجتهادٌ مفيد ينبغي أن يُحتذى، لأنّه ييسّر البحث في القائمة ويختصر الوقت.

2ـ 5. نشر الكتاب:

ناشر هذا الكتاب هو (دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر) في الإسكندرية[23]، وهي الدار التي نشرت الأغلبيةَ الساحقةَ من كتب الدكتور محمود محمد علي وبحوثه.

ويبدو أنَّ هذا الكتاب كان في الأصل بحثاً بعنوان " تطوُّر العلاقة بين المنطق الأرسطي والنحو العربي" نشره الدكتور محمود في " مجلة الآداب " بجامعة أسيوط في عددها رقم 50، سنة 1999. ثمَّ اضطلعَ بتطويره ليجعل منه كتاباً مرجعياً شاملاً في الموضوع. ولا أشكَّ أنه أمضى جزءً كبيراً من وقته الثمين خلال قرابة 15 عاماً لإكمال هذا الكتاب، وإخراجه في الصورةِ العلمية التي يفتخر بها.

2ـ 6. هل تأثر النحو العربي في بواكيره الأولى بالمنطق اليوناني؟

يحاول المؤلّف في الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب الإجابة على سؤال اختلف في إجابته الباحثون من مستشرقين وعرب معاصرين، وهو: هل تأثر النحو العربي في نشأته خلال القرن الهجري الأوَّل بالمنطق اليوناني؟

ولكي تكون إجابتُه علميةً حاسمةً في الموضوع، يخصِّص الفصلَ الأوَّل للعلاقة الحميمة بين النحو والمنطق لدى مفكري اليونان، ولكيفية انتقال منطقهم إلى العرب قبل أن تنهض الدولة العباسية بترجمة فلسفة الإغريق وعلوم الهند وآداب الفرس إلى اللغة العربية خلال النصف الثاني من القرن الهجري الثاني وما بعده. ولهذا فإنَّه يقسِّم الفصلَ الأوَّل من كتابه على ثلاثة أقسام هي:

أوَّلاً، خصوصية العلاقة بين المنطق والنحو عند اليونان،

ثانياً، النحو اليوناني وسبل انتقاله إلى السريان،

ثالثاً، المنطق الأرسطي وسبل انتقاله إلى العرب.

فالعلاقة بين النحو والمنطق وثيقة جداً في الفكر اليوناني حتّى قبلَ أن يتوصَّلَ أرسطو (384ـ 322ق.م.) إلى صياغة قوانين المنطق الصوري. فقد نشأ الاهتمام بالمنطق والنحو في القرن الخامس وردحاً من القرن الرابع قبل الميلاد، أثناء الجدل الفكري والنحوي على يد أصحاب المدرسة الإيلية وجماعة السفسطائيين. وكان المفكرون اليونانيون القدامى قد ذهبوا إلى أنَّ الكلام تعبيرٌ عن الفكر، وأنَّ معرفةَ التراكيب النحوية تساعدنا على فهم كيفيةِ عمل الدماغ. وافترضوا خطأً أنَّ اللغة اليونانية مقياسٌ لجميع اللغات بحيث يصدق نحوُها على اللغات الأخرى.

وتظهر هذه العلاقة القديمة الحميمة بين النحو والمنطق، في تعريف المنطق الذي كنا نحفظه في صغرنا وهو:" المنطقُ آلةٌ قانونيةٌ تعصمُ مراعاتُها الذهنَ عن الخطأ في الفكر[24]، كما أنَّ النحو آلةٌ قانونيةٌ تعصمُ مراعاتُها اللسانَ عن الخطأ في القول."

وكان المعلِّم الثاني الفارابي (ت 339 هـ)[25] ، قد صاغ مقولةً مماثلة في كتابه " التوطئة في المنطق" على الوجه الآتي: " وكما أنَّ النحو عيارُ اللسان، فيما يمكن أن يغلط فيه اللسان من العبارة، كذلك علم المنطق عيار العقل فيما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات"[26]

ولكن هذه المقولة، في صياغتَيها في أعلاه، لا تبيّن لنا كيفية قيام هذه الآلة بوظيفتها. ولهذا فإن الدكتور محمود يصوغ هذه المقولة بطريقة دقيقة فيقول " النحو آلة يعرف بها صواب تركيب ألفاظ اللغة ومعانيها من خطئها، والمنطق آلة يعرف بها صحّة المعنى وتصديقه من خطئه"[27].

وتتَّضح لنا العلاقة الوثيقة بين النحو والمنطق، إذا ما علمنا أنَّ اسم "المنطق" مشتقٌّ من الجذر (ن ط ق) الذي يُشتَقُّ منه كذلك " النُّطق" أي الكلام.

وقد اشتغل إفلاطون (427ـ347 ق.م.) أستاذ أرسطو في النحو كثيراً، فعرّف الجملة بأنَّها تعبير عن أفكارنا بأسماء وأفعال. وعرّف الاسم بأنَّه اسم لفاعل الفعل، وعرّف الفعل بأنَّه اسم للفعل نفسه. وكذلك اشتغل أرسطو الذي يعدُّ أبا النحو الأوربي، في أقسام الكلم. واعتبر أن الأسماء والأفعال هي التي تحمل معنىً حقيقيّاً، أمّا بقيَّة الكلمات فأدواتٌ للربط. واعتبر أنَّ الوظيفة الأساسية للأفعال هي الإسناد، لأنَّ الفعل هو الوحيد من أقسام الكلام القادر على تشكيل الزمن. ونظراً لأن أرسطو كان يعتقد أنَّ القوالب النحوية تكشف عن أحوال الفكر، فإنَّه استفاد من دراسة النحو في أبحاثه المنطقية. فكما أنَّ الألفاظ تأتي مفردةً تارة فنقسمها على أسماء وأفعال، وتأتي تارة مرتبطة ببعضها لتشكِّل الجملة، فإنَّه طبَّق ذلك على الأفكار. فالأفكار المفردة هي التصورات، والأفكار المرتبطة هي القضايا أو التصديقات.

ويرى بعضهم أن تقسيم ارسطو للمقولات إلى عشرة أقسام (الجوهر والكم والكيف والإضافة، والأين، والمتى، والفاعل، والمفعول، وأن يكون له، والوضع) هو تقسيمٌ مأخوذٌ من تقسيمِ أجزاءِ الكلام. فالجوهر يقابل الاسم، والكم يقابل العدد، والكيف يقابل الصفة، والإضافة تقابل التفضيل، إلخ.

وعندما جاء الرواقيّون اهتموا اهتماماً خاصّاً بالنحو وأبوابه ومصطلحاته وزادوا في أقسام الكلام وموضوعاته. وبعد أن انتصر الإسكندر المقدوني الأكبر ذو القرنين (حكم من 336ـ323 ق.م.) على الإمبراطورية الفارسية، واستولى على البلدان الشرقية الواقعة غرب اليونان، ارتفع حظُّ اللغة اليونانية والاهتمام بدراستها.  وظهرت مدارسُ تهتمُّ بالمنطق والنحو اليونانيَّين في عواصم عديدة أهمُّها الإسكندرية في مصر (التي بناها الإسكندر الأكبر سنة 332 ق.م.).

وبعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة 323 ق.م.، أتفق كبار قادة جيشه على تقسيم إمبراطوريته فيما بينهم. وكانت مصر من حصة بطليموس (366ـ285 ق.م.) وفي عصر البطالمة صعد نجمُ مدينةِ الإسكندرية في الفكر واللغة، فقد كان بطليموس الأوَّل، الملقب بالمُنقِذ (حكم من 323ـ285 ق.م.، وأعلن نفسه فرعوناً لمصر سنة 305 ق.م.) [28]، رجلاً محبَّاً للعِلم، يكرّم العلماء، ويبذل لهم الأموال، فتصدَّرت مدرسةُ الإسكندرية جميع مراكزَ البحوث الأخرى في الرها[29] ونصيبين[30] وإنطاكية[31]وأصبحت مكتبة الإسكندرية أشهر مكتبات العالم آنذاك. وغلب الفكر الأرسطي والرواقي، على بحوث علمائها. واضطلع السريان في الإسكندرية والمدارس الأخرى في القرن السادس الميلادي بترجمةِ كتبٍ من المنطق والنحو اليوناني إلى السريانية[32]. وصارت هذه الكتب معروفة لدي العلماء في الشام والعراق اللذين يعدان جزءاً من جزيرة العرب الكبرى، ومنها كتاب " فن النحو" الذي وضعه أحد تلاميذ مدرسة الإسكندرية، العالم اليوناني ديونيسوس ثراكس (170ـ90 ق.م.)، والذي ترجمه إلى اللغة السريانية يوسف الأهوازي (ت. 580م).

و " فنُّ النحو" كتيبٌ في قواعد اللغة اليونانية يقع في خمس عشرة صفحة، يقدِّم وصفاً لِبنية اللغة اليونانية، ويقسّم كلماتها على ثمانية أنواع هي: الاسم، والفعل، والمشترك، والضمير، والأداة، والحرف، والظرف، والرابط. ولم يقتصر تأثير هذا الكتاب على الدراسات النحوية للغة اليونانية ثمَّ اللغة الرومانية فحسب، بل تأثرت به اللغة السريانية كذلك في نحوها، وتطوير كتابتها كإضافة النقط والحركات.

يراكم المؤلّف الحقائق التاريخية التي تثبت أنَّ اللغة السريانية تأثَّرت كثيراً بالنحو اليوناني الذي وصل إلى مدرسة الإسكندرية، ونقل علماء السريان عدداً من مؤلَّفاته إلى لغتهم.

2. 7 ـ هل تأثر النحو العربي في نشأته بالمنطق اليوناني؟

يقول المستشرق ليتمان: " أختلف العلماء الأوربيون في أصل النحو العربي، فمنهم من قال إنه نُقل من اليونان إلى بلاد العرب، وقال آخرون ليس كذلك، وإنما نبت كما نبتت الشجرة في أرضها، وأنه أنقى العلوم العربية عروبة"[33].

ولهذا تصدى الدكتور محمود إلى دراسة آراء الباحثين في هذا الموضوع، فوجد إجاباتهم على نوعين هما:

أ ـ لا، النحو العربي صناعة عربية أصيلة.

يتَّفق المؤرِّخون المسلمون الأوائل أنَّ دافع الحركة العلمية النشطة التي عرفها العرب بعد ظهور الإسلام هو فهم مصدري الشريعة الإسلامية: القرآن والحديث. وهكذا وُجِدت علومٌ جديدةٌ عديدة لم يكُن للعرب عهدٌ بها من قبل، كالقراءات، والحديث، والنحو، والرياضيات (لضبط المواريث)، وغيرها.

ويجمع هؤلاء المؤرخون والنحويون القدامى على أن تقعيد النحو العربي بدأ في زمن الخليفة الراشد الرابع الإمام علي (ت 40 هـ)، بعد دخول غير العرب في الإسلام، وخشي أن يشيع اللحن في قراءة القرآن، فوجّه أبا الأسود الدؤلي أن يشتغل في نقط القرآن وإضافة الشكل. فالكتابة العربية التي أخذها اعرب الجزيرة من الكتابة النبطية عن طريق الحيرة والأنبار في العراق ، قبل البعثة النبوية قرابة قرنَين من الزمن[34]، لم تكُن فيها الحروف المتشابهة منقوطة (مثل حروف بـ ، تـ ، ثـ ، يـ ،) ولم تكُن الكلمات مشكولة (بالفتحة والكسرة والضمة). وهذه الحركات في آخر الكلمات تُسمّى بالإعراب الذي يساعد في فهم المعاني: الفاعل، المفعول، إلخ.

وفي رواية أخرى، أنَّ أبا الأسود الدؤلى أخبر الإمام علي أنَّ اللحن قد تفشى، فوجهه الإمام إلى كتابة نحو اللغة العربية، وقال له: الكلمات اسم وفعل وحرف، وانحو هذا النحو[35] . ومن الذين ذكروا ذلك أو ما يشبهه من المؤرخين والنحويين القدامى: محمد بن سلام الجحي (ت 232هـ)، وأبو الطيب اللغوي (ت 361 هـ)، وأبو سعيد السيرافي (ت 368هـ)، وابن الأنباري (ت 577هـ)، والقفطي (ت 649هـ).

وقد أيد كثيرٌ من المستشرقين والمستعربين هذا الرأي القائل بأصالة النحو العربي في نشأته وعدم تأثره بالمنطق اليوناني، مثل المستشرق الهولندي، الدكتور، تي. جَي. دي بور[36] (1866 ـ 1942)، الأستاذ في جامعة أمستردام وصاحب كتاب "تاريخ الفلسفة الإسلامية" الصادر باللغة الألمانية سنة 1901، الذي قال فيه:

" احتفظ علم النحو العربي بخصائص له، ليس هذا مجال الإفاضة فيها، وهو ـ على كل حال ـ أثر رائع من آثار العقل العربي بما له من دقَّةٍ في الملاحظة، ومن نشِاطٍ في جمع ما تفرَّق، ويحقُّ للعرب أن يفخروا به، فلم يكن العرب يحبّون أن تعكّر عليهم الآراء الفلسفية العامَّة صفاءَ اللذة التي يجدونها في لغتهم، وكم نفر أساتذة اللغة المتشدّدون من صيغ لغوية أتى بها مترجمو الكتب الأجنبية."[37]

ولعمري، إنَّ هذا النص الرائع يجعلك تقول إنَّ المتكلِّم ليس مستشرقاً هولندياً من القرن التاسع عشر يكتب في تاريخ الفلسفة الإسلامية، بل لسانيا معاصراً من القرن الحادي والعشرين يتحدَّث عن كيفية تدوينِ قواعدَ أية لغة، عن طريق ملاحظة استعمالاتها الفعلية بدقَّة، وتصنيف تلك الاستعمالات، بما يجمع بينها من خصائص إعرابية ودلالية، من أجل الوصول إلى وضع القواعد التي تحكم تلك الاستعمالات، من دون النظر إلى قواعد لغةٍ أخرى أو منطقها. وهذا في ظنّي ما فعله العلماء العرب الأوائل لوضع نحو اللغة العربية.

ومن هؤلاء المستشرقين الذين أكَّدوا أصالة النحو العربي وعدم تأثره بالمنطق اليوناني عند نشأته، المستشرق الألماني العظيم غوستاف فلوجل (1802ـ 1870)، مبدع كتاب " المدارس النحوية العربية"[38] الذي أشاع فيه مصطلح "المدارس النحوية: مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة". وكان النحاة العرب قبله يستعملون مصطلح " نحاة البصرة ونحاة الكوفة" أو “مذهب البصريين ومذهب الكوفيين" أو "أهل البصرة وأهل الكوفة".  وبتأثير هذا الكتاب، أخذنا نستعمل مصطلحات: المدارس النحوية: المدرسة البصرية، والمدرسة الكوفية، والمدرسة البغدادية، المدرسة الأندلسية، المدرسة المصرية.[39]

ومن هؤلاء المستشرقين العالِم الألماني اليهودي غوستاف فايل[40] (1808ـ1889)، الذي أورد له المؤلّف قوله:

"حفظت لنا الروايةُ العربية في مجموعاتٍ مختلفةٍ من كتب التراجم وصفاً لمسلمي هذا العلم الذي هو أجدر العلوم أن يُعدّ عربياً محضاً؛ وقد أخذ العلماء الأوربيون بهذه الرواية."

وتبنى العلّامة الألماني الشهير كارل بروكلمان (1868 ـ1956) هذا الرأي في كتابه الموسوعي " تاريخ الأدب العربي" وكذلك المستشرق الألماني إينو ليتمان (1875 ـ 1958).

ولعلَّ أعلاهم صوتاً وآخرهم عهداً المُستعرب البريطاني الدكتور مايك كارتر الذي نال الدكتوراه من جامعة أكسفورد سنة 1968 على أطروحته بعنوان "دراسة مبادئ سيبويه في التحليل النحوي"[41]، التي أكد فيها خلو النحو العربي في نشأته من أيِّ تأثيرٍ أجنبي، وأنَّ القياس الذي استخدمه النحاة العرب عند نشأة النحو العربي كان مقتبساً من القياس الفقهي وليس القياس الأرسطي.

ومعلومٌ أنَّ جامعة أكسفورد لا تجيز أطروحة دكتوراه، تفند ما ذهب إليه بعض المستشرقين، ومنهم البريطانيون، مالم يثبت لدى لجنة المناقشة صحَّة تلك الأطروحة.

ويأتي الدكتور محمود بمقتطفات موثقة من أقوال بعض هؤلاء المستشرقين التي تؤكِّد نشوء النحو العربي من دون أن يتأثَّر بالمنطق اليوناني أو النحو السرياني.

ب ـ نعم، تأثَّر النحو العربي في نشأته بالمنطق اليوناني.

وذهب بعضهم إلى أنَّ النحو العربي ولد بتأثير من المنطق اليوناني، ولكنَّهم اختلفوا في كيفية انتقال المنطق اليوناني إلى العرب: هل انتقل مباشرة من اليونان إلى العرب، أم انتقل عن طريق السريان؟ وهل أخذ أبو الأسود الدِؤلي نحوه كلَّه من السريان أم أخذ منه النقط للحركات والشكل فقط ؟

واضطلع الدكتور محمود بالبحث المعمق في هذين الطريقين لانتقال المنطق اليوناني إلى العرب المسلمين، كدأبه في دراسة القضايا الأخرى ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بالنحو العربي. وجرَّه هذا البحث إلى دراسة تاريخ ترجمة الفلسفة والمنطق من اليونانية إلى العربية التي تولّتها الدولة العباسية ابتداء من خلافة أبي جعفر المنصور باني مدينة بغداد (خلافته من 136ـ158هـ). وهكذا تطرَّق المؤلِّف الفاضل بالتفصيل إلى أهداف الترجمة، وأنواعها، ومدارسها، وأبرز المترجمين من السريان وغيرهم، ومنهجياتهم، وأساليبهم. ولهذا قلتُ في نفسي: إن هذا الكتاب، " النحو العربي وعلاقته بالمنطق"، ليس في تاريخ النحو فحسب، وليس في تاريخ المنطق فحسب، بل هو كذلك في تاريخ جوانب كثيرة من الفكر العربي الإسلامي.

ويسوق الدكتور محمود أسماء بعض العلماء العرب القدامى الذين قالوا بتأثُّر النحو العربي بالمنطق اليوناني مثل أبو الريحان البيروني (363ـ440هـ)، والعلامة عبد الرحمان بن خلدون (732ـ808هـ)، وبعض المؤرِّخين وعلماء اللغة العرب في العصر الحديث مثل جورجي زيدان (1861ـ1914م)، وأحمد أمين (1886ـ1954م)، وفؤاد حنا ترزي[42] ، وحسن عون، وغيرهم ممن أكدوا تأثُّر النحو العربي بالمنطق اليوناني.

ويخصِّص المؤلّف الفاضل حيزاً مهماً من كتابه القيم لإثارة قضايا مهمة  في اللسانيات الحديثة:

ـ إن الدافع الأساس لنشأة النحو العربي هو حفظ القرآن من اللحن، وفهم معانيه.

ـ إن استعمال اللغة بطريقة عفوية لاواعية، تختلف عن تدوين نحو تلك اللغة بصورة علمية واعية.

ـ إن إضافة النقط والتشكيل الذي بدأه أبو الأسود يختلف عن النحو الذي وضع جزءً منه. لأن اللغة هي الكلام المنطوق أما الكتابة فهي رسم لذلك الكلام.

ـ إن الذين قالوا بنشأة النحوي نشأة عربية خالصة اختلفوا في واضع النحو:

ـ يرى بعضهم أن الإمام علي هو الذي وضع النحو.

ـ يرى آخرون ان أبا الأسود الدؤلي هو الذي وضع النحو.

ـ يرى بعضهم الآخر ان أبا الأسود وضعه بمشاركة نصر بن عاصم الليثي وعبد الرحمن بن هرمز.

ثم يناقش هذه الأقوال، ويأتي بأقوال القدامى والمعاصرين من علماء اللغة الذين نفى بعضهم علاقة الإمام علي بالنحو، لانشغاله بما هو أهم من ذلك.

2ـ 8. تفنيد فكرة المعجزة اللغوية عند العرب:

وبعد أن يعرض المؤلّف نماذج من آراء القائلين بما يسميه " فكرة المعجزة اللغوية عند العرب"، وحجج المعارضين لأصالة نشوء النحو العربي، يُعمِل فكره في الموضوع، ويضع استنتاجاته الخاصَّة في فقرات تحت عنوان: " تفنيد المعجزة اللغوية عند العرب".

.  ويقوم تفكير أبي مصطفى في هذه القضية على ما يأتي:

أوَّلاً، "في مجال الفكر الإنساني عبر عصوره المتلاحقة ثمَّة ظاهرةٌ ضمن ظواهرَ عديدة تسترعى النظر وتجذب الانتباه، ألا وهى ظاهرة التأثير والتأثر بين الأجيال المتعاقبة، بحيث يؤثر الجيل السابق في الجيل اللاحق، ويتأثر هذا بذلك تأثراً تتعدَّد أبعاده أحياناً، وتختلف مجالاته، وتتفاوت درجاته بين طرفي الظ͜اهرة، أعنى بين المؤثر والمتأثر..."[43]

ثانياً،  "إن المكان الذي ظهرت فيه البدايات الأولى للنحو العربي على يد أبي الأسود الدؤلي، وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، هو ذاته دليل على الاتصال الوثيق بين العرب، ومن سبقهم من النحو اليوناني والنحو السرياني، فلم تظهر البدايات الأولى للنحو العربي في أرض العرب ذاتها، كالجزيرة العربية، وإنما ظهرت في بلاد العراق؛ أي في أقرب أرض ناطقة بالسريانية، واليونانية، والفارسية، ذوات اللغات الأقدم عهداً، وهذا أمر طبيعي لأنَّ من المحال أن تكون هذه المجموعة من الشعوب الشرقية قريبة من العرب إلى هذا الحد، وأن تتبادل معها التجارة على نطاق واسع، وتدخل معها أحيانا أخرى في حروبٍ طويلة دون أن يحدث تفاعل بين الطرفين."[44]

ثالثاً، "إنَّه من المستحيل تجاهل المؤرِّخين العرب القدماء من أمثال عبد الرحمن بن خلدون (732ـ808هـ)[45]، وأبو الريحان البيروني (362ـ440هـ)، أو المعاصرين من أمثال جورجي زيدان (1861ـ1914م)، وأحمد أمين (1886ـ1954م)، وفؤاد حنا ترزي، وحسن عون، وغيرهم من الباحثين الأفاضل الذين أكَّدوا تأثُّر معظم نحاة العرب بالنحو والمنطق اليوناني والسرياني."[46]

وبناء على هذه الحجج، صرح المؤلّف الفاضل برأيه قائلاً:

"لذلك فإنَّي أعتقد أنَّه لم تكُن نشأة النحو العربي نشأةً خالصة، ...وعلى ذلك فنحن ننكر ما يُسمى بـ " المعجزة اللغوية  العربية"[47]

وقد يجادل في هذا الرأي الذي خلص إليه المؤلِّف الفاضل، بعضُ المتعصِّبين لقوميتهم العربية، من المولعين بالجدل والسفسطة، فيقول:

أولاً، صحيحٌ أنَّ المفكرين الذين اشتغلوا في مجال نظرية المعرفة وتحليل طبيعة المعرفة ووسائل إنتاجها، قالوا بالتراكم المعرفي والتأثير والتأثُّر بين السابق واللاحق، والتطوُّر العلمي، ولاكنَّهم قالوا كذالك بالطفرة المعرفية (أو الطفرة العلمية)، التي تحصل لدى الموهوبين والنوابغ والعباقرة، كالمخترعين مثلاً، وقوامها العقل والقلب وليس الحواس فقط، بفضل الإبداع. ويُعرَّف الإبداع عادة بأنَّه تصوُّر أو إيجاد بنياتٍ جديدة غير مسبوقة من عناصر موجودة[48].

وإذا استطاع إفلاطون أن يقسّم الكلمات اليونانية على اسم وفعل، واستطاع أرسطو أن يقسِّم الكلمات اليونانية على اسم وفعل ورباط، فإنَّ الإمام علي[49] وأبا الأسود الدِؤلي[50] استطاعا أن يقسَّما الكلمات العربية على اسم وفعل وحرف. والعناصر الأساسية موجودة في القرآن الكريم وشعر العرب الذي يحفظانه. ودافعهما قوي هو الحاجة الماسة إلى تيسير قراءة القرآن وفهمه. والحاجة أم الاختراع، كما نقول. وتقسيم الكلمات على اسم وفعل موجود في الثقافة العربية القديمة منذ زمن البابليين الأكديين، فقد كانت الرقم الطينية تميِّز بين الأسماء والأفعال، فتقتصر الألواح الخاصّة بالمهن على الأسماء، ولا تضمّ الأفعال. وكذلك الحال في المعاجم الثنائية اللغة (سومرية ـ بابلية) التي وضعها المعلِّمون البابليون لتعليم تلاميذهم اللغة السومرية، فقد كانت تلك المعاجم تميّز بين الأسماء والأفعال [51].

ثانياً، إنَّ الإمام علي وأبا الأسود الدؤلي ولدا في الحجاز. وصحب الإمام في طفولته وصباه النبيَّ (ص) في بيت أبي طالب، وتعلّم في فتوته وشبابه منه في مكة والمدينة، فكان أحد كتّاب الوحي. أما أبو الأسود الدؤلي فقد صحب الإمام علي طويلاً وتعلّم منه. إضافة إلى ذلك، ليس من الدقة وصف العراق بأنه " أرض ناطقة بالسريانية، واليونانية، والفارسية، ذوات اللغات الأقدم عهداً،)، فقد استوطنت العراق، منذ الألف الثالث قبل الميلاد، قبائل عربية وهي تتكلَّم لغات/لهجات جزيرية /عروبية. واليونانية والفارسية ليستا "أقدم عهداً" من العربية الأم، فالبشرية كلها نَشأت من سلالة واحدة وُجدت وترعرعت جنوبي شبه الجزيرة العربية، كما أثبت آخر بحث أوربي نشرته " المجلة الأمريكية للجينات البشرية"[52]. فأهل العراق يتكلَّمون العربية أو إحدى لهجاتها/لغاتها منذ ما يقرب من خمسة آلاف سنة. وإذا احتُلَّ بلدٌ حقبةً من الزمن، فإنَّ عامَّة سكان لا يتكلَّمون، عادةً، لغةَ المُحتلّ بل نخبةٌ قليلة منهم فقط تفعل ذلك.

ثالثاً، لماذا " من المستحيل تجاهل المؤرخين العرب القدماء ... أو المعاصرين ... وغيرهم من الباحثين الأفاضل الذين أكدوا تأثر معظم نحاة العرب بالنحو والمنطق اليوناني والسرياني" على حين ليس مستحيلاً تجاهل المؤرخين العرب القدماء والمعاصرين وكبار العلماء والمستشرقين الأوربيين الذين قالوا بأَّن نشأة النحو العربي عربية خالصة، وهم أكثر عدداً وأكبر علماً، وبرهن، بعضهم على ذلك بأطروحات دكتوراه أجازتها جامعات عريقة مثل جامعة أكسفورد؟؟؟  أضف إلى ذلك كلِّه، لا يوجد في العِلم شيئاً "مستحيلاً".

رابعاً، من الممكن أنَّ أبا الأسود الدؤلي أخذ نقط الحروف من الكتابة السريانية. ونحن نعلم أن جميع لغات منطقة البحر المتوسط، أخذت الكتابة الأبجدية من العباقرة الفينيقيين[53]، بما في ذلك اللغة اليونانية القديمة. فما أسماء الحروف اليونانية: الفا، بتا، جاما، دلتا، إلخ. إلا الأسماء العربية للأبجدية الفينيقية: الأليف، الباب، الجمل، الدلو، إلخ.، كما هو معروف مشهور. بيد أن الكتابة ليست النحو، فالنحو هو قواعد الكلام، والكتابة رسم للكلام. كما ينص عليه كتاب المؤلّف الفاضل. ولهذا فمن الممكن أن يأخذ العرب كتابتهم من أبناء عمومتهم، ولكنهم يضعون نحو لغتهم اعتماداً على ما هو مستعمل في قرآنهم وأشعارهم وكلامهم.

أتخيل المؤلِّف الفاضل وهو يستمع إلى ذلك الحِجاج بروح سمحاء، ويجيب بفكر منفتح قائلاً:

" أعتقد أنه لم تكن نشأة النحو العربي نشأة عربية خالصة، ولم يبدأ العرب في اكتشاف ميادين اللغة والنحو من فراغ كامل، بل إنَّ الأرض كانت ممهدة لهم في بلاد العراق التي عاصرت النحو اليوناني والمنطق اليوناني، والنحو السرياني، وبالتالي يتضح لنا أن الاعتقاد بضرورة أصل واحد للمعرفة العلمية وتصور واحد يرجع إليه الفضل في نشأة النحو العربي...ربما كان ذلك عادة سيئة ينبغي التخلص منها..."[54]

ويخلص المؤلّف الفاضل إلى أنَّ " النحاة العرب في أوَّل عهدهم قد استلهموا التراث اللغوي اليوناني والسرياني السابق عليهم، واستحوذوا عليه بروحهم الفتية وحاولوا تجاوزه حينما صبغوه بصبغتهم النظرية النقدية ... وحاولوا تطويعه مع مبادئ دينهم الحنيف في شتى الميادين، ثم تجاوزوه، بما قدموا من أفكار نحوية جديدة في مختلف قضايا اللغة العربية." [55]

وهكذا نرى أنّ المؤلّف الفاضل ينظر في القضايا الخلافية بروح حيادية منفتحة، وبصيرة علمية نفاذة، ثمَّ يعلن ما يتوصَّل إليه بكلِّ شجاعة وثقة بالنفس، همُّه المعرفة وغايته الحقيقة.

(وللبحث صلة)

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

 

علي القاسميتعثُّر حركة تطوير النحو العربي والكتابة العربية في عصر الانحطاط

1ـ 1. تمهيد:

تُطلِق معظمُ كتبِ تاريخِ الحضارةِ العربيةِ الإسلاميةِ مصطلحَ " عصر الانحطاط" على الحقبة الممتدة من سقوط بغداد سنة 656هـ/1258م إلى النصف الأوَّل من القرن التاسع عشر الميلادي، حينما أخذ العالم العربي يحتك بالثقافة الغربية عن طريق الاستعمار الأوربي والبعثات العلمية إلى أوربا وأمريكا. وقد اتَّسم عصر الانحطاط، الذي بدت إرهاصاته في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، بالركودِ الفكري، وتضاؤلِ البحث، ونزرة الإنتاج المعرفي، واقتصارِ التعليم على عددٍ محدودٍ من المراكز الدينية، وتحوُّل الفكر العربي من العقل إلى النقل ومن الإبداع إلى الإتباع، وأُغلِق باب الاجتهاد لدى الأغلبية، وساد التعصُّب الطائفي[1]، وأخذت دويلات الطوائف تحارب بعضُها بعضاً في المشرق والمغرب، ويتحالف بعضُها مع العدو.

. وفي عصر الركود والجمود هذا، تأثَّرت سلباً التنميةُ اللغوية التي انطلقت بعد بزوغ شمس الإسلام. فتوقَّفت حركةُ تطويرِ الكتابة العربية، وتعثَّرت دراسةُ أساليبِ اللغة العربية وتعرقلت، وتمحورت حول قراءةِ متونِ النحوِ ونظمها، وتلخيصاتها، وشروحها، وذيولها، وحواشيها، والحواشي على الحواشي، من أجل حفظ القواعد النحوية عن ظهر قلب[2].

وفي القرن الميلادي العشرين، عندما أخذت المدارس على النمط الغربي تنتشر في البلدان العربية، أدى ذلك الجمود الذي أصاب التنمية اللغوية، إلى ازدواجيةٍ أليمةٍ في الكتابة العربية، إذ احتفظ رجال المعاهد الدينية برسمٍ غيرٍ مكتملٍ للقرآن الكريم ورثوه من عصر الانحطاط، وأطلقوا عليه اسم " الرسم العثماني" وأضفوا عليه قدسية دينية؛ من دون أن يدركوا أنَّ (القرآن) هو كلام الله المسموع الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[3] ، وأمّا (رسم القرآن) فهو صورة رمزية مرئية لذلك الكلام المسموع، يمكن تحسينها طبقاً لقدراتِ الرسّامِ اللسانيةِ والفنية وتبعاً لتطوُّر المعرفة في مجالِ الأنظِمة الرمزية والتقنيات الفنية للرسم. فـ (القرآن) هو كلام الله الذي أوحى به إلى رسوله الأمين (ص)، أمّا (المصحف)، فهو رسمٌ للقرآن أنجزه الناس. ولهذا نقول "رسم المصحف" تعبيراً عن كتابته التي هي رسم للقرآن المنطوق المسموع. ورسم المصحف ليس مقدساً إذ يمكن تغييره إلى الأفضل، فقد أُجرِيت تحسيناتٌ كثيرة على رسم المصحف عبر العصور. ولكن كلام الله في القرآن مقدَّس ثابت لا يجوز تغييره، بل يمكن تفسيره بشكل أفضل بتقدم العصر وتطوّر المعرفة. وهذا هو الفرق بين مصطلح (القرآن) ومصطلح (المصحف). فالقرآن قد يكون متلواً، أو مجوَّداً، أو مكتوباً. أمّا (المصحف) فهو القرآن مكتوباً. ولهذا فكلُّ مصحفٍ هو قرآن، وليس كلُّ قرآن هو مصحف.

لم يأخذ أولئك الانحطاطيون الذين تمسّكوا بفكر عصر الانحطاط، بالتحسينات التي طرأت على الكتابة العربية أثناء ذلك العصر وبعده، في كتابة المصحف، على حين يتعلَّم أطفال المدارس الحديثة في بلداننا العربية اليوم، كتابةً أخذت بتحسينات كثيرة طرأت على الإملاء العربي. فأمسى هؤلاء الأطفال يواجهون صعوبة في تلاوة القرآن الكريم؛ ما اضطر بعض الأساتذة إلى محاولة كتابة القرآن الكريم بالإملاء العربي الحديث ونشره على الشابكة تيسيراً لقراءته على طلابهم. وهذه مبادرة خطيرة النتائج، تستوجب اضطلاع اتحاد المجامع اللغوية العربية والأزهر الشريف والمراكز الدينية الأخرى، إلى الاتفاق على إملاءٍ موحَّدٍ في الكتابة العربية، لا سيَّما أنَّ بلدان المشرق العربي لا تزال تكتب كلماتٍ مثل " الرحمن " و " هذا" و " لكن" ناقصةَ الرسم، على حين أنَّ بلدان المغرب العربي تكتبها كاملة: "الرحمان"، "هاذا"، "لاكن"[4]. وقد يقول قائلٌ: إنَّ خطاطي المصحف يضعون ألفاً صغيرة مكان الألف الناقصة، مثل " لـٰكن"؛ نقول: إذن، لم تعُد تلك الكتابة رسماً عثمانياً كما يزعم بعضهم، إضافةً إلى أنَّها تعلِّم الأطفال التحايل، كما يخبرنا علم نفس الطفل.

ولا تجابه صعوبةُ ازدواجيةِ الكتابةِ العربية الأطفال العرب فقط، بل تجابه أيضاً جميع المسلمينَ، من الجبل الأسود والهرسك في قلب أوربا إلى ماليزيا وإندونيسيا في آسيا، الذين يتعلَّمون اللغة العربية الحديثة وكتابتها في المدارس ويقرؤونها في الصحف والكتب المطبوعة، ثمَّ يواجهون صعوبات في تلاوة المصحف الكريم.[5]

لقد بقي درس اللغة العربية تحت وطأة تقاليد النحو التي سادت منذ عصر الانحطاط. وتشكّى الناس من صعوبة النحو وتعقيداته. وتنادى علماء اللغة العرب لتبسيط النحو، وعزا بعضهم صعوبته إلى تأثُّر النحاة القدامى بالمنطق اليوناني، وخلطهم النحو بالمنطق، وهو رأي كان عالم اللغة الأندلسي المغربي أبو مضاء القرطبي (ت 592هـ/1196م) من أوائل الذين نادوا به[6].

وخلال القرن الميلادي العشرين، انبرى عددٌ من أساتذة النحو إلى تبسيط النحو وتيسيره. ولكنَّ معظم المحاولات انحصرت ـ مع الأسف ـ في الحذف والاختصار وإعادة ترتيب الأبواب النحوية والدعوة إلى استعمال طرائقَ تعليميةٍ جديدة ووسائل مبتكرة. ولعلَّ من بواكير الكتب المدرسية التي شاع استعمالها منذ الأربعينيات من القرن الماضي والتي حاولت تبسيط النحو بطرائقَ تعليميةٍ حديثةٍ، كتاب " النحو الواضح في قواعد اللغة العربية" من تأليف علي الجارم ومصطفى أمين[7] اللذَين استعملا الطريقة الاستنباطية، أي إعطاء الأمثلة من النصوص أولاً، واستنباط القاعدة النحوية منها. وكذلك كتاب " النحو الوافي " من تأليف الدكتور عباس حسن.[8]

وفي أواسط القرن الماضي صدرت كتبٌ نظريةٌ كثيرة تحمل عناوين مثل: "تيسير النحو"، أو "تجديد النحو" لعدد من علماء اللغة العربية مثل مصطفى السقا، وإبراهيم مصطفى، ومحمد مهدي المخزومي، وشوقي ضيف، وغيرهم.

وفي القرن العشرين صدرت كتبٌ أخرى عن تاريخ النحو العربي. وانقسمت آراء الباحثين حول نشأة النحو العربي على فريقيْن:

الأوَّل، تابع هذا الفريقُ من عرب ومستشرقين، المؤرِّخين الإسلاميّين الذين قالوا بنشوء النحو على أيدي المسلمين أنفسهم.

الثاني، شايع بعضُ الباحثين العرب والسريان والمستشرقين الرأيَ القائل بأنَّ النحو العربي نشأ متأثرًاً بالمنطق اليوناني، إمّا مباشرة أو عن طريق ترجمات السريان له.

وكثيراً ما تتلوَّن آراءُ الباحثين بخلفياتهم وانتماءاتهم وميولهم الفكرية، وقلَّما يستطيع الباحث أن يكون موضوعياً خالصاً.

وهذا الكتاب الذي نقرأه اليوم يبحث في هذه المشكلة " النحو العربي وعلاقته بالمنطق". وتعود أهمّية هذا الموضوع الذي يحتلُّ مكان القلب من " فلسفة اللغة"، إلى أنَّ جميع الفلاسفة الغربيِّين، من اليوناني أفلاطون (427ـ347 ق.م.) إلى الأمريكي نعوم تشومسكي (1928 ـ ) يدركون أنَّ اللغة هي تعبيرٌ منطوقٌ أو مكتوبٌ عمّا يدور في فكرِ الإنسان، وأنَّ تحليلَ اللغة ومعرفةَ كيفيةِ اشتغال ألفاظها وبنياتها للتعبير عن معاني الفكر، يساعدنا على فهمٍ أفضلَ لبنيةِ الدماغ وآليات اشتغاله.

1ـ2 . مؤلِّفُ الكتاب:

أحسبُ أنَّ قراءة أيِّ نصٍّ كان، هي عملية تواصلية بين مُرسِلِ النصَّ ومتلقّيه، وأنَّ استيعابَ مضامينِ أيِّ نصٍّ وفهمَ مقاصده ومراميه، يتيسران للقارئ بصورةٍ أفضل، إذا تعرَّف أوّلاً على كاتبِ النصِّ نفسِه، لأنَّ الكاتب عنصرٌ أساسٌ في العملية التواصلية. فالكاتب يُرسل مع النصِّ كثيراً من خلفيته التاريخية والجغرافية، وشيئاً من انتمائه الفكري، وبعضاً من ميوله النفسية، سواء أراد ذلك أم لم يُرِد.  ولهذا أبدأُ دائماً بالتعريف بمؤلّف الكتاب الذي أريد عرضه.

مؤلّف هذا الكتاب هو الأستاذ الدكتور محمود محمد علي الذي يُعَدُّ من أبرز المفكرين العرب المعاصرين، وأغزرهم إنتاجاً وعطاءً، وأكثرهم أصالةً وإبداعاً.

1ـ3. ميلاده ومدينته:

ولد مفكِّرنا، الدكتور محمود محمد علي، سنة 1966 في مركز مدينة (أخميم)، عاصمة محافظة سوهاج في صعيد مصر، التي تحوَّر اسمها من الاسم المصري (خَنت مِين)، إله الفلاحة لدى قدماء المصريّين. وتقع أخميم على نهر النيل جنوبي القاهرة بما يقرب من 391 كم (وتبلغ المسافة على طريق السيّارات أكثر من 468 كم وتستغرق بالسيّارة قرابة خمس ساعات). وهاذه المدينة من أقدم المدن المصرية وعامرة بالآثار الفرعونية؛ "وقد سُرِق العديد منها واشترك في سرقتها الكثير من أصحاب السلطات في مركز أخميم"[9] على حدِّ قول كاتب مادَّة أخميم في موسوعة ويكيبيديا. ولكثرة آثار أخميم، يوجد فيها متحفٌ فرعونيٌّ مكشوف، يزيّنه تمثال جميل للأميرة مِريت أمون، ابنة رمسيس الثاني، وهو أعلى تمثالٍ كاملٍ لملكةٍ أو أميرةٍ مصريةٍ قديمةٍ، إذ يبلغ طوله ثلاثةَ عشرَ متراً.

1ـ4. دراسته:

حاز المؤلِّف الليسانس في الفلسفة سنة 1988 في كُلِّيَّة الآداب في سوهاج التي كانت تابعة إلى جامعة أسيوط (وهي رابع جامعة تؤسَّس في مصر بعد جامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس، إذ بدأ مشروع إنشائها سنة 1947 وافتُتحت رسمياً سنة 1957 في مدينة أسيوط عاصمة محافظة أسيوط التي تقع شمال محافظة سوهاج). ونال المؤلّف الماجستير بتقدير ممتاز في الفلسفة من الكُلِّيَّة ذاتها سنة 1992، برسالته المعنونة " المنطق الإشراقي عند السهروردي المقتول في ضوء المنطق الأوربي الحديث". وفي سنة 1995 نوقشت أطروحته للدكتوراه وعنوانها " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة" وأُجيزت بمرتبة الشرف الأولى في كلِّيَّة الآداب ذاتها التي صارت تابعة لجامعة جنوب الوادي آنذاك.

ومن عنوانَي رسالتَيه الجامعيَّتَين، ندرك أنَّ الرجل ملمٌّ بالمنطق: قديمه وحديثه، يونانيّه وإسلاميّه وأوربيّه.

1ـ5. عمله الأكاديمي:

يشغل المؤلِّف الفاضل حالياً منصبَ رئيسِ قسمِ الفلسفة ورئيس مركز دراسات المستقبل في كلية الآداب بجامعة أسيوط في مدينة أسيوط، بعد أن انتخبه زملاؤه الأساتذة، سنة 2012، لرئاسة القسم، وهو منصب أكاديميٌّ رفيع. وكان في بداية ذلك العام قد ترقّى إلى مرتبة أستاذ في الجامعة.  ولاكنَّه قبل أن يصل هذه المكانة الجامعية المرموقة، كان قد مارس التدريس الجامعي في عدّة جامعات. فبعد حصوله على الدكتوراه سنة 1995، التحق بجامعة حلوان قرب مدينة القاهرة، ليدرِّس المنطق وفلسفة العلوم في قسم الفلسفة في تلك الجامعة حتى أوائل سنة 1997، ثمَّ انتقلَ أستاذاً مساعداً في جامعة أسيوط. وفي سنة 2007، انتُدِب ليتولّى منصبَ رئيسِ قسمِ العلومِ السلوكية في جامعة السابع من أكتوبر في مدينة بني وليد في ليبيا. وعاد إلى جامعته ليتدرَّج في رتب الأستاذية حتّى يُصبح برتبةِ أستاذٍ في أوائل سنة 2012.

إنَّ هذا التنوّع في أماكن العمل الجامعية، وفي الموادِّ التي يضطلع بتدريسها، وفي اللجان الأكاديمية التي يشارك في أعمالها، والرسائل والأطروحات التي يشرف عليها أو يشارك في مناقشتها، والدعوات المختلفة التي تصله من كثير من الجامعات العربية لتقييم أعمال أعضاء الهيئات التدريسية لغرض ترقيتهم، أو من المجلات الأكاديمية لتقييم البحوث المرشحة للنشر فيها؛ جميع تلك الفعاليات التي ينشط فيها بكل اقتدار، وسَّع مجالات عمله واطلاعه على ما يثير اهتمامَ زملائِهِ الجامعيّين وطلابه الباحثين من قضايا ومشكلات.

1ـ6. إنتاجُه المعرفي في مجال تخصُّصه:

يصف الدكتور محمود محمد علي (أبو مصطفى) تخصُّصَهُ العامَّ بـ (الدراسات الفلسفية)، وتخصُّصَهُ الدقيقَ بـ (المنطق وفلسفة العلوم ومناهج البحث والابستمولوجيا).

وهذا الوصف للتخصُّص العامِّ والخاصِّ يصدق على الإنتاج العلمي لأبي مصطفى الذي يغطّي مجالاتٍ معرفيةً عديدةً تشملها عبارة "الدراسات الفلسفية". فالفلسفة مشتقَّة من اللفظ اليوناني φιλοσοφία (فيلو سوفيا) الذي يعني حرفيا (حبَّ الحكمة)[10]، ويشمل البحث في  الوجود والمعرفة والقيم والعقل والاستدلال واللغة؛ وبعبارة أخرى: كلّ شيء. فالوجود يشمل الكون كله، والمعرفة تشمل جميع المجالات التي نعرفها أو نبحث لمعرفتها.

وفي ضوء هذا التعريف للفلسفة، وفي ضوء تنوّع البحوث التي يجريها الدكتور محمود، نستطيع القول إنَّه فيلسوفٌّ حقيقي يعشق الحكمة بكلِّ جوانحه ويبحث في أمورٍ كثيرةٍ في مجالاتٍ مختلفة: من علاقة النحو بالمنطق إلى مفاوضات سدِّ النهضة بين إثيوبيا والسودان ومصر. وتُعدُّ مؤلَّفاته المطبوعةُ المنشورةُ بأكثر من ثمانين كتاباً وبحثاً[11]، وتتوزَّع على جميع مجالاتِ تخصُّصه المذكورة في أعلاه. ولنضرب بعض الأمثلة من كتبه المنشورة على ذلك:

في مجال مناهج البحث :

كتاب " الاتجاه التجريبي عند ليوناردو دافنشي" (1999)

في مجال تاريخ العلوم:

كتاب " الأصول الشرقية للعلم اليوناني" (1998)

في مجال فلسفة العلوم:

كتاب " دراسات في المنطق المتعدِّد القيم وفلسفة العلوم" (2012)

في مجال السياسة قديمها وحديثها:

كتاب " تطور الفكر السياسي الإسلامي منذ الينابيع حتى أواخر القرن التاسع الهجري" (2017)

وكتاب " حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي" (2017).

وكتاب " أوباماً ونظريته في تغيير الأنظمة العربية تمهيداً للربيع العربي" (2019).

وينبغي الإشارة إلى أنَّ أيَّ كتابٍ من كتبه لا يقتصر على مجالٍ معرفيٍّ واحد، وما ذكرناه مجرَّد أمثلة؛ فالدكتور محمود (عالمٌ مشاركٌ)، كما كان علماؤنا القدماء يسمون الأفذاذ النوادر منهم، أي (عالمٌ موسوعيٌّ)، بالمصطلح المعاصر. فكتابه ليس مثل رافد أنتجه ينبوع واحد، بل مثل بحيرة بين جبال عملاقة تصب فيها روافدُ متعدِّدةٌ قادمةٌ من ينابيعَ وعيونٍ جبليّةٍ مختلفة. فأنتَ تجد في الكتاب الواحد أصولَ الفلسفة، والمنطق، ومناهج البحث، وتاريخ العلم، وفلسفته، وأهدافه، واتجاهاته، وغيرها من المعارف. ففكْرُ الرجلِ زاخرٌ بشتى العلوم النافعة، وينطبق عليه المثل (وكلُّ إناء بالذي فيه ينضح)[12].

وبالإضافة إلى ميزتَي الدقَّة العلمية والتنوُّع المعرفي، فإنَّ الدكتور محمود يتحلّى بغزارة الإبداع والإنتاج والعطاء. ففي بداية سنة 2012 صدرت له خمسة كتب قيِّمة ومن دار نشر واحدة هي:

ـ " منهج البحث في تراثنا العربي"،

ـ " التفكير العلمي ومستجدات الواقع، قضايا وإشكالات"،

ـ " دراسات في المنطق المتعدد القيم وفلسفة العلوم"،

ـ ستيفن تولمان. "البصيرة والفهم: دراسة في أهداف العلم" ترجمة محمود محمد علي.

ولهذا النشاط كله، لا غرو أن ينال الدكتور محمود في أوائل سنة 2012 ترقيته الجامعية من أستاذ مشارك إلى رتبة أستاذ، وينتخبه زملاؤه الأساتذة، بعد بضعة أشهر في تلك السنة، رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة أسيوط، كما مرَّ بنا.

ويلفت الكتابُ الأخير انتباهنا إلى أنَّ الدكتور محمود لا يزاول تأليف الكتب فحسب، وإنَّما يترجم بعض الدراسات الهامَّة لمشاهير الفلاسفة والمفكِّرين كذلك، مثل ترجمته لدراسة " ليوناردو دافنشي: العلم والفن" من تأليف العلّامة البلجيكي الأمريكي المُستعرِب المؤرِّخ الكيميائي الصيدلي الفيلسوف جورج سارتون (1883ـ1956)، صاحب كتاب " تاريخ العلم "[13] الشهير؛ وكذلك ترجمته لدراسة " مكانة ليوناردو دافنشي في ظهور العِلم الحديث" للمؤرِّخ الفيلسوف الأمريكي الشهير جون هيرمان راندال (1899ـ1980)، الذي تصعب ترجمةُ أعماله لغزارة علمه وكثافة المعارف التي يسوقها في أبحاثه. فهو صاحب الكتاب المشهور" تكوين العقل الحديث"[14] الذي تُرجم إلى عدد من اللغات العالمية. ويقول عنه مترجمه إلى اللغة العربية المترجم الكبير الدكتور جورج طعمة (1922ـ20044) الحاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة جورج تاون الشهيرة في واشنطن دي. سي.:

" لقد كان نقلُ هذا الكتاب للغة العربية رحلةً شاقةً في عالَم الفكر والثقافة والحضارة. ولكنّها رحلة ممتعة دون ريب."[15] .

ولهذا يمكن القول إنَّ الدكتور محمود محمد علي هو منطقي، فيلسوف، مؤرِّخ، تربوي، مترجم. بيدَ أنَّ المنطق له مكانته الأثيرة لديه ويحتلُّ الأولوية في دراساته. فنحن نجد أن لفظ " المنطق" ومشتقاته، يظهر في عنوان رسالته للماجستير " المنطق الإشراقي عند السهروردي المقتول في ضوء المنطق الأوربي الحديث" (1992)، وفي عنوان أطروحته للدكتوراه  " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة" (1995)، وفي عناوين عددٍ من كتبه مثل كتابه " العلاقة بين المنطق والتصوّف في تراثنا الفكري" (1999)، وكتابه "المنطق الصوري القديم بين الأصالة والتبعية " (2013) ، وكتابه موضوع هذه القراءة " النحو العربي وعلاقته بالمنطق" (2016).

وظهر لفظ المنطق ومشتقاته في عدد من عناوين بحوثه المنشورة، مثلاً: في بحثه " "موقف المناطقة الرياضيّين من القضية الحملية" (1998)، وفي بحثه " الاستدلالات المنطقية في طوبيقا شيشرون" (1999)، وفي بحثه " إرهاصات النسق الاستنباطي في المنطق الميجاري الرواقي" (2001) ، وفي بحثه " تطور الاستدلال في المنطق الهندي" (2004).

ومَن يُمعِن النظرَ ويُعمِل الفكرَ في عناوين هذه الكتب والبحوث، يكتشف بسهولةٍ أنَّ مؤلِّفها الكريم أحاط بالمنطق إحاطة الخاتم بالإصبع، كما يقولون، فقد تناوله تاريخياً وجغرافياً وموضوعياً.

1ـ7. إنتاجه الفكري في مجال السير والتراجم:

وأخيراً وليس آخراً، للدكتور أبي مصطفى اهتمامٌ خاصٌّ بكتابة السير والتراجم، وهو فنٌّ عربيٌّ  قديم كان في الجاهلية شفويّاً يُعنى بسردِ حياةِ الشعراء المشهورين وذكرِ أشعارهم وأخبارهم ورواية أيام العرب، أي معاركهم وحروبهم. وبعد ظهور الإسلام وانتشار الكتابة دُوِّنت سيرةُ الرسول (ص)، ثمَّ تكاثرت الكُتب التي تتناول تراجم وطبقات الشعراء والمُحدِّثين والفقهاء والأطباء وغيرهم. ومما يؤخَذ على تلك الكتب أنَّ أصحابها لم يتناولوا أفكارَ المُترجَم لهم بالنقد والتحليل والتعليل.  وفي العصر الحديث اهتمَّ بهذا الفنِّ الماتع عددٌ من كبار الأدباء مثل طه حسين في سيرته الذاتية " الأيام"، وعباس محمود العقاد في سِيَره الغيرية "العبقريات"[16] وطوروه.

ونجد هذا الاهتمام لدى الدكتور محمود محمد علي، فقد اطلعتُ مؤخَّراً على عدَّة مقالات له في السيرة الغيرية، نشرها في "صحيفة المثقف"، تناولت عدداً من المفكرين المعاصرين في مختلف المجالات العلمية، ينتمون إلى بلدانٍ عربيةٍ عديدة. وأضرب فيما يأتي أمثلة من الأعلام الذين تناول سيرهم بقلمه الساحر:

الأعلام

التخصُّص الرئيس

القطر

المهدي المنجرة

علم المستقبليات

المغرب

جبرا إبراهيم جبرا

الأدب / الفن

فلسطين ـ العراق

عبد الواحد لؤلؤة

الترجمة / النقد الأدبي

العراق

حسين سرمك حسن

الطب النفسي/ النقد الأدبي

العراق

ميثم الجنابي

الفلسفة/ التاريخ

العراق

علي أسعد وطفة

علم الاجتماع

سورية

جورج طرابيشي

الفلسفة

نسوية

ماجد فخري

الفلسفة

لبنان

سهير عبد السلام

الفلسفة

مصر

إبراهيم بيومي مدكور

الفلسفة

مصر

هاني الجيار

الفن التشكيلي

مصر

نوبي محمد حسن عبد الرحيم

الهندسة المعمارية

مصر

حسن طلب

الشعر

مصر

مصطفى النشار

تاريخ الفلسفة

مصر

عبد العزيز الطنطاوي

الجيولوجيا

مصر

صلاح فضل

النقد الأدبي

مصر

هذه مجرَّد أمثلة من السِيَر التي أطلعتُ عليها شخصياً، ويظهر فيها جلياً تعدَّد المجال المعرفي، وتنوع الانتماء القطري للأعلام الذين تناولهم الباحث الفاضل. وإذا كان يغلب على هؤلاء الأعلام، تخصُّصُهم في الدراسات الفلسفية، وانتماؤهم لمصر، فإنَّ ذلك أمرٌ طبيعيٌّ، لأن جميع الكتّاب يتأثرون بميولهم الوطنية والفكرية، ويسهل عليهم الكتابة عمَّن هم أقرب إليهم مكانياً وموضوعياً.

كما اطلعتُ ـ وأنا أعدّ هذا المقال ـ على رسالة من فالدمير بيلوف رئيس تحرير مجلة الفلسفة التي تصدر باللغة الإنجليزية في " الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب"[17] في موسكو، موجَّهة إلى مَن يهمُّه الأمر، يشير فيها إلى أنَّ مقالة " منصور فهمي، رائد الحركة النسوية الإسلامية في مصر الحديثة" لكاتبها الدكتور محمود محمد علي، ستُنشَر في مجلة الفلسفة، في المجلد 25، العدد 2 لسنة 2021.[18]

1ـ. 8. اهتمام المؤلّف بالقضايا السياسية الراهنة:

للدكتور محمود عشرات المقالات التي تتناول القضايا السياسية الراهنة بالتحليل والنقد وإبداء الرأي، تماماً كتلك التي يكتبها كبارُ المحلِّلين الصحفيّين المتخصِّصين. ولم تجد هذه المقالات طريقها إلى سيرته العلمية المنشورة في موقع أساتذة جامعة أسيوط. وفيما يأتي أمثلة من عناوين هذه المقالات التي نُشِر بعضها في "صحيفة المثقف":

ـ لماذا اختار جو بايدن هاريس نائبة له؟

ـ اقتصاد المعرفة ودوره في تعافي الدولة المصرية،

ـ الإخوان المسلمون والخنزير الأحمر،

ـ حروب المياه والصراعات القادمة في الشرق،

ـ لماذا تصرُّ إسرائيل على التطبيع مع السودان.

ـ حوار الأديان، كيف نفهمه؟

ـ لماذا اندلعت الحرب الأهلية في إثيوبيا؟

ـ الأبعاد الحقيقية بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ.

وعندما كنتُ أقرأ مقالات الدكتور أبي مصطفى السياسية، استولت عليَّ الدهشة وسيطر عليَّ العجب لكثرة المراجع المتنوِّعة، غربيةٍ وعربيةٍ، موضوعةٍ ومترجمةٍ، التي يكدِّسها ببراعةٍ في كلِّ مقال، وتساءلتُ في نفسي: كيف يستطيع هذا الرجل ـ وفقه الله ورعاه ـ الرجوع إلى جميع تلك الكتب والمقالات، وتدوين الاقتباسات منها. بالإضافة إلى إبدائه الرأي الصائب في إشكاليّات الموضوع، مع الحيادية التامة والموضوعية العلمية اللتين يلتزم بهما. كنتُ أتساءل ما إذا كانت الجامعات المصرية قد بلغت شأوا عالياً من الرفاهية الأكاديمية بحيث يستطيع كلُّ أستاذ أن يختار عدداً من طلبة الدراسات العليا فيعيّنهم مساعدِين له للبحث، أو التدريس، أو تصحيح أوراق امتحانات الطلاب، كما هو الحال في الجامعات الأمريكية الكبرى. وقد عملتُ شخصياً مساعدَ بحث لأحد الأساتذة عندما كنتُ طالبَ دكتوراه في جامعة تكساس في أوستن، قبل عصر الشابكة. فكان الأستاذ يخبرني بموضوع البحث الذي يشتغل عليه وخطته، ويوجهني بجمع المصادر له والتأشير على الاقتباسات التي تتعلّق بموضوع بحثه. ثمَّ يتولّى الأستاذُ تحريرَ البحث واختيار الاقتباسات المناسبة وإدراجها في المواضع المناسبة.

1ـ9. أسلوب الكاتب ولغته:

نظراً لتمكُّن الدكتور محمود من المنطق واللغة وممارسته التعليم، فإنَّ إسلوبه يتسم بالوضوح والبلاغة والسلاسة. والوضوح ثمرة تمكُّن الكاتب من ترتيب أفكاره، وتصنيفها وتسلسها بشكل منطقي، وصبّها في تراكيبَ لغويةٍ بعيدةٍ عن التعقيد والغرابة، مؤطَّرةٍ بألفاظ مأنوسة متداولة قريبة من فهم القراء الذين يفترض فيهم أنهم طلابٌ في قسم الفلسفة. والتصنيف هو تقسيم الأشياء والأفكار وترتيبها في مجموعات طبقاً للخواص والصفات المشتركة بين أفراد كلِّ مجموعة، ما ييسّر للقارئ استيعابها وفهمها. وسنضرب أمثلة على التصنيف المنطقي للأفكار المتباينة في الكتاب عندما نناقش مضمونه. أمّا وضوح لغة المؤلِّف وسلاستها، فيمكن أن نضرب المثل عليها من أية فقرة في الكتاب. ولتكن هذه الفقرة الفلسفية الآتية التي تطرح قضية الصلة بين المنطق والنحو، لأنَّها تكمل الفكرة الأساسية في فلسفة اللغة التي طرحناها سابقاً في فقرة التمهيد في أعلاه،  لتوكيدها:

" ويقال إن " أرسطو"(384- 322ق.م) قد توصل إلى كثير من التصنيفات المنطقية خلال دراسته للنحو اليوناني؛ حيث ذهب إلى أن الكلام يعبِّر بدقة عن أحوال الفكر، وأن المرء في وسعه أن يستعين بالقوالب النحوية لكي يكشف عن أحوال الفكر.  فالنحو ينظر إلى الألفاظ من ناحيتين: من ناحية وجودها مفردة، فيقسّمها إلى أسماء، وأفعال، وحروف ؛ ومن ناحية ارتباطها في جملة معينة . ونفس الشيء يُقال عن الفكر الذي ينقسم إلى أفكار مفردة هي التصورات، والأفكار المرتبطة بها وهي القضايا والتصديقات. وعلى هذا فتقسيم أرسطو للأفكار إلى: تصوُّرات وتصديقات، هو تقسيم مأخوذ أصلا من النحو."[19] (ص 2ـ3 من الكتاب).

وخلاصة الفقرة أن أرسطو استدل على تقسيمات الأفكار العقلية، بتقسيمات الألفاظ اللغوية. فهذه الفقرة الصغيرة تطرح فكرة كبيرة معقدة، ولكن الكاتب يسّرها للاستيعاب والفهم بفضل التصنيف المنطقي للأفكار الواردة فيها. فقسّم نحو اللغة إلى كلمات مفردة وجمل مركّبة. وقسم منطق الفكر إلى تصورات مفردة وتصديقات تتعلق بها، بطريقة تناظر نحو اللغة.

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

 

جمعة عبد اللهيقدم الشاعر (هشام القيسي) هذا الكتاب الوثائقي الشامل، عن سيرة حياة الراحل الكبير الدكتور حسين سرمك. من خلال الاطراء الشعري للشاعر في قصائد تبجل حياة ايقونة النقد والادب. وتستعرض مناقبه المرموقة في الادب والفكر والعلم. بما يملك الفقيد الكبير من موسوعة أدبية وفكرية، في غزارة انتاجه المتنوع في الدراسات والابحاث في مجال الادب والنقد، وفي مجال الابحاث الفكرية، ومن خلال عطائه المرموق في علم النفس والطب. وكان الفقيد الكبير خلية ابداعية قل نظيرها في غزارة الابداع وأنتاجه، أو انه بحق ظاهر لن ولم تتكرر في مجالات الابداع بأصنافه المتنوعة، فكان شعلة من الابداع لايعرف الملل والتعب والارهاق، في سبيل تنوير العقل بالادب والعلم والفكر المتنور، فكان مثال الانسان الكبير الراسخ في الخبرة المعجمية في شلالها المتدفق، في اغناء الثقافة والفكر بالتنوير الحر، والانفتاح على الثقافات الانسانية في قلمه الاصيل، كان يمثل رمزاً عراقياً اصيلاً في قلمه الغزير. وكما قال عنه الشاعر السماوي الكبير (لن اكون مجانباً الحقيقة، في القول أن حسين سرمك كان عراقياً يمشي على القدمين) فارس الابداع في أشكاله المتنوعة، يضع بصماته بالمعاني البليغة والعميقة، في طقوس الكتابة، كان يتوسم الوعي العميق والثقافة الانسانية الرشيدة. فقد كان شجرة عالية من ثمار الإبداع. شجرة للخير والعطاء للوطن، شجرة في رحابها الواسع بالقيم الانسانية والابداع الاصيل فقد كان أنموذجاً رائعاً بأسلوبيته المتفردة والمميزة، التي تتوسم القمم العالية فقد كان (د. حسين سرمك سارد ناقد، كاتب لم يضمر الحقائق ولا الوقائع عبر نسيج موضوعي في سيره ومساره معطر بنقاء، أضاء كل متناول وماهو على قيد التناول ولم يأبه للاسوار، وهو وحده من تألق بهمة اكثر، حتى صار انموذجاً مائزاً يتسم بالندرة، مثل هذا الانموذج لا يعرف الانطفاء. وهو وحده جدير بالبقاء) ص12. حقاً كان وحده مؤسسة موسوعية قائمة بذاتها بالثقافة والفكر بجهده الغزير والدؤوب. فكان ابن الديوانية (ولد عام 1956) وأكمل دراساته الجامعية، البكالوريوس في الطب والجراحة عام 1980. فكان مدهشاً في التحليل والتشخيص بشكل لم تفوته شاردة وواردة في التحليل العميق، كان يتوسم البحث والنقد الموضوعي بالعلمية الموضوعية في التشخيص، كما كان غزير الانتاج بالادب والنقد والفكر، فكان بنفس المستوى من التالق في الكتب الطبية وفي علم النفس. فكان حسين سرمك كبيرأ في العطاء والتنوير، لا ينقصه شيئاً في اضاءة المعارف الادبية والعلمية والفكرية. ولكن المصاب الكبير، فاجعة موته المفاجئ كان مؤلماً جداً. وكتاب الاديب والشاعر هشام القيسي (المسلة) يتضمن حقول وابواب مرتبة على الشكل الاتي :

 1 - تبدأ بقصائد للشاعر(هشام القيسي) التي تبجل المقام الكبير للفقيد، في عطاءه الفذ واكتساب مكانة مرموقة واصبح رمزا كبيراً في الساحة الثقافية والادبية وناشطاً متألقاً في جهوده المضنية في الابحاث والدراسات في مجالات متنوعة. لناخذ بعض المقاطع من قصائد الشاعر.

مقطع من قصيدة (يا صاحب الصباح):

لا شيء ينقصك غير دار يفتح النوافذ كل يوم

ولا شيء يحزنك غير موت يضحك كل يوم

ها هي الذئاب تنصت طيلة الوقت

والبكاء لا يجفف ينابيع العيون

وأنت كما أنت

لم تبكِ

ولكن تلتمس لهذه الدار

 الغفران

وتغرد من زاوية قلبك

أعن مدينة تبايع عشاقها وترنو

أم هي طعم حسرات لا تميل الى صمت ؟ (ص23).

2465 هشام القيسي

قصائد بعنوان (المخاطبات) وهي موجهة في الاهداء الى حسين سرمك حسن. وهي عشر خطابات شعرية ونختار منها المخاطبة السابعة :

عارية أيامك

على سلالم الدموع

ترهات طويلة

طالتها رسائل غير منهكة

وأينما نظرت

تصهل الامكنة

 بلا تعب

عصية دائماً

تمضي بأسترجاع الاشياء

دون ان تقطف

دهشاتك العاشقة

أيام في مواعيد الحب

وذاكرة لم يصلها اليباس بعد

هكذا تحمل عشقاً

يقدح من جهة واحدة

على طول الهواء. (ص41)

× مقطع من قصيدة بعنوان (اخي حسين) :

يا حسين بن سرمك

حيثما يطلع الصبح

تغنيه الارض

في كل مكان

ومن أشراقة الدفاق

يكون النهار الدليل

ويكون في كل زمان

فهناك الخليل

وهناك الماء

وهناك الروح

ترفرف صبح مساء

ما أجمل اللقاء

وما أجمل الوجهة الآمنة

لم يبق لي شيء

سوى أغنية حالمة

 الى ربي. (ص50)

× مقطع من قصيدة (مرآة) :

يدل على الدرب

 وما يزيد،

تبقى النهار

أكثر جدارة من الكلام

لم تغفُ

يا حسين سرمك سلاماً

في كل الاعوام

تنحني لك الايام. (ص55)

× مقطع من قصيدة (البقاء) :

أنت مرفوع الى السماء

وأنت مودع في الافق تراهن بصماتك فيه بحروف وكلام

 وصدى

أبا علي

الحكيم الحليم

الاديب الحبيب

الناقد السارد

الكاتب كل وقته

بادلتنا وقود الحياة

لا أرثيك

ولكن أقول

حتى الدمع فتح أبوابه

وهو يحدق في فجيعة

 أومأت اليه

وحتى الصدمة

باتت لا تكشف مداها

في سفر الرحيل

ولا تعرف كيف تنادي. (ص77)

2 - الحكيم الاديب حسين سرمك حسن : تحت عنوان : رحيل مبهم أم أجابة معلقة ؟

برحيل الكبير تتوارد الاسئلة الخطيرة عن رحيله المفاجئ، الذي شكل صدمة في الوسط الثقافي والادبي، لان رحيله يشكل خسارة فادحة لا تعوض. اضافة الى تعرضه لوباء كورونا البشع، الذي خطفه وهو في قمة عطائه المرموق، فكان نبراساً مضيئاً في الثقافة والفكر وفي مجال العلم في الطب النفسي، اضافة انه كان يمثل نبل الاخلاق وسجيتها المتواضعة.في قلبه الكبير، فكان يتصدى لكل شاردة وواردة للدور الامبريالي الامريكي المشبوه والمريب والقذر في الكتابات الفكرية والكتابات المترجمة،يفند ويفضح الدور الامريكي الوحشي المعادي للشعوب وتطلعاتها. وكذلك دور منظماتتها الدولية في المخططات التآمرية، ومنها وكالة المخابرات المركزية الامريكية، وبنك النقد الدولي. وكان الفقيد يتصدى للدور الامبريالي الوحشي، عبر سلسلة حلقات ابحاثية متواصلة، يكشف زيفهم ونفاقهم، تحت عنوان : لا تثقوا بالولايات الامريكية المتحدة. لذلك الكاتب يطرح مسألة خطيرة، ربما هناك اصبع اجرامي خفي بموت الفقيد، ربما دفع ثمن فاتورة كتاباته وابحاثه الفكرية التي وقف فيها، بالمرصاد لهذا الدور الامريكي في التدخل في شؤون الشعوب وحرمانها من نعمة التطور والتنمية. ان رحيله يفجر الاسئلة الغامضة، ربما هناك اصبع خبيث ومريب.

3 - وبهذا الصدد يطرح الكتاب (المسلة) شهادة الشاعر والكاتب العراقي سعد جاسم : يتساءل بصرخة مدوية : منْ قتل حسين سرمك ؟

فمن خلال علاقته الوثيقة مع الفقيد، وتبادل المراسلات. فأن رحيله يثير الشك والريبة (الموت شبه المفاجئ للراحل الحبيب.... لأني كنت متواصلاً معه بشكل يكاد أن يكون يومياً خلال محنته المرضية المفاجئة والخفية والسريعة بشكل يدعو للقلق والشك والاسئلة الخفية والمعلنة) ص148، ويضف (بأن فقيدنا، قد، وأوكد واضع مليون خط أحمر تحت مفردة، قد، وأنا أعتقد وأظن واهجس أن الدكتور (حسين سرمك) قد أغتيل بجريمة قتل، بايولوجية : سرية وخفيفة جداً جداً) ص149.

4 - المرسلات وتبادل الرسائل بين الشاعر (هشام القيسي) والفقيد الكبير. في قضايا متعددة في تبادل الرأي والاستشارة والمشورة، وحتى منها تفاعل في الرأي العراقي في مساندة أنتفاضة تشرين، وهذا ما يتطلبه من الضمير الحي والوطني. ونقتطف بعض الفقرات من تبادل الاراء من اقول الفقيد الراحل (شكراً لك اخي المبدع العراقي الاصيل الاستاذ هشام القيسي على لطفك ومشاعرك الاخوية النبيلة، بك وبأبداعك وباخوتنا الشرفاء، وابداعهم سيعود وجه وطننا العراق العظيم مشرقاً وضاءً يهدي الشعوب الى طريق التحرر والانعتاق) ص158.

(ماذا أقول أخي الرائع المبدع الاستاذ هشام

استاذ أولاً بعراقيتك وغيرتك على وطنك.... بوفاءك لاخوتك الفقراء الى الله والعراق) ص161.

 هذه محتويات كتاب (المسلة) بالامتنان والتقدير والوفاء الى فقيد الثقافة والادب والفكر. أنه ظاهرة لا يمكن ان تتكرر. وصاحب الختم لمقالاته : بغداد المحروسة.

نسأل الله تعالى ان يرحمه برحمته الواسعة ويسكنه جنة الخلد، وسيظل تراثه العظيم خالداً للاجيال.

 

جمعة عبد الله

 

جمال العتابييُسجّل للدكتور طارق مجيد العقيلي نجاحه أخيراً في إقناع محسن الشيخ راضي في تدوين مذكراته، وفقاً لما كان يدلي به الشيخ راضي للسيد العقيلي، وسبق لي ان كتبت للدكتور طارق ساعة الاعلان عن صدور المذكرات، متسائلاً عن الوسيلة التي استطاع بها الوصول الى هذه النتيجة المرتقبة، فذكر لي، ان عامين من المحاولات واللقاءات والزيارات والحوارت، قادت الشيخ راضي لتخفيف هواجسه، ومخاوفه في خوض هذه التجربة، وأقول ان هذه المحاولة بدأها الكاتب مع الشيخ راضي، منذ عام 2009، اذا كانت تسعفه الذاكرة، حين زرته في منزله مع الباحث حيدر حنون، الذي كان يعدّ دراسته للماجستير عن شخصية ناجي طالب، وأبدى السيد محسن  استعداده، بادئ الامر، للتعاون في تدوين مذكراته،إلا انه تراجع واعتذر في اللقاء الثاني معه.

صدرت المذكرات في جزئها الاول عن دار الكتب العلمية في بغداد، 2021، قدّم لها وحررها الدكتور طارق مجيد العقيلي، الذي بذل جهداً أكاديمياً مهما، في تعامله مع وقائع السيرة، إذ إلتزم بدور الناقل المحايد، بأمانة تاريخية، وإلتزام بالمروي، أما ماورد من هوامش وتعليقات فهي تعبر عن رأي وقناعة العقيلي.

ان السبل المعتمدة في علميات التحري والبحث عن احداث اشكالوية في التاريخ السياسي العراقي، ما تزال سبلاً موجعة، لهذا الطرف أو ذاك، في ظل ظاهرة الفوضى، وصراع القوى والأحزاب السياسية، ولا سيما في المدة التي أعقبت قيام الجمهورية الاولى في تموز1958، إذ يحاول كل طرف بإلقاء تبعات المأزق العراقي على الخصوم السياسيين، ويحملهم اسباب الفشل والتراجع والإنتكاس في تاريخ العراق السياسي المعاصر، وفي إدارة الدولة.

مالذي يميز هذه المذكرات عن سواها من المذكرات التي كتبها قادة بعثيون في فترات سابقة؟ أذكر منها على سبيل المثال مذكرات(هاني الفكيكي، ستار الدوري، طالب شبيب، خالد الصالح، حازم جواد، فخري قدوري)، وغيرها، في الإجابة على هذا السؤال، تكمن الاشكالية الأولى في هذه المذكرات، فالعودة الى مذكرات العديد من القادة الشيوعيين، وفي مقدمتها(سلام عادل، سيرة مناضل) إعداد ثمينة ناجي يوسف، مايشير الى دور الشيخ راضي، في اللجان التحقيقية، المشكّلة بعد انقلاب 8 شباط 63، في تصفية وتعذيب الشيوعيين، في معتقل قصر النهاية، والمعتقلات الاخرى.

أعتقد ان الشيخ راضي أراد ان يكون حاضرا الآن، وبحضوره هذا يريد ان يقول كلمته، وادانته بشدة انقلاب 8 شباط إذ يعترف بالقول: ان طيش الشباب ذهب بالبعثيين الى أقصى حد من التهور وانتهاك الحرمات، وسلب الناس لحرياتهم، ويؤكد بالقول: اننا البعثيون لم نقدم للعراق الخير والتقدم المنشود، لكنه في الوقت ذاته يريد ان يحمل الجناح العسكري في الحزب مسؤولية ما حصل، وهو المتمثل، بالبكر وعماش، عبد الستار عبد اللطيف، كذلك عبد السلام عارف، ورشيد مصلح، وعبد الغني الراوي  ويلقي بالمسؤولية على هؤلاء اندفاعهم  الهستيري لتصفية معتقلي قطار الموت بعد حركة حسن سريع، تموز 63، لا أبالغ اذا ما ذكرت ان اعداد المرشحين  للاعدام بلغ رقماً كبيراً ومخيفاً، يصل الى حد ارتكاب مجازر دموية لو نفذ فيهم الاعدام، ولكي يدعم العسكريون موقفهم واصرارهم  على ذبح الشيوعيين بالجملةبغطاء (شرعي)! وديني، زعم عارف ان لديه نص فتوى من الشيخ امجد الزهاوي تبيح له قتل الشيوعيين،  وفتوى أخرى من المرجع محسن الحكيم تؤيد ذلك، وهنا ينفي الشيخ راضي هذه الرواية، انما يؤكد على الفتوى التي صدرت عام 59 بتحريم الانتماء للشيوعية، ووجدت لها صدى ايجابياَ لدى البعث، بما يخدم توجهاتهم السياسية في ظل اجواء الصراع مع الحزب الشيوعي، ويذهب محسن الى ابعد من ذلك محملاً العسكر  المسؤولية  منذ  عام 58 (ص166).

يقول الشيخ راضي :كلنا مسؤولون عما حصل في شباط 63،لكن المسؤولية المباشرة، تقع على المسؤولين عن قصر النهاية، المتعطشين لتعذيب الشيوعيين وابادتهم، كما يصفهم راضي، وهم(مدحت ابراهيم جمعة، عمار علوش، عبد الكريم الشيخلي، محمد حسين المهداوي، احمد طه العزوز، هاشم قدوري، وبهاء شبيب)، وهو ينفي إدعاء القائد الشيوعي آرا خاجادور، من أن علي صالح السعدي أطلق على سلام عادل رصاصة الرحمة، يوم 23 شباط، حسب مقررات مجلس الوزراء المحفوظة في المكتبة الوطنية، إذ تشير الى سفر السعدي، الى القاهرة لحضور احتفالات ذكرى الوحدة بين مصر وسوريا.

ويروي محسن رواية اخرى مخالفة لرواية ثمينة ناجي، وآرا، محاولاً نفي الاتهامات الموجهة له بهذ الصدد، إذ يذكر في (ص 157): رأيت سلام عادل في المعتقل، لمدة لاتزيد على خمس دقائق ليلة23 شباط، ولم تكن حالته تسمح بإجراء حديث معه، كان جالساً قبالة حازم جواد ليحقق معه،، ولا أنكر انه كان في حالة يرثى لها نتيجة التعذيب القاسي الذي لقيه، وانه تحمل بشجاعة فائقة، شتى انواع التعذيب، وفيما سمعت انه تمت تصفيته تحت التعذيب مساء يوم 23 شباط، ولم يعدم. ونقيض هذه الرواية يذكر حنا بطاطو في كتابه ( العراق، ج3، ص 301) ان الحكومة العراقية اعلنت الحكم بالإعدام على سلام عادل، وحسن عوينة، ومحمد حسين ابو العيس، يوم 9 آذار 63.

وفي إحدى المنعطفات التاريخية الحاسمة بعد إنقلاب  شباط، كان يوم 9 منه عصيباً، وقريباً من القضاء على نظام قاسم نهائياً، وشهدت غرفة عبد السلام عارف في مبنى الاذاعة اجتماعات ولقاءات، لإعداد وكتابة البيان رقم 13، الذي يعد منعطفاً خطيراً في تاريخ حزب البعث، وأساء الى تاريخه بمجمله، كذلك يجد راضي المبرر لدعوة البيان الى إبادة وسحق الشيوعيين، كرد على البيان الذي كتبه سلام عادل لمقاومة الانقلاب، إلا انه لا يدعي البراءة من البيان، غير انه ليس على علم بشكل (دقيق) بكاتبه.

ان تصوراتي وظني كما يقول راضي، هي ان الإندفاع القوي للعسكريين المتعطشين لابادة الشيوعيين، واكثرهم حقداً، البكر وعماش، وعارف، هم من أعدّ صياغة البيان، ويبدو ان الحاضرين من البعثيين المدنيين والعسكريين على حد سواء لم يعترضوا على مضمونه.

ويصف الشيخ راضي المشهد الدموي لإعدام عبد الكريم قاسم ورفاقه، كونه الشاهد الحي على عملية التنفيذ، ويتذكر من أسماء الرماة، الملازم نعمة فارس المحياوي، وهو من القيادات البعثية في الجيش.

وعلى الاغلب يدعو الشيخ راضي دائماً لفهم السياقات والظروف التاريخية، التي أحاطت بفشل تجربة حكم البعث، ويمضي ايضاً نحو القوى السياسية الاخرى، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، ليحملها تبعات ومسؤولية ما حصل بعد تموز 58، ويدعوها لمراجعة تاريخها، وكتابته بأمانة وموضوعية، وعلينا ان نناقش بحيادية تامة ماذكره الدكتور طارق في مقدمته للكتاب، انما يحسب لصاحب السيرة، انه أدان نفسه بقسوة، قبل ان يدينه أحد، وقدّم اعتذاره لكل عراقي شعر في يوم ما انه كان سبباً في إضهاده، والحق ان تأخر الاعلان عن الإعتذار والإدانة خير من ان لا يأتيا بعد.

 

جمال العتّابي

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيصدر عن دار الرافدين في بيروت كتاب الدكتور فاضل الربيعي (فلسطين المُتخَيلَّة.. أرض التوراة في اليمن القديم) بمجلَدَين، ويحتوي الأول على على (446) صفحة من الحجم الوزير مدعوم بالصور، كما يتضمن المجلد الثاني على (560) صفحة، الكتاب يخوض في الأساسيات التاريخية في الرواية الدينية التي تخص فلسطين، وتفتيت زعم اليهود والحركة الصهيونية بأن القدس قد انزلت فيها التوراة، بينما يؤكد د. فاضل الربيعي في كتابه هذا وفق الأدلة الدامغة أن التوراة أنزلت في أرض اليمن، كما ينفي الربيعي السبي البابلي لليهود في فلسطين. الكتاب نشره سابقاً باللغة العربية والروسية. والكتاب مليء بالمواقف المختلفة التي تصاحب المغامرة، تمتزج فيها مشاعر الحب مع الأحداث المأساوية في حياة الشخصيات. ويطرح هذا الكتاب في ميدان البحث موضوعاً مثيراً جداً، يبعث على التساؤل والدهشة، هل حقاً أنزلت التوراة في أرض اليمن بدل فلسطين؟ هل الأسماء التي نعرفها للمدن والمواقع في مكان من فلسطين ليست هي، ولكن أيضاً ما الأدلة التي يقدمها المؤلف؟ ما المعطيات التي يستند إليها؟ الموضوع عميق جداً يأتي من عمق التاريخ وعبقه، من النصوص المكتوبة. وتُعد أطروحته "فلسطين المتخيلة" من أهم المؤلفات التي قدّم فيها الربيعي مراجعات المسلّم به في كتب التاريخ، والتي نفى فيها أن يكون الملك داوود حارب الفلسطينيين. ويواصل الباحث في نسفه للموروث التاريخي: "سفن سليمان لم تمخر عباب المتوسط، والحقيقة التي لا مناص من التمعن فيها اليوم: إنّ القبائل اليهودية اليمنية العائدة من الأسر البابلي هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية وليس في فلسطين، والهيكل لم يُبنَ في القدس قط، وليس ثمة هيكلٌ لسليمان تحت قبة الصخرة".

كما اعتمد د. فاضل الربيعي في كتابه هذا على كتاب عبد الرحمن الشابندر (المقالات) الصادر في دمشق عام 1993 من اعداد محمد كامل الخطيب تحت عنوان (الاعمال الكاملة.. قضايا وحوارات النهضة العربية)، وفي الكتاب مقالة تعود لعام 1936م فيها إشارة إلى التماثل والتطابق بين المصدرين (الهمداني والشابندر) بالدليل على أن مملكة إسرائيل القديمة لم تكن قطّ في فلسطين.

2478 فاضل الربيعيويؤكد الكاتب الربيعي في ص15 قائلاً: "أن المصريين والآشوريين لم يشتبكوا فوق أرضٍ قط، وسفن سليمان لم تمخر عباب المتوسط، ولم ترسُ في أي وقت من الأوقات في موانئ صوّر اللبنانية، وإلى هذا كله، فإن الملك داود لم يحارب الفلسطينيين". كما ينفي الربيعي في كتابه هذا زعم اليهود أنّ الهيكل بُنيَ في فلسطين، وإنما في السراة اليمنية، ودليله على ذلك ما اكتشفه الهمداني بكتابه (الإكليل وصفة جزيرة العرب)، فيؤكد بالقول: "إن القبائل اليهودية اليمنية العائدة من الأسر البابلي هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية وليس في فلسطين. ومن ثَمَّ؛ فإن الهيكل لم يُبنِ في القدس قط، بل أنّ أسوار أورشليم التي أشرف نحميا على إعادة ترميمها لا وجود لها هناك أصلاً؛ وفوق ذلك ليس ثمة هيكل لسليمان تحت قبة الصخرة، فيما نجد الهياكل في السراة اليمنية، كما وصفها الهمداني، بالتلازم مع ذكر أسماء القبائل اليمنية اليهودية، ودليله على ذلك أن اليمنيين يسمون آثار الأبنية القديمة وحتى هذا اليوم بالهياكل. وبوجه العموم؛ فالقبائل اليمنية اليهودية العائدة من الأسر، هي التي أعادت ترميم أسوار أورشليم انطلاقاً من موضع تسمية التوراة (شعر)، وهذا اسم جبل شهير من جبال اليمن".

من خلال هذه الادلة يؤكد د. فاضل الربيعي في صفحة 17 من كتابه بأن مملكة إسرائيل اليمنية القديمة شرقي صنعاء أو في نجران وانها لم تكن قط في فلسطين (المصدر عبد الرحمن الشابندر. مجلة الرسالة المصرية العدد 192 في 8 آذار ص5). كما اعتمد د. فاضل الربيعي على كتاب د. كمال صليبي (التوراة جاءت من جزيرة العرب)، ويؤكد د. الربيعي "أن أحداث وقصص ومرويات التوراة دارت في فلسطين هي مجرد اكاذيب وأوهام مختلفات لا يمكن تعليقه عن وجود مملكة إسرائيل القديمة في نجران (حسب ما يعتقد يهود اليمن)؛ أكثر من مجرد دليل ظرفي قابل للمراجعة. فالهمداني والشعر الجاهلي يقدمان سلسلة لا تكاد تنقطع من البراهين والأدلة أن مرويات التوراة دارت في اليمن. فالتوراة لم تذكر فلسطين بالاسم قط، كما لم تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى فلسطين.

إن القدس التي ذكرها د. الربيعي في ص19 من كتابه قائلاً: "أما القدس التي يزعم أن التوراة ذكرتها، فإن النصوص العبرية، وبدعم من نصوص الهمداني والشعر الجاهلي على حدٍ سواء، تشير إلى ثلاثة مواضيع تدعى قدس – قدش، ليس من بينها ما يمكن مطابقته على صعيد التوصيف مع القدس العربية.

كل ما ذكرت سابقاً هو رأي الكاتب فاضل الربيعي، وفق ادلة هو يعتقد بمصداقيتها، وقد يكون مصيب أو مخطئ إذا ما تمَّ البحث عبرَّ مصادر التأريخ حول النقاط التي ذكرها في مؤلفه.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

جمال العتابييبدو الشيخ راضي متجاذباً بين حركتين  في مذكراته، حركة الذهاب الى الماضي، وحركة الأياب الى الحاضر، انه، بتعبير آخر متجاذب بين ذاكرة ماضيه، ومخيلة مستقبله، والحاضر يقف بينهما كنقطة توازن، وهو يحمل همومه، وسائل عبر ماضيه، في تصور معلن وصريح، أو مايزال مكتوماً، متفائلا أحياناً، أو حذراً ويائساً في أحيان كثيرة.

قد لا تتسع القراءة لما هو مطلوب منها على ما أفترض، أن تتوسع في محاور عديدة ومهمة تناولها كاتب السيرة، لكنني سأتوقف عند بعض المحطات والمنعطفات التاريخية التي ما تزال موضع جدل وخلاف، لكن المهم في المذكرات، كونها ضرورة نحتاجها راهناً، انها تعزز حاجتنا لثقافة الإعتراف، والإعتذار بأسس سليمة وبنّاءة ومنظّمة، والإعتراف هنا لا يتعلق بالفعل السياسي الخطأ، إنما يتجاوزه نحو كيفية تدريب الآخر على تعلم هذه الثقافة وتعميمها، انه بتقديري إمتحان ثقافي، تكون فيه الذاكرة قادرة على الإقناع، دونما خلق لأوهام جديدة، إذ يعتقد البعض للأسف الشديد، ان الإعتذار نقطة ضعف، كونها دليل إنكسار وهزيمة، بينما يُعدّ الإعتراف بالخطأ أو تصحيحه والتراجع عنه، موقفاً شجاعاً متسامياً، يحتاجه المرء كفرد، وكذلك الجماعات السياسية، وأعني بها الفاعلة المؤثرة، أو تلك التي تمسك زمام  السلطة سابقاً، أو الزمن الحاضر، لعل هذا الوضع يُظهر أهمية الإلتفات إلى بلورة وعي نقدي بأخطاء الماضي. والحذر من النزوع إلى إدانة الآخر، وترك الساحة مهيأة أمام تبرئة الذات.

ان المراجعة تقتضي ايضاً، تجنب الماضي كمعيار أو مقياس مقدّس، لخلق أوهام جديدة، هي في الحقيقة محاولة لتعويض مواجهة الأخطاء وتحري أسباب الفشل والإخفاق لدى القوى السياسية جميعاً.

ان الرؤية العلمية والعقلية تدرك ان الاحداث أياً كانت، هي نتاج تفاعل اسباب عديدة، وبالتالي فانها تفترض بما في ذلك ميدان العلاقات السياسية، ضرورة التنور بالسببية من أجل رؤية نتائجها المحتملة.

لقد أدرك محسن الشيخ راضي هذه الحقيقة متأخراً، وعبّر عنها بالقول : من الانصاف ان يكون الانسان أكثر صلابة بنقد ذاته، وفي نقد ما حدث في عام 1963،وأن يكون أكثر صلابة بإدانة الكثير من الممارسات اللاإنسانية التي إقترفتها ( بعض العناصر البعثية) المشبّعة بروح الثأر والإنتقام غير المبرر، ويواصل القول: الحق انني اشعر ان الكلمات مهما بلغت من قوة في التعبير لاتكفي لبيان رفضي لما قام به بعض البعثيين من سلوك مدّمر وكارثي تحملنا وزره ونتائجه جميعاً، نحن المشاركين في تلك الفترة المقيتة، لقد حقد علينا الشعب العراقي، كأفراد، وكحزب، وحقدت علينا القوى السياسية الاخرى، بما يوازي حقدنا عليهم، وربما أكثر، وبكل ثقة وقناعة أقول بأني أدين بقوة كل السلوكيات الوحشية التي لازمت احداث 63، وأستنكر بشدّة العنف الذي رافقها والدماء التي سالت، وأريقت تحت عنوانات واهية لاقيمة لها إزاء حياة الإنسان وكرامته(ص181).

بتقديري ان النص أعلاه، يضمر نزوعاً لإدانة القسوة، ويدين القتل ودوافع التدمير، بإعتراف صريح وواضح، علينا أن نقرأه بنواياه الحسنة، وبلا لبوس سياسي، ينبغي ان يكون خطاباً سياسياً وثقافياً تتقنه القوى السياسية من تجربة العراق المريرة، بمعنى التأسيس لخطاب عقلاني يهدف الى وضع أسس للمراجعة ونقد الذات، وإعادة النظر في تقييم التجارب بكل جوانبها ومكوناتها، وإشكالاتها، وإخفاقاتها، وممارسة النقد لا تعني عبارات خطابية لا تصنع يقيناً، إذ يفترض من وجهة نظر التاريخ التمسك بحدود الحقيقة،  وبموعظة تجارب التاريخ، ويبقى ممكناً القول : لا تاريخ بدون ذاكرة، ولا كتابة بدون ضمير.

يدعونا الشيخ راضي إلى البحث عن إجابات لأسئلة لا حدود لها، كنا نأمل أن يشاركنا الإجابة عنها، فما معنى أن تقود السلطة مواطنيها إلى أقبية التعذيب، وتصفيتهم؟ كيف لنا أن نفهم التناقض بين ما تعلنه الأيديولوجيات الشمولية من برامج وأهداف زائفة، وبين ممارساتها على الأرض، كيف يمكن لحزب سياسي  يدعي لنفسه معاني الدفاع عن الإنسانية، وهو يقتل الإنسان، لأنه مختلف معه بالرأي؟ كل ذلك يجعل من مهمة التدقيق في مراجعة الذات من أخطر المهمات وأكثرها أهمية.

ولأننا أمام سرد للسيرة مثيرللجدل، لقائد سياسي ماتزال ذاكرته يقظة، من خلالها نتبين الأحداث، ونتأملها من جديد وبهدوء، دون إنفعال، فالشيخ راضي يقف بالضد من محاولات (التشويه)، التي تعرّض لها رفيقه علي صالح السعدي، والقيادات البعثية، كما يصفها الشيخ بالنزيهة والبريئة من التهم التي ألصقت بهم، ويشير بذلك الى شخصه، الى جانب هاني الفكيكي، وأبو طالب الهاشمي، وحمدي عبد المجيد، ويزعم كاتب السيرة بثقة، ان السعدي أدان أعمال العنف، ولم يمارسه على الإطلاق ضد الشيوعيين، وكل ما يشاع عنه من قسوة وعنف، غير صحيح، ويبرر للسعدي عدم تمكنه من مواجهة العنف وإيقافه، إذ كان أضعف من السيطرة عليه، على الرغم من انه يحمّله المسؤولية، بوصفه قيادياً في السلطة والحزب، وخلاف العديد من الروايات في الأدبيات الحزبية والمذكرات الشخصية لقادة سياسيين من طرف الصراع الآخر، يؤكد الشيخ راضي، ان السعدي كان بريئاً من كل عنف، ولم تتطلخ يداه بدماء الشيوعيين، ويذكر راضي في (ص203) : شهادتي للتاريخ، أقول، لا أريد أن أُدين الحزب وقيادته، فحسب، بوصفها تتحمل مسؤولية الجرائم المرتكبة بحق الشيوعيين، وغير الشيوعيين، إنما أدين نفسي، لأني كنت جزءاً  من قيادة الحزب والنظام، ولم أستطع وقف حمّامات الدم، ولم نكن قادرين على كبح جماح الثأر والإنتقام التي مارسها المتحزبون  في البعث، والجناح العسكري المسيطر على الأجهزة الأمنية ولجان التحقيق.

ويضيف بهذا الصدد: كنا جميعاً في الحركة الوطنية في العراق نتقاتل بالنيابة من حيث لا ندري، غارقين في أتون صراع المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي، تحول الى صراع دموي بين الشيوعيين والبعثيين، لذا يدعو الى التحري بإنصاف مواقف البعض من قادة البعث خلال تلك المدّة، والتنبيه إلى ان النظر  للتاريخ بعين واحدة رمداء سيفسد الإنصاف الإنساني، وسيطمس الكثير من الحقائق التاريخية(ص 161). إن الشرخ الذي أحدثه الصراع بين القوى السياسية بعد تموز 58، تحول إلى شروخ مدمّرة في جسد المجتمع العراقي، حتى بدا عاجزاً عن إيقاف الإنهيار، والخروج من دوّامة النزيف.

لعل مفاتيح فهم أحداث تلك المدة عند الشيخ راضي، تقدمها تلك السياقات والأفكار والمواقف، إذ يشدد على عدم آهلية البعث لإدارة الدولة: نحن الشباب الغض لاخبرة لنا، ولا ممارسة في أصغر منصب إداري يؤهلنا، وهنا تكمن إحدى المشاكل التي واجهتنا، لكن بعد هذه العقود الطويلة التي مضت على تجربة8 شباط، أثبتت ان النوايا الحسنة التي كانت تخامر وجداننا، لم تكن وحدها كافية لتحقيق العدالة في ظل أوضاع سياسية مضطربة.

تحت وطأة الماضي، يحاول محسن الشيخ راضي، في خطاب الإعتراف أن يكشف المستور، برفع الستر وتمزيق القناع، أن يكثف موقفه عن زمن عصي، كان بحاجة إلى مقاييس مرنة، وإدارات سياسية عقلانية، تحسنُ الرؤية وتدرك مهمات الحاضر والمستقبل، تتعدى الإجتهادات النظرية، وتفكر بنمطٍ وطني يعبّر عن مستوى إدراكها لطبيعة الأحداث وآفاقها على مستويات عدّة، لكن للأسف الشديد، ظلت عقدة تطهير الخطاب السياسي من لغة العنف والدماء ملازمة لإنتاج القسوة.

 

جمال العتّابي

................................

يتبع، الحلقة 3 (الأخيرة): التحرر من ثقل الماضي لا تسعفه النوايا الحسنة

 

 

زيد الحليكتب كثيرون عن الفساد الاداري، وصدرت مؤلفات عديدة تناولت هذه الآفة، واستمعنا وشاهدنا آلاف الندوات التي جعلت جرثومة الفساد عنوانا لها، لكننا لم نر معالجات تسبر غور هذه الظاهرة ذات الخطورة المجتمعية والادارية في حياتنا اليومية، لاسيما في بلدنا الذي اصبح واحداً من ابرز البلدان التي يعشعش فيه الفساد بمختلف صوره ..

بداية اشير الى دراسة، اعدها مجلس حقوق الإنسان في الامم المتحدة بدورته الـ 28 الخاصة بتعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحق في التنمية المستدامة، حيث اكدت تلك الدراسة عدم وجود، تعريف واحد للفساد منسجم ومعترف به على المستوى الدولي.. وهذا يدل على عمق وخطورة وعنكبوتية آفة الفساد ..

لكني وجدتُ في كتاب د. إسراء طه جزاع (منظومة مواجهة الفساد الإداري في العراق) الذي جاء بأسلوب سلس، ما يدحض دراسة الامم المتحدة، حيث وضعت فيه المؤلفة، تعريفاً مقنعاً، وعلميا لأنواع الفساد، يمكن ان يستخلص منه القارئ عنوانا مانعا، شاملاً لهذه المنظومة المتشابكة.. بدأته في مفهوم الفساد السياسي والفساد الاقتصادي والفساد الاجتماعي والفساد الثقافي والفساد البيئي والفساد المالي والفساد الاداري، وقد ركز الكتاب الذي صدر مؤخراً، على الفساد الاداري كونه هو الفساد الذي يصيب المؤسسات والهيئات الادارية لأجهزة الدولة، حيث يرتبط هذا النوع من الفساد بالوظيفة  العامة، والموظف العام ويقوم على اتباع سلوك مخالف للقوانين من خلال استغلاله لموقعه وصلاحياته عن طريق قيامه بالأفعال المنحرفة .

يسحبنا كتاب د. إسراء  بقراءة موضوعية، ممتعة الى عالم (غابة الفساد) المليء بمعلومات وامثلة، اعتمدت فيه المؤلفة على مصادر موثقة، بدأته بالقرآن الكريم، وكتب الفقه الاسلامي وكتب القانون ورسائل واطاريح جامعية ومواثيق واتفاقات دولية والتشريعات العراقية ..

تقول المؤلفة (لا يخفى على الكثير، ولاسيما الباحثين والمتخصصين في مجال ظاهرة الفساد، بأن العراق من الدول التي شهدت تناميا خطيرا في معدلات الفساد خلال السنوات العشر الاخيرة، حيث احتل مراتب مُتقدمة بين دول العالم الاكثر فسادا وفقا لتقارير منظمة الشفافية الدولية للسنوات ما بين 2004 ــ 2016 وبعد استعراض تلك التقارير تبين ان العراق جاء بالمراتب الاخيرة بين الدول العربية، وفي ذيل قائمة الدول الاكثر فساداً في العالم)

ولم تقف د. إسراء عند تلك الحقيقة، فأعطت امثلة مستندة على معطيات دولية، فتذكر انه في العام 2004 جاء العراق في المرتبة الـ 116 عالميا من اصل 133 دولة، وفي العام 2005 احتل العراق المرتبة الـ 130 من اصل 146 وفي العام 2006 جاء العراق في مرتبة متقدمة في تفشي الفساد عالميا حيث جاء بالمرتبة الـ 141 من اصل 159 دولة ويستمر هذا الموقع العراقي المؤلم في خارطة الفساد، فيسجل العام 2015 ان العراق احتل المركز الرابع عربيا بالفساد، يليه ليبيا والسودان والصومال!

تأتي اهمية  الكتاب، كما يذكر الناشر من كونه يبحث ربما للمرة الاولى مفهوم الفساد الاداري من خلال منظوره القانوني، مسلطا الضوء على المنظومة القانونية لمواجهاته متمثلة بالدوائر والهيئات واللجان والمكاتب الرقابية.

وبعيدا عن كتاب د. إسراء، لكن على مقربة من فكرته، اقول ان ظاهرة الفساد هي من أقدم الظواهر التي عرفتها البشرية على مر العصور، وكانت سبباً في انهيار الكثير من الحضارات والأنظمة، وان مكافحة  الفساد يحتاج إلى استراتيجيات متكاملة ومدروسة، تأخذ بعين الاعتبار التشخيص العلمي للظاهرة من جميع جوانبها، والآثار المترتبة عليه، وسبل مكافحته، وما يجري في العراق حاليا هو التطرق  باستحياء الى قشور الفساد، بعيدا عن لبه، خوفاً من حيتان تربت على الفساد الاداري والسياسي .

ان الفساد كما فسره المختصون من رجال القانون هو استغلال المنصب العام لغرض تحقيق مكاسب شخصية مثل الرشوة والعمولة والابتزاز، وتحقيق ربح مالي يتم الحصول عليه من خلال تقديم خدمة او عرض عقود للمشتريات الحكومية والخدمات الحكومية، او افشاء معلومات عن تلك العقود، وايضا نجد الفساد في الإجراءات المعقدة وغموض التشريعات وتعددها أو عدم العمل بها، في حالة وجود الصحيح منها، وعدم  الاعتماد على الكفاءات المعروفة بقدراتها في معرفة الغاطس من الامور، وتمتلك رؤية ثاقبة في اختصاصاتها، والفساد كذلك موجود في كافة القطاعات وفي أي تنظيم يكون فيه للشخص قوة مسيطرة أو قوة احتكار على سلعة أو خدمة أو صاحب قرار، وتمرير القرار المصلحي  لفئة دون اخرى، فيما يتمثل  الفساد الاخلاقي بالانحرافات الأخلاقية وسلوك الفرد وتصرفاته غير المنضبطة بدين  وتقاليد وعرف اجتماعي مقبول … وهذه الصورة اصبحت شاخصة الان امام ابصار الجميع دون اتخاذ قرار واضح وملموس في القضاء عليها، او في الاقل الحد منها .

لقد ساهم الفساد في زعزعة القيم الأخلاقية المعروفة والقائمة على المبادئ الانسانية والصدق والأمانة والمساواة وتكافؤ الفرص وتحولت إلى سلوكيات ادت الى انتشار الجرائم، في شقيها الجنائي والمجتمعي، وبات الانسان المخلص لا يجد له مكانا في ظل حالة فساد شامل ..

تحية للدكتورة إسراء، لتناولها موضوع الفساد .. انه الموضوع الذي نخر اساسيات الدولة .. 

 

زيد الحلي

 

نبيل عبدالامير الربيعيترجمة : د. نصير الحسيني

حياة الكسندر بوشكين (1799-1837م) فيها نزعة التمتع بالملذات وبالحرية التي يصبوا إليها الروس أحياناً، في غفلة من النسيان، وتخطئ دوماً بإنجاب الشباب الروس الغض، وتتجسد فيه منذ الأعوام الأولى لظهوره في أوساط المجتمع، ولن يمارىي أحد بأن ابن الجبل بزيه الحربي الحر وعاشق للحرية، وهو بالنسبة لنفسه القاضي والسيد، يكون أكثر تألقاً، وكلما كانت المادة عادية تتطلب أن يكون الشاعر أكثر سمواً ورفعة بغية أن يستنبط منها ما هو غير مألوف، ومن أجل أن يصبح الاعتيادي غير المألوف، فهل جرى تقييم آخر لأشعاره بعدالة؟ وهل قيم وفهم أحد ما أعماله؟ إن بوشكين يبدو في اعماله الرائعة وفي هذه الإنثولوجيا الرائعة، متعدد المواهب الأدبية والأبعاد بصورة غير عادية، وهو أكثر سعة ورحابة من أشعاره.

صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل بالاشتراك مع دار سما رواية الاديب الروسي الكسندر بوشكين (عربي القيصر) ترجمة الدكتور نصير الحسيني، وتقديم د. أسماء غريب. تضمنت الرواية (127) صفحة من الحجم المتوسط، اعتمد فيها المترجم على الرواية الصادرة باللغة الروسية الغير مترجمة، وباعتبار الدكتور الحسيني من المتقنين للغة الروسية، ويمتلك لغة عالية في العربية والروسية من خلال دراسته في الاتحاد السوفيتي سابقاً للهندسة المعمارية، والذي صدر له أكثر من منجز ادبي وكذلك في مجال الهندسة المعمارية، وقد تجاوزت مؤلفاته (13) منجز. فنجد في ترجمته الرائعة لرواية بوشكين بما تتمثل بشيء من البساطة والتألق، فهي ترجمة دقيقة مائزة، تجسد كل شيء في حياة الراحل بوشكين من رواية وشعر، ومن خلال هذا الإصدار الرائع تجد نفسك تحتاج أن تقرأ جميع أعمال بوشكين عدّة مرات، في حين هذه الخصال مفقودة في الأعمال التي تتراءى فيها الفكرة الرئيسية فقط، ويمكن اعتبار هذه الترجمة الرائعة حجر الاختبار الذي يُمكّن المترجم د. الحسيني ترجمة بقية اعمال اعلام روسيا، من خلال جمالية اللغة ودقة الترجمة، والتعبير والنقل الجيد دون إضافة أو حذف، فهي ترجمة بسيطة ومتزنة وساطعة وملتهبة وماتعة، وفي الوقت نفسه ذات نقاوة في اختيار الجمل في الترجمة.

2469 بوشكينفالشاعر والروائي بوشكين كلما صوّر بقدر أكبر المشاعر المعروفة للشاعر وحده، تتقلص بشكل ملموس دائرة جمهوره الملتف حوله، وفي نهاية المطاف تصبح صنيعة بحيث يمكن أن يُعد على الأصابع عدد متذوقيه الحقيقيين.

إن الكتابة عن بوشكين الملقب بأمير شعراء روسيا ليست بالمهمة اليسيرة، كذلك الترجمة، فقد كُتبت عنه مئات المجلدات، ولهذا أن الرواية المترجمة (عربي القيصر) تعكس عبقرية بوشكين، فهو مثل غيره من كبار الأدباء والشعراء أبدع في النثر بقدر لا يقل عن إبداعه في الشعر، وقد اختار الدكتور نصير الحسيني من اعماله تلك والتي لم تترجم بدقة سابقاً (روايته عربي القيصر)، فضلاً عن ترجمة بعض الأعمال النثرية له من قبل المرحوم غائب طعمة فرمان وأبو بكر يوسف وراجعها مستعربون روس، فهي أصدق من غيرها من حيث المحتوى. ولا بد لي من الإشارة إلى أن الترجمة من لغات أخرى غير الروسية إلى العربية كثيراً ما تتضمن أخطاء المترجم الأول الانكليزي أو الفرنسي وتضاف إليها أخطاء المترجم العربي.

ويلاحظ في العديد من التراجم الأخرى تحوير في الأسماء الروسية، وأن الاسماء اللاتينية حين تطلق على الشخصيات الروسية تفقد هذه الشخصيات صورتها في جو القصة أو الرواية. والقصة المنشورة (عربي القيصر) يروي فيها بوشكين قصة جده الأكبر إبراهيم الذي أرسله القيصر إلى فرنسا لدراسة العلوم العسكرية؛ وعودته إلى روسيا بعد سلسلة من المغامرات في إسبانيا، حيث حارب إلى جانب الفرنسيين وعلاقته الغرامية في باريس مع كونتيسة فرنسية من النبلاء التي أنجبت منه صبياً تم إخفاؤه عن زوج الكونتيسة وبعيداً عن باريس.

ويتحدث بوشكين عن كيفية اتخاذ بطرس الأكبر قراره أن يتزوج إبراهيم من ابنة أحد النبلاء الروس بغية أن يوطد مركزه في مصاهرة أحدهم. والقصة كلها من بنات خيال بوشكين، حيث أن جده الأكبر لم يتزوج ابنة نبيل روسي بل ابنة تاجر يوناني. ويقول نيقولاي غوغول بحق بوشكين ما يلي : "عندما يذكر اسم بوشكين تنبجس على الفور الفكرة حول وجود الشاعر القومي الروسي. وفعلاً لا ضاهيه له في هذا أي أحد من شعرائنا ولا يمكن تسمية أحد غيره بالشاعر القومي: فهذا الحق يعود إليه حصراً. وتجسد فيه، كما لو كان معجماً لغوياً، كل غنى وقوة ومرونة لغتنا".

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

نبيل عبدالامير الربيعيصدر حديثا عن دار الفرات للثقافة والاعلام - العراق - بابل 19-5-2021 بالاشتراك مع دار سما للطبع والنشر  والتوزيع كتابي الموسوم (يوميات الانتفاضات الشعبية في بابل 2011-2021) دراسة ميدانية. تضمن الكتاب (292) صفحة من الحجم الوزيري. الأهداء: كان.. إلى ثوار انتفاضة تشرين 2019م الباسلة...إلى شهداء وشهيدات الانتفاضة الخالدين.

لقد شمَّلَ الكتاب مقدمة وخمسة فصول، متفاوتة في عدد الصفحات، تناولت في الفصل الأول مفهوم الانتفاضة وحق التظاهر القانوني، ومعنى الانتفاضة لغوياً، والألفاظ ذات الصلّة، والانتفاضة وفق القانون العراقي، والتظاهرات واتفاقية حقوق الإنسان، وحرية التظاهر في القانون العراقي، ونبذة تاريخية عن الانتفاضات الشعبية في العراق وفي مدينة الحلة خاصة.

وعُنيَّ الفصل الثاني بالانتفاضات الشعبية بعد عام 2003م، واحتوى هذا الفصل على مبحثان، المبحث الأول احتجاجات 25 شباط 2011، والمبحث الثاني احتجاجات تموز 2015م، وأهداف المتظاهرين، ويوميات الاحتجاجات لعام 2015م، واسباب اجهاض الانتفاضة.

أما الفصل الثالث فقد تضمن المظاهرات الاحتجاجية لعام 2016م، واحتوى على ثلاث مباحث، المبحث الأول تضمن اسباب فشل أي عملية اصلاحية في العراق، والمبحث الثاني تضمن المظاهرات الاحتجاجية لعام 2017م، والمبحث الثالث احتوى المظاهرات الاحتجاجية لعام 2018م.

وتضمن الفصل الرابع الانتفاضة الاحتجاجية لعام 2019م ودوافعها. واحتوى الفصل على مبحثان، المبحث الأول يوميات انتفاضة تشرين الأول 2019م، والمبحث الثاني المظاهرات الاحتجاجية لعام 2020م، ويوميات الاحتجاجات لعام 2020م.

وتضمن الفصل الخامس اسباب الانتفاضة وما حققته من مكاسب وتحديات المتظاهرين للسلطة المركزية، فضلاً عن أسباب وتداعيات الانتفاضة في العراق، والتعامل مع الانتفاضة، وسيرة ذاتية لشهداء انتفاضة تشرين الأول/ اكتوبر 2019م، وشعارات المتظاهرين، وتأثير الانتفاضة على الشأن السياسي والرأي العام، والإصلاحات الحكومية لأمتصاص غضب المتظاهرين، وتقرير بعثة الأمم المتحدة لانتهاكات المتظاهرين، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في دعم التظاهرات، ودور المرأة البابلية في التظاهرات السلمية.

2467 الانتفاضةاستعانت الدراسة والتوثيق للاحتجات السلمية التي حصلت في محافظة بابل على العديد من المصادر ولا سيما الكتب التي تناولت الحركة الاجتماعية الشعبية السلمية، فضلاً عن المقالات المنشورة في الصحف ومواقع الانترنت، إضافة إلى التقراير عبر القنوات الفضائية وتقارير المنظمة الأممية في العراق والمقابلات، ولقاءات عن المساهمين في الانتفاضة وذوي الشهداء؛ وصفحات التواصل الاجتماعي لقادة التظاهرات والتنسيقيات، وبالأخص صفحة (الفيس بوك) للدكتور سلام حربة، لأن ما ينشره الدكتور مصدر ثقة. على الرغم من الجهود المضنية لغرض انجاز هذه الدراسة وتقديمهُ في الوقت المناسب بصورة لائقة. أرجو أن أكون قد وفقت فيما اصبوا إليه، وفي بلوغ ما رميت في جهدي هذا، الشكر موصول لكل من ابدى المساعدة في اتمام هذا الكتاب: د. عدي غني الأسدي، د. عبد الرضا عوض، الدكتور سلام حربة، الباحث صلاح السعيد، الباحث محمد علي محيي الدين، السيد حسن الخزرجي، السيد غالب العميدي.

تعتبر الانتفاضات والتظاهرات والاعتصامات والإضرابات أدوات شعبية ومؤسسية مهمة في الدول الديمقراطية، للضغط على الأحزاب والحكومات من أجل تنفيذ وعودها وإجبارها على تحقيق حاجات المجتمع الضرورية، لكنها بقيت أداة غائبة عن دوائر التأثير المباشر على السلطة في العراق لسنوات، وذلك لاعتبارات طائفية وإثنية وسطوّة السلاح والميليشيات، والحلول الأمنية، وانتشار الفساد وحداثة التجربة الديمقراطية، وفشل العملية السياسية، إلاّ أنها كانت حاضرة بقوة في التظاهرات المؤيدة لنهج الحكومة أو الأحزاب المتنفذة، خاصة إذا كانت تابعة لتيار أو حزب لديه ميليشيا تحميه من الإعتداءات وقمع الميليشيات الأخرى؛ أو الأجهزة الأمنية.

التظاهرات أداة صحيَّة لإصلاح اختلالات واعوجاج النظام السياسي وفساده، ففي العراق ومع انطلاق تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر 2019م استخدم النظام العنف المُفرَط، والرصاص الحَيّ، وقنابر الغاز المسيل للدموع القاتلة، والقناصة والخطف والاغتيالات والاعتقالات، إلخ، لكنها ورغم الدماء التي سالت، حققت إنجازات لأول مرة في العراق، وذلك من خلال العامل الشعبي الوطني في عراق الطائفية والمحاصصة والمصالح المكوناتية.

منذ عام 2005م والعراق يعاني من أزمة الطائفية والإثنية التي فرضتها الإدارة الأمريكية؛ وأيدتها الطبقة السياسية والأحزاب بمبدأ المحاصصة، ورسختها الميليشيات والتطرف بفرق الموت والتهجير والاعتقالات العشوائية، والجثث مجهولة الهوية، إلخ، فظهرَت الهويات الفرعية بقوة وغابت الهوية الوطنية، وأصبحت محل سُخرية الكثيرين، فلا نكاد نلاحظها إلا في مباريات كرة القدم للمنتخب الوطني العراقي.

إلاّ أن ما فعلته تظاهرات تشرين الأول 2019م هو الدفع باتجاه إحياء الهوية الوطنية، وانتقاد الأداوات التي جلبتها إلى العراق كـمبدأ المحاصصة والميليشيات، وذلك بالدعوة لحصر السلاح بيد الدولة، وترشيح شخصيات مستقلة للوزرات؛ وبعيدة عن الأحزاب المكوناتية، وإلغاء مبدأ المحاصصة، وبناء مشروع وطني جامع لكل العراقيين، وهو ما جعل السياسيين الذين يعتاشون على المحاصصة؛ يعيدون إحياء شيء من خطابهم الطائفي، خوفًا على مستقبلهم ومصالحهم التي تضمنها المحاصصة والطائفية.

بقيت المعادلة السياسية العراقية مقتصرة الدور على الأدوات السياسية والعسكرية داخل العملية السياسية وخارجها، إلاّ أن إصرار تظاهرات تشرين الأول على الاستمرار رغم تقديمها المئات من الشهداء وآلاف الجرحى والمعاقين، جعلها تدخل دائرة التأثير المباشر على الطبقة السياسية والحكومة العراقية، فلم يكن أحد يحلم أن تُسقط التظاهرات حكومة عادل عبد المهدي مهما كانت ضعيفة، وتفرض مجموعة مطالب إصلاحية على الأحزاب، فبإصرارها أجبرت البرلمان على سَنّ قانون جديد للانتخابات ومفوضية جديدة.

كما أنها ساهمت بشكل أو بآخر في فرض تغييرات جزئية على معايير اختيار الكابينة الوزارية؛ ومرشح رئاسة الوزراء الذي لم يستطع مواجهة مصالح الكتل والأحزاب، واعتذر عن التكليف رغم أنهُ كان ممن شارك بالعملية السياسية؛ ومرفوض جماهيريًا أيضًا، وكانوا يحاولون استخدامه كواجهة مثل رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي.

استغلت الأحزاب الدينية والميليشيا الفساد المستشري في مفاصل الدولة العراقية، فتهدد وتتوعد كل من ينتقد رجل دين، أو يكشف فساد الأحزاب السلطوية ومافيات الفساد في مؤسسات الدولة، وقد نفذت مئات الاغتيالات والاعتقالات والخطف؛ ولا تزال ضد أي ناشط مؤثر يتجرأ على انتقاد أو قول رأي مخالف لمصالحهم.

ما فعلته تظاهرات تشرين الأول 2019م أنها كسرت حاجز الخوف وجعلت الجميع تحت مشرحة النقد، فزعامات الميليشيات لم يكن أحد يتجرأ على الحديث ضدهم داخل العراق، ولا يستطيع أحد رفض سلوكيات بعض البعض، ولا صمتهم على الفساد أو مشاركة بعضهم فيه، كما أصبح زعيم ميليشيا القتل والخطف محل انتقاد دائم، كذلك زعيم إحدى التيارات يُنتَقد أيضاً، بعد التقلبات في المواقف من أجل تمرير رئيس الوزراء المكلَّف.

من جهة أخرى، الغضب الشعبي من الأحزاب الدينية وانتقاد رجال الدين وتعدي جميع الخطوط الحمراء في ذلك، دفع المرجعية الدينية في النجف إلى النأي بنفسها عن دعم أي مرشح لأي حكومة قادمة، ولم تعد تتدخل سلباً أو إيجاباً؛ إلا سراً في تشكيل الحكومة الجديدة، بل قطعت الاتصال بجميع الأحزاب والقوى في هذا الملف لكي لا تتحمل فشل الحكومة القادمة وفسادها، فقد كان تشكيل أي حكومة لا يمر إلا بمباركة المرجعية ودعمها وغطائها الديني.

أخيراً، لقد أصبح العامل الشعبي والرأي العام العراقي يُحسب له ألف حساب في اتخاذ أي موقف سياسي، خاصة داخل البيت الشيعي بعد أن كان خارج المعادلة تماماً في السنوات الماضية، كل ذلك بفضل التظاهرات الشعبية التي لا تزال مستمرة ومصرَّة على تحقيق مطالبها بالإصلاح والتغيير.

تدور هذه الدراسة حولَ ما مرَّ به العراق من انتفاضة احتجاجية شبابية وشعبية سلمية؛ تدعو للإصلاح ومحاربة الفساد والمفسدين، وقد بدأت بتوثيق يوميات الانتفاضة منذُ يومها الأول عام 2011م ولغاية انتفاضة تشرين الأول/ اكتوبر 2019م حتى تاريخ رفع سرادق المحتجين السلمين في المحافظة بعد الاتفاق مع مدير شرطة بابل اللواء علي كوة.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

زيد الحليوعدتُ زميلي الكاتب عمر علي حيدر، ان كتابه الاثير (مذكرات شيخ جامع) سيكون من اولويات قراءاتي في عطلة عيد الفطر، وقد ندمتُ على وعدي، ليس بسبب ضخامة الكتاب (706) صفحات في طباعة انيقة جدا من الحجم المتوسط، انما لفيض وسعة المعلومات والصور الاجتماعية التي عصفت في العراق خلال الاحتلال الامريكي في العام المحصور بين 2003 / 2004 ...

 بدأت في قراءة الكتاب، وفي عقلي الباطن، انه مجرد كتاب يهدف الى تنفيس الكاتب عن مشاعره والضغوطات التي اعترته في العام الاول للاحتلال، لكني وجدتُ مذكرات يومية مهمة ضمت العديد من الأحداث التي قد تصبح ذكرى عميقة الاثر في المستقبل، سطرها قلم باذخ العذوبة والذكاء .. لقد اخذ مني الكتاب قراءة استمرت ثلاثة ايام، سحت فيها في كواليس عالم، خفي، غريب، هو عالم شيوخ الجوامع، في يومياتهم .. فشيخ الجامع كما يحدثنا عنه الكاتب " منظومة كاملة من الشخصيات بحكم مسؤولياته بين الناس، فهو إمام جماعات، وخطيب جُمُعات، وقائد مسيرات، وخاطب نساء وعاقد زواج وخاتم عزاء، وحلال مشاكل وفاكهة مجالس، وموجه أسري، وامين مخزن، وموزع مساعدات، وقابض معونات، ومُفسر أحلام، ومعالج نفسي وراقي من العين والسحر والحسد، وطارد للجن والشياطين من الجسد، ويفتي في الفقه والعقائد، وبعضهم يفتي حتى في علوم السياسة والاقتصاد والطب والفلك وعلوم الفضاء ! "

في مذكراته، كان صادقاً، وهو يسرد الأحداث التي وقعت معه والمشاعر التي أحسّ بها دون أن يُخفي شيئًا من الحقيقة، لم اجده خائفاً من الأحكام التي قد يطلقها عليه الآخرون، ومن احدى صور مذكراته قوله " ان شيخ الجامع (مستودع اسرار) ينفس الناس عنده همومهم، ويبثون له ما يثقل عليهم من شجونهم، اما اسرار بعض البيوت التي كانت تعرض عليّ، فحدث ولا حرج، تحترق من هولها المعدة ويطير منها العقل، وهي اسرار لا يمكن ان ابوح بها لا لصديق قريب، ولا لصاحب حبيب، وستبقى في صدري، وتدخل معي قبري، وليتني انساها فأرتاح او اتركها فتنزاح، يا لهذه البيوت كم تخفي من مصائب، ويا لتلك الجدران، كم تستر من عجائب، بعد ستر الله سبحانه .."

الخطبة الاولى ..

في مقدمته، التي اسماها " الخطبة الاولى " يقول عن ما احتواه كتابه (هذه الصور التي بين ايديكم ستنبض بالحياة اليوم، مع انها التقطت في اعوام الموت، اخرجتها لكم من صناديق الذاكرة قبل ان يحولها الزمان الى ركام، وقبل ان تندثر الى الابد شخوص بعض من كان جزءا من ذلك الحدث، راغبين او مُرغمين ..)

الصور التي يتحدث عنها المؤلف، هي صور اجتماعية يرويها للتاريخ عن مدة حرجة عشناها من تاريخ العراق، ومضى عليها اليوم اكثر من 18 عاما، وتروي فترة ( 2003 / 2004 ) وقبلها وبعدها بقليل .. وهي صور لن تُفهم بمعزل عن مسرحها وشخوصها واحداثها وزمانها، فلا هي تصلح للفهم على مسرح اليوم، ولا ما يحدث اليوم يصلح للفهم على مسرح الامس ..

وبود ومحبة، يقول المؤلف في خطبته الاولى، لأهله في وطنه العراق، تذكروا ولا تنسوا انكم في مركب واحد، وعدوكم لا يفرق في أذاه بين وفي وخائن، وشريف وماجن ونقي وشائن ..

الكتاب حمل عنوان (مذكرات شيخ جامع) لكن محتوياته، هي اوسع من ذلك بكثير، حيث ضم قراءات فلسفية ودينية وتاريخية لواقع العراق في مراحله المعاصرة، وايضا شمل فصلا مهما بعنوان (الشيخ الصحافي) عن حياة المؤلف في المجال الصحافي، وعن اسرته الكريمة، لاسيما ابيه صديقنا الجميل الزميل " علي حيدر" طيب الله ثراه، وشقيقه زميلنا مشرق علي .. لكن من المؤسف ان الحيز لا يسع هنا، للكتابة عن كافة ما جاد به قلم الكاتب من معلومات مهمة، واستقراءات جديرة بالإشارة، واظن ان من المفيد ان يطلع عليها قارئ الكتاب .

من هو شيخ الجامع ..؟

يخبرنا الكاتب، عن شيخ الجامع، كما يراه هو، وليس كما يراه الناس الذين يصفه بعضهم كجبريل، وبعضهم كإبليس، وبين جبريل وابليس عالم كامل من القصص التي يقصونها عن هذه الشخصية الجدلية .. فيقول عنه (شيخ الجامع، هو شخصية تختارها الاوقاف او متولو المساجد للقيام بأمورها .. هو موظف في الاوقاف وشيخ جامع بين الناس، يُصلي يهم المكتوبات، ويُقيم بهم الجُمعات، وينصحهم في العبادات والمعاملات) ثم يضيف (حظي الشيخ بإرث تاريخي، فيه الجميل، فهو يعلم الناس الخير، وتستغفر له حتى حيتان البحر، وفيه القبيح، فهو مضرب المثل في أكل الولائم والعقل البليد النائم، ولا ادل على ذلك من انتفاخ كرشه، وقلة قرشه وخراب عشه وضياع عرشه!)

ويلفت الكاتب نظرنا، الى جزئية في حياة شيخ الجامع، بالقول انه لا يجوز له ان ينام، فهناك من يأتيه دائما حتى في اوقات العورة الثلاث، بلا فرق بين صيف او شتاء او حرب او سلام ربما ليستفتيه أمرا او ان يحل عنده ضيفا وقد يأتيه أحدهم بعد الثانية والنصف صباحا، ويطرق بابه كالشرطة، وعندما يخرج على الطارق فزعاً وهو يقول : منو ؟ يأتيه الجواب سريعا " شيخنا عندك تابوت "

الكتاب، فيه من الاسرار ما يسحبك لقراءته بنهم وشوق، وفيه من الشواهد والاسماء والحوادث ما يثير العجب والاستغراب .. انه كتاب جامع، عن شيخ الجامع، انصح بقراءته .. فهو بمثابة دليل ميداني بأسلوب مبسط، وراق، مدعم بالأمثلة العملية المعاشة اشك ان احدا تطرق اليها وقد عمل المؤلف على أن يبدأ كل فصل في كتابه، بأمثلة واقعية ..ولستً مبالغاً بقولي ان الكتاب، الذي اعتمد على مذكرات شخصية، واستند على 317 مصدرا رصينا، وعلى 20 صحيفة ومجلة، يمكن ان يكون مفتاحا لدراسة اكاديمية .. انه بانوراما عراقية بامتياز، فكم نحتاج الى مثل هذا الجهد المجتمعي .

تحياتي لشيخ الجامع والصحفي اللامع عمر علي حيدر .

 

زيد الحلّي

 

 

نبيل عودةوجدت الكثير من الأجوبة التي أشغلتني حول الواقع الاسرائيلي في كتاب جديد ظهر تحت عنوان: "اسرائيل – مستقبل مشكوك فيه" (ישראל – עתיד מוטל בספק) صدر عن "راسلينج" 2011 – باللغة العبرية مترجما عن الفرنسية) المؤلفان هما "ريشار لأوف" باحث نشط في جامعتي "الحرة" في بريسيل و"كارنجي ميلون" في الولايات المتحدة و"اوليفيه بوروكوفيتش" باحث من جامعة "لوفن" وكان خلال عقد كامل محررا للمجلة الشهرية البلجيكية "ريغاردز" المتخصصة بالحوار الاسرائيلي - فلسطيني.

ما لفت انتباهي في الكتاب بشكل خاص هي المقدمة التي كتبها بروفسور ايلي بار- نفي، والتي وجدت فيها الجواب لواقع الأحزاب الصهيونية بعد ان دخلت اسرائيل عقدها السابع.

كتب بروفسور ايلي بار – نفي في مقدمته، ان الجميع يعرف ان الصهيونية السياسية انقسمت منذ بدايتها الى تيارات متنافسة، تمثل تيار المركز وبالأساس تيار اليسار. كل تيار انقسم الى روافد ايديولوجية مختلفة ويضيف ان كل تيار وجد لنفسه اسباب ارتباطه بالصهيونية، التي يصفها أنها ايديولوجية اوروبية وانها "هدية اوروبا لليهود" حسب قول احد قادة الحركة الصهيونية.

يصنف ايلي بار التيارات الصهيونية التي برزت في ذلك الوقت (عمليا الأحزاب الإسرائيلية اليوم هي استمرار لها)، لكنه يبدو استمرار أقرب لصورة المسخ. يكتب: "الصهيونيين الماركسييين وصفوا الضرورة العاجلة لإيقاف الهرم الاجتماعي اليهودي على قدميه (اي بناء الدولة- نبيل) من أجل افساح المجال لنشوء حرب الطبقات (الفكرة الماركسية للثورة الاشتراكية - نبيل)، هذا النشوء لا يمكن ان يتطور الا بدولة قومية (في حالتنا دولة يهودية- نبيل)، الاشتراكيين غير الماركسيين رأوا أمرا عظيما في العودة الى العمل في الأرض والعمل اليدوي. اليمين القومي اراد التوحد من جديد مع الشرف المفقود للشعب المقاتل، الصهاينة الروحانيين ارادوا ان ينقذوا اليهود من الذوبان داخل الشعوب بأن يؤمنوا لهم مركزا روحانيا في وطن الآباء".

2459 كتاب اسرائيللا ارى استمرارا صهيونيا في اسرائيل لهذه التيارات حسب منشأها. الماركسيين الصهيونيين اليهود اختفوا (يمكن اطلاق صفة الماركسيين اليهود الصهاينة، على اعضاء أحزاب مبام وإحدوت هعفودا وقسم من حزب مباي (العمل اليوم) والجناح اليهودي في الحزب الشيوعي الذي انشق بدوافع قومية (صهيونية) في بداية سنوات السبعين وكان بقيادة شموئيل  ميكونس وموشيه سنيه، كلها احزاب اختفت عن الساحة السياسية، الحزب الشيوعي الإسرائيلي يعتبر رسميا حزبا يهوديا عربيا معاديا للصهيونية، بعد الانشقاق بدأ يتحول الحزب الشيوعي بتسارع الى حزب عربي بنسبة (99%) وهو يمثل أفضل تمثيل الجماهير العربية في اسرائيل، رغم ما يعانيه من أزمة قيادة وأزمة فكرية وتنظيمية لأسباب عديدة ليست موضوعنا الآن!!

من الواضح ان كل النظريات الصهيونية تطورت في فترة سيادة مبدأ الفكر القومي الذي اوجدته الثورة الفرنسية، وأصبح نموذجا لكل المتعلمين، وكان التعريف السائد ان مميزات القومية هي اللغة، الأرض، الثقافة والذاكرة المشتركة، بفضل هذه المميزات يصبح كل شعب جديرا "بحق تقرير المصير" في اطار دولة قومية هي التعبير القانوني الأعلى لوجوده. بما ان اليهود كانت لهم عدة صفات مشتركة، اهمها لغة مشتركة هي لغة "الإيديش" (منتشرة في اوروبا والولايات المتحدة واسرائيل طبعا)، الدين الذي يعتمد على اساطير منقولة معظمها عن اساطير بلاد ما بين النهرين وتشكل جوهر التوراة اليهودية وعلى اساسها نشأت الذاكرة الجماعية حول ارض الميعاد، التي هي قصص خرافية، بينما نجد ان المجتمع اليهودي في اسرائيل متناقض في تركيبته بمجالات اساسية عديدة، الثقافة تختلف حسب اختلاف بلاد الهجرة، التقاليد تختلف، المستوى التعليمي يختلف، لا شيء مشترك مثلا بين يهود الشرق ويهود الغرب، لا لغة، لا ثقافة لا فنون لا مستوى تعليم ولا مستوى حياة ولا نهج اجتماعي. السؤال: هل يمكن ان تصبح الأسطورة الدينية قاعدة لشرعية طرد شعب من أرضه واحضار شعب آخر بدلا منه؟

نجحت الصهيونية بدعم الدول الإمبريالية بإقامة دولة اسرائيل، لننتبه ان اليسار أيضا بكل احزابه بما فيها الأحزاب الشيوعية ، وفي مقدمتهم الاتحاد السوفييتي دعموا وايدوا بحماس انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، بظنهم انها ستكون دولة اشتراكية، فالكيبوتسات التي انتشرت في فلسطين ساد انطباع عام عنها انها خلايا اشتراكية شبيهة بالكولوخوزات السوفياتية، قسم كبير منها كان تابعا لحزب مبام الذي اعلن انه حزب ماركسي لينيني ونافس الحزب الشيوعي في فلسطين على مقعد الكومنترن (المنظمة الشيوعية الدولية التي اشرفت على نهج ونضال جميع الأحزاب الشيوعية في العالم). لا بد ان أشير ان تطوير اقتصاد مشترك وعلوم الى جانب بناء جيش قوي، والتربية العنصرية بامتياز، كان وراء "النجاح" الشكلي (51% من مواطني اسرائيل عبروا عن رغبتهم بالهجرة منها) بتطوير قومية اسرائيلية – يهودية من يهود الشتات. لا اتطرق هنا للصراع المحتدم بين التيارات اليهودية ، لدرجة زرع عبوات ناسفة، وكتابة شعارات تحض على تصفية شخصيات يهودية ترفض نهج الاحتلال والاستيطان والتطرف الفاشي ضد المواطنين العرب.

ان الفوارق (والتناقض) بين اليهود في اسرائيل عميقة للغاية، في مختلف المجالات: الثقافة، العلوم، العمل، العادات الاجتماعية، الفنون، مستوى الدخل وتعامل الدولة وما تخصصه من ميزانيات واراض، هنا يبرز التمييز العميق بين ما يحصل علية الأشكناز (الغربيين) وما يحصل عليه السفراديم (الشرقيين) وليس فقط التمييز ضد العرب بشكل عام.

المقارنة مع البدايات الصهيونية تظهر ان الحياة الحزبية في اسرائيل تفقد حيويتها، الأحزاب تفقد ما يميزها، ان ظاهرة الوقوف الشامل لكل التيارات السياسية تقريبا، مع الحكومة بدون تردد، في أي أزمة ناشئة، وخاصة بموضوع الأمن والحرب، او من النزاع الإسرائيلي – فلسطيني، بحيث تصبح جميع الأحزاب في "خرج" واحد، من اليمين الفاشي والديني المتطرف وصولا الى من يدعي اليسار (ما عدا حزب "ميرتس" الصغير) هي حالة لا تشرف الأحزاب الإسرائيلية، وتظهر عبث التمييز بين حزب صهيوني يميني متطرف او ديني متطرف وحزب يدعي الإشتراكية الديمقراطية او انه يمثل خط وسطي او يسار وسط. اذا لم يكن فرق جوهري في سياسة الأحزاب العامة، لماذا اذن هذه التشكيلة الكبيرة من الفرق الحزبية؟ الجواب بوضوح، ان الوصول الى البرلمان هو مصدر رزق ومكانة اجتماعية وسياسية. ارى بذلك دافعا لتعدد الأحزاب الإسرائيلية، وليس لرؤية أيديولوجية مختلفة.

من هنا طرح مؤلفا الكتاب المذكور عنوانا مثيرا:" اسرائيل – مستقبل مشكوك فيه"!!

مجتمع يفتقد للتعددية والحوار حول قضايا مصيرية بين أحزابه، وكل معارض يوصم بالخيانة القومية، (حتى لو كان رئيسا للحكومة مثل رابين) هو مجتمع مندفع في منحدر بدون فرامل.

 

نبيل عودة

         

 

جواد عبد الكاظم محسنتأليف: الدكتور عبد الرضا عوض

لا أظن أحداً قدم لمدينة الحلة الفيحاء في العقدين الأخيرين بمقدار وأهمية ما قدمه الدكتور عبد الرضا عوض من مؤلفات وبحوث ودراسات مطبوعة عنها، وأغلبها ريادية لم يسبق الكتابة فيها أو ربما ذكرت لمحاً من دون تفاصيل في بعض المؤلفات القديمة، كما لم يتعرض مؤلف باحث لمثل ما تعرض له من سرقات، بلغت حد سرقة بعض مؤلفاته بالكامل، وظهورها بأسماء سارقيها!!

وأحدث كتاب للدكتور عوض صدر هو ما صدر قبل أيام بعنوان (الشيخ يوسف كركوش باحثاً ومؤلفاً ومؤرخا ونحوياً 1906- 1990م الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام، ويقع في (224) صفحة من القطع الكبير، وهو أول كتاب يصدر عن أشهر مؤرخي الحلة في العصر الحديث، بل وأول من ينصفه، ويكتشف ما وقع عليه من حيف، سواء بسرقة جهوده ومؤلفاته، أو بالنقل عنه حرفياً من دون اسم اسمه، أو حتى التحامل عليه في حياته!!

قسّم المؤلف كتابه إلى خمسة فصول، وسبقها بكلمة إهداء وإضاءة ومقدمة ذكر فيها سعي (الشيخ يوسف كركوش باجتهاد ذاتي على تدوين تاريخ الحلة منذ تمصيرها سنة 495هـ/1011م على يد الأمير صدقة بن منصور الأسدي)، وتعرضه (إلى ظلم واضطهاد وتعسف قابله بالصبر والتحمل، ولم يُنصف في حياته، وحتى بعد مماته؟)، أقول ولعل في هذا الكتاب وموضوعية وشجاعة ما ورد فيه إنصاف وإن كان متأخراً للشيخ كركوش وجهوده في خدمة مدينته الحلة وما طرحه من آراء علمية وفكرية.

2456 يوسف كركوشتضمن الفصل الأول من الكتاب ومضات من حياة الشيخ يوسف كركوش المولود في مدينة الحلة سنة 1906م، ونشأته فيها، وكان أمنية والده أن يرسله إلى النجف الأشرف للدراسة إلا أن استشهاده في الحرب العالمية الأولى قد أخر من تحقيق هذه الأمنية، ثم أرسله شقيقه الأكبر الذي تولى رعايته إليها فدرس خمسة أعوام قبل العودة إلى مدينته، وكان قد أخذ العلم على يد نخبة من العلماء الفضلاء في النجف الأشرف والحلة.

ومن المنعطفات المهمة في حياة الشيخ يوسف كركوش جلب السيد عبد الرزاق الحسني مطبعة إلى الحلة، وإصداره جريدة الفيحاء سنة 1927م، وكانت له حلقة درس في جامع آل الماشطة، وصدر سنة 1936م أمر تعيينه معلما في مديرية معارف لواء الحلة، وانتمى إلى نقابة المعلمين التي أسست في الحلة سنة 1959م، وكان ضمن الهيأة المؤسسة لاتحاد الأدباء في مدينته في السنة نفسها، وارتبط بعلاقة وطيدة مع معاصره الدكتور علي جواد الطاهر،، وقد اعتمدته المحكمة خبيراً شرعياً للفصل في القضايا والنزاعات الزوجية.

وكان للشيخ كركوش حضور ثقافي واضح ونشاطات عديدة في مدينته الحلة، ولعل من أبرزها بل وأخطرها انتماؤه لمنظمة (أنصار السلام)، وقد عرفه الجميع بأفكاره التقدمية ـ فاعتقل بعد انقلاب شباط الأسود سنة 1963م و(لاقى ما لاقى من تعذيب وهوان) قبل أن يفرج عنه!!

ويتحدث المؤلف عن مكانته العلمية، فيقول (لا أعتقد أن أحداً يحاول الكتابة عن تاريخ مدينة الحلة من دون أن يمر بمؤلفات الشيخ كركوش، فقد أصبحت دليلاً للكثير من الشخصيات العراقية في بحوثهم، كما وقفت تلك المكانة وراء بحث ونشر كتب عدد آخر يخص جوانب مهمة من حياتنا)، وهذه خلاصة لكلمة حق طويلة عن جهود الشيخ كركوش وردت في الكتاب.

ومما يدل على مكانته العلمية العالية تراجع الدكتور نعمة رحيم العزاوي وهو أكاديمي كبير ومتخصص في اللغة العربية في جريدة الجمهورية سنة 1995م في موضوع (محاولة تيسير) النحو بعد اختلاف عاصف من قبل مع الشيخ كركوش منشور في مجلة (المعلم الجديد) سنة 1959م!!

وكانت هذه الحادثة واحدة من الظلامات العديدة التي وقعت على الشيخ يوسف كركوش خلال حياته، ولعل الأشد منها ؛ ما رواه حفيد نقلاً عن والده الذي كان شاهد عيان عن مجيء أحد طلبة الدراسات العليا في الستينيات إلى الحلة (الدكتور عبد الجبار ناجي) ليطلب مساعدته في رسالته عن (الإمارة المزيدية في الحلة)، وقد اصطدم بقلة المصادر، وقد علم إن للشيخ مخطوطاً عن تاريخ الحلة، ويود الاطلاع عليه، فكان جواب الشيخ ((أنا لا أستطيع أن أمنع عنك أمراً علمياً كهذا، ولكن اعلم أني قضيت أكثر من خمس عشرة سنة في جمع مفردات هذا الكتاب فإن استعنت بأي جزء منه أود أن تشير إلى إن الكتاب مخطوط))، وسلم المخطوط إلى الطالب صاحب الرسالة، الذي استخدمه كأهم مصدر حصل عليه واعتمده، ولكنه – للأسف الشديد - لم يذكره أو يشر إليه!!

وعن أهمية كتاب (تاريخ الحلة)، ينقل المؤلف رواية عن الشيخ كركوش نفسه، إنه بعد اتمامه للكتاب حمله إلى استاذه في النجف الأشرف الشيخ أغا بزرك الطهراني، لمراجعته وإبداء رأيه وبعد أسبوع عاد له، فطلب أستاذه منه أن يقف عند الباب ونهض إليه على كبر سنه، وقبله من جبينه، وهو يقول له (إنك يا شيخ يوسف قد أنجزت بعملك هذا شيئاً جليلاً جمع تاريخ هذه المدينة ومنع ضياعه في الكتب).

ويذكر المؤلف أن للشيخ يوسف كركوش مراسلات عديدة، ولكنها للأسف الشديد فقدت بمرور الزمن من مكتبته لعدم الاهتمام بها وحفظها، وبذلك خسرت الحلة تراثاً مهماً مما ورد فيها من أخبار وإشارات ومعلومات تبادلها مع أعلام عصره.

وتناول المؤلف في الفصل الثاني (التكوين الفكري والثقافي) للشيخ يوسف كركوش، واستعرض نشأته في مدينة الحلة، وصفاته، والبيئة التي عاش فيها، وأصحابه وهم النخبة المثقفة، والكتب والمجلات التي استهوته في بداية حياته وواظب على قراءتها، وبداية نشاطاته الثقافية، ولقاءاته مع الآخرين، وتوقف عند مصادره التاريخية فذكرها بالتفاصيل.

أما الفصل الثالث فقد خصصه المؤلف للحديث عن آثاره الكتابية، وقصة كل واحد منها، وكانت أول تلك الآثار كتابة (مختصر تاريخ الحلة) المطبوع في مطبعة العرفان بمدينة صيدا سنة 1934م، وبتقديم من المؤرخ العراقي الكبير عبد الرزاق الحسني.

ثم جاءت مؤلفاته الأخرى، وهي (رأي في الإعراب) المطبوع في مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة 1958م، وقد أعيد طبعه في دار أسامة بمسقط بتحقيق الدكتور سعيد الزبيدي سنة 2004م بعنوان (نحوي مجهول في القرن العشرين الشيخ يوسف كركوش وكتابه رأي في الإعراب).

وثالث كتبه وأكثرها أهمية وشهرة كتاب (تاريخ الحلة) بجزأين المطبوع في المكتبة الحيدرية في النجف الأشرف سنة 1965م، تناول في الجزء الأول (التاريخ السياسي) لمدينة الحلة، وفي الجزء الثاني (الحياة الفكرية في الحلة)، وقد اهتم بهذا الكتاب الكثيرون واعتمدوه في مؤلفاتهم حتى وإن لم يذكروا ذلك.

ورابع كتبه (كشف الغطاء عن كتاب فقهاء الفيحاء) المطبوع في مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة 1964م، وهو تصويبات لما وقع من هنات في كتاب (فقهاء الفيحاء أو تطور الحركة الفكرية في الحلة) لمؤلفه السيد هادي كمال الدين والمطبوع سنة 1962م.

وخامس مؤلفاته وهو مخطوط كتاب بعنوان (تاريخ الأسرة المرجانية وأعلامها)، ولم يقف عليها المؤلف، لكنه وجد ذكراً لها في كتاب (صفحات مرجانية) للحاج محمود مرجان.

ونقل المؤلف في هذا الفصل (نماذج من كتاباته في الصحف والمجلات)، وهي كتابات رصينة تعكس ثقافة وعلمية وسعة إطلاع كاتبها في الموضوعات التي تصدى للكتابة عنها.

ولأهمية كتاب تاريخ (الحلة) للشيخ يوسف كركوش وما كتب عنه، فقد خصص المؤلف الفصل الرابع لما وقف عليه من (آراء في كتاب تاريخ الحلة)، وهي آراء جديرة بالقراءة والتمعن، أما الفصل الخامس والأخير فقد جعله المؤلف لوقائع الحفل التأبيني الذي أقيم له بمناسبة أربعينيته يوم الجمعة 12 تموز 1990 في مجلس الحاج محمود مرجان قرب حديقة الجبل في مركز مدينة الحلة، وما قيل عنه من المؤلفين والأدباء والأعلام، وأضاف للكتاب ملحقاً من الصور النادرة والوثائق المهمة.

 

عرض: جواد عبد الكاظم محسن

 

 

 

علجية عيشخطة الماسونية والصهيونية لنشر البهائية

(كتاب "الأقدس" حرّف واضعوه القرآن ودعوا إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين)

(من تعاليم البابية (البهائية) إلغاء حضور الوليّ في الزواج)

من البابية إلى البهائية صورة تسلط الضوء عن أخطر مذهب خالف تعاليم الإسلام وادعى أحد مؤسسيه أن النبي محمد (ص) لم يترك للمسلمين سوى القرآن فقاموا يتحريف آياته وكان زعيمهم وهو المدعو حسين المازندراني المدعو " بهاء الله" قد أعلن النبوة ثم قال أنه لا إله إلا هو، وتمكن من نشر دعوته بدعم من جاسوس روسي يعمل لصالح الماسونية والصهيونية، فاتبعه عدد كبير من السذج، عقدوا مؤتمرهم من أجل طمس تعاليم الإسلام كدين الفطرة والعقل والعلم والنظام والرحمة والعدل وإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والتمهيد للإعتراف بالصهيونية كحركة عالمية ولكن كانت نهايتهم القتل والنفي والخزي والعار

هذه هي البهائية كتيب يكشف فيه صاحبه عن مراحل إنشاء "البهائية" التي تعد من أخطر المذاهب على الإسلام فكرا وممارسة، فيه كثير من الغموض، ويطرح عدة تساؤلات أولها من هو مؤلف الكتاب؟ لأن ما جاء في الكتيب هو خلاصة لمذكرات كتبها جاسوس روسي، ولعل صاحب الكتاب هو الجاسوس الروسي دنياز دالكوركي هو الكاتب نفسه، حيث كشف في مذكراته عن علاقته بالشخصيات التي أسست لهذا المذهب وكيف ساهم هو في غرس هذه الشجرة الملعونة، والسؤال الثاني هو: لماذا أوصت الهيئة العليا للدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بطبع هذا الكتاب ونشره وما هدفها من ذلك؟ والسؤال الثالث ما مصلحة دار لقمان للنشر والتوزيع تونس التي تكفلت بنشر هذا الكتيب؟ وهل كانت مأمورة من طرف الهيئة السالفة الذكر؟ والسؤال الرابع كيف تم تسويق هذا الكتاب، وما علاقة مكتبة خنقي عبد الكريم بهذا المشروع؟، لأن الكتاب مؤشر عليه ختم هذه المكتبة وبلون أخضر، للعلم أن هذا الكتاب طبع في جويلية 1978 وسحبت منه 2000 نسخة عدد 12، أي 24 ألف نسخة تم طبعها.

2433 البهائيةيضم الكتيب31 صفحة، كتب بخط صغير جدا ( 12) واحتضنته كل المكتبات حتى وصل إلى سوق الكتب في الجزائر (قسنطينة)، في وقت لم تكن فيه الرقابة على الكتب في الجزائر مشددة مثلما نشهده اليوم، بحيث منعت كتب من تسويقها داخل الجزائر في التظاهرات الثقافية الدولية (صالون الكتاب الدولي) على غرار الكتب التي تتحدث عن الفكر الشيعي والمذاهب أو العقائد الأخرى، ومنعت الطلبة المختصين في مقارنة الأديان الإطلاع على ما يقوله الطرف الآخر، في إجراء بحوثهم العلمية، ماعدا قلة منهم سمحت لها الظروف بالسفر إلى البلاد العربية (العراق، إيران) وزيارة مكتباتها من أجل الوقوف على المراجع والمصادر العلمية التي تناولت المسائل العقدية وأخبار العلماء، وهذا منذ ظهور الفكر الأفغاني المتطرف في الجزائر الذي تسبب في مقتل مئات الأبرياء فيما عرف بالعشرية السوداء.

فالبهائية مشروع خططت له الماسونية السرية والصهيونية العالمية لطمس معالم الدين الإسلامي ودفع المسلمين إلى التخلي عن دينهم من خلال تحريف القرآن وإصدار فتاوي لتغيير أركانه كتقليص عدد الصلوات وترك الصيام وغير ذلك، كما يهدف هذا المخطط إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، السؤال الذي يفرض نفسه ويلح على الطرح هو: لماذا اختارت الماسونية الروسية والصهيونية العالمية العراق بالذات لنشر بذور هذه الشجرة، وهي المعروفة بمهد الحضارات والعلم والمعارف، خاصة وأن ما جاء في مقدمة الكتاب أن المبشر الأول لهذا المذهب أو العقيدة إن صح القول رجل مجهول الأصل والنسب والمولد والمنشأ، ما قيل عنه أنه كان قسّيسا، ادّعى أن اسمه كاظم الرشتي نسبة إلى رشت وهي قرية من قرى إيران، رغم أن أهل رشت لا يعرفون عنه شيئا، وهذا ما يؤكد أن هذا الشخص لا هو عراقي ولا هو إيراني، ولا هو مسلمٌ وقد يكون يهوديا مكلف بمهمة.

مؤسسو هذه العقيدة جماعة من بينهم امرأة أسماؤهم كالتالي:

1- كاظم الرشتي الرجل الأول الذي وضع المخطط الماسوني الصهيوني

2- حسين البشروئي نسبة إلى بشرويه إحدى قرى خراسان ويلقب بكبير التلاميذ للمدعو كاظم الرشتي ويلقب بباب الباب

3- أمُّ سلمى بنت صالح القزويني، حملت عدة ألقاب فقد لقبها أبوها بزرين تاج، وكانت مدللة عنده، لا يرفض لها طلب، راسلت كاظم الرشتي ولقبها هذا الأخير بـ: "قُرَّةُ العين" وبطلب منه حضرت إلى كربلاء لمباشرة حملتها التبشيرية

4- علي محمد رضا الشيرازي يقال انه كان ينتمي إلى الشيعة الإثنا عشرية ثم انفصل عنها

5- محمد علي البارفروشي الملقب بالقدوس،

وقد كثر عددهم إلى أن أصبحوا 19 عنصرا ناشطا، وقد تبين أن وراء هذا المخطط جاسوس روسي اسمه كنياز دالكوركي، كان يعمل مترجما بالسفارة الروسية في طهران، ادعى أنه اعتنق الإسلام، درس اللغة العربية والفارسية واصبح يلازم مجلس هؤلاء الأشخاص الذين وقعوا في فخه لسذاجتهم وضعف شخصيتهم، حيث تمكن هذا الجاسوس من غرس هذه الشجرة الملعونة في أرض الأمة الإسلامية، والطعن في الشيعة الإثنا عشرية المحسوبون على أهل البيت، كما اعتمد هذا الجاسوس على رجل آخر اسمه حسين علي المازندراني من أصل إيراني وقد منحه الجاسوس الروسي لقب "البهاء" .

مؤتمر بدشت من أجل نسخ دين الإسلام

بدعم من الجاسوس الروسي تحوّل محمد علي الشيرازي إلى باب المهدي المنتظر، ومن باب المهدي إلى المهدي نفسه، ثم ادّعى أنه الممثل الحقيقي لجميع الأنبياء والمرسلون، زاعما أنه يجمع بين اليهودية والنصرانية والإسلام ولا فرق بين الديانات الثلاث، وهو ما تخطط له الماسونية بالضبط وهو جمع الأديان في دين واحد، وبحكم عددهم ( 19 عنصرا) فقد عملت هذه الجماعة على تغيير أحكام الشريعة الإسلامية، فأوّل ما قامت به هو جعل عدد شهور السنة 19 شهرا، والشهر 19 يوما، كما اعتبر الشيرازي اليوم الذي أعلن فيه دعوته هو بدء التاريخ، وجمع جملا متناقضة مملوءة بالأكاذيب والسفسطات وجعلها أساس دينه الجديد وسمّاها "البيان"، كما ألغى الصّلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة الجماعة إلا في الجنازة، وجعل الصوم لمدة 19 يوما فقط وقال أن القِبلة el-qibla هي البيت الذي ولد فيه شيراز أو البيوت التي يعيش فيها هو وأهله، فكانت هذه البيوت هي الحج الذي يقصده كل من آمن بعقيدته وانخرط فيها، كما ألغى حضور الوليّ في الزواج، إلى غير ذلك من الأحكام الغير شرعية والتي لا يقرها عقل.

و لما انتشرت دعوته ووصلت اسماع علماء شيراز في عهد الوالي حسين خان، ثاروا على دعاة البابية فأمر الحاكم بإحضاره وأودعه السجن إلى حين محاكمته، ثم استدعاه من جديد وقابله بعلماء شيراز، فخاطبهم بأن النبي محمد خاتم لنبيين لم يترك للأمة سوى القرآن وأن كتابه البيان لا بديل عنه ولما اطلع علماء شيراز على كتاب البيان وقفوا على الإنحرافات التي جاء بها الشيرازي، فتعرض للتعذيب وهو معلق من رجليه، ثم أعيد به إلى السجن، بيد أن الجاسوس الروسي وبواسطة جاسوس آخر تمكن من تهريبه إلى أصفهان، وتحدث الجاسوس الروسي في مذكراته (كما جاء في هذا الكتيب) عن أحداث مؤتمر بدشت بالصحرء الواقعة على نهر شاهرود بين خراسان ومازندران برئاسة حسين البشروئي (باب الباب) والقدوس ومعهم قرة العين ، فجمعوا كل أنصارهم في هذا المؤتمر من أجل إخراج الباب من السجن، وهو في الحقيقة من أجل نسخ دين الإسلام ولكن كل مساعيهم ومخططاتهم باءت بالفشل، حيث استقر رأي الحكومة والعلماء على وجوب قتله مرتدا، فتم إعدامه وتركت جثته في خندق طعاما للوحوش.

نهاية قرة العين والمازندراني

أما قرة العين فقد نفيت إلى بغداد، فاقامت في بيت محمد شبل الكاظمي وأفسدت دينه وأمالته إلى البابية، فأمر نجيب باشا والي بغداد بوضعها تحت الرقابة ثم تم إعدامها بأمر من الشاه ناصر الدين، هكذا انتهت حياة هذه العصابة، لكن المخطط لم يتوقف، حيث استمر الجاسوس الروسي في تنفيذ مخطط الماسونية والصهيونية لزرع الفتنة بين المسلمين، فاستأنف من تبقى من عناصر هذه العصابة نشاطهم من خلال تنظيم تشكيلات جديدة في بغداد وبدعم من السفارة الروسية، إلى أن حققوا مشروعهم وهو الإنتقال من البابية إلى البهائية رغم الخلافات التي دارت بينهم انتهت بفرار البابيين من إيران إلى العراق، ولما كانوا يمثلون خطرا على الأمة، طلب شاه إيران من الخليفة العثماني طردهم من العراق، فاستجابت الدولة العثمانية لذلك وأصدرت أمرا بنفي حسين المازندراني وشقيقه يحي وأتباعهما، خاصة بعدما أصدر حسين المازندراني كتبا بعدما أمّدته الصهيونية بلقب "بهاء الله"، كما وقع صراع بين الأخوين وانشق كل منهما عن الآخر فكان لكلاهما أتباع وأنصار، فأنصار يحي سمّوا بالأزليين، وسمي انصار حسين بهاء الله بالبهائيين، وقد حاول بهاء الله أن يقتل أخاه بواسطة السم، لكن محاولة الإغتيال بلغت اسماع الحكومة فقامت بنفي يحي إلى قبرض ونفي حسين إلى عكا بفلسطين.

بدعم من الماسونية والصهيونية واصل حسين المازندراني (بهاء الله) دعوته إلى دينه الجديد، حيث ادّعى أنه المسيح، وأنه يرتدي لباس النبوة، ثم قال أنه إله السماوات والأرض، أي أنه هو الله (والعياذ بالله)، من رسائله رسالة "الإيقان" ورسالة "الإشراق" طبعتا في مصر، والكتاب الثالث بعنوان: "مجموعة الألواح" في هذا الكتاب خاطب المازندراني بهاء الله شخصا اسمه عبد الوهاب قائلا: "يا وهاب إذا اجتذبك ندائي الأحلى وصرير قلمي الأعلى قل الهي الهي...، يا قلمي الأعلى، بدل اللغة الفصحى باللغة النوراء"، ثم يأتي كتاب "الأقدس"، وهو أهم كتاب عند البهائيين، ألفه حسين المازندراني في آخر أيامه بعكا قبيل هلاكه،طبع في مطبعة الآداب ببغداد لأول مرة عام 1349 هجرية 1931 ميلادية ويقع في 53 صفحة بالقطع المتوسط، يدعو في هذا الكتاب إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والتبشير بالصهيونية.

و كما جاء في العدد 186 من كتابه الأقدس يؤكد فيه أنه الله، إذ يقول: "قل يا ملك برلين أن استمع النداء من الهيكل المبين إنه لا الله إلا أنا الباقي الفرد القديم" وهو بهذا يطلب من الحكومة الألمانية الإعتراف به والتمهيد لليهود الألمان خدمة للصهيونية، وقبل هلاكه ترك وصية لإبنه عباس وهو أكبر أبنائه وقد أطلق عليه لقب "عبد البهاء" بأن يتمم مسيرته في نشر البهائية، واستجاب الإبن الأكبر لوصية والده، إلا أنه وقع نزاع كبير بينه وبين إخوته الثلاثة، فأعلن إيمانه ببنوة عيسى عليه السلام لله، كتمهيد للدعوة للتجمع الصهيوني وتحقيق مشروع إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وظل على حاله تلك حتى توفي في الثامن من نوفمبر عام 1921م عن 78 سنة.

 

قراءة علجية عيش

 

 

علجية عيشصور النضال ضد البيروقراطية عند المفكر السلوفيني إدوارد كارديلي

(قراءة في كتاب)

الجديد في عالم اليوم هو مقدرة الإنسان على تغيير العالم والظروف الموضوعية للحياة والوسائل الأكثر كفاءة المتاحة له لتحقيق هذه الأهداف، وباختصار فإن الجديد هو الإتساع المدعم لا للإرادة فقط، وإنما لقوى الوعي البشري الذي اكتسبه الإنسان أو يمكن أن يكتسبه من خلال علاقات جديدة وتحكم متناه في قوى الطبيعة، وهنا تشن المعركة الفاصلة من أجل الإنسان وتحرير المجتمع وإضافء عليه  الصبغة العلمية، في كتاباته وضع  المفكر الإشتراكي إدوارد كارديلي تصورا جديدا للديمقراطية الإشتراكية، كما صوّرالنضال ضد البيرقراطية وكيف يكون الإنسان صانع قرارات، وهنا يمكن أن نفتح قوسا ونقول أن الكثير من لا يفرق بين الإشتراكية كنظام اقتصادي وبين الشيوعية كإيديولوجيا

هي رؤية إنسانية طرحها  المفكر الإشتراكي إدوارد كارديلي في كتابه بعنوان: " في النقد الإجتماعي" ترجمه أحمد فؤاد بديع، مقدما في ذلك أمثلة من الواقع وهي أمثلة  محسوسة يدركها كل إنسان،  فقد كانت الإنسانية الجوهر والهدف معا لكل نزعة إنسانية  مخلصة سواء في الأزمنة القديمة أو الحديثة، والإنسانية هي لب النزعة الإنسانية  الإشتراكية، يقول كارديلي أن الأمر يتطلب حكمة بالغة كي نؤكد أن المعدة الممتلئة هي أفضل علاج للجوع وأن الصحة خير بديل للمرض، فالمرء يجب ان يحصل على الطعام كي يخفف من وطأة الجوع وعلى الدواء كي يحارب المرض، بيد أنه عند معالجة المسائل التعلقة بوجود الإنسان مثل الإنسانية والحرية، فإن الوعي البشري الحديث يفضل الفرار إلى عالم المضاربة الذاتية الذي يمكن إيجازه في التأكيد بأن الحرية هي افضل علاج للعبودية والإنسانية للإنسانية،  ولذ نجد الإنسان في صراع دائم لبلوغ هذه الأهداف.

و الكاتب كارديلي عرف بنشاطه السياسي  داخل الحركة العمالية ودخل السجن عدة مرات بسبب مواقفه الساسية،عاش حياته كلها باسم مستعار  بسبب ملاحقة الشرطة له، عندما كان أحد منظمي حركة للتحرر الوطني إلى جوار تيتو، ضد قوى الإحتلال الفاشية، وكان عضوا في  هيئة أركان الحرب العليا لجيش التحرير الوطني واشرف على تنظيم الإنتفاضة الشعبية في سلوفينيا وكرواتيا، كما انتخب نائب رئيس اللجنة القومية لتحرير يوغسلافيا (الحكومة المؤقتة) وكان من بين الذين أرسوا أسس يوغوسلافيا الجديدة، وإلى جاني نشاطه العسكري اهتم كارديلي ببحوثه في حقوق الإنسان لاسيما الطبقة العمالية، مع تحليله للديمقراطية الشعبية بوصفها شكلا من أشكال الدكمتاتورية البروليتاريا، ليشير في ابحاثه إلى تطور الديمقراطية الإشتراكية وتدعيمها، كانت له مشاركات عديدة في وضع الدستور الجديد ليوغسلافيا، في كتاباته يؤيد كارديلي غقامة تعاون أوسع وأكثر ديمقراطية فيما بين الأمم على قدم المساواة، كما يؤيد تقدم كل الأمم والبلاد بصرف النظر عن أنظمتها السياسية والإجتماعية والحكومية وذلك من اجل غحلال السلام والتعايش السلمي بين الشعوب.

الراسماليون حاولوا إغراء الإنسان على نبذ كل ماهو إنساني

فمن خلال النظرية الكارديلية يلاحظ أن الفكر الإشتراكي حدد شرطين أساسيين لإستمرار الحياة الإنسانية وهي الجوع والمرض،  وكيف يمكن مواجهتهما من أجل إنقاذ البشرية وتحقيق التقدم الصحيح باعتبار أن هذين الشرطين من الضروريات ومن ثم تحرير المجتمع والإنسان من كل ما هو غير إنساني، عكس الرأسمالية التي جعلت الربح هو رأس مال الإنسان مهما كانت الطريقة والوسيلة، وبالتالي يمكن القول ان الفكر الرأسمالي قضى على الوجود الإنساني، لأنه يرى الإنسان كأداة، وقد أفقدته المادة الإتصال بكل ماهو إنساني، لدرجة أن الراسماليون حاولوا إغراء الإنسان على نبذ كل ماهو إنساني، اي جعل الإنسان على صورة ليست صورته بعدما تحول إلى عبد للمادة وداس على كل المقدسات، الأسوأ من ذلك كله هو أن بعض الرأسماليين أو عُبَّادُ المادّة كما يمكن وصفهم جعلوا انفسهم وُعَّاظًا لكن في حقيقة الأمر فإن مواقفهم تتناقض مع الأخلاق والإنسانية تناقضا تاما مع دورهم الفعلي في التطور الإجتماعي، فقد خلق الرأسماليون ظروفا اجتماعية، اقتصادية وسياسية تولدت معها البيروقراطية وتولد الأخطار التي تمثلها البيروقراطية.

حاول كارديلي أن يشرح في كتابه صور النضال ضد البيروقراطية وكيف يكون الإنسان صانع قرارات، كما وضع كارديلي تصورا جديدا للديمقراطية الإشتراكية، وكان يرى أن تحقيق الوجود الإنساني يجب أن يتبعه نضال ضد الإستعمار الإقتصادي، والملاحظ من خلال كتاباته أن كارديلي اعتمد في بحوثه على الأسلوب النقدي لواقع المجتمع في الدول المتخلفة فكان نقده، نقدا للنقد نفسه،  للرد على النقاد الذين أولوا اهتماهم بـ: "الإنتلجنسيا" ويرون أن هذه الأخيرة (أي الإنتلجنسيا) هي الدفاع عن البيروقراطية، وقالوا إنها الضمير النقدي للمجتمع أو بعبارة أخرى، صانعة الأهداف الإجتماعية العليا، وأن الصراع ضد الحكم الذاتي الإجتماعي هو من أجل اغتراب الإنسان، إذ يقول: إن البيروقراطية والتشويهات السياسية المعادية للديمقراطية هي بالتحديد نتاج  لهذا الإغتراب، ويكون ذلك تحت ضغط البراغماتية الضيقة الأفق، ويبدو أن كارديلي من أكثر المدافعين على أفكار ماركس، عندما قال أن ماركس غايته أن يفتح آفاقا جديدة للبحث أو التطبيق العملي للعلم، وأن الماركسية تكمن في نقد المجتمع الرأسمالي وإيديولوجيته، واكتشاف سلسلة من القوانين الإجتماعية التي تسمح للإنسان أن يمارس وعيه، مستندا على مُسَلَّمَتِهِ الشهيرة القائلة بأن الفلاسفة لم يقدموا حتى الآن سوى تفسير العالم بطرق مختلفة، بيد أن الأمر الهام هو تغييره، وهذا يعني أنه ينبغي نقد كل ماهو قائم بصرف النظر عن الموقع الذي ينطلق منه النقد.

الصراع بين المثقف والسلطة هو صراع رأي

 الهدف من هذا النقد، هو أن يتحمل المرء نصيبه من المسؤولية عن الآخرين، إذ لا يمكن التهرب من المسؤولية إلا إذا رفض الإنسان تحملها، يوضح كارديلي أن الذين يفضلون السلبية ويظلون سلبيين خوفا من ارتكاب خطأ  ما، هم أطكصثر خطأ ممن يعملون ويرتكبون أخطاء، لأن الممارسة الإجتماعية تظهر الأخطاء وتعلم كل إنسان كيف يصححها، فليس هناك ما هو أكثر أخلاقية من أن يتحمل الإنسان المسؤولية بشجاعة، كما ليس هناك ما هو أكثر معاداة للأخلاق من أن يتنصل المرء من المسؤولية بالإنسحاب، وجب هنا التفرقة بين النقد الهدام الذي لا يعرف المهادنة والنقد الخلاق الذي يجمع الشمل ويضيق شقة الخلاف، ويدعم الظروف الملائمة لنجاح التعايش السلمي، كما أن اللغة بين النقدين مختلفة تماما، أي أن هناك دائما أندادا بينهما صراع رأي (المثقف والسلطة)، فمن وجهة نظر كارديلي فإن الإنسان لا يستطيع أن يغير العالم وأن يغير نفسه وفقا لصورة مقدسة  مرسومة ومستقرة في داخله، بل يستطيع فعل ذلك عن طريق تغيير الأشياء من حوله، وبذلك يُعَبِّدُ الطريق أمام علاقات بشرية مختلفة لأن ما تخلقه يد الإنسان لا يمكن أن يكون كاملا أو مثاليا، وهكذا بالمثل لا يمكن أن تكون الحرية  أو الإنسانية كاملة.

و بالعودة إلى فكرة الإنتلجنسيا، فإن أيّ مجتمع ما  يبحث بوعي  عن وسائل وطرق التقدم والرقي الحضاري لا ينبغي عليه أن يبخس دور المثقفين بل ينبغي عليهم جعمهم  كمًّا وكيفًا باعتبارهم قسم من المجتمع مهما كان نوع النظام الذي يعيشون فيه، أكان نظاما اشتراكيا أو رأسماليا، فعكس المثقف الذي يعيش في نظام  اشتراكي، نظام يتسم بالحرية والديمقراطية  والعدالة، فالمثقف في النظام  الرأسمالي  يكون مسلوب الإرادة والحرية في التفكير والإبداع وإبداء الرأي واتخاذ القرار، فهو تحت الضغوط يبيع جهده وقوة عمله الفكرية  المتخصصة  للسلطة، فتتوهم أنها القوة الإجتماعية القائدة ولها دور قيادي، حيث تمارس الإحتكار السياسي والإداري في كل مجالاته، وبدلا من أن يكون المثقف صاحب الدور القيادي في المجتمع بوصفه الضمير النقدي للمجتمع، نجده إمّا ملاحق ومتابع قضائيا بسبب مواقفه وإمّا أن تضعه ين خيارين : أي أن يكون منزويا في مكتبه يتأمل ما يحدث من بعيد وليس له حق المشاركة أو إبداء الراي وصنع القرار أو أن يكون اقرب إلى الصعلكة اي تخلق مهه مثقفا صعلوكا، ببيع نفسه من أجل المنصب والمال، وتنظع عنه الصورة المثالية للمثقف المتوحد والمناهض لكل ضروب الطاعة والامتثال لغير مرغوب فيه.

فالسلطة ترى أن رسالة المثقف هي التعليم والنشاط الثقافي، ماعدا ذلك لا يحق له أن يقحم نفسه في المجالات الأخرى وبخاصة الجانب السياسي، وتتجاهل ان دورهم هو ان يكونوا احد العوامل الخلاقة التي ترفع وعي الشعب ليدرك اين تكمن مصالحه الإجتماعية التاريخية والسياسية ايضا وتساعده على تطتشاف طرق ووسائل تحقيق هذه المصالح، ولإبعادهم تعمل السلطة على أن  تبخسهم دورهم وتمنعهم من  تقدم الصفوف، وقد رفعت شعار: الثقافة للمشتغلين بالثقافة"، وهذا يعتبر انعكاس لمستوى التطور الذي وصل اليه الوعي الإجتماعي وللمستوى الثقافي للمجتمع، لأنها لا ترى في المثقفين كصفوة، بل كجماعة أو جمهور متجمع في جماعات، كما تسعى أن تستبدل الصفوة الحقيقية من المفكرين والمبدعين وأصحاب الرأي أو رجل الإجماع بصفوة بيروقراطية لها وهي بالتالي تسعى لنفي الدور الإجتماعي التاريخي والسياسي والقيادي لمصالح الإنسان والنخبة المثقفة، لأنها تريد أن تشكل حكومة بيروقراطية.

 

قراءة علجية عيش

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن النظرة الصوفية كما جسدها الدكتور كمال جعفر في كتابه " التصوف طريقا وتجربة ومذهبا"، وهنا نركز علي موقفه من التصوف والحضارة، وفي هذا يقول الدكتور جعفر:" يري بعض الباحثين أن ذيوع التصوف يتبع مباشرة تدهور الحضارات المتطورة في آخر مراحلها. ويري أنه في مثل هذه الأوقات – كما كان في الهند القديمة، وفي العالم الروماني والإغريقي، وفي القرون الوسطي في ألمانيا، وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر في فرنسا – في مثل هذه الأوقات تخبو الرغبة الصحيحة في الحياة لدي بعض الموهوبين ذوي العقول النبيلة والمشاعر المرهفة، وينقطع الرجاء في حياة مستقبلة ممتعة، وتنهدم القيم الملوسة والأهداف والأعباء التي تفرضها الحياة (1).

والذي يفهم من هذا الرأي ببساطة كما يري الكاتب هو أن نضج التصوف وتطوره يصاحب دائماً تدهور الحضارة، أي أنه لا يمكن أن تكون هناك حضارة متقدمة وزاهية يصاحبها تصوف ناضج مكتمل.. وقد يضيف مثل هذا الباحث إلي ذلك تعليلاً عقلياً يحسبه مرضياً، وهو أن الرجل التقي الورع بما أنه غير راض عن العالم وعظمته وبهجته، يشعر بأنه غريب علي هذه الأرض، وبأنه مشدود إلي بدنه، الذي يعتبره سجناً وقبراً، ومن ثم تهفو هذه النفس السجينة إلي التخلص والحرية، لتحلق في الآفاق السماوية التي منها أتت. ويري هذا التقي أن الوسيلة إلي ذلك هذه النفس من شباك هذا العالم الخارجي والانطلاق أو الانسحاب داخليا إلي باطن أعماق النفس (2).

ويلاحظ الكاتب أن الباحث يناقض نفسه في مواضع كثيرة من كتبه؛ لأنه يري في مكان آخر أن حركة التصوف ليست إلا ثمرة لرد فعل مضاد لحركة التقدم الحضاري والانغماس في ملذات الحياة وترفها؛ أي أن حركة التصوف قد تصاحب الحضارة والانغماس في ملذات الحياة وترفها؛ أي أن حركة التصوف قد تصاحب الحضارة في عنفوان شبابها. ويرجع هذا التناقض فيما تعتقد إلي غموض مفهوم كلمة الحضارة في هذا المضمار. فمقاييسنا المثالية لا يمكن أن تعد تهافت الإنسان علي إشباع نزواته وشهواته الميسرة في مجتمع ما، مقياسا صحيحا للتقدم الحضاري لهذا المجتمع؛ وإن تحدت شواهد العمران والتقدم املادي عيوننا، لأننا نري الحضارة بمعناها الكامل كلا لا يتجزأ، فيه تنعكس عقلية الإنسان وقلبه وإرادته؛ أي أن أهم الوظائف الرئيسية للإنسان تكون ممثلة فيه أروع تمثيل فكر، وشوعر، وإرادة مترجمة إلي واقع يفرض نفسه علي الحياة. ولا بد لكي تنال الحضارة تقدير التاريخ أن تتوازن هذه القوي الثلاثة في التمثيل فلا تطغي واحدة منها علي الأخرى، فالأمة التي يسمو فكرها ويتأجج شعورها دون أن تكون هناك إرادة وعزيمة لتغيير الحياة فيها، وهي أمة حالمة تقتات المني وترضع الأوهام، والأمة التي تندفع بشعور لا يرشده ولا ينيره فكر، وهي أمة تتخبط في الظلمات سرعان ما تهوي (3).

وإذا عرفنا ذلك فلنا كما يقول الكاتب أن نسأل هذا السؤال: ماذا يقصد هذا الباحث بلفظ الحضارة؟.. وماذا يقصد بانحطاط هذه الحضارة؟

إن وصفه للساخطين علي هذه الحضارة كما يري الكاتب بأنهم ذوو عقول نبيلة، وبأنهم ذوو عقول نبيلة، وبأنهم موهوبون أتقياء، قد يفهم منه السبب في هذا السخط، وهو انحطاط المستوي الأخلاقي أو الروحي في الأمة التي يعيشون فيها، وتلك وظيفة سامية يجب علي الموهوبين القيام بها – أما الجانب السلبي الذي نلحظه في بعض هؤلاء الموهوبين فإن بعضه يرجع إلي غلبة ظاهرة الانحطاط الذي يستعصي مقاومته ومن قم يتمسك هؤلاء بإصلاح أنفسهم ومن يستطيعون التأثير فيه. وهذا قصاري ما يطمع فيه مصلح يري استحالة بث تعاليمه أو نشر فكر علي صعيد المجتمع ككل. وقد يكون هذا الاتجاه الانطوائي لفترة استرجاع واستعراض وتهيئة واستعداد يعقبها العودة إلي المجتمع بعد تسليح هذا الفرد بأسلحته الروحية التي أكسبه إياها تأمله وتدريبه. ولا يمكن إنكار أن الاتجاه الصوفي إن هو إلا استعداد وموهبة فردية قد تعطي لإنسان غارق في أحضان الترف أو البذخ بل الملك والأبهة. ويحوي التاريخ قصصاً لأفراد تركوا ملكهم وانسلخوا من ثرواتهم ليعشوا عيشة الشظف والتقشف. وقد أدخلهم التاريخ وأضفي عيليهم من الخلود ما لم يكونوا يحلمون به لو أنهم احتفظوا بثرواتهم وعروشهم (4).

علي أننا الكاتب – فيما يمس حضارتنا الإسلامية التي بلغت أوجهها في القرنين – الثالث والرابع الهجري – التاسع والعاشر الميلاديين) – أن نضج التصوف وتطوره وبلوغه مرحلة تدنو إلي الكمال يمكن ملاحظته من خلال هذه الفترة أيضا. إن الحضارة الإسلامية سارت في تطورها جنباً إلي جنب مع تطور التصوف ونضجه. كما أن خطوات التدرج التي خطتها العلوم حتي دونت واكتملت تجد نظيرها في مجال التصوف. وقد أثر لبعض أعلام التصوف مواقف حازمة وحاسمة فيما يتصل بالسلطان ونصحه ولومه وتقريعه لانحرافه. وفي أشد الأزمات الاجتماعية والروحية كان الصوفية الخلص – كغيرهم من صادقي العباد والفقهاء – الراحة الخضراء والساحة الرحبة التي يلقي فيها الشعب بهمومه وينفس فيها عن آلامه ويعبر عن آماله (5).

ويستطرد الكاتب فيقول:" ولا يصرفنا اندساس بعض الناس الذين وسمهم التاريخ بأنهم متصوفة في صفوف هؤلاء الصفوة، فكل طائفة عوارها وبلاؤها. ولم يبتل الصوفية في طوال التاريخ وعرضه بآلم ولا أشد من أنفسهم مع بعضهم البعض، ومن الانحراف في الأهداف والوسائل لدي كل من محبيهم وخصومهم. ومما لا شك فيه أنهم أثاروا حركة نقد واسعة، حدث كثيرا إلي تصحيح بعض الأوضاع، ويحتفظ لنا التاريخ بنماذج طيبة لهذا النقد " (6).

ويوجد تراث فكري كما يري الكاتب رائع أنتجه التصوف في مثل البوذية وتصوف القرون الوسطي وأعلام التصوف الإسلامي، كما أن بعض الفنون استمدت وعيها من التصوف، إلي جانب ذلك فإن الصوفية قد أنتجوا في عالم الأدب والشعر إنتاجا غزيزا جدير بالإعجاب، متحليا بقيمة جمالية مدهشة (7).

إن الشعر الصوفي الإسلامي في إيران ومصر كما يري الكاتب ينتزع إعجاب الناقد، ولا يقبل عن ذلك الشعر الديني للبوذيين، ولقد خاض الصوفية وشاركوا في كثير من معارف مجتمعهم، وبرهنوا علي رحابة الأفق في تبنيهم لكثير من الأنماط المتباينة، وإن عدد الصوفية الذين يمكن اعتبارهم بين أعاظم الفلاسفة ليس قليلا جدا إلي حد يجوز لنا القول بأن التصوف مجدب أو عدو للحضارة (8).

إن التحليلات النفسية الدقيقة والملاحظات الواعية كما يري الكاتب لنوازع ورغبات النفس وطريقة سلوكها المتنوعة وتشابك أوجه نشاطها قد ظفرت من صوفية الإسلام والصوفية الهنود والمسيحيين بعناية فائقة، ونتائجهم التي وصوا إليها تستحق الإعجاب، حيث تتنبأ بنظريات وحلول نحن ما زلنا الآن في سبيل اكتشافها أو البرهنة عليها وفحصها وتحليلها. وربما كان أقرب عالم نفس تتشابه آراؤه مع بعض الآراء الإسلامية لبعض الصوفية هو عالم النفس الشهير " يونج" خصوصا فيما يتصل بما يسميه " اللاشعور الكلي " الذي أطلق عليه الصوفية " جمهور القلب" أو سويدائه وكليته." ويسجل التاريخ لبعض الصوفية المسلمين مواقف لا تنقصها الشجاعة إزاء نصح الحاكم ورده عن ظلمه في عزة مدهشة قل أن توجد في مثل هذا العصر. وكان اتصال أغلب الصوفية بالقاعدة الشعبية أوثق منه بالقمة، فكانوا أعرف الناس بآلام وآمال الناس وأدي بعضهم دوره الاشتراكي الإنساني في مجال المواساة والإسعاف والإنصاف والإرشاد، ولم يقبع ويجحم إلا المتصوف ذو المزاج المريض. أما عدم اشتراكهم في المجال السياسي الرسمي – وهذا فيما يخص المسلمين – فيجيب التاريخ عنه إجابة، حيث كان الفساد فرشاً ووطاء للحكم في هذا العهد الذي التمس فيه كل إنسان التقرب من السلطان، طمعا فيما بين يديه، أو اتقاء لشره (9).

ولم ينج " أبو بكر الشبلي " كما يري الكاتب من نقد الصوفية المر لتقبله منصبا حكوميا،ولا هروبا من أداء مسؤولية، ولكن هروبا من القسر علي تنفيذ أوامر يحدوها الظلم والعدوان والتجبر. وقد جلس عبد الله بن مشرف – وزير هارون الرشيد – يوما بين يديه وقال له: يا أمير المؤمنين، لو استغاث بك رجل في رد عبد هرب إليك، أما كنت ترده إليه ؟ قال بلي؛ قال: فأنا عبد قد فررت من خدمة سيدي، فاتركني له، فقد أردت الرجوع إليه، فبكي الرشيد ومن حضره، وقد هذا رجل قد نجا من بيتنا ونحن جلوس ننظر إليه، ثم خلي سبيله فخرج من وقته محرماً "، وقصة سهل بن عبد الله التستري مع الحاكم ابن الصفار جد مشهورة (10).

ويستطرد الكاتب قائلا: لقد أصال هذا الحاكم داء واستدعي سهل لمعالجته،فرفض حتي يرد كل مظلمة، ولما عالجه عرض عليه الحاكم مالا وثيابا، فردهما ولم يقبلهما، علي أنه يجب ألا يغيب عن الأذهان أن صراعا حدث فعلا بين وجهتي نظر عرضهما الصوفية بكل أمانة. وتشكل وجهتا النظر هذه عن السؤال: أيهما خير ؟ أن تتقلد منصبا تحسن أداءه – سواء كان ذلك وعظا أو حجابة، أو كتابة، أو ولاية، أو قيادة، أم تربأ بنفسك عن أن تكون أداة ظلم وأضحية شهوة؟

أخذ الصراع بين وجهتي النظر هاتين يشتد ولكل وجهة وجاهتها كما يري الكاتب، وإذا كان من الصحيح أن أغلب الصوفية كان في صف وجهة التنحي عن مثل هذه المناصب في حين قبلها بعض الفقهاء الذين لم يسلموا من نقد الصوفية أنه موجه للطريقة والظروف التي يعمل في ضوئها من قبل هذا المنصب. إذ نسمع أحدهم مثلا يقول لفقيه: تسع الناس يغتابون فلانا لدي السلطان، فتكست وتنكص عن أداء رسالتك، فهل وعظته وأمرت المغتاب بالكف عن أداء رسالتك، فهلا وعظته وأمرت المغتاب بالكف؟ تأكل دينك بدنياك؟ ولكنك خشيت غضب الحاكم ولم تخش غضب الله (11).

علي أن بعض الفقهاء المتورعين كما يذكر الكاتب ربما شاركوا في الاتجاه إلي رفض مثل هذه المناصب؛ فلكي حكي أن أبا حنيفة، وسفيان الثوري، وشريكا دخلوا علي أبي جعفر المنصور، فأردا أبو جعفر أن يولي سفيان الصرة، وأن يولي شريكا الكوفة، وان يولي أبا حنيفة بغداد. أما شريك فتسلم ما وليه، وأما سفيان فهرب من وجه الحاكم، وأما أبو حنيفة فتمسك بالرفض حتي لتذكر بعض الروايات أنه جلد في نفسه حتي مات (12).

وفي ختام هذه القراءة يمكننا القول بأن هذا الكتاب غنيّ بالأفكار والتفصيلات والتوضيحات حول شتى جوانب مسألة التصوف طريقا وتجربة ومذهبا، وتكمن أهمية الكتاب في تناوله لمسألة “التصوف النقي الخالص” من الجوانب الفلسفية والتاريخية والاجتماعية والنفسية، والمؤلف لا يكتفي بالطرح والمناقشة النظرية لهذه المسألة، وإنما يسقطها على الواقع، ويتبيّن ذلك من خلال إيراده للعديد من الأحداث والوقائع والمجريات القديمة والمعاصرة، وهناك سلبية نذكرها: وهي عدم تطرّق المؤلف إلى “التصوف في الخطاب الفكري العربي المعاصر” ذلك أنه بالرغم من عدم وجود مؤلفات كثيرة في هذا الصدد ولكن توجد كتابات معاصرة تتناول التصوف وتجربته النقية عبر دراسات وأبحاث منشورة في الصحف والدوريات العربية.

وإذا ما جئنا لنكشف ما تميز به الدكتور محمد كمال جعفر من علم وافر وثقافة واسعة، وجدنا صيته في هذين المجالين يتجاوز نطاق العالم العربي والإسلامي إلي ما هو أوسع وأرحب. ولعل الذي أعان علي انتشار صيته وازدياد شهرته، ومعرفته المتنامية باللغات الأجنبية الحية من انجليزية، وفرنسية، وألمانية وغيرهم. وغني عن البيان أن هذه اللغات، التي كان يعرفها الدكتور محمد كمال جعفر، لها شأن كبير في تشكيل تيارات الفكر والثقافة في عصرنا الحاضر. ناهيك عن أنه كان ضليعاً بلغته العربية – لغة القرآن الكريم – وعارفاً بالمصطلحات الفلسفية اليونانية واللاتينية.

تحية طيبة لأستاذنا الدكتور محمد كمال جعفر الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1- محمد كمال جعفر: التصوف طريقا وتجربة ومذهبا، دار الكتب الجامعية، القاهرة، 1970، ص 29.

2- نفس المصدر، ص 30.

3- نفس المصدر، ص30

4- نفس المصدر، ص31.

5- نفس المصدر، ص31.

6- نفس المصدر، ص32.

7- نفس المصدر، ص 32.

8- نفس المصدر، ص32.

9- نفس المصدر، ص33.

10- نفس المصدر، ص33.

11- نفس المصدر، ص34.

12- نفس المصدر، ص 35.

 

عامر هشام الصفارأصدر مؤخرا الزميل الدكتور الطبيب المتخصص سند البلاغي كتابه الجديد والمعنون ب " مدوناتي اليومية في متابعة التطورات العلمية في جائحة الكوفيد19"، حيث جاء الكتاب بما يزيد على 700 صفحة، وفيه نصوص مما نشره البلاغي من مقالات طبية بخصوص فايروس الكورونا أو الكوفيد19 بعد أن أعلن في آذار 2020 عن كونه وباءا عالميا.  ومن المهم أن يكتب أهل الأختصاص عن الأمراض بأعراضها وعلاماتها وأسبابها وعلاجاتها، خاصة اذا ما كان هذا المرض وباءا وفيه من الجدة ما فيه، مما جعل علماء العالم وسياسييه يعقدون الندوات والمؤتمرات الصحفية اليومية، ومنذ بداية عام 2020 للتوضيح وزيادة معرفة الناس بالوباء وبالفايروس المسبب، وبما يمكن أن يُتخذ من أجراءات للحد من أنتشار المرض. والدكتور سند البلاغي بعد ذلك طبيب متخصص بعلم المناعة السريرية، وأستاذ علم المناعة السريري في كلية الطب بجامعة بغداد، وهو الذي أختص بشهادة البورد السويدي في علم المناعة السريري، وعمل في مستشفيات السويد بأختصاصه.. فكان لابد من أن يكتب في يومياته على صفحته النشطة على صفحات الفيس بوك ما كتب بخصوص الكوفيد19، فجاء الكتاب بجزء أول ليشمل ما كتب المؤلف وعلى مدى عام كامل وأبتداءا من شهر آذار 2020.

يقول الدكتور البلاغي في مقدمة كتابه المهم: لقد أستمرت متابعتي اليومية وعلى مدار الساعة للأحداث والتطورات الخاصة بالوباء، وذلك من خلال المتابعة لما تنشره الدوريات العلمية الطبية العالمية، ومواقع الدوائر الصحية العالمية مثل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأميركية، فضلا عما تنشره الصحف العالمية. ويضيف: أن مدوناتي المنشورة في الكتاب أنما تستهدف في الأساس أيصال المعلومات العلمية الصحيحة والدقيقة، ومن مصادرها الرصينة، وفي أسرع ما يمكن وبلغة عربية سهلة وبسيطة، الى أهلنا في بلدنا الحبيب، مساهمة مني في نشر الثقافة الصحية في مواجهة جائحة الكوفيد19، وما نتج عنها من أوضاع غير طبيعية تتطلب المعرفة العلمية الصحيحة للوقاية من العدوى والحد من أنتشارها.

وقد جاء الكتاب المدونة بتصميم غلاف جميل معبّر، وبفهرست للمواضيع التي تناولها المؤلف تفصيلا، في كتاب حمل رقم الأرشفة الدولية للكتب. ومن موضوعات الكتاب:

مناعة القطيع أو المناعة المجتمعية، ما هي سلالات فيروس الكورونا المستجد؟، لقاحات الكوفيد19 : ثلاثة دخلت مرحلة التجارب السريرية، جواز السفر المناعي هل هو فكرة جيدة؟، جائحة كوفيد19 في السويد: آراء ومواقف شخصيات علمية بارزة، الأختبارات المبكرة والمكثفة لفيروس كورونا تنقذ الأرواح. المناعة في كوفيد19، هل يمكن الأصابة بعدوى فايروس كورونا المستجد مرة ثانية؟، أقنعة الوجه أداة أكثر فائدة مما كنا نظن في البداية لحمايتنا من كوفيد 19، منظمة الصحة العالمية تحث على العدالة في توزيع اللقاح وتحذر من "فشل أخلاقي كارثي". هذا أضافة الى مواضيع مهمة أخرى..

ولعل القاريء الكريم وهو يستزيد علما عن الوباء وفايروس الكوفيد19 أو الكورونا المستجد أنما سيشعر بالغبطة لمرتين؛ مرة لأنه حصل من العلم الكثير، ومرة ثانية لأنه أرتحل عبر صفحات كتاب البلاغي في رحلة زمن صعب على البشرية شخّصت فيه مختبرات العالم وجود وباء حصد ما يزيد على الثلاثة ملايين من البشر، وأصاب ما يزيد على 154 مليونا منهم وحتى نيسان 2021.. وعليه فالمدونة البلاغية هذه أنما هي كتاب علم، وكتاب رصد تاريخي لتطورات العلوم الطبية بأختصاصاتها ومجالاتها المختلفة، مما نحتاجه ونبحث عنه.. وقد أشار المؤلف الى مصادره فأحسن، كما أشار الى أسماء الزملاء ممن تفاعلوا معه في مدونته، وهي تواصل عطاءها في زمن وباء لابد من أن يسيطر عليه العلم، كما سيطر على غيره من أوبئة في تاريخ الأنسان. 

 

 د. عامر هشام الصفّار

 

نبيل عودةللباحث عمر أمين مصالحة

الكتاب الأول: "اليهودية – ديانة توحيدية أم شعب مختار"

قدم للكتاب البروفسور يوسف غينات واصفاً الكتابة عن الديانة اليهودية من قبل باحث عربي "كخطوة جريئة ويمتدح عدم تحيز الكاتب وأسلوب البحث العلمي للكتاب.

يقول غينات بحق ان المكتبة العربية تفتقد لكتاب يصف مبادئ الديانة اليهودية بشكل علمي.

الكاتب عمر مصالحة، أعد الدكتوراه في موضوع "الصحافة الفلسطينية في العهد العثماني" في جامعة سانت بطرسبرغ (لينينغراد سابقا) وبنفس الوقت أعد رسالة الماجستير في التربية الاجتماعية في جامعة بار ايلان في تل ابيب. وهو من مواليد1956، من قرية دبورية الواقعة على الطريق إلى جبل الطور المشهور في الديانة المسيحية (جبل الطور أو طابور هو الجبل الأعلى في القسم الجنوبي للجليل الأسفل في فلسطين يقع شمال مرج ابن عامر. يبلغ ارتفاعه حوالي 588 متر فوق سطح البحر وحسب الإنجيل هو موقع تجلي السيد المسيح لتلاميذه)، د. عمر مصالحة مترجم وباحث في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية ومتخصص أيضا في الديانة اليهودية. له العديد من الأبحاث المنشورة في الصحافة العربية والعبرية، إلى جانب ترجمة العديد من الكتب الدراسية وقصص الأطفال ويعمل مدرسا في ثانوية "عمال" في الناصرة.

أنهى تعليمه الإعدادي والثانوي في مدرسة عبرية -يهودية... الأمر الذي وضعه بمواجهة الديانة اليهودية والتعرف على تعاليمها، حيث درس التوراة والتلمود والكتب الدينية المختلفة.

بحق يمكن اعتبار هذا الكتاب موسوعة – أو بيلوغرافيا شاملة عن الديانة اليهودية، أصولها، خصوصيتها، معتقداتها ومواقفها من سائر القضايا المتعلقة بنظرتها الدينية، مثلا حول من هو اليهودي، أساليب تعاملها مع الاغيار (أي غير اليهود حسب تعبير الدين اليهودي) وموضوع الطعام الشرعي (الكشير).

يستعرض الكتاب بشكل شامل نشؤ المدارس والاتجاهات اليهودية المختلفة ، وتفسيرات للعديد من الظواهر في الدين اليهودي ، لم يبق اي موضوع يتعلق بالدين اليهودي واتجاهاته إلا شرحه بوضوح وحيادية علمية، بدون ان يطرح الكاتب آرائه الخاصة، هناك شرح عن اليهودية الارثوذكسية ومدارسها ونشوئها، تيار الحريديم اليهود السود المتعصبين – تعبير سود من لباسهم الأسود من البرنيطة حتى الحذاء- والصراع بين الجديد والقديم، بين التطور والانغلاق، نشؤ الأحزاب الدينية، نشوء التيارات "الحسيدية" وهي تيار روحي اجتماعي يهودي نشأ في أواسط القرن ال – 18 في أوروبا، يعرف بتعصبه وانغلاقه الديني ولها مدارسها المختلفة، يطرح أيضا مكانة المرأة في الدين اليهودي ولدى مختلف التيارات، بالطبع لا ينسى ان يعطينا شرحاً لنشؤ التيارات الحديثة- التيارات الإصلاحية .

2430 التلمودهذا الكتاب يجيء في وقت تحتاج فيه المكتبة العربية إلى تعميق معرفتها بالدين اليهودي، لفهم طابع وخلفية هذا الدين. د. عمر فعل حسناً، بأن ترك الحقيقة المجردة للقارئ، لم يتدخل ليلقن القارئ كما نلاحظ في مؤلفات مختلفة أقحمت النزاعات السياسية أو الاختلافات الدينية في مواقفها من الديانة اليهودية خاصة ومن اليهود عامة. هذا الكتاب يعد مرجعاً ممتازاً لمن يريد حقاً ان يتعرف على المجتمع اليهودي في إسرائيل أيضا بكل مركباته وتناقضاته غير القابلة للتحسير احيانا، كذلك تركيبته الفكرية وصراعاته العقائدية داخل المدارس الدينية وداخل التيارات السياسية – الدينية والمراحل التاريخية التي قطعتها هذه التيارات.

ليس سرا ان بعض "الساحات" الدينية ("حاتسروت" بالعبرية وهي تتبع لحاخام معين أشبه بالنبي في سطوته وسيطرته على جماعته بكل ما يخص حياتهم ومواقفهم وتفكيرهم وتصرفاتهم) لها موقف عدائي من الدولة نفسها والمثال على ذلك مجموعة " ناطوري كارتا"، احد قادتهم الدينيين كان مقربا من الرئيس الفلسطيني المرحوم ياسر عرفات، وشاركوا مثلا في مؤتمر طهران قبل عدة سنوات حول المحرقة اليهودية، لكن تأثير هذا التيار في إسرائيل هامشي جدا .

الكتاب يشد بوفرة المعلومات التي يضعها الكاتب أمام القارئ العربي، وبما يميز الكتاب من أسلوب مبسط في الطرح بحيث لا يبق اي موضوع يتعلق بالعقيدة الدينية اليهودية وتشعباتها وانقساماتها عبر التاريخ دون توضيح وشرح ... انه حقاً كتاب هام، تفتقد له المكتبة العربية، خاصة بموضوعيته، وهو مرجع لا بد منه لفهم القاعدة الايمانية، الخلفية الفكرية التي تشكل اليوم ما يعرف بالدين اليهودي ، بل وأكثر من ذلك دور التيارات الدينية في المجتمع الإسرائيلي وفي السياسة الإسرائيلية .

الكتاب الثاني: التلمود -المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية

بعد كتابة الأول عن "اليهودية-ديانة توحيدية ام شعب مختار" الذي صدر قبل سنة، يعود الباحث د. عمر أمين مصالحة إلى اليهودية من زاوية أُخرى ليكمل الصورة أمام القارئ العربي، بتناول خبايا الديانة اليهودية وأصول التشريعات الاجتماعية الحياتية في الديانة اليهودية المعروفة باسم "التلمود"، في بحث جديد شامل يحمل اسم "التلمود-المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية".

ما يميز أبحاث د. عمر مصالحة موضوعيته العلمية، اعتماده على المصادر الأصلية لمواضيع بحثه، هذا ما جعل كتابه الأول من أفضل الدراسات عن اليهودية التي كتبت باللغة العربية، تميز اسلوبه بالمصداقية والدقة العلمية دون التدخل والتعليق واستنتاج مواقف شخصية، بذلك اثبت نفسه كباحث ثقة يمكن الاعتماد عليه في فهم اليهودية.

يطل علينا اليوم بكتاب هام جدا لقراء العربية، حول التلمود كمرجعية للتشريعات. يبدو ان هذا البحث غير مسبوق في اللغة العربية، بموضوعه من حيث الإلمام والشمولية وبموضوعيته غير القابلة للتهاون بنفس الوقت.

يشرح عمر مصالحة ان التلمود، يتشكل من عنصرين: الأول هو الجانب التشريعي والقانوني (هلاخي) الذي يذكرنا بأحكام الفرائض والتشريعات الواردة في أسفار الخروج والاويين والتثنية، الثاني: العنصر القصصي الأسطوري (أجادي) بما يشمله من أقوال مأثورة وأخبار وخرافات وخيال إلى جانب السحر والتراث الشعبي.

في الفصل الأول يمهد الباحث عمر مصالحة لبحثه باستعراض نشوء أصول التشريعات اليهودية بدءا من الموقف في جبل سيناء، حين تسلم النبي موسى، الوصايا العشر من الله، حسب القصة التوراتية (وبالمناسبة هي قصة/ اسطورة نفاها العديد من الباحثين اليهود) ثم دخول اليهود ارض فلسطين وبدء مرحلة القضاة (هشوفطيم) في التاريخ اليهودي، وصولا إلى إقامة مملكتي إسرائيل-المملكة الشمالية والتي سميت "مملكة إسرائيل" والمملكة الجنوبية والتي سميت "مملكة يهودا". يستعرض الكتاب أسماء ملوك مملكة يهودا، وصولا إلى هدم الهيكل وإعادة بنائه وهدمه من جديد، والأحداث التاريخية التي عصفت بالمملكتين منذ ذلك التاريخ، مثل الاحتلالات المختلفة... وتشتت اليهود - سبيهم!!

يطرح الباحث أجزاء "المشناه" وهي كلمة عبرية معناها بالعربية يُثنٌّي أو يكرر، ثم أصبحت الكلمة تشير بشكل محدد إلى دراسة الشريعة الشفوية التي تشمل مواضيع واسعة للغاية، الكتاب يستعرض أسماء مؤلفي المشناه والتلمود حيث بدأها الحاخام هليل الأول في بابل. ويستعرض الباحث ما اشتملت عليه المشناه وهي ستة بنود:

1- الزراعة وقوانينها - ويشمل الري والحرث والحصاد، الموضوع الزراعي في المشناه يكاد يكون برنامجا زراعيا كاملا، بالطبع له جانبه الديني، حيث يرتبط بالعبادة اليومية والتبريكات .

2- العبادات والمواعيد - عن تبجيل السبت والعبادة فيه ومواعيد الصيام والأعياد والاحتفالات والتقويم العبري.

3- النساء - ويشمل قوانين الزواج والطلاق والجنس بين الزوجين.

4- الجنوح والجنايات - ويشمل التشريعات المدنية ومسلكيات التصرف اليومي، أنواع العقاب ونظم التجارة والسياسة .

5- المقدسات - مخصص لأعمال الضحايا (القرابين) مهام رجال الدين وواجباتهم.

6- الطهارة - ويشمل أمور التطهر من النجاسة، يتحدث هذا البند عن الصلة بين بني البشر والإنسان اليهودي والكائنات الأخرى وما يجوز أكله من الحيوان.

يبين الباحث الخلافات والتناقضات في التشريعات اليهودية، مع ذلك تحولت هذه التناقضات إلى شرائع مقدسة لدى المجتمعات اليهودية. ثم يعالج أقسام المشناه الستة وتسمى "سدريم" (هي التوراة الشفوية والقصد النقاط الستة التي ذكرناها سابقا) وأسفار كل قسم، التي تشمل كل تفاصيل حياة الفرد اليهودي في جميع مناحي حياته اليومية والعامة.

يوضح الباحث للقارئ العربي جذور الدين والعقيدة اليهودية، التي لا تدع للفرد مساحة للاجتهاد، إنما أمورا جاهزة وفرائض نهائية. صحيح ان الباحث لا يعالج وقع هذه الفرائض على الإنسان المعاصر، لكن القارئ يستطيع ان يصل إلى النتيجة الأساسية، بان الدين اليهودي يتعامل مع الإنسان بأحكام وعقلية لم يعد شيء يربطها بالواقع الإنساني المعاصر، وهذه إشكالية تبرز في ديانات أخرى أيضا، ربما كون الديانة اليهودية ديانة محدودة بالعدد، يجعلها أشبه بالمحمية الطبيعية، مع ذلك نجد في الغرب والى حد ما في إسرائيل، تيارات يهودية لم تعد تستطيع التماثل مع القيود الدينية العتيقة، المتصلبة والمزعجة، فأنشأت اتجاهات حديثة ليبرالية، تقوم بينها وبين التيار الديني اليهودي المحافظ (الاورتوذكسي) حرب عنيفة، لدرجة عدم الاعتراف بيهوديتهم ورفض التعامل معهم على كل المستويات.

أما اسم التلمود فهو مشتق من الجذر العبري "لمد" أي درس، تعلم وهو نفس الأصل السامي لكلمة "تلميذ" العربية. يشرح الباحث ان التلمود من أهم الكتب الدينية عند الشعب اليهودي، هو الموجه والمنظم للحياة الاجتماعية، هو الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشرائع التوراتية.

يؤمن بعض اليهود، المتعصبين خاصة، ان نصوص التلمود أوصي بها من الروح القدس نفسه (روح هكودش) باعتبار انها مساوية للشريعة المكتوبة (التوراة).

ليس من السهل استعراض الكتاب بكل تفاصيله. الكاتب لا يترك أي فرغ للتأويل، بل يطرح جميع التفاصيل بتناقضاتها أحيانا، ليوضح جذور الدين اليهودي، ببحث واسع لم يغفل أي تفصيل.

الكتاب يثري المكتبة العربية بمرجع هام جداً وضروري لفهم إحدى أقدم الديانات، مصادرها، طرق تفكيرها، بعيداً عن الاستنتاجات الارتجالية وبهذا يخدم الباحث الحقيقة العلمية المجردة.

 

نبيل عودة

 

عادل رضاالمرحوم السيد محمد حسين فضل الله انتقل الى رحمه الله تعالى منذ عشرة سنوات، ولكن ما قدمه "مستمر في التأثير والتفاعل" ونتحدث هنا عن مشروعه ومجمل ما يحتويه من انتاج ثقافي قرآني ساعي لصناعة حالة حضارية وانبعاث إسلامي حقيقي يريد ان يكون "الإسلام" هو القائد للمجتمع والمثل للفرد ضمن خط الهداية القرأنية للصراط المستقيم الملتزم بالنواهي والتعليمات الالهية الربانية كمحدد وضابط لحركة الفرد في خط التقوى التي لا تشمل الانسان الفرد فقط بل المجتمع ككل وانطلاقة الخطاب القرأني لكي يكون الضابط للحركة والمقوم لأي مسيرة إنسانية مجتمعية تريد الفلاح .

صحيح انه كانت هناك محاولات ايحائية كثيرة لشخصيات اخرى من قبل وجود السيد فضل الله وأيضا كانت هناك معه في نفس زمان حضوره الشخصي على الساحة الإسلامية الواسعة ولكن المختلف هو ان ما قام به لم يكن ضمن حالة انشائية وشعارات ولكن ضمن ثقافة قرأنية ساعية للحركة على ارض الواقع لكي "تأسلمه" ضمن "أدوات" الواقع نفسه والالتزام بالموضوعية والأسباب بعيدا عن خيالات من هنا وتمنيات من هناك من دون الجلوس على ارض الحقيقة بعيدا عن الاحلام.

لأن واقع الحياة هو الحركة والتنفيذ وما يمس حياة الناس ويضرب على "وتر"احساسهم ويرتبط بحياتهم اليومية وصناعة مستقبلهم هو ما سيصنع الارتباط مع الفكر الإسلامي القرأني اذا صح العبير، فما هو قابل للتطبيق بدون "التكلس" في القوالب الجاهزة والجمود هو ما سيعيش ويستمر، فالواقع متغير ولكن ضمن اصالة المبدأ المقدس وتغير الفهم ضمن القراءة العصرية الحديثة المضبوطة بالنص المقدس نفسه منعا لانحراف المسيرة او اهتزازها وكذلك لربطها بالجانب الروحي، وهنا ما نجح به المرحوم السيد محمد حسين فضل الله في تقديمه في قراءته الواعية للنص القرأني وفهمه في مجال الحياة والتطبيق ومراعاة الشروط الموضوعية للواقع الفردي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني بعيدا عن الخيالات والأوهام والتنظيرات الهوائية التي يسقط معها أي فكر واي "فهم" للنص المقدس بعيدا عن القدرة على الحركة التنفيذية.

كل هذا ساهم في تميز "تفسير من وحي القران" وهو موسوعة قرأنية الفها المرحوم فضل الله، نقول هذا الكلام كمقدمة لما تم نشره مؤخرا حيث صدر كتاب حديث تحت عنوان "مختصر تفسير من وحي القرآن، للعلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، وقد قام باختصاره، الأستاذ محمد خليل طراف.

وقال طراف في مقدمة هذا الكتاب:

" إن فكرةُ هذا الكتابِ بدأت منذُ نحو 5 سنوات.

وأضاف أنه في فترةٍ كانت الطّبعةُ الثانيةُ من تفسيرِ وحيِ القرآنِ قد نفَدَت تمامًا. وكان السيد محمد حسين فضل الله قبل وفاته قد عمل على مراجعة التفسير مضيفًا حوالي ألفَي صفحة.

وأشار إلى أن الطّبعةُ الثالثةُ من الكتاب صدرت لاحقًا في عشرينَ مجلّدًا، ولمّا كان الطّلبُ لافتًا وكثيفًا على التفسيرِ الحركيّ للسيّد، وكانت الغالبيةُ من الذين يطلبونَه هي فئة الشّباب، وجدتُ لزامًا أن يكونَ هناك تفسيرٌ مختصرٌ مُوجزٌ يمكنُ أنْ يرويَ ظمأَهم ويسدَّ رمقَهم لمعرفةِ تفسيرِ آياتِ الكتابِ الحكيم. فلا حاجةَ للقارئِ العاديِّ أو الباحثِ عن بعضِ معاني المفردات، أوِ الآياتِ البينات، أنْ يقتنيَ المجلّدات الطِّوال، ويتكلّفَ عناءَ البحثِ في الصَفحاتِ وبينَ الأسطرِ ليستخرجَ مُرادَ آيةٍ هنا وأخرى هناك؛ وبخاصّةٍ حينَ يغوصُ السيّد في التفسيرِ ويستعرضُ الآيات، ويناقشُ الروايات، فيردّ بعضَها ويعتمد بعضًا آخر، أو حينَ يدخلُ في مناقشة الآراءِ التفسيريّة المعقّدة التي لا تهمّ القارئَ العاديَّ غيرَ المتخصّص."

ونحن اذ نشكر الأستاذ محمد خليل طراف على جهوده ومعه العاملين بالمركز الإسلامي الثقافي، نتمنى ان يستفيد طلاب المعرفة القرأنية الحركية من هكذا اصدار وكتاب مهم في تعزيز ثقافتهم وتثبيت الوعي والبصيرة لديهم في خط إعادة الامة في خط صناعة الحضارة وتفجير الابداعات الفردية والمجتمعية بما يخلق السعادة للفرد والنهضة للمجتمع.

 

د.عادل رضا

كاتب كويتي في الشئون العربية والاسلامية

 

كاظم الموسويمن قوائم الأسماء والمصادر التي انقلها كما وردت اغلبها دون ذكر سنة نشر ومكان وطبعة وما يعرف الكتاب به من معلومات وشروط النشر الفنية، محاولا الاستدلال بالجهود عموما وتثمينها، فجاءت في الكتاب باسم المؤلف وإسم الكتاب، كما يلي حسب تسلسلها الابجدي: احمد كاظم، ناظم الطبقجلي ودوره السياسي والعسكري في العراق حتى عام 1959 . امينة داخل، فائق السامرائي ودوره السياسي في العراق (1908-1978 (انعام مهدي، هنري دوبس واثره في السياسة العراقية (1923-1929). اياد طارق، بغداد في ظل الاحتلال البريطاني (1917-1921 ). بشرى عسكر، حسين جميل ودوره السياسي في العراق. جمعة عليوي فرحان، علي جودة الأيوبي ودوره في السياسة العراقية حتى عام1958.. جمال مصطفى مردان، عبد الكريم قاسم البداية والسقوط. حامد قاسم، محمد مهدي كبه ودوره السياسي في العراق. ذاكر محيي، محمد يونس السبعاوي ودوره السياسي في العراق. رجاء الخطاب، تأسيس الجيش العراقي وتطور دوره السياسي1921-1941 وكتاباها; عبد الرحمن النقيب، والمسؤولية التاريخية عن مقتل الملك غازي. رياض رشيد الحيدري، الاثوريون في العراق (1918-1936 (وكتابه عن الحركة الوطنية في العراق (1948-1958 (زاير نافع فهد، توفيق السويدي ودوره في السياسة العراقية (1925-1958 (سامي عبد الحافظ القيسي، ياسين الهاشمي ودوره في السياسة العراقية. ستار جبار، سعد صالح ودوره السياسي في العراق. سعاد رؤوف، نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية (1932- 1945 .(سمير عبد الرسول، محمد صديق شنشل ودوره السياسي في العراق حتى عام 1956. سؤدد كاظم، ارنولد ولسن ودوره في السياسة العراقية. سعيد شخير، ناجي السويدي ودوره في السياسة العراقية (1921-1942 (صفاء عبد الوهاب مبارك، انقلاب سنة 1936 في العراق. طارق الناصري، عبد الإله الوصي على عرش العراق (1939-1958 (عامر سلطان، العراق وعصبة الأمم (1920-1932 (علاء حاسم محمد، جعفر العسكري ودوره في السياسة حتى عام 1936 وكتابه عن الملك فيصل ودوره السياسي في الثورة العربية وسوريا والعراق. عبد الحميد نوري خليل، التاريخ السياسي لامتيازات النفط في العراق (1921- 1952 (عباس فرحان، رستم حيدر ودوره السياسي في العراق. عبد الامير هاري العكام، تاريخ حزب الاستقلال (1946-1958 (عبد الرزاق أحمد النصيري، نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية حتى عام 1932 . عبد المجيد كامل، دور الملك فيصل الاول في تأسيس الدولة العراقية الحديثة. عبد الهادي كريم سلمان، الأمير عبد الإله (1939-1958 (علي الشلاه، طالب النقيب ودوره السياسي في العراق. عدي محسن، كيهان كورنواليس ودوره السياسي في العراق حتى عام1945 . عماد احمد الجواهري، نادي المثنى بن حارثة الشيباني. عمر عادل طه، تطور القوة الجوية العراقية الملكية (1931-1958 (عماد نعمه، رفعت الحاج سري ونشاطه العسكري (1948-1959 (فاطمة صادق عباس، صالح جبر ودوره السياسي في العراق. فاروق صالح العمر، المعاهدات العراقية - البريطانية (1922-1948 (فؤاد حسن الوكيل، جماعة الأهالي في العراق. فؤاد مطر نصيف، تغلغل النفوذ البريطاني في العراق (1869-1914 ,(قيس جواد، رشيد عالي الكيلاني ودوره في السياسة العراقية (1892-1965). كاظم نعمة، الملك فيصل الاول والإنكليز والاستقلال. لطفي جعفر فرج، عبد المحسن السعدون ودوره في السياسة العراقية، وكتابه عن المللك غازي ودوره في سياسة العراق الداخلية والخارجية. ليث الزبيدي، ثورة 14 تموز 1958 في العراق. محمد حمدي الجعفري، انتفاضة تشرين الثاني 1952 وانقلاب الوصي في العراق. محمد مظفر الادهمي، المجلس التأسيسي العراقي. محمد يوسف ابراهيم، المس بيل وأثرها في السياسة العراقية، وكتابه عن ونستون تشرشل والقضايا العربية. منتهى عذاب ذويب، برسي كوكس في السياسة العراقية1864-1932 . مها عبد اللطيف، انتفاضة عام 1952 في العراق، وكتابها عن مذكرات كامل الجادرجي. وليد الاعظمي، انتفاضة رشيد عالي الكيلاني والحرب العراقية- البريطانية 1941. وميض عمر نظمي، ثورة 1920 الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية. يوسف عكاب عليوي، حكمت سليمان ودوره في السياسة العراقية حتى عام 1964.

واعتمد المؤلف على مصادر اخرى من تأليف الأساتذة ابراهيم كبة، احمد رفيق البرقاوي، اسامة الدوري، امين سعيد، تشارلز تريب، جعفر عباس حميدي، خيرية قاسمية، خليل ابراهيم حسين، عادل غنيم، عبد الله فياض، عبد الرزاق الحسني، عبد الرحمن البزاز، عبد الله جدوع، عبد الفتاح ابراهيم، عبد العزيز نوار، كمال مظهر احمد، فاضل حسين، فيليب ايرلاند، مجيد خدوري، محمد سلمان حسن، محمد عزيز، محمد عودة، محمد مهدي البصير، محمود الدرة، هنري فوستر. ومذكرات: توفيق السويدي، ساطع الحصري، سليمان فيضي، صبيح علي غالب، صلاح الدين الصباغ، طه الهاشمي، عبد السلام عارف، علي جودة الايوبي، وكامل الجادرجي، وربما غيرها مما لم يذكره، وهناك الكثير من المصادر والمراجع المماثلة العناوين والموضوعات. وفي المذكرات الشخصية، وحسب كتابها وادوارهم وحتى شخصياتهم، تتحمل ملاحظات يتوجب التقيد بها لما قد تحتوي من ادعاءات ومغالطات بحاجة إلى التدقيق والتثبت من صدقيتها وصحتها ومقارنتها، على العموم لا الخصوص، مع تقدير الخصوصية والقدرات التعبيرية لدى مؤلفيها. خاصة وأن هذه الأيام مملوءة من صفحات مزورة ومبالغة فيها لكتاب، كما يدعون أو يحسبون أنفسهم فوق ميزان التاريخ، مهما استثمروا من وسائل واغراءات مادية أو معنوية، لكسب الصمت أو تمرير الاكاذيب الملفقة.

هذه المصادر والمراجع التي وردت في هذا الكتاب، تشي بوفرة الأبحاث والاهتمامات. وهناك بالتأكيد اكثر من مصدر عن كل موضوع أو عنوان، من زوايا أو اتجاهات البحث والمواقف والتعامل معها. ولكل عنوان مصادر متعددة تضيف معلومات توثيقية اكثر وقراءات مختلفة تكسب قناعات أوسع وأدلة متنوعة.

كم يحتاج التاريخ الى صدق ووفاء ونزاهة وشفافية وتأكيد الوقائع والحقائق. أن التاريخ أمانة وليس كل من كتب تاريخه امين عليه، وهذه مهمة الباحث والبحث والاشراف والمناقشة الأكاديمية، التي ينبغي ان تكون كفوءة أو جديرة باسمها وشهاداتها وصفاتها الاكاديمية التي تكتب أمامها في قاعة المناقشة. وان يكون الهدف من البحث والموضوع خدمة التاريخ والثقافة والعلم والإنسان، وبالتالي الشعب والوطن. فالشعوب التي لا تهتم بتاريخها لا مستقبل لها، ولا يمكنها أن تتبارى في الحضارة الإنسانية والمشاركة فيها، بجدارة كافية ونموذج يحتذى به.

 

كاظم الموسوي