هاشم نعمةنُشرت كتابات غير قليلة بشأن التجديد في الفكر الإسلامي. وقُدمت قراءات جديدة وفق منهجيات العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، من منطلق أن هذا التجديد بات حاجة ملحة تتطلبها تطورات الحياة المعاصرة في جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية وحتى الروحية منها، لكن القليل من هذه الكتابات الجادة عالجت الموضوع من داخل المنظومة الفكرية الإسلامية وباستخدام منهجياتها العقلية وليس من خارجها. وينطبق هذا الأمر على كتابات الباحث الإسلامي الجاد أحمد القبانجي؛ لذلك اخترنا تقديم قراءة عن أحد كتبه الموسوم "الإسلام المدني"، الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2009. يقع الكتاب في 484 صفحة.

يضم الكتاب سبع مقالات كما يسميها الكاتب، وهي ليست مقالات كما هو متعارف عليه ولكنها في الواقع فصول مطولة تتضمن عناوين فرعية كثيرة وجاءت تحت العناوين الرئيسة الآتية: المباني النظرية للمجتمع الديني والمدني، المجتمع المدني وحقوق الإنسان، الحريات السياسية والدينية في المجتمع المدني، الإسلام والنظام الديمقراطي، الإسلام المدني، تطبيق الشريعة أم سيادة القانون، حق الحكومة لمن... لله أم للناس؟ القسم الأول، حق الحكومة لمن... لله أم للناس؟ القسم الثاني.

مقدمة

يشير المؤلف في المقدمة بأنه إذا تجاوزنا الرؤية المثالية للسلفيين إزاء التراث والحضارة الإسلامية في الماضي البعيد وما تتضمنه من انغلاق فكري تجاه الحضارة البشرية الجديدة، وتحركنا لدراسة النموذج الحضاري الذي أفرزته التجارب الحديثة بلغة واقعية وأدوات عقلية، أمكننا التوصل إلى قناعة نظرية وعملية بأطروحة "المجتمع المدني" فيما تمثله من انسجام مع مبادئ الدين وحقوق الإنسان والقيم الإنسانية العليا، ويتركز موضوع هذا الكتاب بالحديث عن هذه الأطروحة الحضارية وما تتضمنه من مفاهيم ومبادئ، وما تقوم عليه من أسس ومرتكزات فكرية وفلسفية من قبيل: الديمقراطية، حقوق الإنسان، الفردية، دور المؤسسات والأحزاب، الليبرالية وأمثال ذلك... (ص 11).

ويرى أن مقولة "الإسلام المدني" تقع مقابل ما يسمى بـ "الإسلام التقليدي" و"الإسلام السياسي"، وأن من خصائص الإسلام المدني ومقوماته محورية العلاقة القلبية مع الله (أي التجربة الدينية)، وما يترتب على ذلك من قبول مبدأ التعددية الدينية وصلاحية العقل البشري للتشريع بما ينسجم مع مبادئ حقوق الإنسان والحضارة الجديدة، ومن خلال هذا البحث يتبيّن بطلان ادعاءات انصار الإسلام السلفي والإسلاك السياسي وعدم انسجام ادعاءاتهم مع العقل البشري المعاصر وما أفرزه التطور الحضاري من قيم ومبادئ وثقافة إنسانية (ص 13).

ويستشهد القبانجي بقول سعيد البزاز الوارد في مقدمة كتاب "في الطبيعة الشرية" لعلي الوردي، بأن لابد أولا من الانتقال من الآخرة المعنوية المجردة التي يمثلها الانتماء القلبي وحسب إلى الآخرة المادية التي يمثلها التكامل والتضامن الاجتماعي الذي انتجته المدنية، فالآخرة المعنوية قد تدع المجموع متشبثا بأذيال الوهم، سواء كان وهم القوة أم وهم النصر، أم وهم التفوق، أم وهم النقاء. في حين أن الآصرة المادية ونتائجها تفرض نظاما كاملا للحياة، تتأسس فيه علاقات إنتاج تتجاوز النمط البدائي إلى ما هو مؤهل لتكوين مجتمع مركب تتقابل فيه المنافع والحاجات والواجبات والحقوق، وهو أمر يحفز الدافع الفردي في الأداء، ويخلق مقاييس للتفوق تتناسب مع الكفاءة ونوع الخدمة العامة ودرجتها فينصف الجهد بدلا من أن يجري المنح المجاني للمراتب على أساس النسب والنقاء القبلي المزعوم (ص 19-20).

لا ثبات مطلق في جميع موارد الشريعة، بل إن الإسلام قد جاء بسلسلة من القضايا والقيم العامة دون أن يجعلها في إطار معيّن وقالب خاص. ومجرد أن يتحرك النبي محمد في أجواء خاصة من أعراف القبائل العربية وينزل القرآن على مجتمع تحكمه تقاليد بدوية وتكون أحكامه منسجمة مع ظروف ذلك المجتمع القديم، لا يعني بالضرورة أن مثل هذه الأحكام دائمة ومطلقة ويجب على كل مجتمع بشري أن يكيّف نفسه مع هذه الأحكام والقوانين، لأن المفروض أن تنسجم القوانين مع المجتمع وحاجاته وثقافته لا أن ينسجم المجتمع مع تلك القوانين.

حقوق الإنسان

اعتاد أصحاب العقل السلفي السني والشيعي على النظر إلى حقوق الأنسان المطروحة من قبل الأمم المتحدة، بنظرة سلبية وأنها حقوق زائفة ما أنزل الله بها من سلطان، وأن المسلمين غير محتاجين للاعتراف بهذه الحقوق، فالدين الإسلامي والشريعة السماوية لم تترك شيئا من حقوق الإنسان المشروعة إلا ذكرتها، أي أن ما كان صحيحا من الحقوق المذكورة في لائحة حقوق الإنسان فقد ورد في الشريعة السماوية حتما، وما لم يرد فيها فهو باطل ولا حاجة لنا به.

ومنهم من تحرك نحو الاستفادة من هذه اللائحة بعد أن لم يجد ما توقعه من حقوق في مفاهيمنا الدينية، وعمل على التوفيق بينها وبين مبادئ الدين الإسلامي وسماها "حقوق الإنسان الإسلامية" و يلاحظ مثل هذا التحرك في أروقة منظمة المؤتمر الإسلامي أيضا.

خلاصة القول، يؤكد المؤلف إننا لا نرى أي تعارض بين الحقوق الفطرية للإنسان المذكورة في لائحة حقوق الإنسان وبين الحقوق المذكرة له في الشريعة الإسلامية، ولو تعارضت هذه الحقوق مع الحقوق الواردة في الفقه وفتاوي علماء المسلمين لوجب الأخذ بمعطيات حقوق الإنسان العالمية لتطابقها مع الفطرة والوجدان من جهة، ولكون فتاوي الفقهاء لا تمثل الوحي في الحقيقة، بل هي فكر بشري وصياغة فقهية لما فهمه هؤلاء الفقهاء من النصوص الدينية التي قد تكون واردة في قضية خارجية معينة وليس لبيان حقيقة مطلقة وقانون أبدي يتعالى على الزمان والمكان. إن ما يقرره الفقهاء من فتاوي في هذا الميدان هي أحكام ظنية واجتهادية قد تخطيء وقد تصيب (ص 85-86).

فمثلا في مسألة المرتد عن الإسلام يصرح صاحب الجواهر والمحقق الحلي في الشرائع: لو حصلت للمسلم شبهة في دينه حتى وإن كان متولدا في بلاد الغرب ولم تسنح له الفرصة في تعلم العقائد الإسلامية وأنكر على أثرها بعض العقائد المتسالم عليها بين المسلمين فيجب قتله بمجرد رجوعه إلى بلاد المسلمين حتى لو تاب ورجع إلى الإسلام وتبرأ من قولته الشنيعة ألف مرة!! (ص 135-136).

علما أن القرآن لا يتعرض لهذه المسألة اطلاقا مع أنه بيّن حكم ما هو دونها في الخطورة والأهمية كحد الزاني والسارق والقاذف وغيرهم، وفي المقابل نقرأ العديد من الآيات التي تؤكد حرية الإنسان في المعتقد والدين من قبيل: "لا إكراهَ في الدينِ قد تبيّنَ الرشدُ من الغيّ" (ص 407).

والغريب أن هؤلاء الفقهاء ومن تابعهم من الإسلاميين الأصوليين برغم التزامهم بمثل هذه الفتاوي المخجلة، لازالوا يتشدقون بأن الشريعة الإسلامية قد أقرّت للإنسان والبشرية أجمع جميع الحقوق المشروعة أكثر مما ذُكر في لائحة حقوق الإنسان العالمية وأفضل !!

الحريات السياسية والفكرية

لم يكن نمط الحريات السياسية مطروحا في أجواء الفقه الإسلامي بمثل هذه الصياغة الحقوقية والفلسفية الحالية. ومن هنا تعتبر هذه المسألة من المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي حيث ينبغي على الفقهاء دراستها في إطار مفاهيم جديدة عن الحرية والعدالة ووفق مقاييس تنسجم مع تطور الآفاق المعرفية للإنسان المعاصر. أما الحرية المتداولة في التراث الديني فهي حرية من نمط آخر، يُراد بها، في الكتب والدراسات الفلسفية والكلامية الحرية إزاء الجبر والتي تعني "الاختيار" في دائرة الفعل الإنساني، فيبحث هناك عن أن الإنسان هل هو حر في أفعاله، أو مجبور عليها كما في مذهب المجبرة؟ (ص 113).

ويطرح المؤلف مسألة هاما تتعلق بالمعتقدات الدينية التي تحولت إلى تابو وخطوط حمراء لا تسمح للفكر أن يتحرك ويطرح علامات استفهام حول أية مفردة من مفردات العقيدة مهما كانت صغيرة. وقد لبس رجال الدين ورموز المؤسسة الدينية ثياب حراس العقيدة وشرطة السلطة الدينية التي لا تقل استبدادا وتعسفا عن السلطة الرسمية وعملوا على إسكات علامات الاستفهام التي تمسّ من قريب أو بعيد امتيازاتهم واعتباراتهم القدسية التي اكتسبوها من خلال التخلف العام وتراجع الوعي لدى غالبية الناس. ومن هنا يفقد الإنسان حريته طواعية بعد أن فقدها إزاء السلطة الزمنية كرها (ص 122-123).

ويستشهد الباحث بالنائيني الذي يذكر إن الاستبداد الديني أخطر أشكال الاستبداد، بل إن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني حيث إن الأول يفتقر إلى المقومات الكفيلة بالحفاظ عليه، فهو مهدّد دائما بالانهيار لأدنى سبب، في حين أن الأمة تكون في الثاني مضلّلة ومخدوعة وتحسب أن ما يصدر عن رجل الدين المستبد من لوازم الدين، بينما هو نزعة فردية يتظاهر بها المتلبسون بزي الرئاسة الروحية بعنوان الدين، والفئات غير الواعية من الناس تطيعهم باندفاع وثقة (123-124).

وكما يشير المفكر نصر حامد أبو زيد إن: "من أهم التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا العربية فيما يتعلق بالإسلام ذلك الاستخدام الأيديولوجي النفعي للإسلام لتحقيق مصالح وغايات ذات طبيعة فئوية أو سياسية أو شخصية"(1).

ينطلق الإصلاح الحقيقي من تشغيل الناس لعقولهم والتحرك في خط الوعي. ومن هنا كان الإسلام المدني كما يذكر المؤلف متناغما مع العقل ومتطابقا مع الوعي بينما نرى أن أغلب رجال الدين في التيار السلفي والسياسي يسعون دائما إلى التعتيم على الوعي وقولبة الذهنية المسلمة بقوالب جامدة على النصوص من خلال عملية غسل دماغ رهيب مستخدمين أدوات دينية صارمة لا تسمح للعقل أن يتحرك ولا للفكر أن يطرح علامات استفهام حول الحالة الثقافية المزرية والانحطاط الأخلاقي والسياسي للمسلمين (ص 236-237).

إن أتباع الديانات المختلفة في بداية ظهورها كانوا يعيشون الانفتاح على الآخر والحوار معه من أجل تحويل الدعوة الجديدة إلى واقع حي، ولكن هذه الحالة الحضارية تأخذ بالنضوب والفتور حالما يتحول الدين من إيمان قلبي مشحون بالعواطف الدينية والقيم الأخلاقية إلى هوية شخصية للفرد والمجتمع ويصبح الإسلام في المجتمعات الإسلامية عبارة عن عنصر من عناصر الهوية المجتمعية، وتتحول المؤسسات الدينية إلى كيانات رسمية تهدف إلى الاحتفاظ بوجودها وقداسة أفرادها من خلال الدفاع عن الدين بما هو دين الهوية لا بما هو إيمان قلبي يدعو الإنسان إلى الانسجام مع خط الرسالة والقيم الأخلاقية.

إن النصوص الدينية جاءت لمعالجة بعض العقبات والمشاكل التي كانت تعيشها المجتمعات القديمة وتتحدث في خطابها الديني بلغة ذلك العصر بكل ما يحفل به من ثقافات وعلاقات وتقاليد وأعراف. أما الدين الإسلامي فلم يلزمنا بالتعبد بكل ما ورد في الشريعة حتى مع تغيّر مقتضيات الزمان والمكان والعرف، وبديهي أن الأحكام الشرعية إنما ترد على موضوعاتها المعينة لها بالخصوص، فاذا تغيّر الموضوع يتغير الحكم، أي أن الموضوع علّة للحكم كما هو ثابت في البحوث الفقهية (ص 135-136).

الخطأ الذي وقع فيه أصحاب العقل الأصولي هو أنهم جرّدوا الأحكام الشرعية من مكانها الواقعي الذي شُرعت له وأرادوا زرعها في أجواء متباينة تماما عن الأجواء المناسبة لها، والسبب الذي دفعهم إلى الوقوع في هذه الفوضى الفقهية وجمودهم على النصوص هو عدم تمييزهم بين الدين والشريعة، فكما يرون أن الدين الإسلامي يصلح لكل زمان ومكان فكذلك الشريعة الإسلامية.

إن القيم والتصورات وأساليب الادراك والتقييم وأنواع السلوك المتولدة عن الخطاب القرآني تختلط في الحياة العملية (بواسطة أداء الطقوس الفردية والجماعية) بقيم وتصورات الرأسمال الرمزي القديم السابق على القرآن والسائد في الجزيرة العربية. إنها تختلط به من أجل تشكيل عادات متأصلة وجبَّارة تمتلك الفرد أكثر مما يمتلكها وتشكل نوع حركاته ومواقفه الجسدية ومخياله أنها تحد من حريته في الفكر والممارسة(2).

الرؤية الأخيرة للدين تجتمع مع مبدأ "التعددية" في واقع المجتمع المدني فليس هناك عداء مع أحد من المذاهب والأديان الأخرى فكلها تصل إلى الحق، أي أن الإيمان المبني على أساس التجربة القلبية يستوعب في دائرته التعددية في المذاهب والأديان. وهذا لا يعني النسبية في الحق كما يتوهم اتباع التيار السلفي أو الأصولي، بل النسبية في فهم الحق. فالمسلم له قناعاته ومعتقداته ولكنه مع ذلك لا يرى في إيمان الآخرين بدينهم ومذهبهم مندوحة ولا يتهمهم بالكفر والشر وأنهم اتباع الباطل ومن أهل النار وما شاكل ذلك، لأن لكل طائفة دينية أدلتهم وقناعاتهم التي توصلهم إلى الحق لو تحركوا بدافع الوجدان وعنصر الخير في واقع الإنسان (ص 229-230).

الإسلام والنظام السياسي

لم يرد في القرآن تأكيد وتقرير أسلوب نظام الحكم، بل ورد التأكيد على العدالة في الحكم، وكان القرآن لا يرى في تعيين أسلوب نظام الحكم أنه من شؤون الدين، بل يرى أن توضيح القيم والمثل المرتبطة بالحكومة هي من شأن الوحي والدين.

عندما كان النبي محمد في مكة ولمدة ثلاثة عشر عاما لم تنزل عليه آية واحدة تتحدث عن أمور سياسية وشريعة معاملاتية رغم أن ثلثي القرآن نزل في هذه الفترة بالذات. ألا يعني هذا أن مسألة النظام السياسي في الإسلام ليست من ذاتيات الدين وغير صادرة عن الله، بل تمثل حالة طارئة على الدين خاضعة للظروف الخارجية والمتغيرات الاجتماعية؟ ( ص 458).

في السابق لم يكن الفرد يدعي أن له حقا في السلطة والنظام السياسي سوى ما يراه أهل الحل والعقد في عملية الشورى والتي تقترب كثيرا من النظام الارستقراطي وحكومة الاشراف والنبلاء أو الحكماء والفلاسفة بحسب نظرية افلاطون، ولكن المتغيرات الكثيرة التي عاشتها المجتمعات البشرية في العصور المتأخرة خلقت مفاهيم جديدة وحقوقا مستحدثة ومصالح اجتماعية لم تكن في السابق، وبما أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، كما يقول الفقهاء، فالأحكام التي كانت صالحة لمجتمعات ماضية سوف لا تكون كذلك لمجتمعات لاحقة نظرا لتغير المصالح والمفاسد في هذه المجتمعات، وهذا يعني تبدل موضوعات الأحكام وبالتالي يستدعي تبدل الأحكام نفسها.

كان مفهوم النظام الديمقراطي مغيبا عن دائرة المفكر فيه لدى الذهنية المسلمة، ولذلك لا نجد لهذه الكلمة عينا ولا أثرا في التراث العربي الإسلامي على الرغم من انتقال كم هائل من علوم اليونان ومصطلحاتهم الفلسفية إلى أجواء الفكر الإسلامي في العصور الأولى للنهضة الحضارية للمسلمين. أما بالنسبة إلى علماء التيار الإسلامي التجديدي فلا يرون أن الديمقراطية تتقاطع مع الإسلام، بل العكس من ذلك، فهي الأسلوب الوحيد الذي يحقق أكبر قدر من العدالة ومراعاة حقوق الإنسان.

مفهوم الطاعة المطلقة للسلطان وتسويغ الخنوع والاستبداد هو ما قرره أحمد بن حنبل في فتواه: "من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه برا كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين" (ص 418).

مثلا رأينا الحكومة الإسلامية في أفغانستان بعد استيلاد طالبان على الحكم في الفترة 1996-2001، تقتصر في تطبيق وتجسيد العدالة الإسلامية على فرض العزلة على النساء ومنع الموسيقى والجلد وقطع الأيدي وقطع الرؤوس للمخالفين في ظل استمرار نزف الدم والحروب الداخلية بين الأحزاب الإسلامية والفئات المتناحرة على السلطة حتى زاد عدد القتلى والجرحى والخراب الاقتصادي أضعافا مضاعفة عما كان عليه الشعب الأفغاني في عهد الحكم الماركسي (ص 223). وها هي طالبان تعود إلى الحكم بعد إعلان الولايات المتحدة سحب قوتها، وهناك خشية كبيرة من ممارستها نفس النهج الوحشي.

على صعيد التشريع والقول بوجود قواعد كلية في الشريعة تكفي لسدّ الفراغ القانوني في عملية التشريع والتقنين في الحكومة الإسلامية، فمن الواضح أن جميع ما ذكر من قواعد وأصول كلية هي قواعد وأصول عقلية متوفرة لدى جميع دوائر التشريع والتقنين في المجتمعات البشرية، فلسيت هي إسلامية بالأصل حتى يقال بأن الشريعة الإسلامية جاءت بكل صغيرة وكبيرة في مجال التشريع ولا حاجة لأعمال الفكر والعقل في هذا المجال، فمن لا يعلم من العقلاء أن قاعدة "أوفوا بالعقود" هي قاعدة يسير عليها جميع عقلاء العالم في جميع المجتمعات من أول التاريخ البشري ولحد الآن.

ويثير المؤلف مسألة هامة وهي أن القانون الأفضل هو الذي يراعي العدالة بشكل أفضل، والعدالة هي المطلوب بالأصل، والقانون بمثابة آلية وأسلوب لإحقاق الحق. وهذا لا يعني أن الشريعة المذكورة في كتب الفقه بإمكانها تطبيق العدالة المطلقة على أرض الواقع وأنها هي الأفضل بشكل مطلق كما يزعم اتباع التيار الأصولي، لأن مقتضيات الواقع المتغيّر قد تفرض حلولا وأحكاما تنسجم مع معايير العدالة بشكل أفضل من الأحكام الشرعية حيث نلاحظ مثلا وجود بعض التمييز في الأحكام الشرعية بين الرجل والمرأة وبين المسلم وغير المسلم، والسادة والعبيد وغير ذلك، وهذه الأمور لا تتطابق مع معطيات القانون المدني الحديث الذي ينطلق من أرضية للحقوق الاجتماعية والسياسية تقوم على المساواة بين أفراد المجتمع (ص 245-246).

إن القرآن نفسه نسخ بعض احكامه وجاء بأحكام أخرى في فترة زمنية وجيزة نظرا لتغير الظروف والحالات في دائرة العلاقات الاجتماعية والسياسية للمجتمع الإسلامي الأول. حتى عدّ السيوطي في الاتقان واحدا وعشرين موردا من موارد النسخ في القرآن، ووصل عددها عند ابن الجوزي 247، وعند ابن حزم 214، وعند ابن بركات 210 موردا. والقرآن يصرح بجواز النسخ حيث يرد: "ما نَنَسخ من آية أو نُنسِهَا نأتِ بخير منها أو مِثلها". وقد ورد عن علي بن أبي طالب قوله لقاض: "اتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت" (ص 255-257).

هناك خلط موهن في كتابات الإسلاميين بين خاتمية الدين وخلوده وبين تاريخية الشريعة حيث ظنوا أن الدين الإسلامي لكونه خالدا وأبديا إلى يوم القيامة. فكذلك الشريعة الإسلامية صالحة لجميع المجتمعات البشرية إلى يوم القيامة، وهذا اشتباه كبير ولا دليل عليه، وحتى عندما نلاحظ أدلة هؤلاء الكتاب نرى أنهم يستدلون على استمرارية الشريعة الإسلامية بمسألة الخاتمية وخلود الدين، وهذا هو منشأ الخطأ والخلط.

ولاية الفقيه

إن المستفاد من عدم بحث علماء الإسلام نظرية ولاية الفقيه في كتبهم العقائدية والفقهية، بل عدم قبول الكثير منهم بهذه النظرية، أن هذه المسألة لا تشكل أصلا من أصول الدين ولا فرعا من فروعه، ولكن أنصار الإسلام السياسي سعوا بجدية إلى إقحام هذه المسألة في الدين وما هي من الدين لإضفاء شيء من القداسة الدينية عليها. إذ يقول الخميني في كتابه الحكومة في الإسلام "وكمقدمة للبحث أرى من الضروري الإشارة إلى أن الحكومة الإسلامية امتداد لحاكمية الله، وامتداد للولاية والسلطة التكوينية وربوبية الله" (ص 330-331).

في الفكر الشيعي لا تستمد سلطة نائب المعصوم وولي الأمر في عصر الغيبة من الأمة، إنما سلطته إلهية، بحيث أن الرادّ عليه رادا على الإمام المعصوم، والراد عليه كالراد على الله وهو على حدّ الشرك بالله، ورغم أن الأمة هي التي تساهم في عملية اختيار الإمام الاّ أنه بعد هذا الاختيار سيأخذ موقعه وإمامته باعتباره نائبا للإمام المعصوم ووكيلا عنه (لا عن الناس!) في إدارة شؤون الأمة مما يعني أن السلطة ستكون مستمدة من سلطة الله الذي هو مصدر كل السلطات.

فإذا علمنا أن الخط السياسي لتحرك المسؤوليين والأحزاب وطبقات الشعب لابد وأن يكون وفق ما يراه المرجع صلاحا للأمة، ويكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للأمة من الناحية السياسية كما يقول محمد باقر الصدر، فحينئذ ندرك جيدا أبعاد الحكم الفردي والاستبدادي الذي تصوغه لنا هذه النظرية الدينية حيث تتحول جميع المؤسسات والأحزاب والفئات السياسية إلى كيانات رسمية محنطة في قوالب معينة لرؤية فقهية اجتهادية واحدة لا تسمح للفكر أن يتحرك من موقع النقد والاعتراض، وليس لجهة أو فئة قانونية حق محاسبة المرجع ومراقبته ومؤاخذته، فلا يسأل عن شيء وهم يُسألون.

بما أن الحكومة تستلزم التصرف بأموال الناس وتقييد حريتهم وتحديد حقوقهم فالأصل الأولي في هذه المسألة أن "لا ولاية لأحد على أحد" و"الناس مسلطون على أموالهم" كما ورد في القواعد الفقهية، فلا حكومة لأحد على أحد ألا برضا نفسه وطيب خاطره، وهو معنى أن الحكومة يجب أن تكون برضا الناس وموافقتهم لتكون مشروعة (ص 390).

عند البحث في هذه المسألة من جذورها التصورية نرى أن عنصر الاستبداد كامن في جذور النظرية وفي تصور دعاة الحق الالهي في السلطة حيث يقررون حقيقة أن ولاية الفقيه ليست من نوع الوكالة أو النيابة عن الأمة أو عن المعصوم، بل هي من نوع ولاية العقلاء على المحجورين أو ولاية الكبير والقيّم على الصغار! يقول الخميني : "ولاية الفقيه أمر اعتباري جعله الشارع كما يعتبر الشرع واحدا منا قيمّا على الصغار، فالقيّم على شعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيم على الصغار إلا من ناحية الكمية" (ص 422-423).

ويذكر القبانجي التهافت السافر في مواد الدستور الإيراني الذي يقرر منهاجه أن السيادة لله وحده، ومن جهة أخرى يفوض أمر هذه السيادة لرجال الدين، وفي ذلك يقول عبد الله أحمد النعيم: تعكس المادة الرابعة وغيرها من مواد الدستور الإيراني غموض موقف الشريعة من مبدأ السيادة، فمن جهة نجد أن المادة الثانية تذهب إلى أن الجمهورية الإسلامية هي نظام يقوم على الاعتقاد بأن "لا إله إلا الله، وأن السيادة لله وحده، وقبول حكمه، وضرورة إطاعة أوامره" ومن جهة أخرى نجد أن السيادة التي يفرد الله وحده بها يترجمها الدستور إلى وصاية علماء الدين، وبالتالي يثور السؤال: ما جدوى الحديث عن سيادة الله وحده إن كان البشر هم الذين يمارسونها عملا؟ (ص 463).

لم يكن الاقتصاد الإسلامي في المشروع الإيراني بأحسن حالا من الموقف العسكري حيث وجد المسؤولون الإيرانيون أنفسهم مضطرين إلى اتباع سياسية النظام الرأسمالي الحر الذي يقوم على الفائدة الربوية في البنوك وخصخصة المصانع والشركات الحكومية وبيعها إلى القطاع الخاص. وفي السياسية أيضا تم الابتعاد عن المبادئ والأصول الدينية واتخاذ عنصر المصلحة، أي مصلحة النظام كمعيار للعلاقات الرسمية مع الدول الأخرى والتغافل أو الغاء ما طرحه الخميني من شعارات في أول الثورة من الاعتماد على الشعوب والاهتمام بمصلحة المستضعفين في العالم وتصدير الثورة وأمثال ذلك، وحلت محلها التعامل مع الدول على أساس المصالح لا على أساس المبادئ. وليس من المعلوم أنه سيأتي يوم تتبدل فيه المصلحة وإذا بإيران تقيم علاقات مع أمريكا وإسرائيل، ويتساءل لمؤلف هنا: ماذا بقي من أسلمة النظام أو ما هي الغاية من الحكومة الإسلامية إذا كانت تعتمد في جميع أمورها وشؤونها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على محور المصلحة؟ (ص 224-225).

 

د. هاشم نعمة

......................

الهوامش

1- نصر حامد أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل، ط 1 (الدار البيضاء| بيروت: المركز الثقافي العربي، 2010)، ص 27.

2- محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ط 3 (بيروت: مركز الانماء القومي، 1998)، ص 103.

 

 

2753 ذياب مهدي آل غلامكان هذا الشقي يمتلك الجرأة في كسر الحواجز، وصنع الصورة المكثفة، من خلال إرادته وعبثيته وعدم مبالاته بمصائر الأمور، فالسرد كان صادم ومستفز أحياناً، لكنها إرادة أديب أراد أن يتمتع بحرية بعيداً عن كل القوالب الجادة، واعتبر نفسهُ إنساناً يستحق أن يفعل بإرادته كل ما يرغب فيه من تنازعات الجسد والرغبات والغريزة، ذلك هو الأديب والكاتب والباحث والشاعر ذياب مهدي محسن آل غلام، الذي جسد كل أموره الصعبة في كتابه الموسوم (القرنفل الشقي.. أوراق من سيرة الأيام) الصادر هذا العام عن دار سما للطباعة والنشر والتوزيع وبواقع (486) صفحة من القطع الوزيري ذات الطباعة الراقية والغلاف الجميل، وقد تضمن الكتاب أكثر من (60) قصة قصيرة عن مغامرات القرنفل الشقي.

عندما بدأت بقراءة مذكرات أخي وصديقي ذياب آل غلام وجدتها تستفز رغبة الإشارة إليها بين صفحة وأخرى تجعل الكتابة عنها من الأمور الصعبة، لكني سأتحمل مجازفة الاقتراب من هذا الشقي في مذكراته التي كتبها لمرحلة طويلة من حياة الشباب، عائداً ولائذاً بذاكرته لحقبة السبعينيات وما تلاها حتى أيامنا هذه، كانت ذاكرة الشقي ذياب النشطة تمتلك خزيناً من السرد العجيب لوقائع واحداث حقيقية مرَّ بها هذا الشقي، وقد سرد تلك الأحداث بطريقة غير مألوفة لدى الروائيين والأدباء بسبب ما يمتلك من جرأة ومصداقية في نقل الحدث، فأحداث الكتاب يجعلك كأنك تشاهد فلماً سينمائياً واقعياً، فتشدك حتى تجد نفسكَ أحياناً كأنك طرف في هذه الأحداث الرومانسية، وهذا ما اتقنه الشقي ذياب ببراعة الكاتب وحبكة تظل تتساءل كيف قام بها خلال مرحلة الشباب بين الوعي واللاوعي في الأفعال والنزعات مهما تغيرت الظروف والأماكن.

في قصصه القصيرة ينقلنا إليها الشقي وكأنها روايات كاملة لدى كُتّاب آخرين، وجرأة الكاتب وانغماسه في واقع المعاشرة بلا رتوش ولا تهذيب ولا محاباة. هذه الروايات التي تجاوزت (60) يعتز بها الكاتب، فهي جزء من حياته وعنفوان الشباب والرجولة، ومن خلال فكرته ورواياته يضعنا أمام تساؤلات تتجمّل فيها طريقة سلوكه لحياة جميلة طَيّعة من أفكار وأفعال وإغراءات وضغوطات وانهيار لكل مقومات الحياة من حوله، وكذلك نجده يعري حواء بقلمه ومبضع العمليات الذي يمتلكهُ، فيصفها ويرسمها ويشرحها، يجعلها ملكة جمال أحياناً ويدعونا لعشقها بعض الأحيان، فوسط هذا الكم الهائل من الروايات القصيرة والسرد الحقيقي، لا بد لنا أن نذكر تلك هي الحقيقة الممتزجة بالواقع والأكثر جرأة على التحليل والفهم، ومشاكسة النفس ذاتها في بعض الأحيان.

فالأديب ذياب آل غلام قد انفرد بسلسلة أقاصيصه التي اتخذت عنوان (القرنفل الشقي)، وكان السَبّاق في هذا الإنجاز الأدبي المائز، وبنصوص السرد القصصي الغني بالصورة العميقة، ولكني اتساءل هل اختزل الشقي ذياب الأنثى مجرد أداة جنسية تحرض آدم على المعصية؟ أم أنه أخرجنا من قيود أساطير الكتب الدينية لعالم الأنثى بعيداً عن الكتب والروايات الكلاسيكية؟ قراءة كتاب (القرنفل الشقي) دفعتني للتأمل بعقلية الرجل الشرقي الواثق من نفسه. جزيل الامتنان والشكر للأديب ذياب آل غلام لكتابه الماتع هذا والذي أخرجنا من كآبتنا وأمراضنا النفسية ونظرتنا للأنثى إلى عالم الرومانسية والإمتاع الجميل.

ولا ننسى أن الأديب ذياب مهدي آل غلام قد صدر لهُ في سنوات سابقه عدّة إصدارات في مجال الشعر منها: ليالي البنفسج، وحياة الأيام، والقرمطي لا يخلع عهده، وسونية الغجر، والمشي على أطراف الروح، وعاشق مضرج بالنهد. أما في مجال البحث فقد صدر له من المؤلفات ما يلي: مقهى عبد ننة إرث نجفي عراقي حضاري، والإسلام والماركسية دراسة فكرية مقارنة.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

فراس زوينفي كتابه (على مائدة كورونا)  يرى الكاتب والصحفي علي حسين باننا "عندما نتحدث عن وجودنا فانا نقصد به وجود البشرية ككل، فالقضية لم تعد مصير الانسان الفرد كما في روايات دوستويفسكي، فالإنسان اصبح سيد للطبيعة الى الحد الذي اصبح فيه يستطيع ان يمحوا كل اثر للحياة،".

هل سيتمكن الانسان من اتخاذ القرار المناسب الذي يحفظ وجوده؟ سؤال يحاول الكاتب علي حسين الإجابة عليه في كتابه "على مائدة كورونا" والصادر من دار الكتب العلمية ب ١٨٥ صفحة، من خلال الاستعراض الفكري والفلسفي ل ٢١ من اهم الفلاسفة والادباء والمفكرين المعاصرين، مثل فوكوياما، وسلافوي جيجيك، وامارتيا سِن، ونعومي تشومسكي، وامين معلوف، والآن تورين، وادغار موران، واورهان باموق، واليف شافاك، وغيرهم من ارباب الفكر والفلسفة والثقافة والادب، المعاصرين والذين تناولوا فكرياً وفلسفياً جائحة كورونا وتأثيرها على المجتمع العالمي بشكل عام وعلى المواطن بشكل خاص، بصفته المستهدف الرئيسي سواء من الوباء او من الاجراءات الاحترازية على حد سواء.

يتناول الكتاب هذه النّخَب ممن عاصروا وعايشوا ازمة كورونا، ويسلط  الضوء على نقدهم للفكر العالمي الذي واجه هذه الازمة والمتمثل غالباً بالفكر الرأسمالي للدول الكبرى، وسقوطها المدوي في "الاغراء النفعي" كما يصفه الكتاب والذي يعني به تفضيل وترجيح كفة الاستقرار الاقتصادي واعتبار أهميته اكبر من أهمية قدرة النظام الصحي على توفير الرعاية الصحية للأعداد الهائلة للمرضى، وبالتالي تزايد معدلات الوفيات في هذه الدول، بالرغم من كون الانسان يفترض ان يمثل اعلى اولويات هذه الحكومات، وخصوصاً بالنسبة للسياسات الكبرى لتلك الدول التي طالما تبجحت بالإنسان وحقوقه المفترضة، واراقت بتلك الذريعة انهار من الدماء والدموع، فهل كان الانسان وصحته وسلامته في اعلى قمة هرم اولويات الفكر الرأسمالي باعتباره الايدلوجية الاقتصادية والسياسية التي تحكم العالم بدون منازع؟؟ ولعل هذه الصورة المشوهة للأسس الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي تحكم العالم الان بالفعل أخرجت ماركس من قبره كما يصف علي حسين لإعادة النضر بالأخلاقيات التي تسير العالم اليوم، والتي أودت بالمؤسسات الحكومية ان تضع المصلحة الاقتصادية ليس فقط فوق مصلحة الانسان بل فوق وجده اصلاً  .

يصور كتاب على مائدة كورونا للقارئ التبدل الحاصل في الفكر الإنساني تحت ضغط الجائحة، ووضع العالم امام إشكالية متنوعة من عدم اليقين فهذا الفيلسوف الفرنسي "ادغار موران" الذي استبق الأحداث بإصدار كتابه "هل نسير الى الهاوية" عام 2007 ليعلن في وقتها ان العالم اصبح محكوماً بمصير جماعي موحد، يعود ليقف وهو في  عمر التاسعة والتسعين حائراً وعاجزاً عن ادراك وجهة الانسان القادمة  "فنحن لا نعلم شيء عن مصدر الفايروس، سوق الحيوانات بمدينة ووهان او مختبر مجاور؟ ولا علم لنا بالتحولات التي حدثت او ستحدث على هذا الفايروس خلال انتشاره، ونحن لا نعلم متى تتراجع الجائحة وما اذا كان هذا الفايروس سيظل قاتلاً ؟"، ان هذه الحيرة الفكرية دفعت بالأسئلة الفلسفية بعيداً عن وجهتهما التقليدية ووجهها التاريخي، كما عند الفيلسوف الفرنسي "ريجيس دوبريه" الذي بدل ملامح سؤاله من "كيف يجب ان يحيا المرء؟ او ماذا عليه ان يفعل؟ " الى سؤال ذي وجهة ثانية بعيدة كل البعد وهو "كيف يمكن ان يحيا المرء"؟ وغالباً ما تكون الإجابة بالعودة الى منابع المعرفة الاصلية والمتمثلة بالوعي والادراك الإنساني الخالص، والقائم على الاستنباط والاستقراء العقلي، والذي قاد المسيرة المعرفية للإنسان منذ ادراكه الأول ولغاية اعلان موت الفلسفة على يد "ستيفن هوكنج" .

لعل الخال علي حسين الكاتب الذي اهتم بالأدب وانشغل بالفلسفة، وعاش معظم حياته متنقلاً بين صفحات الكتب وطيات الاوراق، عاشقاً لرؤية دوستويفسكي وثورية ساتر، واوهام دون كيخوت،  قد اثار في هذا الكتاب العديد من الأسئلة التي يمكن ان نصفها بالأسئلة الحية النابعة من حيرة الانسان اليومية في مواجهة خطر الموت الجماعي فهو يرى "ان مسألة الوجود الانساني لم تعد مقتصرة على نصوص الروائيين وقصائد الشعراء وتنظيرات الفلاسفة، والغازهم في الوجود والعدم، وانما اصبح الوجود الانساني موضوع يناقش على المائدة في البيت وسط حالة من الذعر اصابة البشر بعد انتشار فايروس كورونا"، في الوقت الذي اعتقد فيه الكثيرون بموت الفلسفة بمفهومها التقليدي وانحسار تأثير رجالها، امام التقدم العلمي والمعرفي الهائل الذي سحب البساط من تحت اقدام الطرق التقليدية للتفكير والتأمل والبحث العلمي للإنسان، ولكن الازمة الصحية التي ضربت العالم باسره اعادت للفلسفة اعتبارها كما يرى الفيلسوف الفرنسي "جان لوك نانسي" الذي سبق وكتب ان الفلسفة تصبح وثيقة الصلة للغاية بين الناس في حالات الازمات، حيث تزدهر الأسئلة العميقة التي تناقش البوصلة الأخلاقية للأفراد والسلطات"، وبشرت بقرب ولادة فكر جديد يولد من رحم المعاناة الانسانية كما يرى الفيلسوف والمفكر "سلافوي جيجيك" الكهل الذي بلغ 71 عاماً، بمظهره البسيط وتيشيرته الملون وطريقة كلامه وقصة شعره التي جعلت البعض يشبهونه ب "الفيس بريسلي" للفلسفة، والذي تنبأ بولادة هذا الفكر الجديد انطلاقاً من فكرة اليأس، فعلى العالم كما يراه جيجيك ان يجمع قواه لتّحمُل اليأس والاعتراف بان الضوء في نهاية النفق يأتي من مصباح في قطار اخر يقترب، وان علينا الادراك بان التغيير الاساسي يمكن ان يكمن في زاوية اخرى من تفكيرنا، ففي ظل عجز الرأسمالية عن بناء المدينة الفاضلة حتى بعد مرور عقود على سقوط جدار برلين، يرى جيجيك ان الفوضى القادمة هي المخاض الاخير للإنسانية، والذي سينتج عنه التفكير في مجتمع بديل خارج الدولة القومية، مجتمع يحقق نفسه بأشكال التضامن والتعاون العالمي.

في نهاية المقالة يبقى سؤال اخير، في اي خانة نضع كتاب على مائدة كورونا لعلي حسين؟؟ اذا اخذنا بالاعتبار نصيحة الفيلسوف البريطاني فرنسيس بيكون "بعض الكتب للتذوّق، وبعضها للبلع، والقليل منها للمضغ والهضم."،، سأترك الاجابة على هذا السؤال للقارئ، واكتفي بالإشارة الى رأي "كولين كولتر" الناشر بدار "بلومزبري" للنشر "إذا قرأت الكتاب المناسب في الموضوع المناسب وفي اللحظة الحاسمة، ستضمن إحراز النجاح، ولا شك ان الكاتب قد تناول موضوعا مصيريا في لحظة حاسمة من الوجود الانساني، حيث العالم لايزال تحت تهديد فايروس كورونا وتطوراته التي لاتزال تهدد عشرات ومئات الملايين من البشر.

 

فراس زوين

 

 

محمود محمد عليتستند فلسفة عائلة "ماريتان" إلى أدلة مستمدة من الحواس المكتسبة من خلال فهم المبادئ الأولى. دافع ماريتان عن الفلسفة بأنها علم معارض لأولئك الذين يحطون منها، وروج ذلك للفلسفة باعتبارها "ملكة العلوم". أكمل "جاك ماريتان" في عام 1910 مساهمته الأولى في الفلسفة الحديثة، مقال يتكون من 28 صفحة بعنوان "العقل والعلوم الحديثة" نشر في مجلة "مراجعة الفلسفة" (عدد يونيو). حذر في مقاله من أن العلم أصبح اليوم إلاها، يغتصب منهجه دور العقل والفلسفة. حل العلم محل العلوم الإنسانية في الأهمية (15).

أما بالنسبة للفلسفة التومائية فيقول ماريتان " أن التومائية ترى أن حياة العقل ينظر إليها من جانبها العقلي الخالص والاستنباطى ومن وجهة نظر الترابط بين التصورات بعضها البعض و أن هذه الحياة تقدمية فى جوهرها وانتقال من الغير إلى الغير فى الروح (16). وفي رأيه أنه لا صدام بين الإيمان والعقل, وأن المعتقد عقلاني، ومع ذلك فان القانون المتحكم في الطبيعة البشرية مشتق من القانون الإلهي, وأن الخير الخاص متسق مع الخير العام الذي يحدده المجتمع. ومع ذلك فثمة خير آخر يتجاوز الخير العام وهو ما يسميه "ماريتان" الخير الروحي، وعلي الجماعات السياسية، أن تعترف بذلك الخير وتمارسه؛ وتأسيسا علي ذلك كله يرفض "ماريتان" الأنظمة السياسية التي ليست محكومة بسلطان الله، أو بالأدق بمركزية الله (17).

ومن منظور تومائي دافع "ماريتان" عن ميتافيزيقا الوجود، والتصور الطبيعي للعقل، وعن قيم الفضيلة الأرسطية، ورفض بشدة التصورات الوضعية والتاريخانية الحديثة، بل أدان بشدة النظم العلمانية المعاصرة وما يرتبط بها من قيم مدنية، وإن انتهى في آخر محطات مساره الفكري إلى قبول أطروحة الفصل بين الدين والدولة، مع التشبث بمكانة الدين الثابتة في النسق الأخلاقي العام (18).

كان الباباوات الثلاثة الذين سبقوا بابا الفاتيكان الحالي من أشياع وأتباع ماريتان، بدءاً ببولس السادس الذي كان شديد القرب من الفيلسوف الكاثوليكي الفرنسي، وبينهما مراسلات طويلة تتمحور حول النزعة الإنسانية الجديدة التي بشّر بها البابا في مقابل الإنسانية التنويرية الملحدة، والنزعة الماركسية المتعارضة مع الضمير الأخلاقي للمسيحية (19).

أما البابا يوحنا بولس الثاني، فقد اعتمد على فكر ماريتان في نزعته العقلانية ذات الخلفية الطبيعية التومائية، بما يبدو جلياً في ثلاثيته المتعلقة بالحرية والحقيقة والخير. وقد عبّر البابا "يوحنا بولس" عن الدَّين الذي يشعر به إزاء ماريتان خلال المناسبة الاحتفالية التي أقيمت للفيلسوف الراحل في الفاتيكان عام 1982 بمناسبة مئوية ميلاده، معتبراً على الخصوص أن ماريتان جدد الفلسفة التومائية وطرحها بديلاً فلسفياً ناجعاً للقرن العشرين من منظور يفتح العقل على المُفارِق والمطلَق وعلى رسالة الخلاص الأزلي المسيحية (20).

أما البابا السابق بنديكت السادس عشر الذي هو دون شك من أكبر العقول الفلسفية اللاهوتية المسيحية المعاصرة، فقد ركز اهتمامه على إشكالية العقل والإيمان، التي هي إشكالية تومائية تقليدية، استأثرت بجانب كبير من مشاغل "جاك ماريتان". وفي هذا السياق، نجد لدى البابا المتنحي أطروحة ماريتان حول "العقل المتسع"، أي قدرة الإيمان على تنشيط العقل وإخراجه من عزلته الضيقة، ليكتشف الجوانب العقلية في الوجود في أبعاده المختلفة (21).

قد تكون اهتمامات البابا الحالي فرنسيس بعيدة عن المنحى الفلسفي لماريتان في لغته الميتافيزيقية العتيقة، وأقرب للتيارات الاجتماعية في الكاثوليكية التي انتشرت في أمريكا اللاتينية (وعرفت بـ"لاهوت التحرير")، لكنه كغيره من اللاهوتيين الكاثوليك تظل مرجعيته تومائية، وبالتالي يبقى في صلة تأثر وقرابة بماريتان (22).

إن هذه الأطروحة ذات الخلفية اللاهوتية البعيدة هي ما يجعل من ماريتان فيلسوف اللحظة الراهنة في المجتمع الأمريكي  ؛ خاصة بعد أنُشئ معهد جاك ماريتان بجامعة نوتردام في عام1958 ومعه أنشئت عشرون جمعية تنشغل بدراسة فلسفة جاك ماريتان. وقد امتد تأثيره إلي أمريكا الجنوبية وماريتان في هذا التأثير مروج لمعاداة العلمانية والتنوير بحكم التزامه بفلسفة توما الأكويني المتناقضة مع الرشدية اللاتينية (23).

وحول فلسفته الاجتماعية ففى عام 1926 أصدر البابا قرارا بإدانة الحركة، أو الحزب اليمينى المنتمى إليه ماريتان، فتخلى ماريتان عن ارتباطه بالحركة ثم أصدر عام 1936 كتابه " النزعة الإنسانية الكاملة " وانتقد غزو إثيوبيا وهاجم الملكية بعد تولى زمام الأمور فى فرنسا للاشتراكيين والشيوعيين، وأخذ يغازل الديمقراطية ، وأصبح ماريتان رغم انتقاده لأسس الفلسفة الليبرالية، ولكنه أصبح يقف جانبها فيما يتعلق بالسياسة العملية، وصار من اشد المدافعين عن التقليد الجمهورى فى فرنسا، ولكن من وجه نظر الدين الكاثوليكى؛ حيث حرص ماريتان على توضيح دور الدين فى الحياة، فهو يرى أن مع اهتمامه بالعلم والفلسفة ، ولكن ذلك يكون فى نطاق الدين أيضاً، وأن كان الدين فى حاجة للقديسين، فذلك يعنى أن الدين هو الأساس (24).

ويرى ماريتان أن المجتمع المدني يقوم على أساس المصلحة المشتركة والعمل المشترك ، وهما شيئان ذوا صفة أرضية، أو زمنية، أو دنيوية؛ وفى العصر الحديث جرت محاولة لتوطيد أسس الحياة الدنية على أساس العقل فحسب منعزلاً عن الدين ، وقد انتعشت هذه المحاولة ولكن سرعان ما أخفقت ونظراً لتهميش دور الدين، ومن خلال ذلك يرى "ماريتان" أن تقوم ديمقراطية جديدة ليست علمانية، بل تضع الدين ضمن إطارها ، وبالتالى يكون ممكناً لبناء مجتمعا سليما، ويرى ماريتان أن كل مجتمع بشرى، إنما هو بناء قائم على السلطة؛ أى يحتوى على تنظيم لتسلسل السلطة، فبعض الناس يأمرون والآخرون يطيعون، وان كان المجتمع متساوياً، فلا بد من وجود فوانيين يرضخ لها الجميع، وذلك الخضوع قد يكون بالإكراه، أو الرضا، وأن كان بالرضا، فلا بد للخاضعين أن تكون لهم قيم يؤمنون بها (25).

وقد صرح مؤخراً الرئيس الأمريكي "جو بايدن" ، بأن فيلسوفه المفضل الذي يستمد منه برنامجه السياسي والاجتماعي هو "جاك ماريتان"، وهو لم يكن أغلب الناس قد سمع باسم هذا الفيلسوف الفرنسي المسيحي المتوفى سنة 1973. صحيح أنه تقريباً غير معروف في بلاده باستثناء حضوره في الأوساط اللاهوتية المسيحية، لكن له سمعة واسعة وتأثير كبير في أمريكا الشمالية والجنوبية. كان إذن من الطبيعي أن يعلن الرئيس الأمريكي الكاثوليكي عن إعجابه بهذا الفيلسوف الذي نشأ في بيئة بروتستانتية غير متدينة، لكنه اعتنق الكاثوليكية وأصبح من أهم المدافعين عن خط التومائية (فلسفة اللاهوتي الكبير توماس الإكويني) التي لا تزال هي المرجعية الأساسية لدى المؤسسة الدينية الكاثوليكية (26).

وبطبيعة الأمر، ليست هذه الجوانب الميتافيزيقية، هي التي يعني "جو بايدن"، حين يتحدث عن تأثره بفكر جاك ماريتان، بل إنه يعني فلسفته الاجتماعية التي تتمحور حول فكرتي التضامن الإنساني والعلاقة العضوية بين الفرد والمجموعة المدنية والأخلاقية (27).

إن "ماريتان" الذي يهم الرئيس بايدن هو مؤلف كتاب "الإنسانية الكاملة" الذي يدافع فيه عن حداثة ليبرالية تستبطن قيم التراحم والتعاضد التي نادى بها توماس الاكويني، وهو النهج الذي شكّل الإطار المرجعي للنزعات الديمقراطية المسيحية الأوروبية ومجموعات اليسار الكاثوليكي التي كانت نشطة في الأوساط النقابية العمالية (28).

إنها إذن كاثوليكية مختلفة عن المؤسسة اللاهوتية الأميركية المحافظة التي لم تتحمس للرئيس الكاثوليكي الثاني في تاريخ الولايات المتحدة، رغم إظهاره لانتمائه الديني وتردده الدائم على الكنيسة واستشهاده بنصوص القديس أوغسطين وتوماس الاكويني، ورغم علاقة الصداقة القوية التي تربطه بالبابا الحالي فرنسيس (29).

في كتابه "الإنسان والدولة" الصادر في بداية الخمسينيات، يبلور ماريتان تصوراً جديداً لعلاقة الدولة بالفرد في إطار نقد صارم لفلسفة الدولة المطلقة الكلية لدى هيغل، معتبِراً أن الشرط الأساس لحماية الإنسان من قبضة الدولة الحديثة هو الرجوع إلى نظرية "القانون الطبيعي" التي تكرس الأولوية الأخلاقية والقيمية الإنسان على السلطة العمومية. وفي هذا الباب، يوجه نقداً مزدوجاً للماركسية التي تلغي حرية الإنسان باسم المثالية الاشتراكية ولليبرالية التي وإن أعلنت أولوية حرية الإنسان فإنها تنتهي إلى نفيها باسم مركزية السياسة وهيمنة الدولة (30).

وقد أفاد المؤرخ الكنسي “مسّيمو فاجيولي” (Massimo Fagioli) في مؤلفه الذي صدر في أوائل هذا العام حول: “الوضع الديني في أمريكا”، أنّ بايدن هو كاثوليكي، لكنه ليس مُتمسّكاً بالتقاليد الكنسية. وقد ترسّخ إيمانه، وتأثّر بشخصية البابا يوحنا الثالث والعشرين (1958-1963)، ونتائج المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، الذي أصدر قرارات مهمة في تحديث الكنيسة، والإنفتاح على كل المذاهب المسيحية والإسلامية واليهود. وقد حلّل فاجيولي مقاربة الكاثوليك في أمريكا، حيث أنّ هناك بعض الأساقفة التقليديين يتحدّى سلطة البابا فرنسيس في ما يتعلق بمفاهيم المجتمع الحديث، وانفتاح الكنيسة على “الضالّين” من المؤمنين المُثليين، المُطلّقين (31).

وقد أشار فاجيولي إلى أنّ أساقفة عديدين تأثّروا بالبابا يوحنا بولس الثاني (1978-2005) والبابا بنديكتوس السادس عشر (2005-2013). وقد اعتنقوا التوجه المحافظ في الكنيسة، علماً أن الأخير شجّع على تبنّي الحركة المحافظة التي تميل إلى الليبرالية (Neointegralisme).؛ وقد دعا فاجيولي هذا الجناح من الكاثوليك ب”حزب الشاي الكاثوليكي”، حيث كان قسمٌ منهم من الموالين للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وبالمقابل، فإنّ بايدن دافع عن الكاثوليكية المسكونية، والتعاون مع الكنائس المسيحية الأخرى (32).

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

(15) عبد الرحمن بدوي : موسوعة الفلسفة ، الجزء الثاني، بيروت، ص 280.

(16) د. رمضان الصباغ: المرجع نفسه، ص 17.

(17) عبد الرحمن بدوي: المرجع نفسه، ص 283.

(18) السيد ولد أباه: بايدن والكاثوليكية الاجتماعية/ نشر في: 17 أغسطس ,2021: 10:50 م GST.

(19) المرجع نفسه.

(20) المرجع نفسه.

(21) المرجع نفسه.

(22) المرجع نفسه.

(22) المرجع نفسه.

(23) المرجع نفسه.

(24) د. رمضان الصباغ: المرجع نفسه، ص 17.

(25) المرجع نفسه، ص 18.

(26) السيد ولد أباه: المرجع نفسه.

(27) المرجع نفسه.

(28) المرجع نفسه.

(29) المرجع نفسه.

(30) المرجع نفسه.

(31) عزالدين عناية: المرجع نفسه.

(32) المرجع نفسه.

 

 

جواد بشارةنيتشه يخرج مشهد نبي العذاب، يعمل في الشارع تحت أعين القرويين المندهشة وهو يصرخ ومعه يصرخ القريون: مات الله، كلنا قتلة! ". ورثة المعلن عن موت الله، نيتشه يتكاثرون. لا يوجد فيلسوف حديث لا يفعل ذلك وينطق بمسلمات الإدانة. ولا أحد لا ينعش المحكوم عليه بفعله هذا. مات الله طيب! وماذا بعد ؟ يعود عنوان هذا الكتاب، الذي استخدمه بالفعل LucFerry (1)، إلينا من إنجلترا حيث يتبع الكتاب الأكثر مبيعًا عالميًا، Homo Sapiens – Une histoire brève de l’humanité تاريخ موجز للإنسانية (لفرنسا، ألبين ميشيل، 2015). ليوفال نوح هراري، و شاب إسرائيلي موهوب، نشر كتابه الجديد باللغة العبرية عام 2015، ومن ثم باللغة الإنجليزية في عام 2016. وقد ترجم إلى الفرنسية. إذا كنت، مثل نيتشه، لا تعرف الخوف، فاقرأه. لازمة هشة تتكرر في الكتاب وتطرح المقدمة الشريرة السؤال الذي لم يُطرح قط في تاريخنا الطويل: "ماذا سنفعل بأنفسنا؟" ". تظهر بعض الأرقام أهميتها. في عام 2010، توفي مليون من المجاعة، و 3 ملايين من السمنة. في عام 2012، قتل 120.000 في الحرب، ولكن مات 500.000 بسبب الجرائم، و 800.000 عن طريق الانتحار، و 1.5 مليون من مرض السكري. أصبحت الحياة، على الرغم من هذه الملاحظة أو بسببها، هي القيمة الأسمى: الموت جريمة ضد الإنسانية. خطة العمل واضحة تتبع تاريخنا وتوقع نهايته: الإنسان العاقل Homo Sapiens يغزو العالم، ويعطيه معنى، ويفقد السيطرة. ينتج الغزو من التفرد البشري، الإيمان الكتابي بالروح الأبدية. ولكن الآن "داروين حرمنا من أرواحنا"! لا يزال هناك وعي بالذات، والذي قد يكون مظهرًا من مظاهر الروح التي يعتقد أنها ضاعت. . الآساس إن التحالف الحديث بين العلم والإنسانية لا يخلو من القول، وقد توصل البشر إلى "التخلي عن المعنى مقابل السلطة (...) القوة المطلقة موجودة، تقريبًا في متناول أيدينا، ولكن تحت أقدامنا تفتح الباب." هاوية عملاقة من العدم الكامل. الإنسان عديم الفائدة يتأمل الفراغ. "99٪ من صفات وقدرات البشر زائدة عن الحاجة بشكل محض وبسيط لممارسة المهن الحديثة". ومن هنا جاءت الفرضية المتشائمة المميتة للإنسانية المكونة من فئتين من الكائنات: معززة، وهي نخبة صغيرة، وكتلة من الكائنات عديمة الفائدة. هنا يأتي دين الخوارزميات: لم يعد البشر أحرارًا، المعلوماتية فقط، أي الخوارزمية هي الملك: ربما تكون في البداية قد "طورها البشر، لكن مع تطورها تتبع مسارها الخاص وتذهب حيث لا يستطيع أي إنسان ذلك." المؤلف، كما لو كان خائفًا من استنتاجاته الخاصة، يضعها في نقاش: هل الكائنات الحية مجرد خوارزميات أو كائنات في مصفوفة؟ أي ذكاء وضمير أكثر قيمة؟ أليست هذه نهاية عالمنا الذي تقودنا إليه "الخوارزميات اللاواعية الأكثر ذكاءً منا؟"

محتويات هذا الكتاب هو امتداد لكتاب هراري السابق، Sapiens: A Brief History of Humanity، حتى لو لم يكرر البناء المقترح في نهاية هذا الكتاب الأول. هراري، ومن خلال فحص الحركات العظيمة في تطور البشرية منذ عصور ما قبل التاريخ وعلى قوة أحدث الاكتشافات في بيولوجيا تكنولوجيا الكمبيوتر والعلوم الاجتماعية، يطرح علينا تساؤلات حول مستقبل الإنسان. كتاب ثالث يضاف إلى هذا الكتاب سينشره المؤلف قريباً تحت عنوان: 21 درسًا للقرن الحادي والعشرين،، يتساءل عما يحتاجه البشر لمواجهة التطورات الجارية 1. لا يهدف مشروع المؤلف إلى التكهن بالمستقبل ولكن تحديد ما يمكن أن ينتج عن المنطق المجتمعي في العمل اليوم في نهاية المطاف إذا لم يتخذ البشر إجراءات لإبطائهم عملية فناء أنفسهم. "كل التوقعات التي وردت في هذا الكتاب ليست أكثر من محاولة لمعالجة معضلات اليوم ودعوة لتغيير مسار المستقبل" (ص 78). احتوى الكتاب على مقدمة: الأجندة الإنسانية الجديدة يسأل المؤلف نفسه سؤالاً عما ستكون عليه أولويات البشرية خلال الألفية الثالثة. يعلمنا التاريخ عن عدم القدرة على التنبؤ على المدى الطويل بالتطلعات البشرية. ولكن من المحتمل أن تكون المشاريع العظيمة للبشرية في القرن الحادي والعشرين هي تحقيق الخلود وإيجاد مفتاح السعادة وبالتالي رفع الإنسان إلى مرتبة الله. إن وضع الكلمات حول هذا المستقبل المحتمل أمر ضروري إذا أرادت البشرية التأثير على مثل هذا السيناريو 2. الجزء 1: الإنسان العاقل يغزو العالم الفصل 2: ​​الأنثروبوسين. خلال عصر الأنثروبوسين، استعبد الإنسان عالم الحيوان بفضل ذكائه. يسأل المؤلف عما إذا كانت أجهزة الكمبيوتر التي تفوق الرجال في الذكاء والقوة يمكن أن تعامل الرجال بنفس الطريقة التي يعامل بها الرجال الحيوانات وتسعبد البشر و الفصل الثالث: الشرارة البشرية. لقد خلق البشر كيانات ذاتية، مثل الآلهة والأمم والشركات ؛ إنها خيالات تهيمن على الإنسان والعالم. الجزء 2: الإنسان العاقل يعطي معنى للعالم الفصل الرابع: رواة القصص. تسمح القصص الخيالية للناس بالتعاون مع بعضهم البعض، ولكن في القرن الحادي والعشرين، مع التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، يمكن أن تصبح القصص أكثر قوة. سيكونون قادرين على تشكيل الأجسام وإنشاء عوالم افتراضية، مما يزيد من التحكم في وجود البشر. الفصل الخامس: الزوجان غير المتطابقين. الأديان هي خيالات ضمنت السلطة على البشر من خلال تحويل الأحكام الأخلاقية إلى بيانات واقعية، مما يحجب المعرفة. العلم في البحث عن الحقيقة يبحث عن القوة. الفصل السادس التحالف الحديث. الحداثة هي نتيجة التحالف بين العلم والإنسانية. الفصل السابع: الثورة الإنسانية. أصبحت الإنسانية دين القرن العشرين، وهي مقسمة إلى ثلاثة فروع رئيسية: الإنسانية الليبرالية (أو الليبرالية)، والإنسانية الاشتراكية، والنزعة الإنسانية التطورية. الجزء 3. الإنسان العاقل يفقد السيطرة الفصل الثامن: القنبلة الموقوتة في المختبر. يشير علم الأعصاب في القرن الحادي والعشرين إلى أن قرارات الإنسان، والإرادة الحرة، هي نتيجة العمليات الكهروكيميائية في الدماغ. توصل الباحثون إلى استنتاج مفاده أنه لا يوجد أفراد أحرار. الفصل التاسع: الانفصال الكبير. خلال القرن الحادي والعشرين، ستصبح الآلات أكثر كفاءة من البشر وستحل محل البشر بشكل جذري. المهن الوحيدة التي ستبقى هي تلك التي لا يكون فيها استبدال الإنسان بالآلة مربحًا. ثم يبرز السؤال عن مستقبل هؤلاء البشر الذين أصبحوا عديمي الفائدة، في مواجهة النخبة ذات القوى المحسنة. الفصل العاشر: محيط الوعي. الفصل الحادي عشر: دين الخوارزميات. يشير عنوان هذا الفصل إلى فلسفة ناشئة تُعرف باسم Dataism، والتي تنظر إلى العالم على أنه تدفق للبيانات. تعني قوة أنظمة إدارة البيانات وانتشار أجهزة استشعار الحصول على البيانات أن أنظمة الكمبيوتر تعمل بشكل أفضل من البشر. الأنظمة الخوارزمية اللاواعية ولكن عالية الذكاء تعرف أفضل منك ما هو الأفضل لك. يمكن أن تكون إدارة البيانات هذه هي النظام الذي يضع الإنسان على الهامش.

هومو ديوسHomo Deus: نبذة لتاريخ الغد (بالعبرية: ההיסטוריה של המחר، الإنجليزية: التاريخ وغدا) هو الكتاب الذي كتبه الكاتب الإسرائيلي يوفال نوح هراري، أستاذ في الجامعة العبرية في القدس. نُشر الكتاب لأول مرة باللغة العبرية في عام 2015 عن طريق دار النشر Dvir ؛ تم نشر النسخة الإنجليزية في سبتمبر 2016 في المملكة المتحدة وفي فبراير 2017 في الولايات المتحدة. كما هو الحال مع سابقتها، سابينس: تاريخ موجز للبشرية، يسرد هراري مجرى التاريخ أثناء وصف الأحداث والتجربة الإنسانية الفردية، إلى جانب القضايا الأخلاقية المتعلقة بمسحه التاريخي. ومع ذلك، فإن Homo Deus (من اللاتينية "Homo" التي تعني الإنسان أو الإنسان و "Deus" تعني الله) يتعامل أكثر مع القدرات المكتسبة من قبل البشر العاقلين (Homo sapiens) طوال فترة وجودهم، وتطورهم كنوع مهيمن في العالم. يصف الكتاب القدرات والإنجازات الحالية للبشرية ومحاولات رسم صورة للمستقبل. تتم مناقشة العديد من القضايا الفلسفية، مثل الإنسانية، والفردية، وما بعد الإنسانية، والوفيات. محتويات 1 ملخص 1.1 الإنسان العاقل يغزو العالم o 1.2 يعطي الإنسان العاقل يعطي معنىً للعالم 1.3 يفقد الإنسان العاقل السيطرة 2 جائزتين وتكريمات يبدأ الكتاب في دراسة احتمالات مستقبل الإنسان العاقل. توضح الفرضية أنه خلال القرن الحادي والعشرين، من المرجح أن تقوم البشرية بمحاولة كبيرة لاكتساب السعادة والخلود والقوى الشبيهة بالله. في جميع أنحاء الكتاب، يتكهن هراري علانية بطرق مختلفة لتحقيق هذا الطموح في المستقبل على أساس الماضي والحاضر. الإنسان العاقل يغزو العالم يستكشف الجزء الأول من الكتاب العلاقة بين البشر والحيوانات الأخرى، ويستكشف ما أدى إلى هيمنة الأول. يعطي الإنسان العاقل معنى للعالم منذ ثورة اللغة منذ حوالي 70000 عام، عاش البشر ضمن "واقع متعدد الذوات"، مثل البلدان والحدود والدين والمال والشركات، تم إنشاؤها جميعها لتمكين تعاون مرن وواسع النطاق بين مختلف البشر. تنفصل الإنسانية عن الحيوانات الأخرى عن طريق قدرة البشر على الإيمان بهذه التركيبات الذاتية التي لا توجد إلا في العقل البشري ويتم منحها القوة من خلال الإيمان الجماعي. القدرة الهائلة للبشرية على إعطاء معنى لأفعالها وأفكارها هي التي مكنتها من تحقيق العديد من الإنجازات. يجادل هراري بأن الإنسانية هي شكل من أشكال الدين تتعبد به البشرية بدلاً من الإله. إنه يضع الجنس البشري ورغباته كأولوية قصوى في العالم، حيث يتم تأطير البشر أنفسهم على أنهم الكائنات المهيمنة. يعتقد الإنسانيون أن الأخلاق والقيم مشتقة داخليًا داخل كل فرد، وليس من مصدر خارجي. خلال القرن الحادي والعشرين، يعتقد هراري أن الإنسانية قد تدفع البشر للبحث عن الخلود والسعادة والقوة. الإنسان العاقل يفقد السيطرة هددت التطورات التكنولوجية استمرار قدرة البشر على إعطاء معنى لحياتهم. يقترح هراري إمكانية استبدال الجنس البشري بالإنسان الخارق، أو "الهومو ديوس" (الإنسان الإله) الممنوح بقدرات مثل الحياة الأبدية. [2] يشير الفصل الأخير إلى احتمال أن يكون البشر خوارزميات، وعلى هذا النحو قد لا يكون الإنسان العاقل هو المسيطر في عالم تصبح فيه البيانات الضخمة نموذجًا. يختتم الكتاب بالسؤال التالي الموجه للقارئ: "ماذا سيحدث للمجتمع والسياسة والحياة اليومية عندما تعرفنا خوارزميات غير واعية ولكن ذكية للغاية على أنفسنا وعلى ماهو خير لنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا؟" أفاد موقع Book Marks الخاص بمجمّع المراجعة أن 43٪ من النقاد أعطوا الكتاب مراجعة "حماسية"، بينما أعرب باقي النقاد عن انطباعات إما "إيجابية" (29٪) أو "مختلطة" (29٪)، بناءً على عينة من سبعة مراجعات. [15] في صحيفة الغارديان أثنى ديفيد رونسيمان على أصالة الكتاب وأسلوبه، على الرغم من أنه أشار إلى أنه يفتقر إلى التعاطف مع الإنسان العاقل. تشير المراجعة إلى أن "هراري يهتم بمصير الحيوانات في عالم الإنسان، لكنه يكتب عن آفاق الإنسان العاقل في عالم يعتمد على البيانات مع عدم مبالاة كبيرة". ومع ذلك، أعطى رونسيمان الكتاب مراجعة إيجابية بشكل عام. في مراجعة مختلطة، وصفت مجلة الإيكونوميست Homo Deus بأنه "عمل ساذج، مليء بالخدع اليدوية والتعميمات غير المرضية" وذكرت أن "السيد هراري لديه ميل نحو إسقاط الأسماء العلمية - كلمات مثل التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا النانو والذكاء الاصطناعي كثيرة - لكنه نادرًا ما يتعامل مع هذه المواضيع بأي طريقة جادة ". [10] امقال نقدي آخر في مجلة التطور والتكنولوجيا، تحدى آلان ماكاي ادعاءات هراري حول وكالة الخوارزميات البشرية. تمت تسمية أغنية ستيف أوكي "Homo Deus" في الألبوم Neon Future IV على اسم الكتاب وتتميز بسرد هراري للكتاب الصوتي. وقد ترجم الكتاب إلى: اللغة الإنجليزية: سبتمبر 2016 الإسبانية: أكتوبر 2016 البرتغالية: نوفمبر 2016 التركية: ديسمبر 2016 الصينية: يناير 2017 الألمانية: فبراير 2017 (بقلم أندرياس ويرثنسون) الهولندية: فبراير 2017 [17] المجرية: أبريل 2017 الكرواتية: مايو 2017 الإيطالية: مايو 2017، بومبياني الكورية: مايو 2017 الفنلندية: سبتمبر 2017 الفرنسية: سبتمبر 2017 النرويجية: 2017 بازار اليونانية: ديسمبر 2017 التشيك: ديسمبر 2017 الدنماركية: أغسطس 2017 السلوفينية: 2017، 2019 الليتوانية: فبراير 2018 الفارسية: مارس 2018 الرومانية: مارس 2018 الروسية: مارس 2018 البلغارية: أبريل 2018 البولندية: أبريل 2018 الأوكرانية: مايو 2018 الألبانية: يونيو 2018 الفيتنامية: يوليو 2018 اليابانية: سبتمبر 2018 الصربية: سبتمبر 2018 [18] المهاراتية: نوفمبر 2018 التايلاندية: سبتمبر 2019 المقدونية: 2019 المنغولية: 2020 الإندونيسية: مايو 2018 أنظر أيضا الترجمة العربية للكتاب 2021 عن دار ألكا وترجمه عن الفرنسية علي بدر.

 

د. جواد بشارة

 

محمود محمد عليتعد العلاقة بين اللاهوت والسياسة، والترابط بين الساحة القومية والساحة العالمية، أبرز محاور هذا الكتاب المعني بالشأنين الديني والسياسي في أمريكا. فعلى مدى المئتين وثلاثين سنة الأولى من تاريخ الولايات المتحدة، كانت الغالبية العظمى لجمهرة الرؤساء الأمريكيين متكوّنة من أعضاء في الكنائس المسيحية غير الكاثوليكية: الإبيسكوبالية والبريسبيتارية (المشيخية) والميتودية والمعمدانية. وضمن هذا السياق يمثّل جو بايدن الرئيس الكاثوليكي الثاني بعد الرئيس "جون كينيدي" الذي مرّ على اعتلائه كرسيّ الرئاسة ستون عامًا. فقد أثار انتخاب بايدن تساؤلات سياسية على إثر انتخابه بعد الرئيس السابق "دونالد ترمب"، وبالمثل أثار تساؤلات بشأن مذهبه الديني. فهناك كثير رأوا في "بايدن" رجلاً مُخلّصا ذا مهمّة رسالية من أولوياته معالجة جراح أمريكا التي خلّفها ترمب (1).

في كتاب صادر سنة 2005 بعنوان "المؤسّسة" من تأليف ماسيمو فرانكو، يتحدّث فيه عن "الإمبراطوريتين المتوازيتين" حاضرة الفاتيكان وأمريكا. ولكن ذلك التوازن بين الإمبراطوريتين عانى أثناء فترة إدارة ترمب من الخلل وسوء التفاهم، فهناك اختلاف جوهري بين رؤية البابا فرنسيس للعالم ورؤية ترمب "لنحافظ على عظمة أمريكا"(2).

كتاب ماسيمو فاجولي الأستاذ في جامعة فيلانوفا بفيلاديلفيا، يقدّم شرحًا ضافيًا لمعنى انتخاب "بايدن" الكاثوليكي بالنسبة إلى تاريخ الكاثوليكية الأمريكية، ولِما يمكن أن تتمخّض عنه من آثار في الخيارات السياسية للرئيس. حيث يحاول فاجولي فهم أبعاد السيرة الدينية لبايدن، عبر مشواره السياسي، قَبل اعتلاء كرسي الرئاسة وأثناء تولي هذا المنصب واستشراف ما يمكن أن تسير الأمور نحوه. إذ يشكّل الانتماء للكاثوليكية بالنسبة إلى الرئيس بايدن ثقلا مضاعفا مُقارنة بالانتماء البروتستانتي. والطرافة في الانتماء الديني لبايدن، في المخيال العام الأمريكي (3).

وصاحب الكتاب يؤكد علي دور فلسفة جاك ماريتان في تشكيل عقلية جوبايدن (4) ، ولذلك أحاول أن أقدم للقارئ هنا شخصية جاك ماريتان وفلسفته ، وكيف أعجب به الرئيس الأمريكي؟

وفي هذا نقول :  يعد جاك ماريتان Jacques Maritain – (1882 – 1973م)، قوة فعالة في الحياة الثقافية والفلسفية في القرن العشرين وقد شغل نفسه بجميع التيارات الفكرية والروحية في العالم المعاصر، وقد لعب دورًا كبيرًا مع زوجته "رايسا"، في فترة ما بين الحربين العالميتين داخل الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية والأوروبية. ومنذ البداية فتح معها أكبر صالون للنقاشات الفلسفية والدينية والأدبية في فترة مهمة من فترات فرنسا. وكان ذلك طيلة النصف الأول من القرن العشرين. ومعلوم أن الصالونات الفكرية لعبت دورًا كبيرًا في تاريخ فرنسا منذ القرن الثامن عشر وأيام فولتير وبقية الفلاسفة (5).

ولد ماريتان في باريس في 18 نوفمبر من عام 1882 في عائلة بروتستانتية وبورجوازية. وكان جده لأمه "جول فابر" أحد القادة السياسيين لفرنسا في ذلك الزمان. وفي ظله نما وترعرع. وقد درس في أفضل المدارس الفرنسية كجميع أبناء الأغنياء قبل أن ينتقل إلى الجامعة ويدخل السوربون؛ وهناك راح يدرس العلوم، خصوصًا علم الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء (6).

كتب ماريتان كثيراً من المؤلفات الفلسفية التي فاقت الخمسين مؤلفاً، أشهرها باللغة الانكليزية: «درجات المعرفة» The Degrees of Knowledge، «الشخص والخير العام» The Person and the Common Good، و«فلسفة البرگسونية والتومائية» Bergsonian Philosophy and Thomism، وكتابه «الوجود والموجود Existence and the Existent الذي دافع فيه عن نمط من التفكير الوجودي أشد التصاقاً بالتومائية التي يعدّها "الوجودية الحقة".

وكما يتبين من كتاباته في المنطق الصورى ؛ ونظرية المعرفة وتاريخ الفلسفة ، والفن ، وعلم الجمال ، ونظرية الدولة ، وبخاصة كتاباته عن العلاقة بين المسيحية والديمقراطية وعن التربية ، والأمور الحيوية وفي زمانه مثل النازية ، والحركة المناهضة للسامية ، والحرب والسلم. وفي كثير من تفكيره نراه وثيق الصلة بالنزعتين " الفردية" و" الإنسانية" (7).

ثم سافرا بعدئذ إلى ألمانيا لإكمال دراساتهما. ولكن قبل أن يسافرا كانا قد غيّرا مذهبهما البروتستانتي وتحولا إلى المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني. وهو مذهب الأغلبية الفرنسية، وفي ألمانيا اكتشف "ماريتان" مؤلفات أكبر فيلسوف مسيحي في العصور الوسطى: القديس توما الأكويني. ويشبهه البعض بابن رشد. والواقع أنه كان من المتأثرين به والمواظبين على قراءته على الرغم من انتقاده له. وكان يستشهد به ذاكرًا: كما قال الشارح العربي.وقد وجدا عنده الأجوبة عن تساؤلاتهما الميتافيزيقية الملحة. ثم دفعتهما قراءته إلى قراءة أستاذه، المعلم الأول: أرسطو. ومعلوم أن القديس "توما الأكويني" خلع الطابع الإيماني والمسيحي على فكر أرسطو فلم يعد وثنيًا أو عقلانيًا صرفًا. لقد دجنه وجعله مسيحيًا تقريبًا أو قل صالحه مع المسيحية بشكل من الأشكال مثلما صالحه ابن رشد مع الإسلام من خلال كتابه الشهير: فصل المقال. ومثلما صالحه "موسي بن ميمون" مع الديانة اليهودية أيضًا من خلال كتابه: دلالة الحائرين (8).

ثم عاد "جاك ماريتان" وزوجته "رايسا" إلى فرنسا لكي يصبح زوجها أستاذًا في المعهد الكاثوليكي بباريس، وبعد انتهاء الحرب وتقديرا لمواقفه، عينه الجنرال ديغول سفيرا لفرنسا لدى الفاتيكان. وقد ظل يشغل هذا المنصب طيلة ثلاث سنوات من عام 1945 إلى عام 1948. ثم عاد بعدها إلى الولايات المتحدة للتدريس في جامعة برنستون، وقد استقال من مناصبه الجامعية بدءًا من عام 1960 بعد أن تقدم في العمر وتجاوز السابعة والسبعين؛ ثم عاد إلى فرنسا حيث فتح بيته للمثقفين من جديد (9).

وقد كتب بحرارة في " الحرية في العالم الحديث" دون أن يخفف من اعتقاده بأن " إقحام المسيحية وحقائق الكتاب المقدس في قلب الحياة الاجتماعية والثقافية ؛ أمر لا غني عنه لتحقق الإنسانية أغراضها ولتبلغ الحضارة أوج كمالها، ولذلك فإن "جاك ماريتان" يعد واحداً من أكبر المفكرين المسيحيين الفرنسيين في العالم اليوم (10).

اجتاز "جاك ماريتان" أزمة روحية سنة 1908 وهو طالب في " هيدلبرج" ، فلقد أدرك أن الفلسفة البرجسونية لم تكن كافية ؛ حيث أخذ "ماريتان" على "برجسون" ، أن "برجسون" وقع فى فخ الماديون، وذلك لأن "برجسون" خلط بين العقل المشوه المصاب بالعمى وبين العقل الثمين جداً الجميل جداً الذى وهبه الله للإنسان، فبرجسون فى فلسفته يرى أنه لاوجود  فى حين أن "ماريتان" ينتقد ذلك قائلاُ متى نفينا الوجود فقد حطمنا فى الأشياء ما به تشابه  وما به ترينا الله ومن هنا يقول ماريتان أن "فلسفة برجسون هى " وحدة وجود ملحدة "(11).

وفورا طالبه المنطق الحي مرة اخري أن يكتشف الاتناشق الكامن الخفي بين العقل والإيمان كي تتحقق قناعته بقوة علاقتهما معا وهو ما تجلى لحياته العاطفية والفكرية فلسفته – وقد وجد هذا الإنسجام أو الاتناسق في فلسفة "توما الأكويني" الذي كانت فلسفته هي الباب الوحيد المفتوح أمامه ،الذي بينت له المطلق الذي كان يبحث عنه (12).

والتفكير الوجودي عنده ليس موقفاً إنسانياً مشخصاً، بل فعلاً وجودياً، فعل اختيار وحرية بالدرجة الأولى. وبتطابقه مع العرف المدرسي يرى أن الوجود هو كل ما هنالك، وأن اللاوجود هو سلب للوجود بمعنى العدم واللاكيان، محاولاً تضمين آرائه عن الأنطولوجيا  Ontology؛ تصوراته عن الله، فالله هو الفاعلية الكاملة والتامة لكل إمكانات الوجود. أما الوجود الإنساني فمشدود إلى قطبين: القطب المادي وهو لا يهم الإنسان كشخص حق، وإنما هو ظلال للشخصية، والقطب الروحي وهو الذي يهتم به الإنسان، وعالم الوجود يتطلب معرفة ميتافيزيقية تستدعي معارف بديهية تقوم على العقل الحدسي الذي يسبق العقل المنطقي، أما عالم الطبيعة المتغير والمتبدل فيستلزم معرفة تجريبية - إدراكية، وعالم الكم صورته المعرفة الرياضية. وللمعرفة الإنسانية مراتب وأنواع يكمل كل منهما الآخر، ولكل نوع العقل المناسب له، وقبل المعرفة الشعورية والمعارف البديهية هناك اللاشعور الروحي الذي يسبق اللاشعور الغريزي، وهو مصدر المعارف جميعاً إدراكية كانت أم بديهية، والتي يصنفها في معرفة فلسفية وشعرية ومعرفة صوتية (13).

ولاتخلو فلسفة "ماريتان" من طابع ديني رافق نظرته الفلسفية، وانتهت بنظرة عن "الخلاص" تعرّض فيها لمسألة الخطيئة والشر: فالشر سلب أوعدم، وليس له أي مرتبة من مراتب الوجود، والخطيئة شر لأنها تجعل الإنسان مختل الطبيعة، ميال إلى العبث بالقانون فاقد الوجود، قاطعاً لأواصر الصلة الطبيعية والروحية بالله، وعليه فالخلاص من الشر والخطيئة يكون بتحديد علاقتنا بالله، وإعادة تكامل طبيعتنا بإقرارنا بالعناية الإلهية، وفي حالة الخلاص هذه يصبح الإنسان أكثر من ذاته، وأسمى من طبيعته الإنسانية، أي يصبح إلهاً بالمشاركة (14).. وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

(1) عزالدين عناية: جو بايدن والكاثوليكية في الولايات المتحدة، شباب التفاهم، 03 اغسطس 2021.

(2) المرجع نفسه.

(3) المرجع نفسه.

(4) المرجع نفسه.

(5) هاشم صالح: ماريتان.. رهان على الروح في زمن الحضارة المادية، جريدة الشرق الأوسط، الثلاثاء - 9 محرم 1438 هـ - 11 أكتوبر 2016 مـ.

(6) المرجع نفسه.

(7) ياسمين أحمد على برعى: فلسفة الدين والسياسة عند جاك ماريتان:2010، ص 6.

(8) هاشم صالح: المرجع نفسه.

(9) المرجع نفسه.

(10) ياسمين أحمد على برعى: المرجع نفسه، ص 8.

(11) د. رمضان الصباغ: العلاقه بين الفن والاخلاق عند جاك ماريتان، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر والتوزيع، الاسكندرية،  2004، ص 11.

(12) ياسمين أحمد على برعى: المرجع نفسه، ص 9.

(13) علي عبد المعطي محمد، مقدمات في الفلسفة (دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1985، ص 188.

(14) ج. بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ترجمة عبد الرحمن بدوي (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1980، ص 322.

 

علي اسعد وطفةجـ- تحليل مضمون الفصل الثالث:

أما الفصل الثّالث الوارد تحت عنوان “إيجابيات كورونا”، فقد نوّه فيه المؤلّف إلى حقيقة مهمّة وهي أنّ البعض يظنّ أنّ هذا الفيروس بما له من آثار سلبيّة على الصّحة النّفسية والجسديّة وأيضاً على الاقتصاد المحليّ والدوليّ، لم يصنع عادات إيجابية في حياتنا ومجتمعنا. ونجد من أهمّ العوامل الإيجابية التي يركز عليها محمود علي هنا تلك التي ظهرت في الحجر الصحي العالمي الذي أعاد إلى البيئة الطبيعية بعض توازنها فتراجعت حدّة التلوث عبر العالم وانحسر حجم غاز الدفيئة في الغلاف الجوي. وقد أسهم تفشّي الفيروس إيجاباً في الكشف كما يرى المؤلف عن مساوئ النظام الاقتصادي العالمي الذي كان سارياً قبله، والذي جعل البشر أشباه آلات يمضون معظم وقتهم في إنجاز أعمالهم خوفاً من السقوط تحت خط الفقر أو عدم تمكّنهم من تأمين أدوات الرفاه التي جعلتها الميديا والبروباغندا أحد أهداف “العيش الكريم”. وعدا عن كشفه عن رداءة الأنظمة الصحية، وهذا ما يشكّل نقطة إيجابية لتحسينها، فإنّ بعض المستشرفين المستقبليين من باحثي علم الاجتماع يعتقدون أنّ السلطة الأقوى في المرحلة المقبلة ستكون بيد القطاعات الصحية، والتعليمية، وقطاع العدل، والشؤون الاجتماعية، بديلاً عن قطاعات المال والاقتصاد والبورصات والأسهم (44).

وأبرز المؤلف في هذا الفصل أن جائحة كورونا أسهمت في انكشاف مسائل حياتية تفصيلية كانت قد أضحت مهملة من قبل الجميع، فالعزل أو الحجر كما يقول محمود علي أعاد قيمة الحياة إلى نسق العيش البطيء، بعدما باتت الحياة اليومية للأفراد تسير بوتيرة سريعة تدخلهم في دوامات الكآبة. عدا عن تحوّل في معنى علاقتهم بالطبيعة والحياة، فقد أعاد العزل المنزلي إلى الطبيعة الخارجية بترابها وشجرها وسمائها وبحرها، قيمتها التي كاد إسمنت المدن وهوس العمل يخفيها نهائياً، ثم أعطى للحياة معنى أقوى لدى الأفراد (45).

والنقطة الإيجابية الأهم هي في نظر المؤلف عودة الأفراد إلى أنفسهم خلال انعزالهم، عبر الوجود مع الذات والتعرّف إليها، بعدما كادت ساعات العمل اليومية الطويلة أن تقطع علاقة الشخص بنفسه الداخلية. وكذلك أدّت إلى تقارب بين أفراد العائلة الصغيرة في المنزل، أي الأم والأب والأولاد، وانتشرت طرائف كثيرة، عن طلب الزوج الزواج من زوجته بعدما تعرّف إليها خلال الحجر، أو إعجاب الأم والأب بأولادهما وذكائهم وهواياتهم خلال الحجر، وكأنهم كانوا غرباء عنهما قبله (46).

وأكّد المؤلف في هذا الفصل أنه وخلافا للالتزامات التي تحددها الأمور المبدئيّة الثلاثة للتصدي للأمراض الوبائية والمعدية، والتي تعتمدها منظمة الصحة العالمية وتتلخص بـ “الكشف عن الوباء، منعه، ومعالجته”، فقد أصبح الكثير يهتم بالصحة والمأكولات المفيدة والتي تصنع جلها في المنازل ومحاولة الابتعاد عن عمل المطاعم «احترازياً» مما جعلها ممارسة مفيدة داخل المنازل. وأصبح هناك توجه كبير للأفراد الى صناعة قهوة مميزة في المنازل بطرق احترافية مبتكرة وأجهزة منزلية شخصية. كما أصبح هناك اجتماع أسريّ أكثر مما سبق تناغم معه التعرف على شخصيات أفراد الأسرة وترابط اجتماعي أكثر(47).

وقد انتهى المؤلف في هذا الفصل إلى طرح سؤال مهم وهو: هل ستبقى عاداتنا الحالية في ترشيد الإنفاق الاجتماعي وزيادة الترابط الأسري مستمرة بعد الانتهاء من هذه الجائحة وآثارها؟ أم ستعود كما كانت سابقاً؟

وهنا يجيبنا محمود علي بأنّه لا شك أنّ التّحديات تتولّد عنها إيجابيات منظورة وغير منظورة، وجميعها تصبّ في الصّالح التّنموي العام سواء على مستوى التنمية البشرية المستدامة أم على مستوى التنمية الوطنية بصفة عامة، فلنستفد من تلك الإيجابيات لتكون مصباحاً يضيء لنا بعضاً من الحقائق والوقائع التي تكاد تختفي وتتوارى عن الأنظار في العتمة وفي زحمة الحياة (48).

د- تحليل مضمون الفصل الرابع:

يناقش هذا الفصل قضيّة ” كورونا والاقتصاد”، وفيه تناول المؤلف وقائع جائحة كورونا وانعكاساتها العالمية على العالم. إذ ركّز المؤلف بشكل خاص على الشّكل الذي سيكون عليه العالم ونظامه بعد التّغلب على الوباء، حيث أخذ يتساءل قائلاً: هل ستؤدّي انعكاسات الجائحة وطريقة تعامل الدول الكبرى معها إلى تغير في شكل النّظام العالمي وموازين القوى فيه؟ وهل يعاد الاعتبار إلى الدّور المركزيّ للدّول الوطنيّة؟ وهل نشهد تغيراً في السّلوك الإنساني بعامة؟ وهل يتغيّر العالم كلّه؟

وهنا نجد المؤلّف يتعامل عن هذا السّؤال انطلاقاً من أساس ثلاث فرضيّات (50).

الفرضيّة الأولي : تتحدّث كما يقول المؤلّف عن أنّ فشل الولايات المتحدة الأمريكية في التّعامل مع جائحة كورونا، وانكشاف ضعف النّظام الصّحي وغياب التّضامن المفترض، مقابل نجاح الصّين في احتواء الجائحة وعودة عجلتها الاقتصادية إلى الدّوران بسرعة نسبية، وهي التي كانت أصلاً تملك اقتصادا في حال صعود قبل ظهور الفيروس، سوف يفرض تغيّرًا كبيراً وعميقاً في النّظام الدولي وسيقود الصين إلى أن تتولّى قيادة النظام العالمي الجديد.

الفرضيّة الثّانية : وقد بناها المؤلف على التّشكيك في قدرة الصّين على قيادة النّظام العالميّ وعلى أنّ الغرب يملك اقتصاديات هائلة وقوية جدا، كما أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة تملك أكبر قوّة عسكريّة عرفها التاريخ الإنساني، وتتحكّم في عملة الاقتصاد (الدولار)، وأنّ الحديث عن نجاح الصين في الاحتواء يتّصل بمعطيات مضلّلة وبلعبة إعلامية تروّج للنجاح الصيني، على عكس ما هي الوقائع الفعلية، ومن المتصور أنّ النظام العالمي سيعود إلى ما كان عليه بعد الانتصار على الفيروس، مع تسجيل زيادة في حدة الاستقطاب الدولي، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

الفرضية الثالثة: التي يعوّل عليها المؤلف تقوم على وجود مؤشرات عميقة تؤكّد أن شيئاً لن يعود مثلما كان، وأنّ الصين لن تتقدم إلى قيادة العالم، لكنّ النظام الذي تتصدّر الولايات المتحدة قيادته لن يعود، ولن نرى التّحالفات التقليديّة التي اعتدنا وجودها خلال العقود الماضية، وستُطرح الكثير من المفاهيم التي تم ترسيخها بوصفها حقائق منتهية للمناقشة، ومنها ما يتعلق بالعولمة، والليبرالية، ودور الدولة الوطنية، وكذلك دور الإعلام الذي برز بقوة مؤثرة، والسلوكيات الاجتماعية المعتادة عامة، وبكلمة سوف نكون أمام إرهاصات عالم جديد.

وهذا ما يؤيده أو يتبنّاه المؤلف، حيث نجده خلال مسيرته في هذا الفصل يسعى جاهداً إلى إبراز كيف زلزلت كورونا عرش الاتحاد الأوروبي، وضربت العولمة في مقتل، وأبرزت في النهاية فكرة عودة الدولة القومية، حيث أبرز المؤلّف أنّ أزمة كورونا جاءت في صالح أنصار السياسات القومية الوطنية، الذين يرغبون في الإسراع بفرض ضوابط لحماية الصناعات الوطنية وتقليص معدّلات الهجرة الخارجية باعتبار الأجانب خطراً. وسلّطت سرعة انتشار الفيروس الضوء على تعرّض الأشخاص لتهديدات من الخارج، فالوباء لم ينتشر فقط في مراكز متعدّدة الأعراق والجنسيات، مثل نيويورك ولندن وباريس، بل امتدّ إلى ضواحي مدينة سياتل في الغرب الأمريكي، وإلى رابع أكبر مدينة في كوريا الجنوبية، بل وصل إلى مدن صغيرة في إيطاليا لا يتجاوز عدد سكانها خمسة آلاف نسمة، ما اضطر الحكومة إلى عزلها مع بداية انتشار الفيروس… فقد منحت أزمة الفيروس القوميين حول العالم هديّة ثمينة، وسادت التّصورات عند كثيرين بأنّ الأجانب يشكلون تهديداً، وبأنّ البلدان التي تعاني أزمات لا يمكنها دائماً الاعتماد على جيرانها وحلفائها المقرّبين لنيل المساعدة (51).

لقد بدت الدّولة القوميّة في سياق المواجهة مع الفيروس اللّعين، كما يقول المؤلّف طائر الموت المحلق، وكأنّها الحقيقة السياسية الصلبة في عالم يموج بالسّيولة، وحائط الصد في لحظة تموج بالخوف، وبرز دورها كفاعل أساسيّ سواء على حساب الطائفة والقبيلة في مجتمعاتنا المتخلفة، أو حتى على حساب الكيانات الفوقيّة والتكتّلات الإقليمية في أبرز نماذجها نجاحا كالاتحاد الأوروبي الذي بدا مشلولاً أما الجائحة، ولم تنهض مؤسساته الكبرى بإجراء جماعي يذكر، فيما كانت دولة القوميّة سيّدة الموقف في فرض القواعد وتطبيق القوانين والإشراف على جميع إجراءات الوقاية والعلاج (52).

كما أنّ جائحةَ كورونا، كشفت، كما يقول المؤلف، عن زيفِ جدلِ التّكاملِ الإقليميِ والتّعاونِ الدّولي، في مقابلِ حقيقةَ وواقعَ فوضوية النّظام الدّولي، بتحكّم سلوكياتِ الصراعِ، لا مثالياتِ التكاملِ وقيمِ التعاون. تجربةُ التكاملِ الإقليميِ للاتحادِ الأوروبي، مهدّدة بالفشل وعودةُ حالةِ الصراعِ التاريخيةِ بين الخصومِ الألداءِ في أوروبا، من جديد. لم تتورّع دولٌ كبرى وغنيةٌ في الاتحادِ الأوروبي، عن الانزلاقِ إلى سلوكيّاتٍ بدائية، تعكسُ أنانيةَ النّفسِ البشريّة، عندما تورّطت فيما عُرف بحربِ الأقنعةِ الواقية. كما أنّ الأنانية بلغت بالأعضاء الغنيّة والقوية منها، أن تُغَلِّبَ خطيئةَ الأنانيةِ على نبلِ التكاملِ الإقليمي، عندما تنكّرت لاحتياجاتِ الدولِ الفقيرةِ في الاتحاد لأبسطِ أشكالِ المساعدةِ للتّغلبِ على مشكلة ِتفشّي الجائحةِ (53).

أمّا على المستوى الإقليمي، فأظهرت هذه الجائحة الصحّية، كما يقول المؤلف، أهميّة الاستثمار في البنية الصحّية وفي تقوية النّظم الصحّية لتطوير الاستجابة للحاجات المستجدّة والتّعامل مع الأوبئة العالمية. وأثبتت أهميّة الوظيفة الاجتماعية للدّولة المتمثّلة في حماية الأمن الصّحي وكذلك الدّور المحوري للقطاع الصّحي العمومي نظرا لشموليّته وقلّة العراقيل الماليّة للحصول على خدماته مقارنة بالقطاع الخاص (54).

هـ- تحليل مضمون الفصل الخامس:

في هذا الفصل عرض المؤلّف لقضيّة ” كورونا والإيديولوجيا”، حيث حاول أن يطرح مجموعة من الأسئلة من أهمّها: هل يُعيد فيروس كورونا الصّراع الأيديولوجي من جديد؟ وهل المنظومة الليبرالية هي نهاية الأيديولوجيا أو أنّها هي نهاية التاريخ؟ وهل ستتغيّر موازين القوى الدّولية والعالمية، بحيث تتفكك تحالفات واتحادات وتتكوّن أخرى وفقاً لمعايير ومصالح مشتركة جديدة بعد أن أظهرت الجائحة النوايا الحقيقية لبعض التّكتلات المزيفة التي ما إن مرت بعض دول العالم – خاصة الغربي – بأزمة هذا الفيروس إلا وتخلّت عنها أقرب الدول إليها؟ وهل ستتحوّل القطبيّة الأحادية المهيمنة على العالم إلى أقطاب ثنائية أو متعددة أو أنّ مقرها فقط الذي سينتقل من الحضارة الغربية (حضارة الرأسمالية الليبرالية المتقدمة) المتمثّلة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى حضارة شرقية كالصينية أو حتى الإسلامية إن أعادت الدّول العربية حساباتها من جديد؟ بعبارة أخرى هل سيكون هذا الفيروس بداية النّهاية للحضارة الغربية التي تكشف خواء قواها المزعومة وفراغها على حدّ تعبير بعضهم؟ وهل بذلك يثبت خطأ قول جورج أورويل: “إنّ من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل” (55).

وهنا يقدّم لنا الدكتور محمود علي في هذا الفصل واقعتين: الواقعة الأولى: خطاب الرئيس الصيني (شي جين بينغ) إلى دول العالم حيث أوضح استعداد الصين “للمشاركة بخبراتها للوقاية من العدوى والسّيطرة عليها، وكذلك إمكانيّة وضع خطط التّشخيص والعلاج وتوفير المساعدة والدّعم في نطاق قدراتها”، بعدها قامت الصين بإرسال المساعدات، والفرق الطبيّة إلى كلّ الدّول التي طالبت الدّعم والمساندة، والواقعة الثانية: مقالة لوزير الخارجيّة الأمريكي الأسبق (هنري كيسنجر) في صحيفة “وول ستريت جورنال” ولذي توقع أنّ الفيروس كورونا سيُغيّر النّظام العالمي للأبد، وبيّن بأنّ تداعيات هذا الفيروس قد تستمرّ لأجيال عديدة، والأهمّ من كلّ ذلك طالب بأهميّة حماية مبادئ النّظام العالمي الليبرالي! وهذا يعني أهمّيّة المحافظة وحماية المنظومة الليبيرالية بما تُمثله من تصورات وأفكار واختيارات ومسارات وممارسات (56).

وهنا يؤكّد المؤلّف من خلال الواقعتين أنّ الخطاب والدعم والمساندة الصينيّة الموجهّة لدول العالم تحمل في طياتها الإطار المنظومي (الأيديولوجي) من التصوّرات والأفكار والاختيارات والمسارات والممارسات والقيم الصيّنيّة، كما تتضمن وظائف تعمل على تعظيم التصوّرات والاختيارات والمسارات والممارسات الصينية، بالمقابل تعمل على زحزحة وتفكيك تأثير المنظومات أي الأيديولوجيات الأخرى فكلاهما واحد. في حين أنّ مقالة (هنري كيسنجر) تُشكّل دعوة إلى الدّول الغربية المتبنّية الإطار المنظوميّ الليبرالي (الأيديولوجي) بشكل عامّ إلى ضرورة التّمسك بالأيديولوجيا الليبيرالية كإطار عام للتصوّرات والأفكار والاختيارات والمسارات والممارسات كنظام للمعالجة والحماية والدفاع، بالرّغم من عمليّات القصور في الإدراك والتّقدير والمعالجة والحماية (57).

كذلك أبرز الدكتور محمود علي في هذا الفصل أنه من المرجّح، طالما أنّنا إزاء الحالة الطبيعيّة في تتبّع وترقّب لمآلات “كورونا” اليومية، أن تتّجه مراكز الأبحاث والتّخطيط وصناعة الرّؤية المستقبلية باتجاه “ما بعد كورونا”، لا على طريقة التّفاؤل غير المسؤول، بل في محاولة لتجاوز اللحظة الآنية وتبعات اللحظة إلى ما بعدها، وهو ما يعرف بالدراسات الاستشرافية أو علم المستقبلياتFuturology المختصّ بالبحث في الممكنات والاحتمالات القادمة ذات التّأثيرات البالغة على حياتنا. وعادة تهتمّ شركات الأعمال بهذا النّوع من الدّراسات، رغم عدم يقينيتها Uncertainty، لكنّها تعطي مؤشّرات مهمّة جداً على مستوى ملفّات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية، مثل معدّلات استهلاك الطاقة، والإنترنت، وانتشار البطالة (58).

وثمّة نقطة مهمّة أكّد عليها الدّكتور محمود علي في هذا الفصل وهي أنّه من المهمّ جداً في قراءة المستقبل بناء على معطيات معيّنة تجنب أيّ انحياز أيديولوجي، والانطلاق من المسلّمات والافتراضات المتّفق عليها من مختلف اتجاهات البحث العلمي والفكري والعقائدي والتكنولوجي، وعلى مستوى وباء “كورونا”، فالتّحدّيات ليست كما يتمّ الحديث عنها بشكل مباشر، هي تحدّيات الأزمة الصّحية والمؤسسات التي تكشفت عنها دول كانت ذات تصنيف عالٍ من حيث التّصور السائد، لكنها أبانت عن ارتباكات حادّة وعميقة ساهمت في تعطيلها مفاهيم شديدة الالتصاق بمفهوم وحدود الدّولة والسّلطة والحريّات العامة، لذا من الطبيعي كما يقول مؤلّفنا الخلوق بأن تكون تحدّيّات ما بعد “كورونا” تطال تلك المفاهيم خارج الخدمات الصحيّة، وأبرزها التّحدّيات السياسية الكبرى وأزمات التّكلس الاجتماعي وحالة الانحسار والتّراجع الاقتصادي وصعود مستويات حالة البطالة والفقر وتحوّلات السوق ونقصان الفرص، إضافة إلى أزمات الهوية والبطالة وتحديات الأمن (59).

و- تحليل مضمون الفصل السادس:

وفي هذا الفصل والذي عنوانه ” فلسفة ما بعد كورونا”، أبرز المؤلف أنّ جائحة “كورونا” أعطت العالم دروساً لا يمكن تجاهلها، وقد يكون الدّرس الأبرز أنّ العالم ما بعد كورونا غير ما قبله، فهل ستؤثر تلك الأزمة الناتجة عن تفشي الوباء على هيكل النّظام الدّولي؟

هذا السّؤال كما يرى المؤلف بات هاجس الخبراء الاستراتيجيين في العالم، بل هاجس كلّ من يراقب الأوضاع العالمية وتأثيراتها المستقبليّة على صعود القوى العالمية والإقليمية وهبوطها خاصة في الدّول والأمم التي لديها حلم الهيمنة والزّعامة العالميّة سواء كان بدافع التجبّر في الأرض أم بدافع كونها خير الأمم باعتبار أنّ الرسالة المنوطة بها هي تعبيد الناس لربهم وإقامة شرعه ومنهجه (60).

ولكن ثمّة أكثر من سؤال يطرحه المؤلف، وهو: إذا لم يؤثّر هذا الوباء مباشرة على تغيير النّظام الدولي، فهل سيكون شرارة لتغيير كان منتظرا وأتت كورونا لتسرّع هذه التغييرات؟ تُرى هل تدفع الكارثة العالم إلى إعادة تحديد أولويّاته، بوضع البيئة والصّحة وحياة البشر فوق التّفوق العسكري والاقتصادي؟ أم يعود العالم إلى عاداته القديمة مع زوال الجائحة، ويغوص من جديد في سبات عميق في انتظار فيروس آخر بعد سنوات؟

حاول المؤلف أن يجيب عن ذلك من خلال القول بأنّه قبل أزمة كورونا، كانت الحرب جليّة بين تيّارين، الأول منهما يدعو إلى تكامل اقتصادي عالمي، يمكن للعالم من خلاله تقليل التّكاليف الصناعية وتكامل سلاسل التّوريد العالمية واستفادة دول العالم من ميزات بعضها البعض لزيادة مستوى الرفاه المعيشي. وكان التّيار الآخر يدعو إلى استقلالية الدّول واكتفائها الذّاتي وتقوية اقتصادها المحلي باتباع سياسات الحماية الاقتصادية. التيار الأخير كان هو التّيار الذي انتقده الكثير من الاقتصاديين، وهو التّيار الذي يتبع الرئيس الأمريكي السابق “ترامب” بمقولته الشهيرة (جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى)، والتّيار الذي يتّبعه مناصرو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ذات التّيار اليميني الذي اجتاح الحكومات الأوروبية وكثيرا من دول العالم، ذلك هو التّيار الشّعوبي الذي طالما استند مساندوه إلى ضرورة عدم الاعتماد على الدول الأخرى (61).

وهنا، يصل المؤلف في نهاية هذا الفصل إلى حقيقة مهمّة وهي أن العالم بعد كورونا لن يكون كما كان، وستكون هناك أولويّات مختلفة تماما عمّا كانت، لقد غيّر هذا الفيروس الخطير العالم بالفعل، وسيستمر في تغييره بشكل أعمق في المستقبل، وسيعيد ترتيب أولويّات العالم من جديد، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وغيرها من المجالات، وهو أمرٌ لا يمكن إنكاره وسيكون السّباق مستقبلًا وفق الأولويات الجديدة للعالم الجديد، عالم ما بعد «كورونا». بدأ في التشكل الآن… عالم مختلف عمّا نعرفه اقتصاديا وسياسيا. وباختصار بدأت تتضح معالم المستقبل ولا طريق للحاق به سوى بالتعليم وفقط التعليم الجيّد القيّم، مثل الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان التي لم تعد شؤونا داخلية للدّول بل أصبحت قيما عليا للمجتمعات الحديثة مثل حقّ المأكل والحياة… فالعالم لن يتقبّل ممارسات العصور الوسطى، الآن عالم جديد يولد يحتاج أدوات ومهارات جديدة وإبداعا، ومن المتوقّع تشغيل الإنترنت الفضائي المجاني للعالم كله في نهاية ٢٠٢٣.. لقد كانت ثورة التّغيير الإلكترونية تشقّ طريقها بصعوبة وتمهّل، ولكن بعد الكورونا وبسببها، اتخذت هذه الثّورة أبعاداً أشمل وحركة أسرع. من أجل ذلك يمكن القول في هذا الوباء: ربّ ضارّة نافعة. فكم من أزمة شديدة تحوّلت إلى فرصة جديدة؟! (62).... وللحديث بقية.

 

أ. د. علي أسعد وطفه

.........................

هوامش المقالة ومراجعها :

44-محمود محمد علي: جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة، ص 174.

45- المرجع نفسه، ص 186.

46-المرجع نفسه، ص 198.

47-المرجع نفسه، ص 201.

48-المرجع نفسه، ص 221.

49- المرجع نفسه، ص 225.

50-المرجع نفسه، ص235.

51-المرجع نفسه، ص 246.

52-المرجع نفسه، ص 249.

53-المرجع نفسه، ص 254.

54-المرجع نفسه، ص 259.

55-المرجع نفسه، ص 269.

56- المرجع نفسه، ص 274.

57-المرجع نفسه، ص 279.

58-المرجع نفسه، ص 285.

59-المرجع نفسه، ص 296.

60-المرجع نفسه، ص 328.

61-المرجع نفسه، ص 346.

62-المرجع نفسه، ص 356.

 

2736 جائحة كورونا محمود محمد عليختاما، إنّ هذه الدّراسة، بما حملته من موضوعات زاخرة، وثقافة واسعة، وفكر مستنير، وتحليل عميق، ومنهجيّة علميّة، قدّمت إجابات موضوعيّة حول جائحة كورونا بين نظريّة المؤامرة وعفويّة الطبيعة، حيث توصل المؤلف إلى أنّ تلك الجائحة إذا كانت قد انطلقت من دول كبرى تتمتّع مكانة دوليّة متصاعدة مثل الصين، ثم انتشرت منها إلى كافة أنحاء العالم بسرعة مذهلة يصعب تتبّعها، ولما كانت تلك الجائحة عصيّة على التشخيص والمتابعة والعلاج لقدرتها على التّحول والتّحور المفاجئين في ظروف غامضة، ولمّا كانت تلك الجائحة قد حصدت من الأرواح على مستوى العالم ما لا يمكن مقارنته في الخسائر البشرية إلا بالكوارث البشرية في تاريخ الإنسانية ونظمها الصّحية لمواجهة مثل هذا النّوع من الكوارث الوبائيّة الكاسحة، ولأن ما عكسته ظروف انتشار الجائحة على سياسات هذه الدول من رعونة في القرارات، وأنانية في احترام الالتزامات تجاه الحلفاء، فضلاً عمّا كشفته من منافسات غير صحيّة، ومحاولات لتسييس جهود مكافحة الوباء بين الدّول المختلفة سياساً وأيديولوجيا.

كما أدّى انتشار الجائحة في نظر المؤلف من ناحية أخرى إلى تداعيات على اتجاهات العولمة نتيجة ما فرضته متطلّبات مواجهتها من مفاهيم تتعارض مع مبادئها، ومنها تصاعد دور الدّولة الإقليميّة في مواجهة الجائحة، وتحكّم السّلطة التّنفيذية في أساليب وأدوات هذه المواجهة، وغلبة السّيطرة الحكومية على نظم الرعاية الصحية، والاستعانة بقدرات القوات المسلحة التنظيمية والصحة في مكافحة الجائحة، هذا إضافة إلى انعكاسات الجائحة على نفسية المجتمعات ومعنويات الشعوب، نتيجة ما فرضته من عزل ذاتي، وحجر صحي، وتباعد اجتماعي، فضلا عن إجراءات التّباعد الدّولي بفرض الحظر على السّفر بين الدول، وسحب المواطنين من الدول العالقين فيها، والحد من التّبادل التّجاري، وتقييد تدفّق البضائع والسلع، واتّباع سياسات اقتصادية ومالية تعتمد على الإمكانات الذّاتيّة والجهود المحليّة أكثر من اعتمادها على التّعاون بين الدول وهي أمور قد يكون لها في مجموعها مضاعفات سياسية وتدهورات اقتصادية وتداعيات اجتماعية ونفسية داخلية وخارجية بعيدة المدى إذا استمر تطبيق هذه الإجراءات لفترات طويلة (63).

أما بالنّسبة إلى القول الشّائع بأنّ العالم ما بعد كورونا لن يكون كما كان قبلها، وهو، كما يرى المؤلّف، ما دفع ببعض الأوساط السّياسيّة والأكاديميّة النّافذة إلى الوصول بتقديراتها إلى آفاق تكاد تلمس حدود التّوظيف السّياسي، فقد يكون من المهمّ في نظر المؤلف الإشارة إلى أنّ الجائحة ما زالت في مراحلها الأولى، ويبدو أنّها ستستمرّ معنا لفترة طويلة قادمة، ومن المتوقّع أيضا أن يشهد العالم تطوّرات عديدة وجديدة يصعب تحديدها أو توقع مداها وآثارها في الوقت الحالي، الأمر الذي يفرض علينا البُعد ما أمكن عن محاولات التوصل إلى استنتاجات قاطعة، أو سيناريوهات متكاملة، أو خلاصات نهائيّة لعالم ما بعد كورونا، سواء فيما يتعلق بالادّعاء بتفوّق نظام حكم على آخر في مكافحة الوباء، أو التّوصل إلى تقديرات وهميّة لتشكيل قيادة العالم من خلال عمليّة ” تبديل وإحلال” لدور الدّول المهيمنة على السّاحة العالميّة، أو بتغيير مؤثّر في موازين القوى الدّوليّة، أو تبدّل التّحالفات الإقليميّة والدّوليّة بشكل جذريّ، أو إجراء تغييرات هيكليّة في تشكيل النّظام الدّولي القادم (64).

 ولا شك أنّ عالم ما قبل الجائحة لن يكون هو العالم نفسه بعدها. لقد تأكّد لدى الدّكتور محمود علي خلال مسيرته في هذا الكتاب أنّ النّظام الرّأسمالي الذي سعى من خلال العولمة إلى تفكيك الدول وتهميش دور الدّولة الوطنيّة والقوميّة وإلغاء الحدود الجغرافيّة لصالح الاقتصاد الحر، يتراجع الآن إلى عودة دور الدّولة الوطنية: الدولة الحامية والرّاعية لمواطنيها في مجال الصحة والتّعليم والإسكان. كذلك أدّى انتشار الجائحة إلى أزمات اقتصادية واجتماعية وحتّى سياسية متعدّدة وتسبّبت حالة الإغلاق الكبير التي عمّت الأسواق، نتيجة انتشار هذا الوباء ورغبة الدّول بالحدّ من انتشاره والسّيطرة على الوضع الصّحي بالبلاد، بخسائر اقتصادية كبيرة وتراجع الإنتاج وتقلّص كبير للسيولة المتاحة، الأمر الذي استدعى تدخلاً اقتصاديًّا للدول لمعالجة الآثار الناتجة عن هذه الجائحة، كما أدّى استشراء الوباء إلى تهيؤ ظروف عالمّية جديدة أخذت بالتّشكل لعولمة جديدة ذات طابع مختلف خاصة مع التّحولات الاقتصادية والاجتماعية التي نتجت عن هذا الوضع (65).

 فقد فرض تفشّي جائحة كورونا كما توصّل الدكتور محمود علي في هذا الكتاب إلى تبنّي إجراءات لوقف التّدفّقات الضخمة العابرة للحدود بصورة غير مسبوقة، وتفكيك شبكات الاتّصال العابر للقارّات للأقاليم حيث جذبت الانتباه إلى الزوايا المظلمة للعولمة وارتباطها بتهديدات مثل تفشّي الأوبئة العابرة للحدود، والتّلوث البيئي، والاحتباس الحراري، والجريمة المنظّمة، والتّهديدات السيبرانية التي تهدّد تدفّقات المعلومات الكثيفة، ولم تجد دول العالم سبيلاً لمواجهة انتشار جائحة كورونا سوى إغلاق الحدود ووقف الطيران، وإعلان حالة الطوارئ، ووقف تصدير المنتجات الطبية اللازمة لمواجهة الأزمة وجميعها تناقض العولمة وتدفع بالتجارة المضادة (66).

 كذلك أثبتت أزمة كورونا كما يقول المؤلف أنّ الدّول التي لديها نظم حوكمة فاعلة هي الأقدر على مواجهة الأزمات والتّغلب عليها، ولا تستطيع دول العالم أجمع، ولا يستطيع العالم العربي تحديداً، تجاهل دور نظم الحوكمة في بناء الأرضية المناسبة لمستقبل واعد، ولا يستطيع أحد أن يعزل تطوير نظم صحية فاعلة في باقي المجالات، فالحوكمة لا يمكن تجزئتها بعد اليوم، والأخطار المحدقة بالعالم تتطلّب معالجات كليّة تنال المجالات كاف، وإن أزمة كورونا يمكن أن تكون ً حافزًا لبداية جديدة تبني نظم حوكمة مختلفة في المحالات كافة، قادرة على التّعامل مع تحدّيات القرن الحادي والعشرين (67).

 وفي النهاية أقول: إنّ كتاب محمود محمد علي “جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة” يشكل حقّا نقلة نوعيّة في تناول جديد لجائحة كورونا، وتتمثّل هذه النّقلة في رؤى فلسفيّة حداثيّة متجدّدة وأصيلة في الآن الواحد. فالكاتب كما قلنا، وهو غني عن التّعريف، يتجاوز في عمله هذا الطّروحات التّقليديّة في هذا الميدان، ويأخذنا ضمن مسارات جديدة في المنهج والرّؤية والقدرة على استشراف المستقبل بناء على معطيات الواقع ومآلات النّظريات الابستيمولوجيّة والسوسيولوجيّة في هذا الميدان. فالكاتب، بمنهجيته ورصانة تناوله لهذه القضية، يحفر في أعماق الواقع وفي تضاريس النّظرية عن مختلف مداخل الجائحة، فينطلق من مؤشّرات الأزمة ليضع لنا تصورا تتّضح فيه مزيد من معالمها.

وإنّني إذ أتوجّه بالشّكر العميق إلى مؤلّف هذا الكتاب الدكتور محمود محمد علي الذي شرّفني بالاطلاع على هذا العمل وتقديمه، وأرجو له التّوفيق والنّجاح في مآلاته العلميّة، وفي مسارات حياته الأكاديمية، فإنّني أرى شخصيّا، أنّ هذا الكتاب يشكّل إضافة حقيقيّة إبداعيّة في عالم الإنتاج الفكريّ والعلميّ في الوطن العربي.

 

أ. د. علي أسعد وطفه

.........................

هوامش المقالة ومراجعها :

63- محمود محمد علي: جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة، ص 379 .

64-المرجع نفسه، ص 381 .

65-المرجع نفسه، ص 384 .

66-المرجع نفسه، ص 389.

67-المرجع نفسه، ص 392.

 

علي اسعد وطفة6- في مضامين الكتاب:

في هذا الكتاب المميّز الموسوم بعنوان” جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة: يرسم الدكتور محمود علي الصراع السياسي والطبّي بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة تجاه جائحة كورونا، ويقف محللاً لكل المخاطر التي تشكّلها جائحة كورونا على الأنساق السياسية والأخلاقية والإنسانية.

يقع كتاب محمود علي في 420 صفحة من القطع الكبير، وهو من إصدارات دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر 2021م، وفي هذه الصفحات العريضة يستعرض محمود علي خلاصة تجربته الفلسفية في مجال الفكر الفلسفي الناقد لجائحة كورونا وتداعياتها ومخاطرها وجنونها وتوحشها، ولا ريب أنّ محمود علي يجمع في هذا الكتاب خلاصة حكمته الفلسفية التي امتدت في الزمن على مدى العقد الأول من قرننا الحالي.

والكتاب ليس رواية من نسج الخيال، ولا سردا لأحداث تاريخية، وإنّما هو عبارة عن مراجعة لمئات المراجع والدراسات التي أخذت تبرز أنّ العالم أخذ يتغيّر بسبب جائحة كورونا، وتتغيّر كلّ ملامحه الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والتعليمية وليس هذا فقط، فالجائحة أعادت إلى الواجهة سؤالاً فلسفياً مهماً يتمحور حول حقيقة الإنسان وماهيته الانطولوجية وعلاقته بالطبيعة، بعدما اكتشف ضعف سيادته المزعومة وتهافت الأطروحة الفلسفية الديكارتية القاضية بمركزيّة الإنسان وسيطرته المطلقة على العالم.

كورونا لم يكن فقط فيروساً قاتلاً، بل هو، كما يرى المؤلف، امتحان طبيعي – كوني ليستعيد الإنسان علاقته الصحيحة والسليمة مع الوجود ومكوناته، وليدرك كذلك أنّه ” كائن طارئ” زائل ” يتحتّم عليه أن يلتقط الرّسالة جيداً، وأن يعرف موقعه في العالم، ومعنى وجوده، ووظيفته الاستخلافية وغايته الوجودية.

علاوة على ما تقدّم، فإنّ قوانين ” الحتمية العلمية” كما بشّرت بها الفلسفة الوضعيّة منذ زمن، وهو ما يؤكّده المؤلّف، لا تكفي لتفسير الطبيعي والاجتماعي وتحليل قوانينه والتنبؤ بأسبابه بيقين عليم مطلق، طالما تتجاهل “نسبية العلم ” وأفقه المحدود ومساراته المتغيرة. وبالتالي فإنّ تأسيس العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أرضيّة علميّة يستوجب كذلك إدراك قوانين العالم التي تخضع لإرادة مطلقة، لا لإرادة إنسانيّة نسبيّة ومحدودة، ومن ثمّ يظلّ العلم تبعاً لحقيقة ثابتة ومطلقة يجب على الإنسان أن يسير في اتجاهها، لا أن يجافي منطقها بدعوى الانتصار للعقل العلمي وعقلنة أي علاقة وأي فعل إنساني أو طبيعي.

لقد كشفت جائحة كورونا للعالم، على حدّ تعبير محمود علي أنّ أقصى ما يمكن أن ينتجه التّفكير الوضعيّ لا يتجاوز حدود “النسبية”، وتبقي بالتالي استقراءاته واستدلالاته مجرد افتراضات وتخمينات، لأن التّعميمات الناموسية التي يجب أن تكون صادقة كونياً وغير مقيدة مكانيا وزمانيا، يمكن أن تخرج عن سلطة العالم فتصير تنبؤاته المؤسسة على التعميم غير دقيقة لأنه يقوم على مغالطات معرفية تبين في مجملها “نسبية الاختيار الوضعاني” ومحدوديّة قيمته التّفسيريّة.

وثمّة نقطة أخرى جديرة بالإشارة وهي أنّ مؤلّف هذا الكتاب قد حاول أن يتناول قضيّة “جائحة كورونا بين نظريّة المؤامرة وعفويّة الطبيعة” من منطلق ميله الشّخصي والقويّ للبحث والاستقصاء في جائحة كورونا، وبالأساس فيما يختصّ بالتغييرات التي أحدثها هذا الفيروس. فالتّغيير الأوّل الذي ظهّرته أزمة كورونا هو ذاك الذي طرأ على العلاقة بين الناس والسلطة من جهة الأهمية المتجددة التي استعادتها الحكومات لدى الشعوب. فالمجتمعات كافّة حتى الليبرالية منها لجأت إلى حكوماتها الوطنيّة لحمايتها، كما أدركت هذه الأخيرة أنّ مؤسّساتها بحاجة إلى خبراء لا مجرد سياسيين ليتّخذوا قرارات منطقيّة وسريعة مبنيّة على العلم والمعرفة. وأدركت أيضاً أنّ ثقة النّاس أمر بالغ الأهميّة، وأنّ هذه الثّقة تعتمد على قول الحقيقة والشّفافية. لا شك أنّ هذا التّغيير حميد إنْ بقي ضمن الأطر الديمقراطية، إذ يُخشى من أنّ الإجراءات الطارئة التي تبنّتها هذه الحكومات لإدارة الأزمة مَدَّتها بسلطات جديدة قد تكره التخلي عنها عند انتهاء الأزمة.

التّغيير الثاني وهو كما يقول المؤلف قديم جديد، ويتعلّق باستعادة الدّولة الوطنيّة زخمها في ظلّ التّراجع الذي نشهده عن العولمة المفرطة، وما يُتوقع من تراجع معظم الحكومات عن الالتزام بمعالجة المشكلات الإقليمية والعالمية والتّركيز على ما يجري داخل حدودها بدلاً من الاهتمام بما يجري خارجها، بالنظر إلى الحاجة لتكريس الموارد لإعادة بناء البيت الداخلي والتّعامل مع العواقب الاقتصادية والاجتماعية للجائحة. وفي محاولة للاستقلالية والتّحكم بالمصير قد تتدخّل الدّولة في تحديد أولويّات إنتاج الماكينة الصناعيّة، لا سيما ما تعدّها صناعات استراتيجية، فارضة على الشّركات خططاً لاستمرار توفر احتياطيات منها. سيؤشر أمر كهذا إلى مرحلة جديدة من الرأسمالية العالمية أبرز معالمها تحجيم حرية التجارة وفرض قيود على تصدير ما تعدّ إمدادات استراتيجية لتأمين مخزون وطني منها يسمح بمواجهة أي اضطراب مستقبلي.

النقطة الثالثة التي ظهرت هي أنّه على الرغم من التّقدم العلمي والتّقني الكبير الذي وصل إليه العالم، فإنّه بقي عاجزاً عن توقع مثل هذه الكارثة الصحيّة، والتي تمثل، على حدّ تعبير المؤلّف، جزءًا من الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير والجفاف وغيرها الكثير. ولا يمكن لوم العالم على وقوع هذه الكوارث، لكنّ العالم بعامة، وما يسمى الأوّل منه بخاصة، يتحمل قطعاً مسؤوليّة سوء إدارتها النّاتج عن سياسات أقلّ ما يقال فيها أنّها متعجرفة وضعيفة النّظر. فالتّنافس على قيادة العالم دفعها إلى الإفراط في موازنات التّسلح والتّفوق التّكنولوجي على حساب موازنات التّنمية والبحث العلمي، ولا يمكننا إغفال حقيقة رفض المجتمعات الغربيّة التّراجع قيد أنملة عن حياة الرّفاهية ومطالبها (تقليص ساعات العمل وسنوات الخدمة، إلى المطالبة بتعويضات صحيّة أكثر وضمانات نهاية الخدمة)، فاعتمدت حكوماتها سياسات تقشّف جاء معظمها على حساب الشّؤون الصحيّة أو الطبيّة أو العلميّة أو التربويّة.

هذه النّقاط الثلاث وغيرها، حسب تصوّر المؤلّف، قد دفعت بالعديد من المراقبين إلى التبشير ببداية فترة انعزال دولي تحاكي ما شهده العالم إثر الأزمة الاقتصادية عام 1929 وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية وإلى مرحلة انكماش اقتصادي عالمي، محمّلين العولمة وزر ما جرى وما ستؤول إليه الأمور. فهل معادلة فيروس قاتل وحوكمة غير رشيدة في التّعامل معه وقيادة غير كفؤة ستجعل البشرية تتجه إلى عالم أقلّ انفتاحاً وازدهاراً وحرية؟ (29).

من هذا المنطلق نجد المؤلف يقسم الكتاب إلى ستّة فصول رئيسية، الفصل الأول وعنوانه جائحة كورونا ونظرية المؤامرة، وهذا الفصل يشتمل على بعدين متنافرين، الأول سياسي يتعلق بنظرية المؤامرة، والثاني علمي وطبي في ذات الوقت حيث يدرس ويحلل جائحة كورونا كوباء من ضمن أوبئة الجوائح والطواعين التي غزت العالم من قبل بدءا من الطاعون الأسود الذي اجتاح الإمبراطورية الرومانية وأدّى إلى سقوطها، وصولا إلى جائحة كورونا التي غزت العالم منذ أواخر 2019م تحت مسّى كوفيد 19، وهو نوع من الإنفلونزا العاديّة لكنّه غيّر من تركيبة الجين، فأصبح أكثر ضراوة من الإنفلونزا العادية بمئات المرات، كما أنّ مناعة الإنسان لا تستطيع التّعرف عليه، ومن ثمّ أصبح هذا الفيروس واسع الانتشار، ويصيب الإنسان بسرعة كبيرة، ويبدأ في الدخول إلى جسمه عن طريق الهواء، أو لمس الأسطح الملوثة، “ويغزو خلايا الغشاء المخاطي للفم والأنف والعينين، ثم الحلق، ثمّ الشّعب الهوائية ويقضى فترة حضانة تصل إلى عشرة أيام في المتوسط”. أمّا الفصل الثاني فقد خصّصه لدراسة ” كورونا وعلاقتها بالجوائح الأخرى”، في حين أفرد الفصل الثالث لـ “إيجابيات كورونا”؛ ويتضمن الرابع بحثا في قضيّة ” كورونا والاقتصاد”، أما الفصل الخامس فقد كرس لقضايا ” كورونا والايديولوجيا”، ويتناول الفصل السادس والأخير ” فلسفة ما بعد كورونا”، ويمكن تحليل مضمون كلّ فصل وذلك على النحو التالي:

أ- تحليل مضمون الفصل الأول:

حاول المؤلّف في هذا الفصل أن يبيّن لنا أنّ العالم منذ أواخر 2019 بدأ يمرّ بظروف استثنائية غير مسبوقة، وإن كانت غير متوقّعة من الكثيرين. وقد أكّد البعض، كما يقول الدّكتور محمود علي في هذا الفصل، أنّ ما يحدث في العالم الآن هو أمر مدبر لأنّ الفيروس مخلوق، وبدأت أصابع الاتّهام توجّه إلى الصين، باعتبارها البلد الذي نشأ فيه وبدأ منها خروج الفيروس للعالم، بينما أشارت أصابع اتهام أخرى إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة بنشر الفيروس من خلال عملاء لها يعملون داخل معامل مدينة ” ووهان” الصينيّة التي كانت تجري تجارب داخلية على الفيروس، بينما يقرّ آخرون بوجود مؤامرة مدبّرة بين الصّين والولايات المتّحدة للسّيطرة على اقتصاديات العالم، بدليل ظهور آراء لعلماء ومفكرين وسيناريوهات وأفلام سينمائية عُرضت منذ عدّة سنوات تمّ التنبّؤ فيها بما يحدث الآن على أرض الواقع، ولا شك أنّ الأيّام والسّنوات المقبلة سوف تظهر من كان المتسبّب في ظهور الفيروس وانتشاره (30).

وثمّة نقطة مهمّة ركّز عليها المؤلف في هذا الفصل وناقشها بإمعان، وهي أنّه منذ الوقت الذي أبلغت فيه الصّين منظّمة الصحّة العالميّة عن جائحة كورونا الجديدة في 31 ديسمبر 2019م، لم يستغرق الأمر سوى وقت قصير لتصبح وباءً عالمياً، مما أسفر عن مقتل مئات الآلاف، وماتزال الحصيلة في تزايد. ومن الواضح الآن أنّ هذا الفيروس كان منتشرا في ووهان الصينيّة لأسابيع قبل إبلاغ الصّين منظّمة الصّحة العالميّة، وأنّ السلطات هناك أخفت معلومات مهمّة منها أنّ الفيروس كان قابلاً للانتشار بسهولة بين البشر. وقد قامت منظّمة الصحة العالمية بنشر بيانات الصين ولكن دون التّحقق بشكل مستقلّ من دقّتها بعد ذلك ألقى الرّئيس الأمريكي السابق باللّوم على منظّمة الصحة العالمية في ردها البطيء والمتمركز حول الصين في 14 أبريل 2020 ثم أعلن تعليق التّبرعات الأمريكيّة للوكالة (31).

ميز كذلك المؤلف في هذا الفصل بين الجدل القائم حول تصنيع فيروس كورونا، ووجود أسلحة جرثوميّة. والتمييز هنا مهم وجوهري. لأن هدف تصنيع كورونا، ونشره في أرجاء المعمورة، لو صار واقعاً، هو فعل عدمي، لا تبدو ضمن ما هو منظور، إمكانية استفادة أي طرف منه، في حين أنّ وجود أسلحة جرثومية، هو جزء من حالة التّنافس بين دول الهيمنة، على اقتناء أسلحة دمار شامل، تشمل الأسلحة النووية والكيماوية والجرثومية، والعنقودية والتقليدية، والهدف هو استخدامها عند الضرورة، وفقاً لرؤية صناع القرار، في حالة الحرب (32).

وقد بيّنا في هذا الفصل بأنّه قد استخدمت مختلف أنواع تلك الأسلحة، بأشكال مختلفة في الحروب التي جرت، منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية. أمّا بالنسبة إلى كورونا، فإن انتشار هذا الفيروس، لم يتمّ بحالة حرب. وحتى إذا ما ثبت تصنيعه في مختبر ما، كما هو الاتهام الأمريكي للصين، أو اتهام بعض الأوساط السياسية لأمريكا بتصنيعه، فإن ذلك لا يعني انعقاد النّية على وجود مخطط لتلويث العالم به، فذلك ما لم تتوفّر أية دلائل تؤكده، بل قد يحدث أحياناً، أن تنعقد النيّة على تصنيع نوع جديد من تلك الأسلحة، ويحدث انفلات غير مقصود، لبعضها، يصعب السيطرة عليه خارج المختبرات. وقد حدث ذلك حتى في بعض المفاعلات النووية في روسيا واليابان، لكن ذلك لا يمكن توصيفه ضمن فكرة المؤامرة (33).

ثم طرح المؤلف في هذا الفصل سؤالاً مهماً حاولنا الإجابة عنه، وهو من هو المستفيد من القوى الصناعية المهيمنة، من انتشار كورونا؟ سنجد أنّ معظم الأجوبة، لن تكون في صالح طرح السّؤال. إنّ أكثر المتضرّرين من انتشار وباء كورونا، هي الدّول الرّأسماليّة المتقدّمة. وقد نالت حصّة الأسد، من انتشاره. وفي هذا السّياق، نعني الولايات المتّحدة ودول أوروبا الغربيّة، والصّين الشعبيّة، وروسيا وخسائر هذه الدّول منذ انتشار الوباء تقدّر بالتريليونات (34).

وهنا بيّن المؤلف بوضوح فيما يخصّ هذه الجزئية كيف تعطّلت المصانع الكبرى، وتراجع استهلاك البشر للسيارات ووسائل النقل، والطاقة، والسياحة والرياضة ووسائل الترفيه. ومع هذا التراجع، تراجعت البنوك وأسواق المال. وامتنعت معظم المولات والأسواق الكبرى، والشركات، بمختلف أنشطتها، عن تقديم خدماتها للمستهلكين. والأنكى أنّ البشرية بأسرها، تعيش في مرحلة أطلقنا عليها مرحلة اللاأدرية، حيث لا يوجد حتى هذه اللحظة بصيص أمل، بإمكانية الخروج سريعاً، من هذه الجائحة (35).

ب- تحليل مضمون الفصل الثاني:

وفي الفصل الثاني يتناول المؤلّف قضيّة ” كورونا وعلاقتها بالجوائح الأخرى”، وفيه أبرز المؤلف علاقة جائحة كورونا بتاريخ الأوبئة والجوائح، حيث عقد المؤلف مقارنة بينها وبين ما يعرف بالطاعون الأنطواني والذي ظهر في عام 165ميلادية، والذي قال عنه المؤرخ الروماني “كاسيوس ديو “إنّ هذا الوباء تسبب في وفاة ما لا يقل عن ألفي شخص يوميا حينئذ، كما أبرزت بعض الدراسات الحديثة التي أكدت أنّ الطاعون الأنطوني لم يكن سوى مرض الجدري، وقد جاء تحديد هذا المرض بناء على وصف أعراضه التي دونها المؤرخ كاسيوس ديو. واستمر هذا الوباء في الانتشار إلى سنة 180 وأسفر عن سقوط العديد من الضحايا، بحسب دائرة معارف التاريخ القديم (36).

كما أبرز المؤلف أيضاً في هذا الفصل علاقة كورونا بـ” طاعون جستنيان” الذي ظهر أوّل مرة في مصر عام 541م، وانتشر في كافة أنحاء الإمبراطورية البيزنطية، في عهد الإمبراطور جستنيان، في آسيا وإفريقيا وأوروبا بين عامي 541 و 542 م، كما امتدّ الطاعون إلى الإمبراطورية الساسانية ومعظم المدن المطلة على البحر الأبيض المتوسط (37).

كذلك أبرز المؤلف في هذا الفصل علاقة كورونا بالطاعون الذي ظهر في أوربا في القرن الرابع عشر ميلادي خلال الفترة الممتدة من1347 إلى 1351 م، والذي سمي بـ” الموت الأسود”، حيث قال عنه الرّاهب الإنجليزي والمؤرخ “توماس وال سينجهام”، بعدما لاحظ الكثير من البؤس الذي أسفر عن مقتل نحو 20 مليون شخص. وأبرزنا أنّ دراسة حديثة صدرت عام 2018، ذكرت أنّ البشر كانوا المسؤولين عن العدوى في ذلك الوقت وليس الفئران. كنا عولنا على ما ذكره روبرت س جوتفريد، ذكر في كتابه “موت الأسود جائحة طبيعية وبشريّة في عالم العصور الوسطى”، أنّ الطاعون، والذي عرف بالموت الأسود أتى عن طريق التّجار الإيطاليين، وربما حل بالإسكندرية في نهاية خريف عام 1347م، زكام يفتك في الأسابيع الأولى بما يتراوح ما بين مائة إلى مائتين في اليوم الواحد، وكان يشتد فتكه عندما يشتدّ البرد، كما شرحنا كيف حكت الحوليات المعاصرة عن ضحايا كانوا يبصقون دما، ويعدّ ذلك مؤشراً على الطاعون الرئوي المميت. ولم يلبث أن ارتفعت نسبة الموت إلى سبعمائة وخمسين في اليوم الواحد، وما أن حل الربيع التالي حتى ارتفعت إلى مائة ألف، إلا أنّ الكاتب أكد أنّه لا توحد نسبة محددة بدقة لمن هلكوا جراء الطاعون(38).

وبين المؤلف أيضا في هذا الفصل كيف ضرب الطّاعون مناطق أخرى في الدلتا، حيث ضرب دمياط، بشدة، وسرعان ما حل الجفاف ببساتينها وأشجار فاكهتها، وظل الصيادون يلزمون الميناء لعدة أسابيع بلا انقطاع، وكان مستوى الموت بقرى الدلتا عالياً، لدرجة تعطلت المحاكم الشرعية، ولم يعد في الإمكان توثيق الوصايا في بلبيس، حيث صارت الجثث تتكدس في المساجد والحوانيت، وعطل ما كان متحللاً منها حركة المرور في الطرقات، فقد تراكم بعضها على جوانبها، وأفاد قطاع الطرق منها في نصب كمائن. ووصل الطاعون إلى مدينة القاهرة عام 1348، وربما كانت تضم بضواحيها نحو 500 ألف من السكان، وخلال ما تبقى من ذلك العام كان متوسط الموت فيها قد وصل إلى ثلاثمائة على الأقل في اليوم الواحد، ثم وافى الوباء ذروته في أواخر الرّبيع وأوائل الخريف، واقترب عدد ضحاياه من السبعة آلاف يوميا، بل إنّ أحد المصادر يرتفع به إلى عشرين ألفاً في أيام بعينها، وسادت حالة من الفوضى، إذ كان هناك نقص في التوابيت، فكان الموتى يحملون على ألواح خشبية، كما كان يطاف بالجنازات في طرقات المدينة على نحو دائم، واستمرت الفوضى في الخريف، ولم يعد هناك ما يكفى من أكفان، فكان الوعاظ وحفارو القبور قليلو الحيلة يقدمون على دفن تلك الأعداد الهائلة في خنادق جماعية كبيرة، ومثلما الحال في الدلتا، فقد غصت المساجد والحوانيت بجثث الموتى، وصاحب ذلك ارتفاع في الأسعار وانتشار المتسولين في طرقات المدينة، وبلغ عدد من ماتوا من أهل القاهرة مائتي ألف، يمثلون ثلث إلى خمس عدد سكّانها، وهو عدد هائل يعادل سكان أيّة مدينة أوروبية أخرى ربما باستثناء القسطنطينية والبندقية(39).

وعرض المؤلف كذلك إلى علاقة كورونا بطاعون لندن العظيم، والذي شهدته العاصمة البريطانية عامي 1665 و 1666 م، فيما عرف باسم طاعون لندن العظيم والذي وصلها قادما من هولندا والذي تجاوز عدد ضحاياه الـ 100 ألف شخص، وهو ربع عدد سكان المدينة حينئذ، بحسب موقع history.com وفي عام 2011، تمكّن علماء من معرفة جينات جرثومة مرض “الموت الأسود”، أو الطاعون من خلال استخراج أجزاء دقيقة من الحامض النووي للبكتيريا من أسنان جثث من العصور الوسطى عثر عليها في لندن، وقالوا إنّ هذه الجرثومة هي أصل كل البكتيريا المسبّبة للطاعون حديثاً(40).

عرضنا في هذا الفصل مقارنة بين كورونا وطواعين أخرى، مثل الطاعون العظيم بمدينة مارسيليا الفرنسية، وطاعون عمواس، وطاعون الكوليرا، وطاعون منشوريا، والإنفلونزا الإسبانية، وإنفلونزا الخنازير…  إلخ (41).

كما تبيّنّا أيضا كيف حصلت تناقضات محسوسة في سياسات الدّول إزاء التّصدي لفيروس كورونا، فتباينت الرؤى والأفكار، وتباينت معها الأفعال، والإجراءات، وتمخضت عنها النتائج والمعطيات المختلفة. حينما أعلنت الصين، وهي مسقط رأس هذا الفيروس الجديد عن اكتشافها للوباء الجديد انتقدها بعضهم، لأنّها تغاضت للوهلة الأولى عن حقيقة الوباء وتباطأت في الكشف عنه واحتوائه والسيطرة عليه حينما كان في مهده. غير أنّ الحقيقة كشفت لنا أنّ الأمر ربما كان غير ذلك، فحينما ظهر كوفيد 19 لأول مرة للوجود، كان يتّصف بصفات وأعراض وعلامات الإنفلونزا الموسمية الفصلية الكلاسيكية، وبقي هذا الفيروس ينتشر بين الناس في مدينة ووهان الصينية متخفياً بأعراض الإنفلونزا العادية، ومستغلاَ وقت الظهور المشابه لوقت ظهور الإنفلونزا الموسميّة أي في أشهر الشتاء. فكان من الصعب جداً التكهن بأنّ هذه الإنفلونزا ناشئة عن فيروس جديد غير الفيروسات المتوطنة المعروفة، بل إنّ تدارك الأمر بالسرعة المحسوبة والكشف عن حقيقة هذا الفيروس الجديد وحلّ لغز شفرته الجينيّة وتعريف العالم عليه، يعتبر خطوة متميزة حققها الصينيون في هذا المجال (42)... وللحديث بقية.

 

أ.د علي أسعد وطفه

.........................

هوامش المقالة ومراجعها

29- محمود محمد علي: جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة،، ص ص 78-79 .

30- المرجع نفسه، ص 80 .

31- المرجع نفسه، ص 84 .

32- المرجع نفسه، ص 85 .

33- المرجع نفسه، ص 86 .

34- المرجع نفسه، ص 87 .

35-المرجع نفسه، ص 89 .

36- المرجع نفسه، ص 109 .

37- المرجع نفسه، ص 110 .

38-المرجع نفسه، ص 112 .

39-المرجع نفسه، ص 118 .

40- المرجع نفسه، ص 122 .

41-المرجع نفسه، ص 142 .

42- المرجع نفسه، ص 167.

 

علي اسعد وطفة3- الكتاب وإشكالياته:

 بلغة عربية انسيابية تتصف بجمالها ورشاقتها وقدرتها على التأثير في ذائقة القارئ يرسم الدكتور محمود علي معالم وحدود القضايا التي يتناولها في هذا الكتاب الشيق الذي بين أيدينا وهو بعنوان” جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة”، حيث يجد القارئ تحت تأثير بيان لغوي جميل آسر اعتمده الدكتور محمود علي في مختلف مراحل هذا العمل وفي مختلف مستوياته.

 ولذلك وجدنا أنّ الدكتور محمود علي لم يغفل في هذا الكتاب أي قضية تتعلق بهذا الفيروس اللعين الذي انتشر علي كوكب الأرض في عام 2020م، فلم يميز بين جنس، أو لون، أو نوع أو سن، ولا يقف عند حدود دولة أو قارة، أو عند باب مسؤول أو مواطن عادي، ولا يفرق بين مشهور ومغمور، ولا شريف ووضيع، بل يتحيّن الفرص ليتسلل إلى أي منزل في أي مكان وفي أي وقت، ليفتك بأفراده وبمن حولهم، وبات هذا الفيروس كابوسًا مزعجًا لدى جميع الناس، صار كل شخص يتخوّف على نفسه وأهل بيته ويتحسس نفسه مفزوعا لمجرد إحساسه بأعراض نزلة برد عادية أو أي إرهاق، كل فرد يشعر في كل لحظة أنّ المرض قريب منه جداً، وأن دوره قد حان، وقد يصل الحد ببعض الناس إلى توهم أعراضه رغم سلامتهم(6).

 وفي دائرة التّبصر والتحليل الحكيم العميق لتداعيات جائحة كورونا على العالم يطلق الدكتور محمود علي التنبيهات والتحذيرات ويقرع نواقيس الخطر، فيقول:” إنّ فيروس كورونا أجبر العالم في المرحلة الراهنة أن يعيش حالة من الطوارئ، لم تتوقف على حملات رفعت شعار “البقاء في المنزل”، وإنّما امتدت إلى إجراءات لفرض حظر التّجول، ومنع المواطنين بالقوة من الخروج، وذلك بعد ارتفاع عدد حالات الإصابات والوفيات، في العديد من الدول، من مشارق الشمس إلى مغاربها، لتتساوى أمام الفيروس القاتل دول العالم المتقدم والنّامي”(7).

وهو لا يكتفي بذلك، بل يحدد السبل والوسائل والحلول الذكية التي تعتمد في مواجهة جائحة كورونا، وذلك حين يتساءل هذا السؤال الذي أذهلنا: كيف تفشي وباء كورونا؟ وهل هو من فعل الطبيعة أم مؤامرة؟

 وهنا يجيبنا الدكتور محمود علي قائلاً بأنّ ظهور فيروس كورونا في الصين أثار ضجة بين مصدق ومكذب، بين نظرية المؤامرة والحرب البيولوجية، وتبادل التهم باعتبار أنّ فيروس كورونا هو صناعة جهات معينة، تخدم مصالح معينة، وتحقق أهدافاً سياسية، بحيث أصبح واقع اللاثقة المتبادلة بين الدول واقعاً مستجداً يحمل في طياته بوادر الحرب العالمية الثالثة، والخوف من الإبادة الإنسانية، الناتجة عن صراع من سيقود العالم ويتحكم به، كل هذا سيجعل مصير الإنسانية رهين سياسية: تستر الصين على مدى خطورة الفيروس لأسابيع طويلة، وإصرار رئيس الولايات المتحدة الأمريكية على أنّ هناك مبالغة في الحديث عن الفيروس، وهو ما يثير الشكوك، إذ أصبحت هذه الآراء حديث الساعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مما خلق تجاذباً بين “الخطاب الشعبوي” و”الخطاب العقلاني”، فالفضاء الرقمي فضاء تواصل شبكي، وهو ككل الشبكات نسيج إلا أنّه نسيج مبعثر، أو على الأقل كثير الخيوط، وتشعبها يعود لطبيعته، وبالأخص لانفتاحه اللامتناهي(8).

 ولم يكتف بذلك بل نرى الدكتور محمود علي يبرز لنا في مقدمة كتابه الأبعاد الحقيقية لظهور هذا الفيروس اللعين من خلال مدينة ووهان الصينية، وبعد أكثر من شهر من انتشار الفيروس، خرج - كما يقول المؤلف-  تقرير لصحيفة واشنطن تايمز الأمريكية، جاء فيه أنّ تفشي الوباء متعمد، وأنّ معهد ووهان لعلم الفيروسات هو من طور ذلك السلاح الحيوي الجديد، لمهاجمة أهداف في العالم، وفق ما قالته معلومات سرية سربها ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية الصينية في المقابل ذكر تقرير لصحيفة “ديلي ميل” البريطانية كما يقول المؤلف، أنّ مصادر وتقارير روسية أشارت أخيرا إلى مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية عن انتشار الوباء وتفشيه في الصين على هذا النحو الكبير، وأشارت تلك المصادر، حسب ما ذهب إليه المؤلّف، إلى أنّ “الأهداف الحقيقية لذلك تكمن في سعي واشنطن لاستخدام الفيروس كسلاح بيولوجي واقتصادي ضد الصين(9).

2736 جائحة كورونا محمود محمد عليثم يوضح الدكتور محمود علي أنّه حسب نظرية المؤامرة يرى البعض أنّ وباء كورونا ينقسم إلى عدة مدارس، الأولى ترى أنّ الوباء الذي كان يتم تخليقه في معمل “ووهان” بالصين حدث فيه تسرب وإصابات أدّت إلى انتقال الفيروس إلى سكان المنطقة هناك، وأنّ الخطأ الصيني الأعظم هو عدم شفافية السلطات في الإعلان عن الحادثة وعدم إخطار منظمة الصحة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية بالتفاصيل الأوّلية وإحاطة العالم، مما أضاع فرصة الإنذار المبكر للتعامل مع الجائحة العارمة، وتخفيض نسبة الإصابات والوفيات (10). المدرسة الثانية من التفكير تقول إنّ الفيروس عمل شرير مدبَّر من جهة أمنية في الصين بهدف التأثير على أسعار الشركات الدولية المساهمة في الصين وبورصات العالم، ممّا يعطى صندوق الاستثمار الصيني الذي تملكه الدولة فرصة الاستحواذ على مليارات الأسهم بسعر شديد التّدنّي. المدرسة الثالثة من التفكير أنّ الإصابة كانت بسبب قيام مواطنين صينيين فى”ووهان” بتناول حساء ولحم الخفافيش الحاملة للفيروس، وساعد على ذلك الصمت المتعمد من السلطات الصينية لإخفاء الوقائع في حينها (11). أما المدرسة الرابعة فترى أنّ هناك تجمعاً عالمياً دولياً من شركات الأدوية والأمصال واللقاحات الغربية التي زرعت الفيروس في الصين وتعاونت مع قوى محلية في عدة دول من العالم لنشر الفيروس الوبائي عالمياً، بحيث يصبح اللقاح شرطاً أساسياً مسبقاً لأيّ اندماج بشرى، ولأيّ تجمع وضرورة لا بديل عنها للانتقال الداخلي أو السفر الدّوليّ من نقطة إلى أخرى (12).

ثم أكد الكاتب على حقيقة هامة وهي أنّ الرئيس الأمريكي ” دونالد ترامب” قلّل من أهميّة الفيروس في بدايات انتشاره، بل وسخر منه، واعتبره مجرد «نزلة برد عادية»، وعندما اكتشف أنّه خطير ووصل إلى بلاده وبدأ يتفشى، وصفه «بالفيروس الصيني». وقال إنّه اطلع على أدلة تثبت أنّ فيروس كورونا نشأ في مختبر معهد ووهان للفيروسات، وأنّه على منظمة الصحة العالمية أن تخجل من نفسها لأنّها مثلت وكالة العلاقات العامة للصين (13).

 لكن الضربة القاضية جاءت من مدير مكتب الاستخبارات الوطنية الأمريكية كما يذهب إلى ذلك المؤلف في قوله: »إنهم ما يزالون يحققون في كيفية نشأة الفيروس لكن ما هو واضح أمامهم أنه «ليس من صنع الإنسان وليس معدلا وراثيا»، هذا التحرك من قبل المكتب جاء بناء على طلب من ترامب الكشف عن أيّ تعتيم محتمل من قبل السلطات الصينية أو منظمة الصحة العالمية بشأن انتشار الفيروس في بدايته خصوصا بعد أن قال وزير الخارجية الأمريكية “مايك بومبيو” إنّ الصين حاولت حجب جزء من المعلومات الخاصة بتفشّي الفيروس وأنّها ستتحمل مسؤوليّة ذلك، ثم قال لاحقا إنّ الحزب الشيوعي الصيني يجب أن يدفع الثّمن دون أن يوضح ماذا يقصد بالضبط (14).

 وفى ذروة الهلع والمواجهة المشتتة لفيروس كورونا يؤكد المؤلف على تصاعد الصراع السياسى بين الدول على خلفية مَن المسؤول عن وجود وتفشى الفيروس؛ وتضخمت معارضة الأحزاب وجماعات الضغط داخل الدول الديمقراطية وكلٌ يحاول أن يكسب نقاط قوة أمام الناخبين منتقداً ما اتخذته الحكومة من إجراءات في التعامل مع الفيروس المدمر، بادر “هنرى كيسنجر” (أستاذ السياسة ووزير خارجية أمريكا الأسبق)، كما يقول المؤلف، بنشر روشته لإدارة العالم فيما بعد كورونا على صفحات وول استريت جورنال تهدف إلى: استمرار آليات وقوى النظام الدولي القديم وحماية النظام الليبرالي مع تطوير البحث العلمي وقدرات العالم لمواجهة الأمراض المعدية ومواجهة جماعية للأضرار التي لحقت بالاقتصاد العالمي.. وفى أمريكا ودول أوروبا المكلومة تصاعدت دعوات رؤساء ووزراء للتحلل من المؤسسات الدولية الحامية للسلام والتعايش السلمي، منتقدين دور الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي ومنظمة الصحة العالمية والجميع يتوعد بالثأر والمحاسبة وربما الانسحاب بعيداً عن العمل الدولي المشترك. أما في الشرق كما يقول المؤلف فقد تصاعد شعار “عالم ما بعد كورونا يختلف تماماً عما قبلها” وتشاركت روسيا والصين والهند واليابان والكوريتان في تأكيد هذا الشعار دون إفصاح عن بدائل أيضاً!! (15).

4-  الفكرة الأساسية للكتاب:

 يتساءل الدكتور محمود علي في هذا الكتاب ويصر في الإجابة عنه فيقول: هل هناك مؤامرة وراء انتشار الفيروس؟!

 وهو يرى أنّه ربما تكون هناك مؤامرة، لكن لا أحد يملك أن يبرهن على وجودها، حتى هذه اللحظة، وبالتالي ليس أمام العالم سوى أن يصدق النظرية القائلة بأنّ الفيروس تحور وتطور وانتقل من الحيوان إلى الإنسان. ورغم كل ذلك، فإن مواطنين كثرا في العديد من بلدان العالم سوف يواصلون التصديق بأنّ هناك مؤامرة في مكان ما كانت وراء انتشار كورونا، والخطر الحقيقي كما يقول المؤلف أن يكون ترامب يستخدم اتهام الصين بأنّها وراء انتشار الفيروس كي يحصل منها على تعويضات ضخمة. وقد سمعنا في الأيام الأخيرة - وهو ما يؤكّده المؤلّف- إلحاحاً أمريكياً متواتراً ومنسقاً في هذا الصدد يعززه دعم دبلوماسي من دول أوروبية. وبعضهم على حدّ تعبير محمود علي، يعتقد أنّ “ترامب” يستخدم الفزاعة الصينية لهدفين أساسيين: الأول انتخابي بحت خصوصاً أن منافسه الديمقراطي جو بايدن بدأ يتقدم عليه في استطلاعات الرأي، والثاني استمرار ضغوطه على الصين لمنع انطلاقها وتقدمها اقتصادياً وسياسياً، وتلك قصة معقدة كما يقول المؤلف قد ينتج عنها صدام أمريكي صيني غير مسبوق (16).

 ومن هنا، يؤكد المؤلف أنّ عام 2020م شهد موجة تراشق تلميحاتي وتصريحاتي بين مسئولين أمريكيين كبار ونظراء لهم في دولة الصين حول “فيروس” كورونا. ترامب وبومبيو ألمحا إلى احتمال أن يكون فيروس كورونا قد خرج خطأ من أحد المختبرات الصينية، وفى عدة تصريحات صريحة لا تحتمل التأويل اتهم “ترامب” الصين كما يقول المؤلف بإخفاء معلومات حول الفيروس عن العالم، واتجاهها إلى التستر على انتشاره خلال الأسابيع الأولى لظهوره، وهي التصريحات التي ترجمها “ترامب” عملياً بوقف التمويل الأمريكي لمنظمة الصحة العالمية بذريعة مساندتها الواضحة للصين. من جهتهم بادر العديد من المسؤولين الصينيين كما يقول المؤلف إلى السخرية من كلام “ترامب” وطالبته منظمة الصحة العالمية بأن يأتي بدليل واحد على ادعائه. أما منافسه الديمقراطي في الانتخابات الأمريكية “جو بايدن” كما يقول المؤلف فقد أنشأ يعيّر “ترامب” بالتقاعس عن محاسبة الصين على فيروس كورونا! (17).

 من الواضح أن “التراشق الكورونى” تتداخل فيه المنافسات الانتخابية مع الصراعات الاقتصادية مع المكايدات السياسية، ويفسره - في تقدير المؤلف- أمران قد يكونان أكثر أهمية من المنافسات والصراعات والمكايدات. أولهما عدم الوصول إلى لحظة حسم في مواجهة الفيروس، وثانيهما الحيرة في تقديم إجابة حاسمة عن السؤال: أيهما أخطر. الخسائر البشرية (الإصابات والضحايا) الناتجة عن فيروس كورونا أم الخسائر الاقتصادية الساحقة الماحقة التي ضربت دول العالم المختلفة نتيجة ما اتخذته من إجراءات احترازية؟ (18).

وهنا يرى المؤلف بأنّ الصين رفضت بشدة الاتهامات الأمريكية بمحاولة تحميلها المسؤولية العالمية والأخلاقية عن انتشار وباء الكورونا، وكأنها فعل متعمد، وتستر ضار، تسبب في هذه الجائحة التي أدت إلى أسوأ كارثة وبائية في العصر الحديث. وفهمت “بكين”، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ «ترامب» يعدّ إلى تصعيد العقوبات على الصين إلى حد قد يصل إلى مطالبته بفرض عقوبات وغرامات دولية للتعويض عن خسائر العالم المباشرة وغير المباشرة كفاتورة للعالم بسبب وباء الكورونا. ولو حدث ذلك لوجدت الصين نفسها مطالبة مالياً وأخلاقياً بفاتورة تعويض لا تقل عن عشرة تريليونات من الدولارات حتى تاريخ هذه السطور (19).

ويؤكّد المؤلف أنّ البعض كان يعتقد بأنّ الرئيس الأمريكيّ «دونالد ترامب”، هو أكثر من يحارب العولمة، ثم اكتشفنا الآن أنّ فيروس كورونا أو “كوفيد 19” هو الذي وجّه الضربة الأسوأ للعولمة منذ عرفها العالم. سوف يذكر التاريخ أنّ هذا الفيروس لم يفرض العزلة بين البلدان فقط، ولكن فرضها ربما بين غرف البيت الواحد! لقد فعل كورونا ما لم يتمكن منه كلّ أعداء العولمة حتى هذه اللحظة.

ثم يعلن المؤلف بأنّه سواء اتّفقت مع منظمة الصحة العالمية في أنّ فيروس كورونا المستحدث تحول إلى وباء عالمي، أو انضممت إلى أصحاب “نظرية المؤامرة” التي تشير إلى أنّ الدّول الكبرى تمارس علينا “مؤامرة الرّعب” مرة بفيروس أنفلونزا الطيور، ثم الخنازير، والسارس، وزيكا، والإيبولا، ثم فيروس كورونا المستحدث لتحقيق مكاسب بالمليارات أو بالترليونات، فهناك حدّ أدنى يمكن أن نتفق عليه، وهو أنّنا نواجه فيروس القرن، وهو شيء حقيقي وليس وهما مثل صفقة القرن، بدليل أنّه أجلس الملايين في بيوتهم وهم يندبون حظهما.(20).

 صحيح أنّ وباء كورونا العالمي مثلما وصفته منظمة الصحة العالمية، يعدّ من أخطر الأوبئة وأكثرها انتشاراً وفتكاً قياساً بالأوبئة التي ظهرت في فترات تاريخية سابقة كما يقول المؤلف، وهذا ما يلاحظ من حجم الحذر والحيطة التي عملت بها عدد من البلدان، ومنها البلدان المتقدمة في مجال البيئة والصحة، كالولايات المتحدة، وبريطانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، وبلدان الاتحاد الأوروبي، وصلت الحالة لغاية الآن إلى إعلان حالة الطوارئ في أغلب دول العالم وغلق الأجواء والمنافذ الحدودية، وتعطيل حركة التجارة، وحركة العالم اليومية في المدارس والجامعات، وغلق الجوامع ودور العبادة حتى التاريخية منها كالكعبة، والمسجد النبوي في المدينة، ومراقد أهل البيت الشيعة في مدن: النجف، وكربلاء، ومشهد الإيرانية وكذلك أغلب الكنائس في أوربا، ثم إلغاء الشعائر والطقوس الدينية ذات التماس البشري الكبير، بل أطال حركة السياسيين وتنقلاتهم واجتماعاتهم بعد اصابة العديد من الساسة البارزين في العالم(21).

 ومن عجائب ما نُشر، كما يقول المؤلّف، ذلك الذي روّجه الإسلامويون بقولهم إنّ الفيروس لا يصيب المسلمين، بل هو انتقام إلهي من الصين، على ما زعموا أنّه قمع للمسلمين الإيغور في مقاطعة تركستان الصينية، لكن المضحك أنّ هؤلاء قد عادوا بعد انتشار الفيروس في الدول العربية والإسلامية ومنع بعض الدول، ومنها السعودية، العمرة وصلوات الجماعة إلى تغيير أقوالهم إلى النقيض، وادعوا أنّها مؤامرة على الإسلام والمسلمين بغرض إبطال فرضي الصلاة والحج (22).

لكن ما يدحض هذه النّظريات أو الفرضيات رغم وجاهة الأفكار والشكوك التي تراود الناس كما يقول المؤلف، هو أنّ الفيروس انتشر شرقاً وغرباً ولم يوفر أحداً من الدول والأجناس، فهو لا يصيب العرق الأصفر فقط كما أُشيع، ولا يستثني الأبيض أو الأسود، بل يضرب في كل مكان في الصين، وروسيا، وإيران، والولايات المتحدة، فالفيروس ليس عنصرياً، إنّه يستوطن أينما وجد بيئة صالحة لتكاثره، وتتصدر اليوم أمريكا وإيطاليا، وإسبانيا مع إيران والصين قائمة الدول الأكثر استهدفاً للفيروس، فقد انتشر فيها بسرعة كبيرة فاقت التّوقعات (23).

وفي خضمّ موضوعية الأحداث وجب علينا أن نعرف أنّ الإيمان بنظرية المؤامرة كما يقول المؤلف يختلف عن الإيمان بوجود استراتيجيات سياسية وخطط تتبعها كلّ الأمم والمجتمعات منذ فجر التاريخ لتحقيق مكاسبها ولتعزيز قدراتها، الفرق بينهم أنّ الأول يقودك إلى إغلاق عقلك وترجيح نظرية المؤامرة على كلّ المواقف الخارجة عن المألوف وعدم التفكير بأي تفسير للأحداث وعدم الاطلاع على أي نوع من المعرفة وعدم بذل أي جهد في التقدم للأمام، لأن كلّ جهد هو لصالح المؤامرة وقد يمنح كورونا فرصا أعظم للبقاء والتمدد، أما الثاني يختلف لكونه يحثكّ على فهم حقيقة أنّ المواجهة تتم بالإعداد والتخطيط والتطوير، حسب اعتقاد محمود علي، وأنّ هذه الأمم لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا لأنّها بذلت جهدها في مجابهة أعدائها والتقدم عليهم وتحقيق مكاسبها على كل الأصعدة، وهذا التفريق هو ما يجعلك قادراً على أن تكون جادَّا في عملك لتحقيق التغيير، وبالتالي نحن أمام ظرف زمني مفصلي يستدعي منّا يقظة العقل والابتعاد عن الانفعالات الضّارة التي ترى في بعض من الدول عدوّا مطلقا وفي الآخر صديقا وفيّا، ذلك أنّ كورونا تعادي الجميع وتلغي بقاء العضوية الإنسانية صالحة للعيش والعطاء (24).

 إنّ مدى التّفاعل مع فيروس كورونا الذي ضرب العالم كلّه. يتوقف على درجة الوعي الذي يتمتع به مجتمع دون آخر، إذ يلاحظ المؤلف أنّ هنالك بعض المجتمعات تعاملت مع الوباء بحذر كبير وأدركت مدى الخطورة التي من الممكن أن تنتج عنه وتفاديا لذلك وضعت مجموعة من الإجراءات الاحترازية، فكان أن تمكّنت من منع تفشّيه. وهنا تأتي الحاجة الماسة لزرع الثّقافة المجتمعية الرّصينة والقادرة على السّير بالمجتمع نحو بر الأمان، إذ مع افتقار هذه الثّقافة سيكون المجتمع غارقا في دوامة لا يستطيع الخروج منها مالم تتظافر الجهود وبجدية للخلاص منه (25).

 إنّ فيروس كورونا كما يقول المؤلف هو اختبار ليس فقط للصحة الفردية في مقارعتها لهذا الفيروس، بل إنّه اختبار للوعي المجتمعي في ظل صراع العالم المتعدد المصالح والتوجهات السياسية والاقتصادية، بل ويعبر عن الإدراك المجتمعي لصيرورة البقاء والابتعاد عمّا يفسّر الأحداث بغير مسبّباتها الحقيقية.

ومع انتشار فيروس كورونا الذي اجتاح العالم منذ ديسمبر 2019، وخلق حالة من الرعب وعدم الاستقرار النفسي والاقتصادي المتصاعد، انتشرت أيضاً نظرية المؤامرة وتصاعدت حدّة الاتهامات بين بعض الدول كما يذهب إلى ذلك المؤلف، فهناك من قال أنّ هذا الفيروس هو سلاح بيولوجي اصطناعي، واتهموا دولاَ بالمساهمة في نشره من أجل السيطرة وإسقاط الخصوم، حيث تواصلت الحرب الكلامية، والاتهامات المتبادلة بين واشنطن وبكين ودول أخرى، حول كورونا المستجد، وقد اتهم مسؤول صيني الجيش الأمريكي كما يقول المؤلف بأنّه قد يكون وراء انتشار فيروس كورونا في الصين، بينما ترى الولايات المتحدة بأن بكين تتعمد الدعاية لنظرية المؤامرة ضدها واستهدافها (26).

وهنا يخلص المؤلف إلى أنّ كلّ النّظم السياسية في العالم اليوم أمام اختبار وامتحان عسير بغضّ النّظر عن توجّهاتها السياسية والاقتصادية، فهي مطالبة اليوم بإيقاف الحروب والتّسلح الباطل لمحاربة عدو مفتعل لا يعني شيئًا أمام بقاء الإنسان والإنسانية جمعاء، واليوم تقف الإنسانية ونظم العالم كافّة أمام مفترق طرق، فإمّا البقاء أو الفناء، وبالتالي على أمريكا، والصين، وروسيا، أن تدرك أنّ الغرق في بحر التفكير المؤامراتي لا يجلب للإنسانية إلا الفناء، وأنّ المدخل السّليم لإنقاذ الإنسانية هو المصالحة مع الذات أولاً ومع الآخر المختلف ثانياً، وإلاّ فإنّ كلّ دعوات إسعاد الإنسان هي كذب ورياء إذا لم يجر التّضامن والتّحالف الدولي وغير المشروط للنضال من أجل وضع حد لكورونا وتداعياتها الاجتماعية والسيكولوجية (28).. وللحديث بقية.

 

أ.د علي أسعد وطفه

.........................

هوامش المقالة ومراجعها:

6- محمود محمد علي: جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة،، ص 8 .

7-  المرجع نفسه، ص 8 .

8-  المرجع نفسه، ص 9 .

9-  المرجع نفسه، ص 13 .

10- المرجع نفسه، ص 14.

11- المرجع نفسه، ص 15 .

12- المرجع نفسه، ص 15 .

13- المرجع نفسه، ص 16 .

14- المرجع نفسه، ص 17 .

15- المرجع نفسه، ص 18 .

16- المرجع نفسه، ص 43.

17- المرجع نفسه، ص 43 .

18- المرجع نفسه، ص 45 .

19- المرجع نفسه، ص 46 .

20- المرجع نفسه، ص 47 .

21- المرجع نفسه، ص 166 .

22- المرجع نفسه، ص 212 .

23- المرجع نفسه، ص 49 .

24- المرجع نفسه، ص 99 .

25- المرجع نفسه، ص 75 .

26- المرجع نفسه، ص 84 .

27- المرجع نفسه، ص 54 .

28- المرجع نفسه، ص 57 .

 

علي اسعد وطفةتقديم: صدر مؤخراً عن دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر بالإسكندرية بجمهورية مصر العربية كتاب جديد للأستاذ الدكتور محمود محمد علي (أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بكلية الآداب بجامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية)، يحمل عنوان “جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة”. ويأتي هذا الكتاب تتويجاً لمؤلفاته العديدة، اذ يمثّل بالنسبة إليه درّة الأعمال الإبداعيّة في إنتاجه الفكري، والذي نذكر منه على سبيل المثال لا الحصر: الأصول الشرقية للعلم اليوناني (1996)، والاتجاه التجريبي عند ليوناردو دافنشي (1998)، التّفكير العلمي ومستجدات الواقع المعاصر (2009)، وجماليات العلم (2013)، وتجديد الخطاب الديني (2014)، وحروب الجيل الثّالث ونظرية تفتيت الوطن العربي (2015)، وحروب الجيل الرابع وجدل الأنا والآخر (2016)، وحروب الجيل الخامس وخصخصة العنف (2019) الخ…

إن المتأمّل  في عناوين المؤلّفات السابقة وموضوعاتها، وبالذات الأخيرة، يجد أنّ هناك خيطاً رابطاً بينها وبين المؤلّف الجديد، جعل الدكتور محمود علي يتوخى تحقيق أهداف محدّدة من كتاباته، فمن تناوله لأجيال الحروب كظاهرة تنخر جسم الدّول إلى  تشخيص أسبابها، ثمّ تحليل الوضعية الاجتماعية المتعلقة بالإنسان العربي وما تنتجه من سيكولوجيّة تتسم بالقهر والإحباط، ممّا يطيل نهضة المجتمع وتطوره  إلى تحليل الدّور الذي تلعبه نظريّة المؤامرة في حياة الدّول والشّعوب، وكيف انعكس ذلك  على جائحة كورونا التي بزغت منذ (2019)، الأمر الذي جعل الدّكتور محمود علي يطرح هذا السؤال: “هل كورونا مؤامرة أم طبيعية؟”(1).

وأعتقد من خلال دراساتي حول جائحة كورونا أنّ الدّكتور محمود علي يتّفق معنا كما هو واضح من خلال ما كتبه في الكتاب الذي بين أيدينا، على أنّ جائحة كورونا (كما بيّنا في معظم كتاباتنا التي كتبناها عن تداعيات جائحة كورونا على التّعليم والهويّة)، قد صَعقت كيان الحضارة الإنسانية، وهزّت أوصالها، وصدمت وجدانها الأخلاقي، وفتحت منافذ جديدة للوعي الكوني الأعمق في مختلف مجالات الفكر والسياسة والفلسفة (2).

جاء كورونا اليوم ليهزّ كثيرا من المسلمات المعرفيّة الجديدة والأساطير الفكريّة القديمة، فأيقظ الإنسانيّة من غفوتها العنيفة الضاربة في الاستسلام للطمأنينة الحضارية الجارفة. وقد جاءت هذه الصّدمة لتسقط الطّروحات الأسطوريّة لنزعة ما بعد الإنسانية التي ترى في عالم الإنسان القادم ومستقبله الجديد صرحا للخلود الإنساني الحافل بالمعجزات الحضارية والمدهشات التّكنولوجية التي تعتمل في قلب الحضارة المعرفية والثّورة الرقميّة المعاصر. وقد لا يكون في الأمر مبالغة إذا قلنا بأن ّ“كورونا” شكّل صدمة أيقظت الإنسان من غفلته الحضارية ليهزم غروره الحضاري ويستحضر عجزه الكبير إزاء المصير المستقبلي الغامض(3).

وإذا كان كورونا في نظري قد صعق رجال الدّين وهزّ قداستهم، فإنّه لم يوفّر رجال السّياسة بحال من الأحوال فاقتحم مخادعهم وهزّ أسوار حصانتهم المنيعة على غيرهم من البشر فابتلاهم بوبائه وذوّقهم بعضا من عذاباته. صدم كورونا رجال المال والأعمال، وها هي الشّركات الاقتصادية في طريقها إلى الإفلاس، وميزانيات الدول في سبيلها إلى الانهيار، وما قد يأتي قد يكون أشد وقعا وأعظم هولا. ومع كورونا لم ينفع الأغنياء مالهم ولا الساسة حنكتهم، ولا الجيوش قوتهم، ولا المؤسّسات الدينيّة بهالتها المقدّسة، وما زال العلم– وهو الأمل الوحيد المتبقي – غير قادر بل وعاجز حتى اليوم عن مواجهة هذا التّحدي المرعب للمصير لفيروس متناهي الصغر لا يرى بالعين المجردة (4).

نعم. هو فيروس صغير ولكنّه كما نعتقد استطاع أن يشكّل بتأثيره الكبير صدمة وعي ثقافي جديد، تجعلنا نفكر من جديد في وزن الإنسان وفي مكانته المزعومة في هذا الكون بوصفه مركزا له وصانعا للحضارة وبانيا للقوة والمجد. ولا نريد أن نذهب أبدا إلى حدّ التّقليل من شأن العلم، بل نحن على ثقة بأنّ العلم سيجد الدواء لهذا الداء عاجلا أم آجلا، والذي قد ينقذ الإنسانيّة من هذا المصير المخيف. ومع ذلك يبقى علينا أن نثير السّؤال الخطير، وهو كم هو عدد الجائحات التي تنتظر الإنسانيّة في مستقبلها القريب والبعيد؟ وكم هو عدد الفيروسات الغافية الهاجعة في تضاريس الزّمن الغابر التي لم تستيقظ بعد، والتي قد تكون يوما ما أشد فتكاً وأعظم هولاً من كلّ الجائحات التي عرفتها الإنسانيّة عبر تاريخها المديد. فالعلماء يؤكدون بوجود جحافل من الفيروسات الرّهيبة الكامنة في تلافيف الجبال الجليديّة للقطب الشمالي المتجمّد، ويعتقدون أيضا أنّ طبقات السّماء العليا قد تحمل إلينا جائحات فيروسيّة أعظم واشد من كورونا بآلاف المرّات قد يحرّرها الاحتباس الحراري فتسقط على الأرض وبالا وكأنّها حجارة من سجيل. نعم، هناك الكثير من التّحديّات الهائلة التي تواجه المجتمع الإنساني، ويبقى السّؤال كيف سيكون المصير الحضاري للإنسانية؟ وأين هي مركزيّة الإنسان في هذا الزّمن الرّهيب مع تكاثف الأزمات الاقتصاديّة وتضافرها مع اندلاع الحروب المدمّرة، وزيادة درجة التّطرف والتّعصب والكراهيّة، وتفاقم أزمات البيئة، وتعاظم التّلوث في الأرض، والفساد في المجتمعات الإنسانيّة، تزامنا مع الحروب البيولوجية والجرثوميّة التي نراها اليوم تنذر بالكوارث التي لم يسبق للإنسانية أن رأت لها مثيلا، وكأنها بداية نهاية الإنسان والتاريخ الإنساني (5).

2- المؤلف وحضوره العلمي:

لم يستطع المفكرون المصريون الوقوف على جمار الصّمت إزاء هذه التحولات الساحقة التي فرضتها جائحة كورونا في مجال الفلسفة، فنفروا لمواجهة هذا التحدي واستنفروا لمواجهة هذا الخطر الداهم، ودقوا له ناقوس الخطر الداهم في مواجهة عولمة رهيبة شديدة التوحش، ومن بين النخب المصرية التي تصدت فكرياً للجائحة يتألق نجم المفكر المصري الكبير محمود محمد علي، بوصفه أكثر المفكرين المصريين حماسة إزاء تحديات كورونا وتداعياتها السياسية والطبية على العالم أجمع، واستطاع محمود علي في نضاله هذا أن يوظف عبقريته الفلسفية في إبداع أكثر الأعمال الفكرية نقدا لمخاطر جائحة كورونا وصونا للفلسفة، إيماناً منه بأنّ الفلسفة هي الحصن الحصين للحضارة الإنسانية المتدفقة بالعطاء.

ومن يتابع الأعمال الكبيرة لمحمود علي سيجد بأنّ الرجل كان وما يزال حاضراً في الشأن الفلسفي، وهو الذي كرّس جانباً كبيراً من حياته للدفاع عن الفلسفة في مصر والعالم العربي ضد المخاطر الكبرى التي تهدد وجودها في عالم المعرفة والميديا والانسحاق الإنساني أمام عجلات جائحة كورونا.

وعندما أتحدث عن محمود علي بقامته الشامخة لا بدّ لي أن أقف في محرابه مأخوذاً بما ينطوي عليه شخصه الكريم من تدفق أخلاقي صقل إيماناً برسالته الفلسفية ودورها في بناء الإنسان وتشكيله في معترك الإيمان بالحضارة والقيم الإنسانية العليا، ولا غرابة أبداً في أن نجد موقع “نقد وتنوير “يصفه بأنه “فيلسوف ومفكر مصري معروف بكتاباته وأعماله الفكرية”، وكذلك موقع مكتبة نور الالكترونية والذي يصفه بالمثقف المصري الشامل الذي ضرب بسهام وافرة في فروع الفلسفة، حيث يقول الموقع: كتب الدكتور محمود محمد علي في الفلسفة الإسلامية، والتصوف، وعلم الكلام ، والمنطق ومناهج البحث وفلسفة الابستمولوجيا، علاوة  على  اشتغاله بقضايا الفكر السياسي المعاصر ، وهو صاحب موسوعة أجيال الحروب والتي صدر منها  حتى الآن ثلاثة مجلدات، بدأ فيها من حروب الجيل الثالث إلى  حروب الجيل الخامس، علاوة على اهتمامه الشديد بقضايا الأوبئة والجوائح، ومقالاته المتعددة حول كوفيد 19، وكذلك مقالاته في القضايا الاجتماعية والسياسية والمنشورة بالصحف والمجلات العربية والمصرية.

وفيما يتعلق بالإنتاج العلمي والمعرفي، فحدث ولا حرج، فهو حاضر في مصر بطولها وعرضها، مشرق في كلّ مكان في العالم العربي، ومتألف في جميع أقطاره، فهو هنا وهناك في الآن الواحد، يتدفق معرفة، ويومض علماً، ويتوهج بفلسفته التي تتميز بالعمق والشمول، وعندما تريد الحديث عن الشأن العام الفلسفي في مصر، فهو يمثل عطاءً  متدفقا كنهر من تبر، وإني لفخور به كصديق لي في مصر والعالم العربي، ونفخر بأمثاله فيلسوفاً رائعاً، مبدعاً، خلاقاً،  غزير المعرفة والإنتاج، ومحمود علي دائماً بعقله، ويقظ بقلبه، وهو دائم الاستعداد للنّظر في كل الملفّات الفكريّة رصداً لمضامينها، وتوغلا في معانيها .

ولد “محمود محمد علي “في مدينة إخميم بمحافظة سوهاج، في الرابع والعشرين من شهر يوليو سنة 1966، ونشأ كعادة أبناء القرى على حفظ القرآن والأحاديث النبوية والشعر العربي. وفي نفس الوقت بدأ طريق التعليم فدخل مدرسة المجلس الابتدائية. واصل تعلميه ليحصل على الشهادة الابتدائية من المدرسة الإعدادية الجديدة بإخميم حسب النظام التعليمي الذي كان معمولاً به آنذاك، وقد حصل على هذه الشهادة عام 1977م، ثم واصل تعليمه الثانوي بمدينة إخميم أيضاً، فالتحق بمدرسة أخميم الثانوية ليحصل على شهادة إتمام الدراسة الثانوية عامة 1984م. وفي نفس العام انتقل إلى كلية الآداب بجامعة أسيوط واختار دراسة الفلسفة ليحصل على ليسانس الفلسفة متفوقاً على كل أقرانه عام 1988م.

وقبل أن يعيّن مدرساً مساعدا بكلية الآداب – جامعة حلون، حصل على السنة التّمهيدية للماجستير بقسم الفلسفة – جامعة القاهرة، ثم حصل على درجة الماجستير في الدّراسات المنطقيّة وكان موضوع البحث “المنطق الإشراقي عند السهر وردي المقتول في ضوء المنطق الأوربي الحديث ” عام 1990م بتقدير عام ممتاز ثم عُين مدرساً مساعداً بقسم الفلسفة – جامعة حلوان، وبدأ رحلة البحث في الدكتوراه بين جامعة جنوب الوادي وجامعة القاهرة حتى حصل عليها من جامعة جنوب الوادي تحت في موضوع “المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة ” عام 1995م بمرتبة الشرف الأولى وعقب حصوله على  درجة الدكتوراه عُين مدرّسا للمنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب بجامعة حلوان، ثمّ حصل على  درجة أستاذ مساعد عام 2004م، وكذلك حصل على  درجة الأستاذية في عام 2012م.

اشتغل بالتدريس في عدة جامعات مصرية وعربية، حيث قام بالتدريس في جامعات حلوان وأسيوط، وجنوب الوادي، وفي جامعة السابع من أبريل بليبيا، وذلك قبل سقوط نظام معمر القذافي، كما سافر في مهمة علمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحاضر بجامعة جورجيا الأمريكية في عام 2001م، التقي بالعديد من كبار فلاسفة العلم المعاصرين، من أمثل سكوت كلينر، ويوري بلاشوف، وستيفن تولمن وغيرهم، كما حضر الكثير من المؤتمرات العلمية الدولية والمحلية... وللحديث بقية.

 

أ.د  علي أسعد وطفه

.........................

هوامش المقالة ومراجعها:

1- محمود محمد علي: جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2021، ص 11.

2- علي أسعد وطفه: الهوية الإنسانية في زمن ” الكورونا”، مقال منشور ضمن مركز نقد وتنوير، بتاريخ 17 يناير، 2021.

3- المرجع نفسه

4- المرجع نفسه

5- المرجع نفسه

 

كاظم الموسويالصراع من أجل الديمقراطية في العراق، هو العنوان الثاني بعد كلمة العنوان الرئيس، مذكراتي، للشخصية السياسية البارزة في زمنه، محمد حديد، (3- 1907 آب/ أغسطس (1999 والتي نشرت في كتاب، صدر عن دار الساقي ببيروت عام 2006 في 576 صفحة من القطع الكبير وبحروف طباعية صغيرة. وتاتي أهمية الكتاب والمذكرات من مؤلفها، ورؤية الأحداث التي عاشها وسجلها صفحات في تاريخ العراق المعاصر. وشخصية المؤلف ودوره في صناعة تاريخه الوطني ونضاله من أجل عراق وطني ديمقراطي وصراعه مع من تعاون أو تشابك معه في الصراع من أجل الديمقراطية في العراق. وصفحات المذكرات تشهد له كما تؤكدها صفحات التاريخ وكفاحه على اكثر من صعيد ومرحلة وزمان.

مهّد للكتاب ابنه، فولاذ محمد حديد، موضحا الجهود التي بذلت لإقناع والده بكتابة مذكراته. "فبرغم أن المؤلف كان عند وفاته سنة 1999 في سن الثانية والتسعين يحتفظ بذهن صاف وذاكرة سليمة، فقد ألحت عليه الأسرة والأصدقاء منذ وصوله للإقامة معي في لندن سنة 1991 على أن يدون احداث حياته وذاكرته لا تزال قوية ثاقبة". رغم أن كتابة المذكرات اخذت وقتا وجهدا واصرارا، إلا أن " العملية البطيئة،  في الواقع، اتاحت لي ولكل من اخي واختي فرصة تعليمية نادرة. فقد كنا نحضر الجلسات ونستمع بشغف بالغ ووالدي يملي ذكرياته،"  وحصل من وراء تبادل الاراء مع المؤلف بعد تلك الجلسات، في شأن التجربة الديمقراطية في العراق، أن يكوّن نواة اولى عند فولاذ لفكرة تأليف كتاب عن هذا الموضوع.

 اختير لتحقيق المذكرات بعد تدوينها، الكاتب والمترجم والسياسي نجدة فتحي صفوة، الذي كتب  مقدمة مطولة تعريفية بالمؤلف والكتاب، معترفا بالمكانة التي كان عليها المؤلف. مؤكدا أن محمد حديد شخصية سياسية وطنية عراقية حازت احترام العراقيين على اختلاف اتجاهاتهم وانتماءاتهم، وعرف بثقافته العصرية الواسعة، ونزاهته المطلقة، وتفكيره الهاديء العميق. وكان موضع تقدير في جميع العهود السياسية التي توالت على العراق، في ظل النظامين، الملكي والجمهوري، سواء أكان في الحكم ام في المعارضة. و"باعتزاز كبير وانا اقدم هذه المذكرات الى القاريء العراقي والعربي وكلي ثقة باهميتها وبانها ستكون مصدرا ثرا جديدا لتاريخ العراق السياسي الحديث، وإضافة مفيدة الى ما صدر حتى الآن من مذكرات الساسة العراقيين، تلقي اضواء جديدة ومفيدة على جوانب كثيرة من ذلك التاريخ، فضلا عن أنها تعرض سيرة غنية ومشرفة لشخصية خدمت بلادها بكل كفاية واخلاص، وفيها كثير من الدروس والعبر، وهي جديرة بأن تكون قدوة للأجيال القادمة في صلابة الرأي والثبات على المبدأ والإخلاص في الوطنية".

كما لخص في المقدمة الكثير من محتوى المذكرات، في السيرة الشخصية والعمل الوظيفي والنشاط السياسي والفكري، وعرض وجهات نظره في أمور لو كان المؤلف مطلعا عليها لما وافقه عليها، كالموقف من ثورة تموز/ يوليو 1958 مثلا، وتفسيره لاسم الشعبية، وعمل جماعة الأهالي، التي كان المؤلف من مؤسسيها. وقدم للقارئ المؤلف وسيرته التي فصلها في الكتاب. ذاكرا أنه محمد بن الحاج حسين حديد، ولد وترعرع في مدينة الموصل واكمل دراسته في بيروت وبريطانيا وعاد ليعمل في وزارة المال، واستوزر في العهدين، الملكي والجمهوري، لكفاءته وتمثيله لحزبه الوطني الديمقراطي قبل تأسيسه لحزب اخر منشق من اسم الحزب ايضا، وخلافه مع زعيم الحزب، كامل الجادرجي حول الموقف من تأييد الحكم الجديد ورأسه الزعيم الركن عبد الكريم قاسم.

ولعل النظر في عناوين الفصول التي ضمها الكتاب، والملاحق والصور الشخصية، يعطي صورة توضح سير المذكرات ودور صاحبها، وتقرب المتابع لها من الدروس والعبر التي تستخلص منها. بمعنى معرفة الرسالة من عنوانها كما يقال، حيث بديهيا حمل الفصل الاول عنوان سنوات التكوين، والفصل الثاني الخدمة في العراق، والفصل الثالث، انقلاب بكر صدقي- حكمت سليمان، والفصل الرابع، في المجال الصناعي، والخامس، سنوات الحرب وولادة الحزب الوطني الديمقراطي، والسادس، احداث سياسية داخلية، والسابع، تطورات الوضع السياسي في العراق، والثامن، ثورة 14  تموز/ يوليو، والفصل التاسع، في وزارة المال، والعاشر، الخلاف بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، والحادي عشر، القضية الكردية، والثاني عشر، تشريع قانون لتنظيم الأحزاب، والثالث عشر، حركة الشواف وذيولها، والرابع عشر، محاولة أخرى لتأليف جبهة وطنية جديدة، والخامس عشر، قضايا النفط، والسادس عشر، الكويت، والسابع عشر، الحزب الوطني التقدمي- تأسيس الحزب الوطني التقدمي، والثامن عشر، تقييم عهد عبد الكريم قاسم ونظامه، والتاسع عشر، إنقلاب8  شباط / فبراير 1963والفصل العشرون، إنقلاب 17 تموز 1968 أما الملاحق فقد ضمت منهج الحزب الوطني الديمقراطي، ومنهج الحزب الوطني التقدمي، والكتب المتبادلة بين وزير التموين محمد حديد ورئيس الوزراء نوري السعيد، ورسائل كامل الجادرجي إلى محمد حديد (خلال وجوده في لندن)، وتقرير عن مقابلة سام فول، المستشار الشرقي في السفارة البريطانية في بغداد مع محمد حديد، ومذكرة لمحمد حديد في ميزانية العراق لسنة 1960 ، ولللذكرى بقلم فخري شنشل، وفي الملحق الثامن نعي جريدة نيويورك تايمز، والتاسع نعي صحيفة الاندبندنت للراحل،  صاحب المذكرات.

قراءة ما املاه وسجله المؤلف، محمد حديد،  في مذكراته، التي طلب نشرها بعد وفاته، وبعد إلحاح واصرار عائلته وأصدقائه واكاديميين بريطانيين وغيرهم وما وفرته من أفكار ورؤى ووقائع تكشف عن دلالات ووجهات نظر تنطق عن مصداقية سرده رغم اعتماده على الذاكرة ووثائق محدودة من مؤسسات بريطانية، وكذلك ليست عن أهميتها وحسب، بل وعن مسيرة التجربة والحياة التي عاشها، والأسلوب والممهمات التي قام بها، والسبل التي عالجها بها، ابتداء من محبته لمسقط رأسه، مرابعه الأولى ووطنه الذي اخلص له، إلى علاقاته الحضارية والودية حتى مع المختلف معهم فكريا أو سياسيا، وتحمله لتموجات الحركة السياسية واضطراباتها في بلاده، كما رواها، رغم ما يمكن التحدث عنها وفيها ايضا. وكغيرها من المذكرات التي نشرت، تبقى مذكراته في ميزان التاريخ السياسي الوطني في العراق، معبرة عن شخصية وطنية بصدق واخلاص وثبات، عملت لبناء وطن، وإسعاد شعب، واجتهدت في الصراع من أجل الديمقراطية، التي كانت ومازالت مطلبا شعبيا، ووسيلة للتغيير، تدق ابواب الوطن وترنو لمستقبله.

 

كاظم الموسوي

 

 

عامر هشام الصفارلعل الطبيب العراقي -بما مرّ عليه من أحداث بلاده القاسية كما مرّت على أبناء شعبه- هو أكثر الأطباء في العالم كتابة في السيرة الذاتية.. حيث صدرت خلال السنوات العشر الماضيات كتبا عديدة تتناول أحداث تاريخية مر بها العراق من وجهة نظر الأطباء العراقيين، الذين كانوا يخدمون في جبهات القتال، أو في مستشفيات بلد وقع تحت نير حصار أقتصادي وسياسي جائر في فترة التسعينيات..وراح بعض الزملاء يكتبون على صفحات التواصل الأجتماعي دون أن يسعوا لأن تكون مقالاتهم منشورة في كتاب.

ولقد وجدت كتاب الزميل الطبيب العسكري يوسف حنا والموسوم ب "حكايات الطب والحرب" من كتب السيرة الذاتية المهمة والتي تتناول أحداث حرب عقد الثمانينيات من القرن الماضي بين العراق وأيران، وآثار فترة الحصار على العراق في التسعينيات وما تركته من نتائج على المستوى الأقتصادي والصحي والنفسي والأجتماعي للوطن ولشعبه. ثم أن الطبيب العراقي كان قد عانى من حملة الخطف والأغتيالات التي طالت العلماء في فترة ما بعد 2003.. مما أدى الى هجرة الكفاءات العلمية والطبية بالذات من البلد حيث بلدان العالم المختلفة..حتى بلغ عدد الأطباء المهاجرين ما يزيد على العشرة آلاف طبيب ومن مختلف الأختصاصات والدرجات العلمية..

وكتاب "حكايات الطب والحرب" للدكتور يوسف حنا والصادر عن دار المثقف للطباعة والنشر في بغداد، والذي جاء على 176 صفحة من القطع المتوسط، أنما هو أحدث كتب السيرة الذاتية التي أعتمدت وقائع الأحداث، وحقائق التاريخ دون أضافات ولا أستنتاجات من صنع الخيال.. فجاءت الحكايات صادمة وواقعية، لتعبّر عن طبيعة الظروف التي تتجاوز أحيانا قدرة الأنسان على التحمّل. وهي ظروف فرضت نفسها على الطبيب الذي وجد نفسه في أتون حروب متتالية ضمن مجريات تاريخ لا يرحم.

أما الكاتب الطبيب فهو الذي تخرّج من كلية الطب بجامعة بغداد عام 1978 ليتدرّج في الرتب العسكرية طبيبا، حتى وصل الى رتبة عميد طبيب بعد 25 عاما من تخرّجه، حيث أختص بالطب النفسي. وعليه فلابد للقاريء أن يقرأ الكتاب بجزأين: جزء أول حكى فيه المؤلف عن الشباب والطب والحرب (23 حكاية)، وجزء آخر راحت فيه الحكايات تترى (12 حكاية) عن تجربة طبيب نفساني في عيادته الخاصة ببغداد، مع مرضى تأزمت عندهم حالات نفسية مرضية، فلجأوا الى الطبيب يبحثون عن الشفاء ولو بكلمة طيبة.

2772 حكايات الطب

وقد وضع المؤلف صورته الشخصية في صفحات الكتاب الأولى وهو بزيه العسكري كملازم طبيب ليقول "لقد تربينا على مبدأ من يتعب يلعب.. فتعبنا وتعبنا لكن واحسرتاه لم يأت اللعب الموعود ليكافيء تعبنا!"..وحتى يؤكد لقارئه حقيقة ما ذهب أليه، حكى له عن القنبلة التي سقطت على دار الأطباء في مستشفى كركوك العسكري أيام الحرب الأولى في الثمانينيات حيث كان، ولكنها لم تنفجر، فدخلت جهاز التبريد ساكنة، حتى تم العثور عليها بالصدفة..!. كما حكى عن أريحية جندي مكلف ما ينفك يقص الطريف من حكايات، ويعلق بالتعليقات المرحة في الأوقات العصيبة.. وذلك في قاعة بنيت من الطين، وحوّلت الى موقع لأسعاف أصابات الحرب في مفرزة طبية أمامية في قاطع الخفاجية عام 1981.. (بدأت الحرب العراقية-الأيرانية عام 1980). وفي حكايته عن وحدته الطبية على ضفاف هور الحويزة وعلى مشارف مدينة البسيتين في جبهة العمارة، يفصّل المؤلف في سر الصورة التي أختارها غلافا لكتابه.. فيقول: "أننا كنا نقدم الأسناد الطبي لوحدات اللواء المدرع 35 من الفرقة المدرعة التاسعة، وكان الموقع الذي وضعونا فيه يتعرض لقصف الهاونات من قبل متسللين بين آونة وأخرى..حيث سقطت قذيفة الهاون على وحدتنا وأصابت أحداها منام الأطباء.. فأخذنا أنا ومحمد (زميله) أحد الدواشك المقصوفة، وتمددنا فوقه، وأخذنا الصورة للذكرى وكأننا في نزهة في فينسيا..!.

وهكذا تتواصل الحكايات حتى تقرأ "صور من المعركة"..الحكاية المؤلمة حد الصمت.. والموجعة حد البكاء.. حيث جثث الشهداء، والتي كان من ضمن واجبات الدكتور يوسف حنا أن يفحصها ويصف موضع الأصابات عليها..ويبحث في جيوب كل شهيد عما يدل على أسمه..وها هي سيارة النقل العسكري تأتيه محملة ب "أكوام اللحوم البشرية المتعفنة والمتخشبة".. فهي جثث جنودنا التي تم جمعها من ساحة المعركة بعد أستشهادهم بثلاثة أيام.

نعم.. يكتب المؤلف بلغة بسيطة شفافة مفهومة...ولكنها عنيفة أحيانا بعنف الأحداث التي تحكي عنها..وهي لغة بالتالي نابعة من قلب أنسان كبير، وطبيب حريص على تأدية الواجب بأمانة.. فتدخل الحكايا قلب القاريء المتلهف للتفاصيل، ليفهم حقيقة ما جرى في زمن صعب مرّ على العراق.

ثم أن المؤلف حرص عبر حكاياته ال 35 والتي ضمّها الكتاب، على أن يكون بينها الطريف واليسير الوقع والغرائبي أحيانا، وخاصة في حكايات مثل "من وحي الكورونا" و "الحاروكة".. وحكاية "حكيم عيون في الجبهة" "والدكتور مازن صبري..للضحك فقط" و "جرحك وسام على صدورنا"..و "عندما زعل عليّ السيد النائب"..  وصولا لبعض حكايات الجزء الخاص بعيادة الطب النفسي ومنها حكاية "عندما دخلت الفياغرا الى العراق"..

لقد أحسن الزميل العميد الطبيب يوسف حنا بنشر كتابه "حكايات الطب والحرب"  والذي يقرأه القاريء فلا يملّه، بل يعود أليه مرة بعد مرة..

ولابد  بعد ذلك من القول أنه من خلال التوثيق لوقائع التاريخ، نتمكن من فهم الدروس والعبر، والتي لابد من أن تعمل عليها الأجيال لخير الوطن والأنسانية.

 

عامر هشام الصفّار

 

للشاعر د. سعد ياسين يوسف صدرت المجموعة الشِّعرية السَّابعة بعنوان (الأشجار تحلّق عميقاً) وضمت أثنين وثلاثين نصّاً مواصلاً استلهام الشَّجرة رمزاً لنصوصّه كما تشي بذلك مقدمة المجموعة التي أورد فيها مقولة ابن عربي "إنّي نظرتُ إلى الكونِ وتكوينهِ،وإلى المكنون ِوتكوينهِ،فرأيتُ الكونَ شجرة "

وتناولت موضوعات المجموعة الصَّادرة عن دار أمل الجديدة في دمشق همّ الإنسان العراقي وتطلعه للحياة الحرة الكريمة إنطلاقاً من حضارته والقيم السَّماويّة والإنسانيّة التي آمن بها، ومواجهته للصعوبات والحروب والظّروف الحياتية القاهرة التي أثقلت كاهله .

كما تضمنت موضوعاتها رؤية الشَّاعر الفلسفيّة إزاء الأسئلة الكونيّة التي تواجهه ومنها الحياة والموت والحبّ والفراق والغربة والنّشوء، معتمدا الصّور الفنية في بناء نصوصّه والمفارقة والإدهاش، فيما تؤكد عنونة المجموعة على ضرورة أن يعمّق الإنسان جذوره في الأرض ليحلّق في فضاءات العطاء الإنساني، فلا تحليق بلا ترصين الرّوح والقيم النّبيلة .

2719 الاشجار تحلق عميقا سعيد ياسين

وضم الغلاف الثاني للمجموعة كلمة للناقد العراقي الأستاذ فاضل ثامر جاء فيها:

((إنَّ الشّاعر سعد ياسين يوسف تألق في قصيدة النثر ببنيات مهمة أهم من الرّمز الّذي انشغل فيه النقاد رغم أنَّ الرّمز الذي اعتمده الشّاعر كان مصدراً لتأويلات متعددة، وأنَّ الأشجار عند الشّاعر سعد ياسين يوسف هيَ (الطوطم) .ومن خلال انتماء الشّاعر لفضاء الطبيعة وأنسنتها استطاع أن يخلق منها كياناً إنسانياً لتصبح رمزاً و(آخراً) حينما يقيم حواراً مع افتراضي آخر هو الشَّجرة الذي قد يكون قرينا له أو الوجه الآخر.

إنَّ رمز الشَّجرة وفي لحظة ما يتحوّل لدى الشّاعر إلى قناع، بوجود مجال لاشتغالات نقديّة كثيرة في بنية الصّورة والاستعارة في شعر سعد ياسين يوسف و لاسيّما أنَّه يتجه إلى القصيدة الرّعوية امتداداً للشاعر "عيسى حسن الياسري"، لكنَّ يوسف ينفتح على فضاءات حداثويّة وفق ثنائيّة الطبيعة بما فيها من جمال، والثقافة بما فيها من قوة، حيث رمزالشجرة التي تنتمي إلى قطب الطبيعة في مواجهة الوجه الآخر المتمثل بالامحاء واستلاب الرونق الطبيعي للحياة والإنسان . إنَّ تجربة الشّاعر سعد ياسين يوسف تجربة غنيّة تندرج في ضمن المتن الثقافيّ لما حظيت به من تكريم وجوائز عالميّة وتتطلب قراءة جادة .

يذكر أن ست مجموعات كانت قد صدرت للشاعر سعد ياسين يوسف هي على التوالي : قصائد حب للأميرة كاف، شجر بعمر الأرض، شجر الأنبياء، أشجار خريف موحش، الأشجار لا تغادر أعشاشها، أشجار لاهثة في العراء وتم الاحتفاء بها عراقيا وعربيا .

 

بغداد – المثقف

 

عبد الحسين شعبان"لقد جمعت السيمفونية كل النغمات المتعارضة والمتكاملة والمتخالفة والمُتّحدة في آنٍ معاً لتعطي قصيدة ملحمية تضاهي نشيد رولاند في نسخة سودانية، وبهذا أصبحت الحركة تياراً جارفاً لا يمكن صدّه" هذا ما كتبه البروفيسور محمد الحسن ولِدْ لبات، في وصف حركة الاحتجاج السودانية التي أطاحت بالرئيس عمر حسن البشير الذي حكم السودان 30 عاماً (1989-2019)، حيث أنعشت أغنية "أنا سوداني" ليالي المعتصمين لتضيء حلكة الظلام وتنشر الضياء... لتشكّل توليفة تبعث روحاً جديدة تبشّر بعصر جديد، كما يقول.

ولد لبات خبير دولي مختص بقضايا الوساطة وحلّ النزاعات في مناطق الحروب الأهلية والعدالة الانتقالية، وعمل في العديد من الدول الأفريقية مكتسباً خبرة واسعة وتجربة غنية، ولا سيّما من خلال تولّيه عدّة مناصب منها : وزيراً للخارجية وسفيراً ورئيساً لجامعة نواكشوط، وفوق كل ذلك فإنه يمتلك لغة عربية صافية، إضافة إلى إتقانه اللغتين الفرنسية والإنكليزية ومعرفته بلغات محلية عديدة، ناهيك عن كونه قانوني ضليع وفقيه دستوري ذو أفق فسيح مثل صحراء موريتانيا بلاده الفسيحة.

-2-

لقد وظّف الكاتب كل مؤهلاته تلك من أجل التوصل إلى مصالحة بين الفرقاء السودانيين، مدنيين وعسكريين، وحاول أن يعكس تجربته الباذخة تلك في كتاب مهم بعنوان "السودان - على طريق المصالحة"، والكتاب سردية جميلة أقرب إلى رواية بحبكة درامية  طعّمه بحكايات وقصص ومقابلات وحوادث وأسرار وتاريخ وخفايا وخبايا، دلّت على معرفة عميقة بالأوضاع السودانية دون أن يبتعد عن المعايير الأكاديمية والبحثية.

وكان قد كُلّف من جانب الإتحاد الإفريقي وبدعم من إثيوبيا، إثر اندلاع أزمة سياسية عميقة في السودان حول المستقبل بين القيادات المدنية التي فجّرت الشرارة الأولى للثورة والقيادات العسكرية التي ساهمت في حسم مسألة التغيير، وكادت الأزمة أن تؤدي إلى الصدام بين المجموعتين، حيث تشبّث العسكريون بمواقعهم في النظام الجديد، في حين أراد المدنيون عملية التغيير شعبية بامتياز لإنجاز التحوّل الديمقراطي.

لم تكن عملية التغيير يسيرة أو حتى مضمونة النتائج، خصوصاً وقد عاش المجتمع السوداني فترات طويلة في ظل أنظمة استبداد وحكم عسكري، حيث حكم محمد جعفر النميري من العام 1969 حتى أطيح به في حركة شعبية العام 1985 وهي امتداد لثورة أكتوبر الشعبية التي أطاحت بحكم الجنرال عبود العام 1964، لكن انقلاباً عسكرياً جديداً استلم مقاليد الحكم في العام 1989 وتعتّق فيه، وخلال العقود الثلاثة من حكم الرئيس البشير فيها شهدت البلاد حركات تمرّد وأعمال عنف، ناهيك عن انشطارها وانفصال جنوب السودان العام 2011 باستفتاء شعبي بعد حروب دامت من العام 1956 دفعت البلاد أثمانها الباهظة بشرياً ومادياً ومعنوياً، كما تعرّض فيها الشعب السوداني لأعمال قمع شملت قطاعات واسعة من النساء والمثقفين والفنانين والمجموعات الثقافية "الأقليات" والشرائح الاجتماعية المهمّشة فضلاً عن محاولات "تديين" المجتمع ومصادرة الحريات وتقليص الحواشي الديمقراطية وهجرة أصحاب الكفاءات والأدمغة.

-3-

يطلعنا الكاتب بأسلوب شائق وشفيف ولغة متوهجة بالشعرعلى فكرة الوساطة وسياقاتها وإنضاج ظروفها ومساراتها وتحدّيات المرحلة الانتقالية ويتناول بعض التساؤلات حول المستقبل، وهذه المفردات مثلّث العناوين الأساسية للكتاب، ومن خلاله نتعرّف على الدور الذي قام به في الوصول إلى النتائج المرجوة دون ادعاء أو غرور، بل بالوقائع والأسماء والمحصّلات، بما فيها من توترات ومحاولات عرقلة أو وضع عقبات من شأنها الحيلولة في منع التوصل إلى توافق يؤدي إلى المصالحة عبر الوساطة.

والوساطة تعني حل الخلافات بطريقة سلمية وعبر أشخاص أو جهات تقوم بهذه المهمة يثق بهم المتصارعون، وهي فرع جديد يدرّس في الجامعات والمعاهد العليا، وقد اعتمدناه في جامعة اللاّعنف (بيروت) وهو يجمع بين القانون والسياسة والإدارة والثقافة والاجتماع  والدبلوماسية وفن التفاوض، وذلك في إطار توفيقي وجامع بحثاً عن المشتركات، بحيث يصل الجميع إلى الاعتقاد أن الكل رابح، ومثل هذا الاختصاص يستخدم في حل الأزمات الدولية الكبرى مثلما يمكن تطبيقه على الأزمات والنزاعات الأهلية الداخلية، بما فيها بين جماعات وأشخاص أحياناً.

ومن النتائج المهمة في التجربة السودانية هو أن إفريقيا هي التي تولّت هذه المسؤولية وتمكنّت من النجاح فيها بالتعاون مع شركاء دوليين، ويعود ذلك لأسباب منها أنها تعرف مشاكل الإقليم وهي منحازة لمصلحته وتشعر بمسؤولية إزاه على خلاف بعض الوساطات البعيدة فكرياً واجتماعياً ونفسياً عن أجواء الصراع ومشاكل المجتمعات التي تريد التوفيق بين فرقائها المتصارعين، ناهيك عن أغراضها السياسية أحياناً .

-4-

وبتقديري إن كتاب "السودان - على طريق المصالحة" يصلح أن يدرّس في الجامعات العربية وفي جامعات البلدان النامية عموماً، خصوصاً تلك التي عانت من أزمات وحروب أهلية، بهدف تهيئة مستلزمات التحوّل الديمقراطي، وبالطبع ليس لاستنساخ التجربة أو اقتباسها، وإنما الإفادة منها كقواعد عامة ودروس بليغة، مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروف كل مجتمع وشعب، وفي كل الأحوال وحسب معرفتي المتواضعة، يبقى الكتاب مرجعاً نظرياً وعملياً مهماً، علماً بأن المراجع الأكاديمية والعلمية قليلة على هذا الصعيد، لا سيّما تلك التي تضمّنت تجارب عملية ميدانية قريبة من واقع مجتمعاتنا . ولعلّ تقويم رئيس جمهورية مالي الأسبق البروفسور عمر كوناري رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي الأسبق يعطي القارئ فكرة موضوعية عن مثل هذا الدور الوسيط الذي صاغه مؤلف الكتاب والمفاهيم التي قدّمها وتمكّن من خلالها إضافة إلى براعته الوصول إلى حلول جنّبت السودان الانزلاق إلى نزاع أهلي، لا سيّما بعد قناعة الفرقاء جميعهم.

على الوسيط أن يصغي إلى جميع الفرقاء وأن يستمع إلى الكثير من الشهادات الشفوية والمكتوبة ويقرأ العديد من الوثائق ويطّلع على المعطيات من مصادرها الأصلية وهو ما فعله المؤلف حين حاور المجلس العسكري الانتقالي وكذلك إعلان قوى الحرية والتغيير، إضافة إلى تجمع المهنيين ومنظمات سياسية ومهنية واجتماعية عديدة،غطّت الطيف السوداني الاجتماعي والسياسي والثقافي وهو ما وفرّ له  زاداً سميناً حاول أن يقسّمه على أطباق متساوية وبتكافئ بعد أن طبخه على نار هادئة دون استعجال أو تسرّع، وحسبما يقول : على الوسيط أن ينثني دون أن ينكسر، مثلما عليه التحلّي بالتواضع والصبر.

لقد تعلّم ولد لبات كما يقول من نيلسون مانديلا الذي عمل معه ومع العديد من قادة إفريقيا، فضائل التعالي على الضعف البشري المتمثّل بالأنانية والعجز عن التسامح وروح الانتقام وجدارة المصالحة خدمة للأمة، وحاول أن يوظفها من خلال وساطته السودانية، مبتعداً عن كل ما له علاقة بالغطرسة أو التكبّر أو ادعاء المعرفة أو الانحياز أو الانجرار إلى المغريات أو فقدان الثقة بالأطراف المتصارعة، أو التسّرع للوصول إلى النتائج، فالجهل صنو للغرور، أما المعرفة قرينة التواضع وذلك يعني الاقتراب من الموضوعية والإبتعاد عن الذاتية والأحكام المسبقة.

أدركُ أن الوساطة عملية شاقة ومعقدة وتحتاج إلى باع طويل لتحديد معالمها ومراحلها وإجراءاتها وصولاً إلى إعلان نتائجها بقناعة من جميع الفرقاء، كما تستوجب التعرّف العميق على الأطراف واحترامها وكسب ثقتها، مثلما تقتضي "التحكم باللسان وفي الجَنان" أي الحركات والإشارات، أما المصالحة فهي ضرورة اقتناع الجميع بأنه لا أحد يستطيع بناء البلد لوحده، الأمر الذي يقتضي قبول الآخر واحترامه وضرورة وجوده، فضلاً عن التسامح والاعتراف بالخطأ وهو ما اعتمده ولد لبات بمهارةٍ وحكمةٍ وبعد نظر، وبقدر ما يتم اعتماد قواعد علمية وأكاديمية ووسائل إقناعية، فإنه يحتاج إلى فهم اجتماعي وثقافي وديني لطبيعة المجتمع وتراكيبه المختلفة بطبقاته وفئاته الاجتماعية وأديانه وقومياته ولغاته وتاريخه بما فيه نقاط قوته وضعفه في الآن، أي وضع  خريطة مشاكله على بساط البحث القديمة منها والراهنة، إضافة إلى تصور بعض تضاريسها المستقبلية، وهو ما فعله الكاتب بجدارة  في وساطته السودانية الملقّحة بتجارب كونية.

-5-

ذكّرتني اللغة الموسوعية التي كتب بهذا السفر بالصديق باهي محمد الذي أسماه الروائي عبد الرحمن منيف "عروة الزمان"، الصحراوي الجميل التي تنقّل في العالم العربي حاملاً لواء العروبة والوحدة والتحرر: من موريتانيا إلى الجزائر ومنها إلى بغداد ودمشق، فالمغرب وكان مستقره باريس التي كان يجوبها مشياً على الأقدام، متاعه بضعة كتب وحفنة قصائد وذاكرة ذهبية، ولكن قبل كل شيء محبة لا حدود لها للناس والأصدقاء والثقافة، مثلما هي محبة الأصدقاء له، وحاول ولد لبات كسب ثقة الفرقاء، بل ومحبتهم وإقرارهم بالدور الإيجابي النزيه الذي يقوم به .

المصالحة هو ما نحتاجه في عالمنا العربي وهي تبدأ من رياضة روحية مع النفس لتنتقل إلى الآخر، جوهرها التسامح وقبول الآخر وحلّ الخلافات باللاّعنف، ولو قدّر لي أن أرشح كتاباً للقراءة قبل كل حركة تغيير أو احتجاج شعبي يستهدف التحوّل الديمقراطي، لرشّحت كتاب "السودان- الطريق إلى الوساطة" الذي هو بمثابة دليل عمل ومرشد بما قدّمه من إطارات لحلول بعضها كان مستعصياً أو أن التوصل إليها  كان صعباً ومعقداً ولم يمرُّ بسلاسةٍ، بل هو أقرب إلى الإستحالةِ كما تصوّره البعض، وإذا به من خلال التفاهمات والتوافقات والثقة يصبح ممكناً، بل واقعاً .

المؤلف: محمد الحسن ولد لبات

عنوان الكتاب: السودان: على طريق المصالحة

إصدار: المركز الثقافي للكتاب

بيروت، الطبعة الأولى، 2020

423 صفحة من القَطع الكبير.

***

عبد الحسين شعبان

 

حسين اكرم غويليقراءة كتابات الدكتور عبد الجبار الرفاعي تجعلك تتذوق الكلمات كما تتذوق طعامًا لذيذًا، تجد الرفاعي كأنه يذيب السكر بالعسل في الحليب، فيغذي الروح الظامئة لعطشها الأنطولوجي، ويرويها بعذب الإنسانية الروحية الأخلاقية.

أقرأ في كتاباته لمسات أدبية خاصة، لغته مضيئة، تستقي من لغة العرفاء، وتلتقي واللغة الرومانسية في الفكر الغربي. عباراته شغوفة بالمعاني الروحية الأخلاقية.

ترى في لغته ضوءًا يهتدي به من هو بعيد عن الله والدين.

يكشف لنا الرفاعي عن صورة بهيجة للدين، ويدلل على ضرورته في الحياة.

تشعر معه انك ترتوي من منبع إلهام روحي يكرس التدين الذي يجعلك ترى أجمل صورة لله. يكشف الرفاعي عن جوهر الدين الروحي الأخلاقي الإنساني بمهارة خبير متمرس.

كلماته مكتوبة بلغة ايمانية شفافة،  تقربك لله، حتى تشعر كأنك تراه.

كتاب عبدالجبار الرفاعي "الدين والاغتراب الميتافيزيقي" يدرس ضرورة تحقّق الدين في مجاله الأنطولوجي الخاص، محيلًا موضوعات الكتاب لرؤية تتبنى فهمًا للدين لا يكرر كثيرًا ما هو متداول في الكتابات المختلفة عن الدين، محاولًا أن يعيد تصنيف حاجات الإنسان، ويرسم خارطةً لمراتبها، ويتعرّف على طرائق استيفائها، بالشكل الذي يكشف عن أن الحاجة الوجودية للدين تقع في مرتبة خاصة لا يمكن الاستغناء عنها، يفرضها وجود الإنسان.

2718 الدين والاغتراب الميتافيزيقي

يذهب الرفاعي إلى أن كل إنسان يولد في الأرض تولد معه سلسلة حاجات: مادية أولًا، وبموازاتها يولد معه صنف ثانٍ من حاجات ليست مادية (معنوية)، وبموازاتها يولد مع الإنسان صنف ثالث من الحاجة، هي حاجته للدين، التي تفرضها كينونته وهويته الوجودية، تشكّل هذه الحاجات مثلثًا ذا ثلاثة أضلاع ليست متطابقة، ولا متساوية… ‏تصنيف الرفاعي للحاجات البشرية الأساسية لا يتطابق مع التصنيف المشهور لهرم ماسلو، ‏الذي قدّمه ابراهام ماسلو في ورقته البحثيّة "نظريّة الدافع البشري" عام 1943، المنشورة في مجلة "المراجعة النفسية".

يرى الرفاعي ان عدم الوعي بهذه الحاجات، أو عدم تأمين أي ضلع منها، بالشكل المناسب لكيفية تلك الحاجات، يؤدي إلى اختلال في حضور الإنسان في العالم، ومتاعب وآلام في عيشه، وقلق وجودي.

يجد القارئ في موضوعات هذا الكتاب كيف يخرج الدين من حقله، بوصفه حاجةً وجوديةً، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف، فيتحول الدين من كونه حلًا للحاجة الوجودية إلى مشكلة تهدد العقل، وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. وهكذا يرى القارئ أن أكثر مشكلاتنا تكمن في تمدد وتضخم هذه الحاجة، وإهدارها لغيرها من الحاجات الأخرى الأساسية، وابتلاعها لكل شيء في حياة الناس داخل مجتمعاتنا، فكثير من مشاكل عالَم الإسلام تعود إلى الإخفاق في التعرف على الحقل الحقيقي للدين، وحدود مهمته في حياة الكائن البشري، وما نتج عن ذلك من زحف وتمدد الدين وهيمنته على حقول الحياة الأخرى، والإخلال بوظيفة العقل والعلم والمعرفة، وإهمال قيمة تراكم التجربة والخبرة البشرية، وأثرها الأساسي في البناء والتنمية.

يحاول هذا الكتاب إرساء لَبَنات فهم الدين، ويرسم بوصلة ترشد لمنطق فهم آيات القرآن الكريم، من أجل بناء رؤية "إنسانية إيمانية" حسب مصطلح الرفاعي الخاص، وكما يقول: عساها تطل بنا على أفق مضيء، نرى فيه الدين من منظور مختلف، يصير فيه الدين دواءً لا داءً، والإيمان محررًا لا مستعبدًا، والتدين حالةً روحانيةً أخلاقية جمالية، تتجلى فيها أجمل صورة لله والإنسان والعالَم.

تتجلى روعة هذا الكتاب للقارئ، تحديدًا عند الباب الحادي عشر منه، تحت عنوان: "التصوف الفلسفي وعلم الكلام: رؤيتان للتوحيد"، وتتجلى روعة هذا الباب عند جزئية "الاغتراب الميتافيزيقي"، إذ تعتلي الروعة معالجة التشوه ببناء صلة الخالق بخلقه، وصلة الخلق بخالقهم، من اذ صاغ علم الكلام ذلك التشوه المتبادل بين الله والإنسان، عبر تشكيل صورة لخالق عنيف جزار سادي مازوخي، متعطش لتعذيب مخلوقاته، بل والتفنن في عذابهم.

يحاول الرفاعي هنا صياغة مختلفة موفقة لإزالة ذلك التشوه، وتشخيصه، ومعالجته روحيًا إيمانيًا إنسانيًا دينيًا نفسانيًا، يُزيل إغتراب الروح عن الله، واحتجاب صورة الله الرحيم الودود الرؤوف، الذي يتجسد بحب متبادل بين الخالق والمخلوق، حبًّا صادقًا يسمو لعلياء السماء لا لقعر الجحيم. حبًّا يسمو به الخلق لخالقه، ويتصل الخالق بمخلوقاته، ليتسامى ذلك الحب ويتصل وجوديًا بالحق؛ وعندئذ تتلاشى المسافات بين الإنسان ومقام الربوبية، لتتكون علاقة تتكلم لغة المحبة النابضة بالرحمة بين الخالق وخلقه، وعلاقة تراحم بين الخلق، وبناء صلة عضوية ميتافيزيقية بين الله والإنسان، تعلو لعلياء الروح المتعطشة لظمئها الأنطولوجي، الذي لا يرتوي الا بالصلة الحية بالله، التي هي صلة محبة ووداد، وليست علاقة عدائية عقابية.

 

حسين أكرم غويلي، ‏كاتب عراقي.

 

حاتم حميد محسنهذا الكتاب كُتب استجابة الى أزمة الائتمان الحالية، ليوضح لماذا الاقتصاد العالمي والاقتصاد الامريكي بالذات، وجدا نفسيهما في فخ دائم من فقاعات أسعار الاصول التي تعقبها موجات هائلة وسريعة من الإئتمان المدمر. هو يصف كيفية نشوء هذه الدورات والأسباب الكامنة وراء أخطاء السياسة التي تميل بطبعها لتجعل الموقف اكثر سوءاً.

القضية المركزية لهذا الكتاب هي ان نظامنا المالي لايتصرف طبقا لقوانين فرضية السوق الفعال التي وصفتها النظرية الاقتصادية التقليدية السائدة اليوم. فرضية السوق الفعال تصف نظامنا المالي كحيوان مُذعن تُرك لوسائله الخاصة، وسوف يستقر في توازن مثالي ثابت. على عكس ذلك، هذا الكتاب يرى ان نظامنا المالي هو غير مستقر أصلا، ليس فيه توازن ثابت، وهو بطبعه ينزع الى تكوين دورات مدمرة من الصعود والهبوط السريعين boom-bust cycles. عدم الإستقرار هذا يتطلب من البنوك المركزية إدارة عملية خلق الإئتمان. في الكتاب جرى ايضا توضيح كيف يمكن لسياسة البنك المركزي، وبشكل لا متعمد، ان تنزلق من مهمة تهيئة الاستقرار في الفعالية الاقتصادية، الى اتجاه آخر يعمّق دورات الصعود والهبوط السريعين ويخلق عدم الاستقرار الاقتصادي.

محتويات الكتاب

1- مقدمة

2- الأسواق الفعالة والبنوك المركزية

3- النقود، المصارف، البنوك المركزية

4- الأسواق المستقرة والأسواق غير المستقرة

5- خداع العمل الشاق

6- حكّام البنوك المركزية

7- الانسجام بين منسكي وماندلبرت

8- ما وراء مغالطة فرضية السوق الفعال

9- استنتاج الملاحظات

2716 اصل الازمات المالية

مقارنة بين سوق السلع وسوق الأسهم والسندات

يتحدث المؤلف عن الأسواق المستقرة والغير مستقرة وبدأ بالتعليق على مصطلح "اليد اللامنظورة" لآدم سمث، حيث من الواضح ان سمث كان يشير الى المنفعة من تشجيع اتّباع المصلحة الذاتية، واليوم يُستعمل المصطلح على نطاق واسع ليصف فكرة ان الاسواق بطبيعتها تسير ذاتيا نحو الاستقرار الذاتي. ان وجود الاستقرار في السوق كان يُقصد به الاستقرار في اسواق السلع والخدمات وهو لاينطبق على اسواق الاصول او اسواق الائتمان او نظام سوق رأس المال بشكل عام. فحالما يحصل اي اضطراب في اسواق الائتمان او الاصول ستميل هذه الاسواق الى التوسع او التقليص اللذان من حيث المبدأ لا يحدّهما حد وليس لهما توازن مستقر. يشير الكاتب الى ان الاختلاف الاساسي بين اسواق السلع واسواق الاصول هو بكيفية استجابة الاسواق للتحولات في السعر، او بمعنى اخر للتحولات في الطلب. في اسواق السلع، أعلى او أدنى الاسعار يحفز أدنى او أعلى طلب، اما في سوق الاصول نجد ان أعلى او أدنى سعر يحفز أعلى او أدنى طلب. السوق الاول هو نظام باحث عن توازن مستقر بينما السوق الآخر يميل بطبعه الى دورات من النمو والانكماش السريعين دون أي توازن.

البقاء لأصلح النظريات

وفي الحديث عن نظرية السوق الفعال يقارن المؤلف بين نظريات التطور البايولوجي والاقتصاد بإعتبار ان كلاهما قاما على اساس مشترك وهو ان التقدم ينتج عن المنافسة. نظرية دارون في التطور توضح كيف ان القوى التنافسية تقود الاختيار الطبيعي. المنظرون الاقتصاديون يستعملون نفس الفكرة في توضيح كيفية نشوء التقدم عبر اتّباع المصلحة الذاتية.

ان المنافسة هي – بلا شك المحرك في التقدم الاقتصادي لكن المحرك ليس هو كل القصة. سعي آدم سمث وراء المصلحة الذاتية هو بالتأكيد نفس عملية الوجود التي يرى فيها دارون البقاء للأصلح. ومع ذلك، يشير البايولوجيون الى عالمية التقدم التطوري – أينما توجد حياة يوجد هناك تطور evolution. اما الاقتصاديون لا يستطيعون قول نفس الشيء عن التقدم الاقتصادي. قصة الانسان تبيّن ان التطور الاقتصادي هو حالة سريعة الزوال مقتصرة على أجزاء ضيقة من التاريخ والجغرافيا. ان فلسفة حرية المنافسة laissez-fair يمكن استعمالها لتوضيح التقدم حينما يحدث ولكنها لا تستطيع توضيح غياب التقدم عندما هي تفشل في تلمّسه. نحن نميل الى اعتبار النمو الاقتصادي المتسارع الحالي كظرف عادي، ولكن في الحقيقة ان القرون الاخيرة من التاريخ الانساني كانت استثنائية لو قورنت مع الاف السنين الماضية من الجمود الاقتصادي. وحتى في هذه السنوات من التطور السريع، كان التقدم مقتصرا وحتى وقت متأخر على جزء ضيق من العالم.

ان الارثودكسية السائدة عن فاعلية السوق لا توضح النموذج التاريخي للتقدم الاقتصادي ولا تستطيع توضيح اسباب ظهور الأزمات المالية، او سلوك أسواق الاصول او ضرورة البنوك المركزية او وجود التضخم. وباختصار، نظرياتنا الاقتصادية لا توضح كيف يعمل الاقتصاد. ان الطريقة العلمية تتطلب اولا وهو الأهم، ان تُبنى النظريات بمقتضى الحقائق . وفي هذا الجانب لا ترقى الارثودكسية الاقتصادية لتكون علما.

اذا كان علينا التقدم باتجاه نظام لإدارة الاقتصاد الكلي بنوعيّة عالية ولا يميل الى الكوارث، يجب علينا اولا فهم الكيفية التي يعمل بها نظامنا المالي فعلا وليس طبقا لما يحب الاكاديميون ان يعمل به. هذا يتطلب تبنّي الطريقة العلمية، نحن يجب ان نلوي النظريات لكي تناسب الحقائق وليس العكس. نظريات فرضية السوق الفعال فشلت في إجتياز مثل هذه الإختبارات الجوهرية ويجب ان تُلقى جانبا.

فرضيات بديلة

شرع كنز في البحث عن بديل رصين لفرضية السوق الفعال. اما منسكي فقد سار بنا الى نقطة أبعد في نفس الاتجاه. نظرية منسكي القائلة ان الاسواق المالية المتقلبة بين توسّع معزز ذاتيا وتقليصات توضح السلوك الحقيقي للسوق المالية. والى حين تأتي افكار أفضل يجب علينا تبنّي فرضية عدم الاستقرار المالي باعتبارها الافتراض العملي حول كيفية عمل نظامنا المالي واقعيا. يجب علينا استعمال هذا كنقطة بداية ننطلق منها لدراسة افضل السبل لإصلاح سياستنا الاقتصادية الكلية.

ماكسويل ونظرية أنظمة التوجيه

طالما قبلنا منطق فرضية منسكي في عدم الاستقرار المالي، لم يبق سوى خطوة قصيرة نحو ادراك ان دورات الإئتمان تتطلب ادارة. هذا الادراك يفتح الباب للأخذ برؤية ماكسويل في نظرية أنظمة التوجيه. يبيّن لنا ماكسويل إمكانية ان يؤدي النظام المفرط في الحكم الى تقلبات مدمرة في الفعالية. يجب الاهتمام بهذه الرؤية والسعي الى تطبيق أضيق الاتجاهات في السياسة الاقتصادية الكلية والنقدية.

في الأنظمة غير المستقرة بالأصل مثل الاسواق المالية يجب علينا ان لا نسعى الى تحقيق استقرار تام،لأن هذا هو الذي قاد الى مشاكل اليوم. الاستراتيجية الاكثر ثباتا تستلزم السماح وتشجيع المزيد من الدورات القصيرة الأجل ،وكذلك استعمال المزيد من حالات الهبوط الصغيرة والمتكررة لكي ننظف النظام من الاحتقانات المفرطة. وبهذه الطريقة سيكون بالإمكان تجنب الأزمات المؤذية كالتي نمر بها حاليا.

ماندلبرت والحاجة الى إحصاء جديد

الخطوة الاخرى نحتاج الى إحصاء جديد كامل للأسواق المالية. الاحصاء التقليدي الحالي المرتكز على فكرة الحركات السعرية العشوائية التامة لايبدو منسجما مع الهدف. ولأجل تحليل مخاطرة الأسواق المالية نحتاج الى طاقم كامل من الأدوات الجديدة قادرة على وصف نموذج من مردودات الاصول تحت تأثير الأنظمة المضطربة المعززة ذاتيا. ان المحصلة الكلية من M3(منسكي وماكسويل وماندلبرت) تجعلنا نعتقد اننا لدينا الأساس لفلسفة اكثر واقعية للاسواق المالية والتي لو طبقناها في أنظمتنا المنظمة للبنوك المركزية الحالية سيكون من السهل انتاج مناخ اقتصادي كلي غير ميّال للكوارث.

 يختتم المؤلف كتابه بالإعتراف ان ما عرضهُ من نقاش قد يُفسّر كنقد للسياسات الحالية للبنك الاحتياطي الفيدرالي. ويقول لسوء الحظ لا يمكن تجنب هذا الاستنتاج لأن السياسات النقدية الامريكية لعبت دورا اساسيا في تطور أزمة اليوم. واذا كان هناك لوم فيجب القائه على الارادة الجماعية للمجموعة الأكاديمية كونها اختارت ان تستمر بتعزيز نظرياتها الغير صائبة في فعالية السوق والمعززة ذاتيا، أمام الأدلة الساحقة الرافضة لها. ان خلق الإئتمان هو الأساس في عمليات خلق الثروة، وهو ايضا سبب عدم الاستقرار المالي. يجب ان لا نسمح لمزايا السابق ان تعمي أبصارنا عن مخاطر اللاحق. ان التحدي الكبير يكمن في تغيير إهتمامنا من الإيمان المطلق بفاعلية السوق الى الايمان بالحاجة الى حكم مؤسسي شفاف لإدارة الإئتمان المتراكم، والى إتخاذ ما يلزم من خيارات صعبة عند الحاجة.

 

حاتم حميد محسن

.........................................

كتاب (أصل الازمات المالية: البنوك المركزية،فقاعات الائتمان، ومغالطة فرضية السوق الفعال) للكاتب جورج كوبر، ترجمة حاتم حميد محسن. صدر عام 2011 عن دار كيوان للطبع والنشر والتوزيع في 224 صفحة. كتاب جورج كوبر صدر اول مرة عام 2008 في المملكة المتحدة عن دار هاريمان هاوس المحدودة. والمؤلف يعمل بصفته كبير مسؤولي الاستثمار في شركة اكويتايل المحدودة للاستثمارات، وهي شركة لإدارة الصناديق مقرها لندن. كما عمل سابقا في جي بي مورغان وجولدمان سيش وبنك دوتيشة وغيرها.

 

جمال العتابيتساءل بيكاسو إثر إطلاعه على كتاب يتناول سيرته: هل أنا من سكان المريخ؟ ثم أسدى للمؤلف النصيحة التالية: يجب أن تضيف فصلاً تقول فيه ان بابلو بيكاسو له ساعدان، ورأس، وأنف، وقلب، وكل مظاهر الكائن البشري، وعندما نقول ان بيكاسو إنسان، فنحن نعني انه ليس نبياً، أو بهلواناً، أو نيزكاَ سقط علينا من الفضاء، أو شيطاناً لفظه الجحيم، أو صانع معجزات، انه إنسان ورسام، أي رجل يلتهم الدنيا بعينيه، ثم يفرزها بيده، وبين العينين واليد، يوجد رأس وقلب، تجري من خلالهما عملية تمثيل وتحول (غارودي، واقعية بلا ضفاف ص 17).

وفق هذا التقديم يبدو جون بيرجر(1926- 2017)، مطمئنا في إختيار عنوان كتابه الصادم (بيكاسو.. نجاحه وإخفاقه)، الصادر عن المنظمة العربية للترجمة، عام 2010 بيروت، ترجمة فايز الصُياغ، فهو يدرك تماماً، ان كتابه هذا تعرّض لهجمات متتالية، منذ أول صدور له عام 1965،ومن أكثر من مكان، إن لم يكن من جميع الأمكنة، بإعتباره يطرح موقفاً متغطرساً، خبيئاً تعوزه الحساسية، وفي إنكلترا (موطن الكاتب)، نُبذ الكتاب، بوصفه فاسد الذوق، وكان بيكاسو آنذاك على قيد الحياة، وفي أوج عظمته، وعلى مدى الأعوام التالية، إستمر إصدار الكتب والمقالات التي تضفي عليه مسحة القداسة.

يعدّ جون بيرجر أحد أهم الشخصيات الأدبية والثقافية في إنگلترا، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لتعدد مواهبه، وتنوع كتاباته، وإهتماماته، في المسرح، والرواية، والشعر، والنقد التشكيلي، فضلاً عن كونه رساماً، جاهر بيرجر بماركسيته، منذ شبابه حتى آخر لحظة في حياته، وقف إلى جانب الشعوب العربية، في فلسطين والعراق، وسوريا، وهي تواجه الإستبداد، والدكتاتورية والظلم، وكان الفن إحدى وسائل نضاله الفكري، من دون أن يتخلى عن رسالته الجمالية،  صدر له بالعربية: وجهات في النظر، طرق في الرؤية، والأخير أشهرها، إذ ما يزال أحد أهم الكتب في العالم، ويحظى بمقرؤية وحضور واسعين، أما كتابه عن بيكاسو، فيعدّ الأكثر إثارة للجدل في الأوساط الفنية، لأنه قدّم رؤية نقدية جديدة، مختلفة، لا يتفق فيها مع الكثير من النقاد، ولا سيما المعجبون جداً بالنابغة الأسباني، القراءة تحمل قدراً من الصدق والأمانة، منطلقاً من أن أي حوار مع العمل الإبداعي، لابد أن يحقق جدواه في التعرف على أبعاد الشخصية وقيمتها الفكرية والفنية، ويشكل هذا الحوار مفتاحاً للمعرفة المضافة، على عكس تلك الاراء الشخصية، الإنفعالية، التي تقودها العاطفة، بلا أسس ومعايير نقدية تتنتمي للقيم الجمالية، والتي تعد سبيلا للكسب المادي عند البعض،  ومدفوعة الثمن سلفاً.

ان المجد الإستثنائي، والنجاح العظيم لبيكاسو، ينبغي أن لايحجب الإخفاق في مراحل معينة، وبيكاسو بالنسبة لبيرجر، هو الجبل الشاهق الذي لا تضيره الثقوب، والمغاور. بإختصار يمكن القول: ان بيكاسو تعلم كيف يقرأ قانون عصره بلغته التشكيلية.

تترافق مع مايطرحه الكتاب من آراء ومفاهيم حول تجربة بيكاسو، قضية أخرى أبعد من ذلك تتعلق بأزمة النقد عموماً، الفني، والأدبي، وهذا الرأي يدعم وجهة نظرنا، في أن إمكانية الإستجابة للحالات الجديدة، تعد أقسى إمتحان للنقد،  وما أثاره بيرجر من أفكار، وتصديه للمعايير النقدية التقليدية، لا يعود لجرأته، وشجاعته، في تناول تجربة بيكاسو، إنما هو يعبّر عن قناعاته، في نهاية بيكاسو كفنان وقضية، بنهاية الحرب العالمية الثانية.

قبالة لوحة غورنيكا الشهيرة لبيكاسو، وظروف انجازها، يشير بيرجر إلى رد مثير يقوم به ثمانية وعشرون طفلاَ مغربياً، تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 11 سنة، مقيمون في احدى ضواحي باريس، رسموا لوحة بنفس قياسات الجورنيكا، خلال 12 يوماً، وفي ستوديو بيكاسو نفسه الذي رسم فيه اللوحة، قبل أكثر من ثمانين عاماً، ان رد الأطفال ينطلق من ساحة المعركة الخاصة بهم. انه مماثل لما حدث، في سوريا والعراق وافغانستان، لكنه غدا امراً مقبولا، بوصفه من المخاطر المؤسفة، لم تعد الجورنيكا تولّد الصدمة لدى من يحكم العالم اليوم، وما عثر عليه بيكاسو من موضوعات، أنتج عدداً من روائع الأعمال الفنية، أما عدا ذلك، فيندرج في عداد العبثي واللامعقول، غير ان احدا لا يتمتع بالشجاعة الكافية للجهر بذلك، خوفاً من إستفزاز أدعياء الثقافة.

انخرط بيكاسو في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1944، كمحاولة للخروج من منفاه، وفي موسكو سُخرت سمعته لأغراض دعائية، كرجل عظيم، بينما تعاملت مع فنه كأمرٍ منكر، ولم تعرض لوحاته، ولم ينشر أي كتاب عن أعماله، وأخفق رفيق بيكاسو، الشاعر لويس أرغوان، في ان يدفع عن رفيقه (صلف جدانوف) الثقافي في موسكو، وواقع الحال يشير الى ان هذا الإنتماء، لم يكن ذا غنى في تجربة بيكاسو الفنية،

كرّس بيكاسو جهده لسلسلة من الرسومات، في منتصف خمسينات القرن الماضي، تتعلق كلها بسيرته الذاتية، وصفها النقاد انها تتسم بالغموض والتعقيد، وكان حسبهم أن يهتفوا مرة أخرى:بيكاسو!! وما ان يعبروا عن اعجابهم، حتي يضربوا صفحاً عن كل شيء عدا عظمته، في كل واحدة من تلك الرسوم، توجد إمرأة شابة عارية في العادة، وشهية دائماً، وإلى جانبها يبدو بيكاسو شيخاً قبيحاً قميئاً، انها تطلع اليه بجفاء، ولكي يخفي نفسه، نراه يضع قناعاً على وجهه، ان بيكاسو يعترف بما يتولاه من رعب عندما يدرك ان الجسد يشيخ، في حين ان الخيال لايشيخ، انه يعود للقناع ملتمساً العزاء،

ان بيكاسو في شيخوخته يعترف بالقنوط، وهو غير القنوط الإجتماعي الذي عاناه (غويا)، بل هو المتصل بحياته الخاصة، وربما شفع له، انه قادر على التعبير عنه،

ان ماكتبه بيرجر، إلا محاولة تعنى بفتح نوافذ نحو عطاء فنان عظيم، تعاقبت تمرداته بعضها إثر بعض، أثار بلغته الخاصة قضية مغزى العصر، وقضية الإختيار، ومازالت أعماله تعبر حتى الآن عن إحساس عميق بالمسؤولية.

لذا يستدرك بيرجر في النهاية، على ان بيكاسو بقي مثالاً حياً، وينطوي ذلك على معنى أعمق بكثير من مجرد عدم الموت، انه لم يكف عن العمل، كما انه لم يكذب، ولم يسمح ليأسه الشخصي أن يدمّر حياته، أو إبتهاجه بعنفوانه.

 

جمال العتّابي

 

 

محمود محمد عليمرت تسعة أعوام علي رحيل أستاذنا الدكتور عاطف العراقي -طيَّب الله ثراه- ونحن اليوم نذكره، فنذكر القيم الأصيلة والمتمثلة في جهاده على مدى أربعین عاما لتأصیل النزعة العقلیة وفكرة التنویر فى ثقافتنا العربیة، یتجلى هذا في شروحه الكثیرة وتوضیحه لأفكار ابن رشد- هذا الفلیسوف العربى المسلم الذي انتفع به الأوروبیون وأنكره العرب المسلمون، إنها مغامرة فكریة عظیمة ورحلة شاقة قام بها فى مجال البحث والتنقیب عن تراث فیلسوف القرن الثانى عشر الذى عاش فى قرطبة من بلاد الأندلس. وهذه الرحلة تشبه في أحد جوانبها رحلة "رفاعة الطهطاوى" التي استمرت عدة سنوات فى فرنسا، رغم أن عاطف العرقى لم یبرح أرض الوطن إلا في زیارات عابرة لحضور بعض المؤتمرات وذلك حسب قول نسيم مجلي في ورقته التي كتبها عن أستاذنا بعنوان "عاطف العراقى وتراث ابن رشد الفلسفى" والتي نشرت بمجلة أوراق فلسفية.

وهذا المقال ليس استهلالا للكتابة عن الدكتور عاطف العراقي ولا توصيفا مجملا لإنتاجه الفكري المتعدد، ولكنه يمثل عرضا لما كتبه أستاذنا في تصديره لرسالتي للماجستير والتي كانت بعنوان: "المنطق الإشراقى عند شهاب الدين السهروردى في ضوء المنطق الحديث"، والتي نشرت للمرة الأولي سنة 1997 ضمن منشورات مكتبة مصر العربية والتي يرأسها الأستاذ صلاح الملا (رحمه الله)، وقد افتتح أستاذنا الدكتور عاطف العراقي هذا التصدير قائلاً:" الإشراقى عند شهاب الدين السهروردى هو موضوع لا أتردد في القول بأنه من الموضوعات الحيوية الهامة في مجال التراث الفلسفى العربى . هذا الموضوع قضى في دراسته " الدكتور محمود محمد على "،  وقتاً طويلاً، وكان مجالاً لدراسته لدرجة الماجستير من كلية الآداب بسوهاج جامعة أسيوط (سابقاً).

وتتمثل أهمية هذا الموضوع كما يقول أستاذنا الدكتور عاطف العراقي: في أنه يركز على دراسة تراثنا، ولا خير فينا إذا أهملنا تراثنا . إن التراث يشكل جزءً من شخصية الإنسان ومن يهمل دراسة ماضيه، فلا حاضر له ولا مستقبل .. صحيح أننا نختلف مع السهروردى في بعض الآراء في مجال التصوف بصفة عامة والمنطق الإشراقى بصفة خاصة، كما نختلف مع المؤلف حول بعض الآراء التي ذهب إليه، ولكن هذا لا ينفي أهمية دراسة فكر السهروردى في مجال المنطق .

قسم الباحث الدكتور محمود علي دراسته كما يقول أستاذنا الدكتور عاطف العراقي: إلى مجموعة من الفصول، تحدث في الفصل الأول عن حياة وآثار السهروردى مقسماً هذا الفصل إلى الحديث عن مولده ورحلاته ومأساته وآثاره وحياته الفكرية بشكل عام، وحلل المؤلف الدكتور محمود محمد على في الفصل الثانى موضوع المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة عند السهروردى، وذلك حين درس مفهوم المنطق عنده وتقسيم السهروردى للمنطق وتقييم المنطق الإشراقى . كانت هذه العناصر موضوع الفصل الثانى من فصول كتاب المنطق الإشراقى والذى يقدمه مؤلفنا الدكتور محمود على للطبع والنشر وذلك بعد أن كان كما قلنا رسالة جامعية .. أما الفصل الثالث، فكان عن المنطق عند السهروردى وعلاقته بالمنطق الأرسطى القديم . وعناصر هذا الفصل تعد عناصر هامة، ومن بينها الحديث عن المصادر التى استفاد منها السهروردى منطقه الإشراقى وأوجه الاختلاف والأتفاق بين منطق السهروردى ومنطق كل من ابن سينا وابن تيمية، هذا بالإضافة إلى الإشارة إلى الإضافات التي أضافها السهروردى للمنطق الأرسطى ؛ هذا عن الفصل الثالث، أما الفصل الرابع فكان موضوعه نقد المنطق الأرسطى ومحاولة إصلاحه عند السهروردى والمناطقة المحدثين . وقد أدار المؤلف حديثه حول نقد السهروردى والمحدثين للمنطق الأرسطى والإصلاحات المنهجية التى أضافها السهروردى والمناطقة المحدثين للمنطق الأرسطى .أما الفصل الخامس والأخير من فصول كتاب الدكتور محمود على عن المنطق الإشراقى، فكان موضوعه منطق " السهروردى ومحاولة قراءة أفكاره في ضوء المنطق الحديث"، وقد جاء هذا الفصل مقسماً إلى مجموعة من العناصر التى تدخل بوجه عام في إطار الحديث عن منطق السهروردى، وهذا يدلنا على التزام الباحث بالدقة وعدم حشر موضوعات قد تبدو بعيدة عن المحور أو الفصل الرئيسى الذى قام بتحليله ودراسته .

موضوع هذا الكتاب إذا كما يقول أستاذنا الدكتور عاطف العراقي : يعد موضوعاً حيوياً كما سبق أن أشرنا وهو موضوع لا يعد من الموضوعات السهلة – وخاصة أنه يبحث في مجال به مصطلحات عديدة، وباحثنا قد بذل جهده في تحليل وصياغة العديد من الآراء التى قام بها السهروردى، كما أن من مزايا هذه الدراسة أن الباحث لم يكن مقتصراً على مجرد العرض الموضوعى لفصول دراسته، بل إنه حاول جهده نقد هذه الرأى أو ذاك من الآراء التى قال بها السهروردى . ومعنى هذا أن البحث يتضمن الرؤية الموضوعية والرؤية الذاتية النقدية، وإن كنا نجد عند المؤلف نوعا من المبالغة فى إثبات فكرة التأثر والتأثير – تأثر السهروردى بمن سبقوه ومدى تأثيره فى الذين عاشوا بعده – وهذه المسألة كان ينبغى معالجتها بحذر حتى نبتعد عن الأساليب الخطابية الإنشائية، والتى تعتمد على المبالغة بوجه عام.

الموضوع إذن الذى اختاره الباحث كما يري أستاذنا الدكتور عاطف العراقي  يعد كما قلنا موضوعاً هاماً والكتاب به معلومات كثيرة يمكن أن يفتح المجال لكثير من طلاب البحث والدراسة – أى أن الهدف الذى سعى إليه المؤلف يعد هدفاً نبيلاً ؛ إذ يسعى إلى التعرف على حقيقة الأشياء، ونرجو للمؤلف استكمال دراساته في مجال المنطق عند فلاسفة العرب بوجه عام ؛ إذ أن العرب قد بذلوا جهداً كبيراً في سبر أغوار العديد من المشكلات المنطقية وعلاقتها بالمشكلات الفلسفية ؛ وحين نجد دراسة أكاديمية دراسة تكشف عن ثراء وإطلاع صاحبها، دراسة أمينة وموضوعية، فإن هذه كلها أمور تؤدى بنا إلى تقدير صاحب هذه الدراسة الدكتور محمود على، ونرجو له كل التوفيق في دراساته المقبلة – وخاصة أن المشكلات المنطقية والفلسفية تعد ثرية ومتنوعة، نرجو له التمسك بالبحث والدراسة طوال سنوات حياته العلمية .

هذه خلاصة التصدير الذي كتبه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي عن كتابي " المنطق الإشراقى عند شهاب الدين السهروردى"، وهنا أقول هنا: رحم الله أستاذنا الدكتور عاطف العراقي كان شعلة من النشاط ؛ حيث كان لا يكل ولا يمل، لقد دخل تاريخنا الفكري والثقافي المعاصر من أوسع الأبواب وأرحبها لقد شق طريقه وسط الأشواك والصخور (كما أكد هو مراراً وتكراراً)، وترك لنا ثروة فلسفية غاية في العمق، ولن يستطيع مفكر أن يغفل أو يتغافل عن هذه الثروة التي تعد كنزاً فكرياً أبدعه عقل مفكر جبار، إبداع قلم يعلم تماماً أثر الكلمة المكتوبة وخطرها . نعم إنه يعد عظيماً من العظماء . عملاقاً، والعمالقة تبدد كلماتهم وأقوالهم ظلام الجهل سعيا إلي نور المعرفة، نور العقل، نور الضياء الذي يهدينا في حياتنا، وإذا اختلف البعض حول فكره وآرائه فإن هذا الاختلاف في حد ذاته يدلنا على أن أفكاره تعد حية وليست أفكاراً ميتة، إن الأفكار الحية دون غيرها هي التي توجب الصراع حولها لأنها أفكار المسافة بينها وبين التقليد والمتابعة أكبر المسافة . إنه رائدنا ومفكرنا العظيم إنه عاطف العراقي الذي تعد كتاباته دعوة إلي التمسك بتيار العصر والحضارة تيار التجديد تيار العقلانية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

موسوعة تعنى بتراجم أعلام الكوفة منذ تأسيسها سنة سبع عشرة للهجرة إلى نهايات القرن الرابع الهجري، للسيد مضر الحلو:

يعد ظهور موسوعة في أمة من الأمم حدثا مهما في تاريخها، فهو يؤرخ مرحلة من مراحل نضجها الثقافي ويدل أيضا على مرحلة معينة من التقدم العلمي لهذه الأمة، والموسوعة اصطلاح حديث أطلق على البحوث المستفيضة الواسعة تقابلها (الانسكلوبيديا) وهي كلمة يونانية تعني مجموعة العلوم والفنون وقد عربت باسم (دائرة المعارف)، أما الفرق بين الموسوعة والمعجم أو دائرة المعارف هو أن نظام التأليف في المعجم وفي دائرة المعارف قائم على الحروف الهجائية يبدأ بحرف الألف وينتهي بحرف الياء كمعاجم الرجال ومعاجم المواد ودوائر المعارف والعلوم والفنون والآداب ومعاجم اللغة، أما الموسوعة فلاتلتزم بحوثها بأي نظام في طريقة التأليف غير نظام المواضيع التي تفرضها سليقة المؤلف وذوقه.

وأول دائرة معارف في التاريخ اختلف المؤرخون فيها فقد ذهب أكثرهم على أن (سيوسبيوس) اليوناني وهو إبن أخ إفلاطون وتلميذه كان أول من قام بجمع البحوث العامة ووضع (الانسكلوبيديا) ولكن هذه المجموعة فقدت، ويرى بعض المؤرخين أن مجموعة (ستوبينوس) و(سوايداس) و (كايلا) سنة ٤٨٠م هي من أهم الموسوعات التي كتبت في ذلك الزمان، وأول كتاب موسوعي في التاريخ هو (غايوس) المسمى بالكبير (٢٣_٧٩م)، فقد أهلته حياته ورحلاته لوضع موسوعة (التاريخ الطبيعي) التي رفعها إلى الإمبراطور (تيتوس) وهي في ٣٧ كتابا تحتوي على معظم العلوم والمعارف.

أما العرب فمنذ صدر التاريخ الإسلامي والقرون الهجرية الأولى كان الكتاب والمؤلفون يهتمون بالسيرة النبوية وبجمع أخبار الصحابة والغزوات الإسلامية والفتوحات وماكان يحدث ويقع كلما خطا الإسلام خطوة وانتشر بين الأقوام واتسعت رقعته اشتدت الحاجة إلى ثقافة أوسع وإحاطة أكثر بما انصب في الأقطارالإسلامية من فنون وعلوم ومعارف، فاتسعت رقعة التأليف على نمط الموسوعية وتعددت مواضيع الكتب وتنوعت أهداف الثقافة وأغراضها واشتدت الحاجة إلى التزود بالعلوم والمعارف والآداب جملة حتى صارت الموسوعية صبغة ثابتة لأمهات الكتب العربية والإسلامية، لذلك تتصف هذه الموسوعات بصفة مميزة وهي أنها أكثر الموسوعات العالمية شمولا لمختلف المواضيع من دين وعلم وحكمة وأدب وتاريخ وفن، وكان أول الموسوعيين المنهجيين عند العرب هو قدامة بن جعفر (ت٢٣٨هج) وهو أول عربي  ألف كتابا شاملا لكل المعارف التي يحتاج إليها المشتغل بالكتابة والإنشاء ووضع موسوعتين في نقد الشعر ونثره.

والجاحظ (ت٢٥٥هج) هو أمير هذا الطراز من الموسوعيين في تاريخنا فقدكتب في العقائد وعلوم الإسلام والأدب والتاريخ الطبيعي والطب والأجناس والحيوان وأخلاق البشر، وابن قتيبة (ت٢٧٦هج) لايختلف عن الجاحظ في سعة العلم وحرية الفكر وكثرة التأليف وتنوع الكتب، والبرد(ت٢٨٥هج) وكتابه الكامل لايزال موسوعة لعلوم العرب تناول فيه كل فن من أدب وتاريخ ولغة ودين وطب، وكذلك ابن عبد ربه (ت٣٢٨ هج) صاحب العقد الفريد وهو كتاب جمع فيه كاتبه أنساب العرب وشعرهم ونثرهم وعلومهم ويعد من الكتب المهمة عند العرب، وتوجد موسوعات ألفها الأجانب أهمها دائرة المعارف البريطانية والفرنسية والإمريكية والألمانية والإيطالية والصينية، وفي العصر الحديث نشات الحاجة الملحة في وطننا العربي لإصدار الموسوعات التي تربط بين تراث العرب وتراث المدنية التي سارت أشواطا بعيدة في العلوم والفنون، وكان اول من فكر في إصدار موسوعة عربية حديثة أو دائرة معارف شاملة هو بطرس البستاني (ت١٨٨٣م) وقد أنجز ستة أجزاء منها وبدأ بالسابع وتوفي فأكمله ابنه سليم وأردفه بأربعة أجزاء أخر، وتصدى عالم آخر لإصدار موسوعة عربية وبجهد حثيث هو محمد فريد وجدي (ت١٩٥٤م) وكان قد وسعها إلى عشرة مجلدات، وكذلك دائرة المعارف الإسلامية التي صدرت سنة ١٩١٣م في (ليدن) وطبعت في مصر سنة ١٩٥٧م، وأصدر الدكتور عبد الوهاب الكيالي (موسوعة السياسة) سنة ١٩٧٩م، والموسوعة العربية الميسرة والتي أشرف على إصدارها سنة ١٩٦٥م محمد شفيق غربال وهناك موسوعات أخرى صدرت في الإختصاصات كافة.

والموسوعة التي اتحدث عنها في هذه الحلقة من (قراءة في كتاب) هي أعلام الكوفة وهي موسوعة تعنى بتراجم أعلام الكوفة منذ تأسيسها سنة سبع عشرة للهجرة إلى نهايات القرن الرابع الهجري، لمصنفها سماحة السيد مضر الحلو الخطيب المفوه والمباحث الإسلامي المتنور بتسعة أجزاء في طبعتها الأولى /دار المؤرخ العربي /بيروت /٢٠١٤م.

2704 اعلام الكوفة

قدم للموسوعة العلامة المؤرخ السيد حسين الأمين (رحمه الله) في الثامن والعشرين من آذار سنة ٢٠٠٢م، يقول فيها :(عندما لقيت الأستاذ البحاثة السيد مضر الحلو وعلمت أنه عاكف على تدوين تاريخ الكوفة بالطريقة التي دون فيها تاريخ بغداد وتاريخ دمشق، اغتبطت بذلك كل الإغتباط، لأن الكوفة العظيمة التي ناضلت ماناضلت في سبيل الحق، وقدمت من قدمت من الشهداء، وأبرزت من أبرزت من الأبطال ثم كانت مدرسة الإسلام الكبرى علما وأدبا وشعرا)، ويضيف السيد الأمين في تقديمه أيضا (إن الكوفة هذه كانت جديرة بالدراسات الكثيرة والمؤلفات العديدة التي توضح تاريخها وتجلو ماضيها، وتري الأجيال ماكانت عليه هذه المدينة من حياة مزدهرة بالعلم والعلماء والشعر والشعراء والشهادة والشهداء، ولكنها لم تظفر بشيئ من ذلك، ولم يولها أحد مايستحق تاريخها من تدوين، وأفذاذها من ذكر وتسجيل، حتى جاء هذا العالم الكاتب والمؤرخ عازما على الوفاء للكوفة التي طالما وفت للجهاد والعلم والبحث والتدريس، وإذا كان هذا (الحلو) حلوا في كل شيئ في إسمه وحديثه وسيرته، فإن أحلى مافيه هو أنه مؤرخ الكوفة الذي سيخلد خلود الكوفة حسبه ذلك).

يكتب صاحب الموسوعة مقدمة وافية يشرح فيها الدور السياسي للكوفة وكيف كان لها دور في الأحداث، فيقول :(كان للكوفة دور في الأحداث التي جرت على الخليفة عثمان وانتهت بالإطاحة به، وانتخاب الإمام علي بن أبي طالب ع للخلافة، وانتقاله لها واتخاذها عاصمة الدولة الإسلامية) ص١٤ ويضيف السيد الحلو قائلا :(هكذا ظلت الأحداث تتفاعل في الكوفة، إذ هي مركز العالم الإسلامي وقلبه النابض، وهي عاصمة دولة الخلافة، وشاءت الأقدار أن يتعرض الإمام علي ع للإغتيال المشؤوم في الكوفة نفسها، فيتقلد الإمام الحسن ع الخلافة فيها أيضا، ويهدد معاوية بغزو الإمام الحسن ع فجهز له الإمام جيشا من الكوفيين وحصلت الهدنة بعد ذلك ودخل معاوية الكوفة) ص١٥.

ويتحدث السيد مضر الحلو عن الدور العلمي للكوفة فيقول: (أما على الصعيد الفكري، فمنذ أن نزل الكوفة ثلثمائة وسبعون من صحابة الرسول ص منهم ثلثمائة من أصحاب الشجرة وسبعون من أهل بدر، والحركة العلمية فيها مستمرة لم تفتر، ففيها ولدت ونشأت المذاهب الفقهية والتيارات العقائدية والإتجاهات التفسيرية وعلوم القرآن وعلوم اللغة والأدب، ومراجعة سريعة في غضون تراجم الكوفيين يقف الباحث على حقيقة ذلك، حتى صار الدخول إلى الكوفة وحمل العلم فيها سمة تميز طالب العلم على أقرانه) ص١٦، ويضيف مصنف الموسوعة قائلا: (لقد بدأت المذاهب العقائدية تتبلور، والنظريات العلمية تتشكل على مختلف الصعد وفي أكثر من مجال في الكوفة، وكثيرا ماتمر عليك في كتب التراث أمثال هذه العبارات "كان يتفقه على مذهب الكوفيين" و"وكان إماما على مذهب الكوفيين" وغيرها) ص١٧، ويستمر المؤلف في ماقدمته قائلا :(في الكوفة نثر الإمام علي بن أبي طالب ع درر بلاغته وجواهر حكمته التي عكس لنا بعضها أثره الخالد (نهج البلاغة)، وفيها أسس الإمام جعفر بن محمد الصادق ع (ت١٤٨هج) مدرسته ذات الأربعة آلاف طالب علم، والتي ظلت آثارها فيما بعد، إذ يقول الحسن بن علي الوشاء :(فإني أدركت في هذا المسجد - مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كل يقول :حدثني جعفر بن محمد) ص١٧،

وفي المقدمة أيضا يقف السيد الحلو على مفارقة يحدثنا عنها ويبدو أنها كانت الحافز الحقيقي لكتابة هذه الموسوعة المهمة فيقول :(بعد أن وقفنا وبصورة عاجلة على أهمية الأدوار والمهام التي نهضت بها الكوفة، سوف نقف على مفارقة مذهلة متمثلة بالغياب التام لما يعد مصدرا يؤرخ الكوفة على نحو الإستقلال، ويترجم حالات رجالها وأعلامها سوى ماتناثر في بطون الكتب ضمنا واستطرادا في بعض الحالات، هذا إذا مااستثنينا بعض المؤلفات المعاصرة التي لاتنهض بهذه المهمة، ولم تكن بمستوى تاريخ حاضرة مثل الكوفة، أذكر منها (تاريخ الكوفة) للبراقي (ت١٩١٤م) واكتبه الأستاذان كامل سلمان الجبوري ومحمد سعيد الطريحي اللذان يستحقان الشكر والتقدير لجهودهما في جعل موضوع الكوفة من صلب اهتماماتهما) ص١٩، ويستعرض السيد الحلو في ماقدمته أيضا الكتب التي ألفت عن الكوفة قديما وحديثا وظاهرة غياب المصادر في خصوص تاريخ الكوفة وحال الكوفيين في العصرين الأموي والعباسي ومن ثم يصل إلى نتيجة يقول فيها :(بعد كل مامر يبدو أن هناك جهدا منظما لتضييع تراث الكوفة وتغييب كل ما من شأنه ان يبرز دورها ويرسم صورتها الحقيقية) ص٢٣، ويتحدث مصنف الموسوعة عن منهجه في تأليفها بنقاط عديدة منها: (بالنسبة للمنهج المتبع في التراجم هو الإستيعاب والإيجاز في الوقت ذاته، ونقصد بالإستيعاب الإشارة إلى كل مانحصل عليه مما يرتبط بالشخصية من اسمه ونسبه وكنيته، ومذهبه، وأبرز آثاره إن وجدت إن كان قائدا أو أديبا او راويا أو مصنفا أو غير ذلك، ونذكر طبقة الرواية عنه، لنتبين طبقته إن كان راويا ثم سنة ولادته ووفاته، كما نشير إلى الإختلاف في كل مايتعلق بهذه النقاط إن وجد) ص٢٤، وتوجد نقاط أخرى يوضح فيها السيد الحلو منهجه في تأليف هذا السفر الخالد، وفي ختام مقدمته يقول: (وختاما لابد من الإشارة إلى أنني لاأدعي الكمال في ما قمت به وإحصاء كل الكوفيين، رغم اني أمضيت خمسة وعشرين عاما بحثا وتنقيبا في ثنايا مصادر التراث عن كل مايدخل في موضوع الكتاب الذي أسأل الله سبحانه أن يجعله في ميزان أعمالنا يوم نلقاه) ص٢٨، وكان لكل جزء من الموسوعة مصادره في النهاية وهذا فعل حسن جدا، كما خصص الجزء الأخير للفهارس العامة وهي خير دليل لقارئ هذه الموسوعة، تهنئة على مدار القلب للحبيب سماحة السيد مضر الحلو على سفره الخالد هذا والمتفرد في تاريخ الكوفة.

و"وكان إماما على مذهب الكوفيين" وغيرها) ص١٧، ويستمر المؤلف في ماقدمته قائلا: (في الكوفة نثر الإمام علي بن أبي طالب ع درر بلاغته وجواهر حكمته التي عكس لنا بعضها أثره الخالد (نهج البلاغة)، وفيها أسس الإمام جعفر بن محمد الصادق ع (ت١٤٨هج) مدرسته ذات الأربعة آلاف طالب علم، والتي ظلت آثارها فيما بعد، إذ يقول الحسن بن علي الوشاء :(فإني أدركت في هذا المسجد_مسجد الكوفة _تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد) ص١٧،

وفي المقدمة أيضا يقف السيد الحلو على مفارقة يحدثنا عنها ويبدو أنها كانت الحافز الحقيقي لكتابة هذه الموسوعة المهمة فيقول: (بعد أن وقفنا وبصورة عاجلة على أهمية الأدوار والمهام التي نهضت بها الكوفة، سوف نقف على مفارقة مذهلة متمثلة بالغياب التام لما يعد مصدرا يؤرخ الكوفة على نحو الإستقلال، ويترجم حالات رجالها وأعلامها سوى ماتناثر في بطون الكتب ضمنا واستطرادا في بعض الحالات، هذا إذا مااستثنينا بعض المؤلفات المعاصرة التي لاتنهض بهذه المهمة، ولم تكن بمستوى تاريخ حاضرة مثل الكوفة، أذكر منها (تاريخ الكوفة) للبراقي (ت١٩١٤م) واكتبه الأستاذان كامل سلمان الجبوري ومحمد سعيد الطريحي اللذان يستحقان الشكر والتقدير لجهودهما في جعل موضوع الكوفة من صلب اهتماماتهما) ص١٩، ويستعرض السيد الحلو في ماقدمته أيضا الكتب التي ألفت عن الكوفة قديما وحديثا وظاهرة غياب المصادر في خصوص تاريخ الكوفة وحال الكوفيين في العصرين الأموي والعباسي ومن ثم يصل إلى نتيجة يقول فيها: (بعد كل مامر يبدو أن هناك جهدا منظما لتضييع تراث الكوفة وتغييب كل ما من شأنه ان يبرز دورها ويرسم صورتها الحقيقية) ص٢٣، ويتحدث مصنف الموسوعة عن منهجه في تأليفها بنقاط عديدة منها :(بالنسبة للمنهج المتبع في التراجم هو الإستيعاب والإيجاز في الوقت ذاته، ونقصد بالإستيعاب الإشارة إلى كل مانحصل عليه مما يرتبط بالشخصية من اسمه ونسبه وكنيته، ومذهبه، وأبرز آثاره إن وجدت إن كان قائدا أو أديبا او راويا أو مصنفا أو غير ذلك، ونذكر طبقة الرواية عنه، لنتبين طبقته إن كان راويا ثم سنة ولادته ووفاته، كما نشير إلى الإختلاف في كل مايتعلق بهذه النقاط إن وجد) ص٢٤، وتوجد نقاط أخرى يوضح فيها السيد الحلو منهجه في تأليف هذا السفر الخالد، وفي ختام مقدمته يقول: (وختاما لابد من الإشارة إلى أنني لاأدعي الكمال في ما قمت به وإحصاء كل الكوفيين، رغم اني أمضيت خمسة وعشرين عاما بحثا وتنقيبا في ثنايا مصادر التراث عن كل مايدخل في موضوع الكتاب الذي أسأل الله سبحانه أن يجعله في ميزان أعمالنا يوم نلقاه) ص٢٨، وكان لكل جزء من الموسوعة مصادره في النهاية وهذا فعل حسن جدا، كما خصص الجزء الأخير للفهارس العامة وهي خير دليل لقارئ هذه الموسوعة، تهنئة على مدار القلب للحبيب سماحة السيد مضر الحلو على سفره الخالد هذا والمتفرد في تاريخ الكوفة.

 

الباحث الدكتور باقر الكرباسي