جواد بشارةمقدمة كتاب الكون المتسامي

أثناء إعدادي لهذا الكتاب اتصل بي صديق من بريطانيا، وهو زميل دراسة في الإعدادية، منذ مرحلة المراهقة، يعاتبني على تضييع وقني وانكبابي على موضوع الكون والفضاء والفيزياء الفلكية في حين إن حياتنا اليومية مليئة بمصائب الحياة وجائحة كورونادو تمر بمآسي كثيرة، وبلدنا منهوب وتسيطر عليه ميليشيات وعصابات مسلحة وجماعات إرهابية متعددة، وصفعني بجملة نطقها بعفوية وبراءة صدمتني لكنها ملفتة للنظر:" هل تعتقد أن هناك من هو مستعد اليوم لقراءة مثل هذا النص؟ «فكرت ملياً. لمن نكتب ولماذا؟ من سيقرأ ومن سيستفيد مما نكتب وننشر بعد تعب ومعاناة في البحث الدؤوب والتبويب والقراءة والمتابعة وتتبع المحاضرات العلمية والتجارب العلمية في مختلف أنحاء العالم وبمختلف اللغات؟ فكرت مع نفسي بأنه لولا الأبحاث والنظريات العلمية لما تطور البشر وتطورت التكنولوجيا التي نتمتع بها اليوم. المنطق، المتحالف مع مجموعة من البديهيات، هو يوجه الإبداع البشري؛ وبالتالي يمكننا من التلاعب بالأفكار ودمجها لكشف الحقائق الأبدية. ولكن بعد أن اطلعت على تحفة برايان غرين الأخير وهي كتابه " حتى نهاية الزمان، مكاننا في هذا الكون" بدا لي أنه علي أن أستمر وأواصل مهمتي كما يتعين عليه تقديمه. وهو كتاب نشره قبل أسابيع عالم الفيزياء المشهور عالميًا برايان غرين Brian Greene ، والمؤلف الأكثر مبيعًا لكتب مثل الكون الأنيق ن و نسيج الكون The Elegant Universe and The Fabric of the Cosmos ، وهو استكشاف آسر للزمن العميق وبحث البشرية عن هدف في كل من الزمان والمكان ، الكون شاسع بشكل مذهل ، ومع ذلك تحكمه قوانين رياضياتية عالمية بسيطة وأنيقة. في هذا الجدول الزمني الكوني، عصرنا البشري مذهل ولكنه عابر. في يوم من الأيام، نعلم أننا سنموت جميعًا. ونعلم أن الكون المرئي نفسه كذلك سيموت وينتهي.  كتاب حتى نهاية الزمان وموقعنا في هذا الكون هو الانتاج الجديد المذهل عن الكون وسعينا لفهمه. يأخذنا غرين في رحلة عبر الزمن، من فهمنا الأكثر دقة لبداية الكون، إلى أقرب علم يمكن أن يأخذنا إلى النهاية. يستكشف كيف نشأت الحياة والعقل والوعي من الفوضى الأولية، وكيف أن عقولنا، في إدراك عدم ثباتها، تسعى بطرق مختلفة لإعطاء معنى للتجربة: من خلال القصة، والأسطورة، والدين، والتعبير الإبداعي، والعلم، والسعي إلى الحقيقة، واشتياقنا إلى الأبدية أو الخلود. من خلال سلسلة من القصص المتداخلة التي تشرح طبقات متميزة ولكنها متشابكة من الواقع - من ميكانيكا الكموم إلى الوعي إلى الثقوب السوداء - يزودنا غرين بإحساس أوضح عن كيف أصبحنا، وصورة أدق لما نحن عليه الآن، وفهم أقوى لما نتجه إليه. ومع ذلك، فإن كل هذا الفهم، الذي نشأ مع ظهور الحياة، سوف يتلاشى مع نهايتها. وهو ما يترك لنا إدراكًا واحدًا: خلال لحظتنا القصيرة تحت الشمس، نحن مكلفون بمهمة إيجاد المعنى الخاص بنا.

يواصل برايان غرين حديثه الشيق قائلاً:" في الحقيقة، لم أتساءل أبدًا لماذا كنت مفتونًا جدًا بالرياضيات والفيزياء. حل المشكلات وتعلم كيفية عمل الكون - كان هذا ما أسرني دائمًا. الآن كنت مقتنعًا أنني انجذبت إلى هذه التخصصات لأنها تجاوزت الطبيعة العابرة للحياة اليومية. سأكرس حياتي لمحاولة التقاط لمحة من السمو في هذا الكون الكلي بحثاً عن حقيقته المتعالية والمتسامية. ولكن يتعين أولاً المرور من خلال نوع من البديهيات، مثل تلك التي يعتمد عليها حساب التفاضل والتكامل متناهية الصغر أو الهندسة الإقليدية، نفس التخصصات التي غيرت فهمنا للفيزياء والرياضيات. الجنس البشري واع بحقيقته وعجزه وقصوره ومع ذلك فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف الموت. كل البشر يتقدمون في العمر، ولكن وعيهم يقتصر تمامًا على اللحظة الحالية، والتي يجب أن تكون ممتدة لكي يظهروا أبديين "، وهذه المعرفة تغرس" الخوف من الموت الذي هو في الأساس صفة بشرية. وإن كل دين، وكل بحث علمي، وكل فلسفة تنطلق من هذا الخوف". أتذكر الخوض في تلك الجملة الأخيرة لفترة طويلة. لقد كشفت عن وجهة نظر حول الدوافع البشرية يمكنني فهمها. من المؤكد أن سحر البرهان الرياضي يقاوم الزمن، وجاذبية قانون الطبيعة تكمن في طابعه الخالد أساسًا. ولكن ما الذي يدفعنا للبحث عما هو أبدي - ما في واقعنا من المرجح أن يستمر إلى الأبد؟ ماذا لو كانت مستمدة من إدراكنا لكوننا أي شيء غير خالد، فلن تدوم حياتنا بأي حال من الأحوال إلى الأبد؟ العلم هو أحد الإجابات الممكنة على يقين نهايتنا. وكذلك الدين. والفلسفة والإبداع الجمالي والفني البشري. الفنان هو أيضًا شخص "يحاول دافعه الإبداعي [...] تحويل حياة سريعة الزوال إلى خلود شخصي". وذهب جان بول سارتر إلى أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن الحياة أفرغت من كل معنى " عندما يفقد المرء الوهم بأنه أبدي وإنه كائن في طريقه إلى الزوال. إن جوهر الثقافة الإنسانية - من الاستكشاف الفني إلى الاكتشاف العلمي - ينبع من حقيقة أن الحياة بدأت تنعكس على طبيعتها المحدودة. من كان يظن أن الاعتبارات المتعلقة بالرياضيات والفيزياء ستؤدي إلى احتمال وجود نظرية موحدة للحضارة الإنسانية، تقوم على الثنائية بين الحياة والموت؟ البشر محكومون بمحدودية وجودهم في الكون. صحيح أن وعيي بنهايتي الحتمية له تأثير هائل على أفعالي، لكني أدركت أنه لا يكفي شرحها جميعًا. هذا تحليل، كما أتخيل، شائع جدًا. ومع ذلك، هناك مجال واحد حيث تهديدات الموت والنهاية. عبر العصور والثقافات، وضعنا نحن البشر قيمة عالية للديمومة. وهذا من نواحٍ عديدة ومتنوعة: يبحث البعض عن الحقائق المطلقة؛ يكافح الآخرون لتوريث شيء دائم، وبناء آثار هائلة ننظر بحماس إلى إصدار واحد أو آخر من الخلود، مثل هذه الانشغالات إظهار، يجذب بقوة العقول التي تدرك مدتها المحدودة. في عصرنا، ظهر العلماء المجهزون بأدوات الخبرة والمراقبة والتحليل الرياضي.

طريق جديد للمستقبل:

إنه مسار كشف لأول مرة عن المعالم الأساسية للمناظر الطبيعية القادمة، على الرغم من أنه لا يزال بعيدًا جدًا. يظل الأمر محجوبًا وضبابيًا في بعض الأماكن، ولكن البانوراما اليوم أصبحت واضحة بما فيه الكفاية أننا أكثر من أي وقت مضى، نحن الكائنات المفكرة، يمكننا استخلاص بعض الأفكار هناك التي تضيء مكاننا في ضخامة الزمن. بهذه الروح دعنا نذهب من خلال الجدول الزمني الكوني، من خلال دراسة المبادئ التي تنتج بنى منظمة، من النجوم والمجرات إلى الحياة ثم الوعي، داخل كون مُقدر للانهيار كون مرئي مصيره الهلاك. سوف نتعمق في الحجج التي تثبت أنه في هذا الكون، فإن ظاهرة الحياة الواعية نفسها ستكون لها مدة محدودة. من المحتمل حقًا أن يصبح وجود كل المادة المنظمة أمرًا مستحيلًا في المستقبل. سننظر في كيفية التعامل معها هذه الاكتشافات. البشر هم نتاج القوانين التي، على حد علمنا، غير قابلة للتغيير، ومع ذلك فنحن محكوم عليهم بالوجود لفترة من الزمن فقط. موجزة للغاية. هذه القوانين خالية تماما من النية والقصدية أو النهائية، ولا يبدو أنها تنبع من أي تبرير أساسي؛ ومع ذلك نقضي وقتنا في نسأل أنفسنا إلى أين نحن ذاهبون. نستمر في البحث عن المعنى والغرض من كل شيء. باختصار، في هذا الكتاب، سوف نسبر الكون من أصل الزمن إلى نهايته، أو على الأقل إلى الزمن الذي يرتبط به. وخلال الرحلة، سوف ندرس كيف أضاءت العقول التي لا تعرف الكلل والمبدعة عابرة كل ما هو موجود، وكيف استجابت لها. أثناء استكشافنا، سنسترشد بمفاهيم من مختلف التخصصات العلمية. سوف أتجنب المصطلحات الفنية وأشرح جميع الأفكار الضرورية عن طريق التشبيهات والاستعارات والأمثلة، مع الأخذ في الاعتبار أكثر الأشياء تواضعًا التي يدركها ويفهمها القارئ. بالنسبة للمفاهيم الصعبة بشكل خاص، سأقدم ملخصات قصيرة تتيح له المضي قدمًا دون فقد الموضوع. بالنسبة إلى التعليقات الختامية، أحدد التفاصيل الدقيقة، وأحيانًا أشرح التفاصيل الرياضياتية وأقترح أيضًا مراجع للذهاب إلى أبعد من ذلك. نظرًا لأن الموضوع شاسع وعدد الصفحات محدود، اخترت اتباع مسار ضيق، وفقط للتوقف عند بعض التشعبات التي أعتبرها ضرورية لتحقيق مكانتنا في القصة الكونية. سيكون العلم وقود هذه الرحلة. والبشرية فقط، في نفس الوقت شاهدة وممثلة التاريخ، ستعطي معنى لهذه المغامرة التي تعد بأن تكون غنية ومكثفة.

نداء الخلود من النشأة إلى النهاية وما بعدها:

سيموت كل شيء على قيد الحياة يعيش فوق سطح الأرض. خلال ثلاث مليارات سنة شهدت الأرض العديد من الأنواع، ازدهرت الحياة في ظل المياه وأشعة الشمس. لقد تنوعت بالتأكيد، حيث زحفت خارج الماء، وهبطت وحلقت في الهواء. ولكن، إذا انتظرت طويلاً بما فيه الكفاية، ستجد ذلك في السجل العظيم للمواليد والوفيات - كتاب يحتوي بالفعل على مدخلات أكثر من النجوم في المجرة - تنتهي الأعمدة دائمًا بالتوازن مع الدقة الباردة. إذا كان من المستحيل التنبؤ بتكشف حياة فردية، فإن نتيجتها حتمية. هذه النهاية كل يوم أقرب قليلا، كما لا مفر من غروب الشمس، يبدو أننا نحن البشر فقط ندرك ذلك. بالطبع، قبل ظهورنا بوقت طويل، تسببت العواصف المتلاطمة، القوة الشديدة للبراكين، الارتعاش المتشنج للأرض المرتعشة بفعل الهزات الأرضية، بالتأكيد في هروب جميع الكائنات التي كانت لديها القدرة على القيام بذلك. ومع ذلك، فإن هذه التسريبات ليست سوى ردود فعل غريزية لخطر وشيك. تعيش معظم الكائنات الحية في الزمن الحاضر فقط ولا تخشى سوى ما تجلبه تصوراتها المباشرة له. الإنسان، وحده، أنا وبقية زملائنا الذين يمكنهم التفكير في الماضي البعيد، وتخيل المستقبل وتخمين الظلام الذي ينتظرنا. هذا المشهد مرعب حقا. لا يتعلق الأمر بهذا الخوف الذي يجعلنا نهرب ليضعنا في مكانه المأوى، ولكن كارثية الهاجس الذي يكمن فينا والذي نتعلمه للقمع والقبول والاستخفاف. ومع ذلك، فإن اليقين المشؤوم لما ينتظرنا موجود دائمًا، مخفيًا تحت جميع أنواع التبريرات التي وصفها ويليام جيمس بأنها "دودة تأكل كل مصادر سعادتنا اليومية." للعمل، للاستمتاع، لرعاية المشاريع ومضاعفة الجهود، للرغبة والحب، للاندماج كل يوم أكثر قليلاً في الشبكة العظيمة للوجود البشري، كل هذا لن يكون أخيرًا ... بصراحة، لإعادة صياغة شخصية مشهورة ما، هناك شيء يخيفك في منتصف الطريق. مرتين! بالطبع، من أجل راحة البال، معظمنا لا يضع عينه على النهاية. نتجول حول العالم، نركز على مشاكل ملموسة. نقبل ما لا مفر منه ونكرس قوتنا لأشياء أخرى. ومع ذلك، فإن فكرة محدوديتنا لا تتخلى عنا أبدًا، بل على العكس من ذلك تؤثر على الخيارات التي نتخذها، والتحديات التي نواجهها، والمسارات التي نتخذها. كما أكد عالم الأنثروبولوجيا الثقافية إرنست بيكر، نحن نعيش تحت توتر وجودي دائم، نوجهه نحو السماء بوعي يرتفع أحيانًا إلى ذروة تكرار شكسبير أو بيتهوفن أو أينشتاين.، لكنه مقيد بالسلاسل إلى الأرض من خلال هيكل مادي يتحول إلى غبار مرة أخرى. "الإنسان منقسم حرفيًا إلى قسمين : مدرك له تفرد مثير للإعجاب حيث يرتفع بشكل مهيب فوق الطبيعة ، ومع ذلك سيعود على بعد أمتار قليلة تحت الأرض تتعفن جثته هناك بحماقة وعمياء وتختفي هناك "وفقا لبيكر ، هذا الوعي يدفعنا إلى التحدي ومواجهة الموت، القوة القادرة على محونا. يخفف البعض من قلقهم الوجودي من خلال تكريس أنفسهم لأسرهم، أو لفريقهم، أو لحركة، أو لدين، أو حتى للأمة - البنى الاجتماعية التي تعيش على قيد الحياة خلال الوقت المحدود المخصص لكل منهما. يترك آخرون وراءهم التعبيرات الفنية، أو الأشياء التي تطيل رمزياً مدة وجودهم في العالم. كتب إيمرسون: "نهرب إلى الجمال كملاذ من أهوال المحدود". 3 • لا يزال آخرون يسعون إلى قهر الموت من خلال الانتصارات والفتوحات، كما لو أن المكانة الاجتماعية أو السلطة أو الثروة توفر الحماية التي لا يمكن الوصول إليها للناس العاديين. على مدى آلاف السنين، تُرجم هذا إلى افتتان مشترك عالميًا بكل شيء، حقيقي أو متخيل، يمس الخلود. لمواجهة حقيقة أننا على مدى آلاف السنين، نحن البشر، طورنا العديد من الحيل: نبوءات الحياة الآخرة، والعقائد التي تعد بالتناسخ، ونداءات ماندالا التي تهب عليها الرياح، والكثير من الآخرين. كنا متفائلين في كثير من الأحيان، وأحيانًا نستقيل نسعى باستمرار للحصول على الخلود. ومع ذلك، فقد تغير شيء ما في عصرنا: يمكن للعلم الآن أن يخبرنا بقصة واضحة بشكل ملحوظ، ليس فقط عن الماضي، على طول طريق العودة إلى الانفجار العظيم، ولكن أيضًا عن المستقبل. قد تظل الأبدية نفسها إلى الأبد بعيدة عن متناول معادلاتنا، لكن تحقيقاتنا كشفت بالفعل أن الكون الذي نعرفه هو كيان عابر وزائل. الكواكب والنجوم والأنظمة الشمسية والمجرات والثقوب السوداء أو السدم الدوامة لا شيء من هذا باق إلى الأبد. في الواقع، على حد علمنا، ليست مدة كل وجود فردي محدودة فحسب، بل الحياة نفسها كذلك. كوكب الأرض، الذي وصفه كارل ساغان بأنه "ذرة من الغبار معلقة في شعاع من ضوء الشمس" هو ازدهار سريع الزوال في قلب كون رائع، محكوم عليه أن يكون في يوم من الأيام أكثر من مجرد صحراء فارغة. سواء كانت قريبة أو بعيدة، فإن حبات الغبار تتراقص للحظة فقط في أشعة الشمس. ومع ذلك، هنا على الأرض، قمنا بتزيين وقتنا بمآثر مذهلة. كل جيل، بناء على عمل سابقاته من الأجيال، عرض كنوز الحدس، الإبداع والبراعة لمحاولة الكشف عن كيفية ظهور كل شيء، لفهم ما سيصبح عليه كل شيء، وللإجابة أخيرًا على هذا السؤال الملح: ما أهمية ذلك؟ هذه هي القصة التي يرويها هذا الكتاب. قصص عن كل شيء تقريبا تاريخ جنسنا الذي يحب القصص. نحن بالفعل نراقب في الواقع ما يحدث، دعنا نكتشف الأنماط المتكررة ونجمعها لإنشاء قصص قادرة على الإثارة والإبهار والإعلام والتسلية والعاطفة. أكتب "قصصًا" بصيغة الجمع، لأنه في المكتبة الكبيرة من تأملات البشر، لا يمكن لأي حجم بمفرده تقديم فهم نهائي وموحد للأشياء. على العكس من ذلك، لاستكشاف المجالات المختلفة للبحث والتجربة الإنسانية، من الضروري أن تستأنف العديد من القصص المتداخلة. تستخلص هذه القصص هياكل الواقع باستخدام قواعد نحوية ومفردات مختلفة. تعتبر البروتونات والنيوترونات والإلكترونات والجسيمات الأولية الأخرى أساسية في سرد ​​القصة الاختزالية للكون، ودراسة تشكيلات الواقع، من الكواكب إلى أصغر كينونة، من حيث الكيانات الفيزيائية الدقيقة. التمثيل الغذائي، النسخ المتماثل والطفرة والتكيف، هذه هي الشروط، وهذه هي المصطلحات التي يمكننا من خلالها سرد قصة الحياة: ظهورها، وظهورها وتطورها، فضلا عن الأداء البيوكيميائي لبعض الجزيئات الرائعة والخلايا حكم. مفاهيم الخلايا العصبية والمعلومات والفكر والوعي ضروري لتاريخ العقل. ومن هناك تتكاثر القصص: الأساطير والأديان والأدب والفلسفة والفن والموسيقى تحكي عن نضال البشرية من أجل البقاء وإرادتها في الفهم وتعطشها للتعبير وبحثها عن المعنى تتم كتابة كل هذه القصص، وتطويرها من قبل مفكرين من مجموعة واسعة من التخصصات المتميزة. وهذا طبيعي جدا. الملحمة التي تحتضن حقيقة الكواركات للوعي، إنها قطعة من الجحيم. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القصص مترابطة. على سبيل المثال، يخبرنا سيرفانتس في دون كيشوت عن رغبة الإنسان في البطولة من خلال مغامرات آلانسو كويجيانو الهش، وهو شخصية من مخيلة ميغيل دي سيرفانتس. من ناحية أخرى، كان سيرفانتس عبارة عن مجموعة حية وحساسة من الخلايا تعيش وتتنفس وتفكر أي كينونة مكونة من العظام والأنسجة والخلايا التي كانت خلال حياته موقعًا لعمليات عضوية مثل تحويل الطاقة وإخراج النفايات. كانت هذه العمليات، أثناء وجودها على قيد الحياة، مقرًا للعمليات العضوية مثل تحويل الطاقة وإخراج النفايات. هذه العمليات هي نفسها تعتمد على الحركات الجزيئية المكررة خلال مليارات السنين من التطور، على كوكب مكون من البقايا المتناثرة بسبب انفجار المستعرات الأعظم، في منطقة من الفضاء انبثقت من الانفجار العظيم. تزودنا مآثر دون كيشوت بفهم الطبيعة البشرية التي ستظل غامضًة إذا تُرك الأمر للوصف الكامل لحركة الجسيمات التي تشكل الفارس الضال، أو إعادة بناء العمليات العصبية التي تومض في عقل سيرفانتس أثناء كتابته لروايته. لذلك، في حين أن كل هذه القصص مترابطة، يتم سردها بلغات مختلفة، وتصور مستويات مختلفة من الواقع، وتقدم وجهات نظر مختلفة بشكل كبير حول العالم. ربما في يوم من الأيام سنتمكن من الانتقال بسلاسة من كل من هذه القصص إلى أي منها، لربط جميع منتجات العقل البشري، سواء كانت حقيقية أو خيالية، علمية أو متخيلة. ربما سنتمكن يومًا ما من استدعاء نظرية موحدة للجسيمات لشرح معنى رؤية رودان، أو وصف عدد لا يحصى من ردود الفعل المختلفة التي يثيرها عمل مثل لي بورجوا دي كاليه Le Bourgois de calais في أولئك الذين يفكرون فيه. ربما سنفهم تمامًا تأثير ذلك التفصيل الذي يبدو عاديًا مثل التفكير في ملف من المرجح أن تكون اللوحة الدوارة في الذهن لمتوقد الجبار لريتشارد فاينمان، لدرجة أنه شعر بأنه مضطر لإعادة كتابة ملف القوانين الأساسية للفيزياء. هدف أكثر طموحًا، ربما سنتفهم طريقة عمل العقل والمادة بشكل مثالي بحيث يتم الكشف عن كل شيء، من الثقوب السوداء إلى موسيقى بيتهوفن، مراوغات ميكانيكا الكموم وملابسات شعر والت ويتمان. حتى لو لم يكن لدينا اليوم أي شيء مثل ذلك، فإنه لا يزال من المثرى أن ينغمس المرء في هذه القصص - العلمية أو الخيالية أو الفنية - تمامًا كما أنه من المجدي اكتشاف متى وكيف ظهرت من الإصدارات السابقة، والمتاحة في جميع الأوقات على مدى التاريخ الكوني، والتي رفعت كل من هذه الإصدارات إلى موضعها التوضيحي الحالي. من خلال هذه المجموعة من القصص، سنرى أن هناك قوتين ستشتركان في دور الشخصية الرئيسية. سنلتقي بالقوة الأولى: الإنتروبياEntropie. إنها مألوفة لنا لأنها مرتبطة بالاضطراب، وكثيرًا ما نقرأ هنا وهناك الادعاء بأن الاضطراب يمكن أن يزيد فقط. ومع ذلك، فإن الانتروبيا لها صفات خفية تجعل الأنظمة الفيزيائية لديها مجموعة متنوعة غنية من المسارات التنموية المحتملة التي تبدو أحيانًا أنها تسبح ضد تيار الانتروبيا. سنرى أمثلة مهمة على هذا في صفحات الكتاب، عندما يبدو أن بعض الجسيمات، في نهاية الانفجار العظيم، قد عارضت الميل إلى الفوضى من خلال تشكيل الهياكل المنظمة التي هي المجرات والنجوم، والكواكب، وأخيراً، تكوينات المادة التي ظهرت مع تدفق الحياة. يقودنا السؤال المتعلق بمعرفة كيفية حدوث هذا التدفق إلى القوة الثانية من القوى الكونية الجوهرية العظمى: التطور. Evolution التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي هو القوة الدافعة وراء التحولات التدريجية التي تمر بها الأنظمة الحية. ومع ذلك، فقد تدخلت قبل وقت طويل من بدء تنافس أشكال الحياة الأولى. قد يكون من الجيد أن القوى المتعارضة، الانتروبيا والتطور، وجهان لعملة واحدة. الجزيئات التي يمكننا التعرف عليها على أنها حية لا تزال تفاصيلها موضوعًا لأحدث الأبحاث، لكن التقدم المذهل خلال العشرين عامًا الماضية يجعلنا نعتقد بأنها لعبت دوراً في أصل الحياة. بالطبع، تبدو الإنتروبيا للوهلة الأولى سيئة السمعة والتي تجعلها أقرب إلى الفوضى، بينما يبدو أن تطور الأحياء هو نقيضها. ومع ذلك، تشير التحليلات الرياضية الحديثة للإنتروبيا إلى أن الحياة (أو على الأقل الهياكل ذات الخصائص المتشابهة) ربما تكون على وجه التحديد النتيجة التي يجب أن يتوقعها المرء عندما يصب مصدر طاقة مستدام، مثل الشمس، الحرارة والضوء على المكونات الجزيئية التي تتنافس على الموارد المحدودة. لكوكب مثل الأرض.  مع بقاء هذه الأفكار افتراضية في الوقت الحالي، هناك شيء واحد مؤكد: بعد حوالي مليار سنة من تكوين الأرض، كانت تعج بالفعل بأشكال الحياة التي ازدهرت تحت ضغوط التطور. لذلك، حدثت المرحلة التالية من التاريخ عند التعريفة الداروينية القياسية. تسببت الأحداث العشوائية، مثل الاصطدام بأشعة كونية أو التعرض لانهيار جزيئي أثناء تكرار الحمض النوويADN، عبر الانقسامات، في حدوث طفرات عشوائية. في حين أن معظم هذه الطفرات لها تأثير ضئيل على صحة أو رفاهية الكائن الحي، فإن بعضها يجعله أكثر أو أقل قدرة على التنافس من أجل البقاء. من بينها، من المرجح أن تنتقل تلك التي تزيد من هذه القدرة إلى أحفادها، ومن شبه المؤكد أن تنتقل تلك التي تزيد من هذه الكفاءة إلى النسل، لأن "القدرة على" تعني الحصول على المزيد. فرص البقاء على قيد الحياة للنضج الجنسي والإنتاج لنسل كثير. من جيل إلى جيل، تنتشر الصفات التي عززت ملاءمة الكائنات الحية على نطاق واسع.  بعد بضع مليارات من السنين من هذه العملية الطويلة، أعطت سلسلة معينة من الطفرات أشكالًا معينة من الحياة قدرات معرفية أفضل. ثم أصبحت بعض الكائنات الحية ليست واعية فحسب، بل مدركة أيضًا بانها واعية. بعبارة أخرى، أصبح جزء من الحياة واعيًا. كان على هذه الكائنات القادرة على الاستبطان أن تسأل نفسها بشكل حتمي عن ماهية الوعي نفسه: كيف يمكن لعاصفة عمياء من المادة أن تفكر وتشعر؟ يتوقع العديد من الباحثين أن يكون التفسير آليًا في نهاية المطاف؛ يقولون إنه لا يزال يتعين علينا فهم الدماغ - مكوناته، وكيفية عملها وعلاقاتها - بتفاصيل أكثر بكثير مما هو عليه اليوم، ولكن بمجرد أن نمتلك هذه المعرفة، فإن شرح الوعي سيتبع بشكل طبيعي. على العكس من ذلك، يتوقع باحثون آخرون أن التحدي سيكون أكبر بكثير. إنهم يعتقدون أن الوعي هو أصعب لغز واجهناه على الإطلاق، وأن هذا اللغز سيتطلب منظورًا مختلفًا جذريًا، ليس فقط حول طبيعة العقل والدماغ، ولكن أيضًا حول طبيعة الواقع نفسه. يتفق الجميع، مع ذلك، على أن التطور المعرفي لدينا كان له تأثير هائل وكبير على التطور المعرفي كان له تأثير كبير على مجموعة السلوكيات المتاحة لنا. خلال العصر البليستوسيني ، لعشرات الآلاف من الأجيال ، اجتمع الأجداد في مجموعات وعاشوا من الصيد والتقاط الثمار. بمرور الوقت، زادت خفة الحركة الذهنية لديهم وباتت تتمتع بالتخطيط والتنظيم المتطور ، التواصل والتعلم والتقييم والتوضيح. الاستفادة من الكليات المتزايدة للأفراد المكونين للجماعات، بدأت المجموعات في ممارسة قوة المجتمع المتزايدة. تقودنا هذه النقطة إلى المجموعة التالية من الحلقات التفسيرية، والتي تركز الآن على العمليات التي جعلت منا ما نحن عليه. من خلال ملكة اكتساب اللغة البشرية وما يترتب على ذلك من هوس بالقصص. سوف نرى نوعًا معينًا من القصص: تلك التي تنبأت ثم تحولت إلى تقاليد دينية. أخيرًا، يستكشف البحث الطويل والشامل عن التعبير الفني. لشرح أصل هذه التطورات، المقدسة والعلمانية على حد سواء، استند الباحثون إلى مجموعة متنوعة من النظريات. وقد استدعى علماء الدين مجموعة متنوعة أخرى من النظريات.  أما بالنسبة لنا، فإن التطور الدارويني المطبق هذه المرة على السلوك البشري سوف يستمر كمنظور، ليكون الخيط المشترك بيننا. بعد كل شيء، الدماغ مجرد بنية بيولوجيًة من بين كل تلك التي تتطور تحت تأثير ضغط الاختيار، ومن الدماغ لدينا أفعالنا وردود أفعالنا.

في العقود الأخيرة، طور باحثون في العلوم المعرفية كما طور علماء النفس التطوري هذه الفكرة. لقد أثبتوا أن الانتقاء الدارويني شكل بيولوجيتنا وسلوكنا. لهذا السبب، بينما نسير في الثقافة الإنسانية، غالبًا ما يتعين علينا أن نتساءل عما إذا كان هذا السلوك أو ذاك قد حسن احتمالات البقاء والتكاثر بين أولئك الذين بدأوا في تبنيها منذ فترة طويلة، مما يؤدي إلى تسريع الانتشار وبالتالي تعميمه على الأجيال اللاحقة. ومع ذلك، على عكس الإبهام المعاكس أو وضعية الوقوف - الصفات الفسيولوجية الوراثية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بسلوكيات تكيفية محددة - فإن معظم الخصائص الوراثية للدماغ تحفز الميول فقط بدلاً من الإجراءات المحددة جيدًا. نحن نتأثر بهذه الاتجاهات، ولكن النشاط البشري هو المنتج وهو نتاج مزيج من العديد من السمات المختلفة داخل عقولنا المعقدة، القادرة على التأمل والنقاش الداخلي. لذلك سوف نتبع خيط أحمر ثانٍ، مميز ولكن ليس أقل أهمية: الحياة الداخلية، التي تسير جنبًا إلى جنب مع قدرات معرفية مصقولة. المشي على خطى العديد من المفكرين، سوف نصل إلى صورة كبيرة مذهلة: مع الإدراك البشري، ليس هناك شك في أننا ربطنا مصيرنا بقوة كبيرة، مما أدى بنا إلى أن نصبح الأنواع المهيمنة في جميع أنحاء الأرض. لكن هذه الملكات العقلية، التي من خلالها نشكل ونبني ونبتكر، هي على وجه التحديد تلك التي تبدد قصر النظر والتي من شأنها أن تجعلنا نركز على اللحظة الحالية. إن القدرة على التلاعب ببيئتنا بطريقة مدروسة يمنحنا القدرة على تغيير منظورنا، والارتقاء فوق الجدول الزمني، والتفكير فيما كان، وتخيل ما سيكون. سواء أحببنا ذلك أم لا، فإن الوصول إلى مرحلة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" هو الاندفاع أولاً نحو النتيجة الطبيعية: "أنا موجود، لذلك فأنا سأموت". هذه نتيجة مزعجة، إنها أقل ما نستطيع قوله. ومع ذلك، في معظم الأحيان، يمكننا التغلب عليها. وقد تمكن إخواننا من البشر من فعل الشيء نفسه - يشهد على ذلك بقاءنا كنوع. لكن كيف سنتوصل إلى ذلك؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أننا نواصل رواية قصص لأنفسنا ولمكاننا في كون ضخم يهاجر إلى مقدمة المشهد. أي القصص التي نهجر فيها مكاننا داخل الكون الهائل إلى مقدمة المسرح. وبالتالي، فإننا نختلف أو نعارض، إن لم نتجاهل، إمكانية أن نمحى من الوجود إلى الأبد أو، ببساطة، إنه ليس خيارًا. نقوم بتطوير الأعمال الفنية - الرسم، النحت والرقص والموسيقى - التي نسعى من أجلها التحكم في العملية الإبداعية ونجعل أنفسنا قادرين على كل ما له نهاية. نتخيل أبطالاً مثل هرقل ، السيري غوفان أو هيرميون ، الذين ينظرون إلى الموت وجهاً لوجه  بتصميم فولاذي ويظهرون ، وإن كان ذلك بطريقة خيالية ، أننا قادرون على الانتصار عليه. [، أي على الموت. نقوم أيضًا بتطوير العلوم من أجل اكتساب نظرة ثاقبة حول كيفية عمل الواقع؛ ونستمد منها القوى التي كانت الأجيال السابقة تعزيها للآلهة. باختصار، نتمكن من الحصول على الزبدة وثمنها كما يقول المثل: مرونة الفكر التي، إلى جانب العديد من الأشياء الأخرى، تكشف لأعيننا مأزقنا الوجودي الحتمي والقدرة على الاستفادة منه. من خلال قدراتنا الإبداعية، قمنا ببناء دفاعات هائلة ضد ما كان سيصيبنا بالقلق ... ومع ذلك، نظرًا لأن الدوافع لا تترك آثارًا أحفورية، فإن العثور على أصول السلوك البشري كان من الممكن أن يكون مصدر قلق معيق ... عمل شائك. ربما تكون اختراقاتنا الإبداعية، من الغزلان المرسومة في كهف لاسكو Lascaux إلى معادلات النسبية العامة، مجرد منتجات ثانوية عرضية لقدرة دماغ منتقى طبيعيا: دماغ الكشف عن الأنماط المتكررة بشكل محموم في الواقع وتنظيم متماسك. قد تكون هذه الإنجازات، مثلها مثل غيرها من الإنجازات، مجرد نتاج (تم تحسينه بشكل واضح، ولكنه غير ضروري بشكل تكيفي) لأي دماغ كبير بما يكفي، متحرر من عبء البحث عن مأوى وطعام كل الوقت. كما سنرى، فإن النظريات التي تشير إلى هذا الاتجاه كثيرة، لكن الاستنتاجات التي لا جدال فيها نادرة إلى حد ما. ومع ذلك، ليس هناك شك في أننا نتخيل وننشئ ونستمتع بأعمال، من الأهرامات إلى السيمفونية التاسعة إلى ميكانيكا الكموم، تمثل آثارًا لعبقرية الإنسان، والتي يميل طول عمرها، إن لم يكن المحتوى، إلى الاستمرارية. أخيرًا، بعد النظر في أصول الكون، واستكشاف تكوين الذرات والنجوم والكواكب، واجتياز تاريخ ظهور الحياة والوعي والثقافة، سنغرق أعيننا في الهاوية. ومجازيًا، حفزنا وخفّفنا من آلامنا الكونية. سوف نفكر في الخلود ونتأمله للتخفيف من قلقنا الكوني لكنه ليس الخلود الآني.

المعلومة، الوعي، الأبدية:

ستحدث الكثير من الأشياء بحلول ذلك الوقت. المستقبليون الجريئون والكثيرون من منتجي أفلام الخيال العلمي في هوليوود يستعرضون ما سيحدث في الحياة والحضارة على مدى فترات، رغم إنها تعتبر كبيرة مقارنة بحياة الإنسان، إلا أنها ليست شيئًا يذكر على مقياس الأزمنة الكونية. وانطلاقاً من منحنى النمو الأسي للابتكار التكنولوجي، أو بالأحرى نهاية صغيرة لهذا المنحنى، من الممتع محاولة استقراء ما ستكون عليه التطورات المستقبلية، على الرغم من الطريقة التي ستسير بها الأمور. ونحن نتحدث عن فترات زمنية مألوفة إلى حد ما، في حدود بضعة عقود أو قرون أو آلاف السنين. على مقياس الأزمنة الكونية، من الوهم السعي للتنبؤ بمثل هذه التفاصيل. لحسن الحظ، في الإطار الذي يهمنا هنا، سنعتمد على قاعدة أكثر صلابة. أعتزم أن أرسم لوحة جدارية لمستقبل الكون غنية بالألوان، ولكن فقط بخطوطها الواسعة جدًا. باختيار هذا المستوى من التفاصيل، يمكننا بالفعل تخيل الاحتمالات المختلفة بدرجة معينة من الثقة. دعونا نواجه الأمر: التفكير في ترك أثر في مستقبل خالٍ من أي شهود قد يلاحظون أنه من غير المرجح أن يمنحنا أي صفاء عاطفي عميق. المستقبل الذي نفكر فيه بشكل عفوي، وإن كان ضمنيًا، المستقبل الذي نفكر فيه بشكل عفوي، من المرجح أن يزودنا بهدوء عاطفي عميق، هو مستقبل تسكنه أشياء تهمنا. ستدفع الحياة والروح بالتأكيد لأخذ أشكال مختلفة من الدعامات المادية - البيولوجية أو الرقمية أو الهجينة أو أيًا كان. ومع ذلك، حتى لو كان من المستحيل التنبؤ بالتكوين المادي المفصل لهذه الخلفية، يتخيل معظمنا أنه في المستقبل البعيد سيكون هناك وفكر في شكل من أشكال الحياة أو بطريقة أخرى، بشكل أكثر تحديداً، ونقصد به هنا شكل حياة ذكية. بعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة من التفكير، يجب أن نطرح سؤالاً سيرافقنا طوال الرحلة: هل يمكن للفكر الواعي أن يوجد إلى الأبد؟ أليس العقل المفكر ، مثل النمر التسماني أو نقار الخشب العاجي ، شيئًا ساميًا ، مقدر له الظهور لفترة وجيزة قبل أن ينقرض إلى الأبد؟ ] لا نتحدث هنا عن أي وعي فردي، لذا فإن السؤال لا علاقة له بتلك التقنيات المرغوبة - المبردةcryogéniques أو الرقمية أو غير ذلك - القادرة على الحفاظ على عقل الشخص. أنا نفسي بدلا من ذلك اسأل عما إذا كانت ظاهرة الفكر ذاتها من المحتمل أن تستمر بشكل تعسفي بعيدًا في المستقبل، سواء كان وسيطهh هو دماغ بشري، أو كمبيوتر ذكي، أو سحابة من الجسيمات المتشابكة تطفو في فراغ أو في أي مكان. ما هي العملية الفيزيائية الأخرى التي تلبي الشروط المطلوبة لماذا لا يكون هذا هو الحال؟ حسنًا، فكر في تجسدincarnation أو تناسخ الفكر البشري. لقد ظهر بالاشتراك مع مجموعة من الطوارئ البيئية التي تشرح لماذا، على سبيل المثال، أنا نفكر هنا في هذا المكان الذي نفكر فيه، وليس على كوكب عطارد أو مذنب هالي. لذلك نحن نفكر هنا، وليس في أي مكان آخر، لأن الظروف على كوكبنا مواتية للحياة، وللتفكير في الحياة - وهو، بالمناسبة، بالتحديد سبب القلق من التغيرات المناخية الضارة الحالية. ومع ذلك، ليس من الواضح على الإطلاق أن الكون يشارك على نطاق واسع هذا القلق المحفوف بالعواقب، ولكنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحالتنا الصغيرة. إذا نظرنا إلى التفكير على أنه عملية فيزيائية (سننظر في هذا الافتراض في الوقت المناسب) ، فليس من المستغرب أنه لا يمكن أن يحدث إلا عند استيفاء شروط محددة للغاية، سواء على الأرض ، هنا والآن ، أو في مكان آخر و في وقت آخر. وهكذا، من خلال تحديد التاريخ المستقبلي للكون، سوف نحدد ما إذا كانت الظروف المادية المتغيرة باستمرار عبر المكان والزمان من المرجح أن تستمر في احتضان ورعاية حياة ذكية إلى أجل غير مسمى.

في هذا العرض التخطيطي الموجز، ستعطينا الاكتشافات في مجالات فيزياء الجسيمات والفيزياء الفلكية وعلم الكونيات وسائل التنبؤ بالتطور المستقبلي للكون على مديات أطول بكثير مما يفصل بيننا وبين الانفجار العظيم. بالطبع، لا يزال هناك قدر كبير من عدم اليقين، ومثل جميع العلماء، آمل أن تطوي الطبيعة ادعاءاتنا وتفاجئنا بطرق لم نتمكن بعد من تخيلها. ولكن بناءً على القياسات والملاحظات والحسابات والنتائج التي توصلنا إليها، فإن الوضع ليس مشجعًا للغاية. الكواكب والنجوم والأنظمة الشمسية والمجرات وحتى الثقوب السوداء عابرة وزائلة. يتم تحديد نهاية كل من هذه الظواهر من خلال مجموعة فريدة من العمليات الفيزيائية. هذه العمليات، التي تتراوح من ميكانيكا الكموم إلى النسبية العامة، ستؤدي في النهاية إلى ضباب من الجسيمات تنجرف في عالم بارد وصامت ... كيف يمكن أن يمر الفكر الواعي في الكون الذي يتعرض لمثل هذا التحول؟ بلغة الإنتروبيا ، مرة أخرى ، يمكننا طرح هذا السؤال وحلّه. بينما نتبع هذا الخيط الأحمر من الانتروبيا ، سوف نفكر في الاحتمال المحتمل للغاية أن حقيقة التفكير ذاتها ، أيا كان نوع الكيان الذي قد يجربه في الكون ، يمكن أن يعيقها يومًا ما أمر لا مفر منه للتفكير ، أيًا كان نوع الكيان فسوف يحاول الكون أن يفعل ذلك ، ويمكن أن يعيقه تراكم النفايات. وفي المستقبل البعيد من الممكن جداً أن كل ما يحاول أن يفكر يحترق في الحرارة الناتجة عن أفكاره الخاصة. الفكر نفسه سيصبح من ثم مستحيل مادياً أو فيزيائياً. سوف تستند الحجج ضد إمكانية أن يكون الفكر أبديًا على افتراضات حكيمة ومعقولة. نحن مع ذلك، سننظر في بعض البدائل: العقود الآجلة ممكن أكثر مضياف فيما يتعلق بالحياة والتفكير الحياة. تبقى الحقيقة أن القراءة المباشرة للحقائق تشير إلى أن الحياة عابرة. إن الفترة الزمنية الكونية التي تسمح خلالها الظروف المادية بوجود كائنات مدركة لذاتها هي بلا شك ضيقة للغاية. إذا تصفحنا الفصول الرئيسية للتاريخ الكوني، فقد تفوتنا بسهولة حلقة الحياة تمامًا. "شرارة نور بين أبديّين من الظلام" . ربما ينطبق هذا الوصف الذي وصفه نابوكوف للوجود البشري على ظاهرة الحياة نفسها نحن نحزن على محدوديتنا ونواسي أنفسنا في سمو رمزي، فيما ورثناه من ظاهرة الحياة البسيطة نفسها بعد أن شارك في الرحلة. فلا أنا ولا أنت سنكون هنا بعد عدة قرون، لكن آخرين سيكونون موجودين. ما نخلقه ثم نتركه وراءنا يساهم فيما سيكون وكيف ستعيش الحياة في المستقبل عالم تختفي فيه الحياة والوعي في النهاية، حتى هذا التراث الرمزي - هذا الهمس اتجاه أحفادنا البعيدين - سيتم ابتلاعها في العدم. ها نحن في ملاءات جميلة.

أفكار وتأملات حول المستقبل:

نميل إلى استيعاب الاكتشافات العلمية على المستوى الفكري. عندما نتعلم اكتشافًا جديدًا عن الزمن، وعن النظريات التوحيدية، أو عن الثقوب السوداء، فإن المعلومة تدغدغ عقولنا مؤقتاً، وإذا كانت مثيرة للإعجاب بدرجة كافية، فإنها تظل محفورة فيها. غالبًا ما يقودنا العلم، بطابعه المجرد، في المقام الأول إلى التفكير في محتواه من وجهة نظر معرفية؛ عندها فقط يكون لهذا الفهم أي فرصة للتأثير فينا عميقًا، على الرغم من أنه نادرًا ما يحدث. ومع ذلك، في مناسبات معينة، عندما ينجح العلم من خلال استدعاء كل من عقلنا وعواطفنا، تكون النتيجة رائعة للغاية دعني أعطي مثالًا بسيطًا: قبل بضع سنوات، عندما بدأت أفكر في التنبؤات حول المستقبل البعيد للكون، كان هذا المشروع في الأساس دماغي، أي يجري في الدماغ فحسب، لأنني فهمت الوثائق ذات الصلة على أنها مجموعة من الاكتشافات التي تنبع من قوانين الطبيعة، الرائعة ولكنها مجردة. ومع ذلك، وجدت أنه إذا حاولت حقًا أن أنظر إلى كل أشكال الحياة، وكل الأفكار، وكل النضالات والإنجازات البشرية على أنها انحرافات عابرة، ضاعت في جدول زمني كوني عقيم، أخذت المعلومات بطريقة مختلفة. يمكن أن أشعر بها بعد ذلك. في المرة الأولى التي غامرت فيها في هذه المنطقة، بدت لي الرحلة مظلمة للغاية - لا أشعر بالضيق من قول ذلك. لقد زودتني عقود من الدراسة والعمل العلمي بلحظات من البهجة والتساؤل، ولكن لم يسبق لي أن أغرقتني نتيجة في الرياضيات والفيزياء بهذا الشعور المخيف بالفراغ. بمرور الوقت، تحسن اتصالي العاطفي بهذه الأفكار. الآن، يؤدي التفكير في المستقبل البعيد في كثير من الأحيان إلى الشعور بالهدوء والاتصال بالعالم. يبدو الأمر كما لو أن هويتي لم تعد مهمة، كما لو كانت مستغرقة في الشعور بالامتنان لمجرد تجربة الوجود - لا يمكنني وصفها بكلمات أخرى. نظرًا لأنه من المرجح أنك لا تعرفني شخصيًا، دعني أقدم لك القليل مما يسمى السياق العام، أنا إنسان منفتح يفتخر بالصرامة العلمية التي تميزني. لقد جئت من عالم تثبت فيه أن لديك السبب على أساس المعادلات والبيانات القابلة للتكرار؛ عالم حيث يتم تحديد صحة فكرة من خلال حسابات لا لبس فيها، وتتفق تنبؤاتها نقطة تلو الأخرى مع الخبرة، وأحيانًا تصل إلى اثني عشر رقماً عشريًا. بعد الفارزة لذلك في المرة الأولى التي مررت فيها بواحدة من تلك اللحظات من الامتلاء الهادئ - تصادف أن أكون في ستاربكس في نيويورك حينها - وجدت الأمر مريبًا للغاية. ربما تم سكب بعض حليب الصويا الفاسد في قدح الشاي الذي أحتسيه. أو ربما فقدت عقلي. بعد التفكير الثاني، كنت عاقلًا تمامًا. نحن جزء من سلسلة طويلة من الكائنات التي خففت من انزعاجها الوجودي من خلال تخيل أنها يمكن أن تترك بصمة دائمة. كلما تركت البصمة فسوف لن تمحى ، بدا أن الوجود كان أكثر قيمة. على حد تعبير الفيلسوف روبرت نوزيك - لكن المخرج فرانك كابرا ربما وضعها أيضًا في فم شخصية جورج بيلي في فيلم الحياة جميلة La Vie est Belle - الموت يقصرك إلى لا شيء [...] حتى تمحى تمامًا، حتى أدنى أثر يساهم بقوة في تدمير معنى الحياة «. هذا هو السبب في أن الرغبة العميقة في الوصول إلى ذرية معينة من المرجح أن تتغلغل في كل الفكر، خاصة بين الأشخاص الذين ليس لديهم توجه متدين مثلي. فدراستي وتعليمي، وتدريبي وتأهيلي، وعملي، وخبرتي قد تأثرت بجميع الخبرات السابقة. في كل خطوة، مضيت قدما في عيني على المدى الطويل، أسعى لإنجاز شيء دائم. لا عجب في أن اهتماماتي المهنية قد هيمن عليها التحليل الرياضياتي للمكان والزمان وقوانين الطبيعة ... من الصعب بالفعل تخيل مجال آخر يمكنه تركيز الأفكار بشكل مباشر أكثر على قضايا تتجاوز اللحظة الحالية.  ومع ذلك، فإن النتائج العلمية نفسها ترمي ضوء جديد تمامًا على هذا المنظور. ربما تكون الحياة والروح مجرد واحة صغيرة في التاريخ الكوني. على الرغم من أن الكون تحكمه قوانين رياضياتية أنيقة تسمح بجميع أنواع العمليات الفيزيائية الرائعة، إلا أنها ستستضيف الحياة والروح مؤقتًا فقط. إذا كنت تتأمل في هذا بعمق، وإذا تخيلت مستقبلًا خالٍ تمامًا من الكواكب والكائنات المفكرة، فإن احترامك للعصر الذي نعيش فيه قد يميل إلى التقديس وهذا بالضبط ما جربته في ستاربكس. لقد توقفت عن التشبث بمستقبل بعيد المنال، لأشعر أخيرًا أنني كنت أعيش في حاضر مؤقت ومدهش: كان هذا أصل شعوري بالهدوء والامتلاء. التغيير، في حالتي، قد تم إحداثه من خلال النظير الكوني للتعليم المقدم على مر العصور من قبل عدد لا يحصى من الشعراء والفلاسفة والكتاب والفنانين والمرشدين، - المدرسون الروحيون واليقظون - تعليم بسيط ولكنه دقيق أن الحياة موجودة هنا والآن. هذا هو معنى "للأبد - للأبد" للشاعرة إميلي ديكنسون، أو حتى أمر ثورو بإلعثور على "أبديته في كل لحظة ". من الصعب بالتأكيد الحفاظ على هذه الحالة الذهنية بشكل دائم. تخبرني تجربتي أن ذلك يتحقق عندما تغمر نفسك في كامل مساحة الزمن - من البداية إلى النهاية. لأن هذه الخلفية الكونية تكشف بوضوح لا يضاهى كيف أن هنا والآن هو فريد وعابر. الغرض من هذا الكتاب هو مشاركة هذا الوضوح مع القاريء. سوف نسافر عبر الزمن، بدءًا من الأصول وفقًا لأحدث النظريات لنقترب من النهاية كما يسمح لنا العلم. سوف ندرس كيف نشأت الحياة والروح من الفوضى الأولية، ثم سننظر في إنجازات تستطيع العقول الفضولية والعاطفية والقلقة والاستبطانية والبارعة والمتشككة تطويرها، خاصة عندما تصبحون على دراية بأنفسها وبأمورها. سوف نفحص، عند إخواننا من البشر، صعود الدين، والدافع للإبداع الفني، وظهور العلم، والبحث عن الحقيقة والرغبة في الخلود. هذا التقارب الحشوي من أجل الاستمرارية، والتي عرّفها فرانز كافكا باسم " الحاجة إلى شيء غير قابل للتحديد والذي سوف يقذفنا إلى المستقبل البعيد. عند القيام بذلك، سنقوم بتقييم وجهات نظر مفتوحة لكل ما هو عزيز علينا اليوم، كل ما يشكل واقعنا، من الكواكب والنجوم والمجرات والثقوب السوداء إلى الحياة والروح. ستسلط هذه الرحلة الطويلة الضوء على روح الاكتشاف التي تنعش البشر. مستكشف طموح، ومصمم على فهم واقع هائل. لقد أضاءت الجهود التي بُذلت منذ قرون جزءًا من المناطق المظلمة للمادة والروح والكون. أيضًا، على مدى آلاف السنين القليلة القادمة، ستتوسع دائرة نيران المخيم وتتألق أكثر. حتى الآن أظهرت ملحمتنا بالفعل أن الواقع تحكمه قوانين رياضياتية غير مبالية بالأخلاق، ومعايير الجمال، والحاجة إلى الحب، والرغبة في الفهم والبحث عن المعنى. قصة كونية تتكشف كل ما يشكل واقعنا، من الكواكب والنجوم والمجرات والثقوب السوداء إلى الحياة والروح. ستسلط هذه الرحلة الطويلة الضوء على روح الاكتشاف الذي ينعش البشر. مستكشف طموح، ومصمم على فهم واقع هائل. قرون من الجهد قد تم بالفعل أضاء جزء من مناطق المادة المظلمة، من الروح والكون. أيضًا، على مدى آلاف السنين القليلة القادمة، ستتوسع دائرة نيران المخيم وتتألق أكثر. يتكشف التاريخ الكوني بطريقة باردة لا هوادة فيها وميكانيكية. ومع ذلك، من خلال اللغة ورواية القصص والفن والأساطير والدين والعلم، قمنا بتدجين مقتطف صغير من هذا التاريخ ليردد تعطشنا للاتساق والقيمة وبلا معنى. مساهمة الإنسانية في الكون رائعة، ولكنها مؤقتة. كما سيتضح أثناء سفرنا عبر الزمن، ربما تكون الحياة عابرة، وأي محاولة للفهم تولد معها ستموت معها أيضًا. لا شيء دائم. لا شيء مطلق. وهكذا، في سعينا وراء المعنى والقيمة، المعرفة الوحيدة ذات الصلة، يمكن أن تكون الإجابات المعقولة الوحيدة هي عملنا فقط. في النهاية، بينما نقضي لحظة وجيزة فقط في الشمس، ما زلنا مكلفين بالواجب النبيل لإيجاد المعنى الخاص بنا لأنفسنا.

 

د. جواد بشارة

 

محمد السعديفي مطلع الكتاب يشير مؤلفه البروفيسور د. طارق يوسف إسماعيل … الى حصيلة مؤلمه ولكن ليس غريبة عن الشيوعيين ولهذا تدعوك للتأمل والقراءة والمراجعة.

” أن هذا الحزب العريق فقد صفته الثورية على إثر انحرافات آب ١٩٦٤.

وبعد أن قضت جبهته مع حزب البعث على ما تبقى منه.

ثم صدرت شهادة وفاته باحتلال العراق عام ٢٠٠٣ بعد أن تخلى عن تقدميته وانغماسه في وحل الطائفية المقيته

وعلى تبيان التجربة البسيطة والقراءة المتواضعة، أود أن أقدم صفحات على تلك الحصيلة المحزنة التي توصل بها البروفيسور طارق يوسف إسماعيل.

خط آب ١٩٦٤. هي دعوة الرفاق السوفييت في سياستهم الجديدة تجاه أحزاب وبلدان الشرق الاوسط فاندفعوا في الضغط على قيادة الحزب الشيوعي العراقي بحل تنظيماته والاندماج مع مشروع عبد السلام عارف في الاتحاد الاشتراكي العربي على غرار مع حدث مع جمهورية مصر العربية أبان حكومة عبد الناصر عام ١٩٦١ والذي لم يحقق آمرا ملموسا على أرض الواقع، وظل يراوح في باب الامنيات، ومع هذا كله جوبه من بعض قطاعات المجتمع المصري بالرفض التام. كان خلاصة التوجه الجديد جاء تلبية لنظرية السوفييت الجديدة للتطور اللارأسمالي، ولتنفيذ الاتجاه الجديد للسياسة الخارجية السوفييتية في العالم العربي والشرق الاوسط، بدأت الاحزاب الشيوعية بتغير خطابها إذعاناً للسوفييت وأشيد بجمال عبد الناصر بأنه الداعي الرئيسي للصداقة والتضامن في المواقف مع السوفييت، وأدعي أن تجربته في الحكومة هي المثال الافضل لطريق التطور اللارأسمالي، رغم ملاحقاته للشيوعيين المصرين وزجهم في السجون، ويبدو أن قيادة الحزب الشيوعي العراقي كانت تتحرك بهذا الاتجاه، أي سال لعابها. وفي أول إجتماع للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي يومها صوت بالاغلبية لصالح رأي السوفييت بأستثناء المرحوم عزيز الحاج الذي صوت ضد هذا التوجه، وتحفظ المرحوم آراخاجادور عليه، وقد برر الشيوعيين العراقيين دعوة عبد السلام عارف بالتحولات الاشتراكية في بلد لم تعد به تنمية متطورة مما تركت ظلالها السلبية على عصب الحياة الاقتصادية، وفي الوقت كان نظام عارف يعاني الكثير من النكسات في الداخل، فقد أرتفعت البطالة حتى أنه تم تسريح أكثر من ٢٠ ألف عامل بحلول خريف عام ١٩٦٥. وكان للاقتصادي العراقي الكبير خيري الدين حسيب بصماته وجهوده واضحة على هذه الدعوة للتحولات. وفي يومها لم يكن يمضي عاماً واحداً على مجازر الدم التي أرتكبت بحق الشيوعيين وجماهيرهم من قبل إنقلابي ٨ شباط ١٩٦٣. وكان الصراع الداخلي بين قادة الحزب الشيوعي في حمى عنفوانه، وأثناء ذلك، واصل عزيز الحاج هجومه المبطن والمعلن على خط آب في أوساط جماهير الحزب الشيوعي وهاجم نظام عارف والسوفييت على حداً سواء، منتقداً الموقف السوفييتي للتدخل في الشؤون التي تخص الشيوعيين العراقيين. وعندما أنعقد الكونفرنس الحزبي في نيسان ١٩٦٥ طفت تلك الشكاوي والمواقف على السطح وترك الاستياء أثره باتجاه سياسة جديدة وموقف من حكومة عارف وطرح مبدأ العمل الحاسم والذي تبناه عامر عبدالله عبر إنقلاب عسكري بعد عودته من الخارج مع رفاقه بهاء الدين نوري وعبد السلام الناصري، والذان رفضا مبدأ ودعوة عامر عبدالله في الترجيح على جبهة عريضة مع قوى المعارضة الاخرى وعبر أنتفاضة شعبية تطيح بحكومة عارف، وأصبحوا الثلاثة قادت الحزب الفعلين في بغداد. وكانت الاستخبارات العسكرية تراقب تلك التطورات عن كثب داخل مواقف الحزب الشيوعي، وقد تمكنت من اختراق كل منظمة حزبية بما فيها اللجنة المركزية، وعندما بدأت التحضيرات للعمل الحاسم بداية ١٩٦٦ بدأت القوات الامنية حملة على الحزب ووقع بقبضتهم ستة من كوادر وأعضاء اللجنة المركزية محمد الخضري، إبراهيم عبد السادة، علي عرمش شوكت، أرا خاجادور، الذي خطف في منطقة كرادة مريم ولفت أنتباه المارة في الشارع بصراخه أنا الشيوعي أرا خاجادور بلغوا الحزب باعتقالي، بعد هذه الواقعة تحولت تلك الصرخات الى اهزوجه حزبية (ياناس كولوا للحزب أرا ألزم) بما في ذلك مسؤول القسم العسكري للحزب ثابت حبيب العاني قد قوض خطط (العمل الحاسم). الملاحظ في لوحة القادة الشيوعيين بالغالب التقلبات السريعة في المواقف تجاه الاحداث من حل الحزب والاندماج مع نظام عارف وفق مبدأ خط آب الى إسقاطه عبر إنقلاب عسكري.

الانتفاضة الحزبية ١٧ أيلول ١٩٦٧.

بعدها بثلاثة سنوات وقعت الانتفاضة الحزبية ١٧ أيلول ١٩٦٧ والتي شيعت وما زالت في أوساط الشيوعيين أنشقاق عزيز الحاج، ولصقت به كتهمة بعيداً عن الموضوعية والعدالة والمراجعة وتحديد أسبابها. وبعد أن طفح الى العلن الصراع بين اللجنة المركزية ومنظمة منطقة بغداد، وقد أصدرت اللجنة المركزية منشوراً داخلياً باسم مناضل الحزب تدعو به الحملة على المنشقين حسب تسميتها لهم لكوادر تنظيم بغداد فتحدوا القيادة بالدعوة الى اجتماع طاريء للكادر المتقدم في ١٧ أيلول. وهذا الاجتماع ترأسه عزيز الحاج وقدم فيه تقريرا مفصلا بشأن الأزمة في داخل الحزب. وبعد نقاش طويل توصلوا الى الاعتراف بالآتي.

(أن الحزب يعاني من أزمة، هيكلية، وسياسية، وفكرية عميقة أخمدت كل طاقته وأعاقت أنشطته وهي تعود زمنياً الى ثورة تموز عام ١٩٥٨، مما كان له أثر مدمر بعيد المدى على الحزب وأسهم في التفريط في ثورة الشعب). تعود نشأة قيادة هذه المجموعة الى بعض الاعضاء في منظمة بغداد، وخصوصا في تنظيم المثقفين واللجان الطلابية والتي كان يقودها في البداية نجم محمود وأعضاء آخرين في منظمة الحزب الشيوعي العراقي في بريطانيا. وكان من بين هؤلاء الأفراد خالد أحمد زكي، الذي كان ناقداً وغاضباً على سياسات الحزب (خصوصا خط آب)، وكان له اتباعا بين العراقيين في لندن، والذي عاد الى بغداد عام ١٩٦٦، حيث نجح في توسيع دائرة نفوذه ولدى وصوله أسندت إليه مسؤولية المنظمة القائمة والمعروفة باسم (خط حسين). والتي أيدت الدعوة إلى الكفاح المسلح، كما تبناه وعمل عليها سابقا، وقد ضحى بوظيفته المدنية مساعداً لرئيس منظمة السلام العالمية الفيسلوف والمفكر برتراند رسل، والذي كان مؤمناً بالشيوعية رغم ملاحظاته على التجرية السوفييتية. وفي فترة وجيزة حققت القيادة المركزية جماهيرية كبيرة في أوساط الشيوعيين وأصدقاؤهم حيث مال العدد الأكبر الى جانبهم من الكادر الوسط والمتقدم ومما عزز من هذا الانعطاف معهم هو مواقفهم الراديكالية تجاه حكومة عارف والوقوف عند أخطاء الماضي وموقفهم المستقل من السياسة السوفييتية وتأثيرها على قراراتهم المصيرية، فتعرضوا الى مصير لايرحم من الاعداء والأصدقاء على حد سواء، وقد قرأت في وقت سابق شهادة حية للمناضلة العراقية هيفاء زنكنه بنت العشرين عاماً وما تعرضت له من إنتهاك أخلاقي وسياسي في أقبية قصر النهاية لتوجهها النضالي الشيوعي الجديد، وهي بنت ذلك النسب العائلي المجيد، مما أعطاها زحماً الى مواصلة ثبات نضالها الوطني الى يومنا هذا في الدفاع عن العراق والمثل الانسانية.

 

محمد السعدي

 

 

محمود محمد عليحاول زرادشت اقناع الجمهور امامه بتجاهل التعاليم القديمة، ومحاولة إيجاد معني جديد للأرض والحياة، وقوة الجسد حسب رأيه تأتي من الغرائز الطبيعية لتتسامي بهذا الروح لتتجاوز الإنسان نفسه.. وهو بالطبع الرجل الخارق (28).

وبعد أن أكمل زرادشت كلامه اعتقد الجمهور أنه البهلوني الذي كان كانوا في انتظاره، فضحكوا وقال بعضهم، والآن سمعنا البهلواني.. حان الوقت لكي نري حركاته، لكن البهلواني الحقيقي سمع هذا الكلام، فاعتقد أن الوقت قد حان ليعرض فاعليته، بينما الجمهور بدأ ينظر إلي أعلي (29).

حاول زرادشت إكمال كلامه مستعينا بالبهلواني وحبله لعرض فكرته المجازية ما الإنسان سوي حبل بين الرجل الخارق والحيوان ما هو إلا حبل مشدود فوق العدم.. إن السير علي حبل مشدود هو رياضة خطيرة، ولذلك وحسب نيتشه إذا كان للإنسان أن يرتقي عليه أن يعيش حياة الخطر، وعليه ألا يبقي في حالة ركود بل عليه أن يسعي إلي أن يرتقي بنفسه (30).

وأكمل زرادشت إن الذين يعيشون حياة الخطر هم يملثون بداية الرجل الخارق.. أحب الذين يشبهون قطرات المطر الثقيلة المعلقة علي رؤوس البشر والتي تهبط من الغيوم السوداء هم يمثلون النذير ويتنبؤون بقُدوم البرق.. أنظروا إليه أنا أول هذه القطرات.. أقول لكم إن البرق قد قادم هذا البرق هو الرجل الخارق (31) .

بعد أن أنهي زرادشت كلامه انفجر الجميع بضحك هيستيري مرة أخري.. تفاجئ من ردة الفعل هذه.. لذلك قرر أن يغير أسلوبه.. أراد أن يبين لهم أن القيم القديمة بدأت تذبل وأن الحضارة البشرية تتوجه إلي الرجل الأخير.. الشخصية الأكثر مقتاً من كل الشخصيات وهو نقيض الرجل الخارق.. حان الوقا للإنسان أن يعدل أهدافه.. حان الوقت للإنسان أن يزرع بذور آماله العليا فالأرض ما زالت خصبة لكنها لن تبقي كذلك إلي الأبد . أقولها لكم . الإنسان بحاجة إلي الفوضي في أدخله لكي يظل نجمة متوهجة . أقولها لكم: ما زالت هناك فوضي في داخلكم . يا حسرة فالموعد بدأ يقترب، عندما لا يتمكن الإنسان من أن يلد نجوماً . ها أنا ذا أريكم الرجل الأخير (32) .

الرجل الأخير هو الذي يتخصص ليس في الابداع بل في الاستهلاك بإرضائه لغرائزه يعتقد الرجل الأخير أنه وصل إلي سعادة قصوي.. هذه الحالة تسوء يوما بعد يوم مع التقدم التكنولوجي والتوجه المستمر نحو المادية . لكنه بهذه المتع الحسية يحاول أن يغطي علي شعوره بالفراغ والتعاسة وبدون هدف حقيقي في حياته لا يستطيع الرجل الأخير أن يجد مبرراً للمعاناة التي يحتاجها الإنسان لكي يتجاوز نفسه ويرتقي بروحه.. هو لا يجرؤ علي الخروج من نطاق متعته لكنه لا يعلم أن المتعة هذه هي سبب تعاسته.. ولهذا السبب يجعل منه حاقداً علي الذين نجحوا في تطوير ذاتهم ويجعله كذلك يدعو إلي محاربة التميز بدعوي المساواة.. الرجل الأخير يريد لمجتمعه أن يكون متساوياً تماماً.. ليس من قبل حاكم أو نظاما مضطهد بل من داخل المجتمع حيث الحسد والغيرة والسخرية هي التي تحض من ارتقاء الآخرين.. لا يوجد راع وقطيع، بل الكل هو من القطيع . الكل يريدون نفس الشئ، والكل هم نفس الشئ . ومن يعتقد خلاف هذا، يساق إلي مستشفي المجانين (33) .

بعد أن أكمل زرداشت كلامه أجابه البعض بسخرية.. نريد أن نصبح ذلك الرجل الخير . واحتفظ بالرجل الخارق لنفسك " وها هم الآن ينظرون إلي ويضحكون وهم يكرهونني . هناك جمود في ضحكاتهم" (34).

أدرك زرداشت حينها أن الغالبية من البشر لا يستطيعون استيعاب كلماته.. بل ليس لهم الاستعداد لذلك.. لذلك غير خطته فبدل أن ينشر رسالته إلي الجميع.. قرر أن يخصصها للقلة المتميزين الذين هم أعلي من القطيع (35).

غادر زرادشت المدينة يغمره أمل من نوع جديد مرحباً في طريقة بكل من يريد أي يتعلم منه شيئا، لكنه وفي أثناء سيره في البرية رأي إشارة غريبة في السماء.. ففي وقت الظهيرة رأي نسرا وأفعي ملتفة حول عنقه ليس كفريسة بل كصديق.. هذه حالة غريبة فلطالما كان النسر تاريخيا يشير إلي الارتقاء بالعقل والروح وهو بذلك عكس الأفعي والتي تمثل الشر والغرائز الدونية..لذلك كانت هذه إشارة لزرادشت حول ما يلي: بقدر ما علينا أن نبحث عما يقوي عقولنا يجب كذلك أن نعرف بالنفس ونتعلم عيوبها وكما يقول زرادشت لاحقا في القصة الإنسان حاله كحال الأشجار كلما ارتفعت إلي السماء وحظيت بضوء أكثر كلما كانت جذورها أقوي وكلما اخترقت الظلام أكثر.. بالطبع ندرك جيدا أن ما جاء به نيتشه ليس فقط يخالف الأعراف القديمة بل كذلك يخالف المفكرين والفلاسفة الآخرين فهو متفرد في مواضيعه التي يطرحها لذلك نتساءل: ما الذي كان يقصده نيتشه بحياة الخطر؟.. وكيف نفهم رسالته الرقي في الروح بينما نتقبل النفس وشرورها (36)

ولعل من المفيد – بعد عرضتا لهذا الكتاب ومحتواه – أن نشير في عجالة إلي أهم التوجهات الضابطة في مسيرة نيتشه الفلسفية عبر فصول الكتاب العديدة .

وأبرز هذه التوجهات وهو ما ظهر له من أن دراسة كتاب: "هكذا تكلم زرادشت" يمثل كما قلنا من قبل،تجسيد لأفكار نيتشه انعكاس لعدائه الشديد للديمقراطية والاشتراكية والمسيحية، باعتبارها تمثل "أخلاق العبيد"، هدف نيتشه كان تعرية الغريزة البشرية في الأخلاق من أجل هدم الأخلاق البرجوازية وتعريتها على حقيقتها، مثلما حارب الأخلاق النفعية باعتبارها "فلسفة للخنازير"، حسب تعريفه، تقوم على الجشع وتتميز بالحرص الممزوج بالجبن لتحقيق المآرب والمنافع، وبهذا فالأخلاق عنده ليست سوى استراتيجية للدفاع عن مصالح محددة تمنع الفرد من إطلاق العنان لرغباته.

وثمة توجه آخر لنيتشه يتمثل في أن الكتاب يمثل تجسيد لفلسفته في الإنسان المتفوق؛ حيث تأثر نيتشه بنظرية التطور، فبنى نظرياته التي تهدف إلى هدم الدين -المسيحية خصوصاً- وبناء الإنسان المتفوق وكذلك نظريته في التكرار الأبدي على ما نصت عليه نظرية التطور، ففي سلسلة التطور، كل نوعٍ أوجد نوعاً جديداً متفوقاً عليه - إلا الإنسان- وكان تطور تلك الأنواع ناتجٌ عن الانتخاب الطبيعي، حتى وصلت حلقة التطور إلى نوع الإنسان، وهنا توقف التطور - بحسب نيتشه- ولا سبيل إلى إكمال مسيرته إلا عن طريق تطور الإنسان إلى نوعٍ جديد، هو الإنسان المتفوق ولكن هذا التطور، ولأنه متقدمٌ جداً في سلم الحياة يتطلب كلا نوعي الانتخاب الطبيعي والاصطناعي، ولأن الانتخاب الطبيعي قائمٌ أساساً على القوة و" البقاء للأصلح"، فلن يبقى إلا أقوى الأفكار وأقوى البشر، ومن هنا نتبين سبب تمسكه بأخلاق القوة وإرادة القوة التي بنى عليها نظرياته الأخلاقية.

أما التوجه الثالث فيتمثل في ربط نيتشه بموقفه من المرأة، فمن المعروف أن نيتشه ممن يزمون المرأة، رغم ترعرعه طيلة عمره مع أمه وأخته، حيث قضى أباه وهو بعمر الخامسة، والنتيجة كانت فلسفة مؤذية قليلاً للمرأة.. في كتابه نجده يحذر من اتخاذ المرأة صديقاً، فهي لا تصلح سوى للحب، وهي مجرد لعبة للرجل، ولا هدف منها ولا مهمة لها سوى الولادة، وهي لا تعرف الشرف ولا تدري ما هو. ثم إن هدف الزواج ينحصر في إنتاج "الانسان المتفوق"، لذا ينبغي أن يقام الزواج بأقصى قدرٍ ممكنٍ من الكمال، فيجب أن يسبق الزواج فترة يلتقي فيها المرأة والرجل ويتعايشان لينظرا هل بإمكانهما الاستمرار في زواجٍ يربطهما إلى الأبد.

علي أن هذه التوجهات قد صاحبها ثلاث نزعات للمؤلف: إحداها نفسية، والثانية أخلاقية، والثالثة عقلية . أما الأولي من هذه النزعات، فتتمثل في إفراط المؤلف في القول بأن:" الإرادة هي من تحدد اتجاهاتنا واتجاه الحياة نفسها، وهي من تقرر إذا ما كنا نفعل فضيلةً أم نفعل سواها. حسب نيتشه بإمكاننا تحويل الشهوة إلى فضيلة، عندما نضع فيها مقصداً سامياً. وكل ما كان -في الماضي- هو ما أرادته الإرادة أن يكون فعلاً، لذا لا حاجة بنا إلى ندب الماضي ولعنه، حسب نيتشه إنه ينبغي أن نفعل الفضيلة لذات الفضيلة، ولا ننتظر ثواباً عليها. لأن الفضيلة هي ثواب نفسها، فالوصول إليها هو ثوابها. ويقول أن أخطر الناس هم "أهل الصلاح والعدل"، لأنهم يحاكمون بكل إخلاص، ويقتلون بكل صلاح، ويكذبون بكل عدل، حسب قوله، وهم يعتقدون بأنهم يعرفون ما هو خيرٌ للبشر وما هو شرٌ عليهم، ومن هنا يمارسون وصايتهم الممقوتة. ولكن نيتشه يقرر لنا مخرجاً من أهل الصلاح هؤلاء بقوله: إن الخير والشر نسبيان، فما هو خير لك لا يعني بالضرورة خيرٌ لي، بل ربما يكون شر علي، فما تراه أنت خيراً أراه شراً في أحايين كثيرة. لذا فلكلٍ طريقه ولا توجد جادةٌ سليمة واحدةٌ يسير عليها العالمين. فالحكمة تقتضي على الإنسان أن يعرف خيره وشره, وأن يتكامل في خيره وشره. كما أن الشر الأعظم ضروري للخير الأعظم.

وأما التوجه الثاني فتتبدي لنا بجلاء في مواضع عديدة من الكتاب يؤكد فيها المؤلف علي إرادة القوة، التي كثيرا ما يقدسها ويعبدها نيتشه، فهو يرى -دوماً- بأن من حق الأقوى أن يحكم، والشعب الأقوى أحق بمقدرات الأضعف. فهو يرى أنه "لا مساواة" لكن "نعم للعدالة". وبدل العقل والعقلانية جعل الجسد هو العقل الأكبر، وأن اللاعقل هو المصدر الأصل، ففي كل مكان يكاد يكون الجنون هو الذي يفتح الطريق أمام الفكر الجديد، وعلى البشر أن يحققوا أهدافهم الكلية. والإنسان المتفوق هو الذي يستطيع تحقيق الأهداف والارتفاع إلى مستوى الحب القدري، وبهذا جعل نيتشه الإنسان "كمؤدب" للإنسان، ومن يستطيع تحقيق الأهداف عليه أن يعرف "أنه يحتاج إلى أسوأ ما فيه إذا أراد أن يصل إلى أفضل ما فيه". وهو بهذا لا ينادي بتحرير الغرائز بقدر ما يريد إضفاء الصبغة الروحية عليها وتحويل الطبيعة إلى عمل فني والعودة إلى الأبدي. يمثل نيتشه في الواقع نزعة عدمية بأحلك صورها، فهو يقول بأن الحقيقة والكذب يوظفان دوماً من أجل الكائن المتفرد، كما أن الحقيقة والوعي والعقل والموضوعية والاخلاق، وكل ما على الأرض في هذا الزمن، إنما يبرهن، خطوة فخطوة بكونه تدهوراً امام قرف الحياة. وأمام هذا العجز والإحباط ليس هناك من مخرج سوى "تحرر الأنا والدخول في الفناء" .

أما النزعة العقلية فتبدو لنا واضحة في الأسلوب المتبع في كتابة هذا الكتاب فيشار إليه على أنه عمل فلسفي من الخيال، والذي غالباً ما يقلد العهد الجديد والحوارات الافلاطونية؛ بالإضافة إلى الأعمال ما قبل السقراطية ويحقق نيتشه كل هذا من خلال شخصية زاراثوسترا في إشارة إلى النبي التقليدي للديانة الزرادشتية الذي يلقي خطابات حول مواضيع فلسفية، وبالانتقال الى النقَاد، فقد قام الناقد هارولد بنقد كتاب هكذا تكلم زرادشت واصفاً الكتاب بالكارثة الرائعة وغير قابل للقراءة..  بينما راي آخرون أن أسلوب فريدرك نيتشه هو أسلوب ساخر عن قصد وأسلوبه الغير تقليدي الذي لا يميز بين الفلسفة والأدب.. لقد عمد نيتشه في هذا الكتاب إلي الكتابة وفق الشذرات إنطلاقاً من كتابه إنساني مفرط في إنسانيته، الذي يعتبر نقطة تحول في فلسفته، وهو النص الذي يؤرخ عادة لما يسميه شارحوه " المرحلة الثانية " من فلسفته . لذلك يشهد الكل "بطرافة أسلوبه في الكتابة وغرابة بناء نصه . لكأنه يرغب في اختراق ما دأب عليه الفلاسفة من سنن في الكتابة الفلسفية . فكانت قراءته مستعصية نظراً لتعسر فهم ما يعنيه حيناً واحتجاب مقاصده حيناً آخر. إذ تمتنع "كلماته" عن الفهم عندما كانت معانيها متناثرة هنا وهناك بين شذرة وأخري" (36).

وفي نهاية عرضنا يمكن القول بأن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" لنيتشه، سياحة عقلية خالية من أي تعصب، بعيدة عن أي إسفاف، مجردة من أي هوي، واعية متأنية في ذاكرة تاريخ الفلسفة الألمانية المعاصرة نقف من خلالها مع المؤلف علي أفول كل المقدسات / المتعاليات Transcendantale عبر مفهوم موت الإله Dieu est mort، فبموته سيموت ركن أساسي من أركان اللوغوس، ذلك أن نيتشه في فاتحة الكتاب الأول من هكذا تكلم زرداشت " في ديباجية زرادشت يدرج فكرة أفول الله وفنائه، وبالتالي فناء فكرة تقديس الصوت وتقديس " الكلمة"، يقول:"... لكن حالما وجد زرادشت نفسه وحيداً حدث قلبه بهذا الكلام: أيعقل هذا؟! هذا التقديس العجوز لم يسمع هنا في غابه بعد أن الله قد مات ! " (37).

وأخيراً وليس آخراً أقول إنني استمتعت بقراءة هذا الكتاب الجاد الذي جعل صاحبه يُنظر إليه علي أنه أهم وأشهر الفلاسفة المعاصرين الذين استطاعوا أن يجسدوا بطريقة عملية العلاقة بين الشعر والفلسفة، وذلك من خلال استخدامه اللغة الشعرية في تقديم الأفكار الفلسفية، حتي بدت فلسفته شعرا، وهذا ينم عن قدرته البالغة علي تطويع تلك اللغة الشعرية لتقديم الأفكار الفلسفية.. حقا لقد استطاع نيتشه في هذا الكتاب أن يأتي بمطرقه في يده ليحطم قيم التراث الغربي التي أضحت في رأيه بالية وعاجزة عن تقديم مضمون جديد،بل وامتدت أمنيته هذه إلي التراث الإنساني كله الذي رآه في حاجة ماسة إلي إعادة البناء علي أسس جديدة لا تتغير.. إن هذا الكتاب أثار سؤال من هو نيتشه؟.. فجاءت الإجابة أنه واحد من الفلاسفة الذين لا يدل أسمهم علي مجرد تراكم للنظريات أو إنتاج للمذاهب الفلسفية.. إن نيتشه لا يملك أن نحصر فكره وفلسفته ضمن تراتبية نسقية  تحيل علي انتظام للمواقف والأفكار والأطروحات، لأنه فيلسوف " اللانسق" أصلا.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

28- فريدريك نيتشه: هكذا تكلم زرداشت، ص 355-358.

29- نفس المصدر، ص 387-391.

30- نفس المصدر، ص 411-421.

31- نفس المصدر، ص 454-466,

32- نفس المصدر، ص 471-479.

33- نفس المصدر، ص 481-484,

34- نفس المصدر، ص 791-495.

35- نفس المصدر، ص 512-532.

36- فوزية ضيف االله: نيتشه من الفيلولوجيا إلى الفلسفة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، العدد 6، 2015، ص 263.

37- نيتشه: نفس المصدر، 15

 

 

محمود محمد عليإن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" هو رواية فلسفية كما قلنا، قسمها نيتشه إلي أربعة أجزاء وجعلها أقرب إلي رواية ملحمة ولكن بأسلوب شعري .. يتمحور الكتاب حول شخصية حقيقية وهو " الفيلسوف الإيراني زرادشت الذي ولد وعاش في مناطق أذربيجان حوالي 650 ق.م. وأسس الديانة الزرادشتية وقد ظلت تعاليمه وأفكاره منتشرة في المنطقة حتي وصول الإسلام إليها" (16).

كان الكتّاب بمعظم أفكاره موجهًا نحو تنمية الحضارة الأوروبية والاهتمام بحداثتها والابتعاد عن سيطرة الرأسمالية عليها، وقد بدأ الكتاب بفصول الإنسان المتفوِّق وهنا يظهر لنا تأثّر نيتشه بنظرية التطوّر فقد دعا ضمنيًا إلى هدم الأديان في سبيل تطوير جنس البشر وأنَّ النوع القادم هو الإنسان المتفوِّق الذي يأتي عن طريق مبدأ البقاء للأصلح والأكثر قوة (17).

أمّا الجزء الثاني من الكتاب فقد جاء شارحًا لفلسفة الأخلاق التي نالت نصيب الأسد من أفكار نيتشه التي بُنيت على ضرورة تفعيل الفضيلة دون انتظار الثواب عليها، لأنَّ الفضيلة هي الثواب بحدّ ذاته. وقد بيَّن أنَّ الخير والشر نسبيان وضروريان بنفس المقدار فما تراه أنتَ خيرًا ربّما يكون شرًّا لغيرك والعكس صحيح (18).

الجزء الثالث من الكتاب كان للحديث عن المرأة التي ذمّها نيتشة وحذَّر منها وأكّد على أنّها مجرَّد لعبة للرجل ومهمتها الوحيدة هي الإنجاب وحفظ الجنس البشري (19).

في الجزء الأخير تحدَّث نيتشة عن الدّين الذي كان يدعو من بداية الكتاب إلى هدمه واستبداله بنظرية التكرار الأبدي فالإنسان لن يفنى وإذا صل إلى درجة الإنسان المتفوِّق فسيكون هو إله نفسه (20).

والكتاب إجمالاً موجه نحو تنمية الحضارة الأوربية والاهتمام بحداثتها والابتعاد عن سيطرة الرأسمالية عليها .. وقد بدأ الكتاب بفصول الإنسان المتفوق، والذي طبق فيه نيتشه مبدأ البقاء للأصلح والأكثر قوة .. أما الجزء الثاني من الكتاب، فقد جاء شارحا لفلسفة الأخلاق التي نالت نثيب الأسد من أفكار نيتشه، والتي بنيت علي ضرروه تفعيل الفضيلة دون انتظار التوابع لها، لأن الفضيلة هي الثواب بحد ذاته .

وعندما بدأ نيتشه في تأليف الكتاب قال: بأنه سيكون أعظم كتاب يقدمه للبشرية، ولن يكتب شيئاً بعده، وعلي الرغم من مرور أكثر 150 عام علي تأليف الكتاب، إلا أن أفكاره كانت ولا زالت، ذات صدي كبير .. كما أن الكتاب يحظي بمنزلة عالية وبآثار لا يستطيع أحد إنكارها، فقد جمع نيتشه في كتابه كثير من الأفكار الفلسفية في مختلف مجالات الحياة .. لذا يصنف الكتاب ضمن قائمة أعظم 100 كتاب في البشرية .. لا يخفي علي أحد بأن الكتاب ساهم في تغيير ايديولوجيات بعض المجتمعات .

أما الأسلوب المتّبع في كتابة هذا الكتاب فيشار إليه على أنه عمل فلسفي من الخيال، والذي غالبًا ما يقلد العهد الجديد والحوارات الأفلاطونية بالإضافة إلى الأعمال ما قبل السقراطية، ويحقق نيتشه كل هذا من خلال شخصية زاراثوسترا في إشارة إلى النبي التقليدي للديانة الزرادشتية الذي يلقي خطابات حول مواضيع فلسفية، وبالانتقال إلى النقَّاد فقد قام الناقد هارولد بنقد كتاب هكذا تكلم زرادشت واصفًا الكتاب بالكارثة الرائعة وغير قابل للقراءة، بينما رأى آخرون أن أسلوب فريدرك نيتشه هو أسلوب ساخر عن قصد وأسلوبه الغير تقليدي الذي لا يميز بين الفلسفة والأدب.

إن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" هو أول بيان شامل لفلسفة نيتشه، وكُتبت فى شكل رواية نثرية كما قلنا، بدأت بقصة زرادشت وهى نسبة إلى «زارا» وهو شخص جاء بعد سنوات من التأمل أعلى جبل ليقدم حكمته إلى العالم، يطرح نيتشه فى فلسفته، فكرة أن الإله قد مات، ولعله يشير بذلك إلى أن معبود الناس قائمًا من وهمهم، وأنه تعبير مجازى لم يقصد به الإله السماوى، وعلى الرغم من أنه عمل فلسفى بشكل أساسى، إلا أنه يعتبر تحفة فنية فى الأدب. وله تأثير كبير فى الفنون والفلسفة، وتأثر به عدد من المفكرين فى القرن العشرين. فى مُؤلفه، دعا إلى تحطيم ألواح الوصايا جميعها وإلى خلق دستور جديد، كان يرفض الأديان، فأراد أن يقيم من الإنسان إلهًا لا ينازع، وتصور الإنسان صانع قدره، فمجَّد فى كتابه «الإنسان المتفوق»، فيقول: "لقد علمتنى ذاتى عزة جديدة اُعلمها الآن للناس. علمتنى ألا أخفى رأسى بعد الآن فى رمال الأشياء السماوية، بل أرفعها رأسًا عزيزة ترابية تبتدع معنى الأرض»، ويقول: «غدا سيعتنق هذا الرجل عقيدة جديدة وبعد غد سيستبدل بها أجدّ منها، ففكرته تشبه الشعب تذبذبًا وتوقدًا وتقلبًا" (21).

وعن الخير والشر، يطرح نيتشه فى فلسفته، فيقول: "لقد أقام الناس الخير والشر فابتدعوهما لأنفسهم، وما اكتشفوهما ولا أنزلا عليهم بهاتف من السماء.. لقد وضع الإنسان للأمور أقدارها ليحافظ على نفسه، فهو الذى أوجد للأشياء معانيها الإنسانية.. ما خلق الخير والشر فى كل عصر إلا المتهوسون المبدعون، وما أضرم نارهما إلا عاطفة الحب وعاطفة الغضب باسم الفضائل" (22).

ويستكمل نيتشه فى فلسفته: "إنكم تنظرون إلى ما فوقكم عندما تتشوقون إلى الاعتلاء، أما أنا فقد علوت حتى أصبحت اتطلع إلى ما تحت أقدامى، فهل فيكم من يمكنه أن يضحك وهو واقف على الذُرى".. في هكذا تحدث زرادشت يتكلم نيتشه عن بطل القصة زرادشت، والذي في سن الثلاثين عزل نفسه إلي الجبال من أجل الحصول علي التنوير والذي وجد في العزلة سبيلا لرقي روحه حتي يتمكن من حل معضلة الإنسان والوجود (23).

بعد عشر سنوات، وبعد أن أرهقه التفكير، ومع فيض الحكمة التي اكسبها، يخرج من كهفه لينظر إلي الشمس، وهي تشرق ليقول لها:" أبتها الشمس، إذا لم يكن هناك من يأخذ الدفء من نورك فما هي سعادتك ؟ .. عشر سنوات انرت فيها كهفي، ولولاي ونسري وحيتي، لأكان أصابك الملل من هذه الرحلة، وها أنا الآن أصابني الملل من حكمتي، مثل نحلة جمعت الكثير من العسل، احتاج لمن يمد يده ويأخذ مني (24).

اعتقد زرادشت أن الوقت قد حان لينزل من كهفه وليتشارك ما كسبه من حكمة مع إخوته من البشر، رفع رأسه مخاطباً الشمس مرة أخري فقال: علي أن أهبط إلي أسفل، مثلما تفعلين أنت عندما تغربين وراء البحار .. علي أن أنير للبشر ظلمتهم .. هذه الكأس تريد أن تفرغ .. وزرادشت يريد يغدوا إنساناً من جديد (25).

ومع نزول من الجبل يلتقي زرادشت برجل كبير في السن، فيسأله عما يريد من البشرية؟ .. يجيبه زرادشت أنه يحب البشر، وانه يحمل لهم أجمل هدية، ألا وهي الحكمة، فيحذره من أن البشر لم يأخذوا بكلامه، وانهم سيردون عليه بالاستهزاء والكراهية، لكن زرادشت لا يلقي له بالاً ويقرر إكمال طريقه (25).

يصل زرادشت إلي مدينة قريبة، حيث يري أن أهل المدينة اجتمعوا في الساحة العامة، وهم ينتظرون بهلوانياً يستعد للسير علي حبل مشدود .. حاول زرادشت من خلال هذا التجمع انتهاز الفرصة ليشد انتباههم، فشرع يخطب فيهم:" أريد أن أريكم الرجل الخارق، الرجل الذي علينا تجاوزه، فما الذي فعلتم لتجاوزه ؟ كل الكائنات حتي الآن تبدع لشئ فوق كيانها، فهل تريدون أن تكونوا مرحلة الجزر في هذا المد العظيم ؟ .. هل تفضلون العودة إلي مرحلة الحيوان بدل مرحلة الرجل الخارق؟

نحن نعلم جيدا جواز فكرة التطور الدارونية في القرن 19، والتي تعتمد علي مبدأ الانتقاء الطبيعي، لكن نيتشه رفض هذا المبدأ، ووضع نظريته الخاصة " التطور الإبداعي"، فهو يدعي أن التطور لا يحصل بسبب طفرات عشوائية في الجينات، بل يحصل نتيجة القوة الغائية، والتي تنقل الروح من مرحلة الدنيا إلي مرحلة مستنيرة، هذه القوة تتمثل في الطموح، وهذا الطموح الذي لو قبله الإنسان بدل ربه يستطيع الإنسان أن يتجاوز نفسه وأن يتطور(26).

يحاول نيتشه بهذا الكلام الرد علي المؤسسة الدينية ؛ حيث إن الدين بشكل عام يعتبر أن من الخطيئة  التفكير بالنفس،  بل علي العكس يحرض التوجه نحو إنكارها، لذلك مشاعر مثل الكبرياء والرغبة في القوة كلها تعتبر من نواحي الشر والتي يجب محاربتها حيث وضح نيتشه قائلا: " تحاول الكنيسة استئصال العاطفة بدل أن ترسخها، وبدل أن تتقبل مشاعر كالرغبة والجشع وحب السيطرة، تحاول إنكارها . لكن استئصال المشاعر هو استئصال لجذور الحياة وما ممارسات الكنيسة سوي محاربة الحياة (27)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..............

16-د الشفيع الماحي أحمد: زرادشت والزادشتية، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية- الحولية الحادية والعشرين- 1422-2001، ص 18-28.

17-د. فؤاد زكريا: نيتشه، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف، القاهرة، ص 133-145.

18- فريدريك نيتشه: هكذا تكلم زرداشت، ترجمها عن الألمانية: علي مصباح، منشورات الجمل، كولونيا -  ألمانيا، ط1، 2007، ص 159 وما بعدها.

19- نفس المصدر، ص 291 وما بعدها.

20- نفس المصدر، ص437 وما بعدها.

21- نفس المصدر، ص 133-137.

22- نفس المصدر، ص 144-149.

23- نفس المصدر، ص 154-158.

24- نفس المصدر، ص 188-198.

25- نفس المصدر، ص 221-230.

26- نفس المصدر، ص 245-248.

27- نفس المصدر، ص 310-322.

 

 

عبد الرضا عليعن دار العارف للمطبوعات ببيروت صدر هذا اليوم الاثنين: (8 ـ 3 ـ 2021م) كتابي النقدي الموفي على العشرين الموسوم بـ {عودة القرين إلى بلاد اللاأين، دراسات في الشعر وإيقاعاته، والسردِ وتقنياته}الذي ارتأيتُ له أنْ يشاركني في تقديمه بعض المحبّينَ من خلال ما كانوا قد أكرموني به من محبَّتهم وهم ينثرونها تعليقاً على بعضِ ما قرأوه لي من دراسات، أو ما سمعوه منّي من حديث يتعلَّق بحرفة الأدب، وقد جاء في تلك المقدّمة ما يأتي: (كان هذا الشيخ العليل ينوي جمع بعض دراساته النقديّة التي كتبها في الشعر والسرد، ولم يتمكَّنْ من ضمِّها بين دفّتي كتاب أن يجعلها ترى النورَ قبل رحيله إلى الرفيق الأعلى بعد أنْ يضيفَ إليها ما كان قد انتقاه من منجزاتٍ إبداعيّة تستحقُّ أنْ يتعهَّدها قلمُه الموضوعيّ بالكشفِ عمّا فيها من منجزاتٍ جماليّة، أو فنيَّة، لكنَّ دخوله المشفى، وما تمخَّضَ عن هذا الدخول من إجراء عمليَّتينِ جراحيَّتين في الصدر المفتوح كانت الأولى قد أُجريت في يوم الاثنينِ 15 – 10 – 2018م لاستبدال صمّام حيواني بصمام قلبه الأبهر، وكانت الثانية في يوم السبت 20 – 10 – 2018م، أي بعد خمسة أيام من الأولى لإنقاذه من الموت الذي كان يقترب منه لولا العناية الإلهيّة بعد توقف رئتيه، وكليته، وكبده عن العمل، وقد بقي فاقداً للوعي مدَّة تسعةٍ وعشرين يوماً، فتعذَّر عليه بعد ذلك أن يكمل مشروعه الثقافي لكونهِ باتَ يعاني من ارتفاعِ في الكولسترول، ونقصٍ في فيتامين B12، وارتفاعٍ في السكَّري، فضلاً عن أنَّ التهابَ المفاصلِ الحاد الذي بدأ يزدادُ يوميَّاً، حتى أضحى لا يستطيعُ المشيَ أكثر من مئتي مترٍ.

لكنَّ ازديادَ الارتجافِ جعله يظّنُّ أنَّ الزهايمر بدأ يقتربُ منه،والدليل ارتجافِ أنامله في كتابةِ ردودِهِ، وتعقيباتِهِ، ورسائلهِ إلى أصدقائه الحانين،

إلى جانبِ أنَّهُ يكتبُ بإصبعٍ واحدةٍ، ويجعل إصبعاً أخرى من اليد الثانية لضغط (الشفت) وهذا ما يؤخرُ تعقيباته، ومداخلاته. لهذا فقد تعرقلت متابعتهُ لما يصدرُ من إبداعٍ حريٍّ بالتحليلِ، والتفسير، والتقييم، وصارَ يخجلُ من نفسِهِ التي لم تعُدْ قادرةً على إقناعِ أصحابِ المروءةِ من الرموزِ الإبداعيَّة بِـقِلَّـةِ تركيزهِ، وتشتتِ ذاكرتهِ.

لكنه قاومَ الانطفاءَ ببعضِ ما كان يكتبه بين الفينةِ والأخرى من دراسات نقديّة استجابةً لنداءِ حرفة الأدبِ التي لازمته منذ شبابه حتى الآن كملازمة الأسقام له، فكانت له قراءات أشادَ بها محبّوه ممَّن كانوا يتابعونه، فاختار بعضَ ما كتبوه، وقرَّرَ أن تكون تلك الكتابات هي التي تقدم هذا الكتاب الذي يظنُّ كلَّ الظنِّ أنه المعزوفة الأخيرة لقيثارته التي تغنَّتْ بالإبداعِ المختلف الرصين.

أمَّا المحبّونَ الذين أشادوا بقراءآته فهم كثر، وهو إذ يختارُ كتابات بعضهم، فليس ذلك تفضيلاً، إنَّما لقربِ هذه الكتابات زمنيَّاً من هذه القراءات،وتجنّباً للإطالة، راجياً من أصدقائه، وصديقاته، وأبنائه، وبناته ممَّن لم يردْ ذكرهُم الطيّب هنا أن يشملوه بعفوهم، وهم (جميعاً) أهلٌ لمحبّتهِ التي ليس لها حدود.

2286 عبد الرضا علي

(1) الشاعر الكبير يحيى السماوي  قال عن دراستي لمجموعة الشاعرة ورود الموسوي (لا أسمع غيري):

(والله ما قرأت دراسة من دراسات شيخ النقاد العلاّمة أ.د. عبد الرضا علي إلاّ وخرجت بما يؤثث خرابي المعرفي بالجديد المبهر وتعلّمت ما كنت أجهله !

أسأل الله أن يمدّ في عمر سيدي أخي وصديقي وأستاذي أبي رافد لننتهل المزيد من معينه.

أهنئ سيدتي الأخت الشاعرة المبدعة ورود الموسوي مرتين: مرةبمناسبة وليدها الإبداعي الجديد، والثانية بهذه الدراسة / الشهادة / الوسام)

**

(2) الشاعر السارد الدكتور قصي الشيخ عسكر:

(كل مقال أو درس تكتبه أو تحليل نقدي يضفي على النص خلودا أبديا وعلى صاحبه امتيازا لأنك دائما تختار النصوص المميزة، ولك طريقتك الخاصة في التحليل، والنقد،والتدقيق يمكن أن نطلق عليه منهج،أومدرسة عبد الرضا عليّ  في النقد.أطال الله بعمرك ونفعنا بعلمك أستاذنا الكريم.)

**

(3)  الناقد الحصيف جمعة عبد الله  قال عن دراستي لمجموعة الشاعرة ورود الموسوي (لا أسمع غيري):

(أستاذنا الكبير تحيّة ومحبّة.

هذه الدراسة النقدية المركزة. نتعلم منها الشيء الكثير في شأن التحليل النقدي المتمكن. لان البعض يتخذ من النقد لمجموعات شعرية ونثرية  مهمة استعراضية لترويج للمجموعة النصية (الشعرية والنثرية)، كما تفعل الشركات في ترويج منتوجاتها باستعراض جودتها.

وهذه الدراسة النقدية في تحليلها المركز. دخلت في دراسة فلسفة النص، وليس في استعراض النص، والفرق كبير جداً. لان فلسفة النص يدخل الى أعماق القصيدة في تشخيص معالم الظاهرة والخفية بالرؤية الفلسفية للنص. في التقنية الفنية والصياغة التعبيرية. واعتقد من خلال هذه الدراسة بأن الشاعرة برعت بذلك في مجموعتها الشعرية، بنصوص مفتوحة.

هذه قيمة التحليل النقدي بفلسفة النص، في هذه الدراسة التحليلة المركزة،  وانت رائداً في اسلوبيتها المنهجية.)

**

(4) الشاعر المختلف جواد الحطَّاب كتب في يوم تكريمي بـ

(درع الإبداع  والتميّز الثقافي):

(الباشا.. عميد النقد العراقي والعربي. والظل العالي الذي تفيّأ الإبداع تحت تشريعاته النقدية. كل وجودك في حياتنا هو تكريم لنا تستحق عليه جوائز الجوائز. ربي يحفظك علم.)

**

(5) الصديق الأديب أحمد الحسيني:

(قد يتعذر على أي إنسان أن يجد نفسه ذائبا في نص ما إلا من كان يمتلك رهافة الحس ودقة الاستماع ونباهة الالتفات...ولعلّي وجدت رهافة الحس ودقة الاستماع ونباهة الالتفات حاضرة لديك أستاذنا المبارك وهي ليس ببعيدة عنك بل هي طوع يديك.

دمت لنا فيضاً روياً سائغا.)

**

(6)  الدكتورة الأديبة  حسناء كاظم:

( عندما يتحدث شيخ النقاد.. فالأحاديث الأخرى تبدو لنا باهتةً.. وينغمس في الحوار فنحلق معه في آفاقٍ رحبة..

البروفسور العلامة الدكتور "عبد الرضا علي" في برنامج "نخيل من بلادي" على قناة العراقية تحدث بشغف العارف عن الجواهري الكبير.. وبسعة أفق المتمكن المتميّز عن اللغة العربية.. والناقد المنصف عن السيّاب ودوره الرائد في الشعر الحديث.. كما تحدث عن قصيدة الشجن العراقي " ياحريمة ".. تحدث عن العراق بذلك الوله الذي لا يعرفه غيرُ العاشقين... شبَّهَ ماء العراق كنبيذ السيد المسيح عليه السلام وطين العراق بكسرة الخبز التي أطعمها لأصحابه في العشاء الأخير واوجز ببلاغته المعهودة أن هذا الطين جسده و ذاك الماء دمه.. انقضى وقت الحوار سريعا وتسمّرتُ أمام الشاشة ظمأى للمزيد...)

**

(7) الصديق الشاعر حسين الغضبان كتبَ ومضةَ محبّةٍ ولا أروع قال فيها:

(اشتهي الحديثَ معك

الكلمات هي الأخرى تريدُ أن تسمعك

ما أروعك !

ما أبدعك !

جمعتَ المحاسنَ كلها في مطلعك..

معلّمي الكبير أعزّك اللهُ وأتمَّ عليك نعمةَ الصحة.

دمت لنا فخراً وعزّا.)

**

(8) الشاعر رعد موسى الدخيلي:

(فمٌ يتفجرُ النقد الأدبي من بين نواحيهِ كما يتفجر الينبوع المنضغط - تحياتي للكبير الكبير جداً أبي رافد الغالي.)

**

(9) الشاعرة، والمربية الأستاذة حسيبة صنديد قنوني:

(معلم الناس وسيد اللغة والأدب والنقد ومازلنا نشتاق إلى سماع أحاديثه الثرية ونظمأ إلى نبع أدبه الرقراق... أطال الله عمرك سيدي الكريم العراقي الأصيل عبد الرضا علي.)

**

(10) الأديبة العربيّة التونسيّة سعاد سالم عريبي:

(دمتَ ودام عزُّكَ  يا عز من عرفكَ، ويا عزيز على قلبي وروحي، فمن عرفك تعطر بجمال روحك، وطيب قلبك، ورقي فكرك، وتركتَ باعماقهِ عبق أصلكَ الكريم...

دمتَ نبراسَ العتمة في زمانٍ ضاع فيه بهاء الحرف.)

**

أمّاَ كلمة غلاف الظهر، فقد كتبها صديقي العلاّمة الدكتور سعيد جاسم الزبيدي الأستاذ في جامعة نزوى بسلطنة عُمان  بعد أنْ قرأ الكتاب، فقال فيه: [ممّا يشدُّني إلى متابعة ما يخطّه قلم الناقد الكبير عبد الرضا عليّ ـ فضلاً عن منجزهِ الإبداعي في نقد الشعر والنثر ـ حيويَّته التي لم تنقطع على الرغم من تكالب الأدواء عليه، وإضافته هذه التي بين يديَّ، في سعيها الحثيث لرصدِ تحوّلات (النصِّ) بين لطافة الإيقاع المنتزع من (مفردات) الشاعر التي يندسُّ فيها، ويلوّنها بمهارة وإبداع، وبنية (الرواية) التي لا يفتأ صاحبنا الناقد في التقاط شعريَّتها، وإن لم يكن هذا هدفه، فهو معنيٌّ بـ(سردها) و(آلياته).

لستُ بصدد أنْ أُمارسَ (نقد النقد) وحاشا أنْ أكون، فلا أرقى إلى هذه المكانة، وإنَّما هو إعجاب بـ: صفاء ذهن صاحبنا، وسلامة قريحته، وبهما واجه محنته التي داهمته، وقابل بهما (غربته) ولم يؤثر (العزلة) ردَّ فعل مثلما فعل (الآخرون)...].

يريد صديقي أنْ يسجِّلَ حضوره الإبداعي الذي امتدَّ أكثر من نصف قرن ـ وأدعوه أنْ يواصل همَّته ـ لنقول معه: إنَّها رحلة إلى (الأين) وليس إلى (اللاأين). فأنتَ (الأين)، وبك (الأين) نقداً وإبداعاً.

إنَّ هذه الإطلالة النقديّة التي وسمها صاحبي بأسلوبه المتأنّق وانسيابيّة العبارة، وطراوتها، أعدُّها إسهامةً تذكِّرُنا بتدفّق عليّ جواد الطاهر، وسحر عناد غزوان،ممَّا يجعل المقالة النقديَّة نصَّاً إبداعيَّاً، به حاجة إلى (تشريحه) ليكون مثالاً يحتذى من حيثُ جملته، وإيقاعه، وتسلسل فقراته.

شكراً لك ـ يا صاحبي ـ على أنْ جعلتني أستعيدُ بك رفقة علميَّة فضلاً عن صحبة صادقة. مدَّ اللهُ بك (الأين) و(الزمن)...]]

**

الكتاب يقع في 193صفحة من قياس الحجم الكبير24x17 ، وسيصل إلى (مكتبة دار العارف بالنجف الأشرف/ شارع الرسول) إذا أرادَ الله خلال الأيام القادمة كما أخبرني الناشر الكريم.

 

ا. د. عبد الرضا علي

 

محمود محمد عليكان فريدريك ويلهلم نيتشه: Friedrich Nietzsche ‏(15 أكتوبر 1844 – 25 أغسطس 1900) شاعراً، وموسيقاراُ، وناقداً اجتماعياً، وعالماً لغوياً، وكاتباً رمزياً، وعالم نفس، وفيلسوفاً، ومربياً. يقول عنه رايت Wright: هو شاعر،وموسيقار، وكاتب مقال، ولغوي كلاسيكي، وفيلسوف " (1)؛ ويقول عنه عبد الوهاب المسيري: فيلسوف علماني عدمي ألماني، أول من عبر بشكل منهجي وصريح عن النزعة التفكيكية في المشروع التحديثي والاستناري الغربي الذي يدور في إطار العقلانية المادية " (2).

ويعد كتابه " هكذا تكلم زرادشت (1905) أعظم ما كتب من وجهة النظر الفلسفية والأدبية والتربوية. ففي هذا الكتاب يعرض نيتشه فلسفته في رمزية غامضة تتحدي القارئ، أن يبلغ إلي تفسيرها أو يقدر مبلغ الحق  فيها، ويقدم هدفه التربوي الذي يتمثل في الإنسان الأعلي، ويضع ملامح برنامج تربوي يعين  علي  تحقيق هذا الهدف . ولا تقل أعماله الأخري إثارة، وإن كانت أكثر انفتاحاً للفهم . يقول محمد المسير: " يعتبر كتاب " هكذا تكلم زرادشت" إنجيل فلسفة نيتشه .. رغم غموضه، ورمزيته، واستطراد حواره، وتعقيد مواقفه) (3)، وقد عرف نيتشه نفسه أهمية كتابه فقال:" إن هذا الكتاب درة وحيدة يعجز عن الإتيان بمثله الشعراء، ولا شئ يساويه في سحر ألفاظه، وعمق أفكاره، ولو جمعنا كل ما شاهده العالم من خير وروح في أعاظم الرجال، لما استطاعوا جميعهم أن يأتوا بحديث واحد من أحاديث زرداشت" (4).

لم يكن نيتشه فيلسوفاً مذهبياً، بل كره المذهبية، والاتساق والنظام، فاشتملت كتاباته علي أنصاف حقائق أو أنصاف أخطاء، غير أنه كان أكثر إثارة من معظم الفلاسفة المذهبيين، ولا يكاد يقرأ أحد أعماله دون أن يفكر فيها تفكيراً عميقاً . ويذهب يسري إبراهيم إلي أن نيتشه كره الأنساق الفلسفية " لعنايتها بالترابط المنطقي وإغفالها للواقع . فالواقع مراوغ وفوضوي، ولا يناسب أي نسق " . ولعل هذا ما يفسر موقف نيتشه من النزعة العقلية الغالبة علي الفلسفات التقليدية التي حاولت جعل الحقيقة كلها في متناول الإنسان .

ولم يقدم نيتشه بناء فلسفياً شامخاً، بل قدم أفكاراً متناثرة، وحكماً مبعثرة، وقصائد شعرية، وأحاديث رمزية،تفتقر إلي النظام وتوهن بالتناقض، ولا يكاد القارئ يدرك الارتباط بينها إلا بإعمال العقل، وكد الذهن، والقراءة المتأنية لكل أعماله . يقول يسري إبراهيم: " إنه (يريد نيتشه) يقدم مجموعة من الأفكار تترابط فيما بينها .. ولكن القالب أو الإطار الذي تتبدي فيه هذه الأفكار يفتقر إلي النظام، وتدب فيه الفوضي " (5) . وترجع صعوبة قراءة نيتشه إلي تناقض عباراته، فكل فكره من أفكاره لها ما يناقضها في بعض أعماله، وإلي طريقة استخدامه للكلمات، فهو يستخدم الكلمة في سياق لتشير إلي معني غير المعني الذي تشير إليه خارج السياق؛ وإلي تعمده الغموض، فهو لا يكتب للقارئ العادي، بل إلي فئة خاصة يناديهم في كتاباته، يقول برتراندرسل: كان نيتشه " مغرماً بالتعبير عن نفسه علي نحو متناقض وصدم القراء التقليديين" (6)، ويقول نيتشه: " من يكتب  بدمه يريد  قراء مجتهدين .. إنني أكره كسالي القراء .. إن أقصر طريق في الجبال هو الطريق الذي يمتد بين القمم، ولكن من يجتاز هذا الطريق يجب أن يكون طويل السيقان . والحكم يجب أن تكون قمماً، وتخاطب الكبار والطوال " . ومعني ذلك أنه لم يكتب لكل الناس، وإنما للخاصة . ويمكن التغلب علي مشكلات التعبير عند نيتشه بالمقارنة النقدية للعبارات وثيقة الصلة بأي موضوع يتناوله (7) .

ولقد أحدث نيتشه ثورات عظيمة في مجال الكفر الإنساني ؛ وبخاصة في الدين والأخلاق، والفلسفة، والسياسة والاجتماع، والتربية، وبشر بثقافة جديدة وإنسان جديد . لقد أدرك  نيتشه تضاؤل اهتمام معظم الغربيين بالمسيحية فأعلن موت الرب، وكان موت الرب حدثاً لا حظه في ثقافة القرن التاسع عشر، حيث ضاقت مكانة الرب فاختفي شيئاً فشيئاً من حياة الناس، وبخاصة بعد الثورة الفرنسية، والثورات العلمية والصناعية، ثمر فكر في النتائج الدينية والخلقية والفلسفية التي ترتبت علي هذا الحدث الجلل . إن موت الرب كان موتاً للآخرة، وإلغاء للإيمان بعالم آخر، وإنكار للازدواجية الثقافية، وأنكر نيتشه الأخلاق القائمة علي أساس الدين أو العقل لأنها تبخس قيمة الهنا، وترفع قيمة الهناك، ودعا إلي أخلاق تقوم علي أساس الحياة والطبيعة الإنسانية فالحياة في رأيه قوة، والطبيعة الإنسانية تسعي إلي القوة، وأطلق عليه كامل عويضة  نبي  فلسفة القوة، وهو العنوان الفرعي لكتابه " فريدريك نيتشه: " نبي فلسفة القوة" (8)، وقسم نيتشه الأخلاق إلي نوعين: أخلاق السادة وأخلاق العبيد قائلاً بصراحة:" هناك أخلاق للسادة وأخلاق للعبيد، وأسارع إلي إضافة أن النظر في الحضارات الراقية والهجينة كلها، يظهر حيناً محاولات تسوية، بين نمطي الأخلاق هذين، ويظهر غالباً خلطاُ بينهما، وحتي في الإنسان عينه وداخل النفس الواحدة . وقد تولد التمييز بين القيم الأخلاقية، إما من صلب جنس غالب، أدرك بالتذاذ امتيازه عن الجنس المغلوب، وإما من صلب المغلوبين العبيد والأتباع علي مختلف الدرجات (9).

فما قصة كتاب " هكذا تكلم زرادشت؟ .. وما ظروف تأليفه؟ .. ولماذا أدرجناه من ضمن الكتب التي لا تُتنسي؟

الكتاب له ترجمتان: الترجمة الأولي صدرت عن منشورات المكتبة الأهلية – بيروت سنة 1938 .. عدد الصفحات 378 صفحة من القطع الكبير .. والطبعة الثانية ... وهذه الترجمة نقلت عن اللغة الفرنسية من خلال فليكس فارس بلغة أدبية رصينة، تحت عنوان " هكذا تكلم زرادشت  كتاب للكل ولا أحد" ؛ بينما كان هناك ترجمة عن الألمانية مباشرة لعلي مصباح في عام 2003، ولكن لغته في الترجمة جافة، تحت عنوان " هكذا تكلم زرادشت  كتاب للجميع ولغير أحد".

وعندما صدرت ترجمة فليكس فارس، تم إعادة نشرها من خلال طبعتين الأولي كانت من خلال مكتبة هنداوي عام 2010 ، وهناك طبعة أخري جديدة صدرت عن المركز القومي للترجمة عام 2014، وفي هذه الطبعة قام الأستاذ مجاهد عبد المنعم مجاهد بتصدير له؛ وقال مجاهد في تصديره: إن مترجم الكتاب راعى أسلوب نيتشه فى التعبير الذى يأتي على شكل ومضة، وأحيانا على شكل جملة ليس لها فعل، أو فاعل، مؤكدا على أن عبارات نيتشه حافلة بالمعنى العميق، ومؤكدا على أن المترجم أبرز فى مقدمته أن نيتشه يريد خلق الإنسان المتفوق جبارا كشمشون وشاعرا كداود وحكيما كسليمان، كذلك اهتم المترجم بالإشارة إلى أن محور الدائرة في فلسفة نيتشه إيجاد إنسان يتفوق على الإنسانية، ومن ذلك عبارته "إنني لم أجد المرأة التي تصلح أما لأبنائي إلا المرأة التى أحبها" مشيرا إلى أن هذه العبارة من أعظم ما كتبه الفيلسوف الألماني (10)؛ أما فليكس فارس، فيشير في تمهيد الكتاب إلى أن "زرادشت"، صدم تيارات الفلسفات المتناقضة منذ نصف قرن فى أوروبا، موجها الإنسان إلى تلمس مواطن القوة فى نفسه (11).

ثم قام الأستاذ " علي مصباح بترجمته عن الألمانية كما ذكرنا في طبعته الأولي في عام 2007 ؛ وذلك ضمن منشورات الجمل، كولونيا (ألمانيا) – بغداد، وقال علي مصباح في مقدمة الكتاب: " لعل الصعوبة الكبري التي يلاقيها مترجم " هكذا تكلم زرداشت " تكمن في ذلك التفرد اللغوي الذي جاء عليه . ويتمثل هذا التفرد في أن نيتشه يكتب هنا لغتين متلاحمتين مندمجتين داخل لغة واحدة: لغة الأناجيل من جهة، وهو اختيار واع لأنه كان يضع نصب عينيه آنذاك غاية محددة من وراء هذا الكتاب الدي حوصل فيه وجمع كل أفكاره الفلسفية التي وردت في كتاباته الأخرى، في شكل أدبي مكثف أراد أن يجعل منه " انجيلاً" جديداً أو "خامساً"، أو انجيلاً معاكساً . وبكلمة واحدة، نقض للأناجيل في كتاب يتكلم لغة الأناجيل (12).

ومن خلال الترجمتين نجد أن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" لنيتشه يمثل رواية فلسفية للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، تتألف من أربعة أجزاء صدرت بين 1883 و1885. تتكون من سلسلة من المقالات والخطب تسلط الضوء على تأملات زرادشت، وهي شخصية مستوحاة من مؤسس الديانة الزرادشتية.

وقد صاغ نيتشه أفكاره الفلسفية في قالب ملحمي وبلغة شعرية، وقدم في كتابه مقاربة للفضائل الإنسانية كما يراها إلا أنه أخذ عليه تمجيده للقوة ؛ حيث يعد نيتشه من أوائل من صاغوا نظرية الرجل الخارق.

والواقع أن نيتشه في هذا الكتاب كان شاعراً أكثر منه فيلسوفاً، إذ قال عنه الأديب الألماني الكبير "توماس مان" بأنه " أفضل ما كتب باللغة الالمانية". كما قال عنه نيتشه نفسه " لقد أوصلت اللغة الألمانية إلى ذروة كمالها". وفي هذا الكتاب كسر نيتشه جميع الحواجز التي وقفت أمامه، وحطم الإيمان بالحقيقة المطلقة، والقيم الانسانية. ومما قاله: " ليس هناك وجود مطلق، وإنما وجود يتكون، وليس هناك تجديد لا نهائي، وإنما عودة ابدية، مثل الساعة الرملية الأبدية للوجود التي تعيد دورتها باستمرار، ولا يحتاج الإنسان فيه إلى شعور رقيق، لأن كل المبدعين يجب أن يكونوا أقوياء الإرادة (13).

وقد ظهرت في هذا الكتاب أول إشارة للنظرية النيتشاويه التكرار الأبدي؛ حيث لخَّص |نيتشه| أفكاره الفلسفية في كتابه: "هكذا تكلم زرادشت" الذي قال عنه إنه "دهليز فلسفته". ويعد هذا الكتاب بحقٍ علامة من علامات الفلسفة الألمانية، فعلى الرغم من مرور أكثر من مائة عام على تأليفه، إلا أنه لازالت لأفكاره صدًى كبير؛ لدرجة أن البعض يعدُّه من أعظم مائة كتاب في تاريخ البشرية. وقد أثرت أفكار هذا الكتاب في مجالات إنسانية عدة كالحرب، والسياسة، والفن؛ فعلى سبيل المثال: كان بعض الجنود في الحرب العالمية الأولى يضعونه في حقائبهم، ويرى أستاذنا الدكتور "حامد طاهر"، أن أفكاره عن "الإنسان المتفوِّق" مثَّلت الأساس الذي قامت عليه الأيديولوجيا النازيَّة فأشعلت الحرب العالمية الثانية. كذلك امتد أثر هذا الكتاب إلى الأعمال الفنيَّة، فكان من أبرزها مقطوعة الموسيقار "ريتشارد شتراوس" التي حملت نفس اسم الكتاب، وفيلم "أوديسة الفضاء" ﻟ "ستانلي كوبريك" (14).

ويمثل الكتاب أحد أهم كتب الفيلسوف الألماني نيتشه، وأكثر الكتب إثارة للجدل، إذ حرص نيتشه (1844 – 1900) أن يناقش فيه قضايا فلسفية، فى قالب ملحمي، وصاغ فيه " الفضائل الإنسانية، كما يراها معبراً عن فكرة الإنسان الخارق أو السوبرمان" (15).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..............

1-وليم كلي رايت: تاريخ الفلسفة الحديثة، المترجم / المحقق: محمود سيد أحمد، دار التنوير، الطبعة الأولى، 2010، ص 384.

2- عبد الوهاب المسيري:  نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر، مجلة الملتقى، العدد 16، 2007، ص 110.

3- محمد سيد أحمد المسير: المجتمع المثالي في الفكر الفلسفي وموقف فلاسفة الإسلام منه، مؤسسة علوم القرآن، دمشق وبيروت، ص 418.

4-فريدريك نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2014، ص 14.

5- يسري إبراهيم: نيتشه عدو المسيح، سينا للنشر، القاهرة، 1990، ص 45.

6- برتراند رسل: تاريخ الفلسفة الغربية، الكتاب الثالث – الفلسفة الحديثة، ترجمة د. محمد فتحي الشنيطي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977، ص 393.

7- عبدالمجيد عبدالتواب شيحة: فريدريك نيتشه فيلسوفاً ومربياً، حولية كلية التربية، جامعة قطر - كلية التربية، س 14 , ع 14، 1997، ص 289.

8- كامل محمد محمد عويضة: فريديريك نيتشه ( نبي فلسفة القوة)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993.

9- نيتشه: ما وراء الخير والشر تباشير فلسفة المستقبل، ترجمة جيزيلا فالور حجار، مراجعة د. مراد وهبة، دار الفارابي، بيروت، لبنان، 2003، ص 257.

10-فردريك نيتشه: هكذا تكلم زرادشت "كتاب للكل ولا لأحد"، ترجمة، تحقيق: فليكس فارس، تقديم: مجاهد عبد المنعم مجاهد، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2014، ص 19.

11- نفس المصدر، ص 23.

12- فردريك نيتشه: هكذا تكلم زرادشت "كتاب للكل ولا لأحد"، ترجمة، علي مصباح، منشورات الجمل، بيروت، لبنان، 2007، ص 14.

13- أنظر مقدمة علي مصباح لكتاب هكذا تكلم زرادشت "كتاب للكل ولا لأحد،  نفس المصدر، ص 9.

14- حامد طاهر: فلسفة القوة بين المتنبي ونيتشه، فكر وإبداع، رابطة الأدب الحديث، الجزء 88، 2014، ص 43-55.

15- سليمة فايد: الدلالات الدينية والفلسفية لفكرة موت الإله عند نيتشه، أماراباك، الأكاديمية الأمريكية العربية للعلوم والتكنولوجيا، المجلد 11، العدد 38، 2020، ص 154-155.

 

 

عبد الله الفيفيقال صاحبي اللدود (ابن أبي الآفاق التراثي)، وما انفكَّ يناقرني في شأن النَّحو العَرَبي:

- القضيَّة الأولى والأخيرة في إمبراطوريَّة النُّحاة التاريخيَّة تتمثَّل في صعوبة متونها، التي هي منبع صعوبة النَّحو، وقد استعصَى علاجها أكثر من استعصاء وضع حدٍّ اليوم لوباء "كُرونا".  ذلك لأنها تأتي مُجمَلةً، متداخِلةً، وبلغةٍ عتيقة، واصطلاحيَّة، على الطريقة القديمة.  وقد استمرَّ المسلسل إلى العصر الحديث، وما زال، ويبدو أنه سيظل.  فليلطف الله بطلبة لغتنا العَرَبيَّة، الذين يكرَّهون فيها ويُصرَفون عنها، بصناعة النُّحاة المتوارثة تلك، التي لا يحبُّون تطويرها ولا المساس بها بنقد!

- كيف استمر حديثًا؟

- انظر، على سبيل المثال في ميدان "الصَّرف"، كيف "حاس" (الشيخ أحمد الحملاوي، عفا الله عنه) كلامه في كتيِّبه "شذا العَرْف في فَنِّ الصرف"، ليُدِيخ وراءه الطلبة، حتى إذا داخوا، احتاجوا إلى مصباح (علاء الدِّين)، ليبزغ عليهم منه شارحٌ هُمام. جاء في موضوع (الفعل الثلاثي المجرَّد): "وعينه إمَّا أنْ تكون مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة، نحو: نَصَرَ، وضَرَبَ، وفَتَحَ، ونحو: كَرُمَ، ونحو: فَرِحَ، وحَسِبَ."  فأين ترتيب الأمثلة من ترتيب الحالات: مفتوح، مكسور، مضموم؟ لا يهمُّ، وليضرب الطالب رأسه في أقرب جدار!

- أ تواصَوا به؟! فقد رأينا مثل هذا التخليط الترتيبي من قبل في "شذور الذهب"، لـ(ابن هشام)!

- بل هم قومٌ لاهون!  وإليك أمرًا آخَر.  هو، مثلًا، أنَّ المؤلِّف يُدرِج (لَبُبَ، يَلْبَبُ) في باب (فَعُلَ، يَفْعُلُ)، ثمَّ يُعقِّب: "والمضارع تَلَبُّ بفتح العَين لا غير!" فما دام بفتح العَين لا غير، فلا يندرج في هذا الباب: (فَعُلَ، يَفْعُلُ)، وكان حقُّه أن يُورَد في باب (فَعِلَ يَفْعَلُ)؛ لأنَّه يَرِد بكسر العَين: لَبِبَ يَلْبَبُ، ويشار هناك إلى وروده بضمِّها أحيانًا. أو أنْ يُجعَل الفعل في بابَين، حسب لُغتَيه، وإنْ قَلَّت إحداهما: باب فَعِلَ يَفْعَلُ، وباب فَعُلَ يَفْعَلُ. فلقد أوردَ بابًا قائمًا بذاته هو باب (فَعِلَ يَفْعِلُ)، وأدرَج فيه ما ذكرَ أنَّه قليلٌ في الصحيح، كثيرٌ في المعتلِّ، مثل: حَسِبَ يَحْسِبُ، بمعنى: "ظَنَّ"، والكثير المسموع: حَسِبَ يَحْسَبُ، بفتح السين، وكذلك: نَعِمَ يَنْعِمُ.  أفلا اتبع منهاجًا واحدًا مع الحالات المتعدِّدة؟!

- أي أنَّه فوق صعوبة علم النَّحو والصَّرف، فإنَّ مؤلَّفاتهما حافلةٌ باضطراب التأليف، وعدم الدِّقَّة في التصنيف؟

- كَذا.. فَليَجِلَّ الخَطْبُ وليَفدَحِ الأَمْرُ ...  فَلَيسَ [لنَفْسٍ لَم تَفِضْ رُوحُها] عُذْرُ!

وكذا فقد أورد أحد عشر فعلًا، تُكْسَر عَينها في الماضي، ويجوز الكسر والفتح في المضارع، زاعمًا أنَّه لم يَرِد في اللُّغة غيرها! ونسي الفعل (نَعِمَ يَنْعِمُ/ يَنْعَمُ)، الذي سبق أن ذكره هو، قبل ثلاث صفحات.

- وأين الشرح والتحقيق؟ أم أين التنقيح والتدقيق؟ أم أين التعليقات والحواشي؟! لقد كان القدماء، إبَّان القرون الوُسطى، يتولَّون شرح معمَّياتهم، التي إنَّما عَمَّوها لكي يشرحوها، كما أريتنا في مساقٍ سابق.  وبعض العمَى أهون من بعض!

- ذلك كان أيَّام الوِراقة والمخطوطات. ولكن منذ أن ظهر مخبز المطابع، اتَّسعت التجارة، واضطرم الجَشَع، وقلَّت القراءة والمراجعة. على أنَّ العَرَبيَّة- من قبل ومن بَعد- لهجاتٌ، كما قلنا مِرارًا، من التكلُّف افتراض ضبطها بصرامةٍ، في قوالب جامعةٍ مانعةٍ، وإنْ حرص أهل اللُّغة. ولم يُغْنِ عنهم خلط النَّحو بالمنطق؛ من حيث إنَّ مَنْطَقَةَ ما لا منطِق رياضيًّا له غير منطقيٍّ أصلًا.

- وماذا بعد؟

- من مصطلحات صاحبنا الحملاوي الملبِسة قوله، في "فصل في معاني صيغ الزوائد"، بأنَّ للهمز "معاني" عشرة حينما يدخل على الفعل. والحقيقة أنها (وظائف) للهمز وليست بمعانٍ له. أي أنَّ الهمزة تُكسِب الفعل تلك المعاني، كالتَّعدية، والصيرورة، والمصادفة، والاستحقاق، وليست بمعانٍ للهمز نفسه.

- وماذا بعد؟

- قل: ماذا قبل؟! خذ عندك كلمة (أفلس): يوردها، رحمه الله، في معنى: صار ذا فُلوس! وأيُّ طالب، مفلس أو غير مفلس، سيضرب هنا أخماسًا بأسداس. وهذا من تعمُّد الإغراب والإلباس على الناس؛ لأنَّ المشهور أنَّ وظيفة الهمزة هنا للإزالة، فأفلس أي: زالت فلوسُه. وعليه الحديث النبوي: "أتدرون مَن المُفلِس...". لكنَّه، كما قلتُ لك، حِرص هؤلاء على قلب دماغ القارئ، بالشواذِّ وغرائب المخلوقات. وإنْ كانت للهمز في هذا الفعل وظيفتان، فلا بأس، وكان يجب أن يتوقَّف المؤلِّف فيوضح، بَيْدَ أنَّه لا يأبَه. بل لقد كان ينبغي أن يورد الهمز في وظيفته المشهورة عن العَرَب، أوَّلًا، ثمَّ يضيف النادر. وهذا ما نعنيه بأنَّ هؤلاء مَرَدُوا على الإغراب، والاستمتاع بلَيِّ أعناق الكلام، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ من حيث لا يُحِبُّون أن يكون ما يطرحون سهل التناول، ولا أنْ يفهمهم القارئ بيُسر، بل لا بُدَّ أن يصدموه بما لا يعرف، بل بما يناقض ما يعرف، وربما تفضَّل أحدهم عليه بعد أن يُصرَع بالشرح لاحقًا، إنْ بقي في العمر بقيَّة، وإلَّا بقي الأمر معلَّقًا. تلك هي اللعبة وأصولها؛ كي يصبح ما يتعاطون عِلمًا غامضًا، عسيرًا، مهيبًا، يتطلَّب تدخُّل جهابذتهم للإسعاف، جيلًا بعد جيل!

- قد يقول لك مدافعٌ عن الأشخاص، وممجِّدٌ للأئمة- وما أكثرهم!- لا عن النحو عينه ولا عن اللغة العَرَبيَّة: تلك حالاتٌ واردةٌ في أيِّ كتاب. والكمال لله وحده.

- وهذا حقٌّ يراد به باطل. لأنَّ هذا يحدث في ميدانٍ يُدَّعَى فيه العِلم الرياضيُّ الدقيق، والمحاسبة على الحرف والحركة ونظام الجملة. على حين تلحظ هنا اختلالًا منهاجيًّا في ضبط التأليف في أيسر صوره. ولا تقلُّ الشروح والحواشي عن المتون التواءً وغموضًا في معظم الحالات، فضلًا عن تشعُّبها وتشريقها وتغريبها. ثمَّ إنَّ ما ننتقده في تلك الكتب ظاهرٌ لكلِّ متصفِّحٍ ناقد، وإنْ لم يكُ متخصِّصًا. ولولاه، لما طالت الشروح، والتعليقات، والحواشي، وحواشي الحواشي، والجدال والصراع.  وإنَّما هدفنا إصلاحها، إنْ أمكن ولزم الأمر، أو تجاوُز ما تجاوزه الزمن منها.

- رحم الله (يزيد بن الحكم الثقفي، -١٠٥هـ= ٧٢٣م)، الذي قال واصفًا هذه المعمعة، ومنذ اندلاعتها الأُولى:

يَصُدُّ الفَـتْرَخَـانِيُّـوْنَ عَنِّي  ...  كما صَدَّتْ عَنِ الشُّرَطِ الجَوَالِـيْ

إذا اجْتَمَعُوا على أَلِفٍ وباءٍ  ...  فـيا لكَ مِنْ قِـتـالٍ أو جِـدالِ !

- الفَتْرَخَة: المبالغة في الشيء والتعمُّق فيه. بل أقول: لولا ذلك كلُّه لما كانت خرافة الصعوبة الاستثنائيَّة التي توصف بها اللغة العَرَبيَّة، والتي ينفيها- رغم كلِّ شيء- تعلُّمُ غير العَرَب العَرَبيَّة أسرع من لغاتٍ أخرى وأسهل، وتفوُّقُهم على أبناء العَرَب.

- السؤال: لماذا لا تعاد تلك المواد النَّحويَّة والصَّرفيَّة في مؤلَّفاتٍ حديثةٍ لطلبتنا في الجامعات ولغيرهم، وبوسائل بيانيَّةٍ معاصرة، من خلال إبداعاتٍ تناسب هذا العصر، كما نجد في لُغاتٍ أخرى؟!

- إبداعات؟!  مسكينٌ أنت، وطيِّب! لن يحدث، يا صاحبي؛ لأنَّه لو حدث- لا قدَّر الله!- لربما أُقفِلت أقسام النَّحو والصَّرف في بعض الجامعات العَرَبيَّة أو كلِّها، وبارت سلعة أساتذتها! لذا لن تجد سِوَى الدفاع المستميت عن ذلك التراث، وإعادة طباعة كتبه، والتمسُّك بها، بعجرها وبجرها، مع محاولة شرحها، في أحسن الأحوال، كرًّا وفرًّا، ليتأبَّد الدوران حولها، كما هي، كأنَّها نصوصٌ مقدَّسة، صالحةٌ لكلِّ زمان ومكان!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

 

عدنان حسين احمدالفيلم ليس "الحدّوتة" وإنما هو تجربة سمعية بصرية مُتقَنة

يأخذنا الناقد السينمائي المصري محمود عبدالشكور في جولة ممتعة وشائقة بين ثنايا كتابه الجديد "كيف تُشاهد فيلمًا سينمائيًّا؟" الصادر عن "دار نهضة مصر للنشر" بالقاهرة. وهي محاولة جدّية لتبسيط الفنون والعلوم السينمائية وتقديمها بسلاسة إلى القارئ غير المتخصص بغية توسيع معارفة ومَداركه الفنية وخلق أواصر جديدة مع شرائح واسعة من المجتمع العربي المتعلّم.

يتضمّن الكتاب سبعة فصول وثبْتًا بثلاثين كتابًا سينمائيًا عربيًا وأجنبيًا لمن يريد النهْل والتوسّع في الثقافة السينمائية.

في كل فيلم ثمة حِكاية أو "حدّوتة" يمكن أن يستشفها المتلقّي الذي يشاهد الفيلم، ويستوعبه ثم يستمتع به، ويفيد منه، لكن هذه الحكاية ليست الفيلم كله، فهناك الأداء، والتصوير، والموسيقى، والديكور، والمؤثرات السمعية والبصرية، واللمسات المونتاجية وما سواها من العناصر الفنية التي تصنع الفيلم، وتقدّمه إلى الجمهور على طبق من ذهب. الفيلم ليس "الحدّوتة" كما يقول الناقد عبد الشكور، وإنما هو "تجربة سمعيّة بصريّة. والحدّوتة هي فقط الغلاف الخارجي للفيلم". ولو لم تكن العناصر السمعية والبصرية مُتقنة أو جيدة الصنع لما وصلت إلينا "الحدّوتة" آخذين بنظر الاعتبار أن الأفلام هي خطابات سمعية بصرية محتشدة بالأفكار والمعاني والأحاسيس البشرية الكامنة وراء الحكايات والقصص السينمائية. وفي كل فيلم ثمة فكرة أو ثيمة مُهيمنة تُعبِّر عن وجهة نظر مُبدِعها ولابد لمُشاهد الفيلم أن يُمسك بها، ويفهمها جيدًا وإلاّ فلتَ من بين يديه الخيط والعصفور معًا. مُشاهدة الفيلم في صالة السينما يشبه تمامًا أداء الصلاة في  مسجد أو كنيسة توفر الطقس الجمعي للعبادة والتأمل والتفكير.

يستعيد الناقد عبدالشكور في الفصل الثاني "قصة السينما" والعروض الأولى التي نظّمها الأخوان لوميير في 28 ديسمبر 1895 في مقهى باريسي للأفلام التي صوّراها وما تخللها من مفارقات ما تزال ماثلة في الأذهان. كان حلم السينمائيين أن تتحرّك الصورة، وأن تخرج عن صمتها، فكان لهم ما أرادوا رغم أن صالات العرض آنذاك كانت توفر عازفين على أجهزة البيانو، وأحيانًا فرقة أوركسترا تعزف موسيقى مصاحبة للفيلم تعوّض عن الموسيقى التصويرية التي نعرفها اليوم.

السينما حقل واسع للتجريب والابتكار

يتوقف المؤلف عند عدد المخرجين الفرنسيين والأمريكيين والروس الذين أحدثوا نقلات نوعية في الفن السابع مثل جورج ميلييس الذي اكتشف الحِيل والخِدع السينمائية المُبهرة، بينما اكتشف المخرج الأمريكي ديفيد ورك غريفيث وسائل السرد السينمائية، أي رواية الحكاية بالصورة والحركة. كما تيقّن هذا الأخير بأن المونتاج هو سرّ السينما. واستعمل تقنية العودة إلى الماضي "الفلاش باك"، وأسلوب القطع بين حدثين يقعان في الوقت نفسه بواسطة المونتاج، أي القطع المتوازي، علمًا بأن الرواية قد سبقت السينما في هذا المضمار واستعملت "الفلاش باك"، وتابعث حدثين يقعان في الوقت ذاته. ومع ذلك يُعدّ غريفيث أول من وضع اللغة السينمائية ليس بواسطة استعماله للمونتاج، وإنما في اكتشاف إمكانيات أحجام المناظر، ودلالات تغيير العدسات. وفي السياق ذاته أشار الناقد عبدالشكور إلى المخرج السوفييتي فسيفولود بودوفكين ومبادئه الخمسة المعروفة في المونتاج وهي "التباين، والتوازي، والرمزية، والتزامن، والجملة المكررة"، ونوّه إلى أن آيزنشتين "يعتبر المونتاج وسيلة لخلق الأفكار أيضًا". لقد تطوّرت السينما "ولم تعد أداة تسلية فقط وإنما أصبحت أداة تعبير وحقلاً واسعًا للتجريب والابتكار".

2269 كيف نشاهد فلمايسلط الناقد الضوءَ على عدد من التيارات والموجات السينمائية الأوروبية مثل "الواقعية الجديدة" التي تألقت على أيدي عدد من المخرجين الإيطاليين مثل لوكينو فيسكونتي وروبيرتو روسلّيني وفيتوريو دي سيكا الذين نزلوا إلى الشوارع والميادين العامة بعد أن دمّرت الحرب العالمية الثانية الأستوديوهات السينمائية. وفي فرنسا ظهرت"الموجة الجديدة" التي تبنّى روّادها "سينما المؤلف" مثل جان- لوك غودار، وفرانسوا تروفو، وكلود شابرول. وفي بريطانيا ظهر تيار "السينما الحرة"، وهي حركة تعنى بالأفلام الوثائقية، وتتفادى الدعاية، ولا تضع الكمال كهدف لها ومن أبرز ممثليها ليندسي أندرسون، كارل رايتس، توني ريتشاردسون، ولورنزا مازيتي. كما ظهرت أفلام مميزة لكبار المخرجين الأوروبيين والأجانب مثل الإيطالي فديريكو فلّيني، والأمريكي أورسون ويلز، والياباني أكيرا كوروساوا، والسويدي أنغمار بيرغمان، والهندي ساتياجيت راي.

جذبت السينما العديد من الكًتّاب والشعراء والروائيين حيث أصبح الشاعر جان كوكتو مُخرجًا، وتمّ إغراء العديد من الأدباء ليكتبوا السيناريو مثل سكوت فيتزجيرالد، وآرثر ميلر، وتنيسي وليامز، وغابرييل غارسيا ماركيز، ونجيب محفوظ.

تتطور السينما بشكل دائم وتُصبح أكثر إبهارًا فقد ظهرت أشكال عرض جديدة مثل السينما سكوب، وسينما البعد الثالث والإيماكس. وهذه التقنيات الحديثة تجعل من الحضور إلى الصالة السينمائية أشبه بطقسٍ ثقافي مقارب للطقس الديني الذي نجده في دور العبادة.

سبع قواعد ذهبية للتعامل مع الفيلم السينمائي

يحدّد عبدالشكور سبع قواعد ذهبية للتعامل مع الفيلم السينمائي وأوّلها أنّ دافع صنع هذه الأفلام ذاتي ويرتبط بمن يصنعها، وليس بالضرورة أن يتفق المُشاهد معها لا من حيث الشكل، ولا من حيث المضمون.

لا تقتصر السينما على نوع واحد وإنما تتكون من مائدة عامرة مختلفة النكهات، ويمكنك أن تنتقي منها ما تشاء. الفيلم السينمائي هو مُنتج فني معقد يقوم على بنية رصينة من العناصر الفنية كالسيناريو  والحوار والتصوير والموسيقى والديكور والإنارة. وقد استعمل الناقد تعبير "البناء" غير مرة في وصف تماسك السيناريو لتعزيز رأي المخرج الفرنسي روبير بريسون الذي يقول:"إن الأفلام العظيمة تشبه الكاتدرائيات في بنائها". وإن نجاح الفيلم يعتمد كثيرًا على قوّة السيناريو ورصانته.

تُعد الذاتية والرؤية الخاصة للفنان هي شرط الفن، وأنّ الفنان لا ينقل الواقع، وإنما يقدّم رؤيته وانحيازاته الخاصة لهذا الواقع.

يعتقد الباحث أنّ السينما والفنون عمومًا تترجّح بين طريقتين في التعبير وهما: التجسيد والتجريد؛ الأول يحاول أن يجسد الأصل، أمّا التجريد فهو يُطلق العنان للمخيّلة، ويسعى إلى التلخيص والاختزال في التفاصيل.

لكل فيلم شكل ومضمون يعبّر عنه، وكلّما تناغما واتسقا أصبح العمل أقرب إلى الجودة. وينبغي للشكل أن يعبّر عن المضمون، ويكون خادمًا له.

يفترض عبد الشكور في القاعدة السابعة والأخيرة أنّ هناك فيلمين يؤثران على المتلقّي في أثناء المُشاهدة؛ فيلم داخلي يدور في عقلك وأفكارك المسبّقة، وحالتك النفسية والعاطفية، وفيلم خارجي يمثل العمل الذي تشاهده على الشاشة. وينصح الباحث بالانفصال عن الفيلم الذي يدور في ذهنك، أو أن تقلل من سطوته وتأثيره إلى أبعد درجة ممكنة.

يتضمّن الفصل الرابع المعنون بـ "الدراما والسيناريو" موضوعات متعددة كالقصة والسناريو والحوار ويؤشر المؤلف إلى أنّ مأزق الفيلم المصري منذ انطلاقته الأولى وحتى الآن هو السيناريو. ثم يقترح علينا خمسة محاور يجب الانتباه إليها في حال كتابة السيناريو وهي تحليل واستيعاب جوهر الطبيعة البشرية الرمادية لأن الإنسان كائن مركّب. وأنّ الدراما أفعال لا أقوال وينبغي على الكاتب أن يتفادى المباشرة والنفس التقريري، ويتجنب استنساخ الواقع، وأن يقدّم رؤية جديدة له، وأن يركّز على وجود الصراع في العمل الدرامي. ويختم عبد الشكور بأن الشكل التقليدي للدراما لا يمنع من التجريب كما فعل بريخت حينما ناقض الدراما الأغريقية، وصموئيل بيكيت حينما هشّم قواعد الدراما التقليدية.

يُورد عبدالشكور أسماء الذين أتقنوا اقتباس الروايات وحوّلوها إلى سيناريوهات سينمائية جيدة مثل يوسف جوهر، وعباس صالح، ومصطفى محرّم، ومحسن زايد، أمّا أبرز من كتبوا الحوار فهم السيد بدير وأبو السعود الإبياري، وبديع خيري، وأحمد رامي، وتوفيق الحكيم وغيرهم. وينصح الناقد عبدالشكور كُتّاب السيناريو أن يستوعبوا فكرة القصة ومغزاها كي يمضوا على هدْيها حتى النهاية، ويضرب مثلاً في هذا الصدد بفكرة "تايتانك" التي تقول "إنّ الحب أقوى من الموت، السفينة غرقت لكن قصة الحُب باقية". ولا يحبّذ أن تُكتب الجملة التعريفية على الأفيش Affiche لأن المتفرّج يجب أن يبذل جهدًا في التعرّف عليها، وأن يتفاعل مع الفيلم بطريقة إيجابية.

المخرج مهندس المبنى، والمونتير هو البنّاء

يشتمل الفصل الخامس على موضوع "المخرج وتوظيف العناصر الفنية"، ولعل من المناسب أن نقتبس هذا المقطع الذي يقول فيه:"الفيلم عمل جماعي يقوده مايسترو، وليس مطلوبًا من المايسترو أن يعزف على كل الآلات، وإنما عليه أن يعرف حدود كل آلة، وكيفية توظيفها في إطار العزف الجماعي للأوركسترا". وبالمقابل دعونا نتأمل رأي المخرج الياباني الشهير أكيرا كوروساوا الذي قال ذات مرة:"هناك أمران يجب أن يفهمها المخرج ويتقنهما تمامًا: كتابة السيناريو والمونتاج". لأنهما أساس نجاح كل فيلم إذا قُيّض له مخرج جيد. وعودًا على رأي الناقد عبدالشكور الذي يقول: "إذا كان المخرج هو مهندس المبنى فإن المونتير هو البنّاء الذي سيقوم ببنائه لقطةً لقطة، ومَشهدًا مشهدًا".

يتضمّن الفصل السادس موضوعات متشعبة عن تكوين الصورة السينمائية والاستعمال الفذ للمكان لعمل تكوين درامي، ومهام الإضاءة وما سواها من موضوعات لكننا سنكتفي بالإشارة إلى فيلم واحد وهو "بين السماء والأرض" لصلاح أبو سيف الذي حشر 15 شخصية في ديكور مصعد تمّ تشييده في الأستوديو وأتاح له التصوير من ست جهات، ويُعدّ من أنجح أفلامه من حيث التقنية وإدخال أكبر عدد من الشخصيات في الكادر الواحد.

ننتقي من الفصل السابع "خمسة أفلام سياسية ماكرة" ونترك جانبًا قواعد قراءة الأفلام التي مررنا على بعضها مثل الإمساك بالفكرة، واندغام العناصر الفنية، والأسلوب الفني الذي يختاره صانع الفيلم. ومن بين هذه الأفلام "عنتر ولبلب" 1951 للمخرج سيف الدين شوكت الذي يعدّه الناقد عبدالشكور من أفضل الأفلام الكوميدية في السينما المصرية، وأذكاها، وأكثرها إمتاعًا. يتألف الفيلم من سبعة مقالب لكن مغزاه السياسي والوطني أبعد من تلك المقالب بكثير. ويرى المؤلف أن فيلم "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين هو فيلم تاريخي من حيث الشكل لكنه سياسي من حيث المضمون، ويعزز فكرة القومية العربية التي تمتد من صلاح الدين الأيوبي إلى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. أمّا الفيلم الثالث فهو "إمبراطورية ميم" 1972 لحسين كمال الذي ينطوي على حكاية مجازية عن معنى السلطة والعلاقة مع الآخر. وفي الفيلم الرابع "على منْ نطلق الرصاص؟" 1975 لكمال الشيخ الذي يتكئ على أكثر من فكرة مهيمنة؛ الأولى حين يتحوّل المجتمع إلى غابة، والفكرة الثانية هي الفساد الذي يفضي إلى العنف والإرهاب. ونختم بفيلم "المواطن مصري" للمخرج صلاح أبو سيف الذي يقول فيه بأنّ الفقراء هم الذين حاربوا في أكتوبر، وأنّ الأغنياء هم الذين كسبوا ثمار الحرب.

يقدّم الناقد محمود عبدالشكور في الفصل الثامن والأخير 30 كتابًا سينمائيًا يحرّض فيه محبي الفن السابع على قراءتها والإفادة منها لأنها تفتح لهم آفاقًا جديدة، وتقرّب السينما إليهم. ومن بين المؤلفين الذين يقترح قراءة كتبهم هاشم النحّاس، صلاح أبو سيف، سعيد شيمي، علي أبو شادي، علي بدرخان، وأحمد الحضري.

لا تستطيع أي قراءة نقدية الإحاطة بكل الآراء والأفكار والمفاهيم التي تتخلل في ثنايا هذا الكتاب، وحسبنا أننا قد أحطنا القارئ الكريم علمًا بأهمّ المحاور التي وردت فيه، ونحرّض المتلقي على قراءته سواء أكان متخصصًا أو مجرد قارئ عادي.

أصدر الناقد محمود عبدالشكور حتى الآن 15 عشر كتابًا سينمائيًا وأدبيًا من بينها "يوسف شريف رزق الله.. عاشق الأطياف"،"سينمانيا"، "كنت صبيًا في السبعينات"، "كنت شابًا في الثمانينات"،"وجوه لا تُنسى"، "أقنعة السرد"، "سينما محمد خان.. البحث عن فارس"، "علي أبو شادي .. في رحاب السينما والثقافة".

 

عدنان حسين أحمد

 

ثامر الحاج امينمنذ زمن ليس بالقريب والسلطة في دائرة اتهام الفلاسفة والمفكرين، فالفيلسوف اليوناني افلاطون الذي عاش قبل الميلاد قال فيها ان (أغلب الناس عند السلطة يصيرون أشرارا)، كما ان دراسات علمية عديدة أجمعت على ان السلطة مفسدة وهذا الاستنتاج قام على نظرية ان السلطة تعمل على تدمير أدمغة البشر بحيث تجعلهم لا يتورعون عن انتهاك حقوق الغير من أجل التشبث بها والاستمتاع بمزاياها، في حين هناك من له رأي آخر فيها، فالرئيس السابق لأوروغواي خوسيه موخيكا  دافع عنها بقوله (السلطة لا تغير الاشخاص، هي فقط تكشفهم على حقيقتهم)، وكل ما قيل فيها من آراء فإنها لا ترقى الى مستوى الجزم في استنتاجها، فتجارب عدد من الدول منها سنغافورة في ظل سلطة (لي كوان يو) وتجربة ماليزيا مع (مهاتير محمد) تكشف ان السلطة ليست مفسدة بل هي وسيلة لتطويرالبلدان ورفاهية شعوبها حيث نهض حكام هذه الدول بمستوى بلدانهم وجعلوها في مصاف الدول المتقدمة بعدما كانت تعاني من الفقر والجوع والأوبئة .

أسئلة كثيرة دارت في رأسي بعد ما انتهيت من قراءة كتاب (سجين في قصره)، وأبرزها: هل السلطة هي التي تفسد الرجال أم الرجال الأغبياء ان وضعوا فيها فانهم يفسدونها؟ وبعض الاجابة غير المباشرة على هذه الاسئلة وجدتها في ثنايا الكتاب المذكور، فكتاب (سجين في قصره) الذي قام بتأليفه الصحافي الامريكي ويل باردينوربر يكشف عن دور السلطة في فضح الاخلاق وقدرتها على تحويل الانسان من كائن وديع الى حيوان مفترس وان فقدانها يكشف عند البعض حالة الضعف التي كان يخفيها جبروت السلطة وادواتها الشرسة، فهذا الكتاب يتناول تفاصيل السنوات والايام الاخيرة التي قضاها "صدام حسين" سجينا في واحدة من قصوره القريبة من بغداد تحت حراسة الجنود الاثني عشر الذين اختارتهم امريكا بدقة واوكلت اليهم مهمة حراسته تحت رقابة مشددة بالكاميرات على سلوكهم اليومي مع الطلب منهم (تجنب التفاعل مع الزعيم المخلوع مع بذل قصارى جهدهم لإبقائه سليما وسعيدا خلال خضوعه للمحاكمة) وكان ايضا محظور عليهم كتابة مذكراتهم او حتى ذكر طبيعة مهمتهم في تواصلهم مع احبائهم في الوطن، لكن المؤلف استطاع بناء التسلسل الزمني لمادة كتابه بالاعتماد على ذكريات الجنود الذين عادوا الى وطنهم بعد انتهاء مهمتهم بتسليم صدام حسين الى الحكومة العراقية التي نفذّت به حكم الاعدام بعد ساعات قليلة من تسليمه، فالكتاب يستند في مادته على روايات هؤلاء الجنود الذين كانوا يحرسونه في قصره ويرافقونه الى مقر محاكمته ويكشفون للمؤلف عدد من المفاجئات عن حياة السجين الكهل ــ  الاسم الذي كانوا يطلقونه على صدام ــ كيف كان يقضي يومه، ماذا يأكل، أي السكائر أحب اليه، البرنامج اليومي لنشاطه، احاديثه اليومية معهم ــ تحت رقابة الكاميرات ــ ماذا كان ينوي فعله لو كُتب له العودة الى السلطة، اشتياقه للمرأة، وتفاصيل اخرى كثيرة تكشف عن سلوك مختلف لصدام حسين لم يألفه العراقي في شخصيته طوال الفترة الطويلة من حكمه، فصدام السجين غير صدام الرئيس فقد جاء في روايات الجنود انه مثل أي شخص اخر عادي يفرح ويحزن، وكان ودودا يخاطب حرسه بـ "صديقي" وعلى قدر عال من العاطفة حيث يذكر مسعفه (أليس) الذي كان مسؤولا عن صحته ومتابعتها يوميا انه عندما قرر الغياب لبعض الوقت والسفر الى امريكا لتفقد حالة أخيه الخطيرة وبدافع اخباره بالحقيقة نابعا من شعوره بالواجب باعتباره المسؤول عن حالة صدام الصحية شرح لصدام اسباب غيابه وقف صدام وعانقه ثم قال "سأكون أخاك"، فهل يمكن للعراقي ان يتخيل هذا السلوك وهذه المشاعر من رجل حكمه بالرعب والحديد والنار طيلة عقود من حكمه؟ اعتقد كل هذا يمكن ان يحدث عند فقدان السلطة، فالاذلال والشعور بالمهانة وضياع المجد كل هذا يولد هكذا حالة من الضعف او الصحوة عند من يفقد السلطة، الكتاب يكشف معلومات كثيرة لم تتداولها الصحافة والاعلام بشأن الفترة التي قضاها صدام حسين تحت حراسة الامريكان فهي تمثل صورة انسان آخرغير صورة النرجسية الطاغية والطموح الشرس والقساوة التي لا تعرف الشفقة تلك الصورة المرعبة التي تركها في أذهان العراقيين  ويمكن ايجاز الانطباعات التي جاءت في روايات الحراس عنه بالنقاط التالية :

* كان صدام حسين لطيفا مع حراسه الامريكان يشاركهم شرب الشاي ولعب الشطرنج ويتعامل معهم تعاملا أبوياً ويعتبرهم أولاده، وبالمقابل كانوا يسعدون بإرضائه وقليل الطلبات على نحو مثير للاستغراب والجميع كانوا يجلبون اشياء له لم يكن يطلبها .

* كان يفرح لأصوات اطلاقات النار البعيدة والانفجارات التي تهز المنطقة المحيطة بسجنه ويعتبرها دليلا على المخلصين له ويرى انهم سيحاولون في نهاية المطاف تحريره، كما انه لم يكن يشعر بأي قلق من انه سيعدم، كان يعتقد ان ما يجري له مجرد فترة ازعاج مؤقته وانه سيحكم العراق مجدداً  .

* لشدة حرص الامريكان على حياة صدام حسين فانه في ايام محاكمته كان يجري نقله بالمروحية بلاك هوك ذهابا وايابا بين المحكمة ومكان احتجازه في القصر، واذا كان هناك يوم او يومين فقط بين جلسات المحاكمة، كان الحراس الامريكيون يبقون صدام في سرداب اسفل قاعة المحاكمة لتجنب تعريضه لمخاطرة غير ضرورية .

* عندما تلقى قرار الحكم  بالإعدام وكنوع من الازدراء المغرور استخف صدام بالحكم بقوله  (لقدحُكم علي بالموت سابقا، ولم يحدث ذلك ابدا) يقول آدم روجرسون ــ احد حراسه ــ انه حتى عندما أصبح موته شبه مؤكد ظل صدام مقتنعا بأنه " سيخرج ويتزوج مجددا وان كل هذا سيُلقى خلف ظهره، كان واثقا مائة بالمائة .

* في ايامه الأخيرة طلب مشاهدة فيلم (الآم المسيح) وبعد مشاهدته له على جهاز الدي في دي المجهز به من ضمن ادوات الترفيه أسّر لحارسه جيف برايس بانه افضل فيلم شاهده في حياته .

* في اللحظات التي سبقت اقتياده الى منصة الاعدام واثناء جمعه لحاجياته الشخصية نادى صدام على هتش ــ اقرب الحراس له ــ وقدم له ساعته ريموند ويل غالية الثمن التي كان يفضل  ارتداءها في قاعة المحاكمة وعندما اعتذر الاخير عن قبول الهدية لأسباب تتعلق بالقواعد الصارمة التي تحكم سلوكه مع السجين قال له صدام (اريدك ان تأخذها .. انت صديق طيب) .

* طلباته الى حراسه كانت تنقل عبر مترجمه جوزيف وهو امريكي لبناني 53 عام والذي كان يشاركه تدخين السيجار والدردشة معه بحميمية ظاهرة وعن طريق المترجم كان صدام يسأل حراسه عن اصلهم (من يا عمام).

* مكان احتجازه يضم اثاثا بسيطة عبارة عن طاولة وكرسي ودراجة تدريب ثابتة للتمارين الصباحية يسميها حصانه الصغير ويقوم المسعف بقياس ضغطه بعد الجهد المعتدل وراديو قديم مسيطر على برامجه مع اوراق وكتب  في القانون .

* يذكر المسعف أليس انه عند  كل زيارة لصدام كان يجده دائما مرتديا احدى دشداشتيه (واحدة بيضاء والاخرى رمادية) وكان يغسلهما بيديه ويجففهما تحت شمس بغداد في منطقة استراحته كل يوم  .

 * كان يكتب القصائد ويهديها الى حراسه .

 في الأخير وفي ضوء تجارب الشعوب أجد ان الخلل لا يكمن في السلطة انما في الانسان الذي يمسك بها ويدير مؤسساتها  فمنه تستمد نجاحها وعليه يقع فشل ادارتها مع الثابت انه (عندما يصل الناس إلى السلطة، لا تتوقّعوا منهم أن يتصرّفوا بشكلٍ مختلفٍ تماماً عن سلوكهم من قبل، فالطيّبون لن يصبحوا طغاةً بين ليلةٍ وضحاها، كما أن الحمقى لن يتحوّلوا إلى حكماء، وإذا أردتم معرفة معدنهم الحقيقي راقبوا تصرّفاتهم بعيداً عن عدسات الكاميرا والأضواء).

 

ثامر الحاج امين

 

ميثم الجنابيفلسفة النموذج التاريخي الثقافي (2)

إن كل الصور التاريخية الثقافية العامة لتجارب الانماط الثقافية القديمة والمعاصرة لمختلف الأقوام، شكلت بالنسبة لدانيليفسكي المقدمة "التحضيرية" التي حاول من خلالها رسم ملامح الاحتمال والإمكانية الواقعية للنمط الثقافي السلافي، بوصفه نموذجا جديدا ومستقبليا. بمعنى البحث في الشخصية الروسية والسلافية العامة عما يمكنه أن يكون دليلا على مقدمات تحقيق النموذج السلافي الثقافي. وجعل من تحليل هذه الشخصية عبر نشاطها في الميادين الأربعة الكبرى أسلوبا لذلك، بمعنى رؤية احتمال النمط الثقافي السلافي من خلال تتبع انشطته في كل من الدين، والثقافة، والسياسة، والنظام الاجتماعي الاقتصادي. فهو الأسلوب الذي يمكنه الكشف عن فهم وتوقع مسار النمط التاريخي الثقافي السلافي.

النمط التاريخي الثقافي السلافي

فقد كان الدين، كما يقول دانيليفسكي، المحتوى الأكثر أهمية وهيمنة في الحياة الروسية القديمة. وينطبق هذا على العالم المعاصر أيضا. إذ اعتنق الروس الدين النصراني بصورة مباشرة وحرة بسبب السخط والتمرد على الوثنية وعدم الرضا بها والبحث الحرّ عن الحقيقة. فما يميز الشخصية الروسية هو عدم القبول بالعنف والإكراه، والاتسام بالوداعة والتواضع والاحترام، أي كل ما يجعلهم أكثر وفاقا مع المثل الأعلى للنصرانية. وهي الشخصية التي تميز جميع الشعوب السلافية، باستثناء البولنديين الذين جرى حرف مسارهم الروحي بأثر إجبارهم على اعتناق الكاثوليكية والابتعاد عن السلافية صوب الغرب. وإن تاريخ النصرانية الأرثوذوكسية وتعاليمها ومبادئها، بوصفها الصورة الصحيحة للنصرانية الأولى أو الخالصة، هو أيضا الوجه الآخر لباطن الشعب الروسي والسلاف بشكل عام. من هنا استنتاجه عن أن الجانب الديني للأنشطة الثقافية المميز للنمط الثقافي السلافي بشكل عام والروسي بشكل خاص، هو جزء لا يتجزأ من ثروته الخاصة سواء في مجال البنية النفسية للشعوب السلافية أو في مجال حمايتهم لأرث الحقيقة الدينية.

أما الجانب المتعلق بالنشاط السياسي، فإنه هو الآخر يعكس مضمون وتجارب الروس وتبلور شخصيتهم الثقافية. والسؤال الجوهري هنا يتعلق فيما إذا كانت الشعوب السلافية قادرة على صنع دولها ومن ثم استقلالها السياسي، بوصفه أحد القوانين الأساسية لإرساء أسس النمط الثقافي الخاص. وبغض النظر عما تواجهه الشعوب السلافية من نقص في هذا المجال، بمعنى أن الكثير منها وقع تحت النير الأجنبي ولم تتوفر له بالتالي إمكانية بناء دولته الخاصة، فإن ذلك لا يعطي لمن ينتقدهم حق الأحكام القطعية بهذا الصدد. بمعنى عدم قدرة الشعوب السلافية على بناء انظمتهم السياسية. لاسيما وأن الكثير من الشعوب السلافية أسسوا دولهم الكبيرة. بمعنى إن هذا النقص الجزئي والعابر لا يمكنه أن يكون أساسا لأحكام قطعية. فهناك الكثير من الشعوب التي مرت بمراحل انعدام الدولة. وهو ما يمكننا رؤيته على مثال الألمان وغيرهم من الشعوب الأوربية غير السلافية. وعموما، إن الحكم القائل بالعجز السياسي للسلاف هو إما نتاج سوء النية أو في أفضل الأحوال نتاج سوء البصر والبصيرة. فالظاهر الملموس والحياة الفعلية تجبرنا على الاعتراف بما اسماه دانيليفسكي، بالمستوى السياسي الرفيع على مثال الدولة الروسية وحدها. وإذا تمكنت روسيا لوحدها فقط من الحصول على دولتها القوية مقارنة بالسلافيين الآخرين، فإن ذلك مرتبط بخصائص الشعب الروسي الجوهرية وكذلك بسبب موقعها الجغرافي البعيد، الذي أعطى لها إمكانية المرور بأشكال تطورها الأولية بعيداً عن التأثير المزعج لنمط الحياة الأوربية الغريبة. بل نرى دانيليفسكي ينظر بتفاؤل عميق حول مستقبل النمط الثقافي السلافي، بما في ذلك في الميدان السياسي. بحيث نراه يتوصل إلى حكم يقول، بأن السلاف هم من بين أكثر الشعوب موهبة بالمعنى السياسي بين الجنس البشري، والذي وجد نموذجه الأعلى في نشوء وتطور وقوة الدولة الروسية. واعتبر هذه الصفات المميزة للدولة الروسية ليست إلا جانب واحد فقط من النشاط السياسي. وهناك جوانب أخرى تؤيد بمجمعها على أن الشعب الروسي يتسم بالموهبة الفعلية بالمعنى السياسي الدقيق. وسعى للبرهنة على ذلك من خلال دراسة التاريخ السياسي الروسي وفكرة الدولة ونظامها الخاص والعلاقة بين الشعب والسلطة وجوانب أخرى عديدة. والاستنتاج العام الذي توصل إليه في ما يخص قوة الدولة وجبروتها وخصوصية الشعب الروسي يشير إلى أن الشعب الروسي موهوب بالمعنى السياسي. وإن تاريخ السلاف يكشف عن أن الابتعاد عن الأصول الثقافية للنزعة السلافية سوف يؤدي إلى انكسار شخصيتهم بما في ذلك السياسية.

أما ما يخص النظام الاجتماعي- الاقتصادي، فإن روسيا هي الدولة الشاسعة الوحيدة التي تمتلك أرضية صلبة تحت أقدامها، كما يقول دانيليفسكي. ووجد ثباتها وقوتها وعطاءها بهذا الصدد يقوم في نمط حياتها الفلاحي وحيازة الأرض الجماعية، التي تجعل الطبقات الاجتماعية أكثر تحفظاً على عكس ما يهدد أوروبا من الاضطرابات. واعتبر هذه الخاصية السليمة للنظام الاجتماعي الاقتصادي في روسيا هي التي تشكل السبب الذي جعله يعتقد بما اسماه بالأهمية الاجتماعية والاقتصادية العالية للنمط التاريخي الثقافي السلافي.

وعندما واجه السؤال المحتمل والواقعي عما إذا كان بإمكان النمط التاريخي الثقافي السلافي أن يحتل مكانه البارز بالمعنى الثقافي والدقيق لهذه الكلمة، فإنه اجاب عليه بطريقة تقترب من اليقين الجازم. وانطلق في ذلك مما اسماه بانجازات الشعب الروسي. ومع انه يقرّ، بأن انجازات الروس والشعوب السلافية حتى زمنه تبدو ضئيلة في ميادين العلوم والفنون مقارنة بما قام به النمط اليوناني والأوروبي، إلا أن ذلك يبقى في نهاية المطاف مرتبطا بسبب تأخر ظهور الكيان السلافي من الناحية الزمنية مقارنة بأوربا. وحدد الفرق بينهما بأربعة قرون منذ بداية الانتقال من الحياة الإثنوغرافية إلى الحياة التاريخية، حسب مصطلحات دانيليفسكي. وهي فكرة دقيقة وعميقة. بمعنى انه يفرّق بين الزمن التاريخي والزمن الثقافي.

التجربة الروسية وآفاق النمط الثقافي السلافي

واتخذ دانيليفسكي من التجربة الروسية نموذجا لتوضيح واقع وآفاق النمط الثقافي السلافي. إذ أكد على أن بداية بناء الدولة وتطورها المستقل، بوصفها المقدمة الأولية والجوهرية لنشوء النمط الثقافي قد استغرقت بالنسبة لروسيا حوالي ألف سنة. بينما احتاجت الشعوب الأوربية الغربية إلى هذا القدر من الوقت لكي تحل أضعف المهمات التي وقفت أمامها. فقد تطورت الدولة الروسية وتصلب عودها بسبب طبيعتها الجغرافية، وموقعها بين قوى خارجية تهددها من كافة الجهات. من هنا الاهتمام المفرط والضروري بالنسبة لفكرة الدولة القوية ومركزيتها. ومن ثم حدد طبيعة نظامها السياسي ونفسية الشعب الروسي وذهنيته.

إن خصوصية التاريخ الروسي في بناء الدولة المركزية القوية فقد أدى بمرور الزمن إلى بلورة نفسية اجتماعية وذهنية قومية محكومة بالدولة ومؤسساتها. مما أدى بدوره إلى إضعاف الحصيلة الثقافية. وينطبق هذا على بعض الدول السلافية أيضا. مع أن المعطيات جميعا تؤكد على امتلاك روسيا والسلاف عموما على ما يكفي من القدرات والمواهب الطبيعية. ويمكن العثور عليها أيضا في ظهور أسماء لامعة عند الشعوب السلافية في مختلف فروع العلوم. كما يمكن رؤية ذلك في الإبداع الأدبي الروسي الذي يرتقى إلى مصاف عالية يمكن مقارنتها بأرقى الأعمال الأدبية الأوروبية. وبرهن دانيليفسكي على استنتاجه هذا من خلال التطرق إلى إبداع الكثير من الشخصيات الأدبية الروسية الكبرى. وبرهن على أفكاره بهذا الصدد من خلال تشريح اللوحة الفنية الكبرى لايفانوف (قدوم المسيح) أو (ظهور المسيح للقوم). فقد استفاض في إبراز الأعماق الفكرية والروحية في اللوحة من اجل البرهنة على أن الفن الروسي الكبير هو الآخر تعبير عن خصوصية الرؤية الثقافية الروسية أو نمطها السلافي. والشيئ نفسه يمكن قوله عن النحت والموسيقى. وتوصل بأثر تحليله العميق لمختلف مجالات الإبداع الأدبي والفني إلى استنتاج يقول، بأن النمط الثقافي السلافي قد قدّم الكثير في مجال الفن، لكن القضية تختلف في مجال العلوم والتطور العلمي. وهي حالة عابرة مرتبطة، كما يقول دانيليفسكي، بمرحلة الشباب التي يمر بها النمط الثقافي السلافي.

كما شدد دانيليفسكي على ما يمكن دعوته بالنزعة المستقبلية المتفائلة للنمط الثقافي السلافي. بل اعتبره النمط القادر على تقديم توليف مبدع لجميع جوانب الأنشطة الثقافية. بل وافترض إمكانية أن يكون النمط السلافي أول نمط تاريخي ثقافي متكامل بأسسه الأربعة المتعلقة بأشكال النشاط والإبداع. وربط ذلك أولا وقبل كل شيئ في كيفية حل "المسألة الشرقية" التي كانت تعادل في أفكاره ورؤيته السياسية آنذاك الصراع بين روسيا وأوربا. ووضع هذه الفكرة واستنتاجاتها بصورة بلاغية لاهوتية، تقول، بإنه إذا كان التيار الرئيسي لتاريخ العالم قد بدأ من مصدرين على شواطئ النيل القديم، واحد سماوي إلهي عبر أورسليم وتسارغراد (قيصرغراد أو القسطنطينية)، الذي بلغ صيغته الصافية النقية في كييف وموسكو، فإن الآخر دنيوي بشري والذي وصل بمجذافين وهما الثقافة والسياسة مرورا بأثينا والإسكندرية وروما صوب بلدان أوروبا. وعلى الأراضي الروسية يجري صناعة المفتاح الجديد لهيكل اجتماعي اقتصادي يوفر العدالة للجميع. وعلى امتداد السهول الشاسعة للسلافية ينبغي لهذه الروافد أن تلتقي في خزان واحد واسع. وأنه يؤمن، بأن تلك الساعة آتية لا ريب فيها.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيفلسفة النموذج التاريخي الثقافي (1)

ووضع دانيليفسكي حصيلة افكاره في نقد الغرب والمركزية الغربية (الاوربية) وكذلك نقد التقليد الروسي للغرب في اساس محاولته النظرية لجعل التيار السلافي الإثني والهلامي تيارا سلافيا سياسيا ثقافيا. ووجد هذا التأسيس في تنظيره لما اسماه بالنموذج السلافي وخصوصيته، أي ذاك الذي يمكن أن يرتقي إلى مصاف النمط التاريخي الثقافي الخاص. وكان القصد من وراء ذلك بالنسبة له هو تكثيف كل ما توصل إليه من استنتاجات نظرية من أجل تأسيس مضمون النمط التاريخي الثقافي السلافي وتحديد ماهيته، باعتباره نمطا خاصا ومستقلا لا علاقة له بالنموذج الأوربي اللاتيني - الجرماني.

من هنا انطلاقه مما اسماه بالمهمة الأساسية القائمة أمامه، ألا وهي الإجابة على أسئلة أولئك الذين لا يؤمنون بأصالة الثقافة السلافية ويعارضونها بالأسئلة المتعلقة بطبيعة هذه الحضارة ومكوناتها وإبداعها العلمي والفني والمدني وما إلى ذلك. وللإجابة على هذه الأسئلة، سعى دانيليفسكي إلى ما اسماه بمهمة تحديد الأنشطة العامة المميزة لكل نمط تاريخي ثقافي عبر إرجاعه إلى مقولات عامة ومقارنة ما توصل إليه كل نمط منها. ومن خلال هذه المقارنة يمكن معرفة طبيعة ومضمون الميول الثقافية التي يستطيع السلاف تجسيدها في حياتهم التاريخية. ومن خلالها يمكن الكشف عما يمكن توقعه منهم في المستقبل، في حال بلوغ غايتهم في الاستقلال السياسي الكامل والوحدة السلافية، أي تحقيق القانون الثاني والرابع من تطور الأنماط التاريخية الثقافية. (انظر المقال الثاني من هذه السلسلة).

وقد حصر دانيليفسكي ما اسماه بالمقولات العامة لنشاط الحياة التاريخية بأربعة أصناف عامة وهي كل من النشاط الديني، والثقافي، والسياسي، والاجتماعي الاقتصادي، والتي تعادل عنده بمجموعها معنى كلمة الثقافة والحضارة.

ويتضمن النشاط الديني علاقة الإنسان بالله، وكذلك مفهوم الإنسان عن مصيره ومصير من ينتمي إليه بوصفها علاقة أخلاقية غير قابلة للتجزئة في موقفها من المصير المشترك للبشرية والكون.

أما النشاط الثقافي فيتضمن علاقة الإنسان بالعالم الخارجي بمستوياتها الثلاثة وهي كل من العلاقة النظرية العلمية، والعلاقة الجمالية الفنية، والتقنية الصناعية.

أما النشاط السياسي فيشمل علاقات الناس في ما بينهم بوصفهم أعضاء وحدة وطنية واحدة، وكذلك علاقة هذا الكلّ الموَّحد بوصفه جزءاً من نظام أرقى في موقفه من الشعوب الأخرى.

أما النشاط الاجتماعي الاقتصادي فيحتوي على علاقات الأفراد المتبادلة ليس بوصفهم كيانات معنوية وسياسية، بل كأشخاص يتعاملون من اجل استخدام مواد العالم الخارجي.

واعتبر دانيليفسكي الثقافات الأولية التي تندرج فيها كل من المصرية والصينية والبابلية والهندية والإيرانية هي ثقافات أولية وأصلية. غير أن أي منها لم يكشف عما انجزه وحققه في ما يخص أشكال النشاط الأربعة المذكورة1. الأمر الذي يجعل منها ثقافات تمهيدية كما يقول دانيليفسكي. بمعنى، أن مجالات النشاط الأربعة المذكورة كانت مختلطة فيها، ومن ثم لم يبرز كل من الدين والسياسة والثقافة والتنظيم الاجتماعي الاقتصادي فيها بصورة مستقلة. فالأعمال الفلكية للكهنة الكلدان والهندسة بالنسبة للمصريين، على سبيل المثال، كانت تحتوي على نفس ما تحتويه الطقوس الدينية. وفي الصين التي كانت تتميز بالواقعية والنزعة العملية، فقد أدى إلى غلق الباب أمام تغلغل وجهات النظر الدينية العرفانية. لكن ذلك لم يمنع تداخل الدين مع مجالات النشاط الأخرى. بينما كان الدين أرقى وأعلى من كل نشاط آخر في الحضارة العبرانية فقط. فقد كان الدين بالنسبة لها هو المبدأ الشامل. وظل هذا الدين مستقلا ولم يخالطه شيء بحيث ترك بصماته على كل نشاط آخر. ومن ثم جرى إهمال جميع الجوانب الأخرى للنشاط. لهذا لم ينتج اليهود أي شيء يستحق اهتمام معاصريهم. إذ لم يأخذوا العلم من جيرانهم البابليين والمصريين. وفي مجال الفنون لم يزدهر سوى الشعر الديني. أما في المجالات الأخرى كالنشاط الفني وكذلك في مجال الصناعة والمهن فقد كانوا ضعفاء للغاية. بحيث لم يكن بإمكانهم بناء معبد إلههم يهوه دون اللجوء إلى مساعدة الفينيقيين. لقد كان الهيكل السياسي للشعب العبري ناقصًا للدرجة التي لم يكن باستطاعته حماية استقلاله ليس فقط من جانب الدول القوية مثل بابل وآشور، بل وحتى من جانب الشعوب الكنعانية المتناثرة2 .

وكما كانت الثقافة اليهودية دينية خالصة كذلك كان النمط الهيليني نمطا ثقافيا. إضافة لهذا كان أيضا نمطا يغلب عليه الطابع الفني الثقافي. وأمام هذا الجانب من التطور الذاتي انحسرت بقية الجوانب. كما أن النوع الرومي هو الآخر يتصف بنمط تاريخي ثقافي أحادي الجانب كما هو الحال بالنسبة لليوناني والعبري. فقد طور النمط الرومي بنجاح كبير الجانب السياسي للنشاط البشري، وأهمل الجوانب الأخرى، أو أنها ظلت ضعيفة وجزئية. وكما كان الحال في اليونان، فإن العبودية في روما تشكل أساس النظام الاجتماعي. أما النشاط الثقافي بالمعنى الدقيق للكلمة فقد كان ضعيفا في مجال العلم والفكر الفلسفي والفنون. والاستثناء الوحيد هنا للهندسة المعمارية. بمعنى إن روما لم تبدع أي شيء أصيل في هذه المجالات. وما قيل عن دين الإغريق ينطبق أيضا على الرومان. فهو الآخر فقير من حيث مضمونه الداخلي وخال من العقيدة ومنظومة القواعد الأخلاقية العميقة وليس لهم كتابهم المقدس، كما يقول دانيليفسكي.

ومن هذه المقدمة حاول دانيليفسكي التأسيس للفكرة القائلة، بأن الحضارات التي أعقبت الثقافات الأصلية البدائية (الأولية والتمهيدية حسب مصطلحاته) قد طورت الأنشطة الثقافية بصورة أحادية الجانب. فالعبرية طورت الجانب الديني، واليونانية الجانب الثقافي، والرومانية الجانب السياسي. لهذا ينبغي تصنيف الحضارات العبرية واليونانية والرومية تحت عنوان الحضارة ذات الأساس الواحد، أو البعد الواحد3 .

حدود النمط الأوربي ونقد أصوله الذاتية

ووضع هذا الاستنتاج الذي لا يخلو من دقة نسبيا في أساس التفسير العقلاني للنمط الثقافي الأوربي (الرومي الجرماني، أو اللاتيني الجرماني) ودوره الخاص والمتميز في تجاوز الإبداع الحضاري الواحد، أي ذاك الذي طوّر هذا الجانب أو ذاك من جوانب النشاط الإنساني وبالأخص الديني والثقافي والسياسي. بينما بقي الجانب الاجتماعي الاقتصادي في حالة متدنية أو بسيطة. ومأثرة النمط التاريخي الثقافي الأوربي يقوم أولا وقبل كل شيء في تطوير هذا الجانب من النشاط الإنساني إضافة إلى تنشيطه كافة أشكال النشاط الأخرى. وبهذا يكون قد تفوّق على من سبقه بشكل كبير. وهو حكم تاريخي وثقافي دقيق. أما التطور الخاص للنمط الأوربي هنا، فليس هو في الواقع سوى التطور الاجتماعي الاقتصادي البرجوازي، الذي كسر اغلب قيود وقواعد التقاليد والمفاهيم والقيم القديمة عبر نفيها بمنظومة نشطة هي منظومة الرأسمال والتقدم الانتاجي والعلمي. بمعنى انه استطاع نقل أوربا من نمط الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي.

غير أن دانيليفسكي بحث عما اسماه بالكوامن الذاتية للشعوب الجرمانية اللاتينية، أي الشعوب التي تكوّن بؤرة الوجود الأوربي التاريخي الثقافي. ووجد هذه الكوامن أولا وقبل كل شيء في تميزها بالعنف وحب القوة والتسلط. ووجد في هذه الصفات الجوهرية المميزة للشخصية الأوربية القوة الفاعلة والنشطة التي تفسر أسباب وطبيعة تراكم هذا النمط التاريخي الثقافي الخاص. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العنف المميز لطبيعة هذه الشعوب النشطة، والبذور المنثورة على أرضية خصبة لحب السلطة والتسلط المميز لها بدأ من روما ونظام الدولة الرومي، أثره في إثارة العقبات أمامهم. كما كان له دوره في تذليلها. فقد جرى تشويه حقيقة النصرانية من خلال تشويه المفهوم الأساسي لمعنى الكنيسة عبر تحويلها إلى كيان استبدادي ديني سياسي للكاثوليكية. إذ ترافق استبداد الكنيسة هذا مع الاستبداد الإقطاعي المتجذر في طابع الشخصية الجرمانية العنيف وكذلك مع استبداد السكولائية المتجذّر في الموقف السائد من أشكال العلم القديم. الأمر الذي جعل من تاريخ أوروبا صراعا لا هوادة فيه، بحيث انتهى في نهاية المطاف إلى ثلاثة اشكال من الفوضى: الفوضى الدينية التي تجسدت في البروتستانتية التي جعلت من يقين الشخصية الفردي أساس اليقين الديني؛ والفوضى الفلسفية أي المادية التي بدأت تتخذ طابع الإيمان وتحل محل الاعتقاد الديني في العقول؛ وأخير الفوضى السياسية والاجتماعية كما نراه في التناقض بين الديمقراطية السياسية الآخذة بالاتساع والاقتصاد الإقطاعي4 .

ووضع هذه الاستنتاجات في أساس حكمه الجازم والقائل، بأن الفوضوية هي مبشر ونذير التحلل والانحطاط. من هنا لا يمكن اعتبار المساهمة الأوربية مساهمة حية بالنسبة لكنز التراث العالمي. كما لا يمكن النظر إلى النمط التاريخي الثقافي الجرماني الرومي على انه نموذج ناجح للجوانب الدينية والاجتماعية الاقتصادية للنشاط الثقافي. بينما يختلف الأمر بالنسبة لنشاطها السياسي. ولعب هنا تميزها بالعنف والقوة وحب التسلط إلى أن تنتشر في مختلف بقاع العالم. وفي الوقت نفسه استطاعت ترسيخ نظامها الخاص في العلاقات السياسية والاجتماعية والحقوق. وبهذا تكون قد استطاعت الجمع بين القوة السياسية للدولة والحرية الداخلية. والشيء نفسه يمكن قوله عن إبداعها في مجال العلوم والمعرفة والإنتاج. فقد بزّ النمط الثقافي الأوربي جميع من سبقه في هذه الميادين. غير أن إبداعه الثقافي بقي في نهاية المطاف، كما يقول دانيليفسكي، ثنائي القاعدة. والمقصود بذلك هو أن إبداعه ظل محصورا أساسا بالجوانب العلمية والصناعية. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

1- تفتقد هذه الفكرة أو التقييم العام للدقة العلمية والتاريخية والحضارية. فمن الناحية المجردة يمكن الحديث عن ثقافات تمهيدية. غير أن هذا المصطلح والفكرة لا تنطبق على الحضارة. وذلك لأن الحضارة المتكاملة بذاتها هي كل واحد متجانس بمعاييره الذاتية، أي منظومة متكاملة تحتوي على جميع الأنشطة الحياتية الإنسانية، وبما يتوافق مع مرحلتها التاريخية الثقافية. أما الاستعمال الممكن لهذا المفهوم فينطبق على تلك الثقافات وحضاراتها التي تنشأ ضمن سياق وحدتها التاريخية والجغرافية والإثنية كما هو الحال بالنسبة للحضارة السومرية والبابلية والآشورية وحضارات وادي الرافدين (العراقية السورية)، ولحد ما العراقية والإيرانية، واليونانية والرومانية. بينما يكف هذا الاستعمال النسبي للتطبيق على الحضارة الهندية والصينية. أما بالنسبة لأشكال النشاط التي أوردها دانيليفسكي، فإنها تحتوي على نمطية أيديولوجية أكثر مما تعتمد على دراسة دقيقة ومعرفة تاريخية موثقة بالحضارات المصرية والصينية والبابلية والهندية والإيرانية. وذلك لأن هذه الأنشطة ضرورية ومتكاملة في جميع هذه الحضارات حالما يجري النظر إليها من داخلها وبما يتناسب مع الإحاطة العميقة والكبيرة بما فيها. فالحضارة المصرية لها إبداعها الديني الكبير والأخلاقي والجمالي، ولها نشاطها العلمي الهائل في الرياضيات والهندسة والطب والكيمياء والفسلجة والفلك وغيرها من العلوم، كما أن نشاطها الاقتصادي والاجتماعي هائل في مجال العمران والزراعة والتجارة، وكذلك نظامها السياسي وثقافتها الخاصة بمختلف مستوياتها وجوانبها. وينطبق هذا بنفس القدر على الحضارات الهندية والصينية والبابلية.

2- إن هذه الأحكام المتعلقة بالعبرانيين اليهود دقيقة، ولكن ليس ضمن التحديد الثقافي لهم باعتبارهم أمة منتجة لحضارة، بل لكونها لم تبدع حضارة، من هنا البقاء ضمن اطار وهيمنة الفكرة الدينية. رغم ان لهذه الظاهرة والحالة إشكالاتها الأخرى. وذلك لأن افتراض جوهرية الفكرة الدينية في الشخصية العبرانية اليهودية لا يستقيم مع هيمنة الروح الربوي فيهم.

3- إن حصيلة معارف دانيليفسكي القليلة وغير الدقيقة بالحضارات الأخرى جعله يسقطها أو يتجاهلها. فالحضارات السومرية والبابلية والصينية والهندية هي أعرق ممن جرت الإشارة إليه.

4- تحتوي هذه الصيغة في الموقف من تاريخ الصيرورة الأوربية الحديثة ونمطها الثقافي الجديد على طابع تأويلي أكثر مما هو تفسير تاريخي واقعي. فالتاريخ الفعلي وتحولاته التي جرت في أوربا لم تؤدي إلى الفوضى بل إلى نظام جديد يتسم بقدر هائل من العقلانية. وفيها كانت تجري على خلفية ما يحدده دانيليفسكي من العناصر الثقافية الكامنة في الشخصية الأوربية، من آثار تحتوي بقدر واحد على إبداع أصيل وتخريب عالمي يلازمه. وهو انتقاد ثقافي دقيق. بمعنى انه لم ينظر إلى المسار الأوربي الداخلي والخارجي على انه مأثرة إنسانية ولم يحشر كل ذلك بمعايير الرؤية الاقتصادية وقيمتها بالنسبة للتطور الحديث. بمعنى انه لم يستطع تفسير المسار الطبيعي للمرحلة السياسية الاقتصادية وخصوصية منطقها الثقافي، لكنه يلامس الكثير من جوانبها بنظرة ثاقبة وحدس مستقبلي.

 

 

ضياء نافعصدر الجزء الثاني لكتاب – (الادب الروسي والعالم العربي) بقلم المستشرقة الميرا علي زاده عن معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية عام 2020، ولكن – ومع الاسف الشديد – بعد موتها، اذ انها رحلت عام 2019 عن عمر يناهز 79 عاما . لقد صدر الجزء الاول من هذا الكتاب عام 2014 (انظر مقالاتنا الخمس بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي)، والذي  يعّد  واحدا من أهم المصادر الاساسية حول الادب الروسي في العالم العربي وتاريخ العلاقات العربية الروسية الادبية، وكيف تناول الادباء والباحثون العرب الادب الروسي منذ اواسط القرن التاسع عشر والى بداية القرن الحادي و العشرين، وهو جهد علمي هائل وفريد من نوعه في مجال العلاقات الثقافية العربية – الروسية  أنجزته المرحومة الميرا علي زاده  طوال سنين طويلة من عملها في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية . لقد تحدثت المستشرقة  في الجزء الاول  من كتابها  عن  نتاجات  الادباء الروس  في القرن التاسع عشرمن  بوشكين وتورغينيف وتشيخوف ...الخ، اما الجزء الثاني من هذا الكتاب، فكرّسته للحديث عن تولستوي ودستويفسكي فقط. 

يقع الجزء الثاني لكتاب – الادب الروسي والعالم العربي في 382 صفحة من القطع المتوسط . ويحتوي على فصلين،  الفصل الاول بعنوان – ليف تولستوي غازي الشرق العربي ويتضمن اربعة أقسام هي – على مشارف المجد في العالم العربي (نهاية القرن 19 – اوائل سنوات القرن العشرين)، ثم، تولستوي فنانا في مركز اهتمام الادباء العرب في السنوات 1920 – 1940، ثم، الترجمات الجديدة والنقد في النصف الثاني للقرن العشرين، ثم، تراث تولستوي الابداعي في الشرق العربي في القرن الحادي والعشرين . الفصل الثاني من الكتاب بعنوان – حياة وابداع دستويفسكي بعيون العرب، ويتضمن خمسة أقسام هي – الترجمات الاولى (بداية القرن العشرين)، ثم،التاثير على الادباء العرب في سنوات 1920 – 1940، ثم، ابداع دستويفسكي  بتفسير وترجمات الباحثين  العرب في سنوات 1950 – 1990، ثم، علاقة القراء في سنوات 1970 – 1990، ثم، دستويفسكي والادب العربي في نهاية القرن العشرين – وبداية القرن الحادي والعشرين . وتاتي بعد ذلك قائمة بالمصادر (من ص 331 الى ص 365) وهي باللغتين الروسية والعربية مع ملحق خاص بالمجلات العربية . وتختتم المستشرقة الميرا علي زاده كتابها بقائمة لاسماء الاعلام التي وردت في الكتاب (من ص 365 الى ص 382)، ثم تأتي الخلاصة للكتاب باللغات العربية والانكليزية والفرنسية  .

من الواضح للقارئ (حتى من هذا العرض السريع لفهرس الكتاب) سعة هذا الجهد العلمي الكبير، الذي بذلته المستشرقة المرحومة، وكيف انها استطاعت فعلا ان تغطي مرحلة زمنية واسعة من النشاطات الفكرية، التي قام بها الادباء والباحثون العرب لتعريف القارئ العربي بانجازات الادباء الروس الكبار، ولا نظن، ان هذه السطور الوجيزة يمكن ان تفي هذا الكتاب حقه، ولهذا، فاننا نريد ان نقترح – قبل كل شئ – ان يكون هذا الكتاب مرجعا اساسيا في كل الاقسام الروسية في جامعات العالم العربي، مرجعا يستخدمه اساتذة تلك الاقسام في عملية تدريس مادة الترجمة الادبية في الدراسات الاولية والعليا (من الروسية الى العربية وبالعكس) لطلبتهم، واتمنى ان يكون هذا الكتاب يوما ما مصدرا محوريا لاطروحة ماجستيرعندنا،  تتناول موضوع تاريخ العلاقات الثقافية العربية الروسية  .

  نحاول - في ختام هذا العرض الاوليّ الوجيز جدا للكتاب -  الاشارة فقط الى بعض الاسماء العربية التي وردت فيه، والتعليق قليلا على ما جاء حولهم في هذا العمل الموسوعي  . الاسم الاول، الذي نتوقف عنده هو طه حسين عميد أدبنا وأجيالنا، فقد أشارت المستشرقة الى كتابه الموسوم - (صوت باريس) الصادر عام 1943 في القاهرة، حيث كتب فيه انطباعاته عن تولستوي، وترجمت الى الروسية مقاطع مهمة من ذلك الكتاب . الاسم الثاني هو سامي الدروبي، الذي أشارت اليه المؤلفة في ثمانية مواقع  في كتابها، اذ كيف يمكن الكلام عن دستويفسكي في العالم العربي دون التوقف عند سامي الدروبي، الذي نحت لنفسه تمثالا عربيا شامخا من نتاجات دستويفسكي . الاسم الآخر الذي اريد التوقف عنده هو حياة شرارة ، الرمز الابداعي الساطع  لقسم اللغة الروسية الحبيب في جامعة بغداد، فقد اوردت المستشرقة  ما كتبته حياة شرارة حول تولستوي بسبع صفحات كاملة..... وكان بودي طبعا ان اتوقف – ولو سريعا - عند اسماء اخرى من المبدعين، لكن العين بصيرة واليد قصيرة   يا اكرم فاضل وعلي الشوك ومحمد يونس ومحمود احمد السيد و نجيب المانع وبقية اسماء  الادباء والباحثين  الكبار من العراق ومن البلدان العربية الشقيقة الاخرى، الذين ورد اسمهم في هذا الكتاب ...

الرحمة والغفران  للمرحومة الميرا علي زاده (1940 - 2019)، والصبر والسلوان لنا جميعا على هذه الفاجعة  التي اصيبت بها حركة الاستشراق الروسية، وسيبقى اسمك خالدا  يا  الميرا  علي زاده، لأنه يرتبط ببحوثك وكتبك التي تحوّلت الى مصادر اساسية دائمية في حدائق مكتبة العلاقات الثقافية العربية – الروسية ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

عز الدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية الغربية. وتم التعاطي مع المسألة بشكل غلب عليه طابع الإثارة وافتقر إلى الروية. جرى في غالب الأحيان تصوير العالم العربي بمثابة فضاء طارد ومعاد لمكوناته الدينية غير العربية وغير المسلمة إمعانا في تجريده من رصيده الخلقي. والصورة فيها تلاعب فجّ لا ينصف المتضررين، مع حصول انتهاكات فظيعة بشأنهم في الفترة الأخيرة، ولا تردع الظالمين، بل تسيء إلى العرب أيما إساءة. هذا الكتاب الذي نتناوله بالعرض يأتي ضمن موجة الانشغال بأقليات البلاد العربية لاسيما منها المسيحية. وقد آثرنا عرضه نظرا لخطورة مضامينه، ولما يُعبّر عنه من مواقف تجاه التاريخ المشرقي عامة والواقع السياسي العربي راهنا، ولما يحوزه مؤلفه من موقع داخل حاضرة الفاتيكان. فهو من تأليف الكردينال فرناندو فيلوني، من مواليد 1946 بمندوريا الواقعة جنوب إيطاليا. الرجل يُعتبر من الوجوه البارزة لدبلوماسية حاضرة الفاتيكان، حيث شغل منصب القاصد الرسولي في العديد من المناطق خارج أوروبا، في إيران وهونج كونج والصين والفلبين والبرازيل، فضلا عن تقلّده مهام دبلوماسية في الأردن والعراق. بالإضافة إلى تولّيه مناصب حساسة في حاضرة الفاتيكان، حيث يشغل، منذ العام 2011، منصب مفتش أنجلة الشعوب، وهي أعلى الهيئات المعنية بالتبشير على نطاق عالمي.

يتساءل فرناندو فيلوني في مستهل كتابه عن مدى قدرة الوجود المسيحي في العراق على الثبات مستقبلا أم سيكون مصيره الاندثار على غرار الأقلية اليهودية؟ محاولا الإجابة عن ذلك السؤال من خلال إعطاء قراءة ذات طابع سياسي لما أحاط بالعراق خلال الحقبة الحديثة، وتأثير تلك الأوضاع على مسيحيي البلد. والكتاب يهدف بالأساس إلى بناء أواصر صلة بين الكنيسة العراقية والكنيسة الكاثوليكية، أكان ذلك في التاريخ القديم أم في التاريخ الحديث، ليخلص من خلالها إلى صياغة تاريخ للكاثوليكية في العراق. إذ لا يأتي الكتاب متابعة لتاريخ المسيحية في العراق بشكل عام، حتى وإن عاد المؤلف بذلك إلى رجالات التبشير الأوائل مع القديس توما والتلميذين آداي وماري.

يتناول الكردينال فيلوني في الفصل الأول من الكتاب تاريخ الجماعات المسيحية الأولى في العراق، مفسرا دواعي انعزال الكنيسة العراقية -على حد زعمه- التي تشكل مكونا هاما من مكونات المسيحية المبكرة الوارد ذكرها في (سفر أعمال الرسل2: 9). حيث يذهب إلى أن مسيحية القرون الأولى في العراق كانت خارج نطاق سيطرة روما والقسطنطينية، وقد كانت تلك الاستقلالية اللاهوتية ناتجة في البدء عن نهْل مباشر من الأصول المسيحية، وليس لأسباب سياسية وجغرافية، كون العراق في منأى عن الصراعات الجارية على ضفاف المتوسط. ليتابع المؤلِّف في الفصل الثاني الحديث عن تاريخ الكنيسة في العراق إلى حدود القرن السادس عشر، ويتخلل ذلك تناول الحضور العربي والمغولي والعثماني وذلك بدءا من منتصف القرن السابع الميلادي مبرزا مدى تأثير كل حقبة على الوجود المسيحي. ثم يركّز فيلوني في الفصل الثالث على حضور الكنيسة اللاتينية في أرض الرافدين، حيث يتناول مختلف أنواع التواصل طيلة الفترة المتراوحة بين القرن الخامس عشر والقرن التاسع عشر. ثم يخصص الفصل ما قبل الأخير إلى أحداث القرن العشرين، متناولا تاريخ العراق الراهن وما تخللته من اضطرابات سياسية طيلة الحروب التي خاضها نظام البعث وحتى احتلال العراق من قِبل الأمريكان وظهور ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية داعش. لينتهي في الفصل الخامس والأخير إلى العلاقات الرابطة بين الكرسي الرسولي في روما والعراق.

2263 الكنيسة في العراقضمن الباب الأول ينطلق كتاب فيلوني بعرض عام للحضور المسيحي في العراق، يأتي غائما وغير دقيق في عديد المواضع لافتقاره إلى الطابع التحليلي واعتماده أسلوب السرد والحشو للأحداث، يهيمن فيها تصوير للمسيحية العراقية تصويرا يغلب عليه طابع الفتنة والهرطقة والحال أن تطور اللاهوت طبيعي أن ينشأ في ظل انشقاقات عقدية، وإن افتقر إلى سند سياسي على غرار السند الروماني الذي رافق المجامع المسكونية الأولى في الغرب. حيث لعبت السلطة الرومانية دورا فاعلا في عقد المجامع وفي قراراتها، مثل مجمع نيقية (325م) ومجمع القسطنطينية (381) ومجمع إفسس (431) ومجمع خلقيدونيا (451م)، وهي المجامع التي أرست أركان المعتقد الثالوثي. حيث تجري كتابة تاريخ مسيحيي العراق في كتاب فيلوني من منظور غربي، باعتبار كافة أشكال الحكم التي شهدها العراق تحت حكم الفرس، والعرب، والمغول، والعثمانيين، وإلى حين تشكل الدولة العراقية الحديثة هي أشكال احتلال مارست ألوانا من الضغط والقهر على الشخصية العراقية المسيحية. وهي قراءة قاصرة على إدراك طبيعة حلقات تاريخ المجتمع العراقي لتجعل الفرز على أساس ديني هو المقياس العام المحدد.

والجلي أن ثمة صفحة من تاريخ مسيحيي العراق أُسقطت من الخلاصة التاريخية التي حاول فيلوني تقديمها عن هوية العراق المسيحية. فلو عدنا إلى تاريخ البدايات نلحظ أن التهديد البيزنطي المستمرّ على المنطقة، ما كانت مسيحية العراق والشام، ممثلة في النساطرة واليعاقبة، قادرة على الصمود في وجهه، ولا بوسعها الحفاظ على كيانها وخصوصياتها الدّينية المستقلّة من دون حضور الإسلام، وهو الأمر ذاته الذي واجهه أقباط مصر. يقول ميخائيل السرياني في الشأن، وهو بطريرك السريان الأرثوذكس في القرن الثامن عشر، في مؤلّفه التاريخي الضخم: "لأن الله هو المنتقم الأعظم، الذي وحده على كلّ شيء قدير، والذي وحده يبدّل ملك البشر كما يشاء، فيهبه لمن يشاء، ويرفع الوضيع بدلا من المتكبّر. ولأن الله قد رأى ما كان يقترفه الرّوم من أعمال الشرّ، من نهب كنائسنا ودُورنا، وتعذيبنا بدون أيّة رحمة، أتى من الجنوب ببني إسماعيل، لتحريرنا من نير الرّوم... وهكذا كان خلاصنا على أيديهم من ظلم الرّوم وشرورهم وأحقادهم واضطهاداتهم وفظاعاتهم نحونا...". وهو تقريبا ما يلتقي فيه مع الحسن بن طلال في كتابه "المسيحيّة في العالم العربي" (1995)، حين يذهب إلى أن فترة حصول الانشقاق بين القسطنطينية وروما، كان قد مرّ على خضوع المسيحيين في مصر والشام والعراق للحكم الإسلامي قرابة أربعة قرون. وبقي، من بين هؤلاء المسيحيين، الملكانيون وحدهم في مصر والشام موالين لبيزنطة، وعلى علاقة موصولة بها سياسيا وكنسيا، كما كانوا من قبل. أما أتباع مذهب الطبيعة الواحدة (الأقباط واليعاقبة)، وكذلك النّساطرة في العراق، فكانت بيزنطة بالنسبة إليهم مصدر اضطهاد لا غير. ولذلك رأوا في الحكم الإسلامي خلاصا من جور بيزنطة، فأبدوا استعدادا للتعاون معه منذ البداية. وهناك من يشير إلى أن الموارنة كانوا في عداد المسيحيين الذين رحّبوا بحلول الحكم الإسلامي محل الحكم البيزنطي بالشام، خصوصا بعد أن صدرت قرارات المجمع المسكوني السّادس عام 680م، وتبع ذلك حدوث الافتراق الكنسي بين الموارنة، والملكانيين في أبرشية أنطاكية.

لا يخلو كتاب فيلوني من روح الهيمنة التي رافقت كنيسة روما ونزعتها للتمدد، ضمن ما يُعرف بالنزعة المسكونية، لإخضاع كنائس العالم. ولكن صراعات السّيطرة على سدّة التّراتبية داخل الكنسية ينبغي ألاّ تخفي أن حوادث الانفصال ومطالب الاستقلال لبعض الكنائس، التي قابلها تلويح بالحرمان واتهام بالهرطقة، ما كانت ذات صلة بالمفاهيم العقدية المجرّدة، بل بحثا عن تحرر سياسي من التحالف الوثيق بين العرش والمذبح (أي الدولة والكنيسة). لذلك عند مراجعة تاريخ الكنيسة لابد من الحذر من مصادرة الحقيقة المغيَّبة، التي غالبا ما طمستها نعوت البدعة، والهرطقة، والمنحولة، والأبوكريفية، وغير القانونية، وهي إقصاءات أيديولوجية لطالما وُظِّفت للطّعن في الأطراف المعارضة لإلغاء مشروعيتها، استدعتها الكنيسة المهيمِنة ضدّ من خالفها الرأي. وقد غرق فيلوني طيلة الفصلين الثاني والثالث في هذا الانحياز لكنيسة روما دون مراعاة خصوصيات كنائس الشرق، معتبرا كل ما لم يرُق للكنيسة الكاثوليكية بدعة، ولو كانت تلك العقائد معبّرة عن الواقع الشّرقي ورؤيته وتصوّراته للمسيحيّة. إذ اعتبَر صاحب كتاب "الكنيسة في العراق" المرقيين هراطقة، وهو خطّ لاهوتي دعا إليه بريلّوس البصري، من بصرى الشام، في الولاية العربية الرّومانية، خلال القرن الثّاني. وملخّص رأي صاحبه أن المسيح خال من أي مسحة إلهية في ذاته، ولا ألوهية إلاّ ألوهية الآب التي حلّت فيه. كما اعتبر الأريوسيين الموحِّدين -أتباع الكاهن أريوس، الذي عاش في بداية القرن الرّابع. م- هراطقة، وقد انتشر مذهبه في شمال إفريقيا وامتد إلى الشام والعراق، والذي عُقِد لأجله مجمع نيقية الشهير سنة 325م. والأمر نفسه مع الآشوريين، الذين عدّهم هراطقة، وهم نساطرة رفضوا المذهب الرّوماني وشقّوا عصا الطاعة. وتعود نسبتهم إلى ثيودوروس المصيصي، المدعو نسطور، وهو ينحدر من أسرة آرامية عربية نزحت إلى شمال الشّام من بلاد العراق، التابعة في ذلك العهد إلى الدّولة الفارسية الساسانية، وقد مات نسطور بعد خلعه في المنفى، في صحراء مصر الشرقية.

على العموم لم يكن تاريخ الكنيسة الرومانية في المشرق صفحة نقية كما يصوره فيلوني. فقد شاب العلاقة اضطراب لم ينته عند إكراه كنائس المشرق على الاعتراف بهيمنة روما، بل شرعت كما يرى جورج خضر، مطران جبل لبنان للرّوم الأرثوذكس، في تحوير لاهوتي أنشأت بموجبه كنائس تابعة، فكان من الآشوريين الكلدان الكاثوليك في العراق، ومن الأرثوذكس الرّوم الكاثوليك، ومن الأرمن الأرثوذكس الأرمن الكاثوليك، ومن السّريان الأرثوذكس السريان الكاثوليك ("مجلة المسرّة" بيروت، 2004، ص: 72-73).

وكما يورد فرناندو فيلوني بدأ التطلع مجددا إلى ربط كنيسة العراق بروما في الفترة الحديثة مع إنشاء مطرانية بغداد سنة 1632 وتشكيل أول لجنة رسولية في سوريا خاصة بالشرق الأوسط سنة 1762. كان الغرض البعيد من ذلك إيجاد سبيل لاختراق الدولة العثمانية النافذة وتحصين مسيحيي المشرق من مخاطر البروتستانتية. لتتطور مخططات الكنيسة الغربية في العراق في فترة لاحقة إلى رهان على المدرسة كأداة لخلق شخصية مسيحية عراقية مرتبطة بروما، وقد حاز اليسوعيون قصب السبق في هذا منذ العام 1931 من خلال بعث "الجمعية التربوية العراقية الأمريكية" التي خولت لها وزارة التربية العراقية إنشاء أول مدرسة، ستتطور في السنوات اللاحقة إلى ما يُعرف بـ"معهد بغداد" 1932 و"جامعة الحكمة" 1956. لكن الإشكال الماثل، أن تعليم الإرساليات التبشيرية في المشرق عامة ما كان دعما للطوائف المحلّية وربطا لها بواقعها وتعريفا لها بأصولها، بل هدفَ أساسا إلى ربط ولائها بالخارج. يصف جبران خليل جبران هذا الواقع الناتج عن تعدّد الولاءات الثّقافية والسياسية في مطلع القرن الفائت، ضمن كتاب "صفحات من أدب جبران" لنبيل كرامة (ص: 61-62)، قائلا: "في سوريا مثلا كان التعليم  يأتينا من الغرب بشكل الصّدقة، وقد كنّا ولم نزل نلتهم خبز الصدقة لأننا جياع متضوّرون، ولقد أحيانَا ذلك الخبز، ولما أحيانَا أمَاتنا. أحيانا لأنه أيقظ جميع مداركنا ونبّه عقولنا قليلا، وأماتنا لأنه فرّق كلمتنا وأضعف وحدتنا وقطع روابطنا وأبعد ما بين طوائفنا، حتى أصبحت بلادنا مجموعة مستعمرات صغيرة مختلفة الأذواق متضاربة المشارب، كل مستعمرة منها تشدّ في حبل إحدى الأمم الغربية وترفع لواءها وتترنم بمحاسنها وأمجادها. فالشاب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أمريكية، تحول بالطبع إلى معتمد أمريكي، والشاب الذي تجرّع رشفة من العلم في مدرسة يسوعية صار سفيرا فرنسيا، والشاب الذي لبس قميصا من نسيج مدرسة روسية أصبح ممثلا لروسيا".

يتناول فرناندو فيلوني في القسم الأخير من الكتاب مسائل راهنة تتعلّق بمسيحيي العراق، خصوصا في ظل النزيف الديموغرافي الحاصل، حيث تراجعت نسبة المسيحيين من 5 بالمئة، أي بما يعادل مليون و 400 ألف مسيحي قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003، إلى حوالي 2 بالمئة اليوم. والجلي ما يطبع مسيحيي العراق من تنوع طائفي: أرمن وآشوريين وكلدان وسريان، كما تخترق تجمعاتهم الإثنية تباينات مذهبية: أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وإنجيليون، اعترف القانون العراقي باثنتي عشرة طائفة منها. ويبقى تمركز جلّ هؤلاء، قبل الأحداث الأخيرة التي شهدها البلد، في بغداد وأربيل والموصل. وكما يشير فيلوني، يبقى تكتل الكلدان يميل إلى الشراكة اللاهوتية مع الكنيسة الكاثوليكية، في حين ينحو تكتل الآشوريين إلى تشييد كنيسة عراقية محلية. وأما تكتل السريان، الأقل عددا من الكلدان والآشوريين، فهو ينقسم إلى سريان كاثوليك وسريان أرثوذكس؛ في حين الأرمن فهم إلى الكاثوليك أقرب. وعلى العموم فالملاحظ أن بنية مسيحيي العراق الاجتماعية ليست بنية عشائرية ما جعل تشكيل عصبية داخلية بينهم ضعيفا بقصد خلق نوع من التكتل الواقي، وهو ما أبقاهم عرضة للتهديدات بشكل مستمر. وإلى جانب مشاكل الداخل، تجابه كنيسة العراق مشاكل أخرى متأتية من الخارج تتمثل في الكنائس العابرة للقارات، وهي كنائس متمرسة بالتحكم في اقتصاد المقدّس على مستوى عالمي، على غرار الإنجيليات الجديدة والكنائس التقليدية الكاثوليكية والبروتستانتية، والتي تحاول ابتزاز المستجير بسلخه عن هويته. لا نقدّر أن كنيسة جريحة، كحال كنيسة العراق اليوم، في ظل تهديد حقيقي لوجودها، قادرة على رفع تلك التحديات بمفردها ما لم يحصل تكاتف ووعي بأن ثروة التنوع الثقافي والديني في البلاد العربية هي ثروة الجميع.

 

الكتاب: الكنيسة في العراق.. التاريخ والتطور والإرساليات التبشيرية من البدايات إلى الراهن.

تأليف: فرناندو فيلوني.

الناشر: مكتبة حاضرة الفاتيكان (روما-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2021.

عدد الصفحات: 255ص.

 

عزالدين عناية

جامعي تونسي مقيم بإيطاليا

 

 

عدنان حسين احمدثمة كُتب تموت إثرَ ولادتها القيصرية مباشرة لأنها تحمل بذرة فنائها في داخلها، وهناك كُتب يمكن أن تعيش وتعمّر طويلاً لأنها تحمل بذرة حياتها الإبداعية في أفكارها، وثيماتها، ومقارباتها الفنية التي يتداخل فيها المبنى والمعنى. وكتاب "قصة السينما في مصر" للناقد السينمائي سعدالدين توفيق الصادر عن "دار الهلال" في القاهرة سنة 1969 هو من نمط هذه الكُتب الحيّة التي يمكن لها أن تعمّر طويلاً  لثراء مضمونها، وعمق رؤيتها النقدية، وسلاسة أسلوبها السردي الذي يتماهى مع الموضوعات التي يعالجها بلغة حيّة نابضة تشعر بحرارتها بعد مرور أكثر من خمسين عامًا على كتابتها بحيث يخالجك الشعور وكأنها كُتبت الآن وخرجت توًّا من المطبعة!

يتألف الكتاب، الذي يقع في 180 صفحة من القطع المتوسط، من مقدمة وسبعة فصول مستوفية للموضوعات التي تناولها الناقد السينمائي الراحل سعدالدين توفيق، طيّب الله ثراه. وما إن يشرع المتلقّي بقراءة المقدمة التي كتبها المؤلف بصيغة استفهامية يتساءل فيها: هل ولد فنٌ مصري جديد بعد أربعين عامًا من الإنتاج السينمائي الذي أُنجز في الأعوام الممتدة بين1927 و1969بحيث بلغ رصيد السينما المصرية 1500 فيلم روائي؟ إذ اعتبر الناقد أنّ السينما المصرية قد بدأت فعليًا بفيلم "ليلى" الروائي الطويل الذي صدر في 16 نوفمبر 1927، وهو من إخراج عزيزة أمير، وإستيفان روستي، وأمير عُرفي الذين اشتركوا في التمثيل إضافة إلى آسيا داغر، وحسين فوزي، وأحمد جلال سالم وآخرين.

لا ينفي سعدالدين توفيق أن السينما المصرية قد انطلقت قبل عشر سنوات من ذلك التاريخ لكن التجارب التي أُنجزت قبل فيلم "ليلى" لم تكن سوى محاولات بدائية تفتقر إلى النضج الفني، وهي في مجملها أفلام قصيرة أنجزها مغامرون، بعضهم أجانب، لا يمتلكون رؤىً فنية تؤهلهم لإنجاز أفلام سينمائية ناجحة.

يعتقد توفيق أن الفيلم المصري طوال تلك العقود الأربعة لم يخلق بصمتهُ الخاصة مثل الفيلم الياباني أو الهندي أو الإيطالي أو الفرنسي، والسبب لأنه لا يتوفر على أسلوب سينمائي مصري، ولا ينفرد بنكهة خاصة تُميّزه عن بقية الأفلام العالمية التي تحيل مباشرة إلى بلدانها. وبَغية الإجابة على السؤال الإشكالي يدعونا الناقد إلى متابعة "قصة السينما في مصر" خلال أربعة عقود منذ انطلاقتها الأولى حتى السنة صدر فيها هذا الكتاب النقدي القيّم.

جرائد ومجلات سينمائية مصرية

2261 قصة السينمايتضمن الفصل الأول معلومات غزيرة عن تاريخ السينما المصرية وظهور الجرائد والمجلات السينمائية المتخصصة. كما يسلّط الناقدُ الضوءَ على فيلمي "ليلى" و"زينب" ويُحيطنا علمًا بالظروف والملابسات التي أحاطت بهما. وإذا كان الفرنسيون يفتخرون بأول عرض سينمائي تجاري في 28 ديسمبر 1895، في الصالون الهندي بمقهى "جران كافيه" في شارع كابوسين في باريس فإن مصر قد عرضت بعد أسبوع أول فيلم سينمائي في مقهى "زواني" في الأسكندرية، وتبعتها القاهرة حين عرضت أول فيلم في 28 يناير 1896، في سينما سانتي. يتوقف الباحث عند بعض الأفلام القصيرة التي أُنجزت عام 1917 من بينها "شرف البدوي" و"الأزهار المميتة" اللذين اشترك في تمثيلهما محمد كريم قبل أن يسافر إلى إيطاليا وألمانيا لاحقًا بهدف الدراسة والنهل من الثقافة السينمائية الأوروبية.

يُثبّت الباحث معلومات مهمة من قبيل أول ممثل مصري وهو فوزي الجزايرلي الذي اشترك، هو وابنته إحسان الجزايرلي، في فيلم "مدام لورينا" سنة 1918 للمخرج والمصوّر الإيطالي لاريتشي، ثم يُنجز  محمد بيومي فيلم "الباشكاتب" عام 1923، ويقوم بإخراج أفلام فكاهية على غرار أفلام تشارلي تشابلن وأولها "المعلّم برسوم يبحث عن وظيفة". كما أصدر بيّومي أول جريدة سينمائية اسمها "جريدة آمون". فيما أصدر محمد توفيق أول مجلة سينمائية بعنوان "الصوّر المتحركة" سنة 1923. ومن جهته قام الناقد السينمائي السيد حسن جمعة بإصدار مجلة "معرض السينما" سنة 1924 في الأسكندرية وهو، كما يصفه الباحث، من روّاد الصحافة السينمائية الجادين والمثقفين.  وفي 25 نوفمبر صدرت مجلة "المسرح" التي يعدّها الباحث من أقوى وأحسن المجلات التي صدرت في مصر، ويرأس تحريرها الناقد الفني محمد عبدالمجيد حلمي، ورغم أنها متخصصة بالمسرح لكنها كانت تنشر الأخبار السينمائية المحلية المحدودة. وهكذا توالى صدور المجلات مثل "الصباح"، و"نشرة مينا فيلم" في الأسكندرية، و"نشرة أوليمبيا السينماتوغرافية" في القاهرة إلى أن بدأت الصحف اليومية تخصص بابًا أسبوعيًا للسينما مثل جريدة "البلاغ الأسبوعي" التي يحررها السيد حسن جمعة ثم بدأت الصحفُ الأخرى تُقلّدها وتحذو حذوها.

المُخرج محمد كريم سبق الواقعية الإيطالية بربع قرن

تبنّت المخرجة والممثلة الرائدة عزيزة أمير عرض فيلمها الموسوم "ليلى" على حسابها الخاص في سينما متروبول وكان من بين المدعوين محمد طلعت حرب وأمير الشعراء أحمد شوقي، وبعد العرض خاطبها حرب قائلاً:"لقد حققتِ يا سيدتي ما لم يستطع الرجال أن يفعلوه"، كما قال شوقي:"أرجو أن أرى هذا الهلال ينمو حتى يصبح بدرًا كاملا". الغريب أنّ الرقابة قد "حذفت مشهدًا من الفيلم تظهر فيه طبلية تتناول عليها الأسرة طعامها"! من دون أن يوضّح سبب الحذف. كما يذهب الباحث إلى أنّ فيلم "ليلى" هو "أول فيلم مصري مائة بالمائة" مع العلم أن وداد عرفي قد اشترك في تمثيل الفيلم وإخراجه وهو تركي الأصل، وأنّ إستفان روستي من أم إيطالية وأب نمساوي، كما أنّ آسيا داغر من أصول لبنانية.

ينطوي الفيلم الثاني "زينب" الذي توقف عنده الناقد طويلاً على كثير من المفاجآت. فقد عُرض في سينما متروبول في القاهرة في 12 مارس 1930 في مرحلة السينما الصامتة. وشارك في التمثيل زكي رستم، وبهيجة حافظ، وسراج منير، ودولت أبيض، وعلوية جميل إضافة إلى أعداد كبيرة من الفلاحين لم يمثّلوا قط في حياتهم. وكان الفيلم من إخراج محمد كريم الذي اقتبس القصة السينمائية من رواية "زينب" للدكتور محمد حسين هيكل الذي كتبها هو الآخر عن قصة حقيقية وقعت في كفر غنّام بمحافظة الشرقية، وقد ذهب المخرج إلى هناك ورأى بيت "زينب الإمام"، وهذا هو اسمها الحقيقي، وأكتشف أن الدكتور هيكل كان يحبها. وحينما عُرض الفيلم وحقّق نجاحًا باهرًا أعاد محمد حسين هيكل طباعة روايته ونشرها باسمه الصريح بعد أن ظهرت سنة 1914 بعنوان "مناظر وأخلاق ريفية" ومذيّلة بتوقيع "مصري فلاح". ما يهمنا في هذا الفيلم أنّ مُخرجه محمد كريم قد سبق الواقعية الإيطالية بربع قرن فقد صوّر الشوارع والحقول وأسطح المنازل في قرى الشرقية والقليوبية والفيّوم لسبب بسيط وهو عدم وجود الأستوديوهات السينمائية في مصر، كما استعمل الناس العاديين والمجاميع الفلاحية بدلاً من الممثلين المحترفين الذين يكلّفونه بعض الأموال. ومع ذلك فمحمد كريم يعد المخرج الأول الذي أظهر القرية المصرية على الشاشة. وجدير ذكره أنّ هذا الفيلم الصامت سوف يحوّله المخرج إلى فيلم ناطق سنة 1952.

يتناول الناقد في الفصل الثاني السرعة التي تكلّم فيها الفيلم المصري ولم يتأخر عن شقيقه الأمريكي "مغنّي الجاز" الذي عُرض في عام 1927، إذ سارع المخرج المثابر محمد كريم إلى وضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الناطق الأول "أولاد الذوات" في 14 مارس 1932. ونظرًا للتكاليف الباهضة للأفلام الناطقة فقد جعلهُ نصف ناطق، بينما ظل النصف الآخر صامتًا. وقد حاول بعض المنتجين تحويل أفلامهم الصامتة إلى ناطقة كما حدث لفيلم "تحت ضوء القمر" من إخراج شكري ماضي الذي واجهَ بعض العقبات حينما سجّل الحوار على إسطوانات كانت تُدار مع الفيلم في أثناء عرضه لكن الصوت لم يتطابق مع الصورة وسبّب لهم العديد من المواقف المُحرجة. ينتقد سعدالدين توفيق ضعف قصة الفيلم، ورداءة الماكياج، وهبوط مستوى أداء الممثلين.

التعبير بالصورة والإلمام باللغة السينمائية

يتوقف الناقد عند ثلاث مُخرجات وهنّ عزيزة أمير التي أنجزت فيلم "كفّري عن خطيئتكِ"، وفاطمة رشدي التي حقّقت فيلم "الزواج"، وبهيجة حافظ التي تألقت في فيلم "الضحايا" ونجحت في تجربتها الإخراجية أمّا أميرة وفاطمة فقد فشل فيلميهما فشلاً ذريعًا الأمر الذي دفعهما إلى عدم تكرار تجربة الإخراج والاكتفاء بالتمثيل والإنتاج وكتابة السيناريو كما فعلت فاطمة رشدي.

يُحيط هذا الفصل بثلاثة مخرجين روّاد أيضًا وهم محمد كريم الذي أشرنا إليه سابقًا، وأحمد جلال الذي قدّم لنا "عيون ساحرة"، وهو أول فيلم مصري من أفلام الخيال العلمي الذي لم تألفه السينمائية المصرية آنذاك، وتوجو مزراحي الذي أتحفنا بعدد من الأفلام الروائية مثل "الكوكايين" 1930، و"أولاد مصر". ما يميّز هذا المخرج، بحسب سعدالدين توفيق، أنه "كان يُجيد التعبير بالصورة، وملمًّا باللغة السينمائية، وكان الحوار قليلاً في أفلامه إلى درجة مُلفتة للنظر" كما كان يلجأ إلى الفوتومونتاج Photomontage للتعبير عن مرحلة الانتقال في قصصه (والفوتو مونتاج هو عملية تعديل وتركيب لصورتين أو أكثر بواسطة الفوتوشوب لإنشاء صورة تحمل شيئًا من الخيال". كان مزراحي يعتمد كثيرًا على الوجوه الجديدة بخلاف أقرانه الذين كانوا يعوّلون على الممثلين المسرحيين الذين ذاع صيتهم آنذاك فتخلصَ هو من معضلة الأداء المسرحي، وسوف يتحول مزراحي من الأفلام الاجتماعية إلى الأفلام الفكاهية مثل "الدكتور فرحات" الذي حقق نجاحا هائلاً في حينه. لابد من العودة إلى المخرج محمد كريم الذي أنجز فيلم "الوردة البيضاء" بطولة الفنان محمد عبدالوهاب الذي حقق نجاحًا غير مسبوق حتى أنه أن إيراداته قد بلغت ربع مليون جنيه، وهو ثاني فيلم غنائي مصري بعد "أنشودة الفؤاد". لا يفوت سعدالدين الإشارة إلى أوجه التشابه بين "الوردة والبيضاء" و"غادة الكاميليا"، كما ينوّه إلى أنّ القصة السينمائية في الثلاثينيات لم تُعنَ بوضع حلول للمشكلات الاجتماعية التي تُثقل كاهل المواطنين المصريين، وأنّ عيون المنتجين كانت مصوّبة إلى شباك التذاكر.

السينما فتحت أبواب الشهرة للمطربين المصريين والعرب

يتمحور الفصل الثالث على "مدرسة إستوديو مصر " الذي أسّسه طلعت حرب سنة 1935 لكن المؤلف يسبق ذلك التاريخ قليلاً ويتوقف عند بعض الأسماء الفنية التي تمّ إيفادها للخارج  وهم أحمد بدرخان وموريس كسّاب لدراسة الإخراج في فرنسا، ومحمد عبدالعظيم وحسن مراد لدراسة التصوير في ألمانيا، وآخرين لدراسة الصوت والديكور والمونتاج. وأشار إلى أنّ فيلم "وداد" بطولة أم كلثوم، وإخراج أحمد بدرخان  قد تعثّر حينما أزاحوا بدرخان وأسندوا المهمة الإخراجية إلى الخبير الألماني فريتز كرامب، الذي لم يكن مخرجًا في الأصل، فجاءت المَشاهد بطيئة مملّة، وحركة الكاميرا بدائية، والتصوير ضعيف، فلاغرابة أن يكون الإخراج هزيلاً وخاليًا من أي لمسة فنية. ومع ذلك فقد حقق الفيلم نجاحًا جماهيريًا شجّع أم كلثوم على الظهور في أفلام أخرى. عُرض هذا الفيلم في مهرجان البندقية سنة 1936، وهو أول فيلم مصري يُعرض في مهرجان دولي. أما بدرخان فيُعدّ أول مصري درس السينما في باريس، وأول فنان ألّف كتابًا عن السينما جاء تحت عنوان "فن السينما" يشرح فيه كيف يُصنع الفيلم من بداية الفكرة حتى ظهوره على الشاشة.

قدّم المخرج محمد كريم عددًا من الأفلام الغنائية من بينها "دموع الحُب"، "يوم سعيد"، و"رصاصة في القلب" بطولة الفنان محمد عبدالوهاب الذي لمس ثمرة نجاحه في الفيلم الغنائي. كما قدّم كريم عددًا من الوجوه النسائية الجديدة مثل نجاة علي، ليلى مراد، رجاء عبده، ليلى فوزي اللواتي سوف يصبحنَ نجوم الشاشة العربية. يشيد المؤلف بإمكانية محمد كريم ويفضّلهُ على ماريو فولْبي ويعتبرهُ "أوسعُ خيالاً، وأرقُّ حسًا، وأكثر شاعرية"، ويعتقد بأنّ لا أحد استطاع أن يحل مشكلة "الأغنية السينمائية" حتى ذلك الوقت. ويرى بأن الأغنية يجب أن تكون جزءًا من القصة السينمائية لا أن تكون شيئًا زائدًا أو مُلصقًا بها.

يعرّج الناقد على بعض أفلام توجو مزراحي مثل "ليلى"، تمثيل ليلى مراد، وحسين صدقي، وفيلم "سلامة" بطولة أم كلثوم ويحيى شاهين. والمعروف عن مزراحي هو حبه لمصر، وسعية الدائم لبث المحبة بين اليهود والمسلمين، وحينما هُجِّر اليهود من مصر لم يذهب إلى إسرائيل، وإنما توجه إلى إيطاليا وفارق الحياة هناك.

يرصد المؤلف بعض الأفلام المختلفة عن النمط السائد مثل فيلم "العزيمة" قصة وإخراج كمال سليم، وهي تجربة فنية تذكرنا بالسينما الواقعية الإيطالية ولا يلوذ بالحلول الماورائية التي يضع فيها البطل ثقته بالقَدَر أو الحظ أو المُصادفة. وقد شبّه الناقد سعدالدين توفيق هذا الفيلم "بالنبات غير الطبيعي" من ناحية التكنيك في الأقل.

لا ينسى المؤلف إشادة الصحفي والكاتب السينمائي الفرنسي جورج سادول بفيلم "العزيمة" 1939 لكمال سليم كواحد من أحسن الأفلام التي ظهرت في الفترة الواقعة بين 1930- 1945. وقد نشر هذا التقييم الإيجابي في كتابه المعنون بـ"قاموس الأفلام" الذي صدر عام 1965.

تفاهة القصة في الأفلام الاستعراضية

يركز المؤلف في الفصل الرابع على أفلام ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تضاعف فيها عدد الأفلام المنتَجة من 16 فيلمًا عام 1943 إلى 67 فيلمًا عام 1945 فظهرت موجة من "الأفلام التافهة" كما يصفها سعد الدين توفيق لأنها تعتمد على قصص ساذجة، وتتكئ على النكتة اللفظية، وتعوّل على الإغراء الأمر الذي أفضى إلى هبوط مستوياتها الفنية. ومع ذلك فقد ظهرت حزمة من الأفلام الجيدة لنخبة من المخرجين أمثال محمد كريم وآسيا داغر وأحمد جلال، وأعقبهم ظهور صلاح أبو سيف الذي قدّم فيلمه الأول بعنوان "دايمًا في قلبي" 1946 المُقتبس عن فيلم "جسر ووترلو"، كما قدّم كامل التلمساني فيلم "السوق السوداء" الذي يُعد امتدادًا للمدرسة الواقعية وعالج فيه قضية الإتجار بقوت الشعب. ومع أنه فيلم جيد لكنه فشل فشلاً ذريعًا. كما سطع اسم مخرج ثالث من تلاميذ إستوديو مصر هو أحمد كامل مرسي وقدّم أقوى أفلامه وهو "النائب العام" ثم انصرف بعدها لإخراج أفلام وثائقية عن الفنانين التشكيليين مثل محمود سعيد وراغب عيّاد. ثم ظهر ثلاثة مخرجين جدد وهم عزالدين ذو الفقار الذي قدّم "أسير الظلام"، وامتازت أفلامه بالشاعرية والرِقة ووصفه أحد النقاد بأنه "شاعر وراء الكاميرا"، ويختار المؤلف ثلاثة من أنجح أفلامه وهي "بين الأطلال"، "رُدّ قلبي" و"نهر الحُب". أمّا المخرج الثاني فهو أنور وجدي الذي قدّم العديد من الأفلام الاستعراضية مثل "ليلى بنت الفقراء"، "عنبر" و"غزل البنات" وحقق نجاحًا طيبًا وظل طوال الأربعينات نجم الشاشة الأول. ويعتقد المؤلف بأنّ وجدي قد عالج العيب الجوهري في معظم الأفلام الاستعراضية وهو "تفاهة القصة" ولم يبخل على أفلامه ألبتّة، فقد كانت الديكورات ضخمة، ويهتم بالملابس كثيرًا، ويجد الحلول للمشكلات التي تصادفه في أثناء التصوير.

الرقابة المصرية رفضت فيلم "القاهرة الجديدة" ست مرات

تُهيمن على الفصل الخامس الأفلام الواقعية التي أنجزها صلاح أبو سيف بين الأعوام 1952- 1962 وكانت سببًا لشهرته مثل "لك يوم يا ظالم"، " الأسطى حسن"، "ريا وسكينة"، "الوحش"، "شباب امرأة" و"الفتوّة". وكان البطل في الأفلام هو الإنسان المسحوق والفقير والمهمّش ضحية الاستغلال والإقطاع. ومن المؤكد أن صلاح أبو سيف قد تأثر بالأفلام الواقعية في إيطاليا، وقرر أن ينقل هذه التجربة إلى الشاشة الكبيرة في مصر، خصوصًا وأنّ المخرجين الإيطاليين كانوا يأخذون قصص أفلامهم من أخبار الحوادث التي تنشرها الصحف اليومية الإيطالية. وتكمن الخطورة في نقل الحوادث أنها أصبحت معروفة للناس الأمر الذي يفقدها عنصري المفاجأة والدهشة مثل قصة السفاحتين "ريا وسكينة" اللتين روّعتا أهالي الأسكندرية، أو قصة السفّاح الصعيدي "الخط" الذي أرعب الناس في عموم المدن المصرية. ومع ذلك فقد جازف أبو سيف وأنجز هذه الأفلام بطريقة واقعية لا تنقصها الخبرة، والرؤية الإخراجية المدروسة التي تنطوي على حسٍ نقدي واضح للمجتمع المصري. يؤكد المؤلف بأنّ الرقابة الحكومية في الأربعينات والخمسينات كانت ترفض أي قصة سينمائية ذات مضمون سياسي فلاغرابة أن ترفض التصريح لصلاح أبو سيف بإخراج فيلم "القاهرة الجديدة" لستٍ مرات متتالية، وفي كل مرة كان يقدّم الفيلم بعنوان جديد، وقد نجح في المرة السادسة حينما قدّمه بعد عشرين سنة بعنوان "القاهرة 30". أمّا فيلم "الأسطى حسن" فقد رفضت الرقابة عرضه ما لم يكتب المخرج في نهاية عبارة "القناعة كنز لا يفتى!".

كمال الشيخ تلميذ هتيشكوك

تناول المؤلف عددًا من الأعمال التي انضوت تحت قائمة "الأفلام الوطنية" من بينها "رُدّ قلبي" لعزالدين ذو الفقار، و"مصفى كامل" لأحمد بدرخان، و"جميلة" ليوسف شاهين. وقد ظهر في هذه المرحلة أربعة مخرجين سينقشون أسماءهم في ذاكرة المشاهدين العرب وهم كمال الشيخ، يوسف شاهين، توفيق صالح، وعاطف سالم حيث أنجز كمال الشيخ فيلم "حياة أو موت" الخالي من العناصر التقليدية المتعارف عليها، وقد وصفه النقاد بأنه تلميذ هتيشكوك. فيما قدّم يوسف شاهين "صراع في الوادي" الذي يعالج قضية الإقطاع واستبداده في الريف المصري. كما قدّم "باب الحديد" الذي يراهن على الصورة، ويتضاءل فيه الحوار إلى درجة كبيرة. ركزّ المخرج الثالث توفيق صالح على الحارة المصرية في "درب المهابيل" فيما وجّه عنايته إلى القرية المصرية في "صراع الأبطال" وأنتقد العديد من الظواهر الاجتماعية مثل هيمنة الدجل والشعوذة وعدم الإيمان بالطب والعلم في المناطق الشعبية على وجه الخصوص. وفيما يخص المخرج الرابع فيكفي أن نشير إلى فلم "أم العروسة" الذي يحيلنا مباشرة إلى الواقعية الإيطالية الجديدة التي أثرّت على بعض المخرجين المصريين الذين تبنّوا هذه الموجة وأنجزوا أفلامًا ما تزال راسخة في أذهان المتلقين في عموم البلدان العربية.

يحتشد هذا الفصل بآراء نقدية كثيرة للمؤلف حيث يصف سلسلة الأفلام الفكاهية لاسماعيل يس بـ "الرخيصة والرديئة جدًا ولهذا انصرف عنها الجمهور لاحقًا بعد أن ملّ من التكرار الساذج للحركات التهريجية" وقد شخّص الناقد سعدالدين توفيق الأسباب أولها ضعف قصص هذه الأفلام وتشابهها شكلاً ومضمونًا.

"في بيتنا رجل" أحسن الأفلام الوطنية  التي قدّمتها السينما المصرية

لا ينسى المؤلف أن يتوقف عند المخرجين الذين انتبهوا قصص وروايات الأدباء المصريين مثل طه حسين، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس وقد حصل الأخير على أكبر أجر تقاضاه وهو 4000 جنيه مصري. وقد أخرج صلاح أبو سيف خمس روايات له وهي "الوسادة الخالية"، "لا أنام"، "الطريق المسدود"، "لا تُطفئ الشمس"، و"أنا حرة". فيما أخرج هنري بركات "في بيتنا رجل" الذي يُعدّ من أحسن الأفلام الوطنية التي قدّمتها السينما المصرية وحققت نجاحًا كبيرًا. أما فيلم "البنات والصيف" لعبدالقدوس أيضًا فقد اشترك في إخراجه ثلاثة مخرجين وهم عزالدين ذو الفقار، صلاح أبو سيف، وفطين عبدالوهاب، لأن الكتاب يتألف من ثلاثة قصص، وسُميّت هذه المرحلة بمرحلة النقد الاجتماعي، "وقد عاب عليه البعض بالانتقال من أفلام بولاق إلى أفلام الزمالك".

الملحوظة الأخيرة في هذا الفصل هي أن عدد الأفلام التي ظهرت خلال الحقبة المحصورة بين عامي 1952- 1962 هو 600 فيلم روائي بينما لا يزيد عدد كُتّاب السيناريو عن أصابع اليد الواحدة، ولعل القارئ الكريم سيعرف حتمًا  السرّ الكامن وراء "تفاهة" القصص السينمائية التي دمغت أفلامنا خلال تلك الحقبة الزمنية التي غلبت عليها "الكلفتة والاستعجال" بتعبير سعدالدين توفيق مع أنّ أهم ما يحتاج إليه الفيلم هو القصة السينمائية السوية والناجحة. وقد أنشأت وزارة الثقافة في حينه "معهد السينما" سنة 1959، ثم أردفته بـ "معهد السيناريو" سنة 1963 لكن خريجي هذين المعهدين ما يزالون بعيدين عن الميدان حتى ذلك الوقت المُشار إليه توًا.

أفلام المؤسسة ليست أفضل من الفيلم التجاري

يقتصر الفصل السادس على دراسة "القطّاع العام" الذي يمثّل المرحلة السادسة من مراحل تطور السينما المصرية 1963- 1969 والأفلام التي أنتجتها مؤسسة السينما التي تعاقدت مع عدد غير قليل من السينمائيين للعمل في أفلام "حرف ب" ومعنى "حرف ب " هنا هو أفلام من الدرجة الثانية قليلة التكاليف. وكانت النتيجة أن ظهرت أفلام هزيلة لا تختلف مطلقًا عن الأفلام الهابطة التي أنتجها القطاع الخاص، فزالت مخاوف هذا الأخير وتيقّن بأن أفلام المؤسسة ليست أفضل من الفيلم التجاري الخاص مع بعض الاستثناءات المحدودة هنا وهناك. وقد انهال النقاد على أفلام المؤسسة باللوم والتقريع وأعتبروا أن السينما المصرية قد عادت عشرين سنة إلى الوراء. وأصبح اسم "من أجل حنفي" لحسن الصيفي عنوانًا وأنموذجًا للفيلم الرديء الأمر الذي دفع المؤسسة إلى إيقاف عرض الباقي من أفلامها. وقد فلَتَ من بين الأفلام الرديئة فيلم "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين الذي ساهمت المؤسسة بتمويلية، ويعدّ نقلة واسعة من أفلام الصالونات إلى الإنتاج الضخم والمشرّف الذي يقف جنبًا إلى جنب مع أفلام هوليوود الكبيرة. وأجمل ما في هذا الفيلم، كما يرى سعدالدين توفيق، هو المَشاهد الخالية من الحوار، وقد استغرق إنجاز الفيلم سنتين من التأمل والعمل الدؤوب. وفي عام 1966 أنجزت المؤسسة أفلامًا مهمة حققت رسالتها مثل "ثورة اليمن" لعاطف سالم، و"القاهرة 30" لصلاح أبو سيف، و"السمّان والخريف" لحسام الدين مصطفى. أما مرحلة الإنتاج المشترك فلم ينجح أيضًا وكان بعض أفلامها أردأ من أفلام "حرف ب" مثل "ابتسامة أبو الهول" و"ابن كليوباترا"، وهكذا فشلت الشركة في أن تحقق انطلاق السينما العربية في المجال العالمي لأنها لم تحاول أن تتعاقد مع أسماء إخراجية كبيرة مثل روسلّيني أو رينيه كلير، أو إيليا كازان الأمر الذي دفعهم لإعادة النظر بالقطاع العام وإعادة تشكيل المؤسسة على وفق سياسة جديدة لإنتاج الأفلام الروائية.

صرامة نقدية لا تنتصر إلاّ للعمل الفني الناجح

قبل أن يثبِّت الناقد سعدالدين توفيق قائمة بأفضل فيلم مصري يعترف بأنه اختياره قد وقع على الأفلام التي تميّزت بمستواها الفني، وقد انتقى فيلم "زينب" كأفضل فيلم في ذلك الوقت لأنه حقق نقلة إلى الأمام، ولو عُرض الآن لضحك الناس عليه أكثر من أفلام فؤاد المهندس. كما أهمل الأفلام التي أنجزها مخرجون أجانب مثل لاشين وفريتز كرامب وأندرو مارتون وما سواهم. ولو ألقينا نظرة عجلى على المئة فيلم لوجدناها تبدأ بـ "زينب"، و"أولاد الذوات"، و"الوردة البيضاء" للمخرج محمد كريم، وتنتهي بـ "شيء من الخوف" لحسين كمال، و"يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق صالح، و"أبي فوق الشجرة" لحسين كمال.

جدير ذكره بأنّ الناقد سعدالدين توفيق قد صدر له إضافة إلى "قصة السينما في مصر" كتاب بعنوان "فنان الشعب: صلاح أبو سيف"، كما ترجم "قصة السينما في العالم: من الفيلم الصامت إلى السينيراما" لآرثر نايت. ويكفي القارئ العربي، المتخصص وغير المتخصص، أن يقرأ "قصة السينما في مصر" ليعرف جدية الناقد الفذ سعدالدين توفيق، وصرامة آرائه النقدية التي تخلو من المجاملات، ولا تنتصر إلاّ للعمل الفني الناجح الذي يحترم ذائقة المتلقين.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

ميثم الجنابي"الأوربة الروسية" تقليد ومرض

عندما وضع دانيليفسكي كامل استنتاجاته تجاه الإشكالية الواقعية للتقليد الأوربي في روسيا، فإنه توصل إلى أن الشعب الروسي منقسم إلى طبقتين متختلفتين بعضهما عن بعض. الطبقات الاجتماعية الدنيا ظلت روسية الروح والشخصية، بينما تحولت الطبقة العليا إلى أوروبية المنزع. فالطبقات المتأوربة تأخذ كل ما هو أوربي. وتعتقد بأن كل ما هو جيد في الغرب جيد بالنسبة لروسيا. وبهذه الطريقة تم نقل العديد من الأنماط الأوربية في مختلف مفاصل الدولة والثقافة والحياة. بينما كشفت التجربة بشكل تام وواضح، بأن كل هذه الأشياء غير مقبولة. وإنها تجف وهي في المهد. الأمر الذي يجعلها تطالب بإمدادات مستمرة وجديدة. وفي الوقت نفسه تقول التجربة التاريخية للروس، بأن التغييرات في الحياة الاجتماعية العامة والحكومية النابعة من الاحتياجات الداخلية للشعب قد جرى قبولها بنجاح. ومن ثم، فإن أعظم الإصلاحات التاريخية التي جرى تطبيقها في روسيا والتي عادت عليها بفوائد جمة لم يجر إحداثها وفقًا لنموذج غربي. بل على العكس. لقد جرى تطبيقها وفقًا لخطة مميزة عززت رفاهية الناس وحريتهم. أما الصيغة المتطرفة والأكثر ضررا وضراوة من بين أولئك المتأوربين، فهي تلك التي تنظر إلى كافة مظاهر الحياة الداخلية والخارجية لروسيا من وجهة نظر أوربية. إذ تسعى هذه النظرة بكل الوسائل المتاحة أن تدرج وتدخل كل ظواهر الحياة الروسية تحت معايير الحياة الأوربية أما بصورة غير واعية بسبب استلابها أمام الفكر الأوربي، أو  بوعي من أجل إعطاء هذه الظواهر هيئة التشريف والتكريم والتبجيل. ومنها يمكن أن نفهم خلوهم من كل هذه المظاهر في حال انعدام "شخصيتهم الأوربية"، كما يقول دانيليفسكي. ولعل أحد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد هو الموقف من قضية القسطنطينية (اسطنبول). فأوربا تتهم الروس بسعيهم للهيمنة عليها. بينما نشعر نحن بالخجل من هذا الاتهام، كما لو انه بالفعل فعلاً سيئاً. فقد استولت إنجلترا على جميع المضايق البحرية في أغلب مناطق العالم. بل من غير المعروف لماذا استولوا على صخرة على الأراضي الإسبانية (جبل طارق) من اجل السيطرة على مدخل البحر الأبيض المتوسط. أما ما يتعلق بنا فيجري رفض حتى فرضية حقنا في الدخول الحر إلى منازلنا، دعك عن الالتزام الأخلاقي بإبعاد الأتراك عن الأراضي السلافية واليونانية. إن كل هذه الأمثلة مؤشر على أعراض المرض، الذي يمكن أن نطلق عليها تسمية ضعف الروح الوطنية في طبقات المجتمع الروسي الأكثر تعليمًا. وهي في الوقت نفسه السبب الجيني للمرض، والذي تنشأ منه وتدعمه باستمرار. إن هذا المرض يعوق بلوغ الأهداف الكبرى للشعب الروسي. كما يمكنه استنزاف ربيع الروح الوطنية، ويحرم الحياة التاريخية للشعب الروسي من القوة الحيوية الداخلية، بحيث يجعل من وجوده شيئا عديم الجدوى والفائدة. أما الاستنتاج النهائي الذي توصل إليه دانيليفسكي في مجرى دراسته وتحليله ونقده لمرض التقليد أو مرض الأوربة الروسية، فيقوم في إقراره، بأن كل ما هو خال من المحتوى الذاتي لا يتعدى كونه قمامة سوف يجري جمعها ووضعها في نيران الحساب التاريخي.

الحضارة الأوربية ليست عالمية

لقد أدى هذا الإستنتاج الفكري والثقافي العميق الذي توصل إليه دانيليفسكي إلى وضع ونقد السؤال الأعم والأعمق في الوقت نفسه عما إذا كانت الحضارة الأوروبية متطابقة مع الحضارة العالمية أو الإنسانية العامة؟ أي عما إذا كانت الحضارة الأوربية تتطابق مع مفهوم وفكرة العالمية والإنسانية العامة.

إن الوعي الأوربي، كما يقول دانيليفسكي، ينطلق من مقدمات ترتقي عنده إلى مصاف البديهة التاريخية والثقافية. وهذه المقدمات هي كل من تصوير الشرق والغرب على أنهما نقيضان وقطبان؛ وأن الأوربي الغربي هو قطب التقدم والتطور والتقدم بينما الشرق (آسيا) هو قطب الركود والغباء؛ وأن الغرب محبوب والشرق مكروه؛ وأن الفكرة الأوربية تنطلق من أنها الكلّ والمطلق والحقيقة والجمال والخلاص، وما عداها ركود وموت؛ وأن أوروبا هي إنسانية كاملة وبدونها لا يمكن أن تكون هناك حضارة. بمعنى انه لا وجود للتقدم خارجها.

أما من حيث الواقع والتاريخ والثقافة الفعلية، فإن كل هذه المقدمات "الفكرية" هي هراء مطلق وسطحية إلى درجة يجعل حتى من دحضها امرا مخجل، كما يقول دانيليفسكي. لاسيما وأن تقسيم العالم نفسه إلى أجزاء هو تقسيم مصطنع. أما المعيار الحق فهو أن البحر أو البحار هي التي تقّسم الكرة الأرضية. وبالتالي، فإن أي جزء من أجزاء العالم لا يمثل ولا يمكنه أن يمثل الخصائص التي قد يضعها أحدهم في معارضة الآخر. فمصر وساحل البحر المتوسط عمومًا أكثر البلدان قدرة على الثقافة. وأن أوروبا في الواقع هي جزء من آسيا. ومن ثم لا تختلف عن الأجزاء الأخرى. وبالتالي لا يمكنها أن تعارض بشكل كامل وتختلف اختلافا تاما عن الآخرين. كما أن الواقع يبرهن على أنه في جميع أنحاء العالم توجد بلدان قادرة وأخرى أقل قدرة على تطوير المدنية. وبالتالي، فإن السمعة التي تتمع بها أوربا هي نتاج حالة نعرفها. رغم أن بقية آسيا لديها ثقافة أكثر أصالة على الإطلاق من الأوربية. فالعديد من فروع الصناعة الصينية لا تزال في درجة من الكمال لا يمكن للصناعة الأوربية بلوغها. وينطبق هذا على صناعات أخرى عديدة. كما تحتل الصين المكان الأول على الكرة الأرضية بالزراعة العقلانية. والبستنة الصينية أيضا ربما تكون الأولى في العالم. وينطبق الشيء نفسه على وسائل الراحة. وقد عرف الصينيون قبل الأوربيين بقرون عديدة البارود والطباعة والبوصلة وورق الكتابة. كما أن لأهل الصين أدب هائل ونمط من الفلسفة. وعندما كانت مذاهب الإغريق القدماء تؤمن بالخرافات، فإن علماء الفلك الصينيون لاحظوا بالفعل هذه الأجرام السماوية علميا. بل أنهم تركوا الإغريق والرومان في الكثير من مجالات التطور العلمي وراءهم بمساحات شاسعة. أما السبب الآخر والأكثر أهمية لرفض فكرة انعدام أية حضارة مستقلة خارج أنماط الثقافة الجرمانية الرومية أو الأوروبية، والتي يجري لصق كلمة العالمية بها، فيقوم في أن التاريخ السابق طوّر حضارات تاريخية كبرى. وبالتالي، فإن هذه الفكرة الأوربية هي نتاج سوء فهم واسع الانتشار.

في نقد النزعة الأوربية وحضارتها

انتقد دانيليفسكي نمط التقسيم التاريخي الذي صنعه الأوربيون لأنفسهم على مثال تاريخهم الخاص، والذي حاولوا جعله نموذجا للتقسيم التاريخي للجميع. من هنا قوله، بأن فكرة الأوربيين عن التاريخ القديم والوسيط والحديث مرتبط بتاريخ الدولة الرومانية. وهو تاريخ أوربي بحت وجزئي في الوقت نفسه. أما محاولة سحبها على تواريخ الأمم الأخرى أو العالم ككل فهو أما سوء فهم أو خرافة. إذ لكل أمة وحضارة تاريخها القديم والوسيط والحديث. وذلك لأن لكل منهما مراحل تطور خاصة به. لاسيما وأن لهذا التقسيم نماذجه في أمور أخرى عديدة، كما هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لنمو الإنسان وحياته. إذ يمكننا التمييز بين ثلاث مراحل فيها وهي الطفولة والشباب والشيخوخة. كما يمكننا تقسيمها إلى أربع مراحل وهي الطفولة والمراهقة والرجولة والشيخوخة، أو مراحل أكثر مثل الطفولة والمراهقة والشباب والرجولة والشيخوخة والهرم. وبالتالي، يمكن ابتداع أعداد أخرى لفترات التطور في حياة الأقوام التاريخية،كما يقول دانيليفسكي.

وعندما ننظر إلى نشوء وتطور الأنماط التاريخية الثقافية الكبرى أو الحضارات الأصلية، فإننا نراها مرتبة ترتيبًا زمنيًا على التوالي وهي: المصرية، والصينية، والآشورية – البابلية – الفينيقية - الكلدانية أو السامية القديمة، والهندية، والإيرانية، والعبرية، واليونانية، والرومية، والسامية الجديدة أو العربية، والجرمانية الرومية أو الأوروبية1 . وأضاف دانيليفسكي إلى هذه المجموعة العشرة مما أسماه بالنمطين الأمريكيين وهما كل من المكسيكي وحضارة البيرو، اللذين ماتا قبل أن يكتملا. وعلى هذا الأساس استنتج، بأن الشعوب التي شكلت هذه الأنماط التاريخية الثقافية هي الوحيدة التي كانت تمثل قوى إيجابية في تاريخ البشرية. وذلك لأن كل منها وضع بصورة مستقلة بداية تطوره الذاتي انطلاقا من خصوصيته وطبيعته الروحية. ومن الناحية التاريخية عادة ما كان يجري نقل ثمار كل منها للآخر بصفتها مواد للتغذية أو سماد للتخصيب بمواد متنوعة قابلة للهضم ومستوعبة للتربة التي كان من المقرر أن يتطور فيها النمط التالي، كما نراه على مثال ظهور وتدرج وتطور الأنماط التاريخية الثقافية. فقد طورت هذه الأنماط الثقافية والتاريخية شخصياتها الفردية، كما يقول دانيليفسكي. وبالتالي ساهمت في تنوع مظاهر الروح البشري، ناهيك عن تلك الاكتشافات والاختراعات مثل النظام العشري من علامات الأرقام، والبوصلة، وصناعة دودة القز، والبارود وغيرها من الانجازات العلمية الكبيرة، التي تم نقلها إلى أوروبا من الشرق بمساعدة العرب.

ووضع دانيليفسكي هذه الحصيلة وكثير من الجوانب التي اخضعها للتحليل والاستعراض والنقد في استنتاج دقيق يقول، بأن تقسيم التاريخ إلى ثلاث مراحل هي فكرة أوربية خالصة. ومن ثم تخصها لحالها فقط ولا علاقة لها بتاريخ الأنماط التاريخية الثقافية أو الحضارات الكبرى للماضي والحاضر.

إن تسلسل الانماط التاريخية الثقافية الكبرى، أو الحضارات الأصيلة، كما يصفها دانيليفسكي، يشير إلى أنها عرضة للزوال التاريخي. بمعنى انه ليست هناك حضارة أو نمط تاريخي ثقافي قادر على العيش دوما. والمصطلح الدقيق الذي وضعه واستعاض به عن مصطلح الحضارة يتضمن فكرة التاريخي، أي العابر بمعايير الزمن. وذلك لأن بدايته هو نشوء وتكون وتكامل ذاتي مديد، أي تاريخ الصيرورة الأولية والانتقال من المرحلة الاثنوغرافية إلى مرحلة الأصالة الذاتية كما اسماه دانيليفسكي. وما بعدها هو إنتاج مثمر قصير، شأن كل ما في الطبيعة. وبقدر ما ينطبق ذلك على الأنماط القديمة، فإنه ينطبق بالقدر ذاته على النمط الأوربي. من هنا ظهور الفكرة النقدية المتعلقة بمستقبل هذا النمط الثقافي. فهو من حيث البداية والأصل نمط تاريخي. ومن حيث ثماره هو نمط أوربي. وبالتالي، فإن حالة الإثمار التي لازمت إبداعه العظيم تفترض، شأن من سبقه، بالضرورة للانحلال. من هنا سؤاله عما إذا كان الغرب، بوصفه حامل الثقافة الأوربية، سيتعرض للتعفن والانحلال أم لا؟

موت الحضارة الأوربية

وفي معرض اجابته على هذا السؤال- الإشكالية انطلق دانيليفسكي من فكرة مفادها أن الشعوب الأوربية أنتجت أسس تفكير جديدة وطريقة جديدة للبحث العلمي. وبدأ أثرها منذ عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر بإعطاء نتائج نظرية وعملية وفيرة. حيث جرى إبداع وتأسيس كل شيء أصلي في الفن والعلوم الأوروبية. مما حدد تطورها اللاحق ضمن هذا الإطار. وتمثل حالة نمو الثمار وحصادها مرحلة الانحدار التاريخي والنفوذ الزمني للحضارة. فالثمار هي بداية الخريف. وألوانه هي نهاية الربيع. الأمر الذي يؤيد الاستنتاج القائل، بأن القوى الإبداعية لأوربا قد دخلت بالفعل في هذا المسار المحتوم منذ مائة وخمسين أو مائتي عامًا مضت،كما يقول دانيليفسكي. وهي الفكرة التي سيكررها شبنغلر لاحقا في موقفه من "أفول أوربا". وشدد دانيليفسكي أيضا، على انه قد يكون من الصعب القول ما إذا كان الصيف بمعنى كونه الوقت المبكر أو أواخر الخريف، فإن الشمس هي التي تزرع هذه الفاكهة، وأنها تمر بالفعل وراء خط الطول وتميل بالفعل نحو الغرب. سوف يصبح هذا الوضع أكثر وضوحًا إذا استطعنا أن نحدد طبيعة القوى التي بنت وحافظت على بناء الحضارة الأوروبية.

ومن هذه المقدمة والنتيجة في الوقت نفسه، حاول دانيليفسكي الإجابة على ما في الزوال المحتمل والقريب للنمط التاريخي الثقافي الأوربي من آفاق جلية بالنسبة للنمط التاريخي الثقافي السلافي. وانطلق في تأسيسه لهذه الفكرة من أن للأحداث التاريخية في مجرى تطورها ومستويات كمالها، فوارق كبرى لا معنى للمقارنة بينها بما يتعارض مع قواعد النظام الطبيعي. وأن التمييز النوعي للأنماط التاريخية الثقافية هو أعلى مبدأ في التقسيم. بمعنى انه يبلور الفكرة التي تعارض مختلف النماذج البدائية والضيقة في ما يخص تقسيم وتقييم الأمم وحضاراتها. بمعنى انه يريد الرجوع بالأقوام إلى أنماطها الثقافية، أي التركيز على أولوية وجوهرية الإبداع الثقافي الحضاري، بوصفها المساهمة الذاتية الفعلية في تاريخ الأمم والعالم ككل. وسبب ذلك يقوم في أن الأقوام والشعوب، كما يقول دانيليفسكي، تختلف من حيث مكوناتها الإثنوغرافية. وعلى أساسها تنقسم البشرية إلى عدة مجموعات كبيرة. وواحدة من هذه المجموعات هي أسرة الشعوب السلافية. وهي تتميز بذاتها ومن ثم تختلف عن المجموعات البشرية الأخرى مثل السنسكريتية والإيرانية والهيلانية واللاتينية والألمانية. ويترتب على ذلك أن أسرة الأمم السلافية تشكِّل نمطا تاريخيا ثقافيًا متميزًا. ومع أن دانيليفسكي يتكلم عنه بمعايير الاحتمال، إلا انه احتمال يرتقي بالنسبة له إلى مصاف اليقين.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

1- هنا ثمة خطأ تاريخي يقوم في تجاهله للحضارة السومرية. كما أنها الأقدم من كل تلك الحضارات التي أشار اليها دانيليفسكي. وقد يكون السبب هو عدم اطلاعه آنذاك على هذا الجانب، أو أن المعارف بالحضارة السومرية وتاريخها لم تكن بعد واسعة الانتشار في الدراسات المتخصصة بتاريخ الحضارات بشكل خاص.

 

محمد السعديليلة البارح وقبلها بليلتين سهرت مع كتاب (صعود الحزب الشيوعي العراقي وانحداره) للمؤلف البروفيسور طارق يوسف إسماعيل أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليغاري الكندية ورئيس المركز العالمي لدراسات الشرق أوسطية المعاصرة وترجمة الصحفي والمترجم العراقي عمار كاظم محمد، ويبدو كانت ترجمة الكتاب الحرفية صعود وسقوط الحزب الشيوعي العراقي وللتخفيف من عبأ الوقع على النفوس وببراعة المترجم صدر بعنوانه الحالي، كنت حريصاً في تقليب صفحاته بقراءة هادئة ومتأنية ومفيدة في تقليب صفحات التاريخ وأعادة القراءة لسنوات قضت من حياتنا،  سبق وأني قرأت عنه بأكثر من ناصية وموقع وصحيفة وسمعت من بعض الرفاق والأصدقاء، الذين حظوا به وقلبو صفحاته بوعي  ودراية، والذي زاد من أهتمامي في الحصول على نسخة منه رغم الصعوبات التي فرضتها تداعيات (جائحة كورونا) على حرية حركة الناس، لكن بمبادرة طيبة وهذه ليست الأولى من نوعها الرفيق والصديق أبن المناضل المرحوم حسين سلطان الرفيق خالد ومن بغداد الحبيبة حمله مشكوراً بسام أبن المرحوم المناضل حسين الكمر وعبر العزيز إبراهيم أبن المناضل باقر إبراهيم وصل لي بأمان فالشكر لتلك الايادي النظيفه. كان جل أهتمامي في الحصول على نسخه منه وقراءته حين وصوله على حساب قراءات أخرى، كانت ضمن البرنامج المهيأ لي. وما تركه هذا الكتاب في عشية صدوره من سجال وآراء وخلاف في وجهات النظر وصلت بعضها حد التشهير والأتهامات الرخيصة من رفاق الأمس على مانشيتات الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، كان محط أهتمامي وزاد من فضولي بتقليب صفحاته .

الكتاب الذي طبعته جامعة كامبردج يستعرض تاريخ الحركة الشيوعية في العراق منذ بداية ارهاصاتها الاولى في العشرينيات من القرن الماضي وحتى فترة ما بعد تأسيس مجلس الحكم العراقي بعد الغزو الامريكي للبلاد عام 2003.

”ويرصد الكتاب تاريخ الحركة الشيوعية العراقية الذي تغطي قرن من الحياة السياسية للبلاد التحولات التي طرأت على الدولة العراقية منذ بداية الحكم الملكي وحتى نهاية الحكم الجمهوري عارضا صورة شاملة لكل الوقائع التي رافقت الحركة الشيوعية في العراق منذ نشاطها الطليعي في الاربعينيات والخمسينيات الى انحسارها وتراجعها في الوقت الحالي محللا بشكل محايد الاسباب التي ادت الى انتكاسها بشهادات ووثائق وعشرات المقابلات مع الشخصيات المهمة في الحركة تم جمعها من قبل المؤلف وتنسيقها بشكل علمي طوال اربعين عاما من العمل المضني ”.

الكتاب الذي صدر بترخيص من جامعة كامبردج بمجلد من 630 صفحة من القطع المتوسط عن دار (سطور) في العاصمة بغداد ضم الكثير من الاسرار والخفايا التي تنشر لأول مرة واحتوى على اسماء وشخصيات مازالت لحد الان ضمن المشهد السياسي الحالي في العراق.

يعتبر ومن وجهة نظر العديد من المتابعين والمعنيين يالشأن أول كتاب شامل يصدر خارج الحزب عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي . وقد صدر في وقت سابق باللغة الانكليزية وقدم له مقدمته المرحوم والمناضل اليساري حسقيل قوجمان، وتطلع في حينها الى ترجمته الى اللغة العربية لتسهيل قرأته من قبل جيش من الشيوعيين العراقيين، الذين يتوقون الى تاريخ حزبهم المجيد .

وقال قوجمان: في أحدى متابعاته للكتاب هذا أول تاريخ للحزب الشيوعي العراقي يمكن لأي قارئ مهما كان موقفه السياسي أن يستفيد منه، لاستخلاص ما حدث تاريخيا وليس آراء من كتب هذه الأحداث . وقد أثير  عشية صدور الكتاب بنسخته العربية حفيظة البعض حتى شملت ممن لم يطلع عليه وعلى تفاصيله جملة إنتقادات لاذعه له بدل من أن يأخذ على محمل الدراسة وأعادة التقييم على ضوء العقل النقدي الماركسي في فهم التاريخ .

في نسخته العربية على يد وبراعة المترجم عمار كاظم محمد والذي أستغرق في ترجمته عامان وتبادل مع المؤلف حوالي مئة رسالة وبمعونة رفاق ومتطلعين ومعنيين بالشأن السياسي العراقي . وقد قال المترجم بعد أن أنجز ترجمته والاطلاع على تاريخ الحركة الشيوعية العراقية منذ أرهاصاتها الأولى في العشرينيات من القرن الماضي وتضحياتها الجسام ولم تتمكن من بناء عراق قوي ومزدهر آمر يثير الغرابة، ومن خلال متابعتي للاهتمامات والآراء المختلفة حول الكتاب، يبدو أثارت حفيظة البعض من الرعيل القديم ولا خلاف على وجهات النظر المختلفة والمتصارعة ضمن سياقات الصراع الفكري وهذا يضيف معلومة جديدة وقراءة مختلفة من أجل حراك فكري ثقافي مهم، لكن للآسف الشديد راح في متاهات أخرى بعيدة عن أرثنا التاريخي في التشهير والاتهامات مما دعا البعض يقول .. ها هم ممن كانوا يقودوننا، ورباننا في السفينة؟. 

صدر الكتاب عام ٢٠٠٨ باللغة الانكليزية من جامعة كامبردج في نيويورك ويتألف الكتاب بنسخته الانكليزية من ٣٢١ صفحة من القطع الكبير ونال اهتماما خاصا من المتابعين والدارسين والتواقين للفكر والتاريخ، وأعتبر الكتاب الثاني من حيث الاهمية والموضوعية والأمانة بعد كتاب حنا بطاطو (الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق)، والعديد من القراء أعتبروا كتاب عزيز سباهي في مجلداته الثلاثة لم يلبي طموحات الشيوعيين في مناقشة تاريخهم. ويقول حسقيل قوجمان حين أستعرت الجزء الثالث من الكتاب وقرأته سألني أحد الاصدقاء عن رأي بالكتاب فقلت له لولا عنوان الكتاب لما عرفت أنه يبحث تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، وقد أخفق في مناقشة سياسة الحزب وأحداثه والتحيز للحزب ومواقفه ومحاولة تبرير الاخطاء منها وإيجاد الأسباب والتبريرات التي أدت الى الخطأ . فقد كان أسلوب عزيز سباهي واضحا في التحيز إلى الاتجاه السياسي الذي يؤيده ويعتبره الاتجاه الصحيح وهذا ليس تاريخا بالمفهوم العلمي للتاريخ. وكانت رؤية الحزب منذ مؤتمره الثاني ١٩٧٠ بتكليف لجنة حزبية لكتابة تاريخ الشيوعيين العراقيين التي تعمدت بالبطولة والفداء وقد تخللت مسيرته عثرات ونواقص فلابد من الوقوف عندها وتقييمها، وقد حدا بقيادة الحزب بتكليف عزيز سباهي ١٩٩٩ بإنجاز هذه المهمة ورغم صدوره بثلاثة أجزاء عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي لكن لم يعتبر الحزب الشيوعي كتاب الرفيق سباهي وثيقة حزبية رسمية . وحسناً فعل، فالكتاب رغم الجهد الكبير الذي بذل في تأليفه، يحمل وجهة نظر مؤلفه القابلة للنقاش .

 

محمد السعدي

مالمو/شباط ٢٠٢١

 

 

ميثم الجنابيماهية اوربا وحقيقتها

دفعت النتائج التي توصل إليها دانيليفسكي في موقفه من إشكالية الوطني والعالمي بالنسبة للتطور الثقافي والأصالة الحضارية إلى أن يقف أمام السؤال الجوهري بالنسبة لروسيا ألا وهو هل أن روسيا دولة أوربية، وهل أن كيانها الثقافي أوروبي أم لا؟ وللإجابة على هذا السؤال افترض دانيليفسكي، بأن الإجابة الحقيقية عليه تستلزم حل السؤال الأساسي المتعلق بماهية أوربا نفسها، أي ما هو المقصود بأوربا. لاسيما وأن الإجابة عليه تجعل من الممكن بالنسبة لروسيا فهم ما إذا كانت أوروبا على صواب أم على خطأ في موقفها من روسيا، عندما تصفها بالكائن الغريب عنها.

انطلق دانيليفسكي في اجابته على هذا السؤال من سؤال أدق يتعلق بالماهية الجغرافية أولا لأوربا. فالشيء المتعارف عليه، والذي يعرفه كل تلميذ يقول، بأن أوربا هي أحد الأجزاء الخمسة من المعمورة. وعندما ظهر التقسيم الجغرافي الأول للعالم إلى ثلاثة أجزاء، فإن لهذا التقسيم كان معناه الخاص والمحدود آنذاك. فقد كان الفاصل بين القارات هو البحر. فما وقع إلى الشمال من البحر حصل على أسم أوربا، وما وقع إلى الجنوب حصل على أسم أفريقيا. وما وقع إلى الشرق حصل على أسم آسيا.

وكانت كلمة "آسيا" تعود في الأصل إلى الإغريق، أي إلى وطنهم الأصلي الأول في البلاد الواقعة على السفح الشمالي من القوقاز، حيث تم تقييد بروميثيوس بالصخرة وفقا للأسطورة الإغريقية. وأسيا هو أسم لأم أو زوجة. من هنا تم نقل هذا الاسم من قبل المهاجرين إلى شبه الجزيرة، والمعروفة باسم آسيا الصغرى. ثم جرى اطلاقها على كامل العالم الواقع على شرق البحر الأبيض المتوسط. حينذاك أصبحت الخطوط العريضة للقارات معروفة جيدا. ومن ثم جرى تحديد الفاصل بين أفريقيا وأوروبا وآسيا. وبالتالي هل تنتمي روسيا إلى أوروبا ضمن هذا التفسير التاريخي الجغرافي؟ فمن الناحية الجغرافية أن أحد أجزاء روسيا يقع ضمن أوربا بالصيغة المعروفة أو المشهورة أو المقرور بها، كما يقول دانيليفسكي. أما من حيث الجوهر فلا وجود لشيء أسمه أوروبا بالمعنى الدقيق للكلمة. فما هو موجود يمكننا أن نطلق عليه أسم شبه الجزيرة الغربية في آسيا. لكن ذلك لا يعني أن كلمة "أوربا" لا معنى محدد لها أو أنها مجرد صوت فارغ. إن معناها واضح وجلي وقوي ولكن ليس بالمعنى الجغرافي بل بالمعنى الثقافي والتاريخي. إذ ليس للجغرافيا قيمة مهمة في مسألة الانتماء أو عدم الانتماء إلى أوروبا.

وهنا يبرز السؤال أمام دنيليفسكي حول ماهية أوربا بالمعنى الثقافي والتاريخي. وفي مجرى تحليله لمختلف جونب هذه القضية توصل إلى أن ماهيتها بالمعنى الحضاري يتطابق مع معنى الحضارة الجرمانية الرومية. ومن ثم، فإنَّ أوربا هي الحضارة الجرمانية الرومية نفسها. فالحضارة اليونانية لم تنمو على نفس التربة الأوروبية. لقد كان مجال الحضارات اليونانية والرومية مختلفًا. فقد ولد هوميروس الذي يعتبر "مرآة الكلّ اليوناني" على ساحل آسيا الصغرى لبحر إيجه. بمعنى انه من آسيا الصغرى، التي كانت المحور الرئيسي للحضارة الهيلينية. فهنا ظهر الشعر الملحمي لليونانيين وكذلك الفلسفة (طاليس)، والنحت، والتاريخ (هيرودوت)، والطب (أبقراط). ومنها انتقلوا إلى ساحل البحر المقابل. صحيح إن أثينا أصبحت المركز الرئيسي لهذه الحضارة لكنها تعرضت للتلاشي. وأعطت ثمارها مرة أخرى ليس في بلد أوروبي ولكن في الإسكندرية في مصر. وهكذا تجاوزت الثقافة الهيلينية القديمة في مجرى تطورها الأجزاء الثلاثة المعروفة في العالم: آسيا وأوربا وأفريقيا. ومن ثم لم تكن حصرا على أوربا، بل ولم تنتمي إليها بالمعنى الدقيق للكلمة. فهي لم تبدأ ولم تنته هناك، كما يقول دانيليفسكي. وحسب رؤيته، فإن أوربا حصلت على المعنى والأهمية التي تستخدم بها الآن في مجرى تطور الحضارة اليونانية والرومانية. وهي حضارة حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله.

روسيا ليست اوربية

كل ذلك حدد مضمون السؤال الأولي الذي وضعه دانيليفسكي، عما إذا كانت روسيا تنتمي إلى أوروبا بالمعنى المذكور أعلاه؟ وقد كانت اجابته بالنفي القاطع. إذ لم تتغذ روسيا من الجذور الأوربية، سواء كانت بهيئة عصائر مفيدة أو ضارة، ولم تتغذ من جذور الروح الجرماني. ولم تكن جزءً من الإمبراطورية الرومية لشارلمان، ولم تكن جزءً من الفيدرالية الثيوقراطية التي حلّت محل ملكية شارلمان، ولم تكن مرتبطة بجسم واحد مشترك بها أو معها. بل أن تاريخ روسيا مستقل ولا علاقة له بالتاريخ الأوربي وإشكالاته وقضاياه وحلوله. إذ ليس فيها إشكاليات النظام الاقطاعي، ولم تمر بالإصلاح الديني، والكاثوليكية، ولم تحيا بالمثل العليا التي تجسّدت في الفن الجرماني الرومي. بعبارة أخرى، ليس في روسيا ما يمكنه أن يكون انتماءا جوهريا لأوربا بأي شكل كان من الأشكال. ومن ثم لا معنى للحديث عن طابعها الأوربي.

إن روسيا ليست أوربية، بل هي كيان خاص قائم بذاته. والاستثناء الوحيد هو "للنبلاء الجدد"، أو الارستقراطية الروسية المقلدة للتقاليد الأوربية، والتي لا تعرف التواضع ولا الفخر النبيل. أما الناس الذين يفهمون كرامتهم فيبقون دوما ضمن حدودهم الخاصة، كما يقول دانيليفسكي. ويقصد بذلك عموم الشعب الروسي. أما من يقول، بأن روسيا لا تنتمي إلى أوروبا عن طريق الولادة، لكنها تنتمي إليها بموجب قانون التبني وذلك لأنها استوعبت ما طورته أوروبا، ومن ثم أصبحت (أو على الأقل ينبغي أن تصبح) مشاركا في إبداعها وانتصاراتها، فهو حكم لا معنى له من وجهة نظر دانيليفسكي. من هنا تشديده على أن روسيا قائمة بذاتها وهي نتاج تاريخها الخاص ولا وجود لأية مشاعر لأبوة أوروبا في علاقاتها مع روسيا وما شابه ذلك. بل ونراه يدفع هذه القضية صوب نهايتها المنطقية عندما اكد على أن جوهر القضية هنا لا يكمن في هذه الجانب، بل في ما إذا كان هذا التبني ممكنًا بحد ذاته. فمن المعروف أو المقرور به من الناحية العلمية والفلسفية، أن لكل شيء بداية ونهاية، كما يقول دانيليفسكي. وكل ما في الوجود عرضة للاستنزاف. وهذه هي الرؤية التاريخية التي تعتقدها الغالبية العظمى من الناس المتعلمين. وبالتالي لا معنى لعدم رؤية كون الحضارة الأوروبية هي أيضا، مثلها مثل كل شيء آخر في العالم، عرضة للاستنزاف. إضافة لذلك، إن المعرفة التاريخية الدقيقة تبرهن على أن الأشكال السياسية التي يطورها هذا الشعب أو ذاك هي مناسبة له فقط، أي لمن يبدعها. وأن عدم الاعتراف بذلك يجعل من "التقدم" بوصفه ظاهرة تاريخية، فكرة ونظرة غامضة.

لقد أراد دانيليفسكي القول، بأن محاولة جعل الصيرورة والكينونة الروسية جزءا من التاريخ الأوربي أو صورة إضافية للنمط التاريخي الثقافي الأوربي، هو مجرد نتاج الغباء المميز لذوي العقول المستلبة والتقليدية. وأعتبر هذه الظاهرة شكلا من أشكال الأوبئة الثقافية. من هنا فكرته عما اطلق عليه عبارة "الأوربة هي مرض الحياة الروسية".

لقد وجد دانيليفسكي في نزعة التقليد الروسية لأوربا ومحاولة جعلها مثالا مطلقا وأن روسيا نفسها أوربية أو جزء منها، مجرد وهم لا علاقة له بالتاريخ والحقيقة، والأهم من ذلك لا علاقة له بالمستقبل، أي مستقبل الإبداع الذاتي لما اسماه بالنمط التاريخي الثقافي السلافي. فقد مرت أوربا بطريقها الخاص في كافة الميادين والمجالات. ومن ثم أبدعت نمطها التاريخي الثقافي الذي لا علاقة له بروسيا، كما أن لا علاقة لروسيا به لا عن قريب ولا عن بعيد. الأمر الذي يضع مهمة تناول حقيقة التاريخ الروسي وآفاقه في مجال تأسيس نمطه الثقافي الخاص.

ففيما لو نظرنا إلى الحياة الروسية، كما يقول دانيليفسكي، فإن الواقع الجلي فيها يكشف عن أن صحتها وعافيتها ليست على ما يرام. فصحتها غير صحيحة. لكنها مع ذلك لا تعاني من الأمراض العضوية المستعصية على العلاج، مثل مرض التحلل الإثنوغرافي. وفي الوقت نفسه، فإن روسيا مصابة بهوس يمكنه أن يكون قاتلا. فهو المرض الذي نرى مظاهره في شيخوخة الوجوه الشابة، والذي يهدد الكيان الروسي بأسوأ أنواع الموت ألا وهو الوجود العقيم والعديم الجدوى. وهي نتيجة لا يحتملها الواقع والتاريخ الروسي ولا يقبل بها. فقد تحمل الشعب الروسي في المراحل الثلاث لتطوره (بناء الدولة، وفقدان الحرية المدنية، وإصلاحات بطرس الأول) عذابات كبرى وهائلة. لكنها جرت كلها من اجل بناء الدولة القوية وثباتها، كما يقول دانيليفسكي.

فمن حيث المقارنة التاريخية بين أوربا وروسيا نرى، بأن الحضارة الأوروبية أخذت تنحو منحى عمليا إلى حد كبير. ومن بين نتائج هذه الظاهرة هو تطبيق العديد من الاكتشافات والاختراعات العلمية في ميدان الصناعة ونظامها المدني. بينما كانت روسيا في بداية القرن الثامن عشر قد انتهت تقريبا من الصراع مع جيرانها الشرقيين. إذ أخذ الشعب الروسي، الذي أيقظته الأحداث تحت قيادة شخصيتين لا يمكن نسيانهما وهما كل من مينين1  وخميلنيتسكي2 ، اللذين انتصرا على طبقة النبلاء البولنديين الذين غيروا مبادئ الشعب البولندي السلافية، والذين أرادوا أيضا إجبار الشعب الروسي على القيام بنفس الخيانة تجاه النفس، كما يقول دانيليفسكي. الأمر الذي جعل من تقوية الدولة الروسية عبر طريق الاقتراض من الكنوز الثقافية المستخرجة من العلوم والصناعة الغربية مهمة ضرورية وأولية. فهو الاقتراض السريع الذي قامت به روسيا كي تتمكن بعد عملية تعليم طبيعية بطيئة قائمة على المبادئ الخاصة، من الاستقلال بنفسها، أي كل تلك العملية التي قام بها وقادها بطرس الأول. ولكن هل كان بطرس الأول يدرك بوضوح هذه الضرورة؟ فهو مثل معظم الشخصيات التاريخية العظيمة عادة ما تتصرف وفق خطة مدروسة بهدوء وبهوى وشغف عارم. فبعد أن عرف أوروبا وقع في غرامها. وأراد بكل الوسائل أن يجعل من روسيا دولة أوروبية. فحالما رأى بطرس الاول الثمار الأوربية وإيناعها، فإنه توصل إلى استنتاج يقول، بأن من الممكن نقل هذه الشجرة كما هي إلى الأراضي الروسية. واعتقد بأن من الممكن زرعها في الأراضي الروسية القاحلة آنذاك (بالمعنى الثقافي والقومي والاجتماعي).

لكن بطرس الأول لم يأخذ بعين الاعتبار الاختلافات في العمر، ولم يعتقد أن البريّة قد لا يكون لديها وقت للثورة. ولذلك أراد أن يقطعها من الجذر ويستبدل بها ما هو موجود. أما في الواقع، فإن هذه البدائل ممكنة التطبيق على الأجسام الميتة فقط، كما يقول دانيليفسكي. لقد كانت رؤيته بهذا الصدد تستند إلى فلسفته عن النمط التاريخي الثقافي وإمكانية نشوءه وتطوره وانتقاله. وهي رؤية لم يؤخذ بها في مجرى تطور الدولة الروسية بعد بطرس الأول. ووجد هذا الإهمال انعكاسه الكبير والهائل في التجربة السوفيتية التي جعلت من نموذج الغرب أولوية مطلقة ومثالا تاما في كل شيئ. أما الخلاف الهائل معها لاحقا، فهو بأثر الأيديولوجية الطبقية، أي الموقف الاجتماعي وليس الثقافي الذي كان يحتل موضع الأولوية في منظومة دانيليفسكي الفكرية والتاريخية.

بعبارة أخرى، لقد ظلت التقاليد البطرسية سارية المفعول في الوعي الروسي الثقافي بشكل عام والسياسي بشكل خاص. وفيما يخص الثمار وإمكانية استبدالها بما هو موجود في التربة الروسية، فمن الممكن تذكر سياسة خروتشوف بزراعة نبات الذرة التي اتلفت لاحقا الزراعة السوفيتية. لقد كان دانيليفسكي يتحدث، بأثر رؤيته وثقافته العلمية الطبيعية، عبر مقارنة حية عما اسماه باستحالة انتاج ثقافة وحضارة خاصة من خلال نقلها وزراعتها في تربة ثقافية لها مسارها التاريخي الخاص. إذ اعتبرها سياسة عقيمة لا تدرك ولا تفهم حقائق الطبيعة والوجود التاريخي للأقوام والشعوب. وإذا كان فسادها جليا في مجال الزراعة العادية، فما بالك في مجال زرع الثقافة؟ من هنا استنتاجه القائل، بأن الحياة التي تشكلت تحت تأثير المبدأ التربوي الذاتي الأصلي لا يمكنها قبول هذا النوع من التحولات، وذلك لأنها تؤدي إلى اصابته بالشلل.

البطرسية الثقافية - اوربة خشنة

إن المشكلة التاريخية الثقافية التي عانت منها روسيا بسبب سياسة بطرس الأول، كما يقول دانيليفسكي، تقوم في وقوعه في غرام لا يقاوم تجاه أوربا. وبأثره سعى لمعالجة روسيا بطريقتين متناقضتين ألا وهما الحب والكراهية بقدر واحد. لقد كان يحب روسيا ويكرهها في آن واحد. كان يكره البدايات الأولى للحياة الروسية سواء بسبب عيوبها أو مزاياها، لكنه لم يكرهها بكل روحه. من هنا ضرورة التمييز في أعماله بين جانبين الأول ويتعلق بنشاطه في بناء الدولة ومنشآتها العسكرية والبحرية والإدارية والصناعية، والثاني نشاطه الإصلاحي المتعلق بالحياة والعادات والأعراف والمفاهيم والقيم التي حاول غرسها في تربة الشعب الروسي. وإذ كان عمله في الجانب الأول يستحق التقييم والتبجيل بما في ذلك تسخيره الناس جميعا من اجل الدولة، بحيث جعله ذلك يستحق بحق لقب العظيم، فإن نشاط النوع الثاني لم يكتف بإيذاء عميق لمستقبل روسيا، بل وجعل أعماله الخاصة عديمة الفائدة تماما. فالضرر الذي أحدثه ما زال ينخر في جسد الشعب الروسي. الأمر الذي أثار استنكار رعاياه، وأحرج ضمائرهم، وعقّد مهمته. بحيث يمكننا القول، بأنه هو نفسه قد تسبب بإضافة عقبات أمام نفسه ومن ثم العمل المهموم من اجل تذليلها، كما يقول دانيليفسكي. مما أدى إلى استهلاك حصة كبيرة من الطاقة التي كان يمكن استخدامها بطريقة تؤتي بفوائد أكبر. إذ ما هي الحاجة إلى حلق اللحى، وإجبار الناس على اللباس الأوربي، والتدخين، وتشويه اللغة بحشر المفردات الأوربية، وإدخال العادات الأجنبية، وتغيير التقويم الزمني وكثير غيرها؟ ولماذا جرى وضع أشكال الحياة الأجنبية في مرتبة الشرف الأولى؟ والسؤال الذي يبرز هنا هو هل بإمكان كل هذه الأعمال أن تعزز الوعي العام؟ بالتأكيد كلا. أما القضية الأخرى فتقوم في أن عمل الدولة وحدها لا يمكنه تغطية كل شيئ. لهذا كان من الضروري تطوير ما يمكنه أن يمنحها القوة القادرة على فعل كل شيئ. انه التنوير. وقد كانت تلك مهمته الأساسية. ولكن كيف يمكن لهذا التنوير أن يقوم بمهمته في ظل تدمير الكينونة الروسية وخصوصيتها، كما يستفسر دانيليفسكي. وعلاوة على ذلك، لا يمكن فرض التنوير بالقوة. وعموما إن كل اصلاح وتجديد لا يمكنه النجاح بقوة خارجية أيا كان شكلها ومحتواها. بل من الضروري أن يجريا ذاتيا، أي من الداخل. وقد تكون هذه العملية ابطأ لكنها أمتن وأكثر أصالة وغنى. ولذلك كان كل من الانقلاب والحداثة اللذين قام بهما بطرس الأول، يجريان أولا بين صفوف الطبقات العليا من المجتمع. وشيئاً فشيئاً أخذ هذا التشويه يمس الحياة الروسية عبر انتشاره وتغلغله في أعمق أعماق الحياة الروسية وطبقاتها الدنيا. لقد تعامل بطرس مع كل ما هو روسي باحتقار وازدراء. لهذا جرى تشويه مفهوم الروسي الحقيقي بحيث لم يتخلص من هذه العلاقة والمواقف حتى في أفضل المراحل الإيجابية والكبرى في التاريخ الروسي. الأمر الذي يشير إلى ما يمكن دعوته بالمرض الأوربي أو الأوربة الغبية التي أصابت روسيا في مجرى ما يقارب القرن ونصف قرن من الزمن، كما يقول دانيليفسكي.

لقد أدى ذلك بنظره، إلى تشويه الحياة الوطنية واستبدالها بكل ما هو أجنبي؛ واستعارة المؤسسات الأجنبية وزرعها في الأراضي الروسية، مع الاعتقاد بأن ما هو خير في مكان ما يجب أن يكون خيرا في كل مكان؛ الزركشة المفتعلة التي مست كافة أشكال الحياة الظاهرية للناس والمجتمع من ملابس وأجهزة وسلع منزلية ونمط الحياة وما شابه ذلك. بحيث وجد هذا التأثير طريقه إلى كل مجال من مجالات الحياة. كما وجد انعكاسه في الفن والموسيقى والهندسة المعمارية وغيرها من ميادين النشاط الإنساني. أما النتيجة الكبرى لكل ذلك فهي فقدان روسيا لهويتها الخاصة. في حين أن الأصالة السياسية والثقافية والصناعية والمثل العليا التي يجب أن يسعى إليها كل شعب تاريخي هي المقدمة الضرورية لتحقيق الأصالة في كل شيئ وكل إبداع. وإذا كان من الصعب أحيانا بلوغ ذلك، فإن الحد الأدنى الضروري هو حماية الاستقلال. أما الحفاظ على هذا النمط من الاستقلال بوسائل مصطنعة فهو ظاهرة محزنة. بينما كان بالإمكان التخلي عن كل ذلك فيما لو جرى الاحتفاظ بأشكال حياتنا الوطنية، كما يقول دانيليفسكي. فالسجاد في بلاد فارس ليس للرفاهية بقدر ما يعكس نمط حياتهم العادية. انه حاجة ضرورية للأغلبية. الأمر الذي يفسر بلوغ إنتاج السجاد حد الكمال، بحيث لا يحتاج إلى أية حماية لرعاية صناعته. وينطبق الشيء نفسه على الشالات الهندية، والأقمشة الحريرية الصينية والخزف. ونفس الشيء يمكن قوله عن الصناعات الروسية. ومن الممكن أن نأخذ على سبيل المثال انتاج السماور الروسي الذي جعل الحكومة الفرنسية تقوم بفرض قيود جمركية وقيود الاستيراد المختلفة عليه من اجل حماية منتجاتها3 . كل ذلك يشير إلى أن الأصل أفضل من التقليد. بمعنى أن لخصوصية الحياة أثرها على نوعية الصناعة، ومن ثم التجارة. وحالما تفقد الصناعة شخصيتها الوطنية، فإنها تؤدي الى تشوهات مختلفة، إضافة إلى انعدام وجود ما يمكن الدفاع عنه وحمايته ورعايته. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

1- كوزما مينيتش مينين (ت- 1616) إحدى الشخصيات الشعبية الروسية الكبرى التي جمّعت حولها الشعب الروسي بمختلف فصائله في مجرى الصراع ضد الاحتلال البولندي للأراضي الروسية ومدينة موسكو. واستطاع مع الأمير بوجارسكي من تحرير موسكو عام 1612 ولاحقا الأراضي الروسية ككل. ويعتبران الممثلان الأكثر شعبية وعمقا في الوعي الروسي التاريخي. وأقيم لهما نصب تذكاري عام 1818 في الساحة الحمراء وتحته كتب "إلى المواطن مينين والأمير بوجارسكي، تقديرا من الشعب الروسي".

2- بغدان ميخائيلوفيتش خميلنيتسكي. (1595-1657) احد الزعماء والقادة التاريخيين للقوزاق. ولعب دورا مهما في توسيع وتثبيت الدولة القيصرية. انحدر من عائلة نبيلة. كان تاريخه الشخصي سلسلة من الحروب وقيادتها. وقع في الأسر التركي العثماني. واشترك في حروب عديدة. وأصبح قائدا لقوات القوزاق. ودخل في صراع وحروب ضد الكثير من الدول وبالأخص البولندية، بعد أن عمل في خدمتها في بداية الأمر. وعمل خملنيتسكي على طلب المساعدة من مختلف الدول للحصول على استقلال في المناطق التي يحكمها (مما يسمى حاليا اوكراينا). وأجرى مفاوضات بهذا الصدد مع الروس والبولنديين، بل وحتى مع السويديين، لكنها جميعا لم تؤدي آنذاك إلى نتيجة مرجوة. لكنه تعرض إلى هزائم لم يستطع ايقافها إلا بعد الاتفاق مع الدولة الروسية. حينذاك اقسم بالولاء للدولة الروسية بعد أن دخلت وقواته مدينة كييف. بمعنى إرجاع الأراضي الروسية السابقة إلى عهدة الدولة الروسية المركزية.

3- السماور هو جهاز لتحضير الشاي والمشروبات الدافئة

 

سهام جباركتابه (أرض ساخنة) أنموذجاً

من النادر العثور على كتابات من نوع أدب الرحلة في الأدب العراقي المعاصر كالتي كتبها الأديب العراقي الراحل محمد شمسي. ولعلها مزيّة خاصة بالكاتب أن يكتب في أكثر من نوع أدبي كالقصيدة والقصة والرواية وأدب الرحلة وأدب المغامرات للفتيان. واللافت في ذلك كله أننا نلمسُ لا جمعاً بين الواقع والمتخيّل فحسب في معظم كتابات شمسي بل التداخل النوعي الذي يجريه الكاتب بسلاسةٍ ويُسر بين أكثر من نوعٍ أدبي في أعماله عامةً.

ولعل اهتمامي بكتابه (أرض ساخنة) الصادر عن منشورات آمال الزهاوي 1978، نابعٌ من كونه نصّاً كلياً بمعنى أنه نصّ متنوع الخطابات ومتعددّها كما يفرضُ ذلك عليه نوع أدب الرحلة فهو مرتبط بالواقع تسجيلاً له وتوثيقاً تاريخياً وجغرافياً وسيرياً وتذكّراً واقتباساً من جهة، وهو من جهةٍ أخرى يقدّمُ تمثّلاً شعرياً للواقع، تمثّلاً لحلم ورغبة وأسطرة من دون خسران عنصر الصدق الفني في الكتابة، فهو ليس تمثّلاً كاذباً أو مفتعلاً ولاسيما إن أثرَ التجربة الشعوري يظلُّ ممتداً على مدى الكتاب كلّه بما يسمُه بالابتكار والأصالة.

وكأن هاجس الكاتب في الرحلة كان أن يندفع شعورياً مع خصوصية المكان (أفريقيا) بوصفها أرضاً لبدائية الأحلام وحرارة الرغبات وأفق الطبيعةِ الممتدّ، كما يراها، إذ يفترشُ رمزيةً لائقة بالمكان، رمزية تجعل الاندفاع على أوَجه لمصادر الحلم واشباع الرغبات. وفي هذا تمتدّ المهيمنة الموضوعية التي تتركّز في الهدف الحسّي المتجسّد بأشكال عدّة بدءاً من العنوان الذي يزدوج فيه القصد الى المكان أفريقيا والى المرأة على نحو مجازي..

ويتأكد هذا المزج الدلالي فيما يقوله في متن الكتاب (وبعد سنين لا تعدّ، كثيرة بعدد طيور السماء وسمك البحار وذرات الرمل ظلت الحياة في أفريقيا كما كانت قبل ملايين السنين حارة، طائشة، متدفقة، مليئة، وظلت الصيغ الإنسانية الأولى تطفح على الأرض رامية حذرها القديم كلما وجدت قشرة لينة، رقيقة)(الرحلة ص13). وهناك توظيفات نصّية واستثمارات أخرى مجازية وصريحة تعزّز هذا الهدف في سياق الرحلة الكلي.

على وفق خصوصية أدب الرحلة فإن مسعى شمسي في كتابه يبقى أدبياً خالصاً لايخرج الى أهدافٍ ومساعٍ أخرى، إذ لم يسخّر الكاتب رحلته لأهداف سياقية خارجية.

وفي الحقيقة إن رحلة (أرض ساخنة) هي جزءٌ متمّم لرحلة الكاتب في كتابه (ألف ميل بين الغابات) الصادرة في طبعتين عامي 1973 و1976. وتمثّل (ألف ميل بين الغابات) بداية الرحلة وانفتاحها على البيئة الجديدة في أفريقيا، فيما تُعنى (أرض ساخنة) بنهاية الرحلة والعودة الى الديار بعد اكتمال دورتي الاقبال والادبار الى المكان بسحره وغرابته واختلافه ثم التملّص عنه بما غنمه الكاتب من (تدوين) يُلخّص الحياة المعاشة بكل العمق الممكن والمختلف.

هذا الاقبال والادبار يمثلان ايقاع الحياة الولادة والموت، البدء والختام، الذات والموضوع، التكثيف الشعري والتفصيل السردي الموازي.

وهكذا الشعر والنثر يعمّقان بنيةَ الرحلة ودلالتها، بدايتها وانتهاءها في الكتابين.

لقد تجسّدت الخصوصية الشعرية في إعطاء المكان صورة ذاتية تخدم نوع أدب الرحلة وتغذّيه فالكاتب بذلك يدوِّنُ تأريخه الشخصي أو التأريخ الشعوري الذي ينبغي أن يُدوّن على وفق أولويات الكاتب. 

أما التفصيل السردي فهو ما تجسّده كل أنماط النثر الموجودة في أدب الرحلة كالتقرير والاستطلاع والمراسلة الصحفية والقصص واليوميات والتاريخ والجغرافية والمغامرات.

ويتقدم هذا رصد ثنائية السارد (الرحّالة) فهو بطل من جهة قيامهِ بالفعل في المساحات المستكشفة، وهو راوٍ سارد للأحداث، غير محايد بالضرورة، إذ يخطط للمغامرة من جهة الفعل بالرصد والاكتشاف والتخطيط والسعي، وفي الوقت نفسه يصف ويسرد وينتقي ما يريده محفزاً المتلقي للتوقع والانتظار. تجتمع إذن خاصيتا العرض المتضمن المراقبة، والموقف الشخصي المتبنّى تجاه المحكي، مع الوظائف الثانوية المنبثقة من هاتين الوظيفتين الرئيستين، في شخص محمد شمسي المؤلف (الكاتب) والسارد، لقد تحقّق حضورٌ لشخصيتين هنا قد اجتمعا في متن (أرض ساخنة) حيث الوظيفة مزدوجة في الواقع وفي صياغته. وإلى جانب ضمير المتكلم الذي يصدر به السارد سرده يتردد اسمه كذلك (محمد) خلال نص الرحلة، ليعمّق هذا الحضور للكاتب السارد.

وتتخلل نصّ السارد نصوصٌ قليلة لشخصيات في الرحلة تصاغ بطريقته نفسها، إلى جانب التضمينات التي لوّنتْ سياق الأحداث لدعم الموضوعات الأساسية والثانوية ومن ذلك يطالعنا تلخيص للحكايات، واستذكار ومونولوج داخلي، وأسطرة للمكان وللشخصية، وسرود وتضمينات أخرى أقل استعمالاً.. وكل هذه الاستعمالات محسوبة للسارد، حتى الحوار يقع ضمن إدارته، وفي هذا ما يرسم صورة الرحالة كليّة في الرحلة، حتى تكاد تحتويها.

يوجّه محمد شمسي الحكايات التي يورد تلخيصاً لها لصالح هدفه الحسّي فنجده يسرد حكاية الخلق الأول حيث يخفي الإنسان الأول ممارسته عن خالقه كي لا يحاسبه، ويروي حكاية الرجل المتوحّش الذي يشعر برائحة المرأة، وحكاية الأمير الذي يطارد غزالاً لوحده فيجوع ويعطش ويجد عجوزاً تطعمه وتسقيه ثم يعود إلى مملكته فلا يجد ألذ من طعام تلك العجوز وشرابها، وحكاية ماجلان الذي يصل إلى جزيرة نائية فيها تذكير بالرجل العملاق الذي مرّتْ عليه آلاف السنين حتى أصبح أليفاً مدجنّاً، وحكاية صديق البطل التي تبدي تهويلاً في محاولة قبيلة أفريقية إغواء سائحتين امريكيتين، وحكاية الحارس إدريس عن الشيخ محروس المتضمنة إثارةً للرعب وحاجة إلى الاحتماء، وحكاية يختلقها البطل أمام السواح الأجانب عن رحلة صيد في الصحراء العربية، وغيرها.

للحكايات الملخّصة دلالة عامة وكليّة تتمثّل بتكريس نموذج البطل البدائي المتوحش برغباته وجوعه المبهم غير المتمدن، ويحقّقُ البطلُ_ السارد لنفسه الهدفَ الحسيّ الذي ينطلقُ منه منذ بدء رحلته. كذلك تعملُ الحكايات على إغناء الرحلة بمضامين حيّة متنوعة تبثّ أجواء شعورية مشوّقة وجاذبة للقراء فضلاً عن الشخوص المتلقيّة في الرحلة نفسها.

وفي ذلك يتجلى تعميقٌ للنصوص ولتلقيها فضلاً عن تحلية للأجواء بتواصل ممتد على أكثر من طبقة من مرسل ومرسل اليه متعدّدين على أنحاء متنوعة وعلى طول الخطابات المتضمَّنة في متن الرحلة.

بنائياً كانت الحكايات عاملَ ربطٍ مفصلي بين فقرات نص الرحلة أو أنها أحياناً مثّلتْ وقفة زمنية في سياق السرد في الرحلة، ويكون زمن سرد بعض الحكايات عبارة عن توقف تام لحركة السرد في الرحلة، كذلك كانت الحكايات نوعاً من الحذف إذ يسكت السارد عن تفصيلات لا يرويها للقارئ، وتحل محلّ ذلك الحكاية.

وهناك وظائف جذب وتشويق واستدراج للمسرود له، وإشاعة فضاء طقسي عام يسمح بتمرير الدعوة إلى البدائية في شكلها الإيروتيكي، ورسم صورة كائن بدائي في حالة تهيؤ لغزو ورمي شباك لصيد، أو إشاعة رعب تسمح بتصور فاعلية ذكورية في سرد من أجل اللذة كأنه يأتي مضاداً لسرد أنثوي مثّلته في التراث شهرزاد في سردها الدفاعي بإقامة نوع من الكبح لجماح شهريار في تسلّطه على النساء وإعدامهن في سبيل لذّته.

سرد شهرزاد يعمل في إطار دفع ومقاومة وكفّ أو منع، في حين يعمل سرد شمسي في إطار مضادّ هجوم واستعداء وشدّ وغلبة.

هناك استذكار وحنين يظهر في رحلة شمسي إلى مواطن الطفولة لخلق جسور تصل الحاضر الموصوف ببدائيته زمن براءة الإنسان، بالطفولة زمن براءة الشخصية. وهكذا كانت هناك طاقة استذكار تحثُّ النص للإيغال في عمق مدلوله. ليس الاستذكار محصوراً في ماضي البطل وحده فهناك حنين للماضي كله، من هنا ورد استذكار لما في التراث العربي مثلاً حرب البسوس لاستدرار حكمةٍ رافضةٍ للحرب ولقسوة الحياة، هذا التماهي مع التراث زوّد الشخصية بدلالة رامزة لما هو عربي كلّي لا فردي فقط.

من جانبٍ آخر للمتأمل أن يجد الصلة عميقةً للبطل بالموت، بمعنى قيافة أثر الموت بالجسد وبإفنائه في اللذة وفي البحث عنها. لنقرأ مثلاً وصفه للوجوه الأربعة للشخوص_ وهو منهم_ في السيارة، ووصفه لوجهه ((إن وجهي عشبة صغيرة متهورة، سريعة الجري نحو الموت وإن الأرض على امتدادها ذراعان ناعمتان تتلقى أجسادنا المتعبة))(الرحلة ص47) وإذ لا تخفى دلالة تشبيه ذراعي الأرض وتلقّيها الأجساد بالمعنى الحسّي للذراعين ودلالة الاحتضان والتلقّي، يستمر التداعي بالتأمل في صورة حيّة عن حيوان تنهشه النسور مما يعكس معنى خاصاً لهذا التهافت الحسّي الذي ينتهي باستهلاكيته وانغلاقه الى الموت سواء بالمونولوج الداخلي الذي ترك آثاره على وجه الرحلة التي لا ينبغي أن ننسى أنها رحلة عودة وادبار وانصراف عن موضوعها الأساسي وهدفها الرئيس المهيمن فيها، ففيها معنىً من معاني الموت إذ هو انتهاء وانصرام زمن وانطفاء الحياة فيه.

هناك استذكار الى الطفولة في الحنين الى عادات الصغار، وفي السرد على نمط الاعتراف، وتداعي الذكريات المخترقة حواجز الزمان والمكان والمتبنّاة من الشخصية، وإن أتتْ على لسان عاشق من العصر الأموي. إن لهذه الاستذكارات قيمة تأكيد حضور الشخصية في رغبتها بالاستزادة وتحميل النصّ كل الشحنة الممكنة للإنسان الخارق بفراسته وبصدق مجسّاته وشهوته إزاء الوجود وأحلام هذا الوجود.

فيما يخصّ المكان تتمثّل أسطورةُ أفريقيا في نص محمد شمسي من خلال مغامرته الخاصة فيها، إذ ليستْ أفريقيا داخل (أرض ساخنة) القارّة المعمّدة بالدم وبثورات التحرّر فيها. إنما هي أفريقيا ذات الدلالة الشمسية التي هي موضع اللذة حيث الرجل البدائي المتوحش منذ أول صفحات الرحلة، وهكذا تعلى (مكانة) أسطورية لا مكان فحسب في صياغات لغوية شاعرية وانثيال نفسي حميم. يبدأ ذلك بتدبيج تقاليد السهر في المدينة عبر مجموع مكرّس بالخمر والغناء والنكات الرديئة، في سرد هذه الصورة يتردد ضمير المتكلمين لا المتكلم (نحن حفنة من الرجال لا تسلينا الأحاديث ولا تغسل همومنا المناقشات.. أعمار مختلفة وكما يتنقل الرعاة بإبلهم في الصحراء كنا نحمل أجسادنا المرهقة ونتتبع خطوات العشب والماء، ماؤنا الخمر وعشبنا نساء كلابار وايلورين.. ومدينة ((كانو)) ليست صحراء وحاناتها ليست آباراً تعدو عليها الرمال. هذه ليالينا... رجال من جميع القارات يأتلفون عند اقتسام الغنائم...) (الرحلة ص15)، ويمتد هذا الانتماء الجمعي حتى لحظة قدوم السائحتين الأمريكيتين إذ يرجع المتكلم إلى نفسه ليستأثر بالغنيمة وحده ويتنصل عن المجموع. إن هذا الاستئثار هو الذي أدّى بالرحلة إلى أن تكتمل في فرار (إدبار) دائم وصولاً إلى الوطن. وتتحول المكانة الأسطورية من المكان الذي مثله المجموع إلى المكانة التي يمثلها البطل الساردُ وحده.

وفي مجمل الرحلة تردنا صورُ هذا البطل مزوّدة بتشبيهات ورموز من حكايات واستذكار للماضي الخاص والعام مما عرضنا له. فالأسطورية لم تشمل الشخوص كلهم، وإن مرّت برفق على بعض هؤلاء الشخوص (مثل صديق البطل الكهل الذي فرّ مع ليا إحدى السائحتين إلى أصقاع مجهولة من أفريقيا مستغرقاً في رحلته_ حبه)، إلا أن تمثّل الأسطورة كان دواماً لشخص بعينه له امتدادات شخصية وعامة. أما الشخوص الآخرون فثانويون يدورون في فلك البطل ومساعيه. فيما غُيِّبتْ العوامل المناوئة عن السرد لتظل أنا المتكلم حاضرة حتى النهاية مع صفات معمّقة لها، منها ما يدخل في إظهار قدرات خاصة من عرافة وقيافة وخداع في الحكي يذكّر أحياناً بشخصية البطل المخادع في المقامات العربية القديمة.

هناك سرود أخرى في الرحلة، لها أهمية هي أيضاً، في إرساء الخصيصة النوعية للرحلة فلولاها لامتنع علينا إطلاق أدب رحلة على (أرض ساخنة)، وتتوزع هذه السرود على قلّتها في  مساحة النص، وتتشابك مع غيرها من استعمالات. وإذا شئنا حصرها في كتاب الرحلة المستغرق (135 صفحة) لوجدنا أنها لا تزيد عن عشرين صفحة، وبالتأكيد هذا قدر قليل مما يدخل في الموضوع المباشر الذي يميّز الرحلة عن غيرها من الأجناس، على أن سياق السرد كله لا يخرج عن مناخ أفريقيا، والشخوص موجودون هنا لأجلها، مع الوصف المتناثر لبعض التفصيلات والأمور الجانبية للحياة هناك. ولقد جنّد المؤلف قدراته في ملء الفراغ الحاصل بالتنويعات السردية التي تفنّن في زجّها مع لغته الواصفة بشعرية وبتأمل ممتلئ.

كل هذا التفصيل السردي يقابله، في الحقيقة، تضمين شعري يستفاد عادةً منه في كتب الرحلة لخلق توازن بين العالم الواقعي والجانب الشعوري، ولقد أفلح الكاتب محمد شمسي حقاً في إشاعة فضاء شعوري عام وواحد غير مشتت أو مبلبل، بمعنى أن تضمين الشعر في (أرض ساخنة) جاء موظفاً للموضوع المهيمن نفسه، فلم يخرج الكاتب عن الجو العام للنص. بل إن نثر الكاتب نفسه كانت له فاعلية شعرية على طول سياق النص، فجاءت الرحلة مع واقعيتها محمّلة بمكنونات العاطفة والخيال في سرد يستثمر التشبيهات، والمجازات، والرموز للذهاب عميقاً في ضخّ دلالته.

 

د. سهام جبار

 

 

 

ميثم الجنابيلقد جعل دانيليفسكي من المواجهة الباطنية مع الغرب (الأوربي) التي لا مفر منها ميدان وأسلوب تحويل أوهام التيار السلافي والقومي الروسي إلى أحلام اليقظة السياسية من خلال تفسير علاقة الوطني بالعالمي، والكشف عن طبيعة الخلاف الجوهري بين النمط الأوربي والروسي، والكشف عما اسماه بالأوربة أو "وباء التقليد الأوربي"، بوصفه مرض الحياة الروسية، ومن ثم البرهنة على أن النمط التاريخي الثقافي الأوربي لا يتسم بطابع عالمي، وأخيرا، إن النمط  التاريخي الثقافي الأوربي عرضة للتحلل والفساد، وبالتالي انتهاء دوره الريادي على النطاق العالمي. ومن ثم لا قيمة له بالنسبة للبديل الروسي السلافي.

ففي معرض تحليله لعلاقة الوطني أو القومي بالعالمي أو بالإنساني العام، انطلق دانيليفسكي، من أن ما يميز العبقرية العالمية هو تمتعها بقوة الروح والتحرر من قيود القومية والعمل من أجل الإنسانية ككل. غير أن ذلك لا يمكنه الحدوث خارج إطار الواقع الوطني أو القومي وضمن مسار التطور الذاتي للأنماط الثقافية. فالتطور الحضاري بحد ذاته غير ممكن دون مروره وانتقاله من العشوائية والحدود الوطنية إلى العالمية. من هنا كانت جدارة بطرس الأكبر، كما يقول دانيليفسكي، في إخراج روسيا من الحدود الوطنية وإدخالها في مجال الحرية الإنسانية، أو على الأقل انه دفعها بهذا الاتجاه. وترتب على ذلك صعود الفكرة الأوربية وأهميتها بل جوهريتها بالنسبة للوعي الروسي الآخذ بالبطرسية الخالصة. وقد تطورت هذه العقيدة وبلغت ذروتها في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر من جانب أتباع النزعة الأوربية والغرب. وقد كان ذلك نتيجة شبه محتومة بسبب كون أغلب المتعلمين والمثقفين الروس آنذاك ينتمون لهذا التيار. وفي مجال الفكر النظري والفلسفي والسياسي كانت مصادرهم كل من الفلسفة الألمانية والاشتراكية الفرنسية. الأمر الذي أفقد هذا التيار الغربي للنزعة الوطنية والقومية، أو أنهما تحولا إلى كيانات ضعيفة وتابعة. ولم يجد دانيليفسكي غرابة في هذه النتيجة والواقع بالنسبة لأولئك الذين حصلوا على تعليمهم من مصادر أوربية فقط. بحيث اعتبروا أن كل ما انتجته الثقافة الأوربية (الجرمانية الرومية اللاتينية) يقف على النقيض من النزعة الوطنية الروسية. بل واعتبروا هذه النزعة ضيقة في كل شيئ وموقف. بحيث دفعهم هذا التقليد وجعلهم يخلطون بين ما هو أوربي وعالمي. بمعنى إنهم ألبسوا كل ما هو أوربي طابعا وغلافا عالميا. بينما كانت الثقافة الألمانية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من الثقافات الأوربية قومية محض وضيقة أيضا. في حين أن معنى العالمية هو ما يتجاوز القومية الضيقة. ومع أن هذه الحقيقة جلية للعقل السليم والمنطق، إلا أن ذلك لم يمنعهم من مطابقة الأوربية مع العالمية1 .

لقد سعت الثقافة الأوربية القومية والقارية العامة إلى مطابقة كل ما تنتجه على انه عالمي بالضرورة. ولم تشذ، كما يقول دانيليفسكي، من هذا الموقف والأحكام حتى الاشتراكية في مساعيها لإيجاد أشكال مشتركة من الحياة الاجتماعية قادرة على إسعاد البشرية دون أن تأخذ بنظر الاعتبار التمايز في الزمان والمكان والحالة القومية. وضمن هذا السياق والاتجاه والمعنى والأسلوب ظهر المفهوم الأوربي للعالمية.

لكننا حالما نأخذ بتحليل التاريخ الأوربي، كما يقول دانيليفسكي، لمختلف أقوامه وشعوبه فإننا سوف نقف أمام توسيع مفرط لتجاربها الذاتية وإضفاء صفة العالمية عليها. فمفهوم العالمية أوسع من مفهوم القومية. بينما كل ما في الأوربية وشعوبها هو دعوة نفسية وقومية خالصة. فالتمايز بين القومي والعالمي كان وما يزال كما هو. بل حتى مفهوم العالمية هنا هو أقرب (بالمعنى الأوربي) إلى الفكرة القومية أو حتى القبلية. فمن حيث الجوهر، كما يعتقد دانيليفسكي، لا وجود لما يسمى بالعالمية. إذ لا توجد حضارة عالمية واحدة ولا يمكن أن توجد. لأنه أمر مستحيل. بمعنى انه لا يمكن أن توجد حضارة إنسانية كاملة يمكنها ضمّ الجميع إليها. إن هذه الحضارة الإنسانية الكاملة لا وجود لها لأنها مثالية وغير قابلة للتحقيق. لكنه مع ذلك يفسح المجال أمام الإقرار بهذا العنوان العام المجرد من خلال مفهوم الحضارة المثالية القابلة للتحقيق عبر التطور المتسق أو المشترك لجميع الأنماط التاريخية الثقافية.

إلا أن إشكالية القومي والعالمي تظل موجودة على الدوام في ما يخص المسار الطبيعي للأنماط التاريخية الثقافية. وذلك لأن الحضارة لا تنتقل من شعوب ذات نمط ثقافي معين إلى شعوب أخرى. وإذا كان هذا الشعب أو ذاك لأسباب خارجية أو داخلية غير قادر على تطوير حضارة متميزة وخاصة به فلا خيار أمامه سوى التحلل والتحول إلى مادة إثنوغرافية. وحددت هذه الرؤية ونسقها المنطقي الحكم التاريخي الثقافي تجاه علاقة النمط السلافي الثقافي الممكن مع نفسه ومع الأنماط الثقافية الأخرى (الأوربية بشكل خاص). لهذا اعتبر دانيليفسكي السلافية الرديف المعنوي للأوربية، والشعوب السلافية رديفا للشعوب الأوربية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن السلافية هي مصطلح يماثل معنى الهيلبنية واللاتينية والأوربية. وهي نفس النمط التاريخي الثقافي. وبالتالي، فإن معنى روسيا والجمهورية التشيكية وصربيا وبلغاريا بالنسبة لمفهوم السلافية ينبغي أن يكون رديفا لمعنى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإسبانيا بالنسبة أوروبا. من هنا يمكن فهم رفعه لشعار الفكرة السلافية القائل، بأنه ينبغي أن تكون فكرة السلافية بالنسبة لجميع السلافيين من روس وتشيك وصرب وكرواتيين وسلوفينين وسلوفاكيين والبلغار بعد الله والكنيسة، أعلى من أية فكرة أخرى. بمعنى احتلالها الدرجة الثالثة في هرم المرجعية الكبرى (الله والكنيسة والسلافية) أو أحد أضلاع المثلث الضروري للنمط التاريخي الثقافي السلافي. من هنا رفعه فكرة السلافية بوصفها مرجعية جوهرية إلى مصاف ما فوق العلم والحرية والتنوير وأي شيئ أرضي آخر، وذلك لأن أياً من هذه القيم والمفاهيم لا يمكن تحقيقه دون سلاف مستقلين بالمعنى الروحي والشعبي والسياسي.

أما السؤال المتعلق بماهية الحضارة السلافية الجديدة وما هي مبادئها مقارنة بالحضارة الأوروبية، فقد اجاب عليه دانيليفسكي كما يلي: لكل حضارة مسارها الخاص. وكل منها يطور نمط ثقافي معين مميز له. وبالتالي لا معنى لتكرار ما قام كل منها وأنجزه. وهي فكرة توحي بتضمنها على فكرة الإبداع الجديد والمتجدد، التي نعثر على نموذجها أو نماذجها الأكثر رقيا في الثقافة الإسلامية حول ما دعته بفضائل الأمم في الإبداع. وهي فكرة أكثر دقة مما عند دانيليفسكي. إلا أن مأثرته هنا تقوم في بلورته إياها ضمن سياق تأسيس الهوية السلافية في مواجهة الهيمنة الأوربية الحديثة ونمطها الثقافي اللاتيني الجرماني.

وانطلق في تأسيس فكرته وموقفه هذا من أن تطور العلم الإيجابي، بوصفه احد أهم نتاج الحضارة الجرمانية الرومية، هو تمثيل خاص لهذا النمط التاريخي الثقافي الأوروبي، تماما كما كان الفن وفكرة الجمال هي الثمرة الأساسية للحضارة اليونانية، بينما كان القانون والتنظيم السياسي للدولة ثمرة الحضارة الرومية. لذلك من غير المعقول إطلاقاً أن يجري تطوير هذه الجوانب (أو استنساخها) من جانب النمط الثقافي السلافي. فالتقدم والتطور هو نتاج أسباب داخلية تجعل الأمم الجديدة ذات الذهنية الخاصة الظهور بصورة مختلفة ومتميزة في المجال التاريخي، بمعنى تكوين نمطها الثقافي الخاص. لكن ذلك لا يعني أن النمط الجديد من الحضارة لا يمكنه النجاح في الحقول التي اجتازها الآخرين أو ممن سبقه وزامنه. ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النوع من النشاط مهمته الرئيسية. إذ لكل دولة بعض فروع المعرفة، كما هو الحال بالنسبة لكل شيء آخر. وكما أن قدرات الشعوب مختلفة كما هو الحال بالنسبة للأفراد، لهذا يوجد أفراد مستعدون لعلم الرياضيات وآخرون لعلم الطبيعة وقسم ثالث لعلم اللغات وغيرهم لعلم التاريخ والعلوم الاجتماعية وهكذا دواليك. وعندما نتأمل إبداع الشعوب الداخلة ضمن النمط الثقافي الأوربي الحديث، فإننا نرى تباين شعوبها في الإبداع العلمي. فمن حيث القدرة على الرياضيات النظرية والتطبيقية، بحتل الفرنسيون المكانة الأولى. إذ بينهم نعثر على أكبر عدد من الرياضيين الكبار مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى مجتمعة. ولعل شخصيات مثل باسكال وديكارت وكلارو ودالامبرت ومونجي ولابلاس وغيرهم مثالا على ذلك. بينما طورت ألمانيا في نشاطها العلمي صيغة أخرى. إنها قدمت كوكبة من علماء الرياضيات الكبار غير ان عددهم لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة اشخاص وهم كل من لايبنتس وأويلر وغاوس. لكن ألمانيا مهيمنة أكثر في علم اللغة أو الفلسفة المقارنّة التي لا تستطيع فرنسا مقابلتها بهذا الصدد. وإن هذه الأسبقية التي لدى الألمان في هذا المجال لا يمكن تفسيره بأسباب عرضية.

كل ذلك أوصل دانيليفسكي إلى استنتاج دقيق يقول بوجود ثلاثة أسباب تدفع العلم، إلى جانب أسباب أخرى، بما يتوافق مع ختم القومية. وهذه الأسباب هي أولا كل من التفاضل من جانب مختلف الشعوب في مجال المعرفة وفروعها المختلفة؛ وثانيا تمايز الأقوام والأمم في قدراتها ونظراتها عن غيرها بحيث يجعلها تنظر إلى الواقع من وجهة نظرها الخاصة؛ وأخيرا إن امتزاج بعض الخصائص بين الشعوب والأقوام ليست عملية عشوائية. وفي حصيلتها تشكل ما نسميه بالشخصية الوطنية.

فقد فضل اليونانيون، علبى سبيل المثال، الطريقة الهندسية، بينما الهنود بسبب خيالهم الخصب جعلهم يختلفون عن اهل اليونان بما في ذلك في الهندسة والرياضيات (مع انهما من أدق العلوم). إن خيال الهنود يجمع أغرب الصور الرائعة، ولكنه في الوقت نفسه أكثر غموضا. فاليونان يتميزون بالدقة واليقين الذي يوافق خيالهم. بينما لا نلاحظ ذلك عند الهنود في إبداعهم الفني ولا في البنية الميتافيزيقية للفلسفة الهندية، التي تتميز باستنتاجات جدلية جريئة بعيدة المدى. ويمكن التدليل على ذلك بنموذج آخر هو النموذج الإنجليزي. فالصراع والتنافس يشكلان أساس الشخصية القومية الإنجليزية. ووجد ذلك انعكاسه في إبداع ثلاثة شخصيات كبرى وضعوا ثلاثة تعاليم أو ثلاث نظريات في مجالات المعرفة المختلفة، وكلها مبنية على هذه الخاصية الأساسية للشخصية القومية الإنجليزية. ففي منتصف القرن السابع عشر، وضع الإنجليزي هوبز نظرية سياسية عن ظهور وتطور المجتمعات البشرية استنادا إلى فكرة حرب الكل ضد الكل أو حرب الجميع ضد الجميع. وفي نهاية القرن الثامن عشر، ابتدع آدم سميث نظرية اقتصادية مبنية على التنافس الحر بين كل من المنتجين والمستهلكين، ونظرية النضال والتنافس المستمر، التي تؤدي إلى الوئام الاقتصادي. وأخيراً وضع الإنجليزي داروين نظرية الصراع من أجل الوجود في مجال علم وظائف الأعضاء، والتي يجب أن تشرح أصل الأنواع الحيوانية والنباتية وتنتج الوئام البيولوجي. ولهذه النظريات الثلاث مصير مختلف. فنظرية هوبز منسية تماما. بينما نمت نظرية سميث إلى علم كامل للاقتصاد السياسي، مما جعل محتواه أكثر أهمية. بينما انتشرت نظرية داروين على نطاق واسع.

لقد أراد دانيليفسكي القول، بأن جميع هذه النظريات تشترك في نظرتها الأحادية الجانب وإفراطها الجزئي. من هنا استنتاجه بهذا الصدد والقائل، بأن دور كل من القوميات الأوربية الثلاث في الحركة العلمية العامة يتطابق تماماً مع درجة الاختلاف في طابعها القومي. وبالتالي، فإذا كان للقومية محلها بما في ذلك في العلوم الطبيعية، فما بالك من أثرها في العلوم الاجتماعية والمواقف والأحكام الثقافية؟ كل ذلك يكشف من وجهة نظره، عن الحقيقة القائلة، باستحالة نقل ثمار شعب إلى آخر وبالأخص حالما يكونوا من أنماط ثقافية مختلفة. وهو استنتاج، كما يقول دانيليفسكي، لا ينفي ولا يقلل من كون الإنتاج العلمي هو ثروة البشرية جمعاء. غير أن تطورها يكشف عن أن تطوير العلوم بما في ذلك الطبيعية ليس أقل وطنية وقومية من الفن والحياة الشعبية. وهي حالة ونتيجة مرتبطة بطبيعة تطور وخصوصيات "النظام العقلي" للدول والأمم، أي كل ما وضعه في تفسيره عن المكونات الجوهرية لاختلاف الانماط الثقافية.

لقد توصل دانيليفسكي، إلى أن مسار التطور التاريخي للأمم يبرهن على أن الطابع القومي للعلوم يظهر ليس فقط في الجانب الذاتي (الشخصي) ولكن أيضًا بالمعنى الموضوعي. من هنا إمكانية الاستنتاج القائل، بأن العلم يمكن أن يكون قومياً. لكن طابعه القومي يختلف من قومية لأخرى. وإذ كان الطابع القومي أقل ظهورا في العلوم الطبيعية، فإنه يتوقف في العلوم الاجتماعية على النظام العقلي (التربوي) الخاص لكل دولة ولكل نمط من أنماط التاريخ الثقافي. وإذا كان الطابع الأكثر وطنية يقوم في إنجاح العلوم الاجتماعية القادرة على إنماء الدولة والأمة، فإن غايتها تقوم في أن تكون وطنية. وينطبق هذا بالطبع على علوم اللغة. إذ لم يسبق لأحد أن جادل بأن قواعد اللغة الألمانية واجبة أيضا بالنسبة للغة الروسية. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

1-  هذه فكرة سليمة من حيث طابعها النقدي، بمعنى أنها سليمة ضمن حدود الموقف النقدي لدانيليفسكي من نزعة التقليد الروسية آنذاك. فالمهمة الأساسية بالنسبة له كانت تقوم في تفتيت قيمة التقليد ومن ثم ضرورة إرجاع الثقافة والمثقف الروسي إلى عالمه الذاتي (القومي). لكنها ليست دقيقة في ما يخص الموقف من الانتاج القومي الألماني أو الإنجليزي أو الفرنسي، باعتباره انتاجا قوميا خالصا وضيقا. وذلك لأن الإنتاج القومي الخالص والرفيع، الذي يرتقي إلى مصاف "الصيغة الكلاسيكية" هو عالمي بالضرورة. من هنا فإن كل الإنتاج الأدبي والفلسفي والفني الروسي القومي الكلاسيكي هو عالمي أيضا. إذ لا يوجد إبداع عالمي صرف. إنه محدد دوما أما بالقومية أو "العالمية" الجزئية مثل إبداع الثقافة النصرانية والبوذية والإسلامية وأمثالها.

 

ميثم الجنابيإن تاريخ نشوء وتطور واستتباب النمط التاريخي الثقافي (الحضارة) يتوقف على قاعدته الأولية ألا وهي صيرورة الدولة القومية ووحدتها السياسية والإثنية وضرورة الاستقلال السياسي. كل ذلك يبرهن على استحالة قيام حضارة وتطورها بدون استقلال سياسي. وإذا كان بإمكان الحضارة أن تعيش بدون هذا الاستقلال، فإن ذلك لن يحدث إلا لفترة محدودة كما جرى ذلك بالنسبة لليونان. ومع ذلك فهي مجرد ظاهرة استثنائية في كل المسار التاريخي. والسبب القائم وراء ذلك هو هيمنة النظام العبودي، الذي أعاق تطور الأفراد. وخارج اطار السلالات السامية والآرية، استطاعت السلالة الحامية (المصرية) والصينية تأسيس أنماط تاريخية ثقافية لها أصالتها الخاصة، كما يقول دانيليفسكي.

إن هذه الأحكام الدقيقة من حيث مضمونها تكشف أيضا عن أن دانيليفسكي لم يتحرر من أثر التقسيمات الأوربية للغات وأشكالها الدينية المستقاة من التوراة. رغم انتقاده العميق بل والمرير لمناهج الفكرة الأوربية. لاسيما وانه تقسيم أسطوري وديني من حيث مقوماته. ومن ثم يتعارض من حيث الجوهر مع ما سعى إليه من تقييم رفيع لكل من الحضارة الصينية والمصرية. بينما يعادل معنى حام والحامية في الديانة اليهودية والنصرانية المأخوذة منها، المعنى السلبي التام.

وما عدا ذلك لم تستطع أي من القبائل والشعوب الأخرى إرساء أسس حضارات أصلية. ولكل منها اسبابه الخاصة. لكنها تشترك في عدم استطاعتها الانتقال الفعلي إلى عالم الحضارة كما هو الحال بالنسبة للكلتيين والفنلنديين، والعرق الأسود (الإفريقي) وكذلك المغول والأتراك. ولكل منهم سببه الخاص الذي أعاق إمكانية الانتقال من حالة الوحشية والبداوة إلى حالة الحضارة. فبعضها لم تتكامل صيرورته السياسية المستقلة، وبعضها بقي بحالة وهيئة المادة الإثنية، وآخرون بقوا ضمن حالة الاستعداد على لعب دور العناصر التاريخية المدمرة.

أما القانون الثالث للتطور التاريخي الثقافي والقائل، بأن بداية الوجود الحضاري لا يمكنه أن يكون نسخة أو نقل تقليدي صرف لمن سبقه أو يعاصره. وبالتالي، يتطلب المزيد من الدراسة والتوضيح التفصيلي، كما يقول دانيليفسكي. والسبب الأساسي لذلك يقوم في قلة المعلومات الدقيقة التي بحوزتنا عن الأنماط التاريخية الثقافية لكل من مصر والصين والهند وإيران وآشور وبابل. وبالتالي يصعب الكشف عن الأحداث ونقدها انطلاقا من تاريخ هذه الحضارات نفسها. لكن النتائج التي أدى إليها هذا التاريخ تؤكد مضمون القانون الثالث. بمعنى، أن كل منهم هو كيان ثقافي مستقل وقائم بحد ذاته. إذ لا نعثر على شعب غير الشعب المصري من يدين بالثقافة المصرية. بينما اقتصرت الحضارة الهندية على الشعوب الناطقة باللغات ذات الجذور السنسكريتية. في حين يعود الفينيقيون والقرطاجيون إلى النمط الثقافي السامي القديم. فقد كان الفينيقيون ينتمون إلى نفس الجذر البابلي، بينما كانت قرطاجة مستعمرة فينيقية. في حين لم تنقل قرطاجة حضارتها إلى الأفارقة. أما الحضارة الصينية فشائعة بين الصينيين واليابانيين فقط. أما العبرانيون اليهود فلم ينقلوا ثقافتهم إلى أي من الأمم التي أحاطت بهم أو ممن عاشوا معهم في نفس الوقت. وطبق دانيليفسكي هذا الموقف التحليلي النقدي على البقية الباقية من الحضارات التاريخية من اجل كشف مضمون هذا القانون.

ومع ذلك يكشف الواقع والتاريخ عن أن خطط نشر الحضارة (الإغريقية) غير قابلة للتطبيق مقارنة بخطط الغزو التي نجحت لبعض الوقت. ونفس الشيء يمكن قوله عن الحضارة اللاتينية. ففيها أيضا نلاحظ فشل النقل لأنه لم يؤدي إلى شيئ باستثناء العقم. بينما نحصل على نتائج معاكسة تماما حينما بقت المبادئ الرومانية الأصيلة. أما الولاء لبدايات نظام الدولة القومية فقد جعل من روما أقوى سلطة سياسية من كل ما كان موجوداً.

وهنا يظهر السؤال المتعلق بماهية ونوعية الانتقال الحضاري أو مستوى ونوعية تأثيره، وهل أن نتاج الثقافات التاريخية معزول بشكل تام بحيث تنتفي أية إمكانية للتأثير المتبادل. ومن ثم هل يعني ذلك بأن الأنماط التاريخية الثقافية محكوم عليها دوما بالانعزال والغربة؟ وقد كانت اجابة دانيليفسكي بالسلب. فالحضارات المتتالية لها افضلية على الحضارات المنعزلة. ولكن ما هو الأسلوب الذي يجري من خلاله استخلاف الأنماط التاريخية الثقافية؟ إن إجابة دانيليفسكي على هذا السؤال تقوم في توكيدها على أن التاريخ يبرهن على أن الحضارة لا تنتقل من نمط تاريخي ثقافي إلى آخر. لكن ذلك لا ينفي التأثير المتبادل بين الحضارات. ومع ذلك يبقى هذا التأثير جزئيا. ومن ثم لا يرتقي إلى مصاف الانتقال الثقافي. وللانتقال مستويات ونماذج، أولها الانتقال عبر الاستعمار التام كما كان الحال بالنسبة للفينيقيين بنقل حضارتهم إلى قرطاجة، والإغريق إلى إيطاليا وصقلية، وبريطانيا إلى أمريكا الشمالية وأستراليا. وإذا كان بالإمكان تصور حضارة إنسانية عالمية في مكان وزمان ما فمن الواضح أن من مصلحتها استخدام طريقة الانتشار بالشكل الذي يقضي على الشعوب الأخرى، باستثناء أولئك الذين طوروا هذه الحضارة الإنسانية العالمية. أما الشكل الآخر من أشكال انتشار الحضارة فهو التطعيم، الذي عادة ما يجري من خلاله فهم انتشار الحضارة. فقد كانت الإسكندرية، كما يقول دانيليفسكي، مثل قطعة يونانية أو بقعة على شجرة مصرية. أما الحصيلة التي يمكن التوصل إليها فتقوم في أن التطعيم لا ينفع المطَّعم لا بالمعنى الفسلجي ولا بالمعنى التاريخي الثقافي. غير أن دانيليفسكي كان في الوقت نفسه إلى جانب إمكانية الاستفادة من استنتاجات وأساليب العلوم الطبيعية وتحسين الصناعة وتطوير الفنون. وما عدا ذلك فلا يصلح للتطبيق العملي من معارف وتجارب الآخرين. والسبب يكمن في أن حلول الحضارات الواقعية والفعلية لمشاكلها الفكرية والروحية والاجتماعية وأمثالها تبقى جزءا من تجاربها الخاصة. بمعنى أن هذه الحلول لا تصلح للآخرين لأنها من أصل آخر. ومن ثم لها حدودها. وهي حدود تكمن في القانون الخامس، الذي بلوره دانيليفسكي، عن أن لكل حضارة أمدها الخاص. ومن ثم فهي عرضة للزوال بحكم الضرورة. فهي تشبه النتاج الطبيعي لوجود الأحياء. إنها تمر بمرحلة طويلة من الصيرورة لكي تتكامل وتكون مستعدة للإنتاج والإثمار. وهذه الحالة الأخيرة هي مرحلة نهايتها المبدعة. وبمعايير الزمن هي أقصر من زمن الصيرورة الأولية. وهي المرحلة التي تكشف عما في هذه النمط التاريخي الثقافي من خصوصية تجد انعكاسها في كافة ميادين الإبداع المادي والروحي. ففيها يظهر، كما يقول دانيليفسكي، نشاطها الروحي بشكل جلي في جميع المجالات التي تستجيب لما في طبيعتها، ليس فقط تجاه العلوم والفنون بل وتجاه التنفيذ العملي لمثلها العليا عن الحقيقة، والحرية، ونظام الحياة الاجتماعية، والرفاهية الشخصية وما إلى ذلك. وشأن كل حالة من هذا القبيل، فإن النهاية الحتمية تقوم في جفاف النشاط المبدع لهذا النمط الثقافي أو الحضارة. وليس المقصود بالجفاف هنا سوى الحالة التي يقف أمامها الإبداع التاريخي باعتبار أن ما جرى بلوغه هو الغاية القصوى، أو أن ما توصلوا إليه لا يخلو من تناقضات لا تحصى شأن كل ما هو عند الآخرين. وبغض النظر عن كل ما يمكن بلورته بين أتباع هذا النمط من تفسير وتأويل لما جرى، فإن النهاية هي هي: الاندثار من مسرح التاريخ. وسواء جرى ذلك بفعل أسباب داخلية أو قوة خارجية، فإن النتيجة الجلية تقوم في أن شعوب هذا النمط التاريخي الثقافي تعود مرة أخرى إلى الشكل الإثنوغرافي البدائي للحياة، والذي يمكن أن تنشأ منه حياة تاريخية جديدة. بمعنى التحلل والاندثار في صيرورة التاريخ الثقافي.

فبلوغ الكمال في هذا النمط التاريخي الثقافي أو ذاك عادة ما يتجسد في نمط ثقافي غالب، مثل النمط الجمالي والفلسفي عند اليونان، أو الصناعي عند الصينيين، أو الديني عند الساميين وما شابه ذلك1 . بمعنى أن انتهاء الإبداع التاريخي للنمط الثقافي المعين، ومن ثم تحلل ما فيه، عادة ما يشكل نقطة الانطلاق سواء المدركة بمعايير التجارب الموازية أو الرؤية الحسية المباشرة، أو بفعل الإبداع الذاتي الخالص. وسبب ذلك يقوم في أن حركة التقدم إلى الأمام في حياة البشرية، كما يقول دانيليفسكي، لا تتوقف. إذ حالما يجري بلوغ الكمال في مجال معين، حينذاك تبدأ حركة المسار الثقافي في طريق آخر. وعادة ما يلازم ذلك دخول سمات ذهنية وعقلية ومشاعر وإرادة أخرى في ميدان النشاط، والتي لا تمتلكها إلا شعوب من نمط تاريخي ثقافي آخر. والمقصود بذلك، حسب دانيليفسكي، إن التقدم لا يجري في اتجاه واحد، وإلا لتوقف بعد فترة بالضرورة. بل المقصود هو الانطلاق من حصيلة النشاط التاريخي للبشرية ككل صوب اتجاهات أخرى.

ووضع هذه الحصيلة في استنتاج يقول، بأنه لا يمكن لأية حضارة أن تفتخر بأنها تمثل ذروة النمو والتطور في جميع الجوانب مقارنة بمن سبقها أو بمن يعاصرها. ففكرة الجمال عند الإغريق قد بلغت ذروة الكمال، في حين لم تنتج الحضارة الأوروبية الحديثة شيئا يمكنه التفوق على الإغريق بهذا الصدد. بينما سارت شعوب النمط الثقافي الأوروبي باتجاه الدراسة التحليلية للطبيعة، واستطاعوا إرساء العلوم الإيجابية بشكل لم تستطعه أية حضارة أخرى سابقة. ومع ذلك، ليس المقصود من وراء ذلك القول، بأن المواهب الروحية للشعوب عادة ما تتمثل بجانب واحد فقط. كما لا يعني ذلك أن كل منها يحقق جانبا واحدا فقط في الحياة مثل القول، بأن الإغريق كانوا يمارسون الأناقة والجمال، وأن الأوروبيون لديهم العلوم الدقيقة فقط. إن الحديث هنا يشير فقط إلى ما هو جوهري وأولي وخاص في الإبداع التاريخي لهذا النمط الثقافي أو ذاك. وهو مرتبط بخصوصية البداية الأولية أو حصيلة المبادئ الأولية المتراكمة في وعيها وشخصيتها، والتي تصنع لاحقا نمطها الثقافي الخاص2 . فالانتقال من الحالة الإثنوغرافية إلى الدولة، ومن الدولة إلى الحالة الحضارية أو الثقافية يحدث بأثر دفعة أو سلسلة من الدوافع الخارجية التي تستثير وتحفِّز نشاط البشر باتجاه معين. فقد شكل غزو هيراقليدس بداية تشكيل الدول اليونانية. أما التعرف على الحكمة الشرقية وانتهاءً بالحروب مع الفرس فقد أدى إلى استثارة الروح الشعبي صوب دخول اليونان في مرحلة الحضارة. ونفس الشيء بالنسبة لروما. إننا لا نعرف الأسس الأولية للدول الإيطالية القديمة وصراعها المتبادل، وكذلك كيفية هيمنة الأرستقراطية على الفئات الشعبية التي أدت إلى سيطرة روما. إلا أن الحروب البونيقية والتعرف على اليونان قد استثارا الروح الشعبية ومن ثم دفعها صوب عالم الحضارة3 . أما اصطدام الشعوب الجرمانية بروما فقد أدى إلى خروج الجرمان من الحالة الإثنوغرافية. وما قبل ذلك يمكن قوله عن بابل وآشور وفينيقيا وغيرها. وهذه بدورها عملية معقدة وشائكة ومتداخلة تحتوي على حالات التقدم والانتكاس والرجوع من جديد. وتأخذ ازمان مختلفة. إضافة لذلك ليس جميع الأنماط الثقافية تمكنت من المرور عبر جميع مراحل هذا التطور. إذ يحدث أن تتعرض للتدمير من قبل عواصف خارجية أو بسبب قلة المخزون الاحتياطي الذي جرى جمعه بحيث لم يعد كافيا للنمو الكامل.

وتوصل دانيليفسكي بأثر هذه القوانين وجوهريتها بالنسبة لنشوء وتطور وزوال الأنماط التاريخية الثقافية إلى أن تطور البشرية لم يستمر حتى الآن إلا من خلال الأنماط التاريخية الثقافية الأصيلة وبما يتوافق ويستجيب لمساعي التجمعات الكبرى. ومن ثم لا يمكنها أن تجري بطريقة أخرى.

إن هذه الصيغة الحادة بل والحتمية التي تواجه صيرورة وتكوّن الأنماط التاريخية الثقافية (الحضارة) وزوالها، تحتوي في منظومة دانيليفسكي على بعد "متفائل" آخر يقوم في المعنى الذي ضمّنه في فكرته عن إمكانية واحتمال بل وحتمية صعود النمط التاريخي الثقافي السلافي بشكل عام والروسي بشكل خاص، في مواجهة النمط التاريخي الثقافي الأوربي (الرومي- الجرماني، أو اللاتيني - الجرماني) الآيل للسقوط والزوال. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

1- نعثر في هذا التصنيف على صدى المواقف الأوربية الأولية عن تقسيم ذهنية الشعوب والأمم بما يستجيب لنمطية الشرق والغرب، بحيث جعلوا من الشرق عالم الدين والخرافة وما شابه ذلك. ولاحقا يجري تخصيصها بعالم "الساميين"، أي أنهم يمثلون الفكرة الدينية والوعي الديني، وانه ابداعهم الوحيد في معارضة العلم والمنطق المميز لأوربا، وما شابه ذلك من أحكام ساذجة وسطحية ولا تخلو من غباء متبجح بخرافاته.

2- هناك اسباب جوهرية عميقة تكمن في ما اطلقت عليه الثقافة الإسلامية الكلاسيكية عبارة "طبائع الأمم"، أو ما يطلق عليه اليوم خصوصيات الأمم أو أرواحها، أو ما يطلق عليه دانيليفسكي مصطلح النمط التاريخي الثقافي. فقد كان مضمون الفكرة التي بلورتها التقاليد الإسلامية الفكرية الرفيعة تقوم في تعبيرها عن النفس الثقافية الإسلامية أو الروح الثقافي الإسلامي أو العقل الثقافي التاريخي. انها استنبطت فكرتها عن طبائع الأمم وتمايزها بمعايير الموقف الثقافي والفكرة الثقافية. ومن ثم كشفت عن فضائلها، وليس مجرد مجموع خصالها. إنها ركزت على الدور أو القوة الفاعلة في إبداع الأمم وشخصياتها. وقد سار دانيليفسكي من حيث الجوهر ضمن هذا المسار أو هذا السياق. وله الأولية في الثقافة الروسية من خلال تحويل الفكرة الفلسفية إلى أيديولوجية سياسية عميقة المحتوى وإستراتيجية الرؤية، كما أن له الأولوية في الثقافة الفلسفية الأوربية عن الثقافة والحضارة ومسارهما التاريخي. والسبب الأساسي لذلك يقوم في أن المبدأ الجوهري بالنسبة لدانيليفسكي هو الفكرة الروسية الوطنية أو القومية الثقافية السلافية. فقد كشف التاريخ الثقافي نفسه، والذي كان محور وحافز اهتمام دانيليفسكي، عن القيمة النظرية والفكرية والفلسفية والثقافية والسياسية لكتابه (روسيا وأوربا). ولعل قيمته الحيوية لحد الآن تقوم في كونه احد الأعمال النظرية النقدية الكبرى التي ابرزت خفايا وكمون الفكرة السياسية في الرؤية الثقافية والحضارية للأمم. ومن الممكن رؤية هذه الفكرة الجوهرية في العنوان الإضافي للكتاب نفسه بعبارة ("نظرة على المواقف الثقافية والسياسية للعالم السلافي تجاه العالم الجرماني الرومي").

3- الحروب البونيقية هي سلسلة الحروب الثلاث التي دارت بين قرطاجة وروما. والاسم مأخوذ من اللفظ الرومي لقرطاجة (بونيقي). وقد كانت هذه الحروب الدامية والعنيفة، التي جرى تأويل مسارها ونتائجها التاريخية بأشكال مختلفة ومتنوعة. لكنها كانت تجري اساسا من اجل الهيمنة في حوض البحر المتوسط. فقد كان البحر المتوسط البحيرة التي تشكلت وتراكمت فيها وحولها مسار دول الحضارات الكبرى. بدأ من مصر وفارس وسوريا (الكنعانية) ومصر واليونان وقرطاجة وروما. لقد كانت الحروب بينها جزء من هذا المسار المعقد والمرتبط بالدولة ومساعيها للهيمنة آنذاك بوصفه احد الشروط الأساسية للحصول على الثروة والازدهار المادي والمعنوي. وقد كانت الحروب البونيقية تتمثل ما يمكن دعوته بتقاليد الصراع بين شمال وجنوب البحر المتوسط. وهي حروب كانت تسعى للهيمنة ومن خلالها أو معها للتوحيد السياسي والثقافي. وقد كانت الحروب دولا. وبغض النظر عن الاختلاف بين نماذجها الكبرى، وبالأخص غزوة الكسندر المقدوني للجنوب، وهانيبعل للشمال، وروما للجنوب، ولاحقا العرب المسلمون للشمال، تسير ضمن نفس السياق، مع الفارق الجوهري بين غايات كل منهم. لكنها جميعا كانت تسعى إلى غاية واحدة وهي الاستيلاء وفرض نمطها الثقافي. وهو صراع قطعه العرب المسلمون بصورة نهائية من خلال ارجاع الأقوام الشمالية إلى مناطقها الأصلية والبقاء فيها وضمنها. وقد تكررت محاولات لاحقة لعل الحروب الصليبية والغزو الأوربي الكولونيالي أحد نماذجها الصارخة، التي انتهت في نهاية المطاف بإرجاع الأقوام الأوربية إلى مناطقها الأصلية وجرى تثبيت الوجود والحدود الحالية للعالم العربي، أو الجنوب المتوسطي ضمن حدوده وكيانه التام الثابت. وأيا كانت حالة الثغرات الحالية والفجوات الكبرى الفاعلة فيه الآن، فإنها تبقى مجرد حالة طارئة لها امثلتها في الماضي. وبالتالي حتمية رجوع كل من فيه إلى كينونة العالم العربي ووجوده التاريخي والمستقبلي. وهذه نهاية ونتيجة لا مفر منها.