ناجي ظاهربصمت يشبه صمت القبور غادر عالمنا في التاسع والعشرين من نيسان الفائت الشاعر الكاتب حسين فاعور/ الساعدي ابن قرية الحسينية الواقعة قرب مدينة عرابة البطوف في منطقة الجليل الغربي، وهي قرية تشبه صاحبها في الكثير من الصفات، فهي خضراء ممرعة، لكنها ليست معروفة لدى الجميع وهناك الكثيرون ممن يعتقدون ان الحسينية هو اسمها الحقيقي في حين يقول اهلها ان اسمها الحقيقي هو الحصينية لكثرة الحصينيات فيها. مشيرين ان اسمها حُرّف عبر الزمن فاصبح الحسينية.

عرفت الفقيد روحيا قبل ان اعرفه فيزيا، وكان ذلك قبل اكثر من خمسين عاما عندما كان ينشر قصائده الانسانية الحافلة بحب الوجود، الارض والانسان، وكان واحدا من قلة من الشعراء الذين لفتوا نظري في حينها، لما فاضت به اشعاره من روح جديدة ومتجددة ولا تخلو من لطف وسخرية محبّبة. وكان من الواضح لي انه شاعر بدويّ متمرد تجذبه القرية بكل ما فيها من مراع وابار وما الى هذه من محتويات القرية البدوية الفلسطينية، وتشاء الظروف ان يختفي شاعرنا فترة تنوف على الثلاثة عقود، وهو لا يغيب عن ذاكرتي، وكنت طوال الوقت اتساءل ترى اهو حي ام راحل، ولماذا يغيب كل هذا الغياب، زاد في تساؤلاتي هذه ايماني بان الشاعر الحقيقي، لا يغيب الا ليحضر، اما ان يغيب كل تلك الفترة المديدة من الزمن، فان الامر يحمل في طياته لغزًا يحتاج الى حل او خبر بسيط يقطع الشك باليقين، ويخبرني بصريح العبارة ما اذا كان الرجل حيا ام راحلا.

بقيت هاته الاسئلة تلح علي بين والحين والآخر، لا سيما عندما كنت اطالع كلامًا فارغا يطلق عليه اصحابه صفة شعر، الى ان طالعتني صفحات الفيسبوك ، قبل حوالي السبعة اعوام بالخبر اليقين،  ان شاعري الحاضر الغائب حي يرزق، وها انذا اقرأ فصولًا من مذكراته، يشرع بنشرها عبر صفحته الفيسبوكية، فاطوي الزمن لالتقى به كاتبا متمكنا، يسجل تجاربه ومعانياته وما مضى عليه من سنوات وحكايات بحرفية عالية لا تتوفر الا لإنسان امتلك القريحة الخلاقة والموهبة البراقة. ما ان قرات كتابته هذه حتى هرعت الى الماسنجر وكتبت له رسالة حييته فيها على عودته واعربت عن سروري بتلك المصادفة السعيدة التي اتت به.. وسرعان ما جاءني الرد، واستقبلت التحية بأفضل منها، لأجدنا، حسين وانا، نلتقي في مدينتي الحبيبة الناصرة، نتناول فنجانَ قهوة عربيًا اصيلًا، ولأكتشف بالتالي سر غيابه، لقد كان حسين مشغولا طوال العقود الماضية في "معركة" حافلة بالكرّ والفرّ من اجل حمل السلطات الاسرائيلية على الاعتراف بقريته، بعد عقود من تجاهلها لها هي والعشرات من القرى التي لا تعترف بها ولا تقدم لها بالتالي الاعتراف التي تحتاج اليه اي قرية لتكتسب صفة قرية حقيقية ويطيب العيش فيها، سواء كان من ناحية الميزانيات او الخدمات." الان بعد جهاد مديد الى جانب نفر مثابر من اهل قريتي تمكنا من انتزاع الاعتراف الرسمي بقريتي الحبيبة.. مسقط راس ابي وجدي وابنائي واحفادي"، قال حسين وهو ينظر الى البعيد وتابع" لقد مضى الزمن سريعا.. ارجو الا اكون تأخرت كثيرا في العودة الى الادب وربوعه المحببة". الحديث بيننا طال ولم نفترق الا بعد ان اتفقنا على عدد من الامور هي: اقامة دار نشر نطلق عليه اسم "الملّ" تيمنا بشجر يعمر في ربوع بلادنا واملا بمواصلة الطريق الى ابعد ما يمكننا ان نواصل، هذه الدار تساعد الكتاب والمبدعين في نشر ابداعاتهم دون تكليفهم بدفع مقابل النشر كما تفعل معظم دور النشر اليوم، وطباعة المجموعة الشعرية الثانية من انتاجه عنوانها عفوا الى كل هؤلاء (مجموعته الاولى طفل يخترق الحدود- طبعت ولم توزع لأسباب فنية كما فهمت منه)، اضافة الى طباعة كتاب مذكراته تحت خط النار، وقد تضمن برنامجنا طباعة العديد من المؤلفات من انتاجي وانتاج كتاب اخرين، وهو ما تم انجازه وكان.

حسين فاعور الساعديما حصل بعد ذلك اللقاء، ان اللقاءات تتالت بيننا، واننا شرعنا بتنفيذ ما خططنا واعددنا له اولا بأول وبسرعة ادهشتنا قبل ان تدهش اخرين من اصدقائنا ومعارفنا، فَرُحنا نطبع الكتاب تلو الاخر، وكنا نوزع ما نطبعه على الاصدقاء والاحباء، ونتلقى اراءهم وكتاباتهم المشجعة، ويبدو ان العودة الى طريق الابداع الادبي قد ايقظت الانسان المبدع داخل الاخ والصديق حسين فاعور الساعدي، فراح يكتب ويكتب وكأنما هو في سباق مع الزمن، ما دفعني الى سؤاله عن سبب تلك السيولة في كتابته، فما كان منه الا ان سألني عن سبب سؤالي فأخبرته انني اتوق الى الكتابة والابداع الادبي الا انني اشعر بان هناك ما يمنعني من الكاتبة، واذكر انه ربّت حينها على كتفي قائلا لا تهتم كل شيء في وقته حلو، وبالفعل كان ما اخبرني به، وتحقق، وانفجرت بوتقة الكتابة في روحي وقلبي لأجد حسينا يفاجا ويكتب عما كتبته وانتجته من قصص قصيرة عديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، وليفاجئني بالتالي بمقالة يسلط فيها الضوء على عدد مما انتجته ووضعته من قصص قصيرة ابان تلك الفترة.

التعاون بيني وبين حسين تواصل خلال السنوات القليلة الماضية بهمة ونشاط، فها نحن نقيم الندوة تلو الندوة ونحضر الامسية تلو الامسية وها انذا أفاجأ به يصطحب ابناء اسرته الصغيرة الى هذا النشاط الادبي او الفعالية الاجتماعية، بل ها هو يبادر الى تأسيس مجموعة قراء الحسينية ويكرم ضمنها العديد من الكتاب والمبدعين عبر اقامة الندوات والامسيات في بيته القائم في منطقة الملّ في قريته العزيزة الغالية. بل ها هو يبادر لتأسيس مجموعة الكتاب الكنعانيين، ويحقّق واحدة من القفزات الاولمبية فيبادر لعقد اجتماع في بيته تلتقي فيه الاطر الادبية الفلسطينية المتنافسة، وتتباحث في امكانية الاتفاق على نقاط عامة والائتلاف، وهو ما تحقق بعد فترة وجيزة من ذلك الاجتماع، فتأسس الاتحاد العام للادباء الفلسطينيين- الكرمل 48.

في العودة الى حسين وانتاجه الادبي، اقول انه كتب في فترة قياسية روايته الاولى فتاة الموسيقى، اتبعها بروايته البئر الملوثة- مذكرات رئيس، فروايته الثالثة دخان في كروم الله، وكان حسين في رواياته هذه ينبش في دفتر سيرته الشخصية وصفحات نضاله الملتهب من اجل تحرير قريته اولا وإنسانها ثانيا من العادات والتقاليد البالية التي لم تعد صالحة لقرننا الواحد والعشرين. وقد بدا حسين في رواياته هذه كاتبا متمردا من طراز خاص ورفيع، كاتبا امتلك رؤية وحلما وعبر عنهما كأفضل ما يمكن لإنسان كاتب ان يعبّر، وهو ما فعله ايضا فيما انتجه ونشره من قصائد ومقالات قام بنشرها بصورة محمومة تريد ان توقف عجلة الزمن وان تنطلق بها مجددا كما حصل معه في ماكنته الابداعية.. من انقطاع فعودة.

في العام الاخير فأجاني حسين، وربما فاجأ العديدين من الاصدقاء والقراء، برواية تحفر في اعماق الذاكرة الفلسطينية الانسانية البدوية تحديدا، هي روايته صاحب الجبل، واذكر هنا بكثير من المحبة، تلك الصفحات المشتعلة فنًا وابداعًا التي قدمتها روايته هذه بأحرف من نور، في تلك الصفحات التقيت بالسعلاة وهي كائن خرافي مفترس عرفته الاسطورة الفلسطينية جيدا، لأنسى انني اقرا رواية ولأعيش الحدث الخارق كأنما هو يحدث الان وهنا، ولأرى بأم اذني، كما وصف الكاتب الانجليزي المبدع دي اتش لورنس العمل الروائي المبدع الرائع.

يوم الخميس 29-4-2021، تنتهي هذه الرحلة الادبية اللافتة، وتُطوى صفحة ناصعة في دفتر حياتي الادبية، لافاجأ بنبأ الرحيل المبكر لأخي وصديقي الذي لم تلده امي حسين فاعور، ليصيبني ما اصاب شاعرنا العظيم ابي الطيب المتنبي عندما بلغه نبا وفاة اخت سيف الدولة الحمداني فعبر عن حزنه قائلا طوى الجزيرة حتى جاءني نبا فزعت منه بآمالي الى الكذب. فهل رحل حسين مديرا ظهره.. وماضيا في رحلته الابدية، دون ان يشعر برحيله هذا الا القلة القليلة من ابناء العشيرة والاصدقاء؟ وهل هذا هو قدر المبدع الحقيقي البعيد عن الاضواء.. ان يرحل بصمت.. وكأنما هو لم يقدّم شيئا يذكر او لم يكن بيننا..

 

ناجي ظاهر

 

 

عبد الله هاشي551 – 479 (قبل الميلاد)

- بقلم: جاك أطالي

 ترجمة: عبد الله هاشي


حدث ذلك في الصين، إبان الثورة الثقافية، عام 1973، عندما تناهت الى مسمعي للمرة الأولى، عبارات ممعنة في تحقير كونفوشيوس الذي أمسى في تلك الأيام أكثر الناس عرضة للتشنيع من قبل نظام للحكم باتت تمتلئ يداه بكل الأسباب والمبررات المعقولة التي تشفع له الشعور بالمقت تجاه كل ما يمثله الرجل ويرمز اليه: باعتباره نموذجا للاستقرار والثبات، ورمزا تتجسد فيه دلائل التوازن، ومنافحا شديدا عن حصون الحقيقة، والمعرفة، وتوقير الآباء والأجداد والسلف الغابر. بالنسبة لعدد قليل من المثقفين والأدباء، ممن يجرؤون على تقديم أنفسهم كذلك، والذين لا يزالون من الممكن الالتقاء بهم ومصادفتهم في هذا المكان أو ذاك، يبقى كونفوشيوس ذلك المنهل العذب الذي لا محيد عن الوقوع في أسره الحافل بفتنة الرهبة والصمت.

وابتداء من ذلك التاريخ، سيظل كونفوشيوس، هذه المنارة المتلألئة، مستحكما في مفاصل تفكيري كلما شرعت في محاولات الإجابة عن أسئلة الرهان المركزي في مدارات حياتي الفكرية: - هل يحتاج السياسيون والقائمون على شؤون الحكم، في مساعيهم المختلفة وشتى ضروب ممارساتهم، الى أهل الحكمة والفكر والنظر؟ أم ترى هؤلاء لا يقومون عند أولئك سوى كما تقوم المحسنات الزخرفية العادية تتزين بها التيجان الهشة المحكوم عليها بالزوال فوق هاماتهم؟ والصين اليوم، وهي تشهر الاعتراف بكونفوشيوس، باعتباره المعلٌم الذي لا يعلى عليه، هل باستطاعتها إقامة دولة القوانين المبنية على الاخلاق والوقار التي ظل يحلم بها وهو في ذروة واحدة من أشد فترات الفوضى والاضطراب في تاريخ أمبراطورية السماء؟ ثم، أخيرا، هذا التساؤل المثقل بالأهمية والخطورة، والذي يفرض نفسه بشأن الرجل، كما بشأن العديد من الشخصيات المصادفة في هذا الكتاب *: - كيف للمرء أن يحقق ذاته في بيئة حافلة بالمكائد والمؤامرات المرصودة برمتها للحيلولة دونه وأهدافه؟

ذلك لأننا، ونحن في مستهل هذا القرن الواحد والعشرين، الذي يصفه الكثيرون بأنه قرن الصين بامتياز، نجد سلطات هذا البلد، منذ تقلد دينغ كسياو بينغ مقاليد الحكم، تفضل الركون الى الاحتماء بتلك الظلال الزاخرة بالتعاليم وبالوصايا التي تعود الى ذلك الحكيم الذي يدعونه " المعلٌم كونغ "، والذي أطلقت عليه، في القرن السابع عشر، عناصر الجمعية اليسوعية الفرنسية اسم " كونفوشيوس ": هذا الصوت الجهوري المليء بالأسرار والالغاز، الذي ظل، على امتداد القرن السادس قبل الميلاد، ينثر الاقوال والكلمات التي ذاعت أصداؤها في كل الآفاق، ويبادر الى الأعمال والمساعي التي عمت تأثيراتها الاصقاع الدانية والقاصية، زمن حكم أمبراطورية زهو الآيلة للسقوط والأفول، في حقبة شهدت حملات اقتتال شديدة ما بين الامارات والطوائف المتنازعة على النفوذ والسلطة. هكذا، قام كونفوشيوس بإعداد عقيدة سياسية واجتماعية لم تلبث العائلة الملكية الحاكمة هان، في القرن الثاني قبل الميلاد، ان اتخذت منها " دينا للدولة ". كما أنه، والى حدود زمننا الراهن، لا يزال كونفوشيوس يشكل الخلفية المركزية الصلبة لكل أشكال التنظيم والهيكلة التي تتفاعل فيها الأفكار والتمثٌلات لدى الغالبية العظمى من شعوب آسيا، في إطار بنية أخلاقية شديدة الصرامة والتزمت، وبالغة الروعة والاثارة معا، حيث تمتزج نصائح السعادة في الحياة ووصاياها بالآراء السياسية في الحكم الرشيد وحسن تدبير شؤون الناس والمجتمع.

ولقد دأب المؤرخون الصينيون، منذ ألفي سنة، على الحديث عن هذه الحقبة الغابرة كفترة لتعاقب " فصول الربيع والخريف "، وذلك من باب الإحالة على مجموعة من الحوليات التي تضمنت رواية للوقائع والاحداث الجسام التي عرفتها السنوات الفاصلة ما بين 722 و481 قبل ميلاد المسيح، في منطقة كوفو المتواجدة الى الجنوب لما يعرف حاليا ب بيكين، على ساحل البحر الأصفر، بالإقليم المعروف حاليا بسم شاندونغ، حيث تأسست إمارة لو. هنالك، في تلك البقعة من بلاد الصين، وفي تلك الفترة التي سبقت بقليل المرحلة المشهورة باسم "حقبة الممالك المتقاتلة "، عاش ذلك الرجل الذي سندأب على تسميته، هاهنا، كونفوشيوس.

ولقد كانت، بحق، حقبة عجيبة وخارقة للعادة، عاشتها البشرية جمعاء على امتداد الكرة الأرضية برمتها، اتسمت بالحيرة الأخلاقية، وبالاضطرابات السياسية، وبالتجليات الصوفية، وباكتشافات للعقل وللفردية الإنسانية: ففي الهند، ظهر جاوتاما بوذا، الذي سيمهر القارة الاسيوية بفلسفة أخرى تنضاف الى مذاهبها الفلسفية الكبرى. وفي الشمال الشرقي لما يعرف حاليا بإيران، سيؤسس زاردشت ما سوف يحمل إبان حكم الامبراطور داريوس الأول [المتوفى عام 486 ق.م] تسمية الدين الرسمي للأمبراطورية الفارسية. وفي فلسطين، سيعلن أشعيا الثاني، عن ميلاد ديانة توحيدية اتسمت تعاليمها بالصرامة اللافتة وبالتزمت الشديد. أما على الساحة اليونانية، فقد سطع في مدينة مليطة المؤرخ هيكاطي، الذي اشتهر بكتاباته الساخرة من الخرافات البالية والأساطير الغابرة للأولين؛ وذلك في فترة يعلن فيها طاليس عن الخسوف المرتقب الذي ستعرفه الشمس بتاريخ 28 ماي 585 ق. م؛ بينما كان ينهمك الفيلسوف اليوناني أناكسيمندر في رسم المعالم الكبرى لأول خريطة لبلاد أيونية في أسيا الصغرى، والتي كانت عبارة عن تخطيطات هندسية بارزة لعالم دائري الشكل يحتل فيه بحر إيجة النقطة المركزية؛ هذا، بينما كان فيتاغوراس مستغرقا في محاولاته الاستباقية عشية انبثاق دلائل التفكير العلمي ومخاضات ميلاد العلوم. أما في منطقة الألطاي، شمال البحر الأسود، فقد انشغلت الشعوب الشيثية بتطوير موروثهم الفني، وإدخال المحسنات الجديدة على مجموعة ما توفر لديهم من الاعمال الإبداعية البارعة الرونق والدقة والجمال. وفي أمريكا الوسطى، شرعت شعوب الحضارة الاولميكية، المشتهرة بتماثيلها الزاخرة بالألغاز وبالأسرار الغامضة، تفتح أبوابها المغلقة أمام الموجات الجديدة الوافدة من الثقافات المحيطة. وعلى القارة الافريقية، استطاعت الثقافة النوكية في نيجيريا أن تبدع أشكالا ترابية من المشويات في غاية البهاء والجمال والسمو الفني البديع.

والأمر الذي لا مراء فيه، أن المعلٌم كونغ (كونفوشيوس) لا بد أن يكون قد تنامى الى علمه بعض من ملامح الوضعية التي كان عليها العالم خلال تلك الحقبة من التاريخ. ذلك لأنه من المفترض أن يكون مولده عام 551 ق.م، ووفاته عام 479 ق.م، إبان حكم العائلة الملكية الحاكمة زهو (التي يمتد حكمها من 770 الى 256 قبل الميلاد). ولقد اشتهرت هذه العائلة الملكية الحاكمة بضعف الرغبة في الاضطلاع بمهمات توحيد البلاد، وبقلة الميل الى العمل على استتباب الأمن والاستقرار مثلما تفرضه السماء على كل العائلات الملكية الحاكمة. فبات من المتعذر عليها تجسيد الاستقرار والدوام. وهكذا، انقسمت البلاد في عهدها الى نحو عشرة من الطوائف والامارات المتواصلة الخصومة، والمتجددة التنازع والمنافسة، هي: جين، كين، كي، وي، زهينغ، لو، سونغ، زهو، شين، و وو. وكان يتعاقب على عرش كل واحدة منها ملوك يمكن تشبيههم بالأمراء والدوقات الذين عرفتهم أوربا في القرون الوسطى. قد دأبوا على إقامة المراسيم الغريبة ذات الطقوس العصية، والشعائر المغرقة في الغموض والتعقيد، المرتبطة في مقاصدها بعبادة قدماء الأجداد والاسلاف الغابرين في الازمان السحيقة. كما خلت مجالسهم وقصورهم من القساوسة والكهنة وأحبار الكنيسة، خلافا لما ظلت تشهده في نفس الحقبة من الزمن كل من مصر وبابل والهند.

ولقد كان المجتمع الخاضع لسلطة هذه الطوائف والامارات يتميز بانضباطه لنظام تراتبي في غاية الصرامة والدقة. فكان الدوقات وسادة القوم وأعيانهم، ممن أصابوا حظا من الثراء، يرتبون في الدرجة الموالية لمراتب الملوك والامراء. ثم يأتي من بعدهم في درجة أدنى الأقل ثراء منهم، ممن يلتمسون لأنفسهم ولذويهم أسباب العيش لدى أصحاب القوة والنفوذ من النبلاء والسادة، كموالي ومعتمدين، وكقائمين على أشغال العناية بالخيل وبالإصطبلات، ومتعلقات أعمال الفروسية، ومهمات حمل السلاح، وأيضا، بصفتهم أدباء وحملة للأقلام، مكلفين بأعمال النسخ والكتابة، وكموظفين مشرفين على تسيير الممتلكات الخاصة للوزراء وكبار المسؤولين في البلاط، والسهر على الاضطلاع بإدارة ما يحوزونه من الثروات والغلال، بل وحتى بصفتهم خطاطين ونساخا أو أمناء على شؤون تصنيف المحفوظات وترتيب السجلات والوثائق.

ومن الجدير بالذكر أن الكثيرين من هؤلاء الادباء وأصحاب القلم، أو من يمكن نعتهم بمرتزقة الفكر، كانوا معتادين على الانتقال بما يتراكم لديهم من الخبرات والتجارب من هذه الامارة الى تلك، ومن هذا البلاط الى ذاك. ذلك لأنهم لا يكسبون في مقابل الخدمات التي يقدمونها لأسيادهم لا نفقة ولا أملاكا ولا حقوقا. فقد كانت ميزة " المستشار " هي كل ما يتبقى لهم من نصيب على أعتاب القصور وخدمة الامراء والملوك والسادة. من الصحيح أنه كان يسمح لهم بالاستمتاع بما توفره بيوت الاسياد من لذيذ الطعام والشراب والنساء وأسباب العيش الباذخ، غير أنهم ظلوا محظورين عن ممارسة أية سلطة تراتبية محددة. وكثيرا ما كان الامراء يلجؤون، على سبيل التسلية، الى حبك المواجهات بينهم، فتندلع الاصطدامات المفخخة في إطار من المناظرات الكلامية القوية والمبارزات الخطابية المشوقة. إلا أن كثرة الترحال والاسترسال في الاسفار لازمتهم لفترات تطول وتتجدد. فكانت بلاطات الحكام لا تكف عن ايفادهم في البعثات الديبلوماسية والمهمات السياسية الى البلدان المختلفة، في كل المناسبات ذات الأهمية وفي كل المحافل ذات الصلة. وفضلا عن ذلك، لم تكن أجواء القصور لتخلو من الدسائس وشتى ضروب المكائد، سواء ما بين الامراء أو في صفوف هؤلاء المستشارين أنفسهم، والذين كثيرا ما تنتهي بهم المسارات على أعتاب القصور الى عقوبة الطرد والابعاد وحصاد التغريب والنفي. وكان من الطبيعي، في ظروف أخرى، أن يتجه بعض من الاتباع والمقربين في المحيط الى الارتباط بأحد المتميزين منهم، فيتشكلون من حوله في مجموعة وثيقة الاواصر من التلاميذ النجباء والمساعدين المخلصين، يحدوهم الطمع والطموح الى أن يقاسموا المستشار الأديب وحامل القلم، في يوم من الأيام، بعضا من حظوظه الموفورة المرتقبة، ساعة تبتسم له الدنيا، فيفوز بثقة هذا الأمير أو ذاك، أو حظوة هذا الملك أو ذاك السيد.

كانت الصفوة من أهل الادب والمعرفة تحظى بمهمات التربية والتعليم، وتحرير الخطابات الخاصة بالاحتفالات والمناسبات الرسمية، وتنظيم الاستقبالات في أعياد البلاطات، والسهر على تدوين المحفوظات والسجلات المنتظمة في الزمن على شرف الامراء، وأيضا للمصنفات الخاصة بمجالس الحكم واجتماعات أرباب السلطة. وهذا أفضى الى تراكم مجموعة من المتون المجهولة المصدر في غالب الأحيان، نجد من أبرزها: 1-" كتاب الأناشيد " (اعتمده كونفوشيوس وظل يستند اليه طيلة حياته)، وهو مجموعة من الاشعار الغنائية التي ترسخت تقاليد أدائها في الاحتفالات المختلفة والمناسبات السعيدة المتفرقة. 2 -" كتاب التحولات "، المنسوب الى أحد دوقات مملكة زهو. 3-" كتاب الطقوس والمراسيم ". 4-" مذكرات الشعائر ". 5-" كتاب التاريخ "، الذي يجمع ما بين نماذج متفرقة من الإجراءات القضائية والمرافعات القانونية، وبين عدد من التصورات الجاهزة لتحرير خطابات الملوك والامراء. وفضلا عن ذلك، يتضمن الكتاب بيانات الفضائل التسع التي يجب أن تتوفر في الملوك والامراء، وهي: 1- الوعي بمدلول الحكم ومقاصد قيادة الشعب. 2- العدل والنزاهة والانصاف 3- المرونة وسلاسة العريكة. 4 - الحزم والجد والثبات. 5 - البساطة والابتعاد عن التكلف. 6- الشجاعة والاقدام. 7- الصفح والرأفة والحلم. 8 - الهمة والحمية والاجتهاد المتواصل. 9- التلطف والتواضع الجم. فمن توفرت فيه جميع هذه الفضائل، يكون، بحق، أهلا لشغل مكان الامبراطور، ومستحقا لاعتلاء منصب الملك. أما الذي تتوفر فيه ستة منها فحسب، فيكون أهلا لشغل منصب الأمير، ومستحقا للتكليف بالاضطلاع بتدبير شؤون المقاطعة أو الاقليم. وأما الذي تقل مجموع فضائله عن ثلاثة منها، فيصنف في حكم العاجز حتى عن تسيير أمور عائلته.

ابتداء من القرن السادس قبل الميلاد، شرعت تتكشف الأسماء الحقيقية لأصحاب هذه المتون، فتبدد ما أحاطها على مر الزمان من الاغفال والتكتم. حينئذ، سطعت على الأفق بضعة من الشخصيات المرموقة التي بسطت هيمنتها على تاريخ الصين الأدبي والفلسفي، يأتي في مقدمتهم الحكيم لاو تسو، الذي عاش، على ما تقول الأسطورة، في إمارة سونغ، حيث انتشرت عقيدته بفضل كتابه الذي يحمل عنوان: " كتاب الطريق والفضيلة " = إنها الطاوية، والتي تعني " تعليم الطريق "، وتقضي تعاليمها بالحظر التام لكل تدخل للإنسان في المجرى التلقائي لعناصر الطبيعة وتوازنها الفطري الأصيل. ويذكر بأن كونفوشيوس كان يعيش، تقريبا، في نفس الفترة من حياة لاو تسو، وفي نفس المقاطعة أيضا، وإن كان يحظى بشهرة أوسع، وبنفوذ أكبر. ذلك لأن أجداد كونفوشيوس كانوا ينتسبون الى إحدى العائلات النبيلة لسلالة الكونغ التي استقرت في إمارة سونغ، والمتصلة بالقرابة الى المدعو يي يين، الوزير الأول للامبراطور شينغ طانغ، الأب المؤسس للعائلة الملكية الحاكمة شانغ. ويذكر أن جد كونفوشيوس هاجر الى امارة لو (الواقعة حاليا في جنوب شرق شاندونغ)، وكانت دولة صغيرة وضعيفة محاطة بمجموعة من الامارات الشديدة القوة، مما اضطرها الى إقامة تحالفات عديدة تفاديا للاجتياحات و الغزوات المحتملة.

ويذكر أن أب كونفوشيوس، الذي أنجب من زوجته الأولى تسع بنات، كان يشتغل مستشارا لدى الوزير الأول لإمارة لو. ولما بلغ الرابعة والستين من العمر، أقام علاقة غرامية مع فتاة في مقتبل الشباب تدعى زينغ زاي اعتادت على التردد على رابية تسمى نيكييو بغرض الدعاء والصلاة لكي ترزق بولد ذكر. وفي عام 551 ق.م، والذي صادف السنة الثانية والعشرين من حكم شيانغ، دوق لو، جاء المخاض الفتاة الشابة، فوضعت مولودا تحمل رأسه حدبة ذات حجم بارز، وهو ما يفسر اطلاق اسم كييو عليه (نسبة إما الى " الرابية " أو الى " الحدبة ") = إنه كونفوشيوس.

وصادف أن أدركت المنية الأب من دون أن يكون قد اعترف بأبوته للطفل ذي الثلاثة أعوام. أحجمت الأم عن إخبار الولد بحقيقة مولده ونسبه، فعاشا معا في عوز شديد وفقر مدقع.

في نفس الفترة من التاريخ، أقدم فيثاغوراس على تأسيس جمعية ضمت عناصر من الطبقة الاستقراطية لمدينة كروطون، مزجت في أنشطتها الثقافية ما بين الفلسفة والدين والعلم من جهة، وبين طقوس الاساطير الاورفيوسية اليونانية من جهة ثانية. ولقد انهمك فيثاغوراس يستغرقه السؤال والتأمل في قضية الاعداد باعتبارها العناصر النهائية المكونة للمادة. فانبرى يبحث في سبيل تثبيت مدارجها الرمزية وتدعيم أبعادها الروحانية. وهكذا، انتهى الى وضع نظرية في التناسب قابلة للتطبيق في الطبيعة وفي الموسيقى على حد سواء.

سيبلغ كونفوشيوس الثالثة عشرة من عمره سنة 538 ق.م، عندما أصدر الأمبراطور الفارسي قورش مرسوما يسمح لليهود المنفيين الى بلاد بابل بالعودة الى ديارهم. وهي السنة نفسها التي اتخذ فيها الأمير الشاب ساكياموني، من شمال الهند، قراره بالتخلي نهائيا عن كل أسباب السلطة والجاه والثراء، ليتفرغ كلية للتعليم والوعظ والإرشاد الديني = هذا الأمير، هو الرجل الذي سيصبح، بعد فترة من الزمن، حاملا لاسم بوذا " النبيه ".

سيبلغ كونفوشيوس العشرين من عمره سنة 531 ق.م، وسيشتهر بالثقافة الواسعة، وبالذاكرة القوية، مما مكنه من استمالة أول عنصر من مجموعة أنصاره وأتباعه ومريديه، وكان اسمه نان كونغ جيانغسو. كما أن كونفوشيوس سيتزوج في عام 529 ق. م، وهو في سن الثانية والعشرين، وسيزدان فراشه الزوجي في العام الموالي بمولود ذكر. ومن أجل التماس أسباب المعيشة، سيشتغل مثل أبيه، وكان لا يعرف عنه أي شيء، كمستخدم بإحدى مرافق الإدارة التابعة لدوقية إمارة لو، لكن، في مراتب مهنية متدنية للغاية، كمسؤول عن قطاع الحبوب، ثم كمشرف على قطعان الماشية لصاحبها البارون جي، الوزير الأول بالوراثة لهذه الدوقية. فيسطع نجمه ويعرف التألق لنباهته، ومثابرته، وجديته، لحد ما أصبح في سن السادسة والعشرين نظيرا لما نطلق عليه في زمننا المعاصر وزير الاشغال العمومية.

ازداد الأنصار والمريدون والاتباع من حول كونفوشيوس. وصادف أن كان من بينهم أحد أبناء البارون مينغ شيزي، الذي طفق يصطحب معه كونفوشيوس في زيارات متواترة الى بلاط العائلة الملكية الحاكمة زهو، حيث مقر إقامة الامبراطور. ولقد اعتاد المعلم كونغ (كونفوشيوس) على المجيء الى البلاط الملكي وفي نيته إمعان الفكر والنظر في ما تحفل به أوساطه من العادات المختلفة، والطقوس والأعراف المتنوعة، ومعاينة الأعياد والاحتفالات المقامة، والمراسيم والتشريفات المرعية، والنظر في السجلات والمحاضر، والاطلاع على مدونات الاخبار والوقائع التي تزخر بها الغرف البعيدة والمنسية في مختلف أجنحة الاقامات والقصور الإمبراطورية. وتجدر الإشارة الى استفادة الصديقين المترافقين من الخدم والاجراء وعربات النقل وسائر التسهيلات التي وضعها البارون جي رهن إشارة نجله وصاحبه كونفوشيوس أثناء تنقلاتهما ورحلاتهما. وتتحدث الأسطورة الصينية عن واقعة ذلك اللقاء الذي جرى ما بين كونفوشيوس والحكيم الكبير لاو تسو، لاسيما حينما توجه اليه هذا الأخير يخاطبه قائلا: " إن الرجل اللبيب ذي الفطنة والذكاء، غالبا ما يخاطر بحياته، لأنه يعشق كشف الحجاب عن مساوئ الاخرين، وإفشاء أسرار ما يخبئونه من النقائص والعيوب. كما أن الرجل ذي الثقافة الرفيعة، المتمرس بأصول المناظرة، والبارع في معتركات الجدال والنقاش، غالبا ما يكون عرضة للمخاطر المتعددة، بسبب جنوحه الى إبراز مكامن العجز والوهن في طبائع النفوس لدى البشر ".

وتركز الأسطورة على الاندهاش والوجوم الذي اجتاح كونفوشيوس وإمساكه عن الكلام لمدة ثلاثة أيام كاملة من جراء التأثير القوي الذي أحدثه في نفسه هذا اللقاء الفريد بالحكيم لاو تسو. ولقد كان الرجل من قبل ذلك حريصا على الايمان بالحقيقة وعلى المناداة بالجهر بها، فإذا به يجنح الى معالجة الالغاز الغامضة لمسائل التوازن والتسويات، ولقضايا التراضي والتوافق والاجماع، التي تنادي بها العقيدة الطاوية.

عندما توفيت أمه سنة 527 ق. م، باحت له صديقتها العجوز بالاسم الحقيقي لأبيه، وبالمكان الذي يوجد فيه قبره، مما سمح له بدفن أمه بجوار قبر أبيه. ولما تبين لكونفوشيوس بأنه يسير على آثار أبيه، دون علم منه، قر قراره بمواصلة تقديم خدماته للبارون جي، الوزير الأول في بلاط إمارة لو.

وحدث سنة 522 ق.م، أن جاء الدوق جين، حاكم الامارة المجاورة كي، لزيارة الامارة لو، مصحوبا بوزيره الأول يان يينغ. وأثناء استضافته، طلب اللقاء بالشاب كونفوشيوس البالغ من العمر حينها تسعة وعشرين سنة، ويشغل منصب وزير. ثم إن الدوق جين بادر الى سؤال كونفوشيوس عن العلامات التي بواسطتها يستطيع التعرف الى الملك الصالح. وفي عبارة بالغة البيان ترسي الى الأبد ما لدلالة الكلمات والتصورات من أهمية جسيمة، بالنسبة لكونفوشيوس، وأيضا، بالنسبة للفئات الاجتماعية القائمة على الانضباط، وللمجتمعات الحريصة على النظام، أجاب كونفوشيوس: " يجب على الملك أن يكون ملكا حقيقيا، ويجب على الوزراء أن يكونوا وزراء حقيقيين، ويجب على الآباء أن يكونوا آباء حقيقيين، كما يجب على الأبناء أن يكونوا أبناء حقيقيين ". " حسن جدا "، رد عليه الدوق موافقا. وواصل رده يقول: " إذا لم يكن الملك ملكا حقيقيا، ولا الوزراء وزراء حقيقيين، ولا الآباء آباء حقيقيين، ولا الأبناء أبناء حقيقيين، حينئذ، مهما بلغت محاصيل بلادي من الوفرة، فمن المؤكد أن لا شيء سيصلني منها ". بعبارة أخرى، عندما لا يكون أي شخص في مكانه الحقيقي، عندما لا يكون الامراء والآباء غير مؤهلين للوظائف التي يضطلعون بمسؤوليتها، وغير جديرين بالمناصب التي يشغلونها، عندما يكون الشعب عاجزا عن التمييز بين ما يدخل في باب الخير وبين ما يدخل في باب الشر، حينئذ، يسود الاضطراب وتعم الفوضى. ذلك لأنه إذا تصرف الأمير في تدبير شؤون دولته باعتباره أميرا، فسيكون حكمه في مصلحة الرعية كلها، أما إذا لم يتصرف الأب باعتباره أبا، ولا الابن باعتباره ابنا، فإن الأبواب ستشرع أمام جرائم المحارم المختلفة، والجنايات والآثام المتفرقة. وبالتالي، فإن طاعة الأب تشكل الضمانة الحقيقية لترابط العائلة، كما أن الامتثال للأمير يشكل الضمانة الحقيقية لتماسك الدولة. على أن هذه الطاعة، وذلك الامتثال، يظلان مشفوعين بما يعود للأبناء وللرعايا، على حد سواء، من إمكانيات الحق في التحذير والتنبيه في حالة ما إذا جنح الأب أو الأمير الى الطريق الخاطئ أو اتجه الوجهة غير المضبوطة. ولسوف ينقضي ردح غير قليل من الزمن، بعد ذلك، قبل أن يقوم جاك بوسو ويه [الاسقف والمؤرخ والمفكر السياسي الفرنسي، المتوفى عام 1704]، بصياغة فكرة مماثلة في واحدة من رسائله، يقول: " إنكم اليوم تخلطون نظام الكلمات خلطا، وغدا، لسوف تخلطون نظام الأشياء. ذلك لأنكم إذ تنطق ألسنتكم في استهتار بقواعد اللغة ومساطر النحو والصرف، لسوف ينتهي بكم المطاف الى الاستخفاف بقواعد العقل وازدراء مساطر الحق والصواب. فاللغة الثابتة الأركان، المحفوظة البنيان، يستحيل أن تتعرض للاستنزاف والوهن. وإنها بالاحتضان، وحسن المناولة، واللطف في الاستعمال، لتجود بكل السخاء على محبيها بما يحتاجون اليه من المفاتيح، فتسلس في أياديهم دواليب القيادة، وتتيسر أمامهم مقاليد السلطة ودروب الحكم. وإنه، أيضا، بالإهمال والتقصير المتواتر، وبالهفوات الاملائية والنحوية المتراكمة، تجفف فيهم، لا محالة، منابع الفكر والنظر، فتتقطع في قلوبهم أوصال الحكمة، وتندثر في نفوسهم كل أسباب النبوغ والعقل ".

هكذا، على امتداد الأطراف الشاسعة لبلاد الصين، الرازحة تحت أنيار البلبلة والقلاقل والفوضى، استطاع كونفوشيوس، بإرسائه دعائم الهيمنة الوطيدة للمفاهيم والتصورات، تدشين عهد جديد من تاريخ الصين، انتشر فيه التدوين انتشارا واسعا، مثلما سادت فيه القوانين الموضوعة على كل مفاصل المجتمع والحياة. ولقد كان ذلك بمثابة التعبير الواضح البيان عن واحدة من القواعد الكونفوشيوسية الجوهرية، مفادها: إن اعتلاء سدة الحكم يعني في ما يعنيه الإحاطة بفن تنظيم الأشياء، والتمكن من المهارات الضرورية لقيادة الشعب حسب طقوس معلومة، وعادات مضبوطة ومحددة، وذلك بهدف ضمان المحافظة – الرمزية على الأقل – على صرح النظام الملكي، المفترض تمتعه بالمناعة الدائمة، وخلوه المؤكد من عيوب التوازن، ومهاوي الاعتدال، مهما اشتدت مخاطر الأعداء والمنافسين، وتعددت خيانات الاتباع والمناصرين. ذلك لأن من أوجب الواجبات على الملك أن لا يغفل عن بذل كل ما أوتي من القوة لكي يلتزم كل المواطنين باحترام القانون، وتفادي كل ما من شأنه أن يزرع بذور الشك في الدلالة المسطرة للكلمات. وإذا كان الكثير من المواطنين مستعدين للقبول بهذا الالتزام والعمل به، فسيكون منهم، أيضا، من سيتعرضون لاحقا للهلاك لعدم إدراكهم بأن النظام الديكتاتوري يبتدئ في اللحظة التي يقرر فيها الحاكم تمتيع نفسه، حصريا، بجميع الصلاحيات والحقوق التي تسمح له بوضع وتحديد وتعديل دلالات الكلمات، والقوانين، والعقود.

وهو الفحوى الذي ضمنه كونفوشيوس، فترة من الزمن لاحقا، جوابه عن سؤال لأحد تلاميذه المفضلين يدعى زيلو: " إذا دعاك حاكم مملكة وي للاضطلاع بمهمات في الحكم، فماذا تراك ستفعل؟ " سأل التلميذ زيلو. - " سأشرع، في البدء، بوضع المحددات المضبوطة للاستعمالات السليمة والصحيحة للمصطلحات والكلمات ". أجابه كونفوشيوس. " حقا؟ " رد عليه التلميذ، وتابع: " يا لقلة واقعيتك وجهلك بما ينفعك. فلأي غرض مفيد تصلح لديك كل هذه المصطلحات المحددة، وكل تلك الكلمات المضبوطة؟ " -" إنك، بحق، تكلمني بخشونة مفرطة، وتغلظ لي في القول "، رد عليه كونفوشيوس، ثم استطرد يقول: " اعلم أنه إذا افتقرت مجموعة الاصطلاحات والكلمات للدقة والتحديد، انهار الخطاب الذي يعتمدها وسقط في الاضطراب، وانعدم فيه وضوح المقصد. وإذا خلا الخطاب من ميزة الترابط والاتساق، أصبح من المستحيل تنفيذ الأوامر والقرارات التي تتأسس عليه. ولما يتعذر تنفيذ الأوامر والقرارات المتخذة، يصبح من غير الممكن إعادة إنتاج الاشكال المرعية، والعلاقات الاجتماعية المناسبة ذات الصلة بالعادات والشعائر القائمة، وللمعزوفات والالحان والمصنفات الموسيقية الموضوعة. وحينما تتأكد استحالة السيرورة الطبيعية للأشكال والأصول المقررة، ينتهي المطاف بالعدالة والانصاف الى هاوية الإفلاس والاخفاق. وعندما تتقلص مساحة العدل في الأرض، تستحكم الحيرة والبلبلة على الاذهان، فيعجز الناس عن التمييز بين المعاملات الصائبة والخاطئة، وتخفق الآراء في التفريق بين النهج النافع والنهج الذي تلزم الرغبة عنه والفرار منه. لذلك تجد الرجل الحكيم، الموفور الرزانة والعقل، على دراية كافية بالأهمية الجسيمة التي تكتسيها المفردات الدقيقة والواضحة في صياغة القوانين الجديدة المفترض إصدارها، وتوسيع مجال العلم والدراية بها لدى عموم أفراد الشعب، بحيث إنه عندما يصدر الأمر من الأوامر، يتيسر على الفور سبيل انتقاله الى التطبيق والتنفيذ. وأهل الحكمة والرأي بعيدون كل البعد عن الميل الى الاستعانة بالمصطلحات الملتبسة الدلالة، والكلمات المشحونة بالتصورات المتنافرة، والمحتملة للوجوه المشبوهة والغامضة".

وهو ما سيعبر عنه كونفوشيوس ألف مرة ومرة بأسلوبه الحافل بالاستعارات الرفيعة. فحين طلب منه تقديم تفسير لما يمكن أن يبرر إقامة الولائم والاحتفالات، وتنظيم القداسات، احتفاء بذكرى الامبراطور الأول، والأب المؤسس للعائلة الملكية الحاكمة، أجاب: " لست أدري. والذي لا مراء فيه أن كل من توفرت له المعرفة الصحيحة بالأسباب والمبررات الكامنة وراء ذلك، سيتمكن من إمساك الدنيا برمتها في قبضة يده ".

وعندما قرر أحد الأمراء، ممن سيلتحق كونفوشيوس ببلاطه في وقت لاحق، إلغاء عيد الأضحى المحتفل به بذبح خروف صغير بمناسبة تقليد الروزنامة الذي يؤديه الامبراطور، مثلما تفرضه الطقوس، أمام أتباعه المقربين، كان رد فعل كونفوشيوس أن عقب في سخرية: " آه. إذن أنت شغوف بصغار الخرفان؟ أما أنا، فإني أفضل الهيام بالأعراف وعشق الطقوس ". ستتواصل كلمات كونفوشيوس في زمن موالي، متناثرة تطرق الأسماع والأمكنة؛ قال: " لا ريب في أن الذي يستطيع وضع كل شيء في موضعه الحقيقي، يتمتع بحظوة الاقتراب من طريق العلم الأعظم، ووهج القداسة المطلقة. ذلك لأنه كلما وضعت طبيعة الأشياء تحت محك الفحص والتقصي، ارتفعت الخبرات والمعارف الى أقصى مراتب السمو والكمال. وكلما بلغت الخبرات والمعارف هذا السمو الرفيع، وذلك الكمال البديع، تخلصت الإرادة من كل معوقاتها، وبلغت العزائم تمام اشتدادها النافذ. وحينما تتحقق للإرادة أسباب القوة والسطوة، تنتظم للتو مجموعة خلجات الفؤاد، فإذا الانسان بكل جوارحه ووجدانه متجرد من العجز والكسل، ومنزه عن الزلات والهفوات. ولما تتعزز فيه النوازع الى تقويم النفس، وتتملكه صبوات تعويدها على الأدب الجميل، تتيسر أمامه سبل إقامة حياة منظمة داخل الاسرة. وعندما يرتفع للأسرة بنيانها المنظم شامخا في عنان السماء، يضحى من السهولة بمكان تثبيت صرح الحكومة الصالحة على رقعة الإقليم أو المقاطعة. وفي الحين، يسود السلم والوئام مجموع المملكة، ويشمل الهدوء والطمأنينة سائر أفراد الرعية ".

الى حدود سنة 520 ق. م، استمر كونفوشيوس في عمله كمستشار لدى أمير مملكة لو؛ وذلك في فترة عرفت فيها روما إقامة اللبنات الأولى لمراسيم عبادة روميليس [مؤسس روما وملكها الأول، المتوفى عام 715 ق. م]. في الفترة ذاتها، اضطر الفيلسوف والشاعر الأيوني كسينوفان الكولوفوني للهجرة عن بلاده، واختيار المنفى، بسبب اتساع الغزو الفارسي لبلاد اليونان، واستفحال هيمنة الشعوب الفارسية على كل مفاصل الحياة فيها. وهكذا، أسس في مدينة إيليية مدرسة تدعو الى إله واحد، ذي شكل كروي، ولا يتحرك. أما في بابل، فقد تزينت قصور حاضرة الإمبراطورية الفارسية بأشكال من النقوش والزخرفات الرفيعة عالية الدقة. ولقد بادر الامبراطور الفارسي داريوس الأول الى استئناف الاعمال التي بدأها نيكاو الثاني، من الاسرة الفرعونية، فتمكن من شق قناة عبر مضيق السويس. وفي بلاد يهوذا، عكف النبي زكرياء على استنهاض همة الشعب اليهودي، وإعادة الروح الى مكوناته المبعثرة، يبعث فيهم الآمال في استعادة الامجاد الضائعة، ويحثهم على التمسك بالحلم في عودة الاستقلال المفقود.

في سنة 517 ق. م، تمت الإطاحة بدوق أمارة لو على يد وزيره الأول جي؛ مما اضطره الى الهرب للاحتماء في مقاطعة كي المجاورة. لم يكن أمام كونفوشيوس أي سبيل للتردد: فقد رفض الانضمام الى المتمردين، والتحق بالدوق في منفاه. هنالك في بلاط مملكة كي، واتته فرصة الاستماع الى " نشيد تتويج الملك شان "، الذي ينسب تأليفه الى أحد الملوك في زمن غابر. ويذكر أن كونفوشيوس فقد الشهية الى الطعام والشراب ثلاثة أشهر كاملة من فرط مبلغ تأثره بالألحان الخالدة، وبالوصلات الموسيقية المهيبة، لهذا النشيد العظيم. والحقيقة أن الشغف البالغ الذي أبان عنه كونفوشيوس بذلك النشيد الامبراطوري، أحدث تأثيرا عميقا في نفوس فئات عريضة من أفراد الشعب؛ مما أهاب بالملك الى أن يعرض على كونفوشيوس الاشتغال معه كمستشار في البلاط الملكي. غير أن وزيره الأول، يان يينغ، وقف بالمرصاد أمام الاقتراح، وسعى بكل ما أوتي من دهاء ومكر لقطع الطريق على كونفوشيوس خشية امتداد نفوذه الفكري، واتساع هيمنة تعاليمه ووصاياه. فران التردد على الملك، وما لبث أن عدل عن إلحاق كونفوشيوس ببلاطه. ثم إنه خاطبه بالقول: " إنني متأسف جدا. أنت ترى شيخوختي الطاعنة. ولا شك أنك تدرك أن تقدمي الكبير في السن، لا يسمح لي، الآن، بتطبيق أفكارك، والعمل بما تنادي به عقيدتك ".

في سنة 511 ق. م، سيغادر كونفوشيوس مملكة كي عائدا الى إمارة لو، مسقط رأسه، وقد أصبحت مرتعا للفوضى العارمة، وللقلاقل المهولة. وكان كونفوشيوس في نحو الثانية والأربعين من العمر، خائب الظن بالملوك والامراء، منهار الهمة والأمل في بلوغ أهدافه في الحكم، فاقد الثقة في السياسة. فقر قراره على الاعتزال، والتفرغ لنظم القصائد الشعرية، وإبداع الأناشيد، وكتابة التاريخ، وتدوين الوقائع والاحداث، ووضع المصنفات الموسيقية، والتآليف المتخصصة في ثبت الأعراف والطقوس والعادات القائمة والغابرة. ولقد تمر به الساعات الطويلة من الليل أو النهار، يعلل فيها النفس بالأمل في استعادة الحظوة الضائعة في تقديم يد العون للملك، فتعود له الامجاد الملكية الزاخرة بالعز والسؤدد.

في سنة 510 ق. م، ستتم الإطاحة، بالامبراطور هيباس، حاكم أثينا، المدينة البسيطة والضئيلة الاعتبار، والتي لم تكن، ولو في الاحلام، لتجرأ على التفكير في منافسة مدن أخرى مثل مليطة، وإيفيزة، أو كوغينثة. وهوالإنقلاب السياسي الذي سيفتح الأبواب واسعة في وجه الديمقراطية ونسائمها العطرة.

لسوف تنقضي ما يقارب الثلاثة أعوام، أي بالضبط في 508 ق.م، حينما سيتمكن الدوق دينغ من الوصول الى سدة الحكم، واعتلاء عرش إمارة لو؛ وسيحالفه النجاح والتوفيق في إعادة النظام الى البلاد، ونشر الامن والطمأنينة بين أفراد الشعب.

في مستهل القرن السادس قبل الميلاد، عرفت مدينة إيفيزة، إقدام هيرقليطس، صاحب المعجزات المدوية، على إدخال تفاصيل غير مسبوقة على نظرية يتشكل بموجبها الكون، أساسا، من عناصر غير منتهية الحركة، تتقدم في خضمه الروح والكوسموس، جنبا الى جنب، تشقان سبيلهما عبر سلسلة من المدارات الخاضعة للتغيرات المتواترة، والتحولات المتجددة. عن ذلك، كتب هيرقليطس: " على نفس الدائرة، تترابط البداية والنهاية ترابطا لا انفصام له، في وحدة مشمولة بالانسجام التام والتناغم المطلق ".

وهي الفترة الزمنية التي سيقوم فيها دوق إمارة دينغ بتعيين كونفوشيوس حاكما على مدينة زهونغدو. بعد مرور سنة واحدة على هذا التعيين، أضحت زهونغدو مدينة نموذجية تتشوف الحواضر الأخرى للاقتداء بها ومحاكاة أساليبها في التنظيم والتدبير. لذلك، سيمنح الملك لكونفوشيوس مهمات جديدة، وصلاحيات واسعة إضافية؛ حيث سيصبح وكيلا مكلفا بالأشغال العمومية في البلاد كلها؛ وسوف يقوم، كذلك، بترقيته ليشغل منصب الوكيل الأول في العدل. وهذا يفيد بأن كونفوشيوس قد أصبح الوزير الأول للمملكة. ولقد كان الإجراء الأول الذي بادر الى اتخاذه مباشرة بعد هذه الترقية، هو تنفيذ الحكم بالإعدام في حق سلفه، الذي، حسب ما ادعى، " أغرق الدولة في أتون الفساد والاضطراب والفوضى ". ثم، ليطلق، بعد ذلك، حملة شرسة، وحربا ضارية، على البارونات وكبار الاعيان وسادة القوم الذين لا يترددون في الجهر بالاعتراض على قرارات الملك، ويصرون على الامتناع عن الامتثال لقراراته وأحكامه؛ حيث دكهم ومحقهم وكسر شوكتهم.

على أن مهاراته في القدرة على الاقناع، وأساليبه في حمل الاخرين على الانفتاح على أفكاره وتصوراته، لم يكن لها أن تتأثر أو يمسها التعديل والتغيير بفعل مآثره الحربية والقتالية. فقد حافظت طريقته في التلقين والتدريس، ومنهجيته في الارشاد والنصيحة، سواء مع تلامذته وأتباعه ومريديه، أو مع الامراء المترددين على مجلسه بغرض التماس الرأي والنصح والمشورة، على أسسها الأولى، ودعائمها الاصلية، القائمة على اعتماد تقنيات الاستعارة وفنونها، وإيحاءات الخبرة ودروس الحنكة والتجربة. وهكذا، ففي إحدى حصصه الدراسية، نجد كونفوشيوس، في درس مخصص لتفسير فن التعلم، يقدم لنا عرضا مفصلا للطريقة التي تعلم بها، هو نفسه، مبادئ وأصول الموسيقى، على يد معلم يشتهر بالتمرس و بالحنكة الواسعة. والحقيقة أن الدرس الذي يقدمه، في هذا الباب، لا يخلو من بديع البلاغة وفتنة الروعة. قال كونفوشيوس مفسرا: " على امتداد عشرة أيام متواصلة، بدا أني لا أحرز أي تقدم، وتكشف لي النجاح أمرا بعيد المتناول. مما حدا بمدرس الموسيقى أن يخاطبني. قال: " بإمكانك الآن أن تشرع في تعلم شيء جديد ". فقلت له: " لقد تمكنت من إتقان دروس النغم وتناسق الأصوات، لكنني لازلت لم أطلع على دروس الوزن والايقاع ". ثم تنصرم أيام معدودات، فيخاطبني مدرس الموسيقى: " إنك الآن تعرف الوزن والايقاع؛ وبالتالي، بإمكانك الانتقال الى الدروس الموالية ". فبادرت أرد عليه، وقلت: " إنني لازلت غير ملم بفن التعبير ". ولتنصرم الأيام، فيخاطبني مدرس الموسيقى من جديد، قال: " لقد تمكنت من الالمام بفنون التعبير، بإمكاننا الآن الانتقال الى ما هو موالي ". وإذا بي أجيبه: " إنني لازلت لا أستطيع أن أتمثل في خاطري صورة المؤلف، واضع هذه الموسيقى ". ولسوف تنقضي فترة من الزمن ليست بالطويلة يقوم بعدها مدرس الموسيقى بإرشادي، حيث قال يخاطبني: " هذه القطعة الموسيقية ألف ألحانها رجل في ساعة استغرقته فيها التأملات البعيدة والخيالات الباهرة. فكان، بين الفينة والأخرى، يرفع عينيه الى الآفاق المترامية على الأمداء أمامه مغمورا بألوان من السرور والفرح السعيد، شاخصا بنظراته الجذلى على معالم ذلك الازل المتراقص حياله بعيدا، بعيدا، بعيدا. " فوجدتني أنتصب في وجهه وأصرح: " أعتقد بأنني توفقت، الآن، في الوصول الى الهوية الحقيقية للشخص الذي ألف هذه الموسيقى. إنه رجل طويل القامة، أسمر اللون، ويمتلك الفكر العميق والجبار الذي يمتاز به بناة الممالك العظيمة والامبراطوريات ذات المجد والخلود. أوليس الامر يتعلق بالملك وين، المؤسس الأكبر، والأب الأول، للعائلة الملكية الحاكمة زهو؟ " حينئذ، نهض مدرس الموسيقى، وانحنى مرتين متتاليتين أمام كونفوشيوس، وهو يقول: " بالفعل، نحن هنا إزاء واحدة من الاعمال الموسيقية الخالدة للملك وين ". وهكذا، نستخلص بأنه، لكي نصل الى فهم ما ينطوي عليه التأليف الموسيقي من الدلالات، واستيعاب ما يزخر به من الرموز والمواقف، لا بد من الانتهاء الى تمثل حقيقي وصائب للمؤلف الذي وضع وصلاته الإبداعية الجميلة، والمتسربلة في تلك الهالة الفنية الحافلة بالأناقة وبالرونق وبالبهاء الآسر.

وبالرغم من السمو الباذخ الذي تطفح به كل هذه التأملات والاشكال من النظر، فقد كان المناخ السائد على طول البلاد وعرضها مطبوعا بالاقتتال المتواصل، حيث سادت الفتنة وعم العنف. وهكذا، عرف فصل الربيع من عام 500 ق. م، إقدام إمارة لو، التي يرأس كونفوشيوس وزارتها الأولى، على توقيع معاهدة سلام مع إمارة كي المجاورة، والتي كان كونفوشيوس قد نزح اليها لاجئا في زمن سابق. ولقد بادر وزيرها الأول، وهو نفسه الشخص الذي كان قد أبعد عن بلاطها كونفوشيوس، عشرة أعوام من قبل، الى تقديم اقتراح بعقد " اجتماع سياسي أخوي "، بمدينة جياغو، على الحدود ما بين البلدين، يحضره عن كلتا الامارتين، الملكان الجالسان على عرشيهما، بصفتهما الشخصية، من أجل التوقيع على المعاهدة بنفسيهما، ووضع أختامهما عليها. وفي الحين، حزر كونفوشيوس بأن الاقتراح ينطوي على مكيدة للإيقاع بالملك في كمين لا قبل له به. فهب الى الحيلولة دون سفره وحيدا لحضور الاجتماع السياسي الاخوي الموعود. متوسلا في ذلك، كدأبه دائما، بمهارات اجتهاداته الاصيلة، وسطوة خبراته الضاربة في الزمن؛ حيث عرض مشورته السخية على الملك موضحا ومفسرا؛ قال: " لقد بلغني، أيها الملك، عن الاسلاف الاولين قولهم بأنه يتوجب على الأمير الراغب في حضور الاجتماع السياسي الأخوي أن يصطحب معه ما يكفي من حراسه العسكريين المدججين بالسلاح؛ وبأنه يتوجب عليه، على النقيض من ذلك، إيفاد المبعوثين المدنيين، والسفراء الديبلوماسيين، لحضور الاجتماعات العسكرية واللقاءات الحربية. وغني عن البيان، أن القائمين على شؤون الحكم في الازمان الغابرة لا يقدمون على السفر الى البلاد الأجنبية إلا مرافقين بفرقة من الخفر العسكرية المسلحة. وإني أشير عليكم، أيها الملك، أن تصطحبوا معكم، الى هذا الاجتماع، كبار قادتكم العسكريين، وتحرصوا على وضعهم الى يمينكم والى شمالكم ". فما كان من الملك إلا أن أخذ بمشورة كونفوشيوس، وسهر على تطبيقها بكل تفاصيلها. ولقد كان ذلك من طالع سعود الملك. فقد تبين أن الدعوة كانت، بالفعل، مكيدة مهلكة.

على أن حاكم إمارة كي ما انفك يحيك الدسائس والحيل الخبيثة لملك مقاطعة لو. فقد بعث اليه عام 496 ق. م، هدية فاخرة، عبارة عن ثمانين من المومسات الباهرات الحسن والجمال، إضافة الى مائة وخمسة وعشرين من أجود أصناف الخيل. ولقد هب كونفوشيوس، مرة أخرى، وفي نيته نجدة الملك، يناشده أن يمتنع عن تسلم الهدية المعروضة. لكن الملك أعرض عن النصيحة، وصرف نظره عن مشورة كونفوشيوس، وتسلم كل ما جيء به كهدايا للقصر بكل الرضى والسرور. فأخذته سنة من النسيان سها فيها ثلاثة أيام متواصلة عن إقامة مراسيم قداسات تعتاد العائلة الملكية الحاكمة على إقامتها والالتزام بمقتضيات أعرافها وطقوسها المرعية. وقد اعتبر كونفوشيوس الوضعية غير مقبولة على الاطلاق. ففي نظره، لا يمكن لأي مملكة أن يرتفع لها بنيان مهيب، وتتمتع بصرح شامخ، إذا تعرضت فيها الطقوس والأعراف للإهمال، وتقاليدها الراسخة للتعدي وقلة التوقير، والقوانين التي تنتظم فيها للخرق الفاضح؛ لا سيما إذا حصل شيء من ذلك على يد الشخص الذي يفترض فيه الحرص على مراعات هذه الطقوس والأعراف والتقاليد والسهر على الالتزام بهذه القوانين. ذلك لأنه إذا ما كف الملك في سلوكه وتعامله عن الظهور أمام رعيته بكامل المواصفات الموضوعة التي تميز الملوك، تهدمت جدران المملكة، وانهارت أركانها القائمة.

لهذه الأسباب جميعا، اتخذ كونفوشيوس قراره النهائي بتقديم استقالته؛ فطلب الاعفاء من كل المسؤوليات التي يضطلع بها في بلاط الملك. ولقد قام هذا الأخير بشتى المساعي لاستبقائه وثنيه عن الرحيل، لكن بلا جدوى. ورحل كونفوشيوس عن إمارة لو، وراح يجوب البلاد بحثا عن ملك تتوفر فيه شروط حسن الانصات للقول، وحسن العمل بالمشورة والرأي. لقد ترسخت في ذهن كونفوشيوس مقاصد المراد الذي نذر نفسه له، والمتمثل في غرس فضائل الاستقامة والنزاهة والأمانة في نفوس الملوك والامراء، والتمسك بالمضامين وبالدلالات الموضوعة للأقوال والكلمات، والحرص الشديد على عدم المساس بالعقود المبرمة وبالقوانين الجاري بها العمل، والتخلص نهائيا من كل ما يمكن أن يوحي بالتعسف وبالاستبداد، أو ما قد يدخل في باب الرعونة في الموقف والسلوك. ولقد قرر حاكم إمارة لو، وهو في حالة يرثى لها من الحزن والاسف على ما بدر منه من عمل أخرق، أن يأخذ القسم من ولي عهد المملكة بالمناداة على كونفوشيوس، بعد وفاته، للعمل معه في البلاط حين جلوسه على العرش.

في البدء، اتخذ كونفوشيوس سبيله جهة الشرق، قاصدا بلاد وي التي يحكمها صهر الأمير على إمارة لو. عند وصوله، سأله الدوق، حاكم الامارة، عن الاتعاب والمكافآت التي كان يحصل عليها أثناء خدمته في بلاط قريبه الحاكم على لو. لذلك خصصه براتب يعادل ما كان يتلقاه، وهو ما يقدر بحوالي ستة آلاف صاع فرنسي من الأرز [الصاع الفرنسي يعادل حوالي عشرة كلغ]. أعلن كونفوشيوس موافقته، وشرع في مباشرة مهامه وأعماله الجديدة في بلاط دوق مملكة وي. غير أنه لم تكد تنصرم عشرة أشهر على تقلده المنصب الجديد، وعلى إثر وشايات متواترة، حتى تفاجأ بضابط مدجج بالسلاح يقدم، بأمر من الأمير، على اقتحام الغرفة التي يقيم فيها، وعبورها ذهابا وإيابا لمرات عديدة. ما كان المعلم كونغ ليحتاج الكثير من الوقت لكي يستوعب دلالة الرسالة. فما عتم أن حزم أمتعته من جديد، واستأنف مسار الترحال.

ولقد ظل على مرور الأيام واثقا من طالعه السعيد، مستيقنا من حظه الموفور. لذلك ولى وجهه، هذه المرة، مرافقا ببعض تلاميذه وأتباعه المخلصين، صوب مقاطعة شين، الواقعة، مرة أخرى، جهة الشرق. اجتاز مدينة جوانغ. لما رآه سكانها حسبوه ملكا مطرودا من رعيته في طريقه الى المنافي؛ فحاصروه وألقوا عليه القبض. غير أنه سيتمكن من الفرار ومغادرة المدينة. بعد خمسة أيام طوال من السؤال والبحث المضني، ينجح تلميذه المكلف بسياقة العربة المغطاة التي يتنقلون بها في ترحالهم من العثور عليه. فخاطبه كونفوشيوس قائلا: " حسبتهم قد قتلوك ". فرد عليه التلميذ: " كيف لي أن أجرؤ على الموت، وأنا أعلم أنك لا تزال على قيد الحياة؟ "

وغني عن البيان، أن الحوارات المنقولة عن كونفوشيوس وتلاميذه وأتباعه، والاحاديث التي جرى فيها تبادل الانطباعات والآراء ما بين الطرفين، إبان هذه الفترة من حياتهم التي اتسمت بالتجوال والترحل والتيهان، ساهمت مساهمة كبرى في صياغة وبلورة شخصية كونفوشيوس في أبعادها المتعددة. ذلك لأن كونفوشيوس، صاحب هذا الصوت الجهوري الفائح بعطر الابتهاج ونسمة الفرح، المنسدل على مجموع المتون المنسوبة اليه، يتموضع الى النقيض تماما مع صورة كونفوشيوس الرجعي والمعادي لكل نزعة الى التجديد؛ كونفوشيوس المهذار، الواسع الثرثرة والكلام المليء بالتفاهات، والتي حرص أعداؤه وخصومه على نشرها والدعاية لها في مختلف أنحاء الصين، عبر شتى اللقاءات والمجالس والمناظرات. من الصحيح تماما أن كونفوشيوس كثيرا ما ينزع الى الفكاهة والمزاح، لاسيما في اللحظات التي يشعر فيها، في قرارة نفسه، بفقدان الاعتبار، وانعدام الهيبة، وقلة المراعاة؛ مما ينزع به الى ممارسة الاستهزاء بالذات، وسلخ القلب والوجدان بسياط التهكم والسخرية. فعلى سبيل المثال، حينما خاطبه رجل من سكان الأرياف قائلا: " آه. يا لقامة كونفوشيوس الفارعة. وإنه لسيد العارفين، لا تخفى عليه خافية. سوى أنه قليل الخبرة، ضئيل الحنكة؛ إذ لا تعرف له مهارة، ولا يدري أحد أنه يتقن حرفة ". أجابه كونفوشيوس: " وإذن، في أي مجال تريدني أن أتخصص، وأية حرفة ترى أنها تناسبني؟ أهي الرماية بالقوس؟ أم سياقة عربات نقل المسافرين؟ " وفي ذات مرة، دخل بمعية تلاميذه وأتباعه مدينة لم يسبق لهم أن زاروها من قبل، أو عرفوا عنها شيئا. فكان أن تفرقوا في دروبها، وتوزعوا في أحيائها وحاراتها. ثم بلغ الى علم تلاميذ وأتباع كونفوشيوس بأن رجلا طويل القامة يقف عند البوابة الشرقية للمدينة، وأن جبينه العريض يجعله يبدو كأنه ملك من قدماء الملوك أو أمبراطور من الزمن الغابر. سوى أنه في مظهره شبيه بكلب تائه متخلى عنه. ولما عثر عليه تلاميذه وأتباعه وأبلغوه بالأوصاف التي علموا بها عنه، علق كونفوشيوس على ذلك بالقول: " إنني لا أعرف ما إذا كنت أشبه حقا الملوك الاقدمين أو الاباطرة الاولين. على أنه في ما يخص تشبيهي بالكلب التائه المتخلى عنه، فالقول صائب كل الصواب؛ القول صائب كل الصواب ".

ولقد لبث كونفوشيوس ومصاحبوه من المريدين والاتباع والتلاميذ، على امتداد خمسة أعوام متتالية، يغدون ويروحون عبر بقاع متفرقة من بلاد الصين، تقترن في أحوالهم، مثلما الكلاب الضالة، ألوان من التسكع والتيهان والشرود. فمكثوا في ذهاب وإياب عبر مقاطعات وي، وسونغ، وزهينغ (الواقعة حاليا شمال مدينة هونان)، علاوة على مقاطعة شين التي أقاموا بها لأكثر من العام في ضيافة مأمور من هيئة القضاء. ولقد تواصلت حيوية كونفوشيوس قوية وهمته محتدمة ومتجددة؛ فلم تُخمد حماسته الانكسارات، ولا نالت من مأمله العثرات، ولا من عزيمته انسداد الأبواب. استمر يمني النفس بإسماع صوته عاليا في كل بقاع الدنيا، وفي ما وراء كل بحار الأرض. لذلك نجده يقول: " لا يفتأ المعلم يؤكد ويعيد التأكيد بأن الطريق لم تتيسر الى الآن، وأن معالمها لم تتوضح على طول المدى بعد. وإني مقدم على الإبحار وخوض غمار الموج على ظهر عوامة لأتجه قاصدا أعالي البحار وأقاصي المحيطات. فمن تراه سيصحبني في رحلتي، إن لم يكن زيلو؟ " وفور سماع تلميذه زيلو، هب عليه يملأه السرور والفرح. فما كان من المعلم إلا أن تابع كلامه، وقال: " من الأكيد أن زيلو إنسان يفوقني كرما وطيبة وبسالة. وإذن، كيف لنا بالحصول على المال الذي سيكفي لتمويل رحلتنا؟ " ولما اعترف له زيلو بأنه عجز، ذات مرة، عن تقديم فكرة موجزة وواضحة لمذهبه لأحد السائلين، رد عليه كونفوشيوس: " لٍمَ لَمْ تقل له بكل بساطة: إنه رجل ينسى حاجته الى الطعام والشراب حينما يجتاحه الهيام بالأفكار المستفحلة، وتغمره الحمية الكاسحة في معمعان القضايا والأمور الملحة. رجل يتخلى عن الانشغال بهمومه ومتاعبه عندما يصادف أطياف الرضى وبسمات السعادة، وتصافح يمناه يد التفاؤل وعناق طالع السعد الجميل. رجل يعجز عن أن يتبين أمام عينيه شبح الشيخوخة الوشيك، ومخالب أرذل العمر المقترب ".

بحلول سنة 491 ق. م، كانت قد انصرمت خمسة أعوام على كونفوشيوس في عيشته الجديدة عبر الأرياف؛ قاسى فيها ضنك البداوة وعذاب التنقل والترحال. وكان قد بلغ الستين من العمر، عندما تناهى الى علمه خبر وفاة دوق إمارة لو، الذي سبق أن أخذ من ولي العهد على الامارة الوعد الممهور باليمين باستدعائه للعمل الى جنبه في بلاط القصر. كانت، بحق، الفرصة المؤملة التي ما انفك ينتظرها كونفوشيوس ذلك الانتظار الطويل المقرون بالحنين الغامر للعودة الى الموطن الحبيب، والاقدام بكل الحماس الشديد على مباشرة الاعمال العظيمة وتحقيق الاحلام البعيدة. لكن الحاكم الجديد على المملكة كان له رأي آخر، إذ فضل المناداة على تلميذ لكونفوشيوس اسمه ران كيو ليشغل المنصب المرتقب. وعلى كل حال، كونفوشيوس رجل على درجة عالية من الفطنة والحكمة والعقل لكي يصرف النظر عن حلم عزيز عليه لا يفتأ يصبو اليه شديد الصبوة في كل لحظة وحين. لذلك، فقد اشتد في صدره الايمان الراسخ بالمستقبل السياسي الكبير الذي يشعر بكل وجدانه بأنه منذور له منذ الأزل. ولقد كان يرى بأن الرجل صاحب المؤهلات العظيمة، والكفايات النادرة، لا بد وأن ينتهي به المطاف، في يوم من الأيام، طال الزمان أو قصر، الى انتزاع الاعتراف له بالجدارة والاستحقاق، وكسب الإقرار لأفكاره وآرائه بالصواب وبالحكمة وبعد النظر.

في نفس الفترة الزمنية، اندلعت الحروب الميديسية [نسبة الى كلمة ميديس التي أطلقها اليونان على شريحة من الفرس؛ وهي حروب امتدت على طول النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد ما بين ملوك الفرس وعدد من المدن اليونانية، تخللتها أعمال في الحرب دراماتيكية وبطولية ستخلدها العديد من المتون اليونانية (هيرودوت) والفارسية (إيشيل). يذكر ان هذه الحروب انتهت بانتصار اليونان، وستشكل السبب البعيد لقيام الاسكندر المقدوني بحملته التاريخية الكبرى على بلاد الشرق. (عن الموسوعة الفرنسية) – المترجم]، ما بين الامبراطوريتين العظيمتين، الرومانية والفارسية. ولقد تحتم فيها على الامبراطور الفارسي قشيرقش، الذي تولى العرش خلفا لأبيه الامبراطور داريوس الأول، العمل على إخماد نيران الانتفاضات والفتن المندلعة في كل من بابل ومصر. وعقابا منه للبابليين، أصدر أوامره في عام 482 ق. م، بتدمير معبد الإله الأكبر" مردوخ ". ولقد دك تمثاله المنتصب في قلب حاضرة بابل، وحوله الى غبار.

هكذا قرر كونفوشيوس العودة الى بلاد كاي المنهمكة في الحرب مع إمارة وو. ثم إنه واصل ترحاله لسنوات كثيرة أخرى، قاطعا الصحاري الواسعة، تصطحبه مجموعة قليلة ممن تبقى حوله من المريدين والتلاميذ والاتباع. ولقد ابتدأ ينفد ما بين أيديهم من الطعام والمؤونة. وزحف الانهاك على مرافقيه ونالت منهم الامراض والعلل. وتبين لكونفوشيوس بأن الرفاق ممن لا تزال لديهم الرغبة في مواصلة المسير معه قد أدركتهم نوازع التذمر واستحكمت فيهم خيبة الآمال. فعمد على الفور وأخرج " كتاب الأناشيد "، وانتقى باقة من روائع الشعر القديم، ثم شرع يلقي على مسامعهم: " وليسوا بالجواميس ولا بالنمور / ومع ذلك / تراهم يجوبون الفيافي القاحلة / ويهيمون مترحلين عبر شعاب الصحراء ". وها هو يخاطب تلميذه المفضل زيلو، يسأله: " هل تعتقد بأن في مذهبي عيب ما؟ أولا ترى بأنه خطأ كله؟ كيف يعقل أن أجد نفسي في مثل هذه الوضعية المزرية؟ " فأجابه تلميذه زيلو بأن هذا الامر برمته حصل بسبب الغلطة التي ارتكبوها جميعهم. ذلك لأنهم افتقروا الى ما يكفي من الاعتدال والرزانة، والى ما تستوجبه الأحوال من العفة والوداعة والعقل، مما كان سيغري الأمراء بالرغبة في خدماتهم، والملوك بالقبول بإلحاقهم للعمل في بلاطاتهم. وأضاف تلميذه الاخر زيلونغ بأن مذهبه شائك الاوصال، عسير على الاستيعاب، بعيد عن متناول الافهام، لحد يستحيل فيه على عامة الشعب التفاعل معه بالإيجاب والقبول. وأضاف تلميذ آخر من تلاميذه يدعى يان هوي: " إن مذهبك، أيها المعلم، على مستوى راق من السمو في الفكر، ودرجة عالية من التهذيب الرفيع، مما يجعل من المتعذر على أفراد الشعب العاديين التفكير في مجاراته، والنزوع الى الايمان به، والاقتداء بأصحابه والداعين اليه. ومع ذلك، فإني أرى من الضروري، أيها المعلم، أن تبذل كل ما لديك من الجهد والطاقة لكي تنشر أفكارك بين الناس، وتوصل مذهبك الى أبعد مكان على هذه الأرض. فماذا يهم أن لا تكون أفكارك مفهومة؟ وما الذي يمنع أن يكون مذهبك يلفه التعقيد والغموض؟ إن الصدود الذي تتعرض له أفكارك وتعاليمك، والرفض الذي يواجه به مذهبك، ليدل، بما لا يدع أي مجال للشك، بأنك، أيها المعلم، حكيم حقيقي وأصيل ".

بحلول عام 484 ق. م، انتهى اليقين بكونفوشيوس الى الإقلاع عن التعلل بالآمال الكاذبة، والإفراط في الأحلام الخادعة؛ فقرر العدول، بنحو لا رجعة فيه، عن الاهتمام بالحياة السياسية، والتخلي نهائيا عن عادة الالتفات الى أي شيء يمكن أن يتصل بسيرة البلاطات والقصور، ودواليب السلطة والحكم. هكذا، بانصرام زمن الانتظار الطويل للأمجاد الواهية، يعود كونفوشيوس الى موطنه الأول، ومسقط رأسه، مع أن الأمير القائم على شؤون الحكم فيه لا يفتأ يجهر بعدم حاجته اليه في بلاطه، وضعف اقباله على ما ينادي به من التوجيهات والوصايا. يعلم كونفوشيوس، الآن، بأن الرجل صاحب المواهب الفذة، والقدرات النادرة التي يتلكأ الناس في الإقرار بها، فيفرون من الترحيب به، ملزم بالهدوء وبالكتمان، وبالركون الى الاحتراس والرصانة. يعلم، كذلك، أن المنفذ الوحيد المتبقي أمامه أن يشتغل كرجل تعليم وتربية وإرشاد. وسيكون عليه، فضلا عن مهامه في التربية والإرشاد والتدريس، أن يفسح المجال واسعا أمام تأملاته الملحة حول عقوق الملوك والامراء أهل الحكمة والعلم، ونظراته المتدافعة بشأن نكران السادة وكبار القوم لجميل أصحاب الفكر وأفضال حاملي المواهب والعقل.

وكان " كتاب التحولات " في مقدمة المتون المدرجة في برنامجه التعليمي؛ علاوة على مواد الشعر والتاريخ والموسيقى، وأخرى من " كتاب الطقوس والمراسيم ". وكان عدد التلاميذ من حوله في ازدياد مطرد، لحد ما قارب الثلاثة آلاف نفر. وقد دأب كل عام على تنظيم المباريات بغرض انتقاء نخبة تتشكل في كل مرة من اثنين وسبعين مرشحا من بين المتمدرسين المتمكنين والمتفوقين في الفنون الرئيسية التالية: 1 - الطقوس والمراسيم. 2 – الموسيقى. 3 – الرماية بالقوس. 4 – سياقة العربات. 5 – القراءة 6 – الرياضيات. ولقد كانت الفصول الدراسية التي أحدثها كونفوشيوس مفتوحة الأبواب أمام الناس جميعا، ولم تكن أبدا محصورة في أبناء الملوك والامراء والاعيان والسادة. كما حرص كونفوشيوس شديد الحرص على تدوين الدروس كاملة، وإثباتها في محاورات سوف تظهر للوجود في كتاب زمنا طويلا بعد وفاته. وهي المحاورات التي تشكل المتن الحقيقي الوحيد المسند اليه، والذي لا تحوم أية شبهة حول نسبته اليه.

وجدير بالذكر أن الكلمة الأولى في الفصل الأول من كتاب " المحاورات " هي كلمة " دراسة ". وتستحوذ على الصفحات الأولى فقرات تكيل التبجيل والمديح لسلسلة من التمارين الأخلاقية الهادفة الى اكتساب الخبرات الإنسانية، وذلك قبل الانتقال، في صفحات موالية، الى تلقين المهارات النظرية وأصول الفنون ومبادئ العلوم والمعارف. ذلك لأن الأفعال والممارسات الأخلاقية تأتي في المقام الأول، والحمولات المعرفية والنظرية تأتي بعدها في المقام الثاني. ولقد ظل كونفوشيوس لا يكف عن التأكيد، المرة تلو المرة، قائلا: " إن من أوجب الواجبات على الفتى أن يكون ابنا بارا في البيت بين أفراد أسرته، مهذبا ولطيفا جم التوقير والاحترام في المجتمع وبين أوساط الناس، أمينا وموثوقا به، محترسا وعلى درجة كبيرة من الفطنة، محبا لقومه وعشيرته ولكل أفراد الشعب الذي ينتمي اليه، شغوفا بالتعرف الى الافاضل من الناس من ذوي الاخلاق العالية والسمعة الطيبة، ساعيا الى التقرب منهم لكسب صداقتهم والإفادة من صحبتهم. فإذا تبقت للفتى، من بعد كل ذلك، بقية من الوقت والطاقة والجهد، فليكرسها لقراءة الكتب ومطالعة المصنفات المختلفة والمؤلفات الكثيرة ". ويستطرد كونفوشيوس، فيقول: " إن الرجل ذي الخصال العظيمة، والمنزلة الرفيعة، يأكل باعتدال ولا يسرف أبدا في الطعام والشراب؛ وإنه لا يشترط في مسكنه توافرا لوسائل الراحة الكثيرة ورغد العيش الباذخ؛ وهو مثابر ونشيط في الاعمال والمصالح والشؤون المختلفة؛ عارف بأهمية اللباقة والتأني في الكلام والجواب، وإبداء التعقيب والملاحظة؛ تراه أثناء التردد على أهل الحكمة والمعرفة، يشغل نفسه بالتشبع بقيم الاستقامة والانصاف والنزاهة. إن هذا الرجل، بكل هذه الميزات والمواصفات، يمكن بكل الصدق أن نقول عنه بأنه يحب " الدراسة " (الفصل الأول – 14) ". ومما ينسب، أيضا، الى كونفوشيوس ما صرح به لتلميذه زيزهانغ، الذي روى الحديث في هذه " المحاورات " قائلا: " أعلن كونفوشيوس بأنه رفض المشاركة في الحكم؛ وأنه لهذا السبب، توافر لديه الوقت الكافي للتفرغ لدراسة الأدب والفنون ". ومما رواه هذا التلميذ، كذلك، عن كونفوشيوس، قوله: " ثلاثة فضائل لا غنى عنها لكل الرجال: 1 – الفطنة والاحتراس والحذر. 2 – الرحمة والشفقة والحنو. 3 – القوة والصلابة والمنعة. ولكي يؤتي اكتساب هذه الفضائل ثماره المرجوة، لا بد لها أن تتميز بخاصية تشترك فيها جميعا: أن تكون حقيقية، وأن يتوفر فيها الصدق. وغني عن البيان أن في الرجال فئة تملك بالفطرة، منذ المولد، العلم بالقوانين الأخلاقية الخمسة الكبرى. وهناك فئة ثانية منهم تأتيهم عن طريق التربية والتعليم. وأخيرا، ثمة الفئة الثالثة، وتكتسبها مقابل جهود مضنية من البحث والاجتهاد والطلب. وكيفما كانت السبل المتوسل بها، فإنها تبقى دائما على حالها الأصلي بعيدا عن كل تبدل أو تغير. لذلك، تجد هؤلاء يلتزمون بالقوانين الخمسة العامة بلا جهد أو مشقة؛ وتجد أولئك يراعونها بدون أية صعوبة؛ بينما لا تتمكن الفئة الثالثة من الالتزام بها إلا من خلال التعب الشديد وبذل الجهد الكبير. والمحصلة في الختام واحدة ومتماثلة بالنسبة اليهم جميعا ".

وبالتالي، يمكن القول بأن العنصر الجوهري في تعاليم كونفوشيوس يكمن في غزارة الشعور بالرحمة والحنو، أو ما سماه، هو نفسه، " باكتمال المكارم الإنسانية " – وهي العبارة التي تكررت 109 مرة في هذه المحاورات، وذلك على غرار عبارة " الرجل الفاضل " التي لا تقل عنها أهمية، حيث وردت، كذلك، 107 مرة -. ذلك لأن اكتمال المكارم الإنسانية، والتشبع العميق بمشاعر الحنان الفائض والرحمة الدافقة، هو السبيل الامثل لبلوغ درجة " الرجل الفاضل ". ففي رأيه أن هذا الرجل الفاضل، الذي قدرته يد الفضيلة فأحسنت تقديره، وصاغته أنامل الجدارة فأبدعت صياغته، وتشكل بالخبرة وبالتمرس فتأكدت كفاياته، ليتموقع، بكل أريحية، في قمة هرم النخبة، سليلة جماعة النبلاء والسادة، المتحدرة من مراتب الطبقات الاقطاعية والارستقراطية.

ولما بادر تلميذه زيغونغ يسأله أن يبين له كيف السبيل للتعرف على الرجل الفاضل، أجابه كونفوشيوس: " الرجل الفاضل لا يدلي بالموعظة في الناس إلا بعد أن يخضعها للتطبيق والتجريب حتى تتأكد حمولتها النفعية والعملية؛ وإلا أحجم عن التحدث عنها والنصيحة بها. الرجل الفاضل يعطي الأسبقية للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، لقناعته بأن ما ينفع الناس جميعا واضح التقدم على ما قد يفيد الفرد الواحد فحسب. وذلك على النقيض من الشخص العادي من العامة، والذي لا تشغله سوى منفعته الشخصية دون أي اعتبار لما قد يعود بالنفع على الآخرين ". وبالتالي، فالرجل الفاضل، في نظر كونفوشيوس، قوي الايمان بما تكتسيه قيمة الإيثار من أهمية كبرى في الحياة. ومما يذكر عنه أيضا، قوله: " عندما تستحوذ في المرء جوانبه الفطرية على جوانبه الثقافية، يتحول الى كائن همجي ومتوحش. وإذا هيمنت الجوانب الثقافية على عناصر الفطرة فيه، تحول الى كائن واسع الحذلقة، كثير التظاهر بالمعرفة والتشبه بالعلماء. لذلك، فإن إقامة التوازن المضبوط ما بين الفطري والثقافي في الانسان هو السبيل الأمثل الذي يضمن له اكتساب صفة الرجل المهذب ". ويضيف: " أوليس مما يبعث السرور في النفس، اعتكاف المرء على الدراسة والتعلم وطلب المعارف، ثم انتقاله بعد ذلك، في الوقت المناسب، الى إجراء التجارب على كل تلك الدروس المكتسبة، ومباشرة الاختبارات التطبيقية على كل تلك العلوم المحصلة؟ أوليس من السعادة الغامرة أن يكون للمرء أصدقاء يشدون الرحال لزيارته بين الفينة والأخرى، يقصدونه للالتقاء به مهما بعدت المسافات وكثرت مشقات الطريق؟ أولا يوصف بالرجل المهذب ذلك الانسان الذي حرمه الناس من الاعتبار المستحق، وضنوا عليه بالتقدير الذي هو أهل له، ومع ذلك، تجده على سبيل التعفف، يتفادى أن يستسلم لمشاعر الاستياء منهم، والوقوع في الهم والغم بسببهم؟ ثم إن كونفوشيوس يضيف، أيضا، هذه العبارات الحافلة بالأفكار البديعة، فيقول: " ألا ترى الى أن رامي السهام يتقاطع مع الرجل الفاضل في الصفة المشتركة التالية: فحينما يخطئ السهم الهدف، فلا يصيب قلب المرمى، ينقلب الرامي للتوٌ على نفسه يبحث في ثناياها عن السبب في الخطأ والعلة الكامنة وراء الإخفاق في إصابة الهدف. ذلك لأن الغلطة الحقيقية هي تلك التي تستعصي على الإصلاح، ويتعذر في جبرها التقويم ". ويقول كونفوشيوس أيضا: " إذا صادفت رجلا متمتعا بالميزات الراقية والنادرة، فحاول ما استطعت أن تتشبه به، وترتوي نفسك من معين مياهه العذبة. أما إذا صادفت رجلا قليل الفطنة والذكاء، ضعيف المروءة والعقل، فحاول ما استطعت أن تفتش في نفسك عن عيوبه فتستأصلها، وتستبين في ذاتك مساوئه ونقائصه فتبادر الى معالجتها ". ويقول أيضا: " الرجل الفاضل يضع العدالة فوق كل اعتبار. فالرجل الفاضل المتصف بالشجاعة لكنه يجهل العدالة، يصبح متمردا تلهو به نوازع العصيان. والرجل الضعيف المروءة والعقل المتصف بالشجاعة لكنه يجهل العدالة، يصبح قاطع طريق قد ذهبت به رياح الشر كل مذهب ". إن الفضيلة العظمى التي تشكل جوهر الرجل الفاضل تكمن في الشعور بالاحترام للذات وللآخرين. يقول: " يتوقف مذهب المعلم، بكل بساطة، على المبدأ المتمثل في نقطة واحدة تتلخص في الوفاء للذات وللآخر ". ولا غرو فالوفاء، بحق، ليشكل الخصلة المركزية للرجل الفاضل، وهي التي تمهد السبيل لتحقق اكتمال المكارم الإنسانية الزاخرة بالرحمة الدافقة والعفو الكبير.

ولقد كان كونفوشيوس حريصا على تلقين تلاميذه وأتباعه ومريديه الدرس البليغ الملخص في أنه لكي تمارس السلطة، وتدير دفة الحكم، يجدر بك، أولا وقبل كل شيء، أن تتعلم كيف تحترم نفسك، وتحيط شخصك بالتوقير، وتصون ماء وجهك في كل ظرف وحال. يقول: " إن المتهاون في شؤونه الخاصة، المتقاعس في توفير العناية بذاته، والاهتمام بكل ما له صلة بشخصه، ليس باستطاعته إيجاد الحلول الصحيحة، والوصول الى التسويات المطلوبة للمسائل المتعلقة به، لاسيما منها ما يتصل بقضايا أسرته والمحيط الاجتماعي لمقر إقامته. ذلك لأنه لم يسبق أبدا لرجل ضنين التعهد بنفسه، شحيح الرعاية بأفراد أسرته، وهؤلاء هم المفترض إحاطتهم، أكثر من غيرهم جميعا، بالحدب والسهر الدائم والحب، أن سلست في يده مقاليد الحكم، فتدبر بما يقتضي الحال من علو الهمة، وسعة الحمية، شؤون مملكته أو إمارته، وهي المفترض أن يتعهدها بشغف أقل، وبعاطفة قلبية مرشحة للزوال في كل حين ". أما بخصوص ما له علاقة بالاحترام الواجب للآخرين، فقد كان جواب كونفوشيوس عن سؤال تلميذه زي يو بشأن مكمن البر بالوالدين، ومرتكز الاحسان اليهما، قال: في الوقت الراهن، كل امرئ منا سعى لضمان المعاش لوالديه، فسيعرف بين الناس كابن بار. على أنه لا يخفى أننا، كذلك، نوفر الطعام والشراب للبهائم وللكلاب. لذلك، إذا لم يتوافر للأب وللأم، بالإضافة لما يكفيهما من المعاش، قدر موفور من التوقير والاحترام والحب، فهل سيتضح الفرق؟ وهل سيتكشف الاختلاف؟ "

هكذا، كان كونفوشيوس في تفكيره طليق العنان، صريح اللسان، في العبارة جرأة، وفي الكلمة عطر من نسمات الحرية؛ لا ينفك يستعين ببديع الاستعارات الممهورة بألوان من الشغف، ولا يتردد أبدا في النهل من طبق الفكاهة والجذل.

وللإنصاف، لم يكن أحد يفوقه في شدة الايمان بقيمة الرحمة والحنوٌ ودفء المشاعر الإنسانية. ويجب الإقرار، أيضا، بأن ما كان يدعو اليه كونفوشيوس لا يختلف في شيء عما سوف ينادي به من بعده، في فترات زمنية لاحقة، كل من أرسطو، وبويس، وابن رشد، وابن ميمون، وأقطاب النهضة الاوربية، وكبار أعلام الفكر والفلسفة والتنظير في عصر الانوار: لا شيء يهم أكثر من الدلالة المقدرة للكلمات؛ ولا شيء يهم أكثر من الوعد الصادق وكلمة الشرف؛ لا شيء يعلو على الاجلال والتوقير الواجب للعلوم والمعارف، وللحاملين لمشاعلها في كل بقاع الأرض من مفكرين وفلاسفة وعلماء؛ لا شيء أعظم أهمية من الاحترام الواجب للكرامة الإنسانية؛ ولا شيء أشد ضرورة في هذه الحياة للإنسان من الفن، ومن الابتسام والضحك. ولقد عانى كونفوشيوس معاناة أليمة في علاقاته المخيبة للظنون مع الناس من حوله؛ ومع ذلك، فقد سعى جهد استطاعته لتفهم ما تنطوي عليه مواقف البشر الغريبة الاطوار، وسلوكاتهم البعيدة في الكثير من الأحيان عن أن تكون عاقلة. قال: " ليس من سوء الحظ، ولا من التعاسة، أن يقابلك الناس بالنكران، وبالتجاهل، وبقلة التقدير؛ ولكن المصيبة الكبرى، والشؤم الحقيقي، أن تعاملهم بالمثل، فتكيل لهم النكران الكاسح، والتجاهل المكين، فتُسقط من عينيك تجاههم كل اعتبار وتقدير ". ومما قاله أيضا: " الكل أكبر من مجموع الأجزاء (...) لا تقلق إذا لم تلتفت اليك الأنظار، فعجزت عن إثارة الانتباه اليك والى وجودك. ذلك لأنه من الاجدر بك أن تنشغل كثير الانشغال في سبيل إنجاز أعمال عظيمة تثير الانتباه اليك وتجلب الأنظار الى وجودك (...) كل شيء له دوما عواقبه، فلا شيء معدوم التبعات. وبالتالي، لا شيء أبدا خلو من أسباب محددة ومبررات معلومة (...) التعلم الذي لا يقترن بالتفكير عبث لا تجدي فيه الجهود. والتفكير الذي لا يقترن بالتعلم مهلكة ".

كتب كونفوشيوس يتحدث عن نفسه، قال: " في الخامسة عشرة من عمري، انصرفت الى الدراسة وتحصيل المعرفة؛ لما بلغت الثلاثين، تمٌ لي الالمام بأصول العلوم ومبادئ المعارف المختلفة؛ في الأربعين، انتهيت من الانسلاخ، بصورة نهائية، عن كل أشكال الشك والظن، والتخلص من نوازع الحيرة والتردد؛ أما حين بلغت الخمسين، فقد تكشفت أمام بصيرتي أحوال السماء، وانبجست لمداركي ما تنطوي عليه من الخبايا والاسرار؛ وفي الستين، وضعت يدي على كتاب المعاني المستغلقة الوافدة على سمعي، ومفاتيح الإشارات المستعصية المتناهية الى فهمي ومعرفتي؛ ولما أتممت السبعين، شرعت أستسلم لرغبات القلب أنٌى حلٌت، أجاريها تارة، وأنقاد لها تارة أخرى، لكن بمقدار، ودون أن أسمح لنفسي بتجاوز الحدود المسطرة ". وقال أيضا: " إذا بلغت سن الأربعين من عمرك، ورأيت أنك لا تزال أرضا مفروشة للحقد، ومحلٌاً متيسرا للتعصب والرغبة في الانتقام، فاعلم بأنك ستبقى على هذه الحال المضطربة بالضغائن والمقت طوال حياتك ". ثم إنه أضاف قائلا: " إنني لا أدمدم استياء من السماء، ولا أتذمر محتجا ومعترضا عليها؛ كما أني لست بالذي يتهجم على الناس، محمٌلا إياهم مسؤولية إخفاقاتي ومصائبي. إنني مولع بدراسة الأشياء الشديدة البساطة حتى أتمكن من اختراق الأشياء الشديدة التعقيد، والفائقة الأهمية والسموٌ. وما أنا بالغريب في عيون السماء؛ إنني مألوف لديها، وتعرفني ". لا شكوى ولا ظلامة. لا تكبر ولا غطرسة؛ لا خيلاء ولا غرور: " فالرجل الفاضل يجتاحه الحزن المكين لإحساسه بأفول مواهبه ونضوب قريحته، لكنه لا يغتم ولا يحزن أبدا للغربة الجاثمة عليه بين الناس، ولشح نصيبه من الاهتمام والعرفان بالجميل ".

ولا غرو أننا نصادفه أحيانا ما يجري أحكامه وتأملاته في كلام الآخرين، فيعمد الى تسريب مقاصده ونواياه في ما يصدر عنهم من الاقوال والردود. ففي ذات مساء، قصد تلميذه زيلو مدينة يريد الدخول اليها، فاستوقفه الحارس القائم على بوابتها، وسأله عن هويته، فأجاب: " أنا تلميذ كونفوشيوس. " فرد عليه الحارس قائلا: " آه. أوليس هو ذلك الرجل الذي، مهما بلغت صعوبة الأشياء واستحال منالها، تراه لا يرجع ولا ينكص عن السعي اليها ومحاولة تحقيق مراده منها أبدا ".

وإذا كان كونفوشيوس يمتنع عن الحديث في موضوع الموت، قاصدا الى إقامة منظومة أخلاقية ثابتة البنيان، منتظمة في إطار معلوم من العادات والطقوس والأعراف؛ مشددا على الأهمية القصوى للبحث والدراسة والمطالعة من جهة، وللصدق والإخلاص وسلامة الطوية من جهة ثانية، فإنه ما فتئ يستنكف عن تنصيب نفسه كقطب من أقطاب الفكر، أو كمدرسة ملهمة للتلاميذ وللمريدين وللأتباع؛ حيث ظل، على الدوام، وعلى العكس من ذلك تماما، يحرص الحرص الشديد على أن يغرس في نفوس تلاميذه أصول التفكير النقدي، ومحبة الاستقلال بالرأي، والاعتماد على التأمل الذاتي الأصيل. قال: " لا أفعل سوى أنني أميط الجانب الواحد من اللثام، فإذا عجز طالب العلم عن إماطة الجوانب الثلاثة المتبقية منه، فالغلطة غلطته ".

ولقد كان الهدف الجوهري الأخير الذي حدده لنفسه يتلخص في بلوغ مدارج المسرات البديعة، ومنازل الفرحة المترعة بالمتعة واللذة؛ وهو ما يفسر ورود هذه الكلمات في مناسبات متعددة من أقواله. قال: " إن الرجل ذو المعرفة الواسعة بالشيء، والمطلع على ما فيه من الاسرار، لا يملك أي فضل على ذلك الرجل الذي يتعلق بهذا الشيء عشقا وغراما. وإن الرجل المتعلق بالشيء لاشتداد عشقه له وغرامه به، لا يملك أي فضل على الرجل الذي يسمو بهذا الشيء الى مراتب الافراح والمسرات الحافلة بالسعادة والزاخرة بالملذات ".

حينئذ، كان كونفوشيوس قد بلغ السبعين من العمر. وقد اجتمعت لديه مجموعة من الكتابات المنتخبة ضمها مؤلفه ذي العنوان: " كتاب المستندات والصكوك ". كما قام بالعديد من الأبحاث والتحقيقات في مجال علوم الموسيقى وفنون الطرب والعزف والغناء. وانبرى، كذلك، لتحرير مؤلف هام وضع له كعنوان: " حوليات فصول الربيع والخريف "، الذي يذكر أنه انتهى منه عام 481 ق. م، الموافقة للسنة الرابعة عشرة من حكم الدوق آي. وهي السنة نفسها التي توفي فيها واحد من أعز تلاميذه الى قلبه يدعى يان هوي. وهي الوفاة التي سيضطرب لها فؤاده اضطرابا شديدا. فقد أبصر فيها علامة دنو أجله، واقتراب يد المنية منه. قال: " إنني أرى يد السماء ممتدة اليٌ، تريد أن تنزع عني رسالتي، وتسطر لي خاتمة مهمتي ".

بعيدا عن المنطقة، هنالك في الطرف الآخر من العالم، كان الامبراطور الفارسي أحشورش الأول [المتوفى عام 465 ق. م]، يقود حملة عسكرية كبرى لغزو بلاد اليونان، حيث سيقوم بإحراق أثينا عام 480 ق. م، وستلتهم ألسنة الحريق الحصن الأول الشاهق للمدينة؛ وهو الحصن الذي أرسى بنيانه الامبراطور اليوناني بيسي ستراتوس [المتوفى عام 527 ق. م]، ليكون قلعة منيعة ضد هجمات الأعداء، حيث صمد زمنا طويلا أمام الاجتياحات المختلفة للغزاة والفاتحين.

في بداية شهر ماي سنة 479 ق.م، سيخطف الموت واحدا من أفضل التلاميذ المخلصين لكونفوشيوس يدعى زي لو. حينها، ستجرفه نذر الختم، وستنسدل عليه أردية النهاية. بفقدان مريده الاثير، وتلميذه المقرب، تأكدت أمام كونفوشيوس استحالة أية إمكانية لاستئناف الطريق، ومواصلة المسير. فأنشد وفؤاده ينفطر من الحزن والألم: " آه منك يا جبل طايشان المنهد. آه منك أيتها الرافدة الكبيرة المنهارة. آه منك أيها الفيلسوف الراحل منصرفا الى حال سبيله ".

سبعة أيام بعد وفاة تلميذه زي لو، يوم الحادي عشر من شهر ماي من عام 479 ق. م، وعن سن الثانية والسبعين، يغادر كونفوشيوس هذه الحياة. كانت وفاته تصادف السنة السادسة عشرة من حكم الملك آي. كما صادفت سنة وفاة كونفوشيوس، أيضا، قيام الفيلسوف اليوناني بارمنيدس الإيلي بإرساء نظريته حول " الكائن الممتنع ". وفي الهند، السنة نفسها أيضا، يدرك الموت بوذا؛ وكان قد أفاد كثيرا من الرعاية التي أحاطه بها ملوك ماجادها وأمراؤها وسادتها؛ والذين لم يبخلوا عليه بالتشجيع والتعطف والحماية، حيث سيحظى مذهبه بالانتشار الواسع والقبول الحسن في مختلف أطراف وادي الغانج.

تلك حكاية كونفوشيوس، وتلك قصة حياته. وعلى كل حال، فقد رويناها مثلما دأب على روايتها الرواة، ومضى في رسم تفاصيل أخبارها الحكاة. وإلى ذلك، فالمرء مدعو لتوخي جوانب الحذر والارتياب. ذلك لأن التواريخ المقررة على طول الحكاية على درجة عالية من الترميز لحد ما يجعل من الصعوبة عدم التسليم بأن قصة حياة الرجل، في أجزاء متعددة منها على الأقل، ليست سوى ضربا من الخرافات والاوهام والتصورات الخيالية. فإذا كانت الفرضية تدفع بمولده سنة 551 قبل الميلاد، أوليس الداعي اليها الحاجة الى ظهور رجل عظيم بعد انصرام خمسمائة سنة كاملة على وفاة الملك زهو، حكيم الحكماء في زمانه، وفريد عصره بين الملوك؟ وإذا كان كونفوشيوس قد بلغ الخمسين من العمر حين حصلت الدعوة الى " الاجتماع السياسي الاخوي " بمدينة جياغو، حيث تمكن من الإفلات من المكيدة، وإفشال المؤامرة؛ أوليس ذلك لأن سن الخمسين عند الصينيين هي سن بلوغ المرء أشده، واكتمال نضج مكارمه الأخلاقية؟ وإذا كان قد فارق الحياة في سن الثانية والسبعين، أوليس السر في ذلك كون الرقم اثنان وسبعون، في التقاليد الصينية للإحصاء والترقيم والعد، مدرج ضمن الأرقام المتطابقة التي دأب الصينيون على رسمها على المربعات السحرية التي تسمح لهم بإقامة طقوس التنجيم، وتيسر لهم إنجاز متطلبات العرافة واشتراطاتها الضرورية؟ وبالتالي، نستطيع أن نؤكد ما ذهب اليه إطمبيل، الباحث في الشؤون الصينية، بالقول: " إذا كان المعلم كونغ قد ازداد عام 551 قبل الميلاد، فذلك راجع الى كون الاجتماع السياسي المعلوم صادف عام 500 ق. م. إلا إذا كان حصول ذلك الاجتماع سنة 500 ق. م راجع لكون كونفوشيوس كان قد ازداد عام 551 ق. م. وهلمٌ جرٌا في ما تبقى من الاحداث والوقائع المروية في الحكاية ".

إلا إذا نزعت بنا التقديرات الى اعتبار هذا التقويم من وضع الأقطاب اليسوعيين الاوربيين، من كبار المفسرين للكتاب المقدس وشراحه، الذين قصدوا من وراء ذلك تحقيق مرتبة مثالية من التطابق ما بين مسارات الروزنامة الصينية وسلسلة المنعطفات البارزة في التاريخ الأوربي.

وبالفعل، تذهب جمهرة من المؤرخين المرموقين من ذوي الكتابات الرصينة، الى استحالة العثور على أي مسوغ يدفع بثبوت حدث من الاحداث الواردة في مختلف المصنفات المتعلقة بسيرة حياة الرجل. وهذا أحدهم، ويدعى إتيين بالاز، يكتب: " إن الوقائع البارزة في سيرة حياة كونفوشيوس تتلخص في إقامته في ممالك وي، وسونغ، وكي؛ وجميعها يستحيل الجزم بمعرفة تواريخها الدقيقة؛ وحتى تسلسلها الزمني المأخوذ به مشكوك فيه، ويطاله الكثير من الاشتباه والغموض. وإن اللحظات الحرجة الأربع التي كاد أن يفقد فيها حياته لتشكل متوالية واضحة الصلة بمتوالية الجهات الاصلية الأربع [الشرق والغرب والشمال والجنوب]. ولقد كان على " الملك غير المتوج "، مثلما يلقبونه، أن يوجب على نفسه الالتزام بالقيام بالجولات التفقدية، تماما كما يفعل الملوك ذوو التيجان الحقيقيون. والحقيقة أن التسلسل الوارد لتلك اللحظات الحرجة، والتي أتى على سردها كل من الحكيمين الصينيين الكبيرين تشوانغ - تسو، ولي – تسو، يرد في تضاد تام مع ضوابط السماء وقواعدها المقدسة القائمة عند الصينيين. ولعل في ذلك ما يقوم تفسيرا للخيبات التي لاحقته، ولسوء الطالع الذي لازمه في مختلف مراحل حياته. وغني عن البيان أننا، في هذا السبيل، لسنا سوى إزاء فضلات معدودة من الأسطورة الاصلية لكونفوشيوس، والتي تعرضت للاندثار والضياع بعد اعتلاء العائلة الملكية هان دفة الحكم في الصين ".

أشد من ذلك، نستطيع أن ندفع بالقول بأن كل شيء في قصة حياته لا يعدو أن يكون مجموعة من الخرافات المختلقة، وباقة من الاستعارات المزركشة بالألوان الزاهية، وذلك بالاستناد الى ملاحظة منسوبة اليه يصرح فيها بأن مملكة كي تشتهر بالتطلع للاستيلاء على الحكم، بينما تعرف مملكة لو بين الناس بالسعي وراء بلوغ المراتب الكبرى في التطور الثقافي والفكري، وأننا، في هذا الصدد، نجد أنفسنا في أمس الحاجة لبلوغ مرتبة الطاو حيث " تنتصر الحقيقة ".

وبالرغم من كل هذه الآراء المتقلبة، وشيوع الشك وانعدام اليقين، يبقى التأثير الذي مارسه كونفوشيوس على مجموع بلاد الصين متأصلا في غابر الزمن، متواصلا عبر الحقب، لا يخفت ولا يتراجع، ولا ينضب ولا تطاله يد الوهن. على منواله انتظمت الحكومات الصينية، وعلى مثاله استقامت شؤون الحكم، وتوطدت مقتضيات السياسة فيها طيلة ردح طويل من التاريخ يشارف الألفين من الأعوام. وهكذا، ففي الثامن والعشرين من شهر شتنبر 1955، أقيمت في طايوان الاحتفالات بذكرى 2506 لميلاد الحكيم كونفوشيوس، بحضور سليله السابع والسبعين المنحدر من شجرة فروع ذريته. وفي أعقاب الثورة الثقافية التي شهدتها الصين الشعبية، أقيمت يوم الثاني والعشرين من شهر شتنبر من عام 1984، بمدينة كوفو الواقعة في مقاطعة شاندونغ، مراسيم الاحتفال بالذكرى 2535 لميلاد الكونغ طو ماو، بحضور سليلته المنحدرة من الجيل التاسع والسبعين من شجرة الأخلاف.

ولا جرم أن ما يدعو، بنحو أكيد، الى الريبة والاشتباه ليتجلى في قضية المصنفات وأعمال التأليف المنسوبة اليه. ذلك لأنه من الأمور المحققة أن كونفوشيوس ليس هو المؤلف الحقيقي الذي وضع هذه النتاجات الفكرية. وسواء " كتاب الأناشيد "، المفترض أنه هو من قام بتجميعه وترتيبه؛ أو " كتاب المستندات والصكوك " (أو ما يعرف بعنوان " كتاب التاريخ ")، المفترض أنه هو واضعه ومؤلفه؛ أو " كتاب التحولات "، الذي تنسب اليه محتوياته التي تحمل عنوان " الأجنحة العشر " أو " الملحقات "؛ كلها بعيدة كل البعد عن أن تكون مسطرة الحروف بقلمه، مثلها في ذلك مثل الكتاب الذي يحمل عنوان " حوليات فصول الربيع والخريف ". إن الكتاب الوحيد الذي لا تحوم الشكوك من أن كونفوشيوس هو حقا واضعه ومؤلفه، يحمل عنوان " المحاورات التلقائية "، والذي قام بتجميعه وترتيبه، بعد وفاته، ما لا يقل عن جيلين متتابعين من تلاميذه وأتباعه ومريديه. والجدير بالذكر أن عملية تدوين وتحرير هذا الكتاب قد ابتدأت فترة الانتهاء من وضع المصنف ذي العنوان " كتاب فصول الربيع والخريف "، ولتنتهي في مستهل الفترة التاريخية المعروفة بحقبة " الممالك المتقاتلة ".

مات كونفوشيوس، فاضطلع تلاميذه وأتباعه ومريدوه بأمر عقيدته وأفكاره وتعاليمه، يذيعونها بين الناس، ويوصلونها الى المناطق المختلفة، القصية والدانية؛ فاتسع نطاق شهرته، وعم صوته الآفاق البعيدة. وهكذا، ففي نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، قام الحكيم مانسيوس، حامل مشعل الأدب والفكر في بلاط المملكتين كي و وي، بوضع الهيكل الأساسي " للكونفوشيوسية "، وإرساء المقومات الجوهرية لمنظومة تعاليمه الدينية والأخلاقية. وبالرغم من خضوع الصين، في تلك الحقبة من التاريخ، لحكم ملوك عائلة زهو، فقد أتى عليها حين من الدهر تفشت في مختلف أرجائها الاضطرابات والقلاقل، فانقسمت الى إمارات وطوائف متنافسة ومتنازعة؛ وهو ما جعل تلك الفترة تشتهر بحقبة " الممالك المتقاتلة ". ثم كان، بعد ذلك، أن أسس الملك كين شي هوانغ أمبراطورية العائلة كين. وفي عام 202 ق. م، قامت العائلة الملكية الحاكمة هان بالعودة لتراث كونفوشيوس بغرض إعادة النظر في تعاليمه ووصاياه، والإفادة منها في إرساء دعائم الحكم. فقررت أن تأخذ عنه الفكرة التي تقول بأن النظام الامبراطوري متطابق كل التطابق مع نظام الكون؛ وبأنه لا نهاية لهذا النظام، كما لا حركة له. وأنه لا وجود إلا لنظام واحد ثابت ولا يتغير؛ وأنه لا وجود للتاريخ؛ وبأن كل شيء يؤول الى الواحد الأحد المتشكل من: الامبراطور والوطن والشعب. وبأن ذروة الكمال تكمن في النزوع الى الثبات والاستقرار. وأنه لا وجود لمدينة فاضلة يمكن إنشاؤها على وجه الأرض. وبأنه لا وجود لقتال نحن ملزمون بخوض مهالكه، ولا لمعركة يتوجب علينا الذهاب اليها. فانفتحت الأبواب واسعة أمام المعتقدات الاصيلة في فكر كونفوشيوس، وتدفقت تعاليمه الصارمة لتجتاح الأوساط المختلفة في كل مكان من بلاد الصين. وكان ان استتبع ذلك أن فرض نظام الامتحانات في مجموع دواليب الدولة. ولأول مرة، يظهر كاتب لسيرة حياة كونفوشيوس يدعى سيما كيان، الذي ألف كتابا يحمل عنوان: " مذكرات تاريخية ". وفي السنة الثالثة والعشرين الميلادية، قام الماركيز زهانغ يو، مربٌي الامبراطور شينغ، بتأليف كتاب ضمٌ منتخبات من محاورات كونفوشيوس.

ولسوف تنصرم حقبة من الزمن تمتد ما بين القرنين السابع والتاسع الميلاديين، إبان حكم العائلة الملكية الحاكمة طانغ، عرفت خلالها تعاليم كونفوشيوس انكماشا نسبيا وتقهقرا محدودا. لكن، باعتلاء العائلة الملكية سونغ عرش الصين، ستتجدد أمجاد العقيدة الكونفوشيوسية، حيث سينبري الملوك والامراء المنتسبون لهذه العائلة، لإعادة الروح لتعاليم " الملك بدون تاج "؛ فتنبعث انبعاثا جديدا، لكن، ممزوجة بخليط من أفكار العقيدة الطاوية، ومجموعة شرائع الديانة البوذية حديثة الوصول من بلاد الهند. سوف يستمر العمل بنظام الامتحانات، المرتكز بالأساس، منذ فترة حكم العائلة الملكية هان، على المقررات الواردة في المدونات الكونفوشيوسية، والمتكونة من مجموع الاعمال الكاملة لكونفوشيوس، حتى آخر أيام الإمبراطورية عام 1911. وحتى في الفترات اللاحقة، إبان قيام الجمهورية، ظلت المدونات ومجموع التعاليم والشرائع الكونفوشيوسية تشكل القاعدة الرئيسية للمقررات الدراسية لأسلاك التعليم في بلاد الصين، والتي لا محيد عنها لكل الطلاب الراغبين في الترشح للمناصب الإدارية المختلفة للدولة؛ وذلك الى حدود سنة 1949، مع وصول الحزب الشيوعي الى سدة الحكم.

بانطلاق فعاليات الثورة الثقافية في مجموع بلاد الصين، قام الزعيم ماو تسي تونغ، سنة 1974، بتوجيه تهمة الخيانة لكونفوشيوس؛ حيث صرح بأن كونفوشيوس خائن، وأن خيانته لا تقل فداحة الخطورة التي تشكلها عن خيانة لين بياو [المارشال والزعيم السياسي الصيني، (1908-1971)، القائد العسكري الكبير، شارك في المسيرة الكبرى وفي الحرب ضد اليابان، وزير الدفاع عام 1959؛ اختفى من الحياة السياسية سنة 1971. وحسب الرواية الرسمية، فقد تم اسقاط طائرته في منغوليا أثناء محاولته الفرار الى الاتحاد السوفييتي بعد قيامه بمحاولة فاشلة لقلب نظام الحكم (الموسوعة الفرنسية) - المترجم]. وهكذا، امتدت اليه يد الاقصاء، فامحت أشكال حضوره العلني، مثلما اختفت متونه وتعاليمه من كل الساحات والامكنة. غير أنه سرعان ما سيعود ليسترجع مكانته؛ فقد كتب الزعيم السياسي الصيني المعاصر كو وو مورو وو، الشاعر والمؤرخ ورئيس الفدرالية العتيدة لكتاب وأدباء الصين حتى وفاته عام 1978، قال: " استطاع كونفوشيوس تزويد مقدراته الشخصية بكل عناصر الصلابة والمنعة والقوة، وسهر على توسيع مدارجها الى أقصى الآفاق الممكنة، طولا وعرضا، وعمقا وكثافة.... بل إن حياته شبيهة بقصيدة شعرية بديعة فائقة الروعة والجمال. وإن شعراءنا المعاصرين، وقد نالت منهم الاسقام، وأقعدتهم الهزات النفسية والعقلية، ليعجزون كل العجز عن مضارعة إمكانياته البدنية وعنفوان طاقته الهائلة..."

ومما يجدر ذكره، في هذا الصدد، كذلك، هذه العبارة الواردة في مقدمة الترجمة الفرنسية لكتاب " المحاورات " لكونفوشيوس، والتي أنجزها عام 1987 المحلل الأريب للشؤون الصينية بيير ريكمان (المشهور باسم سيمون ليس)، والذي شدد فيها على: " استحالة العثور في تاريخ البشرية برمته على متن نجح في أن يمارس كل هذا التأثير الطويل المدى على طائفة واسعة العدد من الناس يضاهي التأثير الذي نجحت في إحداثه " المحاورات ". والى ذلك، كتب جوزيف فيدليخ، من جهته، كتابا يحمل عنوان: " رشمات استوديو الخيزرانات العشر "، جمع فيه منتخبات من الرشمات التي يعود تاريخها الى بداية القرن السابع عشر، وردت فيه ملاحظة له يقول فيها: " إذا كان أرسطو أب المنطق وواضع أسسه الأولى، فقد كان كونفوشيوس في مجال علم الاخلاق داعية تجريبيا عريقا وأصيلا... وإذا كان أرسطو الأب الروحي للغرب الذي طالت تأثيراته القوية حتى الماركسيين الاوربيين، والذين لا يكفون عن الزعم بعدم التأثر به، فبإمكاننا القول بأن كونفوشيوس قد لعب نفس الدور في آسيا، من حيث العجز البين لكل النقاد - الذين تجرأوا على التصدي لمنظومته العقدية في محاولة لاقتلاع تعاليمه وأفكاره واجتثاث طريقته في رؤية العالم - عن التحرر من تركته الدينية والأخلاقية، والاخفاق في التخلص من ظلال شبحه المستشري في كل الاوصال الروحية والبدنية. وإن الماوية نفسها، ليست، في واقع الحال، سوى فلسفة ظرفية منذورة للزوال، نشأت وترعرعت في حضن كونفوشيوس، وتحت الظلال الوارفة لمجموع شرائعه العريقة وتعاليمه السامية الاصيلة ".

وبالتالي، فالأولى بنا، الآن، أن ننتقل للحديث عن أرسطو...

---انتهى---

.......................

Jacques Attali: Phares (24 destins). Fayard. 2010

BIBLIOGRAPHIE

1-   CONFUCIUS , Entretiens , trad. Anne Cheng , Qiu Kong , Paris , Seuil , " Points Sagesse " (n° 24) , 1981.

2-   Les Estampes du studio des dix bambous , présentations et commentaires de Joseph Vedlich , Paris , Seghers , 1979.

3-   ETIEMBLE, René , Confucius , Paris , Gallimard , 1966 , nouvelle édition augmentée " Idées"(n° 112) 1985.

4-   GRANET , Marcel , La Civilisation chinoise , Paris , Albin Michel , 1968.

5-  GRANET , Marcel , La Pensée chinoise , chap. IV, Paris , Albin Michel , 1968.

6-   INOUE, Yasushi , Confucius , Paris , Stock , " La bibliothèque cosmopolite ", 1997.

7- Maspero, Henri et Balazs, Etienne, Histoire et institutions de la Chine ancienne, Paris, PUF (Annales du musée Guimet) , 1967.

8-   Philosophes confucianistes, édition établie par Charles Le Blanc et Remi Mathieu, Paris, Gallimard, " Bibliothèque de la Pléiade" , 2009.

9-   YUTANG, Lin, La Sagesse de Confucius, Paris, Philippe Picquier, "Picquier poche" , 2008.

 

نبيل عبدالامير الربيعيبين الحقيقة والأوهام

مع أن المعتقدات الشيعية تذكر رجلاً (يمانياً) سيمهد الطريق لظهور المهدي بالفعل، لكنه ليس هو أحمد البصري (أحمد إسماعيل كاطع) لعدم انطباق الأوصاف والدلالة عليه. وطبقاً لمصادر أمنية في البصرة يدعي أحمد البصري أنه السفير أو النائب الخامس للإمام المهدي المنتظر. إن شخصية أحمد الحسن اليماني ما زالت غامضة، وليس هناك نتاجات يمكن الاستناد إليها في فهم شخصية اليماني، سوى كتاب منسوب إليه يحمل عنوان (العجل)، وشريط تسجيل بصوته. وكلاهما يكشفان عن سذاجة الطرح الذي يقدمه، ويشيران إلى إمكانية أن يكون (اليماني) طالباً سابقاً، وغير ناجح في أحد مجالات الدراسة الدينية.

واليماني يدعي قيام الحجة (المهدي المنتظر) في العاشر من محرم (عاشوراء) حيث يجب قتل العلماء والمرجعيات الدينية تمهيداً لظهوره. وبالفعل ففي اليوم العاشر من محرم 1429هـ شهدت بعض مدن الجنوب وخصوصاً محافظتي ذي قار والبصرة مواجهات عنيفة بين قوات الأمن العراقية وجماعة (أحمد الحسن اليماني) وقد اندلعت تلك المواجهات في وقت واحد. والمواجهات شملت أحياء الجمهورية والأندلس وجنينة وسط البصرة. وأكد مصدر أمني أن قناصاً تابعاً للجماعة الدينية المتطرفة قتل آمر فوج الطوارئ العميد الركن ناجي الجابري كما قتل مدير غرفة عمليات الشرطة. وقد هاجموا مقر استخبارات الشرطة في الناصرية بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، واندلعت اشتباكات أدت إلى قتل العقيد زامل رميض معاون مدير الاستخبارات. وأعلنت السلطات المحلية حظر التجوال في المدينة حتى إشعار آخر.

وقد قتل ما لا يقل عن سبعين شخصاً بينهم حوالي خمسين من أتباع البصري خلال مواجهات في جنوب العراق (البصرة)، وذلك بالتزامن مع إحياء ذكرى عاشوراء ومقتل الإمام الحسين (ع). وأعلن مصدر في الشرطة في الناصرية مقتل 18 مسلحاً على الأقل في المواجهات فيما أصيب 12 واعتقل خمسة وعشرون. وفي الناصرية قتل وا لا يقل عن تسعة اشخاص بينهم ثلاثة ضباط في الشرطة وأصيب نحو 25 آخرين في اشتباكات اندلعت ظهراً أيضاً في وقت واحد تقريباً مع مواجهات البصرة بين قوات الأمن والجماعة نفسها. وقال مدير عام دائرة الصحة في الناصرية إن تسعة أشخاص بينهم ثلاثة ضباط وامرأة وثلاثة من عناصر الشرطة قتلوا وأصيب 25 آخرون بجروح جراء الاشتباكات. كما أن اثنين من عناصر الشرطة قتلا بنيران قناص في حي الصالحية المحاصر وسط الناصرية، وإصابة 25 شرطياً وجندياً بالمواجهات. اعتقال اثنين من القناصة عمرهما 14 عاماً فقط. وقد حسمت المعركة في الناصرية مع الجماعة المتطرفة فقد حاصرت الشرطة المسجد (الحسينية) التي يتحصنون داخلها واشتبكت معهم فقتل من قتل وفرَّ الآخرون. وقد كانت قوات الجيش والشرطة منتشرة بشكل مكثف في جميع شوارع البصرة، وتوقفت الدبابات في مداخل المدينة فيما تحلق مروحيات الجيش العراقي بإسناد من طائرات قوات التحالف. وفي البصرة قال اللواء عبد الجليل خلف شويل قائد الشرطة إن الجماعة المتطرفة كابدت قتل ثلاثين من أتباعها في حين تم اعتقال 72 آخرين خلال المواجهات منذ أمس الجمعة. وأكد قتل سبعة من عناصر الأمن بينهم ضابط شرطة برتبة عقيد وإصابة عشرة آخرين من الشرطة مشيراً إلى أن الوضع الأمني استقر وتم القضاء على جيوب المسلحين كافة. وقد أصدرت محكمة البصرة الجنائية في يوم 27 شباط 2009 حكماً بالإعدام على 28 شخصاً من أتباع اليماني لتورطهم في قتل عدد من الأشخاص بينهم ضباط.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.....................

المصادر

أحمد كاظم الأكوش، ادعاء المهدوية عبر التاريخ من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر الهجري، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2019

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن أستاذنا الدكتور محمود الحويري ذلك المؤرخ والعالم والإنسان كما عرفته، فأقول: لقد عاش الحويري حياته "مسكونا" بالعصور الوسطى، ولها أعطى جلّ وقته واهتمامه. ودرسها بكل وجوهها وتفاصيلها. وقدّم عنها عشرات الأعمال "المرجعية"، ورسم لها صورة، أقل سواداً وأكثر إنسانية، من الصورة التي سادت عنها طيلة قرون عديدة. وهكذا نال بجدارة لقب "مؤرّخ صعيد مصر في العصور الوسطى" بامتياز، وهو أحد أشهر المؤرّخين الصعايدة، وأحد المرجعيات العالمية المعترف بها في المجال.

ومن مظاهر التجديد لدى محمود الحويري، اهتمامه بما أسماه "الخيال السياسي"، الذي بحث في مكوناته من رموز وطقوس وأحلام وصور. وطبّق ذلك على الفترة التاريخية التي جذبته طيلة حياته، في كتابه " خيال العصر الوسيط".

وحول رؤية الحويري فيما يتعلق بتقسيم التاريخ الإنساني السائد، نجده يؤيد المدرسة الفرنسية إلى مجموعة من الحقب المتمايزة. ويرى في عصر النهضة الأوروبي امتداداً للعصور الوسطى التي سبقته. كما لا يتردد في التساؤل عن ما إذا كان عصر النهضة الأوروبي عصر الاكتشافات والنزعات الإنسانية والعقلانية؟

ويلفت الحويري متابعا المدرسة الفرنسية إلى أن هناك خطأ شائعا، يقول أصحابه انه مع اكتشاف العالم الجديد "أميركا" من قبل كريستوف كولومبوس عام 1492، "تغيّر العالم تماما". ويبين أن هذا رأي خاطئ، فالعالم لم يتغيّر تماما آنذاك، وكولومبوس " إنسان من العصر الوسيط".

والحويري مؤرخ كبير ومحقق أصيل ومؤلف نادر من بقايا العلماء الموسوعيين الذين لم يقفوا عند فترة تاريخية بعينها؛ بل درسوا كثيرا من جوانب التاريخ الإسلامي غير مكتفين بالفترة التي تخصصوا فيها، فأعاد إلينا نماذج العلماء الأسلاف في التعلُّم والتعليم والتأليف، والعكوف على العلم الذي أفنيت فيه الأعمار، هو الراحل الدكتور “محمود الحويري” الذي جمع بين دقة البحث وسلامة المنهج، وجمال الصياغة والأسلوب، والمزج بين علمي الحديث والتاريخ، والانطلاق من الوقائع والأحداث إلى النقد والتحليل الذي يعطينا عبرة التاريخ بجانب سرد قصة الماضي.

وكان الحويري يمثل علامة في دراسة الإمبراطورية، وله دراسة رائعة في الجانب، وهو كتابه الرائع بعنوان رؤية في سقوط الإمبراطورية الرومانية، وفي مقدمة الكتاب يقول الحويري: "احتلت الإمبراطورية الرومانية مكانة خاصة في التاريخ، اختلفت عن مكانة غيرها من الدول والإمبراطوريات التي قامت خلال التاريخ، ولا ترجع أهمية هذه الإمبراطورية إلي اتساع رقعتها الجغرافية، التي اشتملت علي مواطن أقدم الحضارات التي عرفها الإنسان، إذ ابتدأت في القرن الثالث قبل الميلاد واستمرت باقية إلي القرن الخامس الميلادي في الغرب الأوربي وإلي القرن السابع في الشرق، ولكن أهميتها ترجع إلي أساسا إلي أنها وقعت تاريخيا في نهاية العالم القديم، فقد تعرضت تلك الإمبراطورية منذ القرن الثالث الميلادي لعوامل الضعف والتفكك من داخلها وخارجها، ففي الداخل استشري الفساد في جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادي والعسكرية، ولم تعد روما مركز العالم وحضارته، بعد أن أسس قسطنطين العظيم عاصمته القسطنطينية في أوائل القرن الرابع، ومن الخارج اشتدت غارات الجرمان والمتبريرين علي حدود الإمبراطورية، حتي إذا أتي عام 476م زالت تلك الإمبراطورية في الجزء الغربي منها، وقامت علي أنقاضها ممالك جرمانية عديدة، وهنا لا ينبغي أن نضع في الاعتبار الرأي الذي نادي به بعض المؤرخين من أن عام 476م يمثل بداية الاختلاف عما ألفته العصور القديمة بأسرها، وإن كنا في الوقت نفسه نتلمس لهم العذر إذا كان الغرض تسهيل دراسة هذه الفترة الزمنية الهامة، التي امتدت ألف عام وكانت أشبه بالوادي بين جبلين شاهقين أحدهما يمثل الماضي والآخر يمثل الحديث، والواقع أننا لا نستطيع علي وجه الدقة أن نضع حداً فاصلاً – أو تاريخياً معيناً – يؤكد نهاية عصر وبداية عصر آخر، لأن الأحداث التاريخية متداخلة بطبيعتها، وإن كانت هناك خصائص عامة لفترة الانتقال التي انسلخت خلالها ملامح العصور الوسطي من العصور القديمة، أبرزها انحلال المجتمع الروماني، وتأسيس الممالك الجرمانية، والقضاء علي الوثنية وظهور الديانة المسيحية، ثم اتخادها ديانة رسمية للإمبراطورية . ويمكننا أن نلمس فترة الانتقال ونتتبعها برجوعنا إلي الوراء عند مستهل القرن الثالث، دون أن نرتبط خلاله بسنة معينة نحدد بها مطلع العصور الوسطي .

وفي هذا الكتاب تناول الحويري بالدراسة أوضاع الفترة الأخيرة من الإمبراطورية الرومانية، وهي فترة زمنية تميزت بتشعبها وشدة تعقيدها، لما حملته بين طياتها من تغييرات وأحداث هامة، تناول الحويري جوانب التاريخ السياسي والعسكري والديني والاجتماعي والاقتصادي . وقد استهدف الحويري من وراء ذلك الوقوف علي سمات – أو فجر – العصور الوسطي الأوربية، وهنا يقول الحويري :" ولا بد لي من القول بأن تلك الدراسة قد سبقني إليها أساتذة ثقاة أجلاء متخصصون في تاريخ العصور الوسطي، ومن ثم لا أزعم أني أتيت بالجديد فيها . فمن الصعب علي أي باحث أي يقدم شيئا في موضوع قد طرقه غيره بعناية، وقد يكون التجديد في الطريقة – أو الرؤية – التي يعالج بها أحداث الموضوع، مع إبراز لنواح لم يطرقها غيره أو مسها مساً خفيفا . وهو ما حاولت الوصول إليه، وكان من أسباب اختيار عنوان الكتاب علي الوجه الذي صدر به .

وقد خصص الحويري الفصل الأول لدراسة " أحوال الإمبراطورية الرومانية في القرنين الثالث والرابع "، فتناول الحويري ما أصاب تلك الإمبراطورية من ضعف وجمود انعكسا علي جميع أحوالها، ذلك أن الفتوحات قد توقفت، واصحي علي الإمبراطورية أن تحافظ علي حدودها، وتدهور النشاط الاقتصادي،وتضاءل نفوذ طبقة السناتو، وانحدرت الطبقة الوسطي، وانعدام النظام بين صفوف الجيش لاسيما بعد أن استعان الأباطرة بالجند المرتزقة، وأدخلوا البرابرة في صفوف الجيش، مما أدي إلي القضاء علي مجد الإمبراطورية الحربي، وقد تناول الحويري في ذلك الفضل أيضا التغير الذي طرأ علي المنصب الإمبراطوري، والدور الذي لعبته الفرق العسكرية في تنصيب الأباطرة، بعد أن اختفت السلطة المركزية، وصارت الولايات تحت حكم زعامات محلية، وفي أواخر القرن الثالث وصل دقلديانوس إلي عرش الإمبراطورية، فأدخل بعض الاصلاحات وأعاد تنظيم الجيش، ثم أتي من بعده قسطنطين العظيم الذي اعترف بالمسيحية من ناحية، ونقل العاصمة إلي القسطنطينية من ناحية أخري، ولا شك أن ما قام به كل من هذين العاهلين ساهم في إنهاء الأوضاع القديمة في أوربا .

أما الفصل الثاني وعنوانه " المسيحية والإمبراطورية الرومانية "، فقد تحدث الحويري فيه الديانات الوافدة من الشرق، وهي كيبيلي من آسيا الصغرى، وميثراس من فارس، وإيزيس من مصر، وأوضح الحويري أن تلك الديانات رغم انتشارها الواسع بين الطبقات الفقيرة والوسطي، إلا أنها لم ترض بعض المثقفين، فاتجوا إلي المذاهب الفلسفية، خاصة الرواقية التي اتفقت مع تقاليد المجتمع الروماني . وكان أن ظهرت المسيحية التي أعطت الأمل للمواطنين الرومان، وسط ظلام البؤس الذي أحاط بهم، ولكن التعاليم التي أتت بها تلك الديانة قوضت أركان العالم القديم، فلحق الأذى والاضطهادات بأتباعها، حتي كتب لها النصر في النهاية . كما ألقي الحويري الضوء علي آباء الكنيسة، الذين كان لهم الفضل في استئصال شاقة الوثنية.

وفي الفصل الثالث وهو بعنوان " المجتمع الجرماني وعلاقته المبكرة بالإمبراطورية " تناول الحويري فيه عادات ذلك المجتمع وتقاليده، كما وصفها المؤرخ تاكيتوس، وتعرضت لبنائه وجوهر تنظيمه السياسي ودور المرأة فيه . وفي هذا المجال أبرز الحويري تحرك الجماعات الجرمانية من مواطنيها الأصلية فيما وراء نهري الراين والدانوب إلي حدود الإمبراطورية في القرن الأول، ثم تتبعت غزواتها التي غدت بمثابة ضغوط مستمرة علي طول الحدود منذ أواخر القرن الثاني.

أما الفصل الرابع وهو بعنوان " غزوات الجرمان وتأسيس ممالكهم في غرب أوربا "، فقد عالج الحويري فيه أهم الجماعات الجرمانية التي اقتحمت حدود الإمبراطورية ومزقت أوصالها، وهي جماعات الهون والقوط الغربيين، والوندال، والأليماني، والبرجنديين، والفرنجة، ثم تناول الحويري كيف ظهرت تلك الجماعات تاريخيا، وعني الحويري بتوضيح أحداثها، خاصة بعد أن تغلغلت في أراضي الإمبراطورية الغربية حتي استطاع بعضها تأسيس ممالك علي أنقاض تلك الإمبراطورية في القرن الخامس الميلادي، والجدير بالذكر أن تلك الجماعات التي تغلبت علي الإمبراطورية الغربية اختلفت في طباعها، فمنها من نشر الرعب والفزع في أنحائها مثل الوندال، ومنها من انتهي المطاف بها إلي العيش في وثام مع الإمبراطورية ونهلت من حضارتها مثل البرجنديين، ومنها من أخذت تحركتها طابع الاستقرار، بدلا من مجرد غزو هدفه الحصول علي كسب مادي، مثل الفرنجة .

وفي الفصل الخامس والأخير وهو بعنوان " سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب الأوربي (476م) رأي الحويري أن يبدأ بسنة 395م، التي انقسمت فيها الإمبراطورية الرومانية إلي شرقية وغربية، مما جعل الأحداث في الشرق تسير في طريقين مختلفين . ففي الغرب سيطر القادة العسكريون علي مقاليد الأمور، وصار بيدهم تولية الأباطرة وعزلهم، في الوقت الذي أخذت فيه الشخصيات الرومانية الطموحة تحارب بعضها بعضا أملا في الوصول إلي العرش، وفي ذلك الفصل بين الحويري أن أحداث الإمبراطورية الغربية في تلك الفترة المظلمة من تاريخا، لا يمكن فصلها علي أحداث الإمبراطورية الشرقية المعاصرة آنذاك، وقد عالج الحويري انثيال العناصر الجرمانية والمتبربرة علي إيطاليا سنة 476م بحثا عن الخط والمغامرة، حتي استطاع زعيم متبربر عزل آخر أباطرة روما وإعلان نفسه ملكا علي إيطاليا . وفي نهاية ذلك الفصل أورد الحويري آراء بعض المؤرخين حول تدهور الإمبراطورية الغربية، وسقوطها فريسة في أيدي الجرمان .

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة وهي أنه عقب انتهاء الحوير من الانتهاء من كتابة رؤية في سقوط الإمبراطورية الرومانية، شرع بعد ذلك علي الفور في تأليف كتاب بعنوان " اللومبارديون في التاريخ والحضارة 568-774م، وقد صدرت طبعته الأولي عن مؤسسة دار المعارف المصرية سنة 1986م، وفي مقدمة هذا الكتاب قال الحويري :" رأيت بعد أن صدر كتابي " رؤية في سقوط الإمبراطورية الرومانية " أن أتبعه بآخر يتناول أساسا أحد الشعوب الجرمانية المتبربرة التي غزت الإمبراطورية الرومانية وأسست ممالك لها، خاصة أن من كان لهم سبق الريادة في الاشتغال بتاريخ أوربا العصور الوسطي، وقدموا للمكتبة العربية فيضا من مؤلفات وترجمات ضافية في إبداع وأصالة وسعة أفق، لم يقدموا دراسة مستقلة عن شعب جرماني ما، باستثناء الأستاذ الدكتور " إبراهيم طرخان"، الذي وضع كتابه القيم " القوط الغربيون" . وأخيرا وجدتها فرصة مواتية لأقدم جهد المقل دراسة شاملة عن اللومبارديين في إيطاليا تعالج تاريخ مملكتهم وحضارتها .

ويستطرد الحويري فيقول : ومما حدا بي إلي اختيار هذا الموضوع أن اللومبارديين علي عكس الشعوب الجرمانية الأخرى، كانوا آخر شعب جرماني يشق طريقه إلي إيطاليا غازيا فاتحا سنة 568م، قادماً من " جرمانيا" عالم البرابرة الواسع، حاملا معه تقاليده وعاداته نقية من الحضارة الرومانية، حيث قدر له أن يلعب دورا رئيسيا في أحداث هذا القطر علي مدي قرنين من الزمان ونيف . كذلك لم يحظ هذا الموضوع إلا بفصل في الكتاب القيم المعروف الذي وضعه الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، وهو " أوربا العصور الوسطي" الذي طبع عدة مرات، ولا زال يلاقي قبولاً واسعا في جامعات العالم العربي، وفيما عدا ذلك، فليس هناك غير صفحات أو جزء من فصل تناول هذا الموضوع من زاوية ؟

ثم يقول الحويري: "وبداية أود القول أنه كان بوسع الإمبراطورية الرومانية أن تحافظ علي وحدتها وتماسك بنائها خلال الفترات التي تعرضت فيها لغزوات الشعوب الجرمانية في القرنين الثالث والرابع للميلاد، ولكن أحوالها السيئة وأباطرتها الضعاف حالوا دون حماية حدودها . وقد حاولت الإمبراطورية في الغرب الأوربي إبان القرنين الأخيرين من حياتها أن ترد عنها غائلة الجرمان، ولكن محاولتها باءت بالفشل، حتي إذا أقبل عام 476م كانت أعجز من إنقاذ نفسها من الانهيار . ففي هذا العام دهمها طوفان من الجرمان والبرابرة، جعلها تسقط فريسة سهلة في أيديهم . علي أنه رغم سقوطها العاثر، وضياع وجودها السياسي القديم، فإن فكرة تلك الإمبراطورية ظلت عالقة في أذهان الأوربيين طوال العصور الوسطي . بدليل أن الأباطرة الشرقيين اعتبروا أنفسهم امتدادا للأباطرة الرومان السابقين وورثتهم، وما حدث في رأيهم سنة 476م أنه لم يعد ثمة سوي إمبراطور واحد للإمبراطورية يحكم في الجزء الشرقي منها . والحق أن الإمبراطورية الرومانية الغربية بعد انهيارها لم تعدم بعض الأباطرة البيزنطيين العظام، الذين عقدوا نيتهم علي ضرورة إحيائها، وإعادتها إلي سابق مجدها قوية موحدة . وكان من أبرزهم جستنيان (527-565م)، الذي تمكن بفتوحاته الكبيرة من القضاء علي ممكلة الوندال في شمال أفريقية، واجتثت جذورالقوط الشرقيين من إيطاليا، كما اقتطع الجزء الجنوبي الشرقي من مملكة الغربيين في أسبانيا . بيد أن الجهود التي بذلها العاهل البيزنطي لإحياء الإمبراطورية الرومانية القديمة، مع كل عظمتها وصدق دوافعها، لم تحقق الهدف المرجو منها، إذ بعد موته بثلاث سنوات، اجتاح اللومبارديون إيطاليا، وسلبوا أجزاء عديدة من أراضيها . إذ انثالوا عليها من وراء الألب في صورة كتلة متراصة، في وقت كانت تئن تحت وطأة الشقاء والويلات التي خلفتها حروب جستنيان . وما أن انقضي زمن وجيز حتي استطاعوا الاستيلاء علي شمال إيطاليا والأجزاء الداخلية التابعة لبيزنطة، حيث أسسوا مملكة عاشت بين سنتي 568، 774م، تغيرات خلالها أحوال تغييراً جذرياً .وبعيارة أخري، دخلت إيطاليا مرحلة جديدة من تاريخها، من أبرز خصائصها ذلك النزاع الذي احتدم بين هذه المملكة والقوي السياسية وهي : الإمبراطورية البيزنطية، والبابوية، ومملكة الفرنجة في الغال (فرنسا) . ولعل القارئ الكريم المشتغل بتاريخ أوروبا العصور الوسطي، يستطيع أن يلمس أن أوضاع مملكة اللومباردين التي ظهرت علي صفحات هذا الكتاب، لتشعب تاريخها وتشابك أحداثها، وإن كانت مقصودة لذاتها، إلا أنها كانت أيضاً محوراً لدراسة القوي السياسية السالفة الذكر، التي غيرت مجري تاريخ هذه المملكة .

وأيا كان الأمر، فقد رأي الحويري أن يقسم الكتاب إلي خمسة فصول، الفصل الأول، وعنوانه " اللومبارديون قبل غزوهم إيطاليا" تحدث فيه عن الفترة المبكرة من تاريخهم التي عرفوا خلالها بالعنف والضراوة، والميل إلي خوض الحروب، وتتبعت هجراتهم وتحركاتهم إلي أن صاروا في منطقة الدانوب الأوسط بجوار بانونيا في حوالي سنة 165م . ومما يذكر أن المصادر التاريخية الرومانية والإغريقية تقف منذئذ صامتة حيال أحداثهم لفترة تزيد عن ثلاثة قرون (166-508) . وقد تناول الحويري في هذا الفصل أيضا الحروب التي دارت بينهم وبين القبائل الجرمانية الأخرى، وعلي وجه الخصوص الهيرولي والجيبدي، حيث أسقطوا الأولي من قائمة الشعوب الجرمانية المستقلة، مما يترتب عليه علو شأنهم من ناحية، ولفتوا أنظار الإمبراطورية كقوة يحسب لها حساب خطير من ناحية أخري، أما بالنسبة للجييداي، فقد أنزلوا بهم كارثة، لم تقم لهم بعدها قائمة .

أما الفصل الثاني، وعنوانه " اللومبارديون في إيطاليا " فقد ضمنه الحويري أحداث الغزو اللومباردي لإيطاليا، وما صاحبه من تساقط مدنها الشمالية الواحدة بعد الأخرى دون مقاومة تذكر من الأهالي أو الحاميات البيزنطية . ولا شك أن الحروب التي جرت علي أرض إيطاليا في السنوات الأخيرة من عهد جستنيان، والتي عادت بأوخم العواقب عليها وعلي سكانها الآمنين، قد منحت ألبوين – فاتح إيطاليا –ميزة جعلته يحقق هدفه بسهولة، ونعني بذلك قيام مملكة اللومبارديين في إيطاليا، وفي هذا الفصل أيضا تحدث الحويري عن فترة انقطاع الملكية المعروفة في تاريخ اللومبارديين بفترة الشغور (574-584م)، وما تخللها من تفاقم حدة الخلاف والمنازعات والفوضي داخل صفوف دوقاتهم، وهي ظاهرة خطيرة لا نجد لها نظير في بقية الممالك الجرمانية الأخرى . علي أنهم في نهاية تلك الفترة أدركوا أن انقسامهم لي أنفسهم في غياب السلطة المركزية، وما جره ذلك من تحالف بين الإمبراطورية البيزنطية ومملكة الفرنجة جاء نذير بضياع كيانهم، كل ذلك جعلهم يفيئون إلي رشدهم، ويجمعون كلمتهم علي عودة الملكية وتدعيمها .

ويعرض كتاب الحويري في الفصل الثالث منه، وهو بعنوان "صراع القوي السياسية في إيطاليا في القرن السابع " لنهوض البابوية، وظهورها في صورة قوة سياسية لعبت دوراً رئيسياً في أحداث إيطاليا في هذا القرن . ذلك أن الإمبراطورية البيزنطية وريثة الحق الشرعي في إيطاليا لم تتراجع عن موقفها العدائي من اللومبارديين، وبمعني آخر لم يمسك أباطرة بيزنطة أيديهم عن إيطاليا، ولكن عجزهم الواضح عن رد اللومبارديين من ناحية، وفشلهم في حماية الكرسي البابوي من ناحية أخري، جعل البابوية لا تأخذ موقف المتفرج السلبي، إذ نهضت بأعبائها، ومارست سلطتها العلمانية علي روما ضواحيها . وتأسيساً علي ذلك أخذ نفوذ البابوية في الازدياد، وخاصة في عهد جريجوري العظيم ( 590-604م) الذي تأهب للدفاع عن روما ضد اللومبارديين . وفي هذا الصدد مكنته موارده المالية الضخمة ونفوذه القوي، من تحمل مسئولية الحفاظ علي مدينته وتأمينها . وحرصا علي مصالحه بذل جهده لإبرام اتفاقية سلام بين اللومبارديين والبيزنطيين في سنة 599، جاءت بمثابة اعتراف صريح بالوجود اللومباردي في إيطاليا، رغم حقيقته المؤكدة . وفي هذا الفصل أيضا استعرض الحويري أعمال الملوك اللومبارديين في الربع الأخير من القرن السابع، فضلا عن الوضع السياسي الذي بقيت عليه إيطاليا مقطعة الأوصال، وموزعة بين ثلاث قوي، اللومبارديين، وبيزنطة، والبابوية.

أما الفصل الرابع، وعنوانه، " اللومبارديون في إيطاليا في القرن الثامن "، فقد تحدث الحويري فيه عن أهم أعمال ليوتبراند أعظم ملوكهم قاطبة، وكيف استغل النزاع الدائر بين البابوية والإمبراطورية البيزنطية حول النزاع اللاأيقوني لصالحه، فعول علي بسط نفوذه في إيطاليا كلها، ولكن البابوية فوتت عليه غرضه . إذ في سبيل المحافظة علي بقائها وتأمين مصالحها، استعانت بقوة سياسية من خارج شبه الجزيرة الإيطالية، وهي مملكة الفرنجة . والواقع أن سياسة هذه المملكة في بداية الأمر كانت تقضي بالامتناع عن التدخل في شئون إيطاليا، إلي أن تمكنت البابوية من اجتذابها إلي جانيها ضد اللومبارديين، الأمر الذي يعتبره الحويري أول سابقة خطيرة من نوعها في تاريخ إيطاليا العصور الوسطي، أحدثت انقلابا في ميزان القوي السياسية لصالح البابوية، في الوقت الذي كانت بداية النهاية لمملكة اللومبارديين . وأخيرا لم تستطع هذه المملكة أن ترد عنها قدرها العاثر، فسقطت علي أيدي شارلمان عاهل الفرنجة سنة 774 . ويعتبر سقوطها أمرا حاسما في تاريخ إيطاليا، حطم القاعدة الصلبة التي كان بإمكان الوحدة الإيطالية أن ترتفع عليها، واستحال تحقيقها حتي الثلث الثاني من القرن التاسع عشر.

أما الفصل الخامس والأخير، وهو بعنوان "حضارة اللومبارديين"، فبحث الحويري في أوضاع اللومبارديين الحضارية المتمثلة في تنظيمهم السياسي، وديانتهم، وجيشهم، ورومنتهم، ورعاياهم الرومان، ومجتمعهم، وحياتهم الفكرية، وفنهم، وعمارتهم، وفي هذا الفصل أيضا ألقي الحويري الضوء علي أحوالهم في القرن السابع، وإذ توقفوا عن كونهم برابرة أجلاف بسبب تأثرهم بالحضارة الرومانية، ويتضح ذلك في تحولهم إلي المذهب الكاثوليكي، واستخدام اللغة اللاتينية لغة رسمية، وصياغة قوانينهم ذات الطابع الجرماني المحض.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الدكتور المؤرخ محمود الحويري حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ المؤرخ، فتحية طيبة للدكتور محمود الحويري الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور محمود الحويري، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيما أن تنقضي المسافات الزمنية بين مرحلة الطفولة والنضج، حتى يبدأ الإنسان يواجه ملء مسامعه التساؤل عن معنى اسمه الذي يرافقه مثل ظله، وقد تزامنت الخطات ولادة موفق محمد سنة 1948م، وفي مقطع من قصيدة (غزل حليّ) يوثق بعضاً من تفاصيل ولادته:-

أنا أحبُ الحلةَ لأني ولدت على بعد

موجتين من نهرها فجراً

لكن والدة الشاعر الكبير موفق محمد قد تسنمت زمام مسؤولية العائلة بعد وفاة زوجها، وتفانت في رعاية الأسرة، وحملت في دواخلها صلابة الأب وعنفوانه، ولم يغب عن بالها هواجس الوفاء لتحقيق رغباته وتطلعاته، فقامت بتسجيله في المدرسة الشرقية الابتدائية سنة 1954م، يقول الشاعر وفاءً لوالدته:-

أنا الفقير لله موفق بن بدرية بنت عبد الله

التي تزقزق النجوم في شيلتها

يعتز الشاعر بمكان ولادته ومحلته كسائر أبناء المحلات الحلية القديمة، في هذه المحلة التي يترابط أبنائها بالألفة والمحبة داخل تلك الأزقة الضيقة، وآذان مسجدها المسموع في كل أرجاء المحلة، وصوت رنين مدرسة الشرقية اليدوي. كل هذا التوثيق يوثقه الباحث والكاتب أحمد الناجي في كتابه الموسوم (هذا هو موفق محمد) الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل، الكتاب تضمن (410) صفحة من القطع الوزيري، الكتاب ذات طباعة جيدة خالي من الأخطاء الطباعية والإملائية وذات لغة عالية وجميلة تليق بمكانة الشاعر موفق محمد، هذا الشاعر الذي صدعت حنجرته بالحزن والجرح المثخن بالطبائع بفقدان ولده البكر في الانتفاضة الشعبية عام 1991م، في تلك اللحظة التي تسرب الحزن إلى روحه وملأ حياته التي انفتحت على ضراوة الوجود القاسية.

يذكر أحمد الناجي في كتابه حول محلة الطاق مسقط رأس الشاعر في صفحة 44 : "في محلة الطاق حتى يومنا الحاضر، تحف بها البيوت الأبهة المزدانة بفنون الزخرف والشناشيل والأراسي، وليس بعيداً عن مسكنه حسينية ابن طاووس التي آلت إليها مواكب العزاء بعد أن كان ملتقاها بيت السادة القزاونة، وقد خصها الشاعر بنص شعري جميل (محلة الطاق) كتبه سنة 2007م.

كان للأستاذ سعدي علوش في مرحلة المتوسطة تأثير إيجابي على الشاعر، "الذي كان له دور هام في تشجيعه على حفظ الشعر وإلقائه.. وهكذا انغرست بذرة القراءة" ص48. وفي عام 1963م تتوطد علاقة حميمية بين موفق والشعر الشعبي، يتابع ويقرأ ويحفظ، ولم يأتِ ذلك من فراغ، "فكثيراً ما كانت الأم وهي ابنة (عبد الله الجزائري) الشاعر الشعبي المعروف في مدينة النجف منتصف القرن العشرين" ص51. فالشاعر موفق محمد "الجرأة ديدنه، يصرخ بما يستشرف في احساسٍ مرهف، معلناً عما يعتمل في دواخله من مشاعر حقيقية حول التصفية الجسدية التي طالت صديقه مدرس اللغة العربية الشيوعي (حميد الصكر) من قبل السلطة آنذاك، فكانت قصيدته المعنونة (حصار) التي قرأها منتصف السبعينيات في قاعة اتحاد الأدباء في بغداد، جاء فيها: ص98

وقد حاصروك كثيراً

يطاردك المخبر الملتحي في الصباح

يسجل لون القميص الذي ترتديه

وكيف ترد التحية

ويصحبك سراً

وتمضي إلى الدرس دون اكتراث

عندما تشتد حملات السلطة القمعية أواخر السبعينيات، وفي صفحة 106 يذكر الناجي حول تأثير السلطة على الادب والثقافة قائلاً: "وتدور عجلة استلاب ومصادرة الحريات، فتمتد تأثيرها على الثقافة عموماً ما تطال منتجيها من المبدعين، وظل شاعرنا في تلك الأثناء يعيش الاحساس بالاغتراب، ويشعر بالضيق والاختناق، جاءت قصيدته بعنوان (المنقذ) نزفتها شفاهه سنة 1979م، وهو يعيش مغالبة مع الرقيب الذي يحياه... فكان الشعر ملاذه الذي يضخ فيه الأمل، ويستدعي احلامه المرتجاة قائلاً:

شخصٌ ما

يدعى ابن محمد

ترك الرأس هنا والأطراف

ولف القلب

وغادرني

أو أبحث عنه

أم أبقى منتظراً

يبحثُ عني

لقد وثق الباحث أحمد الناجي كل صغيرة وكبيرة عن حياة الشاعر الأدبية وسيرته الذاتية في كتابه الثري هذا، الذي حفل بتجربة شعرية إبداعية من طراز خاص، تجربة تحلق في الخيال لتحكي عن الواقع، فخرجت على وقع الوجع والجرأة وعبرت نطاق التقليد والرؤية الذاتية العميقة، وتناولت المرئي واللامرئي، فشكلت سردية مدهشة منسوجة على نول التمرد، وتبقى حياة موفق محمد الذاتية والأدبية جديرة بالقراءة والتحليل والنقد لكونها ثقافة خاضعة للبعد النسبي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

محمود محمد عليحياة المرء، طالت أم قصرت، لا تقاس بالسنين والأيام، ولكنها تقاس بما خلف وراءه من أعمال مجيدة، ومآثر طيبة، وآثار مخلدة، قد لا تبدو عظيمة إبان حياته، ولكنها لا تلبث حتي تبين واضحة بعد مماته، كالمصباح المضئ لا يعرف قدره، حتي ينطفئ سراجه، ويتورى ضيائه.

قصدت أبدأ كلامي بهذا القول لأتحدث عن مؤرخ كبير، وعالم جليل، ألا وهو الأستاذ الدكتور "محمود محمد علي الحويري"- أستاذ تاريخ العصور الوسطي بكلية الآداب – فرع سوهاج – جامعة أسيوط، وهذا الرجل كان من طرازاً قائماًً بذاته في قائمة من تصدوا للكتابة التاريخية في مصر في العصور الوسطي، وربما في صعيد مصر بأسره، وهو ينتمي إلي جيل بذاته، له سماته الخاصة ونظرته الخاصة إلي العلم والمعرفة، وهو مؤرخ كبير، ومحقق أصيل، ومؤلف نادر من بقايا العلماء الموسوعيين الذين لم يقفوا عند فترة تاريخية بعينها؛ بل درسوا كثيراً من جوانب تاريخ العصور الوسطي (سواء الأوربية أو الإسلامية) غير مكتفين بالفترة التي تخصصوا فيها، فأعاد إلينا نماذج العلماء الأسلاف في التعلُّم والتعليم والتأليف، والعكوف على العلم الذي أفنيت فيه الأعمار.

ولهذا يعد محمود الحويري من أهم رعيل المثقفين الأوائل في صعيد مصر في العصور الوسطي،  إذ تعد أبحاثه حول صعيد مصر بمثابة سجل حي من الذكريات الخصبة، كما أنه يعد مؤرخ عتيق ومجدد معاً، فهو من الباحثين المصريين الذين ساهموا في تاريخ صعيد مصر ليس بكتبه ومقالاته العديدة في هذا التاريخ ومشاركاته ومحاضراته، ومساهماته وفي تعليقاته، وهو إنسان من نوع نادر، يعتني بصحته وملبسه، وأكله وشربه، وكان يمتلك قلباً كبيراًًً في اخضراره وحيويته فى الحياة، وهو صاحب رؤية تاريخية، وكان مفكراً ومؤرخاً. جمع بين جدية التحليل وغزارة الانتاج.. لم يغب التاريخ عن حياة  الحويري فكرس له حياته. لكنه لم يبقه تاريخاً جافاً، بل أدخل إليه أسلوبه الأدبي، وكأنه ولد ليكون مؤرخاً، أو يسهم في صناعة التاريخ، الذي كان يدافع عنه، ويردد دائماً جملته: "تعلم الناس من التاريخ أن لايتعلموا".

وقد عرفت محمود الحويري وعاصرته بعد ذلك إلي أن انتقل إلي جوار ربه، فعرفت فيه من الفضائل الوطنية والإنسانية ما يعجز الحصر : عرفته رجلاً بكل ما في الكلمة من معني، غالبته الأيام فغلبها، وقارعته الحوادث فقرعها، ونازلته الأزمات فنزلها يصارعها حتي هزمها، كان أستاذا في فنه، لا تستعصي عليه منه المشكلات، وكان محدثاُ  تشيع في حديثه العذب أجمل اللفتات، وكان كاتباً، تشيع في حديثه العذب أجمل اللفتات .. كانت تلك حالة، وكانت هذه صفاته، بل أكثر من ذلك، كان مثلا للصديق الوفي، الذي يضحي في سبيل صداقته، كما كان يبذل الجهد والفكر في سبيل سعادة الوطن وسعادة بنيه .. كان الحويري رجلاً، فصار قصة في كلمات، وكان بيته يعج بالباحثين من طلبة الدراسات العليا، يتحدث إليهم فيه، ويفيض عليهم من واسع علمه، وسعة اطلاعه ومعرفته .

ومحمود الحويري (مع حفظ الألقاب) كان شعلة وهاجة، وحركة دائمة، ملأ علينا أسماعنا وأعيننا وأفئدتنا، وغذي أرواحنا، فلم يترك لنا لحظة إلا شغلها، ولا فراغا إلا ملأه، كان طرازاً فريداً من الأساتذة، ذو شخصية علمية لا تقلد ولا تقلد بين الشخصيات التي عرفها تخصص العصور الوسطي في مصر، وكان مما يستلفت النظر إلي شخصيته أنه خلق لنفسه تقاليد عُرف بها، ولم يعرف بها غيره . ولقد ميز نفسه بهذه التقاليد، كما ميز نفسه بطائفة خاصة به من السمات والصفات والخصال، وظل حياته أمينا لها، مخلصا لتلك الشخصية  التي خلقها لنفسه . كان يكفي أن يذكر اسمه في أي مكان، وفي أي وسط، لكي تقفز إلي الذهن، ليست صورة محمود الحويري التي عرفها الناس فحسب، بل مجموعة من آرائه وجهوده ونظراته للحياة والتقدم، استقل بها ولم تغادره طوال حياته، كيفما كان العمل الذي يقوم به، أو الوظيفة التي يشتغلها، كان الحويري ثابت بغير نظير، ولا مثيل ولا قرين.

هذا وقد كان الحويري علي حظ عظيم من عزة النفس، وعلي جانب من جمال العهد، وفيا إلي أقصي حدود الوفاء، وفيا لتلاميذه يسهل عليه بذل كل نفيس ليحقق لهم بعض سعادته، وفياً لعمله يزيد أبداً في معلوماته وتجاربه، ظل علي ذلك إلي آخر أيامه، وفياً لأصحابه لا يدخر جهدا في مرضاته، وإدخال السرور علي قلوبهم .

وكان أيضاً يتمتع بمحبة الجميع بداية من طلال الليسانس والدراسات العليا وجميع زملائه الذين تعاملوا معه، وكان يراجع أعمال البحث التاريخي مع طلاب الدراسات منذ بداية اختيار الطلاب الموضوع عن حتي طبعه، ثم كان يجبر الطلاب المسجلون علي قراءة بطاقات أبحاثهم أمامه، كل بطاقة علي حده، فكان يصحح المعلومات التاريخية، وكان ينصح الطالب بإعادة صياغتها، ثم كان يعلم الطلاب اللغة العربية والكتابة الصحيحة، وكان لا يفوت الأخطاء النحوية علي الإطلاق، وأهم ما يتميز به أنه كان يعاملوا طلاب الماجستير والدكتوراه الذين يسجلون معه معاملة الأبناء وكان يشتهر بدماثة الخلق والجدية، وكان دائما يوصي طلابه بالأخلاق الكريمة والأمانة العلمية، وكان يجتهد ويبذل قصاري جهده في العمل علي تعيين طلابه من جملة الماجستير والدكتوراه في الجامعات المصرية، وله تلاميذ كثر في معظم كليات الآداب بالجامعات المصرية .

ولد الحويري بمدينة أسوان، وبالذات من قرية اسمها "سلوا" تابعة لمركز كوم أمبو، وكان يقيم في مدينة "دراو" وكان له منزل عبارة عن عمارة سكنية بدراو أشبه بفيلا، وكان عنوان الماجستير بعنوان "أسوان في العصور وكانت أعظم كتبت عن صعيد مصر، وهو الدراسات التي كتبت عن صعيد مصر، وهو الذي فتح كل مجالات البحث التاريخي بمنطقة الصعيد بعد أن مهملة من الباحثين بسبب صعوبة البحث فيها، والرسالة جاءت بين ضفتى الكتاب استقت مادتها من كتب المصادر التي لا يرقى إليها أي شك , إلى جانب المصادر الوثائقية التي تشمل الأثار والمخلفات الخطية والنقوش . وهى توضح ما تمتعت به أسوان من موقع فريد، ودورها فى النشاط السياسي والاقتصادي والثقافي في مصر العصور الوسطى . وأخيرًا البناء الاجتماعي والعناصر السكانية التي استوطنتها . وهى بهذا دراسة فريدة وجديرة بأن تحظى بقبول واسع لدى المثقفين في هذا الزمان والرسالة تقع 316 صفحة ؛ وفي هذه الرسالة أبرز الحويري أهم فترات أسوان تاريخيا لأنها كانت رمز الثقل في العلاقة بين المسلمين والنوبيين سلماً وحرباً وهو صراع استمر منذ عهد عمرو بن العاص حتي بداية دولة المماليك، وفي كان مشرفا عليه الأستاذ الدكتور إبراهيم طرخان أستاذ تاريخ العصور بجامعة القاهرة، وأما الدكتوراه، فكان عنوانها "اتحاد القوة العربية الإسلامية ضد الصلبيين في بلاد الشام والعراق"، وكتاب من أجمل الكتب التي كتبت عن الحروب الصليبية ودور قادة العراق في توحيد الصف العربي الإسلامي ضد الحملات الصليبية وخاصة " عماد الدين زينكي صاحب الموصول ونور الدين محمود ثم صلاح الدين الأيوبي، كما ألقي الضوء في كتابه عن فرقتي "الداويه والاسبتارية"، وهما من  الفرق التي قامت بدور فعال في تقوية الصف الصليبي ضد المسلمين من خلال وجودهم في الإمارات الصليبية.

وقد عُين الحويري بكلية الآداب بسوهاج مدرسا للعصور الوسطي منذ  نشأ قسم التاريخ بكلية في منتصف السبعينات من القرن الماضي، ثم أعير سيادته للتدريس في عدة دول عربية؛ وكان من أهممها المملكة العربية السعودية، ثم سافر إلي عدة  دول أوربية كان منها إنجلترا، حيث كتب فيها من خلال وجوده في لندن أعظم دراسة عن الفايكنج في أوربا وكانت أول دراسة عن الفايكنج في أوربا والعالم الإسلامي، ومازال هذا الكتاب ومعظم كتبه تتداول في المكتبات الأوربية والعربية، ثم ذهب إلي أمريكا، وفي الثمانينات من القرن الماضي حصل الحويري علي أستاذ مساعد 1980، ثم أستاذ خلال عام 1984م .

وللحويري كتابات كثيرة من أهمها علي سبيل المثال لا الحصر: أسوان في العصور الوسطي، ومنهج البحث في التاريخ، ومصر في العصور الوسطي من العصر المسيحي حتي الفتح العثماني، واللومبارديون في التاريخ والحضارة 568-774م، ومصر في العصور الوسطي : دراسة في الأوضاع السياسية والحضارية، وساحل شرق افريقيا منذ فجر الإسلام حتى الغزو البرتغالي، ساحل شرق إفريقية منذ فجر الإسلام حتى الغزو البرتغالي، علاوة علي ترجمته لكتاب رؤية في سقوط الإمبراطورية الرومانية .. وهلم جرا.

وفي تلك الكتب كشف لنا الحويري علي أنه كان عالماً وبحاثة، وكان مؤرخاً كبيراً، لا يداهن، ولا يرائي، يصدر عن عقيدة، ويعمل في غير جلبة، عرفه الصغير، ولمس فضله الوزير ورجل الشارع، وهو صورة فريدة من صور الرجال، بعلمه وبيانه وعمله ووطنيته، فطر علي صفات نادرة، سيرته في مراحل عمره سيرا حفل معه بالطيبات، واتجهت قواه منذ صباه لخدمة المصلحة العامة، وعمل علي هيئته في تواضع خال من التمجد والتبجح، وما طلب العوض والمكافأة عما أجهد نفسه فيه، ذلك أنه كان متشعباً بروح النهوض، ويعرف كيف يرضي ضميره بأداء فرض لا بد من قضائه.

كما كان الحويري يملك سعة إطلاع ومعرفة في تاريخ العصور الوسطي، فينتقل في بحوثه، من فن إلي فن، بأسلوبه الفذ، ولهجته التي اشتهر بها، بهمة وعزيمة، لا يعتريه ملل أو كلل، وقد اجمع جمهرة من المتخصصين العمالقة في العصور الوسطي، من أمثال الدكتور "قاسم عبده قاسم" و"زبيدة عطا"، من عار قدره بأنه نعم الرجل ثبات علي المبدأ، واستقلال في الرأي، وإدراك لمعني الحياة الحرة، والصلابة في القومية، والإخلاص للوطن، والدفاع عن تاريخ صعيد مصر مسقط رأسه، ويفني في خدمة قومه، وفي خدة وطنه .

والحويري بلا شك يمثل صفحة عظيمة في تاريخ صعيد مصر، قل رجل لم يقرأها، أو ينل منها فقرة، أو سطرا وآثاره معروفة في مكتبات لندن والكونجرس، وهو في الإنسانية من المضحين .. وكان رجل خلق يداعب تلاميذه، ولذا كان له بين طلابه منزلة وحساب ... لام الناس عليه إصراره علي تصغير نفسه سنا، ولكني لم آخذها عليه، لأنه كان يحب أن يشعر بالتوثب وبالفتوة إلي العمل، فهي عنده حقيقة ومنطق، وعند غيره مغالطة وسفسطة .. يعيبون عليه أنه كان يوزع جهده في مائة ناحية وناحية، ولكني كنت أراه يقطع نفسه إرباً إرباً، ليساهم في كل خير، ويدرأ في شر.

إنه باقة من الجهود الزكية، إنه مكتبة واعية متحركة، إنه سجل لكل ما يقرأ ويشاهد، إنه جامعة في رجل ... كانوا يتغامزون بأنه في عمله الإداري لا يتبع برنامجاً، ولا يتقيد بنظام، وكنت أري فيه نزوعا للحرية لا يطيق القيد (والقيد ولو كان الجمان منظماً لم يحمل)، غير أنه كان لا يستغل هذه الحرية للراحة أو التسلية، للكسب أو للسعي لنفسه، بل كان كالنحلة لا يكل دأباً وعملاً، والناس يلتفون حوله فيقطفون عسلاً .

رأيته بين تلاميذه يعلمهم كما يعلم الأب أولاده، ويرشدهم إلي معاني جميلة في الحياة لو هدوا إلي تحقيقها لارتفع مستواهم، وشاهدته مع طلابه من الدراسات العليا يدربهم ويلفتهم ما يفيدهم في بحوثهم، وحضرته في مجالس الأساتذة يفيض من حكمته، وكان عقله أوسع من أن يحصره في العمل الإداري .. ما سمعته يطعن علي أحد، ومن آذوه غير قلائل، أما هو فقد نبل شميته أن يصفح الصفح الجميل، ويقيم من نفسه الأعذار لأرباب الشذوذ والنشوز، ولا يبادر إلي تخطئة المخطئ إلا إذا نفذ صبره .. وكان إلي التفاؤل أميل منه إلي التشاؤم، يري الدنيا بعين المغتبط المحبور، ويصمد للحوادث في احرج ساعاته، لا يتأفف ولا يسخط مهما ألحت عليه الأوجاع، ويحمد الله علي ما ابتلاه وأنفذه مما  تحبه الطبيعة هي أشد مما وقع فيه.. نعم هو مثال نابغة، لا يلهيه عن تحقيق أمانيه عائق، ولا يدهشه تعقد المشاكل، ولايهنأه العيش إلا إذا  تم له الممكن، لإنجاز ما شغل قلبه ... سار في ناحية عينها لنفسه ولم يجر في خططها علي مثال سابق، فأمتاز بلون خاص من ألوان التأريخ للعصور الوسطي وهو البحث في كل ما لم تبعث به أيدي الباحثين في  الكشف عن تاريخ صعيد مصر فلأول مرة نعرف من خلاله تاريخ قفط، وقوص، وجرجا، والبلينا، وإخميم، سوهاج، وأسيوط، بني سويف .. وهلم جرا.

وكان محمود الحويري إماما في التأريخ لصعيد مصر في العصور الوسطي، كما كان حجة في منهج البحث التاريخي، وكان كاتبا حكيماً، وأكاديمياً عظيماً، كان يحفظ الكثير من كلام المؤرخين قديمه وحديثه، وكان يبتدئ الكلام سهلاً، ثم لا يلبث أن يتدفق سهلاً، وكان رحمه الله بعيد الأغراض، واسع الأهداف، فما ذكر مصر في كتاباته إلا وذكر صعيدها، وما ذكر الصعيد إلا ذكر أسوان موطنه، وما ذكر أٍسوان إلا وذكر معها مدينة دراو، وما ذكرت "دراو" إلا وذكر معها أهله وعترته من "آل الحويري" .. والذي ترك الدنيا فقيراً من كل شئ إلا من الأصدقاء، والمقدرين، والمعجبين، والمترجمين.. تلك هي ثروة الأفذاذ، كبار القلوب، لقد فقدت العصور الوسطي أحب حبيب لها، وأعز عزيز عليها، وأدعو الله سبحانه وتعالي أن يجزيه خير الجزاء.

كما كان الحويري علي كثرة متاعبه، وتنقلاته بين أسوان وسوهاج والقاهرة، يختلس من الليل ساعات، ومن الراحة فترات، فكان يوزعها بين خاصة إخوانه، وكان يخص تلاميذه المقربون من طلبة الدراسات العليا بنصيب من تلك الساعات، وكانت زيارته لا تحين إلا في ساعة من الليل مهما شاء أن يبكر، فقد كان كثير التعاريج في طريقه، ومع ذلك كان لا يتكلف ولا يتصنع... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

سارة طالب السهيلالحياة لا يوجد فيها وسط اما علم او جهل، فاللهم احفظنا من الجهل والجهالة، وأنر عقولنا وقلوبنا بأنوار العلم، ولذلك كانت دعوة الله تعالى لنبيه وصفيه ومختاره رسولنا الاعظم محمد بن عبد الله صل الله عليه وسلم بالقراءة والعلم بالقلم في قوله بمحكم قرآنه «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» .

كما جاء يسوع المسيح في الكتاب المقدس عن اهمية العلم و التعليم

"علمني حسن المعرفة والمعرفة، لأنني أؤمن بوصاياك."

فمن سعى في طلب العلم جعله الله تعالى من الشهداء على الحق بوحدانية الخالق جل شأنه،  كما في قوله تعالى : «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ »

ولذلك حثتنا ثقافتنا الاسلامية على طلب العلم وجعلته فريضة ونورا وطريقا الى الجنة، كما عبر عن ذلك سيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم بقوله : «منْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».

وجاء أمير الشعرء أحمد شوقي ليبدع ابياته الخالدة : " بالعلم والمال يبني الناس ملكهم لم يبن ملك على جهل وإقلال كفاني ثراء أنني غير جاهل وأكثر أرباب الغنى اليوم جهال..

هذه الحقيقة الكونية لاهمية العلم فطنت اليها شعوب العالم قديما، فظهرت الجامعات قبل الف عام، بالعالم شرقا وغربا والمفاجأة ان علمنا العربي والاسلامي قد سبق شعوب العالم الى انشاء هذه الجامعات التي لا تزال تواصل رحلتها العلمية حتى يومنا هذا .

وتعد جامعة الزيتونة، أول جامعة في العالم الإسلامي و هو جامعة وجامع بمدينة تونس. ويرجح المؤرخون أن من أمر ببنائه هو حسان بن النعمان عام 79 هـ وقام عبيد الله بن الحباب بإتمام عمارته في 116 هـ736م.ويمتاز بجمال معماره

ولعب دورا حضاريا وعلميا رائدا في نشر الثقافة العربية الإسلامية في بلاد المغرب، وفي رحابه تأسست أول مدرسة فكرية بإفريقيا أشاعت روحا علمية جادة ومنهج نقدي حديث على ايدي مؤسسها علي بن زياد وأسد بن الفرات والإمام سحنون صاحب المدونة التي رتبت المذهب المالكي.

تخرج من الجامعة الزيتونية في العهد الحفصي الفقيه المفسر والمحدث ابن عرفة التونسي وابن خلدون المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع، وابن عرفة والتيجاني وأبو الحسن الشاذلي وإبراهيم الرياحي وسالم بوحاجب ومحمد النخلي ومحمد الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير، ومحمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر ومحمد العزيز جعيط والمصلح الزعيم عبد العزيز الثعالبي وشاعر تونس أبو القاسم الشابي صاحب (ديوان أغاني الحياة) وطاهر الحداد صاحب كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع والتعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة، ومن حلقاته العلمية برز المصلح الجزائري عبد الحميد بن باديس والرئيس الجزائري السابق هواري بومدين وغيرهم كثير من النخب التونسية والمغاربية والعربية.

وتصنف جامعة القرووين بالمغرب كأقدم جامعةٍ في العالم، ومما يثير الفخر ان من أسستها سيدة مسلمة هي فاطمة الفِهري القيراوني، وهو ما يؤكد ايمان المرأة العربية والمسلمة باهمية العلم في العصور القديمة والعمل على نشره

صنفتها موسوعة غينيس للأرقام القياسية باعتبارها أقدم جامعة في تاريخ العالم على الإطلاق، حيث تم تأسيسها فى العام 859 ميلاديًّا . وتعد أول مؤسسة علمية أنشأت الكراسي العلمية المتخصصة والدرجات العلمية في العالم، مازالت تعمل كمؤسسةٍ أكاديميةٍ في المغرب حتى يومنا هذا، ، وتخرج منها الكثير جدًا من الرموز الإسلامية، فضلًا عن الكثير من العُلماء الغربيين الذين استفادوا بالدراسة في هذه الجامعة.. منهم (سلفستر الثاني ) الذي شغل منصب البابوية من العام 999 م إلى العام 1003م..، و(موسى ابن ميمون) الطبيب والفيلسوف اليهودي الشهير في عصره، و ابن خلدون وغيرهم

أما جامعة الازهر بمصر وهي الاشهر من اعرق الجامعات العربية الاسلامية ولا تزال تواصل دورها في نشر العلم بنظامها التعليمي ودرجاتها الأكاديمية تأسست الجامعة ما بين العامين 970 – 972 ميلاديًّا، إبان فترة الحُكم الفاطمي لمصر..،  لتكون قلعةً للعلوم الدينية الإسلامية بمذاهبها المُختلفة، و العلوم الإسلامية، وتطوّرت الجامعة بمرور السنين للتوسع في العلوم العلمية والأدبية المُختلفة .

وتعد الجامعة النظامية بالعراق وايران، من اقدم الجامعات في الشرق ولعبت دورا تعليميا وأكاديميًّا من خلال وجودها في مدينة (أصفهان) في العصور الوسطى، إحدى مُدن إيران حاليًّا. وأسسهاالخواجة نظام المُلك في القرن ال 11، ويرجح انها أسست  1065 ميلاديًّا ب مقر بغداد،

نظام هذه الجامعة بفروعها المُنتشرة في البلاد الإسلامية كان يُمثل قيمةً مُبهرةً بالنسبة للأوروبيين في ذلك الوقت، والذين بدأوا في تأسيس الجامعات الأكاديمية تقليدًا للحضارة العربية والإسلامية الزاهرة في هذه العصور، وأن الجامعة النظامية تحديدًا بفروعها وكلياتها المُختلفة تُمثل حجر الأساس للجامعات الغربية الحديثة..

وتظل الكلية النظامية التابعة للجامعة في دُرة البُلدان وقتئذ (بغداد)، هي أشهر فروع هذه الجامعة بلا استثناء..، وإن كان لديها أيضًا فروع أخرى في نيسابور، ودمشق، والبصرة، والموصل، وسمرقند .. وغيرها من حواضر البلاد الإسلامية في هذا الزمن..

أخرجت هذه كبار العلماء مثل: (ابن الجسار) أول من اكتشف أسباب ونتائج مرض الجُذام..، وابن الهيثم الفيزيائي المُسلم المعروف مؤسس علم البصريات..، وابن رشد.. وابن يونس العالم الفلكي الكبير الذي وضع عقارب الساعة قبل جاليليو وغيرهم

جامعات غربية عريقة

وعلي مستوي العالم الغربي تعد جامعة بادوا (بادوفا) بإيطاليا أسست1222، عندما قرر بعض الطلاب والأساتذة الانشقاق من جامعة بولونيا (الوحيدة فى البلاد وقتئذ)، وتكوين مؤسسةٍ جامعيةٍ أخرى أكثر حريةً وأكاديميةً وتخصصًا..

حتى الآن مازالت جامعة بادوا (بادوفا) تعمل بنفس القوة والكفاءة والتميز، وتعتبر من أفضل الجامعات الأوروبية الحديثة، حيث وصل تعداد الطلاب بها أكثر من 60 ألف طالبًا وطالبةً..

أما جامعة سالامانكا – إسبانيا فتأسست 1218، تُعتبر أقدم جامعة إسبانية على الإطلاق، على الرغم من تأسيس جامعة (بلنسية) قبلها .. إلا أن جامعة بلنسية لم يعد لها وجود اليوم، من أبرز الأدوار التي لعبتها هذه الجامعة، عندما استعان (كريستوفر كولومبوس) مُكتشف العالم الجديد بعُلماءَ وجغرافيين من هذه الجامعة تحديدًا، لمُساعدته في العديد من المهام التي يقوم بها في استكشاف المزيد من الأراضي.

وتأسست جامعة مونبيليه بفرنسا 1150 ميلاديًّا وتعد واحدةً من أهم الجامعات الأوروبية التي تُعنى بالعلوم والتكنولوجيا الحديثة.

أما جامعة أوكسفورد البريطانية، فهي واحدةٌ من أعظم جامعات العالم على مرّ العصور، و ساهمت في تخريج عشرات الحاصلين على جوائز نوبل، والجوائز الدولية المميزة في كافة العلوم والآداب والفنون، وتشغل مكانها الدائم من بين أفضل عشر جامعاتٍ سنويًّا..

بينما كانت جامعة باريس منارةً تعليميةً في القارة الأوروبية في فترة العصور الوُسطى.. إلى أن تم تأسيس كلية السوربون كواحدةٍ من الكليات التابعة لها 1257، والتى نمَت بسرعةٍ كبيرةٍ في العديد من المجالات العلمية والطبية والفنية، إلى أن تم الإصطلاح على مُسمى الجامعة كلها بأنها جامعة السوربون الجامعة، وتواصل دورها وتصنف ضمن أفضل 20 جامعة فى العالم .

وتعد جامعة بولونيا بايطاليا أول جامعةٍ للتعليم العالي الاكاديمي في الغرب كله فقد تأسست 1088 ميلاديًّا، ولا تزال رائدةً في نظام التعليم الجامعي الإيطالي والأوروبي .

و اخيرا اتمنى ان تعود بلادنا العربية قبلة للعلم و العلماء كما كانت و تعود جامعاتنا لقيمتها التاريخية كما انني اتمنى ان نؤسس جامعات جديدة بمعنى التأسيس و ليس فقط البناء الهش لتكون يوما ما منارة للاجيال القادمة يحكى بها و تملأ الدنيا كما نتغنى في زمننا هذا بتلك الجامعات التي ذكرتها اعلى

 

سارة السهيل

 

قاسم طلاعErich Fried

1926 – 1988


من الحياة

ذهبت

إلى الشعر

 

ومن الشعر

ذهبت

إلى الحياة

 

أي طريق سيكون في آخر المطاف

هو الأفضل.

ايريخ فريد شاعر وكاتب ومترجم نمساوي ولد في اليوم السادس من شهر أيار عام 1921 في مدينة فيننا. توفي في 22.11.1988 في بادن ـ بادن في جمهورية ألمانيا الاتحادية. مات والده، الذي ولد عام 1890، على أثر التعذيب التي تعرض له على أيدي الغستابو، بعد دخول القوات النازية إلى النمسا في عام 1938. أما والدته فقد حكم عليها بالسجن مدة خمسة سنوات.

المدن الغريبة

صلبة شوارع المدن الغريبة،

باردة كانت النظرات، التي يستقبلها الغريب،

باردة كانت الرياح، التي تعصف بالسفينة،

أثناء ما كانت تبحر فوق المياه.

قاسية كانت الحياة في هذه السنوات الثلاث،

باردا كان الشتاء.

في عام 1938 (وكان عمره لم لا يتجاوز السابعة عشر) تمكن من بناء خلية محاولة منه، وحسب اعتقاده، بأنه سيتمكن من مقاومة المحتلين الألمان للنمسا، إلا أن هذه الخلية لم يكتب لها العيش بعد أن أكتشف أمرها، على أثرها،  وفي نفس السنة هذه ـ في شهر آب ـ هرب عن طريق بلجيكا إلى بريطانيا والإقامة فيها كلاجئ، حيث بقى هناك حتى مماته عام 1988. وقد انضم بداية اقامته، هناك، إلى عصبة الشباب الشيوعي التي تركها عام 1944على أثر النقاشات والمواقف التي اتخذتها العصبة تجاه ستالين والاستالينية، كما سميت في حينها.

بدأ بنشر ما يكتب عام 1940. وبعد ستة سنوات، أي في عام 1946 تفرغ كليا للعمل الأدبي بعد صدور روايته الأولى " جندي وفتاة " التي تدور أحداثها حول فتاة ألمانية اسمها " Irma Greses " وعمرها 22 سنة، حكم عليها بالإعدام عام 1945 ، لأنها كانت تعمل حارسة في واحدة من معسكرات الإبادة، رغم قيامها بإنقاذ الكثير من المعتقلين من الموت المحقق، إلا أن عملها الانساني هذا لم ينقذها من الموت. بعد انتهاء الحرب عمل في صحف ومجلات أدبية كثيرة منها مجلة " المقتطف الجديد " التي كان يصدرها " Central Office Information " ثم مجلة " Blick in die   Welt " الذي أصبح فيها عضوا في هيئة التحرير. في عام 1952 بدا العمل في محطة الإذاعة البريطانية القسم الألماني وبسبب خلاف فكري ـ سياسي ترك العمل في هذا القسم عام 1968. شارك مشاركة فعلية في تمرد الطلبة عام 1968، حيث كان يتصدر كل المظاهرات جنبا الى جنب مع رودي دوتشه (Rudi Dutsche) زعيم حركة التمرد الطلابية، إضافة إلى مشاركته، إلى جانب الكاتب الألماني هاينرخ بويل (  Heinrich Böll ) في عمليات الاستنكار والاحتجاج ضد أساليب المطاردة والاضطهاد والقتل التي كانت تمارسها حكومة ألمانيا الاتحادية ضد القوى اليسارية والمعاملة الغير إنسانية لسجناء الفرق الحمراء " RAF „. ومواقفه المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد الشعب الفيتنامي ومشاركته، إلى جانب بيتر فايس، في المؤتمر العالمي من اجل فيتنام، الذي انعقد في برلين عام  1968 ( له ديوان يحمل اسم و... فيتنام... و ـ und Vietnam und  صدر عام 1966 وقد ضم هذا الديوان قصيدة قصيرة جدا حول مذبحة دانانغ 17 ـ 22. أيار 1966 )

من دانانغ توالت الأخبار طوال خمسة أيام:

بين حين وآخر عيارات نارية متفرقة

 

في اليوم الخامس تحدثت الأخبار:

في معارك الخمسة أيام الأخيرة

في دانانغ

لحد الآن ألف ضحية

تقريبا

ومن مواقفه المشرفة أيضا، مساندته للانتفاضة التي قادها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي ومطالبة إسرائيل بالعودة إلى حدود عام 1967 والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وكان ديوانه " اسمعي، إسرائيل " ( Höre, Israel! ) إدانة صريحة وواضحة لسياستها العدوانية (العنصرية) هذه:

عندما أصبحنا مطاردون كنت واحد منكم

كيف يمكن أن أبق هكذا معكم

عندما صرتم تطاردون الآخر...؟

 

حنينكم كان

أن تكونوا مثل شعوب أخرى

تلك التي قامت بقتلتكم

الآن أصبحتم مثلهم

 

أنتم نجوتم

من الذين كانوا قساة معكم

 

هل تحملون الآن هذه القسوة

في داخلكم...؟

ثم ادانة القوى الامبريالية لمشاركتها الفعالة بإشعال الحرب الاهلية في لبنان ودخول الجيش الإسرائيلي لها، والمجازر التي قامت بها بحق اللاجئين الفلسطينيين هناك (مذبحة صبرا وشتيلا).

وقبل هذا، كانت له مواقف واضحة وجريئة تجاه حركات التحرر الوطني، عندما أعلن تضامنه مع المثقفين الفرنسيين الذين رفضوا الخدمة العسكرية الإجبارية للمشاركة في الحرب الاستعمارية التي كانت تقودها فرنسا ضد الشعب الجزائري في بيان أصدرته جماعة أل " 47 " (وكان هو واحد من أعضائها).

الجدير بالإشارة هنا، انه في واحدة من المناسبات المدرسية ، عام 1927، كان من المفروض على اريخ فريد أن يلقي كلمة أو قصيدة (قيل انه بدأ الكتابة مبكرا، حيث كان عمره آنذاك لا يتجاوز السابعة)، في حفلة كان قد حضرها مدير شرطة مدينة فيننا، وحينما لاحظ اريخ فريد حضور المدير، في اللحظة التي أراد فيها البدء بالقاء القصيدة، توقف وبقى واقف في مكانه دون أن يتفوه بكلمة، وحينما طلب منه المشرف على الحفلة أن يلقي قصيدته، رد عليه اريخ فريد، بأنه لايريد أن يلقي قصيدته أمام شخص مسؤول عن قتل ٨٦ شخصا في في مظاهرة عمالية... وعندما سمع مدير الشرطة ما قاله اريخ فريد، نهض تاركا امكان.

إضافة إلى كتابة الشعر والقصة، عرف أريخ فريد بترجماته التي قام بها من اللغة الانكليزية إلى الألمانية لأشهر كتاب الأدب الانكليزي الذين كتبوا التراجيدية والشعر والنصوص المسرحية، إذ ترجم الملحمة الشعرية لديلان توماس (Dylan Thomas) وترجم أيضا نصوص ت. س. أليوت، وغراهام غرين، ولاوري لي، ومسرح شكسبير، التي اعتبرت ترجمته من أدق من ترجم له.

تنطلق كتابات أريخ فريد في التأكيد من أل " أنا " التي تبحث عن (وتحث) الآخر ضمن منظور اجتماعي ـ سياسي مطالبا ـ الوقوف جنب إلى جنب ـ بتحرير الإنسان من تلك العلاقات أل " الغير متساوية " إضافة إلى مواقفه الواضحة ضد أي شكل من أشكال العنف ـ اللاشرعي ـ الذي يؤدي إلى سلب حرية الإنسان وبالتالي الإطاحة به وجعله عرضة للاضطهاد والقتل. لهذا فقد كانت قصائده، التي طغت عليها المسحة السياسية، محاولة في تعرية مثل هذا الوضع اللاإنساني وشرعية الإطاحة به.

لقد كتب فريد الكثير من القصائد والنصوص التي نشرت على شكل مجاميع في تواريخ مختلفة وجمعت في أربعة مجلدات أصدرتها دار النشر الألمانية "   Wagenbach " عام 1993 نذكر منها. „ شعر صدر عام 1958، مملكة الحجر عام 1963، وفيتنام و عام 1966، مائة قصيدة دون وطن عام 1978.... الخ. إضافة إلى هذه الدواوين الشعرية صدرت له نصوص نثرية أهمها " المثقف والاشتراكية " بالاشتراك مع باول باران وغاشتون سلفاتوره. صدر عام 1968، وكتاب عن انغابورغ باخمان حمل عنوان "  أنا لا زلت متاخما لحدود الكلمة وحدود أرض أخرى "  صدر عام 1983، وكتاب آخر " لا تكن أطرش وأخرس "  وقد ضم هذا الكتاب مجموعة مقالات تدور حول  المقاومة والاحتجاج إضافة إلى مقالات أخرى تحمل وجهات نظر حول الشعر. صدر عام 1984، ومسرحية „ الكل هم قاتليه " صدرت عام 1984 ثم " أفكار حول ألمانيا وهو مجموعة مقالات تحليلية وخطب صدر عام 1988.

منح اريخ فريد الكثير من الجوائز،  ولكن بعد وقت متأخر، أذا منح في عام 1977 جائزة " Prix International des Editeurs "  تبعتها بعد ذلك جائزة الدولة النمساوية وجائزة جـورج بويخنر .

مات اريخ فريد في واحدة من جولاته الأدبية في مدينة بادن ـ بادن الألمانية ودفن في مقبرة  "  Kensal Green  " في لندن.

 

قاسم طلاع

 

عبد الخالق الفلاحلقد تحدثنا عن سمات الناس الذين سكنوا منطقة باب الشيخ وحول الطبقات التي عاشت وتداخلت بالوضع المعيشة وكانت البيوت اغلبها شرقية وتدخل لها عن طريق المجاز (الممر الذي يدخلك إلى البيت) يأتي صحن البيت او الحيات او (الحوش) وتتناثر حوله ألغرف ومنهاغرفه ألإستقبال التي هي غالباً ما تكون قريبة من باب الخروج او ممر الخروج (المجاز) ثم ألسرداب العمق تحت الأرض وبه (ألبادكير) وهو للتهوية بدل الوسائل الموجودة والحديثة التي يستفاد منها عالم اليوم مثل البنگة والبرادات واجهزت التكيف الاخرى المختلفةالغازية والكهربائية والمائية و تأتي من السطح عن طريق ثقوب مبنية لهذا الغرض ثم هناك الاحواض من الماء فيترطب ألهواء الجاف ويبرد الحوش في وقت العصر حيث تجتمع العائلة ويكون بحضور كبيرالعائلة على الارجح وتتوسطهم المنقلة او الجولة اوالطباخاو السماور او البريمز النفطي وعلية قارورت (القوري) الشاي السيلاني او الهنديوالجورك او البقصم او الكعك البغدادي، السادة وابو السمسم وابو الدهن "،وقد تكون عندهم حديقة صغيرة جميلة تتوسط الحوش متنوعة الاشجار والاورادويطل على هذا الصحن طراروفيه الدلكات (طارمة فيها أعمدة) من الخشب او الحديد او من الطابوق وعدد من الغرفالتي تطل شبابيكها على الحوش والارضية غالباً ما كانت مفروش بالطابوق الفرشي (الاجور) المربع او المستطيل والسقوق علىالاكثر من الخشب المردي ويستفاد من انواعمن الحصران مثل 1- الباري في السطوح للنوم و هو نوع من الحصير الذي يصنع من القصببعد شرخه طولياً على شكل أشرطة وحياكته وهذا الحصير يستخدم سابقاً في تسقيف البيوت وكذلك يستخدم لعرض الخضروات عليه وكذلك الرقي لدى باعة المخضر لمتانتها وقد يستخدم أسفل الفراش في السطح لمنع الفراش من التلوث بتراب اللبن أو قد تصنع منه السلال لنقل الفاكهة والخضر أو ببناء الجراديغ لخزن التمور والحبوب أو جراديغ السياحة على نهر دجلة للاستجمام أيام زمان ودخل الحديد بعد الحرب العالمية الاولى في الثلث الاول منالقرن الماضي في البناء بشكل مكثف الى العراق .2.حصير البردي :- وهو الحصير الذي يصنع من حياكة البردي ويكون نوعاً ما سميك وناعم تستخدم لفرشه على القنفات في المقاهي لكن عند يباسه يبدأ بالتفتيت.3.حصير القنب :- هو الحصير الذي يستخدم من أعواد القنب بعد سلخها وحياكتها يصنع منها حصير ناعم وذو مقاومة جيدة ولاتتأثر كثيراً بالماء وكانت تستخدم في المساجد للصلاة قبل ان تفرش بالفرش الحديثة (الزوالي) المتنوعة التي غزت و كل المساجد والحسينيات والاضرحة وكذلك كانت تستخدم في البيوت لنومه القيلولة بعد رشه بالماء أو لجلسة العصرية في البيت عند شرب الشاي وقد تستخدم بفرشها على مصاطب الجلوس (قنفات) المقاهي وتوضع أسفل السجاد والبسط في الشتاء لحمايتها من من رطوبة الأرض.4. حصير خوص سعف النخيل :- ويصنع بحياكة خوص السعف لعمل حصران تستخدم للجلوس أو للصلاة أو سفرة طعام وقد يصنع بنفس الطريقة خصافة التمر أو الكواشر (زنبيل) كانت أمهاتنا يحملون للتسويق على رؤوسهن والطبگ الخاص للتنور لفرش الخبز ويوضع العجين عليه بعد فرشه بالطحين كي لا يلتصق العجين بالطبگ وأكثر البيوت كانوا يخبزون الخبز في البيوت اما للكل او للارتزاق في بيعه ليكون عونا اقتصادية للعائلة .

باب الشيخ هي في الحقيقة كانت قلب بغداد ومركز مهماً فيها بيوتات الشخصيات الحكومية وبالتالي فإنها قلب العراق النابض في الزمن الماضي وغابات آثاره وكانت مجمعاً السفارات القبائل العربية والتركمانية والكوردية والسكن فيها وخاصة من مختلف عشائر الكورد الفيلية (الماليمان . ملك شاهي . قيتولي، لر، علي شيروان، موسي،زنگنة. شوهان .والباوى ...الخ) وعشائر من خانقين ومندلي مثل الكاكائية والقرلوس والزنگنة والمحافظات الشمالية(الإقليم حالياً)حيث كانت المنطقة مركز لهم و تضم الالاف منهم وكذلك عشائر من التركمانية واعداد من الصبة المندائيين والمسيح لقربهم من محلة (كمب الارمن) التي تقع بين مقبرة الغزالي ومحطة وقود الكيلاني على شارع الشيخ ع وكذلك سكنها عدد من أمراء القبائل الذين كان لهم الشرف في حماية بغداد والعراق من أي عدوان وكذلك سكنها عمالقة العلم والتجارة والاقتصاد ليكونوا قريبين من منطقة القرار وبهم كانت ترسم سياسة العراق الدفاعية الأمنية والاقتصادية والعلمية وتحيط بالمحلة الشوارع التالي:الكفاح والشيخ عمر وشارع الكيلاني وشارع العوينة الذي يذهب باتجاه رأس الساقية ومن ثم شارع الجمهورية (الملكة عالية)الذي أصبح فيما بعد بشارع الجمهورية . ومن حاراتها : عقد الاكراد .رأس الساقية . سراج الدين .. حجي فتحي . الدوگجية." . فضوة عرب . فضوه مرجان .التسابيل . قهوة شكر . و راس الجول.العوينة . الصدرية التي كانت تحتوي على أهم المحلات التجارية لبيع الحنطة والشعير والتمر والتمن والخضروات واللحوم بأنواعها والاسماك والدجاج ومحلات بيع التوابل والأقمشة وكل ما تحتاجه العائلة  "ويحكى حول طيبة أهالي المنطقة في الرحمة والشفقة فيمابينهم أن رجل حمال كان جالساً في السوق ينتظر من يؤجره لحمل بضاعته وهو يشاهد الناس يتحضرون لايام شهر رمضان فقال (خي عونه العنده ويتحضر لرمضان) فسمعه قصاب قريب منه فصاح عليه وقال فلان أحضر لي عربه (وكان يقصد عربة ربل) واحضر هذا الحمال العربة وقال له خذ هذا اللحم وضعه في العربة وتعال معنا ففرح الحمال لأنه حصل على عمل وأخبر العربنجي بأن يذهب بنا إلى الشورجة وهناك وقف قرب محل صديقه وبدأ يتسوق منه مايتطلبه رمضان ثم صعدنا بالعربة وقال لي ولدي وين بيتكم فقلت ليش عمي قال اخبرني فقلت في المكان الفلاني فقال العربنجي اذهب فوصل فلان مع العربة الى المكان الفلاني وبالفعل وصلني وقال خذ كل ما بالعربة فهو مسواق رمضان لعائلتك،والصدرية من الأسواق القديمة وفيها مسجد سراج الدين فيها مقهى عباس الديك المصارع العراقي المعروف في الزورخانة الذي غلب المصارع الألماني گريمر ومصارعين من ايران. اشتهرت منطقة باب الشيخ ببيع نوع من السمك يسمى (الجري) حيث يباع في مطاعم خاصة وعلى الرصيف ويقلي قطع السمك في آنية كبيرة تسمى (طشت) كبير الحجم فيه زيت مغلي ويقدم للزبائن وينشط سوقه في يوم الجمعة حيث يكون الإقبال عليها كبيراً اكثر من الأيام العادية . العوائل البغدادية او الافراد تحضر لتأخذ السمك الجري من المطاعم الذين لديهم عمالا يقومون بتلبية طلبات الزبائن، سواء داخل المطعم او البيوت او على الأرصفة القريبة للمطاعم،وهناك اماكن في أيام الاعياد كانت تقام فيها أماكن للتسلية مثل المراجيح ودواليب الهوى (وهي حبال تعلق على الأشجار ذات الاغصان القوية او تربط على النخيل ويجلس عليها المشاركون ثم يتم دفعهم ذهابا واياب في الهواء بفرح وركوب بعض الدواب مثل الخيل و الحمير والعربات التي تدفعها او تجرها الحيوانات في رأس الجول قرب سكلات الخشب و فضوة عرب أو بين الخلاني والمربعه ويذهب القسم الاخر الى البارك السعدون وهي حدائق كبيرة يجتمع فيها الناس من اكثر محلات المناطق القريبة ومع الاسف بعد ان كانت هذه الحديقة غناء بانواع الاشجار والورود المختلفة سابقاً ملجأً ومتنفساً تريح فيها النفوس وغالباً ما كان يحضر فيه الملك فيصل الثاني والعائلة المالكة لمشاركة مع العوائل افراحهم وهي مهملة في الوقت الحاضر وكانت تباع هناك الأكلات السريعة والمشهورة مثل أبيض وبيض العمبة والصمون ،والفلافل والطرشي وبعض المرطبات والشرابت مثل السيفون ابو البوزة والشاي والجكليت والحامض حلو وما إلى غير ذلك...

 

عبد الخالق الفلاح

 

مصدق الحبيب(1883 – 1946)

John Maynard Keynes

كان الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق البريطاني برتراند رسل قد قال عنه: " ان كينز هو اذكى رجل التقيت به وهو الذي في كل مرة ادخل بنقاش معه يتركني اشعر بانني مازلت جاهلا مغفلا". هو الاقتصادي الذي اصبح ثاني اشهر الاقتصاديين في تاريخ هذا العلم، بعد مؤسس الاقتصاد آدم سمث. ذلك لانه يعتبر مؤسس الاقتصاد الكلي، الجانب الثاني من النظرية الاقتصادية الحديثة. ولانه الرجل الذي ترك اثرا بالغا على السياسة والادب الاقتصاديين اعتبارا من ثلاثينات القرن الماضي والى اليوم بفضل ما سمي باسمه، النظرية الكينزية في الادب الاقتصادي، ومايتبعها تطبيقيا في عالم الاقتصاد والسياسة، السياسة الكينزية.

ولد كينز في كمبرج البريطانية عام 1883 لعائلة موسرة تنتمي للقسم الاعلى من الطبقات الوسطى في المجتمع الانكليزي ومعروفة بميلها للعلم والمعرفة وخدمة المجتمع. وكان والده جان نيفل كينز اقتصاديا معروفا واستاذا في كمبرج، والذي اصبح بعدذاك عميدا لكلية الملك في جامعة كمبرج. وكانت والدته من أوائل النساء الانگليزيات اللائي دخلن جامعة كمبرج وتخرجن فيها وعملن في مؤسسات المجتمع، وهي التي اصبحت ناشطة ومصلحة اجتماعية معروفة. ولهذا فقد نشأ جان في هذا البيت الذي عُرف بحب ورعاية الوالدين للاطفال الثلاثة، هو واخته واخيه وقربهم لبعضهم وتمتعهم بدعم والديهما حتى بعد بلوغهم واستقلالهم عن بيت العائلة.

وفي المدرسة كان جان تلميذا مهذبا مجتهدا اظهر نبوغا في مادة الرياضيات فدخل جامعة كمبرج عام 1902 لدراسة الرياضيات والفلسفة وتخرج عام 1905 وخصص سنته الرابعة لدراسة الاقتصاد عند مارشال وپيگو اللذان زرعا فيه اهتمامه بهذا العلم وحفزاه على الاستمرار بدراسته. ولولعه في اقتصاد النقود حصل بعد تخرجه على وظيفة حكومية في دائرة شؤون الهند التي جمع من خلالها الكثير من الاحصاءات حيث كانت في نيته ان تكون مادة لكتابه الاول. امضى سنتين في هذه الوظيفة وعاد بعدها عام 1908 الى كمبرج كمحاضر بدعم من مارشال واستمر في نفس الوقت بالدراسة فحصل على الماستر عام 1909 وانتخب سكرتيرا لتحرير المجلة الاقتصادية The Economic Journal عام 1911. ثم عاد الى وظيفته وتمكن من نشر كتابه الاول بعنوان " العملة والشؤون المالية في الهند" عام 1913 فحصل على ترقيته كمستشار لدى اللجنة الملكية لشؤون الهند.

2426 جان مينرد كينزعندما اندلعت الحرب العالمية الاولى عام 1914 رفض الانخراط في الجيش وسجل اسمه عند سلطات التجنيد ضمن اولئك الذين لهم الحق القانوني ان يرفضوا الاشتراك في الحروب بموجب ما تمليه عليهم ضمائرهم Conscientious objectors. وقد قُبل طلبه فنسب للعمل في دائرة الخزانة البريطانية التي بقي يعمل فيها لحين انتخابه ممثلها الاول في مؤتمر فرساي الذي عقد في باريس عام 1919 لتسوية شؤون الحرب وشروط السلام. وهكذا فقد كان كينز عضوا رئيسيا للوفد البريطاني برئاسة رئيس الوزراء ديفد لويد جورج. وخلال المفاوضات صرح كينز باعتراضه على نص معاهدة فرساي التي كان قد اعتبر شروطها ضد ألمانيا مهينة وعقوباتها قاسية واعتبر تعويضات الحرب باهضة وتزيد على طاقة ألمانيا على تحملها مما سيحطم اقتصادها ويدفعها الى حافة الافلاس واليأس ، الامر الذي قد يدفع بعض ساستها الى التطرف مما سيضر بأوربا عموما. ولم يلق تصريح كينز اي اهتمام من قبل رؤوساء الوفود الرئيسيين بريطانيا وفرنسا وايطاليا وأمريكا واليابان، مما دفع كينز الى الاستقالة من وظيفته الحكومية في الخزانة والعودة الى كمبرج. ولم يكتف بمجرد معارضته الشفوية لشروط معاهدة فرساي وتفاصيلها بل دون ملاحظاته ونشرها في كتاب عام 1919 بعنوان "الآثار الاقتصادية للسلام". ومن نافلة القول ان تنبؤات كينز قد تحققت حيث أدت الضغوط المجحفة على ألمانيا الى زيادة النقمة وتنامي الرغبة في الانتقام مما ساعد على تصعيد التطرف السياسي وصعود النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية.

کانت عودته الى كمبرج متمتعا بمنحة من استاذه آرثر پيگو ومساعدة والده لدراسة نظرية الاحتمال والتي تمحضت عن اصدار كتابه "بحث في نظرية الاحتمالات" عام 1921. في هذه الفترة شهد كينز شخصيا تحولا عاطفيا كبيرا وهو في نهاية الثلاثينات من عمره . تلخص هذا التحول ببدء الميل في قلبه الى الاناث من زميلاته اذ انه كان منذ مرحلة الاعدادية يميل للذكور فقط وفعلا ارتبط بعدة علاقات مثلية خلال تلك العشرين سنة الماضية من حياته. وكان قد وثق تلك العلاقات والمشاعر في مذكراته الشخصية التي بدأ بكتابتها مبكرا. في عام 1921 كتب يقول انه وجد نفسه قد وقع تماما في حب زميلته في جماعة بلومسبري Bloomsbury Group ليديا لوبوكوفا، الفتاة الجميلة روسية الاصل التي اصبحت راقصة باليه شهيرة. وفعلا فقد تم زواجه منها عام 1925 لكنه لم يتخل عن ميله الى الذكور فكان قد صرح بأنه ثنائي الرغبة الجنسية Bisexual. كان زواجه من ليديا ناجحا جلب اليه الاستقرار العاطفي والنشاط الفكري. في عام 1923 نشر كتابه "سبيل للاصلاح النقدي" ، وفي عام 1926 نشر كتاب "نهاية فلسفة دعه يعمل دعه يمر" الذي بانت فيه جليةً ملامح تحوله الفكري هذه المرة وانقلابه على كل ماتعلمه من نظرية اقتصادية نيوكلاسيكية حتى ذلك الوقت. وحين حلت أزمة الكساد العظيم عام 1929 فانها وفرت لكينز الدليل المنطقي المفحم لما كان يؤمن به من ضرورة الاقلاع عن الطروحات النيوكلاسيكية القديمة التي تعتمد على كفاءة اقتصاد السوق التلقائية لحل الازمات الاقتصادية. وهكذا فقد واصل هذا الاتجاه الجديد في كتابه "بحث في النقود" عام 1930 الذي اعتبره النقاد بأنه فتح بابا جديدا للتحليل الاقتصادي حيث نقل فيه كينز الاقتصاد من علم ساكن staticالى متحرك  dynamic بجعله الدخل والانفاق تيارات جارية بدلا من كونها كميات تعكس لحظة من الزمن. في هذا الكتاب الذي جاء بجزئين، ركز كينز على علاقة الاموال التي تدخر وتلك التي تستثمر فعلا. وانه ليس من الصالح العام ان يلجأ الافراد والمؤسسات الى الادخار في اوقات الشدة لان الادخار سيجلب المشاكل الاكثر تعقيدا. وكان تحليله ينصب على انه لو زادت المدخرات على الاستثمارات ارتفعت معدلات البطالة ذلك ان المنتجين سوف لا يجدون المبرر القوي لاعادة وتوسيع وتطوير الانتاج لكي يتمكنوا من الحفاظ على هامش الكلفة التي تضمن لهم ارباحا مقبولة، وبالتالي فلن تكون هناك حاجة لزيادة الاستخدام أو حتى الحفاظ على مستوياته الجارية.

وفي عز سنوات الكساد عام 1933 كتب عن "وسائل الرخاء" وهي الدراسة التي بانت فيها بوادر استخدام عامل المضاعف الذي سيكون اداة حاسمة في دراساته المقبلة. وكان قد انتقد الحكومة البريطانية على اتخاذها اجراءات التقشف وحاول ان يطمئن المسؤولين عن السياسة الاقتصادية بأن الاقتراض شئ طبيعي وعجز الميزانية ليس بالامر المرعب. كان مهتما جدا بمعالجة الاقتصاد البريطاني بالدرجة الاولى والامريكي بالدرجة الثانية لادراكه بانهما من يستطيع قيادة السفينة الاقتصادية نحو بر الامان. ولذا فقد اخذه حماسه ان يكتب بشكل شخصي للرئيس الامريكي روزفلت و يطلب مقابلته. وفعلا تحققت له مقابلة الرئيس الذي اقتنع بآرائه واهتدى بها عند اقراره برنامج العقد الجديد The New Deal عام 1933

في عام 1936 اصدر كينز دراسته التاريخية بعنوان "النظرية العامة للاستخدام والفائدة والنقود" والتي شملت فلسفته الاقتصادية الثورية الجديدة التي غيرت مجرى فهم نظرية وتطبيق الاقتصاد الكلي التي كانت سائدة قبل ذلك التاريخ، مما حدى باغلب مؤرخي الفكر الاقتصادي ان يعتبروا كينز المؤسس لنظرية الاقتصاد الكلي الحديث والسياسة الاقتصادية الجديدة. في هذه النظرية تحدى كينز موضوعة الاقتصاد النيوكلاسيكي المركزية السائدة آنذاك والقاضية بأن ميكانيكية اقتصاد السوق الحر وتلقائيته هي التي ستؤول في المدى القريب والمتوسط الى التوازن الاقتصادي العام وبلوغ حالة الاستخدام الكامل. واذ رفض كينز هذا المنطق لأول مرة فانه راهن على ان الطلب الاجمالي الذي يساوي كل الانفاقات مجتمعة هو الذي يقرر مستوى النشاط الاقتصادي العام. فاذا كان هذا الطلب الاجمالي غير كاف فان قصوره سيؤدي الى البطالة التي سيطول مداها دون أي أمل وليس بمستطاع السوق لوحده ان ينهيها او يقللها تلقائيا. ولذا فانه اقترح على مسؤولي السياسة الاقتصادية معالجة الازمات بأداتين فعالتين هما السياسة المالية والسياسة النقدية الكفيلتين باخراج الاقتصاد من أزمته. وقد استطاع كينز بذكاءه وقوة اقناعه وفراسته الاكاديمية الموثقة في دراساته ان يقنع الحكومتين البريطانية والامريكية بالبدء في اخذ زمام المبادرة باطلاق الانفاقات الكبيرة على المشاريع العامة التي ستمتص الركود عن طريق الاستثمار في الموارد الطبيعية والبشرية المجمدة طاقاتها بسبب الانهيار الاقتصادي. وقد سرى تطبيق هذا المنهج الكينزي الجديد في دول اخرى في اوربا وانتقل الى بقية بلدان العالم واصبح السياسة الاقتصادية النافذة للسيطرة على تقلبات الدورة الاقتصادية خلال الاربعين سنة بين 1936 و1976، حيث لم يعد تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي امرا مرفوضا بعدذاك، بل اصبح الامر الضروري الوحيد للخروج من الازمات الاقتصادية الكبرى. أما الاستقراض وعجز الميزانية فقد ازدادت وتيرته دوليا خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ولاشك فان كينز شخصيا قد لعب الدور الاول في التفاوض مع الولايات المتحدة من أجل تأمين اكبر القروض واحسن الشروط لصالح بريطانيا من اجل بناء وتعمير ما خربته الحرب. وهو الذي حول اهتمامه الى موضوع دفع تكاليف الحرب فنشر كتابه المعنون "كيف ندفع تكاليف الحرب" عام 1940 الذي اشار فيه الى ضرورة تجنب تخفيض الانفاق وزيادة التضخم بل دفع التكاليف عن طريق زيادة الضرائب والادخار الاجباري واستقراض الحكومة من الافراد .

في عام 1942 نال تكريما رسميا بحصوله على لقب بارون ومقعد في مجلس اللوردات البريطاني، وفي عام 1944 كان على رأس وفد بلاده في مؤتمر برتن وودز Bretton Woods الذي تمخض عن تأسيس منظمتي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللتان كان كينز صاحب الفكرة الاولى للحاجة اليهما من اجل تنظيم الشؤون المالية الدولية خاصة للبلدان التي تضررت كثيرا بالحرب ومن اجل تأسيس سعر صرف ثابت للعملات الدولية.

قبل كتابة نظريته العامة ونشرها عام 1936، كان كينز قد اتخذ موقفا معارضا صريحا لرجوع بريطانيا الى قاعدة الذهب وكان مستاءً من حالة البطالة المتفشية خاصة بين عمال المناجم والموانئ والنسيج، لكنه كان ايضا متفائلا حول برنامج حزب العمل لايجاد مخرج ما من الازمة خاصة لانقاذ العاطلين عن العمل وتفعيل برنامج المساعدات الاجتماعية. وخلال كل ذلك لم يعتمد، كما اعتمد اغلب زملائه الاقتصاديين، على الحل السحري لتوازن السوق، وهو الذي لايحبذ الانتظار الى المدى البعيد غير الاكيد وقد قال مقولته الشهيرة " في الامد الطويل سيكون جميعنا في القبور". كما انه لم يكن يؤمن بالحل التساومي المطروح آنذاك الذي يتأمل اصحاب العمل ان يوافقوا على تخفيض اجور العمال ويتوقع قبول تلك الاجور المنخفضة من قبل عدد كبير من العمال المرغمين، وهذا من المفروض ان يقلل من حجم البطالة او على الاقل يحد من تفاقمها. أصر كينز بأن الدولة يجب ان تكون المسؤولة وهي التي تستطيع ان تمتص البطالة، ليس باجور منخفضة، انما باجور اعلى تحفز العمال على العمل الاكثر والاحسن. وبذلك شجع الحكومة على الانفاق الاكبر وتحمل عجز الميزانية الذي سوف لن يدوم الى الابد خاصة اذا كان الانفاق بهدف الاستثمار في القطاعات الكبرى التي تتطلب كثافة عمل كبيرة وتؤول الى تشغيل واسع النطاق، جنبا الى جنب مع سياسة نقدية مناسبة لتخفيض سعر الفائدة والسيطرة على التضخم.

بهذا المنطق استطاع كينز ان يحرز قبول الدولة التي لم تر امامها حلولا افضل او وقتا اطول، وقد انخرط في هذا النهج عدد آخر من الدول التي كانت متعطشة لزيادة الانفاق لكنها متوجسة من شبح عجز الميزانية وعواقبه السياسية. كان كينز قد وضع التبرير الاقتصادي واعطى الضوء الاخطر للجهة الوحيدة القادرة على التحكم بحجم الانفاق ونوعيته والتعامل مع نتائجه الاقتصادية والسياسية، ألا وهي جهة الحكومات المركزية. وتدريجيا انظم الى هذا المنطق اقتصاديون آخرون وبدأوا يتوسعون بشرح الاسباب والنتائج. وهكذا انفجرت شعبية كينز عند السياسيين وحكوماتهم وعند الاقتصاديين ايضا فهيمنت النظرية الكينزية على مناهج تدريس الاقتصاد والاهتمام بشكل خاص بالاقتصاد الكلي في مختلف دول العالم واستمر ذلك لاكثر من اربعة عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

تكمن اهمية النظرية الكينزية بانها معالجة اقتصادية- سياسية لأزمات الدورة الاقتصادية المتكررة ومشاكل الكساد والبطالة والتضخم الناتجة عنها. وكانت قد دعت الحاجة الملحّة لهذه النظرية بعد ان تحطم الاقتصاد الغربي بالذات والعالمي عموما ابان انهيار السوق المالية وانقباض النشاط الاقتصادي عام 1929 واستمر لعدة سنوات بعد ذلك. وتوصف هذه النظرية اقتصاديا بانها معالجة "طلبية" أي انها تلتزم جانب الطلب في في السوق الاقتصادية وتستهدف تثوير الطلب الاجمالي عن طريق الانفاق الحكومي الواسع على المشاريع العامة الكبرى التي تستوجب حجما كبيرا من استخدام الموارد الاقتصادية المتوفرة وتمتص البطالة القائمة وتحرك عجلة الانتاج وما يتبع ذلك من انعاش للنشاط الاقتصادي العام مع كبح جماح معدلات التضخم والضرائب. هذه العملية ستعمل تدريجيا وفي الامد القصير والمتوسط على انتشال الاقتصاد من طوري الدورة الاقتصادية، الركود والكساد ودفعهما باتجاه طوري الشفاء والازدهار. يستلزم ذلك سن وتنفيذ سياسات مالية ونقدية مناسبة ومسؤولة وعادلة تساعد هذه العملية على اعطاء افضل نتائجها.

ان الظهير النظري لفكرة كينز الاساسية يتلخص بأن الطلب الاجمالي Aggregate Demand هو القوة المحركة لماكنة الاقتصاد والذي يساوي حسابيا مجموع الانفاق في الحقول الثلاثة، المستهلك والشركات والحكومة، اضافة الى الصافي من التجارة الخارجية (الصادرات ناقص الواردات). وان ديناميكية هذه الماكنة الاقتصادية تقوم على ثلاثة ركائز هي:

- ان الطلب الاجمالي يتأثر مباشرة بالتغييرات التي تطرأ على مكوناته والتي بحكم طبيعتها التكاملية قد تشترك فيما بينها بصفة تعويضية . فمثلا اذا انخفض انفاق المستهلك لسبب ما ستسري العدوى الى انفاق الشركات واستثماراتها وينتج عن ذلك تخفيض الانتاج والدخول والاستهلاك ويتفاقم التأثير بحلقة مفرغة. ولذا فان الحكومة تستطيع في هذه الحالة ان تزيد من انفاقها كعنصر مكمّل من اجل كبح التسارع الى النكوص وانقاذ الموقف.

- ان الاسعار، وخاصة اسعار العمل (الاجور) تتجاوب ببطء لتغيرات العرض والطلب. وقد ينتج عن ذلك أما فائضا او عجزا في كمية العمل المتوفرة.

- ان تغيرات الطلب الاجمالي بنوعيها المتوقع وغير المتوقع لها تأثير بالغ وقصير المدى على حجم الانتاج والاستخدام وليس على الاسعار. وهذا مايدعم فكرة زيادة الانفاق في حقل الحكومة التي ستزيد الانتاج والاستخدام وقد لاتدفع معدلات التضخم الى الصعود.

بسبب ترسخ فكر الاقتصاد الكلاسيكي والنيوكلاسيكي قرابة قرنين قبل كينز، لم يكن سهلا على الاطلاق تقبل ما طرحه كينز بشجاعة وثبات، فكانت افكاره قد جوبهت، خاصة في الحقل الاكاديمي ، باستغراب واستهجان ومعارضة وتسفيه، الا ان ثمرة تطبيقها بعد ازمة الكساد وبعد الحرب العالمية الثانية شذبت الافكار وارخت التعصب فاصبحت تدريجيا هي السياسة الاقتصادية قيد التنفيذ والواعدة بالنجاح، فتغير تبعا لذلك النجاح اتجاه الكثير من الاقتصاديين. ولذا فخلال الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي انبرى لفيف من ألمع الاقتصاديين لشرح وتوسيع الفكرة الكينزية وصياغتها رياضيا وتطعيمها مع طروحات الاقتصاد النيوكلاسيكي القائمة، خاصة بعد ظهور الاقتصاد القياسي والرياضي، مما انتج مزيجا فكريا رصينا سمي بـالنيوكينزية الذي اصبح التيار المهيمن على مناهج تدريس الاقتصاد، فتصاعدت اهميته في تحليل مشكلات الاقتصاد الكلي واستمرت كمنهج رسمي الى يومنا هذا. من اولئك الاقتصاديين الذين نهضوا بهذه المهمة نذكر هكس وسامولسن ومودليالني وتوبن وسولو وبلايندر وشلتز و أوكون.

لكن فترة الفكر الكينزي الذهبية لم تستمر الى الابد. فكغيرها من موجات الفكر والنظريات، تعرضت الافكار الكينزية للانتقادات وبدأ بريقها يخبو منذ سبعينيات القرن الماضي، خاصة بعد ظهور المدرسة النقدية وبروز اقتصاديين معارضين جدد كهايك وفريدمن وقسم من اقتصاديي المدرسة النمساوية ومدرسة شيكاغو وجماعة الليبرالية الجديدة الذين يعارضون بحماس وتعصب أي تدخل للدولة مهما كان سببه ومهما كانت نتائجه. في عام 1968 نشر ملتن فريدمن مقالا نسف فيه وعد الكينزية بامتصاص البطالة وكبح التضخم نتيجة لزيادة الانفاق وقال ان البطالة والتضخم قد يرتفعا معا! كما هاجم الاساس النظري لمنحنى فيليبس القائم على العلاقة العكسية بين البطالة والتضخم وقال ان لا اساس له في الواقع العملي. ومما اعطى فريدمن مصداقية كبيرة آنذاك هو بروز ظاهرة الركود التضخمي Stagflation وكذلك نشوب أزمة النفط عام 1973. اضف الى ذلك نشاط فريدمن الشعبي في التحدث ضد الكينزية عبر وسائل الاعلام، في عموده الصحفي وحديثه الاذاعي وبرامج التلفزيون المحتفية به. وقد انظم الى هذا الاتجاه المعاكس اقتصاديون كبار منهم روبرت لوكاس الذي صرح يوما بأن الكينزية الآن تعتبر شتماً لمن يوصف بها من الاقتصاديين. وكانت تلك الموجة المعارضة فعالة عمليا بحكم قربها من حكومات المحافظين في بريطانيا وامريكا. ففي عام 1979 تخلت حكومة مارگريت ثاچر في لندن، رسميا ومنذ تنصيبها، عن المنهج الكينزي في سياساتها الاقتصادية بسبب تبنيها لفكر الليبرالية الجديدة وقربها من جماعة مونت پلرن Mont Pelrinوبالذات فريدريك هايك كما سبق ذكره. وفي أمريكا نهجت حكومة رونالد ريگن نفس المنهج حتى انها رفضت رفع الضرائب لتمويل حرب فيتنام، خلافا للتوصيات الكينزية كما اسلفنا.

لكن الحاجة للكينزية لم تنته مهما ازدادت التنظيرات والتفسيرات طالما مازلنا نعيش في أسر الدورات الاقتصادية والمصير الذي ينتظرنا منها. في عام 1984 رفض البنك الاحتياطي الامريكي السياسة النقدية المقترحة من قبل فريدمن وعاد ليستخدم مايراه مناسبا من السياسات الكينزية. كما شعرت الكثير من الحكومات ان بامكانها ان تستخدم خليطا من السياسات التي تراها مناسبة. وهكذا استمر الحال الى ان نشبت ازمة الركود الاقتصادي لعام 2007-2008 التي اعادت الى الاذهان من جديد ان لامفر من تقلبات النشاط الاقتصادي تحت ظل اقتصاد السوق ولا مفر من اللجوء الى الحلول الكينزية لانتشال الاقتصاد من درك الكساد ومايجلبه من مصاعب مالية لاتنجو منها حتى طبقات الموسرين والمرفهين. لكنها تسحق السواد الاعظم من الناس. وهكذا فقد كثرت انتقادات النظرية النقدية البديلة وبدأ عدد من الاقتصاديين يشيرون بانها لاتصلح لحل الازمات الكبرى كما ادعى منظرها الاول فريدمن بأن سياسة نقدية رشيدة قائمة بشكل اساسي على تقنين عرض النقود في الاقتصاد والسيطرة على سعر الفائدة ستكون قادرة على تخفيف حدة الازمات الجديدة حين تضرب السوق المالية كما يحدث عادة ، وستكون خلافا للكينزية لكونها قادرة حتى على حل مشكلة الركود التضخمي التي انتشرت خلال عقد السبعينات في عدة بلدان اوربية صناعية عانت من نمو اقتصادي بطئ زاحف مع جموح تضخمي، ولم تنفع معها كل اجراءات الكينزيين.

وهكذا فخلال أزمة 2007-2008 انبرى لفيف من الاقتصاديين الامريكيين اللامعين لاعادة الحياة الى المنهج الكينزي ومنهم پول كرگمن وجوزيف ستگلتز، الحائزان على جائزة نوبل وروبرت رايش وزير العمل السابق في حكومة كلنتن والاستاذ في جامعة كاليفورنيا-بركلي. وفعلا بدأت حكومة أوباما في أمريكا وحكومة گوردن براون في بريطانيا باتخاذ سياسة الحوافز المالية الكبرى Fiscal Stimulus وصفقات انقاذ الشركات الكبيرة المؤثرة Bailout التي كادت ان تكون على حافة الافلاس والاغلاق. بل ذهب بعض الاقتصاديين الى التصريح بأن هذه السياسات ليست فقط ضرورية بل ينبغي تبنيها على اوسع نطاق ممكن لضمان نجاح نتائجها وحصاد ثمارها ذلك انها تبدو اصغر مما يتناسب مع توصيات كينز الاصلية من اجل انقاذ الاقتصاد العالمي ككل واعادة الثقة في عمل السوق. وسارعت بلدان اخرى لاتباع نفس سياسة الحوافز والانقاذ كالهند التي تضررت كثيرا من هذه الازمة والتي دعا رئيس وزرائها آنذاك الاقتصادي مانموهان سنگ بثقة وقوة الى ان الدولة وحدها هي القادرة على انهاء الازمة.

وطبيعي ان يختلف الاقتصاديون وكذلك السياسيون فيما بينهم، ليس فقط على ضرورة وجدوى الاجراءات الكينزية، انما ايضا على تفاصيل تنفيذ الاجراءات، خاصة حول حجم الحوافز واوليات تطبيقها واي المفاصل في الجسم الاقتصادي اكثر استجابة وفعالية لعملها. فعلى سبيل المثال حول اختلاف الاقتصاديين الكبار فيما بينهم، يشكك روبرت لوكاس الحائز على جائزة نوبل بحصافة الاساس النظري لفكرة الحوافز والانقاذ فيما يذهب روبرت پيرو وگاري بَكَر الحائزان ايضا على جائزتي نوبل الى ان النتائج التطبيقية لاتوثق فعالية وفائدة هذه السياسات مثلما يروج لها مريديها. ومن بين السياسيين تصرح أنجلا مركل المستشارة الالمانية بتوجسها وقلقها حول احتمالات التضخم التي قد تنشأ في الامد المتوسط جراء هذه السياسات مما يخلق مشاكل اضافية، ويشاطرها في هذا القلق البنك المركزي الاوربي. ولیس اکثر برهانا من حاجتنا الى الكينزية مايجري اليوم حيث تضطلع الحكومات في انحاء العالم بتنفيذ اكبر برامج الحوافز والانقاذ من اجل العودة للحياة الطبيعية التي سرقتها جائحة كورونا التي لم تبق ركنا من هذا العالم الا وعاثت فيه خرابا. ولا اعتقد ان احدا سيراهن بعد الان على مقدرة العودة الى النشاط الاقتصادي الذي اعتدنا عليه قبل عام 2019 من دون تدخل الحكومات وقيادتها في حل المعضلة الصحية الاقتصادية وهي اكبر معضلة واجهتها البشرية لحد الآن.

كان كينز يتمتع بحياة هادئة مليئة بالعمل والمتعة. كان يؤمن بأن ساعات العمل المثمر ينبغي ان تكون اقصر من ساعات الفراغ والمتعة التي يوفرها العمل، وانه يعتبر جمع المال لذاته مرض خطير حيث ان ليس للمال اي حاجة سوى لتوفير المتعة. كان رجلا ودودا وله علاقات طيبة مع الجميع. كما ان علاقاته باصدقائه امتدت لسنين منذ ان زاملهم ايام الكلية في جمعياتهم الخاصة وانديتهم ومنهم المرأة التي تزوجها والمشاهير الذين كان يلتقي بهم غالبا كالروائية فرجينيا وولف والشاعر تي أس إليوت والفيلسوف برتراند رسل والناقد كلايف بيل والفنان دنكن گرانت، وجميعهم كانوا زملاء في جمعية بلومسبري في كمبرج. كان مهتما بالفنون وخاصة المسرح والموسيقى وقد قدم الدعم الكبير للمؤسسات الفنية كالمسرح البريطاني والاوبرا الملكية والباليه. وكان عضوا مؤسسا لمجلس الفنون البريطاني واصبح رئيسا له في آخر سنة من حياته.

في السنة التالية لنشر النظرية العامة ، اي عام 1937 تعرض كينز وهو في الرابعة والخمسين الى نوبة قلبية عزلته عن نشاطه المعتاد لمدة سنتين. ثم تعرض الى نوبة اخرى اثناء مفاوضاته حول القرض الامريكي لبريطانيا بعد الحرب عام 1946. كان ذلك في مدينة سفانا في ولاية جورجيا الامريكية. تلت ذلك نوبات اخرى عند عودته الى لندن ومنها النوبة الاخيرة التي توفى على اثرها بعد عودته من امريكا بأسابيع عام 1946 وهو بعمر 62 عاما.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

محمود محمد عليإن الموت "مصيبة" كما جاء في الكتاب الذي لا مرية فيه، ولكنني في الغالب لا أفقد تماسكي عندما ينعى إليّ من لي بهم صلة قربى أو صلة صداقة، لا لبرودة في مشاعري، ولا لتخشب في طبعي، ولكن لأن المؤمن – وحمدا لله على نعمة الإيمان- مهيأ نفسيا لتلقي مثل هذا الأخبار بـ" دواء الصبر" .. فالحياة حقيقة، والموت حقيقة، والبعث حقيقة، والحساب حقيقة، والإيمان العميق يدعم الثقة في كل ذلك، ويقدم العزاء للمصدومين، ويدعم صبر الصابرين، ولكن تبقي مرارة الفراق ألماً ممضاً يعتصر الفؤاد، فما أصعب أن يتحول الواقع إلي ذكري .

نعم لقد قد غيب الموت الأستاذ الدكتور محمد رجائى الطحلاوى الأستاذ المتفرغ بقسم هندسة التعدين والفلزات كلية الهندسة، رئيس جامعة أسيوط الأسبق وأحد مؤسسيها، ومحافظ أسيوط الأسبق، وذلك يوم السبت الماضي الأول من مايو 2021م، وبوفاته العالم الجليل رحلت عنا قامة علمية مرموقة وقيمة إنسانية وفكرية فريدة أثرت فى صعيد مصر وساهمت فى بنائه وكان له مكانة غالية فى نفوس المجتمع الجامعي على اختلاف أجياله،،، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم أسرته وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

رحل الطحلاوي في صمت وهو من هو .. لقد ملئ الأرض علما وبلغت شهرته الآفاق، وتنوعت جهوده العلمية بين الكتابة في تخصصه في التعدين والفلزات وبين كتابته عن الأعلام والشوامخ من مفكري وعلماء وفناني صعيد مصر؛ علاوة علي تبنيه التجربة الصوفية وكتاباته الرائعة عن أبي الحسن الشاذلي والرفاعي وغيرهما من رواد الطرق الصوفية في مصرنا الحبيبة.

كان رجائي الطحلاوي الحارس علي طلب العلم الجاد الأصيل، وتعددت دراساته العلمية والأدبية، واتسعت اسهاماته لتضيف إلي المكتبة العربية والإسلامية منجزاً فكرياً ستظل الأجيال تتوارثه جيلاً بعد جيل، فما أجمل أن يهب الإنسان حياته للعلم، حتي إذا رحل ظلت أعماله ترسخ فهما، أو تصحح خطأ، أو تزيل لبساً .

كان منزل الطحلاوي بجامعة أسيوط مقصداً لكل المثقفين والمريدين وطلاب العلم علي اختلاف توجهاتهم، يلقي الجميع بابتسامة بشوشة، وسرعان ما يقوم علي خدمتهم بنفسه، كان الرجل التسعيني يقوم فيعد لضيوفه الطعام والشراب في حفاوة بالغة تعيد إلي الأذهان سيرة العلماء الأوائل في تواضعهم، كم كان قلبه ناصع البياض لا يعرف الحد والمداراة.

وقد حظى الدكتور الطحلاوي بتاريخ علمى مشرف، ورحلة عمل، وعطاء زاخرة، والتى بدأت بتعيينه معيداً بكلية الهندسة عام 1959، ثم تدرج فى السلم الأكاديمي حتى تعيينه أستاذاً بقسم هندسة التعدين والفلزات، كلية الهندسة عام 1974، كما إنه تقلد عدد من المناصب القيادية الهامة والبارزة داخل وخارج الجامعة والتى بدأت بتعيينه وكيلاً لكلية الهندسة لشئون التعليم والطلاب في الفترة من سبتمبر 1979 إلى اغسطس 1983، ثم عميداً لكلية الهندسة في الفترة من أغسطس 1983 ولمدة سبعة سنوات كاملة، تقلد بعدها منصبه فى الإدارة العليا للجامعة والتى بدأت كنائباً لرئيس الجامعة لمدة عام واحد فقط، ثم تولى سيادته بعدها منصبه كرئيس لجامعة اسيوط طوال الفترة الممتدة من أغسطس 1991 إلى يناير 1996، أعقبه منصب الفقيد كمحافظ أسيوط من يناير 1996 إلى أكتوبر 1999.

لقد كان الراحل الكريم طاقة فكرية وخلقية لا تنضب، وكان ملهما لكل من يتعامل معه، ودافعاً للجميع علي الثقة بالنفس والامكانيات والقدرات الشخصية، وما من أحد اقترب من الدكتور الطحلاوي إلا وقد تأثر بصفاته الخلقية الرفيعة والنادرة، النابعة من رؤيته الصوفية القيمية المعتدلة للحياة، فنجد فيه نشاط وحيوية المؤمن برسالته، وهدوء وصمت المفكر ن ونجد فيه تواضع العالم، وصبر الباحث، والصدق مع النفس ومع الآخرين، ونجد فيه عطاء بغير حدود، فلم يبخل يوما علي تلاميذه ومريديه بنصيحة أو تشجيع أو توجيه لأي باحث أو مريد لجأ إليه.

كان - رحمه الله- واسع الأفق، ثاقب النظر، حاضر الذهن، سريع البديهة، كان بليغاً رقيقا حليما متواضعاً قوالاً بالحق عاملاً به، لا يخاف في الله لومة لائم، كان رقيق القلب لكل ذي قربي، كان معلماً ومرشداً وناصحاً، وكان ذا همه عالية.

كان الدكتور الطحلاوي قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

كما جمع الطحلاوي بين الأفق الفلسفي الواسع، والرؤية العلمية المحددة، والبعد الديني وهنا يتضح عدم تعصبه لمذهب بعينه من المذاهب الفلسفية المعاصرة، فلم يكن وضعياً ولا برجماتياً ولا وجودياً، ولا متمذهبا بأي حال من الأحوال فموضوعتيه غلبت عليه في كل أحكامه، وأراءه وعندما يوجه سهام نقده لأى من هذه المذاهب فهو لا ينكرها أو يريد هدمها أو نقضها، إنما يطالب بإعادة النظر إليها لاشتمالها علي نقائض وعيوب، كما يهتم بصياغة المصطلح صياغة فلسفية، وعلمية دقيقة ويظهر التفرقة الواضحة بين الصياغتين.

أضف إلي ذلك حبه العميق للغة العربية، فقد كان عاشقاً لها، غيوراً عليها، حظياً بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبه في كتاباته؛ حيث كان أسلوبه جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع.

رحم الله الدكتور الطحلاوي، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

سليم الحسنيرجل يمشي على بيّنة من أمره. مسك بيديه الاستقامة والأخلاق والنزاهة، وسار يواجه الحياة في مجالات العمل الرسالي والإداري، فكانت خطواته نجاحات متلاحقة.

يستند الدكتور إحسان الأمين الى تاريخ لامع على مستوى النشأة والأسرة والانتماء والعمل. وقد كان نتاجاً أميناً على هذه المنظومة المشرقة، حافظ على سمعتها وماضيها ومكانتها، بل زاد عليها من استقامته وعطاءاته لمسات اضافية.

في عام ١٩٨٢، قدِم الحاج إحسان الأمين/ أبو كوثر من الكويت الى طهران، وكانت أبرز نشاطات حزب الدعوة في موقعين أساسيين: العمل الجهادي، والعمل الإعلامي. فدخل في الحقل الإعلامي الى جانب مسؤوليات تنظيمية تم تكليفه بها.

كانت مشاكل العمل الإعلامي في تلك الفترة صعبة، فظروف الهجرة وصعوبات الحياة وصخب الساحة السياسية تجتمع مع بعضها لتتحول الى هموم ضاغطة على العاملين وهم في فترة الشباب المتدفق والمشاعر الثورية الحارة.

مع وجود الحاج أبو كوثر تسرّبت نسمات رطبة ندية على أجواء العمل، شعر بها العاملون في كل الأقسام وبمختلف درجاتهم في المسؤولية. وفي غضون أسابيع صار هو الشخص الأكثر (هيمنة) على كل العمل الإعلامي، رغم كونه لم يكن الأكبر سناً. كانت (هيمنة) من طراز خاص، من النوع الذي تجعلك تبحث عنها وتريدها لترتاح في جو العمل، إنها خيمة أمان على نشاط العمل وقوته، وتشعر فيها بأن المشاكل في طريقها الى الحل السريع.

بأخلاقه الرفيعه، وأدبه الجم، وتواضعه الصادق، وحرصه الكبير، نشر الحاج أبو كوثر طيبته على الجميع، وضخ من روحه عناصر القوة والإبداع، فكانت مشاريع حزب الدعوة في المجالات الإعلامية في تصاعد، وصار إعلام الحزب هو الأول في ساحات المهجر.

كنتُ وقتها رئيس تحرير مجلة الجهاد للبحوث للدراسات، وكان هو قد تولى مسؤولية إدارة المجمّع الإعلامي للحزب بكل مكاتبه ونشاطاته، فنشأت بيننا علاقة من العمل والصداقة والانسجام بحيث كنتُ أشعر معه بأن أي عمل يمكن انجازه ما دام الحاج أبو كوثر على قمة المسؤولية الإدارية.

يمتلك الدكتور إحسان عبد الأمير الأمين/ أبو كوثر اسلوباً خاصاً، فهو لا يمارس إدارته على الطريقة التقليدية في ضبط شؤون العمل ووتيرته، إنما يقبله أولاً بعقله، ثم يصهره بروحه، وبعد ذلك يحوّله الى حركة، وهذا ما كان يجعل المسؤوليات التي يتصدى لها تنجح وتتطور بسرعة ملحوظة.

تعرّض إعلام الحزب الى فترة من التراجع، بعد أن وقع الاختيار عليه ليدير مؤسسة دار التوحيد، فقد كانت تعاني من تراجع في ادائها، وهي مؤسسة واسعة ضخمة لها نشاطاتها الإسلامية على مساحة واسعة من خارطة العالم.

في فترة التراجع التي شهدها إعلام الحزب، تم عقد اجتماع لمناقشة هذا الخلل، وحضره من أعضاء القيادة المرحوم الأستاذ صالح الأديب والمرحوم الأستاذ عبود مزهر الراضي والأستاذ علي الأديب. وحين جاء دوري في الكلام، طرحت تقييمي بأن مشكلة التراجع في الإعلام سببها غياب الحاج أبو كوثر، وانتقاله الى مؤسسة دار التوحيد، وأن الحل لن يكون بتخصيص جزء من وقته للعمل الإعلامي الحزبي، لأن الجزء الآخر سيبقى غائباً وهو حضوره الميداني بروحه وأخلاقه وقدرته الفذة على استيعاب المشاكل.

وأتذكر أن المرحوم صالح الأديب وهو أحد مؤسسي حزب الدعوة، قال: صحيح ان دار التوحيد ليست من نشاطات حزب الدعوة، لكنها مؤسسة إسلامية رائدة في مجالها، وتقدم خدمات فكرية ضخمة في دول كثيرة، وليس من منهج حزب الدعوة أن تُحرم من كفاءة الحاج أبو كوثر، ليستفيد الحزب منه.

والى جانب ذلك كان أعضاء هيئة دار التوحيد يتمسكون به بأيديهم وأسنانهم بعد أن وجدوا النجاح الذي حققه، وكان المرحوم الوجيه الكبير كاظم عبد الحسين يبذل جهوده مع العلامة الكبير المرحوم الشيخ محمد مهدي الآصفي لكي يبقى الحاج أبو كوثر مديراً لدار التوحيد. وكان رحمه الله يقول: (لو كان لدى الشيعة عشرة أشخاص مثل الحاج أبو كوثر لكانت منجزات الشيعة التبليغية مشهودة في بلدان كثيرة).

بعد ما يقرب من عام أي في حدود سنة ١٩٨٤ تم تكليفي رئيساً لتحرير جريدة الجهاد الناطقة بلسان الحزب، خلفاً لرئيس تحريرها الصديق الأستاذ (حسن السعيد/ أبو أحمد)، وقد تناوبنا على ذلك عدة مرات. وقد تولى الحاج أبو كوثر مسؤولية الاشراف، مع بقائه مديراً لمؤسسة دار التوحيد التي تغير اسمها الى مؤسسة البلاغ.

بعد عام ١٩٩٠ وحتى خروجي من إيران، كنت قد انهيت علاقتي مع جريدة الجهاد ومع العمل الحزبي، وأنصرفت لأعمالي الإعلامية والكتابية المستقلة، وفي تلك الفترة صرت أقرب الى الحاج أبو كوثر، لقد ربطتنا الأفكار والتوجهات والمشاريع الثقافية المختلفة، وكان لقاؤنا يجري أكثر من مرة في الأسبوع في مؤسسة البلاغ، حيث أشعر وأنا ادخل المبنى بنسمات طيبة ندية تغطي المكان وترتسم على وجوه العاملين مثابرة وجهداً وتفاعلاً.

لم يتغير الدكتور احسان الأمين بعد سقوط النظام، فهو ليس مثل الآخرين، إنه المتشبع بالأصالة واستقامة الشخصية وشموخ القامة، تولى رئاسة دار الحكمة في بغداد وهو منصب أقل بكثير من كفاءته ونزاهته ولياقاته، لكنه العراق الذي تسوده أجواء لافحة تكره النسمة، وتسيطر عليها حسابات خاصة تمقت النزاهة والإخلاص.

أخي العزيز الدكتور أبو كوثر، تحية اليك خالصة وأرجو أن تكون في خير وعافية. كبير أنت والقلب منك قريب.

 

سليم الحسني

 

عبد الخالق الفلاحلقد ذكرت في بداية الشروع بالكتابة حول موضوع تاريخ باب الشيخ ان اي موضوع يكمن في اهمية البحث في الاحداث التي يراد الحديث عنها وظواهر تطور الحدث واحترام الاسس اثناء الكتابة وبلا شك لايمكن تجاوزها من كون هذه المنطقة بغدادية بامتياز وهناك الكثير من الاحداث التي كانت تحدث بعيداً عن ارادة المحبة التي كانت تسود المنطقة وخاصة عندما تكون أطراف الطيف المتنوع تعبر عن الهوية الحقيقية الكاملة التي تجري فهمها من خلال تجلي الافكار وعدم تجاوز الجوهر لانها كانت مركزاً دينياً واجتماعياً وسياسياً وسطاً مهم في بغداد لاهمية احترام الدين وربطهم ببساطة العيش المشترك والتنوع الديني والمذهبي والقومي وبقيت تحافظ على سماتها وتتكاتف في المواقف في أوقات تتطلب حفظ العلاقة وقوة الترابط للصلات الشخصية بحب الجوار والصداقة والمصاهرة والتآزر الاجتماعي والتسامح وصهرهم بمعالم تميز الشخصية بصدق المعاملة فيما بين ومعالحة الازمات الطارئة عبر التاريخ والجغرافية ووضع الحلول لعبورها وتبلور سجل شبابهم بالمحافظة على وجودهم من الضياع والاندثار والاضمحلال وفقد في مراحل معينة الشباب النصب لصالح الاهتمام الفردي والوقوع تحت تأثير الايديولوجيات المختلفة السلبية وفقدت العلاقة بريقها للظروف السياسية والأطماع الشخصية، او من جانب آخر دفعتهم المطالبات المحقة للدفاع عن القيم على ان تكون الحالة الأخلاقية سيدة الموقف اياً كانت الاختلافات والاراء السياسية ودون ان تكون ميزة للتنافس الجسدي السلبي والمحافظة على الحرية في الساحة السياسية المرتبطة بالمسؤولية لكي لاتفسد الذائقة والانحدار الى السقوط والانقضاء على كل من ليس معه واسدو خدمات للفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار وزرع الخوف في نفوس الآخرين .

لقد امتاز العمل السياسي في العراق في أوقات كثيرة بالعنف لاعتماد الخصوم السياسيين التصفيات الجسدية المتقابلة على مدى التاريخ وانعكس على تصرفات الشواذ من المتطفلين على السياسة والعراقيون أكثرهم تجنبوا الاقتراب من السياسة خوفا على حياتهم من موجات العنف، وكان شعارهم دائما "ظل السلطان قصير"ومن هناك لقد مر العراق قبل الانقلاب شباط عام 1963 المشؤوم بفترة صراعات سياسية محتدم بين القوى اليسارية (الديمقراطية) المدافعة عن الجمهورية الفتية وبين قوى يمينية متمثلة بحزب البعث الذين ركبوا قطار بريطانيا وامريكا،.حيث استخدمت أساليب متنوعة من جميع الأطراف ضد بعضهم البعض من عمليات الاغتيال الى الضرب الى الشتم والكتابة على الجدران واتسمت الصراعات فيما بينهم بالشدة وذلك بالاستفادة من بعض العناصر التي كانت تتسم بالشرور والعربدة أو كما كنا نسميهم (الاشقيائية) يعتدون على الناس علنا وعلى رجال الأمن واتحدث لكم عن حادث تم تداوله وسمعته كثيرة من ان عجلة عسكري كان يجلس في مقدمتها رئيس عرفاء بشوارب غليظة كانت مارة بشارع الكيلاني فتم إيقاف العجلة و انزال رئيس العرفاء من العجلة وتم حلق شواربه على اعتباره من الشيوعيين " حيث كان لهم نفوذ كبير جداً في القطاعات العمالية، والفلاحية، والكسبة، والطلبة، وحتى في صفوف الجيش بدءاً من بعض قياداته المتقدمة، وانتهاءً بالمراتب الدنيا، والجنود المكلفين. بل تمددت تنظيماته الحزبية بشكل أفقي في كافة أرجاء البلاد، حتى بين فتيات وفتيان العوائل المحافظة في المدن الدينية أيضاً، كالنجف، وكربلاء، والكاظمية، والاعظمية." وكذلك الجامعات على الطلاب الوطنيين وهناك عمليات اغتيالات مثل حادثة مقتل ابو الهوب قبل الانقلاب او ابن بهية السودة بعد الانقلاب الذي دارت رحى معركة تبادل اطلاق رصاص على دارهم ارعبت سكان العزة وشارع الشيخ عمر. وهم يردون على افراد الحرس القومي بكل جرأة واقدام . الا ان القوة المحاصرة عززت بدبابة وانذرت أنها ستقتحم البيت . فطلبت من شقيقها الاستسلام أملا بأنقاذ الموقف ثم اقتادته القوة المهاجمة جبار بن بهية السوده الى مركز شرطة الفضل الذي كان مقراً للتعذيب والقتل والاعتقال وحقق معه المجرم ناظم كزار ومن ثم تم قتله وكذلك تم تكديس السلاح عن طريق العشائر الحدودية مثل عشيرة شمرعن طريق الشيخ عجيل الياور من سوريا او بواسطه شيوخ عشائر العزة منهم المحامي فيصل حبيب الخيزران ،لضرب الثورة وبالمقابل ينقل احد الاخوة من الكتاب أنه كان احدهم ماشياً في شارع الكفاح وسط بغداد و تفاجأ بهجوم مباغت من لص ليخطف ساعته من معصمه...مما جعلت سرعة بديهته يصرخ: اكمشوه عفلقي ! فتراكض الناس على السارق وحاصروه فوقف النشّال مصعوقا و رافعا يديه وماسكا الساعة المسروقة في يده وهو يتوسل بالجمهور ويقول، والله اني مو عفلقي... دخيلكم ... آني نشّال".او الاحداث التي جرت في الموصل من قتل وسحل بعد فشل مؤامرة الشواف . لقد اتسمت قيادة حزب البعث التي نفذت انقلاب شباط 1963 بالشبابية الطائشة وما أعقبتها حملة تصفيات واعتقالات وتعذيب دموية في الشوارع وأمام الأعين لترهيب الجماهير الغاضبة و شملت المئات من أبناء المنطقة التي كانت من سماتها التعاطف مع البعض وكان أغلبهم من الطبقات الفقيرة الذين اعتبرهم التحالف القومي البعثي آنذاك عدوا سياسيا مريرا لتطلعات ما وصفوها بالأمة العربية،الى الحد الذي وصفها ميشيل عفلق (المؤسس) تصرفاتهم بالقول “بعد 8 شباط، بدأت أشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الامور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد وشعب”. وكان الحرس القومي الذي أراد الحزب أن يكون قوة تأثير وضبط عقائدي لانقلابهم الاسود ولكن صار هو الجزء الأساسي في سلوك الطيش والاعتداء وتأجيج والفوضى.

لقد انتقم البعثيون أشد انتقام من شعبنا الذي أبغضهم ورفضهم في اللحظات الأولى انقلابهم الدموي في 1963 بعد سيطرتهم على زمام الامور و السلطة وقد تمثل انتقامهم بحمامات دم شملت مدن وقرى وقصبات العراق كلها وخاصة منطقة باب الشيخ وتمثلت بالمنطقة المحصورة من محلة عقد الاكراد التي هي جزء من المنطقة والذين أبلوا بلاءاً حسناً في المقاومة ضد الانقلابيون رغم قلة الامكانيات التي لم تتعدى عدد بسيط من البنادق القديمة وظلت المقاومة لمدة ثلاثة أيام وانتهت بعد ان نفد ما لديهم من العتاد .يتبع

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

عبد الخالق الفلاحباب الشيخ المحلة الرائعة بكل مشارب وأجناس وألوان سكانها كانت بيوتها صغيرة المساحة في البناء تضم القلوب النظيفة القانعة بما اقسم الله  لها من رزق وحياة وصفاء الذهن ومتعايشة على لقمة الخبز المشتركة حتى بعض بيوت الشخصيات واصحاب الدخل الجيد تشاركهم في احياناً كثير معاناتهم، والمحلة كانت زاخرة بالبيوت الصغيرة المساحة  وتحتوي على طابق واحد أو طابقين وتسكن فيها اما عائلة واحد أو عائلتين او اكثر  حسب المساحة وهناك بعض البيوت الكبيرة هي في الاساس كانت اسطبلات للدواب سابقاً تم استغلالت للسكن باعداد كبيرة وذلك لقلة دخولهم اليومية واجورها البسيطة و متلاصقة الغرف جداً بحيث يمكنك سماع ما يتحدث به أهالي الغرفة المجاوراذا تم الحديث بصوت عالي، وينام اكثر افراد المحلة في الصيف على السطوح وينشرون الرقي على الجدران لعدم وجود وسائل التبريد ويجتمعون لأكله بعد التلطف بالبرودة، والتهوية في الازمان الماضية كانت تعتمد على المهفات اليدوية  فتسمع أحاديث الجيران ويسودها فقرعام ماعدا وجود قلة قليلة من المتمكنين في المحلة وهم بيوتات معروفة، فالحياة اليومية لمعظم أهل المحلة لا تتجاوز الإبكار لأداء صلاة الفجر في الحضرة الكيلانية من خلال الاعلام والتمجيد بذكر الله والنبي واله من على المأذن وباصوات مله مامي الكوردي والمله خالد الشيخلي او المله عبد الستار الطيار والاخرين ثم الإفطار والذهاب للعمل في الأسواق القريبة جداً من بيوتهم ويذهبون إليها سيراً على الأقدام على الاكثر، و ما اعظم صلاتهم الاجتماعية القوية البديعة وهم يعيشون في أحضانها الدافئة، بحنان تحرص عليهم من كل شر وسوء وقد أنجبت هذه المنطقة الودودة شخصيات بارزة يشار إليهم بالفخر والاعتزاز والبنان من كبار قادة الجيش والشرطة، وقد تركوا بصمات سيظل يشهد لها التاريخ  بعد أن تبؤوا مراكز كبيرة ومهمة في سلم ووظائف الدولة والحكومة وقيادة الحركات الوطنية مثل المناضل عزيز الحاج حيدر سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وكذلك في مجالات السياسة والأدب والقانون والثقافة والشعر وكافة الفنون الاخرى لعلنا اذا سمحت ظروف العمر والتوفيق الالهي سوف نكتب عنهم وهناك من ظهر و اشتهربالفلك وقراء الكف ولقب " بالنبي "والذي أصبح موضع جدل العلماء ومفكري الإسلام بين أنصاره وخصومه ومثار افتتان للشعوب في كل زمان ومكان مثل المدعوعبد الستار إبراهيم الشيخلي (ولادة محلة باب الشيخ ببغداد سنة 1913، تاريخ ومكان الوفاة غير معلوم) و"علم" الفراسة، بكنيته "أبو باسل"، خدم في السلك العسكري إلى أن تم تسريحه سنة 1946، إلى درجة أن هناك من قال فيه "أنك أشهر من أن يعرّف في سطور لقد مارست علم الكف وقراءة الوجه فكنت خير من مارسها في عصره وأطلق بعضهم عليه "نبي العراق" لنبوغه في مهنته وقد روج الى نفسه بعد استحصاله على دبلوم في"الفراسة والكف" سنة 1959، وذلك بالمراسلة من مدرسة العلوم النفسية والروحية، التابعة لمدارس المراسلات المصرية، ولديه كتابا بعنوان "علم الكف والفراسة الحديث" يقع في حوالي 300 صفحة. صدر أولا سنة 1949… حقا ان هذه المنطقة تميزت بالقدسية والاحترام ومدرسة كبيرة رائعة تعلمت منها اجيال متعاقبة معنى الحب وقيم الحياة، وحب واحترام الجيرة ومد يد المساعدة والتكافل بين الأخ وأخيه والجار لجاره وهذه الممارست قد شاهدنها بعيوننا ولمسنها بايدينا، دون النظر إلى الدين أو القومية أو المذهب أو الطائفة أو اللون.. أو هكذا علمتنا وربتنا هذه المحلة البارة العظيمة التي كانت تضم تحت جناحيها محلات وتوابع، ولكن مع الأسف الشديد إن معظم هذه المحلات قد هدمت وأزيلت معالمها ورحل وهاجر سكان باب الشيخ بعد ان كانت تتكون من، مسجد الحضرة الكيلانية والمدرسة الدينية في الوسط (وضعه الحالي خضع إلى توسعة وتطوير، أضاف الكثير إلى معالمه، فقد قامت الحكومة باستملاك العديد من الدور المحيطة بالحضرة، وأضافت مساحتها إلى مساحة الجامع، فأصبحت المساحة الجديدة خمسة أضعاف المساحة القديمة، وتم هدم الرواق الذي كانت فيه المكتبة القادرية والمطبخ من حدود مرقد الشيخ عبد الجبار إلى المنارة الغربية قرب الباب الغربي، وتم هدم المصلى الصيفي أيضاً، وأضيف إلى بناء الجامع مبنى بطابقين يحتوي على العديد من الغرف ذات المساحة الكبيرة).. وبيوت أعيان المنطقة كالنقيب والكيلاني والكليلدار وامام الدين والجلبي والكيارة وبالقرب منه - قلغ الجندرمة - الشرطة على الجانب الغربي الملاصق لدار الوجيه الحاج احمد الاحمدي مؤسس المدرسة الفيلية والحسينية الفيلية في شارع الكفاح، وعيادة الاطباء توما الرسام وارمان كوركيس الانسانيين وسداد فرج عمارة وهو من العوائل المندائية (الصبة) ودكتور عبد الصاحب الكاظمي ومجيد المضمد وهو كوردي فيلي وزوجته القابلة المؤذونه ام ليلى وهي من اصول مسيحية والحاج احمد المجبرجي الكوردي الفيلي  و المنطقة كانت تزخر بالاسوق وتجارة الجملة والمفرد من عائلة الحاج ابراهيم سبع وجبار مجودي ومحل الطبابة العشبية المشهوربالهندي  والصناعات البسيطة، ومنطقة سكن الطبقات المادون الوسطى في تلك الدورالمتلاصقة، والطبقات المتوسطة وقلة من بيوت الأغنياء في حارات معروفة، وكانت منطقة تعم بالبساتين والنهر والسفر والخان واللوقنطة لسكنى الغرباء قبل دخول الحداثة لها، مراقد ومساجد منتشرة في أنحاء الحي والمحلة تشتهر،"بالبَقْجَّة" الملتصقة بالحضرة الكيلانية المخصصة لدفن أعيان البلد اومقبرة الشيخ الكيلاني والتي تضم رفات الكثير من العلماء الأعلام والشيخ الجليل عبد الكريم المدرس مفتي الديار العراقية الغني بالاخلاق والبساطة والعلم والتواضع ومنهم عدد من الشخصيات السياسية مثل: عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء، ورشيد عالي الكيلاني قائد انقلاب عام 1941 بالاشتراك مع الضباط الاربعة، ورئيس الحزب الوطني الديمقراطي السياسي كامل الجادرجي، وغيرهم من أفراد العوائل المعروفة في العاصمة بغداد،

ويمكن و الشيء بالشيء يذكر ان نعيد الذاكرة ببائع النبق (شجرة السدرة) المذكورة في القرأن ﴿وأثل وشيء من سدر قليل﴾ [سبأ/16 المعلق في اعالي المقبرة الذي كان يمد الخيط و يربط فيه اناء ليستلم المبلغ ثم يرسل النبق الى الرغبين من الذي كانوا يشترون هذه الفاكهة المباركة، وهناك في الجانب الشرقي من المنطقة مقبرة الغزالي  تضم رفات عامة الناس،وقد حرصت عوائل المنطقة بالاهتمام باولادهم بنين وبنات من خلال زجهم في المدارس المختلفة التي اسست في المنطقة المدارس القديمة والحديثة ومنها مدرسة عاتكة خاتون، أو المدرسة الخاتونية، والمدرسة الفيلية التي أسسها جماعة من الأكراد عام 1946،والحديثة مثل مدرسة الرصافة، وباب الشيخ والازجية والاعتماد،و شعبة التي تحولت الى 14 رمضان وابن الزبير التي تم تاسيسها في نفس مكان محطة السكك القديمة شرق بغداد عام  1966، ومن المدارس الاهلية المعروفة باسم الفيلية الاهلية وكانت ولازالت في مكانها في المحلة الواقعة امام شارع الكيلاني بتجاه محلة راس الساقية وهي لازالت شاخصة في محلها رغم معاول الهدم التي شملت اطراف المدرسة وهي ايلة للسقوط في الوقت االحالي  ويستفاد منها للسكن وكانت شعلة السنوات الطويلة التي خدمت العلم والثقافة ومع الاسف مهملة وايلة للسقوط وتقع في جانبها بيت عبد الرحمن النقيب اول رئيس للوزراء في العراق بعد تم تكليفة في عام 1921 وتخرجت من هذه المدارس عشرات الاف من الطلبة وتبوؤ مراتب ومسؤوليات في مؤسسات الدولة لخدمة العراق . ومن المؤسف ان هذه المدارس قد اختفت او تم دمجها مع مدارس اخرى بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والحروب العبثية بعد عام 1990 ولم يتم التعويض عنها والمنطقة تفتقر لها في الوقت الحاضر .الملاحظة التي يجب ان تذكر هي ان هناك باب يسمى باب الطلسم و يعرف بباب الحلبة، وهو أحد أبواب بغداد الشرقية،كانت هي احدا الابواب لبغداد القديمة و الذي تم بناؤه في عهد الخليفة العباسي المستظهر (1094-1118) وسمي بباب الحلبة لقربهِ من ميدان السباق الذي كان موضع الحلبة قبل أنشاؤه. وقد جدد الخليفة الناصر لدين الله أقساما منهُ ثم جدد باب الحلبة في عام 221هـ، وأنشأ برجا فوق الباب عرف أخيرا بباب الطلسم وهو نفس الباب الذي دخل منهُ السلطان مراد الرابع عند فتح بغداد في عام 1048هـ/ 1638م، فسمي ببرج الفتح، وبقي المبنى قائما إلى وقت دخول الأنكليز وسقوط بغداد حيث هدمه الجيش العثماني ونسفهُ عند خروجهِ من بغداد عام 1917 وهناك الشيخ عمر السهروردي في الجنوب  الغربي من المنطقة ومقبرته مشهورة وهو قريب من باب الطلسم الذي لازالت هناك أثار باقية منه وكذلك كانت هناك مقبرة لليهود تم هدمها وتعويضهم بمكان اخر حيث كان من المقرر بناء اكبر برج في الشرق الاوسط في محله ووضع الزعيم عبد الكريم قاسم الحجر الأساسي له ولكن لم يتم اكمال بنائه وبقي على ورق او تم الغائه وتم استحداث ساحة تسمى ساحة النهضة ومرأب لنقل الركاب بين المحافظات في المكان .

،ويطلق لقب " الشيخلي "على كل من يرغب من سكنها بهذا اللقب وهناك الكثير من العرب والاكراد والتركمان والهنود و الافغان والباكستانيين الذين سكنوا المنطقة وتلقبو بهذا اللقب أو كانت جذوره تعود لها وهم قلة وهناك أسر بغدادية معروفة  النسب تكنت بهذا اللقب،

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

عبد الخالق الفلاحهناك صلة وثيقة بين مستوى ارتباط الإنسان بمحيطه الاجتماعي، وبين استقامة السلوك ودرجة الفاعلية والإنتاج، لقد فقدت الروح الاجتماعية بوصلتها عند أكثر الناس لصالح الاهتمام الفردي، حيث أصبح كلّ واحدٍ من عندنا مشغولاً بنفسه، وفي بعض الأحيان حتى عن عائلته وأُسرته في الوقت الحالي نتيجة الظروف المتغيرة والسياسات الخاطئة للحكومات المختلفة التي ادارت العراق وفقدت العلاقات الاجتماعية بريقها حيث لم تعد تلك العلاقة كما كانت وباب الشيخ التي يعود تاريخها الى زمن ما قبل العهد السلجوقي (395هـ- 1133م) لم تكن بعيدة عن هذه الظاهرة المؤلمة حيث غادر اهلها الاصلاء وتوزعوا في الشتات برغبة البعض منهم او الاجبار بسبب التغييرات التي استحدثت في اواخر السبعينات وبداية الثمانينات لتوسيع ألمرقد والتي جاء اسمها من وجود الحضرة القادرية من اسمها القديم الذي اشتهرت به تاريخيا بـ(باب الازج) كما ذكرنا وتعتبر نموذجا صادقا للحياة البغدادية بتنوع سكانها وجمال طقوسهم الاجتماعية والدينية ذات النكهة العريقة والتي لاتزال تحافظ على ذلك الارث الثمين الذي هو من سمات محلات بغداد العريقة وبكل أبعادها الحضارية من معمار وممارسات اجتماعية وفنون وطقوس دينية عبر العصور. واشتهرت المنطقة بالحياكة واتت مهنة البناء بكل تفاصيلها المعقدة من المهن. واشتهرت ألمنطقة كذلك بصناعة أليزار قبل شيوع العباءة لدى النساء المسلمات والطوائف الاخرى كالنصارى واليهود بعد كانت النساء يلبسن الفوطة والجرغد والشيلة على رؤوسهن على الاشهر، وكانت تتميز بالوانها الزاهية وتطرز الفاخرة منها بالخيوط المذهبة، واشتهروا كذلك من غير الحياكة وبأتقانهم لقرائة المقام العراقي ومعرفة فنونه هذا الفن العريق ولكن اتقان المقام في باب الشيخ يرجع الى وجود الضريح الشريف في تربة المحلة والذي كانت تقام فيه الاذكار ورفع الاذان وتجويد القرآن والتمجيد والتسبيح والابتهالات ومن أشهر قراء القراَن في المنطقة عبد الستار الطيار والشيخ القلقالي وملا مهدي واحمد دبيس الشيخلي وملا مامي الكوردي وملا خالد الشيخلي والحافظ خليل اسماعيل والحافظ ابراهيم وابراهيم برم واخرون وكل ذلك جعل الكثير من رجال المحلة يتقنون اصول وفروع المقام العراقي بكل صنوفه مثل الرست ونهاوند والحجاز والبيات وسيكا والصبا والعجم والكورد، مقام النهاوند...الخ: ومن اشهر القراء الذين تواجدوا في المنطقة ومن رواد مقهى المكفوفين، مطرب المقام العراقي الشهير يوسف عمر وعباس گمبير الذي كان يعمل حارس ليلي في كراج مصلحة نقل الركاب في الشيخ عمرونجم الشيخلي وحمزة السعداوي وعبد الرحمن خضر وحسن خيوگة وتعدُ منطقة باب الشيخ من المناطق البغدادية التي اهتمت واشتهرت بهذا الفن ووكذلك المربعات البعدادية ومن اشهر قرائها، جاسم الشيخلي والحاج حامد السعدي ورشيد القندرجي ومحمد العاشق وعدنان الشيخلي ونجم الشيخلي وقدوري العيشة واخرون، ومن الفنانين الذي سكنوا المنطقة سلمان شكرا استاذ العود الشهير وياسين الشيخلي عزف الكمان والمطرب جاسم الخياط ووالمطربة مائدة نزهت ومن فناني السينما والمسرخ والتلفزيون وسالم شفي وهاني هاني واسيا كمال وجواد الشكرجي وفاطمة الربيعي واختها زهرة الربيعي وعبد الجبار عباس وراسم الجميلي واخرون ولهذا السبب فقد حظيت المنطقة بأهتمام المؤرخين والباحثين لما لها من اهمية دينية واجتماعية وتاريخية، وانجبت نخبة متميزة من كبار العلماء والمثقفين والادباء والفنانين والسياسيين والعسكريين، اضافة إلى انها كانت تضم في ارضها بعض المعالم الاثرية التاريخية منها (طاك باب الشيخ) الذي بني قديماً على شكل نفق تعلوه بناية قديمة ويبلغ طوله نحو عشرة امتار وعرضه خمسة امتار، ويوصل هذا الطاك محلة فضوة عرب بشارع الكيلاني الذي يربط شارع الكفاح بشارع الشيخ عمر، وكانت تحكى عن هذا الطاك القصص والحكايات الشعبية الخرافية والتي على اثرها جعلت البعض من اهالي منطقة باب الشيخ (الشيخلية) يخشون المرور منه وقت الليل ويقدر عمر بنائه باكثر من خمسمائة سنة، ظناً منهم بان هذا المكان كما تشير إليه تلك القصص والحكايات المحيوكة مسكوناً بالجن والطنطل، كانت تصدر في الظلام الدامس تحت الطاك اصواتا وحركات غريبة وفي الحقيقة ان مصدر هذه الاصوات والحركات كانت من بعض الفقراء العجزة الذين لا ماؤى لهم ينامون فيه ليلاً خاصة ايام فصل الشتاء البارد وكذلك قيام بعض السكارى من اهل المنطقة او من المحلات القريبة، بحركات واصوات تخيف السامعين لها من الناس المارين عبر هذا الطاك.

كنّا نعيش في منطقتنا باب الشيخ التي تضرب جذورها في أعرق مشارب التاريخ بكل محبة وتودد وانسانية، جمعت سكانها في بوتقة واحد رغم تتابع الويلات والآلام، العلاقات بين أبنائها كانت متينة وتشكل مختلف الطوائف والقوميات والاديان واللهجات، الكوردي والعربي والتركماني،المسلم والمسيحي والصابئي واليهودي، حيث ترابطت المواقف فيما بينهم في أوقات وأزمان مختلفة، وفرضوا أنفسهم على التاريخ، في حفظهم الذكريات،بتواصل مكثَّف في مجتمعنا في السابق حينما كانت الحياة على بساطتها، وكان الناس يعيشون في منطقة محدود الجغرافية، وضمن اهتمامات، وطموحات بسيطة لكنّنا الآن، ومع التطوّر الذي حصل على واقع حياتنا، لم نعد نعيش درجة التواصل الاجتماعي السابقة فقد طغت على الحياة الامور المادية . ولعلّ من أبرز الأسباب هي الظروف السياسية والتغييرات الديمغرافية والجغرافية التي حدثت خلال السنوات الخمسين الماضية في المنطقة، فقد كانت علاقة الإنسان بمجتمعه وثيقة دافئة، كان أقرب إلى الاستقامة والصلاح في سلوكه وسيرته، وأكثر اندفاعاً لألفاعلية وألانتاج او ألحياة بطبيعتها فيها ضغوط ومشاكل، خصوصاً في هذا العصر، فيحتاج الإنسان إلى مَن يتضامن معه نفسياً، وإلى مَن يقترّب منه روحياً، ليخفف عنه الآلام، ويرفع من معنوياته. ويحتاج الإنسان إلى مَن يستشيره ليستفيد من رأيه.بينما يساعد الفتور والبرود في العلاقات الاجتماعية على ظهور ونمو السلوكيات المنحرفة الخاطئة . حلول شهر رمضان في محلة باب الشيخ له طعم ونكهة خاصة يعرفها اهالي بغداد كما يعرفها اهالي باب الشيخ ويعيشها اهلها عبر العصور،كان اهل محلة يستقبلون قدومه شهر رمضان حين يقترب موعد مراقبة الهلال وعن رؤيته يصعد اهالي باب الشيخ الى سطوح دورهم العالية لمراقبة السماء وحين يظهر الهلال تزف البشائر بالتكبير والتهليل وبأاطلاق العيارات النارية من مسدسات مثل (ألوبلي) ابو البكرة في الهواء وتهلل النسوة بالزغاريد ويكبر المؤذن من على منارة الحضرة القادرية فرحا وابتهاجا لمقدم الشهر بعد ذلك تبدأ مراسيم استقبال رمضان بأعداد المطبخ العائد الى المسجد القادري (الشوربة خانة) وتطهى في القدور الكبيرة وجبات الافطار الواسعة العامرة والتي تقام في كل يوم من ايام شهر الصوم . ولهذه الموائد التي كانت تقام في الماضي البعيد في ديوان الاسرة الكيلانية (الدركاه او الديوه خانه) من قبل السادة الكيلانيين باسلوب خاص متبع لديهم منذ العهد العثماني، اذ كانت هذه الوجبات تقدم لجميع شرائح المجتمع من كل يوم وجبة افطار لطبقة من الناس وكانت تتم طيلة ايام شهر رمضان في (الديوه خانة) اي ديوان الحضرة القادرية التي تقابلها والتي يفصل بينهما شارع الكيلاني.لقد اشتهرت المنطقة برواد المقام العراقي وبأتقأنهم لقرائته ومعرفة فنونه حيث انتشرت المقاهي التي كانت تحيط بالمرقد وتضج بأشهر قراء المناقب النبوية والاحتفالات الدينية والمناسبات الخاصة مثل الزواج والختان  ويقال ان عملية الجلوس لساعات الطويلة خلف ألة (ألجومة ) وهي ألة فيها عتلات يتم ربط الخيوط من (القطن او الصوف او البريسم ) فيها يستفاد منها للحياكة يدوياً وكانت من أهم ألاسباب التي جعلتهم ان يجدوا ما يؤنسهم في قراءتهم لهذا الفن العريق والاصيل، وكم اليوم نحن في امس الحاجة لمثل هذه الممارسات والانشطة فيجعل الانسان يقترب نفسياً مع اخيه وإلى مَن يقترّب منه روحياً، ليخفف عن مصائبه، ويرفع من قدرته لمقاومة الصعاب. ويحتاج الإنسان إلى مَن يقف الى جانبة ويُعبّر عنه بإدخال السرور إلى قلب أخيه....

 

عبد الخالق الفلاح

 

نبيل عودةفي حدود العام 1980 وصلت الى مدينة الرملة  في زيارة لعائلة زوجتي والوقت كان عشية ما يسمى "عيد الاستقلال". لفتت انتباهي اعلانات ضخمة تملأ شوارع الرملة ومداخلها تدعو السكان الى الاحتفال ب "تحرير" مدينة الرملة  وعرب الرملة "المحررة" مدينتهم، الذين يسكنون في احياء مهملة تسمى ب "الغيتو العربي" يقرأون عن احتفالات تحرير مدينتهم.

لست هنا في باب الرد على "رواية التحرير" الصهيونية ولا تفاصيل النكبة الفلسطينية وحصة الرملة فيها وهي حصة كبيرة جدا. انما ساذهب الى تاريخ الرملة التي "حررت" والتي يشملها تشويه تاريخ الوطن الفلسطيني.  في حالتنا قد تتحول الرملة الى هدية أخرى من ابراهيم الخليل لأبناء اسرائيل.

كانت الرملة خلال فترة طويلة، خاصة في عهد الدولة الأموية عاصمة للولاية الفلسطينية، لعل في استعراض التاريخ ادراك ان الغطرسة والاستعلاء هي نتيجة طبيعية للصوصية والتزوير.

بنى سليمان بن عبد الملك بن مروان مدينة الرملة عام (710ميلادية) يوم كان واليا على فلسطين في عهد أخيه الخليفة الأموي الوليد (705 – 715م) وواصل سليمان بناء المدينة بعد ان تولى الخلافة بعد الوليد، لكنه لم يعمر طويلا. اذ توفي بعد عامين ونصف العام (717م) لكنه حول الرملة الى عاصمة الولاية بدل مدينة اللد المحاذية لها.

جاء بعده عمر بن عبد العزيز الذي تابع ما بدأه سليمان من بناء مدينة الرملة، فبنى الجامع الأبيض، اذكر هذا الجامع منذ تلك الأيام ببنائه المتهالك، لكنه رمم فيما بعد. قام عمر بن عبد العزيز ببناء "العنزية" وهو مجمع لسقي المعزة، ما زال ذلك الموقع من اجمل آثار الرملة التاريخية  ومن معالمها السياحية الجميلة. العنزية عبارة عن نبع وبركة ضخمة تحت الأرض، ينزلون  اليها بدرج شديد الانحدار، بالإمكان ركب قارب صغير والتجديف به في ارجاء البركة.

كانت تنشل المياه من البركة لسقي القطيع، لكن المكان مهمل نسبيا  وتاريخه مشوه.

هناك رواية اخرى تقول ان العنزية بالأصل هي كنيسة اسمها "سانتا هيلانه"، وهو من الأسماء التي يعرف بها الموقع حتى اليوم، بنتها حسب الرواية الملكة هيلانه ام الإمبراطور قسطنطين، التي يعتبر دخولها للمسيحية انطلاقة عظيمة للمسيحية حولت المسيحية الى دين امبراطورية قسطنطين  وبداية لانتشار عالمي واسع للمسيحية. رُسمت هيلانه قديسة بسبب اعمالها في بناء عشرات الكنائس في الأماكن التاريخية للمسيحية ونشر المسيحية.

هناك رواية تقول ان العذراء مريم في طريقها الى القدس هربا من هيرودوس، استراحت في ذلك المكان، وان كنيسة سانتاهيلانه المذكورة غمرت ارضها مياه الينابيع بسبب انخفاضها  وتحولت الى بركة ماء تحت ارضية، بني فوقها مسقى العنزية. بسبب اهمال دائرة الآثار  للآثار العربية والاسلامية، لم يتم الكشف عن الكثير من سراديب وطرق وابنية الرملة التاريخية، ظلت مغلقة بالأتربة ولا يجري الكشف عنها، هذا عدا عشرات المقامات والأضرحة الدينية الاسلامية ذات القيمة التاريخية، أبرزها مقام النبي صالح  ببرجه الشامخ ، البعض يقول ان اسمه النبي الصالح مع "ال" التعريف.

كان وقتها مهملا واشبه بمجمع للنفايات. اليوم نظف واستغلت الأرض لمشاريع بلدية .. وقد علمت ان مهندسة رملاوية تقوم بالعمل على كشف "اسرار" الرملة العربية ومعالمها التاريخية، لكن يبدو ان المهمة أكثر صعوبة من رغبة شخصية ودافع وطني.

2414 مقام النبي صالحمن الجدير ذكره ان آخر رئيس لبلدية الرملة قبل النكبة هو الشيخ مصطفى الخيري، البعض يقول انه يعقوب القصيني، مهما كان الخلاف فالإثنان هما آخر رئيسان لبلدية الرملة العربية قبل ان "تحرر" - الأول مسلم والثاني مسيحي وتلك دلالة هامة لحياة التآخي والتفاهم التي سادت المجتمع الفلسطيني ومدينة الرملة العربية ، قبل الظواهر الطائفية المقلقة التي بدأت تنتشر اليوم وتزيد مجتمعنا تفسخا.

مدينة الرملة التي "حررت" على آخر زمان، كانت خلال تاريخها الطويل، مركزا للثورات العربية التحررية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، منذ اواخر العصر الأموي وحتى الفتح الصليبي، أي لفترة تزيد عن اربعة قرون وهذه أهم معالم تلك الثورات.

اول ثورة يحدثنا عنها التاريخ كانت ثورة عام(743م) نصب خلالها الثوار احد ابناء سليمان بن عبد الملك قائدا لهم وذلك حفظا منهم لعهده وقد بايعوا ابنه يزيد أميرا للمؤمنين، لكن الوليد الثالث خليفة دمشق استطاع القضاء على الثورة بمعارك دامية.

بعدها كانت ثورة المبرقع اليماني، الذي انتفض على المعتصم خليفة بغداد عام (841م) وقد هزمت جيوش الخلافة المبرقع وأسرته ونقلته الى سامراء العراق.

حين تولى الشيخ عيسى بن عبدالله الشيباني ولاية الرملة ( فلسطين) قام بجهود مضنية لإقناع المعتمد الخليفة العباسي باستقلال فلسطين، لكن جهوده فشلت، فتمرد على المعتمد، الذي ارسل الجيوش وقضى على تمرد الشيباني ومحاولته اقامة دولة فلسطينية وطرده من بلاد الشام كلها.

في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي والنصف الأول من القرن الحادي عشر، جرت محاولات كثيرة قام بها آل جراح في سبيل استقلال فلسطين عن دولة الخلافة... وذلك من عاصمة ولاية فلسطين مدينة الرملة، لكن ثوراتهم وتمرداتهم المتواصلة فشلت في مواجهة جيوش الخلافة العباسية، رغم الفترة الطويلة التي صمدوا بها.

هذا التاريخ يبين ان الشعب الفلسطيني ليس وليد الصدفة، كما تحاول ان تصوره الرواية التاريخية الصهيونية، انما هو شعب جذوره عميقة بالتاريخ والنضال من أجل الاستقلال. له ثقافته وحضارته الخاصة والتي هي جزء من الثقافة والحضارة العربية، من الضروري ان نؤكد ان العرب في بلاد الشام ، كانوا قبل الاسلام بعشرة الاف سنة.

 

نبيل عودة

 

عبد الخالق الفلاحليس من السهل الكتابة عن اي موضوع تاريخي ويكمن أهمية البحث في فهم الثقافة من خلال الأحداث التي يكتب عنها والأحداث التي مرت في تلك الفترة، البحث التاريخي هو الأسلوب الوحيد الذي يدرس ظواهر تطور الحدث بمختلف جوانبه،ويجب إدراك وإستيعاب مجموعة من الضوابط والقواعد الأساسية التي يجب احترامها أثناء كتابة أو إنشاء اي موضوع سواء في مجال التاريخ او اي موضوع اخر، وخاصة عندما يكون أحد اطرافه الطيف المتنوع من العلاقات التي تعبر عن الهوية الكاملة التي يجري فهمها من خلال أفكار التجلي والظهور والحديث عن تجاوز الحقيقة الجوهرية أو الاتحاد والتشارك فيها، وفي الطرف الآخر، يعبر عن هذه العلاقة من خلال ترتيبات قائمة بذاتها على المحاكاة والتقليد.ويتطلب الكتابة تضمين الكثير من التفاصيل والمعلومات التاريخية من الكلمات أو الصفحات المطلوبة من المهم أيضا أن نكون أمناء في نقل التاريخ والحوادث والشخصيات التي يتكون منها المجتمع في تلك منطقة ومن المهم تقديم حقيقة المعلومات المطلوبة، ولكن  تقديمها بطريقة متماسكة وأمور ينبغي الانتباه إليها قبل الشروع في الكتابة ومنها التأكد من ماهية ما تكتب قبل أي شيء.وللحقيقة فهذه المقدمة وددت بتقديمها قبل ان أبدأ بالكتابة عن منطقة مهمة من مناطق بغداد وهي  باب الشيخ ذات التأريخ البغدادي العريق بإمتياز - منذ نشأتها وخلال تطورها-حيث كانت مركزاً دينيا واجتماعيا وسياسيا مهما في تأريخ بغداد حتى قرابة نهاية منتصف القرن العشرين وعالم الدين كان له هيبة خاصة وتقدير من قبل كل مكونات هذه البقعة، برغم  من فعل الكثير من الأمور بعيدا عن أعين الرجال الذين يمثلون المؤسسة الدينية ؛ هذه المحلة التي قد جمعت سكانها في مساحة لا تزيد عن ثلاثة كيلومترات مربعة وسط بغداد وتمتاز يالكثرة السكانية والتي ربطتهم بساطة العيش المشتركة والتنوع الديني والمذهبي والقومي وتقع في الجنوب الشرقي من المدينة في جانب الرصافة وكانت ترتبط بالقرب من نهر دجلة الخالد بمساحات زراعية وجداول مائية حيث تجري المياه فيها  وتنقل بواسطة الدواب المختلفة. وأكتسبت أهميتها لأنها مقراً لنقابة الأشراف من ذرية الشيخ الكيلاني وتمثل عوائل الكيلاني والنقيب بمنازلهم في المنطقة النقطة الشاخصة لحد يومنا هذا حيث لازالت تلك الدورقائمة رغم قدمها، وتوجد بالقرب من الحضرة الكثير من التكايا الصوفية، وكانت الحضرة القادرية في القرن الثامن عشر وبداية العشرين  مقراً للعديد من الانتفاضات الشعبية ضد الولاة الظالمين حيث يتجمع الناس في الحضرة ويخرجون منها للتعبير عن مطالبهم وكذلك التظاهرات التي كانت ضد الحكومات المتعاقبة بعد تاسيس الدولة العراقية  وتحتوي على العقود والمحلات التالية: عقد الحروب، والجنابيين وعقدالأغوان (الأفغان) وعقد الشيخ الألغي، وعقد الحروب ومحلة الطاق وعقد القصاب خانة، وقهوة سلمان المزملة (المزنبلة)، وعقد العسلان، والقهوة أم النخلة، والسوامرة، وعقد الشيخ رفيع، وعقد المطبخ، وعقد المندلاوي، وعقد فضوة عرب، وعقد الخناق، وعقد تكية البندليجي وتقع في محلة فضوة عرب، وعقد تكية البكري، وتكية الطيار وعقد النبكة وتكية النقيب وتكية ابو خمرة وعقد الجلبي وراس الجول والدوكجية ويجاورهاعقد الاكراد (الفيلية) حاليا والذي يجاور لباب الشيخ ويجاوره لمحلة سراج الدين والصدرية وراس الساقية وفضوة عرب وكذلك شارع الشيخ عمر من الجانب الشرقي من المنطقة ومنذ قرون عديدة عبر تتابع الأجيال؛ وتبدل الأحوال؛ بقيت تحافظ على سماتها وتكاتف المواقف في أوقات مختلفة؛ وحفظهم الذكريات وبطيب العلاقات بينهم وقوة ترابط الصلات الشخصية بالجوار والصداقة والمصاهرة والتآزر الاجتماعي بمواقف معروفة تأريخيا؛ وبوحدة المذاهب؛ وتسامحهم مع المذاهب والمشارب الأُخرى والعيش معهم بالحسنى؛ وشهرة أسواقهم المعروفة بالصدق في المعاملات كل ذلك قد صهرهم بمعالم تمييزهم بشخصيتهم المتفردة والمختصة بهم عن باقي المحلات البغدادية الأخرى المحيطة بهم؛ عندهم اعتزاز خاص بحب جذرهم الاجتماعي المتشرب في ثنايا شخصيتهم المتفاعلة في أعماق شعورهم المرتبط بهذه المحلة الخاضعة لمؤثرات الثبات والمتغيرات الطارئة عليها من خارجها بفعل أحداث كثيرة عانتها في أزمات الصراع حول العراق عبر التاريخ والجغرافية فبلورت أبرز معالم كل جيل مما سجل أبناؤه تاريخهم بوعي علمي في جغرافية الذاكرة الاجتماعية كحافظة لهم من ضياع وجودهم أو اندثارهم بتربص الآخرين. فمن اضمحل وجوده انتفى أثره اجتماعياً ولله في خلقه شؤون وحِكَم ومساجلات تأريخية والمنطقة هي منسوبة لاسم الشيخ الجليل عبد القادر الكيلاني الحسني نسباً، الامام المعروف، الذي  استقر طالباً في احدى مدارسها الشهيرة واصبح أستاذاً جليلاً، يقصده الطلبة من كل صوب من العالم، فصعد صيته في الآفاق وعرف بين الناس والذي اشرف على توسيعها وتكوين سمعة صوفية تسمى" بالطريقة القادرية " وأضحت لها طريقة خاصة وأتباع منتشرون في ربوع الدولة العباسية وانتشرت في طول البلاد وعرضها وفي  الهند وباكستان حتى بلاد المغاربة واسيا الوسطى وسمرقند وافريقيا. ولما توفى الشيخ الجليل عبد القادر الكيلاني تمَّ دفنه في غرفة بمدرسته واصبح  مسجده يكتظ بالمصلين في اوقات الصلاة اليومية الخمسة  وخاصة في يوم الجمعة وخلال المناسبات الدينية وشمل مسجده التوسع في البناء كما يلاحظ اليوم في الثمانينات من القرن  الماضي حيث تم ضم مساحات واسعة للبناء،، فأضحى العامة يتبركون بزيارة مرقده وظلت مدرسته مركز أشعاع قائمة حتى اليوم،ولها دور كبير في بغداد أيام الدولة العثمانية حيث اضحت مقراً للبغداديين في تلك الأيام الخوالي وكانت تسمى ايام الدولة العباسية" بباب الأزج" ولها ذكر كبير في التاريخ العباسي والعثماني على السواء وهذا دليل أهميتها التاريخية والثقافية والاجتماعية. وكانت  تكتظ بالزوار ولازالت في المناسبات وتكاثرت أسواقها  ويردها زوار من مختلف بلدان العالم  مثل الهند وباكستان والبلدان العربية والاسيوية فقد شهدنا خلال تواجدنا في المنطقة زيارات لرؤوساء من تلك البلدان مثل الرئيس  ألاندونيسي أحمد سوكارنو والملك المغربي محمد الخامس والرئيس الباكستاني والرئيس الجزائري أحمد بن بله والكثيرين من الرؤساء والمسؤولين من دول مختلفة وتنوعت تجارتها وكثرت بضاعتها وتنوعت تعاملاتها، فتوسعت مساحة سكن الناس في هذه المحلة، واسست مراكز ثقافية وعلمية وخيرية لمجموعة من المؤسسات النافعة مثل وزارة ألاوقاف سابقاً والوقف السني لاحقاً ، منها زاوية لإطعام الفقراء والمحتاجين حيث توزع الخيرات يومياً للفقراء وكذلك للتبرك، وحجرات لإيواء المنقطعين، وخزانة كتب تضم ألاف من الكتب الثمينة والمخطوطات، وتلحق بها مقبرة تضم أعلام وشخصيات سياسية  كرؤوساء  حكومات ووزراء في أدوار متعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية ومن طبقات الناس، فضلاً عن تأسيس مدرسة دينية تلحق بالجامع، ينتظم فيها الطلبة الوافدون من أقطار المشرق والمغرب،،،،يتبع

 

عبدالخالق الفلاح

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حدبثنا عن قراءتنا التحليلية النقدية لكتاب النباهة والاستحمار لعلي شريعتي وهنا نقول: أما (النباهة الاجتماعية) فهي أن يكون الإنسان واعيا بدوره في مجتمعه. ودون هاتين النباهتين لا نجاة لأى أمة من التخلف والانحطاط، والعكس صحيح؛ إذ إنه على مرّ العصور قامت جماعات وأنظمة بإلهاء وتخدير الإنسان عن النباهتين، وعن مطالبته بالحقوق الأساسية التي تكفل إنسانيته، كالحرية والاستقلال، من أجل أن تتمكن من تسخير طاقاته لمصلحتها، وهذا ما يسميه شريعتي (الاستحمار)، أى تحويل الإنسان إلى حمار تسهل السيطرة عليه. يستغل التسخير أدوات جوهرية وحداثية فى حياتنا، كالتربية والتعليم والتكنولوجيا ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وغيرها من الصور التى نراها ملاذنا الأوحد من الاستحمار، مع أنها تكون أحيانا الاستحمار بعينه (26).

ثم يعطينا “علي شريعتي” عن أشكال  الإستحمار وأنواعه، فنوع قديم ونوع حديث، وأما أشكاله فهي : استحمار مباشر وغير مباشر، فأما المباشر منه فيقصد به تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة، أو إلى الانحراف والخروج عن الهدف . وأما الإستحمار الغير مباشر فيقصد به إلهاء الفرد وذهنه بحقوق جزئية وأشياء تافهة فقط لكي ينسوه في الحقوق الرئيسة والتي ترفع به وبالمجتمع (27).

ثم يقسم “علي شريعتي” الاستعمار تقسيمه أخري ومنها الإستحمار القديم، والاستحمار الحديث، فأما القديم فيعطينا علي شريعتي أمثلة ونماذج عن هذا الإستحمار القديم؛ حيث أنه يقوم على الدين ومن صوره : الزهد الذي هو عبارة عن وسيلة تخدير للفرد وتخلصه من الواقع المعاش والدنيا والحقوق وكل هذا لصالح الأعداء، والشكر لله وهو شكر الفرد على كل شيء وحتى التافه منها وقبول كل الواقع كما هو والشكر عليه بكل سيئاته وسلبياته وعدم التغيير، والشعر في ذلك الزمن والذي خرج عن رسالته الاجتماعية والإنسانية، وأيضا الفخر والاعتزاز بالماضي وبأشياء تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع (28).

أما الإستحمار الحديث : وأعطى أيضا علي شريعتي هنا نماذج عن هذا الإستحمار الذي يعتمد على الإلهاء والتناحر والتشاجر وخلق الطائفية ومن صوره : التخصص والذي يجعل الفرد ينغمس في جزء وإطار صغير جدا بعيدا عن شمولية المجتمع، حيث لا يقصد هنا علي شريعتي التخصص بصفة عامة وإلغائه ولكنه طلب من الفرد المتخصص على أن لا ينظر من زاوية واحدة بل عليه أن ينظر بشمولية وان تتعدد أبعاده وان تخصص في مجال معين وان ينظر للحقيقة بكلها لا بجزئها .. التجدد والحضارة المدنية فهذا في نظره نوع من الإستحمار؛ حيث أن المجتمع هنا ما هو إلا مستهلك ويستورد كل شيء ولا يصنع رغم تحضره المدني وهكذا فهو تابع لحضارة غيره لا حضارة لديه … الحرية الفردية وهي ايضا شكل من أشكال القضاء على النباهة الاجتماعية وحتى الفردية يتلهى فقط بنفسه واهما بهذه الحرية … وحتى حرية المرأة والحرية الجنسية ماهي إلا تلهيات لنا لننسى هذه النباهة الفردية والاجتماعية وننشغل بالتوافه وعليه فإن كل من الإستحمار القديم أو الحديث يسلب من الفرد والمجتمع نباهته (29).

وهنا يحاول بعض الباحثين أن يجدوا أيضاً قواسم مشتركة بين علي شريعتي ومالك بن نبي ولعل في مقدمة ذلك أن أسباب هاتين الظاهرتين (ونقصد بهما الاستعمار والاستحمار) تكمن في التخلف الحضاري بما يتضمنه من جهل وعدم وعي عند مالك وفي غياب النباهة، أي الوعي الفردي والاجتماعي المؤدي إلى التخلف الحضاري عند شريعتي. وكلتا الظاهرتين القابلية للاستعمار والقابلية للاستحمار تؤديان إلى نفس النتيجة وهي قبول الاستبداد والاستعباد وفي النهاية قبول الاستعمار الذي هو نتيجة وسبب في آن واحد، نتيجة لتعطيل الوعي والنباهة ولوضعية التخلف الحضاري الفردي والجمعي وسبب في تكريس ديمومة هذه الحالة الى أمد طويل (30).

ولهذا يعد كتاب ” النباهة والاستحمار” بمثابة تعميق لطرحه لبعض القضايا في كتابه مسؤولية مثقف، حيث إنه توسع في القضيَّة الثقافيَّة التي تُطرح بطابع اجتماعي، تلك القضيَّة التي تؤدي إلى تقدم المجتمع وحل مشاكله المستعصيَّة، أو قد تؤدي إلى فقدان الأوليّة والدافع الاجتماعي، وذلك كله يعتمد على طريقة الطرح، ويبرز مصطلح الاستحمار ذلك، حيث أنه مضاد للفطنة والنباهة، فالنباهة هي الصفة التي تجعل المجتمع كيانًا مستعصيًا على الاستبداد والاستعمار، وحين تختفي صفة النباهة يظهر الاستحمار والذي هو يُهيئ الطقوس لنشوء الاستبداد ودمار المجتمع، فالاستحمار هو المصطلح الذي يُعبّر عن سياسة أو نمط تاريخي يتم استخدامه لصرف المثقف والذات الثوريّة عن التفاعل مع المجتمع وقضاياه، وينطلق هذا الاستحمار من أرضيَّة أخلاقيَّة، أي أنه يطرح قضايا أخلاقيَّة ودينيَّة ولكنها ليست ذات أولويَّة اجتماعيَّة تلك الدعوة التي تنطوي على شر كامن، وفي ذلك كأنما يقول لك أحدهم قم إلى الصلاة بينما الأرض تهب بالحريق، وبذلك شرح علي الشريعتي في كتاب النباهة والاستحمار تلك القضايا ووضح دور المثقف الصائب في تجنب الاستحمار وفي اكتسابه للنباهة(31)، يقول شريعتي: الإستحمار هو تزييف ذهن الإنسان ونباهته وشعوره، وحرف مساره عن النباهة الاجتماعية فرداً كان أم جماعة. وأيّ دافع عمل على تحريف هاتين النباهتين أو فرد أو جيل أو مجتمع عنهما فهو دافع استحمار، وإن كان من أكثر الدوافع قدسية وأقدسها اسما. ومن سوء الحظ، لا ندرك ما يراد بنا، فيصرفوننا عما ينبغي أن نفكر فيه كمصير مجتمعنا، أو أفكر أنا بمصيري كإنسان إلى أن نفكر بأشياء نحسبها راقية جداً وعظيمة ومشرفة فيصيبون الهدف دون أن نشعر! ومن أجل هذا قلت إذا لم تكن حاضر الذهن في الموقف فكن أينما أردت (32).

فمعنى الاستحمار إذن في تزييف فكر الإنسان وشعوره وتغيير مسيره عن الوعي الإنساني والاجتماعي. إنه لمن سوء الحظ أن لا ندرك ما يراد بنا، فنُصرف عما ينبغي أن نفكر فيه كأفراد ومجتمعات فيصيب عدوُنا الهدفَ ويسخر طاقاتنا وقدراتنا في سبيل خدمته كما يُسخَّر الحمار ونحن لا نشعر!!. ومن أجل هذا قلتُ: إنك إذا لم تكن حاضر الذهن في الموقف فكن أينما شئت” كن واقفاً للصلاة أو جالساً لمطالعة أحد الكتب العلمية أو راكضاً خلف الكرة في ملعب كرة القدم أو منكباً على تأليف رسالة في الفقه أو على حفظ أحد التفاسير… فالمهم أنك لم تكن حاضراً في الموقف. إن المستعمرين ـ من أجل صرفك عن الحقيقة التي يشعرون بخطرها ـ قد لا يدعونك دائماً إلى القبائح والانحراف حتى لا يثيروا انتباهك فتفر منهم إلى المكان الذي ينبغي أن تصير إليه، بل هم يختارون دعوتك حسب حاجتهم، فيدعونك أحياناً إلى ما تعتقده أمراً طيباً من أجل القضاء على حق كبير، حق إنسان أو مجتمع؛ فعندما يشبُّ حريق بيت جارك ويدعوك أحد للصلاة والتضرع إلى الله في هذا الوقت ينبغي أن تعلم أنها دعوة خائن، لأن الاهتمام بغير إطفاء الحريق والانصراف عنه إلى عمل آخر هو “الاستحمار” وإن كان عملاً مقدساً، وإن أي جيل ينصرف عن التفكير في الدراية الإنسانية كعقيدة واتجاه فكري ومسير حياتي وتحرك مداوم إلى أي شيء حتى ولو كان مقدساً هو الاستحمار بعينه (33).

كذلك يعرض كتاب النباهة والاستحمار القضيَّة الثقافيَّة، تلك القضيَّة التي تنهض بالمجتمع وبالدولة ككل، فقارن الكتاب بين المثقف النبيه، والمثقف المستحمر، فقدَّم الأمثلة التي توضح مصير المجتمع الذي يقوده مثقف نبيه، والمجتمع الذي يقوده مثقف مستحمر، مثل قوله :” إن المجتمع الذي يرتبط بهدف عالٍ، بعقيدة وإيمان، يتفوق على كل قدرة حتى ولو كانت القوة التي تسيطر على المنظومة الشمسيَّة، وإن مجتمعًا كهذا ستكون له بعد عشر سنين أو خمس عشرة سنة حضارة، كما ستكون له صناعة. لا أريد أن أنصح أخلاقيًا؛ فالإنسان يمضي ليصير إلى الفناء، أما قيمة الإنسانيَّة فتزداد دمارًا بمرور الأيام. نحن لا نستقيم إلا بعد ان تعلونا يد قويَّة، أو يظلل علينا بسوطٍ قاسٍ. إن الشيء الذي يدفعني إلى نفسي، ويدعوني دائمًا من خارج هذه المشاغل، التي غالبًا ما تجعلني ضحية لها، هو النباهة الفرديَّة، أو النباهة النفسيَّة. نحتاج إلى جيل يرفض الشكل القديم للحياة، وينكره، ذي فكر جديد، لكن، بالقدر المعتاد لا أكثر (34).

الكتاب جاء في ستة فصول، تناول كلٌّ منها قضية بعينها في عملية إعادة صناعة وعي الأجيال الجديدة، وبالرغم من أنها قد تبدو قضايا منفصلة، ولكن هناك خيط واحد يجمع بينها جميعها، وهو قضية المصير. مصير الفرد والمجتمع المسلمَيْن، وصولاً إلى مصير الأمة بالكامل، وكيفية تحقيق عوامل النهوض، بعيدًا عن هيمنة المستعمر.

والكتاب في هذا الإطار، تناول دور الاستعمار والأنظمة الموالية له في عالمنا الإسلامي، في تحقيق تخلف وتبعية الأمة، وأهمية التغيير والإصلاح على مختلف المستويات الموضوعية، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع والأمة بالكامل، وسواء في المجال الاقتصادي، أو السياسي، في إحداث حالة النهضة المنشودة.

في الكتاب فقرات وفصول كاملة يمكن أن تصلح لمجال التنمية البشرية؛ حيث أفرد فصلاً عن التخصص، وفقرات في فصول أخرى عن تنمية الذات، وكيفية خروج الإنسان عن المألوف في طرائق تفكيره وحياته.

وهنا يتوصل “علي شريعتي” لحقيقة مهمة، وهي أن هذا هو الإسلام في حقيقته، عقيدة فكرية سياسية ينبثق عنها نظام لكل شؤون الحياة: نباهة فكرية وسياسية ينتج عنها التزام متين بالأوامر والنواهي، هذا هو الإسلام الواعي أما الدين الاستحماري فهو الذي يقول لك: «لأي شيء تتحمل ثقل المسؤولية الاجتماعية ولأي شيء تحارب الظلم والطغيان؟ يكفيك أن تفتح كتاب الأدعية وتقرأ هذا الورد ست مرات وبعدها لا يبقى عليك شيء وستغفر ذنوبك كلها!! أو يكفيك أن تحفظ ما تستطيع من آيات القرآن غيباً فإنك سترقى بكل حرف درجة في الجنة!! أو يكفيك أن تدخل السرور إلى قلب واحد أو تقضي حاجة آخر حتى تبدل سيئاتك حسنات وتقضي عنك كل المسؤوليات الاجتماعية (35).

كما يؤكد ” شريعتي ” علي أن للإنسان قيمة عليا، لا قيمة له لا في الديانات ولا في الفلسفات إن لم نعمل على النهوض بوعيه وتنمية شعوره بقيمته الإنسانية، “إن أكبر قيم الإنسان هي التي يبدأ منها بـ “الرفض” و “عدم التسليم” اللذين يتلخصان بكلمة “لا”، ومنها بدأ آدم أبو البشر”، بل وكل الأنبياء والفلاسفة المصلحين الذين كان أصل تميزهم وإصلاحهم قائم على تبنيهم لفعل “التمرد”، فالتمرد والنباهة هما صفتان تليق بالأنبياء والأوصياء والفلاسفة الكبار (36).

ويقول أيضا: إن الإنسان لا يستطيع أن يبقى مخلصًا وصادقًا في ثورة اجتماعية حتى النهاية ووفيًا لها، إلا إذا كان ثوريًا قبلها ومتناسقًا معها، فليس الإنسان الثورى هو الإنسان الذي يشترك في ثورة اجتماعية فحسب، فما أكثر الانتهازيين والمغامرين والنفعيين الذين يشتركون فيها، وهم جرثومة الانحراف في كل الانتفاضات، وفشل كل الانتفاضات من جراء اشتراكهم فيها، لأن الثوري قبل كل شىء جوهر أعيدت صياغة ذاته (37) ؛  كما انتقد ” شريعتي” رجال الدين قائلًا: لقد كان دين “الملأ” ينتج الأفيون للمجتمع، بإنتاجه لمواعظ من هذا القبيل: “أنتم لستم مسئولين لأن كل ما يحصل هو حاصل بإرادة الله ومشيئته.. لا تشكوا من الحرمان ولا تتألموا فإنكم ستجزون في مكان آخر.. اصبروا على كل شيء لكى يضاعف الله لكم الأجر”. هكذا كانوا يخمدون احتجاج الفرد ويجمدون حركته الإرادية.. إن دين عبادة الطاغوت الذي كان يتمتع بكل شىء طوال التاريخ، كان بدوره آلةً في يد الطبقة الحاكمة لاستثمار الطبقات السحيقة وقمعها وإقناعها، ولقد ظهر هذا الدين بشكليه الجلي والخفي في كل حقبة من حقب التاريخ.. كان الجبابرة يستخدمون العنف في مواجهة الناس وإخماد ثوراتهم، لكن الدين كان ينتهج طريقة أخرى في وأد النهضة، وردّ الانتقاد، وإخماد ثائرة الغضب والاحتجاج (38).

إن الإنسان لا يستطيع أن يبقي مخلصاً وصادقاً في ثورة اجتماعية حتي النهاية ووفياً لها إلا إذا كان ثوريا قبلها ومتناسقاً معها فليس الإنسان الثوري هو الإنسان الذي يشترك في ثورة اجتماعية فحسب فما أكثر الانتهازيين والمغامرين والنفعيين الذين يشتركون فيها وهم جرثومة الانحراف في كل الانتفاضات وفشل كل الانتفاضات من جراء اشتراكهم فيها لأن الثوري قبل كل شئ جوهر أعيدت صياغة ذاته إنسان جعل ذاته التي بُنيت أيديولوجيا وفكرياً خليفة لذاته الموروثة عن التقاليد والغريزة (39).

وخلاصة الكتاب عموما هي أن الإستحمار ما جاء إلا ليقضي على النباهة بشتى الطرق والوسائل وحتى بالعلم والمعرفة واعطاء بعض الحقوق، وللقضاء على الإستحمار يلزمنا الكثير والكثير من النباهة الفردية والاجتماعية لأن اشكال وانواع الإستحمار تعددت ولم تدع لنا مجالا للقضاء عن هذا الإستحمار … وللحديث بقية مع موضوعات أخري..

 

أ.د محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

......................

26- د. محمد حسين أبوالحسن: النباهة.. والاستحمار!، الأهرام المصرية، 28 أغسطس 2019.

27- علي شريعتي: النباهة والاستحمار، ص 55.

28- نفس المصدر، ص 59.

29-   نفس المصدر، ص 64.

30- عبد الرحمن خالد الطوره: المرجع السابق.

31- د. محمد حسين أبو الحسن: نفس المرجع.

32- علي شريعتي: النباهة والاستحمار، ص 67.

33- محمد أبو وائل : النباهة والاستحمار 1989/12/06م

34- د. محمد حسين أبو الحسن: نفس المرجع.

35- نفس المرجع.

36- علي شريعتي: النباهة والاستحمار، ص 69؛ وأنظر أيضا ا.د. علي المرهج: الدين بين النباهة والاستحمار، صحيفة المثقف، العدد: 3420 المصادف: 15-01-2016.

37- علي شريعتي: نفس المصدر، ص 85.

38- نفس المصدر، ص 88.

39- نفس المصدر، ص 92.

 

 

محمود محمد عليفي عُرف الإنسانية الممتد لآماد سحيقة  لا يمكن لمجتمع ولا لفكرة، ولا لرمز، أن يستمر أن يستمر إلا بوجود صدق وتفان والتزام، يحفها ويحيطها بالرعاية والاحتضان، وإلا كان الأمر حبيس المجردات التي لا صلة لها بواقع الناس وهمومهم، بل وتكون من قبيل الأثقال والأوزار التي ينوء كاهل الناس علي حملها أو حمايتها، واعتبار ذلك؛ كالنهر إن لم يجد سبيلاً سلك، كذلك الفكرة إن لم تُحتضن هنا، بحثت عمن يخلص لها هناك، فتحيطه بهالة من التوقير والرمزية، واستمرار الذكر، وفي المقابل يمنحها هو حياة من دمه وعرقه وتأمله، فيتسنى لها أن تشع بتأثيرها وألقها؛ فتصنع إرهاصاً يتحول بعد أمد لواقع ثم إلي تاريخ، وتتعاقب الوقائع وتتداول الأيام، فتكون جدلية بين الفكرة والإنسان، وليس كل إنسان يبلغ أن تتولاه الفكرة وتواليه ؛ فكم من مفكر طواه ليل النسيان، ولم يُعد له من ذكر، أو سرعان ما افتضح وبانت خيانته، وظهر ليه لعنق الحقيقة لحساب المفسدين في الأرض، المتظاهرين بالإصلاح، الجاثمين علي صدر الوعي والحقيقة أن يصدحا ؛ فليس كل من فكر قد تأمل، ومن دعا قد صدق، ومن حمل هما كان مهموماً به، فقد يستحيل الحال إلي ترف متصنع متكلف، يخلو من لوعة الإيمان، وحرقة الفهم، وأنين العجز (1).

ولذلك فإن الفكرة في تواصل دائم مع صاحبها وليس مالكها، تدعوه وتستحثه التبليغ، وتستجديه البذل، ليس بذل المراءاة والمراوغة، وإنما بذل الغِراس الذي يثمر أجيالاً من الناس الحبلى، بوعي يرفعهم إلي مصاف القديسين الذين نفقوا تحت سنابك الجهل والتخلف والفقر، وقد كان ” علي شرعيتي”، واحداً من هؤلاء مفكري الشيعة الذين نبذوا الجمود والتخلف، ورأي أن عمل المفكر هو إيقاظ ضمير المجتمع , ومنح العوام الوعي الذاتي وتقديم تفسير وتحليل إيدلوجيين وعمليين للظروف الاجتماعية الموجودة وبيان المثل وخطوط السير ونقل الواقعيات المتناسبة والمتناقضة في الحياة الأخلاقية والثقافية والاجتماعية إلى إحساس الناس ووعيهم واستخراج المنابع المدفونة والمواد الخام للطاقات المعنوية والفكرية في تاريخ الأمة وثقافتها” (2)

وقد كان “علي محمد تقي شريعتي” (23 نوفمبر 1933 – 18 يونيو 1977 م) م المفكر الإيراني المعروف،  قائدًا كاريزميًا غير تقليدي بصورة تثير القلق، مفكرًا إسلاميًا عظيم التأثير إلى حد مثير للشحناء، منظرًا شديد الأصالة بدرجة تغري بالتشويه. رغم أن شريعتي لم يكمل الخمسة وأربعين عامًا في هذه الدنيا، إلا أنه استطاع تطوير وجهة نظر جديدة حول تاريخ وعلم اجتماع الإسلام، وخلق حراك ثوري رهيب، وشحذ عقول جمع غفير من الشباب، سيكون له دور رئيسي في الثورة الإيرانية التي ستعقب وفاته بعامين (3) .

كما يعد من أبرز الشخصيات التي أدت أفكاره وجهوده دوراً كبيراً في إعداد الشعب الإيراني فكرياً وسياسياً، في المدة التي سبقت قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، مما دفع الجماهير إلي تسميته بـ " معلم الثورة"، و" مبلور هويتها الفكرية".

قدم "علي شريعتي" فكراً جوهرياً بالمطالبة بالحرية، والديمقراطية، والثورة علي المؤسسات التقليدية، والنضال ضد الهيمنة الأجنبية، والتخلف، والاستبداد، والتغريب، والذي أدي دوراً حاسماً في تعبئة قطاع واسع من الجماهير الإيرانية، وتحديداً الشباب المثقف، علي طريق الثورة ضد الشاة " محمد رضا البهلوي".

وقد قال عنه الأستاذ إبراهيم مشارة:” كنت أسمع به من خلال بعض الكتاب الذين أقرأ لهم وكنت حينها غارقا في قراءات الإحيائيين كالأفغاني ومحمد عبده والعقاد ثم العقلانيين كزكي نجيب محمود وبرهان غليون وعلي حرب ومحمد أركون ونصر حامد أبي زيد، والحقيقة أنني كنت ضحية الخطاب الدغمائي الذي يحذر من هذا الكاتب بسبب شيعيته، ولكنني منذ بدأت في شق عصا الطاعة والخروج على ثقافة المجموع، وقراءة أول كتاب “النباهة والاستحمار” والتي تقابل مصطلح “القابلية للاستعمار” عند “مالك بن نبي” ثم كتابه العظيم “دين ضد الدين”، وكتابه “مسؤولية المثقف”، حتى رحت أفرح بقدوم الليل وسكون الأشياء لأتفرغ لنصوص هذا الشاب العبقري أستمتع بالقراءة استمتاع العاشق بطيف محبوبه، وجدت روحاً إنسانية تدين بالإبراهيمية على الرغم من الاعتقاد بالمذهب الإثني عشري.. رجل لا يكره أهل السنة بل يستشهد بكتبهم في بعض كتاباته ككتاب “محمد من الهجرة إلى الوفاة”، ولا يضيق ذرعا بالصحابة ولا ينال منهم ومن حقه أن يحب حد العشق أبا ذر الغفاري، فقد سمعت “جارودي” يثني عليه ثم هو حين يحلل التاريخ الإسلامي يثبت أنه تاريخ كتبته السلطة، فأبقت ما يوافق ميولها وأقصت ما يخالف أفكارها التي تتمركز في الاحتفاظ بالسلطة وتوريثها.. وأكثر ما شدني في الدكتور “علي شريعتي” انفتاحه على الثقافة الغربية فقد نال الدكتوراه في علم الاجتماع الديني وجالس الفيلسوف “جون بول سارتر”، وتبادل رسائل مع “فرانس فانون” و”إيمي سيزار” وساند الثورة الجزائرية، لقد آمن “شريعتي” بالمقولة الخالدة “من لا معاش له لا معاد له”، أي أن الفوز في الآخرة مشروط بالفوز في الدنيا اختراعاً واكتشافاً ومدنية وعدلاً، وهذا للأسف ما أخفق فيه المسلمون ونجح فيه الغربيون (4).

ولذلك يعد “علي شريعتي” من بين مفكرين قلائل تجردوا من ضيق التمذهب، فكان أحد أبرز منتقدي ما سماه “التشيع الصفوي” و “التسنن الأموي”، داعياً إلى التقريب بين المذاهب بما يخدم وحدة الصف الإسلامي في وجه الأخطار المحدقة به وتجاوز ونبذ الخلافات التي لا تستفيد منها سوى بعض الأطراف المعينة التي تغذي روح الانقسام (كعادة المفكرين السابقين لعصورهم بأفكارهم المختلفة)، ولا دليل على بعد نظره سوى الحرائق التي تغذي بنيرانها الآن منطقة الشرق الأوسط (5).

كما يعد الدكتور “علي شريعتي” من بين أهم المفكرين المسلمين الذين ظهروا في القرن العشرين، لجهة كون أدبياته وأفكاره كانت محل تأثير وقبول واسعَيْن من السُّنَّة والشيعة، وكونه أحد المنظِّرين الأساسيين للثورة الإيرانية (6).

ولد “علي شريعتي في قرية “مزينان” قرب مدينة مشهد بمحافظة خوراسان في كانون الأول 1933م . تأثره الأكبر كان بوالده المفكّر والمناضل المعروف الذي شكل بداية معالم شخصيّته وهويّته العلميّة والدينيّة “اللامنتمية” لمذهب، فقد كان والده ضمن جماعة من المثقفين الإيرانيين المتأثرين بالأفكار اليسارية، والتي كانت تجد صدى واسعاً في ذلك الحين، وهي حركة “الاشتراكيون الذين يخشون الله” (7).

كان “شريعتي” يرى نفسه فرعًا عن سلالة شريفة كريمة مناضلة، يجد في حكاياتها ما ينبؤه بأن وجوده كان أسبق على مولده، مثلما كان يؤمن بـ”وراثة الأمانة” عقيدة وفلسفة إسلامية أصيلة، تمتد منذ الجد الأول – آدم – مرورًا بالحسين “وارث الدم”، ما يعني أن جميع الحوادث الماضية والآتية غائية وذات ترابط موضوعي تام سيستمر إلى نهاية الزمان ؛ وتتلمذ شريعتي على يد عمه الذي أورثه علوم أجداده الحكماء، لكن الشعلة الحقة التي استمد منها شريعتي وهجه كانت الأب العالم الديني ذا التوجه اليساري محمد تقي شريعتي، مؤسس “مركز نشر الحقائق الإسلامية” في مشهد وصاحب الجهود في تفسير القرآن، الذي تلقى عنه ولده علوم العربية والشريعة أيضًا (8).

أنهي " علي شريعتي " دراسته الثانوية في مشهد، ثم التحق بمعهد إعداد المعلمين، وتخرج في عام 1952م، ليصبح وهو بعمر الثامنة عشر معلماً ابتدائياً في احدي القري الإيرانية، والتحق في عام 1955م بكلية الآداب في جامعة مشهد، إذ نشط في الكلية من خلال لإدارته العديدة من النقاشات الأدبية والسياسية، تزوج في عام 1956م من زميلته في الدراسة، " بوران شريعت رضوي"، التي تنحدر من عائلة معروفة بنشاطها في الجبهة الوطنية، وفي معارضة سياسات الشاة " محمد رضا البهلوي" ( 1941-1979م) (9).

بعد تخرجه من الجامعة بدرجة الامتياز في الأدب عام 1958م، أُرسل في بعثة دراسية إلي جامعة السوربون في فرنسا عام 1959م، التي وصلها عام 1960م، إذ درس الأديان، وعلم الاجتماع، والأدب، وحصل في عام 1964م علي شهادتين للدكتوراه في تاريخ الإسلام وعلم الاجتماع (10).

عاد " علي شريعتي" إلي إيران بعد حصوله علي شهادة الدكتوراه، إلا أنه أُعتقل فور وصوله إلي الحدود التركية – الإيرانية، بتهمة تهديد الأمن الوطني، واستجواب بشأن نشاطه الطلابي في فرنسا، وبعد اعتقال دام ستة أشهر تم إطلاق سراحه، ثم سُمح له في عام 1965م بالتدريس في ثانويات مشهد، كما درس في جامعة مشهد، إذ قام  بتدريس مقرر " تاريخ إيران بعد الإسلام"، ومقرر " تاريخ الحضارة"، وشكلت هذه الموضوعات بؤرة لاهتمام الطلاب في جامعة مشهد، إذ قدم في محاضراته تحليلات  فلسفية واجتماعية للمفاهيم الإسلامية، الأمر الذي زاد من شعبية محاضراته، ومثل خطابه في تلك المحاضرات ثورة علي الموروث الديني التقليدي من جهة، وكذلك علي الاكاديمية علي مستوي المنهجية والفلسفة التعليمية من جهة أخري، ولم تخل محاضراته من توجيه النقد للحكومة وللأجهزة الأمنية الإيرانية، التي وصلت إليها بعض التقارير عن محتوي محاضراته، ولذلك  وجه جهاز "السافاك" (وهو جهاز مخابراتي)، رسالة لإدارة الجامعة بشأن نشاط شريعتي، إذ تم بعد ذلك منعه من مواصلة التدريس في الجامعة، ومما يدل علي مدي شعبية محاضرات شريعتي، إن عدد الطلاب المسجلين في بعضها وصل إلي أكثر مئتين وخمسين طالبا (11).

وفي خلال تلك الفترة ترجم شريعتي إلى الفارسية كتاب “أبي ذر الغفاري” للكاتب المصري عبد الحميد جودة السحار عن العربية، كما ترجم كتابًا معنون بـ”الدعاء” عن الفرنسية؛ وفي 1952م أسس شريعتي في اتحاد الطلبة المسلمين، وانضم بقوة إلى الحراك الاجتماعي والسياسي الغاضب عقب انقلاب 1953 على حكومة محمد مصدق – المنتخب ديمقراطيًا – بتدبير من عناصر المخابرات البريطانية والأمريكية، ما أدى إلى اعتقاله مرتين؛ في عام 1956 انضم شريعتي محب الأدب والشعر إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة مشهد بنفس الروح الثائرة، حيث أسس جمعية أدبية ونشر المقالات، كما التقى بالسيدة “بوران شريعت رضوي” ستجمعهما زيجة تثمر عن ولد وثلاث بنات (12)... وللحديث بقية..

 

أ.د محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

1- الحاج أبو حمنه دواق : جدلية الوعي والحرية في فكر علي شريعتي، مؤمنون بلا حدود ، ص 3.

2- نفس المرجع، ص 4.

3-محمد أسامة: علي شريعتي رفقة زوجته بوران وصديق لهما، 16/01/2020.

4-إبراهيم مشارة: علي شريعتي بين محبيه والمتحاملين عليه، الأربعاء 2020/04/29.

5-الحسن الرويجل: قراءة في كتاب النباهة.. والاستحمار.. 22‏/06‏/2012.

6-نفس المرجع.

7-منى شكري: علي شريعتي: إنسانية الفكر والإصلاح،  23/11/2017.

8-محمد أسامة: نفس المرجع .

9-م . د . فراس صالح خضر الجبوري، م . د . حسن علي خضير العبيدي: دور المفكرين في قيام الثورة الإيرانية عام 1979 م "علي شريعتي أنموذجاً"، مجلة الملوية للدراسات الآثارية والتاريخية  المجلد الثالث  العدد الرابع  السنة الثالثة  شباط 2016 م، ص 183.

10- نفس المرجع، ص 184-185.

11- نفس المرجع، ص 186-187.

12- محمد أسامة: نفس المرجع .

 

 

محمود محمد عليفجعت العربية وتراثها العريق بوفاة علم من أعلام النقد الأدبي بجامعة أسيوط الزاهرة بجمهورية مصر العربية، وذلك بعد حياة حافلة متسمة بغزارة النتاج الأدبي، ولائحة طويلة مـن الإسهامات التخصصية في النقد الأدبي، حيث رحل عن عالمنا ظهر يوم الخميس (22 أبريل 2021 م)، الأديب الكبير، واللغوي القدير، والعالم المفكر، والناقد، وأحد أعمدة التحقيق اللغوي، والأدبي، وصاحب التصانيف العديدة المفيدة، والأعمال السديدة الفريدة، الأستاذ الدكتور عثمان عبد الرحمن عثمان منصور (الشهرة عثمان القاضي) وهو في أوج ازدهاره الفكري وقمة عطائه، بعد أن أثري حياتنا الأدبية والثقافية والنضالية بإسهامات لا تنسي، غادر ساحة الثقافة، والأدب، واللغة، وهي أحوج ما تكون إلي أمثاله، في عصر أصبحت لغة القرآن " اللغة العربية الفصحي مهددة حصونها من الداخل والخارج،  وقد رحل عـن عمر يناهز (82 ) عامًا قضاها بين التعليم الجامعي، والنقد الأدبي، والبحث العلمي، والثراء المعرفي.

ويعد عثمان القاضي من الشخصيات التي ارتبط اسمها بجامعة أسيوط، أديباً، وناقداً، وباحثاً، ومؤرخا، وله الكثير من الرسائل والكتب والمقالات القيمة في النقد الأدبي، ويعد الراحل الأديب في مقدمة النقاد المصريين الذين جمعوا بين النقد والإبداع، وأرسي قيما أخلاقية في الابداع والنقد والسلوك الثقافي العام . شغله كثيرا هذا البعد الإنساني الذي لم يفرط فيه أبدا، بالرغم من تعرية القبح وإدانة الفجاجة . ومن ثم تجاوز الواقع والتجاوز معا، وتعدد التفارق في الرغبة إلي معانقة الروح والجمال .. فأنتج ثراء هائلا في الأدب والنقد والتحقيق والتأليف والحياة . ضفر الواقع والرمز في ضفيرة مجدولة بإتقان الصنعة وحذق المهارة، ووشي النقد الأدبي القديم والحديث بقيم روحية وأخلاقية ولغوية حددت عطاءه وكرست ريادته.

وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل علي جهده الذاتي في سبيل التحصيل، وصقل المواهب، والتزود بزاد الفكر والأدب واللغة، غاص في أعماق المصادر فاستخرج اللآلئ، وتسلق الشامقات فجني خير ثمارها، وبني ثقافته علي أساس متين من العلم، والأدب الرفيع، شاهدته يرحمه الله علي كبر سنه، يدافع عما يؤمن به أشد الدفاع، ويذب عن حمي هويتنا الإسلامية العربية أشد ما يكون الذب والذود، متسلحاً بسلاح الدين والثقافة الإسلامية، المستمدة من مصادرها الإسلامية الشامخة وهو الكتاب والسنة، والحضارة الإسلامية العريقة .

علاوة علي أنه كان للمرحوم وبتوفيق الله مواقف مشرفة في الدفاع عن هذا التراث الثمين، والكنز الغالي . وصدق الله العظيم:" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، ولا شك أن حفظ القرآن الكريم يستلزم حفظ اللعة التي بها نزل وهي اللغة العربية.

اهتم عثمان القاضي باللغة الغربية، ورأي أن انكسار اللغة – عدم الاهتمام بها – انكسار للأمة، وانهدام لها . لأن التماسك اللغوي، تصالب للأمة .. فاللغة عنده لها عبقريتها المتفردة، وحزنه شديد كلما رأي انحرافا في اللغة يسئ إليها، زخرفة كانت أو تشكيلا هلامياً يغرم بالتورم اللفظي، ومن ثم حرص علي أن تكون لغته صافية نقية ساحرة، خالية من الغموض، بعيدة عن التقعر، مفارقة للحذلقة والزخرفة والترصيع، صادقة في التعبير، صحيحة في التراكيب.

إن اللغة العربية تمثل تراثا حتميا عند عثمان القاضي، ومن ثم رأي أن الأدب الجدير بالبقاء هو الأدب المصوغ بتلك اللغة، لأنها الأقدر علي البقاء والجمال معاً، ولذلك نجد عثمان القاضي في كل أحاديثه وكتاباته ومحاضراته يتحدث عن اللغة العربية كحامل للتراث وكوعاء لحضارات تمتزج وتستوعب، وكأداة تعبيرية تضفي علي العمل الجمال والجلال معاً، فاللغة العربية في نظره هي التي تشكل الفكر – فكرنا- وليس لنا لغة إلا تلك اللغة التي ورثناها، قابلة للتطور من جيل إلي جيل، ولكنها تظل اللغة العربية الفصحي بعبقريتها المتفردة وسليقتها الفذة.

وكم كانت الخسارة كبيرة، ينتابني حزن عميق .. وتنتابني غصة كلما تذكرت أن عثمان القاضي ليس بيننا .. لم أشاهده في حياتي عابسا .. أو شاكيا .. ولم أسمعه مرة يتحدث عن الناس إلا بالخير .. وبقدر معرفته العظيمة، إلا أنه أقل الناس حديثا .. ودود ومتواضع لدرجة أنك تسأل نفسك وأنت في حضرته .. هل حقا أنا أجالس مع عثمان القاضي العملاق.

إلتقيته بلجنة العلاقات الثقافية قبل وفاته بأيام بكلية الآداب، فكان كما هو، حتي وهو يتألم، بشوشاً ضحوكا، وفياً، ولأنه شامخ في حياته، كان شامخا كذلك حتي وهو يفارق، وتفيض روحه لبارئها في الفضاء، لا علي أسرة المستشفيات .

وأفتخر أنني هنا أكتب عنه فهو معلم  وعملاق، ولا أنسي أنني عندما كنت أسطر مقالة لي كل يوم أرسلها له عبر الواتس، وحين كان يقرأ حروفي المتواضعة يفاجئني باتصال أبوي، يجعلني أشعر بالتقصير أمام ما أجده في شخصيته الخلوقة.

ولد الأستاذ الدكتور عثمان القاضي  في الخامس عشر من شهر نوفمبر لعام 1940م، بأسيوط، وكان من الجيل الذي قد أتم حفظ القرآن الكريم قبل إتمام المرحلة الابتدائية، ثم التحق بالأزهر الشريف، وحصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية (وهى الإعدادية حاليا) وكان ترتيبه الأول على محافظة أسيوط والثالث على الجمهورية، ثم حصل (متفوقا) على الثانوية الأزهرية المعادلة سنة 1963م، وبعدها أيضا حصل على درجة الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية دار العلوم - جامعة القاهرة بتقدير عام جيد جدا (في السنوات الأربع) مع مرتبة الشرف عام 1967م؛ وهنا  كًلف بشغل وظيفة معيد فى كلية الآداب بسوهاج – جامعة أسيوط عام1977م، ثم حصل علي الماجستير عام1983م وعين مدرسا مساعدا، وحصل بعد ذلك أيضا حصل على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام 1987م وعين مدرسا، وترقى إلى درجة أستاذ مساعد عام 2000م، ثم ترقى إلى درجة أستاذ عام 2005، وكان يشغل قبل وفاته وظيفة أستاذ متفرغ فى كلية الآداب بأسيوط - جامعة أسيوط.

خلف الدكتور عثمان القاضي وراءه إرثا معرفيا ونقديا وتاريخيا سيظل مصدر فخر واعتزاز ومدرسة للأجيال القادمة منها علي سبيل المثال لا الحصر : السيرة النبوية لابن هشام " مصدراً أدبياً"، والشعر في مروج الذهب للمسعودي "توثيق ودراسة"، وثلاثة بحوث في الأدب العربي، وموقف العقاد من قضية الشكل في الشعر الحديث، والمقال عند زكى مبارك، وتعليقة على قصيدة النفس المنسوبة إلى الشيخ الرئيس أبى على بن سينا – تحقيق وتقديم، والاتجاه القصصي عند الرافعي، وكتاب لواعج الغرام لعبد المعين بن أحمد (ت 1040هـ) - تحقيق وتقديم، والشعر في كتاب المحبر لمحمد بن حبيب (ت245هـ) – جمع وتحقيق وتقديم، واتجاهات معاصرة فى دراسة مشكل النوع الأدبي، وإبداع المنفلوطي بين الموضوع والمترجم، وتأثير عيون الأخبار فى العقد الفريد.. وهلم جرا.

ولم يكن أستاذنا عثمان القاضي مجرد أديب وناقد وكاتب لوذعي، بل كان عاملا ناشطا في وظائفه  الممنوحة، ومشاركا حيا في النشاطات الثقافية، وكان دائما يدعو إلي  تكوين الشخصية الأدبية النقدية، وقد تأثر عثمان القاضي بعدة علماء أجلاء من المعاصرين، منهم عباس محمود العقاد، وزكي مبارك، وطه حسين، ولقد حدثني ذات مرة فقال :" أنا أرفض ما لا أفهم ! وفي سخرية أضاف : من غير المعقول أن أستعين بمترجم يترجم لي ذلك الأدب الغامض إلي نفس لغته التي كتب بها".

أقسي ما في الحياة أن يودع الإنسان عزيزا عليه، وداعا ليس بعده لقاء، ولكن تلك هي إرادة الله وسنته في خلقه، ويتعين علينا أن نرضي بقضائه عز وجل .. وعزاءنا أن أديبنا الكبير الراحل – يرحمه الله – سيظل يعيش في قلوبنا وعقولنا طوال حياتنا، بل أطول كثير في حياتنا، فإبداعاته الأدبية والنقدية ستظل خالدة عبر الزمن تضيئ مكتباتنا العربية، وتثري أفكار أجيال المستقبل، لأنها حقا أعمال رفيعة قيمة جديرة بالعظمة والخلود، ولا أظن أن أحدا يمكنه أن ينسي بسهولة قمم كاتبنا مثل موقف العقاد من قضية الشكل فى الشعر الحديث، والمقال عند زكى مبارك، والاتجاه القصصي عند الرافعي المقررة علي أبناءنا الطلاب وهذه مجرد أمثلة فقط.

وأدب الراحل الجليل من النوع الواقعي القيمي الهادف، فقد كان صاحب قلم عف شريف، وصاحب رسالة كبري مقدسة، يحرص من خلالها علي إعلاء قيم الحق والعدل، وتأكيد المفاهيم الإنسانية والدينية، وبث روح  الفن والجمال، وكل ذلك دون أن يحيد يوما عن أسلوبه الرضين الفصيح الذي أعز به لغتنا العربية، ودون أن يجنح  إلي العبث واللامعقول أو الابهام  والغموض، لإدراكه الصادق أنه لا فائدة ترجي من أدب غير مفهوم للقارئ وربما للكاتب أيضا علي حد سواء، وبالتالي فلا حياة له.

ها هو أستاذنا عثمان القاضي يرحل بعد أن أوجع قلوبنا بموته المفاجئ، تاركا في نفوسنا ألم الفقد، ومرارة الحزن والشعور القاهر بالخسارة،  رحمك الله يا أستاذنا .. رحمك الله يا شيخنا .. رحمك الله أيها الأخ الكبير .. رحمك الله وغفر لك .. وجعل جنات الفردوس نزلك ومسكنك .. لقد ضربتهم لنا مثلا في الإخلاص في العمل والتفاني فيه ابتغاء مرضات الله .. أحاديثك ونقاشاتك ومحاضراتك  يا أستاذنا سيبقي صداها في أذن الزمان، وقلبه شاهدا علي الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالتي هي أحسن .. ستبقي أعمالك وأعمال المخلصين من أمثالك شاهدة – إن شاء الله – تجدون ثوابها وأجرها من الكريم الرحمن، وسيجدها القراء في كل زمان بلسماً لجراح أرواحهم، لأنها كتبت باء الإخلاص، وسطرت بأفلام الصدق، هكذا نحسبكم، ولا نزكي علي الله أحداً، ويشهد لكم إرثكم الميمون.

إن القلم ليختنق، ولا مفر من التماس العزاء والتركيز فيما نعتقده من أن ابداع أديبنا الكبير سيظل حيا وخالدا يمتع الملايين من قرائه المعجبين.. إنه الموهبة والصفاء والقلب الحسن، والمودة والوفاء، والساحة، وقد شاء الله أن يحرمنا منها، وأن يعوضه عن حياتنا خيرا منها في رحابه الظليل.. رحل عنا عثمان القاضي وانطفأت شمعة حارب الظلام لعشرات السنين، وليس لنا الآن إلا الدعاء بأن يرحمه الله رحمة واسعة، وأن يجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا .. أسأل الله أن يعيننا علي الوفاء له، وداعا عثمان القاضي..

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الأديب حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الأديب، فتحية طيبة للدكتور عثمان القاضي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور عثمان القاضي، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط