محمود محمد عليشهد النصف الأول من القرن الـ20، نهضة كبرى في الاهتمام باللغة العربية، وإنشاء المجامع اللغوية العلمية في العديد من الدول العربية، أقدمها هو مجمع دمشق عام 1919 ثم مجمع القاهرة 1932، تلاه مجمع بغداد 1947، ثم باقي الدول العربية، فكان لا بد من تعاون المجامع الثالث من أجل إنشاء كيان يجمع تلك المجامع اللغوية وتنظيم الاتصال وتنسيق الأعمال بينها، فتم تأسيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية عام 1971 برئاسة الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي.

وقد جاءت الخطوة الأولى بانعقاد مؤتمر المجامع اللغوية العلمية العربية في دمشق خلال عام 1956 بإشراف الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، وأسفرت بحوث المؤتمر ومناقشاته عن توصيات مهمة ترمي إلى تحقيق نهضة لغوية شاملة، وأُدرجت هذه التوصيات في خمسة أقسام أساسية: أولها: تأسيس اتحاد للمجامع اللغوية العلمية العربية ينظم الاتصال بينها وينسق أعمالها، ويكون المرجع الذي يوحد المصطلحات التي تضعها المجامع والمؤسسات العلمية والعلماء، الثاني: وسائل ترقية اللغة العربية، الثالث: تشجيع التأليف والترجمة، الرابع: وضع المصطلحات العلمية، الخامس: تحقيق المخطوطات ونشرها.

وفى عام 1971 تم تأسيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، إذ اقترح فيها تشكيل لجنة تتألف من عضوية كل مجمع لغوي في القاهرة وبغداد ودمشق، لوضع نظام هذا الاتحاد، واجتمعت اللجنة بالدكتور طه حسين، وتم وضع النظام الأساسي والداخلي للاتحاد، وانتخب الدكتور طه حسين رئيس مجمع القاهرة رئيساً للاتحاد، والدكتور إبراهيم مدكور أميناً عاماً للاتحاد، والدكتور أحمد عبدالستار الجواري عن مجمع بغداد، والدكتور عدنان الخطيب عن مجمع دمشق أمينين عامين مساعدين.

وفي مثل هذا اليوم من سنة 1933 وقع الملك فؤاد مرسوما لإنشاء مجمع اللغة العربية، ومن وقتها وجد هذا الكيان المهم، الذي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك اهتمام مصر باللغة العربية والمحافظة عليها، ويعكس جزءا من هوية مصر التي لا مجال للتشكيك فيها.

وقد تأسس مجمع اللغة العربية في القاهرة في 14 من شعبان عام  1351هـ الموافق 13 من ديسمبر سنة 1932م في عهد الملك فؤاد الأول، ، وبدأ العمل فيه سنة ١٩٣٤، ومنذ هذا التاريخ ورواده وقاماته مخلصة متوفرة على رعاية اللغة العربية، لا يحرفها عن رسالتها السامية جشع سياسي أو تناحر حزبي تعبدًا في محراب اللغة، وكان عدد الأعضاء المصريين ٢٠ عضوًا، ومن العرب والمستشرقين عشرة أعضاء، وفى عام ١٩٤٠ قام وزير المعارف الدكتور حسين هيكل بإصدار مرسوم بضم عشرة أعضاء (قامات) بالتعيين، منهم الدكتور هيكل (نفسه)، ولطفى السيد وطه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم والمازني وكبار الشخصيات الأخرى.

والمجمع يُعد أرفع مؤسسة مصرية ذات تاريخ رائد منذ كان يقودها أستاذ الجيل لطفى السيد وبعده طه حسين وإبراهيم مدكور وشوقي ضيف، كما ضم المجمع الفحول من أهل اللغة والأدب؛ للنظر في لغتهم والمحافظة عليها، ووضع البدائل للألفاظ الأجنبية التي بدأت تشيع على الألسن؛ فاجتمع نفر منهم في بيت محمد توفيق البكري سنة (1310هـ=1892م) ضم: الإمام محمد عبده، وحفني ناصف، والشيخ محمود محمد الشنقيطي، وغيرهم من أهل اللغة، واتفقوا على إنشاء هيئة أو مجمع يقوم على حماية اللغة والمحافظة عليها، ووضعوا اللائحة التي تنظم شؤونه، وانتخبوا “البكري” رئيسًا لهذا المجمع، لكن هذا المجمع لم يُكتب له الاستمرار، فتوقف بعد أشهر قلائل.

ولم تخفت فكرة إنشاء المجمع، فظلت الدعوات تتصاعد بضرورة قيام هيئة علمية تنهض بشؤون اللغة العربية، فأسس الشيخ محمد عبده سنة (1318هـ=1900م) جمعية لإحياء العلوم العربية؛ لتكون نواة لمجمع جديد، ولم يُكتب لهذه الجمعية البقاء، فلحقت بمجمع “البكري”، وتوقفت عن العمل. ثم حمل الدعوة إلى إنشاء مجمع لغوي الأديب الكبير “حفني ناصف”؛ فكوَّن في سنة (1325هـ=1907م) ناديًا لخريجي "دار العلوم" برئاسته، وعقد ندوة خاصة دامت نحو أسبوعين لمعالجة بعض قضايا اللغة، وألقيت في هذه الندوة بحوث للأساتذة: حفني ناصف، وحمزة فتح الله، ومحمد الخضري، وطنطاوي جوهري، وأحمد فتحي زغلول، ولم يكن حظ هذا المجمع بأفضل من سابقيه؛ فلم يستمر هو الآخر. ولم يكد يمضي على هذه الندوة عشر سنوات حتى أخذ أحمد لطفي السيد في سنة (1335هـ=1916م) في إنشاء ما يُسمى بمجمع "دار الكتب"، واختير الإمام سليم البشري شيخ الجامع الأزهر رئيسًا له، وقد استمر في عمله فترة قصيرة، فعقد 24 جلسة، ثم توقف عن العمل بعد اشتعال ثورة 1919م، وحاول لطفي السيد استعادة نشاطه في سنة (1344هـ=1925م) لكنه لم يفلح في ذلك.

ولما تولى "أحمد لطفي السيد" وزارة المعارف اشتد اهتمامه بمشروع إنشاء المجمع اللغوي، وجعله تحت إشراف وزارة المعارف، حتى لا يكون نصيبه بعد ذلك مثل نصيب سابقيه، وبعد مجهودات مضنية في إقناع الحكومة تحقق إنشاء المجمع، وصدر مرسوم ملكي في (14 من شعبان 1351هـ=13 من ديسمبر 1932م) بإنشاء مجمع اللغة العربية الملكي، وحدد المرسوم أغراضه بأن يحافظ على سلامة اللغة العربية، وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون ومستحدثات الحضارة المعاصرة، ووضع معجم تاريخي للغة العربية، وتنظيم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة، وإصدار مجلة لنشر البحوث اللغوية.

وقد نصت المادة الثانية من المرسوم الملكي الخاص بإنشاء "مجمع اللغة العربية الملكي" على أن:   مجمع اللغة العربية بالقاهرة  أغراض المجمع هي: أن يحافظ على سلامة اللغة العربية، وأن يجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، ملائمة ـ على العموم ـ لحاجات الحياة في العصر الحاضر، وذلك بأن يحدد ـ في معاجم أو تفاسير خاصة، أو بغير ذلك من الطرق ـ ما ينبغي استعماله أو تجنبه: من الألفاظ والتراكيب، وأن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثًا دقيقة في تاريخ بعض الكلمات، وتغير مدلولاتها، وأن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة بمصر وغيرها من البلاد العربية.

ويهدف المجمع الى الحفاظ على سلامة اللغة العربيّة وحمايتها من العواقب التي ترشحها الظروف الراهنة والمتوقّعة، الناجمة – أساسًا - عن مزاحمة اللغات الأخرى ، فاللغة العربيّة في بلادنا في صراع مفتوح مع اللغة العاميّّة من جهة واللغة العبريّة من جهة أخرى، ويسعى المجمع الى جعل اللغة العربيّة وافية بمطالب العلوم والآداب والفنون، وإلى ملاءمة مستحدثات الحضارة المعاصرة والحياة المتطوّرة. سيجتهد المجمع في النظر في أصول اللغة العربيّة وأساليبها، لاختيار ما يوسّع أقيستها ويبسّط تعليم نحوها وصرفها وييسّر طريقة إملائها . وإلى ذلك سينشط المجمع في عقد المؤتمرات والندوات العلميّة والثقافيّة ، ونشر الدراسات اللغويّة والأدبيّة والإسهام في إحياء التراث العربي. كما سيقدّم التوصيات إلى الجهات المختصّة لاتخاذ ما يكفل الانتفاع بما ينتهي اليه المجمع لخدمة سلامة العربيّة وتيسير تعميمها وانتشارها. هذه الفعاليات والنشاطات والأبحاث والتوصيات سيتمّ تعميمها من خلال إصدار المجلات والنشرات والكتب والأيام الدراسيّة. سوف ينصبّ اهتمام المجمع بشكل أساسيّ على اللغة العربية، قديمها وحديثها، ودراستها في سياقاتها المختلفة: اللغوية، الأدبية، العلمية، الاجتماعية والسياسية، وكذلك على تلبية كافة الاحتياجات اللغوية للناطقين بالضاد، وتقديم الاستشارة العلمية والبحثية في كل ما يتعلق بعلوم اللغة والحضارة . وتحقيقًا لهذه الغايات يسعى المجمع إلى استقطاب خيرة الباحثين في المواضيع ذات الصلة، بالإضافة إلى المتخصصين بالعلوم الأخرى (الإنسانية، الاجتماعية فضلاً عن العلوم الدقيقة)، وإلى تأليف لجان مختلفة تتناول اللغة من كافة جوانبها وأبعادها، وتعكف على تشخيص مشكلاتها وتقديم الاقتراحات والتوصيات. ويسعى المجمع كذلك إلى التعاون مع المراكز والمؤسسات المختلفة في أكاديمية القاسمي كالمكتبة، والإذاعة والمراكز الأخرى، ومع مراكز بحثية وأكاديمية في البلاد في كافة المجالات المتعلقة باللغة العربية وملحقاتها. كما يتطلع إلى مدّ جسور التواصل مع المجامع اللغوية في العالم العربي بغية تبادل الخبرات والتجارب.

كما يضطلع المجمع اللغوي في الوقت الحالي بما يلي: عمل المعاجم اللغوية، وبحث قضايا اللغة، وضع المصطلحات العلمية واللغوية، وتحقيق التراث العربي، والنشاط الثقافي، ويجمع أعضاء المجمع بين تخصصات مختلفة، ويربطهم جميعًا المعرفة الواسعة باللغة والتمكن من آدابها، والرغبة في خدمتها والعمل على نهضتها؛ فكان من بين أعضاء المجمع الأدباء الكبار من أمثال: العقاد، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وأحمد حسن الزيات، وتوفيق الحكيم. وضم المجمع شعراء عظاما من أمثال: علي الجارم، وعزيز أباظة، ورضا الشبيب، ولغويين أفذاذًا من أمثال: أحمد الإسكندري، وعبد القادر المغربي، وعباس حسن، وإبراهيم مصطفى، وإبراهيم أنيس، وتمام حسان. وضم أيضًا مؤرخين ثقاة من أمثال: محمد شفيق غربال، ومحمد رفعت، ومحمد عبد الله عنان، وعبد الحميد العبادي، وحسين مؤنس. وقانونيين نابغين من أمثال: عبد الرزاق السنهوري، وعبد العزيز فهمي، وعبد الحميد بدوي. وصحفيين نابهين من أمثال: عبد القادر حمزة، وتوفيق دياب، وأحمد حافظ عوض. وكان من بين أعضاء المجمع بعض علماء الطبيعة والكيمياء والأحياء من أمثال: أحمد زكي، ومصطفى نظيف، ومحمد يوسف حسن، وعبد الحليم منتصر، وشرف المجمع أن كان من أعضائه من تولى مشيخة الأزهر، وهم: محمد مصطفى المراغي، ومصطفى عبد الرازق، وإبراهيم حمروش، ومحمد الخضر حسين، وعبد الرحمن تاج، ومحمود شلتوت، ومحمد الفحام. ونلفت النظر إلى ظاهرة لطيفة في أعضاء المجمع؛ فقد كان من بينهم من نال هو وابنه عضوية المجمع مثل الدكتور “علي إبراهيم الجراح” المعروف أول رئيس لجامعة القاهرة وابنه الطبيب الشاعر "حسن علي إبراهيم"، ومن نال العضوية هو وأخوه مثل الشيخين الجليلين "مصطفى عبد الرازق" وعلي عبد الرازق”، أو هو وابن أخته مثل "زكي المهندس" وإبراهيم أنيس”، أو هو وابن خالته مثل العالمين الجليلين “عبد السلام هارون” و"محمود محمد شاكر".

وللعلم فإن مصر ذات باع كبير في كل ما يتعلق بإنشاء مؤسسات تهتم باللغة العربية، وكيفية المحافظة عليها، فبجانب الأزهر الشريف جاءت الجامعة المصرية، ودار الكتب والوثائق القومية وغيرها الكثير الذى لا يمكن حصره، وكلها مؤسسات مستمرة وأداؤها متواصل والحمد لله، والمهم أن مجمع اللغة العربية على مدى تاريخه، سواء اتفقنا أو اختلفنا على بعض الفترات لا يمكن إنكار دوره المهم على المستويين المعنوي والمادي، وها هو مؤخرا يقوده الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل، المعروف بنشاطه وحماسه ورغبته في تقديم شيء ما، لذا أتمنى أن يستطيع المجمع في هذه الفترة أن بخرج علينا بقانونه الذي طالما تحدثنا عنه، والذي سار خطوات كثيرة في سبيل تحقيقه، ولكنه لم يصل بعد إلى المحطة النهائية  .

نتمنى من الدكتور صلاح فضل أن يجعل هذا القانون همَّه الشاغل، وهو يستحق فعلا، خاصة أن الثقافات الأخرى طغت بشكل واضح على اللغة العربية مما يتطلب وقفة مهمة وذلك حسب قول الأستاذ أحمد إبراهيم الشريف.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...............

المراجع

1- إبراهيم بيومي مدكور - مع الخالدين ـ الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية ـ القاهرة (1401هـ= 1981م).

2- شوقي ضيف ـ مجمع اللغة العربية في خمسين عامًا - القاهرة (1404هـ- 1981م).

3- عبد المنعم الدسوقي الجميعي - مجمع اللغة العربية دراسة تاريخية ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ، 1983.

4- إبراهيم الترزي ـ التراث المجمعي في خمسين عامًا ـ مطبوعات مجمع اللغة العربية ـ القاهرة ـ بدون تاريخ.

5-هاني رياض: مجامع اللغة العربية.. تاريخ بدأ من دمشق، العين الإخبارية،

نشر بتاريخ الأحد 2018/12/16 12:32 م بتوقيت أبوظبي

6- أحمد إبراهيم الشريف: مجمع اللغة العربية، اليوم السابع المصري، نشر بتاريخ السبت، 16 أكتوبر 2021 10:12 ص

7- حمدي رزق: إخوان فى مجمع اللغة العربية!، المصري اليوم، من النسخة الورقيه العدد: 6274 جميع الاعداد.

 

 

حسين علاويلو سلمنا ان الرسول محمد (ص) لم يأتي له وحيا، كما يشكك الكثير من المستشرقين والباحثين في علوم الاديان.. فهل كان شخصية محدودة الوعي والمعرفة.. ام انه من اعظم الشخصيات التي عرفها التاريخ البشري..

فهو مصلح اجتماعي كبير.. ومفكر تجاوز زمانه في طرح الافكار المتحررة لمكانة انسانية الانسان.. اذا ماعرفنا المجتمع الذي يعيش فيه يعبد الاصنام وتسود فيه العصبية والجهل والامية والصراعات القبلية.. وتدفن المرأة وهي حية.. ويذل فيه الانسان لسحنته وبشرته.. ويساق ويباع كقطيع الغنم.. فحرر الانسان من عبوديته..وحوله الى خليفة الله في الارض يعمرها ويبنيها.. بعد ان ساد الخراب والفساد امبراطوريات ومماليك.. وعلم الانسان ان يحول غرائزه الحيوانية الى حاجات انسانية.. وان يحول اسرار الطبيعة المضمرة الى عالم يكتشفه ويشيده.. فصار الانسان سيد كوكبه.. وكتب على نفسه، ان يحول احاسيسه الغامضة ومبهماته الباطنية الى وعي وحركة ومستقبل..

فارشده الى الحق في الاعتقادات.. والى الخير في السلوك والمعاملات.. فكان المصلح الذي غير الكثير من العادات والتقاليد الخاطئة.. والمفكر الذي حرر الانسان من الاصنام الحجرية والبشرية..

وكان اديبا وقاصا وشاعرا وناثرا.. لان الكثير من القصص القرأني تكتب باكثر من طريقة لم يألفها كبار كتاب القصة والرواية في عصرنا الحديث.. وقد استخدم كل ادوات كتابة الرواية والقصة.. بل ان كاتب سردي بأمتياز.. فالقصة في القران اداة بحث واستكشاف للواقع ومحاولة لفهم اشكالياته وتعقيداته.. وهذه مهمة القصة والرواية الابرز في عصورنا الحديثة..

اما الشعر والنثر والسجع تجده في القران والسيرة والرسائل التي كان يبعثها للاباطرة والملوك..

فامتلك الحلول والاجابات الكاملة، لاصول المشكلات الانسانية والاجتماعية.. وكيفية التعامل معها.. والا كيف استحق ان يكون خالدا.. وان يكون  محل الاسوة والقدوة..

الا ان الاسلام بعده تحول الى حكم قبلي وراثي للملوك والاباطرة والسلاطين.. وتجار الدين..!!

 ورغم ان البعض يدعي الاصلاح.. الا ان المتأمل والمتعمق في واقعنا العراقي الراهن، يلاحظ كل اصناف الفوضى والتسيب.. والتستت لطاقات شبابية وعمرية كثيرة.. فالصراع السياسي وخاصة بين الاسلاميين رسخ الاحقاد والعصبيات الحزبية والعشائرية والتي تركت اثارا كبيرة في الاجيال الجديدة مما انعكس على الدين والحركات التي تدعي الاسلام والنهل من افكارة.. وهي تعمل بنفس جماعي مناطقي منغلق.. بعيدة عن فهم الواقع وحركة العصر.. والتعرف على اليات التحريك والتغيير والنهوض به.. مما جعل الكثير  من الشباب يرفظ الانتماء الى هذه الجماعات وينفر من ذكرها..

سلامٌ على الرسول الهادي يوم ولادته..

 

حسين علاوي

 

 

فارس حامد عبدالكريم

The sequence of Iraqi civilizations throughout history:

شهدت أرض العراق قيام أول حضارة في التاريخ على أرضها، وقد سُمّيت قديماً ببلاد ما بين النهرين نسبة لوقوعها بيننهرَيْ دجلة والفرات بين آسيا الصغرى والخليج العربي، ويعود تاريخ الحضارات القديمة فيه إلى عام 10000 ق.م، وقدأبدعت الحضارات القديمة في العراق في الأدب المكتوب والفن والثقافة والتجارة، فضلاً عن الزراعة.

وهذة الحضارات هي السومرية والأكدية والبابلية  والآشورية بالإضافة للكلدانية .

 الحضارة السومرية:

وهي الأقدم والمرجّح أنّ نشأتها مابين (4000 - 4500 ق.م)، وضمت عدة مدن مثل أريدو، ونيبور، وكيش، وأور، وأوروك. وتعود بداية الحضارة السومرية لما يعرف بعصر أورك إلى بداية الألف الرابع ق.م، وهي مميزة ببدايات إنشاء المدنالأولى كما أنها ذات طراز فخاري محدد، ونشأت فيها أولى المستوطنات الزراعية على امتداد الفرات منذ الألف السادسق.م المميزة بطرزها الفخارية ذات الألوان والطابع المحدد

وهم أول من اخترع الكتابة وتعود سجلاتهم الى العام 3100 ق.م، واستخدمت لما يزيد عن ألف عام.

وقد كشفت البعثة الفرنسية في ماري بيتي عن وجود مدارس وألواح مدرسية، حيث كان الطلاب يجلسون على مقاعد منالأجر، كما أن قوائم الكلمات تشير إلى وجود نظام مدرسي في الألف الرابع ق.م، وشكلت النصوص المدرسية التي وجدتفي شورباك والتي تعود إلى منتصف الألف الثالث ق.م دليل مباشر على ذلك.

كما اخترعوا العجلة حوالي العام 3500 ق.م، ويعتبر اختراع العجلة الذي تم أيضاً لأول مرة في سومر، من الاختراعاتالتقنية ذات الأهمية البالغة، والتي ارتبطت بتدجين الحيوانات واستخدامها ليس كموارد للتغذية وبعض المنتنجاتالأخرى كالجلود والعظام، إنما أيضاً كموارد لفاعليات إنتاجية، كاستخدامها في الحرث والجر في الأعمال الزراعية،والنقل لاحقاً عند أختراع العربات حين ازداد عدد البشر في مراكز المدن الزراعية وقد بنوا السفن لاستخدامها في التجارةمع الحضارات المجاورة.

كان أول حاكم لسومر هو إتانا الذي عاش في فترة 2800 ق.م، وكان ملك مدينة كيش.

ومن اشهر ملوكها: ابيصار، امار سين، اتو حيكال، اور نمو، اوركاجينا، كلكامش، ...

ومن مصادر تاريخية متعددة ان ولادة نبي الله ابو الانبياء ابراهيم عليه السلام كانت فى منطقة أور .

الحضارة الأكادية:

 في حوالَيْ 2350 ق.م واستمرت لقرن من الزمان وتعد الامبراطورية الأكادية أقدم امبراطورية بمعنى الكلمة وعاصمتهاأكاد حيث استولى سرجون ملك الكيش على الحكم عبر الانقلاب على الحكم في سومر، واستمر 56 عامًا، وتشمل كلاً منسومر وبلاد ما بين النهرين وتمتدّ لسوريا، وهم أول من طبق الممارسات الإدارية الحديثة، والنظام القياسي للأوزانوالمقاييس، والتقويمات السنوية في العالم، وكان حكم الأكاديين مزدهرا، لما بلغ " سرجون الشيخوخة "نهضت جميعالبلدان ضده وحاصرته في عاصمته أكاد، ولكنه تمكن من التصدي للثوار وسحق جيشهم. ومات مخلفا العرش لابنه(ريموش) الذي وصف الوضع العام في عهده : (نهضت جميع البلدان التي خلفها لي والدي، ولم يبق أحد مخلص لي) ويعد عهده عهد حروب الى ان تم اغتياله من قبل حاشية قصره.

ويعتبر الملك "نارام – سن" اشهر الملوك الاكاديين بعد جده سرجون. وفي عهده أمتدت حدود الامبراطورية حتى وصلتشواطئ البحر الأحمر الآسيوية، وبذلك صارت اكبر امبراطورية عرفها العالم القديم.

لكن الامبرطورية تعرضت للغزو من قبل الشعب الغوتي بين 2200 و2150 ق.م ليدمرها تماماً.

 الحضارةالبابلية:

 تقع مدينة بابل على نهر الفرات وقد تم تأسيسها حوالي عام 2300 قبل الميلاد، وقد ازدهرت المدينة وعُرفت كثيرًاوأصبحت قوة عسكرية كبرى في عهد الملك الشهير حمورابي، حكم الملك حمورابي من عام 1792 إلى 1750 قبل الميلاد،حيث غزا حمورابي كثير من دول المدن المجاورة ووحد المناطق التي غزاها جميعًا تحت الحكم البابلي، وخلق إمبراطوريةبابل التي اشتهرت بغناها وقوتها وتأثيرها، كما وضع حمورابي أول قانون في تاريخ الحضارات القديمة في العراقوفي تاريخ العالم، والمعروف باسم شريعة حمورابي نسبةً له، لكن الإمبراطورية البابلية لم تدوم طويلا فلقد انهارت بعدوفاة حمورابي وأصبحت مملكة صغيرة لعدة قرون من الزمن فيما بعد.

أشهر معالم الحضارة البابلية:

بوابة عشتار: وهي قلعة تاريخية رائعة. ...

حدائق بابل المُعلقة: هي إحدى عجائب الدنيا السبع. ...

لوحة التشريعات لحمورابي: وهي لوحة يتم كتابة التشريعات والقوانين عليها المستند عليها من البابليين. ...

أسد بابل: وهو تمثال ضخم مصنوع من البازلت، وتم نحته أيام الحيثيين.

الحضارةالآشورية:

شملت الإمبراطورية الآشورية (900 - 600 ق.م) وعاصمتها نينوى الأجزاء الشمالية من العراق وشمال غرب إيرانوالشمال الشرقي من سوريا وجنوب شرق تركيا.

ولغتهم هي مزيج من اللغة الآرامية والأكادية،   تميّزت هذه الحضارة في مجالَي الفن والهندسة والتي لا تزال آثارهاقائمة الى اليوم، كما بنوا  القصور الضخمة التي شيّدوها من الطوب المبني من الطين واستخدموا الألواح الحجرية فيالجدران لتحقيق ثبات للبناء.  ومن ابرزها كان قصر خورس آباد الذي بناه سرجون الثاني بين 717 و706 ق.م.

ومؤسس السلالة هو "بوزور – اشور" الاول الذي وسع مناطق نفوذه مرحلة بعد اخرى. وخلفه  ابنه "شالوم – اخوم"،الذي استهلك كل وقته للحفاظ على تركة والده له. ثم اعتلى العرش "ايلو – شوما" (1855- 1825 ق. م) الذي اصطدمعسكريا مع مؤسس المملكة البابلية القديمة.

وحكم في اشور بعد وفاته ثلاثة ملوك اشهرهم الملك  " شاروكين" الاول (الملك العظيم او الكبير) او " سرجون " الاشوري (تميزا عن سرجون الاكادي) ويعد من اشهر ملوك السلالة الاشورية الاولى، واصبح ملوك " اشور " اللاحقون يقدسونهلدرجة انهم وضعوه في مصاف الالهة.

وقد أدرك الآشوريون، انه من الصعب عليهم ان يتوسعوا باتجاه اواسط جنوب بلاد مابين النهرين، مادامت تقوم فيهاممالك قوية تحول بينهم، ولذلك رنوا الى داخل آسية الصغرى وتوغلوا في داخلها خلال القرن الخامس والعشرين قبلالميلاد وتوّسعت حتّى مصر وقبرص وإلى حدود بلاد فارس

وأسسوا لأنفسهم مستوطنات تجارية في المنطقة المعروفة باسم (كبادوكيا) .

وكان الآشوريون من أعظم البنائين ولذلك شيدوا مدنا ً رائعة تعج بالمعابد والقصور، وقد اعتمدت الدولة الآشورية علىأساس عسكري حربي، مما أدى إلى استخدامها الخيل والمركبات الحربية وابتكار المنجنيق بأنواعه، كما استخدمواالحديد في صنع الأسلحة الخفيفة كالسيوف وقاموا ببناء التماثيل الخالدة كالثيران المجنحة التي تكرس قوة  الحضارةالأشورية وتدلل على ملوكها.

وامتد تاريخ الحضارة الآشورية ما يقارب 1400 سنة.

وكان الملك (آشور بانيبال) آخر وأعظم الحكام الآشوريين وكان متعلماً ومثقفا ً وفي غضون فترة حكمة أنشأ مكتبةضخمة حفظ فيها سجلات قديمة، سجل عليها العديد من النقوش الأدبية والتاريخية والرياضية والفلكية، وعندما ماتهذا الملك في عام 627 قبل الميلاد سقطت الإمبراطورية على يد الملك البابلي (حّمورابي) واصبحت اشور مقاطعة تابعةلأراضي المملكة البابلية.

الحضارةالكلدانية:

ويطلق على الإمبراطورية البابلية في هذهِ المرحلة اسم " الإمبراطورية البابلية الثانية".

 والكلدان قبيلة تتحدّث السامية هاجروا إلى منطقة بلاد ما بين النهرين بين 940 و855 ق.م.

 في عام 620 قبل الميلاد عندما عمّت الثورات أنحاء الإمبراطورية الآشورية قام الكلدانيين باستغلال الوضع والاستيلاءعلى بابل، ثمّ سيطروا على سوريا وفينيسيا وفلسطين وقبرص وإدوم وأجزاء من شبه الجزيرة العربية، ليغدو الكلدانيونقوة إقليمية.

ومن أقوى وأشهر ملوك الكلدان نبوخذ نصر الثاني الذي حكم عام 604 ق.م، أطلق عليه الفرس اسم بختنصر ومعناهالسعيد الحظ.

وكان هذا الملك قائداً حربياً ورجلاً عمرانياً محبّاً للبناء. قاد حملة إلى مصر وانتصر على الفراعنة، واستولى على قسممن فلسطين فقد جعل بابل عاصمة إمبراطوريته وبنى الزقّورات ومعبد للآلهة مردوخ، ودافع عن حدوده ليتوسّع فيمصر وأجزاء من آسيا الصغرى، وهزم نبوخدنصر الثاني الفينيقيين عام 585 ق.م.

واستولى نبوخدنصر الثاني على أورشليم عام 587 ق.م وسبي اليهود عام 586 ق.م إلى بابل.

وحسب الروايات التاريخية ان النبي دانيال عليه السلام كان ممن تم أسرهم ونقلهم إلى بابل إبان السبي البابلي لبيتالمقدس وتدميرها على زمن نبوخذ نصر. وتشير تلك الروايات انه تبوأ منصباً مهماً في دولة نبوخدنصر بعد ان اعجبهتفسير حلم له.

فكان له أيضا عدة اعمال عمرانية منها الجنائن المعلقة التي سميت بحدائق بابل المعلقة وذلك اكراما لزوجته الميديةأميديا ابنة الملك سياخريس الذي تحالف معه نبوبولاسر (والد الملك نبوخذ نصر الثاني) والتي اعدها المؤرخ والرحالةالاغريقي هيرودوت ضمن عجائب الدنيا السبع القديمة ويقول هيرودوت ان الحدائق المعلقة قام بدعمها بالمياه عبرانابيب تمكن من اصعاد المياه إلى الاعلى وهذا يكشف ان البابليون كانوا يعرفون نظرية أرخميدس .

كما قام نبوخذنصر بدعم بابل بسورين فبنى سورين احدهما داخلي والاخر خارجي وكان عرضهما كبيرا ويقولهيرودوت بان بابل هي المدينة الوحيدة التي كانت تمشي فيها العربات على اسوارها , كما بنى نبوخذنصر لمدينة بابل8 بوابات وكان اكبرها بوابة عشتار بأسم الالهة عشتار والتي كانت تمر من شارع الموكب الذي كان يحتفل به البابليونبعيد اكيتو

كما قام نبوخذنصر ببناء المعابد وبنى قصر كبير لنفسه وعبد عدة طرقات وخاصة في سوريا واُعدت بابل في زمننبوخذنصر أجمل مدن العالم في ذلك الوقت ونالت شهرة عديدة في الامم في ذلك الوقت.

يعتبر نبوخذ نصر قائداً عالمياً عبر التاريخ، كان يستفيد كثيراً باستخدام الشعوب التي يحتلها مستخدماً ذكاءه، كانيستنفذ كل الإمكانيات البشرية والمادية للشعوب التي يستولي عليها لحد التحكم بحياتهم، إلا أنه امتاز بتسامحهالديني وحرية الفكر وكان يسمح للشعوب المحتلة أن تعبد آلهتها، وكان يشارك الشعوب طقوسهم الدينية ويحترمآلهتهم، يعتبر أعظم ملوك بابل وقد اشتهر بلقب (مقيم المدن) فقد كان فاتحاً للمدن لا غازياً، وقد امتاز بأنه يعتمد علىمشورة مستشاريه وقد أُعترف بمقولته المشهورة (الكبرياء الزائدة مدمرة للنفس) ومع وفاته أنتهت فترة الاستقرارالكلداني لتنهار الإمبراطورية بعد غزو الفرس لها  على يد الإمبراطور الفارسي قورش عام 538 ق.م. في زمن الملك الكلداني بلشاصر وضمها لإمبراطوريته.

 

فارس حامد عبد الكريم

استاذ جامعي - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

 

 

محمود محمد عليتحتفي المجتمعاتُ المتحضّرةُ بأعلامها الملهِمين الكبار، فتنشر آثارَهم وتعرّف بها في حياتهم، وتوّفر لهم أفضلَ الفرص، وتقدّم لهم ما يؤمن لهم حياةً حرةً كريمة، لأنها تدرك أن قيمةَ الأوطان تُكتسب من رصيدها الحقيقي بحضورِ هؤلاء الأعلام ومنجزِهم الكبير، لكن أكثرَ الناس في مجتمعنا لا يهمّهم الاحتفاءُ بالملهِمين الكبار في وطنهم، وإن كانوا يحتفون بأعلام ينتمون إلى أوطان أخرى، وتنفق وزاراتُ الثقافة والتربية والتعليم والمؤسّساتُ الأدبية والفكرية الحكومية وغيرُ الحكومية ميزانياتٍ فلكيةً من دون أن تخصّص جوائزَ لتكريم المفكرين والمبدعين من ذوي المنجز المميز.

اليوم أود أن أحتفي بالكتابة عن علم من أعلام الفكر والثقافة العراقيين والعربيين التقدميين المعاصرين، وواحدا من مشاعلهما المتوهجة، يضج بالحيوية والنشاط، ولا يكف عن الغور في حياة مجتمعنا وسبر اعماقها، باحثا عن مخارج لمآزقها وحلول لأزماتها، وكاشفا بتواضع العالم عن الجديد دائما في هذه الميادين، وبما يقدم عونا ثمينا للساعين الى معالجة معضلاتها، والى خير الناس ورقي البلاد.

وفالح عبد الجبار هو مناضل سياسي ، وباحث دؤوب في طبيعة المجتمع العراقي، وتشكيلاته القبلية والاجتماعية والمعقدة، ومساره السياسي الذي لا يقل تعقيدا ، ألا وهو الأستاذ الدكتور فالح عبد الجبار ، ذلك العالم والمفكر العراقي الذي تسلح نظرياً بالفكر الماركسي عبر مصادره الأساسية. فصرف 20 عاماً في ترجمة رأس المال عن الإنجليزية، مقارناً إياها بالنص الأصلي بالألمانية، التي بدأ يتعلمها من أجل هذا الغرض، يتحدث اللغة الإنجليزية والألمانية بالإضافة إلى لغته الأم، وله حضورٌ إنساني شفيف يتدفقُ حياةً وذكاءً ومعرفةً ونبلًا. إضافة إلى كل هذا إنسانًا يتسم بأعظم درجات النبل والكرم والوفاء..   فالح شامخٌ في شخصيته، عنيدٌ في تفكيره، وثوقياتُه الفكرية والايديولوجية والسياسية لا تقلّ عن وثوقياتي الإيمانية، لذلك عندما يتحدث أستمع إلى لغةٍ لا تخلو من مقدّمات جزمية ونتائج يقينية حاسمة، على الرغم من أن حضورَ الجزميات في علومِ الإنسان والمجتمع أقلُّ بكثير من العلوم البحتة والطبيعية.. فالح عقل مستفز، وكل عقل يستفز عقلي يوقظ ما هو نائم فيه، أحترم فالح لأن عقلَهُ الشجاع كان يستفزني، ولأنه كان لا يستحي أن يقولَ كلَّ ما يعتقد به وإن كان مثيراً.

وظل فالح عبد الجبار منذ عدة عقود يخوض معاركه الفكرية والبحثية دون كلل، ولم يتعب من التفكير والاجتهاد في كل الميادين والمواضيع التي اشتغل عليها. وقد أدرك فالح، ومنذ وقت طويل، "أن الثقافة بُعدٌ من أبعاد السلطة، وأن للمثقف، بوصفه حاملاً ومنتجاً للمعرفة، دوراً يلعبه في عملية التغيير، لكنه أدرك، في الوقت نفسه، أن النضال الثقافي وحده لن يحقق التغيير" وهكذا افتتح الفقيد مسيرته الثقافية والفكرية والنضالية الوطنية في احضان الحزب الشيوعي العراقي.

وكان فالح عبد الجبار يعمل بطاقةٍ مؤسسية لا بطاقةٍ فردية، إذ ظل حريصاً طوال مشواره الفكري أن لا يتصدى إلا للقضايا المجتمعية الملتبسة ذات الجذور المتعددة المستويات، وذات المخرجات العملية المتداخلة الدلالات في آن معاً. ولذلك ملأ زمانه، وسيظل يملأ زماننا الحالي والقادم، لأنه ببساطة "جازفَ" بمقاربة الكليات السوسيوسياسية، ونجح في تأطيرها عقلياً في كل مرة، حتى حين كان يوغل في الجزئيات والتفاصيل. حقق كل ذلك مرة واحدة ودفعة واحدة: التأليف الفردي، والمداخلات العامة، والبحث الجماعي، وتأسيس المشاريع الأكاديمية، وإطلاق مشاريع النشر والترجمة.

فالح عبد الجبار مثقف نقدي مستنير، مسكون بحلم النهضة والتقدم، آمن بمبدأ النقد والنقد الذاتي. وسعى في حياته لاقامة الحوار الدفين بين العقل والدين والتاريخ، ومارس الكتابة الفكرية الفلسفية بوجهيها السياسي والايديولوجي، وشكل نموذجًا متفرد للمثقف العقلاني الأصيل في الفكر اليساري العراقي والثقافة اليسارية العربية.

ولد فالح عبد الجبار في بغداد عام 1946 ، وعمل في شبابه خلال منتصف سبعينات القرن الماضي، في جريدة "طريق الشعب" حيث عمل محرراً في قسم الأخبار الدولية ثم سكرتير قسم الشؤون العربية والدولية، ولاحقاً سكرتيرا للتحرير. غادر عبد الجبار العراق في بداية عام 1979 الى براغ، بعد الحملة الشرسة التي قامت بها أجهزة السلطة الدكتاتورية لتصفية كوادر الحزب الشيوعي العراقي. ثم انتقل إلى بيروت، ومنها التحق بصفوف حركة الأنصار التابعة للحزب، حيث ناضل في جبال وسهول ووديان كوردستان بسلاحه وكلماته و صوته .

وفي اواسط الثمانينات، غادر الفقيد كردستان متنقلا في عدد من المحطات منها (سوريا، لبنان، المانيا)، وفي مطلع التسعينات استقر في العاصمة البريطانية لندن، حيث نال شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من كلية بيركبك بجامعة لندن في العام 1999.

وشغل الراحل العديد من المواقع الأكاديمية المهمة، كان آخرها مدير معهد الدراسات العراقية في بيروت، وعمل سابقا محاضرا في إحدى الجامعات في لندن، كما قاد مجموعة بحث المنتدى الثقافي العراقي في كلية بيركبيك التابعة لجامعة لندن منذ عام 1994، وعمل مديرا للبحث والنشر في مركز الدراسات الاجتماعية للعالم العربي ومقرها في نيقوسيا وبيروت للفترة بين عامي 1983-1990.

وفي فجر السادس والعشرين من شباط (الشهر المشؤوم)/ 2018 غادرنا فالح عبد الجبار في رحلته الأبدية المفكر وعالم الاجتماع والشخصية السياسية والأكاديمية المرموقة الدكتور فالح عبد الجبار إثر "جلطة قلبية". هكذا إذن رحل بُغتة وهو في اوج نضجه الفكري وعطائه المعرفي يخوض معاركه من اجل التغيير والحداثة. لذا فان هذا الرحيل المبكر يشكل خسارة كبيرة للثقافة الوطنية والديمقراطية العراقية ولنا نحن اصدقاءه وقراءه وأحبته الكثر.

كان فالح إضافة إلى كل هذا إنسانًا يتسم بأعظم درجات النبل والكرم والوفاء… فالح عبدالجبار رحل مبكرًا وبشكل مباغت… هكذا من دون سابق إنذار.. رحل المؤسس الثاني للشخصيّة الاجتماعية العراقية بعد علي الوردي.. رحل عبدالجبار ولم يودّع.. لم يكن يفكر لحظة في هذا الرحيل…

وقد نعاه الباحث والمؤرخ العراقي، رشيد الخيون، في تغريدة له على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي تويتر قائلًا: "رحيل فالح عبد الجبار وفي هذا الوقت خسارة لا تعوض، كان بفكره وبقلمه وبصوته ومركزه وبحضوره باحثا وكاتبا معاندا للتخلف والانحطاط. أجد صعوبة في بث كلمات الرثاء، فقدك يا فالح غدرني وغدر بجبهة فكرية وثقافية جمعتها وشكلتها محنة عقل وضمير ووطن، تركت تراثا قيما فيه عمق الفكرة وصلابة الموقف".

رحل فالح عبد الجبار تاركاً أسئلة طازجة كثيرة كان قد وعدنا بتقديم إجابات وافية عنها عبر مشاريعه التي لم تعرف الكلل أو الإحباط يوماً، إذ غادر مسرعاً منصاعاً لفكرة الموت البيولوجي السقيم والعبثي. وإذا كان قد ترك شيئاً جوهرياً لا يصدأ في عقول مجايليه وتلاميذه وقرائه، فإنه سيحقق حيزاً مؤكداً وثابتاً له أيضاً في ذاكرة الباحثين الشباب القادمين ممن سيجدون في مؤلفاته ومحاضراته ومقابلاته المتلفزة رصيداً مدهشاً لا ينضب، يتعلمون منه كيف يمكن استيعاب مجمل التطور الاجتماعي الغامض التكوينات والغايات، ببضعة مفاهيم آسرة كان وحده يجيد مزجها ببعضها على نحو تفسيري يبطل سحر المعطيات الكلية المعقدة.

إن حياة الدكتور فالح، على امتدادها الواسع، كانت حافلة بالعطاء في العديد من ميادين المعرفة المختلفة، درسا كبيرا لأجيال عديدة من اصدقائه وأحبته وتلامذته، وعزاؤنا ان الفقيد الكبير ترك لهؤلاء، وغيرهم أيضا، إرثا طيبا من المنجز البحثي والمعرفي، ومن المواقف الأصيلة والذكريات الطيبة والسلوك الإنساني الرفيع والروح الشفيفة سيظل يتحدث عنه، ويذكر به، ويبقيه حياً دائم الحضور بيننا؛  فقد كان باحثا ماهرا يعرف صنعته جيدا بما قدمه من إبداع أصيل ومنجز بحثي مهم، سيظل محفورا في الذاكرة الجمعية. ورغم رحيله المبكر والمفاجئ سيظل فالح يشاركننا جلساتنا وصخبنا وأحلامنا وآمالنا واختلافاتنا حول الطرق الجديدة غير المطروقة ... فالاختلاف كالحراثة في الأرض، تجرحها سكة المحراث ولكنها تمنحها العافية والغلال.

أصدر الراحل كثيرًا من الدراسات الاجتماعية الخاصة بالمجتمع العراقي والفكر الماركسي ومن أهمها: «الدولة والمجتمع المدني في العراق»، و«الديمقراطية المستحيلة والدولة الممكنة»، و«معالم العقلانية في الفكر العربي» و«المادية والفكر الديني المعاصر»، وكذلك كتاب «دولة الخلافة: التقدم إلى الماضي («داعش» والمجتمع المحلي في العراق)»، «العمامة والأفندي»، و«الدولة والمجتمع المدني في العراق»، و«معالم العقلانية والخرافة والمادية»، و«الفكر الديني المعاصر»، و«بنية الوعي الديني والتطور الرأسمالي»، و«فرضيات حول الاستراتيجية»، و«المقدمات الكلاسيكيّة لنظرية الاغتراب».

إضافة إلى كتاب سمّاه «الديمقراطية المستحيلة» ودراسة عن أسباب العنف قدمها إلى منظمة اليونسكو ونشرتها في «كتاب في جريدة» الذي كان يصدر عن المنظمة وعنوانها: «في الأحوال والأهوال" ، وتوج كل هذا الجهد الميداني بدراساته النظرية مثل «فرضيات حول الاشتراكية» و«المقدمات الكلاسيكية لنظرية الاغتراب»، وآخر كتبه في هذا المجال «الاستلاب»، الذي صدر قبل شهرين فقط، واضح فيه تطوره النظري والفكري الباهر.

وقد ظل فالح  عبد الجبار يسارياً وهو في أقصى حالات نقده للماركسية وانفتاحه على مدارس علم الاجتماع الأخرى، إذ لم يغادر أبداً فرضية أن الفكر العلمي الأكاديمي ليس ترفاً معرفياً محايداً، بل له غائيته الساعية لتغيير التاريخ إلى وضع أكثر عقلانية في علاقة المحكومين بالحاكمين، وفي اعتماد أسس منصفة لإعادة توزيع الثروة، وفي إمكانية أن يتدخل (أي الفكر العلمي) دوماً لبلورة وعي سياسي جماعي متقدم عبر التأثير في العوامل المادية المنتجة لذلك الوعي، لا سيما من خلال التأثير الإيجابي في نسق العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالناس قابلون دوماً للتغيير بفعل السياقات المستجدة، أي مرشحون دوماً لإعادة إنتاج ظروف حياتهم بما يجعلهم أقرب إلى إشباع حاجاتهم المشروعة المستلبة، وهنا على الفكر العلمي أن يسهم في استكشاف هذه السياقات والعمل على إنضاجها.

وهو في يساريته هذه ظل عقلانياً وأمبريقياً، على نحو فريد، إذ زاوج بهدوء وسلاسة بين التفكير العلمي والنزعة الأخلاقية دون أن يُفسِد أياً منهما، بل تلاقحا حد التماهي. فكانت بصمته التي ستبقى ماثلة في الثقافة العراقية: إنه المفكر المهموم بقضايا المستضعفين، دون أن يفقد ارستقراطيته الأكاديمية.

وأخيراً نقول .. وبهدوء وحزن وإشراق.. أن رحيل قامة لا تتكرر كفالح عبد الجبار قبل أوانه، مغترباً خارج وطنه رغم التصاقه الروحي به، ودون إسناد أو تقدير كافيين من مؤسسات بلده، تجعلني أسترجع بأسىً القيمة الكبرى التي لطالما التصقت بكبار المفكرين الاجتماعيين: قيمة الوفاء لمجتمعهم وناسهم وذكرياتهم الأولى رغم كل شيء. وببساطة، كان فالح وفياً لأفكاره وللعراقيين الذين أحبهم كثيراً، ولذلك فإنه ككل الكبار رحل ليبقى أبداً..!

وستبقى ذكراه مضيئة في قلوبنا، ويبقى الارث الفكري والثقافي التقدمي الذي تركه لنا يسهم في انارة عقولنا، ويبقى عنفوانه الذهني محفزا لتفكيرنا وتطلعنا الى غد عراقي لا ريب فيه، واعد وصاعد على الدوام. ، وسيبقى خالدًا مخلدًا في ذاكرة المثقفين وفي قلب تاريخ الكفاح اليساري العراقي والعربي، ووداعًا

 

د. محمود محمد علي

 

عبد الحسين شعبانما أخطأتك النائبات / إذا أصابت من تحب

الشريف الرضي

لا تُذكر الشيوعية في النجف إلاّ وهي مقترنة بثلاثة أسماءٍ كبيرة، أولها–سلام عادل (حسين أحمد الرضي) الأمين العام للحزب الشيوعي، الذي استشهد تحت التعذيب في العام 1963 على يد إنقلابيي 8 شباط/ فبراير، وثانيها- حسين محمد الشبيبي (صارم)عضو المكتب السياسي، الذي أعدم في العام1949 مع يوسف سلمان (فهد)أمين عام الحزب الذي يعتبر أحد أبرز مؤسسيه والمساهم الأكبر في بنائه، ومحمد زكي بسيم   (حازم)عضو المكتب السياسي، وثالثها - صاحب جليل الحكيم (جهاد)، والثلاثة ينتسبون إلى عوائل دينية، فوالد سلام عادل درس في الحوزة الدينية، ووالد حسين الشبيبي الشيخ محمد الشبيبي كان قارئاً للمنبر الحسيني وكان منبره تحريضياً تعبوياً عامراً، أما الحكيم فوالده السيد جليل وشقيقه السيد سلمان وعدد غير قليل من آل الحكيم من سدنة الروضة الحيدرية للإمام علي أيضاً.

وعلى هذا المنوال المتنوع بين الإنحدارات الدينية والتوجّهات المدنية كان المجتمع النجفي يمورُ بالجدل والنقاش و الإختلاف بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وكانت قد انبعثت الروح التجديدية في الحوزة الدينية منذ أن جاءها الإمام الطوسي ملتجئاً في العام 448 هجرية وتوفي فيها في العام 660 هجرية.

وظلت النجف منذ نحو 1000 عام قبلة للعلوم الدينية ومرجعية مرشدةً للدارسين من شتّى الأقطار العربية والإسلامية، مثلما كان وجهها الآخر مشرقاً بالثقافة والأدب والشعر بخاصة. وعلى مرّ العهود كانت الكبرياء تسكنها، فهي مدينة عصيّة على الترويض، ولعلّها  تآخت مع التمرد، ولم تستكن في كل الظروف والأحوال، بالرغم من محاولات تطويعها في السابق والحاضر.

وعلى الرغم من أجوائها المحافظة ، إلاّ أن هاجس الإصلاح والتجديد كانا على الدوام في رفقةٍ مع نخبها الفكرية والثقافية المتنوعة.فالنجف بتناقضاتها وجوار أضدادها وروح الجدل التي تحوم حولها تمثّل "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق"،حسب السيد مصطفى جمال الدين كما ورد في كتابه " الديوان" 1995، فباحاتها وجوامعها ومساجدها ومدارسها تضجّ بالدارسين والمنشغلين بالعلوم الدينية واللغة والنحو والفقه والعبادة. حيث مرقد الإمام علي الذي يعتبر مزاراً لعموم المسلمين.وقد خرّجت النجف أعداداً كبيرة من " علماء " الدين من البلدان العربية والإسلامية وأوفدت إليها "علماء" دين يمثلون مراجع " كبار" في النجف.

والنجف مدينة مفتوحة للوافدين والزائرين وهي تقع على طرف الصحراء بالقرب من نهر الفرات المار بالكوفة وهي ملتقى الأطراف المحيطة بها من حضرٍ وبدوٍ ومللٍ ونِحلٍ وفيها أكبر مقبرة في العالم تسمى "مقبرة وادي السلام" وهي رابع المدن الإسلامية بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف وهي دار هجرة الأنبياء ومواطئ الأولياء، فقد نزل فيها النبي ابراهيم الخليل ودفن فيها النبي هود والنبي صالح وفيها انتعشت مدرسة الكوفة التي أبقت باب الإجتهاد الفقهي واللغوي مفتوحاً.

ولعل ذلك أوجد مناخاً متميزاً وأفقاً رحباً في النجف كرّسته بقبول تنوّع التيارات الفكرية والإجتماعية. فلا غرابة أن تكون النجف قد خرّجت شيوعيين كباراً أيضاً، عراقيين بالطبع وعلى المستوى العربي أيضاً من أمثال المفكر حسين مروّة الذي تمّ إغتياله في العام 1987 في بيروت والمناضل محمد شرارة والد الأكاديمية والروائية حياة شرارة والكاتبة بلقيس شرارة، وغيرهم.

وبقدر ما تكون بيئة النجف عراقيةً وعربية أصيلة فإنها كانت مفتوحة لتلاقح الثقافات وتعاشق الأعراق وتآلف اللغات والألسن، دون أن يعني ذلك إخلالاً أو إنتقاصاً من عروبتها وقيمها الحضارية وأبعادها الإنسانية، حيث كانت اللغة العربية لغة الدراسة التي لا يمكن التقدم والتدرج في العلوم الدينية والدراسة الحوزوية دون الإلمام بها وإتقانها.

شريط سينمائي

مرّ شريط سينمائي برأسي وهو أقرب إلى إسترجاعاتٍ و استعاداتٍ، وأنا في آخر زيارة لصديق العمر صاحب الحكيم ( مطلع أيلول /سبتمبر 2021 ) في منزل نجله باسم في بغداد، حيث قفزت إلى الذاكرة أسماء أخرى رنّانة من شيوعيّ النجف، وكان في المقدمة منهم حسين سلطان القيادي والوجه الإجتماعي المحبوب،وحسن عوينة ( الذي استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963)،وباقر ابراهيم الموسوي (أبو خولة) الذي قاد التنظيم الحزبي لنحو ربع قرن 1961-1984 قبل تنحيته،ومحمد موسى "حديد" ( الذي استشهد أيضاً تحت التعذيب في العام 1963 ) والدكتور خليل جميل الجواد، صديق العائلة وزميل الدكتورة نزيهة الدليمي والتي كانت قد اختفت بمنزله في النجف في الخمسينيات كما أخبرتني،ومحمد حسن مبارك المرشح للجنة المركزية، والذي عاش في عزلةٍ لأكثر من 10 سنوات توفي بعدها في ظروف غامضة وملتبسة بعد الإنتفاضة الشعبية في العام ،1991 ورضا عبد ننه (أبو جبّار) الذي توثّقت علاقتي معه بعد إنتقاله إلى حزب القيادة المركزية إثر انشطار الحزب الشيوعي في العام 1967 ودخلت معه في نقاشات مطوّلة ، وآخرين ممن عرفتهم في مرحلة الفتوة الأولى، وتأثرت بالعديد منهم، خصوصاً لسجاياهم الأخلاقية وشجاعتهم، وأولهم صاحب الحكيم .

لقاء الوداع

كان اللقاء الأخير وداعياً، هكذا شعرت وأنا الذي يكره الوداع، فقد كنت أغيب عن أصدقائي وأحبائي حين أشعر بدنوّ منيّتهم، لأنني أريد أن أُبقي في ذاكرتي صورتهم وهم في عزّ قوّتهم، إلاّ أن اللقاء الأخير كان مفروضاً عليّ وحاولت أن أتهرّب منه، وكان صاحب الحكيم قد عرف بزيارتي إلى بغداد وهاتفني مستنجداً، فكيف لي أن أزوغ عن هذا الواجب الإنساني والأخلاقي وأنا الذي عرفته منذ أن أدركتني لوثة السياسة بأحلامها الكثيرة وهمومها الكبيرة، بحلوها ومرّها كما يقال، فقد عشنا منعرجاتها وتقلّباتها وتشعّباتها وتذرّراتها وإحباطاتها، فأين كنّا وأين أصبحنا؟

بعد زيارة لما يقارب الساعة ودّعته مع كلمات مجاملة غصّت في فمي باللقاء قريباً، وهممت بالمغادرة. حين وصلت باب المنزل عدت لألقي عليه نظرة الوداع. صعدت السيارة بجوار ولده باسم وكنت أشعر بحشرجةٍ داخليةٍ أخذتني إلى عالم آخر أقرب إلى الخيال أو التوهّم، حيث بدأت الذكريات تتقافز في رأسي وتمطرني بزخّاتٍ من الأسئلة. كيف لك أن تودّع صديقاً مثل صاحب الحكيم؟ وكيف طاوعك قلبك وراودتك نفسك لدرجة إنفجرت تلك العواطف الإنسانية بشيء أقرب إلى النحيب، "فما قيمة فضيلتي إن لم تجعل منّي إنساناً عاطفيّاً؟"على حدّ تعبير الفيلسوف نيتشة.

لا أدري بمَ تمتمتُ وأنا أهّمّ مسرعاً نحو مدخل فندق بابل. لحظتها استعدت بيت شعرٍ للصديق السيّد حسين هادي الصدر، والذي بقيت أردّده يومياً طيلة الأسابيع الثلاثة المنصرمة حتى جاءني خبر وفاته الذي نزل عليّ كالصاعقة (25 أيلول/سبتمبر 2021) ، وهو الذي يقول فيه :

سيف المنايا مرهفُ الحدّ  /  يُردي ولا نقوى على الرّدِّ

وفي اللّاوعي كنت أقرأ الفاتحة على روحه صباحاً ومساءً،  مستعيداً الجواهري الكبير في قصيدته المهداة إلى صلاح خالص- أأخي أبا سعد:

فالمرء مرتطمٌ بحفرته / من قبل أن يهوى فيرتكسا

أو كما يقول في قصيدته المهداة إلى الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة السورية السابقة وهي بعنوان أسيدتي نجاح :

يظلّ المرء مهما أخطأته / يدُ الأيام طوع يد المصيبُ

أو بيت الشعر المشهور من قصيدته الإستذكارية للشاعر الرصافي 1959:

ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبه / دمُ إخوتي وأحبتي وصحابي

هكذا هي الحكمة الأبدية "فالموت يدرك كلّ ذي رمقٍ" وهو ما ورد في القرآن الكريم حيث تقول سورة الرحمن – الآيتان 26 و 27 " كلّ من عليها فان. ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام".

"أبو زمن" و الوعي الأوّل

بُعيد ثورة 14 تمّوز / يوليو 1958 وفي بدايات تكّون وعيي الأول بحكم إنتماء العائلة اليساري، وفي غُمرة الإبتهاج بالتغيير إلتقيت بصاحب الحكيم، الذي كان يُكنّى بأبو زمن وذلك بعد الإعلان عن تأسيس لجنة تحضيرية لإتحاد الطلبة العراقي العام وكان هو على رأسها، حيث أُعيد إلى الدراسة بعد أن فُصل منها لخمسة أعوام ( طالباً في الصف الثالث المتوسط – المسائي). واختارت اللجنة مقرّا علنيا لها في إحدى المقاهي في شارع نادي الموظفين بين متوسطة الخورنق وإعدادية النجف. وبعد الإنتخابات التي كانت حامية الوطيس أصبح الحكيم رئيساً للإتحاد ومثّله في المؤتمر العام الأول (بعد المؤتمر التأسيسي الذي انعقد في ساحة السباع في 14 نيسان / إبريل 1948). وتغير إسم الإتحاد إلى " إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية".

كان الحكيم (أبو زمن) عضواً في الوقت نفسه في مكتب اللجنة المحلية للحزب الشيوعي التي يقودها محمد حسن مبارك ، وفي نهاية العام 1959 ومطلع العام 1960 أصبح سكرتيراً للجنة المحلية وعضواً في لجنة منطقة الفرات الأوسط .

في فترة الخمسينيات كان يتردّد على بيتنا هو وبعض المسؤولين الحزبيين لإداء عدد من  المهمات الحزبية حيث كان  مشرفاً على اللجنة الطلابية التي ضمّت محمد موسى ( مسؤولاً) ورحيم الحبّوبي وشوقي شعبان وعبد الزهرة الحلو وكان معهم قبل ذلك عبد الرضا فيّاض الذي حكم عليه لمدّة عام وعام آخر تحت المراقبة إثر إنتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي الإنكلو- فرنسي الإسرائيلي.

وعاش شيوعيو النجف بكل جوارحهم  حالة إنشقاق (راية الشغّيلة) بكل تفاصيلها،حيث انشطر الحزب الشيوعي إلى جناحين( القاعدة و راية الشغيلة) وقد توالى على مسؤولية اللجنة المحلية التي تضمّ النجف وكربلاء حمزة سلمان الجبوري الذي استشهد عام 1963، وكان قد اعتُقل لإتهامه بأحداث الموصل إثر حركة العقيد عبد الوهّاب الشوّاف (آذار / مارس 1959)، وأُعدم بعد إنقلاب 8 شباط / فبراير. وقد استلم مسؤولية اللجنة المحلية بعده صالح الحيدري وهو من عائلة كردية معروفة وشقيق الشهيد جمال الحيدري الذي استشهد تحت التعذيب في تموز/ يوليو 1963، وكان حسين سلطان من الذين تولوا مسؤولية اللجنة المحلية لأكثر من مرة، وبعد تحقق وحدة الحزب لم يستطع سلطان إستيعاب التغيير المفاجئ، خصوصاً ما كان من خصومة وعداء واتهامات وتراشق بين الفريقين المتصارعين التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى مودة ورفقة وتضامن ومبدئيةٍ ، فاعتذر عن المسؤولية وسلّم قيادة اللجنة المحلية إلى صاحب الحكيم لفترة مؤقتة شهدت إزدهاراً ونمواً واتساعاً للحركة الشيوعية .

أبو بشائر وأسماء أخرى

أخذنا نسمّي صاحب الحكيم "أبو بشائر" بعد ولادة إبنته البكر بشائر( المهندسة حالياً )، وبعد زواجه من الشيوعية فهيمة عمران الدجيلي العضوة في رابطة المرأة والتي اعتقلت في العام 1963، وكان إسم أبو بشائر يتغيّر باستمرار إلاّ للخاصّة والأصدقاء المقربين، فحين عمل في منطقة بغداد كان إسمه "أبو محمد" وفي سوريا أطلق على نفسه "أبو سعدون" وحين إلتقيته في طهران وأنا عائد من مجزرة بشتاشان أبلغني أن إسمه "أبوهادي"، وهكذا، وعلى الرغم من أنه عمل في قطاعات تنظيمية مختلفة فتارة مسؤولاً للمثقفين وأخرى مسؤولاً عن محليّة الكاظمية ومنظماتٍ أخرى،إلاّ أنه ظلّ يتابع أوضاع الطلبة وحركتهم وكانوا أحد مشاغله أيضاً ، و بقي على هذه الحال لسنوات غير قليلة، ولاسيّما بعد خروجه من السجن وانتقالنا إلى بغداد، وحاول الإتصال بعدد من الطلبة الذين يعرفهم في الجامعات،  وخصوصاً بعد الإنشقاق الذي حصل في الحزب العام 1967 ، فانتدبته إدارة الحزب للمشاركة في تعزيز التنظيمات الطلابية والإشراف على هذا القطاع المهم الذي كان في غالبيته الساحقة مع مجموعة القيادة المركزية بإدارة عزيز الحاج، وهكذا ساهم مع كوكبة لامعة لإعادة بناء إتحاد الطلبة والتنظيمات الحزبية.

وحتى خلال فترة إدارته للتنظيم في دمشق، طلب منّي الإشراف على عقد كونفرنس طلاّبي لإختيار قيادة لجمعية الطلبة العراقيين في سوريا، وذلك بحكم تجربتي الطويلة في هذا الميدان. وقد اصطحبت معي الشاعر سعدي يوسف الذي خاطب الجمع الطلاّبي إنطلاقاً من تجاربه المهنية والفكرية، واختارت الجمعية قيس حسن الصرّاف رئيساً لها.

أوّل سجن

إثر إنتفاضة العام 1956، كان الحكيم قد اعتقل عدّة مرات في الخمسينيات، لكنه سُجن لأول مرّة لمدّة عام حيث اعتقل في بغداد، وبعد الحكم عليه نقل إلى سجن بعقوبة، والتقى لأول مرّة بالرفيق عزيز محمد في السجن والذي سيصبح أميناً عاماً في العام 1964 ويستمر في موقعه ل 29 عاماً، وحين أُطلق سراحه نُسّب للعمل لقيادة منظمة الشامية ومنها إلى الحلّة (لم يستمر فيها) وعاد لقيادة محليتها في العام 1962 ، حيث اعتقل فيها، وحكم عليه لمدّة سنتين تنقّل خلالها في سجون عديدة منها سجن بغداد المركزي وسجن الحلّة وسجن نقرة السلمان وسجن الرمادي حيث شكّل لجنة لقيادة السجن ضمّت يوسف حمدان وكمال شاكر وزهير الدجيلي.

وبعد لقاءات مستمرة أغلبها عامة وبعضها خاصة إلتقيته آخر مرّة  قبل إنتقاله إلى قيادة محليّة الحلّة وذلك خلال زيارة سريعة لشقيقه سلمان الحكيم، وبعدها انقطعت أخباره بالنسبة لي بتردّي الأوضاع السياسية واتجاه الزعيم عبد الكريم قاسم للإنفراد بالحكم وإتّباعه أساليب دكتاتوريّة وقمعيّة، ثمّ إلتقينا في المعتقل بعد 8 شباط (فبراير) 1963  لتتوطّد علاقتنا وتبدأ صداقة حميمة بيننا لم يفرّقها سوى الموت.

عائلة الحكيم

بودّي أن أتوقف هنا للحديث عن عائلة الحكيم، فشقيقه الأكبر السيّد سلمان من الشيوعيين الأوائل البارزين في النجف  وقد اعتقل عدّة مرّات ومثله الشيخ وهاب شعبان وهما من سدنة الروضة الحيدرية للإمام علي، وكلاهما نالا قسطاً وافراً من التعذيب والتنكيل. وكانت المرحلة الأولى للحركة الشيوعية النجفية قد بدأت إرهاصاتها في مطلع الأربعينيات، ويدون كتاب الصديق محمد الشبيبي عن والده الموسوم "الرائد علي محمد الشبيبي - ذكريات التنوير والمكابدة" محطات التأسيس الأولى.

أما شقيقه الثاني، فهو السيّد ناجي فقد سجن بعد 8 شباط/ فبراير1963، وبعد إطلاق سراحه عمل في لجنة محلية الكرخ لغاية العام 1970 وقد اعتُقل في قصر النهاية. وأخته العلوية زهوري هي زوجة الرفيق حسن عوينة الذي استشهد في العام1963، وكان حينها عضواً في لجنة الإرتباط لتنظيمات الحزب مع الألوية (المحافظات) والمكاتب في إطار"لجنة التنظيم والرقابة المركزية "(لترم)،ووالدته العلوية زكيّة عملت كمراسلة لأكثر من مرّة بتكليف من الحزب الشيوعي. ففي كامل مرحلة الخمسينيات كانت تزور السجون العراقية للقاء المعتقلين من أبنائها، فما أن يخرج واحد حتى يدخل آخر وهكذا. وكانت والدته وشقيقتاه عضوات في رابطة المرأة العراقية بعد ثورة 1958.

أما والده فعلى الرغم من كونه يعمل مرشداً  في حضرة الإمام علي، إلا أنه كان متعاطفاً مع اليسار مثله مثل العديد من سدنة الروضة الحيدرية من آل الحكيم وآل الرفيعي وآل الخرسان وآل شعبان وغيرهم، إضافة إلى عوائل دينية معروفة مثل آل الشبيبي وآل سميسم وآل الجواهري وآل بحر العلوم وآل الدجيلي وآخرين، وحين اعتقلت زوجة الرفيق محمد حسن مبارك في الحلة قاد السيد جليل الحكيم وفداً لإطلاق سراحها، فإلتقى بالسيد محسن الرفيعي مدير الإستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع وطلب منه التدخل لدى الزعيم لإطلاق سراحها ونجح في مهمته وهو ما ترك أثراً طيباً لدى النجفيين. جدير بالذكر أن منزل السيد جليل الحكيم هو الذي  استضاف أول كونفرنس للحزب بعد الثورة في منطقة الفرات الأوسط حضره سلام عادل وهو ثاني لقاء بين صاحب الحكيم وسلام عادل كما أخبرني .

وعلى ذكر سلمان الحكيم فقد كان صديقاً لوالدي عزيز شعبان، وقد رفض جميع المغريات خلال فترة الجبهة، وبشهامة منقطعة النظير وبمروءة عالية استضاف صاحب الحكيم لعدّة أشهُر حين تسلل الأخير إلى بغداد في العام 1983 لإعادة التنظيم وتلك قصّة درامية أخرى، لا يتّسع المجال لذكرها في هذا المقام.

وكان السيّد سلمان الحكيم بعد العام 1958 عضواً في لجنة مختصّة بالوسط الديني مؤلفة من الشيخ باقر الفيخراني والسيد نوري الموسوي وهما خطيبان منبريّان والسيد أحمد الحكيم (نجل السيد سعيد الحكيم البصراوي ) والشاعر عبد الحسين أبو شبع الذي كان عضواً في الحزب قبل ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وإسمه الحزبي "علي"، وتتبع هذه اللجنة أكثر من خلية وحلقات أصدقاء ومتفرقين يتوزعون على خدم الروضة الحيدرية والحوزة الدينية وقرّاء المنابر الحسينية وأصحاب المواكب، وكان  بعضهم من أنصار السلام . وكانت النجف تعرف تاريخهم أذكر منهم الشيخ حبيب سميسم ومحمد مصطفى الحكيم (الذي سبق له أن إلتقى بفهد) وحسن الحكيم ( الذي استشهد عام 1979 ) وثلاثتهم كانوا معتقلين معنا في خان الهنود والشيخ مجيد زيردهام والشيخ عبد الحليم كاشف الغطاء والشيخ ابراهيم أبو شبع وعدد من مرشدي حضرة الإمام علي من العوائل التي جرى ذكرها وهي تابعة للجنة المثقّفين، وكان لولبها السيد سلمان الحكيم الذي يملك "فندق النجف" في دورة الصحن الشريف، وبالقرب منه محل والدي المستأجر من صالح معلّة بعد أن انتقل من (السوق الكبير) لفترة قصيرة، ثم عاد إليه في العام 1959.

وكان بجوار الفندق أيضاً آل سنجر ومحلّهم المعروف لبيع ماكينات الخياطة، ومصطفى الأطرقجي الملقّب "أبو الزوالي – محل لبيع السجاد" ويقترب منه دكّان سهل الخيّاط ( المبالِغ في يساريته) وهو والد جواد الطالب الذي كان  معنا في الحزب الشيوعي وهو خال علي ناجي بر، وبين هذا الوسط كان السيّد خلف الحبوبي وتعليقاته على لقاء عفوي يجمع من يريد الإطلاع على جريدة " إتحاد الشعب" أو تصفّح بعض المجلّات السوفيتية مثل المدار وصحف مثل أنباء موسكو ومنشورات وكالة نوفوستي. وكان يشير بإصبعه إلى الخط الأحمر، لكن هذه اللقاءات التي استمرّت لأشهر سرعان ما انقطعت بعد تدهور العلاقات السياسية.

خان الهنود

يرجع بناء "خان الهنود" في النجف إلى القرن التاسع عشر، حيث قامت مجموعة تنتمي إلى "طائفة البهرة" ببنائه لإستضافة القادمين لزيارة مرقد الإمام علي والتبرك به. والبهرة  طائفة إسماعيلية نسبةً إلى إسماعيل إبن الإمام جعفر الصادق الذي ينسب إليه "المذهب الجعفري"، وتعود أصولها إلى أيام الدولة الفاطمية حيث يوجد لها بعض المزارات مثل ضريح "حاتم الحضارات" الداعية الفاطمي المدفون في منطقة حراز ( غربي صنعاء عاصمة اليمن) ومسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة. ويبلغ نفوس طائفة البهرة في العالم نحو مليون شخص.

إنعقدت صداقتي مع صاحب الحكيم في موقف خان الهنود، الذي كان مركز الشرطة الرئيسي في النجف، وتلك إحدى المفارقات ، حيث كان قد سبقنا إلى ذلك المكان، وكان المسؤول الحزبي عن المعتقلين الذين بدأوا يتوافدون بالعشرات، بل بالمئات إلى خان الهنود ومنها يتم ترحيلهم، وبعد استدعائه للتحقيق في الحلّة نصّب مسؤولين إثنين، ففي حالة غياب أحدهما أو إستدعائه للتحقيق يتولّى الثاني ( الظل) محلّه، وفي حالة وجودهما يتم التوافق بينهما، ويقوم أحدهما بمسؤولية العلاقة بالإدارة، الأول جواد الرفيعي مدرّس اللغة العربية والثاني حسن الخرسان من سدنة الروضة الحيدرية، وكلاهما من عائلة دينية معروفة ومن حضرة الإمام علي.

حين تكدسنا في بهو المعتقل، طلب هو إرسال الطلاب إلى الغرفة التي يعيش فيها وهي لا تسع لأكثر من 30 إلى 40 شخصاً، ولكن عددنا أصبح 88 معتقلاً وأحياناً يأخذ بالنقصان إلى 15 أو 20 وأحياناً يعود إلى سابق عهده. وعلى الرغم من وجود معتقلين عاديين معنا إلاّ أن الحكيم كان يحظى بإحترام  وهيبة كبيرين، سواءً من جانبهم أو من جانب الإدارة، وحاول أن يقوّي معنوياتنا وأن يرشدنا وأن ينبهنا، إذ كان غالبيتنا يُعتقل لأول مرة، فضلاً عن صِغَرِ سنّنا حيث كانت تتراوح أعمارنا بين سن 16 – 17 سنة ، باستثناء الصديق العزيز كاظم عوفي البديري الذي لعب دوراً في تلطيف الأجواء من الرسم إلى المطارحات الشعرية، إلى أن اختصّ بحلاقة شعر رؤوسنا التي طالت وامتلأت بالقمل، حتى أنه أصبح من أمهر الحلاقيين في العراق بعد خروجه من المعتقل، وإنتسابه إلى كليّة التجارة (لاحقاً)، حيث عمل مساءً في صالون توكالون في الكرادة.

ومن بين الطلبة المعتقلين أذكر كوثر الواعظ وطارق شكر (الصراف) وجبار رضا عبد ننة (العلي) وعلي الخرسان وكاظم شكر وفاضل جريو، إضافة إلى عبد الله الشمرتي  وحسن رجيب ورحيم كاطع الغزالي وآخرين. وقد اعتُقلنا في يومٍ واحد (10 شباط/ فبراير) باستثناء علي الخرسان الذي اعتُقل قبل 8 شباط/ فبراير لتوزيعه منشورات تدعو للسلم في كردستان في أحد المقاهي الشعبية بناءً على قرار الحزب، فتم اعتقاله، كما أن كاظم عوفي كان قد اعتقل قبلنا، وقد اعتقل معنا بعض أساتذتنا منهم داوود ملاّ سلمان وجواد الرفيعي، إضافة إلى العشرات من الوجوه النجفية التي يعرف بعضها البعض.

وقد حرص الحكيم على تجنيبنا بعض المواقف التي غالباً ما تحصل في المعتقلات والسجون، حيث تتم بعض التحرشات والإعتداءات وذلك  بوضع ضوابط للنوم والإستيقاظ، خصوصاً وأن المعتقل كان يكتظ بالعديد من المعتقلين وبعضهم من العاديين.

على حافة الشهادة

بعد شهر ونيّف إقتيد الحكيم إلى مركز تحقيق في الحلّة، بناءً على اعترافات، وتم تعذيبه في مقر الحرس القومي على يد عبد الوهّاب كريم الذي أصبح له شأنٌ كبير بعد إنقلاب 17 تموز / يوليو 1968 ولكنه قتل بحادث سيارة غامض، وكاد الحكيم ( أبو بشائر)  أن يلفظ أنفاسه من جرّاء التعذيب الوحشي، إلاّ أنّ استشهاد "شهيد خوجة نعمة " قبله، وهو من أهالي الحلّة المعروفين ، دفع الجناة إلى عدم الإستمرار في تعذيبه. وكي لا يتحملوا المسؤولية ، فقد أرسل مع مجموعة من الرفاق إلى مديرية الأمن العامة في بغداد ومنها إلى قصر النهاية ثم إلى مركز شرطة المأمون كما أشرت في مطالعة لي بعنوان " مقهى ورواد ومدينة" وهي سردية استذكارية عن النجف.

وقد أورد الحكيم بعض تفاصيل تلك الرحلة المجهولة في كتاب مذكراته الموسوم " النجف –الوجه الآخر: محاولة استذكار" 2011، حيث إلتقاهم محسن الشيخ راضي رئيس الهيئة التحقيقية الخاصة والمسؤول عن قصر النهاية وهم معصوبوا العينين، فأمر بنقلهم إلى مركز شرطة المأمون وذهب لاحقاً لتفقد أحوالهم وهو ما يذكره الشيخ راضي أيضاً في كتابه" كنت بعثياً- ج1- من ذروة النضال إلى دنو القطيعة" 2021.وقد سبق للحكيم أن أكدّ ذلك، وأن الشيخ راضي طلب من آمر الحرس القومي في المأمون تحسين معاملتهم ؛ وهو ما سمعه من مهدي الشرقي أيضاً القيادي البعثي حين نقله إلى النجف.

وقد اعتذر محسن الشيخ راضي بشجاعة للشعب العراقي فيما سبّبه له خلال تلك الفترة السوداء، وهو ما أكدّه لي خلال مقابلة خاصة سبق أن أشرت إليها أكثر من مرّة في كتاب " سلام عادل الدّال والمدلول" إذ قال بصراحة لا أعفي نفسي وكلّنا مرتكبون، وإن تفاوتت المسؤوليات وقد حاول إجراء مراجعة لتلك الفترة وللصراع السياسي الذي دار بشكل لا عقلاني ولا مبرّر ودفع الشعب العراقي بجميع قواه الوطنية ثمنه باهضاً.

وبالمناسبة فقد حظي الحكيم حسب علمي باحترام البعثيين والقوميين في النجف وهو ما لمسته من محسن الشيخ راضي وعبد الحسين الرفيعي ومهدي الشرقي وأحمد الحبوبي ومحسن البهادلي  وعبد الاله النصراوي وجواد دوش، وخلال فترة ما سمّي بالمد الثوري أو "الإرهاب الأحمر" كان يميل إلى عدم التشدّد ويسعى لإيجاد حلول للخلافات وعدم اللجوء إلى استخدام القوة أو العنف، وهو ما حصل في إنتخابات الطلاب الأولى، حيث تم الإتفاق مع الإدارة والقوى الأخرى على بعض المستلزمات لإنجاح العملية الإنتخابية.

وخلال فترة وجوده في قيادة محلية النجف وحتى قبل أن يكون المسؤول الأول لا توجد حوادث كبرى قد حصلت باستثناء بعض الإستفزازات للآخرين منها محاولة تفتيش القيادي البعثي صدقي أبو طبيخ الذي كان قادماً من السفر ويحمل حقيبة،والتعرّض لمكتب المحامي القومي المعروف وعضو قيادة جبهة الإتحاد الوطني في النجف والمنسّق مع اللجنة العليا في بغداد أحمد الحبّوبي، وهو ما أثار سخط أوساطٌ غير قليلة ضد تصرفات  المقاومة الشعبية ، خصوصاً محاولة الشيوعيين إحتكار العمل السياسي والنقابي وإستفزاز بعض رجال الدين الذين حاولوا أن يؤلبوا الشارع ضد الحركة الشيوعية مستغلين بعض نقاط الضعف في إطار دعايةٍ هجوميةٍ وتحريض لبعض أجهزة الدولة  التي توّجت بالفتوى التي أصدرها لاحقاً  السيّد محسن الحكيم المرجع الأول، باعتبار الشيوعية كفر وإلحاد( شباط / فبراير 1960) .

ولعلّ تلك مفارقة كبرى أن يكون صاحب الحكيم وأعداد غير قليلة من آل الحكيم والعوائل الدينية المعروفة من الرجال والنساء أعضاء في الحزب الشيوعي ووجوهاً إجتماعية معروفة وأن تصدر فتوى من السيد محسن الحكيم بتحريم الشيوعية.

السحل

ولا يسعني في هذه الفقرة إلا أن أذكر الحادثة التي كادت أن تمزّق النسيج الإجتماعي، خصوصاً إرتفاع موجة الكراهية والإنتقام والإنفلات بإندفاع بعض المتطرفين للإيقاع بأحد المحسوبين على التيار القومي العربي بزعم أنه متآمر وإسمه " مهدي محسن بحر" أو "مهدي الخبازة" كما كان يعرف، فحاولوا سحله، وحدث هرجٌ ومرج بين مؤيد ومعارض، وقد كان الحكيم حاضراً، فاندفع بشدّة ومعه محمد موسى وحسن عوينة للتهدئه وارتقى كتف أحد الرفاق ليخاطب الجمع بإسم اللجنة المحلية للحزب الشيوعي، وفعل حسن عوينة ذلك أكثر من مرّة وكذلك محمد موسى، لكن  الحقد كان يغلي في عروق الجموع المحتشدة. وهنا بادر العقلاء إلى إدخال "المغدور" في دكان حلاّق للحفاظ على حياته وخشية من انتقام المتعصّبين الغاضبين.

أتذكّر تلك الحادثة كأنها حصلت يوم أمس، كما أتذكر كلمات الحكيم وعوينة ودعوة المحتشدين إلى التفرّق والإنصراف إلى بيوتهم وإنهاء الإجتماع الذي لا أتذكّر مناسبته، وهو من الإجتماعات التي كانت تُعقد تأييداً للثورة أو لبعض إجراءاتها، كما طالبوهم الإقلاع عن أي محاولة تستهدف الإخلال بالأمن أو تعكير صفو العلاقات بين النجفيين خارج القانون والنظام. وبالفعل تم إنقاذ  مهدي محسن بحر الذي كان هو الآخر متشدداً في إستفزاز المحتشدين بكلماتٍ نابية، وحسبما أتذكر أو سمعت ذلك فإن الحكيم اقتاده إلى منزله ليطمئن على وصوله سالماً.

وفي حوار معه أكّد أنه لم يكن هناك حزم حزبي ضدّ مثل هذه التصرفات لكبح جماحها بما فيه الكفاية،  الأمر الذي شجّع على شيوع ظواهر التطرّف والإقصاء. ولعّل مثل هذا الإقرار والمراجعات حتى وإن تأتي متأخرة فإنها مفيدة للمستقبل وللأجيال الجديدة دون تبرئة القوى الأخرى ومسؤولياتها في إذكاء نار الصراع، فالتعصّب ووليده التطرّف لوثة فكرية إذا ما استفحلت فإنها تنتج عنفاً وإرهاباً. فحتى أعظم الأفكار والفلسفات وأكثرها نبلاً وإنسانية ، فإنها لا تعصم الإنسان من إرتكاب الأخطاء وحتى الجرائم أحياناً خصوصاً بإدّعاء إمتلاك الحقيقة والأفضلية على الآخر.

وقد جرت مناقشات بين عدد من وجهاء النجف وبعضهم على ملاك الحركة الشيوعية مثل عزيز عجينة وأمين عجينة ومعين شعبان وعبد الحسين أبو شبع والسكافي وأحمد الشمرتي وعبد الرزاق سميسم وسلمان الحكيم وغيرهم وكذلك شملت المناقشات بعض الشخصيات الدينية من بينهم السيد محمد الحسني البغدادي والشيخ محمد شعبان والشيخ عباس شعبان وآخرين عن جدوى مثل تلك الأعمال ووجّهت إنتقادات بعضها شديداً وبعضها خفيفاً إلى تصرفات المقاومة الشعبية غير المنضبطة والإستفزازية ضد الناس ومصالحهم بسبب نقاط التفتيش التي كانت تقيمها بزعم البحث عن المتآمرين، وكانت في الواقع  تعني تعقّباً وملاحقةً لحركة القوى الأخرى ، ولاسيّما القوى القومية العربية ( البعثية والناصرية) والقوى الدينية الإسلامية، وهذه الأخيرة نشطت على نحو ملحوظ في التصدي للتيار الشيوعي بتأسيس" جماعة العلماء" و"حركة الشباب المسلم" وغيرها وكانت تلك بدايات لتأسيس حزب الدعوة الإسلامي، وقد سبق لي أن دخلت في حوار معمّق مع السيد محمد بحر العلوم بخصوص تلك المرحلة وتداعياتها، وكنت قد أبديت ملاحظات بشأنها منذ وقتٍ مبكّر وعدت ودونت بعض الآراء النقدية في سردية عن السيد محمد باقر الصدر المنشورة في صحيفة المنبر الذي كان يصدرها السيد حسين الصدر الموسومة  "حلّق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة" (نشرت في صحيفة المنبر، العدد الثاني والخمسون، لندن ،أيار/ مايو 1999).

العامري – أبو كلل

أثّرت تلك الحادثة وحادثة أخرى، قتل فيها عامر العامري ( من ألبوعامر) المحسوب على الحركة الشيوعية، أكرم هندي أبو كلل المحسوب على الحركة القومية، في نفسي على نحو شديد، ودفعتني تدريجيّاً إلى نبذ العنف، بل والإشمئزاز منه بتقوية ميولي اللاّعنفية، على الرغم من التنظيرات السائدة عن "العنف الثوري"  التي كنّا نردّد بعض عباراتها ونحفظ بعض جملها، فقد كنت أعتبرها ضمن وعيي البسيط آنذاك مجرد مقولات للكتب وللتثقيف وليس للتطبيق والممارسة، خصوصاً في مجتمعاتنا المترابطة والمتشابكة.

لقد قاد مقتل أكرم هندي أبو كلل إلى أن يقوم شقيقه أحمد هندي أبو كلل المعروف بجرأته بقتل رئيس عشيرة ألبو عامر "مهدي العبد" وهو شيخ وقور وعضو في منظمة أنصار السلام والتي كان رئيسها الدكتور خليل جميل وسكيرتيرها العام صاحب الحكيم، ثم قام عدد من أفراد عشيرة ألبو عامر بقتل السيد حسن الرفيعي الكيليدار في حضرة الإمام علي، الذي اختبأ القاتل أحمد هندي أبو كلل في منزله ، حين أجهز على مهدي العبد بعد أن لاحقوا الضحية  في بغداد.

وقد أوقعتني تلك الحوادث في حيرة شديدة أساسها كيف أساوي بين القاتل والمقتول وكلاهما من أصدقائي (عامر العامري وأكرم أبو كلل ) ؟ وكيف أشعر إزاء مقتل مهدي العبد الشخصية المعروفة وهو صديق عمّي ضياء من جانب، في حين أن أحمد أبو كلل ( قاتل العبد )  صديق عمي شوقي؟ ثم كيف لي أن أستوعب مقتل السيد حسن الرفيعي وهو جار الشيخ محمد شعبان والد حسن شعبان وبالقرب من منزلنا، خصوصاً وأن علاقة عائلية حميمة تربطنا مع آل الرفيعي؟ وهكذا ترى العلاقات متشابكة ومتداخلة ومترابطة وهو ما أشرت إليه في بحث نشرته بعنوان " العنف وفريضة الّلاعنف.. شذرات من تجربة شخصية " في مجلة آفاق عراقية، كما نشرت في صحيفة الزمان العراقية في 30 كانون أول/ديسمبر 2018 .

التواصل البغدادي

بعد خروجه من السجن إلتقيت الحكيم حين وصلتني رسالة شفوية منه عبر كاظم عوفي، وكان قد حدد لي موعداً في شارع الرشيد قرب سوق الصفافير وهو يعرف أنني أتردد على "خان شعبان" في سوق المرادية بعد إنتهاء دوامي في الجامعة، وكنت حينها في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، وطال حديثنا لاستعادات واستذكارات، ثم اصطحبته إلى منزلنا ليستدلّ عليه وأعطيته رقم هاتفي للإتصال وقد سألني عن النشاط الطلابي الجامعي، فقلت له ما يزال محدوداً، وكانت تأثيرات الضربة التي تعرّض لها الحزب والإتحاد قائمة، إضافة إلى ذلك تأثيرات خط آب.

وقد استفسر مني عن التنظيمات الجديدة التي تشكّلت في النجف بعد الإنقلاب وقد أطلعته على المحاولات التي شاركت فيها، وهي تشكيل لجنة اجتمعت لمرتين في بيت عبدالله الشمرتي دون أن تكون له علاقة بذلك، سوى تهيئة مستلزمات الإجتماع، ومرّتين في الكوفة في بستان سهام الماضي، وأجرت إتصالات حينها مع مركز الفرات الأوسط بقيادة باقر ابراهيم، وضمّت عدنان الخزرجي ومحسن القهواتي وصادق مطر وجبّار (كفاح) سميسم وكاتب السطور، والتحق بها في آخر إجتماع بترتيب مني علي الخرسان، كما كان يتبعها لجنة في الكوفة ضمّت محمد الكويتي وعبد الأمير السبتي و سهام الماضي ، وكان للجنة النجف امتدادات واسعة، وهو ما ذكره في كتابه عن "النجف الوجه الآخر".

وبالمناسبة فاللجنة المذكورة، بعد أن اعتقل بعض أركانها تشتتت وعادت وإلتقت مع المسؤول الجديد عبد الرزّاق السبيس، وضمّت عباس فيروز العامل في الخياطة وحسّون صاحب مقهى، وكان لها صلة فرديّة مع عبد الحسين الشيباني (عضوها) لكنها قررت الإبقاء عليه بارتباط خاص لعمله في دائرة الكهرباء. وتفككت أواصر اللجنة بعد خط آب، وكنت قد انتقلت كلياً إلى بغداد لإلتحاقي بالجامعة. وعرفت من المراسل عبد الأمير الغرّاوي أن منظمة النجف رفضت توزيع بيان آب.

وقد سمعت عن خط حزيران/ آب1964  لأول مرّة من أحمد سنجر وكان يعمل مترجماً في السفارة البلغارية الذي زارني إلى الكلية وأطلعني على نسخة منه، واصطحب في المرة الثانية معه حسن شعبان بعد أن كان الأخير قد قام بزيارة إلى الكويت بغرض العمل ولم تكن موفّقة، وكان قد صدر الحكم ببراءته بعد إعتقاله لبضعة أشهر في الموقف العام (القلعة الخامسة) في قضية التحضير لمهرجان هلسنكي للشباب والطلاب (صيف 1962 ) ، وصادف أن أطلق سراحه قبيل إنقلاب شباط/ فبراير 1963، فإختفى في النجف طيلة فترة البعث. وقد سبق لي أن رويت قصّته في مطالعتي عن" حركة حسن السريع" الموسومة "من دفتر الذكريات – على هامش حركة حسن السريع" (نشرت في جريدة الناس على حلقتين في 15 و25 آب / أغسطس 2012 )

وفي كل لقاء كنّا نستعيد بعض المحطات، وحين حدثت هزيمة حزيران/ يونيو 1967، ونشطت القوى جميعها للتصدي لها في تظاهرات واحتجاجات، كان رأيي أن موقفنا خاطئ وذلك برفع شعار " إزالة آثار العدوان" وهو شعار لا يصلح لحزب عريق مثل حزبنا. وألمحت في أكثر من مناسبة إلى نقدٍ مباشر أو غير مباشر للموقف السوفييتي، وهو ما عدت وبلورته في موقف متكامل منذ أواسط الثمانينيات فيما كتبته عن الموقف السوفييتي من قرار التقسيم : بين الإيديولوجيا والسياسة، وسبق لي أن ألقيت أكثر من محاضرة في مركز الدراسات الفلسطينية في الشام وبيروت ونشرت جريدة الحقيقة التي تصدر في بيروت من جانب "رابطة الشغّيلة" التي يتزعّمها زاهر الخطيب نَص المحاضرة في الثمانينيات، ومثل هذا الرأي كنت أجادل فيه على شكل أسئلة وتساؤلات وإنتقادات واعتراضات حتى تبلور بشكل نهائي بتخطئة الموقف السوفييتي وما تبعه من موافقة الأحزاب الشيوعيّة على قرار التقسيم.

وقد سبق لي أن عرضت العديد من مواقف أحزابنا في كتابي " تحطيم المرايا- في الماركسية والإختلاف" وكان آخر ما قرأته في كتاب منير شفيق " من جمر إلى جمر " حيث روى له الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني فؤاد نصّار (كان حينها في المكتب السياسي) حين كان في سجن الجفر أنه كتب مقالاً لجريدة الإتحاد التي يصدرها الحزب وهو رئيس تحريرها وصف فيه قرار التقسيم "بالإستعماري البريطاني"، وفي الساعة الرابعة صباحاً أيقظ عامل التصفيف الذي يصفّ الأحرف ويركّب المقالات في مطبعة الجريدة، حيث كان نصار ينام في المطبعة وخاطبه قائلاً : يا رفيق أبو خالد "قوم شوف" لقد وافق الرفيق غروميكو (مندوب الإتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة حينها) على قرار التقسيم"، فقام فؤاد نصار كمن لسعته أفعى وطلب منه إلتقاط إذاعة موسكو ففعل، وعبرها تأكد من صحة الخبر، فما كان منه إلا أن سحب المقال السابق المعارض لقرار التقسيم، وكتب مقالاً جديداً على الفور عنوانه" قرار التقسيم في مصلحة الشعبين الشقيقين اليهودي والفلسطيني".

وقد تابعت تغيّر الموقف السوفييتي من وصف مشروع الهجرة اليهودية باعتباره مشروعاً رجعياً إستعمارياً مرفوضاً إلى إعتبار "إسرائيل" واحة الديموقراطية في الشرق الأوسط حسب تصريحات مولوتوف وزير الخارجية السوفييتي (1954). وذلك بعد أن سمح الإتحاد السوفييتي بهجرة اليهود السوفييت في أواخر الثمانينيات، وهو ما انتقدته بشدّة على الرغم من تأييدي لتوجّهات البريسترويكا والغلاسنوست (إعادة البناء والشفافية) بعد أن هيمنت البيروقراطية الحزبية وترهّلت كيانات الحزب والدولة واستشرى الفساد إلى حدود مريعة وتلكّأت التنمية بإنسداد الآفاق والإختناقات الإقتصادية، ناهيك عن شحّ الحريات التي وإن اعترف بها الحكيم إلاّ أنه كان يجادلني بالضدّ منها رافعاً من شأن الإيجابيات ومقلّلاً من شأن السلبيات.

صحيح أن الموقف السوفييتي تغيّر بعد العدوان الإنكلو- فرنسي "الإسرائيلي" العام (1956) وكان إنذار بولغانين محطة حاسمة في هذا التحوّل، لكنه استمر دون أن يرقى إلى الموقف المبدئي حتى العام 1969 حيث إتخذ المؤتمر العالمي للأحزاب الشيوعية والعمالية قراراً مؤيداً لحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، وحسب حواري مع عامر عبد الله المفكّر الشيوعي قال لي: إنه سعى في محاولات عديدة لإقناع السوفييت بضرورة وأهمية مثل هذا الموقف بالنسبة للعرب، وهو ما كان رأي نوري عبد الرزّاق حين عمل سكرتيراً عاماً لإتحاد الطلاب العالمي (1960-1967 ).

الطلاب وانشطار الحزب الشيوعي

كانت الإنتخابات الطلابية قد جرت في ربيع العام 1967، وفاز فيها إتحاد الطلبة، وقد فصّلت في كرّاس صدر عن مطبعة طريق الشعب في بشتاشان والموسوم "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق"1983 ، تفاصيل تلك الإنتخابات وما تركته من أثر إيجابي على تنشيط الأوضاع الحزبية وارتفاع نسبة الجدل والحوار الداخلي ، والتي ترافقت مع ردّة الفعل الشعبية والتظاهرات العارمة ضد عدوان 5 حزيران/ يونيو. وللأسف الشديد فإن الصراعات الداخلية للحزب كانت حادّة، بل شديدة التقاطعات ، فانفجر الصراع الكامن والذي ظلّ يعتمر لسنوات، فانفصل فريق بإسم "القيادة المركزية" واحتفظ الفريق الثاني بإسم " اللجنة المركزية" وكنت " منزلة بين منزلتين "، فمن جهة أؤيد بعض توجّهات القيادة المركزية السياسية، ومن جهة أخرى أعارض توجهاتها التنظيمية ، خصوصاً إستخدامها للعنف ضدّ رفاق الأمس وضدّ قيادات شيوعية، حيث احتجز زكي خيري وقبله بهاء الدين نوري الذي تمكّن من الهرب، فضلاً عمّا اتبعته لاحقاً من أساليب كفاحية بإسم "العنف الثوري" بنقل تجارب أخرى تأثراً بالتيّار الجيفاري، وفي وضع أقرب إلى المغامرة والطفولة اليسارية.

كان الحكيم قد كرّس كل وقته لمواجهة الإنشقاق وقد عقدنا جلسات مطولة محاولاً إقناعي، وكنت قد شعرت بمرارة شديدة حينها وحيرة كبيرة وتوزع فكري ونفسي وصداقي. كما حاول رضا عبد ننة الإتصال بي لإقناعي الإنضمام إلى القيادة وفضّلت لبعض الوقت "العزلة المجيدة" كما كنت أسمع عنها ممن سبق أن عاشها في السجون، أيام راية الشغيلة، وحتى بعد انشقاق العام 1967 مثل كاظم فرهود الذي احتفظ باستقلاليته، ولم تكن تلك المرّة الأولى التي أشعر فيها بانفصال روحي عن التوجهات السائدة وأساليب العمل البيروقراطية.

وبما أنني لم أكن قيادياً أو مسؤولاً، بل كنت مجرّد شيوعي حالم، بدأت تساؤلاته تكبر مع مرور الأيام، ليودّع الإيمانية التبشيرية الدعائية  وينتقل تدريجياً إلى التساؤلية  النقدية العقلية، لذلك ازداد قلقي وكبر،ولكن تطور الأحداث كان كفيلاً بتغيير بعض قناعاتي وبدأت العمل مجدداً في المجال المهني (طلبة وحقوقيين وجمعية العلوم السياسية) وفيما بعد في المجال الحزبي مع احتفاظي بملاحظاتي التي كانت تتضخّم.

وأستطيع القول أن السجايا الأخلاقية لصاحب الحكيم قبل الإقناع السياسي أو المستوى الفكري كانت وراء بعض ليونتي تلك، وظلّ يتابع أوضاعي وساهم فترة في قيادة لجنة كنت عضواً فيها. وحين اشتدّت حملة الإعتقالات إنقطعت الإتصالات بيننا واتصل بعمّي شوقي وأبلغه بأن عليّ أن أكون شديد الحذر، حتى وإن كنت وجهاً معروفاً ومُنحت عضوية شرف من الإتحاد الوطني لطلبة العراق بعد مؤتمره الأول (نهاية العام 1969) مع نوري عبدالرزاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمّن تقديراً لدورنا في الحركة الطلابية.

وحين أصبح في موسكو وأنا في براغ بعد عام من الفراق تقريباً طلب مني في رسالة معرفة لقائي مع الملّا مصطفى البارزاني حيث كنت على رأس وفد زاره في كلالة في أيار/ مايو 1970، وكتبت له عن ذلك، بالخطوط التي كانت معروفة ومنشورة في "جريدة كفاح الطلبة"و"جريدة طريق الشعب"(السرّية) وبعض القضايا الخاصة.

مواقف خاطفة

بعد عودتي إلى بغداد كان أول لقاء لي هو مع الحكيم " أبو محمد" في مقر لجنة بغداد، وحين عرف أنني سألتحق بالخدمة العسكرية، طلب مني قطع جميع علاقاتي الحزبية وعدم التردد على الأماكن الخاصة، بل وإنهاء علاقتي تماماً وكنت قد قرّرت ذلك،ولم ألتفت للتوجيهات الحزبية، ولم ألتقيه مرّة أخرى سوى في دمشق 1980 حيث نظّم لقاءً لي مع الرفيق أبو خولة ( باقر ابراهيم) وطلب مني الأخير إستلام مسؤولية العلاقات مع القيادة القومية السورية ومع القوى السياسية الأخرى. وحضرت مع عبد الرزّاق الصافي بعض إجتماعات  الجبهة الوطنية والقومية التقدمية (جوقد) ومنها الإجتماع الذي تم فيه تجميدنا.

ولكن الحكيم بحكم الصداقة طلب مني الإنضمام إلى لجنة دمشق التي كان يديرها (لجنة داود) بالرغم من إثقالي بمهمة الإشراف على تنظيمات المثقفين، ثم لاحقاً الإشراف على تنظيمات الطلبة، وبعد ذلك الإشراف على العمل المهني والديموقراطي كما نطلق عليه الذي جمع (الطلبة والشبيبة والمرأة ورابطة الكتاب ولجنة المهجرين) وحاولت الإعتذار لكنه أصرّ علي، وكنت أحرر محاضرها وأكتب تقاريرها.

وحين استضفنا الرفيق عزيز محمد في إجتماع موسّع وبحضور نخبة من الكوادر وحضور الحكيم كذلك في منزل الرفيق علي السامرائي، قدّمته بالعبارات التالية : هذا أمينكم العام فصارحوه، وكنت أعرف ثمة إعتراضات وآراء ووجهات نظر وتحفّظات على السياسة العامة والتنظيمية، فضلاً عن تململات وإرهاصات مغايرة لسياسة الحزب بشان الحرب العراقية – الإيرانية، ومنها ما كنت أتبناه وما كتبت عنه.

علمت أن الحكيم لم يكن مع قرار عقد الجبهة الوطنية في العام 1973، خصوصاً التنازل لحزب البعث باعتباره يلعب دوراً متميّزاً في قيادة الجبهة والسلطة والمجتمع. و خلال الحرب العراقية – الإيرانية، أخذت بعض مواقفه تقترب من مواقفنا بإدانة الحرب ورفض المشروع الحربي والسياسي الإيراني وإن كان بتحفّظ. كما لم يكن مع نتائج المؤتمر الرّابع الذي حُرم من حضوره حيث كان قد وصل إلى المنطقة التي انعقد فيها بعد أن تسلل إلى بغداد وبقي فيها لنحو عامين اختفى لفترة منها في النجف في منزل شقيقة السّيد سلمان، لكن ذلك كله لم يشفع له لأنه احتسب على ملاك باقر ابراهيم المغضوب عليه ومجموعة المعارضة الحزبية حتى وإن لم يكن منها، فأبعد تحت حجج أمنية حاولت النيل منه والإساءة إليه.

وكنت حين إلتقيت به في طهران قد حاولت ثنيه من التسلل إلى بغداد وكتبت رسالتين عبر الرفيق جاسم الحلوائي (أبو شروق) إحداها إلى المكتب السياسي والأخرى إلى الرفيق باقر ابراهيم ، لكن الرسالتين وقعتا بيد الأجهزة الأمنية الإيرانية بعد إلقاء القبض على المراسل كما علمت من أبو شروق لاحقاً. كما إلتقيت به في طهران في أحد المرات بصحبة الرفيق قاسم سلمان "أبو الجاسم" والرفيق جميل إلياس منصور "أبو نغم أو أبو جمال" وكانا متوجّهين معه إلى كردستان وقد سمع مني ما حصل في مجزرة بشتاشان التي نجوت منها (أيار/ مايو 1983). أما هو فقد توجّه إلى الداخل.

وبعد انفضاض المؤتمر الرابع والنتائج التي خرج فيها تقرّر أن يعمل الحكيم في طهران في الظروف الأمنية القاسية، خصوصاً بعد الإعتقالات الواسعة التي طالت حزب تودة الشيوعي الإيراني، وقد اتخذ جميع الإجراءات كي لا يقع بقبضة الجهات الأمنية، كما حصل للرفيق حيدر الشيخ الذي بقي في السجن لمدة 5 سنوات. ثم جاء إلى دمشق حيث إستقبلته بعد مراسلات وإتصالات عديدة، وقد كنا حينها نصدر صحيفة المنبر التي كنت أشرف على تحريرها ، وقد هيّأت له مستلزمات المجيء عبر برقية من القيادة القومية، واستضفته ليومين في المنزل ( حسب الإتفاق)، ثم انتقل إلى بيت حسين سلطان لعدّة أيام، إلى أن تم توفير سكن له، وظل خلال تلك الفترة على الهامش وهو ما يذكره في مذكراته ، حيث لم توكل له أيّة مهمة.

واعتبر متعاطفاً مع تيار المعارضة الحزبية علماً بأن ماجد عبد الرضا كان قد فاتحه في براغ وكذلك بهاء الدين نوري  وكل على انفراد، فاعتذر منهما كما أخبرني، وكنت أعرف رأيه وبعض ملاحظاته السلبية على نهج المعارضة الحزبية بما فيها مجموعة باقر ابراهيم، على الرغم من تأييده بعض وجهات نظرها ، فقد اقترب من بعض مواقفنا السياسية والفكرية ، فضلاً عن العلاقات الصداقية الحميمة مع بعضنا، ولكنه كان متردّداً بشأن التنظيم وهو الموقف ذاته الذي اتخذه من الرفيق أبو خولة. وبقدر ما كان يدين الإجراءات التعسفية ضد المعارضة الحزبية فإنه كان ينتقدها أحياناً، مستعيداً تجربته مع راية الشغّيلة، وقد عبّر عن ذلك على نحو واضح  خلال انتقالنا إلى براغ 1989 ( عامر عبد الله وباقر ابراهيم وعدنان عباس) وقبل ذلك كان معنا حسين سلطان قبل عودته إلى العراق، وماجد عبد الرضا الذي كان قد سبقنا ، وكان في زيارتنا المستمرة مهدي الحافظ الذي كان يأتي من فيينا ونوري عبد الرزاق من القاهرة، كما زارنا بهاء الدين نوري وفتح حوار معنا .

كان هدف زيارة الحكيم إلى براغ هو مراجعة السفارة العراقية للحصول على جواز سفر بعد تعليمات حزبية بالتوجه إليها ، وكان ذلك قد تقرّر عقب إنتهاء الحرب العراقية- الإيرانية وترافق مع انهيار الأنظمة الإشتراكية في نهاية الثمانينيات واستكمال المفاوضات لتحقيق وحدة اليمن التي كنا نستخدم جوازات سفرها (اليمن الجنوبية). ثم تقرر على نحو شبه جماعي التوجه إلى بلدان اللجوء عشيّة غزو الكويت وبعيد كارثة الحرب. وقد استضفته في براغ لمدة ستة أشهر قبل أن أتوجه إلى لندن.

وحين حانت لحظة سفره إلى كوبنهاغن وكنت قد اتفقت مع أحد الأصدقاء البحرينيين لمرافقته وتأمين مستلزمات لجوئه ومساعدته ،إلاّ أنه ظل طيلة مساء وليل ذلك اليوم يصعد وينزل وكأنه لم ينم. ونظر إليّ نظرة استفهام وتساؤل وفهمت معناها على الفور : أيليق بي أن أكون لاجئاً؟ و طلب مني مباشرةً الإقلاع عن الفكرة إلّا إذا كنت معه، ولكنني كنت قد أمّنت سفري إلى لندن وكان من الصعوبة تأمين ذلك له في فترة وجيزة وعملت كل ما في وسعي لكي أمدّد له الإقامة لمدة ستة أشهر. وطلب مني مرافقته إلى دمشق حيث كان يخشى الإيقاع به وكنت قد ذهبت قبل ذلك إلى دمشق لمرافقته إلى براغ عبر لارنكا (قبرص) حيث استضافنا الصديق العزيز فراس فاضل عباس المهداوي لمدة يومين.

ستبقى هذه السردية ناقصة لأنها لم تغطي سوى شذرات من سيرة مناضل لا يمكن أن نعطيه حقّه ونحيط بكل جوانب ما قدّمه ، فقد إجترح عذابات وحرمانات لا حدود لها وعاش خارج الأضواء زاهداً متواضعاً كتوماً محافظاً على سرية عمله حتى بالظروف الطبيعية، وقد كنت قد فرضت إسمه العلني حمايةً له  في الشام على الرغم من تمنّعه في البداية ، لكن ذلك شكَل، في ظروف الصراعات الحزبية والدسائس والمؤامرات والوشايات، ضمانةً له ضدّ تداخلاتٍ أمنية، لاسيّما وأن مواقفه كانت ضدّ الحصار والعدوان واحتلال العراق وهو ما وقع به آخرون.

عاش صاحب الحكيم شيوعيا نقيّا ووطنياً أصيلاً وإنساناً شريفاً وهو في كلّ مراحل عمله امتاز بتعامله الإنساني وبروح المودة والتآزر والتضامن والرحمة بين الرفاق، ولذلك وقف ضدّ إجراءات القمع والتنحيات والمقاطعة الإجتماعية، وهي أساليب تنتمي إلى الحقبة الستالينية المظلمة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

محمود محمد عليتعد فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي فترة نهضة فكرية وثقافية في مصر؛ ما دفع البعض أن يطلق على هذه الفترة "العصر الذهبي لمصر"، إذ شهدت طفرة في كل المجالات سواء في الفن أو الفكر أو الطب والإعلام؛ ومثلما كان طه حسين ورياض السنباطي وعبدالوهاب رواد فيما يخص الفن والثقافة والفكر، كان التوأمان مصطفى وعلي أمين خير مجددين في مجال الصحافة المصرية (1) .

ولما كان تاريخ الصحافة لا ينفصل عن التاريخ السياسي لأي دولة.. فالصحافة هي مرآة المجتمع ومصدر من أهم المصادر التي يعتمد عليها المؤرخون ، وبهذا الصدد لا شك في أن التوأم مصطفي وعلي أمين كانا ظاهرة قلما تتكرر في الصحافة ،فهما علمان من أشهر أعلام الصحافة المصرية، أسسا مدرسة جديدة للكتابة الصحفية وقدموا العمل الصحفي في ثوب جديد، رحلوا تاركين ما كتبوا يتحدث عنهم، تركوا خلفهم أرث كبير من العمل الصحفي والعمل الخيرى، أيضا تظل ذكراهم علامة فارقة فى تاريخ الصحافة المصرية حتى بعد مرور سنوات طويلة على رحيلهم هم “مصطفى وعلى أمين” أو كما أطلق عليهما توأم الصحافة المصرية، والذي نحتفل بذكرى ميلادهم الـ 107 (2)

وفي الأيام القليلة المقبلة تمر علينا الذكرى الـ 107 على ميلاد التوأم مصطفى وعلى أمين، أحد عمالقة الصحافة المصرية والعربية، إذ تم ميلادهما فى 21 فبراير 1914، كان والدهما "أمين أبو يوسف" محاميا كبيرا، أما والدتهما فهي ابنة أخت الزعيم سعد زغلول، ومن هنا انعكست الحياة السياسة بشكل كبير على حياة الطفلين حيث نشآ وترعرعا في بيت زعيم الأمة.

ودائما ما يسمى الشخص باسم أبيه، إلا مصطفى وعلي أمين، فيسبق اسمهما "معا" اسم أبيهما، هكذا يتم ذكر اثنين من عمالقة المهنة، هذا الارتباط لم يكن بسبب كونهما مجرد توأم فقط، لكنهما أسسا واحدة من أعرق الصحف المصرية والعربية "أخبار اليوم" وزخرت حياتهما بالعديد من الأحداث والمواقف والخبرات لا تزال تنثر رذاذها في فضاء المهنة حتى الآن (3).

ولد التوأم مصطفى وعلي أمين في مثل هذا اليوم 21 فبراير 1914، قبل 106 أعوام، كان والدهما "أمين أبو يوسف" محاميا كبيرا، أما والدتهما فهي ابنة أخت الزعيم سعد زغلول، ومن هنا انعكست الحياة السياسية بشكل كبير على حياة الطفلين حيث نشآ وترعرعا في بيت زعيم الأمة.

وقد ولعا التوأم منذ نعومة أظافرهم بالكتابة الصحفية وكانت أولى اهتماماتهم، وبدافع من هذا حبها أسسا الأخوين مجلة أطلقا عليها اسم مجلة ” الحقوق” عام 1922م وهما فى سن الثامنة من عمرهما، وكانت المجلة لا تتعدى كونها منزلية تحمل أخبار بيت الأمة من الزوار والخدم وغيره من أومور المنزل، وكان تأسيسها إشباعا لرغبة العمل الصحفي داخلهم، تبع هذا العمل عدة أعمال مشابهة حيث أسسوا مجلة مدرسية عام 1928م ، في عام 1930م عمل مصطفى أمين بمجلة “روز اليوسف”، وهو ما يزال طالبا في المرحلة الثانوية وبعد إتمام دراسته الثانوية سافر مصطفى أمين إلى أمريكا لإكمال دراسته فالتحق بجامعة “جورج تاون” لدراسة العلوم السياسية، وحصل على ماجستير فى العلوم السياسية عام 1938م ، بينما حصل على أمين على البكالوريا وسافر إلى إنجلترا عام 1931 لدراسة الهندسة بجامعة “شيفلد” ، وحصل على ليسانس الهندسة في عام 1936م .(4) .

وكانت الصحافة هي العشق الأول لمصطفى أمين وكذلك شقيقه، وبدأ العمل بها مبكراً وذلك عندما قدما معاً مجلة "الحقوق" في سن الثماني سنوات، والتي اختصت بنشر أخبار البيت، تلا ذلك إصدارهما لمجلة "التلميذ" عام 1928، وقاما فيها بمهاجمة الحكومة وانتقاد سياساتها، فما لبثت أن تم تعطيل إصدارها، أعقبها صدور مجلة "الأقلام" والتي لم تكن أوفر حظاً من سابقتها حيث تم إغلاقها أيضاً ؛ وشهد عام 1944 مولد جريدة "أخبار اليوم" بواسطة كل من مصطفى وعلى أمين، وكانت هذه الجريدة بمثابة الحلم الذى تحقق لهما، وبدأ التفكير بها بعد استقالة مصطفى من مجلة "الاثنين" حيث أعلن عن رغبته في امتلاك دار صحفية تأتى على غرار الدور الصحفية الأوروبية (5).

وعلى الرغم من الدراسة التى كانت بعيدة عن مجال العمل الصحفي، إلا أن حبهما للعمل الصحفي لم يقل بل تمسكا الأخوان به أكثر وعلى الأخص مصطفى أمين حيث عمل بمجلة ” آخر ساعة ” التي أسسها الصحفي والكاتب ” محمد التابعي”، وقد حقق مصطفى أمين خلال فترة عمله بالمجلة نجاحا ملحوظا، ولم يكتفى ” أمين ” بعمله الصحفي بمجلة آخر ساعة بل أصدر” مصطفى أمين ” عدد من المجلات والصحف منها “مجلة الربيع ” و"صدى الشرق” وقد أوقفت الحكومة كل تلك الإصدارات بسبب الانتقادات الحادة التي كان يواجهها مصطفى أمين للحكومة ورجالها، وفى الوقت ذاته تقلد ” على أمين ” عددا من الوظائف منها مديرا لمكتب وزير التموين عام 1941 م ، ثم مديرا لمكتب وزير المواصلات وفى عام 1942م مديرا لمكتب وزير المالية عام، وعام 1943 مديرا عاما للمستخدمين والمعاشات، ولكن بمجرد البدء في التفكير فى إصدار دار أخبار اليوم حتى تفرغ على أمين إلى العمل الصحفي الجديد (6).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

الهوامش

1- محمد نبيل: مصطفى وعلي أمين.. توأمان صاحبة الجلالة، البوابة نيوز ، الثلاثاء 21/فبراير/2017 - 03:01 م

2- منة الله عصام: “مصطفى وعلى أمين”..سنوات على مولد توأم الصحافة، 21 فبراير, 2021 - (6:44 مساءً)؟

3- أحمد البهنساوى: مصطفى وعلي أمين.. 106 أعوام على ميلاد توأم الصحافة وبيت الأمة، صحيفة الوطن المصرية، نشر بتاريخ

05:17 ص | الجمعة 21 فبراير 2020.

4- منة الله عصام: المرجع نفسه.

5-محمد عبد الرحمن: عمالقة الصحافة المصرية.. 107 سنوات على ميلاد مصطفى وعلى أمين أشهر توأم صحفين، اليوم السابع، الأحد، 21 فبراير 2021 12:32 م.

6- منة الله عصام: المرجع نفسه.

 

2890 كنعان محمد جميلالدكتور كنعان محمد جميل والتعيين في كلية الطبّ

زرتُ بغداد ذلك الوقت (ربيع 1978) لغرض إيجاد مقعد تدريسي في كلية الطب أو الصيدلة ، فلذا زرت صديقي المرحوم الدكتور يوسف عبو رئيس قسم الفارماكولوجي في كلية طب بغداد الذي قدّمني بدوره إلى رئيس قسم الكيمياء الحياتية الدكتور فاضل (كما أتذكّر) وتركني معه . قلت للدكتور فاضل إنني حصلت على شهادة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية (أريتُه الأطروحة) وأنا الآن في الأشهر الأخيرة من دورة الماجستير في (الباثولوجي التجريبي والفارماكولوجي) - مستشفى همرسميث - لندن . فأجابني بأنه لم يرني في مستشفى همرسميث أثناء زيارته لصديقه فخري (أبو عمر) وهو صيدلي عراقي من الموصل يعمل في مستشفى همرسميث لنيل شهادة (زميل كلية الباثولوجيين الملكية) فأجبته بأن فخري صديق لي أيضاً تعرفت عليه حديثاً في المستشفى المذكور وباستطاعته (الدكتور فاضل) أن يسأله عني . فلم يقتنع ورفض تعييني . أخبرت الدكتور يوسف بالأمر ، فاستغرب وأخذني إلى الدكتور كنعان محمد جميل رئيس قسم الكيمياء الحياتية الطبية في كلية الطب – الجامعة المستنصرية وقدمني إليه . رحّب الدكتور كنعان بي وقبلني فوراً، فسررت لذلك جداً وشكرته وأخبرته أنني سأبدأ العمل في الكلية في هذه السنة الدراسية التي تبدأ في أيلول القادم. كان الدكتور كنعان مخلصاً في عمله إلى أبعد الحدود، فهو لا ينظر إلى الشخص من ناحية حزبية أو طائفية ولا يهمّه من يكون، بل إلى ما يستطيع أن يقدّم  من معرفة وعلوم يستفيد منها الطلاب ليعلو قسمه في الكلية. وهو حريص وجادّ في عمله إلى أقصى حدود.  رجعت إلى لندن فرحاً منتصراً . وبعد شهر تقريباً من عودتي  رمقت الدكتور فاضل خارجاً من مستشفى همرسميث ورمقني داخلاً فيها ، فلم يُحيِّنِ ولم أحيِّـه . وعلمت بعدئذ من السيد فخري أنّه كان في طريقه إلى براغ للتعاقد مع بعض الأساتذة للتدريس في بغداد ولا أدري أفي الكيمياء الحيوية أم غيرها!

أحرامٌ على بلابلهِ الدّوْحُ**حلالٌ للطير من كلّ جنسِ؟ (أحمد شوقي)

ترجمة وتأليف

معاهدة أو اتّفاقية كامب ديفيد التي عقدها الرئيس المصري أنور السادات مع إسرائيل (مناحيم بيغن) برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر عام 1979 أغضبت صدّام حسين فقام بفسخ عقود الأساتذة المصريين وطردهم من العراق. وكان بعضهم في كليتنا مشاركاً في ترجمة كتاب (الكيمياء الفسلجية)ً تأليف (ليلنجر) وكان محرر الترجمة الدكتور كنعان محمد جميل. فحدث فراغ ، حيث أنّ أحد الأساتذة المصريين كان مكلّفاً بترجمة قسم الهورمونات من الكتاب، وهو أطول فصول الكتاب. ولمّا غادر العراق، سألني الدكتور كنعان إن كنتُ أرغب في ترجمة هذا الفصل، فأبديت استعدادي. وكنتُ في الحقيقة أستعدّ لمغادرة العراق نهائيّاً عند انتهاء السنة الدراسية، فالوضع متأزّم بين العراق وإيران. وكنتُ أعمل لتصفية أموري في العراق بحذر دون جلب أيّة ريبة، فقد أُمنع من السفر إن انكشف أمري. لذا وافقت على الترجمة (للتغطية على مشروع المغادرة) وأنا أعرف (ثقلها) ففصل الهورمونات، هذا الطويل من الكتاب، يزيد على مئة صفحة، وعليّ أن أترجمه في شهرين أوثلاثة. فبدأت أعمل فيه فأنهيته في أقلّ من ثلاثة أشهر وزملائي المترجمون الآخرون لم يكملوا ترجماتهم التي بدؤوها منذ سنوات، لذا جاء طبعه متأخّراً وبسبب الحرب العراقية- الإيرانية أيضاً. ثمّ إنّ الدكتور كنعان، وهو جادّ في عمله، رغب أن نؤلف كتاباُ في (الكيمياء الطبية)، بالاشتراك مع الدكتور خالد سلطان عبد القادر،فكانت حصتي أن أكتب قسم الكيمياء الحياتية من الكتاب، فكتبته في شهر واحد. صدر الكتابان، الكيمياء الطبيّة، والكيمياء الفسلجية (الترجمة جاءت بثلاثة أجزاء) في الأعوام 1986 و1987 و1988 (بعد مغادرتي العراق عام 1980)  هذا ما ورد في المذكرات التي (لم تُطبع بعد)2889 بهجت عباس

الرّحيل

استمرّ التواصل مع الدكتور كنعان طوال السنين التي أعقبت، وزارني في كندا عام 1985، وبعد عام 2003 غادر العراق إلى الولايات المتحدة – كاليفورنيا واستقرّ فيها وكان التواصل قائماً وخصوصاً خلال إقامتي في سان دييغو- كاليفورنيا (جنوب) وكان في شمالها. كان إنساناً لطيفاً ودوداً يساعد من هم بحاجة إلى مساعدة يستطيع القيام بها. ولكنّ القدر لا يرحم في أكثر الأحايين، فقد تسلمت إيميلاً صباح يوم 24 أيلول بخبر صادم صاعق ينعى هذا الصديق الذي قضيت معه أطيب الأيام، ففقدت إنسانا وصديقاً لم يزل في خاطري وبقيت غير مصدّق أنني سوف لن أراه بعد هذا اليوم ولن أسمع صوته الدافئ الهادئ خلال الهاتف أبداً، وهل سيكون نسياً منسيّاً؟ فلأردّد مع الشريف الرضي في رثائه أبا اسحق الصّابي:

أَعزِزْ عَلَيَّ بِأَن نَزَلتَ بِمَنزِلٍ**مُتَشابِهِ الأَمجادِ وَالأَوغـادِ

أَعِزِزْ عَلَيَّ بِأَن يُفارِقَ ناظِري** لَمَعانَ ذاكَ الكَوكَبِ الوَقّادِ

مِمّا يُطيلُ الهَمَّ أَنَّ أَمامَنا**طــولَ الطَريــقِ وَقِلَّةَ الأَزوادِ

بَردُ القلوب بمَنْ تُحبّ بقاءهُ **ممّا يجرُّ حرارة الأكبادِ

يا ليت أنّي ما اقتنيتُكَ صاحباُ** كم قِنيةٍ جلبتْ أسىّ لفؤادِ

فاذهب كما ذهب الربيعُ وإثرُهُ**باقٍ بكلِّ مهابطٍ ونِجادِ 

وإذا ذهب الجسد وتلاشى، فهل ستبقى الروح؟ هذا ما حار فيه البشر في كلّ العصور، ولربّما أستطيع أنْ أقول:

لكنِ الإشفاقُ حقّـاً أن تظنَّ الروحَ تفـنــى

فَهِيَ الطاقةُ لا تعرف غيـر الخلد معنـى

وهيَ الطائر في الأجواء مرحى تتغنّـى

حطّمتْ أصفادَها من جسد قد كان سِجْنا

 

د. بهجت عباس

26 أيلول 2021

 

 

 

تفقد الساحة النقديّة العربيّة الناقد الأردني "يوسف عليمات" وهو في أوج عطائه النقدي، ويعد الفقيد من بين المتخصصين القلائل في نشاط النقد الثقافي، وهو الذي اشتغل فيه أكثر من عقدين من الزمن بحثا وكتابة وتدريسا.

وقد استهل تجربته في هذا النشاط بكتابه المهم "جماليات التحليل الثقافي الشعر الجاهلي نموذجا، الصادر عام 2004، وفيه سعى جاهدا من أجل الكشف عن الوجه المشرق للقراءة الثقافية، وذلك بسبر مخبوءات النصوص الشعرية القديمة والبحث عن الجماليات الثقافية المختزنة.  ليأتي كتابه "النسق الثقافي" قراءة في أنساق الشعر العربي القديم والصادر عام 2009، والذي واصل فيه ما بدأه في الكتاب الأول، بتقديم قراءات نقدية تتوسل بمقولات النقد الثقافي كاشفا عن المضمرات النسقية المختزنة خلف البناء اللغوي والجمالي للقصيدة العربية القديمة. وللتذكير فقد فاز هذا الكتاب بجائزة عبد العزيز البابطين في فئة نقد الشعر عام 2013.

ليقدم الفقيد بعد ذلك كتابا ثالثا موسوما " النقد النسقي" تمثيلات النسق في الشعر الجاهلي والذي صدر عام 2015،  وفيه يطرح اإبدالا نقديا على شاكلة النقد الثقافي والنقد الحضاري وهو النقد النسقي، ليتتبع عليمات في هذا الكتاب أهم مواطن الأنساق الثقافية المبثوثة في الشعر العربي الجاهلي.

وقد صدر له مؤخرا كتاب في موضوع ثقافة النسق، تجليات الأرشيف في الشعر العربي القديم، وهو تتبع في مواطن الصراع بين أرشيف الشاعر العربي قديما وبين أرشيف السلطة، وكيف لهذا الأخير أن يتحول مع مرور الوقت إلى نصوص مكرسة ومعتمدة يصعب مقاومتها.

ومما يسجل أن يوسف عليمات لم ينخرط في السجال الذي كان دائرا مع مطلع هذا القرن بعد صدور كتاب النقد الثقافي للناقد السعودي عبد الله الغذامي، والذي أثار كثيرا من اللغط النقدي وغير النقدي حين انقسم النقاد بين مساند لطرح الغذامي وبين معارض له.

ويختار يوسف عليمات مقترح "الجماليات الثقافية" باعتباره مدخلا أساسيا في القراءة الثقافية، مستعينا به بديلا عن مقترح العيوب الثقافية عند الغذامي. متحملا المسؤولية النقدية بروح علمية نزيهة بعيدا عن الصراعات النقدية المميتة.

ومن خصائص النزاهة العلمية عند يوسف عليمات أنه حافظ على تخصصه في النقد الثقافي، مركزا على معرفته الواسعة في الشعر العربي القديم، وخاصة الجاهلي منه، ويرجع هذا الاهتمام إلى التكوين النقدي والمنهجي الذي اكتسبه الباحث بواسطة معاشرته للنصوص الشعرية القديمة، وكذا من خلال ثقة وتشجيع أستاذه  الناقد الأردني عبد القادر الرباعي الذي خط له تصدير كتابه جماليات التحليل الثقافي معلنا فيه عن ميلاد ناقد ثقافي متميز. وقد خلّف الفقيد وراءه تجربة نقدية ثرية تحتاج إلى من يكملها خاصة من زملائه في الأردن الذين يتقاسمون معه التوجه نفسه والاهتمام النقدي ذاته.

رحم الله الباحث المثابر والناقد المحترف يوسف عليمات

 

د. طارق بوحالة - الجزائر

 

منى زيتونمن أكثر ما يسيئني أن أجد عزوفًا بين المسلمين عن قراءة كتب التاريخ؛ ذلك أن خوارج آخر الزمان قد صوروا لفئة كبيرة منهم أن علينا ألا نقرأ كثيرًا مما فيها؛ كونها أمورًا قد شجرت بين من قبلنا فلنكف ألسنتنا عن الحديث عنها، والسؤال الذي لا يسألهم إياه من يتبعونهم وعلى عيونهم غشاوة: وهل وصلت إلينا هذه الأخبار إلا لأن سلف الأمة لم يسكتوا عنها وأخبروا بها؟ ولولا أنهم رووها ودوّنوها ما عرفناها!

ولأنني من عُشاق التاريخ، وأحب قراءته من أمهات الكتب، فقد أحببت أن أشارك قرائي الأعزاء اليوم ببعض المُلح والنوادر والفوائد التي صادفتني أثناء قراءاتي في بعض أمهات كتب التاريخ والتراجم الإسلامية، والتي لا يُعتني بذكرها أو ذكر أمثالها مع أنها تعطي صورة أوضح عن الحياة في العصور الإسلامية الأولى، وأراها لا تقل أهمية عن روايات الحروب والصراعات، ولم أقرأ أو أسمع أن أحد المحدثين قد ذكر أيًا منها يومًا، بينما أراها تستحق الذكر والإشارة إليها.

هؤلاء الثلاثة

في ترجمة الإمام الذهبي للحبر والصحابي الجليل عبد الله بن مسعود في الجزء الأول من كتابه الشهير "سير أعلام النبلاء" وفي (ص 463) يروي زيد بن وهب عن ابن مسعود إنه قال إن أول معرفته بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عندما قدم مكة مع بعض عمومته وأناس من قومه وأرادوا شراء عطر، فأرشدوهم إلى العباس عم النبي، فتوجهوا إليه وهو جالس إلى زمزم –وكانت للعباس السقاية في مكة منذ الجاهلية-، وأنهم رأوا أثناء جلوسهم مع العباس رسول الله وأم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد، وابن عمه علي بن أبي طالب –وكان لا زال غلامًا- قد قدموا إلى الكعبة استلموا الحجر وطافوا بالبيت سبعًا ثم استقبلوا الركن، ثم صلى رسول الله صلاة المسلمين بما فيها من تكبير وقيام ثم ركوع وسجود ثم قيام، فأنكر ابن مسعود ومن معه ما رأوه من دينهم، فعرفهم العباس بمن يكون الثلاثة الذين رأوهم، ثم قال: "أما والله ما على وجه الأرض أحد نعلمه يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة"أهـ.

ولا شك عندي ولا عند أي عاقل أن الأدلة متوفرة على أن أول من تلقّى نبينا وهو عائد من الغار بعد أن نزل عليه الوحي كانت زوجه السيدة خديجة، وليس أي أحد غيرها، فهي أول من آمن به.

ولكن هناك من السفهاء من يفتعل جدلًا سخيفًا عن أول من آمن، وهل هو علي أم أبي بكر؟! وهذا لأن نفاقهم غالب وكراهيتهم لسيدنا علي ظاهرة طافحة، ولكنهم يدارونها بادعاء مناكفة الشيعة.

وقد لفت نظري أن قصة كهذه ليست كافية لحسم هذا الجدل غير المبرر، والرواية توضح أن ابن عمه وربيبه علي كان ثاني من آمن به، وذلك بعد أن ذكرت روايات كثيرة أنه رآه يصلي، وسأله عما يفعل، ثم لحق بأم المؤمنين وسيدنا علي صاحبه الصدِّيق أبي بكر، ولا أرى في الاعتراف بهذا أي انتقاص من الصديق ولا من قدره.

وهناك استدلال أهم نأخذه من رواية ابن مسعود، وهي أن رسولنا عليه الصلاة والسلام كان يصلي صلاة المسلمين منذ بداية بعثته، ولكنها كانت صلاة غير معينة الوقت أو العدد، فكلما أراد أن يصلي صلى، وليس –كما يُشاع- من أنه بقي يصلي ويتعبد على طريقة أبيه إبراهيم الخليل حتى حادثة الإسراء والمعراج، وأن فرض الصلاة على الأمة بأوقاتها وعددها كل يوم وعدد ركعاتها هو ما استجد في رحلة المعراج.

جحد الزواج!

كثيرًا ما أصبحنا نسمع عن قضايا إثبات زواج ترفعها نساء ناقصات عقل لم يحرصن على توثيق زيجاتهن، ونتصور أن هذا من مساوئ العصر الذي نحياه وقد كثرت فيه الخبائث، بينما كانت العصور السابقة علينا خالية منه. ولكن للأسف الشديد أن عصرنا يشبه ما سبقه من عصور، وما أشبه اليوم بالبارحة، وجحد الزواج لا يعدو أن يكون آفة اجتماعية تنتشر بين بعض أبناء الطبقات الاجتماعية دنيئة الأصول.

وما كنتُ أعلمه حتى قريب أن الدولة المصرية قد أصدرت عام 1941م -ولحقتها باقي الدول العربية- قانونًا يلزم بتوثيق الزواج وعدم الاكتفاء باستيفاء الشروط وإشهاد شاهدي عدل ثم الإشهار، وأن هذا القانون قد استحدث بسبب كثرة ما كان يُعرض على المحاكم الشرعية -وقتها- من قضايا تُرفع من قبل النساء لإثبات الزواج، وقد قرأت يومًا في مقال قديم للغاية في صحيفة الأهرام المصرية أن بعض أشباه الرجال كانوا قد صاروا إلى حال أنهم عندما تطعن زوجاتهم في السن وبعد أن ينجبوا منهن من البنين والبنات ما يزيد أحيانًا عن العشرة، يستغلون أن شهود الزوجة على الزواج وجميع أقربائها وأقربائه الذين حضروا يوم زواجهم قد ماتوا، فيجحدون زواجهم من الزوجة، وعندما يشهد الجيران على أحدهم أنه يسكن وزوجته وأبنائه إلى جوارهم منذ عقود، يرد على الشهود أمام القاضي بأنه لم يكن متزوجًا منها بل كانت مجرد رِفقة غير شرعية!

لكن قراءة أمهات كتب التاريخ تعلمني دومًا أن لمصائبنا ذيولًا وجذورًا أعمق مما تبدو! فأثناء قراءتي لكتاب "المنتظم" للإمام العلامة ابن الجوزي قرأت في حوادث سنة سبع وخمسين وخمسمائة من الهجرة أن امرأة ادَّعت أن ابن النظام الفقيه المدرس بمدرسة نظامية بغداد قد تزوجها، ولكن الرجل جحد وأنكر وحلف على ذلك، ثم أقر فافتضح وعُزل من التدريس ونُكَل به، ونُكِّل أيضًا بالفقيه الذي كان قد عقد بينهما. وربما تقابلني يومًا ما أثناء مطالعتي حوادث مماثلة أقدم من هذه!

زيارة قبر النبي

من الأكاذيب المعتادة للجماعة الذين يسمون أنفسهم بالسلفية أن السلف -الذين ينتسبون إليهم زورًا- لم يكونوا يخصون قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزيارة، بينما من يقرأ أمهات الكتب يجد عكس ذلك تمامًا.

أثناء بحثي في كتاب "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" لابن الجوزي، وجدته يذكر خبرًا في حوادث سنة 542هـ عن عدم استطاعة الحجيج في تلك السنة زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تخوفًا من قلة الماء؛ وهو ما يعني أنه ما منعهم عنه إلا الضرورة ومخافة الهلكة، وأن عدم زيارة الحجيج لقبره عليه الصلاة والسلام ليس معتادًا، حتى اعتبروه حدثًا في هذه السنة يستحق التدوين في كتب التاريخ.

وقد ذكر الخبر في كتابه الإمام ابن الجوزي، وهو أعظم أئمة الحنابلة عبر تاريخهم، فلم يأتهم –وإلى يومنا هذا- أحدًا يقاربه ويدانيه، فلم يجد بأسًا في ذكر ما يفيد اعتياد زيارة الحجيج للقبر. بينما يؤكد السلفية على أتباعهم أن زيارة قبره عليه الصلاة والسلام بدعة لم يعرفها السلف، وأنهم إنما كانوا يشدون الرحال تحديدًا لزيارة المسجد وليس القبر، ومنهم من يعيش ويموت ولا يزور قبره ولا مسجده عليه الصلاة والسلام، زاد الله قلوبهم مرضًا.

2862 ملح من التاريخ

أول مائدة إفطار رمضانية للفقراء

كثيرًا ما كانت تقابلني أثناء مطالعاتي لتاريخ العباسيين أخبارًا عن أسمطة وموائد طعام يقيمها الخلفاء والوزراء في مناسبات خاصة بهم، مثل ذلك السماط الكبير الذي ذكر ابن الجوزي في "المنتظم" أن الخليفة صنعه سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ودعا إليه الأمراء والأتراك احتفالًا بختان ولده، أو السماط الذي صنعه سيف الدولة للسلطان جلال الدولة سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وكان أحسن شيء، وذُبح فيه ألف كبش ومائة رأس دواب وجمال، وآلاف مسبوكات السكر. أو ما ذُكر من اغترام الوزير ابن هبيرة مالًا يُقارب ثلاثة آلاف درهم على إعداد طبق الإفطار الذي اعتاد أن يقيمه الوزراء من قبله، وذلك طوال شهر رمضان سنة 552هـ.

لكن الخبر الذي لم يصادفني مثيله أثناء مراجعتي لحوادث أي من السنين قبله هو ما رواه ابن الجوزي أيضًا عن ترتيب الخليفة الناصر لدين الله في رمضان سنة 604هـ عشرين دارًا للضيافة لإفطار الصائمين من الفقراء، وكان يُقدم فيها من الطعام والخبز والحلوى الكثير.

فلعل هذه أول مائدة إفطار رمضانية تقام للفقراء احتسابًا لوجه الله وطلبًا للأجر والثواب، وليست للوجاهة الاجتماعية، وما أكد لي هذا الاستنتاج أن ابن الجوزي لم يُشبِّه صنيع الخليفة هذا بصنيع أي من الخلفاء أو الوزراء السابقين، بل شبَّهه برفادة قريش للحجيج التي كان يتولاها أبو طالب، والسقاية التي كان يتولاها العباس بن عبد المطلب.

مات عنقود وما درينا!

يحكي ابن الفوطي الحنبلي في كتابه الماتع "الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة" في حوادث سنة ست وأربعين وستمائة أي قبل نكبة بغداد بعشر سنوات حكاية ظريفة توضح إلى أي مدى بلغ جهل العوام في عصره، في بغداد عاصمة الخلافة العباسية وحاضرة الدنيا وقتها، فتُراه كيف كان الحال في غيرها!

يقول إنه قد انتشر بين أهل بغداد مرض سد حلوقهم مما صعّب على الناس التنفس وشعروا بالاختناق، ويبدو أنه كان وباءً تنفسيًا صعبًا كثر الموت بين الناس بسببه. وإلى هنا والكلام لا شيء فيه، ولكن المهزلة كانت في بقية ما رواه؛ إذ روى أن امرأة جاهلة ذكرت إنها رأت في منامها امرأة من الجن كنيتها "أم عنقود" وأخبرتها أن ابنها عنقود مات في بئر في أحد أسواق بغداد، ولم يُعزها أي من أهل بغداد، فلهذا حقدت عليهم وقررت أن تخنقهم!

وعلى الفور أقام الجهلة عزاءً للجني عنقود بجوار البئر، وأشعلوا الشموع، وألقوا الحلي والدراهم ولذيذ الأطعمة في البئر، وناحت النساء أيامًا بجواره، منشدات:

أي أم عنقود اعذرينا *** مات عنقود وما درينا

لمّا درينا كلنا قد جينا *** لا تحردين منّا فتخنقينا

ولما أكثر الجهلة من تلك الأفعال أنكره أكابر البلد، وبلغ الخبر الخليفة المستعصم بالله فأمر بمنع هذا الخبل، وأخبروهم بأن أم عنقود قد توقفت عن تقبل العزاء بأمر من الديوان، وسدوا البئر.

الشرطة والجرائم لم تتغير!

كما يقولون فإنه لا جديد تحت الشمس، ونوعيات الجرائم التي يقوم بها البشر تكاد لا تتغير عبر العصور، وقد رأينا في مقال "جدود وأحفاد ريّا وسكينة" أن جرائم الباطنية المحدثين لا زالت هي هي لم تتغير عما كان يرتكبه أجدادهم. وحديثنا الآن عن آحاد المجرمين وليس الباطنية.

يحكي ابن الجوزي في "المنتظم" في حوادث سنة خمس وثلاثين وخمسمائة عن نصّاب مخادع وصل بغداد في تلك السنة، وكعادة النصابين في كل العصور فقد أظهر الزهد والنسك الزائف، ثم ادّعى للعامة أنه رأى عمر بن الخطاب ومعه علي بن أبي طالب –ليجتذب كلًا من عوام السُنة والشيعة- وأنهما دلّاه على موضع قبر صبي من أولاد سيدنا علي، وكان قد استبق ونبش قبر صبي مات حديثًا وأخذ جثته ودفنها في الموضع الذي أخبر به الناس أنه قبر ابن أمير المؤمنين علي. فلما توجه الناس إلى الموضع وحفروا واستخرجوا الجثة صدقوه، وانقلبت بغداد وطرح العامة البخور وماء الورد على تراب القبر، وأخذوا من التراب للتبرك به، وظنوا بالنصاب الكرامة، وبقي الحال على ذلك أيامًا، حتى قرر بعض العقلاء فحص القبر والكفن، وتأكدوا من أن الصبي مدفون حديثًا، وأن كلام النصاب لا يُعقل، ثم تصادف أن رأى أبو الصبي جثة ابنه، فأخبر الناس أنه ابنه وأنه دفنه منذ أيام في قبر في موضع آخر، فنبش الناس ذلك القبر الآخر ووجدوه خاليًا، ففطنوا إلى حيلة النصاب، ولم يتمكن من الهرب، وتم تجريسه على حمار على عادة الناس في تلك الأزمان.

وكما يُزوِّر المجرمون في عصرنا العملات الورقية فقد عُرفت جريمة ضرب الدراهم الزيوف منذ القدم. من ذلك ما أورده ابن الفوطي في "الحوادث الجامعة" في حوادث سنة ثمان وسبعين وستمائة من اتهام جماعة من أهل بغداد بنقش السكة، فصُربوا حتى أقروا على رءوس القوم، وقُطعت أيدي جماعة، وفُرضت غرامة على أحد أعيان المتصرفين، ويبدو أنه كان يتولى تصريف تلك الدراهم للعصابة. كما أورد ابن الفوطي في حوادث سنة ثمان وتسعين وستمائة أمر السلطان غازان سلطان التتار وحاكم العراق أن يُصفى الذهب والفضة من الغش، وأن تُضرب الدراهم على أوزان مختلفة المثاقيل بحيث تكون الفئة الواحدة متساوية الوزن.

وأما ما يُعرف في عصرنا من ادعاء المتسولين الفقر طلبًا لعطاء الناس، وما يكتنزونه من خلال جمع أموال التسول، فقد عُرف مثيله منذ القدم. وقد صادفني خبرًا في "المنتظم" في حوادث سنة 479هـ جاء فيه أن رجلًا كان يلبس ملابسًا مرقعة ويدّعي الفقر ويسأل الناس بجوار جامع المنصور ببغداد قد توفي في تلك السنة، فوجد الناس في مرقعته ستمائة دينار مغربية!

وأما أحوال الشرطة وتسلطها فتكاد لا تختلف، وإنما القضاء وإقامة العدل هو ما اختلف بيننا وبينهم. وقد روى ابن كثير في "البداية والنهاية" عن أحد الولاة في منتصف القرن الخامس الهجري، اسمه أبو محمد النَّسوي، أنه قد قتَل مرة واحدًا ضُرب بين يديه، وحكم عليه القاضي أبو الطيب الطبري بالقتل قصاصًا، ولكنه أفلت من القتل بافتداء نفسه بمال جزيل.

وعن استغلال النفوذ لأجل أخذ أموال الناس، ذُكر في "المنتظم" في حوادث سنة 531هـ أن أحد الولاة قد قُبض عليه، بعد أن فرض جبايات على الناس بعنف وشدة ظلم وذلك للمرة الخامسة، وأنه قد تاب وحلق شعره، وأعلن أنه لن يعود إلى الظلم، ثم أعيد إلى عمله.

قلعة ابن عطاش الباطني

ولنحكي نادرة عن قلعة ابن عطاش الباطني في بلاد فارس، رواها ابن الجوزي في "المنتظم" فيُحكى أن من بناها كان السلطان السلجوقي ملكشاه، حيث خرج يومًا للصيد مع رجل رومي ادعى الإسلام، فهرب أحد كلاب الصيد منه إلى الجبل الذي بُنيت عليه القلعة بعد ذلك، ولما وجدوا الكلب أشار الرومي على السلطان ببناء القلعة على رأس الجبل، ففعل السلطان وأنفق على بنائها ألف ألف ومائتي ألف دينار -مليون ومائتي ألف بلغة عصرنا- ثم دار الزمان واستولى عليها ابن عطاش، وصار أهل أصبهان سنوات طوال في أسوأ حال بسبب غزوه لهم، فكانوا يقولون: "انظروا إلى هذه القلعة كان الدليل على موضعها كلب، والمشير ببنائها كافر، وخاتمة أمرها هذا الملحد"أهـ.

نشأة الفتونة

إن كنت قد قرأت إحدى روايات الأديب الكبير نجيب محفوظ أو شاهدت فيلمًا سينمائيًا مأخوذًا عنها فأنت ولا شك تعرف شخصية الفتوة جيدًا، ولكن ما لا يكاد يعرفه أحد هو كيف ومتى نشأت حركة الفتونة؟

أثناء قراءتي في كتاب "المنتظم" استوقفني خبرًا أورده ابن الجوزي في حوادث سنة 473هـ يذكر فيه أنهم قبضوا ببغداد على رجل يُعرف بابن الرسولي الخباز وآخر يُعرف بعبد القادر الهاشمي البزاز ومعهما جماعة انتسبوا إلى الفتوة. وكانت تهمة ابن الرسولي أنه وضع كتابًا يتضمن معنى الفتوة وفضائلها وقوانينها، وأما عبد القادر فقد كان المعلم لمن أراد التتلمذ على يديه ليكون فتوة. وكان ابن الرسولي قد استغل أن جامع براثا كان مهجورًا مسدودًا ففتح الباب واتخذه مكانًا لاجتماع المشاركين في الحركة، وجعل هناك من يراعيه. وجامع براثا هو جامع للشيعة في بغداد كان يُغلق بالسنين، وكم حدثت فيه وبسببه فتن بين الحنابلة والشيعة، وكانت هناك جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تُعرف بأصحاب عبد الصمد تراقب الجامع دومًا منعًا لاجتماع أي جماعة من الشيعة فيه، فعلموا باجتماع الفتوات في الجامع فأبلغوا عنهم ديوان الخلافة فقُبض عليهم.

ولكن –ووفقًا لما أورد ابن الجوزي- فإن هذا الرجل ابن الرسولي ومن معه كانوا رءوس حركة الفتونة في بغداد، ولكن الحركة ذاتها كانت قد نشأت بمصر، ولمّا كان الفاطميون في الفترة من منتصف القرن الرابع وحتى منتصف القرن السادس من يتولون شئون الحرمين، فقد كان للخليفة الفاطمي رجالًا يوفدهم إلى الحرمين ويبقون بهما، وكان أحد هؤلاء المستخدمين لدى الخليفة الفاطمي في المدينة المنورة يُدعى خالصة الملك ريحان الإسكندراني، وكان هو رئيس حركة الفتونة الناشئة والذي يصدر مكاتبات الحركة من وإلى سائر البلدان.

وينبغي التأكيد على أن الفتونة تختلف اختلافًا جذريًا عن الحركة الباطنية التي كانت نشأتها أيضًا في مصر في القرن الخامس الهجري، والتي تحدثنا عنها في مقال "جدود وأحفاد ريّا وسكينة"، فالفتونة نشأت لحماية ونجدة الضعفاء بالأساس وإظهار الشجاعة، والفتوة قوي شجاع مهاجم في وضح النهار يتصارع مع خصمه رجلًا لرجل، وليس باطنيًا جبانًا مخدرًا يتربص ويختبئ ليطعن غريمه بخنجر ويفر أو يتحايل لخطف إنسان وسرقته وقتله غيلة.

وقد روى ابن الطقطقا في كتابه ذائع الصيت "الفخري في الآداب السلطانية" (ص 322) عن الخليفة الناصر لدين الله العباسي "ولبس لباس الفتوة، وألبسه، وتفتَّى له خلق كثيرون من شرق الأرض وغربها، ورمى بالبندق ورمى له ناس كثيرون"أهـ. فكان أول من استخدم الفتونة كنوع من الرياضة، ويبدو أنه كان لها إسهامها في تنفيس الطاقة الزائدة لدى عامة الناس والتي كانت تتسبب في كثرة وقوع الفتن ببغداد، وكانت الفتن فيها بين العوام لا تهدأ، ولأجل ذلك فقد حكم 47 عامًا امتنعت فيها الفتن، وإن كان السبب الرئيسي لقلة الفتن هو عدل الخليفة وتسويته بين فئات الرعية، وحتى أهل الذمة كانوا في أحسن حال.

ويمكن القول إن حركة الفتونة قد نشأت في مصر في عهد الفاطميين، ولكنها لم تتوسع وتنتشر في البلدان إلا بعد أن صار الخليفة العباسي نفسه كبير الفتوات، وكان عهد الناصر لدين الله العباسي قد عاصر الدولة الأيوبية في مصر والشام بعد أن دالت دولة الفاطميين من مصر، ثم زادت الحركة انتشارًا في مصر في ظل دولة المماليك لأن الشجعان من المصريين لم يكن مسموح لهم الالتحاق بالجيش فأرادوا أن يشعروا بقوتهم من خلال إظهار الفتونة.

أسماء أعلام الذكور والإناث عبر العصور وبين الثقافات

أي مراجع لتاريخ العصر العباسي لا بد وأنه قد صادفه يومًا اسمًا غريبًا تقتصر تسميته في عصرنا على النساء ولا يُسمى به رجل، ولكنه يُذكر في الكتب كاسم رجل أو من أسماء أبيه أو جدوده؛ من ذلك مثلًا المحدث أحمد بن المظفر بن حسين بن عبد الله بن سُوْسَن التمار المولود سنة 411هـ والمتوفى سنة 503هـ، فجده الثالث -الذي على الأغلب- كان من مواليد القرن الثالث الهجري اسمه سوسن، ولا أعلم من أين جاء الشكل بالضم على حرف السين الأول في ترجمته في طبعة "سير أعلام النبلاء"؟ وهل هي هكذا في المخطوط أم هي محاولة لتغيير نطق الاسم الذي هو بالأساس اسم لزهرة وتُسمى به البنات فقط في عصرنا!

ولنأخذ اسمًا آخر أكثر انتشارًا في العصور القديمة كاسم للذكور وهو (هبة الله)، فسنجد ممن يوجد في اسمه الإمام والعلامة الدمشقي علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، المولود سنة 499هـ، والطبيب والفيلسوف هبة الله بن علي بن ملكا البغدادي المولود سنة 560هـ، وغيرهما الكثير ممن يكون هذا الاسم اسمهم الأول أو يظهر في تسلسل نسبهم. ولكن هذا لا يمنع أن يوجد الاسم ذاته في أسماء الذكور في العصر الحديث في بعض الثقافات من أقصى الشرق أو الغرب، كالمجاهد أحمد هبة الله بن الشيخ ماء العينين المولود سنة 1877م في المغرب العربي الأقصى، والزعيم الأعلى الجديد لحركة طالبان الإرهابية، هبة الله أخوند زادة.

وأرجو ألا يتعجل أحد القراء ويظن بي أنني أسخر من الناس لأجل أسمائهم، فما قصدت إليه أن الأسماء المقبولة اللائقة للذكور والإناث تتغير عبر العصور وبين الثقافات، وقد نجد أسماء في التركية تتخذ للبنات كاسم "هلال" والعرب لا يسمون به سوى البنين، والعكس في اسم كـ "حكمت" الذي يشيع استخدامه في تسمية البنات في مصر بينما هو اسم يُتخذ للرجال في تركيا.

وربما كان لهذا الاختلاف الثقافي أثره في تصورنا انتشار الشذوذ الجنسي في العصر العباسي الأول بين أوساط الأكابر، بينما الأمر لم يكن إلى هذه الدرجة؛ فنظن الظنون بخليفة يُقال إنه كان يحب (كوثر) ويُشاع بين العرب وقتها أن كوثر هذا كان ذكرًا! وربما ظنوه اسمًا يصلح للذكور! أو تنشد فتاة شعرًا في (سعاد) فنظن أنها تقصد امرأة! متناسين أن العرب في العصر العباسي الأول كانوا قد بدأوا في تقليد العجم في وضع أغاوات أتراك مخصيين كمشرفين على الحريم، وربما أسموهم بأسماء النساء، أو ربما كانت لهم أسماء منذ الميلاد نعرفها نحن كعرب كأسماء للنساء.

طوفان

ربما يغيب عن علم كثير منا أن العرب في العصر العباسي الأول هم من وضعوا أسس علم الهيئة (هيئة السماء) بعد أن بدأوا بترجمة كتب بطليموس السكندري والفلك الهندي، ثم بدأوا في تأليف الكتب الخاصة بهذا العلم من خلال ما تجمع لديهم من الأمم السابقة ومن خبراتهم في الرصد والحسابات وصناعة واستخدام الآلات المناسبة. وما عرف العالم قبلهم معنى وتقسيم البيوت الفلكية الاثنا عشر، ولا عرفوا الزوايا بين الكواكب من اقتران وتسديس وتثليث وتقابل، ولا دلالاتها.

والعرب هم من اعتبروا أن كرة العالم هي دائرة الأفق كاملة –ما يظهر منها وما يغيب- والتي تظهر فيها ما يُعرف بالنجوم الثابتة التي تشكل البروج المعروفة، وتدور فيها الشمس والقمر والكواكب في حركتها الظاهرية اليومية حول الأرض، وقسموها إلى 360°، وقرروا إننا لا نرى سوى نصفها، أي نصف الكرة التي تظهر في الأفق، وكلما طلعت مجموعة نجمية من الشرق سقطت مجموعة من الغرب. وكانوا أول من اهتم بالنجوم في الطالع وفي وسط السماء، واعتبروهما أهم ما في الهيئة الفلكية.

2863 ملح من الطوفان

ولكننا نجد في العصر الحديث تنفيرًا ورفضًا تامًا من المتطرفين لعلم الهيئة، وعدم فهم لأهميته في حياة البشر مثله في ذلك مثل التنبؤات العامة بالطقس، والتي لا يلزم أن تصدق ولكنها تجعلنا نأخذ الحذر.

وأثناء مطالعتي لحوادث سنة 489هـ في "المنتظم" وجدت خبرًا أورده ابن الجوزي عن أن المنجمين قد تنبأوا بحدوث طوفان كبير، فأمر الخليفة المستظهر بالله بإحضار ابن عيشون –وكان من أشهر فلكيي عصره- فطمأن الخليفة بأن طوفان نوح قد حدث عندما اجتمعت الطوالع السبعة (الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل) في برج الحوت، ولكن زحل ليس في الحوت مع باقي الكواكب، ومن ثم فالأمر أخف من أن يكون طوفانًا كطوفان نوح، وتنبأ بأنه في مدينة ما من المدن يجتمع فيها بشر من بلاد كثيرة مختلفة سيحدث غرق، فأمر الخليفة بإصلاح أي مواضع على الأنهار يُخشى منها الانفجار، وظن أهل بغداد أنهم مغرقون، ولكن وصل الخبر بأن سيلًا عظيمًا قد أصاب الحجاج في وادي نخلة، وهو أحد أودية مكة المكرمة، يفصلها عن الطائف من جهة السيل الكبير، وغرق كثير من الحُجاج!

وعندما قمت بمراجعة الخريطة الفلكية ليوم 26 فبراير 1096م وهو يوم ميلاد الهلال واجتماع الشمس والقمر في برج الحوت في ذلك العام 489هـ وجدت أن كلام ابن عيشون لم يكن صحيحًا باجتماع السبعة عدا زحل في الحوت، بل كانت الشمس مقترنة بالقمر –الذي كان متأخرًا عن الشمس بدرجة، وهي أحلك درجات المحاق قبل ميلاد الهلال- وكان عطارد مقترنُا بهما إلى درجة التلاصق في الحوت، ولكن الزوايا الفلكية الموجودة بالفعل تنبئ باحتمال حدوث أمطار غزيرة أو غرق؛ لأن اجتماع ثلاثة طوالع أو أكثر في الحوت نذير مطر غزير، وزحل كان في برج العذراء يقابل هؤلاء الثلاثة المقترنين في الحوت مما يزيد التنافر، وكانت هناك زوايا أخرى لا أعتقد أن فلكيي العصر العباسي كان باستطاعتهم التنبؤ على أساسها لأن كوكبي نبتون وأورانوس لم يكونا قد اكتشفا بعد، والخريطة الفلكية أظهرت أن نبتون (كوكب الماء) كان في السرطان وهو برج مائي، وكان في الطالع في الساعة الثانية والثلث ظهرًا، وكان يشكل تربيعًا مع كوكب أورانوس كوكب المفاجآت في وسط السماء، ووجود تربيع بين نبتون في الطالع وأورانوس أو زحل في وسط السماء من علامات الغرق، وفي لحظة غرق الفنانة أسمهان كان نبتون في الطالع وزحل في وسط السماء.

والأهم من كل هذا أنه لا الخليفة ولا كبار رجال الدولة أو رجال الدين أخذوا هذه النبوءة بالحساسية التي يمكن أن يأخذها بها متطرفو عصرنا، بل نجد إمامًا مستنيرًا كابن الجوزي -وهو أحد أكبر أئمة عصره- يروي القصة ببساطة ولا يعلق عليها أي تعليق مشين، لأن الأمر لا يعدو أن يكون تنبؤًا عامًا كتنبؤات الطقس، ويستحيل أن يدعي أي إنسان معرفته بأي مدينة يمكن أن تصدق فيها هذه النبوءة ولا من الذين يمكن أن يُكتب عليهم الغرق.

قطع نسل معاوية

في عام 40 هـ اتفق ثلاثة من الخوارج الحرورية على قتل الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وتعاهدوا على أن ‏يكون ذلك بعد مرور 17 يومًا من رمضان -على الأرجح-، وتفرقوا ما بين العراق والشام ومصر لينفذوا ما اتفقوا عليه، وكان ما كان ‏من أمرهم‎.‎

لكن ما يدسه ولا يذكره أحد من المعاصرين أن معاوية قد انقطع نسله يوم مات سيدنا علي. ذكر الإمام الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" (ج5، ص149) في حوادث سنة 40هـ ما فعله معاوية بعد أن أمر بقتل الخارجي الذي أخطأ ضربته لما أراد قتله، فوقع السيف في ألـْيَته، قال الطبري: "وبعث معاوية إلى الساعدي –وكان طبيبًا- فلما نظر إليه قال: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها"أهـ.

وأقول: إن هذه علامة أنه ما قاتل إلا لملك ‏يدوم فيه وفي ولده، فكان العقاب بالمنع، فلم يلي من عقبه الملك إلا اللعين يزيد، وليته ما ولي، والجزاء من جنس العمل‎.‎ وسبحان من له التدبير.

وقد روى الإمام الطبري في حوادث سنة 60هـ ما عهد به معاوية لابنه يزيد، وكيف وطأ له الأشياء وذلّل له الأعداء، وأنه كان يتخوف عليه من أربعة: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأوصاه بوصايا في التعامل مع كل منهم، لعلمه أن أيًا منهم سيراه الناس أفضل وأحق من ابنه الفاسق، وسيتأخرون عن بيعته.

وذكر سبط ابن الجوزي في "تذكرة الخواص" (ص286) "كان معاوية يقول: لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي"أهـ.

الخلفاء والملوك

كثيرًا ما نقرأ لمن يتباكون على ما يسمونه الخلافة، ويظنون أن في عودتها عودة لأمجاد الإسلام؛ كونهم يعتبرون دولة آل عثمان في تركيا -التي انتهت منذ ما يقارب قرنًا من الزمان- خلافة إسلامية، حتى أن أحد هؤلاء المتباكين كان أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدة من قصائده العصماء، التي قال فيها راثيًا ما أسموه الخلافة العثمانية:

ضَجَّت عليكِ مآذِنٌ ومَنابِرٌ *** وبكت عليكِ ممالكٌ ونَواحٍ

الهِندُ والِهةٌ ومِصرُ حزينةٌ *** تَبكي عليكِ بمدمعِ سحاحِ

والشَّامُ تَسأَلُ والعِراقُ وفارسٌ *** أَمَحى من الأَرضِ الخِلافةَ ماحٍ

وأتت لكِ الجُمعُ الجلائلُ مَأتَماً *** فقعدنَ فيه مقاعدَ الأَنواحِ

ياللرِّجالِ لَحُرَّةٌ موؤودَةٌ *** قُتلت بِغير جَريرةٍ وجناحِ

وعندما نُذِّكر هؤلاء المتباكين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الخلافة ثلاثين سنة وبعدها المُلك، وأن رسول الله قسَّم من سيحكمون المسلمين بعده إلى خلفاء وملوك، وليس إلى خلفاء راشدين وخلفاء، وأنكم من أهل الكهف إذ تبكون على أمر قد انتهى في ربيع الأول من عام 41هـ؛ أي منذ ما يزيد عن الألف وأربعمائة عام، يدَّعون علينا أن هذا من مستحدثات الدعاوى وأكذبها، وأن أئمة المسلمين لم يشذوا عن الاعتقاد بأن الأمويين والعباسيين وغيرهم خلفاء! وربما زادوا بأن أحدًا منهم لم يعتبر خلافة سبط رسول الله سيدنا الحسن بن علي ضمن الخلافة الراشدة!

وأثناء قراءتي في كتاب "البداية والنهاية" لابن كثير القرشي وهو شافعي المذهب حنبلي العقيدة ومن أئمة القرن الثامن الهجري، راجعت ترجمته لآخر خلفاء العباسيين والتي أوردها ضمن حوادث سنة 656هـ، وهي السنة التي نُكبت فيها بغداد بالتتار وقُتل فيها المستعصم، وجدته قد كتب ضمن تلك الترجمة عن دولة الفاطميين "وكانت عِدة ملوك الفاطميين أربعة عشر ملكًا مُتَخَلِّفًا، ومدة ملكهم تحريرًا من سنة سبع وتسعين ومائتين إلى أن تُوفَّى العاضد سنة بضع وستين وخمسمائة". فوصف كل منهم بأنه "ملكٌ مُتَخَلِّفٌ" أي ملك يتخذ الخلافة لقبًا.

ثم أضاف ما نصه: "والعجب أن خلافة النبوة التالية لزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ثلاثين سنة، كما نطق بها الحديث الصحيح، فكان فيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم ابنه الحسن بن علي ستة أشهر حتى كملت بها الثلاثون، كما قررنا ذلك في دلائل النبوة، ثم كانت ملكًا، فكان أول ملوك الإسلام من بني أبي سُفيان معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، ثم ابنه يزيد، ثم ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، وانقرض هذا البطن المُفتتح بمعاوية المُختتم بمعاوية، ثم ملك مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، ثم ابنه عبد الملك، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم أخوه سليمان، ثم ابن عمه عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم أخوه إبراهيم الناقص، وهو ابن الوليد أيضًا، ثم مروان بن محمد الملقب بالحِمار، وكان آخرهم، فكان أولهم اسمه مروان وآخرهم اسمه مروان، وكان أول خلفاء بني العباس السفَّاح واسمه عبد الله، وكان آخرهم المستعصم واسمه عبد الله، كذلك أول خلفاء الفاطميين اسمه عبد الله المهدي، وآخرهم عبد الله العاضد، وهذا اتفاق غريب جدًا، قل من يتنبه له. والله سبحانه أعلم". وكلام ابن كثير غاية في الوضوح بأن كل من عدّهم بعد تنازل الحسن عن الخلافة هم ملوك وإن أخذوا من الخلافة اسمها.

ويكفي أن نعرف أن دولة المماليك في مصر والشام قد اكتسبت شرعيتها بسبب دعاوى الخلافة هذه؛ فآل الأمر إلى أن حكمنا لقرون رجال ليسوا بعرب وليسوا أحرارًا، وذلك بعد أن استقبلوا وافدًا من بغداد قيل إنه من نسل العباسيين أفلت من سيوف التتار فأعلنوه خليفة إلى جانب السلطان المملوكي، وكان هذا الخليفة يجلس في قصر الخلافة لا يهش ولا ينش، وليس أكثر من شيء يتبركون بوجوده، ويموت خليفة ويخلفه غيره، وليس له من الخلافة إلا اسمها!

ومن عجائب ما اتفق من أحوال من ولوا أمر المسلمين، ما حكى ابن الجوزي عن أبي بكر الصولي من أنه قال: "الناس يقولون: كل سادس يقوم بأمر الناس من أول الإسلام لا بد أن يُخلَع". قال ابن الجوزي: "فتأملت ذلك فرأيته عجبًا؛ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم الحسن فخُلع، ثم معاوية ويزيد، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك، ثم عبد الله بن الزبير، فخُلع وقُتل، ثم الوليد، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد، وهشام، ثم الوليد بن يزيد، فخُلع وقُتل، ولم ينتظم لبني أمية بعده أمر حتى قام السفاح العباسي، ثم أخوه المنصور، ثم المهدي، والهادي، والرشيد، ثم الأمين، فخُلع وقُتل، ثم المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، ثم المستعين فخُلع وقُتل، ثم المعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي، ثم المقتدر فخُلع، ثم أعيد فقُتل، ثم القاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، ثم الطائع فخُلع، ثم القادر والقائم والمقتدي والمستظهر والمسترشد، ثم الراشد، فخُلع وقُتل"أهـ.

ورغم أن هناك أخطاء قليلة فيما ذكر ابن الجوزي؛ منها أنه ذكر خلافة ابن الزبير بعد عبد الملك، والعكس هو الصحيح، كما أن المسترشد أيضًا قد قُتل إلا أن الوضع إجمالًا لا يخلو من انتظام عجيب.

وذكر ابن كثير فائدة أخرى بعد ذكر خلافة المقتفي سنة 530هـ قال: "ولي المقتفي والمسترشد الخلافة وكانا أخوين، وكذلك السفاح والمنصور، وكذلك الهادي والرشيد، ابنا المهدي، وكذلك الواثق والمتوكل ابنا المعتصم أخوان، وأما ثلاثة إخوة فالأمين والمأمون والمعتصم بنو الرشيد، والمنتصر والمعتز والمعتمد بنو المتوكل، والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي والمقتفي والمطيع بنو المقتدر، وأما أربعة إخوة فلم يكن إلا في بني أمية، وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك بن مروان"أهـ.

ومن الفوائد أيضًا ما أورده ابن كثير في "البداية والنهاية" عن السُهيلي قال: "وكانت العرب تُسمي من ملك الشام مع الجزيرة كافرًا قيصر، ومن ملك الفرس يُسمى كِسرى، ومن ملك اليمن يُسمى تُبعًا، ومن ملك الحبشة يُسمى النجاشي، ومن ملك الهند يُسمى بطليموس، ومن ملك مصر كافرًا يُسمى فرعون، ومن ملك إسكندرية يُسمى المقوقس، وذكر غير ذلك"أهـ.

وذكر ابن الأثير في "الكامل" في حوادث سنة 495هـ حوادثًا تدل على أن الدنيا تدور لا على الفقراء فقط، بل وعلى الوزراء أيضًا؛ ففي ثلاث سنوات متلاحقة انتقلت أموال من وزير إلى يد الذي يليه إلى الثالث ثم إلى السلطان، فبيعت دور وممتلكات الوزراء من بني جهير سنة 493هـ، ووصل الثمن إلى الوزير مؤيد الملك، والذي قُتل سنة 494هـ، وبيعت تركته وأخذها الوزير الأعز، والذي قُتل سنة 495هـ، وبيعت تركته واقتسمت، وأخذ السلطان أكثرها. ويعلق ابن الأثير "وهذه عاقبة خدمة الملوك".

وختامًا، يوضح ابن الأثير سبب كتابته لتاريخ الملوك قائلًا: "وإنما ذكرنا هذا؛ ليعلم الظلمة أن أخبارهم تُنقل وتبقى بعدهم على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا إن لم يتركوه لله عز وجل"أهـ.

 

د. منى زيتون

الخميس 30 سبتمبر 2021

 

 

جواد عبد الكاظم محسنعرفته مبكراً بحكم العلاقة الطيبة التي كانت تربط بين عائلتينا، فبعد أن باع جدي (محسن) أرضه وغادر قريته، عمل فلاحاً في أراضي الحاج حمود العلّوش (جد الدكتور سعد) في قرية حصن البيكات من قرى سدة الهندية، وأخلص في عمله واشتهر بأمانته وصدقه، فأطلق عليه لقب (أبو المحاسن) من قبل الحاج حمود العلّوش والآخرين، وعلى إثر ذلك نشأت وتوطدت علاقة حميمة بين الجدين فكانت أكبر من علاقة صاحب أرض بفلاح إذ عرف قدره وحظي باحترامه وقرّبه إليه واعتمد عليه في العمل، بل وعلمه قراءة القرآن الكريم وحفظ العديد من آياته، وشاءت الأقدار أن يختارهما الله تعالى إلى جواره الكريم في عام واحد ولم يفصل بين رحيليهما سوى أقل من ثلاثة أشهر.

وانتقلت هذه العلاقة الطيبة إلى والدي وأبناء الحاج حمود العلّوش، ثم ورثها فيما بعد الجيل اللاحق لهما، ومن آثارها المباركة إني حظيت بمعرفة ورعاية واحترام ومودة هذه الأسرة الكريمة جميعاً، ومن ابنائها خاصة، ومنهم الدكتور سعد عبد الجبار العلّوش الذي سرعان ما نمت بيني وبينه علاقة أخوية وأدبية مميزة، فقد رأيت فيه من الخلق النبيل والعلم الغزير والصفات الحميدة الأخرى ما شدني إليه، وجعلني حريصاً على التواصل معه والاقتداء به، إذ كان كما قال صديق له من الأكاديميين العراقيين الكبار في وصفه: (ممن تزهو بهم صحائف الأسفار وتفخر بذكرهم أسطرها، وتفوح بشذاهم رياضها)، فكان محل اعجابي الدائم، وصار بحق من أهم أساتذتي في الحياة والأخلاق.

ولد الدكتور سعد عبد الجبار العلّوش في مدينة المسيّب سنة 1934م، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها، وواصل دراسته في الإعدادية المركزية ببغداد، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة بغداد سنة 1957م، وغادر إلى القاهرة لمواصلة دراسته العليا في جامعتها، فتتلمذ على يد كبار فقهاء وأساتذة القانون فيها وخارجها، من أمثال : محمود مصطفى، وجابر جاد عبد الرحمن، وحسين خلاف، وعثمان خليل عثمان، وكمال الجرف، ومحمد لبيب شقير، ورفعت المحجوب، وطعيمه الجرف، وأحمد كمال أبو المجد، وعاطف صدقي، وعادل سيد فهيم، والمسيو كوادري الفرنسي وهو أستاذ في جامعة السوربون انتدب للتدريس في جامعة القاهرة، ولم تنقطع علاقة الطالب الطيبة بأساتذته بعد تخرجه وعودته إلى العراق.

وكان يوم مناقشته لأطروحة الدكتوراه يوما مشهوداً في كلية الحقوق بجامعة القاهرة إذ اكتظت القاعة بالحضور، ففضلا عن أساتذته وهم من الشخصيات المرموقة فقد حضرها جمع غفير من الطلبة العراقيين في مصر وزملائه في الدراسة، وكان في مقدمة الحاضرين السفير العراقي في القاهرة آنذاك الدكتور عبد الحسن زلزلة.

وبعد عودته إلى أرض الوطن عمل في كلية الحقوق بجامعة بغداد، وألقى محاضرات في كلية الشرطة، وتسنم مناصب قانونية رفيعة، وانتقل للعمل في كلية النهرين، وتقاعد منها، ومازال الكثير من طلبتها يذكرونه بخير، وكلهم يثنون على علميته ونزاهته وإخلاصه من خلال تدريسه لهم.

نشر العديد من دراسته القانونية في الدوريات المتخصصة، وأصدر أربعة مؤلفات قيمة، هي: نظرية المؤسسة العامة وتطبيقها في التشريع العراقي (القاهرة 1968م)، ومبادى في القانون العام (بغداد 1971م)، ودراسات معمقة في العرف الدستوري (عمان 2008م)، ومقالات عبد المنعم العلوش في الصحف العراقية (الحلة 2017م)، ولديه مؤلفات مخطوطة أخرى.

حفلت حياته بنشاطات علمية ومهنية متعددة، منها اشتراكه في المؤتمر التأسيسي لاتحاد الحقوقيين العرب سنة 1974م، ومؤتمر العلوم السياسية في بوخارست سنة 1974م، وكان عضو الوفد العراقي للمشاركة في أعمال مؤتمر المرأة العالمي الذي أقامته الأمم المتحدة في المكسيك سنة 1975م، وهو من المواظبين على الحضور والمساهمة في التجمعات العلمية والندوات القانونية المعقودة داخل أروقة الجامعات العراقية أو خارجها.

وذكره الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في مقطوعة من شعره، ولهذه المقطوعة الشعرية قصة رواها لي شقيق الدكتور سعد المرحوم غالب العلّوش الذي جمعته مع الشاعر الجواهري صداقة أدبية طويلة، حتى كان من رواة شعره، فقد أعلن في سنة 1977م عن رغبته في وضع صورة لوالده الحاج عبد الجبار العلّوش في غرفة الاستقبال، وكتابة أبيات مناسبة من الشعر تحتها تؤرخ ذكراه، ولما سمع الشاعر الجواهري بهذه الرغبة كتب وأرسل له أربعة أبيات من الشعر الجيد في  رسالة خاصة، والأبيات هي:

2859 سعد علوش(أبا (غالبٍ) أعززْ بأنّك غائبُ

عن العينِ، لكن ليس للموت غالب

عن العين، لا عن أنفسٍ أنتَ بينها

مقيمٌ، تناغي سرَّها، وتجاذبُ

أبا (غالبٍ) ما ماتَ مَن خُلِّدت به

مِن المجدِ، والذكرِ الجميلِ مناقبُ

ومَن زُيِّن بالسعدينِ، (سعدٌ) و(غالبُ)

كما أزَّينتْ بـ(الفرقدينِ) الكواكبُ)

كما ذكره أدباء وشعراء آخرون في كتاباتهم وشعرهم، ومنهم الشاعر الكبير الدكتور عبد الحسن زلزلة، والشاعر المسيَّبي الراحل محمد سعيد كامل.

ومن ذكريات الدكتور سعد الأدبية ما وقع عند زيارته للقاهرة في مطلع تموز سنة 2004م مع وفد كبير من أساتذة القانون في الجامعات العراقية، وكان لهم لقاء مع الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي رحب بهم في مقر الجامعة، وأشاد في كلمة ارتجالية جريئة بالعراق البلد العربي الأصيل، فأجابه الدكتور سعد بكلمة ارتجالية أيضاً شكره فيها على حسن استقباله لهم وكلمته المعبرة وموقفه الشجاع، وقال ليس ذاك غريباً عليكم في الصراحة والجرأة في الرأي، فقد قالها من قبل الشاعر أحمد شوقي:

رتبُ الشجاعة في الرجالِ جلا     ئل وأجلهنَّ شجاعةُ الآراءِ

فاستوقفه عمرو موسى قائلاً أنا مثلك أحب الشعر، وطلب منه إعادة قراءة هذا البيت الشعري الجميل الذي هزّه من الأعماق ليدونه، وكانت كلمة الدكتور سعد هي الوحيدة للوفد في هذا اللقاء مثلما كانت مصافحته عند التوديع هي الوحيدة من قبل مضيفهم.

وعن شخصية الدكتور سعد المرموقة وأخلاقه الحميدة كتب الدكتور جميل موسى النجار واصفا (ويحار المرء من أية بوابة يلج هذا الصرح الشامخ، وأي جانب من جوانبه يسلط عليه الضوء قبل الجانب الآخر، بل ليصوره بالأحرى قبل الآخر، فكل جوانب ذلك الصرح مضاءة مشرقة لا تحتاج إلا لعدسة تنقلها إلى نظر الناس وعلمهم وليطمئن من تنتابه هواجس الظن بأن هذه العدسة ستكون واقعية كواقعية الراصد بها الذي يحسب أنه لا يمالئ ولا يداهن ولا يعطي الآخرين مهما كانت الأسباب والبواعث شيئاً لا يستحقونه لأنه يؤمن بيوم الحساب، ويحترم عقول النابهين الذي يدركون الحقيقة، وهو فوق هذا وذاك يتوخى الموضوعية التي يعتقد بأنه تمثلها وطبقها في كتابته التاريخية وفي سيرته العامة).

نشأت بيني وبين الدكتور سعد علاقة طيبة وحميمة منذ أكثر من خمسة عقود، إذ فضلا عما ورثناه عن الأهل من أباء وأجداد، فقد نمت وتطورت بفعل ما جمع بيننا من مشتركات عديدة لعل من أهمها ما رأبت فيه من صفات إنسانية رائعة، واهتمامات أدبية مدهشة، فهو يحفظ الكثير من عيون الشعر ومختاراته الجميلة، ويفوق بذلك الكثير من المتخصصين، وشاعره المفضل كما لمست أمير الشعراء (أحمد شوقي)، إذ يحفظ الكثير من شعره، ويلقيه بعذوبة في المجالس والدواوين، كما يحفظ لغيره من كبار الشعراء العراقيين كما سمعت منه لغرر قصائدهم.

وكانت لي زيارات متعددة له في بيته العامر ببغداد، وكان مجلسنا في مكتبته الأنيقة والحافلة بمجموعة قيمة من الكتب، وبعضها من مكتبة والده الحاج عبد الجبار العلّوش مثل كتاب (مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة) لمؤلفه جواد محمد العاملي، وكنا نقضي أغلب ساعات تلك الزيارات إن لم أقل كلها في أحاديث أدبية ماتعة لا يُمل سماعها، وكم كنت أتمتع وأستفيد مما كنت أراه من أخلاقه الرفيعة،  وأسمعه من الشعر والأحاديث وما يرويه من ذكرياته وتجاربه الحياتية، فكانت ساعات تلك الزيارات أشبه بالدروس والمحاضرات العلمية بالنسبة لي، وكم كنت أتمنى أن تطول وتتكرر!! حتى إذا ما أزفت ساعة الرحيل، ودعني إلى باب الدار، وهو يقول بوجه باسم (لا تجعل زيارتك لنا كبيضة الديك)!! أي لا تجعلها في كل سنة مرة واحدة !!

في منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي كنت أستمع للقاء مع أديب عربي كبير سئل عمن يختار معه، ليكون رفيقه وأنيسه لو وضع في جزيرة منعزلة بعيداً عن الناس، فأجاب أنه سيختار الشاعر التركي الشهير ناظم حكمت (1902- 1963م) وبيَّن الأسباب، وأعدتُ السؤال على نفسي حينها، وكان جوابي مباشرة سأختار الدكتور سعد العلّوش لطيبته، ورقة حاشيته، ونبل أخلاقه، ودفء حديثه، فبمثله تأمن الروح وتأنس، ولا تستوحش ولا تشعر بالوحدة.

ومن ذكرياتي الجميلة مع الدكتور سعد عبد الجبار العلّوش زيارته لي مع شقيقه المحامي أياد مساء يوم 19/8/2018م في مستشفى الراهبات ببغداد، وهو اليوم التالي لإجرائي لعملية جراحية فوق الكبرى، وكانت جلسة أدبية ماتعة أنستني شدة آلام عمليتي، وقد شاركنا فيها الشاعر أحمد شوقي من خلال قراءات جميلة لروائع شعره قرأها لنا الدكتور سعد العلّوش في تلك الأمسية السعيدة مما خفف كثيراً من آلامي وأنساني ما أنا فيه.

وتبقى نظرتي للدكتور سعد العلوش أستاذاً كبيراً لي في الحياة والأخلاق بعد أن معايشة ورؤية عن قرب، فكان مصداقاً لمن رآه في مرآة الانصاف ومقياس الموضوعية، فقال عنه (رجل حَسُنَ غرسُه، وطابَ منبتُه، وسُقيَ من عذب سائغ، فاستقام عوده، وأينع جناه، وورفت ظلاله، عطاء مستمر للوطن ومعين لا ينضب للخير وقدوة حسنة للشرفاء)، وكان لي الشرف والفخر بمعرفته وذكر فضله واجتهادي في اقتفاء أثره وإن كنت مازالت دون ذلك بكثير..

ومازالت أكرر دعائي له ولمن معه من الأهل والأولاد بالسلامة الدائمة والعافية التامة والعمر المديد ..

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

نهضة الحسين (ع) ذات بعدين؛ حسيني وزينبي؛ فالحسيني تجسّد بقيادة جيش المواجهة المباشرة بحمل سيف المبارزة في ميدان الحرب، ضد قوى البغي والظلام بعدما استبدت وتمادت مع الظلم وهضم الحقوق، والتمرّد على لغة الحوار الهادئ. ومآل الحال بعد أن وضعت الحرب أوزارها هي شهادة الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه (رض) في كربلاء. والزينبي تجسّد بقيادة زينب موكب السبايا بحمل سيف الكلمة لمواجهة العدو في ميدان الإعلام؛ ومسؤولية الإعلام مسؤولية جسيمة، ومآلها كشف الحقائق المزيفة أمام المُغرَّر بهم، وفضح سلطة فراعنة الفساد، عاملة بمعنى النص المقدس عن الكتاب الكريم (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)[1].

فمن هي زينب هذه المرأة التي اختارها الحسين (ع) لتكون رفيقة دربه، ومسيرته الطويلة الى كربلاء؟

هل هي المرأة الخانعة، النوّاحة، البكّاءة، التي تعلوها سياط العدو؛ فتوجعها لأنها أنثى؟

أم لأنه أدرك في شخصها مزايا وسمات فاقت بها جنس الأنثى حملته على اصطحابها الى كربلاء؛ حيث الملحمة التي خلّدها التاريخ؟

لنتوقّف لحظات، ونتأمّل في محطات من حياة زينب (ع).

مولدها: زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وأمها فاطمة الزهراء (ع) بنت الرسول محمد (ص). أبصرت النور في المدينة المنورة في 5 جمادي الأولى سنة 5 للهجرة النبوية.

زواجها: تزوجت من ابن عمها عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وأنجبت منه أربعة ذكور هم (علي، عون، عباس، محمد) وبنتا واحدة هي أم كلثوم[2].

ألقابها: عقيلة بني هاشم، العالمة غير المتعلمة، العارفة، الموثقة، الفاضلة، الكاملة، البليغة، الفصيحة، عابدة آل علي، المعصومة الصغرى، أمينة الله، نائبة الزهراء، نائبة الحسين، عقيلة النساء، شريكة الشهداء، شريكة الحسين، أم المصائب.[3]

دورها الاجتماعي: كانت زينب مثقفة عالمة في زمانها، تقيم مجالس تفسير القرآن لنساء الكوفة إبان حكم أبيها[4]. رأت وشاهدت أدوار أمها في المنزل وفي المجتمع، وسمعت خطبتين لأمها في المسجد النبوي في المدينة المنورة، فتلقّت عن أمها الفصاحة، والبلاغة، والشجاعة، والعلم، والإيمان، والتقوى.

مقامها وشأنها: نُقل في الأخبار: "أن الحسين كان اذا زارته زينب يقوم إجلالا لها وكان يجلسها في مكانه".[5]

وورد في الأخبار أنها اذا دخلت على أخيها الحسين وكان يقرأ القرآن وضع القرآن على الأرض وقام إجلالا لها[6].

علمها: تذكر كتب التاريخ أن "حبر الأمة عبد الله بن عباس (رض) كان كثيرا ما يرجع اليها في بعض المسائل، وعندما ينقل عنها شيئا يقول: حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي، وهي إشارة الى جلالة قدرها، وغزارة علمها الذي استقته من علم أبيها وأمها"[7]. وكانت راوية للحديث في القرن الأول الهجري، وذُكرت في إسناد كثير من الروايات. وقد روت أحاديث عن الإمام علي، والسيدة فاطمة الزهراء، والإمامين الحسن والحسين (عليهم السلام). وقد تلقّت علمها عن أبيها علي، وأمها الزهراء، وأخويها الحسن والحسين. وروى عنها محمد بن عمرو، وعطاء بن السائب، وفاطمة بنت الحسين وغيرهم[8].

قالوا فيها: ذكرها خير الدين الزركلي في كتابه "الأعلام" قائلا:

حضرت زينب مع أخيها الحسين وقعة كربلاء، وحملت مع السبايا الى الكوفة، ثم الى الشام وكانت ثابتة الجنان، رفيعة القدر، خطيبة فصيحة، لها أخبار". وقال فيها ابن الأثير (630هـ): "وكانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جزلة"[9].

قال فيها السيد محسن الأمين العاملي:"كانت زينب (ع) من فضليات النساء، وفضلها أشهر من أن يُذكر، وأبين من أن يسطر، وتُعلم جلالة شأنها، وعلو مكانها، وقوة حجتها، ورجاحة عقلها، وثبات جنانها، وفصاحة لسانها، وبلاغة مقالها، حتى كأنها تُفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين (ع) من خطبها بالكوفة والشام، واحتجاجها على يزيد وابن زياد"[10].

قالت فيها بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن): بطلة استطاعت أن تثأر لأخيها الشهيد العظيم، وأن تسلط معاول الهدم على دولة بني أمية وأن تغيّر مجرى التاريخ)[11].

وفاتها: توفيت زينب (ع) في 15 رجب عام 62هـ، وهناك روايات عدة في قضية وفاتها، منها أن السيد محسن الأمين ذكر في أعيان الشيعة أن زينب توفيت في المدينة وأكّد الرأي القائل أن زينب بعد وصولها الى المدينة لم تخرج منها فقال" يجب أن يكون محل قبرها في المدينة المنورة؛ فإنه لم يثبت أنها بعد رجوعها الى المدينة خرجت منها، وإن كان تاريخ وفاتها ومحل قبرها في المدينة مجهولين، ويجب أن يكون قبرها في البقيع، وكم من أهل البيت أمثالها من جُهل محل قبره وتاريخ وفاته خصوصا النساء"[12]. وقيل: توفيت في الشام حيث مشهدها الشاخص في جنوب دمشق عاصمة سوريا[13]. وقيل: توفيت في مصر، ولها مرقد ومزار باسم السيد زينب في القاهرة[14].

نستنتج بعد اطلاعنا على سيرة مختصرة من حياة زينب أنها توفّرت لها كل مقومات التربية الرصينة، والتهذيب المتين، فهي:

سليلة بيت النبوة، ومهبط الوحي، ومعدن الرسالة، ومنجم العلم الإلهي. تربّت في أحضان منزل كان ربه هو باب مدينة علم رسول الله، وحكمته، وعبقريته. وقد حملت ثقل بيت النبوة والإمامة من خُلق، وسلوك، وفضائل، وعلم، وإيمان في مسيرة حياتها.

تُوّجت زينب بألقاب وكانت هي الأجدر والأكفأ بها؛ وهذه الألقاب انطبعت في شخصها، فصيّرتها منجما للحكمة، والوعي، والصبر، وقوة التحدي، وهي سمات انفردت بها لاستعدادها الذاتي الخاص؛ فليس كل بنات بيت النبوة انطوت على الخصال التي حملتها زينب. ويمكن القول أنها امرأة ذات شخصية عبقرية.

شهدت في بواكير حياتها الأحداث والفتن، وأهمها فقدان جدها الرسول (ص)، ثم وفاة أمها الزهراء وهي صبية صغيرة، ثم مقتل أبيها في محراب صلاته، ثم شهادة أخيها الحسن مسموما. وصاغت منها المحن والفتن التي شهدها عصر أبيها علي وأخيها الحسن امرأة واعية، وصلبة، وحكيمة، ونعلم أن المحن والتحديات تصنع الإنسان.

أفرزت تلك الحيثيات امرأة ذات شخصية متزنة، مستقيمة، مثقفة، مسؤولة؛ فحملت رسالة جدها، وأبيها، وأخويْها بكل كفاءة وجدارة وشجاعة.

زينب المرأة الكاملة القيادية

أدرك الحسين (ع) أن مسيرته ليست مسيرة وقتية تتوقف على مساحة من الأرض، وبضع ساعات فيها يواجه العدو فيَقتل ويُقتل؛ ثم تمضي ويلفّها التاريخ في طي النسيان. انما أراد لنهضته البقاء والخلود، وصار لزاما أن يختار لسانا ناطقا معرِّفا رسالة ثورته على الطغيان، فاضحا لسلطة الاستبداد والاستعباد والبغي، فالثورة التغييرية يعرّفها السيف والكلمة؛ فاختار أخته زينب بصفتها أخته الكبرى التي توفّرت على عناصر الاختيار المميز، وكانت الكفوءة والجديرة بحمل المسؤولية، ومواجهة التحديات، حاملة سمات البيت المحمدي العلوي/ الفاطمي؛ لتؤدي دورها الرسالي التوعوي الحركي بعده، وتبيّن مقاصد ومبادئ ثورة أخيها، وتبلور رأيا اجتماعيا عاما يحمي الرسالة الإسلامية، ويصحح مسار الأمة التي كانت على شفا جرف هار، فالسلطة الفاسدة أعمت الضمائر والقلوب، وخّدرت العقول عن إدراك الحقيقة، لتكشف الضوء على صراط الحق الصحيح، متميزا عن الباطل المزيف.

فلنواكب حركتها ودورها في المسيرة الحسينية بكل أمانة وثقة وإخلاص.

بينما كانت الحرب تدور رحاها في صحراء كربلاء، وقفت زينب تنظر في ساحة المعركة بصبر ورباطة جأش، وكانت تتابع أخبار من استشهد من آلها وأصحاب أخيها. وكانت صابرة قوية وتبث في نفوسهم القوة.

في ساحة المعركة في يوم الطف كان لزينب دور ثقيل حينما كانت تُطحن فلذات كبدها، تارة تتلقى أجساد الشهداء من آلها، فما أن يلفظ أحدهم النفس الأخير حتى تحتضن جسد شهيد آخر، وكان فيهم أبناؤها وأخوتها وأبناء أخوتها؛ وأخرى تتلقى أخبار شهادة أصحاب أخيها واحدا تلو الآخر. لم تضطرب، أو ترتبك، أو تستسلم لعاطفتها في تلك اللحظات الحرجة، التي تتطلب منها الصبر والثبات سيما وهي ساعد أخيها الأيمن، بل استسلمت لحُسنِ ظنها بالله، ولعقلها الذي يُلزِمها بضرورة الصبر والتحمل، فالموقف لا يستدعي الضعف والاستسلام للعاطفة.

فور انتهاء الحرب، وشهادة أخيها وأهل بيته وصحبه ال (72) شهيدا يوم العاشر من محرم؛ شرع دورها الإعلامي متجليا بإيمانها، وصبرها، وصلابتها، فتجلس أمام جسد أخيها المُسجّى، وتضع يدها تحت جسده المقدس رافعة رأسها الى السماء قائلة: "اللهم تقبل منا هذا القربان"، وندبت جدها الرسول:

وامحمداه! بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليهم ريح الصبا، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والرداء[15].

وفي بعض الأخبار أنها قالت: بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا هو غائب فيُرتجى ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء، فأبكت والله كل عدو وصديق[16].

وتجلّى دورها الأسري المسؤول بعد أن ودّعت الجسد الطاهر عادت الى المخيم، لتكمل مهمتها الجسيمة؛ وهي حماية وحراسة العائلة ومن بقي من أهل بيتها من النساء والأطفال، وشحذ القوة والصبر في نفوسهم، وإقامة المأتم على أرواح الشهداء. وختمت ليلتها الليلاء الموحشة المهولة تلك بالتهجّد، والعبادة، والمناجاة حتى انبلج عمود الفجر.

وتجلّت حكمتها وبلاغتها بعد أن انطفأت نار الحرب باستئناف خط أخيها الحسين الإصلاحي، فكان على عاتقها أن تأخذ دورها القيادي، ومواصلة مسيرته التغييرية؛ في كشف فساد بني أمية وفضحهم، باستفزاز روح اليقظة والوعي والبصيرة في نفوس الناس، وتفجير طاقة التحدي والرفض، في دورها الإعلامي الجريء؛ وذلك بإلقاء الخطب النارية في مجالس السلطة، وكانت لا تخشى في الله لومة لائم، وكان هذا أهم أدوارها في المسيرة الحسينية. ففي مجلس عبيد الله بن زياد في الكوفة حينما دخل موكب آل بيت رسول الله، ضج أهل الكوفة بالبكاء؛ "فأشارت إليهم أن اسكتوا، فطأطؤا رؤوسهم خزياً وندماً، على حين مضت هي تقول: أما بعد يا أهل الكوفة، أتبكون؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة... أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فقد ذهبتم بعارها وشنارها، فلن ترحضوها بغسل أبداً، وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة ومعدن الرسالة، ومدار حجتكم ومنار محجتكم، وهو سيد شباب أهل الجنة...".[17]

كانت زينب قد تقدمت في مهابة دون أن تلقى بالاً إلى الأمير الطاغية، وأخذتها عيناه وهي تجلس بادية الترفع، قبل أن يؤذن لها في الجلوس، فسأل: من تكون؟، فلم تكلمه، وأعاد السؤال مرتين وثلاثاً، وهي لا تجيب، احتقاراً له واستصغاراً لشأنه، وأجابت إحدى إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة، قال لها ابن زياد وقد غاظه ما كان منها: الحمد لله الذي فضحكم، وقتلكم، وأكذب أحدوثتكم. فردت عليه ونظراتها تقطر احتقاراً: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه صلى الله عليه وآله، وطهرنا من الرجس تطهيراً، لا كما تقول أنت، إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله[18].

وتستأنف زينب دورها الإعلامي المسؤول حاملة فصاحة جدها، وشجاعة وبلاغة أبيها، وثقافة أمها في فضح سلطة البغي؛ فكان لموكب الأسرى من آل بيت الرسول محطة أخرى في الشام حيث مجلس الطاغية يزيد بن معاوية، ويتقدم الركب رأس الحسين ورؤوس أهل بيته وأصحابه، وكان قد أعدّ لهذا المجلس العدة فجمع أهل الشام في الجامع الأموي رجالا ونساء معلنين فرحهم وابتهاهجهم بنصر يزيد حيث رفعت البيارق والدفوف والأهازيج. ووصل الركب الحسيني، وأمر بأن يدخل ركب السبايا من نساء الحسين وأهل بيته مع الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع).

عندما"كشف يزيد عن رؤوس الشهداء، وانثنى يعبث بقضيب في يده، بثنايا الإمام الحسين منشدا:

ليت أشياخي ببدر شهدوا.. جزع الخزرج من وقع الأسل

فبكت نساء هاشم إلا زينب فإنها انتفضت تصيح: صدق الله يا يزيد: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)[19]. أظننت يا يزيد أنه حين أخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا هواناً على الله، وأن بك عليه كرامة؟.. إن الله إن أمهلك فهو قوله: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين)[20] أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك بناتك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كالأسارى؟... ستعلم أنت ومن بوّأك ومكنك من رقاب المؤمنين، إذا كان الحكم ربنا والخصم جدنا، وجوارحك شاهدة عليك، أينا شر مكاناً وأضعف جنداً، فلئن اتخذتنا في هذه الحياة مغنماً، لتجدننا عليك مغرماً حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، تستصرخ بابن مرجانة ـ عبيد الله بن زياد ـ ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك عند الميزان وقد وجدت أفضل زاد تزودت به: قتل ذرية محمد صلى الله عليه وسلم وآله.[21]

وتجلّى إيمانها العميق بالله وحسن ثقتها به أولا، وفخرها بأن الله اختارهم ليكونوا شهداء شاهدين على الأمة ثانيا؛ كي تخلد رسالة السماء بجدها وأبيها وأمها وأهل بيتها، فخاطبت يزيد بن معاوية في مجلسه بالشام قائلة:

كد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنها عارها[22].

خطبت زينب في مجلس يزيد خطبتها المشهورة وهي من أبلغ خطبها وأجرئها كشفت فيها زيف السلطة الأموية بكل شجاعة "فلم تمض زينب الا بعد أن أفسدت على ابن زياد، ويزيد، وبني أمية لذة النصر، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين؛ فكانت فرحة لم تطل، وكان نصرا مؤقتا لم يلبث أن أفضى الى هزيمة قضت آخر الأمر على دولة بني أمية"[23].

واستمر دور زينب الإعلامي حتى بلغت المدينة المنورة مع ركب السبايا وهناك أقامت المآتم على أرواح الشهداء، فألّبت بخطبها في المجالس الرأي العام الاجتماعي وفضحت السلطة الأموية؛ فأمر حاكم المدينة الأموي بإخراجها، فاقترحت عليها نساء من أهلها بضرورة الهجرة من المدينة؛ فسارت مع ثلة من أقاربها من النساء الى الشام، وربما فيها توفيت ودُفنت، أو الى مصر وربما فيها توفيت ودُفنت -حسب بعض الروايات[24].

لا يمكن التصديق بأن زينب بكت أمام العدو في ساحة الطف بكربلاء، أو في مجلس عبيد الله بن زياد في الكوفة، أو في مجلس يزيد بن معاوية في الشام، دون نكران كونها أنثى، والأنثى بطبعها العاطفي تضعف أمام حدث الحزن. حينما عادت زينب الى المدينة أقامت مآتم النياحة والبكاء على الشهداء من آلها، واجتمعت النساء في دارها من كل حدب وصوب يندبن ويبكين الحسين وآله وصحبه. ولايمكن التصديق بأن سياط الشمر كانت تعلو ظهر زينب وبنات رسول الله، فهي امرأة مهيبة، عصامية، شجاعة، وصبورة، وحكيمة، ولا يمكن للشمر وأمثاله أن يتجرّأ ويرتكب مثل هذا الفعل الأحمق بعد أن قتل أخيها، لأنه سوف يواجه موقفا من زينب الشجاعة البطلة يندم عليه. مصادر البحث في الثورة الحسينية تحتاج الكثير من التوثيق والتدقيق والتشذيب مما بها من أخبار ملفّقة، وخزعبلات، وبدع، وأكاذيب كثيرة، القصد منها إثارة المشاعر، وإلهاب العواطف البريئة لعامة الناس.

زينب قدوة الرجل العبقري العظيم كونها تحمل شجاعته، وحكمته، وقوته، وصبره، وقدرته على صياغة القرار، واتخاذ الرأي الشجاع في مواقف التحدي. وقدوة المرأة العبقرية العظيمة القادرة على الوقوف بصلابة، وصمود، وصبر، وتحد نادر، ومقاومة بوجه القوة المعاكسة.

زينب أوصلت صوت الحق الى كل أرجاء المعمورة؛ لأنها أرادت للثورة الحسينية أن لا تندثر، أن تبقى حية في الضمير البشري اليقظ، ونبراسا يهتدي به الثائرون في التاريخ على كل وجوه الشر والفساد والباطل. وقفة زينب البطولية في كربلاء وما بعدها هي وقفة شجاعة أمينة أمام الله، والتاريخ، والإنسانية؛ لهذا خلّدها التاريخ، وحفر اسمها عميقا في سجله.

زينب نموذج ساطع لكل الرجال والنساء المتطلّعين لأن يتركوا بصماتهم العميقة في سجل تاريخ الإنسانية الطامحة لتنوير سبيل الحق، والحرية، والعدل، والكرامة، والعزة، والإباء؛ فالثورة الحسينية بدْءا حسينيةٌ وزينبيةُ الوجود، وختامًا أبديًا حسينيةٌ وزينبيةُ الخلود.

 

إنتزال الجبوري

..........................

[1] الأحزاب- 39.

[2] ا رياحين الشريعة، ج3، ص41). ترجمة زينب الكبرى، ص89.

[3]ابن عساكر. أعلام النساء، ص190. الجزائري، نور الدين. الخصائص الزينبية، ص48. القرشي. السيدة زينب، ص39.

[4] الطبري، دلائل الإمامة. ج3، ومحلاتي، ذبيح الله. رياحين الشريعة، ص57.

[5] وفيات الأئمة، مجموعة من علماء البحرين، ص436.

[6] وفيات الأئمة، ص437.

[7] عبد الله العجمي. صحيفة الرؤية (15/8/2018).

[8] ابن أبي الحديد. نهج البلاغة، ج16، وسائل الشيعة، ج1، ص13، و14، بحار الأنوار، ج6، ص107.

[9] أسد الغابة في معرفة الصحابة، الجزء الخامس، ص469.

[10] أعيان الشيعة، الجزء 7ـ ص137.

[11] لبيب بيضون. موسوعة كربلاء، ج2، ص652-653

[12] جريدة النهار. أعيان الشيعة، ج7. كذلك محمود الزيباوي (26/7/2013).

[13] القريشي. السيدة زينب بطلة التاريخ، ص298-303.

[14] مغنية، محمد جواد. مع بطلة كربلاء زينب بنت أمير المؤمنين. بيروت: دار التيار الجديد، ط5، 1412هـ- 1992م، ص 91.

[15] أبو مخنف. واقعة الطف، ص259. المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار، ص45، ص59.

[16] نفس المصدر والصفحة.

[17] السيد ابن طاووس. اللهوف على قتلى الطفوف.

[18] بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن). بطلة كربلاء زينب. القاهرة: دار الهلال، 121.

[19] الروم-10.

[20] آل عمران- 178.

[21] مغنية، محمد جواد. نفس المصدر، ص63.

[22]نفس المصدر، ص63-64.

[23] بنت الشاطئ. مصدر متقدم، ص158.

[24] القزويني، محمد كاظم. زينب الكبرى من المهد الى اللحد. بيروت: دار المرتضى، 2005م، ص591.

 

 

منى زيتونمن أشهر الشخصيات الإجرامية في العالم العربي السفاحتان ريّا وسكينة، وهما شقيقتان قدمتا من صعيد مصر إلى مدينة الإسكندرية، وعملتا بالعديد من الأعمال غير الشريفة، كان آخرها –والتي كانت القاضية- أن كونتا وترأستا عصابة إجرامية تخصصت في خطف وقتل وسرقة النساء، وكان ذلك منذ قرن كامل من الزمان، وفي أواخر ديسمبر 2021 ستحل الذكرى المئوية لحادثة إعدامهما الشهيرة والتي كانت أول حادثة إعدام للنساء تشهدها مصلحة السجون المصرية.

وقد حاولت العديد من الأعمال الفنية تبييض صورتيهما؛ ربما لأن الكُتاب وكثير من الناس لم يستوعبوا أن تُقدم امرأتان على هذه الأفعال الإجرامية طواعية، فمنهم من صورهما ضحيتين لظروف اجتماعية قادتهما للإجرام، ومنهم من تصور أن هناك تهويلًا قد حدث وأن حسب الله زوج ريّا وعبد العال (رفيق) سكينة ومن معهما من الرجال هم من كانوا يقودون العصابة، وأن ريّا وسكينة كانتا فقط شريكتين باعتبار أن العصابة قررت أن تكون الضحايا جميعهن من النساء لسهولة اجتذاب وقتل النساء مقارنة بالرجال. لكن المؤكد وفقًا لما وثقته سجلات تحقيقات الشرطة والنيابة العامة أن هاتين المرأتين لم تجتذبا الضحايا وحسب، بل وهما من كانتا تقمن بكتم أنفاس الضحية بمنديل مبلل بالماء بعد أن تُسقى الضحية خمرًا أو مشروبًا مخدرًا، وكان الرجال يشاركونهما في شل حركة الضحية ثم القيام بالمهام المتبقية وهي مهمة حفر التربة ودفن الضحية، ثم تقوم السفاحتان بتصريف المشغولات الذهبية التي تكن قد سرقنها من الضحية، ولذا كانتا أول امرأتين استحقتا أن يُنفذ فيهما حكم الإعدام في تاريخ مصر.

وأحد المتفذين كان قد نشر منشورًا ذاع صيته لفترة على موقع الفيسبوك، تعاطف فيه معهما حد ادعاء إنهما كانتا مناضلتين تقتلان النساء المتعاونات مع الإنجليز أو اللاتي يقمن علاقات غير شرعية مع الجنود! وذلك دون أن يكلف خاطره قراءة مقالات فكري باشا أباظة عن تلك الجرائم التي عاصرها، أو التحقيق الموسع الذي قام به قسم الحوادث في جريدة الأهرام وقتها، أو يقرأ قصيدة بيرم التونسي التي تصف ما حدث، أو أن يطلع على قائمة أسماء الضحايا التي يمكن إيجادها بسهولة على شبكة الانترنت، وليس فيهن من كانت لها علاقة بجندي إنجليزي إلا واحدة.

ولعل من أغرب ما ذكرته تحقيقات الشرطة والنيابة -ما دفع كثيرين إلى التشكيك فيها- هو ما عُرف عن سكينة من إنها كانت تعيش مع رجل ليس زوجًا لها، وهو عبد العال أحد أفراد العصابة الرئيسيين، كما كانت تعمل في شبابها في الدعارة، وهو غريب كونها امرأة صعيدية، والوضع بالكامل يبدو حقًا غريبًا مريبًا لمن لا يعرف إلى أي جماعة تنتمي هاتين المرأتين.

نشأة الباطنية

لمن لا يعرف فإن ريّا وسكينة وحسب الله وعبد العال ومن معهم من باقي أفراد العصابة جميعهم من الخوارج الباطنية، والذين بدأت قصتهم ودعوتهم المبتدعة في مطلع القرن الخامس الهجري بمقدم ثلاثة ممن يحملون أفكارًا ثنوية من بلاد فارس إلى مصر، وكان ذلك في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وهو أحد مجانين التاريخ –كما نعلم- ولكنه ازداد جنونًا عندما أدخل هؤلاء الثلاثة في رأسه إنه إله، فادعى الألوهية، ولم يعجب هذا المصريون، سنتهم وشيعتهم ومسيحيوهم.

ينقل محمد جمال الدين سرور في كتابه "تاريخ الدولة الفاطمية" (ص89-90) ‏عن أبي المحاسن في "النجوم الزاهرة" ما فعله دعاة الحاكم الذين قدموا إلى مصر من بلاد ‏فارس، حمزة بن علي الزورني، والفرغاني المعروف بالأخرم، والبخاري الدُرزي، في أواخر ‏عهد الحاكم، من المغالاة فيه، والدعوة إلى تأليهه، والتي استمرت سرًا من سنة 405هـ، وحتى ‏‏408هـ، حيث كان حمزة بن علي أول من جهر بها سنة 408هـ، واجتمع إليه طائفة من ‏متطرفي الشيعة، ولم تلق تلك الدعوة ترحيب السُنيين والمعتدلين من الشيعة، وأنهم استطاعوا ‏قتل الأخرم، وكادوا يقتلون الدُرزي، ولكن الحاكم دبّر له الفرار، وأمره بالمسير إلى الشام، ‏ونشر دعوته في الجبال، وأتباعه بها هم الدُرزية. وتبع ذلك اختفاء مريب للحاكم، يعتبر ‏سرًا من أسرار التاريخ، لكن بعد أن انتشرت تلك الحركة من مصر إلى بلاد ‏فارس وبلاد الشام.‏

وعلى هذا فالباطنية أو الحشاشون ‏ASSASINs‏ أو الإسماعيلية النزارية –أحيانًا يُقال الإسماعيلية فقط من باب ‏التخفيف- هي طائفة من الخوارج انفصلت عن الشيعة الإسماعيلية الفاطميين في القرن الخامس الهجري، ويُقال إن الهوة بينهم وبين الفاطميين قد وسعت بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله. ‏وتمركزهم الأكبر وأشد البلاء منهم وبهم كان في بلاد فارس. وبالرغم من عدائهم مع الخلافة العباسية والدول والسلطنات الكبرى التابعة لها في ‏الشرق كالسلاجقة والخوارزميين، وكذا الزنكيين والأيوبيين في بلاد الشام، وعدائهم العقائدي والسياسي مع ‏الفاطميين، إلا أن أحدًا من هؤلاء الملوك والسلاطين لم يستطع استئصالهم بسهولة لأنهم غالبًا ما اتخذوا من الجبال ‏حصونًا لهم. ‏

ويذكر ابن الجوزي عن متقدم أول قلعة تملكها الباطنية في بلاد فارس الحسن بن الصباح أنه كان قد سار إلى مصر، وتلقى من دعاتهم المذهب، وعاد داعية للقوم، ورأسًا فيهم. وكانت أشهر قلاعهم في بلاد فارس قلعة حسن الصباح وقلعة ابن عطاش، وقد نقض هولاكو قلاعهم في بلاد فارس حجرًا حجرًا سنة 655ه، قبل نكبة بغداد بشهور.

وأما في بلاد الشام فكانوا ولا زالوا يُعرفون بشيوخ الجبل، وكان صلاح الدين الأيوبي قد سيّر عسكره سنة 572هـ إلى بلاد الإسماعيلية بجانب حلب، ردًا على محاولتهم قتله مرتين عاميّ 570هـ و 571هـ، فنهب بلدهم، وخرَّبه وأحرقه، وحصر قلعة مصيات، وهي أعظم وأحصن قلاعهم، فنصب عليها المنجنيقات، وضيَّق على من بها. ثم اصطلح مع هؤلاء الباطنية بواسطة الحارمي صاحب حماة، وهو خال صلاح الدين. كما قاتلهم الظاهر بيبرس ورحّل وفرّق أغلب المقيمين منهم بجانب مدينة حلب تحديدًا، وذلك في الفترة التي حارب فيها التتار بعد معركة عين جالوت في النصف الثاني من القرن السابع الهجري.

أشهر ما عُرف عن أحوال الباطنية

عُرف عن رجال جماعات الباطنية الحشاشين في بلاد فارس وبلاد الشام استئجارهم في أعمال الاغتيالات السياسية بالخناجر، فيترصدون ويكمنون للضحية ثم يغرزون خنجرهم في ‏جنبه، فيهربون أو يُقتلون‏، ومن أساطير التاريخ غير المؤكدة أن قادتهم كانوا يُعطونهم مخدر الحشيش بكميات ‏كبيرة حتى يدمنوه، ويكون من السهل التأثير عليهم والانقياد لهم لتنفيذ ما يؤمرون به من ‏عمليات. ويمكن لمن أراد الإطلاع على ملخص واسع لأكبر عمليات الاغتيال التي نُسبت لرجال الباطنية في بلاد فارس وبلاد الشام العودة لمقالي "الخوارج".

ولكن البلاء بهم لم يقتصر على اغتيال الكبراء. يصف ابن الأثير في "الكامل" (ج9، ص168) حال عامة الناس بسبب الباطنية، ‏يقول: "كان في أيام السلطان محمد، المقدم عليهم –أي على الباطنية-، والقيِّم بأمرهم، الحسن بن ‏الصباح الرازي، صاحب قلعة الموت، وكانت أيامه قد طالت، وله منذ ملك قلعة الموت ما ‏يُقارب ستًا وعشرين سنة، وكان المجاورون له في أقبح صورة من كثرة غزواته عليهم، وقتله ‏وأسره رجالهم، وسبي نسائهم"أهـ.‏

ويحكي ابن الجوزي في "المنتظم" (ج17، ص63) أول ما عُرف من أحوال الباطنية في بلاد فارس في أيام السلطان ملك شاه، ثم استفحال أمرهم بأصبهان بعد قتلهم الوزير نظام الملك وملك شاه في أواخر القرن الخامس الهجري، قال: "فآل الأمر إلى أنهم كانوا يسرقون الإنسان فيقتلونه ويلقونه في البئر، فكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله يئسوا منه، وفتش الناس المواضع، فوجدوا امرأة في دار الأزج فوق حصير، فأزالوها فوجدوا تحت الحصير أربعين قتيلًا، فقتلوا المرأة، وأخربوا الدار والمحلة، وكان يجلس رجل ضرير على باب الزقاق الذي فيه الدار، فإذا مرّ به إنسان سأله أن يقوده خطوات إلى الزقاق، فإذا حصل هناك جذبه من في الدار واستولوا عليه"أهـ.

ولا خلاف بين كل من وثقوا لحوادث عصابة ريّا وسكينة في مصر على أنها عصابة تخصصت في الخطف والقتل –خطف وقتل النساء تحديدًا- وأنهم كانوا يدفنون ضحاياهم بالحفر في أرضيات المنازل التي كانوا يسكنون فيها، وهي إحدى طرق تخلص الباطنية من ضحاياهم منذ القدم، ولم تُعرف عن غيرهم. وما حكاه ابن الجوزي من حيلة لاجتذاب الضحايا ظل ‏معروفًا عن الباطنية إلى أوائل القرن العشرين، وفي سجلات الشرطة المصرية تحديدًا كثير من الجرائم التي ‏تمت بالأسلوب نفسه، وقد حكت لي عنها جدتي –والتي قضت طفولتها في القاهرة- وأعني هنا حيلة الأعمى والزقاق.

الباطنية في مصر

كانت للهجمات العديدة التي تلقاها الباطنية في بلاد الشام أثرها في هجرة جماعة كبيرة منهم إلى مصر، واتجه أغلبهم إلى صعيد مصر حيث توجد الجبال التي اعتادوا الحياة عليها بعيدًا عن باقي الخلائق، ويسميهم أهل الصعيد بـ "الحلبة" نسبة إلى حلب التي قدموا منها، وفي مصر لم يستطيعوا تكوين قلاع وغزو جيرانهم كما كان حالهم في بلاد فارس، فتحول أغلبهم إلى امتهان غيرها من الأعمال القذرة كالدعارة ورقص الغوازي في الموالد والسرقة وخطف النساء وقتلهن بغرض السرقة وخطف الأطفال بغرض التسول بهم، ثم إن جماعة كبيرة من الحلبة توجهوا إلى الإسكندرية تحديدًا في أوائل القرن العشرين، ولأن ما يمتهنون من أعمال عموده النساء، فقد اعتادوا أن تتزعم عصاباتهم النساء. وبعض رجالهم كانوا ولا زالوا كما كان جدودهم يُستأجرون للقتل ويعيشون في جبال الصعيد ويُعرفون بـ "المطاريد".

وفيلم "تمر حنة" يروي في إطار كوميدي قصة حقيقية حدثت في منتصف القرن العشرين في أحد الموالد في محافظة الشرقية في مصر، حيث نرى فيه الراقصة الغزِّية التي تتزعمهم ويريدون استعادتها بالقوة لأنها مصدر دخلهم الرئيسي، ونرى الشاب الباطني الغجري الذي يحبها وهو يترصد محاولًا اغتيال غريمه بالخنجر. وإن كان الفيلم قد أظهر هذه الغزية في صورة امرأة شريفة، وهو ما لا يمت للواقع بأدنى صلة.

وفيلم "العفاريت" من الأفلام التي استحضرت شخصية المعلمة المتخصصة في خطف الأطفال بغرض استخدامهم في التسول.

كما امتهن رجالهم في مصر تجارة الحشيش منذ بدء نشأة جماعتهم في القرون القديمة، والتي تطورت إلى الأنواع المحدثة من المخدرات في النصف الثاني من القرن العشرين. ولا زال بعضهم يعيشون في القاهرة في حي يُعرف بحي الباطنية، والذي كانت نشأته كحي يتمركزون فيه ويبيعون فيه المخدرات. وعُرف عنهم امتلاكهم الكثير من المقاهي الشعبية التي كانت لا تخلو واحدة منها من الحشيش والحشاشين، وبعض نسائهم عُرف عنهن أيضًا الإتجار في المخدرات، وأشهرهن امرأة كانت تُعرف باسم "أم الكِني" لأنها كانت صاحبة مقهى ملحق به وكر (كُن) لتدخين الحشيش لمن يسرف في تعاطيه ولا يستطيع العودة إلى منزله.

ويُقال إن الخديو إسماعيل لما بنى مدينة الإسماعيلية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي عزف المصريون أول الأمر عن سكناها كحالهم مع أي تجمع سكني جديد، ثم كان من أول من انتقل إليها جماعة صغيرة من الباطنية، بعضهم سكن في قلب المدينة، وبعضهم على أطرافها، وبعضهم في قراها. وبالمناسبة فإن اسم مدينة الإسماعيلية المصرية لا علاقة له مطلقًا بالشيعة الإسماعيلية أو الخوارج الباطنية الإسماعيلية النزارية المنشقين عنهم، فقد تسمت المدينة على اسم منشئها الخديو إسماعيل حفيد محمد علي باشا وحسب. وبقايا الباطنية بها حالهم اليوم كحال سائر أفراد الباطنية في باقي المدن المصرية، فمنهم من لا زالوا يسكنون مناطق جدودهم لم يبرحوها ومنهم من فارقوها، ومنهم من لا زاولوا يزاولون أعمال جدودهم الإجرامية القذرة، ومنهم من تاب واحترف أعمالًا شريفة.

فأما من سكنوا منهم مدينة الإسماعيلية فقد احترفوا السرقة، ولا زالت منهم شرذمة على درب جدودهم في السرقة، ويسكنون في منطقتهم القديمة ذاتها، وعندما حل الاستعمار الإنجليزي على مصر وكان معسكرهم على أطراف مدينة الإسماعيلية انتقلت جماعة من الباطنية للسُكنى بجوار معسكر الإنجليز، فرجالهم تعاونوا مع الإنجليز فكانوا يمونونهم بالسلع الغذائية ويدلون على أفراد المقاومة الشعبية، وبناتهم كن يرقصن للجنود، وبعضهن احترفن ضرب الودع، وبقيتهم لا زالت تقطن بجوار المنطقة التي كان فيها معسكر الإنجليز القديم في المنطقة المعروفة باسم "نُفيشة No Feash"، والتي كان الإنجليز لا يسمحون لأصحاب التصاريح من المصريين بالدخول إليها ويقصرونها عليهم، وأغلب الباطنية الباقين فيها اليوم يحترفون التسول، وهم مميزون عن باقي السكان في المنطقة الذين لا ينتمون إليهم.

وأما من تاب الله عليهم، وقطعوا صلاتهم بالماضي التعيس، فبعضهم تفرقوا في البلاد وبين العباد أو اندمجوا مع باقي فئات الشعب عندما تغيرت التركيبة السكانية للمناطق التي يعيشون فيها أو بجوارها، لكن بعض خصالهم السيئة لا زالت لم تنمحي، وتظهر في تعاملهم لمن يعرف عادات وسلوكيات الباطنية، ومنهم جماعة كانت تسكن في منطقة على طرف مدينة الإسماعيلية الآخر ليست ببعيد عن منطقة فلل هيئة قناة السويس، وقد أصبحت هذه المنطقة اليوم في وسط المدينة وتلاصقهم منطقة سكنية من أرقى الأحياء بالإسماعيلية، ولا يفتأ بقايا الباطنية يزعجون سكانها بإلقاء القمامة أمام منازلهم ويضايقونهم بأشكال متنوعة، وإن كان أغلب هؤلاء القوم في تلك المنطقة اليوم يمتهنون مهنًا شريفة بسيطة ومنها فرز وجمع النفايات القابلة للتدوير. وإحدى قرى محافظة الإسماعيلية التي كان الباطنية قد انتقلوا إليها تاب الله عليهم منذ زمن بعيد ووجدوا لأنفسهم مصدرًا حلالًا للرزق فامتلكوا أراضٍ زراعية وصاروا مزارعين، ويتعلمون ويسمحون لبناتهم أن يتعلمن ويعملن أعمالًا حلالًا، لكن لا زالت فيهم عادة الاعتماد على عمل ومال النساء! ورجال هذه الجماعة في الإسماعيلية وغيرها من المدن لا يمتهنون من الأعمال الشريفة –على الأغلب- سوى تلك التي لا يلزمها كد ولا تعب، فيعملون في الغفر وحراسة المساكن، أو يعملون في بعض الحرف يومًا ويرتاحون يومين!

ونظرًا لتضييق السلفية في مصر على إقامة موالد الأولياء وآل البيت، فلم تعد هناك راقصات من الغوازي ينشلن الكُحل من العين، وصار هذا من حكايا الماضي، لذا فقد اقتصر أغلب نشاط الباطنية الإجرامي في العقود الأخيرة على التسول والسرقة والخطف، إضافة إلى الإتجار بالمخدرات. وكنت ولا زلت أعتقد أن بقايا هذه الجماعة الحقيرة هي المسئولة عن أغلب حوادث خطف النساء والأطفال، والتي تنتشر في مصر بأكثر من مثيلاتها في غيرها من البلدان، وأحيانًا ما تنشأ فتنًا طائفية عند اختفاء النساء في الصعيد وغير الصعيد، ويظن أهلهن أنهن هربن مع رجل ليس من دينهن، أو تم خطفهن، بينما غالبًا يكون الحلبة الباطنية هم من قاموا بخطفهن لسرقتهن مثلما كانت تفعل عصابة ريّا وسكينة. ولا أعلم أين أفراد الشرطة من كل هذا!

 

د. منى زيتون

الأحد 26 سبتمبر 2021

 

 

محمود محمد عليفى عهد الرئيس مبارك وفى مقابلة مع روبرت فيسك، انتقد بشدة الرئيس المصري السابق حسنى مبارك، قائلا: «إن مبارك يعيش في عالم خيالي في شرم الشيخ» ووصفه في موضع آخر بأنه ليس لديه حنكة سياسية، وقد اعتزل هيكل الكتابة المنتظمة والعمل الصحفي في ٢٣ سبتمبر ٢٠٠٣ بعد أن أتم عامه الثمانين ومع ذلك فإنه استمر يساهم في إلقاء الضوء بالتحليل والدراسة على تاريخ العرب المعاصر الوثيق الصلة بالواقع الراهن مستخدما منبرا جديدا غير الصحف والكتب وهو التليفزيون إلى أن توفي في١٧ فبراير ٢٠١٦ (9).

ومع رحيل الصحفي المصري محمد حسنين هيكل طويت صفحة شخصية سياسية وصحفية عربية وثقافية مهمة، استطاعت أن تلعب دوراً بارزاً في التحولات الوطنية والدولية التي شهدتها المنطقة العربية، منذ خمسينيات القرن الماضي وإلي الآن. وفي الحقيقة، فإن رحيل هيكل لا يعني بتاتاً أن سيرته قد طويت، ولا أن دوره كمثقف قريب من السلطة  أو بعيد عنها، ما يعني أن "ملف هيكل" بدأ بالانفتاح وإثارة الجدل والنقاش من جديد كما كان قبل، وربما أكثر  (10).

والحقيقة أيضا، إن أهم التساؤلات التي يمكن أن تطرح اليوم بعد مسيرة هيكل المتشعبة كصحفي، وسياسي، وشاهد علي العصؤ، إن لم نقل مؤرخاً،وكاتب، ومفكر هي: إلي أي درجة كان هيكل يمثل نفسه كمثقف في السلطة ؟ أو ربما هل كان يمثل نوعاً جديداَ من المثقفين الذين لا تنطبق عليهم تعريفات المثقف التقليدية ليكون مثقفاً " من" السلطة؛ بمعني أنه مثقف " شارك " في صناعة السلطة، ومن ثم كان لا بد من التعبير والدفاع عنها بصفته شريكاً وليس تابعاً ؟ ويبقي السؤال الأهم الذي كان مطروحاً مع أندريه جيد، ومالرو، وسارتر، ويقينا هيكل:" هل الكاتب مثقف؟ (11).

وقد أجاب الفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر "علي هذا السؤال الذي طرحه في مؤتمر اليابان في عام 1965، قائلاً:" المثقف هو مثقف بالصدفة، منتج من التاريخ، والاجتماع، بينما الكاتب منتج من القراءة، هذا جوهره (مفهوم مفاجئ من فم سارتر): أعماله " تأكيد علي القيمة المطلقة للحياة المعاشة، وملحة علي حرية هدفها الآخرين" (12).

إذن، للإجابة علي التساؤلات السابقة علي هدى " الرؤية السارترية "، سنتطرق إلي الحديث عن هيكل صاحب لقب عميد المحللين السياسيين العرب، فكما هو معروف فإن الأستاذ هيكل يحمل دائما أجنده بداخله، تحوي صفحاتها فكراً منظماً، ودقيقاً يعكس رؤية شاملة، ومعمقة لكافة القضايا السياسية والاستراتيجية، وحتي الاجتماعية والفنية منها .. فهو مثقف موسوعي جذوره الطبقية والاجتماعية تمتد في أرض صلبة حيث الطبقة البورجوازية التي حملت أفكار التغيير في مصر منذ منتصف العشرينيات من القرن الماضي وقادت الثورات وحركات التحرير ونهضة الفكر والفن.. فكان طرحاً لحقل جميل من الأفكار والقيم والتقاليد المهنية والاجتماعية صقلتها بخبرات لم تتوافر لكثير من أبناء جيله والأجيال التي تلته أو سبقته في الصحافة المصرية والعربية..محمد حسنين هيكل.. وجد نفسه في الأربعينيات صحفيا.. مسألة صدفة وقدرا.. إلتقط هذه الصدفة –التي كانت قدرة – وطور نفسه منذ أن كانت الصحافة ما  زالت خيالاً في ذهنه.. إلي أن أصبح له خياله الخاص.. نحن أمام رجل .. يحمل ترمومترا داخله عقله.. به يقيس درجة حرارة الخبر..!.. وإلي جانب هذا الترموتر فهو يحمل ذاكرة متينة يجددها بطريقته الفريدة التي ابتدعها.. يجددها بإعادة قراءة أوراقه.. ويسترجع الماضي والحاضر لذلك يجد المستقبل أمامه دونما أي مجهود.. هيكل.. لأنه له خياله الخاص فقد خاض الكثير من المعارك، واختار طريقه في زمن لا يرحم فقراء الخيال.. هذا الصحفي الذي يتحرق شوقاً إلي مصدره.. لكنه أبداً لا يتنازل، إلا إذا بحث عن مصدره واطمأن إليه.. هو جاهر للقول والحوار ومن هذا الجدال تولد الأفكار وتقفز الأخبار إلي يديه بعد أن تخيلها لتصبح حقيقة.. هذا هو هيكل صحفي الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات إلي آخر القرن العشرين.. هيكل شاهد علي العصر منذ منتصف القرن إلي نهايته، كما كان عبد الرحمن الجبرتي شاهدا علي عصر نابليون ومحمد علي.. ولم يتأثر يوما بغيابه عن دور تنفيذي.. وهو يقول في ذلك: قلمي ما زال في يدي.. وهذا أقل شئ.. والصحفي قلم وليس الصحفي مقعداً.. إن هيكل واحد من جيل الصحفيين  الأعزاء الذين صنعوا أنفسهم بأنفسهم ّّ.. لقد صنع هيكل بصيرة بين المشروع المهني والفكري والثافي.. هو من جورناله حركة إصدار يومية.. ومن احتضانه مجموعة تنبت وتنمو وتكبر وتقدم للنظام حوارا.. حوارا بين النظام والمجتمع.. إن احتضانه للمشروع الفكري والثقافي لا ليخالف النظام ولا يقف علي اليسار أو اليمين .. لكن في موقف المحاور.. كان ذلك لخدمة المشروع السياسي والوطن والأمة.. هيكل خرج بالأهرام وبالحافة المصرية خارج حدود الوطن.. وكان ساحة ووعاء تتجمع فيه الكفايات أمثال لطفي الخولي، ولويس عوض،  وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ.. المهم في النهاية أن صحافة مصر صحافة تجاوزت حدود الوطن.. هيكل أقر فكرة التجديد في شكل تطبيقي وتنفيذي وعمى، لم يخضع للأفكار التقليدية فجاء المراسل والمندوب وجامع الأخبار، لم يأت لصفة صاحب الصحيفة أو المؤسسة.. فكا استثناء لهذه القاعدة القديمة فلم يكن مالك مؤسسة..  لقد فهم هيكل مبكرا معايير دولية الصحيفة، وفهم التخصص الجغرافي للصحيفة فجمع الخبراء الذين يعملون عملاً صحفياً يتمرسون فيه في شئون منطقة بعينها من العالم (13).

ولم تكن تجربة هيكل في الصحافة المصرية والعربية مجرد تجربة صحفية كان لها تأثيرها علي أكثر من مستوي، بل كانت تجربة في الوعي الإنساني السياسي الاجتماعي والفكري.. تأسست هذه التجربة علي الطموح اللامحدود، والاستكشاف لآفاق المستقبل، والبحث عن صيغ لا محدودة – أيضاً – لتجاوز الصعوبات.. إنها " كاريزما" الحضور.. وصناعة التاريخ، فلم يكن هيكل هو ذلك الكاتب الصحفي الكبير صاحب الخطاب السياسي والمؤثر في الأحداث، بل وصانع الحدث السياسي – في بعض الأحيان، بل تجاوز كل ذلك إلي البعد الجماهيري، فلم يرتبط القارئ المصري بمقال صحفي مثلما ارتبط بمقالات هيكل سواء في الأخبار أو الأهرام وتحليلاته السياسية لأكثر من سبعين عاما من الكتابة والرؤية وانفتاح الوعي علي آفاق رحبة من التغيير والتحولات، والثورة، والعواصف..  لقد عاش طوال حياته مناصرا للحرية واعيا إلي مبادئها، وصارت حياته ما بين الشد والجذب، وما بين الاتفاق والاختلاف.. امتاز بجسارة الموقف، وقوة الرأي، وعمق التحليل السياسي والاجتماعي، وهو ظاهرة مصرية تستحق الدراسة لتأثيرها علي أجيال متعددة، رغم أننا نختلف كثيرا مع مواقفه السياسية.. (14).

كانت ميزة هيكل ولا تزال، أنه الأقدر بين جيله علي صنع صحافة خصبة محترمة قوية التأثير، تحمل رسالة واضحة إلي قارئها ، ولعله أنشأ بكتاباته مدرسة صحفية جديدة في مصر، استطاعت أن تحفظ للمهنة رصانتها واحترامها، وأن تحافظ في الوقت نفسه علي قدرتها، وبراعتها في لفت الأنظار وجذب الانتباه، وإثارة شهية القراء الذين كان يأخذهم هيكل في مقاله الأسبوعي "بصراحة" إلى قلب الحدث ليشاركوه التفكير في كل كلمة ومعني (15).

وعندما استعانت به أسرة تكلا، أصحاب الأهرام قبل تنظيم الصحافة، كي ينقذ الصحيفة العتيقة من حالة الركود والجمود التي سيطرت علي تحريرها لأكثر من عقدين من الزمان..  كان هم هيكل الأول، أن يحافظ علي مصداقية الأهرام، لا يخدش شيئا من رصانتها، وأن يعطيها نفسا جديدا تتواصل به مع متغيرات عصرها لتصبح جريدة كل المصريين، وجريدة كل الأجيال (16).

وبرغم أنه كان أنجب تلاميذ مدرسة أخبار اليوم التي تعتمد الإثارة والتشويق لجذب قرائها، حرص هيكل علي أن يحافظ علي تميز الأهرام التقليدي في صدق الخبر ودقته، لكنه أصاف إلي نزعته المحافظة ما جعل الأهرام أكثر عصرية وأكثر مصرية، وأكثر قدرة علي التصدي لمشكلات المجتمع، ومخاطبة قواه الجديدة، وكانت وسيلته إلي ذلك، أن فتح أبواب الأهرام لجيل جديدة من الصحفيين الشبان، ساعدوه علي أن تصبح الأهرام يومها  واحدة من أفضل عشر صحف عالمية لقدرتها الإخبارية المتميزة، ومصداقيتها العالية، وقوة تأثيرها علي الرأي العام ودوائر الحكم في داخل الوطن وخارجه، فضلا عن دورها المهم كجسر للتواصل مع ثقافات العالم المختلفة.. ففي تلك الأيام التي يصفها البعض بالانغلاق كان ينذر أن يصدر كتاب مهم أو يذيع صوت مفكر واهد أو مؤثر في أى من أركان العالم، دون أن تجد صداه في التو واللحظة علي صفحات الأهرام القاهرية (17).

كان ما يميز  هيكل أيضا حرصه الشديد علي تشجيع كل قدرة صحفية شابة يحس أنها يمكن أن تضيف إلي المهنة، كان يلتقط الموهوبين والمجدين يفتح لهم الأبواب، ويضاعف الفرص، وكان له مقلدون كثيرون، يقلدون خطته، ويقلدون طريقته في الكتابة، ويقلدون ايماءاته وإشاراته وغير ذلك مما يسمونه اليوم لغة الجسد، وكان هيكل يوزع تعاطفه علي هؤلاء جميعا بالقسط والحساب، وفي كل الأحوال كان يسبغ حمايته علي جميع من يعملون معه، يتحمل عنهم المسؤولية، عندما يضيق الحكم ببعض كتاباتهم، في شجاعة كبرياء أضافتا إليه مزيد من الهيبة والاحترام (18).

تحية من القلب إلي أستاذ الأساتذة في ذكري وفاته الخامسة، حبا وكرامة، وودا خالصا، وعرفانا بالجميل

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........................

هوامش المقال

9-- جمال الشلبي: محمد حسنين هيكل: مثقف من السلطة، مجلة الديمقراطية، ص 32.

10-صبحي، سمير: هيكل.. القيمة، الدراسات الاعلامية، المركز العربي الاقليمي للدراسات الاعلامية للسكان والتنمية والبيئة، العدد 112، 2003، ص 47-49.

11- المرجع نفسه.

12- المرجع نفسه.

13- صبحي، سمير: هيكل.. القيمة، الدراسات الاعلامية، المركز العربي الاقليمي للدراسات الاعلامية للسكان والتنمية والبيئة، العدد 112، 2003، ص 47-49.

14-- عيد عبدالحليم: في المواجهة: محمد حسنين هيكل.. ظاهرة مصرية، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد 349، 2016، ص 5.

15- مكرم محمد أحمد:  المرجع نفسه، ص 36.

16- المرجع نفسه، ص 37.

17- المرجع نفسه.، ص 39..

 

 

سامان سورانياليوم ٢٦-٩-٢٠٢١ تغادر السيدة Angela Merkel، أو ما تسمی عند البعض بـ"المرأة الحديدية"، المولودة عام ١٩٥٤ في مدينة هامبورغ، التي حظيت بإهتمام سياسي بارز خلال أحداث العقود التاريخية الثلاثة الماضية والتي حکمت لمدة کمستشارة لألمانيا مايقارب ١٦ سنة علی رأس أكبر اقتصاد أوروبي منصبها بهدوء، تارکة بصمة مؤثرة في السياسة الداخلية والخارجية للبلاد.

هذه المرأة الصعبة المراس والكتومة علی نحو غير معتاد حاصلة علی شهادة الدكتوراه في الفيزياء وستة عشرة دکتوراه فخرية من جامعات مشهورة في العالم امتازت بذكاء ودینامیكية وإنخرطت دوماً في صناعة الواقع وقامم بتواظب بخلق وقائع تخرق الحدود المرسومة والشروط الموضوعة وكسرت القوالب الجامدة والنماذج المستهلكة، التي تشل طاقة الفكر على ابتكار الحلول بصورة غير مسبوقة.

بدأت نجمة هذه السياسية الأهم في العالم تتصاعد عام ١٩٨٩بعد هدم جدار برلين الذي كان الحد الفاصل بين دولة المانيا المقسمة الی الشرقية الإشتراكية والغربية الرأسمالية وكان عمرها آنداك ٣٥ عاماً.

انضمت ميركل عام ١٩٨٩ لـ"حزب نهضة الديمقراطية" بالألمانيةDemokratischer Aufbruch  وبعد أول انتخابات حرة جرت في المانیا الشرقية أصبحت هي المتحدثة باسم الحكومة المنتخبة تحت رئاسة لوثر دي ميزيير.

أما بعد الوحدة الألمانية فانضمت ميركل بسرعة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي يشدد في مقدمة قانونه الأساسي على أنه حزب ديمقراطي ليبرالي ومحافظ يلتزم بقيم عصر التنوير الأوروبي والذي ترأسها منذ عام ٢٠٠٠ لتصبح بعد ذلك أول سيدة وبروتستانتیة ترأس حزب مٶسس عام ١٩٤٥ من الكاثوليك بهدف تجميع قواهم المسيحية الخارجة من أتون الحرب العالمية الثانية في كیان واحد، الحزب الذي طالما اشتهر بكونه عالماً للذكور وللعلم أشغلت ميركل منذ عام ٢٠٠٥ الی هذا اليوم منصب المستشارة في بلاد الشعراء الفلاسفة أمثال "يوهان فولفغانغ فون غوته" (١٧٤٩-١٨٣٢) و"يوهان كريستوف فريدريش فون شيلر"  (١٧٥٩-١٨٠٥).

خلال 16 عاماً من عملها كمستشارة لألمانيا ساهمت ميرکل في تنامي الدور الألماني في العالم وواجهت تحديات عالمية كبيرة وهي القائلة بأنه "لا يمكن اعتبار أي شيء بديهياً. حرياتنا الفردية ليست أمراً بديهياً ولا يمكن اعتبار الديمقراطية أمراً بديهياً ولا السلام ولا الازدهار".

حققت ميرکل أشياء عظيمة وکانت تعلم بأن المانيا لها مصالح عالمية، من جهة، لكن المانيا أصغر من أن تحقق الأشياء بمفردها، ومن جهة أخری فإنه ونظراً لحجمها ودورها في أوروبا، فإنه محكوم عليها بتولى دور القيادة. وقد کانت میرکل دائماً معنية بالحفاظ على الموجود بالدرجة الأولى.

اللحظات العظيمة لميركل جاءت بشكل أساسي خلال مواقف الأزمات التي مرت بها المانيا والعالم، وكان هناك عدد كبير منها في فترة مستشاريتها الطويلة. لم تكن أبداً متحدثة تثير الحماس. لكن خلال الأزمات، ظهر لدى ميركل "مزيجاً من البراغماتية والحزم وقوة الشخصية".

على مدى أربع ولايات ترأست فيها ميرکل حكومات ائتلافية رائدة، دافعت من خلالها عن الاعتدال وعن رؤية عالمية  مبنية علی التعاون لا المواجهة، لكنها تعرضت لهجوم من القوميين في جميع أنحاء العالم. لقد أعطی وجود ميركل في المنصب مدة طويلة استقرارا لألمانيا ولأوروبا في الوقت ذاته، وقد شهدت تلك الفترة أزماتٍ اقتصادية في دول الجنوب الأوروبي، والخروج البريطاني من الاتحاد، لکنها مارست قيادة هادئة ومتعقلة، وراكدة أحياناً، بالحفاظ على ما تحقق، ومحاولة تعزيزه وترسيخه أطول فترة ممكنة.

ختاما تقول آنجیلا میرکل: "نحتاج إلى الصمت لنتمكن التحدث بذكاء، ففي مواجهة الحائط بالرأس سوف يکون الحائط دوماً هو الفائز. فالديمقراطية ليست دائمًا مسألة اتخاذ قرارات منعزلة؛ إنها عادة مسألة تكوين رأي بمشارکة الآخرين".

نتمنی لمنطقة الشرق الأوسط التي تعیش منذ عقود الحروب المزمنة واللاإستقرار الكثير من السياسيين ورؤساء للحكومات أمثال آنجيلا ميركل ونأمل لهذه المرأة الحديدية دوام الصحة والعافية في حياة بعيدة عن السياسة وصخبها.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا الذكرى الخامسة لرحيل واحد من أهم صناع وكتاب الصحافة محمد حسنين هيكل، والذى غاب عن عالمنا فى 17 فبراير 2016، عن عمر يناهز الـ93 عاما، وهو واحد من أهم من ساهموا فى صياغة السياسة فى مصر منذ فترة الملك فاروق والذى تدرج فى المناصب فى مهنة الصحافة والإعلام، وأصدر عشرات المؤلفات، فهو صاحب أهم مسيرة صحفية وفكرية، بتقرير عنوانه "محمد حسنين هيكل.. ذاكرة الأمة التي لا تموت، فهو ذلك الأستاذ صاحب المسيرة الصحفية الفذّة، والذي عاش 70 عاما من عمره شاهد عيان على أهم سنوات التاريخ المصري، إنه محمد حسنين هيكل - الجورنالجي والسياسي - الذي هزم السرطان 3 مرات في حياته، إلا أنّ الفشل الكلوي تسبب في وفاته عن عمر 93 عاما في العام 2016 (1).

علاوة علي أنه يعد من أشهر وأبرز الصحفيين المصريين والعرب، ومحلل سياسي مخضرم، والذي سنتذكره دائماً لشغفه وحبه للعمل الصحفي. كان هيكل يوصف بأنه مؤرخ تاريخ مصر الحديث، ووصفته جريدة The New York Times  بأنه عميد المحللين السياسيين العرب ؛ وقد قال عنه أستاذنا المرحوم مكرم محمد أحمد:" تحتاج مصر إلي بضعة عقود من الزمن كي يأتيها صحفي عملاق في قامة أستاذنا الفاضل محمد حسنين هيكل، يملك مثل قدرته وبراعته وشموخ قلمه، ويحاكيه في نزاهة القصد والمسلك ويحظى بمثل هذه الموهبة الرائعة التي تعطيه قدرة فائقة علي رؤية أبعاد الواقع واستبصار غياهب المستقبل، في سلاسة منقطعة النظير، تزينها مهارة فذة في رسم الصور ونحت الكلمات، وصك التعابير .. ولا أظن أن صحفيا مصريا علي امتداد تاريخ هذه المهنة امتلك كل هذه الأدوات التي جعلت من هيكل الصحفي روائيا مبدعا، تنصاع له كل فنون الحكي، ومصورا فنانا، يحيل قلمه متي شاء إلي فرشاه مبدعة، ترسم ظلال وأضواء وألوان أكثر الصور والمواقف تعقيدا، ومحللا بارعا، يتابع عن كثب تطورات عالمنا، يصعب أن تفاجئه بخبر أو معلومة أو فكرة، ولغويا ضليعا، يرقي بفن الكتابة السياسية إلي حدود الشعر (2)

كما قال عنه "فهمي هويدي" الكاتب والصحفي الشهير: "طوال سنوات عمله الحافلة والمليئة بالأحداث الصاخبة، كان هيكل يرى نفسه أولاً وقبل كل شيء صحفياً. فقد اضطلع بمناصب أخرى في لحظات معينة من التاريخ، وكان مصدراً موسوعياً من المعلومات، وكاتباً ومحللاً سياسيا ًعظيماً، إلا أنه رأى نفسه صحفي في المقام الأول، وكان كذلك في كل يوم من حياته حتى اليوم الذي أصبح فيه مريضاً وتعباً على الاستمرار (3).

والحقيقة فإنني أؤيد كل ما قاله أستاذنا مكرك محمد أحمد، وكذلك ما قاله الأستاذ فهمي هويدي، وأضيف بأنه سيظل اسم الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل اللامع مثار اعجاب الملايين من القراء في مصر والعالم العربي، فهو كما قال الأستاذ أبو السعود إبراهيم:" صاحب أسلوب متميز، وتاريخ حافل في الصحافة العربية .. ومؤلفاته مؤثقة بالوثائق والمستندات تؤكد قدرته الفائقة علي التحليل .. كلماته توزن بالذهب في الصحف الأجنبية .. ومقالاته وأحاديثه تصدر في كبريات الصحف في العالم .. فهو بحق أحد عمالقة الصحافة المصرية والعربية .. إنه أمة في رجل .. الأستاذ محمد حسنين هيكل نجم ساطع في سماء الصحافة المصرية والعالمية .. وصل إلي مكانته بجهده وعرقه، وبذكائه استطاع أن يقف وسط العمالقة (4).

ولد محمد حسنين هيكل في 23 سبتمبر عام 1923 بقرية باسوس بمحافظة القليوبية، وبدأ الدراسة بالمراحل المتصلة ثم اتجه إلى الصحافة في وقت مبكر حيث التحق بجريدة "الإيجيبشيان جازيت" حيث عمل كمحرر تحت التمرين بقسم الحوادث ثم انتقل إلى القسم الألماني، شارك في تغطية بعض المعارك التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، ثم التحق بمجلة آخر ساعة عام 1945 كمحرر أيضا واستمر في العمل بهذه المجلة حتى أصبحت تحت ملكية جريدة أخبار اليوم .

وخلال هذه الفترة عمل هيكل كمراسل متجول لجريدة أخبار اليوم لينقل الأحداث الجارية من كل مكان بالعالم سواء في الشرق الأوسط أو الشرق الأقصى حتى أنه سافر إلى كوريا وإلى أفريقيا وحتى البلقان، واستقر بمصر عام 1951 حيث تولى منصب رئيس تحرير مجلة آخر ساعة وفي نفس الوقت مدير تحرير جريدة أخبار اليوم واستطاع من خلال وظيفته أن يتلمس الواقع السياسي الجاري في مصر آنذاك، ثم عين رئيس تحرير جريدة الأهرام لمدة 17 عاما وكان له عمود أسبوعي خاص به تحت عنوان بصراحة حيث استطاع أن يكتب في هذا العمود لعام 1994 (5)

والخطوة الأهم في حياة الكاتب الكبير "هيكل" كانت حين وقع عليه الاختيار ليذهب للعلمين لتغطية وقائع الحرب العالمية الثانية، ثم سافر إلى مالطا، ثم إلى باريس، والتقى السيدة فاطمة اليوسف صاحبة مجلة (روز اليوسف)، التي قررت ضمّه إلى مجلتها عام 1944، ثم تعرف على محمد التابعي، لينقل إلى صفحات (آخر ساعة) ليصبح هيكل بعد فترة وجيزة، رئيسا لتحرير لها ولم يكن يتجاوز 29 من عمره، ثم تولى رئاسة تحرير الأهرام لعدة سنوات، وبعدها اتجه لتأليف الكتب، ومحاورة زعماء العالم، وجرى ترجمة كتبه إلى 13 لغة (6).

وقد شغل "هيكل" منصب رئيس تحرير جريدة الأهرام من عام 1957 وحتى عام 1964، وكان كاتباً لعمود أسبوعي بعنوان "بصراحة"، والذي كان السبب الرئيسي في وصف جريدة الأهرام "جريدة نيويورك تايمز العالم العربي" تحت قيادته (وفقاً للموسوعة البريطانية Encyclopedia Britannica). كما أسس هيكل مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. وفي بداية مشواره الوظيفي، اشتغل هيكل بجريدة الإيجيبشيان جازيت ومجلة روز اليوسف، ثم أصبح محرر بمجلة آخر ساعة وجريدة الأخبار اليومية (7).

كان "هيكل" كاتم أسرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. هذا، وقد قام هيكل بتأليف 40 كتاب سرد فيها أحداث تاريخية كان قد عاصرها بنفسه، مثل عبد الناصر: وثائق القاهرة Nasser: The Cairo Documents 1972، والطريق إلى رمضان The Road to Ramadan 1975، وأبو الهول والقوميسير Sphinx and Commissar 1978، وخريف الغضب Autumn of Fury 1983 . كما كان هيكل عضواً باللجنة المركزية بالاتحاد الاشتراكي العربي (1968 – 1974)، ووزير الإرشاد القومي (أبريل – أكتوبر 1970) (8).

وبعد وفاة عبد الناصر في عام 1970، ظل هيكل رئيساً لتحرير جريدة الأهرام حتى عام 1974، ثم أصبح صحفياً حراً بعد ذلك. وفي عام 2007، قدم سلسلة من المحاضرات حول الأحداث العالمية بعنوان "مع هيكل" على قناة الجزيرة القطرية... وللحديث بقية ..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

مراجع المقال

1- إيمان على: الذكرى الخامسة لرحيل محمد حسنين هيكل.. عاصر ملكين و7 رؤساء، اليوم السابع، الأربعاء، 17 فبراير 2021 04:30 ص.

2- مكرم محمد أحمد: هيكل: ثمانون عاما من عمر مديد، الدراسات الاعلامية، المركز العربي الاقليمي للدراسات الاعلامية للسكان والتنمية والبيئة، ع 112، 2003، 35.

3- المرجع نفسه.

4- أبو السعود إبراهيم: من البداية: مسيرة طويلة و تاريخ عريق،، الدراسات الاعلامية، المركز العربي الاقليمي للدراسات الاعلامية للسكان والتنمية والبيئة، العدد 112، 2003، ص 41.

5- منة الله الأبيض: في ذكرى رحيل محمد حسنين هيكل.. أسطورة ثنائية الصحافة والسياسة، الأهرام، 17-2-2021 | 14:14.

6- المرجع نفسه.

 

 

صادق السامرائيمحمد أبو عبدالله بن الرشيد (170 - 198) هجرية، تسنم الخلافة في عمر (23)، ولمدة خمسة سنوات تقريبا (193 - 198) هجرية، وقتله (طاهر بن الحسين)، قائد أخيه المأمون وفتك بأهله، وأباد ذريته، وأذل أمه زبيدة، وحمل رأسه إلى أخيه!!

سنوات خلافته مبهمة والمدون عنها يركز على اللهو واللعب، وترك الخلافة والإنهماك بخلع أخويه وتولية إبنه الرضيع، وكأنه دخل في متاهة تصارعية دامية مع أخيه المأمون منذ بداية خلافته، ولا شيئ مهم يذكر عنه، مع أنه صاحب ثقافة عالية تضاهي ما عليه المأمون، فهما تربيا كتوأم وحظيا بأعلام الدولة وجهابذتها لتربيتهما وتعليمهما.

فالأمين خليفة متنوّر معرفيا ويتمتع بذكاء وقدرات ثقافية متنوعة، وربّاه الكسائي والأصمعي وحماد الراوية، وقطرب، وغيرهم، ولا يمكن قبول أنه قد تهور بسرعة وتحول إلى عابث غير مكترث، لا هم له إلا الغلمان والخمر.

والرشيد لم يبقه وليا للعهد لو لم يتسم بمميزات قيادية واضحة على تحمل إدارة دولة شاسعة الأطراف، ولولا ما عنده من قدرات لما إحتار في الخيار بينه والمأمون.

هناك فترة مغفولة في تأريخ الدولة العباسية منذ وفاة الرشيد حتى تولي المأمون للخلافة، من الصعب تسليط الأضواء عليها، ومن العسير قبول ما نقل عن فترة الأمين على أنها لهو وهوى وعبث، وتجاهل لأمور الدولة والدين .

ولا تتوفر دراسات وبحوث وافية عن الدولة العباسية للفترة (193 -198) هجرية، سوى التركيز على حالات تهور وإنغماس في المتع والسلوكيات المنحرفة، التي تشير إلى أن الأمين كان منشغلا بالغلمان ومعاقرة الخمر، ولعب الشطرنج، وفي هذا ربما ما لا يتوافق ونشأته وتربيته الصارمة، التي كانت تعده ليكون خليفة، فكيف تؤدي ذات التربية إلى وجود نقيضين؟!!

هل أن معظم المدون عن الأمين مفترى عليه، لتأكيد خلافة أخيه؟!!

الرشيد أعلن ولاية العهد للأمين وهو في عمر خمسة سنوات وكان عمر الرشيد آنذاك (27) سنة، والمصادر تشير إلى أن ذلك حصل بضغط من زبيدة وبني هاشم، ولكون الأمين أصيل الأرومة، فهو ثالث خليفة عباسي ليس إبن جارية، وهم: (السفاح، المهدي والأمين) .

 وفي سنة (182) أجبره البرامكة على تولية العهد من بعد الأمين للمأمون في عمر (12) سنة، ويبدو أنه وجد نفسه مضطرا لتولية المؤتمن من بعدهما لكي يحقق التوازن، فأخطأ أو إرتكب خطيئة، حسب أنه سينهيها بما كتبه من عهدة وأشهد عليها الفقهاء، ونشرها في أرجاء الدولة وعلقها في الكعبة، وقد حج بهما وهما صبية في عمر المراهقة، وأخذ عليهما المواثيق المؤكدة، "بأن يخلص كل منهما لأخيه، وأن يترك الأمين للمأمون كل ما عهد إليه من بلاد الشرق...." .

 لكن الصراع أخذ يتأجج لخلافته بين العرب بقيادة زبيدة، التي تريد إبنها الأمين أن يكون خليفة، والبرامكة الذين يؤازرون المأمون، فما وجد الرشيد بدا من الفتك بالبرامكة حفاظا على الدولة، فإرتكب خطيئة كبرى جديدة، ناء بتداعياتها إبنه الأمين، وزوجته زبيدة التي أصابها الإذلال والهوان من بعده.

والعجيب في الأمر كيف لم يتعظ مما سبق، بل ومن تجربته مع أخيه الهادي، وأتى بسابقة غريبة ذات نتائج تصارعية دامية وحتمية، إذ جعل بأس أولاده بينهم، فتقاتل إثنان من أثقف الخلفاء في التأريخ، وحرمت الأمة من تفاعلاتهما الإيجابية، ولا بد لأحدهما أن يمحق الآخر، بل أن الأخوة الثلاثة قد تماحقوا، وذهبت ريحهم، وأبيدت ذرياتهم.

مما يؤكد أن الرشيد ما كان يحكم، وإن قيل أنه يصلي في اليوم (100) ركعة فكيف يحكم، إذا قدرنا كل ركعة (3 - 5) دقائق، فأنه يمضي (5 -7) ساعات في الصلاة كل يوم، وهذا يتقاطع مع ما يُروى عن نشاطاته الأخرى!!

2

بقي المأمون في خراسان بعد مقتل الأمين لستة سنوات (198 -204) هجرية، وجاء إلى بغداد سنة (204) هجرية، وكانت قد تخربت وما بقي فيها ما يذكره بأيامه فيها، وكأنه كان يشعر بالمرارة والألم بسبب ما جرى، وما إنتهت إليه الأحوال بينه وبين أخيه.

وسبب الصراع بين الأخوة هو (هارون الرشيد)، لسوء تقديره وقلة حكمته وضعف قيادته، فهو الذي عاش رمزا كبيرا للخلافة، وليس قائدا فاعلا فيها كما توهمنا كتب التأريخ.

إن المدوَّن يتحدث عن فترة خمس سنوات من حياة الأمين، ويُتهم بأنه منشغل بالغلمان، ولديه أبناء وبنات، وموضوع الغلمان كان سائدا في الدولة العباسية، وتواصل مع الخلفاء جميعهم، فالمأمون كان لديه غلمان، بل أن بعض الفقهاء والشعراء والأثرياء وذوي المناصب في الدولة كان لديهم غلمان.

وقد لعبت النعرات العصبية دورها بينهما، فهو هاشمي الأبوين، عربي أصيل، والمأمون إبن جارية فارسية إسمها مراجل، ويبدو أن للبرامكة دورهم في تقريب تلك الجارية إلى الرشيد، لتكون أما لولده البكر المأمون، وهم الذين حموه ورعوه وإلا لكان الموت مصيره في طفولته، فهكذا كان الأمر يجري على أولاد الجواري، وإلا كيف لم تقتله زبيدة وآل هاشم من حولها.

يبدو أن البرامكة كانوا منتبهين لهذا الأمر، فوفروا له الحماية والرعاية التامة، ولفشل زبيدة وآل هاشم في التخلص من المأمون إبن الجارية الذي له حق ولاية العهد، أجبروا هارون الرشيد على إعلان ولاية العهد للأمين وهو إبن الخامسة من العمر، وولاه على الشام والعراق وجعل ولايته تحت مربيه (الفضل بن يحيى البرمكي)، كنوع من الخداع والتضليل، والقول بأنهم أجبروه يثير أسئلة، بل أن الرشيد كان على إستعداد للقيام بالأمر، لغاية خفية في نفسه.

مما يشير إلى أنه ربما كان مهددا في حياته، وأعداؤه يتكالبون عليه، وقد يكون للبرامكة دور في محاولة لإغتياله - لم تدوّن لسريتها- لكي يكون المأمون من بعده، وتكون الوصاية في الحكم لهم حتى يكبر.

هذه من الأسباب الدفينة التي ربما لعبت دورها في نكبتهم، بعد أن إتضحت نوازعهم وتأسدهم في الدولة، وهي من أخطاء الرشيد الذي سلم لهم أمور الدولة حال توليه الخلافة، وكأنهم الأوصياء عليه.

كما أنهم شجعوا على إبادة العربي بالعربي، ولهذا إشتد الصراع بين العلويين والعباسيين وهم أولاد عمومة، وكان نهجهم بإتجاه القبض على الخلافة وتحويلها إلى دولة البرامكة.

3

ولم يتصرف الأخوة الثلاثة بحكمة وحلم لقلة الخبرة وصغر العمر، وكثرة المحيطين بهم والطامعين في تمرير أجنداتهم ومشاريعهم الأنانية.

ولهذا لعب (الفضل بن سهل)، و(الفضل بن طاهر) دورهما في تأجيج القطيعة بينهم ، حتى إنتهى الأمر بمقتل الأمين، وتدحرج رأسه أمام أخيه المأمون، الذي أظنه أصيب بالذعر والحزن والألم، وتأنيب الضمير.

وهذا ما يفسر عدم قدومه إلى بغداد إلا بعد ستة سنوات من مقتل أخيه، إذ بقي في خراسان، كما أن ما جرى تسبب بدفعه إلى عدم القول بولاية العهد لأي من أولاده ، بل أنه كاد أن يتنازل عن الخلافة لولا الضغوط التي تعرض لها من الناس، وأخيرا وهو على فراش النهاية قرر أن يكون المعتصم الخليفة من بعده، وما خطر على بال الرشيد أن يكون هذا الإبن خليفة، لأنه لم يتعهده بالرعاية اللازمة لهذا الأمر، وهذه أيضا مثلبة تؤخذ عليه، وتؤكد قلة خبرته وضعف فراسته.

وبسبب إشكالية ولاية العهد كان إبن المأمون يرى أنه الأحق بالخلافة من عمه، فضمرها بنفسه، وإستغلها بعض المناوئين، فحرضوه على عمه وهو منشغل بمعركة عمورية، فما وجد المعتصم بدا من سجنه حتى الموت.

إنها صراعات حول الكرسي وحسب !!

هل ندم الأمين على خلعه لأخيه، أظنه كذلك ولكن بعد أن سبق السيف العذل؟

وهل ندم المأمون على ما فعله، أظنه عاش في محنة كبيرة طيلة حياته، وحاول أن يهرب من نفسه بإنشغاله بالعلوم والمعارف الفلسفية.

وهل أن الرشيد قد أدرك أنه قد إرتكب أخطاءً، يبدو كذلك، لأنه قد إستسلم للأمر الواقع، وإشتد على نفسه وكأنه يريد أن يعاقبها، وذهب إلى طوس وهو مريض هربا من الحال الذي صار فيه.

أولياء عهد من حوله بأعوانهم ويريدون موته عاجلا لا آجلا، ويتحالفون مع أقرب الناس إليه للقضاء عليه.

ويبدو أن المأمون كان أكثر قربا لأبيه، ولهذا كان شاكا في موته، وقسى على طبيبه الذي إنتقل فورا ليكون مع الأمين، وكأنه كان يستعد لذلك منذ وقت.

4

الأمين كان مستقيما ولم تذكر عنه تصرفات سيئة قبل توليه الخلافة، ولا يمكن القبول بأنه قد تغير في ليلة وضحاها، وصار حالة أخرى، وهو متزوج ولديه أولاد، ويضيفون أنه كان يعاقر الخمر ومنهمك بالشطرنج.

ولا يذكر كثيرا عن إنجازاته وما حققه في خلافته، بل دونت على أنها صراع متواصل بينه وأخيه.

وما قام به من خلع أخيه من ولاية العهد سلوك متوقع ومتعارف عليه ولا يزال جاريا حتى اليوم، فالخليفة أو الملك يريد ولده من بعده فيبعد أخاه، وحاول الهادي خلع الرشيد.

وذلك طبع بشري وجار في الأمم والشعوب، ولهذا لجأت بعض الإمبراطوريات إلى قتل الأخوة، والإبقاء على واحد فقط من الأبناء للحفاظ على الدولة، ما دامت بلا دستور وإرادة سياسية جامعة، والسلطة فيها عائلية وكل عائلي يتآكل وينهار.

 

د. صادق السامرائي

..........................

* قتِلَ الأمين في 25\9\813 ميلادية، وأجتثت ذريته، وحُمل رأسه إلى أخيه المأمون وهو في مرو \ خراسان.

 

 

علي ثوينيكثيرا ما تتهم ثورة 14 تموز 1958 و الزعيم عبد الكريم قاسم بأنهما كانا السبب في (هجرة سكان الريف الى المدينة) وما تبعها من ويلات تأججت اليوم حينما شاع حكم الرعاع وقفزت الطبقات المسحوقة لتأخر حيفها من مجتمع همشها وأبتذلها. ومكثت شبهة "إستقدام الشراگوه" لبغداد، يرددها الكثير ببغاويا بقصد يهدف التضليل او عن ينم عن جهل بالأحداث، ولاسيما أن عملية تمويه وتشويه حصلت بما يتعلق بما حدث خلال فترة الأربع سنوات والنصف التي حكمها عبدالكريم قاسم، وذلك من أكثر من طرف، متكون من الرعيل الملكي والإقطاع القديم وشيوخ العشائر، وكهنة الدين (سنة وشيعة) من جهة، والقوميين والبعثيين والإسلامويين وحتى الشيوعيين من جهة أخرى. أما الخبر اليقين فنجده مجسد على الأرض ولايحتاج إلى شهادة زور.

حري ننقل سطور من مؤلف الباحث الإنكليزي (أوريل دان)، وهو يوضح الحالة المعيشية البائسة للعراقيين الفقراء في العهد الملكي (الزاهر كما يدعي البعض)!، والهجرة المرعبة من الريف هرباً من جور الاقطاع وظلم الشيوخ و"السراكيل"(1) نحو المدينة للنجاة بحياتهم و بحثا عن فرصة للعيش الكريم والتي أستكثرها البعض عليهم !. لك ان تتخيل ان 200 الف عراقي يسكن في (الصرائف)(2) حول بغداد في العهد الملكي ضمن شعب تعداده يومها حوالي خمس ملايين، يعيشون مع الحيوانات ويشربون من المياه الاسنة ويموت أطفالهم جوعا ويتحسرون على الأكل واللباس،"فالدشداشة" الساترة تمكث على أجسادهم عقود متوالية. وحين كان يمر نوري سعيد (صاحب الـ14 وزارة خلال 37 عام ملكي) من قربهم كان يضع منديله على أنفه تقززاً، في حين كان الزعيم عبدالكريم يقضي ليله عندهم حتى الصباح يستمع لهم وينظر في شكاويهم!.ولانقاذ هؤلاء الفقراء وغيرهم جاءت ثورة 14 تموز، ووقد عز على الزعيم عبد الكريم قاسم ان يشاهد عراقياً يسكن مع الحيوانات في الصرائف ويشرب من المياة الاسنة!!هل كان جرمه انه وفر لهم مساكن لعيش كريم؟، وهم بشر أولا ومواطنون عراقيون وما الضير حينما يسكنون أي أرض من وطنهم ال>ي يحكمه الأغراب حتى اليوم.هل كان عليه ان يكون مجرماً ويجرف أو يحرق بيوتهم المتهالكة لكي يعودوا الى الريف!؟ (3).

يأخذنا السياق إلى مشروع توسعة بغداد الذي أحدثه الزعيم عبدالكريم قاسم،و حسبي أنه المؤسس الثاني لبغداد بعد الخليفة أبا جعفر المنصور التي أسسها عام 762م على أثر أكدي مكث بعضه في شاطئ (خضر الياس) وقبل أنها لقرية نصرانية في حينها. بدأ أبا جعفر بالمدينة المدورة في الكرخ،وهيئتها كاملة الدوران،قطرها ثلاثة كيلومترات، ولم يبقى من أثرها شئ اليوم وهي تقع فوق الكرخ والشالجية والعطيفية . ثم أنتقلت القصور إلى الرصافة ثم عادت وتمددت في الكرخ حتى وصلت غربا حي المنصور الحالي، وأتسعت لتسكن مليوني إنسان حوالي منتصف القرن التاسع الميلادي.وكان الأمر ثورة في تطور المدن ضمن التأريخ البشري، الذي سبق لندن بالف عام، رغم أن بناء المدن كان ريادة عراقية منذ 5600 عام خلت، وتجسدت بمدينة أريدو بسومر جنوب العراق(قرب السماوة)، حينما تعدى التجمع السكاني عدد الخمسين الف ساكن بحسب معيارية (لويس ممفورد) الوارد في كتابه (المدينة). لكن بغداد أضمحلت بعد سقوط بغداد عام 1258م على يد التتار، ثم تقهقرت بكل مجال خلال القرون التركية حتى العثمانية، لتصبح نابذة للعمران والناس، حتى كنّيت (سيبيريا العثمانية) حينما أمست مبعد للولاة غير المرغوب بهم عند سلاطين البسفور.

تقلصت بغداد حتى أمست مساحتها حوالي ثلاثة كيلومترات ونيف تمتد في الرصافة بين الباب الشرقي (باب كلواضه) وباب المعظم (باب السلطان)، وفي الكرخ مكثت شريط ضحل متهادي مع شاطئ دجله الغربي لقرية يسكنها الأعراب القادمين من جهات الغرب،والمتواصله مع جهات الفرات وبابل، وقد أحتفظت بتسمية الكرخ (4).وحدث أن تقلص سكانها حتى وطأ عددهم إحدى عشر الف ساكن بعيد مادعي فيضان وطاعون (داود باشا) عام 1831. والذي الم بها وقتل أهلها حتى أن علي رضا اللاز الوالي التركي الجديد القادم بعد حكم المماليك (1749-1831)، كان يبحث عن نصاب مدينة وسكان يحكمهم، فلم يفلح (5).

واستمر الحال إبان تأسيس الدولة العراقية 1921، ولم تعبأ الدولة الملكية إلا عام 1954 حينما أوكل (مجلس الإعمار) مهمة وضع مخطط أساس لتوسعة بغداد إلى مكتب المخطط الحضري اليوناني/الأمريكي قسطنطين دوكسياديس(1913-1975)، لتكون ثالث محاولة لتوسعة بغداد، بعد التوسعة الإعتباطية إنطلاقا من الباب المعظم نحو الوزيرية والأعظمية، ثم التوسعة التي قام بها المخطط الحضري المصري سيد كريم عام 1948 واسس حي (بغداد الجديدة) وتخومها، ثم جاء اخيرا مخطط (دوكسيادس) الذي مكث في مخازن مجلس الإعمار كونه كان بسبب ضخامته، أكبر من طاقة المجلس التنفيذية، كونه مجلس تشريعي على الأكثر .

ومن الشهادات الموثقة كتب المرحوم محمد حديد الوزير إبان تلك السنين: زارت بغداد السيدة (بربرا كاسل) عضو البرلمان البريطاني، فاتصلت بي وارادت زيارتي فدعوتها لتناول الشاي في داري (في البتاوين)، وجرى الحديث عن الاوضاع العامة في العراق.. ولأجل البرهان لها على سوء الحالة المعيشية لاكثرية الشعب العراقي اخذتها بسيارتي الى الحي الذي كان يدعى (حي العاصمة) وهو حي واسع يقع خلف السدة، وبمحاذاة ما يسمى مستودع الكيلاني للنفط القريب من جهة ساحة الطيران،شرق بغداد، ومن جهة اخرى لمعامل الطابوق التي كانت مقامة هناك، وكان هذا الحي الواسع مؤلفا من "الصرائف" اي الاكواح المبنية من سعف النخيل، فشاهدت المناظر المؤلمة للاكواخ المكدسة بعضها قرب بعض بصورة عشوائية ! ومحرومة من وسائل الحياة الاساسية وهي اشبه بزرائب المواشي في البلاد المتخلفة، وكان هذا الحي يخص اقامه الفلاحين الوافدين من الريف الى بغداد هربا من سوء وضعهم وطلبا للعمل، وكانوا يعتبرون وضعهم المعيشي مع شدة رادءته افضل من وضعهم المعيشي في الريف !. وكان لهذا المشهد وقع شديد في نفس السيد (كاسل) واستنكرت الحالة السائدة في بغداد التي تعد متقدمة على مناطق البلاد الاخرى ! "(6)

ولم يخلوا الأمر من الفساد الإداري إبان السلطة الملكية، والأسليب الملتوية للإستحواذ على أراضي شاسعة تابعة للدولة، من خلال التحايل والعلاقات الملتوية. تحت عنوان (حي الوزيرية) يروي الوزير والنائب في العهد الملكي عبد الكريم الازري وفي مذكراته ما يلي:" كان الملك فيصل الأول (قد وضع يده)!! على اراضي تقع الى الشرق من البلاط الملكي السابق على اعتبار انها اراضي أميرية تعود للدولة وأسس فيها مزرعة واسعة ونصب من أجل اروائها المكائن والمضخات على ساحل نهر دجلة بالقرب من البلاط الملكي وشق جدولا لنقل المياه اليها، كما اسس فيها مشروعا لإنتاج الحليب وجلب اليه انواعا من الابقار الأجنبية المعروفة بكثرة انتاجها للحليب!

و كتب الوزير الأزري: ذهبنا يوما لزيارة المنطقة برفقة ناظر الخزينة الخاصة السيد شاكر حميد واعجبت بمنظرها !.وبعد وفاة الملك فيصل الأول قررت لجنة تسوية حقوق الاراضي منها بإنسابها الى ورثة الملك فيصل بعد ان ردت ادعاءات المدعين بمختلف الحقوق فيها !! وكانت اللجنة قد تأثرت بنفوذ البلاط الملكي مثلها مثل بقية اللجان في انحاء العراقي التي تأثرت باتخاذ قراراتها بنفوذ الاشخاص المتنفذين! "(7)

ولغايه نهايه العهد الملكي تم بناء ١٣٣ دار غير موزعه بمنطقه الوشاش، وذلك بحسب ماصرح به مهندس الأعمار بمجلس الأعمار بتصريح رسمي بجريده بالعهد الملكي .اما الباقي وهي عددها ١٢٠٠٠ دار فمن المؤمل وضع خطه بناء لها بالمستقبل.اما "الصرايف" المنتشرة ببغداد والبصره وغيرها فلا يوجد للدولة خطه حل لها. وكان في حينها مليون عراقي أي خمس السكان، يعيشون البؤس ويسكنون الصرائف بعد النزوح من الريف هربا من ظلم الاقطاع وجوره، والعائلة المالكة وحدها تمتلك 177.000 الف دونم!.

كتبت الدكتورة غصون مزهر المحمداوي: حاولت حكومة ثورة 14 تموز 1958 أن تسعى وبأقصى سرعة ممكنة لغرض أحداث النهوض الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع العراقي من خلال تحسين الاقتصاد وتوفير فرص العمل وسن قوانين الضمان الاجتماعي، وإنشاء مجلس الشؤون الاجتماعية، وتشريع قانون الإصلاح الزراعي الذي احدث هوة قوية في المجتمع لانه خطوة تقدمية كان يسعى إليها الفلاحون منذ فترة طويلة ليتمكنوا من امتلاك أرض خاصة بهم تعود عليهم بالنفع والفائدة

من هنا بدأت الحاجة تظهر لحل أزمة كانت تؤثر في حياة المواطنين وتدفعهم إلى العيش في وضع مزري إلا وهي أزمة السكن حيث كانت هناك أزمة حقيقية تظهر أثارها واضحة في نشوء الأكواخ والصرائف كنطاق حول المدن وبالأخص حول مدينة بغداد كما ذكرنا .لذا كانت هناك حاجة ماسة إلى مشاريع سريعة ومثمرة على المدى الطويل لحل هذه الأزمة لان تخلف قطاع التشييد والبناء عن متطلبات عملية التنمية القومية السريعة يؤدي إلى عدم نجاح تنفيذ خطط وعمليات التنمية، فمع ازدياد حصيلة الدولة من الموارد النفطية والتي أدت إلى زيادة الدخل القومي ومن ثم ارتفاع مستوى المعيشة بوجه عام ودور الدولة في تسليف المواطنين مبالغ كافية لتشييد الدور السكنية كل ذلك أدى إلى توسع كبير في حقل البناء والتشييد، ولم يقتصر دور الدولة على عملية التسليف بل تمت عملية توزيع أراض كثيرة من الأراضي المملوكة للدولة (أميرية) في بغداد والمحافظات على الموظفين والعسكريين والعمال مقابل أسعار زهيدة لا تزيد عن (100) فلس للمتر المربع الواحد، كما قامت الدولة بمشاريع سكنية تملك للموظفين المدنيين والعسكريين على أقساط سنوية وشهرية لفترة طويلة تزيد عن خمسة عشر عاماً مثل مشروع إسكان غربي بغداد الذي تضمن إنشاء (1154 دار) مخصصه لأسكان صغار منتسبي الجيش من موظفين ونواب ضباط وكتاب على اختلاف درجاتهم.

وهكذا أخرج الزعيم عبدالكريم المخططات من (الدروج) وبدأ يضع الخطط لتنفيذها، ولاسيما شرقي العاصمة ومنها حي الثورة الذي أشترت الحكومة أرضه من (حكمت سليمان) وهو أحد رؤساء الوزراء في الحقبة الملكية وجده سليمان باشا أبو ليليى المملوك الذي حكم بغداد ردجا،وكان قد أشتراه الولاة العثمانيين من سوق نخاسة تفليس بجورجيا، وتسنى لحفيده أن يمتلك كل شرق بغداد!. وقد أعتنى (دوكسياديس) بتخطيط حي الثورة (الصدر اليوم) ليكون مدينة نموذجية، تمتد من صلب بغداد نحو الشرق حتى السدة المقامة التي منعت الطوفات عن بغداد، وتتمحور في ثلاث طرق رئيسية شرق غرب هي (الجوادر والفلاح والداخل)، وثمة شوارع عرضية شمال جنوب تقطعها على المنهج الذي ألفه دوكسياديس فيما دعي (رقعة الشطرنج grid pattern)، وقسمت المساحات السكنية إلى قطع أراضي مستطيلة بواجهات 7م، مساحة الأرض 144 متر مربع، مع ترك مساحات مخصصة للترفيه وسط التجمعات، ومساحات لمشافي ومدارس وأسواق وإدارات وملاعب رياضيه وحدائق..الخ. وهذا النوع من المساكن المتلاصقة بواجهة صغيرة و"نزال" عميق، كانت قد طبقت في بريطانيا منذ قرنين.

كما تم تنفيذ مشروع شرقي بغداد لاسكان الضباط بكلفة (ـ , 664 , 1) دينار مع تبليط الطرق ومد المجاري اللازمة وإنشاء المرافق والمباني العامة في المشروع (1)، وتضمنت جداول الخطة الاقتصادية المؤقتة تخصيص مبلغ عشرين مليون دينار تصرف خلال ثلاث سنوات لإنشاء (2500) دار لأسكان منتسبي جمعية بناء المساكن التعاونية المحدودة من العسكريين والموظفين المدنيين من منتسبي الجيش العراقي في مدينة الضباط شرقي بغداد ومدينة القاسم غربي بغداد، ووزعت هذه الدور على وجبات للمستفيدين منها.

وفي سبيل توفير السكن المناسب لعمال المصانع الحكومية قامت الدولة بإنشاء (800 دار) لأسكان عمال معمل السكر في الموصل وخصص له مبلغ (000 , 500) ألف دينار لإنشاء هذه الدور على أنواع وتصاميم ومساحات مختلفة مع مرافقها العامة. كما تم توفير السكن المناسب لصغار الموظفين في اقضيه ونواحي لواء ديإلى من خلال تشييد إحدى عشرة دار في مركز كل قضاء ومركز كل ناحية. وتم إنشاء مشروع إسكان أربيل من خلال بناء (152) دار على ستة أنواع من التصاميم تتراوح مساحتها بين (108 و 135 م2) على أن تشتمل على غرفتين أو ثلاثة غرف ومد الطرق داخل المشروع، وفي البصرة تم إنشاء مشروع مماثل مع جميع المباني العامة الضرورية كالمدارس الابتدائية . وملجاء للعب الأطفال وقاعة اجتماع وسينما، كما يتضمن تشييد روضتي أطفال وثلاثة أسواق.

وكانت الدولة تسعى جاهدة أن تكون هذه المشاريع السكنية تحتوي على كافة متطلبات الحياة المدنية المهمة من خدمات اجتماعية وثقافية وصحية، لكي تساهم هذه المجمعات السكنية في حل أزمة السكن . وفيما يخص العاصمة بغداد فقد حاولت الحكومة بطريقة ناجحة حل مشكلة سكان الصرائف، حيث تم نقلهم إلى شرقي بغداد،وتم تخصيص مبلغ (ـ , 900) ألف دينار لإنشاء (911) دار ذات غرفتين مع مرافقهما الضرورية بمساحة (108 م2) لكل دار مع مرافق المشروع العامة كتعبيد الطرق ومد مجاري مياه الأمطار والمياه القذرة، وتم توزيع باقي الأراضي على العوائل التي بلغ عددها (120) ألف عائلة، ووضعت الخطط لبناء المرافق، كما مدت شبكة المواصلات إلى هذه المدينة.

أما مشروع إنشاء أو فتح قناة الجيش، فقد كان عملاً رائداً في تلك الفترة، حيث أن هذه القناة التي توصل نهر دجلة بنهر ديالى خلف السدة الشرقية كان الهدف منها حماية بغداد من مياه الفضان الوارد من الشمال، أما الجانب الجمالي والحضري فهو يشعر المواطنون الساكنون في المناطق الجديدة بأنهم ليسوا بعيدين عن النهر ولترغيبهم في تشييد تلك المناطق بالسرعة الممكنة، كما إن الحدائق التي بنيت على جانبيها لغرض الترفيه، وتبداء هذه القناة من موقع يسمى (كولداري) على نهر دجلة وتتجه إلى الجنوب الغربي حتى نهر ديإلى وتمر في طريقها بمنطقة الصليخ وقرب المجموعات السكنية للمصرف العقاري، ثم مدينة جميلة بوحيرد فشمالي مدينة الضباط فبغداد الجديدة فمدينة الأمين ثم الزعفرانية والرستمية حتى نهر ديإلى، ويبلغ طول هذه القناة ثلاثة وعشرون كيلو متراً، كما تم تشييد عدد من الجسور على هذه القناة لأنها تجتاز منطقة واسعة خلف السدة الشرقية وتجتاز عدداً من الطرق الرئيسة التي تتفرع من بغداد لتربطها بمشاريع الإسكان والضواحي المنتشرة في المنطقة ومن ثم الأجزاء الشمالية لتسهيل المرور عليها. وسميت (قناة الجيش) كون الجيش من أنجزها لكي لاتكلف الدولة كثيرا، وأنجزت بوقت قياسي.

إن المشاريع الرائدة التي قامت بها الحكومة لغرض رفع مستوى الريف ومحاولة للقضاء على الهجرة من الريف إلى المدينة تجسد في مشروع القرى النموذجية مثلما في اللطيفية حيث وافق مجلس الوزراء في 21 شباط 1959 على تخصيص مبلغ 000 ,150 , 1 ألف دينار لإنشاء قرية عصرية نموذجية زراعية قرب بغداد تتوفر فيها أسباب الحياة الريفية المتحضرة لاسكان قسم من الفلاحين والعمال وفي 12 تموز 1959 أنجز بناء القرية وافتتحها الزعيم عبدالكريم في منطقة مشروع اللطيفية التي تم توزيع أراضيها على الفلاحين من مديرية الإصلاح الزراعي، وكانت تشمل على (100) دار ريفية عصرية بنيت على صفوف متوازية تخترقها شوارع معبدة و ألحقت بها المؤسسات والمرافق والحدائق العامة، وزودت بالماء والكهرباء، كما أنشئت بنايات للمدارس والمركز الاجتماعي ومستوصف ودائرة بريد وسوق عام وبناية لمجلس إدارة القريـة ومسجد وحمـام شعبي، وقـد سلمت للفلاحين في 9 تشرين الثاني 1959).وكانت القرية حلاً ارتأته الدولة لإيقاف مشكلة الهجرة من الريف حيث أن الفلاح إذا امتلك ارضا او مسكنا وقدمت له المساعدات في استثمار ارضه فأنه لايفكر في ترك الأرض والهجرة للمدينة. كل تلك المشاريع السكنية الكبيرة، لكن عبد الكريم قاسم مكث يقيم في جناح متواضع من أجنحة وزارة الدفاع ولم يرضى بالانتقال الى البلاط الفخم الذي بنته العائلة المالكة، الذي أمسى تباعا مادعاه البعثيون القصر الجمهوري.

كان عبدالكريم يسهر الليالي عاملا بنهم، يجمع مجلس وزرائه ويقابل زواره الى قبيل الفجر، فاذا حل يوم الجمعة مضى الى الدار الصغيرة التي كان يقيم فيها منذ كان ضابطا مغمورا ليقضي عطلة نهاية الاسبوع . وكان اصحاب الحاجات يقفون له في الطريق، فيقف احتراما لهم، ويستمع الى مظالمهم وحاجاتهم، ويتسلم عرائضهم ويأمر مرافقيه بإنجاز مطالبهم، بل ويتبرع لبعضهم من ماله الخاص. لم يتزوج عبد الكريم قاسم ولم يترك مالا ولا متاعا ! وترك الدنيا ببزته الخاكية التي نزف دمه عليها بعد ان اعدمه البعثيون والناصريون .(8)

كتب عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي بحق الزعيم عبد الكريم قاسم سطور تكشف واقع الحال يومها بدقته الرصينة: "يجدر بي أن أشير الى موقف الزعيم عبد الكريم قاسم في هذه المرحله الاجتماعيه الهامة من تاريخنا. فقد أعلن الرجل غير مرة أنه فوق الميول والاتجاهات, واعتقد انه صادق فيما قال. مع ذلك لا أستطيع أن أعد موقفه هذا خاليا من الدقة والحراجة.أنه ليس قائد حزب وانما هو قائد بلد تتصارع فيه الأحزاب, وهو معرض للحيرة أكثر من تعرض أي قائد حزبي لها. وكلما تأملت في حراجة موقفه هذا شعرت بالثقل الهائل الموضوع على عاتقه, ساعده الله.

إنه لا يستطيع أن يتجاهل أهمية الحماس الشعبي في تأيد الثورة التي تكاثر عليها الأعداء ولا يستطيع أن يجاري هذا الحماس إلى الدرجة التي اندفع بها المتعصبون المتسرعون. بين يديه من جهة بلد يحتاج إلى استقرار, وبين يديه من الجهة الأخرى ثورة تحتاج إلى تأيد ولابد للرجل من أن ينظر في هذه الجهة تارة أخرى.إني أشعر بالعجز في سياسة صف واحد من الطلاب حين يشتد الجدل بينهم, فكيف بالرجل وهو يقود ثورة كثورة 14 تموز وفي مجتمع كالمجتمع العراقي. ومهما يكن الحال فإننا يجب أن نحني رؤوسنا اعترافا بما وهب الرجل من مهارة في قيادة سفينة البلد بين هاتك الأمواج المتلاطمة" (9)

 

د.علي ثويني

.....................

(1) السركال هو نائب شيخ العشيرة أو الإقطاعي والمتنف> محله, و هو المشرف على العاملين في زراعة الحقل الذي يمتلكة شيخ العشيرة، أي صلة الوصل بين الفلاح والشيخ، لذا تجبر وتكبر وظلم.

(2) مفردها صريفة وهي مفردة آرامية، وتعني معماريا العشة المبنية من هيكل قصبي ومغطاة بالحصر العراقية (البارية) وهي طريقة بناء قديمة غير مكلفة، مكثت من أزمنة سحيقة حتى اليوم.

(3) اوريل دان:العراق في عهد قاسم - ترجمة جرجيس فتح الله - ص 18

(4) الكرخ التي يلفظها العراقيون (الجرخ) وهي نفسها مفردة circle في اللغات الغربية وتعني العجلة والبرمق المدور أو مجازا المستفقطب حتى سميت بها الكنيسة باللغات الجيرمانية(جيرج).وهي مفردة تعود للأكدية أو أقدم من ذلك.

(5) كان علي اللاز شيعي علوي تركي، ولجأ يتوسل العشائر العراقية القريبة من بغداد أن يقدموا ويسكنوا بيوت تركها أهلها، لكن دون طائل. كثير من التفاصيل السردية تجدوها في لمحات الوردي الإجتماعية، ومنها ماهو طريف حدث لجد الوردي.

(6) محمد حديد - مذكراتي ص 314

(7) من مذكرات عبد الكريم الازري وزير المالية في العهد الملكي ص96، علما ان المنطقة المذكورة تقع حاليا ما بين ساحة عنتر في الاعظمية حتى السفارة التركية في باب المعظم! وللقارئ الكريم ان يتخيل حجم ومساحة تلك الاراضي!

(8) مير بصري في كتابه (اعلام السياسة في العراق الحديث)

(9) د.علي الوردي -من كتابه الأحلام بين العلم والعقيدة 1959

 

 

محمود محمد عليما زلت أزمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن الإلهام يُعد أحد أكثر الصّفات المُميّزة للقائد الإداري النّاجح، فبهذه الصّفة يكون له القدرة على مُساعدة كل فرد من أفراد فريق العمل يسعى للتميّز للوصول لهذا الهدف، فتكون نتيجة ذلك تحقيق نجاح المؤسّسة ككل، وينبع ذلك من قدرة المدراء الكبار على إدراك رغبة الموظّفين في إحداث تغيير في العالم فيلهمونهم بطريقة تدفعهم نحو ذلك وتجعل تأثيرهم الإيجابي يمتد ليشمل مُجتمعاتهم.

ولذلك تعد عملية الإلهام من أهم المقومات الأساسية للإدارة الناجحة في جامعاتنا المصرية، بعدها محور العملية الإدارية وأهم عناصرها وهي مهمة ملازمة لعمـل القيادات الإدارية في مختلف المستويات التنظيمية، وعليه يصح القول الذي يؤكد علـى أن مقدار النجاح الذي تحققه أي جامعة يتوقف إلى حد كبير على فعالية وكفاءة القرارات المتخذة وملاءمتها للهدف المحدد على مختلف المستويات.

كما تعد القيادة من الموضوعات التي شغلت العالم منذ القدم وعلى الرغم من اتفاق العديد مـن الباحثين والدارسين على استراتيجيات القيادة الكفؤة والفعالة إلا أن ما صلح منهـا بالماضـي لايصلح في الوقت الحاضر أو في المستقبل.

والأستاذ الدكتور عزت عبد الله – رئيس جامعة أسيوط الأسبق ومحافظ بني سويف الأسبق، وأستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم المتفرغ، ذلك الوزير الناجح الذي استطاع أن يمتلك نظرة استراتيجيّة للأمور المتعلّقة بمشاريع العمل الإداري سواء داخل الجامعة أو خارج نطاقها الضيق.

علاوة علي أنه أحد أساتذة علم الجيولوجيا الذين استطاعوا من خلال بحوثهم ومؤلفاتهم في الجيولوجيا أن ينقل البحث في دراستها من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص العلمي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ولهذ كان عزت عبد الله دون شك بشهادة الكثيرين أحد سادات الثقافة الجيولوجية في مصر والعالم العربي في القرن العشرين، وأحد كبار الأساتذة في الجيولوجيا الذين قدموا كتابات ومؤلفات وترجمات أقل ما توصف به أنها «ممتازة»، وأنها من أفضل ما كتب في العربية واللغات الأخرى في بابها، لمن يبتغي البحث عن البدايات والخطوات الأولى في مدارجها.

ولد عزت عبدالله أحمد في مدينة منفلوط محافظة أسيوط، وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم "جيولوجيا" بتقدير ممتاز دور يونيو 1973، ثم درجة الماجستير في العلوم " جيولوجيا 1978م، درجة الدكتوراه " جيولوجيا" 1983م من كلية العلوم – جامعة أسيوط، وتدرج في العمل الجامعي حتي وصل الي استاذ الصخور الرسوبية بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة أسيوط ثم شغل منصب رئيس جامعة أسيوط. ثم محافظا لمحافظة بني سويف.

فبصفته وزيرا وعالماً نجح في أن تكون لديه نظرة شاملة وعالية للإداري النّاجح الذي يملك قدرا عالٍيا من الثّقة بالنّفس، ممّا يُظهر للآخرين قدرته على تحمّل مسؤوليّاته؛ والدليل علي ذلك نجاحه الباهر في تطوير العملية التعليمة بجامعة أسيوط، حيث نجح خلال توليه رئاسة جامعة أسيوط من أن ينجح في إنشاء فرع للجامعة المصرية للتعلم االلكتروني بجامعة أسيوط، وكذلك نجاحه إنشاء مركز تكنولوجيا المعلومات بالجامعة بالتعاون مع وزارة الاتصالات، وكذلك إنشاء مركز تطوير التعليم بالجامعة، وإنشاء مركز اللغة الروسية بجامعة أسيوط، ثم السماح لطالب الجامعة بمراجعة أوراق الإجابة، وفتح برامج جديدة مثل الميكاترونك Mechatronics بكلية الهندسة والكلينيكال فارماسي Clinical Pharmacy بكلية الصيدله بجامعة أسيوط، وعمل برنامج تعليميه مشتركه مع جامعة بيتاجورسك الروسية بموجبه يدرس طالب جامعة بيتاجورسك فصل دراسي بقسم اللغة العربية بكلية اآلداب بالجامعة، وإنشاء مجمع للمدرجات والقاعات لإلمتحانات لحل مشاكل كليتي التجارة والحقوق بجامعة أسيوط، وتكييف المدرجات والمعامل بجامعة أسيوط، وعقد مجلس العمداء قبل موعد مجلس الجامعة وذلك لالستماع من السادة العمداء عن مشاكل العملية التعليمية والبحثية بالكليات والمساعدة في حل هذه المشاكل.. الخ.

ليس هذا فقط بل لقد علمنا عزت عبد الله ( مع حفظ الألقاب ) القدرة علي التنبؤ وبُعد النظر والقدرة علي قيادة الأفراد والتنسيق بينهم، وكذلك القدرة علي اتخاذ القرارات، والقدرة علي التحفيز ولبحث عن أفضل طرق العمل، وتحمل المخاطر، وتجنب التوبيخ والابتعاد عن الحقد، والابتكار والإبداع والابتعاد عن السلطوية، فالوزير الناجح هو من يشجع فريقه عن العمل، وهذه الصفات في مجموعها تعد صفات حبي الله بها كثير من القادة المبدعين أمثال عزت عبد الله.

وخلال عمله كمحافظ كانت له انجازات لا تنسي منها علي سبيل المثال لا الحصر : إنشاء أول مدرسة للمياة والصرف الصحي في مصر، وإنشاء مركز للكبد بمستشفي بني سويف العام، وفتح العديد من الطرق داخل مدينة بني سويف ومركزي أهناسيا و ببا وذلك لمنع حدوث اختناقات مرورية، وإنشاء العديد من الوحدات السكنية بمدينة بني سويف ومراكز الفشن وببا وأهناسيا والواسطي، وتوصيل المرافق لمنطقة كوم أبو راضي الاستثمارية، وتشجيع وتقديم كافة التسهيالت الخاصة باالستثمار لدفع المحافظة في هذا الاتجاه، وإنارة الطرق الصحراوية الخاصة بمحافظة بني سويف، والتركيز علي تنفيذ العديد من القوافل الطبية لخدمة المواطنين بقري ونجوع محافظة بني سويف، وفتح طريق بني سويف – دمو – الفيوم.. وهلم جرا.

ولذلك قال عنه الأستاذ محمود الحندي :" أعرف الدكتور عزت عبد الله محافظ بنى سويف عن قرب، اعرفة منذ ان كان رئيساً لجامعة أسيوط،فى البداية كنت اظن أنه لا يختلف عن باقى رؤساء الجامعات المعينيين من قبل الحكومة، فمعيار الأختيار واحد فى أغلب الأحيان كانت فترة بقاءة فى منصب رئيس الجامعة تمر دون ضجيج " سياسى "، لكن إحترامى له بدأ فى الوقت الذى تصدى فيه لنفوذ اللواء نبيل العزبى محافظ أسيوط، والذى يُسير الأشياء فى أسيوط وفقاً لإرادتة المنفردة، الجميع خاضعون له، يطيعونه، يتدخل فى شئون كل ما يقع على أرض أسيوط، حتى ولو كانت الجامعة والتى هى خارج نطاق سلطتة كان يريد العزبى أن يطلع على كل كبيرة وصغيرة فى الجامعة، طريقة عملها، يضع لها الخطط، لينفذها الدكتور عزت عبد الله، لكن عزت رفض ذلك، وقرر وضع النقاط فوق الحروف ... لينتقل بعدها الى منصب محافظ بنى سويف، والذى كان يرى البعض ان عزت لن يصلح لشغله، فهو أستاذ جامعى يمكن ان يدير العملية التعليمية، لكنه من غير الممكن أن يدير عملية سياسية وأقتصادية وشعبية، متمثلة فى محافظة باكملها .. لكن الدكتور عزت ولأنه " راجل صعيدى " على قدر المسئولية، نجح فى ان يقود المسيرة بمحافظة بنى سويف، ولم يخيب ظن من اختاروه لشغل هذا المنصب .. بعد توليه مهام المحافظة، بدات أقترب من فهم طبيعة شخصية هذا الرجل، فحضرت عدد كبير من الإجتماعات التى تعقد لحل مشاكل المستثمرين، وتقابلنا أكثر من مرة فى زيارات وزير الإسكان لتلك المحافظة .. واكتشفت ان الرجل ناجح بكل المقاييس، فهو صعيدى يتحدث وسط أعضاء الحكومة بلهجة اهالى اسيوط، ولم لا وهو واحد من أبناء تلك المحافظة، لا يحب المراوغة فى العمل، لا يخشى سطوة ونفوذ بعض رجال الأعمال، يرفض الموافقة على ما يخالف القانون، ويرحب بمساندة الملتزمين به هذا هو عزت عبد الله، والذى اعتدى عليه بعض البلطجية لإرغامة على تركهم يحفرون ويسرقون التيار الكهربائى، دون تدخل ظنوا انهم بذلك قد أرهبوه، لكن الحقيقة أن ما حدث يثبت أن الرجل يسير فى طريقة الصحيحة، وان هذا الإعتداء ما هو الإ وسام على صدر المحافظ .. المحترم

تحية طيبة للدكتور عزت عبد الله الذي يمثل لنا نموذجاً فذاً للجيولوجي البارع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، هذا الرمز العلمي المتميز: عملاً وتعاملاً وخلقاً، والذي نذر عمره لخدمة مصر والعالم العربي، يستحق تكريماً داخل الوطن يليق به، ويرقى لشموخ عطائه وإنجازه.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

بارك الله لنا في عزت عبد الله قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره طبيبا يعالج أوجاعنا، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

 

 

محمود محمد عليكان "فرج فودة" فى كل كتاباته، يُحذر من تغلغل الأصولية الإسلامية على كل مظاهر الحياة الشخصية والاجتماعية والسياسية، لذلك كان ينادى بأنْ «نذهب إلى المساجد والكنائس لكى نسمع موعظة دينية لا يختلف عليها اثنان.. ونذهب إلى مجلس الشعب لكى نتطاحن ونختلف دون حرج أو قيد.. والمعنى: ليتكلم رجال الدين فى الدين، وليتكلم رجال السياسة فى السياسة. أما أنْ يرفع رجال الدين شعارات السياسة إرهابــًـا.. ويرفع رجال السياسة شعارات الدين استقطابـًـا، فهذا هو الخطر الذى يجب أنْ ننتبه له» (10).

ولذلك نجد "فرج فودة" في تناوله لشعار "الإسلام هو الحل"، الذي راج في عصور مصرية مختلفة، مثّل كتابه "الحقيقة الغائبة" أكبر مساهماته في البحث عن أصول عودة الخلافة، وتناول في ذلك الكتاب الرد على العديد من الأسئلة على شاكلة: "هل يوجد نظام حكم واضح المعالم في الإسلام؟ وهل هناك قاعدة في القرآن والسنة تحدد كيف يبايع المسلمون حاكمهم وتضع ميقاتا لتجديد البيعة؟ وهل هناك أسلوب محدد لعزل الحاكم بواسطة الرعية؟ وتثبيت حق الرعية في سحب البيعة كما ثبت لها حقها في إعلانها، وهل كان نظام الخلافة إسلاميا حقا؟"، وغير ذلك من الأسئلة التي استند في الإجابة عنها إلى ما ورد في كتب التاريخ الإسلامي، مستخلصا "إن الإسلام كدين أمر، والدولة بنظامها أمر آخر" (11).

ومن هذا المنطلق نجد "فرج فودة"  يختلف عن كثيرين من العلمانيين، لأنه لم يكتف بالدفاع عن (علمنة مؤسسات الدولة) وضرورة فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية، وإنما ضفّر ذلك بدفاعه عن خصوصية مصر الحضارية. لذلك كان يتصدى لكل من يهاجم القومية المصرية ؛ أمثال الشيخ "صلاح أبو إسماعيل "، الذى يرى أنّ «الداعي إلى القومية المصرية منتسب إلى الفراعين والعياذ بالله"، وهذا الشيخ كان "يرى أنّ المسلم الأمريكاني أهم من المسيحي المصري. إنّ الشيخ قد أصابني فى أغلى ما أملك- مصر- ذلك الوطن العظيم الذى لا أعرف معنى لوجودي إلا به.. ولا أعرف شيئــًـا يسبقه أو يعلوه انتماءً". (ذكر فودة فى الهامش أنّ هذا الفصل فى الكتاب سبق أنْ أرسله لمجلة المصور (المصرية) التى رفض رئيس تحريرها نشره- ص83 من الكتاب (12).

وفى سنة 1984 كتب "فرج فودة" : "أود أنْ ألفت أنظار أعضاء مجلس الشعب إلى أنّ عليهم مسؤولية كبرى فى مواجهة رواد الإرهاب الفكري داخل المجلس.. وما دام الشيخ صلاح وأنصاره قد اختاروا المجلس النيابي منبرًا، فليتحدثوا بلغته.. وليس للمجلس إلا لغة واحدة، هى لغة السياسة.. وليس له إلا جنسية واحدة، هى مصرية.. مصرية" (13).

والمناظرة التي جرت في معرض القاهرة للكتاب في يناير / كانون الثاني في الثامن من يناير 1992؛ تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية"، وكان فرج فودة ضمن جانب أنصار الدولة المدنية مع الدكتور محمد أحمد خلف الله، بينما على الجانب المقابل كان شارك فيها الشيخ محمد الغزالي، والمستشار مأمون الهضيبي مرشد جماعة الإخوان المسلمين (14)،

وتظهر المقاطع المصورة للمناظرة أن الحديث عن دولة مدنية لم يلق قبولا عند أغلب الجمهور في قاعة المناظرة حيث ترددت هتافات دينية لدعم حجة الإسلاميين واستهجان حديث الفريق الآخر ؛ وبينما تركز الهجوم على أنصار الدولة العلمانية لكونهم "من أنصار الاستعمار الغربي ممن يردوا أن يحرموا اغلبية الشعب المسلم في مصر من حقه في دولة إسلامية" فإن "فرج فودة"  كان يشدد على أنه دعاة الدولة الإسلامية لا يقدمون سوى وعود براقة دون أي برنامج سياسي واضح (15).

وقد أثارت مناظرة معرض الكتاب وما تلاها من مناظرات حفيظة عدد من الإسلاميين إلى درجة أن نشرت جريدة النور الإسلامية بيانا لمجموعة من أساتذة العلوم الدينية، (ندوة علماء الأزهر) تشن فيها هجوما شديدا على فودة وتدعو إلى عدم السماح بالترخيص لحزبه (16).

كما شهد "فرج فودة"  مناظرة أخري قامت في نادي نقابة المهندسين بالإسكندرية يوم 27 يناير 1992 تحت عنوان: مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية، وشارك فرج فودة ضمن أنصار الدولة المدنية مع الدكتور فؤاد زكريا، بينما كانت جانب نصار الدولة الدينية: الدكتور محمد عمارة، والدكتور محمد سليم العوا، وشارك فيها نحو 4000 شخص (17).

ولم يسلم أحد من نقد "فرج فودة" ففي عام 1990 كان قد نشر كتاب "نكون أو لا نكون"، والذي ضم عدة مقالات، وأمر الأزهر بمصادرة الكتاب بعد طبعه، إذ تضمن نقدًا حادًّا لشيخ الأزهر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، نتيجة لاتهامه المدافعين عن الدولة المدنية بالخارجين عن الإسلام، وهو ما عده فودة تجاوزا لدور الأزهر الرسمي، وقذفًا لفريق من خيار المسلمين المجتهدين.

وقد اختلف "فرج فودة"  مع الجميع، وتعددت معاركه الفكرية، فأدان احتفاء اليسار المصري بسليمان خاطر (1961-1986) الذي قتل سبعة سياح إسرائيليين، وعندما اندلعت حرب الخليج الأولى في أغسطس 1990، كان فرج فودة من كتاب المعارضة القليلين الذين أيدوا موقف مصر الرسمي لتحرير الكويت. وقد خاض بسبب ذلك العديد من الصراعات السياسية مع كل من الإسلاميين والقوميين المؤيدين لصدام حسين وغزو الكويت (18).

كذلك في هذه المناظرة دافع "فرج فودة"  عن مشروع الدولة المدنية خلال المناظرة الأولى قائلا: "أنا أقبل أن تهان الاشتراكية، وأقبل أن تهان الشيوعية، لكني لا أقبل أن يهان الإسلام، الإسلام عزيز، نزهوا الإسلام".؛ وتابع: "يختلف الفرقاء في أقصى الشرق وأقصى الغرب، وأحدهم يصعد برجل إلى أعلى عليين، ويوثق هذا بالقرآن والسنة ومجموعة من كبار العلماء والفقهاء في دولهم، لا يا سادة حرام حرام نزهوا الإسلام" (19)

وفي 3 يونيو 1992 أصدرت جبهة علماء الأزهر التي يترأسها الإخوان فتوى بتكفيره، وبعد خمسة أيام في 8 يونيو 1992 وقبيل عيد الأضحى، قام مسلحان منتميان للجماعة الإسلامية باغتياله أمام الجمعية المصرية للتنوير التي أسسها (20).

وفي 8 يونيو/حزيران أطلق شابان ينتميان إلى الجماعات الإسلامية المتشددة النار على فودة أثناء خروجه من مكتبه في حي مصر الجديدة ليفارق الحياة، وأظهرت تحقيقات النيابة التي نشرتها صحف مصرية أن قاتلي فودة قالا إنهما تصرفا بناء على فتاوى من قيادات تنظيمي الجماعة الإسلامية والجهاد (21)..... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

الهوامش

10- فرج فوده: الحقيقة الغائبة، دار الفكر للدراسات والنشر، ط1، القاهرة، 1987، ص 88.

11- المصدر نفسه،  ص 12-15.

12- فرج فوده: حوار حول العلمانية، دار ومطابع المستقبل، ط1، القاهرة، 1987، ص 46..

13- المصدر نفسه،  ص 16.

14- راجع –مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية – مناظرة بين الغزالي، محمد عمارة، مأمون الهضيبي عن الدولة المدنية، ومحمد أحمد خلف، فرج فوده عن الجانب الديني المدني العلماني، الدار المصرية للنشر والإعلام، القاهرة، 1992، ص 2.

15-المصدر نفسه، ص 8-9.

16- المصدر نفسه، ص 18-17.

17- المصدر نفسه، ص 22-25.

18- فرج فوده: الإرهاب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1988، ص 45.

19- المصدر نفسه، ص 89.

20- أحمد عبد الحكيم صحافي: قصة المناظرة التي قتلت المفكر المصري فرج فودة، مقال منشور بتاريخ الاثنين 10 يونيو 2019 1:49.

21- المرجع نفسه.

 

2844 الزهاد والمتصوفةالدكتور محمد بركات البيلي أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في كلية الآداب جامعة القاهرة من الرواد الكبار الذين تخصصوا في تاريخ المغرب والأندلس بفضل تشجيع أساتذته الكبار في هذا المجال من أمثال: الدكتور حسن محمود والدكتور حسين مؤنس، له جهود مثمرة وآخرها موسوعته "معالم تاريخ المغرب والأندلس" الذي ظهرت منه ثلاثة مجلدات عن دار الغرب الإسلامي.. وله جهود أخرى في تاريخ المشرق ومنها تاريخ مصر الإسلامية. ومادة هذا المقال أخذتها من حوار طويل لي مع الدكتور البيلي عرج فيه على مشواره العلمي وتجاذبت معه أطراف الحديث في قضايا شتى وهو أصدق من يتحدث عن نفسه.

ولد محمد بركات البيلي في قرية ميت عساس التابعة لمركز سمنود سنة 1949، وهذه القرية قديمة قدم التاريخ، وورد ذكرها في كتب الجغرافيا وفي كتاب الإدريسي باسم منية عساس وكانت سمنود عاصمة مصر الفرعونية أيام الأسرة 26، وقد أنجبت العديد من الأعلام من أمثال: مانيتون السمنودي الذي صنف الأسرات، وتعلم البيلي في مدارس القرية ثم مدرسة سمنود الثانوية وقد حصل على الشهادة الثانوية سنة 1968، ثم يمم شطره إلى مدينة القاهرة ليلتحق بقسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وقد حبب إليه التاريخ منذ صباه المبكر، وكذلك الفلسفة، وقد انتابته الحيرة في هذه الفترة للمفاضلة بين التاريخ والفلسفة في السنة الأولى بكلية الآداب، إلا أنه حدثت جفوة بينه وبين الدكتور يحيى هويدي أستاذ الفلسفة، جعلته يزهد في هذا المجال ويكمل في مجال التاريخ وبفضل تشجيع أساتذته له وعلى رأسهم الدكتور حسن أحمد محمود لما وجد لديه استعداد للتفوق في هذا المجال وأنه مشروع مؤرخ جاد، واقتدى أيضاً بأساتذة آخرين من أمثال: الدكتور حسين مؤنس، والدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور. وقد حافظ البيلي على التفوق حتى تخرج سنة 1972، بتقدير جيد ومن مشاهير دفعته: الأستاذ الدكتور أيمن فؤاد سيد أستاذ التاريخ الإسلامي ورئيس الجمعية التاريخية المصرية، والدكتور إلهام ذهني أستاذ التاريخ الحديث في كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، والدكتورة منى حسين مؤنس أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب جامعة القاهرة، والدكتور أحمد زايد، والدكتور سيد فليفل، أستاذ التاريخ الحديث في آداب القاهرة...

وبعد تخرجه التحق البيلي بالقوات المسلحة ونال شرف المشاركة في حرب السادس من أكتوبر سنة 1973، واستمر ثلاثة أعوام. وبعدها، ثم عمل بمدارس التربية والتعليم حتى عام 1982، ثم واصل دراساته العليا حتى حصل على الماجستير في رسالة بعنوان "الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى إشبيلية فى عصر بنى عباد" بإشراف الدكتور حسن محمود، ثم حصل على الدكتوراه في رسالة بعنوان "البربر فى الأندلس حتى نهاية عصر الإمارة" بإشراف الدكتور حسن محمود أيضاً، ثم عين مدرساً بكلية الآداب جامعة القاهرة سنة 1982، بعد أن أمضى فترة بالتدريس بمدارس وزارة التربية والتعليم. وتدرج في الوظائف بهيئة التدريس حتى حصل على الأستاذية سنة 1992.

مؤلفاته:

أثرى الدكتور محمد بركات البيلي المكتبة العربية بالعديد من الكتب والأبحاث، التي تنوعت بين تاريخ المغرب والأندلس وهو تخصصه الرفيع، وبين تاريخ المشرق الإسلامي ، ففي تاريخ المغرب والأندلس قدم عدة كتب وبحوث، فضلاً عن رسالتيه للماجستير والدكتوراه اللتين لم تطبعا بعد، بعدها قدم عدة كتب منها "طليطلة فى عصرها الإسلامي"، و"التشيع فى المغرب الإسلامي حتى القرن الخامس الهجري"، و"الزهاد والمراوغة فى المغرب والأندلس حتى نهاية القرن الخامس الهجري".

وقدم دراسات عن المشرق الإسلامي مثل: "الأزمات الاقتصادية فى مصر الإسلامية" وضع فيه منهج علمي لدراسة هذه الأزمات، وقام بدراسة الدعوة العباسية، وقدم كتاب "الوناس فى تاريخ دولة بنى العباس"، و"تاريخ الحضارة الإسلامية"، ومؤلفات دراسية عن مصر الإسلامية وعن الدولة الفاطمية. ودراسات فى نظم الحكم فى الدولة الاسلامية: الوساطة. الحجابة. نشأة السلطنة، و"الدعوة العباسية".

وله بحوث عديدة منها:

1- مدرسة مصر الدينية وأثرها فى الاندلس.

٢- عام الرمادية، صفحة من تاريخ علاقات مصر بالجزيرة العربية.

٣ –الأزمات الاقتصادية في الأندلس.

٤ – الجوائح والأوبئة في المغرب.

٥- الشريف الإدريسي وكتاب أنس المهج.

٦ -الخلفية التاريخية المستشرقين وقدراتهم للتاريخ الإسلامي

٧ – اللطف، صلح النوبة فى صورته الأولى.

٨- التنافس الدولي في القرن الأفريقي حتى القرن الأول الهجري

٩- ابن خلدون مؤسس علم الاقتصاد.

10- بجاية مركز للثقافة الاسلامية.

11- الكارم معناه ونشاته.

١٢- رحلات المغاربة كمصدر للتاريخ الإسلامي.

قضايا وآراء:

1- دراسة المدن في المغرب والأندلس: عمد الدكتور محمد بركات البيلي إلى دراسة بعض المدن الأندلسية مثل إشبيلية في عهد بني عباد وهي رسالته للماجستير ولم تطبع بعد، ثم في كتابه "طليطلة في عصرها الإسلامي (92-477هـ/712-1085م)، وقد كانت طليطلة منذ فتحها المسلمون واحدة من كبريات المدن الأندلسية، وقد اتخذها القوط الغربيون قبل الفتح الإسلامي للأندلس حاضرة سياسية ودينية لاسيما وأن موقعها في وسط الأندلس كان يؤهلها لأن تكون حاضرة نموذجية.. وقد أدرك طارق بن زياد فاتح الأندلس الأهمية الاستراتيجية لمدينة طليطلة، فاتجه مباشرة بعد معركته الظافرة في شذونة، وفتحها ثم جعلها قاعدة لفتح باقي الأصقاع في الأندلس في فترة وجيزة، ثم زهد فيها الولاة بعد مرحلة طارق وموسى واتخذوا قواعد أخرى عواصم للإمارة مثل إشبيلية وقرطبة، ويعيب الدكتور البيلي على هذه السياسة قائلاً: "وكان على الحكم العربي أن يقدر طليطلة حق قدرها ويتخذها حاضرة ليسهل عليه السيطرة على كافة أرجاء شبه جزيرة أيبيريا من جهة ومن جهة أخرى ليتخذها قاعدة انطلاق نحو مزيد من الفتوح في الأرض الكبيرة (أوربا)، لكن الحكم العربي تجاهل مكانة طليطلة وأهميتها الاستراتيجية واتخذ قاعدته في الجنوب في إشبيلية ثم في قرطبة فكان لذلك عواقب وخيمة كان من أبرزها جنوح طليطلة إلى التمرد والعصيان على الحكومة المركزية في قرطبة فقل أن يمر وقت على طليطلة لم ترفع فيه راية الثورة والتمرد مما استنفذ جزء كبيراً من طاقات الحكومة المركزية وطاقات طليطلة معاً"(1).

2- كما تناول الدكتور البيلي في كتبه بعض الفرق والمذاهب في المغرب الإسلامي مثل "التشيع فى المغرب الإسلامي حتى القرن الخامس الهجري"، و"الزهاد والمتصوفة فى المغرب والأندلس حتى نهاية القرن الخامس الهجري". وكتابه عن المتصوفة من الأهمية لأن تركيز الدراسات في هذا المجال انصب بصفة أساسية على التصوف والمتصوفة في المشرق الإسلامي أن شخصية صوفية واحدة، كالحلّاج أو ابن عربي أو ابن الفارض، أُلّفت عنها عشرات الكتب، فليس صعباً أن نميّز بين الأصيل والدخيل والمحقق والشائع، لكننا نجابه صعوبات عدة عندما نود التعرف على التصوف في الأندلس، ذلك أن المراجع الشائعة على كثرتها لا تضعنا على أرض صلبة نستطيع من خلالها سَبْر غور التصوف، فبدايات التصوف في الأندلس لم تتناولها الدراسات المشرقية بنفس القدر الذي تناولت به التصوف العربي، وأضحى من النادر أن نجد في المكتبة المشرقية دراسات تهتم بالتصوف الأندلسي وأعلامه، إلا كتابات نادرة صدرت قبل نهاية القرن الفائت، ومن ذلك نجد كتاب الدكتور محمد بركات البيلي، وأتبعه فيما بعد بدراسة عن المتصوف ابن مسرّة ونزعته المسريّة في الأندلس، ذكر في مقدّمتها مراجعة الدكتور محمود مكّي للدراسة، وأنه بفضله تمكّن أن يخرج هذا الدارسة في صورة مرضية، وعند مطالعتنا لكتاب الدكتور البيلي "الزهاد والمتصوفة" يمكننا أن نعتبره تطويراً لبحث كان قد نشره الدكتور محمود مكّي في مجلة "دعوة الحق" المغربية عام 1962، في عددين متتابعين تحت عنوان: التصوف الأندلسي مبادئه وأصوله، ثم عاد فوسّعه ونشره باللغة الإسبانية عام 1968، وأثبت مكّي في بحثه أصول الحركة الصوفية في الأندلس، أن أصول التصوف ومبادئه لم تكن مضطرة لاستعارة أفكارها من مصادر خارج الإسلام، مؤكّداً على أوجه الشبه المشتركة بين التصوف الأندلسي والمصري، ومركّزاً بصفة خاصة على أثر ذي النون المصري في متصوفة الأندلس.

3- تاريخ المغرب والأندلس: مشروع العمر:

ألف الدكتور محمد بركات البيلي كتاب "ملامح تاريخ المغرب والأندلس"، نشر منه ثلاثة أجزاء في دار الغرب الإسلامي ببيروت، ويعد للنشر الجزء الرابع عن المرابطين وجارى كتابة الجزء الخامس عن الموحدين.

وكتاب "ملامح تاريخ المغرب والأندلس" يعبر عن ارتباط تاريخها فى العصر الإسلامي الوسيط وهو من خمسة أجزاء. أولها عن بلاد المغرب منذ الفتح الإسلامي حتى عصر بنى زيري مع تقديم مناسب عن جغرافية المغرب الطبيعية والبشرية ونبذة موجزة عن تاريخه وصولا إلى الفتح الإسلامي، وثانيها عن الأندلس من الفتح حتى نهاية عصر الامارة مع مقدمة جغرافية وتاريخية موجزة وصولا إلى الفتح الإسلامي، وثالثها عن الأندلس فى عصارة الخلافة والطوائف. ورابعها عن المغرب والأندلس فى عصر المرابطي وخامسها عن المغرب والاندلس فى عصر الموحدين.

والمنهج العلمي التاريخي هو المتبع فى الدراسة يجمع بين الأصالة الملتزمة بتوثيق وتدقيق المعلومات من مظانها الاصلية وبين المعاصرة التي لا تتوقع عن النقد والتقييم وإبداء الرأي دون تعسف ولا شرط بل رأى يستند الى فهم ما فى المصادر لغويا والربط بين ما فيها تاريخيا حتى لا يكون الرأي تعسفيا ولا خياليا.. لهذا فالكتاب موثق توثيق دقيقا بل ومبالغ فيه كل لا يكون من ضرب الخيال.

 

بقلم: أبو الحسن الجمال

.................

(1) محمد بركات البيلي "طليطلة في عصرها الإسلامي"، القاهرة 1993،  ص3