 شهادات ومذكرات

لورنس العرب والملابس العربية

حسيب الياس حديدعلى الرغم من قيام لورنس بأعمال تتعلق بالأمور العسكرية والمخابراتية، فضلاً عن أدوار الارتباط بين القيادة البريطانية في الشرق الأوسط ومحور الثورة العربية، فإنه لم يألُ جهداً في الإنحياز لمعسكر الثورة العربية بكل ما يعنيه ذلك من قول وفعل.. حتى السلوك الشخصي اليومي وعلى مستوى العلاقات الرسمية او الاعتيادية - كما أسلفنا في أكثر من مكان – كان لورنس قد وظّفه لتلكم الغاية .

من هذا المنطلق، يصير لزاماً علينا أن ندقق الملاحظة في أن لورنس كانت تتلبسه هواجس جمّة، ليس أقلها أنه مكتوب عليه (مقدّر عليه) أن يكون رجلاً ذا شخصية لا تتطابق – على وفق كل وسائل المقارنة – وشخصيات بريطانية أخرى، تتعامل معه على المستوى الوظيفي او غيرها من التي كان لها - يوماً ما - دور من أدوار الاستكشاف او السياحة او المغامرة.

عليه، يمكننا أن نعدّ إصرار لورنس على ارتداء الملابس العربية وكرهه ارتداء الملابس الافرنجية (القبعة والبنطلون)، هو من جنس ذاك التفكير الذي تلبّس لورنس، كون هذه الملابس هي التي تتطابق – أيما تتطابق – والظروف المعيشية التي تتطلبها حياة الصحراء، فهي خير ما يلائم البيئة الصحراوية من جهة، ثم هي تعطي لابسها شعوراً أكبر في الراحة . فقد قال في كتاب " أعمدة الحكمة السبعة ": "إننا في الغرب لم تكن لدينا أية خبرة بهذا النوع من الأردية – الدشداشة – شيئاً مقاربا لتكوين جسم العربي، بل تعطيه جمالاً مضافاً، وهو يزخر بالتوازن مع أقدام عارية . فقد تعطي للمرء حركة اكثر إتزاناً وذات وقع فيه كثير من الاتساق.. اذ ان العضلات تكون في حرية من الحركة المنضبطة مع كل خطوة يخطوها الأعرابي"(1) .

أما فيما يتعلق بغطاء الرأس (الغترة أو الكفية أو الكوفية كما تسمى في بعض الأنحاء العربية، واليشماغ في أنحاء أخر)، فهي تلك القطعة الكبيرة من القماش ذات الشكل المربع، وحينما تطوى من بعدين متقابلين تغدو قطعة مزدوجة التثليث، وتوضع على الرأس ويتم السيطرة عليها والإمساك بها بواسطة (العقال)

يقول لورنس: ".. إن قطعة القماش هذه يمكن استخدامها كغطاء للرأس، فضلاً عن منشفة أو منديل حسب موقع الحاجة.. إن هناك عقالاً وكوفية يستعملها البدو العاديون، وأخرى مخصصة للأمراء تتمايز عن الأنواع الأولى على وفق أشكالها وتبعاً لأثمانها الغالية" (2) .

وبصورة عامة، فللعقال معنى مهم عند البدو يتعلق بالشرف، ويؤدي معنىً قبلياً رمزياً لا يجوز التخفيف من قيمته، وهنا يأتي لورنس متوافقاً مع تشارلس دوتي

Charles Doughty في هذه النظرة، تلك التي سطّرها تشارلس في كتابه " رحلات في الجزيرة العربية " . ومن الجدير بنا ذكره ونحن نتحدث عن وله لورنس بارتداء الملابس العربية، تلك الحقيقة التي قد لا يمكننا فيها الربط بين ارتدائه الملابس وانغماسه في أعمال الثورة العربية.. بسبب أن لورنس مال إلى ارتداء الملابس في وقت مبكر من حياته الشرق أوسطية، وقبل أن يتوجه إلى الجزيرة العربية . كان ذلك سنة 1916 عندما قام بأعمال مساعدة في التنقيب في بعض من أطراف صحراء تدمر في سوريا.. وفي قرية كركميش على وجه الدقة . إلا أن الأمر صار فيما بعد موضوعاً متعلقاً (بالرسميات)، يوم عرض عليه الأمير فيصل شخصياً ارتداء الملابس العربية، فقبلها الثاني بكل طيب خاطر، دون أن يحدد تاريخاً معيناً بذلك أثناء سرده ذكرياته في كتاب " أعمدة الحكمة السبعة " .

وقد ذكر تفاصيلها في الفصل الثاني والعشرين من كتابه المشار إليه آنفاً، مثبتاً تأريخاً ابتدأه في الفاتح من سنة 1917، في حين أن عرض الأمير فيصل كان قبل هذا التأريخ بفترة ليست قصيرة..

يقول لورنس بخصوص ذلك: (.. سألني فيصل ذات مرة وعلى نحوٍ مفاجئ:

" هل ترغب يا لورنس في ارتداء ملابس عربية كما نفعل نحن وطيلة مدة مكوثك معنا في المعسكر..؟! " وأجبته على ذلك قائلاً: " طبعاً، لقد وجدتُ تلك فكرة تناسبني، فالملابس العربية مريحة وتلائم الطراز العربي في الحياة التي يتوجب عليّ أن أعيشها اليوم " .

ثم يضيف إلى ذلك لورنس قائلاً: (إن رجال العشائر تعوّدوا ان يشاهدوا الضباط الأتراك وحدهم يلبسون الزي العسكري الخاكي . عليه، فهم كانوا ينفرون من هذا الزي ومن صاحبه . وأنا شخصياً إذا ما ارتديت الزي العربي " المكي "، فإن رجال العشائر سوف يعاملونني كما لو أني أحد رؤسائهم، وبإمكاني عندئذٍ من أن أتسلل إلى خيمة فيصل وأدخلها دون أن أثير أياً من فضول الناس أو ألفت انظارهم.. الأمر الذي كان يتوجب فيه عليّ أن أشرح ذلك للغرباء، لذلك قبلتُ فوراً بما عرضه عليّ فيصل بكل غبطة وسرور.(3) .

ثم أن لورنس كان يصرّح في كثير من المناسبات عن عمق شعوره وعظيم امتنانه بشأن ذلك، ناسباً إلى العرب اهتمامهم الكبير بالمظاهر: (.. إذاً صار لزاماً على الأجنبي وهو يعيش في الجزيرة العربية أن يكون ممثلاً بارعاً.. لكن يصعب على المرء أن يظلّ ممثلاً لعدة سنوات.. وإلاّ فإن المعاناة الجسدية، فضلاً عن الآلام النفسية هي ما تنتظره في قابل من الأيام لتقتص منه.

وهكذا نجد لورنس أراد بارتدائه الزي العربي ان يكون مخالفاً لغيره من الرحّالة الذين قدموا إلى الجزيرة العربية، أو أولئك الذين عملوا معه . لقد كانت تتملّكه الرغبة الملحّة أن يظهر أمام عدسات التصوير وهو يرتدي الزي العربي، هذه الرغبة الجامحة كانت تسد عليه كل منافذ تفكيره أثناء تواجده في المنطقة العربية . ثم ان لورنس كان قد ذكر شيئاً مهماً عن ذلك في أوراقه السرية، وكنا قد نوهنا عنها في سابق كلامنا وهي تحت عنوان رئيس: " 27 مادة للتعامل مع العرب "، كانت قد نشرت في 20 من شهر آب سنة 1917، إذ خصّص أربع مواد لمزايا الملابس العربية وخصوصيتها الشديدة، ونفور العرب من ارتداء الزي الافرنجي، وعدم ارتياحهم مشاهدة الآخرين يفعلون ذلك، معتقدين أن تلك ما هي إلا ظاهرة لا دينية ولا أخلاقية (4)

ومن جانب تأريخي وثائقي بحت ونحن نستعرض تأريخ الجزيرة العربية، فقد نجد أن هناك تقليداً كان معمولا به في سنوات كثيرات على كل مساحة الجزيرة العربية، وعلى نحوٍ خاص ما استنّه الأشراف الهاشميون وهو تقديم ملابس عربية للأجانب القادمين إلى الجزيرة العربية بحسبهم ضيوفاً عندهم.. ثم ان ذلك هو – على وجه الحتم – انعكاس للضيافة والكرم والسخاء . عليه، نجد أشخاصاً من مثل لين Lane ودوتي Doughty وبيرتون Burton، ارتدوا جميعاً (وغيرهم كثر) هذا الزي لفترات تطول أو تقصر حسب ظروف كل منهم .

لكن لورنس، كان بنظر كل المراقبين والمحللين، قد بالغ كثيراً في ارتدائه الملابس العربية، فهو لم يدع فرصة تفوته إلا واستغلها ليتم تصويره وهو بهذا الزي . فضلاً عن أن للإعلام دوراً بارزاً في هذا الميدان.. فكثير من الاعلاميين كان قد عمل جاهداً لإحاطة لورنس بهالة إعلامية كبيرة، جعلت منه أسطورة من الأساطير، وقدمته إلى المجتمع العربي أو الغربي – على حد السواء – بحسبه أميراً أو شريفاً أو شيخاً.. ثم صانعاً للملوك..!!! .

وإذا تقبّلنا مسألة ارتداء لورنس الملابس العربية وهو يعيش أيامه ولياليه في أطراف الجزيرة العربية، فذلك أمر له مبرراته كما أسلفنا في مقدمة كلامنا.. إلا أن الأمر الملفت للنظر هو إصرار لورنس على ارتداء الزي العربي وهو خارج الجزيرة العربية.. في مصر كما في لندن وحتى في باريس أثناء حضوره مؤتمر السلام المنعقد في فرساي سنة 1919 . ويذكر أن لورنس ظهر ثلاث مرات مرتدياً الزي العربي في لندن . المرة الأولى كانت عند زيارته الليدي ليندسي Lindsay، وفي المرتين الثانية والثالثة كانت اثناء اصطحاب الأمير فيصل له إلى قصر بيكنجهام Backingham Palace . كما ظهر لورنس في باريس أثناء انعقاد مؤتمر السلام وهو بزي غريب (يلبس الزي العسكري الخاكي مع العقال العربي والكوفية من تحته) وتم تصويره وهو بهذا الزي .

وهناك كثير من الروايات تعقّب على حادثة حضوره مؤتمر السلام في باريس، منها أن الفرنسيين كانوا – في بداية الأمر – قد أصرّوا على عدم السماح للورنس من دخول قاعة الاجتماعات وهو بذلك الزي، إلا أن لورنس ادّعى فيما بعد أنه حضر المؤتمر ضمن تشكيلة الوفد الذي ترأسه الأمير فيصل بن الحسين بصفته عضواً في وفد الأمير، مع العلم أن الوفد كان قد ضمّ في عضويته كلاً من نوري السعيد وحكمت سليمان .

وهناك رواية كان قد روّج لها ونستون تشرشل، مفادها أن أصل قضية ارتداء لورنس الملابس العربية في العواصم لندن وباريس، ما هو إلا محاولة من لورنس للتضامن مع الأمير العربي فيصل، فضلاً عن جعل ارتدائه ذلك الزي إسناداً للمطالب العربية في الاستقلال والتي كانت موضع مناظرة حادة تصل إلى درجة المساومة..!!

أما السبب الذي قدّمه لورنس إلى أهله الإنكليز وهم محرجون في رؤيتهم إيّاه مرتدياً اللباس العربي، إذ وصل الأمر بهم تقريباً إلى منعه من دخول القصر الملكي لمقابلة الملك جورج الخامس.. قائلاً لهم: (.. لقد حضرتُ المقابلة بصفتي مترجماً للأمير فيصل.(5)

هذا ما ذكره جواباً على سؤال وجّهه إليه ليدل هارت Liddle Hart . وعندما ألحّ عليه ليدل هارت عن أسباب أخرى دفعته إلى ارتداء ذلك اللباس أجابه قائلاً: (.. لقد تمت إثارة موضوع ارتدائي الزي العربي قبل أن أذهب إلى هناك.. ثم إني أجريتُ مناقشات مع ملحقنا روبرت سينج Robert Synge أوضحتُ له فيه أن ارتدائي الزي العربي إلى جانب الزي الأوروبي كان أمراً موجباً لرجل يعمل عند سيدين اثنين (6)

لقد ذكر الصحافي الأميركي توماس لويل Thomas Lowell أن لورنس كان شديد الاهتمام بمظهره وهو يتم تصويره مرتدياً الملابس العربية، ثم هو شغوف بالدعاية والإعلان، لذلك كان يصطاد الفرص التي تتاح له كي يتم تصويره، لتصبح تلكم الصور فيما بعد جزءاً من وثائقية شخصية لورنس الحميمة .

ومن جانبه، فقد أشار الكاتب الآيرلندي الساخر برنارد شو Bernard Shaw في إحدى مسرحياته قائلاً: (.. هكذا من الروعة بحيث لا يصدّق

Too True to be Good, Villages Wooing and on the Rocks..) .

 إذ جاء هذا النص من القول على لسان إحدى شخصياته في هذه المسرحية، وهو بذلك يعني لورنس.. ثم هو يقول: (.. انظر اليه.. إنه يتخفى، إنه يكره الاعلان، إنه هكذا واضح وبارز للعيان بحيث أنه يريد أن يخفي نفسه ولا أحد يبرز غيره.. لقد حاول عبثاً إخفاء نفسه، إلا أنه كان الأكثر شيطانية من بين كل الممثلين الكوميديين .(7).

وهكذا يثبت لنا بالدليل القاطع أن لورنس كان يبحث عن الشهرة وعن الدعاية.. إذ لو لم يكن مغرماً بالاثنتين لما ارتدى تلكم الملابس العربية وهو يزمع دخول مؤتمر السلام في قصر فرساي في باريس، إذ كان الأجدر به ان يرتدي الزي الإنكليزي (مدنياً أو عسكرياً) بوصفه عقيداً في الجيش البريطاني . والجدير بالذكر أن العقيد ادوارد بريمو Edouard Brémo - الذي غدا جنرالاً فيما بعد - رفض استقبال لورنس وهو يرتدي الزي العربي .

وقد ذكر الصحافي البريطاني أنطوني ناتينغ Anthony Nutting في كتابه الموسوم (لورنس العرب.. الرجل والدافع) قائلاً: (.. إن أوامر الكولونيل الفرنسي كانت تقضي باستقبال لورنس – العقيد – المرتدي ملابسه العسكرية، ولم تتضمن الأوامر استقبال لورنس بالملابس العربية – أو بهيئة شخص عربي(8) .

ومما يحاول بعض المحللين عزوه إلى لورنس رغبته في أن يحضر المؤتمر بصفته رجل عربي – أن يجعل من نفسه عربياً -.. فإن تلك النظرية لابد وأن تسقط أمام بشرة لورنس البيضاء – ولو أن بشرة فيصل كانت أيضاً بيضاء، إلا أن تقاطيع سحنة فيصل تدل على أصله العربي، بينما لا تدل على ذلك سحنة لورنس .

ويمضي المحللون قائلين:.. ان الشخص الأجنبي الوحيد الذي عمل في المنطقة العربية، وكان بإمكانه أن يدعي لنفسه (أن يكون عربياً) هو العقيد ليجمن، كون بشرته كانت تميل إلى اللون الأسمر على العكس من لون بشرة لورنس .

وباختصار، يمكن التصريح أن لورنس في ارتدائه الملابس العربية كان يجنح إلى التمثيل، فهو كان يقوم بدور الممثل البارع الذي وجد نفسه فجأة على خشبة المسرح، فكان لزاماً عليه – والأمر كذلك – أن يؤدي دوره إلى منتهاه، ثم هي الجزء المتمم للمسرحية محاولته نقل المشاهد إلى خارج المسرح، بارتدائه الملابس العربية خارج منطقة الجزيرة العربية..

 

الدكتور حسيب الياس حديد

...................

(1) T.E. Lawrence: Seven Pillars of Wisdom.. p.424

(2) Ibid,105

(3)  Ibid,129

(4)  Ibid,p.111

(5)   A.W. Lawrence: op. cit. p.156

(6)   Ibid.

(7)  G. B. Shaw: pp.27-108

(8)  Anthony Nutting: Lawrence of Arabia; The Man and the Motive,p.127

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4766 المصادف: 2019-09-23 04:15:17


Share on Myspace