 شهادات ومذكرات

محمود محمد علي: الأستاذ محمود محمد طه.. شهيد العشق التنويري (1)

محمود محمد عليإن الإسلام رسالتان؛ رسالة أولي قامت علي فروع القرآن.. ورسالة ثانية تقوم علي أصوله، ولقد وقع التفصيل علي الرسالة الأولي.. ولا تزال الرسالة الثانية تنتظر التفصيل، وسيتفق لها ذلك حين يجيئ رجلها، وحين تجيئ أمتها، وذلك مجيئ ليس منه بد " كان علي ربك حتما مقضيا"..

كلمات ما زلت تتردد لدي كثير من الثوار الذين خرجوا علي الرئيس السوداني " عمر البشير"، ليحيوا من خلالها ذكري الأستاذ الشهيد "محمود محمد طه" (1909-1985)، ذلك المفكر السوداني، والذي يطلق عليه بمجدد العصر، والرجل القومي، والصوفي الزاهد، وصاحب العديد من الكتب التنويرية والتجديدية في مجال العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر، وهو صاحب الكثير من المحاضرات والندوات، والكثير من الأنشطة الأخرى في سبيل التربية والتوعية، ونشر الفكرة الجمهورية (1).

عُرف الشهيد "محمود محمد طه"  بين أتباعه ومحبيه وأصدقائه بلقب "الأستاذ" الذي يسبق اسمه دائماً عند الحديث عنه"؛ ويشار إليه أحياناً باسم (غاندي إفريقيا) لرفضه العنف في مختلف صوره؛ من ذلك دعوته الرئيس السوداني "جعفر النميري" سنة 1971 إلى التسامح والعفو عن الشيوعيّين الذين نصبت لهم المشانق إذّاك واتهموا بالكفر. واعترض على قوانين سبتمبر 1983 المسمّاة بـ"قوانين الشريعة الإسلاميّة" (2)؛ كما لقب بالأستاذ "الشهيد" الذي شارك في واحدة من أكثر المحاولات الجديَّة أواخر القرن العشرين للتوفيق بين المعتقدات الإسلامية والتحديات التي تفرضها الحداثة (3).

تميّز الشهيد "محمود محمد طه" بأنه مفكّر فريد، اشتهر بنصاعة الحجة وقوتها، واستقامة الشخصية، والثبات على المبدأ، وكانت له هيبة وسطوة فكرية، وسط خصومه الذين كانوا من ناشطي حركة الإسلام السياسي السودانية؛ كما تميز طه بقدرته الفائقة على الاستدلال بنصوص القرآن، وكان رجلاً موسوعياً في إلمامه بالتراث الإسلامي وبمختلف تيارات الفكر المعاصر؛ وقد أحدث نقلة في النظرة إلى أنسجة العلاقات داخل المجتمع من خلال إعادة النظر في “شريعة الأحوال الشخصية”، الأمر الذي أفضى به إلى  التجديد لفقه الزواج والميراث وعلاقة الذكر بالأنثى، وغيرها من الأفكار التي خرج بها لمواكبة الحاضر ورآها البعض مخالفة للإرث الديني (4).

من أهم ما طرحه "محمود محمد طه" أنّ الفكر الإسلامي على المستوى الكوني "الكوزمولوجي"، كما أنه قد تنبأ بسقوط الشيوعية قبل عقود من حدوثه الداوي، فكان من أطروحاته أن الرأسمالية والشيوعية وجهان لعملة واحدة، وهي الفكرة المادية عن الوجود. وقال كما يذكر البعض بأن:" الإسلام سيخلف النظامين الشيوعي والرأسمالي، وكان يكثر من الاستدلال بالحديث النبوي «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. وقالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يُحيون سنّتي بعد اندثارها" (5).

ومن رحم الخرافة والاستبداد في السودان؛ حيث يقتات الناس على بقايا أحلامهم، ويتدثرون بغطاء الأمنيات المستحيلة، ولد "محمود محمد طه"، العام 1909، لأب من منطقة مورة بشمال السودان، وأم من "رفاعة" بوسط السودان، ويعود نسبه إلى "قبيلة الركابية"، فرع البليلاب نسبة إلى الشيخ المتصوف حسن ود بليل وهو من كبار متصوفة السودان. توفيت والدته – فاطمة بنت محمود - وهو لمّا يزل في بواكير طفولته، وذلك في حوالي عام 1915م، فعاش الأستاذ محمود وإخوته الثلاثة: بتول، وكلتوم، ومختار، تحت رعاية والدهم، وعملوا معه بالزراعة، في قرية الهجيليج بالقرب من رفاعة، غير أن والده لمّا يلبث أن التحق بوالدته في حوالي العام 1920م، فانتقل الأستاذ محمود وإخوته للعيش بمنزل عمتهم برفاعة (6).

وتحت وطأة الاحتلال والتبعية، وصراع الهويات، كان التصوف هو الملاذ الأخير لنفوس سحقها جبروت الاستعمار ووطأها الفقر والمرض، على ضفاف النيل، سافر "محمود محمد طه" بعقله، وفي حلقات الذكر التي انتظمت حول مقام الشيخ الصوفي الكبير "حسن ود بليل" صفت نفسه وتطلعت للخلاص الجماعي، وبين تأملاته الصوفية المتجردة، وتطلعاته السياسية التي وضعته زعيماً على رأس الحزب الجمهوري، كان عليه أن يخوض غمار الصراع، وأن يشق بنفسه طريقاً جديداً؛ لمواجهة جمود الفكر الديني وانتهازية واستبداد النظام الحاكم (7).

ولهذا وجدنا "محمود محمد طه" ينتقل بعد ذلك ليدرس الهندسة في كلية غوردون التذكارية Gordon Memorial College، التي أصبحت في ما بعد "جامعة الخرطوم"، وتخرّج منها في العام 1936. لم تقتصر دراسته على العلوم الحديثة، بل أخذ على عاتقه البحث في الأفكار الاجتماعية والسياسية الغربية، وتبلور اهتمامه بالسياسة ليؤسس في العام 1945 الحزب الجمهوري الذي كان أول حزب سياسي في السودان يدعو إلى إنشاء جمهورية وطنية، بالتالي كان حزب تصادم مع الاستعمار البريطاني، وإن كان بطريقة لم تتسم بالعنف، وبنتيجة تلك الصدمات سجن البريطانيون طه مرتين؛ في العام 1946، فقضى في المرة الأولى خمسين يوماً في السجن، وفي المرة الثانية عامين، وسبب سجنه في المرة الثانية احتجاجاته الشعبية ضد محاولات البريطانيين  فرض الحظر على عادة ختان الإناث، التي كان طه نفسه ضد تلك العادة لأنه يراها ظاهرة تقليدية وليست إسلامية، ولكن السبب وراء احتجاجاته ضد البريطانيين كان لمحاولاتهم فرض قوانين على السودانيين (8).

ولعل تكوّن خطى أحد أبرز مفكري السودان لم يكن بالأمر السهل، إذ يشير الكاتب "محجوب عمر باشري" في كتابه "رواد الفكر السوداني" إلى حياته الأولى قائلاً: "نشأ محمود محمد طه" ولم يرتكب فاحشة في حياته وعاهد الله على أن يلتزم بالخلق الإسلامي، ودرس في كلية غوردون وتخصص في الهندسة، وخرج للحياة في الثلاثينيات فالتحق بالسكة الحديدية وعمل بعطبرة، وكان قارئاً نهماً في اللغتين العربية والإنجليزية... ودرس مذاهب الفلسفة وكل أنواع المنطق، حتى المنطق الوصفي والمنطق الجدلي، وله دراسات عن مدرسة الجدليين منذ الفيلسوف الألماني هيغل حتى ما كتبه ماركس، وتفرع منه ما كتبه منظّرو الماركسية، وله دراسات عن المنطق الرياضي واعتراضات على وايتهد وراسل، كما له اعتراضات على مدرسة هيغل"(9).

تخرج محمود محمد طه" في العام 1936م وعمل بعد تخرجه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية، والتي كانت رئاستها بمدينة عطبرة الواقعة عند ملتقى نهر النيل بنهر عطبرة، وعندما عمل الاستاذ محمود بمدينة عطبرة أظهر انحيازًا إلى الطبقة الكادحة من العمال وصغار الموظفين، رغم كونه من كبار الموظفين، كما أثرى الحركة الثقافية والسياسية بالمدينة من خلال نشاط نادى الخريجين، فضاقت السلطات الاستعمارية بنشاطه ذرعًا، وأوعزت إلى مصلحة السكة حديد بنقله، فتم نقله إلى مدينة "كسلا" في شرق السودان في العام 1937م، غير أنّ محمود محمد طه" تقدم باستقالته من العمل في عام 1941، وأختار أن يعمل في قطاع العمل الحر كمهندس ومقاول، بعيدا عن العمل تحت امرة السلطة الاستعمارية. كان محمود محمد طه" في تلك الفترة المحتشدة من تأريخ السودان، وفى شحوب غروب شمس الاستعمار عن أفريقيا، علما بارزا في النضال السياسي والثقافي ضد الاستعمار، من خلال كتاباته في الصحف، ومن خلال جهره بالرأي في منابر الرأى، غير أنّه كان مناضلا من طراز مختلف عن مألوف السياسيين،حيث كان يمتاز بشجاعة لافتة، لا تقيدها تحسبات السياسة وتقلباتها، وقد أدرك الإنجليز منذ وقت مبكر ما يمثله هذا النموذج الجديد من خطورة على سلطتهم الاستعمارية، فظلت عيونهم مفتوحة على مراقبة نشاطه (10).

وقد قاد "محمود محمد طه" وهو رئيساً للحزب الجمهوري، نضالاً كبيراً في مواجهة الاستعمار، فقد تبني خط المصادمة، حيث كان يري بأنه يجب أن يخرج الاستعمار من خلال الصدام لا من خلال المفاوضات الفوقية كما تبناها قادة الحركة الوطنية، وحث هؤلاء القادة بأنه لا بد من مواجهة الاستعمار، ولا بد من إشراك الجماهير (11).

وبالفعل نشأ الحزب الجمهوري على المصادمة المباشرة للاستعمار، دون أن تقعده الرهبة، أو يصرفه اليأس، فحفظ التاريخ للأستاذ " محمود محمد طه" صوراً ناصعة من الإخلاص المتجرد من الخوف والطمع، في مواجهات مكشوفة مع الاستعمار، ومع الطائفية السياسية التي كانت تحرك الشعب لمصلحة قادتها (12).

ورغم أن الحزب الوليد اتخذ من الإسلام مذهبيةً له، غير أنه لم يكن يملك، في تلك الفترة، من تفاصيل المذهبية ما يمكن أن يقدمه للشعب، فانصرف أفراده إلى ملء فراغ الحماس، متخذين من سياسة الاستعمار تجاه الجنوب، وقضايا مزارعي مشروع الجزيرة مواضيع للنضال وتحريك الشعب، فضرب رجال الحزب الجمهوري الأمثال في شجاعة المواجهة، حيث كان الحزب يطبع المنشورات المناهضة للاستعمار، ويحرص أفراده على توقيع أسمائهم عليها، وتوزيعها، في عمل فريد من أعمال المواجهة العلنية، إضافة إلى قيامهم بالخطابة في الأماكن العامة، حتى استشعرت السلطات الاستعمارية الخطر، فاعتقلت "محمود محمد طه"  في يونيو من عام 1946م وقدمته إلى المحاكمة، ووضعته أمام خيارين: السجن لمدة عام، أو إمضاء تعهد بعدم ممارسة العمل السياسي، فاختار السجن دون تردد. وكان بذلك أول سجين سياسي في تاريخ الحركة الوطنية السودانية (13).

واصل "محمود محمد طه" مقاومته للمستعمر بعدم تنفيذ أوامر السجن، في حين واصل رفاقه في الحزب مقاومتهم خارج السجن، فأضطُرت سلطات الاستعمار إلى إطلاق سراحه بعد خمسين يوماً. وقد أدى نبأ إطلاق سراحه، مثلما أدي نبأ سجنه، إلى تجاوب واسع من قطاعات الشعب، أظهرته برقيات التأييد التي انهمرت على الحزب من كافة محافظات السودان (14).

وبعد إتمامه مدة سجنه في العام 1948م خرج "محمود محمد طه"  إلى مدينة رفاعة، حيث اعتكف مدة ثلاث سنوات في خلوة عن الناس، أتم ما كان قد بدأه في سجنه من تهيؤ لدعوته الإسلامية. كانت أيام خلوته واعتكافه عامرة بالإشراقات الروحية، والسمو النفسى، وقد بدا واضحاً أن الأستاذ "محمود طه"  قد أقبل على موضوع كبير وخطير، وكان الحزب الجمهوري قد توقف نشاطه طوال فترة الاعتكاف (15).

خرج الأستاذ "محمود محمد طه" من اعتكافه في أكتوبر 1951م ودعا الحزب الجمهوري إلى اجتماع عام عقد في 30 أكتوبر 1951م . في هذا الاجتماع طرح الأستاذ محمود المذهبية الإسلامية الجديدة، التي تقوم على الحرية الفردية المطلقة، والعدالة الاجتماعية الشاملة، ليتجه الحزب الجمهوري من ملء فراغ الحماس إلى ملء فراغ الفكر (16).

في عام 1952م صدر لـ "محمود محمد طه" كتاب (قل هذه سبيلي)، وبدأت بذلك حركة واسعة لتأليف الكتب التي تتولى شرح فكرة الدعوة الإسلامية الجديدة وتفصيل مذهبيتها؛ وقد دعا الأستاذ "محمود طه"  إلى الإسلام كمذهبية تبشّر بتحقيق إنسانية الإنسان، عن طريق تقديم المنهاج الذي يحقق السلام في كل نفس بشرية، حيث يُقدم الإسلام في مستواه العلمي كدعوة عالمية للسلام. وقد ظلت قضايا الفكر، والحرية، والاستقراء العلمي للحضارة الغربية ولواقع المسلمين قضايا مطروحة بإلحاح منذ أن تناولها "محمود طه"  في المنشور الأول (17)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1- أبو ذر الغفاري: محمود محمد طه وآراؤه في النسخ في القرآن (عرضا وتحليلا)، البحث العلمي، مقدم إلى كلية أصول الدين مكملا للشروط اللازمة للحصول على درجة بكالوريوس في قسم التفسير والحديث، قسم التفسير والحديث- كلية أصول الدين، ص18.

2- الكيالي، عبد الوهاب، (1985)، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط2، ج6، ص ص 114-115.

3- عبدالله الجبور: الأستاذ المفكِّر فى زمن الردَّة؛ محمود محمد طه (1908-1985(، 6 يونيو، 2018، التنويري.

4- نجاة إدريس إسماعيل: محمود محمد طه الإسلام في رسالتين، بدايات، العدد ١٣ - شتاء ٢٠١٦,

5- نفس المرجع.

6- أبو ذر الغفاري: نفس المرجع، ص 19.

7-سامح إسماعيل: محمود محمد طه.. ترنيمة أخيرة على صليب الحلاج،12/11/2017.

8- أبو ذر الغفاري: نفس المرجع، ص 20-22.

9-محجوب عمر باشري: رواد الفكر السوداني،  الخرطوم : دار الجيل، بيروت،1991،، ص22-25.

10- عادل الامين: سيرة المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه، الحوار المتمدن-العدد: 3279 - 2011 / 2 / 16 - 11:13.

11- سعيد الحاجي: الرسالة الثانية من الإسلام…هكذا تم إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه، السبت 16 مايو 2020 - 9:03 م.

12= عبدالله الجبور: نفس المرجع.

13- نفس المرجع.

13- نفس المرجع؛ وأنظر أيضاً: إسماعيل أحمد محمد: الأستاذ محمود محمد طه زمراً للحرية والديمقراطية، سنودانايل، نشر بتاريخ 28 تشرين 1/ أكتوبر 2015.

14- عادل الامين - سيرة المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه، نشر بتاريخ 16/2/2016.

15- أسماء محمود محمد طه: مقدمة كتاب نحو مشروع مستقبلي للإسلام، ط رؤية، مصر،2012، ص 9-10.

16- نفس المرجع، ص 12.

17-محمود محمد طه:  قل هذه سبيلي، أم درمان، الحزب الجمهوري، السودان، 1952م، ص56.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5324 المصادف: 2021-04-03 02:07:40


Share on Myspace