يسري عبد الغنيفي يوم 29 / أغسطس، 2007 م، نعى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الشقيق، الأديب والناقد الكبير / محمد مبارك، الذي رحل عن عالمنا الفاني راضيًا مرضيًا بعد أن قدم عطاءً زاخرًا لا ينضب في مجالات الفكر والأدب، بل والثقافة بوجه عام .

وفي واقع الأمر أن محمد مبارك برحيله خسرت الحياة الثقافية العربية بوجه عام، والعراقية بوجه خاص، خسارة فادحة من العسير أن تعوض، فقد كان بحق أحد رموز الفكر الموسوعي الذي قلما نجده في عصرنا الراهن، وقلما يجود الزمان بمثله ..

والوسط الثقافي العربي فجع برحيل الناقد والمفكر / محمد مبارك، لأنه كان حاضرًا قبل ساعات من رحيله في اتحاد أدباء العراق ..

كان محمد مبارك يمثل زمنًا ثقافيًا وصل إليه العراق الشقيق أيام شبابه إلى آفاق رحبة على أيدي تلك النخبة من المبدعين في القرن العشرين ..

عندما تقرأ محمد مبارك فأنت تقرأ كاتبًا موسوعيًا بمعنى الكلمة، فقد كتب في الفلسفة العربية و الإسلامية، وأصدر في بواكير حياته كتابًا مهمًا عن الفيلسوف العربي /الكندي، كما درس بعمق الفلسفة اليونانية القديمة، وذلك ضمن مشروعه الفكري الشامل الذي تضمن دراسة عميقة للفكر الإنساني، وقد قام بنشر العديد من فصوله، في بعض الصحف والدوريات العراقية والعربية .

كما كتب في علم الاجتماع وكرس كتابًا خاصًا لدراسة إنجازات وأطروحات عالم الاجتماع الشهير، الأستاذ الدكتور / على الوردي، كما كتب مجموعة من المسرحيات المهمة، صدرت في مجلدين، والتي نأمل أن يتناولها نقاد المسرح العربي بالتحليل والدرس، وسوف يجدون فيها العديد من المرامي والأبعاد والنسج الدرامي الذي من الممكن أن يكون دروسًا مستفادة للأجيال الناشئة على وجه الخصوص، ولأهل الاحتراف في الإبداع المسرحي على وجه العموم ..

وكتب (رحمه الله) مجموعة متميزة من الدراسات الأدبية والنقدية عن عدد من الشعراء العرب، منها دراسة كاملة عن الشاعر الكبير / عبد الوهاب البياتي، في نفس الآن الذي اهتم فيه وبشكل خاص بدراسة الشاعر العربي الرائد / محمد مهدي الجواهري ..

وضم كتابه النقدي الأخير إلي جاء تحت عنوان (الوعي الشعري)، والصادر عن دار الشئون الثقافية العامة بالعراق، عام 2004 م، مجموعة من الدراسات النقدية المتميزة في مجال الشعر ..

انتقل محمد مبارك من مدينة الحلة الفيحاء ليجعل بغداد مدينته التي حرص كل الحرص على أن يعرف كل رجالها ومثقفيها .. فيها درس، وتعلم، وفيها قرأ وكتب .. ومنها خرج، وإليه دخل ..

محمد مبارك مثقف عراقي من طراز فريد، عشق الكلمة وكره السفر، أحب النخلة العراقية، وكره الظلام .. كان له انتماؤه الذي يود أن يعرفه العالم كله، ولكنه يخفي في أعماقه حزمة هائلة من الأسرار التي لا يود أن يفصح عنها، هكذا قال أصدقاؤه، بكل من اقترب منه .

لقد أحب الرجل بغداد حبًا شديدًا، حيث درس في مدارسها منذ أن انتقل إلى الحاضرة الثقافية بكل ثقلها إبان فترة الخمسينات من القرن العشرين، وكانت فورتها عارمة في تلك الآونة ..

بدأ مفكرنا الراحل حياته الثقافية إثر ثورة 14 يوليو 1958 م، وكان شابًا متوثبًا ثائرًا يقضي الليالي الطويلة في القراءة والدرس، ثم بدا يكتب المقالات وينشرها في بعض الصحف البغدادية ..

وفي واقع الأمر أن محمد مبارك بدأ يعرف لى نطاق واسع بين الناس في منتصف الستينات، وذلك من خلال ما كان يكتبه على صفحات مجلة الأقلام العراقية الشهرية، والتي كانت قد صدرت عن وزارة الثقافة والإرشاد ببغداد، واستمر يتنقل من الثقافة إلى الإعلام إذ بقى طوال نصف قرن تقريبًا من أبرز النقاد العراقيين للشعر والأدب، وبعض الفنون الدبية الأخرى ..

ولا ينس أهل الثقافة والأدب مشاركاته العديدة في مهرجانات الشعر والمسرح، فالسنوات العديدة التي قضاها رئيسًا للقسم الثقافي في بغداد كانت نموذجًا للازدهار الثقافي والأدبي ..

يقول البعض: إن محمد مبارك برع في الدرس الأدبي، وكذلك النقد الأدبي، أكثر بكثير دون براعته في النتاج الأدبي والرؤية الفلسفية .. لقد قرأ له الناس مقالاته وتابعوا دراساته ..

ولكننا نستمع إلى فريق آخر يقول لنا: إن الرجل كان في الفلسفة أقوى كثيرًا من التاريخ .. وكان في الأدب والنقد الدبي أبدع منه في علم الاجتماع ..

وعلى كل حال فالرجل كان موسوعيًا، واختلاف رأي الناس في تفضيل جانب من إبداعه على جانب آخر، أكبر دليل على تأثيره على جمهور القراء، واهتمامهم بفكره ..

يمكن القول أن منهج محمد مبارك في الفكر والأدب، كان منهجًا اجتماعيًا، فهو يؤمن بالوظيفة الاجتماعية للأدب والثقافة، كما كان يحاول أن يكشف اللثام عن الحمولات أو الأبعاد المعرفية والأيديولوجية والاجتماعية التي يتضمنها النص الأدبي أو بمعنى آخر التي ينطوي عليها الإبداع الأدبي، مع تأمل وكشف الظواهر الأدبية التي يحتويها النص موضع التحليل ..

ولعله يكون بذلك من القلائل الذين التزموا بهذا المنهج، الذي يتطلب عمقًا ثقافيًا، وموسوعية شاملة، قلما ما تتواجد في أصحاب الكلمة على أيامنا الراهنة .

كان يرى أن الأوبئة الاجتماعية الزاحفة علينا نتيجة لاتساع حجم الطفيلية الاجتماعية التي تهددنا ..

وفي مجال العمل الصحفي تولى الأديب والناقد الراحل / محمد مبارك رئاسة تحرير مجلة الأقلام العراقية المشهورة، بعد سنة 2003 م، كما رأس تحرير صحيفة (القاسم المشترك) ..

عندما تسلم رئاسة تحرير مجلة (الأقلام)، كان يحلم بعودة كل الطاقات والتخصصات إلى أرض العراق، كما كان يرنو إلى بناء حضاري حقيقي للعراق ولأهله، ولكن الأوضاع كانت تتنقل من سيء إلى أسوأ، ليلتحق محمد مبارك بقافلة الراحلين، وكأنهم يترجمون معًا رفضهم لكل هذه التداعيات التي تحدث في العراق وفي غيره من بلادنا العربية ..

والمفكر الكبير / محمد مبارك المولود في محافظة بابل العراقية، يعد من بين النقاد العراقيين الذين اهتموا بالدراسات النقدية والفلسفية، فأثمر عطاؤه مجموعة من الكتب والدراسات غطت امتداد تجربته في الكتابة والبحث ..

ويجمع النقاد ومؤرخو الأدب على أن كتابي (مقاربات في العقل والثقافة) و(الوعي الشعري)، يوقفانه أمام بنائية فكرية تنسجم تحليلاتها واستنتاجاتها النقدية، التي تستند على نمط الإرجاع للبيئة المعاشة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية مع ترسيخها لقيم العقل والعقلانية، التي تنشيء القيمة وترسخ الإبداع، فقد كان يوجه عنايته ـ في سياق ذلك ـ إلى الاهتمام بدراسة الإنسان والمجتمع كأفراد ومجموعات .

وفي هذين الكتابين نجد تحليلاً رائعًا يدل دلالة قاطعة على ما تحلى به محمد مبارك من مستوى نقدي وعقلية حديثة لم تصبح على ما هي عليه إلا بعد جهد جهيد بذله الرجل على طوال السنوات، جهد تمكن به من أن يكون ثقافته الموسوعية الشاملة، ناهيك عن متابعته المستمرة لتفاصيل الحياة اليومية المعاشة على أرض الواقع ..

ويحلو للبعض أن يصفه بأنه: مثقف عراقي كان همه الأول حفرياته التي يعتني بها منذ صباه، ولعل تربيته الأولى قد جعلته ينقب عن الأشياء بكل صغائرها ..

لذلك كان أهم ما يميزه وقفاته البحثية المطولة، حيث كان دومًا يبحث عن الصلة الحقيقية بين المثقف ومجتمعه، وينقب في النص أو بمعنى آخر: يمحصه تمحيصًا معرفيًا أكثر منه ظاهريًا ..

عندما نتكلم عن محمد مبارك فإن معنى ذلك وقوفنا أمام رجل ادرك عن وعي كامل وتام دور الكلمة الصادقة في التأثير على الناس، ولعل ذلك مما جعل عطاءه الفكري والإبداعي والبحثي رحبًا ليشمل الفلسفة والتاريخ والتاريخ والنقد الأدبي ، نضيف إلى ذلك مسرحياته التي أخذ معظمها طريقه إلى الشاشة الصغيرة (التلفاز) عندما كان أديبنا الراحل مشرفًا على البرامج الثقافية في التلفزيون العراقي .

ويعد كتاب (مفارقات في العقل والثقافة) من أواخر ما كتب، حيث تناول فيه العديد من آراء عالم الفيزياء والبصريات / الحسن بن الهيثم، وآراء العالم الموسوعي / أبو الريحان البيروني، وآراء الدكتور / علي الوردي .. وغيرهم ..

وبذلك تنقل محمد مبارك الكاتب الموسوعي والمفكر الملتزم بين فكر فلسفي علمي، وانثروبولوجي، ساعيًا إلى تشخيص المواقف الفكرية للكتاب والمفكرين والفلاسفة موضع بحثه ودراسته، وصولاً إلى تقرير حقيقة واحدة ـ عدا مسألة التناشز الاجتماعية عند الدكتور / علي الوردي ـ ألا وهي أن العقل الإنساني يتسع لضمان كل فكر في عصره، وأن المغيبات في الفكر الإنساني تكون أحيانًا نتيجة لظرف سياسي قاهر، لا يستطيع قبول الرأي الآخر ويتهمه بالهرطقة .

وتقوم أفكار محمد مبارك الفلسفية على إحكام العقل أو فالنقل إعلاء شأن العقل في كل قضية يتناولها بالكتابة أو البحث والدرس، مع عدم قبول ما هو خارج نطاق العقل ..

كان يرى تراكمات الفكر الإنساني من فلسفة يونانية إلى إسلامية شارحة، إلى فكر القرون الوسيطة، إلى الفكر الحديث بكل تشعباته يقوم على الإضافات القابلة للأخر، وليس على الانقطاعات التي تشذ وتسرق وتتدعي، أي أن الرجل كان مؤمنًا بضرورة التواصل والحوار بين الشعوب والحضارات بعيدًا عن الصدام أو الصراع .

وبذلك يجد محمد مبارك أن الفكر الإنساني فكر تراكمي متسلسل، تضيف كل مرحلة لما سبقها، حتى ولو خالفتها أو إجترحت عليها، فذلك منطق العصر، وتلك لغة التطور الذي يجب أن نؤمن به ن ونتعامل معه دون أدنى غضاضة أو حساسية في واقعنا المعاش ..

ومسرحيات محمد مبارك التاريخية جاءت مجسدة لعديد من الأفكار المهمة التي لا تنتهي بالتقادم، ولا نبالغ إذا قلنا أنها تصلح لكل زمان ومكان، وبمعنى آخر هي قابلة للطرح دائمًا، مثال ذلك عندما تكلم في إحدى مسرحياته عن محنة شاعر العربية الأكبر / أبي الطيب المتنبي، وفي مسرحية أخرى تكلم عن قضية رهين المحبسين / أبو العلاء المعري في عزلته المختارة، كما تكلم في عمل ثالث عن المحنة الفكرية لأبي الريحان البيروني ..

وكان آخر أعماله التي نشرها مسلسلة في جريدة (الزمان) مسرحية / الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قدمه كشخصية صارمة مثقلة بالآثام، مدركة لما ارتكبته من خطايا، آملة في الغفران ...

لقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي رجل بني أمية الأول، وزراعها العسكري القوي الذي لا يعرف الرحمة (كما يقول التاريخ)، شخصية إشكالية (محيرة)، فقد اجترأ على كثير من المقدرات باسم السلطة والسلطان، وقتل خصوم الدولة من الثوار باسم إحقاق الأمن، وكان سعيه لسعادة المجتمع الموهومة مليئًا بأنهار الدم المفزعة ..

كان تناول المبدع الموسوعي / محمد مبارك لشخصية الحجاج، تناولاً إمتاز بإلمامه التام بكل إشكالات هذه الشخصية، ولا غضاضة ولا مرية في ذلك، فالرجل كان يدرك تمامًا أننا نعيش أيامنا تحت ظلال أكثر من حجاج ..

لقد سعى محمد مبارك إلى ان يقدم لنا شخصيات العرب والمسلمين المؤثرة فكريًا في العقل والوجدان عبر الشاشة الصغيرة، ليكتمل بذلك مشروعه الفكري والفني الذي هدفه الإرشاد الفكري والتربوي لكل أفراد المجتمع العربي، وبمعنى آخر لكي يصل ما يريده لنا وهو السعي نحو الأفضل والأحسن إلى كل المستويات .

ومن الطريف أن الرجل كان يؤكد دائمًا أن الفلاسفة العرب المسلمين سبقوا الغرب في أمور عديدة وكثيرة، ومن ذلك أنهم سبقوا فريدريك هيجل في طرحه لمسألة وحدة الوجود .

ولعل أغلب القراء الأعزاء لا يعرفون أن الناقد المفكر / محمد مبارك هو خال السيد / محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي الشهير، على عهد نظام الرئيس / صدام حسين ..

وفي واقع الأمر أنني اجتهدت ـ قدر الإمكان ـ لأبحث عن كتابات تكشف عن طبيعة العلاقة بين الأثنين ولكني لم أتمكن من ذلك ..

ولكن هذا لا يمنع أبدًا من القول بأن: محمد مبارك كانت له استقلاليته وثقافته الواسعة في مختلف ميادين التراث والأدب والعلم والفن، كما كانت له لغته الراقية عالية المستوى، ومواهبه التي أجمع عليها الجميع، وكون أن له قريب في نظام حكم معين قبلناه أو رفضناه ـ فلا ينقص ذلك أو يقلل من قيمة رجل مبدع موسوعي شهد له القاصي والداني ..

وغني عن البيان أن محمد مبارك تميز منذ شبابه بالروح الوطنية الوقادة، والتواضع الجم البالغ التأثير، كما أن له ميزاجه الشعبي العراقي، بالرغم من قبعته الأوربية ..

كان منفتحًا على الآخرين كأي عراقي أو عربي أصيل، كان من ذلك الصنف الذي يتحمل الصعاب والمشاق، كما كان قومي النزعة، ولكنه تقدمي التفكير ..

حكى أصدقاؤه أنه كان يحب العمل حبًا شديدًا، ويبقى الساعات الطوال في أي مكتب يختاره ليقرأ ويكتب أو يجالس من يراه من المثقفين ..

كان لا يطيق الكسل، بل كان أشد ما يضايقه أن يرى واحد من الناس يتثائب في أثناء العمل ..

كان يقول: ولك أن تنظر في أوضاع أوساطنا الفكرية والأدبية والثقافية بل حتى الجامعات لتتحقق مما صرنا إليه من انحدار كينونتنا المادية والروحية، ولقد أضحى الفكر بوقًا للسياسي ومروجًا لبضاعته الرديئة، والعلم وسيلة لقتل الناس، وتكبيل الطاقات، وسمل العيون، وتكميم الأفواه ومصادرة الشعب على مقدرات كينونته الآدمية على الرغم من لا فاعليتها وهشاشة مفردات تركيبها ..

كانت خصاله كتلك الخصال التي زرعها الرعيل الأول من المثقفين العراقيين الكبار الذين نتمنى من الأجيال الجديدة أن تتعلم منهم مكارم الأخلاق، وقيمة العمل والإنجاز، وقيم الخير والحق والعدل والجمال والتسامح، بعيدًا عن الابتذال والعتمة والانغلاق والجهالة، تلك التي يريد الظلاميون الجدد زرعها في العراق وغيرها من بلاد عالمنا العربي والإسلامي ..

حقًا، كان محمد مبارك صاحب ثقافة واسعة في كل من الفلسفة الإسلامية، والفلسفات الحديثة والقديمة، ولعل خطراته النقدية المهمة التي نشرها مسلسلة في جريدة (الزمان ) متناولاً بعض أدبيات الأستاذ الدكتور / محمد عابد الجابري أكبر دليل على ذلك ..

ويحكي من عرفه أنه كان يعرف جيدًا النخب المثقفة في العراق خلال القرن العشرين، أسماؤهم، أماكنهم، مجالهم الثقافي، سنوات الولادة والوفاة، كان يحفظ كل ذلك عن ظهر قلب دون أن يحتاج إلى مراجع ..

لقد عاش محمد مبارك ومات زاهدًا في الحياة، عاش على راتبه الحكومي، ولما زحفت سنوات الحصار القاسية على العراق الشقيق إبان التسعينيات، فقد عان الرجل الأمرين كغيره من أهل الثقافة والعلم، مما اضطره إلى أن يغادر العراق ليعمل في صحيفة الزمان، ولكنه كان يزور بغداد كل عام تقريبًا ..

ولقد عان الرجل عندما عاش في الأردن، حيث جاء ليعمل وحده بينما بقيت أسرته في بغداد ..

لقد مضى محمد مبارك الديب والناقد والفيلسوف والمؤرخ والمفكر، رحل الرجل الموسوعي، ورغم أنه ودع أهل الفكر والأدب في العراق وفي البلاد العربية كلها، لكنه لم يودع العراق الذي ضم جسده الفاني، وأعتقد أن جيلنا والأجيال القادمة ستبقى ذاكرة متذكرة لهذا الرجل الأصيل ..

وختامًا أتنمنى أن تكون سيرة هذا الرجل معلمًا على طريق الأجيال الجديدة ليتعلموا كيف تكون الأصالة والمبادئ راسخة في الأعماق، في نفس الوقت الذي نطالب فيه المؤسسات الثقافية العراقية بضرورة طبع ونشر جميع مؤلفاته ليستفيد منها الجميع، وفي نفس الوقت الذي نأمل في جمع مقالاته وأبحاثه وإبداعاته التي لم يتم نشرها في كتب حتى الآن ..

رحم الله (أباحيان ) وجعل مثواه الجنة جزاءًا وفاقًا لما قدمه للفكر والأدب والعلم ...

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيمحمد محمد الدسوقى النويهي، الملقب بمحمد رشاد النويهى، ولد في 20/4/1917 بقرية ميت حبيش البحرية مركز طنطا، وكان والده من أوائل المتعلمين بالقرية، وعين بالقضاء الوطنى بوظيفة مساعد قاض ويطلق علها حاليا أمين سر المحكمة.

تلقى تعليمه بمدرسة طنطا الإبتدائية الأميرية، وأثناء دراسته فيها، ألقى الشعر الحماسى ونقله عنه أصدقاؤه وتفوق في اللغة العربية واللغه الإنجليزية، وفى سن 14 اتجه لكتابة الأدب الروائى، وكان أول وآخر رواية كتبها حيث لم تنل استحسان والده. تخرج من مدرسة طنطا الثانوية شعبة أدبى عام 1935 وكان أمله أن يكون ناقدا أدبيا.

انتقل من طنطا للقاهرة ليلتحق بكلية الآداب جامعة فاروق الأول (القاهرة حاليا) قسم اللغة العربية، وأقام خلال درا سته فيها بأحد الأحياء الشعبية، حيث كان يساعد نفسه بإعطاء الدروس الخصوصية في العربية والإنجليزية. أبدى تفردا بين زملائه وزميلاته بالدراسة بالجامعة، وارتبط ارتباطا قويا بأستاذه الدكتور/ طه حسين، صاحب التأثير الأول والكبير في حياته والذي عَده من أفضل تلاميذه في ذلك الوقت وقدر مواهبه الأدبية ونبوغه وتفوقه .

أعجب طه حسين ببحث قدمه له النويهى عام 1938 عن قصة الصيد في الشعر الجاهلي ثم استمع في نفس العام لبحث آخر قدمه له عن ميمية علقمة وقد كشف في هذا البحث عن الإنسجام الصوتى الدقيق بين الجمل الشعرية ومحتواها الفكرى والعاطفى. في العام الدراسى التالى قدم النويهى لطه حسين، ثالث أبحاثه عن سينية البحترى ادعى فيه أن حرف السين يلائم بجرسه الخاص في المواضع التي ورد فيها في القصيدة جو الحزن والذكرى الآسية.

في عام 1939 حصل النويهى على الليسانس، وقبل تخرجه رشحه أستاذه طه حسين ليشغل منصب محاضر في اللغة العربية بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، وقد بذل الدكتور/ طه حسين جهدا كبيرا لتذليل العقبات التي أقامتها دون سفره، نشوب الحرب العالمية الثانية. في 1939 سافر النويهى إلى إنجلترا أول أعوام الحرب العالمية الثانية، ليبدأ معايشة الثقافة الأجنبية المختلفة عن ثقافة بلاده، وظل أثناء إقامته بإنجلترا، يراسل أستاذه طه حسين ليستمد منه التوجيه والإرشاد والنصح وليطلعه على مستجدات حياته ودراساته. في عام 1942 حصل على الدكتوراة من معهد الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن، عن الحيوان في الشعر العربي القديم ما عدا الجمل والحصان. وفى عام 1944 تزوج من روث هيللر، الإنجليزية، وأنجب منها (عزيزة) المولودة 1947، و(على) المولود 1949، وواصل التدريس بجامعة لندن، حتى وصل للدرجة العلمية أستاذ كرسى الآداب العربية والمحاضر الأول بمعهد الدراسات الشرقية والأفريقية. لم يستمر بالتدريس، فعاد إلى مصر عام 1947، وعرضت عليه جامعة فاروق الأول، أن يكون من أعضاء هيئة التدريس بها بدرجة أستاذ مساعد، ولكنه بتمرده وعناده، أبى ولم يستمر بالقاهرة، وسافر متوجها إلى السودان، ونزل بالخرطوم، وعين بكلية غوردون (الخرطوم حاليا) وأنشأ بها قسما للغة العربية، وظل يدرس بها لمدة تسع سنوات.

دامت فترة وجوده بالسودان، وهى أخصب سني حياته العلمية والعملية والتي أثمرت عن معظم مؤلفاته الفارقة في الدراسات النقدية والأدبية، من سنة 1947، وفى خلالها ترأس قسم اللغة العربية وأسس فريقا للتدريس، كما عمل محكما بين الأحزاب الإنجليزية والمصرية والسودانية في جامعة الخرطوم التي كانت سابقا كلية غوردون .

وفى سنة 1956 تقدم باقتراحات لإجراء إصلاحات أكاديمية شاملة، لم تلق قبولا، ولذلك تقدم باستقالته، وغادر السودان في 1956م. ظل بمصر، وكتب عدة مقالات ثورية ونقدية لجريدة الجمهورية وهى لسان حال ثورة 1952، تحت عنوان (المفكرون والثورة) ونظرا لاشتعال حرب السويس 1956 والمشهورة بالعدوان الثلاثي، ولم يكتب لها الظهور.

ولارتباطه بمصر الأم والوطن ورغم زيجته الأولى وإنجابه، ووفاة عزيزة مبكرا ورغبته في العزوة والأسرة الكبيرة و لم يكن متفقاً مع طباع زوجته الإنجليزية بتحديد النسل، لاختلاف الثقافات والميول والمشارب، اقترن بابنة العائلة والقريبة له طبعا وسلوكا وثقافة السيدة / فريال النويهى في سنة م1956 ورزق منها (ماجدة) 1958م ثم (عمر) 1959 ثم (هشام) م1961. في سنة 1957 قام بالتدريس بمعهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، وفى نفس الوقت بمركز الدراسات العربية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة .

سافر النويهى إلى أمريكا كأستاذ زائر بجامعة هارفارد بقسم الأدب واللغات الشرقية بدءا من سنة 1967 وحتى نهاية 1968، وأثناء وجوده، عرضت عليه الجامعة تعيينا دائما بها، ولكنه رفض لعدم استعداده التنازل عن .هويته المصرية ثم استقدمته جامعة بريستون الأمريكية كأستاذ زائر للأدب العربي عام 1972/1973

لكن تمسك الجامعات الأمريكية بالدكتور النويهى وعدم التفريط به سيما وقد كان ملء العين والبصر ومطالبا بالحرية ومجددا وثائرا على الجمود والخمود والرتوب والساعى نحو ثورة شاملة في المناهج الأدبية والنقدية والمحرض على النهوض والتنوير وإزالة أسباب التخلف والتراجع والكساد الفكرى والديني.

لم تتراجع الجامعة الأمريكية بالقاهرة عن وجوده بهيئة التدريس وذللت له كافة العقبات والعراقيل التي تقف حياله، لم يثنه ذلك الإلحاح عن التمسك بأفكاره ومبادئه ومعتقداته اليسارية، إذ كان من الذين آمنوا بالاشتراكية منهجا للتغيير وسبيلا قويما للنهضة ودربا من دروب التقدم والتحضر والرفاهية، وبعد مدوالات صعبة وطويلة وارتكانا لشروطه، تولى رئاسة قسم الدراسات العربية بها، كما رأس هيئة التدريس بدءا من سنة 1973

امتدادا لتوقد ونشاط وخبرة الدكتور النويهى وأفكاره المستنيرة والتقدمية، اختارته منظمة اليونسكو عام 1977 مستشارا خاصا لمشروع حول (القانون والمرأة وحجم الأسرة).

عانى في آخريات حياته المرض الشديد والإحباطات الكثيرة وما تصدى له من جهالات واتهامات من السوقة والأوباش ومخانيث الكتاب، وإصابته بمرض الضغط المرتفع والذي حد من نشاطاته ودراساته وإشرافه على الرسائل الجامعية، وتعرضه لأكثر من مرة للجلطات والمعاناة الطويلة المريرة، ولم تطل فترة التعب ولم يستسلم الثائر ولم يخضع الجبين ولم يهن ولم يتراجع، وتحامل على نفسه وهو في أشد مرضه ولم يترك مقعد المعلم والمربى والباحث والمدرس، فقد كان مدرسة التنوير والحرية والتقدم والحضارة، أحب مصر حبا جما .

في قريته التي صاحبته في حله وترحاله وفى قلبه وضميره، وفى كتبه ودراساته ..وهو العاشق لترابها والمنافح عن أصالته وحضارته، واستقبلته القرية بكل حب ووله وأكرمته وأشادت به، يوم انتقلت روحه الطاهرة إلى بارئها، هذا الإبن البار والأخ الوديع والعلم البارز، وعم الحزن القرية وسرى الألم بالنفوس، ودمعت العيون واهتزت الأفئدة، رحمة ودعاء وأن تشمله رحمة الله ورضوانه، وعاشت القرية يوما حزينا يوم 1-3- 1980، يوم توارى جسد النويهى في مقبرة أسرته، ولكنه يظل حيا ومزهرا بأدبه وإبداعاته وحبه وعشقه لوطنه مصر المحروسة وقريته المعشوقة ميت حبيش البحرية.

من أسماء كتبه القيمة :

1- ثقافة الناقد الأدبي .

2- شخصية بشار .

3- نفسية أبى نواس .

4- الإتجاهات الشعرية في السودان .

5- طبيعة الفن ومسؤلية الفنان .

6- قضية الشعر الجديد.

7- الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

حمزة بلحاج صالحمن كان يظن الشيخ الطيب بلحاج الصالح المدعو الشيخ الطيب العقبي سلفيا بالفهم السائد للسلفية المتسعودة والمدخلية ...الخ فهو لا يعرف الشيخ العقبي...

لقد اختار الشيخ الطيب العقبي مكافحة البدع والطرق التي تنشر الخرافة لسبب تكتيكي هو أنها كانت وكرا لتخدير وعي المواطن وطابورا يخدم فرنسا وليست الطرقية كلها بل تلك التي تروج للسكون والرضا بالإستعمار قضاء وقدرا...

أما انه كان حرفيا في تعامله مع النصوص بنزعة سلفية صرفة يلغي النظر المقاصدي للدين وأنه كان يعادي المدنية ويعتمد فقه الإمام أحمد بن حنبل ومدرسة الحديث...

فذلك وهم وادعاء كاذب وللشيخ من النصوص حول الإسلام والمدنية وعن العقل والوحي ما يغالي بالعلم والحضارة...

و لا علاقة له بالسلفية كتيار ينحدر من أحمد بن حنبل ومدرسة الحديث إلى السلفية النجدية والوهابية  وسلفية الالباني وسلفية محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية الى المدخلية والجامية وغيرها الى اليوم...

أو يتمسك بمكافحة الخرافة بفهم ونموذج مهرب من حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب...

 

بل كانت مكافحته للخرافة  وتوظيف السلفية في هذا تكتيكا صرفا وهو يعتبر الخرافة المجال المبجل الذي تستثمر فيه فرنسا الاستعمارية لتخدر العقول وتجعل الناس يفكرون في الخلاصات السحرية واعتبار فرنسا  المستعمرة قضاء وقدرا ...

كان الشيخ العقبي  يعلم بأن  فرنسا   ترى وجوب الاستثمار في الزردة والتبرك بالاضرحة وانتظار الفرج من أولياء الله الصالحين...

و هو يقف من الخرافة  موقفا صارما  فكان  الشيخ الطيب العقبي يضرب فرنسا في معاقلها وهي التي كانت تجد من بعض رجال جمعية العلماء لينا ورفقا في التعامل مع هذه الظاهرة  المخدرة للعقول  ما لم تجده عند الشيخ العقبي  من معاملة صارمة لعلمه بمخاطرها على الجزائريين وتحررهم العقلي  والثورة على الاستعمار بيقظة العقل ...

و لم يكن الشيخ الطيب العقبي رائد الإصلاح وزعيم جمعية العلماء المصلح والاديب والعالم الديني الكبير بهذا  يعادي زوايا العلم والدين غير المغشوش فهما وتوظيفا بل كان يكافح معاقل فرنسا للخرافة والتخدير عبر فهوم فاسدة للدين ...

بل لو كان الشيخ العقبي يستهدف كل الزوايا الشريفة ما كان اول من استقدم وجلب وثائق ملكية  اوقاف "سيدي بومدين" بفلسطين القدس لما ذهب للمؤتمر الفلسطيني على راس وفد رفيع  وهي اوقاف يقال انها قرب باب المغاربة اظن...

 ويفترض ان تتحرك الجزائر اليوم في هذا الملف  المسكوت عنه لتحاكم الاستعمار الصهيوني وتطالب باوقاف سيدي بومدين التي لا نعلم عنها الشيء الكثير وسأعاود الى هذا الملف وغيره في مواطن أخرى لبمزيد من التفصيل ..

2565 الطيب العقبي

صورة الشيخ الطيب العقبي

رائد الإصلاح في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

حمزة بلحاج صالح

 

 

 

2564 سعدي يوسف 1برحيل الشاعر الفذ (سعدي يوسف)؛ يكون الشعر العراقي والعربي والعالمي قد خسروا واحداً من أكبر وأهم قاماتهم ورموزهم وايقوناتهم الذهبية.

لقد قال سعدي يوسف في واحدة من قصائده المهمة:

{كلُّ الأَغاني إنتهتْ

إلّا أَغاني الناسْ

والصوتُ لو يُشْترى

ماتشتريه الناسْ

عَمْداً نسيتُ الذي

بيني وبين الناسْ

منهُمْ أَنا مثلُهم

والصوتُ منهم عادْ

**

والليلَ بُتْنا هُنا

والصبحَ في بغدادْ}

* أيها الأخضر إبن يوسف:

يا فينيق الشعر والحياة والرفض

والمنافي والاحتجاج والمغامرات

الحياتية والشعرية والجمالية ؛

أنا لاأَرثيك ... ولا أَبكيكَ

حيثُ أَنَّ المراثي لاتليق

بشاعر عظيم هو أَنتَ

إنَّكَ ستبقى حاضراً وخالداً في قلوبنا

وارواحنا وذاكراتنا ابداً .

* أبو حيدر: المعلم والأب والاخ والصديق

نَمْ ساطعاً ورائعاً وناصعاً

ونَمْ هنياً وبهياً وأَبياً ونقياً

وعلى روحك السلام.

2564 سعدي يوسف 2

* (سعدي يوسف سيرة مُكثَّفة)

سعدي يوسف: شاعر ومُترجم وقاص عراقي

وُلد في البصرة وتحديداً في ابي الخصيب عام 1934

تخرج من دار المعلمين العالي ببغداد 1954

عمل في التدريس والصحافة

غادر العراق في السبعينيات واقام في العديد من المنافي والمغتربات ... ومنها لبنان وسوريا والجزائر والاردن وكندا .. وفي ربيع القرن الأخير اصبحت لندن مقر اقامته الدائم .

نال العديد من الجوائز في الشعر

ونذكرُ منها:

جائزة سلطان بن علي العويس، وقد سُحبتْ منه لاحقاً

الجائزة الإيطالية العالمية

جائزة كافافي من الجمعية الهلّينية

جائزة فيرونيا الإيطالية لأفضل مؤلفٍ أجنبيّ

حصل على جائزة المتروبولس في مونتريال في كندا

وهكذا انتهت رحلة الالف ميل لواحد من اعظم شعراء

العصر الحديث .

2564 سعدي يوسف 3* ببلوغرافيا: الشعر والترجمة والقصة والمقالات:

الشعر:

1- القرصان (1952) – مطبعة البصري - بغداد

2- أغنيات ليست للآخرين (1955)- مطبعة الأديب - البصرة

3- 51 قصيدة (1959)- بغداد – بمساعدة من وزارة التـربيـة

4- النجم والرماد (1960)- مطبعة اتحادالأدباء

5- قصائد مرئية (1965)- المطبعة العصرية – صيدا

6- بعيداً عن السماء الاولى (1970)- دار الآداب – بيروت

7- نهايات الشمال الإفريقي (1972) – دار العودة - بيروت

8- الاخضر بن يوسف ومشاغله(1972)- مطبعة الأديب - بغداد

9- تحت جدارية فائق حسن (1974)- دار الفارابي - بيروت

10- الليالي كلها (1976)- مطبعة الأديب - بغداد

11- الساعة الاخيرة (1977)- دار الآداب - بيروت

12- كيف كتب الاخضر بن يوسف قصيدته الجديدة (1977)- دار الآداب

13- قصائد اقل صمتاً (1979)- دار الفارابي - بيروت

14- الاعمال الشعرية (1980)- دار الفارابي بيروت

15- من يعرف الوردة (1981)- دار ابن رشد - بيروت

16- يوميات الجنوب يوميات الجنون (1981)- دار ابن رشد - بيروت

17- مريم تأتي (1983)- دار حوار - اللاذقية

18- الينبوع (1983)- دار الهمداني - عدن

19- خذ وردة الثلج، خذ القيراونية (1987)- بيروت – دار الكلمة

20- محاولات (1990)- دار الآداب

21- قصائد باريس، شجر ايثاكا (1992)- دار الجمل - ألمانيا

22- جنة المنسيات (1993)- دار الجديد - بيروت

23- الوحيد يستيقظ (1993)- بيروت- المؤسسة العربية للدراسات والنشر

24- ايروتيكا (1994)- دار المدى – دمشق

25- كل حانات العالم (1995)- المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت

26- الأعمال الشعرية - ثلاثة مجلدات- (1995)- دار المدى – دمشق

27- قصائد ساذجة - 1996- دار المدى - دمشق

28- قصائد العاصمة القديمة (2001)- دار المدى

29- اربع حركات – قصائد مختارة- (1996)- قصور الثقافة - القاهرة

30- حانة القرد المفكر (1997)- دار النهار - بيروت

31- يوميات اسير القلعة (2000)- دار المدى

32- حياة صريحة (2001) – دار المدى

33- الأعمال الشعرية (أربعة مجلدات) – 2002 – دار المدى – دمشق

34- الخطوة الخامسة (المجلد الخامس من الأعمال الشعرية) – 2003 – دار المدى

35- صلاة الوثـني – دار نينوى – دمشق – 2004

36- حفيد امريء القيس - دار المدى – دمشق- 2006

37- مختاراتي – دار آفاق – القاهرة – 2007

38- الشيوعيّ الأخير يدخل الجنّة – دار توبقال – الدار البيضاء - 2007

دار المدى – دمشق - 2007

39- أغنية صياد السمك وقصائد نيويورك – دار آفاق – القاهرة 2008

40- قصائد الحديقة العامة – دار الجمل – بيروت 2009

41- الأعمال الشعرية (المجلد السادس) – دار الجمل – بيروت 2009

42- الديوان الإيطاليّ – دار الجمل – بيروت – بغداد 2010

43- في البراري حيث البرق – دار الجمل- لا بيروت- بغداد 2010

2564 سعدي يوسف 4{الشعر مترجم صادر في هيأة كتاب}

1- أوراق العشب – والت ويتمان (1979)- دار ابن رشد - بيروت

2- وداعاً للإسكندرية التي تفقدها – كافافي (1979)- دار الفارابي – بيروت

3- إيماءات - يانيس ريستوس (1979)- دار ابن رشد - بيروت

4- الأغاني وما بعدها – لوركا (1981)- دار ابن رشد

5- ديوان الأمير وحكاية فاطمة – غونار أكيلف (1981)- ابن رشد

6- شجرة ليمون في القلب – فاسكو بوبا (1981)- ابن رشد

7- سماء صافية - أونغاريتي (1981)- ابن رشد

8- قصائد – هولان (1981)- ابن رشد

9- باب سيوه وقصائد أخرى - توم لامونت (2001)- ألِف – القاهرة

10- حليب مراق – سارة ماغواير – دار المدى (2003) - دمشق

{ترجمات أخرى}

1- تويجات الدم – (رواية) - نغوجي واثيونغو (1982)- دار ابن رشد

2- الحوالة - (رواية) – عثمان سمبين (1983)- مؤسسة الأبحاث العربية- بيروت

3- زمن القتلة - (مقالة عن رامبو) – هنري ميللر (1979)- المؤسسة العربية - بيروت

4- تصفية استعمار العقل - (دراسة) - نغوجي واثيونغو (1985)- مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت

5- المفسّرون – (رواية) – وولي سوينكا (1986)- مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت

6- الشمس الثالثة عشرة – (رواية)- دانياتشو ووركو (1985)- مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت

7- خرائط – (رواية)- نور الدين فراح (1987)- الهيئة المصرية العامة للكتاب

8- حياة متخيلة –(رواية)- ديفيد معلوف (1996)- دار المدى

9- ملعبة طفل – (رواية) – ديفيد معلوف (1998)- دار المدى

10- الصرخة الصامتة – (رواية) – كينزابورو اوي (1999)- دار المدى

11- متشرداً في باريس ولندن – (رواية)- جورج اورويل (1998)- دار المدى

12- باراباس _ (رواية) _ بار لاغركفيست – دار المدى

13- الأمير الصغير – أنطوان دو سانت إكســوبري – 2002- دار المدى

14- في بلادٍ حُـرّة – ف0س0 نايبول – 2002- دار المدى

{أعمال قصصية ونثرية ومسرحية}

1- نافذة في المنزل المغربي – قصص قصيرة (1974)- مطبعة الأديب - بغداد

2- سماء تحت راية فلسطينية- يوميات (1983)- ابن رشد - بيروت

3- يوميات المنفى الأخير (1984)- دار الهمداني - عدن

4- أفكار بصوت هادئ – مقالات (1987)- مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت

5- عندما في الأعالي – مسرحية (1989)- دار الآداب - بيروت

6- مثلث الدائرة – رواية (1994)- دار المدى

7- خطوات الكنغر – يوميات ومقالات (1997)- دار المدى

8- يوميات الأذى – (2005) – دمشق – دار نينوى

9- يوميات ما بعد الأذى – 2007 – دمشق – دار نينوى

{أعمال باللغة الإنجليزية}

Troubled Waters (poems) –Beirut 1995

Without an Alphabet، without a face- Minnesota 2002

{أعمال باللغة الفرنسية}

Loin du Premier Ciel - Anthologie

Sindbad – Actes sud (1999)

{أعمال باللغة الألمانية}

Fern vom ersten Himmel- Verlag Hans Shiller، Berlin 2004

{أعمال باللغة الإيطالية}

I giardini dell' oblio- De Angelis Editore، Roma 2004

{مختارات من شعر سعدي يوسف}

نظرة جانبية

"حين تنظرُ عبرَ الزجاجِ المواربِ نظرتَكَ الجانبيةَ

تبصر أن الغيومَ ارتدتْ ورقاً من غصونٍ زجاجيّــةٍ …

هل تمادى الرذاذُ على مَسكن النملِ؟

هل هجستْ سـلّـةُ الزهرِ سنجابَـها يترجّـحُ؟

هل كنتُ أهذي بأسماءِ مَن رحلتْ أمسِ

تاركةً مخدعي بارداً يتنفّسُ؟

كان القطارْ

مسرعاً بين قُصوى محطّــاتهِ والمطار …

انتبهتُ إلى أنني لم أكن في دمشقَ؛

ولا أنا في القاهرةْ

وانتبهتُ إلى أن أمطارَ آبٍ حقيقيّــةٌ

مثلَ ما أنني جالسٌ لِصقَ نافذةٍ …

أسمعُ الآنَ صوتَ الرذاذِ الذي صار في لحظةٍ مطراً

أسمعُ الطائراتِ …

الصواريخُ تنقضُّ

إني أُقِــيمُ الصّــلاة".

**

2564 سعدي يوسف 5قصيدة مريم تأتي / سعدي يوسف

- 1-

وللحظةٍ غمرتْكَ بالقبلاتِ

ثم نأت متوجةً بخوصٍ أبيضٍ .

في أي نهرٍ سوف تنغمس الأناملُ؟

أي ماءٍ سوف يبتلّ القميصُ بهِ؟

وأيةُ نخلةٍ ستكون مُتّكأً؟

وهل يَسَّاقطُ الرُطَبُ الجَنِيّ؟

أكان جذعُ النخلةِ المهتزُّ أقصى ما تحاول مريمُ؟

الأشجارُ موسيقى،

وهذي الشقة البيضاءُ في بيروت ما زالت أمام البحرِ

تخفق في البعيد مدينة مائية أخرى

وألمحُ وجه جَدّي: زرقةَ العينين، والكوفية الحمراءَ

ألمحُ في الحواجز وجهَ مريمَ،

في المحاور خطوةَ الملكِ المتوّجِ بالقذيفةِ

يدخل الرومانُ منتظمين كردوساً،

وقوميون يقتتلون في الدكانِ .

مريمُ في مدينتها،

وأنت تراقب الطرقَ البعيدة: هل تجيءُ اليومَ؟

كانت عند مزبلة الرصيفِ

وأوقدتْ نيرانَها،

ومضتْ متوجةً بأدخنةٍ،

تباركت المدينةْ .

لهفي عليكَ وأنتَ مشتعلُ

في الليلِ خلف الساترِ الرملِ

هل كان ينبض دونك الأملُ

أم كان يخفق منتأى الخيلِ؟

كلما جئتُ بيتاً تذكرتُ بيتا

كلما كنتُ حيّاً تناسيتُ ميْتا

غير أن الذي جئتُهُ

غير ان الذي كنتُهُ

لم يعدْ لي

لم يعدْ غيرَ ظِلّ

وليكنْ !

إن ظلاً يصيرْ

خيرُ ما يُرتجى في ظلام المسيرْ

- 2 -

لو كنتُ أعرفُ أين مريمُ

لا تَّبعتُ النجمَ نحو بلادها،

لكنّ مريمَ خلّفتني في المتاهة منذُ أن رحلتْ

وقالت: سوف تلقاني إذا أحببتَني .

في الرمل أبحثُ عن أناملها

وفي أطلال "عينِ الحلوةِ" السوداءِ عن عينينِ،

في باب "الوكالة" أسألُ الشبّانَ: هل مرّتْ؟

وبين صحيفةٍ وصحيفةٍ أتسقّطُ الأنباءَ

في المذياع، أمس، سمعتُ صوتاً: صوتَ مريمَ؟

أم تراها تسكن الطلقاتِ

بين الليلكيّ وبين حيّ السلّمِ المنخوبِ؟

بيروتُ التي استندتْ الى أحجارها

فزّتْ كطير البحرِ،

والعشاقُ يمتشقون رشاشاتهم

والبحرُ يهدأُ

ينصتُ الأطفالُ للصوتِ المباغتِ ...

في البعيد حرائق "،

والطائراتُ تدورُ في أفقٍ رصاصيٍّ

لكِ العشاقُ والطلقاتُ ... مريمُ

تدخلين، إذن؟

تعالي ...

هذا الفضاءُ نظلُّ نطرقهُ

حتى نرى في الوحشةِ العَلَما

حتى يدور الطيرُ نُطلِقُهُ

نحو النجومِ ليطلق القَسَما

في البراري فلسطينُ، في قبّراتِ المخابيءْ

في الرصاص الكثيفِ

وفي صيحةِ الراجمةْ

في الأغاني فلسطين، في الخصلة الفاحمة

في قميص الشهيدْ

في حديدٍ يردّ الحديدْ

في يدٍ

في زنادْ

في اقتراب البلادْ

- 3-

ها نحن، مريمُ، نرسمُ الطرقاتِ في الليلِ الملبّدِ

نرصدُ الطلقاتِ تتبعنا

ونقفز مثل عصفورين مذعورين بين قذيفةٍ وقذيفةٍ

ها نحن، مريمُ، نهبط الدرجاتِ نحو الملجأ الليلي،

نحصي الطائراتِ مغيرةً

ونقولُ: آمَنّا ...

ونمشي، خلسةً، للبحرِ

نجلس خلف أكياس الترابِ

ونرقب الأمواجَ تهدرُ، والشبابَ مقاتلينَ ...

ثيابُهم مخضّرة" كالصخر عند شواطيء المتوسطِ

انتظري قليلاً، كي نقول لهم: سلاماً

كي نباركَ بالدموع سلاحَهم

كي نمسحَ الخصلاتِ بالماءِ القليلِ

ونمضغَ الخبزَ المجفف صامتينَ ...

ومريم، المرآةُ والرؤيا،

بشارةُ أن نموتَ ممجّدينَ

وأن نعيشَ كما يعيش الرفقةُ البسطاءُ

مريمُ تسكنُ الميلادَ

تسكن في الدم العربيّ

نتبعها، وتتبعنا

ولكنا، هنا، في قسوةِ اللحظاتِ

ننسج من عباءتها هويتَنا

وندخلُ في القيامةْ

في الموقع الحجريّ رايتُنا

مغروزة في وقفةِ الزمنِ

سنظل نغرزها ونغرزها

حتى نفجّرَ نبعةَ الوطنِ

وليكنْ ما يكونْ

وليكنْ أن يجيء الجنونْ

وليكنْ ...

إننا القادمونْ

**

قصيدة: صلاة الوثني

إلى عبدالرحمن منيف

يا رَبَّ النهرِ، لكَ الحمدُ:

امْنَحْني نِعْمةَ أن أدخلَ في الماءِ …

لقد جفَّ دمي

ونشِفتُ؛ قميصي رملٌ، وشفاهي خشبٌ

حتى حُلمي صار طوافاً في مَذأبةٍ صفراءَ …

امنَحْني، ياربَّ النهرِ

كِساءَ النهرِ،

لكَ الشكرُ

لكَ الحمدُ

فمَنْ لي غيرُكَ، يا عارفَ سِرِّ الماءْ؟

…………...

……………

……………

يا ربَّ الطيرِ، لكَ الحمدُ:

امنَحْني أنْ أتَقرّى بين يديكَ جناحَ الطيرِ

امنحْني نِعمةَ أن أعرفَ نبضَ قوادمِهِ وخوافيهِ

وأنْ أدخلَ فيهِ …

لقد أُوثِقْتُ، سنينَ، إلى هذي الصخرةِ، يا ربَّ الطيرِ:

أدِبُّ دبيباً

وأرى كلَّ خلائقِكَ ارتفعتْ نحوَكَ تحملُها أجنحةٌ

إلآّيَ …

امنَحْني، يا ربَّ الطيرِ، جناحينِ !

لكَ الشّكر …

……………

……………

……………

يا ربَّ النخلِ، لكَ الحمدُ:

امنَحْني، يا ربَّ النخلِ، رضاكَ، وعفوَكَ:

إني أُبصِرُ حولي قاماتٍ تتقاصَرُ

أُبصرُ حولي أمْطاءً تَحدودِبُ،

أُبصرُ من كانوا يمشونَ على قدمينِ انقلبوا حيّاتٍ تسعى …

يا ربَّ النخلِ، رضاكَ وعفوَكَ

لا تتركْني في هذي المحنةِ

أرجوكَ !

امنَحْني، يا ربَّ النخلةِ

قامةَ نخلةْ …

**

قصيدة: أكثر من ذكرى، أقل من ذاكرة

يا أرضنا المشتراة المباعةَ، والمشتراةَ المباعةَ، ثانيةً

أنتِ، يا وجه مَن يتذكّر منّا تواريخَ ميلادهِ:

بعُدنا عن النخلِ ...

لكنّ الناس كثيرو النسيان، هذه الأيام، بل كاد النسيان يغدو وباءً، حتى صار المرء يُحاذر ويتّقي خشية أن تصيبه العدوى، وما أدراك ما العدوى!

أمّا أنا فلا أخشى على نفسي من نفسي، أعني أنني لا أستطيع أن أنسى تاريخ ميلادي ...

صحيحٌ أنني أجهلُ اليوم، والشهر أيضاً (وهو أمرٌ كان سائداً في قديم الزمان)، إلا أنني أعرف العام جيِّداً،وهو العامُ الرابع والثلاثون بعد تسعمائةٍ وألف . بالتأكيد أنا لم أسعَ كي يتطابق هذا العامُ مع تاريخ التأسيس العجيب للحزب الشيوعي العراقي، لكنّ

العراقي فتوّةً وشباباً .

قد يقول قائلٌ: ولماذا مضيتَ في هذه الحماقةِ حتى الآن؟ أليس العالَمُ مسالك ودروباً؟ ألم يخطر لك أن تختار سبيلاً تمضي فيه، ولو إلى حين؟

ولسوف أقول لهذا السيد القائل:

الشيوعية ليست حزباً . الشيوعية فلسفةٌ وموسيقى .

إنها إطلالةٌ جذريّةٌ على الكون، ومسعىً لهندسة جماله، من أجلِ فقراء الكون ومعذَّبيهِ . وأنا ماضٍ معها لأنني مقتنعٌ بفلسفتها، ومحبٌّ لموسيقاها الكونيةِ .

وما دام في العراق حزبٌ شيوعيٌّ فأنا معه.

الأمر بهذه البساطة . وأنا امرؤٌ بسيطٌ .

وإن كان للناس أبراجهم، كما تنشر المجلاتُ، فأنا لي بُرجي أيضاً:

البرج

كلّما ضقتُ بالسهل ِ، واجَهني عالياً ...

كان صخرُ الجبالِ القريبةِ ينمو عليه، وتنمو على الصخرِ أعشابُهُ ...

كان برجاً قديما.

منه أُبصرُ حتىالقلاعَ مُوطّأةً، والسماءَ التي يحتويها سديما

كان بُرجاً قديما

مائلاً لليسار قليلاً، ومنهدمَ البابِ

يدخله الصاعدون

ويخرج منه الذين يرون النجومَ القريبة.

ولقد يأخذُ السائحون

في حقائبهم بعضَ أحجارهِ ...

للمَعارضِ والكتبِ والمدنِ المستريبة.

وهو يسخر، في صمته، عالياً ...

مُشرِعاً بابَه المنهدم

مائلاً لليسار قليلا

ماثلاً في المعارضِ والكتب والمدن المستريبةِ هَمّاً مُقيما

كان بُرجاً قديما...

**

قصيدة: إذاً خُذْها عند البحر

قد جاءتكَ، متوَّجةً، فارعةً

متهلِّلةً

وعلى مَفرِقِها النجمُ القُطبيُّ …

مزركشةً

أغصاناً وغلائلَ، دوحةَ ميلادٍ، في لحظةِ ميلادٍ

ستدقُّ البابَ، لينفتحَ البابُ ؛

أتأخذُها في أدنى السُّلَّمِ

منتصبَينِ وملتصقَينِ

كصندوقِ كمانٍ …

أَمْ تُمهِلُها كي ترقى السُّلَّمَ ذا الدّرْجاتِ السَّبعِ؟

تفكِّرُ أنتَ:

المَمشى بين نهايةِ هذا السلَّمِ والغرفةِ

أطولُ من أن تتحمّلَهُ

من أن تصبرَ …

هل تأخذها في المَمشى؟

هل تهصرُها لِصقَ الحائطِ؟

لكنْ ستفكِّرُ أنتَ:

لماذا لا تتبعُها حتى الغرفةِ

حتى متنفَّسِ ضَوعِ أراكٍ، ومَجَسِّ حريرِ أرائكَ …؟

سوف ترى شمساً بينكما

شمساً ومجرّةَ أقمارٍ

ونَثيثاً من طَلٍّ سرّيٍّ …

ولسوفَ تكونانِ سعيدَينِ ومرتجفَينِ ؛

……………….........

……………………..

…………………….

تفكِّرُ أنتَ:

ولكنّ بهاءً كبهاءِ الزائرةِ العُليا أقدسُ من أن يؤخَذَ

بين أراكٍ وأرائكَ …

إنّ بهاءً يستغرقُ كوناً لا يتحمّلُ ضِيقَ مكانٍ ؛

………………........

……………………

……………………

حسناً يا ولدي !

الآنَ تعلَّمتَ من الغائبِ شيئاً

وعرفتَ …

إذاً، خُذْها عندَ البحر

***

سعد جاسم

 

 

 

يسري عبد الغنينتذكرها... رحمك الله دكتوره ثريا لهي، الخلوقة الراقية عاشقة الاندلس العالمة الجليلة الراحلة الاستاذه الدكنوره ثريا لهي ..

شرفتني الأكاديمية والباحثة التراثية والمبدعة المغربية الراحلة الأستاذة الدكتورة / ثريا لهي (أول سيدة تحصل على درجة الدكتوراة في التراث الأندلسي من جامعة الرباط المغربية)، شرفتني بأن أهدتني مجموعة من مؤلفاتها القيمة، منها: كتابها (أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي .. حياته وآثاره) ذلك العالم الأندلسي الشهيد (565 هـ ـ 634 هـ)، صاحب المشاركات الواسعة في العلوم والمعارف والذي هو بمثابة موسوعة علمية متحركة، يضاف إلى ذلك أنه قدوة حسنة للعديد من العلماء في علمه وعمله وسلوكه وأخلاقه، وهذا الكتاب أصدرته وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب بأمر من الملك / الحسن الثاني (رحمه الله)، كتاب يستحق القراءة والتأمل لأنه جهد متميز لباحثة جادة ..

كما أهدتني كتابها المحقق (جهد النصيح وحظ المنيح من مساجلة المعري في خطبة الفصيح) للعلامة / الكلاعي أيضًا، وفيه تكشف عن جانب من جوانب النشاط العلمي في الأندلس وهو اهتمام الأندلسيين بكتاب (الفصيح) لثعلب، والذي كان يدرس في الأندلس، ونشطت حوله حركة تأليف واسعة، عبر العصور التاريخية لهذه المنطقة من العالم الإسلامي، تمخضت عن ألوان من الإنتاجات الأدبية، اتخذت أشكالاً ثلاثة: الشرح والنظم والتأليف . وتعتبر رسالة (جهد النصيح) نموذجًا بلاغيًا عاليًا من نماذج النثر الفني الأندلسي في القرن الهجري السابع، وهو نثر يعتمد على السجع دون الإغراق فيه، وعلى المحسنات البديعية والبيانية دون الإغراب فيها، ويبتعد عن الأساليب التي أغرقت النثر في كثير من الصنعة، والتي عرفها هذا القرن على يد من المترسلين أمثال ابن الأبار وأبي المطرف بن عميرة، وابن الجنان وغيرهم .. هذا التحقيق يعد نموذجًا حقيقيًا يلتزم بأصول البحث العلمي وقواعد التحقيق التراثي، ومن الأهمية بمكان اطلاع أهل البحث عليه، والاستفادة منه ..

 وعن ابن حزم الأندلسي الفقيه المستنير بمنهجه ومعارفه أهدتني دراستها (أبو محمد علي ابن حزم الظاهري ـ جوانب ذاتية من شعره) دراسة رائعة تكشف لنا عن شاعرية هذا الرجل الذي كان بحق مثالاً للعلم والمعرفة والإبداع . وفي مجال تحقيق التراث المغربي الأندلسي، أهدتني دراستها وتحقيقها لرسالة (نكتة الأمثال ونفتة السحر الحلال ـ للكلاعي)، حيث تناولت سبب تسمية الرسالة، ومصادر المؤلف ومنهجه، رسالة جادة تكشف عن أمور عديدة في تاريخ التراث الأندلسي يجب أن نتنبه إليها، وكان جهد الباحثة في هذه الرسالة واضحًا جادًا متميزًا . وعن الحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر التسامح، أهدتني دراستها الرائعة المهمة في أيامنا هذه والتي عنوانها (التسامح الديني والعلاقات الإنسانية من خلال استقراء النصوص الأدبية: شعرية ونثرية)، وأعتقد أن هذه الدراسة جديدة في بابها، وجاءت في وقتها المناسب ..

 وأهدتني الدكتورة ثريا كتابين هما (من شرفة لارفييرا: ولادة وابن زيدون .. الحقيقة والسراب) و (من شرفة لارفييرا: ابن تاشفين وابن عباد ... الحقيقة والسراب / الجزء الثاني)، وهو مزج جاد ومتميز بين سيرتها الذاتية والتاريخ الأندلسي الأدبي بالذات، لكاتبة تمتلك أدواتها العلمية والأدبية، دافعت عن هذا التاريخ المجيد، وصححت العديد من المفاهيم والرؤى التي كان يرددها البعض دون وعي أو فهم عن الأدب الأندلسي وأعلامه ... وكذلك أهدتني روايتها (محطات في حياة امرأة ـ في جزئين) وهو مشروع روائي مهم، أضافت فيه الكثير إلى فن مزج السيرة الذاتية بالسرد الروائي ... تحية للباحثة والمبدعة الدكتورة / ثريا لهي، آملاً في الكتابة التفصيلية عن أعمالها الرائعة، وذلك بالطبع إذا كان في العمر بقية ...رحم الله الصديقة النبيلة الدكتوره ثريا لهي وأسكنها فسيح جناته.

 

بقلم:د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيصنع الله إبراهيم، روائي مصري وكاتب قصص قصيرة. عرف بتوجهه اليساري وانعكس هذا على كتاباته.  هو أحد أكبر الروائيين المصريين الذين ارتبطت أسماؤهم بالثقافة والسياسة وأحد أفضل أدباء الستينات وأكثرهم إثارة للجدل؛ تميزت كتاباته دائمًا بالسياسة وحياته الشخصية.

وُلِدَ صُنع الله إبراهيم في 1937 ودرس الحقوق قبل أن يتجه للأدب؛ كان كذلك يساريًا فاعتقل في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لمدة خمسة أعوام (1964-1959).

من أشهر وراياته “اللجنة” التي هجا فيها سياسة الانفتاح في عهد السادات ورواية “بيروت بيروت” التي تناول فيها الحرب الأهلية في لبنان ورواية “67” التي كتبها بعد نكسة 1967 ولكن لم تحظى بالنشر إلا بعدها ب45 عام! كذلك اعتبر اتحاد الكتاب العرب روايته “شرف” ثالث أفضل رواية عربية.

بدايات صُنع الله إبراهيم

وُلِدَ صُنع الله إبراهيم في العاصمة المصرية القاهرة عام 1937 لأب كثير التنقل وسماه اسمًا من أغرب الأسماء المصرية والذي سبب له الكثير من المشاكل، ويقول عن سبب تسميته بهذا الاسم: "عند ولادتي كان والدي يبلغ الستين من العمر وقام بصلاة استخارة ثمّ فتح المصحف فوضع أصابعه على كلمة (صُنع الله الذي أحسن كل ّشيءٍ خلقه)، ومن هنا تمت تسميتي بصُنع الله، ولكن هذا سبّب لي مشاكل كثيرة عندما كنتُ في المدرسة لأنه كان اسمًا غريبًا، وكان دائمًا مثار فكاهة للناس، أذكر أنَّ المدرس كان يقول لي (صُنع الله؟ ما كُلنا صُنع الله)".

كان لوالده وجده أثرًا كبيرًا على شخصيته حيث زوداه بالكتب والقصص للاطلاع فبدأت شخصيته الأدبية في التكون من الصغر. ولد صنع الله في زمن استقرار نسبي رغم وجود الاحتلال البريطاني وعايش في شبابه مرحلة النهضة التي أعقبت الاستعمار مع ارتفاع الآمال في الديموقراطية والعدالة الاجتماعية. بدأ أولًا في تلك الفترة دراسة الحقوق لكن سرعان ما انصرف عنها إلى الصحافة والسياسة.

انتمى صُنع الله للمنظمة الشيوعية اليسارية "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني" المعروفة اختصارًا باسم (حدتو) فاعتقل في شبابه عام 1959 ضمن الحملة التي شنها جمال عبد الناصر على الشيوعين والماركسيين وقضى في السجن خمسة أعوام حتى 1964 (من سن الثانية والعشرين حتى السابعة والعشرين)؛ رافق تلك الفترة تعذيب وأشغال شاقة وكانت أهم تجاربه في الحياة حيث تعلم المعنى الحقيقي للعدالة والتقدم وحب البلاد كما أنشأ العديد من الصداقات وبين كتاب مثل كمال القلش وعبد الحكيم قاسم وغيرهم.

رغم اعتقال عبد الناصر له فإنه لا يزال يكن له الحب والاحترام ويعترف بإيجابياته الكثيرة مثل تأسيسه للمساواة الاجتماعية، وكان كذلك كثير الانتقاد للتيار اليساري.

بعد الخروج من السجن اشتغل في الصحافة لدى وكالة الأنباء المصرية (مينا) عام 1967، وبعدها ذهب إلى برلين الشرقية وعمل لدى وكالة الأنباء الألمانية (أ.د.ن) التابعة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية من 1968 حتى 1971.

بعد ذلك اتجه إلى موسكو وقضى فيها ثلاث سنوات عمل خلالها على صناعة الأفلام لدراسته هناك علم التصوير السينمائي ليقرر عندها نيته على العمل في الكلمة المكتوبة. عاد إلى القاهرة عام 1974 في عهد الرئيس الراحل السادات وعمل لدى دار نشر قبل أن يتجه للكتابة الحرة كليًا عام 1975.

إنجازات صُنع الله إبراهيم

تتميز أعمال صُنع الله بحبكة السرد والحكي والتشابك فيحتاج القارئ للتركيز في رواياته حتى لا يتشتت أو تتوه الأحداث منه. كانت أول رواياته "تلك الرائحة" عام 1966 ووصف فيها تجربته في السجن وفترة ما بعد الخروج، لكن لم تنشر الرواية كاملة حيث تم مصادرتها لعشرين عام حتى عام 1986 وعندها تم نشرها كاملة لأول مرة بنصوصها الأصلية.

جاء بعد ذلك كتاب "إنسان السد العالي" عام 1967 الذي ولدت فكرته في المعتقل كلٍ مع كمال القلش ورؤوف مسعد الذين خرجوا من المعتقل تباعًا عام 1964 وذهبوا في مغامرة إلى أسوان بعد أن قسّموا العمل فيما بينهم، وأتبع هذا الكتاب بدراسة اسمها "حدود حرية التغيير" عام 1973.

ثاني أعماله الروائية كانت "نجمة أغسطس" عام 1974 وكانت واحدة من علامات التجديد في الرواية العربية والفن الروائي بصفة عامة وكان موضوعها الرئيسي هو المشروع الوطني السد العالي وكانت بمثابة شهادة على العصر والحدث. كانت الرواية الثالثة "اللجنة" التي صدرت عام 1981 وأثارت جدلًا واسعًا لانتقادها اللاذع لسياسة الانفتاح في عهد السادات.

توالت أعماله الأدبية بعد ذلك فأصدر رواية "يوم عادت المملكة القديمة" عام 1982 ونالت أفضل رواية لهذا العام من المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم، ثم في العام نفسه أصدر "اليرقات في دائرة مستمرة" وكذلك "عندما جلست العنكبوت تنتظر" وأيضًا "الدلفين يأتي عند الغروب" حيث كان وكان غزير الإنتاج حقًا. في عام 1983 أصدر رواية " الحياة والموت في بحر ملون" ثم رواية "بيروت بيروت" عام 1984 التي جسد فيه.

الحرب الأهلية في لبنان، وبعد ذلك رواية "ذات" عام 1992 التي تحولت حديثًا إلى مسلسل تلفزيوني في 2013 من بطولة نيللي كريم.

وفي 1997 صدر له رواية "شرف" التي تعتبر أحد أفضل أعماله وهي من أدب السجون ووضعت في المرتبة الثالثة في ترتيب أفضل 100 رواية عربية وتدور حول "أشرف" أو "شرف" الشاب المدلل الذي تنقلب حياته رأسًا على عقب بعد أن يقتل "خواجة" حاول هتك عرضه فيدخل السجن لينتقل إلى عالم جديد ويرى فضائح القانون وفساده وينغمس في وحل قصص واقعية من انتهاك للعدالة والتجارة في المخدرات؛ أثارت تلك الرواية جدلًا كبيرًا بعد أن صدرت في مارس 1997 بأن اتهمه الكاتب فتحي فضل بسرقة مذكراته التي نشرها عام 1993 في كتاب السيرة الذاتية "الزنزانة" بعد أن لاحظ فتحي فضل تشابهًا كبيرًا في الأحداث والمواقف وتطابقي حرفي بينهما وصل إلى 42 نصًا! كان رد فعل صُنع الله على هذا الاتهام واضحًا حيث اعترف بقراءته لكتاب الزنزانة فعلًا قبل كتابة روايته ولكن لم يقصد السرقة، كم أن الزنزانة كان سيرة ذاتية وليس رواية كما قال.

من أعماله الأخرى الجميلة رواية "وردة" الصادرة عام 2000 وتدور في فترة التسعينات في سلطنة عمان وجبهة التحرير هناك، وكذلك رواية "أمريكانلي" الصادرة عام 2003 واسمها المبتكر الذي يمكن أن تقرأه "أمري كان لي" أو نسبةً إلى أمريكا حيث تدور الرواية عن أستاذ تاريخ مصري في جامعة أمريكية، ويتناول الكاتب فيها تاريخ البلدين. صدر له بعد ذلك "التلصص" عام 2007 ثم "العمامة والقبعة" عام 2008 وكتاب " القانون الفرنسي" في العام نفسه.

وفي أعقاب نكسة 1967 كتب صُنع الله إبراهيم رواية "1967" ولم يقدر على نشرها وقتها لشدة جرأتها وتعتبر الجزء الثاني من رواية "تلك الرائحة"؛ تتألف الرواية من اثني عشر فصلًا كل فصل فيها يمثل شهرًا من شهور عام 1967 موضحًا أسباب ما جرى ومقدمات الهزيمة، كما أنه كذلك كتب سيناريو يجمع تلك الرائحة و1967 معًا لينتج فيلمًا من إخراج سمير نصري، وقرأنا أنه ينوي كذلك تحويل رواية اللجنة هي الأخرى لفيلم من بطولة أحمد الفيشاوي وإخراج رامي  النجار.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

2521 جواد عليالدكتور جواد علي –1907 -1987

ولد في بغداد الكاظمية عام 1907 ودرس فيها الابتدائية والثانوية ثم درس في كلية جامع الامام الاعظم ابو حنيفة في بغداد بعدها درس في دار المعلمين (كلية التربية لاحقا) ثم رشح لبعثة دراسية الى المانيا وحصل على شهادة الدكتوراة في اطروحته (الامام المهدي والسفراء الاربعة) ولكنه لم يترجمها الى العربي ويقال انها لازالت الى اليوم غير مترجمة، وهناك من يضع علامات استفهام كثيرة حول هذا الموضوع . ربما ان جواد لا يريد ان يدخل في مسألة الاختلاف في المذاهب حول عقيدة الامام المهدي او انه اكتشف اشياء خلال بحثه لا ترضي كل الاطراف . وعندما سألوه الى اي المذاهب ينتمي قال انه (ينتمي للعروبة والاسلام والحضارة الاسلامية بلا مذاهب) وهذا ما رقص له الاعلام المصري وعدوه من عظماء المؤرخين العرب ... على اية حال يبقى جواد علي علما وقامة علمية عراقية بغض النظر عن كونه من هذا المذهب او ذاك .

مكانته عند العرب

يعتبر جواد من قمم المؤرخين العرب المعاصرين ومرجعا علميا اساسيا للباحثين الغربيين والعرب وكان رجلا اثريا حيث التقى بعلماء الآثار وتعلم منهم منهجية البحث العلمي والترجمة والقراءة للنصوص القديمة . وهو اول باحث ومؤرخ لم يعتمد على الاقوال والروايات والكتابات القديمة بل اتبع طريقة جديدة وذلك من خلال الاثار والنقوش القديمة لتكون سندا علميا لابحاثه . وكان كثير السفر للبحث عن المصادر والآثار كما كان يرجع الى الموروث الشعبي الى اللهجات الشعبية العربية القديمة ويستفيد منها لان لها عمق تاريخي اصيل في مسالة النحو والصرف تمتد الى اللغات الاكدية والنبطية ..

وقد نبغ جواد علي في سن مبكر حيث كلفته وزارة المعارف عام 1927 بتأليف كتاب - التاريخ العام- وكان عمره يومذاك اقل من عشرين سنة، كما كلفه عبد الكريم قاسم بكتابة موضوعا عن فلسطين فانجزه وقدمه له، ثم طرح عليه عبد الكريم شغل سفير للعراق في الخارج فرفض ..

من اهم كتبه (تاريخ العرب قبل الاسلام) 1936، ويتكون من عشرة اجزاء ثم اظيف اليها بعد ذلك مجلدين واطلق عليها اسم (المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام) وقد اطلعت على هذه الموسوعة العلمية وكانت احد المصادر في كتابة رسالتي الدكتوراة في جامعة مدريد . ويعتبر هذا المنجز العلمي مفخرة العرب في التأليف ومرجعا علميا للجميع لا يضاهيه غيره من الكتب العربية والاجنبية على الاطلاق ويشهد على ذلك المراكز العلمية في الوطن العربي . وقد شاهدت برامج علمية مصرية تتحدث عن مكانته العلمية ومنهجيته في الكتابة والبحث وانه مرجعا فريدا لتاريخ العرب قبل وبعد الاسلام .

وكانت بحوث جواد شاملة لا يترك شاردة ولا واردة الا ودونها واحصاها وكان دقيق المعلومة، وربما تعلم تلك المنهجية من خلال دراسته في المانيا . وقد اشار في دراساته عن الاصنام عند العرب من ان العرب اتخذتها للعبادة لانها مقربة من الله (ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى)، وان هذا الموروث الاجتماعي لازال موجودا عندنا في مسألة الاولياء وطلب الشفاعة منهم عند الله .

عندما رجع من المانيا الى العراق صادف قيام ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 فانخرط في صفوفها ثم اعتقل وسجن في الفاو –البصرة – ثم خرج وليكون امين سر التاليف والترجمة في وزارة المعارف حيث كان نواة لقيام المجمع العلمي العراقي عام 1947، ثم عمل استاذا في كلية التربية في جامعة بغداد في الخمسينات، كما كان عضوا في الجمعية الاثرية الالمانية، وممثل العراق في عدة مؤتمرات دولية وحصل على عدة جوائز، كما عمل ايضا استاذا في جامعة هارفارد الامريكية . وفي عام 1972 احيل على التقاعد ... وكان جواد يخشى من الدعوات الى اعادة كتابة التاريخ من جديد في اطر ومفاهيم الحاضر، ويفضل ان يكتب التاريخ وفق عصره . ولا يجب اعادته حسب ميول وعواطف وسياسة هذا العصر كما يحدث للرواية الآن . وربما كان هذا الرأي متأثرا من خلال دراسته في كلية الامام الاعظم ابو حنيفة واتباع السلف الصالح واغلاق باب الاجتهاد ؟

و لكن اليوم نرى ان كتب ومؤلفات جواد علي قد اختفت من المكتبات العراقية والعربية ولا نعرف السبب والدوافع من وراء ذلك ؟؟ ربما يريدون ازاحة اثار ومنجزات هذا العلم العلمي الفريد واستبداله ببحوث فارغة متخلفة سطحية او مستمده مفاهيمها من الغرب، ؟؟ وهذا يشير الى ان هناك جهات تعمل على اغتيال المنجزات العلمية والمعارف الانسانية مثلما تغتالهم جسديا .. وقد وجدنا في التاريخ كثير من الكتب العلمية والفنية والتاريخية العربية قد اختفت تماما . ولم يبقى منها سواء الذكر .

سامي سعيد الاحمد – 1930 -2006

2523 سامي سعيد الاحمدكان الدكتور سامي ثروة ثقافية وتاريخية فريدة ووصفه احد الكتاب بانه جبل التاريخ الاشم . ولد عام 1930 في الحلة، وحصل على البكلوريوس من جامعة بغداد كلية الاداب قسم التاريخ، ثم سافر الى امريكا وحصل على شهادة الدكتوراة من جامعة ميتشيغن عام 1962، بعدها عاد الى العراق وعين استاذا في جامعة بغداد قسم التاريخ . له مؤلفات كثيرة يصل عددها حوالي 30 كتابا مطبوعا بالعربية والانكليزية في مجال التاريخ والآثار .. يذكر انه في صباه صحب والده الى زيارة متحف بغداد القديم حيث شاهد الآثار من تماثيل وثيران مجنحة والواح طينية وغيرها، وقد اثارت في نفسه هذا المشاهد تسائلات كثيرة عن مصير تلك الامم السحيقة مما زاده رغبة وولعا في القراءة والبحث عنها . ويذكر ان استاذه عبد الجليل جواد عندما كان في الاعدادية شجعه على دراسة التاريخ وان يسلك طريقا ومنهجية علمية في ذلك وليس قال فلان عن فلان، ومن ذلك الحين زرعت في ذهنه نبتت دراسة التاريخ والآثار . وبعد تخرجه من جامعة بغداد 1953 ذهب يدرس مادة التاريخ في النجف الاشرف والكوفة والهندية، كما اخذ ينشر مقالاته العلمية في جريدة صوت الفرات التي يشرف عليها صديقه علي القزويني . ثم سافر الى امريكا وحصل على شهادة الماجستير من جامعة شيكاغو عام 1957 والدكتوراة من جامعة ميشيغن عام 1952، ثم عين استاذا لمادة التاريخ في جامعة دنفر الامريكية من سنة 1963 الى 1967 .. بعدها عاد الى العراق وعين استاذا في جامعة بغداد لتدريس مادة التاريخ والاثار .

يذكر ان له علاقة صداقة مع المورخ الانكليزي المعروف اورنولد توينبي -1889-1975- حيث كانا يلتقيان دائما في المؤتمرات العلمية العالمية في اوربا . كما كان سامي يحث في بحوثه وتدريسه على دراسة التاريخ دراسة علمية وان يعطي لكل امه حقها التاريخي في العطاء والانجازات فما لليونان لليونانيين وما للرومان للرومانيين وما للمسلمين للمسلمين وهكذا، ولا يمكن اخذ انجازات الاخرين ونسبها لغيرهم، كما يفعل اليهود الذين ياخذون علوم ومعارف الاخرين وينسبونها لرجالهم، وكان يرى ان سبب سقوط الحضارات القديمة هو عامل اخلاقي وهو ما يوكد عليه عالم الاجتماع الانكليزي توينبي ومن قبله قالها ابن خلدون . وكان عندما يريد ان يكتب او يؤلف كتابا كان يسافر الى المواقع الاثرية والاماكن الجغرافية فعندا اراد ان يكتب عن الايزيدية ذهب الى مدنهم ومكث معهم عدة ايام .. وكان يدرس التاريخ ويضع امامه منهجية وحقول دراسية (فهرس) فهو اولا ينظر اليه كقصص وحكم ومتعة، ثانيا مرحلة العبرة من التاريخ، ثالثا كيفة دراسة التاريخ ضمن منهجية وكيف ايصالها الى الطالب او المتلقي او القارئ، رابعا دراسة التاريخ من جميع الجوانب، خامسا تفسير ذلك التاريخ ضمن رؤية جديدة معاصرة واعطاء الرأي المعاصر اي الاجتهاد .. وهو ربما يخالف الاستاذ الكبير جواد علي بانه يجب عدم اعادة قرأة التاريخ وفق الروئيا المعاصرة .. ترك سامي سعيد الاحمد حوالي 30 كتابا مطبوعا ومئات المقالات العلمية منه : الاسلام نظريا وعمليا 1965، وجنوب العراق في زمن الملك اشور بانيبال 1968، واليزيدية احوالهم معتقدلتهم –جزءان -1971، والمدخل الى تاريخ العالم القديم 1985، وملحمة كلكامش 1984، وغيرها .

احمد قاسم الجمعة –1938

2522 احمد قاسم الجمعةالدكتور الجمعة هو من مواليد الموصل عام 1938 حصل على شهادة البكلوريوس من جامعة بغداد قسم التاريخ عام 1962، ثم حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة ادنبر في بريطانيا في علم الآثار عام 1970،، عين مدرسا في كلية الاداب في الموصل، وفي عام 1975 حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة القاهرة في الآثار الاسلامية .. شغل عدة مناصب ادارية وتدريسية منها مدير ديوان رئلسة الجامعة في الموصل 1976- 1980 ومدير مركز البحوث الاثرية والحضارية 1981-1988 وغيرها . له مؤلفات وبحوث كثيرة في مجال التاريخ والآثار .. وصل عددها عشرة كتب ونشر 62 بحثا علميا في داخل وخارج القطر بالاضافة الى حضوره المؤتمرات المحلية والعربية، كما اشرف على عدة رسائل ماجستير واطروحات للدكتوراة وحضر كاستاذ زائر في جامعات لندن وكمبردج واكسفورد وغيرها .

و يعد الاستاذ الجمعة رابع عالم اثري في مجالات الفنون التشكيلية والتطبيقات الهندسية والآثار والتراث ’يأتي بعد العالم البريطاني كريسوول والالماني هرتزفيل والمصري فريد شفعي . كما حصل على عدة جوائز تقدير وشكر من جهات عراقية وعربية .

لقد شاهدت فيديو للاستاذ وهو يتحدث عن الاثار في الموصل وما اصابها من خراب ودمار . ويقول ان هناك جهل في معرفة قيمة الآثار وهناك تعمد في اهمالها او مسحها فهي تمثل الهوية المادية الاصيلة للبلد وفي تهديمها ومسحها خطرا كبيرا على تاريخ العراق، ويقول ان الموصل تعتبر غابة للاثار فاينما تحفر تجد آثارا، وان اول قرية زراعية ظهرت في شمال العراق كانت في منطقة الموصل القديمة تحت – اقليعات –. تعود الى 6 الاف سنة قبل الميلاد .. كما يذكر ان هناك حوالي 1700 موقعا اثريا في الموصل وان من اهم مراكزها هي المدن او العواصم الثلاث نينوى(اشور) ونمرود وخورسباد . . وللاستاذ عدد من المؤلفات منها : الفنون الزخرفية العربية والاسلامية 1982، واصالة الانظمة المدنية العربية 1990، واصالة المنشأت المعمارية التخطيطية عند العرب 1990 . و دور البصرة في التراث العلمي العربي، وغيرها .

 

د. كاظم شمهود

 

 

زهير الخويلدي"كنت ميالًا في شبابي لدراسة الفلسفة. لكن شاءت الظروف فيما بعد أن اهتممت كثيرًا بالعلوم الإنسانية، ومن العلوم الإنسانية اتجهت إلى التاريخ، وبعد فترة طويلة من دراساتي وأبحاثي التاريخية رجع لي اهتمامي بالفلسفة، لكن بصفة خاصة فأنا مغرم بقراءة الكتابات الفلسفية".

خسرت الجامعة التونسية والساحة الأكاديمية والمشهد الثقافي العربي أحد اهم ركائزه العلمية في العقود الأخيرة وهو الدكتور هشام جعيط الذي ولد بتونس العاصمة يوم 6 ديسمبر 1935 رحل عن الدنيا يوم غرة جوان 2021 بعد رحلة طويلة من البحث المعرفي الدقيق والحياة الفكرية الصاخبة والجدل الإعلامي الثري.

كان كلامه الواثق يغطي قاعات كلية 9 أفريل وكان قلمه موقعا لمقالاته في غالبية المجلات العربية ولم يكن درس الأستاذ جعيط يهم طلبة التاريخ فحسب بل كل الطلبة من كل اختصاص فهو يستعمل العلوم الانسانية والفلسفة والدين والحضارة. لقد تجسدت في الدكتور هشام جعيط القيم الجامعية وخاصة الاستقامة الفكرية والنزاهة العلمية والالتزام الوجودي. ترجمة كتاب الفقيد هشام جعيط الفتنة الكبرى من الفرنسية إلى العربية هو منعرج حاسم في تملك الملة الإسلامية للوعي التاريخي. يمكن اعتبار المدونة التي تركها الراحل هشام جعيط اهم عمل فكري ظهر في الحاضرة التونسية بعد مقدمة العلامة عبد الرحمان ابن خلدون. كانت كل مقابلات الفقيد جعيط برامج عمل وكل دروسه تجارب بحثية وكل محاضراته مشاريع كتب. لقد تحدد مصير الامة مابعد الدولة الوطنية وليس بما قبلها يوم كتب الفقيد جعيط الشخصية العربية الإسلامي. ربما كان يهدف من انثربولوجيا المقدس الإسلامي التي طورها تخليص الدين من الكهنوت والنبوة من الاساطير والنص من الموروثات. لقد عاد بنا إلى ام القرى مكة لحظة تجلي الحقيقة النبوية واستذكر بدقة مدينة الكوفة زمن حكم العباسيين. تمكنت الأكاديمية التونسية في فكر الفقيد جعيط من منافسة المشاريع التحديثية العربية التي تقدم بها الجابري واركون وتيزيني وحنفي ومحمود طه والعروة ومروة والرصافي وعبد الرحمان بدوي. في مدونة جعيط تذوب الفوارق بين الإسلام والغرب وبين الشرق والحداثة ويمتلك العرب العبارة العلمية. كان لمنتدى الجاحظ منذ انبعاثه شرف تقديم الراحل للجمهور وخاصة تحفته الثلاثية عن كتاب تاريخية الدعوة المحمدية والسيرة النبوية. . لقد تمكن الدكتور هشام جعيط من دراسة الموروث الديني بطريقة تاريخية علمية. ومن المزج بين مدرسة العراق في التاريخ التي يمثلها الدوري والوردي وجواد علي ومدرسة الاستشراق الغربي.

باختصار كان نبراسا منيرا نهتدي به ونموذجا جامعيا يرمز الي الحكمة والتعقل واسوة حسنة ومثقفا عضويا له مواقف سياسية مشرفة من قضايا الوطن والأمة. حضرت للدكتور هشام جعيط رحمه الله كثيرا وقرات له غزيرا وكتبت عنه نصا يتيما: يقول الفقيد هشام جعيط "العرب عرفوا تذبذبا وعليهم الآن الاسترجاع، ويضيف: العلم أوربيا وهاجر الى أمريكا. في الواقع منذ أن أصدر المفكر العربي هشام جعيط كتابه "تاريخية الدعوة المحمدية" أثار جدلا كبيرا وعقدت العديد من اللقاءات لمناقشة الأفكار الواردة في هذا المصنف "العلمي الجاد" وطرحت عدة استفهامات لمعرفة النتائج التي توصل إليها وقد نظمت نقابة الصحافيين التونسيين- المولود الفتي- في مقرها وكأول نشاط تقوم به يوم الجمعة 22 فيفري 2008 لقاء العادة معه أين تحدث فيها عن أشياء كثيرة مهمة ولم يقتصر كلامه على كتابة حياة الرسول محمد صلعم كتابة علمية بل تعدى ذلك الى الاهتمام بجدل الحضارات وواقع العلم والثقافة بين العرب والغرب وبحث في علاقة الدين والفلسفة والعلم ودعا الى ضرورة التمييز بين هذه القطاعات الثلاثة وتجنب الوقوع في الخلط وسوء الفهم لأن ذلك قد يؤدي الى عواقب وخيمة على الصعيد الجماعي والحضاري. من جهة أولى أكد جعيط أن الفلاسفة المسلمين بينوا أن حقيقة الفلسفة أرقى من حقيقة الدين لأن الفلسفة مجعولة للنخبة أما الدين فهو فلسفة شعبية تنظم سلوك الناس وتوجههم في حياتهم العلمية وينصح بألا تزاحم الفلسفة الدين في الفاعلية الاجتماعية وألا يزاحم الدين الفلسفة في الفاعلية المعرفية. من جهة ثانية يشير مؤلف "الفتنة الكبرى" الى وجود علاقة بين العلم والدين،إذ هناك علوم دينية ويمكن إخضاع الديني الى مقاربات علمية مختلفة من بينها علم التاريخ. غير أن علم التاريخ شيء والدين شيء آخر لأن الدين يسيطر على المجتمع يمارس الاندماج الاجتماعي وله سلطة التاريخية بينما العامل التاريخي محدود والمؤرخ هو شاء أم أبى مرآة عصره وابن زمانه وتقتصر مهمته على تسجيل الأحداث التي جدت في عصره بطريقة منهجية منظمة. من جهة ثالثة يطبق المؤرخ التونسي عدته المنهجية على حضارتنا ويستنتج أننا في العالم الإسلامي عشنا تصادما مع أوروبا منذ 1850 وأن هذا التصادم سرى مفعوله في كل شيء ينظم حياتنا وأحدث تغييرات جوهرية في رؤيتنا للعالم وفي شكل الحكم وأدى الى تغلغل الثقافة الأوروبية في مجتمعاتنا وفي تأثر النخب بهذه الثقافة. ومن بين مظاهر التغلغل ظهرت نزعة ليبرالية تنقد الدين شبيهة بالإصلاح البروتستانتي جوبهت بردة فعل عنيفة من قبل التيار المحافظ. لقد أكد صاحب كتاب "الشخصية العربية الإسلامية" أن العرب عرفوا منذ هذا التصادم مع الغرب تذبذبا وطرحت مشاكل وتحديات وكانت منزلة الدين في الحياة هو أحد هذه المشاكل المستوردة من الغرب. وقد طرحت الأسئلة التالية: هل الدين الإسلامي وقع تحريفه أم هو صحيح؟ هل هو دين نصوص ومعجزات غيبية أم هو دين عقلاني وفطرة طبيعية؟ هل هو ثيوقراطي أم علماني؟ وهل دين مجرد ونخبوي أم يمكن تطبيقه لدى جميع الناس؟. أمام هذه التحديات حصل رد فعل عنيف من طرف فئة أصولية متشددة متشبثة بتراث الآباء والأجداد طرحت مشكلة الدين بشكل انفعالي سيء والآن يجب طرحها بكل موضوعية ومنهجية ويرى جعيط أن كتابه "تاريخية الدعوة المحمدية" يتنزل في هذا السياق الأكاديمي الجديد التي ينبغي أن يتوفر خاصة وأنه لم يصدر الى حد الآن كتاب علمي حول حياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام سوى محاولات خطابية قام بها هيكل ومعروف الرصافي. ان الدين الإسلامي حسب مفكرنا قد أصبح يثقل كاهل المسلمين دون أن يصدر عنهم أي كتاب علمي يساعدهم على تجاوز هذه التشنجات والتذبذبات وليظهر للعالم أن الحضارة العربية قادرة على أن تساؤل نفسها علميا وتنافس كتابات المستشرقين التي تجد فيها الجيد والرديء والمنصف والمتحيز. وهذا الضعف يفسره جعيط بأنه انتكاسة عالمية للثقافة إذ أن الهم العلمي ضعف في بقاع كثيرة من العالم والاهتمام الإيديولوجي هو السائد وهو يغطي دار الإسلام ويمنعها من فهم ذاتها. وقد استخلص من رؤيته التاريخية أن العلم هاجر أوروبا ولم يعد الا أمريكيا لأن الولايات المتحدة الأمريكية عرفت كيف تزاوج بين ثقافة الميديا والعلم وسط الحضارة. العرب حاولوا استئناف الحضارة وإمساك زمام المبادرة ولكن مدة الانحطاط كانت كبيرة واستمرت أربع قرون من 1500 الى1900 حيث غاب الهم المعرفي حتى من جهة علوم الشريعة التي كان لها تأثير في المجتمع وغطست في مرحلة من الاجترار والتقليد وهو أمر غريب وغير مفهوم. الاسترجاع لم يكن ممكنا حسب جعيط الا في فترة متأخرة وقد انصب في البداية على استرجاع ما يمنك القيام به وهو عالم المعرفة ولذلك انطلقت موجة من الإحياء شملت اللغة والعلوم وأنتجت حركات سياسية وطنية وأفرزت فيما بعد نهضة شاملة في بداية القرن العشرين ولكن ذلك لم يؤدي الى استرجاع الهم المعرفي في ميدان العلوم ولا نقول العلوم الطبيعية والصحيحة لأن ذلك صعب المنال ولا يحصل الآن سوى في أمريكا ولكن العلوم الانسانية التي يمكن اللحاق بالأمم المتقدمة فيها والمشاركة في إنتاجها وهذه العلوم مثل تاريخ الأفكار والفلسفة. كما يشير هشام جعيط الى أن العرب مقصرين جدا في عملية الاسترجاع وهذا ما يسر ما نحن عليه من اضطراب في الواقع لأن الوعي الحضاري تابع لمستوى الوعي ولو وصل العرب الى درجة الوعي الثاقب فان فعلهم سيكون نابعا عن موقف سديد. ويفسر جعيط سبب هذا الاضطراب بغياب قادة من المفكرين الأحرار الذين يستنبتون أفكارهم من الواقع الاجتماعي الذين يعيشون فيه. ويدعو مؤرخ مدينة الكوفة الى تجنب الاضطرابات السياسية وقمع الكلمة الحرة وضراوة كل طرف إزاء طرف آخر ويطالب بضرورة الرفع من مستوى الفكر والوعي وعدم الانزلاق وراء السهولة والاختزال والتبسيط لأن ذلك يؤدي الى التخلف والتقليد والكسل.صفوة القول أن هشام جعيط يطالب العرب بإعادة البناء والاسترجاع الحضاري ويعترف بأن كل نقطة بداية هي صعبة ولكنه يشير الى أن كل الأعمال العظيمة بما في ذلك الدعوة المحمدية شهدت في بداياتها صعوبات جمة وينصح بأن يعش المفكر مشاكل عصره ويدقق أفكاره ليس بالانعزال بل بالحضور مع الغير والحوار. لكن ما يثير إشكال بالنسبة الينا هو أليس من اللازم علينا أن نشرع في البحث عن شروط إمكان إنتاج العلم الصحيح عندما طالما أن الثروة المالية العربية في الحقبة النفطية قائمة الذات؟ واذا كنا نحن العرب عاجزين لأسباب هيكلية غير موضوعية عن إنتاج العلم الصحيح الطبيعي أو الصوري أليس من الممكن أن ننتج العلم الانساني طالما أنه لا يتطلب مخابر وتمويلات ضخمة بل الإيمان بالعقول وكفاءات وتوفير مناخ من حرية التعبير يساعدهم على ذلك؟ فمتى نرى علوم إنسانية تنبثق من مسطح المحايثة الحضاري العربي الإسلامي وتطمح نحو الكونية؟ ألا تساهم هذه العلوم الانسانية المنشودة في فهم ذاتنا فهما أصيلا وفي تحقيق المصالحة مع العلم والآخر الانساني؟ فالي أي مدى يساعد هذا العمل العلمي الذي ابتكره جعيط عن الدعوة النبوية على إزالة سوء التفاهم بين العرب والعرب؟ كيف يتحول هذا العمل النقدي الى توضيح للصورة الحقيقية للرسول محمد صلعم وتفكيك كل الأحكام المسبقة والأقاويل المغشوشة التي نسجها الخيال والذاكرة والتاريخ الغربي حوله وإبراز الواقع الحقيقي للتجربة المحمدية دون انفعال دفاعي ودون تضخيم أبولوجي؟". الرحمة والسلام لروح المؤرخ الأكاديمي هشام جعيط الذي كان يعد بحق فخر الجامعة التونسية وباعث الثقافة العربية من سباتها القروسطي. فهل تنتفض الشبيبة العربية البية على الصعيد الفكري وتواصل المسيرة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

مجدي ابراهيمأحياناً كثيرة يستهوينا الشغف بجلال الشخصيات الكبيرة ذات الأثر المباشر على تقدّم الفكر البشري، فلا نملك إزاءها إلاّ الإعجاب والإكبار، وإلا الأسف الحاضر على غياب القدوة من مفعول النشاط الإنساني العالي. بمُجرد قراءة ترجمتها تفتح أمام الأذهان عوالم أوصدها الواقع المُتخلِّف بكل ما فيه من سقوط وتردي.

ليس أقسى على المرء من أن يرى تردي القيم في واقعنا المعاصر وبخاصّة في مجتمعاتنا العربية من غير أن يأبه أحد بالمشاركة في مسؤولية الضياع الذي نراه أمام أعيننا صباح مساء. أول ما يُلاحظ هو غيبة الإخلاص في التعلم، وتحويل التوجُّه للعلم إلى تحصيل النفع المادي واعتباره وسيلة ارتزاق ليس أكثر. لكن هذه الشخصيات الكبيرة إنْ في القديم وإنْ في الحديث يبرز فيها إعلاء عنصر الوجود الروحي على أي عنصر سواه؛ وفي المجال الذي يخدمه وينتمي إليه صاحبه.

كثيرون فينا هم أولئك الذين ينظرون إلى أمثال هذه الدعوات وإلى أصحابها نظرة نكاية وازدراء، يعدُّونها منفصلة عن حاضراتنا الواقعية، ويعتبرون أصحابها منعزلين عن عصب الحياة؛ إذْ يعيشون بأعمالهم في وادٍ غير وادي الحياة الصاخبة بغريب الأقوال والأفعال، حتى إذا ما برزت أمامهم قيمة عليا لاقوها باستخفاف جانح نحو البهتان. هنالك تصبح كفة التخلف أرجح في ميزان الوجود؛ لتكون ظلمة الغسق في القلوب والعقول أظهر من طاقة النور.

إسقاط القيمة من العمل تعني إسقاط الإنسان، بمقدار ما يسقط فيه من جوانب وجوده الروحي، العاقل المفكر، وليس أهم في الحياة من ارتقاء هذا الجانب فيه، وكل الجوانب الأخرى لا حقة عليه وليست سابقة، من شأنها أن تشكل تقدّمه وقرابته من الكمال الإنساني إذا أوفى حق الوجود الروحي فيه: خدمته وترقيته بصنوف الترقي وتنوع الخبرات عليه.

من هذ الشخصيات المؤثرة كارل ريموند بوبر Karl Raimund Popper" (1902-1994)، فيما نشير إلى جانب من حياته كما وردت بها ترجمته، ذلك الفيلسوف النمساوي المولد، الإنجليزي الوفاة، المولود في (28يوليو 1902م في فيينا - المتوفى في 17سبتمبر 1994في لندن)؛ ولئن كنا نتذكر هذه الشخصية اليوم فهى بلا شك إشارة مقصودة لدينا؛ لأنه من الأهمية بمكان الاطلاع على حياة العباقرة من الفلاسفة الذين لهم تأثير على العقول والعصور، ولأن حياة الفيلسوف جزءٌ لا يتجزأ من فلسفته، كما أنها حياة جديرة بكشف القدوة الحسنة للشباب حين ينظر إلى عظمة تلك الشخصيات العلمية المؤثرة، فيحذو حذوها وينهج طريقها. وفي حياة هذا الفيلسوف نموذج يحتذى من الكفاح والصبر ومعاناة المعرفة في سبيل المعرفة وتقدُّمها، والإخلاص في طلبها.

كان شاعرنا العربي يقول:

والنشء إنْ أهْمَلتُه         طفلاً تعثَّر في الكبر

"وكارل بوبر" لاقى عناية بالغة من الاهتمام البالغ من والديه حتى وصل إلى ذروة المجد العلمي. وكان لآخر يوم في حياته على اعتقاد راسخ بأن تربية النشء والتعليم في كل صورها أقدس مهمة عرفتها البشرية.

لم يكن هذا مجرد كلام؛ بل كان فعلاً تجسّد في حياته العلمية والمعرفيّة. وعلى الرغم من أن أحد مبادئ الإسلام العليا، الاهتمام بالعلم والتعليم والتعلم إلا أننا في ثقافتنا الإسلامية لا نكاد نجد الآن صورة تطبيقية حاضرة لهذه المبادئ نتمثلها واقعاً ونربي شبابنا عليها، فقد سقطت القيم، وبالغنا في اعتقاد التفاهات والسير على دربها، ولم نعد نجد تقديراً للعلماء، ولا للقيم التي ينادوا بها في مجتمعاتهم.

في كتابه "قراءة المستقبل" يتحفنا المرحوم الدكتور مصطفى محمود، بحقائق واقعة في عالمنا المعاصر الذي تعيشه واقعاً مجتمعاتنا العربية، فلا يخلو مجتمع من الآفات التي يذكرها هنا بالتقصي والمُراقبة؛ إذْ سقطت فيه القيم المرجوّة؛ فنحن بحق نعيش زمن القيم الساقطة، نعيش زمن الهدم والتقويض لكل عناصر الإنسانية فينا: "

عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان، بنوا سور الصين العظيم، واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدِّة علوه، ولكن خلال المئة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات. وفى كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية فى حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه؛ بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب. لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس.

نسوا بناء الإنسان؛ فبناء الإنسان يأتي قبل بناء كل شيء، وهذا ما يحتاجه شبابنا اليوم، وفي كل يوم؛ بناء الذات الإنسانية العارفة القادرة.

يقول أحد المستشرقين:

إذا أردت أن تهدم حضارة أمة، فهناك وسائل ثلاث:

(1) هدم الأسرة.

(2) هدم التعليم.

(3) إسقاط القدوات والمرجعيات.

لكي تهدم اﻷسرة: عليك بتغييب دور (اﻷم) أجعلها تخجل من وصفها بـ "ربّة بيت". ولكي تهدم التعليم: عليك (بالمعلم) لا تجعل له أهمية في المجتمع، قلل من مكانته حتى يحتقره طلابه. ولكي تسقط القدوات: عليك (بالعلماء) اطعن فيهم، صغّر من شأنهم، شكك في قدراتهم ورسالاتهم حتى لا يُسمع لهم ولا يقتدى بهم أحد؛ فإذا اختفت (اﻷم الواعية)، واختفى (المعلم المخلص)، وسقطت (القدوة والمرجعية)؛ فمن يربي النشء على القيم؟(!. بالطبع، لا أحد! وبالتالي تنهار المجتمعات وتنهار الحضارة من أساسها.

نحن بحاجة ماسّة إلى إعادة النظر في سير العظماء والعلماء ودعاة القيم العليا؛ ليهتدي من خلالها شبابنا كما أهتدى شيوخنا فكانت قيم؛ وليعرفوا أن الحياة قيمة والتخلي عن الكفاح والمعاناة فيها، نقص ومعابة، وأن قيمة المرء تكمن فيما يقدّمه في حياته بين مولده ووفاته من أعمال، وأن الحياة لا قيمة لها بغير العلم وتحصيله وطلبه والمعاناة فيه، وإخلاص النيّة والجهد في طريقه، وانتظار الجزاء من الخالق لا من المخلوقين.

من أجل ذلك؛ نظرنا في حياة "كارل بوبر"؛ لأنها نموذج للعالم الفذ المتفرد الذي يخدم وطنه بالعلم والمعرفة، ويؤمن بتلك القيمة، وسلاحه الإخلاص، ويبذل في تحقيقها أقصى جهد ممكن، ولأنها جديرة لمن يريد بالاقتداء والاهتداء:

ــ فيلسوف (نمساوي- إنجليزي)، متخصص في فلسفة العلوم. عمل مدرساً في كلية لندن للاقتصاد. ويعتبر "كارل پوپر" أحد أهم وأغزر المؤلفين في فلسفة العلم في القرن العشرين، كما كتب بشكل مُوسّع عن الفلسفة الاجتماعية والسياسية. والداه يهوديان بالأصل لكنهما تحولا للديانة المسيحية، إلا أن "بوبر" يصف نفسه (بالاأدري)، أي ليس لديه عقيدة دينية، ولا ينتمي إلى دين معين، غير أنه إنسان.

درس الرياضيات، والتاريخ، وعلم النفس، والفيزياء، والموسيقى، والفلسفة وعلوم التربية. وفي عام 1928م حصل على درجة الدكتوراه في مجال مناهج علم النفس الإدراكي.

تزوج في عام 1930م، وبدأ كتابة أول أعماله، الذي نُشر في صورة مختصرة بعنوان "منطق البحث" 1934م. وفي طبعة كاملة عام 1979م، بعنوان "المشكلتان الرئيسيتان في النظرية المعرفيّة".

وفي عام 1937م، هاجر إلى نيوزيلندا، وقام بالتدريس في عدة جامعات هناك، وألف كتاب "المجتمع المفتوح وأعدائه" 1945م، اكتسب من خلاله شهرة عالمية ككاتب سياسي. أهم سمة تميز أعماله الفلسفية كما يقول النقاد هي: البحث عن معيار صادق للعقلانية العلميّة.

وفيما بين عامي 1949 ـ 1969م عمل أستاذاً للمنطق والمناهج العلمية بجامعة لندن، وحصل في عام 1965م على لقب "سير".

ــ ولد "كارل بوبر"، كما سبقت الإشارة، لأسرة نمساوية، والده حاصل على درجة الدكتوراه، وكذا أخواه، وكان أستاذاً للقانون في جامعة فينا ومحامياً. كان الأب مثقفاً ثقافة رصينة، حتى إننا لا نجد - كما يخبر كارل بوبر نفسه - حجرة واحدة في منزله غير مكتظة بالمراجع الكبرى، وأمهات الكتب الفلسفية وآيات التراث الإنساني باستثناء حجرة المعيشة كانت بدورها مكتظة بمكتبة موسيقية تحوي أعمال باخ وهايدن وموتسارت وبيتهوڤن. ويعتز "بوبر" كثيراً بأنه يمتلك نسخة من طبعة القرن السابع عشر لكتاب لجاليليو، ونسخة من طبعة القرن الثامن عشر لكتاب "إيمانويل كانط" فيلسوفه الألماني الأثير.

وقد كان والده حريصاً على تنشئة ابنه تنشئة علمية فلسفية. ومنذ نعومة أظفار الصبي "كارل بوبر"، ووالده يحفزه على قراءة الكتب الفلسفية الكلاسيكية، ويناقشه في مشاكل اللامتناهي والماهيّة والجوهر. وحينما تعييه حذلقة الصبي -هكذا تقول ترجمته - يعهد به إلى عمه ليستأنف المناقشة. أمّا عن أمه جيني ني شيف، جيني بوبر؛ فهي تنتمي إلى أسرة تسري في دمائها الموهبة الموسيقية.

كانت هي وشقيقاتها - شأن غالبية مواطني ڤيينا عاصمة الألحان وكعبة الموسيقى - عازفات ماهرات على البيانو. أختها الكبرى وأبناؤها الثلاثة عازفون محترفون. وقد لعبت الموسيقى دوراً كبيراً في حياة "بوبر"؛ فهو أيضاً عازف على البيانو؛ ومتذوق عميق لها، وقد ساعد في صقل شخصيته وإرهاف مشاعره. ويذكر "بوبر" في تفصيلات مُسهبة كيف أن الموسيقى الأوروبية البوليفونية كانت مُلهمة له ببعض توجهاته الفكريّة. وليس أغرب من تلاقي العقلانيّة الصارمة في أطواء النفس البشرية بالحس الموسيقي، وليس أدنى من قرابة صلة الشعور بالعقل كيما يكتمل أثر الإنسان في فعله ومسلكه وإبداعه نظراً وبحثاً وإنتاجاً؛ الأمر الذي يثبت معه أن دفعة الشعور القوية طاقة باقية فاعلة، خادمة للعقل ولو كان في صرامته المنطقية العلميّة، وأن الإنسان لن يكون إنساناً وهو بمعزل عن دفعة الشعور وثراء الوجدان.

ولم يسلم "بوبر" الروح إلا بعد أن حقق حلم حياته وقام بتأليف قطعة موسيقية، وهو في التسعين من عمره.

وحينما شبّ عن الطوق - كما تقول الترجمة - ورث عن أبيه العمل الاجتماعي من أجل الأطفال المهملين والأيتام، ولمّا وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1919-1920م، وهذا العام حاسم في فلسفته، ترك منزل والديه على الرغم من توسلاتهما كي يستقل بنفسه، وكي لا يشكل عبئاً عليهما. فقد أصبح أبوه شيخاً جاوز الستين، فقد كل مدخراته في التضخم المالي الذي استشرى في أعقاب الحرب، وأقام "بوبر" في مبنى قديم لمستشفى عسكري مهجور، عمل بغير أجر في عيادة النفساني "ألفرد آدلر"، وبأجور زهيدة في أعمال أخرى كتدريس أو تدريب طلبة أمريكيين أو كمساعد نجار.

غير أن هذا النجار له شأن خطير في شخصية "بوبر"، ترك في نفسه رد فعل عكسي عنيف حيث كان "بوبر" يراه دائماً يؤكد أنه يعرف كل شيء، يدّعى امتلاك الحقيقة المطلقة، وأنه دائماً على صواب ولا يخطئ أبداً؛ فأصبحت احتمالية الخطأ الكامنة في كل موقف هي جذع الفلسفة البوبرية، القابلية للتكذيب.

لم يكن "بوبر" يدخن أو يحتسي خمراً، كان يأكل قليلاً ويرتدي ثياباً متواضعة. المتعة الوحيدة التي لم يستطع التخلي عنها إذ ذاك هى التردد على حفلات الموسيقى السيمفونية، وكانت التذاكر رخيصة؛ لأنه كان يستمع واقفاً، بخلاف العمل الاجتماعي من أجل الأيتام والموسيقى.

ــ كان اهتمام بوبر الثالث في يفاعته هو الفلسفات السياسية اليسارية. أمضى إبّان مراهقته ثلاثة أشهر ماركسياً، لكنه انقلب بحماسة إلى الاشتراكية الديموقراطية، وأصبح في النهاية داعية إلى ما يمكن أن تسميته: ليبرالية معدلة، ليبرالية النصف الثاني من القرن العشرين، التي اقترنت باسم "بوبر".

ــ ألتحق بوبر بجامعة ڤيينا العام 1918م، حضر مختلف المحاضرات: تاريخ الموسيقى والأدب وعلم النفس والفيزياء؛ بل حتى العلوم الطبية. وسرعان ما ترك هذا، وقصر حضوره على محاضرات الفيزياء النظريّة والرياضة البحتة؛ إذ كان يرى تلك المحاضرات (رائعة بحق).

وفي العام 1922م قيد طالباً منتظماً بالجامعة؛ فأمضى عاماً للحصول على إجازة للعمل في المدارس الابتدائية؛ حصل عليها إبّان عمله كنجار؛ وواصل دراساته حتى حصل على إجازة التدريس في المدارس الثانوية. ظل "بوبر" لآخر يوم في حياته على اعتقاد راسخ بإعلاء الثقة في تربية النشء، والتشديد على ضرورة التعليم كونه مهمة مُقدَّسة ليس للبشرية رقي ولا تقدم بدونها. وتلك هى أقدس قيمة لرجل ملأه الإخلاص لبني الإنسان.

ثم حصل على إجازته تلك من معهد تربوي أنشئ حديثاً، وفيه تعرف "بوبر" على محبوبته التي أصبحت زوجته حتى آخر العمر.

وما فتئ "بوبر" في كل موضع ينوه بفضلها وفضل حبها العظيم عليه، وبعد تخرجه أستأنف دراساته حتى حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ڤيينا العام 1932م.

أمّا كتابه "منطق الكشف العلمي"؛ فهو يعتبر علامة فتح جديد في مجال المعرفة العلمية مع أن له ثلاثة وثلاثين كتاباً في هذا المجال؛ وقد ترجمه الدكتور ماهر عبد القادر في جزئيين إلى اللغة العربية.

 

د. مجدي إبراهيم

 

 

يسري عبد الغنيولد المفكر الراحل برنارد لويس في لندن لعائلة يهودية من الطبقة المتوسطة ودرس في جامعات لندن وباريس قبل أن يصبح أستاذا مساعدا للدراسات الإسلامية في كلية الدراسات الشرقية عام 1938 وخلال الحرب العالمية الثانية عمل في الاستخبارات البريطانية في الشرق الأوسط وهي الفترة التي تعلم فيها أن محاولة استرضاء الطغاة تؤدي إلى كوارث.

وفي الفترة بين عامي 1949 و1974 عمل استاذا لتاريخ الشرق الأدنى والأوسط في كلية الدراسات الشرقية وقد أصدر العديد من الدراسات المميزة وكان من الكتاب المفضلين لرئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير.

وفي عام 1974 انهار زواجه الذي استمر 27 عاما وطلق زوجته الدنماركية روث هيلين بعد علاقة قصيرة بأميرة تركية. وقد أثر انهيار زواجه على صداقاته بالنخبة الثقافية اليهودية في بريطانيا مثل المؤرخ العراقي المولد إيلي خضوري الذي كان صديقا لروث فهاجر برنارد لويس إلى الولايات المتحدة حيث احتل مقعدا بمعهد دراسات الشرق الأدنى ليبدأ رحلته في التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية وعلى صناع القرار في واشنطن.

وكانت رسالة لويس السياسية لأمريكا بشأن الشرق الأوسط عام 2001 بسيطة وصارمة وملخصها: "إذا ظل الشرق الأوسط يسير في هذا المنحى فإن المهاجم الانتحاري سيصبح رمزاً لكل منطقة الشرق الأوسط ولن يكون هناك مخرج من مستنقع الكراهية والبغضاء والغضب وجلد الذات والفقر والطغيان" وكانت رسالته إلى الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع المنطقة واضحة وصارمة مفادها : كونوا حازمين أو اتركوا المنطقة.

وقد أطلق البعض على رسالة لويس اسم "مذهب لويس" Lewis Doctrine. وعرفت صحيفة وول ستريت جورنال نظرية لويس بـ "زرع الديمقراطية في دول الشرق الأوسط الفاشلة للقضاء على الإرهاب".

وقد كان لويس يدعو لاستخدام الحد الأدنى من القوة الغربية لأقل وقت لبث الحياة في المؤسسات السياسية في الشرق الأوسط بداية بالعراق الذي تتوفر فيه الثروة النفطية وطبقة متوسطة كبيرة وماضي عريق ومجتمع علماني وبالتالي فإن للديمقراطية فرصة للتجذر هناك أكثر من أي مكان آخر في العالم الإسلامي، وذلك بحسب لويس.

وكانت هذه رسالته إلى البيت الأبيض لدى دعوته لإلقاء خطاب في العاملين بمقر الرئاسة الأمريكية عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول حيث قال أن لدى تنظيم القاعدة شعور بالدونية والكراهية تجاه الغرب وهذا نتاج ثلاثة قرون من التراجع الإسلامي والعربي ثقافيا وعسكريا وتكنولوجيا منذ فشل العثمانيين في الاستيلاء على فيينا عام 1683.

ولم يلق اللوم قط على أمريكا حيث قال في حديث إذاعي: "لا يمكن أن تكون غنيا وقويا وناجحا ومحبوبا وخاصة من جانب أولئك الذين يفتقدون للقوة والثراء والنجاح لذلك فإن الكراهية شيء بديهي. والسؤال يجب أن يكون هو لماذا لا يحبوننا أو يحترموننا؟".

ويقول السياسي الأمريكي ريتشارد بيرل : "إن برنارد لويس كان أكثر المثقفين تأثيرا فيما يتعلق بإدارة النزاع بين الإسلام الراديكالي والغرب وكان هنري كيسنغر يرجع له".

وعندما سأل في هارفاد: هل يجب أن نتفاوض مع نظام آيات الله في طهران؟ أجاب على الفور: بالطبع لا.

وقد وصل تأثيره إلى قمة صناعة القرار السياسي في أمريكا فبعد هجمات سبتمبر شوهد الرئيس السابق بوش يحمل مقالاته التي من الواضح أن مستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس أمدته بها.

وقد أثارت آرائه غضب العديد من الأكاديميين في بريطانيا وأوروبا فرغم أنه يجيد بطلاقة العربية والفارسية والتركية والفرنسية والألمانية وإصداره 11 جزءا في كامبريدج عن تاريخ الإسلام وخبرته التي تمتد لعقود في هذا المجال وكونه كبير محرري إنسكلوبيديا الإسلام على مدار 31 عاما فإن البعض انتقده على خلفية وصف إدارود سعيد له بأنه "مستشرق من الطراز القديم ليست لديه مشاعر تجاه دول المنطقة باستثناء تركيا".

ومن آرائه التي أثارت السخط موقفه من التدخل في العراق، وقد نفى لويس تأييده لغزو العراق، قائلا إنه كان يدعو إلى تقديم مساعدات أكبر إلى الأكراد المتحالفين مع الغرب في شمال العراق كقوة موازية لنظام بغداد.

كما ينكر مذابح الأرمن حيث رفض تسمية ما حدث بالمجزرة واعتبارها "أعمال مؤسفة أودت بحياة أتراك وأرمن على حد سواء". وأدى موقفه هذا إلى محاكمته في فرنسا.

وعرف عنه أيضا انتقاداته للفكر الوهابي وتمويل السعودية له وثقافة تبعية المرأة. وكان كتابه أزمة الإسلام من أكثر الكتب مبيعا وفيه يشير إلى أن الإسلام يفتقر إلى النقد التاريخي للنصوص الدينية كما حصل في المسيحية الغربية.

وقد نشر برنارد لوس أكثر من 30 مؤلفا ومئات المقالات والمحاضرات بأكثر من 10 لغات، تحدث معظمها عن خطوط ومعالم الشرق الأوسط الجديد، كالانقسامات الطائفية وصعود "الإسلام الراديكالي" و"الدكتاتورية الراسخة" المدعومة نسبيا من الغرب.

وقال لويس :" إنه أراد عام 1938 أن يصبح مؤرخا لأنه أراد رؤية التاريخ من الجانب الآخر. وبعد عقود طويلة قضاها في الظل مؤثرا على الأحداث بهدوء وجد نفسه في السنوات الأخيرة من حياته على الجانب الآخر تحت الأضواء.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

ناجي ظاهرالآن وانا انظر الى الخلف، ارى ان حياتي كانت سلسلة من الصالونات والمجالس، وكان المجلس الأول في بيتنا الدافئ في الحي الشرقي من مدينتي الاثيرة الحبيبة على قلبي الناصرة. يومها.. وكنت في بدايات الطفولة الاولى، تعرّفنا على جارة كفيفة البصر، وكان واحد من ابناء اسرتي، يتبرّع ليكون لها دليلًا يقتادها من غرفتها الصغيرة الملاصقة لبيت اخيها- مدير البوسطة في حينها، الى بيتنا القريب المكوّن من عقدين، وكثيرا ما كان هذا الدليل انا، فقد احببتُ هذه المرأة، وانبهرت بحكاياتها الشعبية الطلية، وأرى اليوم وقد مضى على تلكم الايام العشراتُ من السنين، ان تلك المرأة لعبت دورًا رئيسيًا في حياتي فمنها استمعت إلى اجمل الحكايات، واليها يعود الفضل في اكتشافي طريقي الادبي الذي اصبح فيما بعد طريقَ حياتي كلها.

كنا ننادي تلك المرأة باسم "آدو"، وقد مضى وقت طويل حتى تمكنّت من تحليل اسمها وتفكيك شفرته، ليتبيّن لي ان الاسم الذي كنا ندعوها به ما هو الا تلاعب لطيف باسم قادرية- قادو- قادرية.

كان جُلساء ذلك المجلس الاول في حياتي، قلة من ابناء اسرتي في مقدمتهم الولدة واحيانا الوالد، اما اخوي الاكبر مني اخي جوهر واختي نجية، فقد كانا قلّما يستمعان الى ما تفيض به مُسامراتُنا من حكايات تُفرح الروح وتنعش القلب.. انا كنت الطفل المنبهر الاول بتلك الحكايات.

ذلك المجلس كان يبتدئ في ساعات المساء المتقدمة حينا والمتأخرة اخر، بعد ان نكون قد هيأنا الظرف المناسب، فاذا كان الفصل صيفًا فتحنا الابواب واشرعنا ضلفات الشبابيك ليدخل الهواء النقي الصافي عبر الاراضي الممتدة حول بيتنا، اما اذا كان الفصل باردًا فقد كنّا نلتف حول كانون النار، لنستمع إلى اجمل القصص.

فيما يلي اسجّل ما حبّبني بذلك المجلس وجعلني انشد اليه كل ذلك الانشداد، ومعظمه يتعلّق بشخصية تلك الجارة التي سأعتبرها فيما تلا من عمر المعلمة الاولى التي فتحت لي خزانة الادب والفن، وارشدتني إلى ما في الحياة من ثراء قصصي، يختلف بالطبع عن الثراء المادي.. حبّبني بتلك المرأة عددٌ من الامور اشير إلى اهمها:

1- طريقتها في سرد الحكايات، فقد كانت قديرةً متمكنةً من السرد، فهي تقّدمُ حدثًا وتؤخر آخر لتعود اليه فيما يلي من احداث القصة، الامر الذي يُشعل حب المعرفة بكل ما يتضمنه من تشوّق وتلهّف لمتابعة احداث القصة، وهي لا تني في التغيير بنغماتها الصوتية إلى حد انني اشعر بارتياح كبير.. هل عاد هذا الى انها كانت تحدث ايقاعًا في الحكاية لأشعر بالتالي بعودة الايقاع المفتقد الى قلبي وروحي؟ لا تفسير لدي الآن سوى هذا التفسير الادبي لمسالة الايقاع هذه. اضف الى هذا انها لم تكن تشرح كثيرًا في روايتها للحكاية وانما هي تدخل اليها وكأنما هو بيتها الخاص بها تصولُ فيه وتجول، بطريقةٍ ينصاع فيه اليها الكلام مثلما ينصاعُ الخاتمَ بيد العروس في فترات زواجها الاولى.

2- مضامين حكاياتها الشعبية، فقد كانت تلكم الحكايات تتحدّث عن الظلم واهله، وفي المقابل عن العدل واهله، وعندما كان يقع الصدام بين طرفي هذه المعادلة، كان العدل ينتصر على الظلم والخير ينتصب في وجه الشر قاطعًا عليه الطريق وواضعا له حدًا يمنعه من الامتداد والتفاقم. في هذا المجال بهرتني قصة الشاطر حسن، الذي عاد الى قريته ليجد ان الاعداء اختطفوا محبوبته ولينطلق عبر البراري والقفار ليبحث عنها وليعيدها بعد عناء وجهد الى مكانها الطبيعي.. قريتها الامنة الوادعة. لقد كنت عندما استمع الى هذه الحكاية وامثالها، اشعر انني انا البطل الذي سيعيد الحقَ الضائعَ الى نصابه. وقد عدت بعد اكثر من نصف قرن من الزمان على استماعي لهذه القصة لأعيد صياغتها بطريقتي الخاصة تحت عنوان" الشاطر السيريني"، وسيرين هي القرية التي ضربت جذور اهلي عميقًا في ارضها وغادروها مضطرين عام 1948 الى الناصرة التي ولدت فيها.

3- رواية القصة بطريقة خاصة.. فقد اتصفت تلك المحدّثة الاولى بقدرة هائلة على اعادة القصة الواحدة.. مرّات ومرّات دون ان تدخل الملل الى قلبي وقلوب مستمعيها، في كل مرة كانت تضيف وتنقّص بطريقة تشعرني انها تغترف مما يقع حولنا من احداث، وتعيد صياغته بطريقة تذكّرنا، تذكّرني انا على الاقل، بما حدث ووقع في البيئة المحيطة بنا، وقد كانت القصة بهذا صورة للواقع اليومي المعيش، وهذا ما احسست به حينها، وما فهمته فيما بعد عندما كبرت وباتت كتابة القصص طريقتي في التعبير عما اريد ايصاله الى اهلي وابناء مجتمعي. واذكر فيما يتعلق بهذا انني كثيرًا ما كنت اطلب من محدّثتنا تلك، واكاد اقول محدثتي انا خصيصًا اذ كنت المستمع رقم واحد لحكاياتها، ان تعيد الحكاية اكثر واكثر، وكانت هي تستجيب بكرم من يعرف ان قصته لا تشيب ولا تشيخ وانما هي تبقى دائمة الخضرة.. ودائمة اليناعة والحياة.

هذا عن المجلس الاول في صميمه، اما في أطرافه فاذكر انني كنت طوال وقت النهار انتظر مجيء الليل لأجلس الى تلك المرأة كفيفة البصر مبصرة القلب، ولأستمع الى حكاياتها تداعبُ عقلي وقلبي كأنما هي تعيد صياغتهما وتجدّد الحياة فيهما، لكن بطريقتها الخاصة. لهذا ما ان كانت تلك الراوية تخرج من باب عقدنا حيث نجلس لقضاء حاجةٍ ما، كان قلبي يدقُّ خوفَ مغادرتِها بيتنا وخشية ما قد تتسبب به تلك المغادرة من توقف للحكاية التي ابتدأت ولما تنته بعد.. وكان يثيرني ان الوالدة كثيرًا ما كانت توحي لضيفتنا بان وقت انصرافها قد حان فكانت تهتف بها بكير.. فما كان من تلك الضيفة خفيفة الظل رائعته الا ان تردّ عليها بقولها بكّير من عمرك.. وتنصرف.. وكان قلبي ينصرف معها ولا يعود إلى مكانه الا بعد عودتها في اليوم التالي.

رحم الله ذلك المجلس القصصي الثقافي- الاول في حياتي- ورحم اهله فقد غادر معظمهم عالمنا واحدًا تلو الآخر، كل في ظروف وملابسات.. وبقيتُ مثلَ السيفِ فردا.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

يسري عبد الغنينعت وزارة الشؤون الثقافية التونسية المفكر والمؤرخ، هشام جعيط، الذي توفي يوم الثلاثاءالموافق أول يونيو 2021 بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز 86 عاماً.

وقالت الوزارة في بيان إن الراحل ترك أعمالاً فكرية وحضارية تمثل "مرجعية للأجيال الحاضرة والقادمة".

ولد جعيط في تونس العاصمة لعائلة من المثقفين والقضاة ورجال العلم والدولة، وكان والده من أبرز شيوخ جامع الزيتونة الأعظم في المدينة.

كان جعيط قارئاً نهماً منذ طفولته، وانفتح في سن مبكرة على مفكري النهضة في مصر والمشرق العربي، من خلال الكتب والصحف التي كان والده يحرص على قراءتها.

لم تكن عائلته تتكلم الفرنسية في المنزل، لكنه تعلمها في المدرسة الصادقية حيث درس حتى المرحلة الثانوية، وشكلت مصدراً معرفياً غنياً له. سافر الى فرنسا لاستكمال دراسته الجامعية في التاريخ الإسلامي، ونال الدكتوراه عام 1981، من جامعة السوربون، عن رسالة بإشراف كلود كاهن.

عودة جعيط إلى تونس ما بعد الاستقلال، أثرت عليه بشكل سلبي، لأنه تلمّس دور عائلته، كالكثير من عائلات الوجهاء في حينه، لكنه رفض رغبة أهله الانخراط في السياسية.

منذ أن بدأ يحاضر في الجامعات التونسية، عن تاريخ الأديان والإسلام والمغرب العربي والسيرة النبوية، برز كمؤرخ من قماشة مختلفة، خصوصاً أنه كان الوحيد من أبناء جيله الذي يحمل شهادة رفيعة في اختصاصه.

ومع السنين، تحولت محاضراته الجامعية إلى كتب نالت شهرة واسعة، إذ كان يسعى ألا تكون المعلومة محصورة بالأكاديميين، بل متاحة لجميع القراء، من خلال أسلوبه السلس، ومنهجيته العلمية الدقيقة، وأفكاره التنويرية التي شكلت نهجاً جديداً بالكامل في التأريخ للحضارة العربية والإسلامية.

ويعد جعيط أحد أبرز المفكرين المجددين في قضايا الفكر العربي والإسلامي، وقد عرف بكتاباته الداعية إلى التحديث والتنوير وهو من دعاة الاعتدال والوسطية. وهو من آخر المؤرخين العرب الكبار، الذين قدموا قراءات نقدية للتاريخ الإسلامي، وأسس منهجية منفصلة عن المقاربات الاستشراقية للإسلام.

كان أستاذاً فخرياً لدى جامعة تونس وأستاذا زائرا في عدة جامعات عربية وغربية. شغل منصب رئيس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة" بين 2012 و2015 كما كان عضوا في الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون.

أصدر العديد من المؤلفات باللغتين العربية والفرنسية التي ناقش فيها جملة من الإشكاليات المحورية في التاريخ الإسلامي وأهم مكونات الموروث الحضاريمثل "أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة" و"أزمة الثقافة الإسلامية" و"الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي" و"تأسيس الغرب الإسلامي".

لكن من أبرز مؤلفات جعيط "الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر" الذي صدر بالفرنسية عام 1989، وصدرت الترجمة العربية عن دار الطليعة في بيروت عام 1991 وصدرت لاحقاً عدة طبعات للكتاب في عدد من الدول العربية.

تطرق المؤرخ فيهذا الكتاب إلى مسألة طالما شغلت المفكرين والباحثين ألا وهي "لماذا دخل المسلمون في صراعات وحروب ولم يكن قد مر على نشـأة الدين الإسلامي سوى سنوات قليلة؟". وتناول الكتاب بالتدقيق والتحليل مقتل ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان وهي الحادثة التي تعرف بـ"الفتنة الكبرى".

ومن مؤلفاته المهمة أيضاً، ثلاثية "في السيرة النبوية" التي صدرت على مراحل بين عامي 1999 و2015 عن دار الطليعة.

في الجزء الأول الذي حمل عنوان "الوحي والقرآن والنبوة"، يتناول المسائل الثلاث التي تمثل أهم أعمدة الدين الإسلامي. وفي الجزء الثاني "تاريخية الدعوة المحمدية في مكة"، يقدم نقداً صارماً للنصوص ويبدد الصورة التي وضعتها السيرة للنبي محمد، وغذت المخيلة الجمعية الإسلامية على مدى قرون. وفي الجزء الثالث "مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام"، يشرح جعيط علاقة النبي مع أهل المدينة (يثرب) وتأسيس الأمة الجديدة، وما ساور هذا التأسيس من تحدّيات.

من الصعب تلخيص إرث جعيط الغني، ولكن من أبرز اسهاماته دراسته لتشكل الشخصية الإسلامية العربية عبر التاريخ، ودور الإرث الاستعماري في تحويل الإسلام من ديانة وعبادة، إلى هوية سياسية، ما يعدّ اليوم من النقاشات الأكثر اثارة للجدل مع ما تشهده الدول الأوروبية من علاقة شائكة مع المسلمين.

يقارب جعيط الاسلام بوصفه ديانة شابة، بلغت ذروتها الحضارية بين القرنين التاسع والثاني عشر، حيث كانت محفزاً لحراك فكري وعلمي كبير، وباتت الحضارة الإسلامية أشبه بامبراطورية، لكنها بدأت بالتقهقر التدريجي منذ القرن الثامن عشر.

ويقول جعيط في إحدى مقابلاته الصحافية إن محاولة المسلمين تجديد الفكر الإسلامي، كان لا بد أن يمر بعواقب، في ظل التراجع السياسي والعسكري للحضارة الإسلامية. برأيه فإن الدين كان "كبش محرقة" حين استخدم من قبل المتطرفين في مواجهة الاستعمار ولاثبات الوجود في مواجهة الغرب والحداثة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

محمود محمد علي"عبد الرحيم كمال "هو واحد من أميز كتاب الدراما المصرية، الذي وصل في السنين الاخيرة بعد أن حجز لنفسه مكاناً بارزاً بين كبار كُتاب الدراما الكبار من أمثال "محمد جلال عبد القوى" و"أسامة أنور عكاشة"، و"مجدى أبو عميرة " وغيرهم، وصار اسمه علي "التترات" علامة جودة للعمل، فهو سينارست مبدع نجح في أن يصوّر ما بداخله من أفكار، أو أحداث، أو أخبار يختزنها، لينقلها إلى الآخر في صورٍ تختزن الكلام وتعيد ترتيبه، وفرزه من جديد حسب وعائه المعرفي ومخزونه الخاص.

وهو متصوف في حب كل ما هو موصول بالقلب.. شخصياته تنطق أشعاراً بالعامية، فيُحوّل الأدب العالمي قصصاً شعبية، ويقتبس من التاريخ ما يحلو له ليشارك به الناس أحلامهم وأمنياتهم.. وأفكاره أيضاً.. فكانت لغته الرصينة الراقية مفتاح الوصول الأسهل إلى تثبيت اسمه فى عالم كُتاب السيناريو خلال السنوات الأخيرة.

بل يمكننا القول بأن "عبد الرحيم كمال " بأنه "شيخ عرب" الدراما، وصانع " ونوس" بألاعيبه، وصاحب الكنز الذي تحمل أعماله كل الدهشة، بعد أن أبداع رحايا لم ترحمه، لكنه أخرجت أفكاره ناضجة حتي بانت اللمحة الصوفية واضحة في مسلسله الشهير " الخواجة عبد القادر".

إنه السيناريست والقاص والروائي الكبير "عبد الرحيم كمال" والذي جاء من صعيد مصر ليلمع اسمه في قلب سماء العاصمة بأعمال أثرت الفن المصري الحديث، بدأها بمسلسل "الرحايا" مروراص بمسلسل "أهو ده اللى صار"، ومنتهياُ بمسلسل " من القاهرة إلي كابول"

عشرات الأعمال ورحلته فى الصعود لا تنطفئ فى قلوب متابعيه، وهو أيضا صاحب رائعة الخواجة عبدالقادر.. يشوقنا إلى عمله الخامس "نجيب زاهى زركش" فى 2021 مع شريك نجاحه الأكبر يحيى الفخراني.. غير أن إبداعه لم يتوقف يوماً عند الدراما والسينما.. إنما يفعل كل ما يقوم به القلم من تأثير.. يكتب المقالات، والروايات والشعر والقصص والأغنيات أيضا.. فلم يكن غريبا أن يفاجئنا فى العام الجديد 2021 بنص مسرحي غنائي ضخم.. كاتب يروض أفكاره في كل أشكال الكلمة الممكنة... ولا عجب أيضا أن يظل عبد الرحيم كمال فى قوائم الأكثر تأثيرا من بين من كتبوا السيناريو لهذا العام فكان هذا الحوار بناء على اختيار محبيه.

و"عبدالرحيم كمال" من مواليد 30 أكتوبر عام 1971، حيث ولد بالعيساوية شرق ـ محافظة سوهاج، ثم انتقل والده إلي القاهرة، حيث عاش عبد الرحيم مع أسرته طفلاً في حي شبرا بالقاهرة ليلتحق بالصف الأول الابتدائي، ثم رجع ليستكمل دراسته بالمدرسة الثانوية العسكرية في سوهاج حتي عاد إلي القاهرة عام 1977م ليكمل دراسته في كلية التجارة الخارجية، ثم حصل علي المعهد العالي للسينما- قسم السيناريو عام 2000.

بدأ "عبد الرحيم كمال" حياته الأدبية من قسم السيناريو بالمعهد العالي للسينما متجها بعدها صوب الأدب برواية مجموعتين قصصيتين ورواية، وقد تم نشر بعض الروايات التي ألفها؛ منها (رحلة إلى الدنمارك وبلاد أخرى)، ثم غير بعدها وجهته إلي السينما والدراما في رحلة كبيرة لم يثنيه عنها شئ ؛ وقد تمكن "عبد الرحيم كمال" من إجادة كتابة الأعمال التي تصف الأجواء في الصعيد المصري لطبيعة مكان محل ميلاده بسوهاج.

فاجأ "عبد الرحيم كمال" جمهوره بإصدار أربع كتب جديدة منها : "صاحب الوردة"، وهو عبارة عن مسرحية تطرح معالجة جديدة لشخصية الحلاج المتصوف الشهير. والثاني هو "ظل ممدود"، وهو كتاب في الحكي الصوفي، وكتاب "منطق الظل" وهو كتاب يكمل فيه الكاتب رحلته الصوفية مع الظل مازجا بين سيرته الشخصية وتجربته. وأخيرًا هذه الكتب عبارة عن مجموعة قصصية بعنوان " قصص بحجم القلب".

أما بالنسبة لرواية "بواب الحانة" فنجدها تحمل لمحات صوفية عالية، فنبذة عن الرواية : قال عبد الرحيم كمال: عام كامل هو الأجمل في أعوام العمر. شربت خمرًا يكفي لإرواء فيل، ولم يتطرق الندم إلى قلبي ولو للحظة، يبدو أن القلب فسد.. عام كامل يا مولانا أشرب يوميًا بتلذذ واستمتاع، وأجالس السكارى، أشعر أنهم إخواني، بل أقرب.. يحدثونني عن أطفالهم وزوجاتهم وأموالهم وأحزانهم، وأحلام ضاعت وأحلام قد تأتي، ويبكون ويضحكون بصدق وأنا أحدثهم عن "الطريق والبلاء" وعن "الشيخ والمريد" وأذكر أشعارًا لابن الفارض والحلاج وسيدي محيي الدين، ومقاطع كاملة من "إحياء علوم الدين" ومن "الرسالة القشيرية"، ويستمعون لي في صبر وأدب وعدم فهم. كنت في الشهور الأولى أفيق مع صوت الأذان، وأخرج من الحانة للمسجد وأصلي وأعود، ولكن حينما أحببت الخمر وذقت المذاق لم أتركها. عام كامل يا مولاي حتى رأيتك في حلم الأمس تنادي عليّ وأنا أهرب منك، من أجل أن أمضمض فمي من طعم الخمر ورائحته. هل فسد القلب؟.

تعاون "عبدالرحيم كمال" مع كبار النجوم منذ بداية مشواره مثل : نور الشريف في مسلسل الرحايا، ويحي الفخراني في مسلسلي: (" شيخ العرب همام، و"دهشة")، واستطاع أن يدمج الأدب الكلاسيكي في اجواء الصعيد من خلال رائعة شكسبير الملك لير عبوراً إلي مسلسل دهشة، كما وضع بصمته علي أعمال حازت باهتمام النقاد وتصفيق الجمهور.

ودراما "عبدالرحيم كمال" كما تقول الأستاذة "أميرة همذاني" في مقالها الرائع بعنوان :" دراما عبدالرحيم كمال ما بين الصوفية والشخصيات الواقعية"، تقوم على ثلاث عوامل بشكل رئيسي:

1-الجانب الصوفي: وهذا موجود في كل أعمال "عبدالرحيم كمال" تقريباً من بداياته في فيلم "علي جنب يا اسطى"، ومعه في كل مسلسلاته، حتى ولو بمشهد واحد، وبإمكاننا معرفة أن العمل من كتابته، لما تحس روحه في المشاهد الصوفية تحديداً.

2-شخصيات حقيقية: كثير من دراما عبدالرحيم كمال مبنية علي أحداث حقيقية؛ مثل "شيخ العرب همام"، و "الخواجة عبدالقادر"، و" ونوس "، ودهشة"، وغيرهم، فهو يبني أحداثه علي عصب حقيقي وببدع بعدها خياله في تكوين فلسفة كل عمل فيهم وأحداثه والشخصيات التي يضيفها.

3-الصعيد: لأنه في الأصل صعيدي، فتقريباَ لا يوجد عمل له في الدراما تحديداَ يخلواَ من الصعيد، ولا يذهب لدراما الصعيد الكليشيه عن "الثأر"، و"تجار المخدرات" .. إلخ، بل يذهب لصعيد حقيقي بحواديت جديدة غير تقليدية، بالإضافة إلي أنه في كل عمل صعيدي له، يضيف مصطلحات صعيدية جديدة علي الدراما، وعلي اسماعنا كمشاهدين.

هذه العوامل الثلاثة كما تقول "أميرة همذاني" هم من كونوا كينونته ككاتب صنع من خلالهم تحف وعلامات للدراما المصرية، مثل " الرحايا، شيخ العرب همام، الخواجة عبدالقادر، دهشة، ونوس، يونس ولد فضة و أهو ده اللي صار".

وقد قال "عبد الرحيم كمال": "علاقتي ككاتب بالزمن علاقة قديمة ومركبة لأن التاريخ دائما يعيد نفسه من ماضي وحاضر ومستقبل لأنه امتداد للتجربة، واعتمدت تجربة الفيلم علي التنوع، واختلاف الزمن بالاشتراك مع شريف عرفة من خلال اختيار الورق والتركيز علي المناطق التاريخية المميزة".

وقال "عبد الرحيم كمال"، عن سبب ندرة ظهوره أنها طبيعة المهنة كون الكاتب دائما خلف الكاميرا، وأضاف عبد الرحيم كمال خلال استضافته في برنامج "معكم" الذى تقدمه الإعلامية منى الشاذلى ويذاع على قناة CBC، أن الكثيرين "يظنون أننى كبير فى السن" موضحاً السبب: “من حظى أن بدايتي كانت مع نجوم كبار ففى مسلسل "الرحايا" كان عمرى حينها 36 عاما وفى "شيخ العرف همام" كنت حينها 38 عاما، وهذه الأعمال قد استغرقت منى ما يقرب من عشر أو خمسة عشر عاماً".

وعلى الجانب الآخر، كان قد عرض "عبد الرحيم كمال": في رمضان الماضي مسلسلين رائعين من تأليفه أولهما بعنوان "القاهرة كابول" مع المخرج حسام علي والنجوم طارق لطفي وخالد الصاوي وفتحي عبد الوهاب وحنان مطاوع. والعمل الثاني "نجيب زاهي زركش" مع النجم يحيى الفخراني والمخرج شادي الفخراني.

وقال "عبد الرحيم كمال"، مسلسل القاهرة كابول يعبر عن هوية الطيبة والوسطية التي كل ما نبحث نجدها في مصر، فمصر تعبر عن الوسطية وشعبها طيب، بينما الإرهاب والتطرف فهذه أشياء استثنائية وشيطانية وهجين في المجتمع المصري؛ وأضاف السيناريست عبدالرحيم كمال، خلال برنامج كلمة أخيرة، المذاع على قناة on، الذى تقدمه الإعلامية "لميس الحديدى"، أن مسلسل القاهرة كابول ناقش كيف يتم تحويل الشخص لإرهابى ولكن بعقل وهدوء بدون عصبية والتأكيد على أن مصر أكبر واكرم من هذا.

وتابع "عبد الرحيم كمال": أتمنى أن هذه الفكرة تصل للجمهور، والتأكيد على أن الأنبياء حذروا من الإرهابيين، وأن هؤلاء أبعد ما يكون للدين، متابعا: الإرهابي "رمزي" ملمح يجمع كل الشخصيات الإرهابية التى رأيناها في التاريخ خاصة أن الارهاب متشابك .

وفي نهاية حديثنا عن السيناريست "عبدالرحيم كمال" لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لهذا السيناريست المبدع، والذي جعل مهمته تحويل الأفكار والأقوال التي ينطق بها إلي أفعال وحركات درامية معاشة، بحيث تجسّد أمام الكاميرا، أو تحويل ما هو أدبي إلى ما هو بصري.. فتحيةً طيبة لهذا الرجل السيناريست العظيم الذي نجح في أن يفرق بين نوعين من السيناريو:، الأول هو السيناريو الذي يحول الأعمال الأدبية العظيمة إلى السينما، أو التلفزيون، أو الإذاعة، والثاني هو السيناريو المشغول من أصله للمرئي أو المسموع ؛ وفي كلاهما نجح "عبد الرحيم كمال" نجاح بارع في أن يفدم لنا خلطة وصفية تفصيلية مكتوبة في تسلسل جامع بين الصورة والصوت، تُقدم إلى المخرج الذي يحولها إلى واقع مرئي سمعي.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليالشاعر والفيلسوف وقصة عطاء بغير حدود

تحل هذه الأيام، ذكرى وفاة فيلسوف أكاديمي، تعود ألا يضع يعمل في صمت، وهو يمثل طاقة فكرية وخلقية لا تنضب . وكان ملهماً لكل من يتعامل معه، ودافعاً للجميع علي الثقة بالنفس والإمكانيات والقدرات الشخصية .. ما من أحد اقترب منه إلا وقد تأثر بصفاته الخلقية الرفيعة والنادرة، النابعة من رؤيته الإيمانية القيمة المعتدلة للحياة . فنجد فيه نشاط وحيوية المؤمن برسالته، وهدوء وصمت المفكر، ونجد فيه تواضع العالم، وصبر الباحث، والصدق مع النفس ومع الآخرين، ونجد فيه عطاء بغير حدود، إنه الأستاذ الدكتور "مجاهد محمد عبد المنعم مجاهد"، والذي يعد واحداً من دعائم الثقافة المصرية والعربية المعاصرة، وأحد أركان الدعوة إلى التفكير العلمي والتحديث الحضاري، (ولد في القاهرة 1934)، هو مترجم وصحفي مصري، حاصل على ليسانس الآداب، قسم الفلسفة، جامعة القاهرة 1956 . تدرج في العمل الصحفي منذ عام 1955 حتى أصبح نائباً لرئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، كما يعمل أستاذاً زائراً للفلسفة وعلم الجمال في الجامعات المصرية. وشارك في العديد من الندوات الحوارية والمؤتمرات الفكرية في الأقطار العربية والعالم وساهم في إذكاء وتنمية الوعي السياسي عند الإنسان العادي.

وإلى جانب التعليم أشتغل "مجاهد عبد المنعم مجاهد" في الصحافة الفكرية بمجال التأليف والتعريب الفلسفي، وهو عضو اتحاد الكتاب، ونقابة الصحفيين، والجمعية الفلسفية. اشترك في كثير من الندوات الأدبية والمهرجانات الشعري؛ ونشر عشرات المقالات المؤلفة والمترجمة في الشعر والنقد الأدبي والفلسفة والجمال في الدوريات المصرية والعربية،  وهو خبير ثقافي بجريدة الأهرام -الجريدة الرسمية لجمهورية مصر العربية- أما عن الجانب الإنساني في حياته فلدية أربعة أبناء 1-عبد المنعم 2-أمير 3-عفاف 4-فاطمة (صحفية بجريدة الأهرام).

ومنذ اشتغاله بالفكر والفلسفة والثقافة كانت رسالته الوحيدة بل همه الوحيد هو إحياء العقل النقدي‏,‏ واستقلال فكر الإنسان وعدم خضوعه لسلطة تحد أو تمنع انطلاقه في النقد والتفكير بحرية‏,‏ ودائما ما كان يدعو لتأسيس ثقافة مصرية وعربية جديدة تهدف إلي تحديث المجتمع‏،‏ بفهم جديد للواقع والتصدي لمصادرة حق النقد والتفكير والإبداع‏,‏ مع تحرير العقل المصري والعربي من التعصب وإلغاء الآخر‏,‏

لقد وهب مجاهد عبد المنعم كل حياته لهدف واحد نبيل هو عقل الإنسان‏،‏ وحقه في التفكير بحرية وبإرادة مستقلة، وظل مشروعه الثقافي والفكري، ينطلق من أهمية احترام عقل الإنسان وتحريره من كل قيود مع حقه في النقد والرفض الحر، لكل القوالب والمسلمات التي تنتقل عبر أجيال دون محاولات، لغربلتها ومعرفة أصولها وحقيقتها‏,‏ وكأنه بذلك قد وضع يده علي مكمن الداء الذي أصاب العقل العربي،علاوة علي أنه أمن بحرية الفكر والرأي، كما آمن بحق الدفاع إلي حد ارتفع به إلي مرتبة القداسة . بحسبان أن التاريخ ما زال يعلمنا أنه ما احتبست الأفكار في الصدور، ولا سجنت الحقوق علي يد مغتصبيها، إلا انقلبت يوماً براكين علي سجانيها، وحمماً علي محتبسيها .. وآمن بأن الفلسفة أولا وأخيراً أهم ما يجب أن يشغل الإنسان وأسمي ما يتجلى به من فضائل، وان كل اهتمام يحول دونها أو يقصر علي بلوغها، فساد في الرأي وانشغال عن الحقيقة.

ولذلك منذ اشتغاله بالفكر والفلسفة والثقافة كانت رساله مجاهد عبد المنعم مجاهد" الوحيدة بل همه الوحيد هو نفس الاتجاه الذي سار عليه أستاذنا فؤاد زكريا ألا وهو إحياء العقل النقدي‏,‏ واستقلال فكر الإنسان وعدم خضوعه لسلطة تحد أو تمنع انطلاقه في النقد والتفكير بحرية‏,‏ ودائما ما كان يدعو لتأسيس ثقافة مصرية وعربية جديدة تهدف إلي تحديث المجتمع‏,‏ بفهم جديد للواقع والتصدي لمصادرة حق النقد والتفكير والإبداع‏,‏ مع تحرير العقل المصري والعربي من التعصب وإلغاء الآخر‏,‏

كما استطاع الفيلسوف المصري الدكتور "مجاهد عبد المنعم مجاهد"، على مدار حياته، أن يقدم للمكتبة العربية تراثًا ثريًا، ومن أبرز المؤلفات التي صدرت له في مجال الفلسفة وعلم الجمال والنقد الأدبي: سارتر مفكراً وإنسانا، دراسات فلسفية، هيدجر راعي الوجود، الاغتراب في الفلسفة المعاصرة، علم الجمال في الفلسفة المعاصرة، دراسات في علم الجمال، فلسفة الفن الجميل، المتنبي والاغتراب، هيجل راعي الحرية، الفلسفة والحنين للوجود.

وأما عن دواوينه الشعرية والقصص والروايات فنذكر منها: أغاني الزاحفين 1956، أغنيات مصرية 1958، وداعاً فارس الحدثة (بالاشتراك) 1982، هكذا تحدثت العيون 1992، ثالثهما العشق، أقمار علي شجرة العائلة؛  كما نشر الكثير من القصص والروايات مثل: سيرة الفراغ الزجاجي (تأليف) 1956.

أما عن ترجماته: تاريخ الفلسفة اليونانية (ولتر ستيس)، فلسفة النفي (هيربرت ماركيوز)، فن الحب (إريك فروم)، فرويد (إريك فروم)، الخوف من الحرية(إريك فروم)، زعزعة الأساسيات (بول تيليش)، الواقعية في الفن (فنكلشتين)، هيدجر (جرين)، جيد (ايرلاند)، بيكيت(سكوت)، كافكا (اوزبورن)، سارتر عاصفة علي العصر(40 دراسة مترجمة)؛ ترجم الكثير من شعره إلى اللغتين الإسبانية والروسية. ومن صداقاته في الوسط: ماجد أيوب، عبد المنعم عواد يوسف، فاروق شوشة ؛ وممن أشادوا بالشاعر: نزار قباني، وأنيس منصور.

وقد كتب عنه أستاذنا الدكتور صلاح فضل في مقال له بعنوان "مجاهد عبد المنعم مجاهد في أقماره الكاملة"، فقال: مجاهد عبد المنعم مجاهد شاعر ومفكر كبير، تجاوز السبعين من عمره بقليل، شارك جيل عبد الصبور وحجازى فى حمل لواء شعر التفعيلة فى مصر إبان الخمسينيات، لكنه انفرد عنهما باستغراقه فى فلسفة الجمال، وكتاباته فى النقد، وترجمته لكثير من الكتب، أهمها موسوعتان كبيرتان، إحداهما تاريخ النقد الأدبي لرينيه ويليك فى ثمانية مجلدات، والأخرى محاضرات فلسفة الدين لهيجل فى تسعة أجزاء، مما يلقى بظلال الشراكة على إبداعه الشعرى الذى كان متناثرا، لكنه عندما جمع أشعاره الكاملة ونشرها فى سفرين كبيرين عامى 2004/2005 تبين أنه من أغزر شعراء عصره إنتاجا وأشدهم تمثيلا للوجدان المصري في العقود القليلة الماضية.. على أنه قد انفرد أيضا بخاصية طريفة، هى تسجيل قصائده طبقا لتسلسل كتابتها زمنيا، فرتبها مؤرخة منذ عام 1951 - عندما كان فى السابعة عشرة من عمره - حتى عام 2000 وقت إعدادها للنشر، وأضاف إليها بعض الملاحق من قصائد العمود وشعر التفعيلة فى مرحلة التكوين السابقة، فقدم بذلك فرصة نادرة للنقاد لتأمل إنتاج الشعراء فى مراحل عمرهم المختلفة، وقياس ما يصيبهم من تدفق أو حصر أو نضوب، استجابة للعوامل الذاتية فى الخصوبة والعقم من ناحية والعوامل الخارجية للمثيرات من ناحية أخرى.

ويستطرد صلاح فضل:" وفى قراءة أولية لحالة الشاعر بوسعنا أن نستخلص منها ما يؤكد إحصائيا وجهة النظر السائدة فى علم نفس الإبداع من أن فورة الشعر الحقيقية تنبثق فى مطلع الشباب وتنحسر تدريجيا بعد ذلك، فجملة ما كتبه مجاهد من القصائد المؤرخة 421 قصيدة، منها 222 - أى أكثر من النصف - كتبها وهو فى العشرينات من عمره، و142 قصيدة كتبها وهو فى الثلاثينات، أى أنه أنجز ما يربو على 86% من إنتاجه الشعرى فى عقدى الشباب الأول، و14% فقط فى بقية مراحله· وقد نلاحظ أن شباب الشاعر يتوافق مع مرحلة خصبة فى الحياة المصرية هى حقبة الخمسينيات والستينيات وأن هناك بعض السنوات التى تفوق بعضها الآخر، لكن تظل النتيجة فى خطوطها العامة مؤكدة لبلوغ الشعراء ذروة إبداعهم مبكرا ونضوبهم نسبيا بعد الأربعين.. ولئن كان هذا المؤشر يقتصر على الناحية الكمية فحسب، فإن دراسة إنتاج المراحل المختلفة بروية هى التى تكشف عن مدى كثافته ونضج تقنياته وقوته الشعرية·

كما قد كتبت عنه الدكتورة " رضا خلاف" – أستاذ فلسفة علم الجمال المساعد بقسم الفلسفة – بكلية الآداب – جامعة المنوفية علي جدار صفحتها علي الفيس بوك مقالا بعنوان: "القيمة والقامة الفيلسوف والشاعر والمترجم والصحفي الأستاذ: مجاهد عبد المنعم مجاهد"، حيث قالت: قُلتُ أنه إنسان، وأنه الأستاذ الكبير، ولكن كيف لي أن أعرِفهُ لغيري؟ وهو الذي لا يسعه لقلب ولا يصفه اسم، إنه المعروف في دنيانا بين الاكاديميين والصحفيين والأدباء والشعراء وغيرهم بـ ..... مجاهد عبد المنعم مجاهد، فكثير ما نري أجساداً يعجبنا شكلها، ونحاور عقول يبهرنا ذكائها وحصافتها، ولكن مملكة الروح تظل الأعلى والأرقي والأبعد عن اهتمامات دنيا البشر حتي ولو أردنا بلوغها، فكيف السبيل إليها؟ ليس من المبالغة في القول إن قلت أن " مجاهد عبد المنعم مجاهد " هو أحد القلائل ممن يمكن تسميتهم بخزنة وحملة مفاتيح مملكة الروح، يفتحها لمن يتوسم فيه رغبته في الارتقاء، ليتجول في حدائق هذه المملكة وينهل من ثمارها، ويعلوا فوق محدودية منطق العقل، وفوضي الوجود الحسي .

وتستطرد الدكتور "رضا خلاف" فتقول: " عند البدايات الأولي لمعرفتي به، وبعد إنتهائي من إعداد رسالتي لنيل درجة الماجستير، وبذله لمجهود كبير في مراجعة الرسالة لتكون أدق وأفضل نموذج ممكن لرسالة علمية تتم مناقشتها . وتحصل صاحبتها علي أعلي تقدير، أتذكره وهو يفاجئني بعرضه لمنحي مبلغ من المال لكتابة الرسالة وطباعتها، خاطبني عقلي ساعتها متسائلاً: أكان سارتر ليغير مقولته "الجحيم هو الآخر " لو أنه عرف هذا الرجل ؟

ثم تؤكد الدكتور "رضا خلاف" فتقول: "في مقامي هذا ينساب مداد القلم ليصور بكلمات موجزة الإنسان " مجاهد عبد المنعم مجاهد " ولو أردت أن أتحدث عنه كفيلسوف وشاعر، ربما احتجت ساعتها لرسالة أو بحث علمي قد يستغرق إعداده سنوات، أتذكر دوماً قوله لي: أنه عندما ترسل إليه دار النشر نسخة جديدة لكتابٍ جديدٍ من مؤلفاته أو ترجماته، يشعر وكأنه وهب وليد جديد، وكيف لا ؟ والكتب النافعة أكثر وأطول عمراً من بني البشر، أخبرني أستاذي أن الحب هو الرعاية والعطاء مع الرضي، وأن الفن هو رؤيتنا لما لا يري، وأن الفلسفة هي القدرة علي إيجاد المفقود . وفقد الموجود . وأن الشعر قارب يسير بدفتي العقل والعاطفة . وأن الله قد أخبرنا بثلاثة مجهولات لم ولن يتمكن العقل البشري من معرفة حقيقتها الكاملة في عالمنا الأرضي وهي ( الآخرة – الزمن – الموت ).. لقد استطاع مجاهد عبد المنعم مجاهد مزج الحياة بشغفه وحكمته وصدقه وإخلاصه، رسمها في صفحات ديوانه أقمار علي شجرة العائلة تجارب إنسانية تنبض بالحياة، تحمل إهداءات للعديد من الشخصيات ممن لهم بصمة في حياته، وله هو بصمات في حياتهم .

وتنهي الدكتور " رضا خلاف" فتقول: " كلمتي الأخيرة إن " مجاهد عبد المنعم مجاهد " هو ثروة قومية وقيمة وقامة مصرية خالدة نتغافل عنها ونحن في أشد الاحتياج إليها ؛ أكثر من إحتياجه هو للتكريم بالجوائز والقلادات التي فقدت قيمتها بتخصيصها وذهابها للكثير من الأقزام وأشباه وأنصاف المفكرين، إلا من رحم ربي وهم قلة .

وهنا أقول عن للدكتورة " رضا خلاف" بأنه شيء جميل ورائع أن يكون التلميذ وفياً لأستاذه ومعلمه، وقد كان أستاذنا الدكتور عاطف العراقي يفعل ذلك دائماً، فهو يعترف بفضل من قدم له علماً أو نصيحة، فهو يقول عن الدكتور زكي نجيب محمود (أقول بلا أدني مبالغة إنني لا أجد في عالمنا العربي من مشرقه إلي مغربه أستاذاً من أساتذة الفلسفة أثر في تشكيل فكري وعقلي ووجداني بدرجة تقترب من الأثر الذي تركه أستاذ الجيل ورائد التنوير وعملاق الثقافة العربية في عالمنا المعاصر الدكتور زكي نجيب محمود).

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ والشاعر والفيلسوف والاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور مجاهد عبد المنعم مجاهد الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الشامل الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور مجاهد عبد المنعم مجاهد الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا ن ما بقيت الحياة علي وجه الأرض . ولا يسعني إلا أن أقول مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي أن أخاطب روحه في السماء قائلا: اذكريني، وذلك بعد أن انتشر الفساد الفكري والظلام الثقافي، ازدادت فيه طرق وأساليب جيوش البلاء والظلام، بحيث أصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وإن كان أكثرهم لا يعلمون .نعم أقول لروحه اذكريني حين يتم لقاء الأرواح بالأرواح في عالم الخلود، وبعيداً عن العالم الزائل الذي نعيش فيه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

كاظم شمهودد. فوزي رشيد

الاستاذ فوزي رشيد من مواليد بغداد عام 1931، وهو مؤرخ وعالم آثار خريج كلية الاداب قسم الآثار في جامعة بغداد ويعتبر اخر عمالقة علم الآثار في العراق.. وقد سافر الى المانيا في بعثة دراسية وحصل على شهادة الدكتوراة من جامع هايدلبرغ عام 1966 في علم الآثار. شغل مناصب عديدة في بغداد منها مدير المتحف العراقي من عام 1969 الى 1977 ثم مديرا للدراسات في مديرية الاثار بين اعوام 1977الى 1987، ثم استاذا في جامعة بغداد من 1987 الى 1995..وفي الازمة العراقية سافر خارج البلد للتدريس في الجامعات العربية منها ليبيا وتونس.

2505 فوزي رشيدومن اهم كتبه قواعد اللغة السومرية 1972، وقواعد اللغة الاكدية 1988، وتعتبر من اهم كتبه ثم كتاب علم المتاحف، والفكر عبر التاريخ، والشرائع العراقية القديمة، وظواهر حضارية وجمالية في التاريخ القديم، وكتاب، طه باقر حياته وآثاره. وكان يحاضر في جامعة السابع من ابريل في مدينة الزاوية في ليبيا 1997. ويذكر احد اصدقاءه بانه كلف الاستاذ بمراجعة مسودة كتاب له، وفي اليوم الثاني اعادها له مصححة ومدققة فتعجب الصديق لهذه السرعة والدقة فقال له يا ابا ميسون يبدو انك لم تنم الليلة الماضية فقال الاستاذ (انني اتلذذ بدراسة التاريخ القديم).

2504 ظواهر حضاريةويذكر انه هادئ الطبع قليل الكلام ويفضل الاستماع عندما يكون الموضوع ليس من اختصاصه ولكنه كثير الكلام عندما يكون الحديث عن تاريخ العراق القديم. وبعد ليبيا انتقل الى التدريس في تونس عام 2010 رغم اقترابه سن الثمانين الا انه يحب التدريس بشكل غير طبيعي. ويذكر احد اصدقاءه ان الحديث مع الاستاذ لا يمل وفيه حلاوة وجمالية راقية خاصة عندما يتحدث عن تاريخ العراق القديم.. فيقول الاستاذ ان التاريخ في بلاد الرافدين يكرر نفسه في درامة شعبية، ويتحدث عن اسطورة ديموزي وزواجه مع انانا، ويعني ديموزي العلا اي العالي في السماء في حين ان انانا تعني مانعة الحليب اي التي تفطم رضيعها، ويذكر الاستاذ ان شخصية علي وفاطمة هي تكرار للمشهد العراقي عبر حقبات التاريخ القديم...

ثم يتحدث الاستاذ عن القوانين والشرائع العراقية القديمة ويذكر ان ظهور السفينة يعتبر انقلابا كبيرا في حياة المجتمعات في ذلك الوقت حيث ادى ذلك الى ظهور وانتعاش الاقتصاد وتبادل البضائع ونقلها الى مسافات بعيدة جدا عبر البحار وكان ذلك احد الاسباب المباشر في ظهور القوانين كما ان ظهور القانون ايضا كان وليد المدينة والجتمع الكبير في ارض الرافدين.

و يذكر ان الاستاذ فوزي كان لديه ذاكرة قوية في القوانين القديمة بحيث لو تحدث احد عنها واخطأ يصحح له ذلك بسرعة مشيرا الى مكانها وزمانها.. وعندما سألوه عن الغربة قال (الغربة داء لا دواء له الا العودة للوطن) وفعلا عاد الى الوطن وتوفى عام 2011 في بغداد.

الدكتورة زينب علي بحراني

2507 زينب علي البحرانيولدت في بغداد عام 1962، ودرست تاريخ الفن في معهد الفنون الجميلة في نيويورك وحصلت على درجة الماجستير والدكتوراة في برنامج مشترك للفنون والآثار القديمة في الشرق الادنى واليونان. وهي الآن تدرس في جامعة كولومبيا الامريكية، وسبق لها ان درست في فينا في النمسا وجامعة نيويورك، وفي عام 2020 تم انتخابها كعضو في الاكاديمية الامريكية للفنون والعلوم. وهي اكاديمية لها تاريخ عريق، حيث انشأت في الولايات المتحدة قبل 220 سنة كان الهدف من ذلك تكريم اصحاب المعارف الانسانية والكفاءات العلمية، وكان من اعضائها بعض رؤساء العالم منهم هلال نيهرو رئيس الهند وجونسن مانديلا رئيس جنوب افريقيا وعدد من رؤساء الولايات المتحدة الامريكية وغيرهم.... في عام 2004 عادت الى العراق وتم تعيينها في بغداد كمستشارة للشؤن الثقافية في الحكومة الموقتة. زارت بعض المواقع الاثرية وخاصة في بابل، ولفتت انظار الحكومة والعالم الى الاضرار التي لحقت بالآثار العراقية القديمة من جراء القواعد العسكرية التي انشأها الاحتلال وسط المواقع الاثرية وحركة الطائرات المروحية والفيالق العسكرية، وطالبت من الحكومة العراقية بازالتها، ولم يستجب لها احد فاضطرت الى مغادرة العراق... لها مؤلفات كثيرة منها – الجسد والعنف في بلاد ما بين النهرين – ونالت عليه جائزة من الجمعية الاكاديمية الامريكية، وكتاب – الفن والوقت والبعد الجمالي في العصور القديمة – وحصلت عليه ايضا جائزة من كتاب ليونيل تريلينج. وغيرها من المؤلفات وعشرات المقالات التي تتعلق بالآثار في الشرق الادنى القديم، كما حصلت على منح دراسية منها من مؤسسة جون سيمون جوجنهايم عام 2003. وفي عام 2010 انتخبت استاذة في جامعة اكسفورد. ومن اخر كتبها –(الكارثة، نهب اثار العراق وتدميرها) - حاليا تشغل استاذة في جامعة كولومبيا لتاريخ الفن وعلم الآثار في امريكا. وقد شاهدت لها عدة محاضرات عن تاريخ العراق القديم تلقيها في اللغة الانكليزية..

الدكتورة بهيجة خليل اسماعيل الجراح

2506 بهيجة اسماعيلهي من مواليد بغداد عام 1934 درست في جامعة بغداد وحصلت على شهادة البكلوريوس ثم سافرت الى المانيا وحصلت على شهادة الدكتوراة في الكتابات المسمارية من جامعة هيمولت الالمانية عام 1967، واصبحت اول قارئة عراقية للمسماريات من النساء. ثم درست في جامعة بغداد والفت العديد من الكتب في علم الاثار ثم شغلت مديرة المتحف العراقي من 1983 الى 1989، وتركت لنا العديد من المؤلفات منها – مسلة حمورابي 1980 - دور المستعمرات الاشورية في الانضول 1989 – حكام سوخو وماري 1990 – كتابات في نينوى 1992- كما كانت تنشر مقالاتها في مجلة سومر. ومن ابرز اعمالها موسوعة – حضارة العراق – الذي صدر الجزء الاول منه عام 1985 كما شاركت في تأليف الجزء الاول من المعجم الاكدي الذي اصدره المجمع العلمي العراقي عام 1999.. عملت بهيجة اسماعيل على تهيئة دورات تدريبية لموظفي المتحف وهيئة الاثار لتطوير ادائهم العملي والفني وحماية الاثار. كما نشرت عشرات المقالات عن تاريخ الآثار العراقية والتي فكت وخلدت اسرارها. توفت في عمان عام 2019 وقد نعتها الاوساط العلمية والثقافية وعلى رأسها وزارة الثقافة والاعلام العراقية.

 

د. كاظم شمهود

 

 

محمود محمد عليعندما قامت الدولة العباسية، كان للفرس في قيامها تأثير جلي، وبدأت الترجمة على أشدِّها للانتفاع من ثقافة الفرس، والهند، والإغريق الذين سبقوا العربَ في دورهم الحضاري، ولازمت هذه الترجمة، في خط متوازٍ، وحركة تدوين العلوم المختلفة، وأصبحت الدولة تحتاج إلي نظام سياسي وإداري، واقتصادي وعسكري يَحكُمها، ويُدير شؤونها.

وفي أوَّل نشأة الدولة العباسيَّة لم يكن الفقه الإسلامي قد نضج وتكامل، ولم تكن قواعدُ القضاء قد أخذت وضعها من الاستقرار والوضوح، وفي هذه الحقبة نلْقى "عبد الله بن المقفع" (ت:142 هـ/759م)، أحد أعلام الأدب الإسلامي، واحد أعظم العباقرة الذين عاشوا في عصرين متتالين: العصر العباسي والعصر الأموي، وكان معاصروه يقولون لم يكن للعرب بعد الصحابة أزكي من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أزكي من ابن المقفع ولا أجمع استناداً إلي أصله الفارسي، ولكن فارسية ابن المقفع لم تكن سوي أصل؛ فهو الذي لم تفته هذه الفوضى التي عمَّت الدولةَ العباسية الناشئة في الجند، والقضاء، والخراج، وسوء صحبة الخلفاء من وزراء وعمَّال، فكتب إلي الخليفة "أبي جعفر المنصور" في هذه الموضوعات بأسلوب أدبي قشيب، وكان متأثِّرًا فيما كتب بالثقافة الفارسية.

وقد كان أبو جعفر المنصور واحداً من أكبر دعاة العهد العباسي الذين نشطت في عهدهم " الآداب السلطانية"؛ حيث تنامت وتطورت تلك الآداب في منتصف القرن الثاني الهجري على يد مجموعة من كتبة الدواوين، والذين ينتمون إلي ثقافات قديمة سابقة على الإسلام؛ وبخاصة الثقافة الفارسية، حيث كانت "مرايا الأمراء"، أو "نصائح الملوك"، أو "الآداب السلطانية"، تقع ضمن الموروث الثقافي الذي ورثه الإسلام من موروثات الثقافات القديمة للبلاد التي قام المسلمون بفتحها، وهى عبارة عن مجموعة من النصائح والقيم التي تتعلق بالتدبير السياسي، وتقدم إلي الملوك والأمراء، ويتحدد فيها العلاقة بين أطراف المعادلة في نظام الحكم" (1).

وكانت " الآداب السلطانية" قد اعتمدت على نصوص أولى مؤسسة، مثل عهد "أردشير"، ورسائل "عبد الحميد بن يحيى الكاتب" وأعمال "ابن المقفع"، وأعمال "أرسطو" المنحولة، مثل رسالة "سر الأسرار"، ثم بعد ذلك أُعيد إنتاج معظم هذه النصوص في كل أعمال الآداب السلطانية على مدار التاريخ الإسلامي، ولقد انتحلت هذه النصوص بعضها بعضاً، حيث انتحل المتأخر المتقدم، ولذا بدت نصوص الآداب السلطانية لدى البعض بأنها: نصوص لا تنمو، ولا تغتني ولا تتطور، صحيح أنها كتبت في أزمنة مختلفة، ووجهت إلى ملوك وأمراء من عصبيات ودول مختلفة، وأن الذين أنجزوها لم يكونوا كلهم مجرد كُتاب، فمنهم القضاة، والمؤرخون، والفقهاء، والأدباء، والملوك، والوزراء، ومع ذلك ظلت النصوص تتناسل مستعيدة مضموناً معيناً، ووجهة محددة دون أن تتغير (2)؛ فهي تقوم في أساسها على مبدأ "نصيحة أولي الأمر" في تدبير شؤون سلطتهم معتمدة تصورًا براجماتيًا للمجال السياسي، مذوبة لكل تعارض محتمل بين الشرع والسلطان، ما يجعل منها فكرًا سياسيًا لا يطمح إلي التنظير بقدر ما يعتمد التجربة، ولا يتوق إلى الشمولية بقدر ما يلزم حدود الواقع السلطاني، وما يجعل الآداب السلطانية ثقافة سياسية مميزة فيما عرفته الرقعة العربية الإسلامية من ثقافات، وعلى وجه الخصوص الثقافة السياسية الفلسفية، والثقافة السياسية الشرعية (3).

وتذكر المصادر المختلفة أن عبد الله بن المقفع ولد في قرية من قري فارس اسمها جور وموضعها فيروز آباد الحالية . يقول ابن النديم: أن اسمه بالفارسية "زوربه" ومعناها المبارك . وكان يكني قبل إسلامه بأبي عمرو . فلما أسلم سمي بعبد الله وتكني بأبي محمد . وهناك اختلافات حول مولده . وإن كانت بعض المصادر تذكر أنه ولد بين عامي 106 و107هـ . عاش ابن المقفع في أحضان والده بفارس وهنالك اشتغل بالثقافة الفارسية . ثم رحل في وقت لا نستطيع أن نحدده أيضاَ، وكانت هذه المدينة مليئة بالعلم والعلماء . ويظهر أن ابن المقفع كان علي حداثة سنه وقتئذ من سعة العلم ونباهة الشأن وحسن الأدب بحيث اتجه إليه الولاة والأمراء، يطلبون إليه أن يكتب لهم عن دواوينهم، ويتقلد عندهم بعض الوظائف الهامة (4) .

وأما عن ثقافته فقد حوي ابن المقفع العلم في زمانه من أطرافه، فجمع بين ثقافتي العرب والعجم، فقد كان يتقن اللغة الفارسية إتقاناً فريداً، لم يتوفر إلا للقليلين من بني قومه، وحذق العربية وبرع فيها، فما زال القدماء يستشهدون بآرائه في الفصاحة والبلاغة؛ ومن ذلك قول الجاحظ: وقال إسحاق بن حسان بن قوهي: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد قط . سًئل ما البلاغة ؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جواباً، ومنها ما يكون ابتداءً، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سجعاً وخطباً، ومنها ما يكون رسائل . فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلي المعني والإيجاز هو البلاغة . فأما الخطب فهي بين السماطين، وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل، والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل علي حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته (5).

وأما كتاباته فنجدها تحمل فكراً سياسياً إصلاحياً، ففي كتابه ( الأدب الصغير) يتحدث عن سياسة النفس . وفي (الأدب الكبير) يكتب عن سياسة الدولة . أما رسالة ( الصحابة ) فهي أشبه ما تكون بتقرير عن الوضعية العامة في الدولة العباسية الناشئة، مع بيان سبل إصلاح الفاسد منها . والحق أن ابن المقفع كان " أول من دشن القول في (الأيديولوجيا السلطانية) في الثقافة العربية، وقد انصرف باهتمامه إلي الكتب السياسية، كما كانت في ذلك العهد ( الأخلاق والآداب السلطانية )، فترجم فيها عن الفارسية، وأنشأ كتباً من تأليفه الخاص" (6).

علاوة علي أنه كانت لابن المقفع آثار أدبية كثيرة منها: كتاب “فدينامه” في تاريخ ملوك الفرس، وكتاب “آبين نامه” في عادات الفرس ونظمهم ومراسم ملوكهم، وكتاب التاج في سيرة أنوشروان، وكتاب “الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة”، في أخبار السادة الصالحين، وكتاب “مزدك” .

والحضارة الفارسية التي انتمي إليها ابن المقفع وعمل علي سريانها وتغلغلها في الأدب والفكر الإسلامي، هذه الحضارة هي أحد أهم روافد الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية، وفي العصر العباسي كان الفرس هم عماد الدولة يظهر ذلك من قول أبي جعفر المنصور": " يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا وأهل دعواتنا " (7) . فهم من قامت علي أكتافهم الدعوة العباسية، وحملوا عبء إسقاط الدولة الأموية .

لم يلبث أن ظهر في المجتمع العباسي أصحاب اللسانيين الذين يجيدون كلاً من العربية والفارسية إجادة تامة، فأدي ذلك إلي أن تنشط حركة الترجمة من الفارسية إلي العربية، ووجد أيضاً من الفرس من تعربوا وتحمسوا للعربية، مثل ابن قتيبة، كل هذه العوامل أدت لتأثر أفكار الناس وسلوكهم بالثقافة الفارسية التي يتعاطونها ويعيشونها ويعاشرون أهلها (8).

وابن المقفع نتاج للحضارة الفارسية والإسلامية، وقارئ مطلع علي الحضارة اليونانية، فجاءت أعماله الفكرية زبدة لهذه الحضارات ونتاجاً لتلك الثقافات التي أنتجتها . وفي مجال الفكر السياسي تعد مؤلفاته في القمة منه  حيث تناول العديد من الموضوعات بالبحث والاستقصاء والنقد، وتقديم الحلول للمشكلات المختلفة وقرن بالفكر النظري الآراء العملية (9).

وابن المقفع من المخضرمين الذين رافقوا الأزمات السياسية في زمن الدولتين الأموية والعباسية، فقد عاش في عصر من العصور الفريدة في حياة الأمة العربية والإسلامية، عصر تبدلات جذرية في البنية الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والروحية . فهو من ناحية عصر انتقال شهد سقوط دولة حاكمة وقيام دولة أخري، وقد بدأ سقوط الدولة الحاكمة بمقدمات عنيفة في القمع السياسي، وتفضيل للجنس غير العربي من الفرس وغيرهم، مما مهد الفرص لظهور الشعوبية والشعوبيين . ومن ناحية أخري فهو عصر تحول حضاري عظيم كانت تضطرب فيه القيم وتتصادم الأهواء، وبهذا تظهر مشكلة محاولة التقريب والجمع بين الجديد الطارئ وأصول العقيدة، والتوفيق بين العادات والقيم العربية وتقاليد غير العرب من فرس، وهنود، زنوج، وبربر، وغيرهم من الأجناس؛ التي أسلمت وخضعت عسكرياً للدولة الإسلامية . ولكن المؤرخين اتفقوا علي أن الأجناس المتواجدة آنذاك، لم تكن ترغب في عودة الأمويين، لأنهم كانوا يحاربون كل من لم يوافق هواهم من خوارج وشيعة، ويهاجمون العجم، ويقفون ضد رغبتهم في معايشتهم والبقاء معهم والتعصب للجنس العربي . وبقيام الدولة العباسية بدأ دخول هذه الأجناس، وخاصة " الفرس" الذين تأثروا بحياتهم السياسية، وأنظمتهم في الحكم حتي شغلوا مناصب عليا في السياسة هي في غاية الأهمية (10).

واستطاع "ابن المقفع" أن يقنع المتلقي العربي (قارئًا وناقدًا) أنه أديب مهمته توليد المعاني الجميلة في قالب بلاغي أجمل لكنه كان، في حقيقة الأمر، يعمل على ترجمة القيم الكسروية والترويج لها في كتب عديدة بأسلوب عربي واضح وسلس، اعتبره بعضهم أنموذجًا في الكتابة، مما كرسه عبر الأجيال مرجعًا في أدب النفس واللسان. ولإدراك البعد الاستراتيجي لمشروع "ابن المقفع"، لابد من معرفة القضايا التي أثارها بأسلوبه الأدبي التمويهي؛ وهي قضايا ترتبط جوهريًا بموضوع الدولة (السلطان)، مما يجعلنا نشك في البعد الجمالي الذي تقترحه كتابات" ابن المقفع" كما يؤكد بعض الباحثين(11).

لقد كان الموضوع الذي انكب عليه " ابن المقفع" وحصر جهده فيه هو الأدب؛ وبالتحديد "الآداب السلطانية"، وتدور حول ثلاثة محاور: طاعة السلطان، أخلاق السلطان، أخلاق الكاتب. وهذا التركيز على السلطان، من حيث التأكيد على طاعته ورسم حدود أخلاقه في علاقة بالكاتب، يؤكد أن "ابن المقفع" كان ينظر لوظيفته من زاويتين:

1- من الزاوية الأولى، عمل على توظيف الأدب لتحصيل السلطة، ولذلك كان "ابن المقفع" يقوم بدور الخبير للدولة الجديدة، دور المفتي في شؤون الإدارة والحكم، وكان من الطبيعي أن تكون فتواه عبارة عن إيجاد السبل لتطبيق القيم الكسروية (12).

2- من الزاوية الثانية، عمل على تغيير الدولة من خلال تغيير السلطان، فقد كان تركيز "ابن المقفع" على السلطان خطة محبوكة لمحاولة تغيير الدولة، من فوق، لأنه كان على وعي بما يتطلبه التغيير من القاعدة من وقت لم يكن بإمكان "ابن المقفع" انتظاره، لأنه كان يفكر في الانتقال إلي الخطة الثانية، وهي إطباق السيطرة على الدولة من طرف العامل الفارسي، ومن ثم إعادة إحياء الإمبراطورية الساسانية، بما تجسده من قيم فكرية وسياسية، في قالب إسلامي.

ولقد كان الإصلاح السياسي والاجتماعي وكُد ابن المقفع وديدنه، بعد أن تعمق في دراسة الحياة الاجتماعية والسياسية، وتقف أداب قومه الفرس، المتعلقة بشؤون الدولة وقواعد الحكم وسياسة الرعية، فأراد أن يقدم حصيلة معرفته في هذا الميدان؛ لما يري من اضطراب الأمور، واختلال القيم، وانعدام الحرية السياسية، في عهد تأسيس لسلطة جديدة، لابد لها – والحال هذه – من دستور تعليمي في الحكم، يهتدي الحاكم بهديه، فلا يظلم الرعية، ويحُسن السيرة فيهم ولعل أفضل قالب يصب فيه خبرته ومعارفه تلك، هو القص علي لسان الحيوان أو الحكاية المقنعة – إن صح التعبير – التي يضمن بها غائلة السلطان الجائرة (13) .

ولهذا يعد كتابه " كليلة ودمنة" من أهم الكتب التي تحكي قصة الصراع بين الإرادة والوعي، أو بين السياسة والثقافة، أو بين السيف والقلم، وكان حس ابن المقفع النقدي الإصلاحي دافعاً إلي تلميحه الصريح – إن جاز التعبير – إلي غايات الكتاب دون مواربة كافية، قصداً إلي توجيه القارئ ليبلغ غايات الكتاب الباطنة .

ولعل أهم محتويات الكتاب هو الحث علي التعقل والتفكير في كل شئون الحياة من أكبرها إلي أصغرها، وعدم الانقياد لأي عقيدة انقياداً أعمي بلا وعي، وعرض أداب السلوك التي يتعين علي صاحب الإمارة مراعاتها إذا ابتلي بها، ذلك بأن يكرس كل وقته لعمله، وأن يكون جازماً في الحق، وحسن الاختيار، لا ينفرد بالرأي ن ولا يعنيه المدح أو الملق، يعاقب المسيئ ويثيب المحسن، وعليه أن يسأل الناس، وان يأخذ الرعية بالفضيلة وتجنب الرذيلة (14).

وإذا كنا في زماننا نقول ما بُني علي باطل فهو باطل، فقد كان ابن المقفع يري أن ما يبني علي غير أركان وثيقة، أي علي غير أساس متين، فإنه يتعرض للتصدع والتداعي؛ ولسوء ظن ابن المقفع بالملوك نجده يحذر من مصاحبة الملوك، ويدعو للابتعاد عنهم، لأنهم أصحاب أهواء، لا يؤمن جانبهم، وكذلك يحذر الحاشية التي تتعامل مع الملوك من الوقوع في أي خطأ بسبب سوء طويتهم ويتعين علي الخليفة أن يصدر قانوناً يلزم الفقهاء والقضاة بعدم التضارب في أحكامهم علي الواقعة الواحدة ومن بدأ حديثاً يجب أن يتمه، لأن قطعه يثير الريبة، وسخف لا يليق، ولكل حديث موضعه، فإن أتي في غير الموضع فقد طلاوته وبهاءه كما أن خلط الجد بالهزل، أو الهزل بالجد، سخف أيضاً (15).

ولهذا السبب نجد ابن المقفع يؤكد في كتاب " كليلة ودمنة"، أن سبب تأليفه الكتاب هو غاية له، في الوقت ذاته فالكتاب – كما هو في الحكاية الإطارية أو الأساسية له – أُعد لإصلاح الملك الطاغية " دببشليم" الذي طغي وبغي، وتجبر وتكبر، وعبث بالرعية، وأساء السيرة، وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتواً . وكان في زمانه رجل حكيم فيلسوف، يقال له ( بيديا)، فاستقر رأيه أن يواجه الملك، بما يعيده إلي جادة الصواب، ومحجة الهُدي، ثم ألف هذا الكتاب " ليكون ظاهره لهواً للخواص والعوام، وباطنه رياضة لعقول الخاصة" (16) .

وهكذا يسعي ابن المقفع من خلال الحكاية المقنعة إلي تقويم الملك وإرشاده إلي سبل السلام، مع نفسه ومع الرعية، ومن ثم مع أعدائه ومناوئيه، وفي نهاية المطاف، يتوقف الملك عن توجيه الأسئلة للفيلسوف:" فلما انتهي المنطق بالفيلسوف إلي هذا الوضع، سكت الملك " (17).  ومن هذه النتيجة للتخلص من فعل السرد أو القص، بيد أنه تخلص موفق محمود مرموز في الوقت نفسه؛ إذ يشعر القارئ أن الفيلسوف، حقق غايته من الكتاب، وهي ما أخبرنا به ابن المقفع نفسه، حيث قال:" فإنه قد كمل فيك الحلم والعلم، وحسن العقل والنية، وتم فيك البأس والجود، واتفق فيك القول والعمل، فلا يوجد في رأيك نقص، ولا في قولك سقط ولا عيب . وقد جمعت النجدة واللين، فلا توجد جباناً عند اللقاء، ولا ضيق الصدر، عند ما ينوبك من الأشياء (18).

ولعلنا نتفق مع ما ذهب إليه أستاذنا أحمد أمين، حين رأي أن ابن المقفع في موقفه من الخليفة المنصور، يحاكي موقف (بيديا) من ( دبشليم)، لذا رأي أن ابن المقفع أن يفيد من الكتاب، بحسب رؤيته الخاصة به، والمتساوقة مع الإطار السياسي والاجتماعي لعصره، ليعمل في الخلفاء والرعية، ما فعله ( كليلة ودمنة) في الملك ( دبشليم)، ومن جاء بعده من الملوك في الهند وفارس، وهذا هو الغرض الأقصى من الكتاب، والمخصوص بالفيلسوف (19) . وهذا هو واجب الحكماء في كل زمان ومكان، إذ إن " الملوك لا تفيق من السورة إلا بمواعظ العلماء، وأدب الحكماء والواجب علي الملوك أن يتعظوا بمواعظ العلماء . والواجب علي العلماء تقويم الملوك بألسنتهم، وتأديبها بحكمتها، وإظهار الحجة البينة اللازمة لهم ليرتدعوا عما هم عليه من الاعوجاج، والخروج عن العدل.

غير أن الحكاية المقنعة أو التقية إن جاز التعبير لم تُفد ابن المقفع فلم يحقق بغيته، كما حققها (بيديا) الفيلسوف، وذهب ضحية فكره الاصلاحي، وليس قتله عائدا إلي زندقته وشعوبيته – المزعومتين – كما رأي أحد الباحثين، حيث قال:" إن ابن المقفع دفع دمه ثمناً لأول كتاب من كتب الأدب القصصي العربي المرتبط ارتباطا كاملا بالتراث الأسطوري . ولعل هذه الحقيقة تعطي لهذا الكتاب أهميته الحقيقية في فن الكتابة العربية كلها، كما تعطي ثقلها الحضاري لرجال الفكر العرب، ولدورهم الطليعي في الدفاع عن الفكر، والتضحية من أجل حضارة الإنسانية، وبقاء كرامة الإنسان (20) .

وكانت آخر كلمات ابن المقف لسفيان بن معاوية: «والله إنَّك لتقتلني؛ فتقتل بقتلي ألف نفس، ولو قُتِل مائة مثلك لَمَا وفُّوا بواحد" (21).

وهكذا راح الأديب العبقري والإنسان الفاضل، ضحية السياسة والخلافات السياسية داخل الأسرة العباسية، ولم يقتل كخصم سياسي، بل ألصقت به تهمة الزندقة التي هو منها بريء بشهادة مؤلفاته، وبشهادة الأبحاث التي دارت حول حياته وفكره (22).

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............

1- د. أحمد محمد سالم: دولة السلطان – جذور التسلط والاستبداد في التجربة الإسلامية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2011، ص 12-15.

2- المرجع نفسه، ص 16-19.

3- د. عز الدين العلام: الآداب السلطانية – دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، سلسلة عالم المعرفة – العدد 324- الكويت، 2006، ص 45.

4- د. عبد الرازق عبد الرازق عيسي: قراءة في الفكر السياسي لابن المقفع، نادي المدينة المنورة الأدبي الثقافي، مج 31،ع62،61، 2007م، ص 277.

5- أبو عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام هارون، ط5، 1405هـ، 1985م، ج1، ص 115-116.

6- قحطان صالح الفلاح: الأدب و السياسة: قراءة في كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع، جذور، النادي الأدبي الثقافي بجدة، مج 11،ج 2، 2009م، ص 66.

7- د. عبد الرازق عبد الرازق عيسي: نفس المرجع، المرجع السابق ص 277.

8- المرجع نفسه، ص 228.

9- المرجع نفسه، ص 228.

10- نوير بنت ناصر محمد عبد الله الثبيتي: تنوع الأداء البلاغي في أدب ابن المقفع، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة ام القري، كلية اللغة العربية، ص 15.

11- د. محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، بيروت، لبنان، 2000، ص329 وما بعدها.

12- المرجع نفسه، ص340 وما بعدها.

13- قحطان صالح الفلاح: المرجع السابق، ص 68-69.

14- نبيل فرج: ابن المقفع (724 - 759 ) الحاكم والرعية، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، مج 12،ع 4، 2012، ص 133

15- المرجع نفسه، ص 133.

16- قحطان صالح الفلاح: المرجع السابق، ص 69.

17- المرجع نفسه، ص 70.

18- المرجع نفسه، ص 71.

19-  أحمد أمين: ضحى الإسلام، القاهرة / مهرجان القراءة للجميع 1999، ص 334.

20- المرجع نفسه، ص 72.

21- حسين جمعة: ابن المقفع إبداع بين حضارتين، دار رسلان للطباعة والنشر، 2016م، ص77.

22- ليلى حسن: كليلة ودمنة في الأدب المقارن دراسة مقارنة، مكتبة الرسالة، عمان، 1977م، ص16.

 

 

جمال العتابيلا بد من إستدراك التجريد الذي يذهب اليه كاتب السيرة في رؤيته للأحداث، في إستمرارها وصراعها، لنضيف، ان حيز الصراعات بين القوى الاجتماعية والسياسية، لا يقع حكماً وبشكل حتمي في المنطق التقليدي السطحي،إنما هناك جملة من المصالح الكبرى والصغرى التي تختبئ أو تحتجب وراء الستار على الأغلب.

وردت في هوامش المذكرات إشارات عديدة لدور السفارة البريطانية في أحداث العراق ما بعد تموز 58، إعتمدها الدكتور طارق العقيلي في دراسته (بريطانيا ولعبة السلطة في العراق)، المطبوعة في عمّان 2019، أكّد بعضاً منها الشيخ راضي، وشكك في البعض الآخر، أو نفاها، فهو يؤكد إرتباط القيادي طالب شبيب مع الغرب، إذ كشف شبيب بعد سنين طويلة دون خجل عن إرتباطه بجهات إستخبارية أمريكية، عندما طرح نفسه كمعارض لحكم صدام حسين، (ص200)، كما يشير الى علاقة عبد الستار عبد اللطيف الوطيدة مع تاجر عراقي مشتبه به، لم يكن بعثياً ولا قومياً، يدعى موفق الخضيري، الموصوف لنا بأنه أحد المقربين من السفارة البريطانية ببغداد، والمترددين عليها، وله علاقات  واسعة وعميقة مع السفارة البريطانية، ان الأمانة التاريخية تقتضي تقصياً أعمق، في إشكالية لا تتعلق بأشخاص قياديين في الحزب، إنما في كيانه السياسي على العموم، إذ يذكر: قد لا أبرئ البكر، وحردان، وعبد الكريم الشيخلي من علاقتهم بالسفارة البريطانية ببغداد، وإرتباطهم بها، لاسيما ان الشيخلي كانت له علاقة مع الغرب منذ أن أصبح ملحقاً عسكرياً في السفارة العراقية في بيروت عام 1963، وتجلّى إرتباط هؤلاء يوم نجاح إنقلاب تموز 68، وعلى الرغم من خصومته الشديدة مع حازم جواد، لكنه يشهد للتاريخ، انه كان وطنياً نزيهاً، لم يدنّس تاريخه السياسي بهذا (الوحل الآسن)، إلا ان طموحه الكبير قتله، وقتلنا معه.

كل هذا الكلام عن الإرتباطات بالمخابرات الأجنبية، يقال بحسابات مفتوحة، ثمة دائماً أفق خفي، يقف وراء البدايات الأولى، وإمعاناً في هذه الإشكالية، التي تعود بنا إلى مراجعة المنطلقات الفكرية التي مهدت السبيل لتشكيل الأحزاب والحركات القومية، والبحث في تاريخ مؤسسيها، وعلاقة ذلك بالهوية والإنتماء الوطني، لا بد من إعطاء الفرص لكل اؤلئك الذين اطلعوا على الحقيقة، لكي يكتشفوا بأنفسهم وبوعي ذاتي، المأزق الذي  إنقادوا إليه، علّهم يعيدوا النظر بمواقف الماضي الخاطئة، فالمراجعة لاتعني الهزيمة. وأعني تحديداً ان تاريخاً تكتنفه الشبهات بالعمالة، أو الإرتباط بجهات أجنبية، لم يمر عابراً في حياة العراقيين، إذ إمتد إلى عقود لاحقة من الزمن، ليتحول إلى تاريخ وجع عراقي بإمتياز، خلال حقبة الديكتاتورية، وما تلاها من تبعات فجائعية. تتحمل تلك القوى مسؤولية مباشرة في وقوعها.

ومن المفيد مراجعة كتاب العقيلي بشأن الوثائق البريطانية التي تتعلق بدور موفق الخضيري للإعتراف بدولة الكويت، بعد إنقلاب شباط63، وبهذا الصدد، يقول الشيخ راضي: لقد إنطلت علينا اللعبة الكبرى، التي لم ندركها في حل المسألة الكويتية على وفق رغبة طالب شبيب، وتبريراته المتساوقة مع حماسة العسكريين الذين تسابقوا معه في الذهاب الى الكويت، ولقاء (أشقاء العروبة) ، شيوخ وأمراء الكويت، كما يصفهم محسن بسخرية، وبموجب الاتفاق (الصفقة)، قدمت الكويت قرضاً للعراق مقداره 30 مليون دينار ،، مع مليوني دينار تبرعات (لشهداء 8  شباط). والملفت للنظر ان جمال عبد الناصر في لقاء مع علي صالح السعدي، حذره من وليم ليكلاند الملحق العسكري في السفارة الامريكية ببغداد، وأسماه خبير الإنقلابات، ولم يفهم السعدي في وقتها معنى التحذير، ولم يكن يعلم بعلاقة ليكلاند ببعض البعثيين المدنيين والعسكريين. وعليه فان الأخير اتصل بمدير الأمن العام جميل صبري البياتي مبدياً إستعداد حكومته بتزويد العراق بالسلاح، مقابل إطلاع الامريكان على تفاصيل منظومة الدبابة الروسية الحديثةT54.

بيد ان الحقيقة التي تسربت الينا، يضيف الشيخ، ان عماش كان على صلة وثيقة بليكلاند، وله إتصالات دورية معه بعلم وموافقة العسكريين البعثيين، لكنه يستدرك في الوقت ذاته، ليقول: لكي لا أدخل في دائرة التخوين ورمي الآخرين بالعمالة للأجنبي، لا بد لي، حسب المعلومات التي حصلنا عليها لاحقاً بعد إنقلاب 18 تشرين 63، أن أفكك  تشابك الأدوار، لأدوات من داخل المجلس الوطني لقيادة الثورة،، وسارت في طريق العمالة للغرب، سجلها خصومنا والتاريخ شبهات ضدنا، وضد الحزب في كل الأحوال، اللافت للنظر ان هذه الارتباطات، وعلاقات عماش بعميل الCIA, كانت تتم دون علم القيادة القطرية، وكما يبدو من سير الاحداث، التي يرويها الشيخ راضي، ان علي صالح السعدي، وهو أعلى مسؤول في القيادة، ينطبق عليه المثل العراقي (نايم ورجله بالشمس)، ولم يستفق هو ومجموعته (الفكيكي، ابو طالب، حمدي عبد المجيد، محسن) الا بعد نفيهم الى مدريد، اثر الانقلاب الداخلي في المؤتمر الخامس.

تشير الوقائع والأحداث ان بريطانيا لم تترك العراق، ولم يكن غريباً ان يتصدر العراق موقعاً أمامياً في إقتصاد ودبلوماسية الامبراطورية البريطانية، ويصبح محطّ أطماع المصالح الإمبريالية الأخرى. وإعتماداً على ماأورده العقيلي من وثائق، وأيده الشيخ راضي، فالمرجح ان انقلاب 8 شباط كان تدبيراً بدعم بريطاني، لا أمريكي حسب ماهو شائع.

إذ تمددَ دور السفارة البريطانية، في حياة الحزب الداخلية، وتدخلت في الصراعات القائمة بين اجنحته المختلفة، وكان لها دور في عملية نفي السعدي وجماعته، فإستطاع (روبي) الموظف فيها، تسهيل مهمة الطائرة العسكرية العراقية في نقل المنفيين الى القاعدة البريطانية في قبرص، ثم الإنطلاق برحلتها الى مدريد (العقيلي، هامش، ص284)، ويصف راضي هذا النفي : لقد نفذوا إرادة عفلق تحت حراب بنادقهم، بفضل القوى الخارجية التي قدّمت لهم الخبرة الأمنية والإستخبارية، ومن قوى إقليمية يتقدمها عبد الناصر، وأنصاره في العراق، فقد إختطفوا الحزب منذ ذلك التاريخ، وسيتحول البعث على أيديهم إلى حزب العشيرة والقرية،

ولعل المفارقة ان هذه الظاهرة استطاعت أن تجرّد وجود الأشياء، والناس والأفعال من تاريخها، وان تصنع زمناً بلا تاريخ، وهنا يكمن سر إنهيارها السريع، وهروبها المريع، اللذين كشفا عن حقيقة إندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان.

لعل أحد الأ سباب الأكثر جوهرية في ضعف الإنتماء للأيدلوجيا، يقوم على ضعف وجفاف الإجتهاد النظري، بدايات الإنتماء لمحسن الشيخ راضي، قائمة على الحماس وحلم الشباب بدولة وحدة قومية، شعارات هلامية، إنشائية، وفكرة جذابة بعيدة عن الواقع، كانت تفتقر الى الكثير من أدوات الجدل الفكري والسياسي بمعناه الفلسفي الواسع، وعلى مسافة بعيدة من تلك الأدوات، كان متأثراً بعفلق، ويراه شخصاً صوفياً متواضعاً، ومن شدة تأثره القوي فيه، كان يحسبه قديساً ورعاً، ثم تمضي السنوات ليتحول عفلق بعد تشرين63 مثلاً للنفاق السياسي، يقول عنه: ان عقدة إنحراف البعث وتمزيقه في العراق جاء على يد عفلق، وأنصاره، لذلك بدأ توجهنا نحو آفاق بعيدة جداً للتخلص من أبوية عفلق، وإنتزاع شرعيته المصطنعة، وهدم صوفيته المخادعة، ولعنتُ القدر واليوم الذي صرت فيه عفلقياً.

في الإطار العام يمكننا تقييم النتيجة التي انتهت اليها تجربة الشيخ راضي السياسية، التي سجّلت كوثيقة شفاهية، تنقصها الوثيقة والدليل، معتمداً على ذاكرته، لذا جاءت الروايات، متناقضة مع مذكرات البعض من القادة البعثيين، ومتناقضة في سردياته كذلك، وربما تكون هذه الملاحظة إحدى المآخذ على السيرة، إن حقيقة الإنتماء أوسع من أن يمثله تيار، أوحزب، أو مفهوم واحد، واذا كان من الضروري تصحيح بعض الروايات، أو التأكد من صوابها ودقتها، فهناك من رفاق الشيخ، مازالوا أحياءً، وبذاكرة يقظة، كان بالأمكان عرض المخطوطة عليهم قبل النشر، في بعض المفاصل التاريخية. وأمامه فرصة أكبر للبوح بما هو مضمر، ومهم.

حاول محسن الشيخ راضي ان يتحرر من ثقل الماضي، وصراعاته المدمرة، لكن النتيجة الكارثية التي أصابت البلد، الى حد هذه اللحظة من المسؤول عنها؟ من يرمم النفوس، ومن يعوّض الأرواح؟ من يزيح الأحزان التي رافقتنا؟ منذ عهد الإنقلابات والصراعات؟ ليس من شأن هذه القراءة أن تجيب على هذه الأسئلة، وهي تتمتع بقدر كبير من الأهمية، لكن لاشيء يجري تجاهله،  ولاشيء خالياً من المعنى،

ان اعترافك الأخير ياشيخ الراضي مرير ودامٍ، لكن مازالت تسكنك الكراهية لعبد الكريم قاسم، بشخصه، ونظامه، رغم حضورك المشهد التراجيدي لمقتله، وفكرة (البعث) لم تغادر عقلك، بدليل انك ابتعدت عن مناقشة  المعضلات الفكرية والسياسية داخل التنظيم، ولم تقدم الحلول والبدائل في معالجتها، وإكتفيت بالقول (أعترف بأني قد أسأت بحق العراق والشعب العراقي، ولعل نوايانا الحسنة لا ينفع معها الإعتذار، لأننا أدخلنا العراق في دوامات الفوضى والضياع، وأهدرنا مستقبل أجيال من شبابه، وأطلب العفو من كل مواطن عراقي يعتقد بأنني كنت وراء اضطهاده أو سجنه، أو حتى إساءة صدرت عني بحقه.)

بهذه اللغة يختتم الشيخ الجزء الأول من مذكراته، انها العزلة التي تتمدد بجسدها الموحش في نص لا تجد العبارة فيه سبيلاً للإفلات، بل يأخذك النص نحو النزف، وبلاغة المرارة، لقد آن للصمت أن يتفكك وينهار، وأن تتكشف أبعاد اللعبة، وخفاياها. ومحسن الشيخ راضي لم يفعل المستحيل ليخترق سكونه، في خضم الألم الذي يعيشه، من أجل أن يتوازن، أو يخفف من عبء الكابوس وفداحته، لقد تركوا العراقيين وحيدين أمام هذا الكابوس، وأمام هذه المحنة الكبرى.

أشعر ان الشيخ راضي، لم يقل كل ما عنده، لم يكن كافياً لكي يصرخ، لكي يصيح، لكي يعبّر عن الذهول، انه ينعى نفسه، وهكذا كان الصمت يتضمن الكثير من الصراخ، الذي لا تكاد تسمعه عند نفسك. فما زال الجرح يُرتَقْ عورات الوطن المذبوح، بسيف من أهله وبنيه. هب لي من كلماتك ما يعيد لي أبن أمي (سامي)، لأشمّ عطر قبره المجهول. لكنني أحييك، وأشد على يديك، لأنك قلت الحقيقة، ولو متأخرة، لكنك أفضل آلاف المرات من رفاقك الذين غادروا الحياة بعد أن أصابهم الخرس التام، كأنك تريد أن توقظ الحجر الصلد من سبات!

ليس من العدالة ان يكتفي الإنسان بالصراخ، إذاً متى سيأتي الإحتجاج والحساب؟ ، تلك هي مأساة الإنسان الصادق، وكيف يكون أميناً في التعبير عن نفسه أمام معضلة من هذا القبيل.؟؟ لا يكفي أن نوقد الأسى، والبلاد في (غيابة الجبّ)، وغولها يزرع الخراب والجوع.

 

جمال العتّابي

 

2498 المترجم عدنان عليفقدت الساحة الثقافية في روما، ظهر أمس، مترجمًا قديرًا من الإيطالية إلى العربية الراحل عدنان علي، وذلك عن سنّ تناهز الرابعة والستين عاما، رفد خلالها المكتبة العربية بسلسة متنوعة من الأعمال. قدِم عدنان إلى إيطاليا في ريعان الشباب مطاردًا طيف الحرية والعيش الكريم ككثير من العراقيين. وقضّى في ربوع إيطاليا ما يناهز الأربعة عقود، بين الترجمة والتدريس. كان الفقيد يزهو حين يحدّثني عن أربيل ودهوك وحلبجة والسليمانية وتنشرح أسارير وجهه، وكان أكثر ما يثير شوقه إلى العراق سنوات الدراسة الجامعية في بغداد.

عهدت عدنان بشوشا ضحوكا، لم تبدّل سنوات المنفى وهجران العراق من طبعه المرح، ذلك هو العراقي الكردي عدنان نجم الدين محمد علي (من مواليد "altamin " في الفاتح من يوليو 1957). فقد تعاملتُ مع جلّ المترجمين من الإيطالية إلى العربية، داخل إيطاليا وخارجها، في التصحيح والتحرير والتنقيح والترجمة، ولم أجد مترجما منضبطا في الوقت، ودقيقا في القول، وحريصا على إتقان عمل الترجمة مثل عدنان. كان طبعه المرح يخفي متانة علمية ودقّة معرفية. وكان الراحل من أوائل المترجمين الذين التفّوا حول "مشروع كلمة" للترجمة، ورفد المؤسسة بسلسلة من الأعمال منها: "الحياة اليومية في نهاية العالم القديم" لجورج رافينياني (2017)، ورواية "إن عانقتك فلا تخف" لفولفيو إرفاس (2016)، و"سوسيولوجيا الجسد" لباولا بورنيا (2014)، و"الواقعية الجديدة والنقد السينمائي" لغويدو أريستاركو ( 2011)، و"تاريخ الهجرات الدولية" لِباولا كورتي (2011). كما ترجمنا معا كتاب "الإسلام الإيطالي.. رحلة في وقائع الديانة الثانية" لستيفانو أليافي (2010) فكان خير معين في الترجمة. ترجم عدنان كذلك كتبا للأطفال والناشئة مثل "الأَسدُ آكِلُ الرُّسومِ" لبنيامينو سِيدوتي، و"رِحْلةٌ إلى المَجْهول" لكريستيانا فالنتيني وفيليب جوردانو، و"رَجُلُ المَاءِ والنّافُورَة" لأوغو روزاتي وغابرييل باكيكو (2016) وهي جميعها منشورة لدى مشروع كلمة في أبوظبي.

فقدتُ سندًا وعونًا في الترجمة من الإيطالية، فقد كانت سرعته الفائقة ودقته المتناهية تفوق كلّ تصوّر، كان يتعامل مع الحرف بقداسة ورشاقة. لقد بادل عدنان العربيةَ حبّا فبادلته امتثالا وانسيابا، رحم الله عدنان وأسكنه فراديس جنانه.

 

عزالدين عناية

جامعي تونسي مقيم في إيطاليا

محمود محمد عليتحل هذه الأيام ، ذكرى وفاة أسامة أنور عكاشة – التي تمر ذكرى رحيله الـ 11 اليوم- في الكثير من أعماله وخاصة في ملحمة " ليالي الحلمية" الرائعة عن جزء كبير من أحلام جيلنا الذي ولد في منتصف الستينات وعاش بوعيه الصغير الذي تربى ونما على أفكار وأحلام الستينات وما تبقى منها في مناهج المرحلة الابتدائية من شعارات نرددها في طابور الصباح " قومية.. عربية" أو إنجازات ثورة يوليو وزعيمها من خلال سطور مكتوبة على الغلاف الأخير لكراسات وكشاكيل الواجب.

ورغم مرور 11 عامًا، على وفاة الكاتب أسامة أنور عكاشة، فلازالت كتابته مادة خصبة للكثير من العاملين بقطاع الفن، كما هو الحال مع أعماله الفنية التي تحظى بنجاحات وكأنها تُعرض لأول مرة، لذلك يمكن اعتبار أسامة أنور عكاشة هو الغائب الحاضر في عام 2021.

ويُعد الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، أحد أبرز الكُتاب المصريين، الذين أثروا الساحة الدرامية بعشرات الأعمال التي حققت نجاحًا كبيرًا داخل مصر وخارجها، ولازالت تُحقق إقبالًا جماهيريًا حتى الآن، كونه نجح في اختراق قلوب المُشاهدين بقضايا وموضوعات تلامس المُشاهد.

علاوة علي أنه يمثل أحد أهم المؤلفين وكتاب السيناريو في الدراما المصرية والعربية، ساهم بشكل كبير في إنعاش وتطور الأدب في مصر بجانب أعماله الدرامية التي حفرت في أذهان الكثيرين منذ صغرهم، ومازال المصريون يذكرونها رغم مرور عشرات السنوات، حيث استطاع من خلال أعماله يسرد الواقع بكل ما يعيشه الإنسان والطبقات في المجتمع المصري والعربي، إنه أسامة أنور عكاشة، الذي رحل عالمنا في مثل هذا اليوم 28 مايو عام 2010، ولكنه ما يزال صانعاً في قلوبنا أثراً عميقاً لن يُمحى، وفي هذا التقرير نرصد أبرز أعماله الدرامية الراسخة بذاكرة الجمهور العربي.

ولهذا يعد عكاشة حسب النقاد الفنيين واحدا من أبز الكتّاب الذين أعادوا الاعتبار إلى الدراما المصرية والعربية، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق. فقد جمع أسامة أنور عكاشة في مسلسلاته التلفزيونية بين التناول العميق للقضايا الاجتماعية والسياسية المهمة وبين التشويق الدرامي الجذاب للجمهور العريض، فتسابق كبار نجوم السينما المصرية على التعاون معه، مثل فاتن حمامة في مسلسل "ضمير أبلة حكمت"، ومحمود مرسي في "رحلة السيد أبو العلا البشري"، ومحمود المليجي في "وقال البحر"، وسناء جميل "الراية البيضا"، ويوسف شعبان الذي قام ببطولة أحد أكثر مسلسلات عكاشة نجاحاً، وهو "مسلسل الشهد والدموع"، وأخيرا يحيى الفخراني الذي تعاون معه في أكثر من مسلسل أشهرها "ليالي الحلمية" الذي يعد أطول المسلسلات العربية، إذ استمر نحو 150 حلقة.

وكان أسامة أنور عكاشة ، فوقَ كونِهِ قارئًا ، يملِكُ عينين لاقطتينِ وذاكرةً حديديّةً ، يقرأُ وجوهَ الناسِ وطباعَهم وحركاتِهم ، ويختزنُ طريقةَ كلامِ كلٍّ من يدخلُ في أرشيفِ هذه الذاكرة ، ويشاءُ لهُ القدرُ أنْ يدورَ عدّةَ دوراتٍ بلا ترتيبٍ ولا إرادة ليطالعَ الأماكنَ بما فيها من ثابتٍ ومتحرّك ، وليملأَ ذاكرتَهُ بـ ” كلّ المصريينَ ” ويدّخرهم إلى اللحظةِ المناسبة

ولد أسامة أنور عكاشة في طنطا في27  يوليو 1941 - 28 مايو 2010 ،  كاتب روائي ومسلسلات وأفلام ومسرحيات مصري. وهو أحد أهم المؤلفين وكتاب السيناريو في الدراما المصرية والعربية، وتعد أعماله التلفزيونية الأهم والأكثر متابعة في مصر والعالم العربي، عرف طريقه إلي قلوب البشر بصدق الكلمة، ورشاقة المعني، ونجحت أعماله في خلق جيل جديد من كتاب السيناريو القادرين على الإبداع وإمتاع المشاهد عوضا عن تقديم أعمال تلفزيونية لمجرد التسلية.

وقد تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بمدارس كفر الشيخ؛ حيث كان يعمل والده، توفيت والدته، وهو لم يجاوز السادسة، وكان لذلك الحرمان أكبر الأثر في شخصيته من خلال الحب الذي جسده في كل أعماله كأنه يعوض عما حرم منه في طفولته "أنا قلبي زي الموبايل، والحب هو بطارية الشحن، بدونها يتوقف عن العمل، فأنا لا أستطيع الحياة دون حب، فهو شعور يعني لي البقاء".

التحق بقسم الدراسات الاجتماعية والنفسية بجامعة عين شمس التي تخرج منها عام 1962، وهذا ما ساعده على توظيف تخصصه في فهم الظواهر الاجتماعية وعلاقة الفرد بمجتمعه، والغوص في أعماق النفس البشرية وصراعاتها الداخلية،  وخلال هذه الفترة بدأت إرهاصات محاولاته الأولى في مجال التأليف.

وقدّم أسامة أنور عكاشة الكثير من الأعمال الأنجح في تاريخ التليفزيون المصري، من أبرزها: "ليالي الحلمية، الشهد والدموع، رحلة السيد أبو العلا البشري، أنا وأنت وبابا في المشمش، ضمير أبلة حكمت، أرابيسك، الراية البيضا"، ورحل عن عالمنا في توفي في يوم الجمعة 28 أيار 2010 أثناء وجوده بغرفة العناية المركزة بمستشفى وادي النيل الذي دخله قبل أيام من وفاته..

ولم تقتصر إبداعات عكاشة على التلفزيون فأعطى للمسرح والسينما أعمالاً مميزة، وإن لم يحقق فيها النجاح الذي حققه في الدراما؛ فكتب مسرحيات منها؛ "القانون وسيادته" لمسرح الفن، و"البحر بيضحك ليه" لفرقة الفنانين المتحدين، و"الناس اللي في التالت" للمسرح القومي، ومسرحية "ولاد اللذين" للقطاع الخاص وذلك حسب قول في مقاله الأستاذة مني شكري في مقالها صورة من قرب أسامة أنور عكاشة.. للتلفزيون ذاكرة بحفريات.

وسينمائياً قدم مجموعة من الأفلام: الهجامة، تحت الصفر، الطعم والسنارة، والإسكندراني، إضافة إلى كتيبة الإعدام، ودماء على الإسفلت مع المخرج المبدع عاطف الطيب.

كما كان يكتب مقالات منتظمة في جريدة الأهرام وغيرها، وقد جرت عليه صراحته بعض المشاكل؛ فلم تخل حياته في سنيّه الأخيرة من جدل؛ لعل أبرزه ما أثير بعد مقال كتبه العام 2004 في صحيفة الموجز الأسبوعية هاجم فيها فاتح مصر عمرو بن العاص، ونعته بأوصاف اعتبرها كثيرون لا تليق بأحد الصحابة، الأمر الذي أحدث ضجة في الأوساط الدينية في بلده.

وأسامة لم يكن مجرد كاتب مسلسلات أو مؤلف حواديت وحكايات للتسلية وانما مفكرا ومبدعا صاحب مشروع فكرى شخصي.. وقومي ظل يسكنه وبقي طوال عمره يسعى لتحقيقه وانجازه. وأظن انه حققه بدليل هذه الأعمال البديعة التي أعادت نوبة الصحيان والوعى للمجتمع ومقاومة محاولات التشويه والتغيير العشوائي وتجريف العقل المصري منذ بداية السبعينات، فتحولت الدراما التليفزيونية بين أصابعه الى سلاح للمقاومة والوعي منذ سباعية "الإنسان والحقيقة"، ثم مسلسل "الحصار" في عام 1977، و"المشربية"، و" أبواب المدينة" و"الشهد والدموع" و"ليالي الحلمية " وارابيسك" وذلك حسب قول في مقاله الأستاذ عادل السنهوري في مقاله أسامة أنور عكاشة في ذكرى رحيله باليوم السابع,

كما كان له مقالًا أسبوعيًا في جريدة الأهرام، واشتهر كونه كاتب أكثر المسلسلات في مصر والشرق الأوسط شعبية مثل ليالي الحلمية والشهد والدموع. آخر أعماله التليفزيونية كان مسلسل المصراوية، وقد حاز على جائزة أفضل عمل في الجزء الأول منه والذي عُرض في سبتمبر من عام 2007 ، ويجسّد المسلسل تاريخ الشعب المصري منذ العام 1914. عرف عنه إنه ناصري التوجه، لكنه لم يعد يؤمن بفكر الرئيس جمال عبد الناصر، وطالب بحل جامعة الدول العربية وإنشاء منظومة كومنولث للدول الناطقة بالعربية مبني على أساس التعاون الاقتصادي[4]، ويعرف عنه أيضا انتقاده وهجومه على التطرف والجماعات المتطرفة.

ويعرف عنه عشقه الشديد لمدينة الإسكندرية على الرغم من أنه لا ينتمي إليها، لكنه كان يقيم بها بصورة شبه متواصلة وينجز بها أهم أعماله.

وقدم أسامة أنور عكاشة مجموعة من الأعمال الأدبية أهمها مجموعة قصصية بعنوان "خارج الدنيا" وهي صادرة عام 1967م من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ورواية "أحلام في برج بابل" عام 1973م، ومجموعة قصصية بعنوان "مقاطع من أغنية قديمة" صادرة عام 1985م، ورواية "منخفض الهند الموسمي" وصدرت عام 2000م

ورواية "وهج الصيف" وصدرت عام 2001م، كما قام بتأليف عدد من الكتب منها كتاب "أوراق مسافر" وهو صادر عام 1995م، وكتابي "همس البحر" و" تاريخ خريف" وهما صادرين في نفس العام.

عرف عنه إنه ناصري التوجه لكنه لم يعد يؤمن بفكر الرئيس جمال عبد الناصر وطالب بحل جامعة الدول العربية وإنشاء منظومة كومنولث للدول الناطقة بالعربية مبني على أساس التعاون الاقتصادي ويعرف عنه أيضا انتقاده وهجومه على التطرف والجماعات المتطرفة, ويعرف عنه عشقه الشديد لمدينة الإسكندرية على الرغم من أنه لا ينتمي إليها لكنه كان يقيم بها بصورة شبه متواصلة وينجز بها أهم أعماله.

وينتمي أسامة أنور عكاشة إلي عدد من الهيئات فهو عضو اتحاد كتاب مصر وعضو نقابة المهن السينمائية، وقد حصل على العديد من الأوسمة والجوائز أهمها جائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2002م، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون لعام 2008م.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي أسامة أنور عكاشة حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب "روائيون" لا يعرفون قدر أسامة أنور عكاشة ، فتحية طيبة له الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للروائي المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله أسامة أنور عكاشة ، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "محمد أبو القاسم محمد أحمد" – أستاذ هندسة البيئة بكلية الهندسة بجامعة أسيوط، واحداً من أهم الأستاذة الذين أسهموا في الاعتماد علي استخدام التطبيقات الهندسية والعلمية، وذلك لخدمة البيئة وحمايتها، حيث عمل أبو القاسم في القطاعات الصناعية والبحثية في سبيل الإنجاز والتوصل إلي حلول تهدف للتحكم بالتلوث، بالإضافة إلي إنجازاته البحثية في تنوع مصادر الطاقة وزيادتها إلي أكبر حد ممكن، وتعد طبيعة عمل أبو القاسم ميدانية أكثر منها مكتبية، حيث يقضي سيادته معظم وقته بين المختبرات، والمكاتب، والمواقع، والمنشآت الصناعية، وذلك لمعالجة القضايا البيئية، كما امتدت جهود أبو القاسم في دراسة مدي تأثير التكنولوجيا وتطورها علي البيئة، حيث وجدناه يجري أبحاثاً في معالجة النفايات، وتقييم مدي خطورتها علي البيئة، بالإضافة إلي دراسته للسبل اللازمة التي تصب في تحسين وتطوير الأنظمة للحد من الحوادث البيئية، وفي اعتقاد أبو القاسم أنه لكي يصبح مهندس البيئة ملماً وناجحاً في مهنته عليه الاهتمام والإلمام بمواضع أخري ذات صلة تشمل قطاع المياه، وإدارة مصادر التلوث، والحفاظ علي التربة من التلوث، بالإضافة إلي التخطيط المدني .

علاوة علي أنه أحد أساتذة هندسة البيئة الذين استطاعوا من خلال بحوثهم ومؤلفاتهم في الهندسة البيئة أن ينقل البحث في دراستها من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: إن استعمال التطبيقات الهندسية والعلمية لخدمة البيئة وحمايتها لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كما تميز محمد أبو القاسم بالثقافة الهندسية الواسعة التي اكسبها في مجال هندسة المعادن والفلزات في أناة وصبر، والذاكرة الواعية الحافظة، فهو عندما يقدم علي الحديث لا يتعجل، بل يحاور ويعلق،وبعد ذلك يلم بأطراف ويدلي برأيه، لا تفوته ملاحظة، عشق الهندسة البيئية، وعني بمشكلاتها التاريخية، والسياسية، والاقتصادية، والمسائل الاجتماعية في أبحاث تشهد بريادته في هذا المجال، واستطاع أن يكتب لنا كيف يعمل مهندسو البيئة في القطاعات الصناعية والبحثية، لإنجاز حلول تهدف للتحكم بالتلوث، بالإضافة لتنويع مصادر الطاقة وزيادتها إلى أكبر حد ممكن، كما اشتملت اهتماماته مواضيع أخرى، مثل قطاع المياه وإدارة الملوثات والتحكم بنوعية الهواء والحفاظ على التربة من التلوث والتخطيط المدني.

لقد كان أبو القاسم دون شك بشهادة الكثيرين أحد سادات الثقافة الهندسية البيئية الرفيعة في مصر والعالم العربي في القرن العشرين، وأحد كبار الأساتذة في هندسة المعادن والفلزات الذين قدموا دراسات وأبحاث، أقل ما توصف به أنها "ممتازة"، وأنها من أفضل ما كتب في الإنجليزية في بابها، لمن يبتغي البحث عن البدايات والخطوات الأولى في مدارجها.

وقد حصل أبو القاسم علي بكالوريوس هندسة التعدين والفلزات بتقدير "ممتاز"  في دور يونيو ١٩٨٠ من جامعة أسيوط، كما حصل بعد ذلك علي درجة الماجستير في هندسة التعدين " مجال هندسة البيئة" من جامعة أسيوط عام 1968م في موضوع بعنوان "دراسة حول مسائل الهندسة البيئية في بعض المناجم ووحدات تجهيز ومعالجة الخامات بمصر العليا"، وبعد ذلك نال درجة الدكتوراه في عام 1991م وذلك في موضوع بعنوان " توصيف ومكافحة الحبيبات المحمولة في الجو من العمليات الصناعية والتعدينية وعلاقتها بالظروف الخارجية"، وذلك بنظام الإشراف المشترك بين جامعة أسيوط وجامعة أيوا الأمريكية؛ وبعد ذلك أخذ أبو القاسم يتدرج في المناصب الأكاديمية، فنجح في الحصول علي درجة أستاذ مساعد في 1996، ثم نال بعدها رتبة الأستاذية في عام 2002م.

وعقب حصول أبو القاسم علي رتبة الأستاذية أخذ يتدرج في المناصب الإدارية الجامعية، حيث وجدناه في عام 2012 ينال منصب رئيس مجلس قسم هندسة التعدين والفلزات، وفي ذات السنة يتولي منصب وكيل كلية الهندسة لشؤون خدمة المجتمع والبيئة، وفي عام 2013 يتولى أبو القاسم عميد كلية الهندسة ليستمر في منصبه حتي عام 2016، علاوة مشاركته في كثير من الأعمال الميدانية المتعلقة بمجال الهندسة البيئية في مصر والعالم العربي.

وللدكتور محمد أبو القاسم  دراسات وأبحاث كثيرة في تخصصه " الهندسة البيئية " نذكر منها علي سبيل المصال لا الحصر: دراسة انتشار و ترسيب الخبيبات الدقيقة حول مصنع الألومنيوم بنجع حمادى  مصر، دراسة اخصائية لتأثير الطقس على الإنسان بمنطقة قنا . مصر،  دراسة انبعاثات الحبيبات الدقيقة من بعض المصادر فى المحاجر، دراسة معدل تولد الغبار وعلاقته بخواص الفحم فى مناجم و محاجر الفحم، دراسة طول التلوث الضوضائي من  بعض المصادر فى المحاجر، دراسة ترسب الغبار على المنطقة الزراعية بمزرعة مصنع الاسمنت،  نظم الادارة البيئية، دراسة طول تركيز و رفع جودة  خام الحجر الجيري، رفع جودة مخلفات خام الفوسفات بشركة النصر للفوسفات,, وهلم جرا.

وفي  هذه الأبحاث حاول أبو القاسم أن يطبق مبادئ العلوم والهندسة لتوفير بيئة ومحيط أفضل يتوفر به الهواء النقي والماء والارض الصالحة لتكون محيط وبيئة صالحة لعيش الانسان والكائنات الاخرى، من خلال الهندسة البيئية يتم الحد من التأثير السلبي الناتج عن التلوث البيئي ويتم التحكم به من خلال نشر التوعية والاصلاح ووضع النظم والقوانين التي تحد من التلوث البيئي ويتم من خلال الهندسة البيئية الحفاظ على المصادر والثروات الطبيعية دون تلويثها وإساءة استخدامها عن طريق تطبيق سياسات عديدة كإعادة الاستخدام والتدوير والمعالجة للفضلات .

والهندسة البيئية  كما يؤرخ لها أبو القاسم في كتاباته قد أعطيت تعريفها واسمها المحدد كما يذكر في كثير من كتاباته ومحاضراته التي كان يلقيها علي طلبة قسم التعدين بأنه منذ عام 1900 ميلادي كفرع من الهندسة المدنية. وقد مورست من قبل المهندسين المدنيين منذ عام 1850 ميلادي عندما أصبح للصحة العامة معاهد خاصة بها. كانت مشاريع الصرف الصحي والتزود بالمياه وحل مشاكلها الهيدروليكية من النشاطات الأولى للهندسة البيئية. انتشرت معالجة المياه بشكل سريع حوال1900 ميلادي بينما معالجة المياه الملوثة تأخرت حتى أصبح لها معاهدها الخاصة بهذا العلم

وفي محاضراته كان أبو القاسم كثيراً ما يؤكد لتلاميذه بأن الهندسة البيئية تعد أحد التخصصات الهندسية المثيرة، التى يدرس خلالها الطالب برامجاً متميزة لإعداده بهدف استخدام الطرق الهندسية والرياضية والعلمية لتصميم أنظمة تساعد على حل مشاكل البيئة، والتخفيف من أضرار التلوث، والرصد الدائم والتحكم المستمر فى مراكز تلوث الهواء والأرض والماء، إلى جانب الطرق العملية لحماية الصحة والأمان فى المنشآت.

الهندسة البيئية الآن تشمل في نظر أبو القاسم علي ثلاثة أفكار رئيسية وهي: حماية الناس من الأخطار الناجمة عن سوء نوعية الهواء والماء، بالإضافة إلى حمايتهم من الضجة والإشعاعات. التخلص المناسب من الملوثات. الأمن من تأثير الأضرار الناجمة عن النشاطات البشرية.

وفي نظر الدكتور أبو القاسم فإن تخصص الهندسة البيئية يعد في نظره أحد حد الفروع الهندسة التي تم التفكير بتأسيسها للنهوض بالبيئة المصرية بشتى محتوياتها، وكذلك ليتسع العديد من مناحي الحياة في العصر الحالي، فهي تعالج المشكلات البيئية المختلفة مثل تلوث المياه والهواء والتربة ؛ وتخصص الهندسة البيئية في نظره أيضا يعمل على تخريج مهندسين متميزين يستطيعون فهم المشكلات البيئية وإيجاد حلول مناسبة من أجل الوصول إلى الحفاظ على البيئة مثل طرق معالجة مياه الصرف الصحي والمياه، دراسة تلوث الهواء والحد منه، هذا بالإضافة إلى إدارة المشاريع الهندسية وإدارة النفايات الصلبة ودراسة التلوث البيئي بشتى أنواعه وطرق تخفيف حدته ؛ كذلك يوفر تخصص هندسة البيئة في نظر أبو القاسم علي خريجين ليسوا على النمط التقليدي الذي يعتمد فقط على الهندسة المدنية، بل يعتمد كذلك على مزيج من الهندسة الكيميائية، وهندسة التعدين والهندسة الميكانيكية؛ وهو ما يؤهل المهندس الخريج لأداء دوره بكفاءة وفاعلية أكثر من برامج هندسة البيئة.

وأما عن اهتماماتها فنجد أبو القاسم يؤكد أنها تشمل اهتمامات وتطبيقات هندسة البيئة مجال واسع من المشاريع الهندسية والفنية في القطاعات البلدية والصناعية والبحثية المختلفة لإيجاد حلول تهدف للتحكم بالتلوث، تصميم وإنشاء الأبنية الصديقة للبيئة، تجهيز المياه، إدارة الملوثات، التحكم بنوعية الهواء، الحفاظ على التربة من التلوث والتخطيط المدني. إذاً فالهندسة البيئية وعلومها تمثل التطبيق المباشر للعلوم الفيزيائية والرياضية لتأمين الحلول لمشاكل كوكبنا. إن العلماء والباحثين المهتمين بالبيئة.

وفيما يخص معمل هندسة البيئة فنجد أبو القاسم يؤكد أن هذا المعمل يعد أحد أهم المعامل بقسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة. بالإضافة إلى تدريب طلاب القسم على القيام بعمل التجارب، يسهم المعمل في إثراء البحوث، الممولة من قبل لقطاعات الخاصة والغير ممولة، التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس وطلاب الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)؛ بالإضافة إلي مشاريع التخرج لطلاب مرحلة البكالوريوس.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور للدكتور محمد أبو القاسم  بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الهندسة البيئية .

تحيةً للدكتور محمد أبو القاسم  الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في محمد أبو القاسم  قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط