محمود محمد علي"عبد الرحيم كمال "هو واحد من أميز كتاب الدراما المصرية، الذي وصل في السنين الاخيرة بعد أن حجز لنفسه مكاناً بارزاً بين كبار كُتاب الدراما الكبار من أمثال "محمد جلال عبد القوى" و"أسامة أنور عكاشة"، و"مجدى أبو عميرة " وغيرهم، وصار اسمه علي "التترات" علامة جودة للعمل، فهو سينارست مبدع نجح في أن يصوّر ما بداخله من أفكار، أو أحداث، أو أخبار يختزنها، لينقلها إلى الآخر في صورٍ تختزن الكلام وتعيد ترتيبه، وفرزه من جديد حسب وعائه المعرفي ومخزونه الخاص.

وهو متصوف في حب كل ما هو موصول بالقلب.. شخصياته تنطق أشعاراً بالعامية، فيُحوّل الأدب العالمي قصصاً شعبية، ويقتبس من التاريخ ما يحلو له ليشارك به الناس أحلامهم وأمنياتهم.. وأفكاره أيضاً.. فكانت لغته الرصينة الراقية مفتاح الوصول الأسهل إلى تثبيت اسمه فى عالم كُتاب السيناريو خلال السنوات الأخيرة.

بل يمكننا القول بأن "عبد الرحيم كمال " بأنه "شيخ عرب" الدراما، وصانع " ونوس" بألاعيبه، وصاحب الكنز الذي تحمل أعماله كل الدهشة، بعد أن أبداع رحايا لم ترحمه، لكنه أخرجت أفكاره ناضجة حتي بانت اللمحة الصوفية واضحة في مسلسله الشهير " الخواجة عبد القادر".

إنه السيناريست والقاص والروائي الكبير "عبد الرحيم كمال" والذي جاء من صعيد مصر ليلمع اسمه في قلب سماء العاصمة بأعمال أثرت الفن المصري الحديث، بدأها بمسلسل "الرحايا" مروراص بمسلسل "أهو ده اللى صار"، ومنتهياُ بمسلسل " من القاهرة إلي كابول"

عشرات الأعمال ورحلته فى الصعود لا تنطفئ فى قلوب متابعيه، وهو أيضا صاحب رائعة الخواجة عبدالقادر.. يشوقنا إلى عمله الخامس "نجيب زاهى زركش" فى 2021 مع شريك نجاحه الأكبر يحيى الفخراني.. غير أن إبداعه لم يتوقف يوماً عند الدراما والسينما.. إنما يفعل كل ما يقوم به القلم من تأثير.. يكتب المقالات، والروايات والشعر والقصص والأغنيات أيضا.. فلم يكن غريبا أن يفاجئنا فى العام الجديد 2021 بنص مسرحي غنائي ضخم.. كاتب يروض أفكاره في كل أشكال الكلمة الممكنة... ولا عجب أيضا أن يظل عبد الرحيم كمال فى قوائم الأكثر تأثيرا من بين من كتبوا السيناريو لهذا العام فكان هذا الحوار بناء على اختيار محبيه.

و"عبدالرحيم كمال" من مواليد 30 أكتوبر عام 1971، حيث ولد بالعيساوية شرق ـ محافظة سوهاج، ثم انتقل والده إلي القاهرة، حيث عاش عبد الرحيم مع أسرته طفلاً في حي شبرا بالقاهرة ليلتحق بالصف الأول الابتدائي، ثم رجع ليستكمل دراسته بالمدرسة الثانوية العسكرية في سوهاج حتي عاد إلي القاهرة عام 1977م ليكمل دراسته في كلية التجارة الخارجية، ثم حصل علي المعهد العالي للسينما- قسم السيناريو عام 2000.

بدأ "عبد الرحيم كمال" حياته الأدبية من قسم السيناريو بالمعهد العالي للسينما متجها بعدها صوب الأدب برواية مجموعتين قصصيتين ورواية، وقد تم نشر بعض الروايات التي ألفها؛ منها (رحلة إلى الدنمارك وبلاد أخرى)، ثم غير بعدها وجهته إلي السينما والدراما في رحلة كبيرة لم يثنيه عنها شئ ؛ وقد تمكن "عبد الرحيم كمال" من إجادة كتابة الأعمال التي تصف الأجواء في الصعيد المصري لطبيعة مكان محل ميلاده بسوهاج.

فاجأ "عبد الرحيم كمال" جمهوره بإصدار أربع كتب جديدة منها : "صاحب الوردة"، وهو عبارة عن مسرحية تطرح معالجة جديدة لشخصية الحلاج المتصوف الشهير. والثاني هو "ظل ممدود"، وهو كتاب في الحكي الصوفي، وكتاب "منطق الظل" وهو كتاب يكمل فيه الكاتب رحلته الصوفية مع الظل مازجا بين سيرته الشخصية وتجربته. وأخيرًا هذه الكتب عبارة عن مجموعة قصصية بعنوان " قصص بحجم القلب".

أما بالنسبة لرواية "بواب الحانة" فنجدها تحمل لمحات صوفية عالية، فنبذة عن الرواية : قال عبد الرحيم كمال: عام كامل هو الأجمل في أعوام العمر. شربت خمرًا يكفي لإرواء فيل، ولم يتطرق الندم إلى قلبي ولو للحظة، يبدو أن القلب فسد.. عام كامل يا مولانا أشرب يوميًا بتلذذ واستمتاع، وأجالس السكارى، أشعر أنهم إخواني، بل أقرب.. يحدثونني عن أطفالهم وزوجاتهم وأموالهم وأحزانهم، وأحلام ضاعت وأحلام قد تأتي، ويبكون ويضحكون بصدق وأنا أحدثهم عن "الطريق والبلاء" وعن "الشيخ والمريد" وأذكر أشعارًا لابن الفارض والحلاج وسيدي محيي الدين، ومقاطع كاملة من "إحياء علوم الدين" ومن "الرسالة القشيرية"، ويستمعون لي في صبر وأدب وعدم فهم. كنت في الشهور الأولى أفيق مع صوت الأذان، وأخرج من الحانة للمسجد وأصلي وأعود، ولكن حينما أحببت الخمر وذقت المذاق لم أتركها. عام كامل يا مولاي حتى رأيتك في حلم الأمس تنادي عليّ وأنا أهرب منك، من أجل أن أمضمض فمي من طعم الخمر ورائحته. هل فسد القلب؟.

تعاون "عبدالرحيم كمال" مع كبار النجوم منذ بداية مشواره مثل : نور الشريف في مسلسل الرحايا، ويحي الفخراني في مسلسلي: (" شيخ العرب همام، و"دهشة")، واستطاع أن يدمج الأدب الكلاسيكي في اجواء الصعيد من خلال رائعة شكسبير الملك لير عبوراً إلي مسلسل دهشة، كما وضع بصمته علي أعمال حازت باهتمام النقاد وتصفيق الجمهور.

ودراما "عبدالرحيم كمال" كما تقول الأستاذة "أميرة همذاني" في مقالها الرائع بعنوان :" دراما عبدالرحيم كمال ما بين الصوفية والشخصيات الواقعية"، تقوم على ثلاث عوامل بشكل رئيسي:

1-الجانب الصوفي: وهذا موجود في كل أعمال "عبدالرحيم كمال" تقريباً من بداياته في فيلم "علي جنب يا اسطى"، ومعه في كل مسلسلاته، حتى ولو بمشهد واحد، وبإمكاننا معرفة أن العمل من كتابته، لما تحس روحه في المشاهد الصوفية تحديداً.

2-شخصيات حقيقية: كثير من دراما عبدالرحيم كمال مبنية علي أحداث حقيقية؛ مثل "شيخ العرب همام"، و "الخواجة عبدالقادر"، و" ونوس "، ودهشة"، وغيرهم، فهو يبني أحداثه علي عصب حقيقي وببدع بعدها خياله في تكوين فلسفة كل عمل فيهم وأحداثه والشخصيات التي يضيفها.

3-الصعيد: لأنه في الأصل صعيدي، فتقريباَ لا يوجد عمل له في الدراما تحديداَ يخلواَ من الصعيد، ولا يذهب لدراما الصعيد الكليشيه عن "الثأر"، و"تجار المخدرات" .. إلخ، بل يذهب لصعيد حقيقي بحواديت جديدة غير تقليدية، بالإضافة إلي أنه في كل عمل صعيدي له، يضيف مصطلحات صعيدية جديدة علي الدراما، وعلي اسماعنا كمشاهدين.

هذه العوامل الثلاثة كما تقول "أميرة همذاني" هم من كونوا كينونته ككاتب صنع من خلالهم تحف وعلامات للدراما المصرية، مثل " الرحايا، شيخ العرب همام، الخواجة عبدالقادر، دهشة، ونوس، يونس ولد فضة و أهو ده اللي صار".

وقد قال "عبد الرحيم كمال": "علاقتي ككاتب بالزمن علاقة قديمة ومركبة لأن التاريخ دائما يعيد نفسه من ماضي وحاضر ومستقبل لأنه امتداد للتجربة، واعتمدت تجربة الفيلم علي التنوع، واختلاف الزمن بالاشتراك مع شريف عرفة من خلال اختيار الورق والتركيز علي المناطق التاريخية المميزة".

وقال "عبد الرحيم كمال"، عن سبب ندرة ظهوره أنها طبيعة المهنة كون الكاتب دائما خلف الكاميرا، وأضاف عبد الرحيم كمال خلال استضافته في برنامج "معكم" الذى تقدمه الإعلامية منى الشاذلى ويذاع على قناة CBC، أن الكثيرين "يظنون أننى كبير فى السن" موضحاً السبب: “من حظى أن بدايتي كانت مع نجوم كبار ففى مسلسل "الرحايا" كان عمرى حينها 36 عاما وفى "شيخ العرف همام" كنت حينها 38 عاما، وهذه الأعمال قد استغرقت منى ما يقرب من عشر أو خمسة عشر عاماً".

وعلى الجانب الآخر، كان قد عرض "عبد الرحيم كمال": في رمضان الماضي مسلسلين رائعين من تأليفه أولهما بعنوان "القاهرة كابول" مع المخرج حسام علي والنجوم طارق لطفي وخالد الصاوي وفتحي عبد الوهاب وحنان مطاوع. والعمل الثاني "نجيب زاهي زركش" مع النجم يحيى الفخراني والمخرج شادي الفخراني.

وقال "عبد الرحيم كمال"، مسلسل القاهرة كابول يعبر عن هوية الطيبة والوسطية التي كل ما نبحث نجدها في مصر، فمصر تعبر عن الوسطية وشعبها طيب، بينما الإرهاب والتطرف فهذه أشياء استثنائية وشيطانية وهجين في المجتمع المصري؛ وأضاف السيناريست عبدالرحيم كمال، خلال برنامج كلمة أخيرة، المذاع على قناة on، الذى تقدمه الإعلامية "لميس الحديدى"، أن مسلسل القاهرة كابول ناقش كيف يتم تحويل الشخص لإرهابى ولكن بعقل وهدوء بدون عصبية والتأكيد على أن مصر أكبر واكرم من هذا.

وتابع "عبد الرحيم كمال": أتمنى أن هذه الفكرة تصل للجمهور، والتأكيد على أن الأنبياء حذروا من الإرهابيين، وأن هؤلاء أبعد ما يكون للدين، متابعا: الإرهابي "رمزي" ملمح يجمع كل الشخصيات الإرهابية التى رأيناها في التاريخ خاصة أن الارهاب متشابك .

وفي نهاية حديثنا عن السيناريست "عبدالرحيم كمال" لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لهذا السيناريست المبدع، والذي جعل مهمته تحويل الأفكار والأقوال التي ينطق بها إلي أفعال وحركات درامية معاشة، بحيث تجسّد أمام الكاميرا، أو تحويل ما هو أدبي إلى ما هو بصري.. فتحيةً طيبة لهذا الرجل السيناريست العظيم الذي نجح في أن يفرق بين نوعين من السيناريو:، الأول هو السيناريو الذي يحول الأعمال الأدبية العظيمة إلى السينما، أو التلفزيون، أو الإذاعة، والثاني هو السيناريو المشغول من أصله للمرئي أو المسموع ؛ وفي كلاهما نجح "عبد الرحيم كمال" نجاح بارع في أن يفدم لنا خلطة وصفية تفصيلية مكتوبة في تسلسل جامع بين الصورة والصوت، تُقدم إلى المخرج الذي يحولها إلى واقع مرئي سمعي.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليالشاعر والفيلسوف وقصة عطاء بغير حدود

تحل هذه الأيام، ذكرى وفاة فيلسوف أكاديمي، تعود ألا يضع يعمل في صمت، وهو يمثل طاقة فكرية وخلقية لا تنضب . وكان ملهماً لكل من يتعامل معه، ودافعاً للجميع علي الثقة بالنفس والإمكانيات والقدرات الشخصية .. ما من أحد اقترب منه إلا وقد تأثر بصفاته الخلقية الرفيعة والنادرة، النابعة من رؤيته الإيمانية القيمة المعتدلة للحياة . فنجد فيه نشاط وحيوية المؤمن برسالته، وهدوء وصمت المفكر، ونجد فيه تواضع العالم، وصبر الباحث، والصدق مع النفس ومع الآخرين، ونجد فيه عطاء بغير حدود، إنه الأستاذ الدكتور "مجاهد محمد عبد المنعم مجاهد"، والذي يعد واحداً من دعائم الثقافة المصرية والعربية المعاصرة، وأحد أركان الدعوة إلى التفكير العلمي والتحديث الحضاري، (ولد في القاهرة 1934)، هو مترجم وصحفي مصري، حاصل على ليسانس الآداب، قسم الفلسفة، جامعة القاهرة 1956 . تدرج في العمل الصحفي منذ عام 1955 حتى أصبح نائباً لرئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، كما يعمل أستاذاً زائراً للفلسفة وعلم الجمال في الجامعات المصرية. وشارك في العديد من الندوات الحوارية والمؤتمرات الفكرية في الأقطار العربية والعالم وساهم في إذكاء وتنمية الوعي السياسي عند الإنسان العادي.

وإلى جانب التعليم أشتغل "مجاهد عبد المنعم مجاهد" في الصحافة الفكرية بمجال التأليف والتعريب الفلسفي، وهو عضو اتحاد الكتاب، ونقابة الصحفيين، والجمعية الفلسفية. اشترك في كثير من الندوات الأدبية والمهرجانات الشعري؛ ونشر عشرات المقالات المؤلفة والمترجمة في الشعر والنقد الأدبي والفلسفة والجمال في الدوريات المصرية والعربية،  وهو خبير ثقافي بجريدة الأهرام -الجريدة الرسمية لجمهورية مصر العربية- أما عن الجانب الإنساني في حياته فلدية أربعة أبناء 1-عبد المنعم 2-أمير 3-عفاف 4-فاطمة (صحفية بجريدة الأهرام).

ومنذ اشتغاله بالفكر والفلسفة والثقافة كانت رسالته الوحيدة بل همه الوحيد هو إحياء العقل النقدي‏,‏ واستقلال فكر الإنسان وعدم خضوعه لسلطة تحد أو تمنع انطلاقه في النقد والتفكير بحرية‏,‏ ودائما ما كان يدعو لتأسيس ثقافة مصرية وعربية جديدة تهدف إلي تحديث المجتمع‏،‏ بفهم جديد للواقع والتصدي لمصادرة حق النقد والتفكير والإبداع‏,‏ مع تحرير العقل المصري والعربي من التعصب وإلغاء الآخر‏,‏

لقد وهب مجاهد عبد المنعم كل حياته لهدف واحد نبيل هو عقل الإنسان‏،‏ وحقه في التفكير بحرية وبإرادة مستقلة، وظل مشروعه الثقافي والفكري، ينطلق من أهمية احترام عقل الإنسان وتحريره من كل قيود مع حقه في النقد والرفض الحر، لكل القوالب والمسلمات التي تنتقل عبر أجيال دون محاولات، لغربلتها ومعرفة أصولها وحقيقتها‏,‏ وكأنه بذلك قد وضع يده علي مكمن الداء الذي أصاب العقل العربي،علاوة علي أنه أمن بحرية الفكر والرأي، كما آمن بحق الدفاع إلي حد ارتفع به إلي مرتبة القداسة . بحسبان أن التاريخ ما زال يعلمنا أنه ما احتبست الأفكار في الصدور، ولا سجنت الحقوق علي يد مغتصبيها، إلا انقلبت يوماً براكين علي سجانيها، وحمماً علي محتبسيها .. وآمن بأن الفلسفة أولا وأخيراً أهم ما يجب أن يشغل الإنسان وأسمي ما يتجلى به من فضائل، وان كل اهتمام يحول دونها أو يقصر علي بلوغها، فساد في الرأي وانشغال عن الحقيقة.

ولذلك منذ اشتغاله بالفكر والفلسفة والثقافة كانت رساله مجاهد عبد المنعم مجاهد" الوحيدة بل همه الوحيد هو نفس الاتجاه الذي سار عليه أستاذنا فؤاد زكريا ألا وهو إحياء العقل النقدي‏,‏ واستقلال فكر الإنسان وعدم خضوعه لسلطة تحد أو تمنع انطلاقه في النقد والتفكير بحرية‏,‏ ودائما ما كان يدعو لتأسيس ثقافة مصرية وعربية جديدة تهدف إلي تحديث المجتمع‏,‏ بفهم جديد للواقع والتصدي لمصادرة حق النقد والتفكير والإبداع‏,‏ مع تحرير العقل المصري والعربي من التعصب وإلغاء الآخر‏,‏

كما استطاع الفيلسوف المصري الدكتور "مجاهد عبد المنعم مجاهد"، على مدار حياته، أن يقدم للمكتبة العربية تراثًا ثريًا، ومن أبرز المؤلفات التي صدرت له في مجال الفلسفة وعلم الجمال والنقد الأدبي: سارتر مفكراً وإنسانا، دراسات فلسفية، هيدجر راعي الوجود، الاغتراب في الفلسفة المعاصرة، علم الجمال في الفلسفة المعاصرة، دراسات في علم الجمال، فلسفة الفن الجميل، المتنبي والاغتراب، هيجل راعي الحرية، الفلسفة والحنين للوجود.

وأما عن دواوينه الشعرية والقصص والروايات فنذكر منها: أغاني الزاحفين 1956، أغنيات مصرية 1958، وداعاً فارس الحدثة (بالاشتراك) 1982، هكذا تحدثت العيون 1992، ثالثهما العشق، أقمار علي شجرة العائلة؛  كما نشر الكثير من القصص والروايات مثل: سيرة الفراغ الزجاجي (تأليف) 1956.

أما عن ترجماته: تاريخ الفلسفة اليونانية (ولتر ستيس)، فلسفة النفي (هيربرت ماركيوز)، فن الحب (إريك فروم)، فرويد (إريك فروم)، الخوف من الحرية(إريك فروم)، زعزعة الأساسيات (بول تيليش)، الواقعية في الفن (فنكلشتين)، هيدجر (جرين)، جيد (ايرلاند)، بيكيت(سكوت)، كافكا (اوزبورن)، سارتر عاصفة علي العصر(40 دراسة مترجمة)؛ ترجم الكثير من شعره إلى اللغتين الإسبانية والروسية. ومن صداقاته في الوسط: ماجد أيوب، عبد المنعم عواد يوسف، فاروق شوشة ؛ وممن أشادوا بالشاعر: نزار قباني، وأنيس منصور.

وقد كتب عنه أستاذنا الدكتور صلاح فضل في مقال له بعنوان "مجاهد عبد المنعم مجاهد في أقماره الكاملة"، فقال: مجاهد عبد المنعم مجاهد شاعر ومفكر كبير، تجاوز السبعين من عمره بقليل، شارك جيل عبد الصبور وحجازى فى حمل لواء شعر التفعيلة فى مصر إبان الخمسينيات، لكنه انفرد عنهما باستغراقه فى فلسفة الجمال، وكتاباته فى النقد، وترجمته لكثير من الكتب، أهمها موسوعتان كبيرتان، إحداهما تاريخ النقد الأدبي لرينيه ويليك فى ثمانية مجلدات، والأخرى محاضرات فلسفة الدين لهيجل فى تسعة أجزاء، مما يلقى بظلال الشراكة على إبداعه الشعرى الذى كان متناثرا، لكنه عندما جمع أشعاره الكاملة ونشرها فى سفرين كبيرين عامى 2004/2005 تبين أنه من أغزر شعراء عصره إنتاجا وأشدهم تمثيلا للوجدان المصري في العقود القليلة الماضية.. على أنه قد انفرد أيضا بخاصية طريفة، هى تسجيل قصائده طبقا لتسلسل كتابتها زمنيا، فرتبها مؤرخة منذ عام 1951 - عندما كان فى السابعة عشرة من عمره - حتى عام 2000 وقت إعدادها للنشر، وأضاف إليها بعض الملاحق من قصائد العمود وشعر التفعيلة فى مرحلة التكوين السابقة، فقدم بذلك فرصة نادرة للنقاد لتأمل إنتاج الشعراء فى مراحل عمرهم المختلفة، وقياس ما يصيبهم من تدفق أو حصر أو نضوب، استجابة للعوامل الذاتية فى الخصوبة والعقم من ناحية والعوامل الخارجية للمثيرات من ناحية أخرى.

ويستطرد صلاح فضل:" وفى قراءة أولية لحالة الشاعر بوسعنا أن نستخلص منها ما يؤكد إحصائيا وجهة النظر السائدة فى علم نفس الإبداع من أن فورة الشعر الحقيقية تنبثق فى مطلع الشباب وتنحسر تدريجيا بعد ذلك، فجملة ما كتبه مجاهد من القصائد المؤرخة 421 قصيدة، منها 222 - أى أكثر من النصف - كتبها وهو فى العشرينات من عمره، و142 قصيدة كتبها وهو فى الثلاثينات، أى أنه أنجز ما يربو على 86% من إنتاجه الشعرى فى عقدى الشباب الأول، و14% فقط فى بقية مراحله· وقد نلاحظ أن شباب الشاعر يتوافق مع مرحلة خصبة فى الحياة المصرية هى حقبة الخمسينيات والستينيات وأن هناك بعض السنوات التى تفوق بعضها الآخر، لكن تظل النتيجة فى خطوطها العامة مؤكدة لبلوغ الشعراء ذروة إبداعهم مبكرا ونضوبهم نسبيا بعد الأربعين.. ولئن كان هذا المؤشر يقتصر على الناحية الكمية فحسب، فإن دراسة إنتاج المراحل المختلفة بروية هى التى تكشف عن مدى كثافته ونضج تقنياته وقوته الشعرية·

كما قد كتبت عنه الدكتورة " رضا خلاف" – أستاذ فلسفة علم الجمال المساعد بقسم الفلسفة – بكلية الآداب – جامعة المنوفية علي جدار صفحتها علي الفيس بوك مقالا بعنوان: "القيمة والقامة الفيلسوف والشاعر والمترجم والصحفي الأستاذ: مجاهد عبد المنعم مجاهد"، حيث قالت: قُلتُ أنه إنسان، وأنه الأستاذ الكبير، ولكن كيف لي أن أعرِفهُ لغيري؟ وهو الذي لا يسعه لقلب ولا يصفه اسم، إنه المعروف في دنيانا بين الاكاديميين والصحفيين والأدباء والشعراء وغيرهم بـ ..... مجاهد عبد المنعم مجاهد، فكثير ما نري أجساداً يعجبنا شكلها، ونحاور عقول يبهرنا ذكائها وحصافتها، ولكن مملكة الروح تظل الأعلى والأرقي والأبعد عن اهتمامات دنيا البشر حتي ولو أردنا بلوغها، فكيف السبيل إليها؟ ليس من المبالغة في القول إن قلت أن " مجاهد عبد المنعم مجاهد " هو أحد القلائل ممن يمكن تسميتهم بخزنة وحملة مفاتيح مملكة الروح، يفتحها لمن يتوسم فيه رغبته في الارتقاء، ليتجول في حدائق هذه المملكة وينهل من ثمارها، ويعلوا فوق محدودية منطق العقل، وفوضي الوجود الحسي .

وتستطرد الدكتور "رضا خلاف" فتقول: " عند البدايات الأولي لمعرفتي به، وبعد إنتهائي من إعداد رسالتي لنيل درجة الماجستير، وبذله لمجهود كبير في مراجعة الرسالة لتكون أدق وأفضل نموذج ممكن لرسالة علمية تتم مناقشتها . وتحصل صاحبتها علي أعلي تقدير، أتذكره وهو يفاجئني بعرضه لمنحي مبلغ من المال لكتابة الرسالة وطباعتها، خاطبني عقلي ساعتها متسائلاً: أكان سارتر ليغير مقولته "الجحيم هو الآخر " لو أنه عرف هذا الرجل ؟

ثم تؤكد الدكتور "رضا خلاف" فتقول: "في مقامي هذا ينساب مداد القلم ليصور بكلمات موجزة الإنسان " مجاهد عبد المنعم مجاهد " ولو أردت أن أتحدث عنه كفيلسوف وشاعر، ربما احتجت ساعتها لرسالة أو بحث علمي قد يستغرق إعداده سنوات، أتذكر دوماً قوله لي: أنه عندما ترسل إليه دار النشر نسخة جديدة لكتابٍ جديدٍ من مؤلفاته أو ترجماته، يشعر وكأنه وهب وليد جديد، وكيف لا ؟ والكتب النافعة أكثر وأطول عمراً من بني البشر، أخبرني أستاذي أن الحب هو الرعاية والعطاء مع الرضي، وأن الفن هو رؤيتنا لما لا يري، وأن الفلسفة هي القدرة علي إيجاد المفقود . وفقد الموجود . وأن الشعر قارب يسير بدفتي العقل والعاطفة . وأن الله قد أخبرنا بثلاثة مجهولات لم ولن يتمكن العقل البشري من معرفة حقيقتها الكاملة في عالمنا الأرضي وهي ( الآخرة – الزمن – الموت ).. لقد استطاع مجاهد عبد المنعم مجاهد مزج الحياة بشغفه وحكمته وصدقه وإخلاصه، رسمها في صفحات ديوانه أقمار علي شجرة العائلة تجارب إنسانية تنبض بالحياة، تحمل إهداءات للعديد من الشخصيات ممن لهم بصمة في حياته، وله هو بصمات في حياتهم .

وتنهي الدكتور " رضا خلاف" فتقول: " كلمتي الأخيرة إن " مجاهد عبد المنعم مجاهد " هو ثروة قومية وقيمة وقامة مصرية خالدة نتغافل عنها ونحن في أشد الاحتياج إليها ؛ أكثر من إحتياجه هو للتكريم بالجوائز والقلادات التي فقدت قيمتها بتخصيصها وذهابها للكثير من الأقزام وأشباه وأنصاف المفكرين، إلا من رحم ربي وهم قلة .

وهنا أقول عن للدكتورة " رضا خلاف" بأنه شيء جميل ورائع أن يكون التلميذ وفياً لأستاذه ومعلمه، وقد كان أستاذنا الدكتور عاطف العراقي يفعل ذلك دائماً، فهو يعترف بفضل من قدم له علماً أو نصيحة، فهو يقول عن الدكتور زكي نجيب محمود (أقول بلا أدني مبالغة إنني لا أجد في عالمنا العربي من مشرقه إلي مغربه أستاذاً من أساتذة الفلسفة أثر في تشكيل فكري وعقلي ووجداني بدرجة تقترب من الأثر الذي تركه أستاذ الجيل ورائد التنوير وعملاق الثقافة العربية في عالمنا المعاصر الدكتور زكي نجيب محمود).

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ والشاعر والفيلسوف والاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور مجاهد عبد المنعم مجاهد الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الشامل الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور مجاهد عبد المنعم مجاهد الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا ن ما بقيت الحياة علي وجه الأرض . ولا يسعني إلا أن أقول مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي أن أخاطب روحه في السماء قائلا: اذكريني، وذلك بعد أن انتشر الفساد الفكري والظلام الثقافي، ازدادت فيه طرق وأساليب جيوش البلاء والظلام، بحيث أصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وإن كان أكثرهم لا يعلمون .نعم أقول لروحه اذكريني حين يتم لقاء الأرواح بالأرواح في عالم الخلود، وبعيداً عن العالم الزائل الذي نعيش فيه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

كاظم شمهودد. فوزي رشيد

الاستاذ فوزي رشيد من مواليد بغداد عام 1931، وهو مؤرخ وعالم آثار خريج كلية الاداب قسم الآثار في جامعة بغداد ويعتبر اخر عمالقة علم الآثار في العراق.. وقد سافر الى المانيا في بعثة دراسية وحصل على شهادة الدكتوراة من جامع هايدلبرغ عام 1966 في علم الآثار. شغل مناصب عديدة في بغداد منها مدير المتحف العراقي من عام 1969 الى 1977 ثم مديرا للدراسات في مديرية الاثار بين اعوام 1977الى 1987، ثم استاذا في جامعة بغداد من 1987 الى 1995..وفي الازمة العراقية سافر خارج البلد للتدريس في الجامعات العربية منها ليبيا وتونس.

2505 فوزي رشيدومن اهم كتبه قواعد اللغة السومرية 1972، وقواعد اللغة الاكدية 1988، وتعتبر من اهم كتبه ثم كتاب علم المتاحف، والفكر عبر التاريخ، والشرائع العراقية القديمة، وظواهر حضارية وجمالية في التاريخ القديم، وكتاب، طه باقر حياته وآثاره. وكان يحاضر في جامعة السابع من ابريل في مدينة الزاوية في ليبيا 1997. ويذكر احد اصدقاءه بانه كلف الاستاذ بمراجعة مسودة كتاب له، وفي اليوم الثاني اعادها له مصححة ومدققة فتعجب الصديق لهذه السرعة والدقة فقال له يا ابا ميسون يبدو انك لم تنم الليلة الماضية فقال الاستاذ (انني اتلذذ بدراسة التاريخ القديم).

2504 ظواهر حضاريةويذكر انه هادئ الطبع قليل الكلام ويفضل الاستماع عندما يكون الموضوع ليس من اختصاصه ولكنه كثير الكلام عندما يكون الحديث عن تاريخ العراق القديم. وبعد ليبيا انتقل الى التدريس في تونس عام 2010 رغم اقترابه سن الثمانين الا انه يحب التدريس بشكل غير طبيعي. ويذكر احد اصدقاءه ان الحديث مع الاستاذ لا يمل وفيه حلاوة وجمالية راقية خاصة عندما يتحدث عن تاريخ العراق القديم.. فيقول الاستاذ ان التاريخ في بلاد الرافدين يكرر نفسه في درامة شعبية، ويتحدث عن اسطورة ديموزي وزواجه مع انانا، ويعني ديموزي العلا اي العالي في السماء في حين ان انانا تعني مانعة الحليب اي التي تفطم رضيعها، ويذكر الاستاذ ان شخصية علي وفاطمة هي تكرار للمشهد العراقي عبر حقبات التاريخ القديم...

ثم يتحدث الاستاذ عن القوانين والشرائع العراقية القديمة ويذكر ان ظهور السفينة يعتبر انقلابا كبيرا في حياة المجتمعات في ذلك الوقت حيث ادى ذلك الى ظهور وانتعاش الاقتصاد وتبادل البضائع ونقلها الى مسافات بعيدة جدا عبر البحار وكان ذلك احد الاسباب المباشر في ظهور القوانين كما ان ظهور القانون ايضا كان وليد المدينة والجتمع الكبير في ارض الرافدين.

و يذكر ان الاستاذ فوزي كان لديه ذاكرة قوية في القوانين القديمة بحيث لو تحدث احد عنها واخطأ يصحح له ذلك بسرعة مشيرا الى مكانها وزمانها.. وعندما سألوه عن الغربة قال (الغربة داء لا دواء له الا العودة للوطن) وفعلا عاد الى الوطن وتوفى عام 2011 في بغداد.

الدكتورة زينب علي بحراني

2507 زينب علي البحرانيولدت في بغداد عام 1962، ودرست تاريخ الفن في معهد الفنون الجميلة في نيويورك وحصلت على درجة الماجستير والدكتوراة في برنامج مشترك للفنون والآثار القديمة في الشرق الادنى واليونان. وهي الآن تدرس في جامعة كولومبيا الامريكية، وسبق لها ان درست في فينا في النمسا وجامعة نيويورك، وفي عام 2020 تم انتخابها كعضو في الاكاديمية الامريكية للفنون والعلوم. وهي اكاديمية لها تاريخ عريق، حيث انشأت في الولايات المتحدة قبل 220 سنة كان الهدف من ذلك تكريم اصحاب المعارف الانسانية والكفاءات العلمية، وكان من اعضائها بعض رؤساء العالم منهم هلال نيهرو رئيس الهند وجونسن مانديلا رئيس جنوب افريقيا وعدد من رؤساء الولايات المتحدة الامريكية وغيرهم.... في عام 2004 عادت الى العراق وتم تعيينها في بغداد كمستشارة للشؤن الثقافية في الحكومة الموقتة. زارت بعض المواقع الاثرية وخاصة في بابل، ولفتت انظار الحكومة والعالم الى الاضرار التي لحقت بالآثار العراقية القديمة من جراء القواعد العسكرية التي انشأها الاحتلال وسط المواقع الاثرية وحركة الطائرات المروحية والفيالق العسكرية، وطالبت من الحكومة العراقية بازالتها، ولم يستجب لها احد فاضطرت الى مغادرة العراق... لها مؤلفات كثيرة منها – الجسد والعنف في بلاد ما بين النهرين – ونالت عليه جائزة من الجمعية الاكاديمية الامريكية، وكتاب – الفن والوقت والبعد الجمالي في العصور القديمة – وحصلت عليه ايضا جائزة من كتاب ليونيل تريلينج. وغيرها من المؤلفات وعشرات المقالات التي تتعلق بالآثار في الشرق الادنى القديم، كما حصلت على منح دراسية منها من مؤسسة جون سيمون جوجنهايم عام 2003. وفي عام 2010 انتخبت استاذة في جامعة اكسفورد. ومن اخر كتبها –(الكارثة، نهب اثار العراق وتدميرها) - حاليا تشغل استاذة في جامعة كولومبيا لتاريخ الفن وعلم الآثار في امريكا. وقد شاهدت لها عدة محاضرات عن تاريخ العراق القديم تلقيها في اللغة الانكليزية..

الدكتورة بهيجة خليل اسماعيل الجراح

2506 بهيجة اسماعيلهي من مواليد بغداد عام 1934 درست في جامعة بغداد وحصلت على شهادة البكلوريوس ثم سافرت الى المانيا وحصلت على شهادة الدكتوراة في الكتابات المسمارية من جامعة هيمولت الالمانية عام 1967، واصبحت اول قارئة عراقية للمسماريات من النساء. ثم درست في جامعة بغداد والفت العديد من الكتب في علم الاثار ثم شغلت مديرة المتحف العراقي من 1983 الى 1989، وتركت لنا العديد من المؤلفات منها – مسلة حمورابي 1980 - دور المستعمرات الاشورية في الانضول 1989 – حكام سوخو وماري 1990 – كتابات في نينوى 1992- كما كانت تنشر مقالاتها في مجلة سومر. ومن ابرز اعمالها موسوعة – حضارة العراق – الذي صدر الجزء الاول منه عام 1985 كما شاركت في تأليف الجزء الاول من المعجم الاكدي الذي اصدره المجمع العلمي العراقي عام 1999.. عملت بهيجة اسماعيل على تهيئة دورات تدريبية لموظفي المتحف وهيئة الاثار لتطوير ادائهم العملي والفني وحماية الاثار. كما نشرت عشرات المقالات عن تاريخ الآثار العراقية والتي فكت وخلدت اسرارها. توفت في عمان عام 2019 وقد نعتها الاوساط العلمية والثقافية وعلى رأسها وزارة الثقافة والاعلام العراقية.

 

د. كاظم شمهود

 

 

محمود محمد عليعندما قامت الدولة العباسية، كان للفرس في قيامها تأثير جلي، وبدأت الترجمة على أشدِّها للانتفاع من ثقافة الفرس، والهند، والإغريق الذين سبقوا العربَ في دورهم الحضاري، ولازمت هذه الترجمة، في خط متوازٍ، وحركة تدوين العلوم المختلفة، وأصبحت الدولة تحتاج إلي نظام سياسي وإداري، واقتصادي وعسكري يَحكُمها، ويُدير شؤونها.

وفي أوَّل نشأة الدولة العباسيَّة لم يكن الفقه الإسلامي قد نضج وتكامل، ولم تكن قواعدُ القضاء قد أخذت وضعها من الاستقرار والوضوح، وفي هذه الحقبة نلْقى "عبد الله بن المقفع" (ت:142 هـ/759م)، أحد أعلام الأدب الإسلامي، واحد أعظم العباقرة الذين عاشوا في عصرين متتالين: العصر العباسي والعصر الأموي، وكان معاصروه يقولون لم يكن للعرب بعد الصحابة أزكي من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أزكي من ابن المقفع ولا أجمع استناداً إلي أصله الفارسي، ولكن فارسية ابن المقفع لم تكن سوي أصل؛ فهو الذي لم تفته هذه الفوضى التي عمَّت الدولةَ العباسية الناشئة في الجند، والقضاء، والخراج، وسوء صحبة الخلفاء من وزراء وعمَّال، فكتب إلي الخليفة "أبي جعفر المنصور" في هذه الموضوعات بأسلوب أدبي قشيب، وكان متأثِّرًا فيما كتب بالثقافة الفارسية.

وقد كان أبو جعفر المنصور واحداً من أكبر دعاة العهد العباسي الذين نشطت في عهدهم " الآداب السلطانية"؛ حيث تنامت وتطورت تلك الآداب في منتصف القرن الثاني الهجري على يد مجموعة من كتبة الدواوين، والذين ينتمون إلي ثقافات قديمة سابقة على الإسلام؛ وبخاصة الثقافة الفارسية، حيث كانت "مرايا الأمراء"، أو "نصائح الملوك"، أو "الآداب السلطانية"، تقع ضمن الموروث الثقافي الذي ورثه الإسلام من موروثات الثقافات القديمة للبلاد التي قام المسلمون بفتحها، وهى عبارة عن مجموعة من النصائح والقيم التي تتعلق بالتدبير السياسي، وتقدم إلي الملوك والأمراء، ويتحدد فيها العلاقة بين أطراف المعادلة في نظام الحكم" (1).

وكانت " الآداب السلطانية" قد اعتمدت على نصوص أولى مؤسسة، مثل عهد "أردشير"، ورسائل "عبد الحميد بن يحيى الكاتب" وأعمال "ابن المقفع"، وأعمال "أرسطو" المنحولة، مثل رسالة "سر الأسرار"، ثم بعد ذلك أُعيد إنتاج معظم هذه النصوص في كل أعمال الآداب السلطانية على مدار التاريخ الإسلامي، ولقد انتحلت هذه النصوص بعضها بعضاً، حيث انتحل المتأخر المتقدم، ولذا بدت نصوص الآداب السلطانية لدى البعض بأنها: نصوص لا تنمو، ولا تغتني ولا تتطور، صحيح أنها كتبت في أزمنة مختلفة، ووجهت إلى ملوك وأمراء من عصبيات ودول مختلفة، وأن الذين أنجزوها لم يكونوا كلهم مجرد كُتاب، فمنهم القضاة، والمؤرخون، والفقهاء، والأدباء، والملوك، والوزراء، ومع ذلك ظلت النصوص تتناسل مستعيدة مضموناً معيناً، ووجهة محددة دون أن تتغير (2)؛ فهي تقوم في أساسها على مبدأ "نصيحة أولي الأمر" في تدبير شؤون سلطتهم معتمدة تصورًا براجماتيًا للمجال السياسي، مذوبة لكل تعارض محتمل بين الشرع والسلطان، ما يجعل منها فكرًا سياسيًا لا يطمح إلي التنظير بقدر ما يعتمد التجربة، ولا يتوق إلى الشمولية بقدر ما يلزم حدود الواقع السلطاني، وما يجعل الآداب السلطانية ثقافة سياسية مميزة فيما عرفته الرقعة العربية الإسلامية من ثقافات، وعلى وجه الخصوص الثقافة السياسية الفلسفية، والثقافة السياسية الشرعية (3).

وتذكر المصادر المختلفة أن عبد الله بن المقفع ولد في قرية من قري فارس اسمها جور وموضعها فيروز آباد الحالية . يقول ابن النديم: أن اسمه بالفارسية "زوربه" ومعناها المبارك . وكان يكني قبل إسلامه بأبي عمرو . فلما أسلم سمي بعبد الله وتكني بأبي محمد . وهناك اختلافات حول مولده . وإن كانت بعض المصادر تذكر أنه ولد بين عامي 106 و107هـ . عاش ابن المقفع في أحضان والده بفارس وهنالك اشتغل بالثقافة الفارسية . ثم رحل في وقت لا نستطيع أن نحدده أيضاَ، وكانت هذه المدينة مليئة بالعلم والعلماء . ويظهر أن ابن المقفع كان علي حداثة سنه وقتئذ من سعة العلم ونباهة الشأن وحسن الأدب بحيث اتجه إليه الولاة والأمراء، يطلبون إليه أن يكتب لهم عن دواوينهم، ويتقلد عندهم بعض الوظائف الهامة (4) .

وأما عن ثقافته فقد حوي ابن المقفع العلم في زمانه من أطرافه، فجمع بين ثقافتي العرب والعجم، فقد كان يتقن اللغة الفارسية إتقاناً فريداً، لم يتوفر إلا للقليلين من بني قومه، وحذق العربية وبرع فيها، فما زال القدماء يستشهدون بآرائه في الفصاحة والبلاغة؛ ومن ذلك قول الجاحظ: وقال إسحاق بن حسان بن قوهي: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد قط . سًئل ما البلاغة ؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جواباً، ومنها ما يكون ابتداءً، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سجعاً وخطباً، ومنها ما يكون رسائل . فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلي المعني والإيجاز هو البلاغة . فأما الخطب فهي بين السماطين، وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل، والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل علي حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته (5).

وأما كتاباته فنجدها تحمل فكراً سياسياً إصلاحياً، ففي كتابه ( الأدب الصغير) يتحدث عن سياسة النفس . وفي (الأدب الكبير) يكتب عن سياسة الدولة . أما رسالة ( الصحابة ) فهي أشبه ما تكون بتقرير عن الوضعية العامة في الدولة العباسية الناشئة، مع بيان سبل إصلاح الفاسد منها . والحق أن ابن المقفع كان " أول من دشن القول في (الأيديولوجيا السلطانية) في الثقافة العربية، وقد انصرف باهتمامه إلي الكتب السياسية، كما كانت في ذلك العهد ( الأخلاق والآداب السلطانية )، فترجم فيها عن الفارسية، وأنشأ كتباً من تأليفه الخاص" (6).

علاوة علي أنه كانت لابن المقفع آثار أدبية كثيرة منها: كتاب “فدينامه” في تاريخ ملوك الفرس، وكتاب “آبين نامه” في عادات الفرس ونظمهم ومراسم ملوكهم، وكتاب التاج في سيرة أنوشروان، وكتاب “الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة”، في أخبار السادة الصالحين، وكتاب “مزدك” .

والحضارة الفارسية التي انتمي إليها ابن المقفع وعمل علي سريانها وتغلغلها في الأدب والفكر الإسلامي، هذه الحضارة هي أحد أهم روافد الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية، وفي العصر العباسي كان الفرس هم عماد الدولة يظهر ذلك من قول أبي جعفر المنصور": " يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا وأهل دعواتنا " (7) . فهم من قامت علي أكتافهم الدعوة العباسية، وحملوا عبء إسقاط الدولة الأموية .

لم يلبث أن ظهر في المجتمع العباسي أصحاب اللسانيين الذين يجيدون كلاً من العربية والفارسية إجادة تامة، فأدي ذلك إلي أن تنشط حركة الترجمة من الفارسية إلي العربية، ووجد أيضاً من الفرس من تعربوا وتحمسوا للعربية، مثل ابن قتيبة، كل هذه العوامل أدت لتأثر أفكار الناس وسلوكهم بالثقافة الفارسية التي يتعاطونها ويعيشونها ويعاشرون أهلها (8).

وابن المقفع نتاج للحضارة الفارسية والإسلامية، وقارئ مطلع علي الحضارة اليونانية، فجاءت أعماله الفكرية زبدة لهذه الحضارات ونتاجاً لتلك الثقافات التي أنتجتها . وفي مجال الفكر السياسي تعد مؤلفاته في القمة منه  حيث تناول العديد من الموضوعات بالبحث والاستقصاء والنقد، وتقديم الحلول للمشكلات المختلفة وقرن بالفكر النظري الآراء العملية (9).

وابن المقفع من المخضرمين الذين رافقوا الأزمات السياسية في زمن الدولتين الأموية والعباسية، فقد عاش في عصر من العصور الفريدة في حياة الأمة العربية والإسلامية، عصر تبدلات جذرية في البنية الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والروحية . فهو من ناحية عصر انتقال شهد سقوط دولة حاكمة وقيام دولة أخري، وقد بدأ سقوط الدولة الحاكمة بمقدمات عنيفة في القمع السياسي، وتفضيل للجنس غير العربي من الفرس وغيرهم، مما مهد الفرص لظهور الشعوبية والشعوبيين . ومن ناحية أخري فهو عصر تحول حضاري عظيم كانت تضطرب فيه القيم وتتصادم الأهواء، وبهذا تظهر مشكلة محاولة التقريب والجمع بين الجديد الطارئ وأصول العقيدة، والتوفيق بين العادات والقيم العربية وتقاليد غير العرب من فرس، وهنود، زنوج، وبربر، وغيرهم من الأجناس؛ التي أسلمت وخضعت عسكرياً للدولة الإسلامية . ولكن المؤرخين اتفقوا علي أن الأجناس المتواجدة آنذاك، لم تكن ترغب في عودة الأمويين، لأنهم كانوا يحاربون كل من لم يوافق هواهم من خوارج وشيعة، ويهاجمون العجم، ويقفون ضد رغبتهم في معايشتهم والبقاء معهم والتعصب للجنس العربي . وبقيام الدولة العباسية بدأ دخول هذه الأجناس، وخاصة " الفرس" الذين تأثروا بحياتهم السياسية، وأنظمتهم في الحكم حتي شغلوا مناصب عليا في السياسة هي في غاية الأهمية (10).

واستطاع "ابن المقفع" أن يقنع المتلقي العربي (قارئًا وناقدًا) أنه أديب مهمته توليد المعاني الجميلة في قالب بلاغي أجمل لكنه كان، في حقيقة الأمر، يعمل على ترجمة القيم الكسروية والترويج لها في كتب عديدة بأسلوب عربي واضح وسلس، اعتبره بعضهم أنموذجًا في الكتابة، مما كرسه عبر الأجيال مرجعًا في أدب النفس واللسان. ولإدراك البعد الاستراتيجي لمشروع "ابن المقفع"، لابد من معرفة القضايا التي أثارها بأسلوبه الأدبي التمويهي؛ وهي قضايا ترتبط جوهريًا بموضوع الدولة (السلطان)، مما يجعلنا نشك في البعد الجمالي الذي تقترحه كتابات" ابن المقفع" كما يؤكد بعض الباحثين(11).

لقد كان الموضوع الذي انكب عليه " ابن المقفع" وحصر جهده فيه هو الأدب؛ وبالتحديد "الآداب السلطانية"، وتدور حول ثلاثة محاور: طاعة السلطان، أخلاق السلطان، أخلاق الكاتب. وهذا التركيز على السلطان، من حيث التأكيد على طاعته ورسم حدود أخلاقه في علاقة بالكاتب، يؤكد أن "ابن المقفع" كان ينظر لوظيفته من زاويتين:

1- من الزاوية الأولى، عمل على توظيف الأدب لتحصيل السلطة، ولذلك كان "ابن المقفع" يقوم بدور الخبير للدولة الجديدة، دور المفتي في شؤون الإدارة والحكم، وكان من الطبيعي أن تكون فتواه عبارة عن إيجاد السبل لتطبيق القيم الكسروية (12).

2- من الزاوية الثانية، عمل على تغيير الدولة من خلال تغيير السلطان، فقد كان تركيز "ابن المقفع" على السلطان خطة محبوكة لمحاولة تغيير الدولة، من فوق، لأنه كان على وعي بما يتطلبه التغيير من القاعدة من وقت لم يكن بإمكان "ابن المقفع" انتظاره، لأنه كان يفكر في الانتقال إلي الخطة الثانية، وهي إطباق السيطرة على الدولة من طرف العامل الفارسي، ومن ثم إعادة إحياء الإمبراطورية الساسانية، بما تجسده من قيم فكرية وسياسية، في قالب إسلامي.

ولقد كان الإصلاح السياسي والاجتماعي وكُد ابن المقفع وديدنه، بعد أن تعمق في دراسة الحياة الاجتماعية والسياسية، وتقف أداب قومه الفرس، المتعلقة بشؤون الدولة وقواعد الحكم وسياسة الرعية، فأراد أن يقدم حصيلة معرفته في هذا الميدان؛ لما يري من اضطراب الأمور، واختلال القيم، وانعدام الحرية السياسية، في عهد تأسيس لسلطة جديدة، لابد لها – والحال هذه – من دستور تعليمي في الحكم، يهتدي الحاكم بهديه، فلا يظلم الرعية، ويحُسن السيرة فيهم ولعل أفضل قالب يصب فيه خبرته ومعارفه تلك، هو القص علي لسان الحيوان أو الحكاية المقنعة – إن صح التعبير – التي يضمن بها غائلة السلطان الجائرة (13) .

ولهذا يعد كتابه " كليلة ودمنة" من أهم الكتب التي تحكي قصة الصراع بين الإرادة والوعي، أو بين السياسة والثقافة، أو بين السيف والقلم، وكان حس ابن المقفع النقدي الإصلاحي دافعاً إلي تلميحه الصريح – إن جاز التعبير – إلي غايات الكتاب دون مواربة كافية، قصداً إلي توجيه القارئ ليبلغ غايات الكتاب الباطنة .

ولعل أهم محتويات الكتاب هو الحث علي التعقل والتفكير في كل شئون الحياة من أكبرها إلي أصغرها، وعدم الانقياد لأي عقيدة انقياداً أعمي بلا وعي، وعرض أداب السلوك التي يتعين علي صاحب الإمارة مراعاتها إذا ابتلي بها، ذلك بأن يكرس كل وقته لعمله، وأن يكون جازماً في الحق، وحسن الاختيار، لا ينفرد بالرأي ن ولا يعنيه المدح أو الملق، يعاقب المسيئ ويثيب المحسن، وعليه أن يسأل الناس، وان يأخذ الرعية بالفضيلة وتجنب الرذيلة (14).

وإذا كنا في زماننا نقول ما بُني علي باطل فهو باطل، فقد كان ابن المقفع يري أن ما يبني علي غير أركان وثيقة، أي علي غير أساس متين، فإنه يتعرض للتصدع والتداعي؛ ولسوء ظن ابن المقفع بالملوك نجده يحذر من مصاحبة الملوك، ويدعو للابتعاد عنهم، لأنهم أصحاب أهواء، لا يؤمن جانبهم، وكذلك يحذر الحاشية التي تتعامل مع الملوك من الوقوع في أي خطأ بسبب سوء طويتهم ويتعين علي الخليفة أن يصدر قانوناً يلزم الفقهاء والقضاة بعدم التضارب في أحكامهم علي الواقعة الواحدة ومن بدأ حديثاً يجب أن يتمه، لأن قطعه يثير الريبة، وسخف لا يليق، ولكل حديث موضعه، فإن أتي في غير الموضع فقد طلاوته وبهاءه كما أن خلط الجد بالهزل، أو الهزل بالجد، سخف أيضاً (15).

ولهذا السبب نجد ابن المقفع يؤكد في كتاب " كليلة ودمنة"، أن سبب تأليفه الكتاب هو غاية له، في الوقت ذاته فالكتاب – كما هو في الحكاية الإطارية أو الأساسية له – أُعد لإصلاح الملك الطاغية " دببشليم" الذي طغي وبغي، وتجبر وتكبر، وعبث بالرعية، وأساء السيرة، وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتواً . وكان في زمانه رجل حكيم فيلسوف، يقال له ( بيديا)، فاستقر رأيه أن يواجه الملك، بما يعيده إلي جادة الصواب، ومحجة الهُدي، ثم ألف هذا الكتاب " ليكون ظاهره لهواً للخواص والعوام، وباطنه رياضة لعقول الخاصة" (16) .

وهكذا يسعي ابن المقفع من خلال الحكاية المقنعة إلي تقويم الملك وإرشاده إلي سبل السلام، مع نفسه ومع الرعية، ومن ثم مع أعدائه ومناوئيه، وفي نهاية المطاف، يتوقف الملك عن توجيه الأسئلة للفيلسوف:" فلما انتهي المنطق بالفيلسوف إلي هذا الوضع، سكت الملك " (17).  ومن هذه النتيجة للتخلص من فعل السرد أو القص، بيد أنه تخلص موفق محمود مرموز في الوقت نفسه؛ إذ يشعر القارئ أن الفيلسوف، حقق غايته من الكتاب، وهي ما أخبرنا به ابن المقفع نفسه، حيث قال:" فإنه قد كمل فيك الحلم والعلم، وحسن العقل والنية، وتم فيك البأس والجود، واتفق فيك القول والعمل، فلا يوجد في رأيك نقص، ولا في قولك سقط ولا عيب . وقد جمعت النجدة واللين، فلا توجد جباناً عند اللقاء، ولا ضيق الصدر، عند ما ينوبك من الأشياء (18).

ولعلنا نتفق مع ما ذهب إليه أستاذنا أحمد أمين، حين رأي أن ابن المقفع في موقفه من الخليفة المنصور، يحاكي موقف (بيديا) من ( دبشليم)، لذا رأي أن ابن المقفع أن يفيد من الكتاب، بحسب رؤيته الخاصة به، والمتساوقة مع الإطار السياسي والاجتماعي لعصره، ليعمل في الخلفاء والرعية، ما فعله ( كليلة ودمنة) في الملك ( دبشليم)، ومن جاء بعده من الملوك في الهند وفارس، وهذا هو الغرض الأقصى من الكتاب، والمخصوص بالفيلسوف (19) . وهذا هو واجب الحكماء في كل زمان ومكان، إذ إن " الملوك لا تفيق من السورة إلا بمواعظ العلماء، وأدب الحكماء والواجب علي الملوك أن يتعظوا بمواعظ العلماء . والواجب علي العلماء تقويم الملوك بألسنتهم، وتأديبها بحكمتها، وإظهار الحجة البينة اللازمة لهم ليرتدعوا عما هم عليه من الاعوجاج، والخروج عن العدل.

غير أن الحكاية المقنعة أو التقية إن جاز التعبير لم تُفد ابن المقفع فلم يحقق بغيته، كما حققها (بيديا) الفيلسوف، وذهب ضحية فكره الاصلاحي، وليس قتله عائدا إلي زندقته وشعوبيته – المزعومتين – كما رأي أحد الباحثين، حيث قال:" إن ابن المقفع دفع دمه ثمناً لأول كتاب من كتب الأدب القصصي العربي المرتبط ارتباطا كاملا بالتراث الأسطوري . ولعل هذه الحقيقة تعطي لهذا الكتاب أهميته الحقيقية في فن الكتابة العربية كلها، كما تعطي ثقلها الحضاري لرجال الفكر العرب، ولدورهم الطليعي في الدفاع عن الفكر، والتضحية من أجل حضارة الإنسانية، وبقاء كرامة الإنسان (20) .

وكانت آخر كلمات ابن المقف لسفيان بن معاوية: «والله إنَّك لتقتلني؛ فتقتل بقتلي ألف نفس، ولو قُتِل مائة مثلك لَمَا وفُّوا بواحد" (21).

وهكذا راح الأديب العبقري والإنسان الفاضل، ضحية السياسة والخلافات السياسية داخل الأسرة العباسية، ولم يقتل كخصم سياسي، بل ألصقت به تهمة الزندقة التي هو منها بريء بشهادة مؤلفاته، وبشهادة الأبحاث التي دارت حول حياته وفكره (22).

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............

1- د. أحمد محمد سالم: دولة السلطان – جذور التسلط والاستبداد في التجربة الإسلامية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2011، ص 12-15.

2- المرجع نفسه، ص 16-19.

3- د. عز الدين العلام: الآداب السلطانية – دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، سلسلة عالم المعرفة – العدد 324- الكويت، 2006، ص 45.

4- د. عبد الرازق عبد الرازق عيسي: قراءة في الفكر السياسي لابن المقفع، نادي المدينة المنورة الأدبي الثقافي، مج 31،ع62،61، 2007م، ص 277.

5- أبو عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام هارون، ط5، 1405هـ، 1985م، ج1، ص 115-116.

6- قحطان صالح الفلاح: الأدب و السياسة: قراءة في كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع، جذور، النادي الأدبي الثقافي بجدة، مج 11،ج 2، 2009م، ص 66.

7- د. عبد الرازق عبد الرازق عيسي: نفس المرجع، المرجع السابق ص 277.

8- المرجع نفسه، ص 228.

9- المرجع نفسه، ص 228.

10- نوير بنت ناصر محمد عبد الله الثبيتي: تنوع الأداء البلاغي في أدب ابن المقفع، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة ام القري، كلية اللغة العربية، ص 15.

11- د. محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، بيروت، لبنان، 2000، ص329 وما بعدها.

12- المرجع نفسه، ص340 وما بعدها.

13- قحطان صالح الفلاح: المرجع السابق، ص 68-69.

14- نبيل فرج: ابن المقفع (724 - 759 ) الحاكم والرعية، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، مج 12،ع 4، 2012، ص 133

15- المرجع نفسه، ص 133.

16- قحطان صالح الفلاح: المرجع السابق، ص 69.

17- المرجع نفسه، ص 70.

18- المرجع نفسه، ص 71.

19-  أحمد أمين: ضحى الإسلام، القاهرة / مهرجان القراءة للجميع 1999، ص 334.

20- المرجع نفسه، ص 72.

21- حسين جمعة: ابن المقفع إبداع بين حضارتين، دار رسلان للطباعة والنشر، 2016م، ص77.

22- ليلى حسن: كليلة ودمنة في الأدب المقارن دراسة مقارنة، مكتبة الرسالة، عمان، 1977م، ص16.

 

 

جمال العتابيلا بد من إستدراك التجريد الذي يذهب اليه كاتب السيرة في رؤيته للأحداث، في إستمرارها وصراعها، لنضيف، ان حيز الصراعات بين القوى الاجتماعية والسياسية، لا يقع حكماً وبشكل حتمي في المنطق التقليدي السطحي،إنما هناك جملة من المصالح الكبرى والصغرى التي تختبئ أو تحتجب وراء الستار على الأغلب.

وردت في هوامش المذكرات إشارات عديدة لدور السفارة البريطانية في أحداث العراق ما بعد تموز 58، إعتمدها الدكتور طارق العقيلي في دراسته (بريطانيا ولعبة السلطة في العراق)، المطبوعة في عمّان 2019، أكّد بعضاً منها الشيخ راضي، وشكك في البعض الآخر، أو نفاها، فهو يؤكد إرتباط القيادي طالب شبيب مع الغرب، إذ كشف شبيب بعد سنين طويلة دون خجل عن إرتباطه بجهات إستخبارية أمريكية، عندما طرح نفسه كمعارض لحكم صدام حسين، (ص200)، كما يشير الى علاقة عبد الستار عبد اللطيف الوطيدة مع تاجر عراقي مشتبه به، لم يكن بعثياً ولا قومياً، يدعى موفق الخضيري، الموصوف لنا بأنه أحد المقربين من السفارة البريطانية ببغداد، والمترددين عليها، وله علاقات  واسعة وعميقة مع السفارة البريطانية، ان الأمانة التاريخية تقتضي تقصياً أعمق، في إشكالية لا تتعلق بأشخاص قياديين في الحزب، إنما في كيانه السياسي على العموم، إذ يذكر: قد لا أبرئ البكر، وحردان، وعبد الكريم الشيخلي من علاقتهم بالسفارة البريطانية ببغداد، وإرتباطهم بها، لاسيما ان الشيخلي كانت له علاقة مع الغرب منذ أن أصبح ملحقاً عسكرياً في السفارة العراقية في بيروت عام 1963، وتجلّى إرتباط هؤلاء يوم نجاح إنقلاب تموز 68، وعلى الرغم من خصومته الشديدة مع حازم جواد، لكنه يشهد للتاريخ، انه كان وطنياً نزيهاً، لم يدنّس تاريخه السياسي بهذا (الوحل الآسن)، إلا ان طموحه الكبير قتله، وقتلنا معه.

كل هذا الكلام عن الإرتباطات بالمخابرات الأجنبية، يقال بحسابات مفتوحة، ثمة دائماً أفق خفي، يقف وراء البدايات الأولى، وإمعاناً في هذه الإشكالية، التي تعود بنا إلى مراجعة المنطلقات الفكرية التي مهدت السبيل لتشكيل الأحزاب والحركات القومية، والبحث في تاريخ مؤسسيها، وعلاقة ذلك بالهوية والإنتماء الوطني، لا بد من إعطاء الفرص لكل اؤلئك الذين اطلعوا على الحقيقة، لكي يكتشفوا بأنفسهم وبوعي ذاتي، المأزق الذي  إنقادوا إليه، علّهم يعيدوا النظر بمواقف الماضي الخاطئة، فالمراجعة لاتعني الهزيمة. وأعني تحديداً ان تاريخاً تكتنفه الشبهات بالعمالة، أو الإرتباط بجهات أجنبية، لم يمر عابراً في حياة العراقيين، إذ إمتد إلى عقود لاحقة من الزمن، ليتحول إلى تاريخ وجع عراقي بإمتياز، خلال حقبة الديكتاتورية، وما تلاها من تبعات فجائعية. تتحمل تلك القوى مسؤولية مباشرة في وقوعها.

ومن المفيد مراجعة كتاب العقيلي بشأن الوثائق البريطانية التي تتعلق بدور موفق الخضيري للإعتراف بدولة الكويت، بعد إنقلاب شباط63، وبهذا الصدد، يقول الشيخ راضي: لقد إنطلت علينا اللعبة الكبرى، التي لم ندركها في حل المسألة الكويتية على وفق رغبة طالب شبيب، وتبريراته المتساوقة مع حماسة العسكريين الذين تسابقوا معه في الذهاب الى الكويت، ولقاء (أشقاء العروبة) ، شيوخ وأمراء الكويت، كما يصفهم محسن بسخرية، وبموجب الاتفاق (الصفقة)، قدمت الكويت قرضاً للعراق مقداره 30 مليون دينار ،، مع مليوني دينار تبرعات (لشهداء 8  شباط). والملفت للنظر ان جمال عبد الناصر في لقاء مع علي صالح السعدي، حذره من وليم ليكلاند الملحق العسكري في السفارة الامريكية ببغداد، وأسماه خبير الإنقلابات، ولم يفهم السعدي في وقتها معنى التحذير، ولم يكن يعلم بعلاقة ليكلاند ببعض البعثيين المدنيين والعسكريين. وعليه فان الأخير اتصل بمدير الأمن العام جميل صبري البياتي مبدياً إستعداد حكومته بتزويد العراق بالسلاح، مقابل إطلاع الامريكان على تفاصيل منظومة الدبابة الروسية الحديثةT54.

بيد ان الحقيقة التي تسربت الينا، يضيف الشيخ، ان عماش كان على صلة وثيقة بليكلاند، وله إتصالات دورية معه بعلم وموافقة العسكريين البعثيين، لكنه يستدرك في الوقت ذاته، ليقول: لكي لا أدخل في دائرة التخوين ورمي الآخرين بالعمالة للأجنبي، لا بد لي، حسب المعلومات التي حصلنا عليها لاحقاً بعد إنقلاب 18 تشرين 63، أن أفكك  تشابك الأدوار، لأدوات من داخل المجلس الوطني لقيادة الثورة،، وسارت في طريق العمالة للغرب، سجلها خصومنا والتاريخ شبهات ضدنا، وضد الحزب في كل الأحوال، اللافت للنظر ان هذه الارتباطات، وعلاقات عماش بعميل الCIA, كانت تتم دون علم القيادة القطرية، وكما يبدو من سير الاحداث، التي يرويها الشيخ راضي، ان علي صالح السعدي، وهو أعلى مسؤول في القيادة، ينطبق عليه المثل العراقي (نايم ورجله بالشمس)، ولم يستفق هو ومجموعته (الفكيكي، ابو طالب، حمدي عبد المجيد، محسن) الا بعد نفيهم الى مدريد، اثر الانقلاب الداخلي في المؤتمر الخامس.

تشير الوقائع والأحداث ان بريطانيا لم تترك العراق، ولم يكن غريباً ان يتصدر العراق موقعاً أمامياً في إقتصاد ودبلوماسية الامبراطورية البريطانية، ويصبح محطّ أطماع المصالح الإمبريالية الأخرى. وإعتماداً على ماأورده العقيلي من وثائق، وأيده الشيخ راضي، فالمرجح ان انقلاب 8 شباط كان تدبيراً بدعم بريطاني، لا أمريكي حسب ماهو شائع.

إذ تمددَ دور السفارة البريطانية، في حياة الحزب الداخلية، وتدخلت في الصراعات القائمة بين اجنحته المختلفة، وكان لها دور في عملية نفي السعدي وجماعته، فإستطاع (روبي) الموظف فيها، تسهيل مهمة الطائرة العسكرية العراقية في نقل المنفيين الى القاعدة البريطانية في قبرص، ثم الإنطلاق برحلتها الى مدريد (العقيلي، هامش، ص284)، ويصف راضي هذا النفي : لقد نفذوا إرادة عفلق تحت حراب بنادقهم، بفضل القوى الخارجية التي قدّمت لهم الخبرة الأمنية والإستخبارية، ومن قوى إقليمية يتقدمها عبد الناصر، وأنصاره في العراق، فقد إختطفوا الحزب منذ ذلك التاريخ، وسيتحول البعث على أيديهم إلى حزب العشيرة والقرية،

ولعل المفارقة ان هذه الظاهرة استطاعت أن تجرّد وجود الأشياء، والناس والأفعال من تاريخها، وان تصنع زمناً بلا تاريخ، وهنا يكمن سر إنهيارها السريع، وهروبها المريع، اللذين كشفا عن حقيقة إندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان.

لعل أحد الأ سباب الأكثر جوهرية في ضعف الإنتماء للأيدلوجيا، يقوم على ضعف وجفاف الإجتهاد النظري، بدايات الإنتماء لمحسن الشيخ راضي، قائمة على الحماس وحلم الشباب بدولة وحدة قومية، شعارات هلامية، إنشائية، وفكرة جذابة بعيدة عن الواقع، كانت تفتقر الى الكثير من أدوات الجدل الفكري والسياسي بمعناه الفلسفي الواسع، وعلى مسافة بعيدة من تلك الأدوات، كان متأثراً بعفلق، ويراه شخصاً صوفياً متواضعاً، ومن شدة تأثره القوي فيه، كان يحسبه قديساً ورعاً، ثم تمضي السنوات ليتحول عفلق بعد تشرين63 مثلاً للنفاق السياسي، يقول عنه: ان عقدة إنحراف البعث وتمزيقه في العراق جاء على يد عفلق، وأنصاره، لذلك بدأ توجهنا نحو آفاق بعيدة جداً للتخلص من أبوية عفلق، وإنتزاع شرعيته المصطنعة، وهدم صوفيته المخادعة، ولعنتُ القدر واليوم الذي صرت فيه عفلقياً.

في الإطار العام يمكننا تقييم النتيجة التي انتهت اليها تجربة الشيخ راضي السياسية، التي سجّلت كوثيقة شفاهية، تنقصها الوثيقة والدليل، معتمداً على ذاكرته، لذا جاءت الروايات، متناقضة مع مذكرات البعض من القادة البعثيين، ومتناقضة في سردياته كذلك، وربما تكون هذه الملاحظة إحدى المآخذ على السيرة، إن حقيقة الإنتماء أوسع من أن يمثله تيار، أوحزب، أو مفهوم واحد، واذا كان من الضروري تصحيح بعض الروايات، أو التأكد من صوابها ودقتها، فهناك من رفاق الشيخ، مازالوا أحياءً، وبذاكرة يقظة، كان بالأمكان عرض المخطوطة عليهم قبل النشر، في بعض المفاصل التاريخية. وأمامه فرصة أكبر للبوح بما هو مضمر، ومهم.

حاول محسن الشيخ راضي ان يتحرر من ثقل الماضي، وصراعاته المدمرة، لكن النتيجة الكارثية التي أصابت البلد، الى حد هذه اللحظة من المسؤول عنها؟ من يرمم النفوس، ومن يعوّض الأرواح؟ من يزيح الأحزان التي رافقتنا؟ منذ عهد الإنقلابات والصراعات؟ ليس من شأن هذه القراءة أن تجيب على هذه الأسئلة، وهي تتمتع بقدر كبير من الأهمية، لكن لاشيء يجري تجاهله،  ولاشيء خالياً من المعنى،

ان اعترافك الأخير ياشيخ الراضي مرير ودامٍ، لكن مازالت تسكنك الكراهية لعبد الكريم قاسم، بشخصه، ونظامه، رغم حضورك المشهد التراجيدي لمقتله، وفكرة (البعث) لم تغادر عقلك، بدليل انك ابتعدت عن مناقشة  المعضلات الفكرية والسياسية داخل التنظيم، ولم تقدم الحلول والبدائل في معالجتها، وإكتفيت بالقول (أعترف بأني قد أسأت بحق العراق والشعب العراقي، ولعل نوايانا الحسنة لا ينفع معها الإعتذار، لأننا أدخلنا العراق في دوامات الفوضى والضياع، وأهدرنا مستقبل أجيال من شبابه، وأطلب العفو من كل مواطن عراقي يعتقد بأنني كنت وراء اضطهاده أو سجنه، أو حتى إساءة صدرت عني بحقه.)

بهذه اللغة يختتم الشيخ الجزء الأول من مذكراته، انها العزلة التي تتمدد بجسدها الموحش في نص لا تجد العبارة فيه سبيلاً للإفلات، بل يأخذك النص نحو النزف، وبلاغة المرارة، لقد آن للصمت أن يتفكك وينهار، وأن تتكشف أبعاد اللعبة، وخفاياها. ومحسن الشيخ راضي لم يفعل المستحيل ليخترق سكونه، في خضم الألم الذي يعيشه، من أجل أن يتوازن، أو يخفف من عبء الكابوس وفداحته، لقد تركوا العراقيين وحيدين أمام هذا الكابوس، وأمام هذه المحنة الكبرى.

أشعر ان الشيخ راضي، لم يقل كل ما عنده، لم يكن كافياً لكي يصرخ، لكي يصيح، لكي يعبّر عن الذهول، انه ينعى نفسه، وهكذا كان الصمت يتضمن الكثير من الصراخ، الذي لا تكاد تسمعه عند نفسك. فما زال الجرح يُرتَقْ عورات الوطن المذبوح، بسيف من أهله وبنيه. هب لي من كلماتك ما يعيد لي أبن أمي (سامي)، لأشمّ عطر قبره المجهول. لكنني أحييك، وأشد على يديك، لأنك قلت الحقيقة، ولو متأخرة، لكنك أفضل آلاف المرات من رفاقك الذين غادروا الحياة بعد أن أصابهم الخرس التام، كأنك تريد أن توقظ الحجر الصلد من سبات!

ليس من العدالة ان يكتفي الإنسان بالصراخ، إذاً متى سيأتي الإحتجاج والحساب؟ ، تلك هي مأساة الإنسان الصادق، وكيف يكون أميناً في التعبير عن نفسه أمام معضلة من هذا القبيل.؟؟ لا يكفي أن نوقد الأسى، والبلاد في (غيابة الجبّ)، وغولها يزرع الخراب والجوع.

 

جمال العتّابي

 

2498 المترجم عدنان عليفقدت الساحة الثقافية في روما، ظهر أمس، مترجمًا قديرًا من الإيطالية إلى العربية الراحل عدنان علي، وذلك عن سنّ تناهز الرابعة والستين عاما، رفد خلالها المكتبة العربية بسلسة متنوعة من الأعمال. قدِم عدنان إلى إيطاليا في ريعان الشباب مطاردًا طيف الحرية والعيش الكريم ككثير من العراقيين. وقضّى في ربوع إيطاليا ما يناهز الأربعة عقود، بين الترجمة والتدريس. كان الفقيد يزهو حين يحدّثني عن أربيل ودهوك وحلبجة والسليمانية وتنشرح أسارير وجهه، وكان أكثر ما يثير شوقه إلى العراق سنوات الدراسة الجامعية في بغداد.

عهدت عدنان بشوشا ضحوكا، لم تبدّل سنوات المنفى وهجران العراق من طبعه المرح، ذلك هو العراقي الكردي عدنان نجم الدين محمد علي (من مواليد "altamin " في الفاتح من يوليو 1957). فقد تعاملتُ مع جلّ المترجمين من الإيطالية إلى العربية، داخل إيطاليا وخارجها، في التصحيح والتحرير والتنقيح والترجمة، ولم أجد مترجما منضبطا في الوقت، ودقيقا في القول، وحريصا على إتقان عمل الترجمة مثل عدنان. كان طبعه المرح يخفي متانة علمية ودقّة معرفية. وكان الراحل من أوائل المترجمين الذين التفّوا حول "مشروع كلمة" للترجمة، ورفد المؤسسة بسلسلة من الأعمال منها: "الحياة اليومية في نهاية العالم القديم" لجورج رافينياني (2017)، ورواية "إن عانقتك فلا تخف" لفولفيو إرفاس (2016)، و"سوسيولوجيا الجسد" لباولا بورنيا (2014)، و"الواقعية الجديدة والنقد السينمائي" لغويدو أريستاركو ( 2011)، و"تاريخ الهجرات الدولية" لِباولا كورتي (2011). كما ترجمنا معا كتاب "الإسلام الإيطالي.. رحلة في وقائع الديانة الثانية" لستيفانو أليافي (2010) فكان خير معين في الترجمة. ترجم عدنان كذلك كتبا للأطفال والناشئة مثل "الأَسدُ آكِلُ الرُّسومِ" لبنيامينو سِيدوتي، و"رِحْلةٌ إلى المَجْهول" لكريستيانا فالنتيني وفيليب جوردانو، و"رَجُلُ المَاءِ والنّافُورَة" لأوغو روزاتي وغابرييل باكيكو (2016) وهي جميعها منشورة لدى مشروع كلمة في أبوظبي.

فقدتُ سندًا وعونًا في الترجمة من الإيطالية، فقد كانت سرعته الفائقة ودقته المتناهية تفوق كلّ تصوّر، كان يتعامل مع الحرف بقداسة ورشاقة. لقد بادل عدنان العربيةَ حبّا فبادلته امتثالا وانسيابا، رحم الله عدنان وأسكنه فراديس جنانه.

 

عزالدين عناية

جامعي تونسي مقيم في إيطاليا

محمود محمد عليتحل هذه الأيام ، ذكرى وفاة أسامة أنور عكاشة – التي تمر ذكرى رحيله الـ 11 اليوم- في الكثير من أعماله وخاصة في ملحمة " ليالي الحلمية" الرائعة عن جزء كبير من أحلام جيلنا الذي ولد في منتصف الستينات وعاش بوعيه الصغير الذي تربى ونما على أفكار وأحلام الستينات وما تبقى منها في مناهج المرحلة الابتدائية من شعارات نرددها في طابور الصباح " قومية.. عربية" أو إنجازات ثورة يوليو وزعيمها من خلال سطور مكتوبة على الغلاف الأخير لكراسات وكشاكيل الواجب.

ورغم مرور 11 عامًا، على وفاة الكاتب أسامة أنور عكاشة، فلازالت كتابته مادة خصبة للكثير من العاملين بقطاع الفن، كما هو الحال مع أعماله الفنية التي تحظى بنجاحات وكأنها تُعرض لأول مرة، لذلك يمكن اعتبار أسامة أنور عكاشة هو الغائب الحاضر في عام 2021.

ويُعد الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، أحد أبرز الكُتاب المصريين، الذين أثروا الساحة الدرامية بعشرات الأعمال التي حققت نجاحًا كبيرًا داخل مصر وخارجها، ولازالت تُحقق إقبالًا جماهيريًا حتى الآن، كونه نجح في اختراق قلوب المُشاهدين بقضايا وموضوعات تلامس المُشاهد.

علاوة علي أنه يمثل أحد أهم المؤلفين وكتاب السيناريو في الدراما المصرية والعربية، ساهم بشكل كبير في إنعاش وتطور الأدب في مصر بجانب أعماله الدرامية التي حفرت في أذهان الكثيرين منذ صغرهم، ومازال المصريون يذكرونها رغم مرور عشرات السنوات، حيث استطاع من خلال أعماله يسرد الواقع بكل ما يعيشه الإنسان والطبقات في المجتمع المصري والعربي، إنه أسامة أنور عكاشة، الذي رحل عالمنا في مثل هذا اليوم 28 مايو عام 2010، ولكنه ما يزال صانعاً في قلوبنا أثراً عميقاً لن يُمحى، وفي هذا التقرير نرصد أبرز أعماله الدرامية الراسخة بذاكرة الجمهور العربي.

ولهذا يعد عكاشة حسب النقاد الفنيين واحدا من أبز الكتّاب الذين أعادوا الاعتبار إلى الدراما المصرية والعربية، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق. فقد جمع أسامة أنور عكاشة في مسلسلاته التلفزيونية بين التناول العميق للقضايا الاجتماعية والسياسية المهمة وبين التشويق الدرامي الجذاب للجمهور العريض، فتسابق كبار نجوم السينما المصرية على التعاون معه، مثل فاتن حمامة في مسلسل "ضمير أبلة حكمت"، ومحمود مرسي في "رحلة السيد أبو العلا البشري"، ومحمود المليجي في "وقال البحر"، وسناء جميل "الراية البيضا"، ويوسف شعبان الذي قام ببطولة أحد أكثر مسلسلات عكاشة نجاحاً، وهو "مسلسل الشهد والدموع"، وأخيرا يحيى الفخراني الذي تعاون معه في أكثر من مسلسل أشهرها "ليالي الحلمية" الذي يعد أطول المسلسلات العربية، إذ استمر نحو 150 حلقة.

وكان أسامة أنور عكاشة ، فوقَ كونِهِ قارئًا ، يملِكُ عينين لاقطتينِ وذاكرةً حديديّةً ، يقرأُ وجوهَ الناسِ وطباعَهم وحركاتِهم ، ويختزنُ طريقةَ كلامِ كلٍّ من يدخلُ في أرشيفِ هذه الذاكرة ، ويشاءُ لهُ القدرُ أنْ يدورَ عدّةَ دوراتٍ بلا ترتيبٍ ولا إرادة ليطالعَ الأماكنَ بما فيها من ثابتٍ ومتحرّك ، وليملأَ ذاكرتَهُ بـ ” كلّ المصريينَ ” ويدّخرهم إلى اللحظةِ المناسبة

ولد أسامة أنور عكاشة في طنطا في27  يوليو 1941 - 28 مايو 2010 ،  كاتب روائي ومسلسلات وأفلام ومسرحيات مصري. وهو أحد أهم المؤلفين وكتاب السيناريو في الدراما المصرية والعربية، وتعد أعماله التلفزيونية الأهم والأكثر متابعة في مصر والعالم العربي، عرف طريقه إلي قلوب البشر بصدق الكلمة، ورشاقة المعني، ونجحت أعماله في خلق جيل جديد من كتاب السيناريو القادرين على الإبداع وإمتاع المشاهد عوضا عن تقديم أعمال تلفزيونية لمجرد التسلية.

وقد تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بمدارس كفر الشيخ؛ حيث كان يعمل والده، توفيت والدته، وهو لم يجاوز السادسة، وكان لذلك الحرمان أكبر الأثر في شخصيته من خلال الحب الذي جسده في كل أعماله كأنه يعوض عما حرم منه في طفولته "أنا قلبي زي الموبايل، والحب هو بطارية الشحن، بدونها يتوقف عن العمل، فأنا لا أستطيع الحياة دون حب، فهو شعور يعني لي البقاء".

التحق بقسم الدراسات الاجتماعية والنفسية بجامعة عين شمس التي تخرج منها عام 1962، وهذا ما ساعده على توظيف تخصصه في فهم الظواهر الاجتماعية وعلاقة الفرد بمجتمعه، والغوص في أعماق النفس البشرية وصراعاتها الداخلية،  وخلال هذه الفترة بدأت إرهاصات محاولاته الأولى في مجال التأليف.

وقدّم أسامة أنور عكاشة الكثير من الأعمال الأنجح في تاريخ التليفزيون المصري، من أبرزها: "ليالي الحلمية، الشهد والدموع، رحلة السيد أبو العلا البشري، أنا وأنت وبابا في المشمش، ضمير أبلة حكمت، أرابيسك، الراية البيضا"، ورحل عن عالمنا في توفي في يوم الجمعة 28 أيار 2010 أثناء وجوده بغرفة العناية المركزة بمستشفى وادي النيل الذي دخله قبل أيام من وفاته..

ولم تقتصر إبداعات عكاشة على التلفزيون فأعطى للمسرح والسينما أعمالاً مميزة، وإن لم يحقق فيها النجاح الذي حققه في الدراما؛ فكتب مسرحيات منها؛ "القانون وسيادته" لمسرح الفن، و"البحر بيضحك ليه" لفرقة الفنانين المتحدين، و"الناس اللي في التالت" للمسرح القومي، ومسرحية "ولاد اللذين" للقطاع الخاص وذلك حسب قول في مقاله الأستاذة مني شكري في مقالها صورة من قرب أسامة أنور عكاشة.. للتلفزيون ذاكرة بحفريات.

وسينمائياً قدم مجموعة من الأفلام: الهجامة، تحت الصفر، الطعم والسنارة، والإسكندراني، إضافة إلى كتيبة الإعدام، ودماء على الإسفلت مع المخرج المبدع عاطف الطيب.

كما كان يكتب مقالات منتظمة في جريدة الأهرام وغيرها، وقد جرت عليه صراحته بعض المشاكل؛ فلم تخل حياته في سنيّه الأخيرة من جدل؛ لعل أبرزه ما أثير بعد مقال كتبه العام 2004 في صحيفة الموجز الأسبوعية هاجم فيها فاتح مصر عمرو بن العاص، ونعته بأوصاف اعتبرها كثيرون لا تليق بأحد الصحابة، الأمر الذي أحدث ضجة في الأوساط الدينية في بلده.

وأسامة لم يكن مجرد كاتب مسلسلات أو مؤلف حواديت وحكايات للتسلية وانما مفكرا ومبدعا صاحب مشروع فكرى شخصي.. وقومي ظل يسكنه وبقي طوال عمره يسعى لتحقيقه وانجازه. وأظن انه حققه بدليل هذه الأعمال البديعة التي أعادت نوبة الصحيان والوعى للمجتمع ومقاومة محاولات التشويه والتغيير العشوائي وتجريف العقل المصري منذ بداية السبعينات، فتحولت الدراما التليفزيونية بين أصابعه الى سلاح للمقاومة والوعي منذ سباعية "الإنسان والحقيقة"، ثم مسلسل "الحصار" في عام 1977، و"المشربية"، و" أبواب المدينة" و"الشهد والدموع" و"ليالي الحلمية " وارابيسك" وذلك حسب قول في مقاله الأستاذ عادل السنهوري في مقاله أسامة أنور عكاشة في ذكرى رحيله باليوم السابع,

كما كان له مقالًا أسبوعيًا في جريدة الأهرام، واشتهر كونه كاتب أكثر المسلسلات في مصر والشرق الأوسط شعبية مثل ليالي الحلمية والشهد والدموع. آخر أعماله التليفزيونية كان مسلسل المصراوية، وقد حاز على جائزة أفضل عمل في الجزء الأول منه والذي عُرض في سبتمبر من عام 2007 ، ويجسّد المسلسل تاريخ الشعب المصري منذ العام 1914. عرف عنه إنه ناصري التوجه، لكنه لم يعد يؤمن بفكر الرئيس جمال عبد الناصر، وطالب بحل جامعة الدول العربية وإنشاء منظومة كومنولث للدول الناطقة بالعربية مبني على أساس التعاون الاقتصادي[4]، ويعرف عنه أيضا انتقاده وهجومه على التطرف والجماعات المتطرفة.

ويعرف عنه عشقه الشديد لمدينة الإسكندرية على الرغم من أنه لا ينتمي إليها، لكنه كان يقيم بها بصورة شبه متواصلة وينجز بها أهم أعماله.

وقدم أسامة أنور عكاشة مجموعة من الأعمال الأدبية أهمها مجموعة قصصية بعنوان "خارج الدنيا" وهي صادرة عام 1967م من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ورواية "أحلام في برج بابل" عام 1973م، ومجموعة قصصية بعنوان "مقاطع من أغنية قديمة" صادرة عام 1985م، ورواية "منخفض الهند الموسمي" وصدرت عام 2000م

ورواية "وهج الصيف" وصدرت عام 2001م، كما قام بتأليف عدد من الكتب منها كتاب "أوراق مسافر" وهو صادر عام 1995م، وكتابي "همس البحر" و" تاريخ خريف" وهما صادرين في نفس العام.

عرف عنه إنه ناصري التوجه لكنه لم يعد يؤمن بفكر الرئيس جمال عبد الناصر وطالب بحل جامعة الدول العربية وإنشاء منظومة كومنولث للدول الناطقة بالعربية مبني على أساس التعاون الاقتصادي ويعرف عنه أيضا انتقاده وهجومه على التطرف والجماعات المتطرفة, ويعرف عنه عشقه الشديد لمدينة الإسكندرية على الرغم من أنه لا ينتمي إليها لكنه كان يقيم بها بصورة شبه متواصلة وينجز بها أهم أعماله.

وينتمي أسامة أنور عكاشة إلي عدد من الهيئات فهو عضو اتحاد كتاب مصر وعضو نقابة المهن السينمائية، وقد حصل على العديد من الأوسمة والجوائز أهمها جائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2002م، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون لعام 2008م.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي أسامة أنور عكاشة حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب "روائيون" لا يعرفون قدر أسامة أنور عكاشة ، فتحية طيبة له الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للروائي المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله أسامة أنور عكاشة ، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "محمد أبو القاسم محمد أحمد" – أستاذ هندسة البيئة بكلية الهندسة بجامعة أسيوط، واحداً من أهم الأستاذة الذين أسهموا في الاعتماد علي استخدام التطبيقات الهندسية والعلمية، وذلك لخدمة البيئة وحمايتها، حيث عمل أبو القاسم في القطاعات الصناعية والبحثية في سبيل الإنجاز والتوصل إلي حلول تهدف للتحكم بالتلوث، بالإضافة إلي إنجازاته البحثية في تنوع مصادر الطاقة وزيادتها إلي أكبر حد ممكن، وتعد طبيعة عمل أبو القاسم ميدانية أكثر منها مكتبية، حيث يقضي سيادته معظم وقته بين المختبرات، والمكاتب، والمواقع، والمنشآت الصناعية، وذلك لمعالجة القضايا البيئية، كما امتدت جهود أبو القاسم في دراسة مدي تأثير التكنولوجيا وتطورها علي البيئة، حيث وجدناه يجري أبحاثاً في معالجة النفايات، وتقييم مدي خطورتها علي البيئة، بالإضافة إلي دراسته للسبل اللازمة التي تصب في تحسين وتطوير الأنظمة للحد من الحوادث البيئية، وفي اعتقاد أبو القاسم أنه لكي يصبح مهندس البيئة ملماً وناجحاً في مهنته عليه الاهتمام والإلمام بمواضع أخري ذات صلة تشمل قطاع المياه، وإدارة مصادر التلوث، والحفاظ علي التربة من التلوث، بالإضافة إلي التخطيط المدني .

علاوة علي أنه أحد أساتذة هندسة البيئة الذين استطاعوا من خلال بحوثهم ومؤلفاتهم في الهندسة البيئة أن ينقل البحث في دراستها من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: إن استعمال التطبيقات الهندسية والعلمية لخدمة البيئة وحمايتها لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كما تميز محمد أبو القاسم بالثقافة الهندسية الواسعة التي اكسبها في مجال هندسة المعادن والفلزات في أناة وصبر، والذاكرة الواعية الحافظة، فهو عندما يقدم علي الحديث لا يتعجل، بل يحاور ويعلق،وبعد ذلك يلم بأطراف ويدلي برأيه، لا تفوته ملاحظة، عشق الهندسة البيئية، وعني بمشكلاتها التاريخية، والسياسية، والاقتصادية، والمسائل الاجتماعية في أبحاث تشهد بريادته في هذا المجال، واستطاع أن يكتب لنا كيف يعمل مهندسو البيئة في القطاعات الصناعية والبحثية، لإنجاز حلول تهدف للتحكم بالتلوث، بالإضافة لتنويع مصادر الطاقة وزيادتها إلى أكبر حد ممكن، كما اشتملت اهتماماته مواضيع أخرى، مثل قطاع المياه وإدارة الملوثات والتحكم بنوعية الهواء والحفاظ على التربة من التلوث والتخطيط المدني.

لقد كان أبو القاسم دون شك بشهادة الكثيرين أحد سادات الثقافة الهندسية البيئية الرفيعة في مصر والعالم العربي في القرن العشرين، وأحد كبار الأساتذة في هندسة المعادن والفلزات الذين قدموا دراسات وأبحاث، أقل ما توصف به أنها "ممتازة"، وأنها من أفضل ما كتب في الإنجليزية في بابها، لمن يبتغي البحث عن البدايات والخطوات الأولى في مدارجها.

وقد حصل أبو القاسم علي بكالوريوس هندسة التعدين والفلزات بتقدير "ممتاز"  في دور يونيو ١٩٨٠ من جامعة أسيوط، كما حصل بعد ذلك علي درجة الماجستير في هندسة التعدين " مجال هندسة البيئة" من جامعة أسيوط عام 1968م في موضوع بعنوان "دراسة حول مسائل الهندسة البيئية في بعض المناجم ووحدات تجهيز ومعالجة الخامات بمصر العليا"، وبعد ذلك نال درجة الدكتوراه في عام 1991م وذلك في موضوع بعنوان " توصيف ومكافحة الحبيبات المحمولة في الجو من العمليات الصناعية والتعدينية وعلاقتها بالظروف الخارجية"، وذلك بنظام الإشراف المشترك بين جامعة أسيوط وجامعة أيوا الأمريكية؛ وبعد ذلك أخذ أبو القاسم يتدرج في المناصب الأكاديمية، فنجح في الحصول علي درجة أستاذ مساعد في 1996، ثم نال بعدها رتبة الأستاذية في عام 2002م.

وعقب حصول أبو القاسم علي رتبة الأستاذية أخذ يتدرج في المناصب الإدارية الجامعية، حيث وجدناه في عام 2012 ينال منصب رئيس مجلس قسم هندسة التعدين والفلزات، وفي ذات السنة يتولي منصب وكيل كلية الهندسة لشؤون خدمة المجتمع والبيئة، وفي عام 2013 يتولى أبو القاسم عميد كلية الهندسة ليستمر في منصبه حتي عام 2016، علاوة مشاركته في كثير من الأعمال الميدانية المتعلقة بمجال الهندسة البيئية في مصر والعالم العربي.

وللدكتور محمد أبو القاسم  دراسات وأبحاث كثيرة في تخصصه " الهندسة البيئية " نذكر منها علي سبيل المصال لا الحصر: دراسة انتشار و ترسيب الخبيبات الدقيقة حول مصنع الألومنيوم بنجع حمادى  مصر، دراسة اخصائية لتأثير الطقس على الإنسان بمنطقة قنا . مصر،  دراسة انبعاثات الحبيبات الدقيقة من بعض المصادر فى المحاجر، دراسة معدل تولد الغبار وعلاقته بخواص الفحم فى مناجم و محاجر الفحم، دراسة طول التلوث الضوضائي من  بعض المصادر فى المحاجر، دراسة ترسب الغبار على المنطقة الزراعية بمزرعة مصنع الاسمنت،  نظم الادارة البيئية، دراسة طول تركيز و رفع جودة  خام الحجر الجيري، رفع جودة مخلفات خام الفوسفات بشركة النصر للفوسفات,, وهلم جرا.

وفي  هذه الأبحاث حاول أبو القاسم أن يطبق مبادئ العلوم والهندسة لتوفير بيئة ومحيط أفضل يتوفر به الهواء النقي والماء والارض الصالحة لتكون محيط وبيئة صالحة لعيش الانسان والكائنات الاخرى، من خلال الهندسة البيئية يتم الحد من التأثير السلبي الناتج عن التلوث البيئي ويتم التحكم به من خلال نشر التوعية والاصلاح ووضع النظم والقوانين التي تحد من التلوث البيئي ويتم من خلال الهندسة البيئية الحفاظ على المصادر والثروات الطبيعية دون تلويثها وإساءة استخدامها عن طريق تطبيق سياسات عديدة كإعادة الاستخدام والتدوير والمعالجة للفضلات .

والهندسة البيئية  كما يؤرخ لها أبو القاسم في كتاباته قد أعطيت تعريفها واسمها المحدد كما يذكر في كثير من كتاباته ومحاضراته التي كان يلقيها علي طلبة قسم التعدين بأنه منذ عام 1900 ميلادي كفرع من الهندسة المدنية. وقد مورست من قبل المهندسين المدنيين منذ عام 1850 ميلادي عندما أصبح للصحة العامة معاهد خاصة بها. كانت مشاريع الصرف الصحي والتزود بالمياه وحل مشاكلها الهيدروليكية من النشاطات الأولى للهندسة البيئية. انتشرت معالجة المياه بشكل سريع حوال1900 ميلادي بينما معالجة المياه الملوثة تأخرت حتى أصبح لها معاهدها الخاصة بهذا العلم

وفي محاضراته كان أبو القاسم كثيراً ما يؤكد لتلاميذه بأن الهندسة البيئية تعد أحد التخصصات الهندسية المثيرة، التى يدرس خلالها الطالب برامجاً متميزة لإعداده بهدف استخدام الطرق الهندسية والرياضية والعلمية لتصميم أنظمة تساعد على حل مشاكل البيئة، والتخفيف من أضرار التلوث، والرصد الدائم والتحكم المستمر فى مراكز تلوث الهواء والأرض والماء، إلى جانب الطرق العملية لحماية الصحة والأمان فى المنشآت.

الهندسة البيئية الآن تشمل في نظر أبو القاسم علي ثلاثة أفكار رئيسية وهي: حماية الناس من الأخطار الناجمة عن سوء نوعية الهواء والماء، بالإضافة إلى حمايتهم من الضجة والإشعاعات. التخلص المناسب من الملوثات. الأمن من تأثير الأضرار الناجمة عن النشاطات البشرية.

وفي نظر الدكتور أبو القاسم فإن تخصص الهندسة البيئية يعد في نظره أحد حد الفروع الهندسة التي تم التفكير بتأسيسها للنهوض بالبيئة المصرية بشتى محتوياتها، وكذلك ليتسع العديد من مناحي الحياة في العصر الحالي، فهي تعالج المشكلات البيئية المختلفة مثل تلوث المياه والهواء والتربة ؛ وتخصص الهندسة البيئية في نظره أيضا يعمل على تخريج مهندسين متميزين يستطيعون فهم المشكلات البيئية وإيجاد حلول مناسبة من أجل الوصول إلى الحفاظ على البيئة مثل طرق معالجة مياه الصرف الصحي والمياه، دراسة تلوث الهواء والحد منه، هذا بالإضافة إلى إدارة المشاريع الهندسية وإدارة النفايات الصلبة ودراسة التلوث البيئي بشتى أنواعه وطرق تخفيف حدته ؛ كذلك يوفر تخصص هندسة البيئة في نظر أبو القاسم علي خريجين ليسوا على النمط التقليدي الذي يعتمد فقط على الهندسة المدنية، بل يعتمد كذلك على مزيج من الهندسة الكيميائية، وهندسة التعدين والهندسة الميكانيكية؛ وهو ما يؤهل المهندس الخريج لأداء دوره بكفاءة وفاعلية أكثر من برامج هندسة البيئة.

وأما عن اهتماماتها فنجد أبو القاسم يؤكد أنها تشمل اهتمامات وتطبيقات هندسة البيئة مجال واسع من المشاريع الهندسية والفنية في القطاعات البلدية والصناعية والبحثية المختلفة لإيجاد حلول تهدف للتحكم بالتلوث، تصميم وإنشاء الأبنية الصديقة للبيئة، تجهيز المياه، إدارة الملوثات، التحكم بنوعية الهواء، الحفاظ على التربة من التلوث والتخطيط المدني. إذاً فالهندسة البيئية وعلومها تمثل التطبيق المباشر للعلوم الفيزيائية والرياضية لتأمين الحلول لمشاكل كوكبنا. إن العلماء والباحثين المهتمين بالبيئة.

وفيما يخص معمل هندسة البيئة فنجد أبو القاسم يؤكد أن هذا المعمل يعد أحد أهم المعامل بقسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة. بالإضافة إلى تدريب طلاب القسم على القيام بعمل التجارب، يسهم المعمل في إثراء البحوث، الممولة من قبل لقطاعات الخاصة والغير ممولة، التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس وطلاب الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)؛ بالإضافة إلي مشاريع التخرج لطلاب مرحلة البكالوريوس.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور للدكتور محمد أبو القاسم  بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الهندسة البيئية .

تحيةً للدكتور محمد أبو القاسم  الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في محمد أبو القاسم  قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

اسعد شريف الامارةاستاذ التحليل النفسي.. أسطورة معرفية

منذ نهاية القرن التاسع عشر  أنتهت فكرة التوسع في مجموعة العلوم والمعارف في من يحصل على التخصص الدقيق وهي الدكتوراه، حيث ألغي التوسع المعرفي واستبدل بالتخصص الدقيق والتفلسف في التخصص، إلا أن هذه الفكرة عادت وبرزت مع أحد تلامذة مدرسة عين شمس للتحليل النفسي في جامعة عين شمس بالقاهرة في مصر وهو العلامة الموسوعي المعرفي الراحل الاستاذ الدكتور حسين عبد القادر، فهو جمع أصعب فروع علم النفس الحديث ألا وهو التحليل النفسي ومن مدرسته التخصصية العميقة في عين شمس، كانت انطلاقته نحو الإلمام بالتحليل النفسي كأكاديمي،  تعلم هذا الفن ممارسة وعلمًا من أكثر العلماء تميزا ودقة في التحليل النفسي العربي وهو العلامة " مصطفى زيور" وزامل فرج احمد فرج، وفرج عبد القادر طه، وقدري حفني  والعلامة صلاح مخيمر الذي قال عنه في محاضرته المنشورة تحت عنوان تناول جديد في تصنيف الأعصبة والعلاجات النفسية  حينما يستشهد العلامة "مخيمر" عن العلاجات النفسية قوله: ليست هذه المحاولة الأولى في هذا المجال من جانب كاتب هذه السطور"وهو العلامة صلاح مخيمر" حيث يقول في مناقشته للرسالة التي تقدم بها السيد حسين عبد القادر للماجستير" الفصام: بحث في العلاقة بالموضوع كما تظهر في السيكودراما،  أبان عن أن السيكودراما ليست غير تنويعه variety  وكوكبة من بين تشكيلة التباينات التي يمكن أن يتخذها النمط الكيفي الواحد لكل العلاجات النفسية.  إذا مزج الراحل العلامة حسين عبد القادر العلاج بالتحليل النفسي مع أوسع الفنون شهرة وعمقا وهو المسرح، أخترق المسرح الحديث بالتحليل النفسي، رغم أن التحليل النفسي أقام بعض تحليلاته وأعمدة وجوده على كتابات شكسبير ومسرحياته النفسية العميقة.

ويذكرنا أحد علماء الطب النفسي ممن علمنا في مدرسة عين شمس بكلية الآداب جامعة عين شمس الاستاذ الدكتور" محمد شعلان" أستاذ الطب النفسي في أواخر العقد السابع من القرن العشرين قوله في مقدمة كتابه الاضطرابات النفسية في الأطفال ج1: أساتذة أمتدوا رأسيًا ليشملوا بعض فطاحل العلم، وأفقيًا ليشملوا البسطاء المتخفين وسط صفوف الجماهير الكادحة، أنه حقًا حسين عبد القادر، عَلَم في المؤسسات الاكاديمية" الجامعات والمعاهد" أجيال مادة علم التحليل النفسي ، وتعلم من المسرح أن ينقل للناس التحليل النفسي بصور عدة وأشكال يرغبها الناس، وقول "جاك لاكان" فيلسوف التحليل النفسي الفرنسي الرغبة Desire  تلك التي لا تشبع أبدًا.  عَرف "العلامة عبد القادر" ما هي رغبة الناس في معرفة أنفسهم فسبر أغوارهم بما يرغبون معرفته، فكان المحك للمسرح هو التحليل النفسي، عشقه لحد الهيام، وتعين فيه تعيينا ذاتيًا  Identification  حتى وجدت ذاته منقسمًا إنقساما نفسيًا بين عشق التحليل النفسي وعشق المسرح اللارسمي، فأبدع وأجاد، وترك بصمة لها الأثر في الاجيال من الاكاديميين ومن عامة الناس.

كتب العلامة "حسين عبد القادر" رحمه الله  مقدمة لكتاب العلامة "فرج احمد فرج" التحليل النفسي وقضايا العالم الثالث مدونة أرخ فيها الاخلاص والوفاء  لعلماء التحليل النفسي في مدرسة عين شمس حينما يصف" العلامة فرج احمد فرج" بقوله: لقد كان فكر عالم موسوعي يهب خصبه وعلمه للانسانية جميعها، فقد توضأ بالعطاء الذي يتخطى تخوم المعيش لينفتح بفكره في خدمة الإنسان إذ يزيل ضباب المعاني عندما يرف تساؤل ما في خاطره، وهو الذي يرى العلم سماء واسعة لكل تساؤل، فتفيض رؤاه بمسارات للآمال، لا تكف عن الكشف والجدل، كان يتحدث " العلامة حسين عبد القادر" وكأنه يتحدث عن ذاته كما يدركها هو نفسه، عكس ما يداخله على أقرب الناس له، أستاذنا الراحل"فرج احمد فرج" رحمهما الله " فرج احمد فرج  وحسين عبد القادر" يشعر من يتمعن في مقدمته كأنه يناجي شيئا في ذاته لزميله الراحل.

نحن الاجيال التي تعلمت من هذه المدرسة الخالدة في التحليل النفسي ليس تعاليمها فحسب، وإنما الوفاء لمن أسسها وارسى فيها أسس جديدة من تلامذتها، ونتذكر في كل مناسبة ما أَثر ما تركه فينا كل منهم حتى بتنا نتعايش مع أفعالهم في حياتنا اليومية في كل مشارق الأرض ومغاربها، رحمهم الله وغفر ذنوبهم واسكنهم فسيح جناته. 

 

 د. اسعد شريف الامارة     

 

كاظم شمهوديقول صاحب كتاب- قصة الحضارة – ديورانت (ان الاوربيين لم يشيدوا صرح الحضارة بل اخذوها عن بابل ومصر.. فاذا درسنا الشرق الادنى وعظمنا شأنه فانا بذلك نعترف بما علينا من دين لمن شادوا بحق صرح الحضارة الاوربية والامريكية) كما ذكر المؤرخ الانكليزي ارنولد توينبي بان الحضارة الرافدينية هي الحضارة الاصلية او الاصيلة التي لم تنشأ عن حضارة سبقتها بل نشأت وتطورة من نفسها وبنفسها منذ آلاف السنين ولن يتكرر ظهورها عند البشر ..

لقد ترك اهل الرافدين آثار عظيمة تعج بها اليوم متاحف العالم . وكان الاوربيون قد تسابقوا في التنقيب والحفر في ارض الرافدين منذ منتصف القرن التاسع عشر وحملوا الآثار الى بلدانهم وكان ذلك على مرأى ومسمع من الدولة العثمانية .. وفي بداية الحكم الوطني عام 1921 بدأ الاهتمام بالآثار وحمايتها ونشأت لذلك مديرية للاثار، كما بدأ التفكير بارسال ابناء العراق للخارج لدراسة علم الآثار والذي اصبح اليوم له اهمية كبيرة حيث يعتبر من اهم المصادر العلمية لقراءة التاريخ، وفي عملية النقل والترجمة للآثار القديمة حيث يضع العلماء لكل مادة تفسيراتها ومبرراتها العلمية .. فمهمتهم اذن هو اولا توفير الدليل المادي التاريخي وثانيا الاهتمام بترجمته وتفسيره .

العلماء العراقيون

2472 طه باقر

2473 مقدمة في تاريخ الادب القديمو كان اول طلائع البعثات العراقية للخارج الاستاذان الجليلان طه باقر وفؤاد سفر حيث ارسلا الى جامعة شيكاغو لدراسة علم الآثار ثم عادا الى العراق عام 1938 ليؤسسا اول فرع لعلم الآثار في كلية الآداب في جامعة بغداد عام 1951 . ثم تبعهم بعد ذلك في دراسة الآثار في الخارج كوكبة بارزة من الطلبة منهم : بهنام ابو الصوف ودوني جورج وعامر سلمان وبهيجة الجراح وفوزي رشيد ولمياء الكيلاني وزينب بحراني وطارق مظلوم واحمد قاسم الجمعة وعبد القادر الشيخلي وعز الدين الصندوق وناجي الاصيل وبشار عواد معروف وخزعل الماجدي وغيرهم . وكان معظم هؤلاء الاوائل قد درسوا على يدي طه باقر وفؤاد سفر ...و يقول عالم الاثار بهنام ابو الصوف 1931 اننا نملك علماء آثار عراقيون احيانا يفوقون العلماء العرب والاجانب، غير ان ما ينقصنا هو الاعلام اي ان البحوث والتنقيبات والاستكشافت التي يقوم بها العراقيون لم تغطى اعلاميا بشكل كافي ولم يعرف الناس ما يقوم به هؤلاء العلماء الافاضل . يضاف الى ذلك ان ثقافة الآثار كانت عند الناس متدنية جدا ولهذا كانت الآثار عرضة للسرقة والبيع والتخريب .

طه باقر

ولد الاستاذ طه باقر في مدينة الحلة (بابل)عام 1912 وهو من اسرة كريمة اتصفت بالعلم والبحث والتدريس ومن سادة بني هاشم، تخرج من الثانوية عام 1931—بتفوق وكان واحد من الاربعة الاوائل الفائزين في العراق، وقد اختير كأحد الطلاب لدراسة علم الآثار في شيكاغو في الولايات المتحدة . وبعد انهاء دراسته التي استمرت اربعة سنوات عاد الى العراق وعين في مديرية الآثار ثم مدير للمتحف العراقي عام 1945 ثم مديرا للآثار العامة في العراق واستاذا في جامعة بغداد .. ويذكر انه عندما عاد من الخارج استقبله اهل الحلة بالافرح والورود وحملوا سيارته على الاكتاف ...

2471 تاريخ الحضارات القديمة طه باقر يعتبر طه باقر من اوائل علماء الآثار في العراق ومن الاوائل الذين قرأوا الالواح الطينية السومرية وترجم ملحمة كلكامش وقاد فرق التنقيب لمديرية الآثار العراقية منذ سنة 1945 الى سنة 1949 حيث كشف خلال هذه الفترة اكثر من الفي لوح قديم من حضارة بلاد الرافدين ..

قام طه باقر بترجمة ملحمة كلكامش وهي اول الترجمات العربية ولكنها كانت مأخوذه من اللغتين الانكليزية والالمانية اي مترجمة عنها، غير ان باقر استطاع من ترجمة اللوح الحادي عشر من السومرية والاكدية الى العربية بشكل مباشر، لكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن لماذا لم يقم باقر بترجمة كل الملحمة من النص السومري او الاكدي الى العربية؟ يذكر ان السبب في ذلك يعود الى ان النصوص متفرقة الى عشرات الكسر الصغيرة والتي تحتاج الى كادر متخصص لهذه المهمة الصعبة ... بينما نجد ان علماء الآثار الاجانب الذين اموا العراق قد استطاعوا من حل رموز الخط المسماري منذ منتصف القرن التاسع عشر، وحملوا معهم آلاف الالواح الطينية وكسرها الى متاحفهم ودرسوها بطرق علمية حديثة، وهي غير متوفرة عندنا ... ومن كتب طه باقر المشهورة - مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة – كما اسس مجلة سومر مع فؤاد سفر وله مؤلفات وترجمات كثيرة.

 فؤاد سفر

2475 2 فؤاد سفرهو عالم آثار ومؤرخ من موالد الموصل 1911 واسمه الكامل فؤاد سليمان اللوس سفر – درس فيها الابتدائية والثانوية ثم ارسل مع طه باقر في بعثة دراسية الى شكاغو وتخرجا منها عام 1938 وعند العودة عين استاذا في دار المعلمين العالي وكان يحاضر عن تاريخ الحضارات القديمة، ثم موظفا في مديرية الآثار، بعد ذلك اسند اليه مهمة المفتش العام للتنقيبات عام 1958 . وكان فؤاد قد قام بالتنقيب في مناطق كثيرة في العراق منها واسط واريدو وتل حسونة والعقير والحضر وحوض حمرين وغيرها، وكانت كل تنقيباته واكتشافاته توثق في مجلة سومر التي كان هو احد مؤسسيها . له مؤلفات كثيرة منها مشتركة مثل –المرشد الى مواطن الآثار الحضارية – مع الاستاذ طه باقر 1962 و– صيانة الابنية الاثرية- مع صادق الحسني 1965 وكذلك عدد من الترجمات مثل - الانسان في فجر حياته - و– المنازل الفرثية – اما مؤلفاته فهي – واسط 1952 – و- آشور1960-

توفى في حادث سيارة بينما هو في طريقه الى حوض حمرين لانقاذ الآثار هناك من المياه، اصتدمت سيارته بشاحنة تركية 1978 . ويعتقد البعض ان الحادث كان مدبرا لآننا رأينا ان العلماء العراقيين بعد سقوط النظام عام 2003 كانوا مستهدفين وقد تعرضوا للقتل وراح منهم اكثر من 250 عالم عراقي ..

بهنام ابو الصوف

2474 بهنام ابو الوصفولد ابو الصوف في الموصل عام 1931 وهو كلداني مسيحي آشوري - تخرج من جامعة بغداد، كلية الاداب قسم الاثار عام 1955، ثم سافر الى الخارج ودرس في جامعة كامبريدج في بريطانيا بريطانيا وحصل على شهادة الدكتوراة عام 1966، وكان احد تلاميذ طه باقر وفؤاد سفر واشترك معهما في التنقيبات في مناطق مختلفة من العراق . كما درس في عدد من الجامعات العراقية والاجنبية . وخلال فترة الستينات قام ابو الصوف في التنقيبات في قصر الملك آشور ناصر بال في نينوى وكذلك عمل في تل صوان قرب سامراء وغيرها ..

ويذكر ابو الصوف بان العمال العراقيين الذين يساعدونه في التنقيبات كانت لديهم خبرة عالية جدا في معرفة الآثار والابنية لانهم كانوا قد خدموا سابقا مع علماء الاثار الاجانب واكتسبوا منهم تجارب وخبرة عالية في البحث والتنقيب وكيفية الاعتناء بالآثار اثناء اكتشافها . وايضا ذكر ابو الصوف بان بعض الاجانب شوهوا تاريخ الآثار العراقية كما ان ترجمة كتبهم الى العربي تنقصها الدقة وضبط المصطلحات . ومن مؤلفاته – ديلمون الفردوس المفقود – وظلال الوادي العريق – والعراق حدث الارض – والحضارة والانسان - والتاريخ في باطن الارض . توفى عام 2012 في عمان ودفن هناك.. سنكمل بقية الحديث في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

 

عمرون علي تكلم بختي بن عودة في زمن الصمت.. تكلم هناك من بونة. المضيئة مدينة الحزن والبحر والخوف والحب والذاكرة فحلقت أفكاره في الاثير وتراقصت مع أمواج الضوء و الصوت تردد نشيد الموت ...هكذا تكلم بختي بن عودة عن عشقه لليل عن الكتابة "اكتب بالليل لان الليل حكمة اعيد انتاجها عبر الحضارات العتيقة التي انبنت وفق الليل كنص " وعن الحداثة "لان الحداثة عتمة وليست فقط وضوحا وضواء"

تكلم عن السياسي دون خوف او تردد .. "السياسي المريض المعطوب في وعيه الذي يفكر انيا ومرحليا ولا ينظر الى المستقبل والافق والامتداد " عن المثقف المعرب وعجزه عن تحرير ذاته وهو المكبل بقيود العبودية ثابت ثبات المكان الذي ولد وسيموت فيه لا يسافر بخياله لا يُسائل الحقيقة بالمحصلة لا يقرأ يخاف المغامرة فمن الطبيعي الا يبدع "المثقف الجزائري كسول لان المؤسسة الرسمية استهلكته ثم استرجعته وبهذا حددت له الخانات التي ينبغي ان يتحرك فيها صنعت له افقا ضيقا " في مقابل ذلك المثقف المفرنس تحرر صنع لنفس مكانا متميزا بعد احداث أكتوبر تحرر لغة وفكرا وتنظيرا.وهذا واضح أيضا من حيث المنتوج والقدرة على الابداع .هذه المقارنة لم يكن الهدف منها تقزيم المثقف الجزائري المعرب وانما كانت محاولة لتحريره من خوفه لان المثقف الذي استوعبته السلطة وتعيد برمجة وتمرير خطابه من خلاله هو مثقف مستهلك رديء وقميء وهذه هي النتيجة التي توصل اليها المفكر عمار بلحسن رحمه الله وأعاد بختي التذكير بها .

تحدث بختي بن عودة عن بؤس الثقافة في الجزائر وعن يتمها ...ثقافة مسكونة بالنكوص الى الماضي سكونية تعيد انتاج الرداءة وعزف نفس النغمة الرديئة ثقافة عجزت عن التحول الى فاعل بقيت سجينة للدونية وللترديد والمحاكاة "ما تعيشه الجزائر هو محصلة لنشر الرداءة وهي استراتيجية مقصودة حتى لا يفكر الجزائري في ذاته ومستقبله على اعتبار ان إشكاليات مثل الهوية والدين واللغة والحضارة والفكر ظلت محسوبة على جماعة معينة صنعت السلطة منذ 1954واذا اردنا ان نتأمل المشهد بالكيفية هاته نتأمله بالحفر في هذا التاريخ في تصدعاته وفي تناقضاته وفي المسكوت عنه ثم نفتح كتاب الحاضر الراهن ونتساءل لماذا نعجز عن انتاج فكر متنور وعقلاني فكر يطرح ميتا لوجيا الجزائر البيضاء وليس ميتا لوجيا التي يطرحها السياسي المريض المتعفن الدي ملك الجزائر ويعيد امتلاكها الذي نصب نفسه إِلَهًا انطلاقا من التاريخ وشرعيته ،الثورة وشرعيتها ،النفط وشرعيته.

العجز عن خلق تقاليد فكرية لا يعود فقط الى تدخل العامل السياسي بل هو أيضا عجز في الارتقاء على مستوى البحث والتحليل وهذا واضح في تهميش دور العلوم الإنسانية والفكر والفلسفة وغياب مراكز الدراسات الاستراتيجية و المستقبلية وغياب النظرة الاستشرافية للمستقبل . بالإضافة الى عدم تحرير الجامعة وادراجها في مخططات المجتمع وتمكينها من ان تكون مسؤولة وتحتوي مشاكل المجتمع قلقه وغبنه وهذا مأزق مركب وبنيوي وبالمحصلة عجزنا على تنظيم أنفسنا سياسيا لأننا لم ننظم أنفسنا ثقافيا وبالتالي حضاريا وحداثيا . اننا عاجزون عن انتاج معرفة نقدية والسبب عجزنا عن التنظير والقدرة على تجريد الواقع وبالتالي انتاج موضوع المعرفة بشكل عام فنحن عاجزون عن التحليل وما يصيب الجزائر اليوم لم يقابله تحليل منطقي قادر على تفجير امكنة نظرية غير تلك التي فرضت علينا من طرف السياسي اومن أصوات غربية علينا ان نساءل حقدنا وجهلنا لنخرج من لحظة البصر الى لحظة البصيرة اللحظة الاشراقية بتعبير المتصوفة.

عبقرية بختي بن عودة تجلت في قدرته على تفكيك الواقع والتنبوء بالمستقبل على اعتبار ان نفس الأسباب تؤدي دوما الى نفس النتائج وتكفي الإشارة هنا الى الرسالة التي كتبها الباحث عبد الناصر جابي والتي جاء فيها:"أهمّ خلاصة توصّلت لها، بعد هذه التجربة الطويلة من التّدريس والبحث، وهي خلاصة يُشاركني فيها الكثير من الزملاء. المستمرين في العمل لحدّ الآن. أن الجامعة الجزائرية، لم تعد قابلة للإصلاح. فقد فات وقت إصلاحها وإن أوضاعها ستزداد سوءًا مع الوقت. الاعتداء على الأساتذة والعنف داخل الحرم الجامعي على سبيل المثال، سيزداد ويتطوّر. لأن شروطه الموضوعية والذاتية، متوفّرة كلها في أغلبية المؤسسات ولو بدرجات متفاوتة. وإن المستوى التعليمي للطّلبة والأساتذة، سيتّجه نحو الأسفل بشكل أوضح، قابل للقياس، بالعين المجرّدة. لدرجة أننا لن نكون في حاجة إلى مقارنات دولية لقياسه. مختلف أشكال الفساد ستتطوّر. أسرة جامعية تتلمّس يوميًا كلّ هذه الأوضاع، دون أن تكون قادرة على فعل جماعي منظّم للقطيعة معه. تزداد حزنا كلّ يوم على ما آلت اليه أوضاعها في انتظار ان تغادر مثلي، كحل فردي، بعد أن فشلت الحلول الجماعية”. وهذه هي نفس الخلاصة التي توصل اليها بختي بن عودة في مقال له بمجلة التبيين العلوم الإنسانية في الجزائر في فوضى الدال ونكوص المعنى.

من الطبيعي حسب بختي بن عودة ان تهاجر النصوص والعقول بحثا عن الضوء وعن من يحتضنها ويمنحها وهج الحياة والحضور هجرة النص هي محاولة لاقتناص لحظة التحول التي يعيشها الفكر في العالم العربي وفي العالم الذي يحيط بنا المتوسط وما وراء المتوسط وهجرة النص فتحت لذة اختبار الممكن الفكري الجزائري لشباب يتوسمون السؤال المعرفي وإعطاء وجه جميل ومشرف للثقافة الجزائرية في غياب منابر جادة ومسؤولة منابر لا تعيد انتاج الرداءة التي سادت وتسود بعودة السلفي العنيف واللاهوتي المؤدلج المدمر لوعينا واخلاقنا وتراتبية قيمنا.

هجرة النص من خلال نموذج بختي بن عودة هي البحث عن إقامة ممكنة في العالم من خلال اللقاء بالأخرين بغيرية كريمة ومنصتة تحترم فيك تشوقك الى معرفة بديلة الى معرفة مقلقة ومدمرة تحترم فيك ابن الجزائر ابن الثورة الجزائرية وابن الاستقلال وهنا يجب ان نفرق ففي رسالة لأدونيس كتب لي قائلا:" تبدوا لي الجزائر بعيدة. بعيدة. بعيدة بعيدة ...كررها أربعة مرات وتفطنت الى ان هذه النظرة المربعة نتاج نظرة للثقافة الجزائرية على انها ثقافة مؤدلجة لذلك أشجع هجرة النص المختلف الى اصقاع واقاليم العالم عربيا وعالميا وعندما تتوفر الظروف الدنيا لانبثاق ثقافة المجلة او ما سماه عمار بلحسن رحمه الله عقل المجلة يمكن عندئذ ان نفكر في كيفية نص طبقا لما نرغب ونريد .

والحل عند بختي بن عودة هو العمل على خلق حركية ثقافية يحاول من خلال المثقف النقدي كسب السياسي وينصت فيها السياسي الى صوت المثقف :"اذا اردنا ان نقلب المعادلة علينا ان نفتح السوق الثقافية للمثقفين النقديين وتمكينهم من إرساء تقاليد ومن خلال المؤسسات والنشاط الجمعوي والتقاط نبضات العالم من خلال المجلات والكتب والجرائد والندوات والملتقيات واللقاء بالعلماء وكبار المفكرين وقلب المعادلة يجعل الحداثة ممكنة في الجزائر حداثة لها خصوصياتها والتي تحررنا من سلطة المشرق وخطابها المهيمن وقلب المعادلة ممكن من خلال ثلاثة مستويات مغاربية وعربية وعالمية وهناك نماذج استطاعت ان تفرض نفسها من خلال هذا الخيار مثل علي الكنز سامي ناير في فرنسا اركون نبيل فارس مالك شبل وعمار بلحسن"

قلب المعادلة مشروط بضرورة وضع العلوم الإنسانية في الواجهة ومشروط بحوار السياسي مع المثقف لصالح الجزائر وليس لصالح المراكز والأوليغارشيات فهناك بعض الملتقيات تعييد انتاج رداءة السبعينيات الا في حالات استثنائية والتي شهدت حضور عربي وأجنبي وعلى الدولة ان توفر الإمكانيات لعقد ملتقيات جادة لأن السياسي الذي لا ينصت الى المثقف هو سياسي اعمى مريض معطوب في لا وعيه وفي جسمه وفي توهمه امتلاك الحقيقة بدل الحقائق والسؤال الواحد بدل الأسئلة الكثيرة .

تحدث بختي بن عودة عن اللغة باللغة رغم ان الكلام على الكلام صعب ..اللغة القادرة على التفكيك والتفجير ..على الحفر والنبش في المسكوت عنه ...لغة لها سحرها تتمرد على كل ن يحول ترويضها او تحويلها الى قوالب جاهزة " انا لا أملك أي عقد اكاديمي قانوني او تشريعي مع اللغة المتصلبة المتخشبة اللغة التي تسرق ذاتيتي وتحيلني على الصمت الكسول وليس الصمت المتأمل علاقتي مع اللغة تحددت من خلال النصوص المدمرة في العالم مع نصوص المتصوفة في بعدها الكلاسيكي ونصوص المتصوفة في بعدها الحديث هي علاقة جد خاصة تفتح نصغها وماءها ودمها من للوحة كتبت فيها جسدي البريء امام كلام الله الوحي لوحة كنت انمقها وازخرفها لاقتطع واستجلب هبة او صدقة او دعوة خيرة بدأت علاقتي باللغة مع علاقتي باللاهوتي النظيف و غير المسيس المقدس الذي يفوق كل نص ضمن نظرية الاعجاز او ضمن نظرية النص بمفهومها الحديث هناك دلالية غنية ومتشعبة في النص القرآني ثم استتبع ذلك عمل على المستوى النظري جعلني حين اكتب اكتب بخلفية فكرية وتنظيرية لان النصوص الكبرى التي لازلنا نقراها الى اليوم هي تلك النصوص التي نلتمس فيها جسد النظرية جسد الوجه والالم الكوني وبالتالي انارة الدروب امام سلسلة من الاختلافات ومن الارجاءات علاقتي باللغة علاقة تشهي لا شهوة تلذذ لا لذة لان التلذذ صيرورة واللذة توقف ومعنى مغلق.

الفلسفة الحقيقة عند بختي بن عودة هي التي تكتب وفق عقل شعري مستشهدا بقول فردريك نتشه ان الفلسفة اما ان تكون شعرا أولا تكون ومنعطفا على مقولة فيليب لاكو لابارت :" ليست القضية ان نعرف اذا ماكان الفكر يتيح المجال للشعر ،بل هي انه عندما يفكر الفكر بشكل حقيقي وعميق ،افلايكون يكون شعريا بالضرورة " والتي سبق وان وظفها في مجلة الكرمل في مقال له عن حداثة الفكر ..عن أكاله .

تحدث بختي بن عودة عن جاك دريدا عن سؤال الاثارة والدهشة ورفض انغلاق الذات على ذاتها والتحرر من وهم تملك خطاب علمي صارم ونهائي وعن التحرر من هيمنة المشرق و النظر الى العالم بشغف وصبر وتأمل.

بختي بن عودة اكد ان الحداثة في الجزائر ممكنة عندما يصبح المثقف صاحب سلطة رمزية معنوية ثقافية أدبية حينها يستطيع ان يؤثر في السلطة السياسية يرج الأمكنة الهادئة والقنوعة للسياسي ويستدرج السياسي الى الانصات اليه واحترامه وتقديره. الحداثة في الجزائر ممكنة بشرط ان يتقاطع السياسي الناضج العاقل والمفكر مع المثقف النقدي في شراكة سبق وان تجسدت على يد الأمير عبد القادر الجزائري ومشروعه هو النموذج الوحيد الجدير بالتفكير والمساءلة.

والا ان تشرق شمس الحداثة في الجزائر يمكن العودة الى بختي بن عودة ...الى نص الليل ...الى السهر معه لعله يمنحنا قوة المعرفة وقوة الدال وعمق المدلول.

 

عمرون علي - أستاذ الفلسفة

المسيلة – الجزائر

.............................

* بختي بن عودة: ناقد وشاعر وأستاذ جامعي جزائري. اغتيل عام 1995على يد الجماعات المسلحة في الجزائر . جمعت بعض مقالاته وأشعاره في كتاب بعنوان رنين الحداثة. صدر عن دار الاختلاف (1999)

 

محمود محمد عليفقدت الحياة الفنية في مصر والوطن العربي فقدت أحد رموز الكوميديا في مصر والوطن العربي النجم الكبير، سمير غانم، عن عمر يناهز 84 عاما، وذلك بعد تعرضه لوعكة صحية خلال الأيام الماضية، حيث عانى خللا في وظائف الكلى، ونقل على إثرها لغرفة العناية المركزة بأحد مستشفيات المهندسين، وتدهورت حالته الصحية في الأيام الماضية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة هناك.. لقد فقد الفن واحد من أهم رموز الفن الكوميدي في مصر والعالم العربي، الفن خسر كثيرا برحيل فنان لن يتكرر، ولكن ستظل متواجدا يا سمير بين الناس بفنك الجميل الراقي

ويعد سمير غانم أحد العباقرة وأيقونة كوميدية فذة، والذي رسم صفحات من البهجة في تاريخ الأداء التمثيلي، فأسلوبه المميز نجح في جذب قلوب الجمهور عبر سنوات طويلة شهدت أعمالا ستبقى راسخة في الوجدان بشخصياتها ومفرداتها، وهو أيضا علامة رئيسية في تاريخ الكوميديا المصرية في المسرح والسينما والتليفزيون،  وهو أيضا يعد كذلك من أهم نجوم الكوميديا في تاريخ الفن المصري.. كون مع صديقيه الضيف أحمد وجورج سيدهم فرقة ثلاثي أضواء المسرح، التي حققت نجاحا كبيرا، وبعد وفاة الضيف أحمد استمر "جورج" و"غانم" في تقديم أعمال مسرحية سويا.

وقال وصفه الأستاذ محمد قناوي في مقاله عنه بعنوان "وداعا سمير غانم بأنه: "إمبراطور الضحك": "إمبراطور الضحك.. القشاش.. عملاق كوميديا الارتجال.. ملك خشبة المسرح بلا منازع، إمبراطور المسرح الكوميدي».. ألقاب حصل عليها الفنان الراحل "سمير غانم" خلال مشواره الفني الطويل، الذي يمتد لأكثر من ستين عاماً، استطاع خلالها رسم الابتسامة على الوجوه وأن يخلق لنفسه مكاناً ومكانة لا ينافسه فيها أحد.. فهو حالة خاصة في عالم الكوميديا، وتفنن في كيفية إسعاد الملايين، ببساطة وسلاسة دون فلسفة أو تعقيد، فقدم كوميديا السهل الممتنع التي لا يستطيع غيره تقديمها، وعلى امتداد تاريخه الفني الطويل كان مختلفاً، وذكياً طوال الوقت، قدم فناً لا يشبه غيره، فأصبح إمبراطور المسرح الكوميدي بلا منازع".

يذكر أنّ سمير غانم، من مواليد 15 يناير 1937، بمحافظة أسيوط، بصعيد مصر، وعقب اتمامه دراسته الثانوية التحق بكلية الشرطة متأثرا بوالده ضابط الشرطة، إلا أنه بسبب رسوبه لمدة عامين متتاليين تم فصله من الكلية، ليعاني من فترة صعبة، قبل أن يلتحق بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، التي كانت المهد الذي احتضن بداياته الفنية من خلال نشاط التمثيل بالجامعة

وعقب تخرجه في الستينيات من القرن العشرين، أسس سمير غانم فرقة "ثلاثي أضواء المسرح" في الإسكندرية، مع الفنان وحيد سيف وممثل آخر يدعى عادل نصيف، ومع الوقت انسحب من الفرقة وحيد سيف وعادل نصيف لينضم لها الثنائي جورج سيدهم والضيف أحمد ليصنعا مع سمير غانم المجد الذهبي للفرقة.

وقدمت الفرقة عدة أفلام واسكتشات كوميدية ناجحة أشهرها "كوتوموتو" و"شفت الحليوة"؛ كما قدمت الفرقة عدداً من المسرحيات منها "حدث في عزبة الورد"، "الراجل اللي أتجوز مراته" ، "حواديت"، والأفلام مثل "المجانين الثلاثة" و"30 يوم في السجن".

وظلت فرقة "ثلاثي أضواء المسرح" في أوج مجدها حتى توفى الضيف أحمد بشكل مفاجئ عام 1970. وبعد وفاة الضيف أحمد قرر غانم وسيدهم عدم الاستعانة بأي فنان آخر مكانه وقدما معاً عدة أعمال مسرحية أشهرها "المتزوجون" و"أهلا يا دكتور". .

وفي الثمينينات تعرف سمير غانم على الفنانة دلال عبد العزيز خلال تقديمهما مسرحية "أهلا يا دكتور" ليقع في حبها ويتزوجها وينجب منها ابنتيه اللتين ورثتا منه خفة الظل وموهبة التمثيل، دنيا وإيمي.

ومن أبرز أعمال الفنان سمير غانم المسرحية "المتزوجون"، "جحا يحكم المدينة"، "أخويا هايص وأنا لايص"، "دو ري مي فاصوليا"، "أهلا يا دكتور"، وغيرها.

وعلى الرغم من أنه في السينما لم يكن نجماً أول إلا في الثمانينيات، لكنه على العكس في المسرح استطاع أن يحصل على البطولة مبكراً، سواء مع فرقة ثلاثي أضواء المسرح أو أعماله المسرحية التي قدم بطولتها، وقد بدأ من مسرح الجامعة، وهو يعتبر المسرح بيته الأول وعشقه الأكبر، واستطاع سمورة أن يصنع فيه حالة خاصة من النجاح والإبهار، وأن يكون علامة من علاماته التاريخية، وملكاً للارتجال والإفيهات، فحققت مسرحياته نجاحاً منقطع النظير واستمر عرض الكثير منها لسنوات عديدة ؛ ففي عام 1964، شارك في مسرحية "طبيخ الملايكة"، و"فندق الأشغال الشاقة"، و«انت اللي قتلت عليوة"، و"موسيكا في الحي الشرقي"، و"جوليو ورومييت"، و«منطقة ممنوعة» ومسرحية «المتزوجون» والتي حققت نجاحاً كبيراً ولا تزال تحقق النجاح أثناء عرضها على التلفزيون، و«فارس وبني خيبان»، و«أخويا هايص وأنا لايص"، و"بهلول في إسطنبول"، و" دو ري مي فاصوليا"، و"جحا يحكم المدينة، و"أنا والنظام وهواك"، و"أنا ومراتي ومونيكا"، و«ترا لم لم"، و"مراتي زعيمة عصابة".

أما أشهر أفلامه "الرجل الذي عطس"، "تجيبها كده تجيلها كده هي كده"، "خلي بالك من زوزو"، "يا رب ولد"، "البنات عايزة إيه"، "ممنوع في ليلة الدخلة" و"طبيخ الملايكة" و"روميو وجوليت"، ثم قدم الثلاثة بعدها عددًا من الأفلام والمسرحيات الناجحة.

كما تعد مسرحيته "المتزوجون" من أبرز وأنجح الأعمال في تاريخ المسرح المصري، التي شاركه في بطولتها كل من جورج سيدهم وشيرين، كما قدم العديد من الشخصيات التي لا تنسى في تاريخ الفن في مصر، من أشهرها فطوطة، والكابتن جودة وغيرها.

وتمتد مسيرة أسطورة الكوميديا لأكثر من 60 عاما كان خلالهم جزء من وجدان محبيه، ورسم البسمة على وجوه الملايين؛ ففي ثمانينات القرن العشرين لمع نجمه في سماء الفوازير، فقدم سلسلة من فوازير رمضان تحت اسم شخصيتي "سمورة" و"فطوطة"، ثم عاد في رمضان في أوائل التسعينيات من القرن نفسه ليقدم فوازير المطربون والمضحكون، ويعتبر واحد من نجوم المسرح بين عادل إمام ومحمد نجم ومحمد صبحي.

روى أنه حينما كان طالبًا في كلية الشرطة تم حبسه كثيرًا، وقدم فيلمًا واحدًا فقط في السينما، وجسد فيه دور ضابط شرطة، مضيفا: "حينما سقطت في الكلية حالتي النفسية ساءت ومرجعتش البيت ورحت اتمشى على الكورنيش، وأمي وأبويا فضلوا يدوروا عليا، وأما رجعت محدش اتكلم معايا بسبب حالتي".

وأكد أنه انتقل من كلية الشرطة إلى كلية الزراعة بسبب رسوبه المتكرر ورفده من الكلية، موضحًا أن كلية الزراعة، كانت من كليات نجوم الفن وكان بها جميع ألوان الفن، منهم عادل إمام ومحمود عبد العزيز وغيرهم من النجوم، مضيفا: "كنت بعيد السنة عشان أفضل في الكلية ومخرجش منها، والدكتور كان يقولي تعالى أحضر الامتحان وهنجحك.

رحم الله الفنان القدير سمير غانم القدير وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان .. والبقاء لله.. الله يرحمك ويغفر لك على قدر ما أسعدت ملايين بفنك من الوطن العربي النجم الكبير.. أعزي نفسي وعائلته وجماهيره وعشاق فنه لأنه فنان لن يتكرر، تربع على عرش الكوميديا، السنين الطويلة كلها حافظ على خفة دمه..

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

سارة طالب السهيلبلستينا ارض كنعان

تكتسب فلسطين قدسية خاصة في قلوب المسلمين والمسيحيين العرب، ليس فقط لثبوت عروبيتها حيث سميت بارض كنعان نسبة إلى القبائل العربية السامية الذين بسطوا سلتطهم على البلاد طوال 1500 سنة (2500ق.م - 1000 ق.م)، ولكن ايضا لانها مهبط الرسالات السماوية التي اثبتها القرآن الكريم والاحاديث الصحيحة عن سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

 ففلسطين، هي الارض المقدسة، وهي مهجر ابو الانبياء إبراهيم عليه السلام بعد خروجه من بلدة اور في العراق عقب محاولة قتله من جانب قومه (1805 ق.م) وكان معه زوجته سارة وابن أخيه لوط وغيرهم، بينما سماها القرآن الكريم بالأرض المباركة، كما ورد في محكم التنزيل قول الله تعالى : (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الآخرين ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين).، وكذلك قوله تعالى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) .

وقد أثبت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخصيص فلسطين بالتقديس في قوله: (أن الله بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس) .

وروى ابن عساكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن الأرض المقدسة ما بين العريش والفرات. وهي ارض مقدسة ومطهرة فيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وقد سماها المسيحيون بذلك لما لهم فيها من أماكن مقدسة وهي مهد سيدنا عيسى عليه السلام.

وهي الارض التي اختارها الله تعالى لرحلة الإسراء والمعراج كما ذكر المولى عز وجل في كتابه :

(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله).

كما انها ارض الرباط والجهاد، مصداقا لحديث صحيح رواه سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله: يا معاذ، أن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلا من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في رباط إلى يوم القيامة.

وبقيت بيت المقدس قبلة المسلمين مدة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، حيث تم تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة في منتصف شهر شعبان، وقيل في رجب من السنة الثانية للهجرة، لكن سرها لايزال خالدا الى قيام الساعة باعتبارها ارض المحشر والمنشر كما ورد في قوله تعالى: (واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب)، الآية التي فسرها العلماء بأن سيدنا اسرافيل عليه السلام سينفخ في البوق من صخرة بيت المقدس وفي هذه الديار يحشر الناس يوم القيامة.

 جغرافيا استراتيجية تارخ عريق

يطلق اسم فلسطين على القسم الجنوبي الغربي لبلاد الشام، وهي الأرض الواقعة غربي آسيا، على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، ولفلسطين موقع استراتيجي مهم، إذ تعد صلة الوصل بين قارتي آسيا وإفريقيا، وتمتد منطقة فلسطين جغرافيا ونباتيا عبرحدود لبنان والأردن لتشمل المنطقة جنوبي نهر الليطاني والمنطقة المجاورة لنهر الأردن من الشرق قبل الانتداب البريطاني.

 وقد سكن الإنسان أرض فلسطين منذ عصور تعود لمليون سنة، كما تدل الحفريات والآثار، وشهدت أرضها مراحل التطور الإنساني الأولى في التحول من الرعي إلى الزراعة، كما أن أول مدينة جرى تشييدها في التاريخ هي مدينة (أريحا) الواقعة شمال شرقي فلسطين وذلك نحو 8000 ق.م، وفقا لما يذكره علماء الآثار.

وفي الألف الخامسة ق.م دخلت فلسطين سكان جدد من قلب الجزيرة العربية قبائل العموريين والكنعانيين ومعهم اليبوسيين الذين تفرعوا عنهم، عرفت فلسطين في النصوص الأكاديمية في الألف الثالث ق.م على أنها "أمورو" أو الأرض العربية، كما تطلق هذه النصوص على شرقي البحر الأبيض المتوسط (بحر أمورو) نسبة إلى الشعب الأموري أو العموري، وهو أول شعب سامي رئيس في سورية وفلسطين، وبعض الباحثين يرون أن الكنعانيين انبثقوا من العموريين انبثاق اليبوسيين من الكنعانيين.

وقد ورد في الموسوعة الفلسطينية أن بعض الباحثين يرون أن اسم أرض الملوريا - وهو أحد مرتفعات القدس- صححه العلماء على أنه أرض العموريين أو الأموريين.

وقد عرفت فلسطين، بأسماء أخرى أطلقتها الشعوب المجاورة لها، وفي ذلك يقول "مظفر الإسلام خان" في كتابه- تاريخ فلسطين القديم- " إن الأرض الفلسطينية الواقعة جنوبي سورية هي أرض صنعت التاريخ وصنع فيها التاريخ، وقد أطلقت شعوب كثيرة على هذه الأرض أسماء كثيرة، ولعل أقدم هذه الأسماء أسماء " خارو " للجزء الجنوبي، و" رتينو " للجزء الشمالي، اللذين اطلقهما قدماء المصريين، وقد تكون كلمة " رتينو " تحريف كلمة سامية، أما خارو أو خورو فقد تكون تحريفاً لكلمة (حوري) وهم الحواريون المذكورون في التوارة.

ومع تعدد الوثائق التاريخية القديمة، فان أقدم اسم معروف لهذه الأرض هو (أرض كنعان)، لأن أول شعب سكن هذه الأرض نسبة للكنعانين الذين قدموا من جزيرة العرب نحو 2500 ق.م. واسم فلسطين هو اسم مشتق من اسم أقوام بحرية، لعلها جاءت من غرب آسيا الصغرى ومناطق بحر إيجة حوالي القرن الثاني عشر ق.م، وورد اسمها في النقوش المصرية باسم " ب ل س ت "، وقد أضيفت النون لاحقا للجمع، وقد سكنوا المناطق الساحلية، واندمجوا بالكنعانيين.

ويرى ثقات المؤرخين أن معظم أهل فلسطين الحاليين، خاصةً القرويين، هم من أنسال القبائل الكنعانية والعمورية والفلسطينية، ومن القبائل العربية التي استقرت في فلسطين قبل الفتح الإسلامي وبعده، حيث اندمج الجميع في نسيج واحد، يجمعهم الإسلام واللغة العربية، حيث أسلموا واستعربوا تحت الحكم الإسلامي طوال ثلاثة عشر قرناً.

 فلسطين في صفحات التاريخ

تشير الآثار إلى أن الإنسان سكن فلسطين منذ العصر الحجري القديم (500 ألف – 14 ألفاً ق.م)، كما يشير العصر الحجري الوسيط (14 ألفاً – 8 آلاف ق.م) إلى وجود أشكال حياة حضارية عرفت بالحضارة النطوفية الذين حولوا حياة الانسان الاول من الرعي والصيد الى الزراعة.

وعندما قدم الكنعانيون من جزيرة العرب (نحو 2500 ق.م) أنشأوا ما لا يقل عن مائتي مدينة وقرية في فلسطين، مثل مدن بيسان وعسقلان وعكا وحيفا والخليل وأسدود وبئر السبع وبيت لحم.

 وسميت فلسطين ب" أرض كنعان "، كما نصت عليها تقارير قائد عسكري عند ملك- ماري- ووجدت بوضوح في مسألة " أدريمي "- ملك الالاح- تل العطشانة من منتصف القرن الخامس عشر ق.م. وأقدم ذكر لهذه التسمية في المصادر المسمارية من " توزي "، وهذه الصيغة تقارب كثيراً الصيغة التي وردت في رسائل " تل العمارنة ".

ويذكر الدكتور فيليب حتى في كتابه (تاريخ سورية ولبنان وفلسطين) أنه قد أطلق كنعان في أول الأمر على الساحل وغربي فلسطين ثم أصبح الاسم الجغرافي المتعارف عليه لفلسطين وقسم كبير من سورية.

كما يذكر " البروفيسور روبنسون " في كتابه (تاريخ اسرائيل) أن الاسم كنعان يستخدم في بعض الأحيان كلفظ له طابع الشمول، يميز سكان فلسطين الذين سكنوها منذ القدم، ويبدو أنه يشمل "الفينقينين "، وهكذا فإن الاسم الذي سبق الاسم " فلسطين " بكل أشكالها اللفظية، أو الاسم الرئيس بين أسمائها السابقة هو الاسم كنعان وهذا الاسم أو الكلمة لا زال حياً حتى الآن.

ولما نزل الفلسطينيون، وفقا لبعض ثقاة العلماء أقرباء الكنعانيين- الساحل الكنعاني الجنوبي حوالي 1185 ف.م أدعى الساحل باسمهم " فلسطين " وأطلقت هذه التسمية من قبيل تسمية الكل باسم الجزء، وقد ورد ذكر اسم " الفلسطينيين " في عدد من المصادر المصرية، وخاصة على اللوحات الجدارية لمدينة " هابو " من أيام " رمسيس الثالث " سماهم المصريون باسم Pist.

كما ورد ذكرهم في المصادر الآشورية في صيغتين متقاربتين، فغالباً ما يكون أصل كلمة فلسطين- فلستينا- التي ترد في السجلات الأشورية في أيام الملك الآشوري " أددنيراري الثالث 800 ق.م " إذ يذكر هذا الملك على مسلته أنه في السنة الخامسة من حكمه أخضعت قواته " فلستو " وأجبرت أهلها على دفع الجزية، وفي عام 734 ق.م جعل الملك " تغلات بيلاسر الثالث " أرض فلستيا هدفاً له .

ووفقا لهذه النصوص التاريخية والمتنوعة، ان مصطلح " الساحل الفلسطيني " يقصد به الأرض الفلسطينية الممتدة بين سيناء جنوباً وغور الأردن شرقاً، وقد استعمل الإغريق هذا اللفظ بادئ الأمر للدلالة على المنطقة الساحلية، وتتركز صيغة التسمية عند المؤرخ اليوناني "هيرودوتس 484 - 425 ق.م على أسس آرامية بالستاين ونجد عنده أحياناً أنه اسم يطلق على الجزء الجنوبي من سورية أو سورية الفلسطينية بجوار فينيقية وحتى حدود مصر.

وقد استعمل هذه التسمية الذين اتبعوه من كبار المؤرخين أمثال : سترابو وديودوروس وبطليموس وبليني، ومع مرور الزمن حل اسم بالتسين محل الاسم الشامل سورية الفلسطينية، وقد أصبح اسم فلسطين في العهد الروماني ينطبق على جميع الأرض المقدسة، وقد صك الإمبراطور فسباسيان هذا الاسم على نقوده التي أصدرها عقب قهره لليهود عام 70م، وبذلك أعطاها الصفة الرسمية، وورث البيزنطيون هذا الاسم عن الرومان، ومن بالستين انبثقت كلمة فلسطين العربية.

كل الوثائق لا تدع مجالا للشك بعراقة الارض الفلسطينية، وأن الإنسان الفلسطيني قد امتلك هذه البقعة المباركة من الأرض من حوالي المليون سنة مضت.

عروبة القدس من خلال أسمائها

تذكر المصادر التارخية أن أول اسم عرفت به القدس، هو الاسم الذي سماها به سكانها الأصليون "الكنعانيون " وهو " يرو- شاليم " أو " يرو – شلم " وشالم وشلم اسم لإله كنعاني معناه السلام.

ورد أول ذكر لمدينة القدس كتابة في الوثائق التي عثر عليها في " عبلاء- تل مرديخ- في شمال سورية، وهي وثائق مكتوبة على ألواح من الآجر بالخط المسماري وبلغة سامية غربية، وترجع إلى أواسط الألف الثالث ق.م، وترد في الوثائق أسماء عدة مدن منها- سالم- التي يرجح البعض أنها تشير إلى القدس.

لكن أول اسم ثابت لمدينة القدس وهو " اورو سالم " أو " اورو شالم " إنما ورد فيما يسمى بنصوص اللعنة، وهي تتضمن أسماء البلدان والمدن والحكام الذين كانوا فيما زعم من أعداء مصر، وكانت العادة هي كتابة أسماء الأعداء على الأواني الفخارية ثم تحطيمها في أحد طقوس السحر التأثيري، أي الذي يرمي إلى التسبب في سقوط الأتباع العصاة، وثبت أن تاريخ تلك الأواني يرجع إلى فترة حكم الفرعون " سيزوسترس الثالث 1878-1842 ق.م " وكانت كلها أسماء تسع عشرة مدينة كنعانية من بينها اورو سالم.

وهناك من يذهب في أصل أورو سالم أو اورو شالم إلى أن الاسم مكون من مقطعين " سالم أو شالم " وهو إسم إله، وأورو: وهي كلمة تعني أسس أو أنشأ، فيكون معنى الاسم " اورو سالم" أسسها سالم، ويعتبر الاسم اسماً عمورياً، بدليل أن أول اسمين لأميرين تاريخيين من القدس هما: " باقر عمو " و" سزعمو " وهما اسماه عموريان، والعموريون، هم سكان كنعان الأصليون، ولغة العموريين تدعى غالباً الكنعانية.

ويتضح من ذلك أن التسمية أورشليم التي يحاول الصهيونيون عدها من الأسماء العبرية هي في الحقيقة كلمة كنعانية عربية أصيلة، وكيف تكون كلمة أورشليم عبرية واللغة العبرية لغة حديثة جداً ولدت في القرن الرابع ق.م وتبلورت في القرن الخامس الميلادي وبعده.

وبعد نصوص اللعنة بحوالي خمسمائة عام، عاد اسم اورو سالم مرة ثانية فيما يعرف بألواح تل العمارنة، وهي ست رسائل بعث بها " عبدي خيبا "- ملك أورو سالم في القرن الرابع عشر ق.م- إلى فرعون مصر " اختانون " يشكو فيها من الخطر الذي تتعرض له مدينته من جرّاء هجمات ما يعرف بالعبيرو.

كما أن " سليمو أو سالم " ذكرت في سجلات " سنحاريب " ملك أشور في عداد المدن التي تدفع له الجزية، وقد ظل اسم أورشليم شائعاً منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا ومنه جاء الاسم الإفرنجي "جيروزاليم " .

ومن أسماء القدس القديمة أيضاً " يبوس " نسبة إلى اليبوسيين، وهم فرقة من الكنعانيين سكنوا القدس وحولها، وهم الذين أصلحوا التحصينات القديمة على الآكمة، وقاموا ببناء الحي الجديد على المنحدر الشرقي بين السور وقمة التل.

وفي هذه الفترة أخذ اسم " يبوس " و" اليبوسيين " يظهر في الكتابات الهيروغليفية، ويبدو أن اليبوسيين قد تلو العموريين في سكني المدينة خلال النصف الأول من الألف الثاني ق.م، وأطلق على القدس اسم " يبوس " وهو الاسم الثاني لمدينة القدس بعد أورشاليم، وقد سماها الفراعنة في كتاباتهم الهيروغليفية " يابيثي " و" يابتي " وهو تحريف لاسم يبوس الكنعاني اليبوسي، وفي رأى انفرد به الأستاذ محمود العابدي في كتابه- قدسنا- أن اليونانيين سموها-هروسوليما- ولكن مؤرخهم " هيرودوتس " سماها " قديس " كما سمعها من سكانها العرب المعاصرين له.

وفي زمن الرومان حول الإمبراطور "هادريان" مدينة أورشليم بعد أن استولى عليها ودمرها عام 122م إلى مستعمرة رومانية، ويدل اسمها إلى "إيليا كابيتولينا" وصدر الاسم إيليا لقب عائلة هادريان، وكابيتولين جوبيتر هو الإله الروماني الرئيس، وظل اسم "إيليا" سائداً نحو مائتي سنة، إلى أن جاء الإمبراطور " قسطنطين " المتوفي عام 237م، وهو أول من تنصر من أباطرة الرومان - فألغى اسم إيليا وأعاد للمدينة اسمها الكنعاني، ولكن اسم إيليا شاع وظل مستعملاً، كما نجد ذلك في العهدة العمرية والشعر العربي.

وبعد الفتح الإسلامي أطلق على هذه المدينة أسماء: القدس، وبيت المقدس، والبيت المقدس، ودار السلام، وقرية السلام، ومدينة السلام، وكل هذه الأسماء التي قصد منها التكريم والتقديس لم يعش منها سوى اسمين: القدس وبيت المقدس، وتعني الأرض المطهرة أو البيت المطهر، وخصوصاً أن تقديسها ثابت بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد حافظ العرب المسلمون على هذه القداسة منذ أن افتتحوها منذ أربعة عشر قرناً من الزمان.

اسم فلسطين:

دلت السجلات الرافدية والسورية الشمالية على أسماء المناطق الواقعة جنوب بلاد الشام، وذلك في الألف الثالثة قبل الميلاد، وكانت تعرف بلاد الشام كلياً في تلك الفترة باسم " أمورو " أو الأرض الغربية، أما فلسطين؛ فقد عرفت منذ القرن الثامن عشر قبل الميلاد بأرض كنعان (كما دلت عليها مسلة أدريمي والمصادر المسمارية ورسائل تل العمارنة)، وغالباً فإن أصل كلمة فلسطين هي (فلستيبا) التي وردت في السجلات الأشورية، إذ يذكر أحد الملوك الأشوريون سنة 800 قبل الميلاد أن قواته أخضعت (فلستو) وأجبرت أهلها على دفع الضرائب.

وتتبلور صيغة التسمية عن هيرودوتس على أسس آرامية في ذكره لفلسطين " بالستين "، ويستدل أن هذه التسمية كان يقصد بها الأرض الساحلية في الجزء الجنوبي من سوريا الممتدة حتى سيناء جنوباً وغور الأردن شرقاً.

بينما اسم فلسطين في العهد الروماني ينطبق على كل الأرض المقدسة، وأصبح مصطلحاً اسمياً منذ عهد هدربان وكان يشار إليه دائماً في تقارير الحجاج المسيحيين.

أما في العهد الإسلامي فكانت فلسطين جزءاً من بلاد الشام، ويقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: أن فلسطين هي آخر كور الشام من ناحية مصر، قصبتها بيت المقدس، ومن أشهر مدنها عسقلان، والرملة، وغزة، وقيسارية، ونابلس، وبيت جبرين. وقد عُرفت فلسطين باسم "جند فلسطين" أثناء التقسيمات الإدارية للدولة الإسلامية، ومنذ تلك الفترة وفلسطين تحمل هذا الاسم.

 

سارة طالب السهيل

 

 

سوف عبيدمنذ الصّبا كنت أستمع إلى أحاديث الرٌجال الكبار في تخوم الجنوب التونسي وهم يتذاكرون خبر عدد كبير من المتطوّعين التونسيين الذين قصدوا المشرق العربي للمشاركة في حرب فلسطين 1948ولكنهم ظلوا مرابطين على الحدود لأن السلطات هنا وهناك في ذلك الزمن لم تسمح لهم بالمرور إلى المواجهات والجبهات! بعضهم بقي هناك في مصر أو في ليبيا....بعضهم عاد يجرٌ الأحزان والمرارة ...وبعضهم اِنضمٌ إلى حركات المقاومة المسلحة التي اِنطلقت من جديد في أوائل الخمسينيات في تونس والجزائر ...ومن ـ بُور سعيد ـ إلى الأطلس

رحم الله ياسر عرفات... عند أوئل الستينيات وفي شتاء 1963  وبعد تحرير مدينة بنزرت إلتقى عدد من الزّعماء العرب في الذكرى الأولى فكانت مناسبة تاريخية رائعة جمعت الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر وأحمد بلة وولي العهد السنوسي وقتذاك وقد رافقت والدي رحمه الله_إلى بنزرت في ذلك اليوم فرأيت موكبهم المهيب يمر بين هتافات الجماهير المتحمسة للوحدة والأخوة ولتحرير فلسطين أيضا ...ولكن ...تمر السنوات بالشقاقات والخلافات والنكبات

رحم الله ياسر عرفات... بعد حرب1967 بدأنا نسمع بالمقاومة الفلسطينية وبعمليات الفدائيين وخاصة بشعراء الأرض المحتلة وبقضية اللاجئين وصارت الكوفية الفلسطينية ترمز إلى النضال وتحدي الاِستعمار تماما مثل جاكيت الكاكي التي كان يرتديها كاسترو وغيفارا وياسر عرفات الذي بدأنا نعرفه بالصورة أكثر عندما فتح مكتب منظمة التحرير قرب ساحة روما بتونس

رحم الله ياسر عرفات... كيف اِستطاع أن يخترق ألسنة اللّهب وأن يقفز على حقول الألغام وأن يطوّع قضبان الفولاذ ويُليّن حيطان الإسمنت المسلح ويجعل فلسطين علما يرفرف بين أعلام الأمم والشعوب !؟...من معركة ـ الكرامة ـ إلى ـ تل الزعتر ـ ومن ـ دير ياسين ـ إلى ـ صبرا وشاتيلا ـ ومن ـ أيلول الأسود ـ  في الأردن إلى إجتياح لبنان ومن حصار بيروت إلى ـ حمّام الشط ـ ومن بحر ...إلى صحراء ....إلى....ومن مطار إلى ميناء ...سفر على سفر.. وخطر على خطر ...كذلك عاش بين الأِحتراق والغرق

2468 سوف عبيد وياسر عرفات

المرٌة الأولى التي التقيته كانت في دار الثقافة إبن خلدون بعد نزول كثير من الإخوة الفلسطينين في تونس إثر جلائهم من بيروت1982 وكان ذلك بمناسبة إحدى التظاهرات الوطنية الفلسطينية التي كنا كثيرا ما نشارك فيها بإلقاء القصائد فلم نلبث وقتا قصيرا حتى حضر بيننا الزعيم ياسر عرفات مع مرافقيه وجلس ينصت إلينا في آخر القاعة من الطابق الأرضي ثم ألقى كلمة حماسية على عجل وغادر بعد ذلك المكان فكانت من أجمل ذكرياتي في دار الثقافة ابن خلدون

بمناسبة ذكرى رحيل الشاعر مُعين بسيسو في أوائل سنة1991 دُعيت إلى إحياء ذكراه في منزله الكائن وقتذاك بشارع إفريقيا في المنزه الرابع او الخامس من ضواحي تونس العاصمة القريبة فحضر عدد من الأدباء ومن أصدقاء عائلة الشاعر الكبير فلاحظت المودّة والألفة بين جميع الحاضرين وماهي إلا برهة من الزمن حتى وجدتني وجهًا لوجه ياسر عرفات يدخل من أحد الأبواب برفقة ـ أبو إياد ـ وقد أصرّ  على حضور هذه المناسبة تكريما لروح الشاعر معين بسيسو ومساندة أخوية لأرملته ووفاءً  للذكريات التي جمعت شملهم في سنوات الخمسينيات في عهد الشباب والدراسة والأسفار والنضال .....في تلك السّهرة الطويلة والممتعة عرفت أن ياسر عرفات إنسان يهوى الأدب ويحفظ الشعر ويقدّر الأدباء بالإضافة إلى عفويته وأصالة اخلاقه ولطف حديثه مع كل الحاضرين وقد نقلت إذاعة المنستير صورا صوتية من تلك المناسبة أتمنى أنها مازالت مسجلة في خزينتها

المرة الثالثة التي إلتقيت فيها بياسر عرفات كانت بمناسبة تنظيم مؤتمر الأدباء العرب قُبيل إندلاع حرب الخليج وإجتياح الكويت بثلاثة أسابيع وقتها كانت العلاقات العربية الرسمية على المحكّ وفي مفترق الطرق فإمّا الوفاق أو الأفتراق الذي لا ريب فيه وفي تلك الظروف الصعبة نظم إتحاد الكتاب التونسيين مؤتمر الأدباء والكتّاب العرب ومهرجان الشّعر وشعراء العرب الذين وعلى هامش هذه المناسبة دُعي البعض من المشاركين إلى تناول الغداء مع ياسر عرفات في مقرّ منظمة التحرير وقتذاك ـ بخليح ڨمرت ـ قرب ضاحية المرسى وإستقبلنا الزعيم الراحل في صالون فسيح الأرجاء وكنت برفقة الأستاذ محمد العروسي المطوي رئيس اِتحادنا ورئيس المؤتمر فتحدث ياسر عرفات عن تلك الأزمة الخطيرة وعبّر عن أسفه من بلوغ الخلافات العربية تلك المرحلة الجارفة بالحدّ  الأدنى من التضامن العربي وقال إن أول من سيدفع ثمن تلك الأزمة هم الفلسطينيون غير ان السّحب المتلبدّة على ذلك المؤتمر وحوله وخلال ذلك اللقاء لم تحجب عنٌا ترحيب ياسرعرفات بنا فقد كان حريصا على ملاطفتنا على المائدة بنفسه وبمعيّة الشاعر محمود درويش حيث دعاني أبو عمّار أن أجلس بينه وبين محمود درويش وقد أخجلاني حقّا وهما يقدّمان لي أصناف الطعام بأريحية ولطف

رحم الله ياسر عرفات لقد كان من صنف اولئك الزعماء الذين يعرفون منزلة الكلمة وقيمة الأدباء لذلك قرّب إليه العديد من المثقفين الفلسطينين والأدباء العرب باِعتبارهم ذاكرة الأمّة كي تحافظ على قيمها الأصيلة

 أولئك هم المثقفون والمبدعون الحقيقيون

من الماضي يستلهمون

 عن الحاضر يُعبّرون

  ...وبالمستقبل يحلمون

***

سُوف عبيد

 

داود السلمانبعد "الاعتراف" و"عقيدتي" يعتبر تولستوي قد انتهى كأديب كبير وكاتب لا يقل اهمية وشأنا عن دوستويفسكي، فتولستوي لم ينتج لنا عملا ابداعيا بضخامة "الحرب والسلم" و"أنا كارنينا" و"البعث" وغيرها من الاعمال الابداعية التي ظلت متألقة في سماء الابداع لسنوات طويلة. لقد ضربت سواحل فكره موجة عاتية من امواج الشك والندم معا، فأوصلته الى ما وصل اليه اخيرا.

تولستوي هو ليس الاول او الاخير ممن يكتب اعترافاته فيعترف للقارئ ولنفسه، بل سبقه القديس اوغسطين من ذي قبل، وكان هذا الاخير قد مر بعاصفة من الشك هزت اركان ايمانه، وهو فيلسوف لاهوتي غارق في التديّن، من اخمص قدميه حتى هامته، ففلسفته مبنية على الوجود وبنيانها قام أُسس على الميتافيزيقا، فهو بمعنى آخر قسيس في عباءة فيلسوف، او فيلسوف في جبة قسيس، (نأخذ بعين الاعتبار إن الفلسفة الاوربية في العصر الوسيط هي جُلها فلسفة لاهوتية تجمع ما بين الدين والفلسفة، واحيانا تفضل الدين على الفلسفة وتعد الوحي ركن اساسي في فلسفتها). فأوغسطين الذي كان ابوه وثني وامه مسيحية اعتنق المسيحية عن طريق امه ثم تحوّل الى المانوية، ثم انتابه الشك والحيرة فتحول تارة اخرى الى المسيحية، وانتهى الى قسيس يمتهن الفلسفة.

كذلك سبق تولستوي روسو في "الاعترافات" حيث اعترف على نفسه بأشياء قال عنها بعض النقاد هي ليست حقيقية بل بالغ فيها روسو لأجل الشهرة والمصداقية معا. لكن شتان بين اعترافات اوغسطين واعترافات روسو. والاعترافات عبارة عن سيرة ذاتية تناولها روسو وطرح من خلالها قضايا كثيرة.

وثمة مقولة لبعض المفكرين ترى أن من يبدأ بالشك ينتهي بالإيمان، ومن يبدأ بالإيمان ينتهي بالشك، وهذه المقولة كادت أن تصبح قاعدة كما جرى لكثير من المفكرين، كون العقل والتفكير والتأمل لا تصل بالإنسان الى التصديق بالقضايا الميتافيزيقية، وذلك محال. فالإنسان، حينما يرى الطرق مؤصدة امامه، يتجه الى الغيبيات ويلوذ بشبح الدين، لأنه لم يجد غير ذلك ملاذا. وهذا ما حدث لتولستوي تماما. فتولستوي رغم أنه ثري ووصل الى شهرة ادبية عالية، لكنه في نهاية الامر صدُم بعقبات نفسية، وذاق ذرعا بأمور فكرية وروحية لم يجد لها حلا في الفكر وفي العلم وفي الفلسفة، ذهب لعله يجد الحلول في الدين، فرأى أنه  هو خير من يعطي الحلول للتساؤلات التي لم يجد لها حلا في اروقة العلم والتجارب.

يقول: "بحثت في كل العلوم، ولكني لم أظفر بما أردت، بل اقتنعت بأن كل من كان مثلي يبحث في المعارف الإنسانية عن معنى الحياة لا يجد مثلي شيئًا، لم أظفر بشيء، ولم يكن هذا كل ما في الأمر، ولكني أيقنت يقينًا لا شك فيه أن الأمر الذي دفعني إلى اليأس - وأقصد خلو الحياة من المعنى - هو ذاته الشيء الوحيد الذي لا يعتريه شك والذي يستطيع أن يعرفه الإنسان".

فقد انتابته تساؤلات وتخيلات وشكوك دارت في مخيلته، فأصُيب بحيرة وخذلان فكري لم يسعفه للإجابة عن تلك التساؤلات، حتى كاد أن ينتحر ليضع حدا لتلك التخيلات والشكوك والحيرة القاتلة، كما قال هو بالحرف الواحد في اعترافاته.

"إن سؤالي الذي حفزني إلى حافة الانتحار وأنا في الخمسين من عمري كان أيسر الأسئلة جميعًا، وهو يتردد في صدر كل إنسان من الطفل الغر إلى الراشد الحكيم: هو سؤال لا يستطيع المرء أن يحيا دون أن يجيب عنه — كما تبيَّن لي من تجاربي، ذلك السؤال هو: «ما وراء ما أفعل اليوم أو ما سوف أفعل في غدي — بل ما وراء حياتي كلها؟»".

ومن تلك التساؤلات التي بدأت تلح عليه هو سؤال الحياة الكبير، هو ما هي الجدوى من هذه الحياة التي نحياها بقسوتها وبمرارتها وبآلامها، أي ما هو الهدف؟ وهل تنتظرنا حياة أخرى بعد أن نموت وتفنى اجسادنا؟. وهو سؤال ليس بجديد ولكثير من الفلاسفة والمفكرين اجابوا عليه بإجابات مختلفة.

"ونستطيع أن نعبر بوجه عام عن العلاقة بين العلوم التجريبية ومشكلة الحياة بهذه العبارة؛ السؤال: «لماذا أعيش؟» الجواب: «في الفضاء اللانهائي، وفي الزمان اللانهائي، تتغير أشكال الجزيئات المتناهية في الصغر إلى صور من التعقيد لا نهاية لها، فإن فهمت قوانين تغير الصور أدركت لماذا تعيش فوق الأرض".

تولستوي يعد العلم التجريبي لا يعطي اجابة شافية عن كل الذي نراه شاخصا امامنا في الوجود، أي مادية وغير مادية على حد سواء، بمعنى أن العلم قاصر وادوات العلم مقصرة، فلا يجب أن نعوّل على العلم، فثمة اشياء لا تثبتها التجربة، بحسب رأيه، ناسيا أن الخرافة خرافة، وإن صدّقها ملايين الناس، وخصوصا القضايا الدينية هي الاقرب الى الاساطير والخرفات، والاشياء التي هي بعيدة كل البعد عن العقل والمنطق السليم.

"فالعلم التجريبي إذن لا يعطينا سوى المعرفة الإيجابية، ويعرض عظمة العقل الإنساني حينما لا يتعرض في بحوثه لموضوعِ السبب النهائي، وعلى العكس من ذلك لا يكون العلم المعنوي علمًا يعرض عظمة العقل الإنساني إلا إذا استبعد جانبًا المسائل التي تتعلق بالأسباب والمسببات في ظواهر الكون، ولم ينظر إلى الإنسان إلا من حيث علاقته بالسبب النهائي، هذا هو موقف علوم الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) أو الفلسفة في ميدان العلوم التي يتكون منها أحد قطبي الدائرة، هذا العلم يعرض هذه الأسئلة في وضوح وجلاء «من أنا؟ وما الكون؟ ولماذا وجدت، ولماذا وجد العالم؟» ومذ وجد هذا العلم كان دائمًا يقدم لنا جوابًا واحدًا لا يتغير، وسواء يُسمى الفيلسوف خلاصة الحياة الكائنة في نفسي والكائنة في كل موجود «بالفكرة» أو «المادة» أو «الروح» أو «الإرادة» فهو لا يفتأ يقول إن هذه الخلاصة موجودة، وإني أنا منها، ولكنه لا يعرف لماذا، ولا يقول لماذا، إن كان من المفكرين الدقيقين، وأنا أسأل «لماذا توجد هذه الخلاصة؟ وماذا ينجم عن وجودها الآن ووجودها مستقبلًا؟»… والفلسفة لا تجيب عن هذا السؤال، بل أنها لتسأله هي نفسها، وإن كانت فلسفة حقيقية فإن كل جهدها ينحصر في وضع هذا السؤال في صيغة واضحة، وإن لزمت واجبها لا تستطيع الإجابة عن السؤال «مَن أنا، وما الكون؟» إلا بقولها «كل شيء ولا شيء.» كما تُجيب عن هذا السؤال: «لماذا؟» بقولها «لست أدري»".

فهو لا يثق بالعلم، بل يريد العودة الى الدين، معتقدا في ذات نفسه، أن الدين يعطي الاجوبة الناجعة التي لم يجب عليها العلم، وتولستوي لو عاش في القرن الواحد والعشرون ورأى ما ابدعته التكنولوجية اليوم في الصين واليابان والامريكان والروسيون والكوريون، لأنذهل واصيب بالدهشة، حيث أن الدين وقضاياه لا تصمد اليوم ازاء العلم والتكنولوجية والتقدم الهائل في الطب والعمران وسوى ذلك.

"وفي خلال بحثي عن دائرة واحدة من المعرفة الإنسانية، ظفرت بعدد لا يُحصى من الإجابات التي تتعلق بموضوعات لم أسأل عنها: ظفرت بإجابات عن تركيب النجوم الكيمائي، وعن حركة الشمس نحو مجموعة هركيوليز، وعن أصل الأنواع وأصل الإنسان، وعن صور الذرات الأثيرية الخفيفة المتناهية في الصغر، ولكني في هذا الميدان من ميادين المعرفة لم أجد جوابًا عن سؤالي «ما معنى حياتي؟» غير هذا «إنما أنت ما تسميه «حياتك». أنت مجموعة من الذرات التي تماسكت عرضًا واتفاقًا، والتفاعل المتبادل بين هذه الذرات والتغيير الذي يطرأ عليها يُحدث فيك ما تسميه «حياتك»، وهذا التماسك يبقى فترة من الزمن، ثم يقف التفاعل بين الذرات فيقف ما تسميه «الحياة» فتنتهي بذلك كل مشاكلك، ما أنت إلا كتلة صغيرة من مادة ما اتحدت أجزاؤها عرضًا، هذه الكتلة الصغيرة تتخمر، وتُسمى الكتلة هذا التخمر «حياتها»، ثم تنحل الكتلة، فينتهي التخمر وتنتهي بذلك كل مشاكلك»، هذا ما يُجيب به الجانب الواضح من العلم، وهو لا يسعه إلا أن يجيب كذلك لو سار على مبادئه سيرًا دقيقًا".

تولستوي يحن الى الماضي، ويعتبر أن الذين سبقونا هم افضل مننا، حتي عاشوا الحياة احسن مما نعيشها نحن، فهم عرفوا سر الحياة فعاشوها عيشة هانئة مطمئنة، بعيدة عن الصخب كما يعتقد. وهذا الكلام ذكرني بالكاتب مصطفى محمود، اذ كان له رأي اقرب الى هذا الرأي ذكره في بعض كتبه، ومنها كتابه "رحلتي من الشك الى الايمان".

يقول تولستوي: "منذ أن دبت الحياة في الناس على صورة من الصور وجدوا للحياة معنى، وحيوا تلك الحياة التي تحدرت إليَّ، كل ما فيَّ وكل ما حولي - بدني وغير بدني - ثمرة لمعرفتهم بالحياة، وهذه الأداة الفكرية نفسها التي أتدبر بها هذه الحياة وأحكم عليها لم تكن من اختراعي بل من اختراعهم، ولقد وُلدت ونشأت وتعلمت بفضلهم، استخرجوا الحديد من باطن الأرض، وعلمونا قطع الغابات، واستأنسوا البقر والخيل، وعلمونا أن نزرع الحبوب، وأن نعيش مجتمعين، ونظموا حياتنا، وعلموني أن أفكر وأن أتكلم، وها أنا ذا — وأنا من إنتاجهم — وقد أمدوني بالطعام والشراب، وعلموني — وأنا أفكر بأفكارهم وألفاظهم — أجادل في أنهم عبث باطل! قلت لنفسي: «هناك نوع من الخطأ، ولقد ارتكبت خطأ كبيرًا بصورةٍ ما.» ثم انقضى وقت طويل قبل أن أستطيع الكشف عن موضع الخطأ".

فهو إذن يبحث عن الله كما يقول، كأنه يريد أن يصبح متصوفا، فالمتصوفة يبحثون عن الله بحسب اقوالهم. لكنه يعتقد أن الله لا يمكن البرهنة عليه، كما استند الى كانت وشوبنهاور، ومع ذلك فهو مصرّ على البحث والتواصل للوصول الى حقيقة الله المخفية خلف سحاب الكون، ذلك الكون الشاسع، وباعتقاده إنه وجد ضالته.

"وبرغم اقتناعي التام باستحالة البرهان على وجود الله (وقد بيَّن كانت أن هذا البرهان مستحيل، وفهمته تمام الفهم) كنت أبحث عن الله، وكنت آمل أن أجده، وتوجَّهت بالدعاء - مدفوعًا بالعادة القديمة - إلى ذلك الذي أبحث عنه ولم أجده، واستعدت في ذهني ما أدلى به كانْت وشوبنهور من حجج تدل على استحالة البرهان على وجود الله، وبدأت أحقق هذه الحجج وأنبذها، قلت لنفسي إن «السبب» ليس في نوعه فكرة كفكرة «الزمان» أو «المكان»، إن كنت موجودًا، إذن فلا بُدَّ لوجودي من سبب، ولا بُدَّ للأسباب من مسبب، وذلك السبب الأول هو ما يُسميه الناس «الله»، ووقفت قليلًا عند هذه الفكرة، وحاولت بكياني كله أن أعترف بوجود ذلك السبب، وما إن اعترفت بوجود قوة تملكني في قبضتها، حتى أحسست في الحال أني أستطيع أن أعيش، غير أني سألت نفسي: «ما ذلك السبب، أو تلك القوة؟ وكيف لي أن أفكر فيها؟ وما الذي يربطني بذلك الذي أسميه «الإله؟» ولم تطرأ لي سوى الإجابات المألوفة فقلت «هو الخالق والحافظ» غير أن هذا الجواب لم يقنعني وأحسست أني كنت أفقد في نفسي ما كنت أحتاج إليه في حياتي.

ومع اعترافه بأن تعاليم الدين فيها  حق وباطل، لكنه اصر على الرجوع الى الدين، معاهدا نفسه بأنه سيمسح التراب والغبار عن الحق المدفون تحت الباطل ليظهره للناس، بعد أن ازدادت قناعاته بذلك.

"ولا شك عندي أن في تعاليم الدين شيئًا من الصدق. ولكني موقن كذلك أن بها شيئًا من الباطل، ولا بُدَّ لي أن أميز بين الحق والباطل، ولا بد لي أن أخلص هذا من ذاك، وأنا مقبل على هذا العمل، وسأبيِّن بعد ذلك ما وجدت بالتعاليم من باطل وما وجدت بها من حق وما وصلت إليه من نتائج، وأغلب الظن أني سأقوم بطبعها يومًا ما إن كانت تستحق ذلك وإن كان يريدها أي إنسان".

 

داود السلمان

 

 

ناجي ظاهربصمت يشبه صمت القبور غادر عالمنا في التاسع والعشرين من نيسان الفائت الشاعر الكاتب حسين فاعور/ الساعدي ابن قرية الحسينية الواقعة قرب مدينة عرابة البطوف في منطقة الجليل الغربي، وهي قرية تشبه صاحبها في الكثير من الصفات، فهي خضراء ممرعة، لكنها ليست معروفة لدى الجميع وهناك الكثيرون ممن يعتقدون ان الحسينية هو اسمها الحقيقي في حين يقول اهلها ان اسمها الحقيقي هو الحصينية لكثرة الحصينيات فيها. مشيرين ان اسمها حُرّف عبر الزمن فاصبح الحسينية.

عرفت الفقيد روحيا قبل ان اعرفه فيزيا، وكان ذلك قبل اكثر من خمسين عاما عندما كان ينشر قصائده الانسانية الحافلة بحب الوجود، الارض والانسان، وكان واحدا من قلة من الشعراء الذين لفتوا نظري في حينها، لما فاضت به اشعاره من روح جديدة ومتجددة ولا تخلو من لطف وسخرية محبّبة. وكان من الواضح لي انه شاعر بدويّ متمرد تجذبه القرية بكل ما فيها من مراع وابار وما الى هذه من محتويات القرية البدوية الفلسطينية، وتشاء الظروف ان يختفي شاعرنا فترة تنوف على الثلاثة عقود، وهو لا يغيب عن ذاكرتي، وكنت طوال الوقت اتساءل ترى اهو حي ام راحل، ولماذا يغيب كل هذا الغياب، زاد في تساؤلاتي هذه ايماني بان الشاعر الحقيقي، لا يغيب الا ليحضر، اما ان يغيب كل تلك الفترة المديدة من الزمن، فان الامر يحمل في طياته لغزًا يحتاج الى حل او خبر بسيط يقطع الشك باليقين، ويخبرني بصريح العبارة ما اذا كان الرجل حيا ام راحلا.

بقيت هاته الاسئلة تلح علي بين والحين والآخر، لا سيما عندما كنت اطالع كلامًا فارغا يطلق عليه اصحابه صفة شعر، الى ان طالعتني صفحات الفيسبوك ، قبل حوالي السبعة اعوام بالخبر اليقين،  ان شاعري الحاضر الغائب حي يرزق، وها انذا اقرأ فصولًا من مذكراته، يشرع بنشرها عبر صفحته الفيسبوكية، فاطوي الزمن لالتقى به كاتبا متمكنا، يسجل تجاربه ومعانياته وما مضى عليه من سنوات وحكايات بحرفية عالية لا تتوفر الا لإنسان امتلك القريحة الخلاقة والموهبة البراقة. ما ان قرات كتابته هذه حتى هرعت الى الماسنجر وكتبت له رسالة حييته فيها على عودته واعربت عن سروري بتلك المصادفة السعيدة التي اتت به.. وسرعان ما جاءني الرد، واستقبلت التحية بأفضل منها، لأجدنا، حسين وانا، نلتقي في مدينتي الحبيبة الناصرة، نتناول فنجانَ قهوة عربيًا اصيلًا، ولأكتشف بالتالي سر غيابه، لقد كان حسين مشغولا طوال العقود الماضية في "معركة" حافلة بالكرّ والفرّ من اجل حمل السلطات الاسرائيلية على الاعتراف بقريته، بعد عقود من تجاهلها لها هي والعشرات من القرى التي لا تعترف بها ولا تقدم لها بالتالي الاعتراف التي تحتاج اليه اي قرية لتكتسب صفة قرية حقيقية ويطيب العيش فيها، سواء كان من ناحية الميزانيات او الخدمات." الان بعد جهاد مديد الى جانب نفر مثابر من اهل قريتي تمكنا من انتزاع الاعتراف الرسمي بقريتي الحبيبة.. مسقط راس ابي وجدي وابنائي واحفادي"، قال حسين وهو ينظر الى البعيد وتابع" لقد مضى الزمن سريعا.. ارجو الا اكون تأخرت كثيرا في العودة الى الادب وربوعه المحببة". الحديث بيننا طال ولم نفترق الا بعد ان اتفقنا على عدد من الامور هي: اقامة دار نشر نطلق عليه اسم "الملّ" تيمنا بشجر يعمر في ربوع بلادنا واملا بمواصلة الطريق الى ابعد ما يمكننا ان نواصل، هذه الدار تساعد الكتاب والمبدعين في نشر ابداعاتهم دون تكليفهم بدفع مقابل النشر كما تفعل معظم دور النشر اليوم، وطباعة المجموعة الشعرية الثانية من انتاجه عنوانها عفوا الى كل هؤلاء (مجموعته الاولى طفل يخترق الحدود- طبعت ولم توزع لأسباب فنية كما فهمت منه)، اضافة الى طباعة كتاب مذكراته تحت خط النار، وقد تضمن برنامجنا طباعة العديد من المؤلفات من انتاجي وانتاج كتاب اخرين، وهو ما تم انجازه وكان.

حسين فاعور الساعديما حصل بعد ذلك اللقاء، ان اللقاءات تتالت بيننا، واننا شرعنا بتنفيذ ما خططنا واعددنا له اولا بأول وبسرعة ادهشتنا قبل ان تدهش اخرين من اصدقائنا ومعارفنا، فَرُحنا نطبع الكتاب تلو الاخر، وكنا نوزع ما نطبعه على الاصدقاء والاحباء، ونتلقى اراءهم وكتاباتهم المشجعة، ويبدو ان العودة الى طريق الابداع الادبي قد ايقظت الانسان المبدع داخل الاخ والصديق حسين فاعور الساعدي، فراح يكتب ويكتب وكأنما هو في سباق مع الزمن، ما دفعني الى سؤاله عن سبب تلك السيولة في كتابته، فما كان منه الا ان سألني عن سبب سؤالي فأخبرته انني اتوق الى الكتابة والابداع الادبي الا انني اشعر بان هناك ما يمنعني من الكاتبة، واذكر انه ربّت حينها على كتفي قائلا لا تهتم كل شيء في وقته حلو، وبالفعل كان ما اخبرني به، وتحقق، وانفجرت بوتقة الكتابة في روحي وقلبي لأجد حسينا يفاجا ويكتب عما كتبته وانتجته من قصص قصيرة عديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، وليفاجئني بالتالي بمقالة يسلط فيها الضوء على عدد مما انتجته ووضعته من قصص قصيرة ابان تلك الفترة.

التعاون بيني وبين حسين تواصل خلال السنوات القليلة الماضية بهمة ونشاط، فها نحن نقيم الندوة تلو الندوة ونحضر الامسية تلو الامسية وها انذا أفاجأ به يصطحب ابناء اسرته الصغيرة الى هذا النشاط الادبي او الفعالية الاجتماعية، بل ها هو يبادر الى تأسيس مجموعة قراء الحسينية ويكرم ضمنها العديد من الكتاب والمبدعين عبر اقامة الندوات والامسيات في بيته القائم في منطقة الملّ في قريته العزيزة الغالية. بل ها هو يبادر لتأسيس مجموعة الكتاب الكنعانيين، ويحقّق واحدة من القفزات الاولمبية فيبادر لعقد اجتماع في بيته تلتقي فيه الاطر الادبية الفلسطينية المتنافسة، وتتباحث في امكانية الاتفاق على نقاط عامة والائتلاف، وهو ما تحقق بعد فترة وجيزة من ذلك الاجتماع، فتأسس الاتحاد العام للادباء الفلسطينيين- الكرمل 48.

في العودة الى حسين وانتاجه الادبي، اقول انه كتب في فترة قياسية روايته الاولى فتاة الموسيقى، اتبعها بروايته البئر الملوثة- مذكرات رئيس، فروايته الثالثة دخان في كروم الله، وكان حسين في رواياته هذه ينبش في دفتر سيرته الشخصية وصفحات نضاله الملتهب من اجل تحرير قريته اولا وإنسانها ثانيا من العادات والتقاليد البالية التي لم تعد صالحة لقرننا الواحد والعشرين. وقد بدا حسين في رواياته هذه كاتبا متمردا من طراز خاص ورفيع، كاتبا امتلك رؤية وحلما وعبر عنهما كأفضل ما يمكن لإنسان كاتب ان يعبّر، وهو ما فعله ايضا فيما انتجه ونشره من قصائد ومقالات قام بنشرها بصورة محمومة تريد ان توقف عجلة الزمن وان تنطلق بها مجددا كما حصل معه في ماكنته الابداعية.. من انقطاع فعودة.

في العام الاخير فأجاني حسين، وربما فاجأ العديدين من الاصدقاء والقراء، برواية تحفر في اعماق الذاكرة الفلسطينية الانسانية البدوية تحديدا، هي روايته صاحب الجبل، واذكر هنا بكثير من المحبة، تلك الصفحات المشتعلة فنًا وابداعًا التي قدمتها روايته هذه بأحرف من نور، في تلك الصفحات التقيت بالسعلاة وهي كائن خرافي مفترس عرفته الاسطورة الفلسطينية جيدا، لأنسى انني اقرا رواية ولأعيش الحدث الخارق كأنما هو يحدث الان وهنا، ولأرى بأم اذني، كما وصف الكاتب الانجليزي المبدع دي اتش لورنس العمل الروائي المبدع الرائع.

يوم الخميس 29-4-2021، تنتهي هذه الرحلة الادبية اللافتة، وتُطوى صفحة ناصعة في دفتر حياتي الادبية، لافاجأ بنبأ الرحيل المبكر لأخي وصديقي الذي لم تلده امي حسين فاعور، ليصيبني ما اصاب شاعرنا العظيم ابي الطيب المتنبي عندما بلغه نبا وفاة اخت سيف الدولة الحمداني فعبر عن حزنه قائلا طوى الجزيرة حتى جاءني نبا فزعت منه بآمالي الى الكذب. فهل رحل حسين مديرا ظهره.. وماضيا في رحلته الابدية، دون ان يشعر برحيله هذا الا القلة القليلة من ابناء العشيرة والاصدقاء؟ وهل هذا هو قدر المبدع الحقيقي البعيد عن الاضواء.. ان يرحل بصمت.. وكأنما هو لم يقدّم شيئا يذكر او لم يكن بيننا..

 

ناجي ظاهر

 

 

عبد الله هاشي551 – 479 (قبل الميلاد)

- بقلم: جاك أطالي

 ترجمة: عبد الله هاشي


 حدث ذلك في الصينن إبان الثورة الثقافيةن عام 1973ن عندما تناهت الى مسمعي للمرة الأولىن عبارات ممعنة في تحقير كونفوشيوس الذي أمسى في تلك الأيام أكثر الناس عرضة للتشنيع من قبل نظام للحكم باتت تمتلئ يداه بكل الأسباب والمبررات المعقولة التي تشفع له الشعور بالمقت تجاه كل ما يمثله الرجل ويرمز اليه: باعتباره نموذجا للاستقرار والثباتن ورمزا تتجسد فيه دلائل التوازنن ومنافحا شديدا عن حصون الحقيقةن والمعرفةن وتوقير الآباء والأجداد والسلف الغابر. بالنسبة لعدد قليل من المثقفين والأدباءن ممن يجرؤون على تقديم أنفسهم كذلك ن والذين لا يزالون من الممكن الالتقاء بهم ومصادفتهم في هذا المكان أو ذاكن يبقى كونفوشيوس ذلك المنهل العذب الذي لا محيد عن الوقوع في أسره الحافل بفتنة الرهبة والصمت.

وابتداء من ذلك التاريخن سيظل كونفوشيوسن هذه المنارة المتلألئةن مستحكما في مفاصل تفكيري كلما شرعت في محاولات الإجابة عن أسئلة الرهان المركزي في مدارات حياتي الفكرية: - هل يحتاج السياسيون والقائمون على شؤون الحكمن في مساعيهم المختلفة وشتى ضروب ممارساتهمن الى أهل الحكمة والفكر والنظر؟ أم ترى هؤلاء لا يقومون عند أولئك سوى كما تقوم المحسنات الزخرفية العادية تتزين بها التيجان الهشة المحكوم عليها بالزوال فوق هاماتهم؟ والصين اليومن وهي تشهر الاعتراف بكونفوشيوسن باعتباره المعلٌم الذي لا يعلى عليهن هل باستطاعتها إقامة دولة القوانين المبنية على الاخلاق والوقار التي ظل يحلم بها وهو في ذروة واحدة من أشد فترات الفوضى والاضطراب في تاريخ أمبراطورية السماء؟ ثمن أخيران هذا التساؤل المثقل بالأهمية والخطورةن والذي يفرض نفسه بشأن الرجلن كما بشأن العديد من الشخصيات المصادفة في هذا الكتاب *: - كيف للمرء أن يحقق ذاته في بيئة حافلة بالمكائد والمؤامرات المرصودة برمتها للحيلولة دونه وأهدافه؟

ذلك لأننان ونحن في مستهل هذا القرن الواحد والعشرينن الذي يصفه الكثيرون بأنه قرن الصين بامتيازن نجد سلطات هذا البلدن منذ تقلد دينغ كسياو بينغ مقاليد الحكمن تفضل الركون الى الاحتماء بتلك الظلال الزاخرة بالتعاليم وبالوصايا التي تعود الى ذلك الحكيم الذي يدعونه " المعلٌم كونغ "ن والذي أطلقت عليهن في القرن السابع عشرن عناصر الجمعية اليسوعية الفرنسية اسم " كونفوشيوس ": هذا الصوت الجهوري المليء بالأسرار والالغازن الذي ظلن على امتداد القرن السادس قبل الميلادن ينثر الاقوال والكلمات التي ذاعت أصداؤها في كل الآفاقن ويبادر الى الأعمال والمساعي التي عمت تأثيراتها الاصقاع الدانية والقاصيةن زمن حكم أمبراطورية زهو الآيلة للسقوط والأفولن في حقبة شهدت حملات اقتتال شديدة ما بين الامارات والطوائف المتنازعة على النفوذ والسلطة. هكذان قام كونفوشيوس بإعداد عقيدة سياسية واجتماعية لم تلبث العائلة الملكية الحاكمة هانن في القرن الثاني قبل الميلادن ان اتخذت منها " دينا للدولة ". كما أنهن والى حدود زمننا الراهنن لا يزال كونفوشيوس يشكل الخلفية المركزية الصلبة لكل أشكال التنظيم والهيكلة التي تتفاعل فيها الأفكار والتمثٌلات لدى الغالبية العظمى من شعوب آسيان في إطار بنية أخلاقية شديدة الصرامة والتزمتن وبالغة الروعة والاثارة معان حيث تمتزج نصائح السعادة في الحياة ووصاياها بالآراء السياسية في الحكم الرشيد وحسن تدبير شؤون الناس والمجتمع.

ولقد دأب المؤرخون الصينيونن منذ ألفي سنةن على الحديث عن هذه الحقبة الغابرة كفترة لتعاقب " فصول الربيع والخريف "ن وذلك من باب الإحالة على مجموعة من الحوليات التي تضمنت رواية للوقائع والاحداث الجسام التي عرفتها السنوات الفاصلة ما بين 722 و481 قبل ميلاد المسيحن في منطقة كوفو المتواجدة الى الجنوب لما يعرف حاليا ب بيكينن على ساحل البحر الأصفرن بالإقليم المعروف حاليا بسم شاندونغن حيث تأسست إمارة لو. هنالكن في تلك البقعة من بلاد الصينن وفي تلك الفترة التي سبقت بقليل المرحلة المشهورة باسم "حقبة الممالك المتقاتلة "ن عاش ذلك الرجل الذي سندأب على تسميتهن هاهنان كونفوشيوس.

ولقد كانتن بحقن حقبة عجيبة وخارقة للعادةن عاشتها البشرية جمعاء على امتداد الكرة الأرضية برمتهان اتسمت بالحيرة الأخلاقيةن وبالاضطرابات السياسيةن وبالتجليات الصوفيةن وباكتشافات للعقل وللفردية الإنسانية: ففي الهندن ظهر جاوتاما بوذان الذي سيمهر القارة الاسيوية بفلسفة أخرى تنضاف الى مذاهبها الفلسفية الكبرى. وفي الشمال الشرقي لما يعرف حاليا بإيرانن سيؤسس زاردشت ما سوف يحمل إبان حكم الامبراطور داريوس الأول [ المتوفى عام 486 ق.م ] تسمية الدين الرسمي للأمبراطورية الفارسية. وفي فلسطينن سيعلن أشعيا الثانين عن ميلاد ديانة توحيدية اتسمت تعاليمها بالصرامة اللافتة وبالتزمت الشديد. أما على الساحة اليونانيةن فقد سطع في مدينة مليطة المؤرخ هيكاطين الذي اشتهر بكتاباته الساخرة من الخرافات البالية والأساطير الغابرة للأولين ؛ وذلك في فترة يعلن فيها طاليس عن الخسوف المرتقب الذي ستعرفه الشمس بتاريخ 28 ماي 585 ق. م ؛ بينما كان ينهمك الفيلسوف اليوناني أناكسيمندر في رسم المعالم الكبرى لأول خريطة لبلاد أيونية في أسيا الصغرىن والتي كانت عبارة عن تخطيطات هندسية بارزة لعالم دائري الشكل يحتل فيه بحر إيجة النقطة المركزية ؛ هذان بينما كان فيتاغوراس مستغرقا في محاولاته الاستباقية عشية انبثاق دلائل التفكير العلمي ومخاضات ميلاد العلوم. أما في منطقة الألطاين شمال البحر الأسودن فقد انشغلت الشعوب الشيثية بتطوير موروثهم الفنين وإدخال المحسنات الجديدة على مجموعة ما توفر لديهم من الاعمال الإبداعية البارعة الرونق والدقة والجمال. وفي أمريكا الوسطىن شرعت شعوب الحضارة الاولميكيةن المشتهرة بتماثيلها الزاخرة بالألغاز وبالأسرار الغامضةن تفتح أبوابها المغلقة أمام الموجات الجديدة الوافدة من الثقافات المحيطة. وعلى القارة الافريقيةن استطاعت الثقافة النوكية في نيجيريا أن تبدع أشكالا ترابية من المشويات في غاية البهاء والجمال والسمو الفني البديع.

والأمر الذي لا مراء فيهن أن المعلٌم كونغ (كونفوشيوس) لا بد أن يكون قد تنامى الى علمه بعض من ملامح الوضعية التي كان عليها العالم خلال تلك الحقبة من التاريخ. ذلك لأنه من المفترض أن يكون مولده عام 551 ق.من ووفاته عام 479 ق.من إبان حكم العائلة الملكية الحاكمة زهو (التي يمتد حكمها من 770 الى 256 قبل الميلاد). ولقد اشتهرت هذه العائلة الملكية الحاكمة بضعف الرغبة في الاضطلاع بمهمات توحيد البلادن وبقلة الميل الى العمل على استتباب الأمن والاستقرار مثلما تفرضه السماء على كل العائلات الملكية الحاكمة. فبات من المتعذر عليها تجسيد الاستقرار والدوام. وهكذان انقسمت البلاد في عهدها الى نحو عشرة من الطوائف والامارات المتواصلة الخصومةن والمتجددة التنازع والمنافسةن هي: جينن كينن كين وين زهينغن لون سونغن زهون شينن ووو. وكان يتعاقب على عرش كل واحدة منها ملوك يمكن تشبيههم بالأمراء والدوقات الذين عرفتهم أوربا في القرون الوسطى. قد دأبوا على إقامة المراسيم الغريبة ذات الطقوس العصيةن والشعائر المغرقة في الغموض والتعقيدن المرتبطة في مقاصدها بعبادة قدماء الأجداد والاسلاف الغابرين في الازمان السحيقة. كما خلت مجالسهم وقصورهم من القساوسة والكهنة وأحبار الكنيسةن خلافا لما ظلت تشهده في نفس الحقبة من الزمن كل من مصر وبابل والهند.

ولقد كان المجتمع الخاضع لسلطة هذه الطوائف والامارات يتميز بانضباطه لنظام تراتبي في غاية الصرامة والدقة. فكان الدوقات وسادة القوم وأعيانهمن ممن أصابوا حظا من الثراءن يرتبون في الدرجة الموالية لمراتب الملوك والامراء. ثم يأتي من بعدهم في درجة أدنى الأقل ثراء منهمن ممن يلتمسون لأنفسهم ولذويهم أسباب العيش لدى أصحاب القوة والنفوذ من النبلاء والسادةن كموالي ومعتمدينن وكقائمين على أشغال العناية بالخيل وبالإصطبلاتن ومتعلقات أعمال الفروسيةن ومهمات حمل السلاحن وأيضان بصفتهم أدباء وحملة للأقلامن مكلفين بأعمال النسخ والكتابةن وكموظفين مشرفين على تسيير الممتلكات الخاصة للوزراء وكبار المسؤولين في البلاطن والسهر على الاضطلاع بإدارة ما يحوزونه من الثروات والغلالن بل وحتى بصفتهم خطاطين ونساخا أو أمناء على شؤون تصنيف المحفوظات وترتيب السجلات والوثائق.

ومن الجدير بالذكر أن الكثيرين من هؤلاء الادباء وأصحاب القلمن أو من يمكن نعتهم بمرتزقة الفكرن كانوا معتادين على الانتقال بما يتراكم لديهم من الخبرات والتجارب من هذه الامارة الى تلكن ومن هذا البلاط الى ذاك. ذلك لأنهم لا يكسبون في مقابل الخدمات التي يقدمونها لأسيادهم لا نفقة ولا أملاكا ولا حقوقا. فقد كانت ميزة " المستشار " هي كل ما يتبقى لهم من نصيب على أعتاب القصور وخدمة الامراء والملوك والسادة. من الصحيح أنه كان يسمح لهم بالاستمتاع بما توفره بيوت الاسياد من لذيذ الطعام والشراب والنساء وأسباب العيش الباذخن غير أنهم ظلوا محظورين عن ممارسة أية سلطة تراتبية محددة. وكثيرا ما كان الامراء يلجؤونن على سبيل التسليةن الى حبك المواجهات بينهمن فتندلع الاصطدامات المفخخة في إطار من المناظرات الكلامية القوية والمبارزات الخطابية المشوقة. إلا أن كثرة الترحال والاسترسال في الاسفار لازمتهم لفترات تطول وتتجدد. فكانت بلاطات الحكام لا تكف عن ايفادهم في البعثات الديبلوماسية والمهمات السياسية الى البلدان المختلفة ن في كل المناسبات ذات الأهمية وفي كل المحافل ذات الصلة. وفضلا عن ذلكن لم تكن أجواء القصور لتخلو من الدسائس وشتى ضروب المكائدن سواء ما بين الامراء أو في صفوف هؤلاء المستشارين أنفسهمن والذين كثيرا ما تنتهي بهم المسارات على أعتاب القصور الى عقوبة الطرد والابعاد وحصاد التغريب والنفي. وكان من الطبيعين في ظروف أخرىن أن يتجه بعض من الاتباع والمقربين في المحيط الى الارتباط بأحد المتميزين منهمن فيتشكلون من حوله في مجموعة وثيقة الاواصر من التلاميذ النجباء والمساعدين المخلصينن يحدوهم الطمع والطموح الى أن يقاسموا المستشار الأديب وحامل القلمن في يوم من الأيامن بعضا من حظوظه الموفورة المرتقبة ن ساعة تبتسم له الدنيان فيفوز بثقة هذا الأمير أو ذاكن أو حظوة هذا الملك أو ذاك السيد.

كانت الصفوة من أهل الادب والمعرفة تحظى بمهمات التربية والتعليمن وتحرير الخطابات الخاصة بالاحتفالات والمناسبات الرسميةن وتنظيم الاستقبالات في أعياد البلاطاتن والسهر على تدوين المحفوظات والسجلات المنتظمة في الزمن على شرف الامراءن وأيضا للمصنفات الخاصة بمجالس الحكم واجتماعات أرباب السلطة. وهذا أفضى الى تراكم مجموعة من المتون المجهولة المصدر في غالب الأحيانن نجد من أبرزها: 1-" كتاب الأناشيد " (اعتمده كونفوشيوس وظل يستند اليه طيلة حياته)ن وهو مجموعة من الاشعار الغنائية التي ترسخت تقاليد أدائها في الاحتفالات المختلفة والمناسبات السعيدة المتفرقة. 2 -" كتاب التحولات "ن المنسوب الى أحد دوقات مملكة زهو. 3-" كتاب الطقوس والمراسيم ". 4-" مذكرات الشعائر ". 5-" كتاب التاريخ "ن الذي يجمع ما بين نماذج متفرقة من الإجراءات القضائية والمرافعات القانونيةن وبين عدد من التصورات الجاهزة لتحرير خطابات الملوك والامراء. وفضلا عن ذلكن يتضمن الكتاب بيانات الفضائل التسع التي يجب أن تتوفر في الملوك والامراءن وهي: 1- الوعي بمدلول الحكم ومقاصد قيادة الشعب. 2- العدل والنزاهة والانصاف 3- المرونة وسلاسة العريكة. 4 - الحزم والجد والثبات. 5 - البساطة والابتعاد عن التكلف. 6- الشجاعة والاقدام. 7- الصفح والرأفة والحلم. 8 - الهمة والحمية والاجتهاد المتواصل. 9- التلطف والتواضع الجم. فمن توفرت فيه جميع هذه الفضائلن يكونن بحقن أهلا لشغل مكان الامبراطورن ومستحقا لاعتلاء منصب الملك. أما الذي تتوفر فيه ستة منها فحسبن فيكون أهلا لشغل منصب الأميرن ومستحقا للتكليف بالاضطلاع بتدبير شؤون المقاطعة أو الاقليم. وأما الذي تقل مجموع فضائله عن ثلاثة منهان فيصنف في حكم العاجز حتى عن تسيير أمور عائلته.

ابتداء من القرن السادس قبل الميلادن شرعت تتكشف الأسماء الحقيقية لأصحاب هذه المتونن فتبدد ما أحاطها على مر الزمان من الاغفال والتكتم. حينئذن سطعت على الأفق بضعة من الشخصيات المرموقة التي بسطت هيمنتها على تاريخ الصين الأدبي والفلسفين يأتي في مقدمتهم الحكيم لاو تسون الذي عاشن على ما تقول الأسطورةن في إمارة سونغن حيث انتشرت عقيدته بفضل كتابه الذي يحمل عنوان: " كتاب الطريق والفضيلة " = إنها الطاويةن والتي تعني " تعليم الطريق "ن وتقضي تعاليمها بالحظر التام لكل تدخل للإنسان في المجرى التلقائي لعناصر الطبيعة وتوازنها الفطري الأصيل. ويذكر بأن كونفوشيوس كان يعيشن تقريبان في نفس الفترة من حياة لاو تسون وفي نفس المقاطعة أيضان وإن كان يحظى بشهرة أوسعن وبنفوذ أكبر. ذلك لأن أجداد كونفوشيوس كانوا ينتسبون الى إحدى العائلات النبيلة لسلالة الكونغ التي استقرت في إمارة سونغن والمتصلة بالقرابة الى المدعو يي يينن الوزير الأول للامبراطور شينغ طانغن الأب المؤسس للعائلة الملكية الحاكمة شانغ. ويذكر أن جد كونفوشيوس هاجر الى امارة لو (الواقعة حاليا في جنوب شرق شاندونغ)ن وكانت دولة صغيرة وضعيفة محاطة بمجموعة من الامارات الشديدة القوة ن مما اضطرها الى إقامة تحالفات عديدة تفاديا للاجتياحات والغزوات المحتملة.

ويذكر أن أب كونفوشيوسن الذي أنجب من زوجته الأولى تسع بناتن كان يشتغل مستشارا لدى الوزير الأول لإمارة لو. ولما بلغ الرابعة والستين من العمرن أقام علاقة غرامية مع فتاة في مقتبل الشباب تدعى زينغ زاي اعتادت على التردد على رابية تسمى نيكييو بغرض الدعاء والصلاة لكي ترزق بولد ذكر. وفي عام 551 ق.من والذي صادف السنة الثانية والعشرين من حكم شيانغن دوق لون جاء المخاض الفتاة الشابةن فوضعت مولودا تحمل رأسه حدبة ذات حجم بارزن وهو ما يفسر اطلاق اسم كييو عليه (نسبة إما الى " الرابية " أو الى " الحدبة ") = إنه كونفوشيوس.

وصادف أن أدركت المنية الأب من دون أن يكون قد اعترف بأبوته للطفل ذي الثلاثة أعوام. أحجمت الأم عن إخبار الولد بحقيقة مولده ونسبهن فعاشا معا في عوز شديد وفقر مدقع.

في نفس الفترة من التاريخن أقدم فيثاغوراس على تأسيس جمعية ضمت عناصر من الطبقة الاستقراطية لمدينة كروطونن مزجت في أنشطتها الثقافية ما بين الفلسفة والدين والعلم من جهةن وبين طقوس الاساطير الاورفيوسية اليونانية من جهة ثانية. ولقد انهمك فيثاغوراس يستغرقه السؤال والتأمل في قضية الاعداد باعتبارها العناصر النهائية المكونة للمادة. فانبرى يبحث في سبيل تثبيت مدارجها الرمزية وتدعيم أبعادها الروحانية. وهكذان انتهى الى وضع نظرية في التناسب قابلة للتطبيق في الطبيعة وفي الموسيقى على حد سواء.

سيبلغ كونفوشيوس الثالثة عشرة من عمره سنة 538 ق.من عندما أصدر الأمبراطور الفارسي قورش مرسوما يسمح لليهود المنفيين الى بلاد بابل بالعودة الى ديارهم. وهي السنة نفسها التي اتخذ فيها الأمير الشاب ساكيامونين من شمال الهندن قراره بالتخلي نهائيا عن كل أسباب السلطة والجاه والثراءن ليتفرغ كلية للتعليم والوعظ والإرشاد الديني = هذا الأميرن هو الرجل الذي سيصبحن بعد فترة من الزمنن حاملا لاسم بوذا " النبيه ".

سيبلغ كونفوشيوس العشرين من عمره سنة 531 ق.من وسيشتهر بالثقافة الواسعةن وبالذاكرة القوية ن مما مكنه من استمالة أول عنصر من مجموعة أنصاره وأتباعه ومريديهن وكان اسمه نان كونغ جيانغسو. كما أن كونفوشيوس سيتزوج في عام 529 ق. من وهو في سن الثانية والعشرينن وسيزدان فراشه الزوجي في العام الموالي بمولود ذكر. ومن أجل التماس أسباب المعيشةن سيشتغل مثل أبيهن وكان لا يعرف عنه أي شيءن كمستخدم بإحدى مرافق الإدارة التابعة لدوقية إمارة لون لكنن في مراتب مهنية متدنية للغايةن كمسؤول عن قطاع الحبوبن ثم كمشرف على قطعان الماشية لصاحبها البارون جين الوزير الأول بالوراثة لهذه الدوقية. فيسطع نجمه ويعرف التألق لنباهتهن ومثابرتهن وجديتهن لحد ما أصبح في سن السادسة والعشرين نظيرا لما نطلق عليه في زمننا المعاصر وزير الاشغال العمومية.

ازداد الأنصار والمريدون والاتباع من حول كونفوشيوس. وصادف أن كان من بينهم أحد أبناء البارون مينغ شيزين الذي طفق يصطحب معه كونفوشيوس في زيارات متواترة الى بلاط العائلة الملكية الحاكمة زهون حيث مقر إقامة الامبراطور. ولقد اعتاد المعلم كونغ (كونفوشيوس) على المجيء الى البلاط الملكي وفي نيته إمعان الفكر والنظر في ما تحفل به أوساطه من العادات المختلفةن والطقوس والأعراف المتنوعةن ومعاينة الأعياد والاحتفالات المقامةن والمراسيم والتشريفات المرعيةن والنظر في السجلات والمحاضرن والاطلاع على مدونات الاخبار والوقائع التي تزخر بها الغرف البعيدة والمنسية في مختلف أجنحة الاقامات والقصور الإمبراطورية. وتجدر الإشارة الى استفادة الصديقين المترافقين من الخدم والاجراء وعربات النقل وسائر التسهيلات التي وضعها البارون جي رهن إشارة نجله وصاحبه كونفوشيوس أثناء تنقلاتهما ورحلاتهما. وتتحدث الأسطورة الصينية عن واقعة ذلك اللقاء الذي جرى ما بين كونفوشيوس والحكيم الكبير لاو تسون لاسيما حينما توجه اليه هذا الأخير يخاطبه قائلا: " إن الرجل اللبيب ذي الفطنة والذكاء ن غالبا ما يخاطر بحياتهن لأنه يعشق كشف الحجاب عن مساوئ الاخرينن وإفشاء أسرار ما يخبئونه من النقائص والعيوب. كما أن الرجل ذي الثقافة الرفيعةن المتمرس بأصول المناظرةن والبارع في معتركات الجدال والنقاشن غالبا ما يكون عرضة للمخاطر المتعددةن بسبب جنوحه الى إبراز مكامن العجز والوهن في طبائع النفوس لدى البشر ".

وتركز الأسطورة على الاندهاش والوجوم الذي اجتاح كونفوشيوس وإمساكه عن الكلام لمدة ثلاثة أيام كاملة من جراء التأثير القوي الذي أحدثه في نفسه هذا اللقاء الفريد بالحكيم لاو تسو. ولقد كان الرجل من قبل ذلك حريصا على الايمان بالحقيقة وعلى المناداة بالجهر بهان فإذا به يجنح الى معالجة الالغاز الغامضة لمسائل التوازن والتسوياتن ولقضايا التراضي والتوافق والاجماعن التي تنادي بها العقيدة الطاوية.

عندما توفيت أمه سنة 527 ق. من باحت له صديقتها العجوز بالاسم الحقيقي لأبيهن وبالمكان الذي يوجد فيه قبرهن مما سمح له بدفن أمه بجوار قبر أبيه. ولما تبين لكونفوشيوس بأنه يسير على آثار أبيهن دون علم منهن قر قراره بمواصلة تقديم خدماته للبارون جين الوزير الأول في بلاط إمارة لو.

وحدث سنة 522 ق.من أن جاء الدوق جينن حاكم الامارة المجاورة كين لزيارة الامارة لون مصحوبا بوزيره الأول يان يينغ. وأثناء استضافتهن طلب اللقاء بالشاب كونفوشيوس البالغ من العمر حينها تسعة وعشرين سنةن ويشغل منصب وزير. ثم إن الدوق جين بادر الى سؤال كونفوشيوس عن العلامات التي بواسطتها يستطيع التعرف الى الملك الصالح. وفي عبارة بالغة البيان ترسي الى الأبد ما لدلالة الكلمات والتصورات من أهمية جسيمةن بالنسبة لكونفوشيوسن وأيضان بالنسبة للفئات الاجتماعية القائمة على الانضباطن وللمجتمعات الحريصة على النظامن أجاب كونفوشيوس: " يجب على الملك أن يكون ملكا حقيقيا ن ويجب على الوزراء أن يكونوا وزراء حقيقيين ن ويجب على الآباء أن يكونوا آباء حقيقيين ن كما يجب على الأبناء أن يكونوا أبناء حقيقيين ". " حسن جدا "ن رد عليه الدوق موافقا. وواصل رده يقول: " إذا لم يكن الملك ملكا حقيقيا ن ولا الوزراء وزراء حقيقيين ن ولا الآباء آباء حقيقيين ن ولا الأبناء أبناء حقيقيينن حينئذن مهما بلغت محاصيل بلادي من الوفرة ن فمن المؤكد أن لا شيء سيصلني منها ". بعبارة أخرىن عندما لا يكون أي شخص في مكانه الحقيقين عندما لا يكون الامراء والآباء غير مؤهلين للوظائف التي يضطلعون بمسؤوليتهان وغير جديرين بالمناصب التي يشغلونهان عندما يكون الشعب عاجزا عن التمييز بين ما يدخل في باب الخير وبين ما يدخل في باب الشرن حينئذن يسود الاضطراب وتعم الفوضى. ذلك لأنه إذا تصرف الأمير في تدبير شؤون دولته باعتباره أميران فسيكون حكمه في مصلحة الرعية كلهان أما إذا لم يتصرف الأب باعتباره أبان ولا الابن باعتباره ابنان فإن الأبواب ستشرع أمام جرائم المحارم المختلفةن والجنايات والآثام المتفرقة. وبالتالين فإن طاعة الأب تشكل الضمانة الحقيقية لترابط العائلةن كما أن الامتثال للأمير يشكل الضمانة الحقيقية لتماسك الدولة. على أن هذه الطاعةن وذلك الامتثالن يظلان مشفوعين بما يعود للأبناء وللرعايان على حد سواءن من إمكانيات الحق في التحذير والتنبيه في حالة ما إذا جنح الأب أو الأمير الى الطريق الخاطئ أو اتجه الوجهة غير المضبوطة. ولسوف ينقضي ردح غير قليل من الزمنن بعد ذلكن قبل أن يقوم جاك بوسو ويه [ الاسقف والمؤرخ والمفكر السياسي الفرنسين المتوفى عام 1704 ]ن بصياغة فكرة مماثلة في واحدة من رسائلهن يقول: " إنكم اليوم تخلطون نظام الكلمات خلطان وغدان لسوف تخلطون نظام الأشياء. ذلك لأنكم إذ تنطق ألسنتكم في استهتار بقواعد اللغة ومساطر النحو والصرفن لسوف ينتهي بكم المطاف الى الاستخفاف بقواعد العقل وازدراء مساطر الحق والصواب. فاللغة الثابتة الأركانن المحفوظة البنيانن يستحيل أن تتعرض للاستنزاف والوهن. وإنها بالاحتضانن وحسن المناولةن واللطف في الاستعمالن لتجود بكل السخاء على محبيها بما يحتاجون اليه من المفاتيحن فتسلس في أياديهم دواليب القيادةن وتتيسر أمامهم مقاليد السلطة ودروب الحكم. وإنهن أيضان بالإهمال والتقصير المتواتر، وبالهفوات الاملائية والنحوية المتراكمةن تجفف فيهمن لا محالةن منابع الفكر والنظرن فتتقطع في قلوبهم أوصال الحكمةن وتندثر في نفوسهم كل أسباب النبوغ والعقل ".

هكذان على امتداد الأطراف الشاسعة لبلاد الصينن الرازحة تحت أنيار البلبلة والقلاقل والفوضىن استطاع كونفوشيوسن بإرسائه دعائم الهيمنة الوطيدة للمفاهيم والتصوراتن تدشين عهد جديد من تاريخ الصينن انتشر فيه التدوين انتشارا واسعان مثلما سادت فيه القوانين الموضوعة على كل مفاصل المجتمع والحياة. ولقد كان ذلك بمثابة التعبير الواضح البيان عن واحدة من القواعد الكونفوشيوسية الجوهرية ن مفادها: إن اعتلاء سدة الحكم يعني في ما يعنيه الإحاطة بفن تنظيم الأشياءن والتمكن من المهارات الضرورية لقيادة الشعب حسب طقوس معلومةن وعادات مضبوطة ومحددةن وذلك بهدف ضمان المحافظة – الرمزية على الأقل – على صرح النظام الملكين المفترض تمتعه بالمناعة الدائمة ن وخلوه المؤكد من عيوب التوازن ن ومهاوي الاعتدال ن مهما اشتدت مخاطر الأعداء والمنافسينن وتعددت خيانات الاتباع والمناصرين. ذلك لأن من أوجب الواجبات على الملك أن لا يغفل عن بذل كل ما أوتي من القوة لكي يلتزم كل المواطنين باحترام القانونن وتفادي كل ما من شأنه أن يزرع بذور الشك في الدلالة المسطرة للكلمات. وإذا كان الكثير من المواطنين مستعدين للقبول بهذا الالتزام والعمل بهن فسيكون منهمن أيضان من سيتعرضون لاحقا للهلاك لعدم إدراكهم بأن النظام الديكتاتوري يبتدئ في اللحظة التي يقرر فيها الحاكم تمتيع نفسهن حصريان بجميع الصلاحيات والحقوق التي تسمح له بوضع وتحديد وتعديل دلالات الكلماتن والقوانينن والعقود.

وهو الفحوى الذي ضمنه كونفوشيوسن فترة من الزمن لاحقان جوابه عن سؤال لأحد تلاميذه المفضلين يدعى زيلو: " إذا دعاك حاكم مملكة وي للاضطلاع بمهمات في الحكمن فماذا تراك ستفعل؟ " سأل التلميذ زيلو. - " سأشرعن في البدءن بوضع المحددات المضبوطة للاستعمالات السليمة والصحيحة للمصطلحات والكلمات ". أجابه كونفوشيوس. " حقا؟ " رد عليه التلميذ ن وتابع: " يا لقلة واقعيتك وجهلك بما ينفعك. فلأي غرض مفيد تصلح لديك كل هذه المصطلحات المحددة ن وكل تلك الكلمات المضبوطة؟ " -" إنكن بحقن تكلمني بخشونة مفرطة ن وتغلظ لي في القول "ن رد عليه كونفوشيوسن ثم استطرد يقول: " اعلم أنه إذا افتقرت مجموعة الاصطلاحات والكلمات للدقة والتحديد ن انهار الخطاب الذي يعتمدها وسقط في الاضطرابن وانعدم فيه وضوح المقصد. وإذا خلا الخطاب من ميزة الترابط والاتساق ن أصبح من المستحيل تنفيذ الأوامر والقرارات التي تتأسس عليه. ولما يتعذر تنفيذ الأوامر والقرارات المتخذةن يصبح من غير الممكن إعادة إنتاج الاشكال المرعيةن والعلاقات الاجتماعية المناسبة ذات الصلة بالعادات والشعائر القائمةن وللمعزوفات والالحان والمصنفات الموسيقية الموضوعة. وحينما تتأكد استحالة السيرورة الطبيعية للأشكال والأصول المقررةن ينتهي المطاف بالعدالة والانصاف الى هاوية الإفلاس والاخفاق. وعندما تتقلص مساحة العدل في الأرضن تستحكم الحيرة والبلبلة على الاذهانن فيعجز الناس عن التمييز بين المعاملات الصائبة والخاطئةن وتخفق الآراء في التفريق بين النهج النافع والنهج الذي تلزم الرغبة عنه والفرار منه. لذلك تجد الرجل الحكيمن الموفور الرزانة والعقلن على دراية كافية بالأهمية الجسيمة التي تكتسيها المفردات الدقيقة والواضحة في صياغة القوانين الجديدة المفترض إصدارهان وتوسيع مجال العلم والدراية بها لدى عموم أفراد الشعبن بحيث إنه عندما يصدر الأمر من الأوامرن يتيسر على الفور سبيل انتقاله الى التطبيق والتنفيذ. وأهل الحكمة والرأي بعيدون كل البعد عن الميل الى الاستعانة بالمصطلحات الملتبسة الدلالةن والكلمات المشحونة بالتصورات المتنافرة ن والمحتملة للوجوه المشبوهة والغامضة ".

وهو ما سيعبر عنه كونفوشيوس ألف مرة ومرة بأسلوبه الحافل بالاستعارات الرفيعة. فحين طلب منه تقديم تفسير لما يمكن أن يبرر إقامة الولائم والاحتفالاتن وتنظيم القداساتن احتفاء بذكرى الامبراطور الأولن والأب المؤسس للعائلة الملكية الحاكمةن أجاب: " لست أدري. والذي لا مراء فيه أن كل من توفرت له المعرفة الصحيحة بالأسباب والمبررات الكامنة وراء ذلك ن سيتمكن من إمساك الدنيا برمتها في قبضة يده ".

وعندما قرر أحد الأمراءن ممن سيلتحق كونفوشيوس ببلاطه في وقت لاحقن إلغاء عيد الأضحى المحتفل به بذبح خروف صغير بمناسبة تقليد الروزنامة الذي يؤديه الامبراطورن مثلما تفرضه الطقوسن أمام أتباعه المقربينن كان رد فعل كونفوشيوس أن عقب في سخرية: " آه. إذن أنت شغوف بصغار الخرفان؟ أما أنان فإني أفضل الهيام بالأعراف وعشق الطقوس ". ستتواصل كلمات كونفوشيوس في زمن موالين متناثرة تطرق الأسماع والأمكنة ؛ قال: " لا ريب في أن الذي يستطيع وضع كل شيء في موضعه الحقيقين يتمتع بحظوة الاقتراب من طريق العلم الأعظمن ووهج القداسة المطلقة. ذلك لأنه كلما وضعت طبيعة الأشياء تحت محك الفحص والتقصين ارتفعت الخبرات والمعارف الى أقصى مراتب السمو والكمال. وكلما بلغت الخبرات والمعارف هذا السمو الرفيعن وذلك الكمال البديعن تخلصت الإرادة من كل معوقاتهان وبلغت العزائم تمام اشتدادها النافذ. وحينما تتحقق للإرادة أسباب القوة والسطوةن تنتظم للتو مجموعة خلجات الفؤادن فإذا الانسان بكل جوارحه ووجدانه متجرد من العجز والكسلن ومنزه عن الزلات والهفوات. ولما تتعزز فيه النوازع الى تقويم النفسن وتتملكه صبوات تعويدها على الأدب الجميلن تتيسر أمامه سبل إقامة حياة منظمة داخل الاسرة. وعندما يرتفع للأسرة بنيانها المنظم شامخا في عنان السماءن يضحى من السهولة بمكان تثبيت صرح الحكومة الصالحة على رقعة الإقليم أو المقاطعة. وفي الحينن يسود السلم والوئام مجموع المملكةن ويشمل الهدوء والطمأنينة سائر أفراد الرعية ".

الى حدود سنة 520 ق. من استمر كونفوشيوس في عمله كمستشار لدى أمير مملكة لو ؛ وذلك في فترة عرفت فيها روما إقامة اللبنات الأولى لمراسيم عبادة روميليس [ مؤسس روما وملكها الأولن المتوفى عام 715 ق. م ]. في الفترة ذاتهان اضطر الفيلسوف والشاعر الأيوني كسينوفان الكولوفوني للهجرة عن بلادهن واختيار المنفىن بسبب اتساع الغزو الفارسي لبلاد اليونانن واستفحال هيمنة الشعوب الفارسية على كل مفاصل الحياة فيها. وهكذان أسس في مدينة إيليية مدرسة تدعو الى إله واحدن ذي شكل كروين ولا يتحرك. أما في بابلن فقد تزينت قصور حاضرة الإمبراطورية الفارسية بأشكال من النقوش والزخرفات الرفيعة عالية الدقة. ولقد بادر الامبراطور الفارسي داريوس الأول الى استئناف الاعمال التي بدأها نيكاو الثانين من الاسرة الفرعونيةن فتمكن من شق قناة عبر مضيق السويس. وفي بلاد يهوذان عكف النبي زكرياء على استنهاض همة الشعب اليهودين وإعادة الروح الى مكوناته المبعثرةن يبعث فيهم الآمال في استعادة الامجاد الضائعة ن ويحثهم على التمسك بالحلم في عودة الاستقلال المفقود.

في سنة 517 ق. من تمت الإطاحة بدوق أمارة لو على يد وزيره الأول جي ؛ مما اضطره الى الهرب للاحتماء في مقاطعة كي المجاورة. لم يكن أمام كونفوشيوس أي سبيل للتردد: فقد رفض الانضمام الى المتمردينن والتحق بالدوق في منفاه. هنالك في بلاط مملكة كين واتته فرصة الاستماع الى " نشيد تتويج الملك شان "ن الذي ينسب تأليفه الى أحد الملوك في زمن غابر. ويذكر أن كونفوشيوس فقد الشهية الى الطعام والشراب ثلاثة أشهر كاملة من فرط مبلغ تأثره بالألحان الخالدةن وبالوصلات الموسيقية المهيبةن لهذا النشيد العظيم. والحقيقة أن الشغف البالغ الذي أبان عنه كونفوشيوس بذلك النشيد الامبراطورين أحدث تأثيرا عميقا في نفوس فئات عريضة من أفراد الشعب ؛ مما أهاب بالملك الى أن يعرض على كونفوشيوس الاشتغال معه كمستشار في البلاط الملكي. غير أن وزيره الأولن يان يينغن وقف بالمرصاد أمام الاقتراحن وسعى بكل ما أوتي من دهاء ومكر لقطع الطريق على كونفوشيوس خشية امتداد نفوذه الفكرين واتساع هيمنة تعاليمه ووصاياه. فران التردد على الملكن وما لبث أن عدل عن إلحاق كونفوشيوس ببلاطه. ثم إنه خاطبه بالقول: " إنني متأسف جدا. أنت ترى شيخوختي الطاعنة. ولا شك أنك تدرك أن تقدمي الكبير في السنن لا يسمح لين الآنن بتطبيق أفكاركن والعمل بما تنادي به عقيدتك ".

في سنة 511 ق. من سيغادر كونفوشيوس مملكة كي عائدا الى إمارة لون مسقط رأسهن وقد أصبحت مرتعا للفوضى العارمةن وللقلاقل المهولة. وكان كونفوشيوس في نحو الثانية والأربعين من العمرن خائب الظن بالملوك والامراءن منهار الهمة والأمل في بلوغ أهدافه في الحكمن فاقد الثقة في السياسة. فقر قراره على الاعتزالن والتفرغ لنظم القصائد الشعريةن وإبداع الأناشيدن وكتابة التاريخن وتدوين الوقائع والاحداثن ووضع المصنفات الموسيقيةن والتآليف المتخصصة في ثبت الأعراف والطقوس والعادات القائمة والغابرة. ولقد تمر به الساعات الطويلة من الليل أو النهارن يعلل فيها النفس بالأمل في استعادة الحظوة الضائعة في تقديم يد العون للملكن فتعود له الامجاد الملكية الزاخرة بالعز والسؤدد.

في سنة 510 ق. من ستتم الإطاحةن بالامبراطور هيباسن حاكم أثينان المدينة البسيطة والضئيلة الاعتبارن والتي لم تكنن ولو في الاحلامن لتجرأ على التفكير في منافسة مدن أخرى مثل مليطةن وإيفيزةن أو كوغينثة. وهوالإنقلاب السياسي الذي سيفتح الأبواب واسعة في وجه الديمقراطية ونسائمها العطرة.

لسوف تنقضي ما يقارب الثلاثة أعوامن أي بالضبط في 508 ق.من حينما سيتمكن الدوق دينغ من الوصول الى سدة الحكمن واعتلاء عرش إمارة لو ؛ وسيحالفه النجاح والتوفيق في إعادة النظام الى البلادن ونشر الامن والطمأنينة بين أفراد الشعب.

في مستهل القرن السادس قبل الميلادن عرفت مدينة إيفيزةن إقدام هيرقليطسن صاحب المعجزات المدويةن على إدخال تفاصيل غير مسبوقة على نظرية يتشكل بموجبها الكونن أساسان من عناصر غير منتهية الحركةن تتقدم في خضمه الروح والكوسموسن جنبا الى جنبن تشقان سبيلهما عبر سلسلة من المدارات الخاضعة للتغيرات المتواترةن والتحولات المتجددة. عن ذلكن كتب هيرقليطس: " على نفس الدائرةن تترابط البداية والنهاية ترابطا لا انفصام لهن في وحدة مشمولة بالانسجام التام والتناغم المطلق ".

وهي الفترة الزمنية التي سيقوم فيها دوق إمارة دينغ بتعيين كونفوشيوس حاكما على مدينة زهونغدو. بعد مرور سنة واحدة على هذا التعيينن أضحت زهونغدو مدينة نموذجية تتشوف الحواضر الأخرى للاقتداء بها ومحاكاة أساليبها في التنظيم والتدبير. لذلكن سيمنح الملك لكونفوشيوس مهمات جديدةن وصلاحيات واسعة إضافية ؛ حيث سيصبح وكيلا مكلفا بالأشغال العمومية في البلاد كلها ؛ وسوف يقومن كذلكن بترقيته ليشغل منصب الوكيل الأول في العدل. وهذا يفيد بأن كونفوشيوس قد أصبح الوزير الأول للمملكة. ولقد كان الإجراء الأول الذي بادر الى اتخاذه مباشرة بعد هذه الترقيةن هو تنفيذ الحكم بالإعدام في حق سلفهن الذين حسب ما ادعىن " أغرق الدولة في أتون الفساد والاضطراب والفوضى ". ثمن ليطلقن بعد ذلكن حملة شرسةن وحربا ضاريةن على البارونات وكبار الاعيان وسادة القوم الذين لا يترددون في الجهر بالاعتراض على قرارات الملكن ويصرون على الامتناع عن الامتثال لقراراته وأحكامه ؛ حيث دكهم ومحقهم وكسر شوكتهم.

على أن مهاراته في القدرة على الاقناعن وأساليبه في حمل الاخرين على الانفتاح على أفكاره وتصوراتهن لم يكن لها أن تتأثر أو يمسها التعديل والتغيير بفعل مآثره الحربية والقتالية. فقد حافظت طريقته في التلقين والتدريسن ومنهجيته في الارشاد والنصيحةن سواء مع تلامذته وأتباعه ومريديهن أو مع الامراء المترددين على مجلسه بغرض التماس الرأي والنصح والمشورةن على أسسها الأولىن ودعائمها الاصليةن القائمة على اعتماد تقنيات الاستعارة وفنونهان وإيحاءات الخبرة ودروس الحنكة والتجربة. وهكذان ففي إحدى حصصه الدراسيةن نجد كونفوشيوسن في درس مخصص لتفسير فن التعلمن يقدم لنا عرضا مفصلا للطريقة التي تعلم بهان هو نفسهن مبادئ وأصول الموسيقىن على يد معلم يشتهر بالتمرس وبالحنكة الواسعة. والحقيقة أن الدرس الذي يقدمهن في هذا البابن لا يخلو من بديع البلاغة وفتنة الروعة. قال كونفوشيوس مفسرا: " على امتداد عشرة أيام متواصلةن بدا أني لا أحرز أي تقدمن وتكشف لي النجاح أمرا بعيد المتناول. مما حدا بمدرس الموسيقى أن يخاطبني. قال: " بإمكانك الآن أن تشرع في تعلم شيء جديد ". فقلت له: " لقد تمكنت من إتقان دروس النغم وتناسق الأصواتن لكنني لازلت لم أطلع على دروس الوزن والايقاع ". ثم تنصرم أيام معدوداتن فيخاطبني مدرس الموسيقى: " إنك الآن تعرف الوزن والايقاع ؛ وبالتالين بإمكانك الانتقال الى الدروس الموالية ". فبادرت أرد عليهن وقلت: " إنني لازلت غير ملم بفن التعبير ". ولتنصرم الأيامن فيخاطبني مدرس الموسيقى من جديدن قال: " لقد تمكنت من الالمام بفنون التعبيرن بإمكاننا الآن الانتقال الى ما هو موالي ". وإذا بي أجيبه: " إنني لازلت لا أستطيع أن أتمثل في خاطري صورة المؤلفن واضع هذه الموسيقى ". ولسوف تنقضي فترة من الزمن ليست بالطويلة يقوم بعدها مدرس الموسيقى بإرشادي ن حيث قال يخاطبني: " هذه القطعة الموسيقية ألف ألحانها رجل في ساعة استغرقته فيها التأملات البعيدة والخيالات الباهرة. فكانن بين الفينة والأخرىن يرفع عينيه الى الآفاق المترامية على الأمداء أمامه مغمورا بألوان من السرور والفرح السعيدن شاخصا بنظراته الجذلى على معالم ذلك الازل المتراقص حياله بعيدان بعيدان بعيدا. " فوجدتني أنتصب في وجهه وأصرح: " أعتقد بأنني توفقتن الآنن في الوصول الى الهوية الحقيقية للشخص الذي ألف هذه الموسيقى. إنه رجل طويل القامةن أسمر اللونن ويمتلك الفكر العميق والجبار الذي يمتاز به بناة الممالك العظيمة والامبراطوريات ذات المجد والخلود. أوليس الامر يتعلق بالملك وينن المؤسس الأكبر، والأب الأولن للعائلة الملكية الحاكمة زهو؟ " حينئذن نهض مدرس الموسيقىن وانحنى مرتين متتاليتين أمام كونفوشيوسن وهو يقول: " بالفعلن نحن هنا إزاء واحدة من الاعمال الموسيقية الخالدة للملك وين ". وهكذان نستخلص بأنهن لكي نصل الى فهم ما ينطوي عليه التأليف الموسيقي من الدلالاتن واستيعاب ما يزخر به من الرموز والمواقفن لا بد من الانتهاء الى تمثل حقيقي وصائب للمؤلف الذي وضع وصلاته الإبداعية الجميلةن والمتسربلة في تلك الهالة الفنية الحافلة بالأناقة وبالرونق وبالبهاء الآسر.

وبالرغم من السمو الباذخ الذي تطفح به كل هذه التأملات والاشكال من النظرن فقد كان المناخ السائد على طول البلاد وعرضها مطبوعا بالاقتتال المتواصلن حيث سادت الفتنة وعم العنف. وهكذان عرف فصل الربيع من عام 500 ق. من إقدام إمارة لون التي يرأس كونفوشيوس وزارتها الأولىن على توقيع معاهدة سلام مع إمارة كي المجاورةن والتي كان كونفوشيوس قد نزح اليها لاجئا في زمن سابق. ولقد بادر وزيرها الأولن وهو نفسه الشخص الذي كان قد أبعد عن بلاطها كونفوشيوسن عشرة أعوام من قبلن الى تقديم اقتراح بعقد " اجتماع سياسي أخوي "ن بمدينة جياغون على الحدود ما بين البلدينن يحضره عن كلتا الامارتينن الملكان الجالسان على عرشيهمان بصفتهما الشخصيةن من أجل التوقيع على المعاهدة بنفسيهمان ووضع أختامهما عليها. وفي الحينن حزر كونفوشيوس بأن الاقتراح ينطوي على مكيدة للإيقاع بالملك في كمين لا قبل له به. فهب الى الحيلولة دون سفره وحيدا لحضور الاجتماع السياسي الاخوي الموعود. متوسلا في ذلكن كدأبه دائمان بمهارات اجتهاداته الاصيلةن وسطوة خبراته الضاربة في الزمن ؛ حيث عرض مشورته السخية على الملك موضحا ومفسرا ؛ قال: " لقد بلغنين أيها الملكن عن الاسلاف الاولين قولهم بأنه يتوجب على الأمير الراغب في حضور الاجتماع السياسي الأخوي أن يصطحب معه ما يكفي من حراسه العسكريين المدججين بالسلاح ؛ وبأنه يتوجب عليهن على النقيض من ذلكن إيفاد المبعوثين المدنيينن والسفراء الديبلوماسيينن لحضور الاجتماعات العسكرية واللقاءات الحربية. وغني عن البيانن أن القائمين على شؤون الحكم في الازمان الغابرة لا يقدمون على السفر الى البلاد الأجنبية إلا مرافقين بفرقة من الخفر العسكرية المسلحة. وإني أشير عليكمن أيها الملكن أن تصطحبوا معكمن الى هذا الاجتماعن كبار قادتكم العسكريينن وتحرصوا على وضعهم الى يمينكم والى شمالكم ". فما كان من الملك إلا أن أخذ بمشورة كونفوشيوسن وسهر على تطبيقها بكل تفاصيلها. ولقد كان ذلك من طالع سعود الملك. فقد تبين أن الدعوة كانتن بالفعلن مكيدة مهلكة.

على أن حاكم إمارة كي ما انفك يحيك الدسائس والحيل الخبيثة لملك مقاطعة لو. فقد بعث اليه عام 496 ق. من هدية فاخرةن عبارة عن ثمانين من المومسات الباهرات الحسن والجمالن إضافة الى مائة وخمسة وعشرين من أجود أصناف الخيل. ولقد هب كونفوشيوسن مرة أخرىن وفي نيته نجدة الملكن يناشده أن يمتنع عن تسلم الهدية المعروضة. لكن الملك أعرض عن النصيحةن وصرف نظره عن مشورة كونفوشيوسن وتسلم كل ما جيء به كهدايا للقصر بكل الرضى والسرور. فأخذته سنة من النسيان سها فيها ثلاثة أيام متواصلة عن إقامة مراسيم قداسات تعتاد العائلة الملكية الحاكمة على إقامتها والالتزام بمقتضيات أعرافها وطقوسها المرعية. وقد اعتبر كونفوشيوس الوضعية غير مقبولة على الاطلاق. ففي نظرهن لا يمكن لأي مملكة أن يرتفع لها بنيان مهيبن وتتمتع بصرح شامخن إذا تعرضت فيها الطقوس والأعراف للإهمالن وتقاليدها الراسخة للتعدي وقلة التوقيرن والقوانين التي تنتظم فيها للخرق الفاضح ؛ لا سيما إذا حصل شيء من ذلك على يد الشخص الذي يفترض فيه الحرص على مراعات هذه الطقوس والأعراف والتقاليد والسهر على الالتزام بهذه القوانين. ذلك لأنه إذا ما كف الملك في سلوكه وتعامله عن الظهور أمام رعيته بكامل المواصفات الموضوعة التي تميز الملوكن تهدمت جدران المملكةن وانهارت أركانها القائمة.

لهذه الأسباب جميعان اتخذ كونفوشيوس قراره النهائي بتقديم استقالته ؛ فطلب الاعفاء من كل المسؤوليات التي يضطلع بها في بلاط الملك. ولقد قام هذا الأخير بشتى المساعي لاستبقائه وثنيه عن الرحيلن لكن بلا جدوى. ورحل كونفوشيوس عن إمارة لون وراح يجوب البلاد بحثا عن ملك تتوفر فيه شروط حسن الانصات للقولن وحسن العمل بالمشورة والرأي. لقد ترسخت في ذهن كونفوشيوس مقاصد المراد الذي نذر نفسه لهن والمتمثل في غرس فضائل الاستقامة والنزاهة والأمانة في نفوس الملوك والامراءن والتمسك بالمضامين وبالدلالات الموضوعة للأقوال والكلماتن والحرص الشديد على عدم المساس بالعقود المبرمة وبالقوانين الجاري بها العملن والتخلص نهائيا من كل ما يمكن أن يوحي بالتعسف وبالاستبدادن أو ما قد يدخل في باب الرعونة في الموقف والسلوك. ولقد قرر حاكم إمارة لون وهو في حالة يرثى لها من الحزن والاسف على ما بدر منه من عمل أخرقن أن يأخذ القسم من ولي عهد المملكة بالمناداة على كونفوشيوسن بعد وفاتهن للعمل معه في البلاط حين جلوسه على العرش.

في البدءن اتخذ كونفوشيوس سبيله جهة الشرقن قاصدا بلاد وي التي يحكمها صهر الأمير على إمارة لو. عند وصولهن سأله الدوقن حاكم الامارةن عن الاتعاب والمكافآت التي كان يحصل عليها أثناء خدمته في بلاط قريبه الحاكم على لو. لذلك خصصه براتب يعادل ما كان يتلقاهن وهو ما يقدر بحوالي ستة آلاف صاع فرنسي من الأرز [ الصاع الفرنسي يعادل حوالي عشرة كلغ ]. أعلن كونفوشيوس موافقتهن وشرع في مباشرة مهامه وأعماله الجديدة في بلاط دوق مملكة وي. غير أنه لم تكد تنصرم عشرة أشهر على تقلده المنصب الجديد ن وعلى إثر وشايات متواترة ن حتى تفاجأ بضابط مدجج بالسلاح يقدمن بأمر من الأميرن على اقتحام الغرفة التي يقيم فيهان وعبورها ذهابا وإيابا لمرات عديدة. ما كان المعلم كونغ ليحتاج الكثير من الوقت لكي يستوعب دلالة الرسالة. فما عتم أن حزم أمتعته من جديدن واستأنف مسار الترحال.

ولقد ظل على مرور الأيام واثقا من طالعه السعيدن مستيقنا من حظه الموفور. لذلك ولى وجههن هذه المرةن مرافقا ببعض تلاميذه وأتباعه المخلصينن صوب مقاطعة شينن الواقعةن مرة أخرىن جهة الشرق. اجتاز مدينة جوانغ. لما رآه سكانها حسبوه ملكا مطرودا من رعيته في طريقه الى المنافي ؛ فحاصروه وألقوا عليه القبض. غير أنه سيتمكن من الفرار ومغادرة المدينة. بعد خمسة أيام طوال من السؤال والبحث المضنين ينجح تلميذه المكلف بسياقة العربة المغطاة التي يتنقلون بها في ترحالهم من العثور عليه. فخاطبه كونفوشيوس قائلا: " حسبتهم قد قتلوك ". فرد عليه التلميذ: " كيف لي أن أجرؤ على الموتن وأنا أعلم أنك لا تزال على قيد الحياة؟ "

وغني عن البيانن أن الحوارات المنقولة عن كونفوشيوس وتلاميذه وأتباعهن والاحاديث التي جرى فيها تبادل الانطباعات والآراء ما بين الطرفينن إبان هذه الفترة من حياتهم التي اتسمت بالتجوال والترحل والتيهانن ساهمت مساهمة كبرى في صياغة وبلورة شخصية كونفوشيوس في أبعادها المتعددة. ذلك لأن كونفوشيوسن صاحب هذا الصوت الجهوري الفائح بعطر الابتهاج ونسمة الفرحن المنسدل على مجموع المتون المنسوبة اليهن يتموضع الى النقيض تماما مع صورة كونفوشيوس الرجعي والمعادي لكل نزعة الى التجديد ؛ كونفوشيوس المهذارن الواسع الثرثرة والكلام المليء بالتفاهاتن والتي حرص أعداؤه وخصومه على نشرها والدعاية لها في مختلف أنحاء الصينن عبر شتى اللقاءات والمجالس والمناظرات. من الصحيح تماما أن كونفوشيوس كثيرا ما ينزع الى الفكاهة والمزاحن لاسيما في اللحظات التي يشعر فيهان في قرارة نفسهن بفقدان الاعتبارن وانعدام الهيبةن وقلة المراعاة ؛ مما ينزع به الى ممارسة الاستهزاء بالذاتن وسلخ القلب والوجدان بسياط التهكم والسخرية. فعلى سبيل المثالن حينما خاطبه رجل من سكان الأرياف قائلا: " آه. يا لقامة كونفوشيوس الفارعة. وإنه لسيد العارفينن لا تخفى عليه خافية. سوى أنه قليل الخبرةن ضئيل الحنكة ؛ إذ لا تعرف له مهارةن ولا يدري أحد أنه يتقن حرفة ". أجابه كونفوشيوس: " وإذنن في أي مجال تريدني أن أتخصصن وأية حرفة ترى أنها تناسبني؟ أهي الرماية بالقوس؟ أم سياقة عربات نقل المسافرين؟ " وفي ذات مرةن دخل بمعية تلاميذه وأتباعه مدينة لم يسبق لهم أن زاروها من قبلن أو عرفوا عنها شيئا. فكان أن تفرقوا في دروبهان وتوزعوا في أحيائها وحاراتها. ثم بلغ الى علم تلاميذ وأتباع كونفوشيوس بأن رجلا طويل القامة يقف عند البوابة الشرقية للمدينةن وأن جبينه العريض يجعله يبدو كأنه ملك من قدماء الملوك أو أمبراطور من الزمن الغابر. سوى أنه في مظهره شبيه بكلب تائه متخلى عنه. ولما عثر عليه تلاميذه وأتباعه وأبلغوه بالأوصاف التي علموا بها عنهن علق كونفوشيوس على ذلك بالقول: " إنني لا أعرف ما إذا كنت أشبه حقا الملوك الاقدمين أو الاباطرة الاولين. على أنه في ما يخص تشبيهي بالكلب التائه المتخلى عنهن فالقول صائب كل الصواب ؛ القول صائب كل الصواب ".

ولقد لبث كونفوشيوس ومصاحبوه من المريدين والاتباع والتلاميذن على امتداد خمسة أعوام متتاليةن يغدون ويروحون عبر بقاع متفرقة من بلاد الصينن تقترن في أحوالهمن مثلما الكلاب الضالةن ألوان من التسكع والتيهان والشرود. فمكثوا في ذهاب وإياب عبر مقاطعات وين وسونغن وزهينغ (الواقعة حاليا شمال مدينة هونان)ن علاوة على مقاطعة شين التي أقاموا بها لأكثر من العام في ضيافة مأمور من هيئة القضاء. ولقد تواصلت حيوية كونفوشيوس قوية وهمته محتدمة ومتجددة ؛ فلم تُخمد حماسته الانكساراتن ولا نالت من مأمله العثراتن ولا من عزيمته انسداد الأبواب. استمر يمني النفس بإسماع صوته عاليا في كل بقاع الدنيان وفي ما وراء كل بحار الأرض. لذلك نجده يقول: " لا يفتأ المعلم يؤكد ويعيد التأكيد بأن الطريق لم تتيسر الى الآنن وأن معالمها لم تتوضح على طول المدى بعد. وإني مقدم على الإبحار وخوض غمار الموج على ظهر عوامة لأتجه قاصدا أعالي البحار وأقاصي المحيطات. فمن تراه سيصحبني في رحلتين إن لم يكن زيلو؟ " وفور سماع تلميذه زيلون هب عليه يملأه السرور والفرح. فما كان من المعلم إلا أن تابع كلامهن وقال: " من الأكيد أن زيلو إنسان يفوقني كرما وطيبة وبسالة. وإذنن كيف لنا بالحصول على المال الذي سيكفي لتمويل رحلتنا؟ " ولما اعترف له زيلو بأنه عجزن ذات مرةن عن تقديم فكرة موجزة وواضحة لمذهبه لأحد السائلينن رد عليه كونفوشيوس: " لٍمَ لَمْ تقل له بكل بساطة: إنه رجل ينسى حاجته الى الطعام والشراب حينما يجتاحه الهيام بالأفكار المستفحلةن وتغمره الحمية الكاسحة في معمعان القضايا والأمور الملحة. رجل يتخلى عن الانشغال بهمومه ومتاعبه عندما يصادف أطياف الرضى وبسمات السعادة ن وتصافح يمناه يد التفاؤل وعناق طالع السعد الجميل. رجل يعجز عن أن يتبين أمام عينيه شبح الشيخوخة الوشيكن ومخالب أرذل العمر المقترب ".

بحلول سنة 491 ق. من كانت قد انصرمت خمسة أعوام على كونفوشيوس في عيشته الجديدة عبر الأرياف ؛ قاسى فيها ضنك البداوة وعذاب التنقل والترحال. وكان قد بلغ الستين من العمر، عندما تناهى الى علمه خبر وفاة دوق إمارة لون الذي سبق أن أخذ من ولي العهد على الامارة الوعد الممهور باليمين باستدعائه للعمل الى جنبه في بلاط القصر. كانتن بحقن الفرصة المؤملة التي ما انفك ينتظرها كونفوشيوس ذلك الانتظار الطويل المقرون بالحنين الغامر للعودة الى الموطن الحبيبن والاقدام بكل الحماس الشديد على مباشرة الاعمال العظيمة وتحقيق الاحلام البعيدة. لكن الحاكم الجديد على المملكة كان له رأي آخرن إذ فضل المناداة على تلميذ لكونفوشيوس اسمه ران كيو ليشغل المنصب المرتقب. وعلى كل حالن كونفوشيوس رجل على درجة عالية من الفطنة والحكمة والعقل لكي يصرف النظر عن حلم عزيز عليه لا يفتأ يصبو اليه شديد الصبوة في كل لحظة وحين. لذلكن فقد اشتد في صدره الايمان الراسخ بالمستقبل السياسي الكبير الذي يشعر بكل وجدانه بأنه منذور له منذ الأزل. ولقد كان يرى بأن الرجل صاحب المؤهلات العظيمةن والكفايات النادرةن لا بد وأن ينتهي به المطافن في يوم من الأيامن طال الزمان أو قصرن الى انتزاع الاعتراف له بالجدارة والاستحقاقن وكسب الإقرار لأفكاره وآرائه بالصواب وبالحكمة وبعد النظر.

في نفس الفترة الزمنيةن اندلعت الحروب الميديسية [ نسبة الى كلمة ميديس التي أطلقها اليونانيون على شريحة من الفرس ؛ وهي حروب امتدت على طول النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد ما بين ملوك الفرس وعدد من المدن اليونانيةن تخللتها أعمال في الحرب دراماتيكية وبطولية ستخلدها العديد من المتون اليونانية (هيرودوت) والفارسية (إيشيل). يذكر ان هذه الحروب انتهت بانتصار اليونانن وستشكل السبب البعيد لقيام الاسكندر المقدوني بحملته التاريخية الكبرى على بلاد الشرق. (عن الموسوعة الفرنسية) – المترجم ]ن ما بين الفرس والإغريق. ولقد تحتم فيها على الامبراطور الفارسي قشيرقشن الذي تولى العرش خلفا لأبيه الامبراطور داريوس الأولن العمل على إخماد نيران الانتفاضات والفتن المندلعة في كل من بابل ومصر. وعقابا منه للبابليينن أصدر أوامره في عام 482 ق. من بتدمير معبد الإله الأكبر" مردوخ ". ولقد دك تمثاله المنتصب في قلب حاضرة بابل ن وحوله الى غبار.

هكذا قرر كونفوشيوس العودة الى بلاد كاي المنهمكة في الحرب مع إمارة وو. ثم إنه واصل ترحاله لسنوات كثيرة أخرىن قاطعا الصحاري الواسعةن تصطحبه مجموعة قليلة ممن تبقى حوله من المريدين والتلاميذ والاتباع. ولقد ابتدأ ينفد ما بين أيديهم من الطعام والمؤونة. وزحف الانهاك على مرافقيه ونالت منهم الامراض والعلل. وتبين لكونفوشيوس بأن الرفاق ممن لا تزال لديهم الرغبة في مواصلة المسير معه قد أدركتهم نوازع التذمر واستحكمت فيهم خيبة الآمال. فعمد على الفور وأخرج " كتاب الأناشيد "ن وانتقى باقة من روائع الشعر القديمن ثم شرع يلقي على مسامعهم: " وليسوا بالجواميس ولا بالنمور / ومع ذلك / تراهم يجوبون الفيافي القاحلة / ويهيمون مترحلين عبر شعاب الصحراء ". وها هو يخاطب تلميذه المفضل زيلون يسأله: " هل تعتقد بأن في مذهبي عيب ما؟ أولا ترى بأنه خطأ كله؟ كيف يعقل أن أجد نفسي في مثل هذه الوضعية المزرية؟ " فأجابه تلميذه زيلو بأن هذا الامر برمته حصل بسبب الغلطة التي ارتكبوها جميعهم. ذلك لأنهم افتقروا الى ما يكفي من الاعتدال والرزانةن والى ما تستوجبه الأحوال من العفة والوداعة والعقلن مما كان سيغري الأمراء بالرغبة في خدماتهمن والملوك بالقبول بإلحاقهم للعمل في بلاطاتهم. وأضاف تلميذه الاخر زيلونغ بأن مذهبه شائك الاوصالن عسير على الاستيعابن بعيد عن متناول الافهامن لحد يستحيل فيه على عامة الشعب التفاعل معه بالإيجاب والقبول. وأضاف تلميذ آخر من تلاميذه يدعى يان هوي: " إن مذهبكن أيها المعلمن على مستوى راق من السمو في الفكرن ودرجة عالية من التهذيب الرفيع ن مما يجعل من المتعذر على أفراد الشعب العاديين التفكير في مجاراتهن والنزوع الى الايمان بهن والاقتداء بأصحابه والداعين اليه. ومع ذلكن فإني أرى من الضرورين أيها المعلمن أن تبذل كل ما لديك من الجهد والطاقة لكي تنشر أفكارك بين الناسن وتوصل مذهبك الى أبعد مكان على هذه الأرض. فماذا يهم أن لا تكون أفكارك مفهومة؟ وما الذي يمنع أن يكون مذهبك يلفه التعقيد والغموض؟ إن الصدود الذي تتعرض له أفكارك وتعاليمكن والرفض الذي يواجه به مذهبكن ليدلن بما لا يدع أي مجال للشكن بأنكن أيها المعلمن حكيم حقيقي وأصيل ".

بحلول عام 484 ق. من انتهى اليقين بكونفوشيوس الى الإقلاع عن التعلل بالآمال الكاذبةن والإفراط في الأحلام الخادعة ؛ فقرر العدولن بنحو لا رجعة فيهن عن الاهتمام بالحياة السياسيةن والتخلي نهائيا عن عادة الالتفات الى أي شيء يمكن أن يتصل بسيرة البلاطات والقصور، ودواليب السلطة والحكم. هكذان بانصرام زمن الانتظار الطويل للأمجاد الواهيةن يعود كونفوشيوس الى موطنه الأولن ومسقط رأسهن مع أن الأمير القائم على شؤون الحكم فيه لا يفتأ يجهر بعدم حاجته اليه في بلاطهن وضعف اقباله على ما ينادي به من التوجيهات والوصايا. يعلم كونفوشيوسن الآنن بأن الرجل صاحب المواهب الفذةن والقدرات النادرة التي يتلكأ الناس في الإقرار بها ن فيفرون من الترحيب بهن ملزم بالهدوء وبالكتمانن وبالركون الى الاحتراس والرصانة. يعلمن كذلكن أن المنفذ الوحيد المتبقي أمامه أن يشتغل كرجل تعليم وتربية وإرشاد. وسيكون عليهن فضلا عن مهامه في التربية والإرشاد والتدريسن أن يفسح المجال واسعا أمام تأملاته الملحة حول عقوق الملوك والامراء أهل الحكمة والعلمن ونظراته المتدافعة بشأن نكران السادة وكبار القوم لجميل أصحاب الفكر وأفضال حاملي المواهب والعقل.

وكان " كتاب التحولات " في مقدمة المتون المدرجة في برنامجه التعليمي ؛ علاوة على مواد الشعر والتاريخ والموسيقىن وأخرى من " كتاب الطقوس والمراسيم ". وكان عدد التلاميذ من حوله في ازدياد مطردن لحد ما قارب الثلاثة آلاف نفر. وقد دأب كل عام على تنظيم المباريات بغرض انتقاء نخبة تتشكل في كل مرة من اثنين وسبعين مرشحا من بين المتمدرسين المتمكنين والمتفوقين في الفنون الرئيسية التالية: 1 - الطقوس والمراسيم. 2 – الموسيقى. 3 – الرماية بالقوس. 4 – سياقة العربات. 5 – القراءة 6 – الرياضيات. ولقد كانت الفصول الدراسية التي أحدثها كونفوشيوس مفتوحة الأبواب أمام الناس جميعان ولم تكن أبدا محصورة في أبناء الملوك والامراء والاعيان والسادة. كما حرص كونفوشيوس شديد الحرص على تدوين الدروس كاملةن وإثباتها في محاورات سوف تظهر للوجود في كتاب زمنا طويلا بعد وفاته. وهي المحاورات التي تشكل المتن الحقيقي الوحيد المسند اليهن والذي لا تحوم أية شبهة حول نسبته اليه.

وجدير بالذكر أن الكلمة الأولى في الفصل الأول من كتاب " المحاورات " هي كلمة " دراسة ". وتستحوذ على الصفحات الأولى فقرات تكيل التبجيل والمديح لسلسلة من التمارين الأخلاقية الهادفة الى اكتساب الخبرات الإنسانيةن وذلك قبل الانتقالن في صفحات مواليةن الى تلقين المهارات النظرية وأصول الفنون ومبادئ العلوم والمعارف. ذلك لأن الأفعال والممارسات الأخلاقية تأتي في المقام الأولن والحمولات المعرفية والنظرية تأتي بعدها في المقام الثاني. ولقد ظل كونفوشيوس لا يكف عن التأكيدن المرة تلو المرةن قائلا: " إن من أوجب الواجبات على الفتى أن يكون ابنا بارا في البيت بين أفراد أسرتهن مهذبا ولطيفا جم التوقير والاحترام في المجتمع وبين أوساط الناسن أمينا وموثوقا بهن محترسا وعلى درجة كبيرة من الفطنةن محبا لقومه وعشيرته ولكل أفراد الشعب الذي ينتمي اليهن شغوفا بالتعرف الى الافاضل من الناس من ذوي الاخلاق العالية والسمعة الطيبةن ساعيا الى التقرب منهم لكسب صداقتهم والإفادة من صحبتهم. فإذا تبقت للفتىن من بعد كل ذلكن بقية من الوقت والطاقة والجهدن فليكرسها لقراءة الكتب ومطالعة المصنفات المختلفة والمؤلفات الكثيرة ". ويستطرد كونفوشيوسن فيقول: " إن الرجل ذي الخصال العظيمةن والمنزلة الرفيعةن يأكل باعتدال ولا يسرف أبدا في الطعام والشراب ؛ وإنه لا يشترط في مسكنه توافرا لوسائل الراحة الكثيرة ورغد العيش الباذخ ؛ وهو مثابر ونشيط في الاعمال والمصالح والشؤون المختلفة ؛ عارف بأهمية اللباقة والتأني في الكلام والجوابن وإبداء التعقيب والملاحظة ؛ تراه أثناء التردد على أهل الحكمة والمعرفةن يشغل نفسه بالتشبع بقيم الاستقامة والانصاف والنزاهة. إن هذا الرجل ن بكل هذه الميزات والمواصفات ن يمكن بكل الصدق أن نقول عنه بأنه يحب " الدراسة " (الفصل الأول – 14) ". ومما ينسبن أيضان الى كونفوشيوس ما صرح به لتلميذه زيزهانغن الذي روى الحديث في هذه " المحاورات " قائلا: " أعلن كونفوشيوس بأنه رفض المشاركة في الحكم ؛ وأنه لهذا السببن توافر لديه الوقت الكافي للتفرغ لدراسة الأدب والفنون ". ومما رواه هذا التلميذن كذلكن عن كونفوشيوسن قوله: " ثلاثة فضائل لا غنى عنها لكل الرجال: 1 – الفطنة والاحتراس والحذر. 2 – الرحمة والشفقة والحنو. 3 – القوة والصلابة والمنعة. ولكي يؤتي اكتساب هذه الفضائل ثماره المرجوةن لا بد لها أن تتميز بخاصية تشترك فيها جميعا: أن تكون حقيقيةن وأن يتوفر فيها الصدق. وغني عن البيان أن في الرجال فئة تملك بالفطرةن منذ المولدن العلم بالقوانين الأخلاقية الخمسة الكبرى. وهناك فئة ثانية منهم تأتيهم عن طريق التربية والتعليم. وأخيران ثمة الفئة الثالثةن وتكتسبها مقابل جهود مضنية من البحث والاجتهاد والطلب. وكيفما كانت السبل المتوسل بهان فإنها تبقى دائما على حالها الأصلي بعيدا عن كل تبدل أو تغير. لذلكن تجد هؤلاء يلتزمون بالقوانين الخمسة العامة بلا جهد أو مشقة ؛ وتجد أولئك يراعونها بدون أية صعوبة ؛ بينما لا تتمكن الفئة الثالثة من الالتزام بها إلا من خلال التعب الشديد وبذل الجهد الكبير. والمحصلة في الختام واحدة ومتماثلة بالنسبة اليهم جميعا ".

وبالتالين يمكن القول بأن العنصر الجوهري في تعاليم كونفوشيوس يكمن في غزارة الشعور بالرحمة والحنون أو ما سماهن هو نفسهن " باكتمال المكارم الإنسانية " – وهي العبارة التي تكررت 109 مرة في هذه المحاورات ن وذلك على غرار عبارة " الرجل الفاضل " التي لا تقل عنها أهميةن حيث وردتن كذلكن 107 مرة -. ذلك لأن اكتمال المكارم الإنسانيةن والتشبع العميق بمشاعر الحنان الفائض والرحمة الدافقةن هو السبيل الامثل لبلوغ درجة " الرجل الفاضل ". ففي رأيه أن هذا الرجل الفاضلن الذي قدرته يد الفضيلة فأحسنت تقديرهن وصاغته أنامل الجدارة فأبدعت صياغتهن وتشكل بالخبرة وبالتمرس فتأكدت كفاياتهن ليتموقعن بكل أريحيةن في قمة هرم النخبةن سليلة جماعة النبلاء والسادةن المتحدرة من مراتب الطبقات الاقطاعية والارستقراطية.

ولما بادر تلميذه زيغونغ يسأله أن يبين له كيف السبيل للتعرف على الرجل الفاضلن أجابه كونفوشيوس: " الرجل الفاضل لا يدلي بالموعظة في الناس إلا بعد أن يخضعها للتطبيق والتجريب حتى تتأكد حمولتها النفعية والعملية ؛ وإلا أحجم عن التحدث عنها والنصيحة بها. الرجل الفاضل يعطي الأسبقية للمصلحة العامة على المصلحة الخاصةن لقناعته بأن ما ينفع الناس جميعا واضح التقدم على ما قد يفيد الفرد الواحد فحسب. وذلك على النقيض من الشخص العادي من العامةن والذي لا تشغله سوى منفعته الشخصية دون أي اعتبار لما قد يعود بالنفع على الآخرين ". وبالتالين فالرجل الفاضلن في نظر كونفوشيوسن قوي الايمان بما تكتسيه قيمة الإيثار من أهمية كبرى في الحياة. ومما يذكر عنه أيضان قوله: " عندما تستحوذ في المرء جوانبه الفطرية على جوانبه الثقافيةن يتحول الى كائن همجي ومتوحش. وإذا هيمنت الجوانب الثقافية على عناصر الفطرة فيهن تحول الى كائن واسع الحذلقةن كثير التظاهر بالمعرفة والتشبه بالعلماء. لذلكن فإن إقامة التوازن المضبوط ما بين الفطري والثقافي في الانسان هو السبيل الأمثل الذي يضمن له اكتساب صفة الرجل المهذب ". ويضيف: " أوليس مما يبعث السرور في النفسن اعتكاف المرء على الدراسة والتعلم وطلب المعارفن ثم انتقاله بعد ذلكن في الوقت المناسبن الى إجراء التجارب على كل تلك الدروس المكتسبةن ومباشرة الاختبارات التطبيقية على كل تلك العلوم المحصلة؟ أوليس من السعادة الغامرة أن يكون للمرء أصدقاء يشدون الرحال لزيارته بين الفينة والأخرىن يقصدونه للالتقاء به مهما بعدت المسافات وكثرت مشقات الطريق؟ أولا يوصف بالرجل المهذب ذلك الانسان الذي حرمه الناس من الاعتبار المستحقن وضنوا عليه بالتقدير الذي هو أهل له ن ومع ذلك ن تجده على سبيل التعففن يتفادى أن يستسلم لمشاعر الاستياء منهمن والوقوع في الهم والغم بسببهم؟ ثم إن كونفوشيوس يضيفن أيضان هذه العبارات الحافلة بالأفكار البديعةن فيقول: " ألا ترى الى أن رامي السهام يتقاطع مع الرجل الفاضل في الصفة المشتركة التالية: فحينما يخطئ السهم الهدف ن فلا يصيب قلب المرمى ن ينقلب الرامي للتوٌ على نفسه يبحث في ثناياها عن السبب في الخطأ والعلة الكامنة وراء الإخفاق في إصابة الهدف. ذلك لأن الغلطة الحقيقية هي تلك التي تستعصي على الإصلاح ن ويتعذر في جبرها التقويم ". ويقول كونفوشيوس أيضا: " إذا صادفت رجلا متمتعا بالميزات الراقية والنادرةن فحاول ما استطعت أن تتشبه بهن وترتوي نفسك من معين مياهه العذبة. أما إذا صادفت رجلا قليل الفطنة والذكاءن ضعيف المروءة والعقلن فحاول ما استطعت أن تفتش في نفسك عن عيوبه فتستأصلهان وتستبين في ذاتك مساوئه ونقائصه فتبادر الى معالجتها ". ويقول أيضا: " الرجل الفاضل يضع العدالة فوق كل اعتبار. فالرجل الفاضل المتصف بالشجاعة لكنه يجهل العدالةن يصبح متمردا تلهو به نوازع العصيان. والرجل الضعيف المروءة والعقل المتصف بالشجاعة لكنه يجهل العدالةن يصبح قاطع طريق قد ذهبت به رياح الشر كل مذهب ". إن الفضيلة العظمى التي تشكل جوهر الرجل الفاضل تكمن في الشعور بالاحترام للذات وللآخرين. يقول: " يتوقف مذهب المعلمن بكل بساطةن على المبدأ المتمثل في نقطة واحدة تتلخص في الوفاء للذات وللآخر ". ولا غرو فالوفاءن بحقن ليشكل الخصلة المركزية للرجل الفاضلن وهي التي تمهد السبيل لتحقق اكتمال المكارم الإنسانية الزاخرة بالرحمة الدافقة والعفو الكبير.

ولقد كان كونفوشيوس حريصا على تلقين تلاميذه وأتباعه ومريديه الدرس البليغ الملخص في أنه لكي تمارس السلطةن وتدير دفة الحكمن يجدر بكن أولا وقبل كل شيءن أن تتعلم كيف تحترم نفسكن وتحيط شخصك بالتوقيرن وتصون ماء وجهك في كل ظرف وحال. يقول: " إن المتهاون في شؤونه الخاصةن المتقاعس في توفير العناية بذاتهن والاهتمام بكل ما له صلة بشخصهن ليس باستطاعته إيجاد الحلول الصحيحةن والوصول الى التسويات المطلوبة للمسائل المتعلقة بهن لاسيما منها ما يتصل بقضايا أسرته والمحيط الاجتماعي لمقر إقامته. ذلك لأنه لم يسبق أبدا لرجل ضنين التعهد بنفسهن شحيح الرعاية بأفراد أسرتهن وهؤلاء هم المفترض إحاطتهمن أكثر من غيرهم جميعان بالحدب والسهر الدائم والحبن أن سلست في يده مقاليد الحكمن فتدبر بما يقتضي الحال من علو الهمةن وسعة الحميةن شؤون مملكته أو إمارتهن وهي المفترض أن يتعهدها بشغف أقلن وبعاطفة قلبية مرشحة للزوال في كل حين ". أما بخصوص ما له علاقة بالاحترام الواجب للآخرينن فقد كان جواب كونفوشيوس عن سؤال تلميذه زي يو بشأن مكمن البر بالوالدينن ومرتكز الاحسان اليهمان قال: في الوقت الراهنن كل امرئ منا سعى لضمان المعاش لوالديهن فسيعرف بين الناس كابن بار. على أنه لا يخفى أننان كذلكن نوفر الطعام والشراب للبهائم وللكلاب. لذلكن إذا لم يتوافر للأب وللأمن بالإضافة لما يكفيهما من المعاشن قدر موفور من التوقير والاحترام والحب ن فهل سيتضح الفرق؟ وهل سيتكشف الاختلاف؟ "

هكذان كان كونفوشيوس في تفكيره طليق العنان ن صريح اللسان ن في العبارة جرأةن وفي الكلمة عطر من نسمات الحرية ؛ لا ينفك يستعين ببديع الاستعارات الممهورة بألوان من الشغفن ولا يتردد أبدا في النهل من طبق الفكاهة والجذل.

وللإنصافن لم يكن أحد يفوقه في شدة الايمان بقيمة الرحمة والحنوٌ ودفء المشاعر الإنسانية. ويجب الإقرارن أيضان بأن ما كان يدعو اليه كونفوشيوس لا يختلف في شيء عما سوف ينادي به من بعدهن في فترات زمنية لاحقةن كل من أرسطون وبويسن وابن رشدن وابن ميمونن وأقطاب النهضة الاوربيةن وكبار أعلام الفكر والفلسفة والتنظير في عصر الانوار: لا شيء يهم أكثر من الدلالة المقدرة للكلمات ؛ ولا شيء يهم أكثر من الوعد الصادق وكلمة الشرف ؛ لا شيء يعلو على الاجلال والتوقير الواجب للعلوم والمعارفن وللحاملين لمشاعلها في كل بقاع الأرض من مفكرين وفلاسفة وعلماء ؛ لا شيء أعظم أهمية من الاحترام الواجب للكرامة الإنسانية ؛ ولا شيء أشد ضرورة في هذه الحياة للإنسان من الفنن ومن الابتسام والضحك. ولقد عانى كونفوشيوس معاناة أليمة في علاقاته المخيبة للظنون مع الناس من حوله ؛ ومع ذلكن فقد سعى جهد استطاعته لتفهم ما تنطوي عليه مواقف البشر الغريبة الاطوارن وسلوكاتهم البعيدة في الكثير من الأحيان عن أن تكون عاقلة. قال: " ليس من سوء الحظن ولا من التعاسةن أن يقابلك الناس بالنكرانن وبالتجاهلن وبقلة التقدير ؛ ولكن المصيبة الكبرىن والشؤم الحقيقين أن تعاملهم بالمثلن فتكيل لهم النكران الكاسحن والتجاهل المكينن فتُسقط من عينيك تجاههم كل اعتبار وتقدير ". ومما قاله أيضا: " الكل أكبر من مجموع الأجزاء (...) لا تقلق إذا لم تلتفت اليك الأنظارن فعجزت عن إثارة الانتباه اليك والى وجودك. ذلك لأنه من الاجدر بك أن تنشغل كثير الانشغال في سبيل إنجاز أعمال عظيمة تثير الانتباه اليك وتجلب الأنظار الى وجودك (...) كل شيء له دوما عواقبهن فلا شيء معدوم التبعات. وبالتالي ن لا شيء أبدا خلو من أسباب محددة ومبررات معلومة (...) التعلم الذي لا يقترن بالتفكير عبث لا تجدي فيه الجهود. والتفكير الذي لا يقترن بالتعلم مهلكة".

كتب كونفوشيوس يتحدث عن نفسهن قال: " في الخامسة عشرة من عمرين انصرفت الى الدراسة وتحصيل المعرفة ؛ لما بلغت الثلاثينن تمٌ لي الالمام بأصول العلوم ومبادئ المعارف المختلفة ؛ في الأربعينن انتهيت من الانسلاخن بصورة نهائيةن عن كل أشكال الشك والظنن والتخلص من نوازع الحيرة والتردد ؛ أما حين بلغت الخمسينن فقد تكشفت أمام بصيرتي أحوال السماءن وانبجست لمداركي ما تنطوي عليه من الخبايا والاسرار ؛ وفي الستينن وضعت يدي على كتاب المعاني المستغلقة الوافدة على سمعين ومفاتيح الإشارات المستعصية المتناهية الى فهمي ومعرفتي ؛ ولما أتممت السبعينن شرعت أستسلم لرغبات القلب أنٌى حلٌتن أجاريها تارةن وأنقاد لها تارة أخرىن لكن بمقدارن ودون أن أسمح لنفسي بتجاوز الحدود المسطرة ". وقال أيضا: " إذا بلغت سن الأربعين من عمركن ورأيت أنك لا تزال أرضا مفروشة للحقدن ومحلٌاً متيسرا للتعصب والرغبة في الانتقامن فاعلم بأنك ستبقى على هذه الحال المضطربة بالضغائن والمقت طوال حياتك ". ثم إنه أضاف قائلا: " إنني لا أدمدم استياء من السماءن ولا أتذمر محتجا ومعترضا عليها ؛ كما أني لست بالذي يتهجم على الناسن محمٌلا إياهم مسؤولية إخفاقاتي ومصائبي. إنني مولع بدراسة الأشياء الشديدة البساطة حتى أتمكن من اختراق الأشياء الشديدة التعقيدن والفائقة الأهمية والسموٌ. وما أنا بالغريب في عيون السماء ؛ إنني مألوف لديهان وتعرفني ". لا شكوى ولا ظلامة. لا تكبر ولا غطرسة ؛ لا خيلاء ولا غرور: " فالرجل الفاضل يجتاحه الحزن المكين لإحساسه بأفول مواهبه ونضوب قريحتهن لكنه لا يغتم ولا يحزن أبدا للغربة الجاثمة عليه بين الناسن ولشح نصيبه من الاهتمام والعرفان بالجميل ".

ولا غرو أننا نصادفه أحيانا ما يجري أحكامه وتأملاته في كلام الآخرينن فيعمد الى تسريب مقاصده ونواياه في ما يصدر عنهم من الاقوال والردود. ففي ذات مساءن قصد تلميذه زيلو مدينة يريد الدخول اليهان فاستوقفه الحارس القائم على بوابتهان وسأله عن هويتهن فأجاب: " أنا تلميذ كونفوشيوس. " فرد عليه الحارس قائلا: " آه. أوليس هو ذلك الرجل الذين مهما بلغت صعوبة الأشياء واستحال منالهان تراه لا يرجع ولا ينكص عن السعي اليها ومحاولة تحقيق مراده منها أبدا ".

وإذا كان كونفوشيوس يمتنع عن الحديث في موضوع الموتن قاصدا الى إقامة منظومة أخلاقية ثابتة البنيانن منتظمة في إطار معلوم من العادات والطقوس والأعراف ؛ مشددا على الأهمية القصوى للبحث والدراسة والمطالعة من جهةن وللصدق والإخلاص وسلامة الطوية من جهة ثانيةن فإنه ما فتئ يستنكف عن تنصيب نفسه كقطب من أقطاب الفكرن أو كمدرسة ملهمة للتلاميذ وللمريدين وللأتباع ؛ حيث ظلن على الدوامن وعلى العكس من ذلك تمامان يحرص الحرص الشديد على أن يغرس في نفوس تلاميذه أصول التفكير النقدين ومحبة الاستقلال بالرأي ن والاعتماد على التأمل الذاتي الأصيل. قال: " لا أفعل سوى أنني أميط الجانب الواحد من اللثامن فإذا عجز طالب العلم عن إماطة الجوانب الثلاثة المتبقية منهن فالغلطة غلطته ".

ولقد كان الهدف الجوهري الأخير الذي حدده لنفسه يتلخص في بلوغ مدارج المسرات البديعةن ومنازل الفرحة المترعة بالمتعة واللذة ؛ وهو ما يفسر ورود هذه الكلمات في مناسبات متعددة من أقواله. قال: " إن الرجل ذو المعرفة الواسعة بالشيءن والمطلع على ما فيه من الاسرارن لا يملك أي فضل على ذلك الرجل الذي يتعلق بهذا الشيء عشقا وغراما. وإن الرجل المتعلق بالشيء لاشتداد عشقه له وغرامه بهن لا يملك أي فضل على الرجل الذي يسمو بهذا الشيء الى مراتب الافراح والمسرات الحافلة بالسعادة والزاخرة بالملذات ".

حينئذن كان كونفوشيوس قد بلغ السبعين من العمر. وقد اجتمعت لديه مجموعة من الكتابات المنتخبة ضمها مؤلفه ذي العنوان: " كتاب المستندات والصكوك ". كما قام بالعديد من الأبحاث والتحقيقات في مجال علوم الموسيقى وفنون الطرب والعزف والغناء. وانبرىن كذلكن لتحرير مؤلف هام وضع له كعنوان: " حوليات فصول الربيع والخريف "ن الذي يذكر أنه انتهى منه عام 481 ق. من الموافقة للسنة الرابعة عشرة من حكم الدوق آي. وهي السنة نفسها التي توفي فيها واحد من أعز تلاميذه الى قلبه يدعى يان هوي. وهي الوفاة التي سيضطرب لها فؤاده اضطرابا شديدا. فقد أبصر فيها علامة دنو أجلهن واقتراب يد المنية منه. قال: " إنني أرى يد السماء ممتدة اليٌن تريد أن تنزع عني رسالتين وتسطر لي خاتمة مهمتي ".

بعيدا عن المنطقةن هنالك في الطرف الآخر من العالمن كان الامبراطور الفارسي أحشورش الأول [ المتوفى عام 465 ق. م ]ن يقود حملة عسكرية كبرى لغزو بلاد اليونانن حيث سيقوم بإحراق أثينا عام 480 ق. من وستلتهم ألسنة الحريق الحصن الأول الشاهق للمدينة ؛ وهو الحصن الذي أرسى بنيانه الامبراطور اليوناني بيسي ستراتوس [ المتوفى عام 527 ق. م ]ن ليكون قلعة منيعة ضد هجمات الأعداءن حيث صمد زمنا طويلا أمام الاجتياحات المختلفة للغزاة والفاتحين.

في بداية شهر ماي سنة 479 ق.من سيخطف الموت واحدا من أفضل التلاميذ المخلصين لكونفوشيوس يدعى زي لو. حينهان ستجرفه نذر الختمن وستنسدل عليه أردية النهاية. بفقدان مريده الاثيرن وتلميذه المقربن تأكدت أمام كونفوشيوس استحالة أية إمكانية لاستئناف الطريق ن ومواصلة المسير. فأنشد وفؤاده ينفطر من الحزن والألم: " آه منك يا جبل طايشان المنهد. آه منك أيتها الرافدة الكبيرة المنهارة. آه منك أيها الفيلسوف الراحل منصرفا الى حال سبيله ".

سبعة أيام بعد وفاة تلميذه زي لون يوم الحادي عشر من شهر ماي من عام 479 ق. من وعن سن الثانية والسبعينن يغادر كونفوشيوس هذه الحياة. كانت وفاته تصادف السنة السادسة عشرة من حكم الملك آي. كما صادفت سنة وفاة كونفوشيوسن أيضان قيام الفيلسوف اليوناني بارمنيدس الإيلي بإرساء نظريته حول " الكائن الممتنع ". وفي الهندن السنة نفسها أيضان يدرك الموت بوذا ؛ وكان قد أفاد كثيرا من الرعاية التي أحاطه بها ملوك ماجادها وأمراؤها وسادتها ؛ والذين لم يبخلوا عليه بالتشجيع والتعطف والحمايةن حيث سيحظى مذهبه بالانتشار الواسع والقبول الحسن في مختلف أطراف وادي الغانج.

تلك حكاية كونفوشيوسن وتلك قصة حياته. وعلى كل حالن فقد رويناها مثلما دأب على روايتها الرواةن ومضى في رسم تفاصيل أخبارها الحكاة. وإلى ذلكن فالمرء مدعو لتوخي جوانب الحذر والارتياب. ذلك لأن التواريخ المقررة على طول الحكاية على درجة عالية من الترميز لحد ما يجعل من الصعوبة عدم التسليم بأن قصة حياة الرجلن في أجزاء متعددة منها على الأقلن ليست سوى ضربا من الخرافات والاوهام والتصورات الخيالية. فإذا كانت الفرضية تدفع بمولده سنة 551 قبل الميلادن أوليس الداعي اليها الحاجة الى ظهور رجل عظيم بعد انصرام خمسمائة سنة كاملة على وفاة الملك زهون حكيم الحكماء في زمانهن وفريد عصره بين الملوك؟ وإذا كان كونفوشيوس قد بلغ الخمسين من العمر حين حصلت الدعوة الى " الاجتماع السياسي الاخوي " بمدينة جياغون حيث تمكن من الإفلات من المكيدةن وإفشال المؤامرة ؛ أوليس ذلك لأن سن الخمسين عند الصينيين هي سن بلوغ المرء أشدهن واكتمال نضج مكارمه الأخلاقية؟ وإذا كان قد فارق الحياة في سن الثانية والسبعينن أوليس السر في ذلك كون الرقم اثنان وسبعونن في التقاليد الصينية للإحصاء والترقيم والعدن مدرج ضمن الأرقام المتطابقة التي دأب الصينيون على رسمها على المربعات السحرية التي تسمح لهم بإقامة طقوس التنجيمن وتيسر لهم إنجاز متطلبات العرافة واشتراطاتها الضرورية؟ وبالتالين نستطيع أن نؤكد ما ذهب اليه إطمبيلن الباحث في الشؤون الصينيةن بالقول: " إذا كان المعلم كونغ قد ازداد عام 551 قبل الميلاد ن فذلك راجع الى كون الاجتماع السياسي المعلوم صادف عام 500 ق. م. إلا إذا كان حصول ذلك الاجتماع سنة 500 ق. م راجع لكون كونفوشيوس كان قد ازداد عام 551 ق. م. وهلمٌ جرٌا في ما تبقى من الاحداث والوقائع المروية في الحكاية ".

إلا إذا نزعت بنا التقديرات الى اعتبار هذا التقويم من وضع الأقطاب اليسوعيين الاوربيينن من كبار المفسرين للكتاب المقدس وشراحهن الذين قصدوا من وراء ذلك تحقيق مرتبة مثالية من التطابق ما بين مسارات الروزنامة الصينية وسلسلة المنعطفات البارزة في التاريخ الأوربي.

وبالفعلن تذهب جمهرة من المؤرخين المرموقين من ذوي الكتابات الرصينةن الى استحالة العثور على أي مسوغ يدفع بثبوت حدث من الاحداث الواردة في مختلف المصنفات المتعلقة بسيرة حياة الرجل. وهذا أحدهمن ويدعى إتيين بالازن يكتب: " إن الوقائع البارزة في سيرة حياة كونفوشيوس تتلخص في إقامته في ممالك وين وسونغن وكي ؛ وجميعها يستحيل الجزم بمعرفة تواريخها الدقيقة ؛ وحتى تسلسلها الزمني المأخوذ به مشكوك فيهن ويطاله الكثير من الاشتباه والغموض. وإن اللحظات الحرجة الأربع التي كاد أن يفقد فيها حياته لتشكل متوالية واضحة الصلة بمتوالية الجهات الاصلية الأربع [ الشرق والغرب والشمال والجنوب ]. ولقد كان على " الملك غير المتوج "ن مثلما يلقبونهن أن يوجب على نفسه الالتزام بالقيام بالجولات التفقديةن تماما كما يفعل الملوك ذوو التيجان الحقيقيون. والحقيقة أن التسلسل الوارد لتلك اللحظات الحرجةن والتي أتى على سردها كل من الحكيمين الصينيين الكبيرين تشوانغ - تسون ولي – تسون يرد في تضاد تام مع ضوابط السماء وقواعدها المقدسة القائمة عند الصينيين. ولعل في ذلك ما يقوم تفسيرا للخيبات التي لاحقتهن ولسوء الطالع الذي لازمه في مختلف مراحل حياته. وغني عن البيان أننان في هذا السبيلن لسنا سوى إزاء فضلات معدودة من الأسطورة الاصلية لكونفوشيوسن والتي تعرضت للاندثار والضياع بعد اعتلاء العائلة الملكية هان دفة الحكم في الصين ".

أشد من ذلكن نستطيع أن ندفع بالقول بأن كل شيء في قصة حياته لا يعدو أن يكون مجموعة من الخرافات المختلقةن وباقة من الاستعارات المزركشة بالألوان الزاهيةن وذلك بالاستناد الى ملاحظة منسوبة اليه يصرح فيها بأن مملكة كي تشتهر بالتطلع للاستيلاء على الحكمن بينما تعرف مملكة لو بين الناس بالسعي وراء بلوغ المراتب الكبرى في التطور الثقافي والفكرين وأننا ن في هذا الصدد ن نجد أنفسنا في أمس الحاجة لبلوغ مرتبة الطاو حيث " تنتصر الحقيقة ".

وبالرغم من كل هذه الآراء المتقلبةن وشيوع الشك وانعدام اليقينن يبقى التأثير الذي مارسه كونفوشيوس على مجموع بلاد الصين متأصلا في غابر الزمنن متواصلا عبر الحقبن لا يخفت ولا يتراجعن ولا ينضب ولا تطاله يد الوهن. على منواله انتظمت الحكومات الصينيةن وعلى مثاله استقامت شؤون الحكمن وتوطدت مقتضيات السياسة فيها طيلة ردح طويل من التاريخ يشارف الألفين من الأعوام. وهكذان ففي الثامن والعشرين من شهر شتنبر 1955ن أقيمت في طايوان الاحتفالات بذكرى 2506 لميلاد الحكيم كونفوشيوسن بحضور سليله السابع والسبعين المنحدر من شجرة فروع ذريته. وفي أعقاب الثورة الثقافية التي شهدتها الصين الشعبيةن أقيمت يوم الثاني والعشرين من شهر شتنبر من عام 1984ن بمدينة كوفو الواقعة في مقاطعة شاندونغن مراسيم الاحتفال بالذكرى 2535 لميلاد الكونغ طو ماون بحضور سليلته المنحدرة من الجيل التاسع والسبعين من شجرة الأخلاف.

ولا جرم أن ما يدعون بنحو أكيدن الى الريبة والاشتباه ليتجلى في قضية المصنفات وأعمال التأليف المنسوبة اليه. ذلك لأنه من الأمور المحققة أن كونفوشيوس ليس هو المؤلف الحقيقي الذي وضع هذه النتاجات الفكرية. وسواء " كتاب الأناشيد "ن المفترض أنه هو من قام بتجميعه وترتيبه ؛ أو " كتاب المستندات والصكوك " (أو ما يعرف بعنوان " كتاب التاريخ ")ن المفترض أنه هو واضعه ومؤلفه ؛ أو " كتاب التحولات "ن الذي تنسب اليه محتوياته التي تحمل عنوان " الأجنحة العشر " أو " الملحقات " ؛ كلها بعيدة كل البعد عن أن تكون مسطرة الحروف بقلمه ن مثلها في ذلك مثل الكتاب الذي يحمل عنوان " حوليات فصول الربيع والخريف ". إن الكتاب الوحيد الذي لا تحوم الشكوك من أن كونفوشيوس هو حقا واضعه ومؤلفهن يحمل عنوان " المحاورات التلقائية "ن والذي قام بتجميعه وترتيبهن بعد وفاتهن ما لا يقل عن جيلين متتابعين من تلاميذه وأتباعه ومريديه. والجدير بالذكر أن عملية تدوين وتحرير هذا الكتاب قد ابتدأت فترة الانتهاء من وضع المصنف ذي العنوان " كتاب فصول الربيع والخريف "ن ولتنتهي في مستهل الفترة التاريخية المعروفة بحقبة " الممالك المتقاتلة ".

مات كونفوشيوسن فاضطلع تلاميذه وأتباعه ومريدوه بأمر عقيدته وأفكاره وتعاليمهن يذيعونها بين الناسن ويوصلونها الى المناطق المختلفةن القصية والدانية ؛ فاتسع نطاق شهرتهن وعم صوته الآفاق البعيدة. وهكذان ففي نهاية القرن الرابع قبل الميلادن قام الحكيم مانسيوسن حامل مشعل الأدب والفكر في بلاط المملكتين كي ووين بوضع الهيكل الأساسي " للكونفوشيوسية "ن وإرساء المقومات الجوهرية لمنظومة تعاليمه الدينية والأخلاقية. وبالرغم من خضوع الصينن في تلك الحقبة من التاريخن لحكم ملوك عائلة زهون فقد أتى عليها حين من الدهر تفشت في مختلف أرجائها الاضطرابات والقلاقلن فانقسمت الى إمارات وطوائف متنافسة ومتنازعة ؛ وهو ما جعل تلك الفترة تشتهر بحقبة " الممالك المتقاتلة ". ثم كانن بعد ذلكن أن أسس الملك كين شي هوانغ أمبراطورية العائلة كين. وفي عام 202 ق. من قامت العائلة الملكية الحاكمة هان بالعودة لتراث كونفوشيوس بغرض إعادة النظر في تعاليمه ووصاياهن والإفادة منها في إرساء دعائم الحكم. فقررت أن تأخذ عنه الفكرة التي تقول بأن النظام الامبراطوري متطابق كل التطابق مع نظام الكون ؛ وبأنه لا نهاية لهذا النظامن كما لا حركة له. وأنه لا وجود إلا لنظام واحد ثابت ولا يتغير ؛ وأنه لا وجود للتاريخ ؛ وبأن كل شيء يؤول الى الواحد الأحد المتشكل من: الامبراطور والوطن والشعب. وبأن ذروة الكمال تكمن في النزوع الى الثبات والاستقرار. وأنه لا وجود لمدينة فاضلة يمكن إنشاؤها على وجه الأرض. وبأنه لا وجود لقتال نحن ملزمون بخوض مهالكهن ولا لمعركة يتوجب علينا الذهاب اليها. فانفتحت الأبواب واسعة أمام المعتقدات الاصيلة في فكر كونفوشيوسن وتدفقت تعاليمه الصارمة لتجتاح الأوساط المختلفة في كل مكان من بلاد الصين. وكان ان استتبع ذلك أن فرض نظام الامتحانات في مجموع دواليب الدولة. ولأول مرةن يظهر كاتب لسيرة حياة كونفوشيوس يدعى سيما كيانن الذي ألف كتابا يحمل عنوان: " مذكرات تاريخية ". وفي السنة الثالثة والعشرين الميلاديةن قام الماركيز زهانغ يون مربٌي الامبراطور شينغن بتأليف كتاب ضمٌ منتخبات من محاورات كونفوشيوس.

ولسوف تنصرم حقبة من الزمن تمتد ما بين القرنين السابع والتاسع الميلاديينن إبان حكم العائلة الملكية الحاكمة طانغن عرفت خلالها تعاليم كونفوشيوس انكماشا نسبيا وتقهقرا محدودا. لكنن باعتلاء العائلة الملكية سونغ عرش الصينن ستتجدد أمجاد العقيدة الكونفوشيوسيةن حيث سينبري الملوك والامراء المنتسبون لهذه العائلةن لإعادة الروح لتعاليم " الملك بدون تاج " ؛ فتنبعث انبعاثا جديدان لكنن ممزوجة بخليط من أفكار العقيدة الطاويةن ومجموعة شرائع الديانة البوذية حديثة الوصول من بلاد الهند. سوف يستمر العمل بنظام الامتحاناتن المرتكز بالأساسن منذ فترة حكم العائلة الملكية هانن على المقررات الواردة في المدونات الكونفوشيوسيةن والمتكونة من مجموع الاعمال الكاملة لكونفوشيوسن حتى آخر أيام الإمبراطورية عام 1911. وحتى في الفترات اللاحقةن إبان قيام الجمهوريةن ظلت المدونات ومجموع التعاليم والشرائع الكونفوشيوسية تشكل القاعدة الرئيسية للمقررات الدراسية لأسلاك التعليم في بلاد الصينن والتي لا محيد عنها لكل الطلاب الراغبين في الترشح للمناصب الإدارية المختلفة للدولة ؛ وذلك الى حدود سنة 1949ن مع وصول الحزب الشيوعي الى سدة الحكم.

بانطلاق فعاليات الثورة الثقافية في مجموع بلاد الصينن قام الزعيم ماو تسي تونغن سنة 1974ن بتوجيه تهمة الخيانة لكونفوشيوس ؛ حيث صرح بأن كونفوشيوس خائنن وأن خيانته لا تقل فداحة الخطورة التي تشكلها عن خيانة لين بياو [ المارشال والزعيم السياسي الصينين (1908-1971)ن القائد العسكري الكبيرن شارك في المسيرة الكبرى وفي الحرب ضد اليابانن وزير الدفاع عام 1959 ؛ اختفى من الحياة السياسية سنة 1971. وحسب الرواية الرسمية ن فقد تم اسقاط طائرته في منغوليا أثناء محاولته الفرار الى الاتحاد السوفييتي بعد قيامه بمحاولة فاشلة لقلب نظام الحكم (الموسوعة الفرنسية) - المترجم ]. وهكذان امتدت اليه يد الاقصاءن فامحت أشكال حضوره العلنين مثلما اختفت متونه وتعاليمه من كل الساحات والامكنة. غير أنه سرعان ما سيعود ليسترجع مكانته ؛ فقد كتب الزعيم السياسي الصيني المعاصر كو وو مورو وون الشاعر والمؤرخ ورئيس الفدرالية العتيدة لكتاب وأدباء الصين حتى وفاته عام 1978 ن قال: " استطاع كونفوشيوس تزويد مقدراته الشخصية بكل عناصر الصلابة والمنعة والقوةن وسهر على توسيع مدارجها الى أقصى الآفاق الممكنةن طولا وعرضان وعمقا وكثافة.... بل إن حياته شبيهة بقصيدة شعرية بديعة فائقة الروعة والجمال. وإن شعراءنا المعاصرينن وقد نالت منهم الاسقامن وأقعدتهم الهزات النفسية والعقليةن ليعجزون كل العجز عن مضارعة إمكانياته البدنية وعنفوان طاقته الهائلة..."

ومما يجدر ذكرهن في هذا الصددن كذلكن هذه العبارة الواردة في مقدمة الترجمة الفرنسية لكتاب " المحاورات " لكونفوشيوسن والتي أنجزها عام 1987 المحلل الأريب للشؤون الصينية بيير ريكمان (المشهور باسم سيمون ليس) ن والذي شدد فيها على: " استحالة العثور في تاريخ البشرية برمته على متن نجح في أن يمارس كل هذا التأثير الطويل المدى على طائفة واسعة العدد من الناس يضاهي التأثير الذي نجحت في إحداثه " المحاورات ". والى ذلكن كتب جوزيف فيدليخن من جهته ن كتابا يحمل عنوان: " رشمات استوديو الخيزرانات العشر "ن جمع فيه منتخبات من الرشمات التي يعود تاريخها الى بداية القرن السابع عشرن وردت فيه ملاحظة له يقول فيها: " إذا كان أرسطو أب المنطق وواضع أسسه الأولىن فقد كان كونفوشيوس في مجال علم الاخلاق داعية تجريبيا عريقا وأصيلا... وإذا كان أرسطو الأب الروحي للغرب الذي طالت تأثيراته القوية حتى الماركسيين الاوربيينن والذين لا يكفون عن الزعم بعدم التأثر بهن فبإمكاننا القول بأن كونفوشيوس قد لعب نفس الدور في آسيان من حيث العجز البين لكل النقاد - الذين تجرأوا على التصدي لمنظومته العقدية في محاولة لاقتلاع تعاليمه وأفكاره واجتثاث طريقته في رؤية العالم - عن التحرر من تركته الدينية والأخلاقيةن والاخفاق في التخلص من ظلال شبحه المستشري في كل الاوصال الروحية والبدنية. وإن الماوية نفسهان ليستن في واقع الحالن سوى فلسفة ظرفية منذورة للزوالن نشأت وترعرعت في حضن كونفوشيوسن وتحت الظلال الوارفة لمجموع شرائعه العريقة وتعاليمه السامية الاصيلة ".

وبالتالين فالأولى بنان الآنن أن ننتقل للحديث عن أرسطو...

 

..........................

BIBLIOGRAPHIE

1-      CONFUCIUS , Entretiens , trad. Anne Cheng , Qiu Kong , Paris , Seuil , " Points Sagesse " (n° 24) , 1981.

2-      Les Estampes du studio des dix bambous , présentations et commentaires de Joseph Vedlich , Paris , Seghers , 1979.

3-      ETIEMBLE, René , Confucius , Paris , Gallimard , 1966 , nouvelle édition augmentée " Idées"(n° 112) 1985.

4-      GRANET , Marcel , La Civilisation chinoise , Paris , Albin Michel , 1968.

5-      GRANET , Marcel , La Pensée chinoise , chap. IV, Paris , Albin Michel , 1968.

6-      INOUE, Yasushi , Confucius , Paris , Stock , " La bibliothèque cosmopolite ", 1997.

7-      Maspero, Henri et Balazs, Etienne, Histoire et institutions de la Chine ancienne, Paris, PUF (Annales du musée Guimet) , 1967.

8-      Philosophes confucianistes, édition établie par Charles Le Blanc et Remi Mathieu, Paris, Gallimard, " Bibliothèque de la Pléiade" , 2009.

9-      YUTANG, Lin, La Sagesse de Confucius, Paris, Philippe Picquier, "Picquier poche" , 2008.

 

 

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيبين الحقيقة والأوهام

مع أن المعتقدات الشيعية تذكر رجلاً (يمانياً) سيمهد الطريق لظهور المهدي بالفعل، لكنه ليس هو أحمد البصري (أحمد إسماعيل كاطع) لعدم انطباق الأوصاف والدلالة عليه. وطبقاً لمصادر أمنية في البصرة يدعي أحمد البصري أنه السفير أو النائب الخامس للإمام المهدي المنتظر. إن شخصية أحمد الحسن اليماني ما زالت غامضة، وليس هناك نتاجات يمكن الاستناد إليها في فهم شخصية اليماني، سوى كتاب منسوب إليه يحمل عنوان (العجل)، وشريط تسجيل بصوته. وكلاهما يكشفان عن سذاجة الطرح الذي يقدمه، ويشيران إلى إمكانية أن يكون (اليماني) طالباً سابقاً، وغير ناجح في أحد مجالات الدراسة الدينية.

واليماني يدعي قيام الحجة (المهدي المنتظر) في العاشر من محرم (عاشوراء) حيث يجب قتل العلماء والمرجعيات الدينية تمهيداً لظهوره. وبالفعل ففي اليوم العاشر من محرم 1429هـ شهدت بعض مدن الجنوب وخصوصاً محافظتي ذي قار والبصرة مواجهات عنيفة بين قوات الأمن العراقية وجماعة (أحمد الحسن اليماني) وقد اندلعت تلك المواجهات في وقت واحد. والمواجهات شملت أحياء الجمهورية والأندلس وجنينة وسط البصرة. وأكد مصدر أمني أن قناصاً تابعاً للجماعة الدينية المتطرفة قتل آمر فوج الطوارئ العميد الركن ناجي الجابري كما قتل مدير غرفة عمليات الشرطة. وقد هاجموا مقر استخبارات الشرطة في الناصرية بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، واندلعت اشتباكات أدت إلى قتل العقيد زامل رميض معاون مدير الاستخبارات. وأعلنت السلطات المحلية حظر التجوال في المدينة حتى إشعار آخر.

وقد قتل ما لا يقل عن سبعين شخصاً بينهم حوالي خمسين من أتباع البصري خلال مواجهات في جنوب العراق (البصرة)، وذلك بالتزامن مع إحياء ذكرى عاشوراء ومقتل الإمام الحسين (ع). وأعلن مصدر في الشرطة في الناصرية مقتل 18 مسلحاً على الأقل في المواجهات فيما أصيب 12 واعتقل خمسة وعشرون. وفي الناصرية قتل وا لا يقل عن تسعة اشخاص بينهم ثلاثة ضباط في الشرطة وأصيب نحو 25 آخرين في اشتباكات اندلعت ظهراً أيضاً في وقت واحد تقريباً مع مواجهات البصرة بين قوات الأمن والجماعة نفسها. وقال مدير عام دائرة الصحة في الناصرية إن تسعة أشخاص بينهم ثلاثة ضباط وامرأة وثلاثة من عناصر الشرطة قتلوا وأصيب 25 آخرون بجروح جراء الاشتباكات. كما أن اثنين من عناصر الشرطة قتلا بنيران قناص في حي الصالحية المحاصر وسط الناصرية، وإصابة 25 شرطياً وجندياً بالمواجهات. اعتقال اثنين من القناصة عمرهما 14 عاماً فقط. وقد حسمت المعركة في الناصرية مع الجماعة المتطرفة فقد حاصرت الشرطة المسجد (الحسينية) التي يتحصنون داخلها واشتبكت معهم فقتل من قتل وفرَّ الآخرون. وقد كانت قوات الجيش والشرطة منتشرة بشكل مكثف في جميع شوارع البصرة، وتوقفت الدبابات في مداخل المدينة فيما تحلق مروحيات الجيش العراقي بإسناد من طائرات قوات التحالف. وفي البصرة قال اللواء عبد الجليل خلف شويل قائد الشرطة إن الجماعة المتطرفة كابدت قتل ثلاثين من أتباعها في حين تم اعتقال 72 آخرين خلال المواجهات منذ أمس الجمعة. وأكد قتل سبعة من عناصر الأمن بينهم ضابط شرطة برتبة عقيد وإصابة عشرة آخرين من الشرطة مشيراً إلى أن الوضع الأمني استقر وتم القضاء على جيوب المسلحين كافة. وقد أصدرت محكمة البصرة الجنائية في يوم 27 شباط 2009 حكماً بالإعدام على 28 شخصاً من أتباع اليماني لتورطهم في قتل عدد من الأشخاص بينهم ضباط.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.....................

المصادر

أحمد كاظم الأكوش، ادعاء المهدوية عبر التاريخ من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر الهجري، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2019

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن أستاذنا الدكتور محمود الحويري ذلك المؤرخ والعالم والإنسان كما عرفته، فأقول: لقد عاش الحويري حياته "مسكونا" بالعصور الوسطى، ولها أعطى جلّ وقته واهتمامه. ودرسها بكل وجوهها وتفاصيلها. وقدّم عنها عشرات الأعمال "المرجعية"، ورسم لها صورة، أقل سواداً وأكثر إنسانية، من الصورة التي سادت عنها طيلة قرون عديدة. وهكذا نال بجدارة لقب "مؤرّخ صعيد مصر في العصور الوسطى" بامتياز، وهو أحد أشهر المؤرّخين الصعايدة، وأحد المرجعيات العالمية المعترف بها في المجال.

ومن مظاهر التجديد لدى محمود الحويري، اهتمامه بما أسماه "الخيال السياسي"، الذي بحث في مكوناته من رموز وطقوس وأحلام وصور. وطبّق ذلك على الفترة التاريخية التي جذبته طيلة حياته، في كتابه " خيال العصر الوسيط".

وحول رؤية الحويري فيما يتعلق بتقسيم التاريخ الإنساني السائد، نجده يؤيد المدرسة الفرنسية إلى مجموعة من الحقب المتمايزة. ويرى في عصر النهضة الأوروبي امتداداً للعصور الوسطى التي سبقته. كما لا يتردد في التساؤل عن ما إذا كان عصر النهضة الأوروبي عصر الاكتشافات والنزعات الإنسانية والعقلانية؟

ويلفت الحويري متابعا المدرسة الفرنسية إلى أن هناك خطأ شائعا، يقول أصحابه انه مع اكتشاف العالم الجديد "أميركا" من قبل كريستوف كولومبوس عام 1492، "تغيّر العالم تماما". ويبين أن هذا رأي خاطئ، فالعالم لم يتغيّر تماما آنذاك، وكولومبوس " إنسان من العصر الوسيط".

والحويري مؤرخ كبير ومحقق أصيل ومؤلف نادر من بقايا العلماء الموسوعيين الذين لم يقفوا عند فترة تاريخية بعينها؛ بل درسوا كثيرا من جوانب التاريخ الإسلامي غير مكتفين بالفترة التي تخصصوا فيها، فأعاد إلينا نماذج العلماء الأسلاف في التعلُّم والتعليم والتأليف، والعكوف على العلم الذي أفنيت فيه الأعمار، هو الراحل الدكتور “محمود الحويري” الذي جمع بين دقة البحث وسلامة المنهج، وجمال الصياغة والأسلوب، والمزج بين علمي الحديث والتاريخ، والانطلاق من الوقائع والأحداث إلى النقد والتحليل الذي يعطينا عبرة التاريخ بجانب سرد قصة الماضي.

وكان الحويري يمثل علامة في دراسة الإمبراطورية، وله دراسة رائعة في الجانب، وهو كتابه الرائع بعنوان رؤية في سقوط الإمبراطورية الرومانية، وفي مقدمة الكتاب يقول الحويري: "احتلت الإمبراطورية الرومانية مكانة خاصة في التاريخ، اختلفت عن مكانة غيرها من الدول والإمبراطوريات التي قامت خلال التاريخ، ولا ترجع أهمية هذه الإمبراطورية إلي اتساع رقعتها الجغرافية، التي اشتملت علي مواطن أقدم الحضارات التي عرفها الإنسان، إذ ابتدأت في القرن الثالث قبل الميلاد واستمرت باقية إلي القرن الخامس الميلادي في الغرب الأوربي وإلي القرن السابع في الشرق، ولكن أهميتها ترجع إلي أساسا إلي أنها وقعت تاريخيا في نهاية العالم القديم، فقد تعرضت تلك الإمبراطورية منذ القرن الثالث الميلادي لعوامل الضعف والتفكك من داخلها وخارجها، ففي الداخل استشري الفساد في جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادي والعسكرية، ولم تعد روما مركز العالم وحضارته، بعد أن أسس قسطنطين العظيم عاصمته القسطنطينية في أوائل القرن الرابع، ومن الخارج اشتدت غارات الجرمان والمتبريرين علي حدود الإمبراطورية، حتي إذا أتي عام 476م زالت تلك الإمبراطورية في الجزء الغربي منها، وقامت علي أنقاضها ممالك جرمانية عديدة، وهنا لا ينبغي أن نضع في الاعتبار الرأي الذي نادي به بعض المؤرخين من أن عام 476م يمثل بداية الاختلاف عما ألفته العصور القديمة بأسرها، وإن كنا في الوقت نفسه نتلمس لهم العذر إذا كان الغرض تسهيل دراسة هذه الفترة الزمنية الهامة، التي امتدت ألف عام وكانت أشبه بالوادي بين جبلين شاهقين أحدهما يمثل الماضي والآخر يمثل الحديث، والواقع أننا لا نستطيع علي وجه الدقة أن نضع حداً فاصلاً – أو تاريخياً معيناً – يؤكد نهاية عصر وبداية عصر آخر، لأن الأحداث التاريخية متداخلة بطبيعتها، وإن كانت هناك خصائص عامة لفترة الانتقال التي انسلخت خلالها ملامح العصور الوسطي من العصور القديمة، أبرزها انحلال المجتمع الروماني، وتأسيس الممالك الجرمانية، والقضاء علي الوثنية وظهور الديانة المسيحية، ثم اتخادها ديانة رسمية للإمبراطورية . ويمكننا أن نلمس فترة الانتقال ونتتبعها برجوعنا إلي الوراء عند مستهل القرن الثالث، دون أن نرتبط خلاله بسنة معينة نحدد بها مطلع العصور الوسطي .

وفي هذا الكتاب تناول الحويري بالدراسة أوضاع الفترة الأخيرة من الإمبراطورية الرومانية، وهي فترة زمنية تميزت بتشعبها وشدة تعقيدها، لما حملته بين طياتها من تغييرات وأحداث هامة، تناول الحويري جوانب التاريخ السياسي والعسكري والديني والاجتماعي والاقتصادي . وقد استهدف الحويري من وراء ذلك الوقوف علي سمات – أو فجر – العصور الوسطي الأوربية، وهنا يقول الحويري :" ولا بد لي من القول بأن تلك الدراسة قد سبقني إليها أساتذة ثقاة أجلاء متخصصون في تاريخ العصور الوسطي، ومن ثم لا أزعم أني أتيت بالجديد فيها . فمن الصعب علي أي باحث أي يقدم شيئا في موضوع قد طرقه غيره بعناية، وقد يكون التجديد في الطريقة – أو الرؤية – التي يعالج بها أحداث الموضوع، مع إبراز لنواح لم يطرقها غيره أو مسها مساً خفيفا . وهو ما حاولت الوصول إليه، وكان من أسباب اختيار عنوان الكتاب علي الوجه الذي صدر به .

وقد خصص الحويري الفصل الأول لدراسة " أحوال الإمبراطورية الرومانية في القرنين الثالث والرابع "، فتناول الحويري ما أصاب تلك الإمبراطورية من ضعف وجمود انعكسا علي جميع أحوالها، ذلك أن الفتوحات قد توقفت، واصحي علي الإمبراطورية أن تحافظ علي حدودها، وتدهور النشاط الاقتصادي،وتضاءل نفوذ طبقة السناتو، وانحدرت الطبقة الوسطي، وانعدام النظام بين صفوف الجيش لاسيما بعد أن استعان الأباطرة بالجند المرتزقة، وأدخلوا البرابرة في صفوف الجيش، مما أدي إلي القضاء علي مجد الإمبراطورية الحربي، وقد تناول الحويري في ذلك الفضل أيضا التغير الذي طرأ علي المنصب الإمبراطوري، والدور الذي لعبته الفرق العسكرية في تنصيب الأباطرة، بعد أن اختفت السلطة المركزية، وصارت الولايات تحت حكم زعامات محلية، وفي أواخر القرن الثالث وصل دقلديانوس إلي عرش الإمبراطورية، فأدخل بعض الاصلاحات وأعاد تنظيم الجيش، ثم أتي من بعده قسطنطين العظيم الذي اعترف بالمسيحية من ناحية، ونقل العاصمة إلي القسطنطينية من ناحية أخري، ولا شك أن ما قام به كل من هذين العاهلين ساهم في إنهاء الأوضاع القديمة في أوربا .

أما الفصل الثاني وعنوانه " المسيحية والإمبراطورية الرومانية "، فقد تحدث الحويري فيه الديانات الوافدة من الشرق، وهي كيبيلي من آسيا الصغرى، وميثراس من فارس، وإيزيس من مصر، وأوضح الحويري أن تلك الديانات رغم انتشارها الواسع بين الطبقات الفقيرة والوسطي، إلا أنها لم ترض بعض المثقفين، فاتجوا إلي المذاهب الفلسفية، خاصة الرواقية التي اتفقت مع تقاليد المجتمع الروماني . وكان أن ظهرت المسيحية التي أعطت الأمل للمواطنين الرومان، وسط ظلام البؤس الذي أحاط بهم، ولكن التعاليم التي أتت بها تلك الديانة قوضت أركان العالم القديم، فلحق الأذى والاضطهادات بأتباعها، حتي كتب لها النصر في النهاية . كما ألقي الحويري الضوء علي آباء الكنيسة، الذين كان لهم الفضل في استئصال شاقة الوثنية.

وفي الفصل الثالث وهو بعنوان " المجتمع الجرماني وعلاقته المبكرة بالإمبراطورية " تناول الحويري فيه عادات ذلك المجتمع وتقاليده، كما وصفها المؤرخ تاكيتوس، وتعرضت لبنائه وجوهر تنظيمه السياسي ودور المرأة فيه . وفي هذا المجال أبرز الحويري تحرك الجماعات الجرمانية من مواطنيها الأصلية فيما وراء نهري الراين والدانوب إلي حدود الإمبراطورية في القرن الأول، ثم تتبعت غزواتها التي غدت بمثابة ضغوط مستمرة علي طول الحدود منذ أواخر القرن الثاني.

أما الفصل الرابع وهو بعنوان " غزوات الجرمان وتأسيس ممالكهم في غرب أوربا "، فقد عالج الحويري فيه أهم الجماعات الجرمانية التي اقتحمت حدود الإمبراطورية ومزقت أوصالها، وهي جماعات الهون والقوط الغربيين، والوندال، والأليماني، والبرجنديين، والفرنجة، ثم تناول الحويري كيف ظهرت تلك الجماعات تاريخيا، وعني الحويري بتوضيح أحداثها، خاصة بعد أن تغلغلت في أراضي الإمبراطورية الغربية حتي استطاع بعضها تأسيس ممالك علي أنقاض تلك الإمبراطورية في القرن الخامس الميلادي، والجدير بالذكر أن تلك الجماعات التي تغلبت علي الإمبراطورية الغربية اختلفت في طباعها، فمنها من نشر الرعب والفزع في أنحائها مثل الوندال، ومنها من انتهي المطاف بها إلي العيش في وثام مع الإمبراطورية ونهلت من حضارتها مثل البرجنديين، ومنها من أخذت تحركتها طابع الاستقرار، بدلا من مجرد غزو هدفه الحصول علي كسب مادي، مثل الفرنجة .

وفي الفصل الخامس والأخير وهو بعنوان " سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب الأوربي (476م) رأي الحويري أن يبدأ بسنة 395م، التي انقسمت فيها الإمبراطورية الرومانية إلي شرقية وغربية، مما جعل الأحداث في الشرق تسير في طريقين مختلفين . ففي الغرب سيطر القادة العسكريون علي مقاليد الأمور، وصار بيدهم تولية الأباطرة وعزلهم، في الوقت الذي أخذت فيه الشخصيات الرومانية الطموحة تحارب بعضها بعضا أملا في الوصول إلي العرش، وفي ذلك الفصل بين الحويري أن أحداث الإمبراطورية الغربية في تلك الفترة المظلمة من تاريخا، لا يمكن فصلها علي أحداث الإمبراطورية الشرقية المعاصرة آنذاك، وقد عالج الحويري انثيال العناصر الجرمانية والمتبربرة علي إيطاليا سنة 476م بحثا عن الخط والمغامرة، حتي استطاع زعيم متبربر عزل آخر أباطرة روما وإعلان نفسه ملكا علي إيطاليا . وفي نهاية ذلك الفصل أورد الحويري آراء بعض المؤرخين حول تدهور الإمبراطورية الغربية، وسقوطها فريسة في أيدي الجرمان .

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة وهي أنه عقب انتهاء الحوير من الانتهاء من كتابة رؤية في سقوط الإمبراطورية الرومانية، شرع بعد ذلك علي الفور في تأليف كتاب بعنوان " اللومبارديون في التاريخ والحضارة 568-774م، وقد صدرت طبعته الأولي عن مؤسسة دار المعارف المصرية سنة 1986م، وفي مقدمة هذا الكتاب قال الحويري :" رأيت بعد أن صدر كتابي " رؤية في سقوط الإمبراطورية الرومانية " أن أتبعه بآخر يتناول أساسا أحد الشعوب الجرمانية المتبربرة التي غزت الإمبراطورية الرومانية وأسست ممالك لها، خاصة أن من كان لهم سبق الريادة في الاشتغال بتاريخ أوربا العصور الوسطي، وقدموا للمكتبة العربية فيضا من مؤلفات وترجمات ضافية في إبداع وأصالة وسعة أفق، لم يقدموا دراسة مستقلة عن شعب جرماني ما، باستثناء الأستاذ الدكتور " إبراهيم طرخان"، الذي وضع كتابه القيم " القوط الغربيون" . وأخيرا وجدتها فرصة مواتية لأقدم جهد المقل دراسة شاملة عن اللومبارديين في إيطاليا تعالج تاريخ مملكتهم وحضارتها .

ويستطرد الحويري فيقول : ومما حدا بي إلي اختيار هذا الموضوع أن اللومبارديين علي عكس الشعوب الجرمانية الأخرى، كانوا آخر شعب جرماني يشق طريقه إلي إيطاليا غازيا فاتحا سنة 568م، قادماً من " جرمانيا" عالم البرابرة الواسع، حاملا معه تقاليده وعاداته نقية من الحضارة الرومانية، حيث قدر له أن يلعب دورا رئيسيا في أحداث هذا القطر علي مدي قرنين من الزمان ونيف . كذلك لم يحظ هذا الموضوع إلا بفصل في الكتاب القيم المعروف الذي وضعه الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، وهو " أوربا العصور الوسطي" الذي طبع عدة مرات، ولا زال يلاقي قبولاً واسعا في جامعات العالم العربي، وفيما عدا ذلك، فليس هناك غير صفحات أو جزء من فصل تناول هذا الموضوع من زاوية ؟

ثم يقول الحويري: "وبداية أود القول أنه كان بوسع الإمبراطورية الرومانية أن تحافظ علي وحدتها وتماسك بنائها خلال الفترات التي تعرضت فيها لغزوات الشعوب الجرمانية في القرنين الثالث والرابع للميلاد، ولكن أحوالها السيئة وأباطرتها الضعاف حالوا دون حماية حدودها . وقد حاولت الإمبراطورية في الغرب الأوربي إبان القرنين الأخيرين من حياتها أن ترد عنها غائلة الجرمان، ولكن محاولتها باءت بالفشل، حتي إذا أقبل عام 476م كانت أعجز من إنقاذ نفسها من الانهيار . ففي هذا العام دهمها طوفان من الجرمان والبرابرة، جعلها تسقط فريسة سهلة في أيديهم . علي أنه رغم سقوطها العاثر، وضياع وجودها السياسي القديم، فإن فكرة تلك الإمبراطورية ظلت عالقة في أذهان الأوربيين طوال العصور الوسطي . بدليل أن الأباطرة الشرقيين اعتبروا أنفسهم امتدادا للأباطرة الرومان السابقين وورثتهم، وما حدث في رأيهم سنة 476م أنه لم يعد ثمة سوي إمبراطور واحد للإمبراطورية يحكم في الجزء الشرقي منها . والحق أن الإمبراطورية الرومانية الغربية بعد انهيارها لم تعدم بعض الأباطرة البيزنطيين العظام، الذين عقدوا نيتهم علي ضرورة إحيائها، وإعادتها إلي سابق مجدها قوية موحدة . وكان من أبرزهم جستنيان (527-565م)، الذي تمكن بفتوحاته الكبيرة من القضاء علي ممكلة الوندال في شمال أفريقية، واجتثت جذورالقوط الشرقيين من إيطاليا، كما اقتطع الجزء الجنوبي الشرقي من مملكة الغربيين في أسبانيا . بيد أن الجهود التي بذلها العاهل البيزنطي لإحياء الإمبراطورية الرومانية القديمة، مع كل عظمتها وصدق دوافعها، لم تحقق الهدف المرجو منها، إذ بعد موته بثلاث سنوات، اجتاح اللومبارديون إيطاليا، وسلبوا أجزاء عديدة من أراضيها . إذ انثالوا عليها من وراء الألب في صورة كتلة متراصة، في وقت كانت تئن تحت وطأة الشقاء والويلات التي خلفتها حروب جستنيان . وما أن انقضي زمن وجيز حتي استطاعوا الاستيلاء علي شمال إيطاليا والأجزاء الداخلية التابعة لبيزنطة، حيث أسسوا مملكة عاشت بين سنتي 568، 774م، تغيرات خلالها أحوال تغييراً جذرياً .وبعيارة أخري، دخلت إيطاليا مرحلة جديدة من تاريخها، من أبرز خصائصها ذلك النزاع الذي احتدم بين هذه المملكة والقوي السياسية وهي : الإمبراطورية البيزنطية، والبابوية، ومملكة الفرنجة في الغال (فرنسا) . ولعل القارئ الكريم المشتغل بتاريخ أوروبا العصور الوسطي، يستطيع أن يلمس أن أوضاع مملكة اللومباردين التي ظهرت علي صفحات هذا الكتاب، لتشعب تاريخها وتشابك أحداثها، وإن كانت مقصودة لذاتها، إلا أنها كانت أيضاً محوراً لدراسة القوي السياسية السالفة الذكر، التي غيرت مجري تاريخ هذه المملكة .

وأيا كان الأمر، فقد رأي الحويري أن يقسم الكتاب إلي خمسة فصول، الفصل الأول، وعنوانه " اللومبارديون قبل غزوهم إيطاليا" تحدث فيه عن الفترة المبكرة من تاريخهم التي عرفوا خلالها بالعنف والضراوة، والميل إلي خوض الحروب، وتتبعت هجراتهم وتحركاتهم إلي أن صاروا في منطقة الدانوب الأوسط بجوار بانونيا في حوالي سنة 165م . ومما يذكر أن المصادر التاريخية الرومانية والإغريقية تقف منذئذ صامتة حيال أحداثهم لفترة تزيد عن ثلاثة قرون (166-508) . وقد تناول الحويري في هذا الفصل أيضا الحروب التي دارت بينهم وبين القبائل الجرمانية الأخرى، وعلي وجه الخصوص الهيرولي والجيبدي، حيث أسقطوا الأولي من قائمة الشعوب الجرمانية المستقلة، مما يترتب عليه علو شأنهم من ناحية، ولفتوا أنظار الإمبراطورية كقوة يحسب لها حساب خطير من ناحية أخري، أما بالنسبة للجييداي، فقد أنزلوا بهم كارثة، لم تقم لهم بعدها قائمة .

أما الفصل الثاني، وعنوانه " اللومبارديون في إيطاليا " فقد ضمنه الحويري أحداث الغزو اللومباردي لإيطاليا، وما صاحبه من تساقط مدنها الشمالية الواحدة بعد الأخرى دون مقاومة تذكر من الأهالي أو الحاميات البيزنطية . ولا شك أن الحروب التي جرت علي أرض إيطاليا في السنوات الأخيرة من عهد جستنيان، والتي عادت بأوخم العواقب عليها وعلي سكانها الآمنين، قد منحت ألبوين – فاتح إيطاليا –ميزة جعلته يحقق هدفه بسهولة، ونعني بذلك قيام مملكة اللومبارديين في إيطاليا، وفي هذا الفصل أيضا تحدث الحويري عن فترة انقطاع الملكية المعروفة في تاريخ اللومبارديين بفترة الشغور (574-584م)، وما تخللها من تفاقم حدة الخلاف والمنازعات والفوضي داخل صفوف دوقاتهم، وهي ظاهرة خطيرة لا نجد لها نظير في بقية الممالك الجرمانية الأخرى . علي أنهم في نهاية تلك الفترة أدركوا أن انقسامهم لي أنفسهم في غياب السلطة المركزية، وما جره ذلك من تحالف بين الإمبراطورية البيزنطية ومملكة الفرنجة جاء نذير بضياع كيانهم، كل ذلك جعلهم يفيئون إلي رشدهم، ويجمعون كلمتهم علي عودة الملكية وتدعيمها .

ويعرض كتاب الحويري في الفصل الثالث منه، وهو بعنوان "صراع القوي السياسية في إيطاليا في القرن السابع " لنهوض البابوية، وظهورها في صورة قوة سياسية لعبت دوراً رئيسياً في أحداث إيطاليا في هذا القرن . ذلك أن الإمبراطورية البيزنطية وريثة الحق الشرعي في إيطاليا لم تتراجع عن موقفها العدائي من اللومبارديين، وبمعني آخر لم يمسك أباطرة بيزنطة أيديهم عن إيطاليا، ولكن عجزهم الواضح عن رد اللومبارديين من ناحية، وفشلهم في حماية الكرسي البابوي من ناحية أخري، جعل البابوية لا تأخذ موقف المتفرج السلبي، إذ نهضت بأعبائها، ومارست سلطتها العلمانية علي روما ضواحيها . وتأسيساً علي ذلك أخذ نفوذ البابوية في الازدياد، وخاصة في عهد جريجوري العظيم ( 590-604م) الذي تأهب للدفاع عن روما ضد اللومبارديين . وفي هذا الصدد مكنته موارده المالية الضخمة ونفوذه القوي، من تحمل مسئولية الحفاظ علي مدينته وتأمينها . وحرصا علي مصالحه بذل جهده لإبرام اتفاقية سلام بين اللومبارديين والبيزنطيين في سنة 599، جاءت بمثابة اعتراف صريح بالوجود اللومباردي في إيطاليا، رغم حقيقته المؤكدة . وفي هذا الفصل أيضا استعرض الحويري أعمال الملوك اللومبارديين في الربع الأخير من القرن السابع، فضلا عن الوضع السياسي الذي بقيت عليه إيطاليا مقطعة الأوصال، وموزعة بين ثلاث قوي، اللومبارديين، وبيزنطة، والبابوية.

أما الفصل الرابع، وعنوانه، " اللومبارديون في إيطاليا في القرن الثامن "، فقد تحدث الحويري فيه عن أهم أعمال ليوتبراند أعظم ملوكهم قاطبة، وكيف استغل النزاع الدائر بين البابوية والإمبراطورية البيزنطية حول النزاع اللاأيقوني لصالحه، فعول علي بسط نفوذه في إيطاليا كلها، ولكن البابوية فوتت عليه غرضه . إذ في سبيل المحافظة علي بقائها وتأمين مصالحها، استعانت بقوة سياسية من خارج شبه الجزيرة الإيطالية، وهي مملكة الفرنجة . والواقع أن سياسة هذه المملكة في بداية الأمر كانت تقضي بالامتناع عن التدخل في شئون إيطاليا، إلي أن تمكنت البابوية من اجتذابها إلي جانيها ضد اللومبارديين، الأمر الذي يعتبره الحويري أول سابقة خطيرة من نوعها في تاريخ إيطاليا العصور الوسطي، أحدثت انقلابا في ميزان القوي السياسية لصالح البابوية، في الوقت الذي كانت بداية النهاية لمملكة اللومبارديين . وأخيرا لم تستطع هذه المملكة أن ترد عنها قدرها العاثر، فسقطت علي أيدي شارلمان عاهل الفرنجة سنة 774 . ويعتبر سقوطها أمرا حاسما في تاريخ إيطاليا، حطم القاعدة الصلبة التي كان بإمكان الوحدة الإيطالية أن ترتفع عليها، واستحال تحقيقها حتي الثلث الثاني من القرن التاسع عشر.

أما الفصل الخامس والأخير، وهو بعنوان "حضارة اللومبارديين"، فبحث الحويري في أوضاع اللومبارديين الحضارية المتمثلة في تنظيمهم السياسي، وديانتهم، وجيشهم، ورومنتهم، ورعاياهم الرومان، ومجتمعهم، وحياتهم الفكرية، وفنهم، وعمارتهم، وفي هذا الفصل أيضا ألقي الحويري الضوء علي أحوالهم في القرن السابع، وإذ توقفوا عن كونهم برابرة أجلاف بسبب تأثرهم بالحضارة الرومانية، ويتضح ذلك في تحولهم إلي المذهب الكاثوليكي، واستخدام اللغة اللاتينية لغة رسمية، وصياغة قوانينهم ذات الطابع الجرماني المحض.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الدكتور المؤرخ محمود الحويري حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ المؤرخ، فتحية طيبة للدكتور محمود الحويري الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور محمود الحويري، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيما أن تنقضي المسافات الزمنية بين مرحلة الطفولة والنضج، حتى يبدأ الإنسان يواجه ملء مسامعه التساؤل عن معنى اسمه الذي يرافقه مثل ظله، وقد تزامنت الخطات ولادة موفق محمد سنة 1948م، وفي مقطع من قصيدة (غزل حليّ) يوثق بعضاً من تفاصيل ولادته:-

أنا أحبُ الحلةَ لأني ولدت على بعد

موجتين من نهرها فجراً

لكن والدة الشاعر الكبير موفق محمد قد تسنمت زمام مسؤولية العائلة بعد وفاة زوجها، وتفانت في رعاية الأسرة، وحملت في دواخلها صلابة الأب وعنفوانه، ولم يغب عن بالها هواجس الوفاء لتحقيق رغباته وتطلعاته، فقامت بتسجيله في المدرسة الشرقية الابتدائية سنة 1954م، يقول الشاعر وفاءً لوالدته:-

أنا الفقير لله موفق بن بدرية بنت عبد الله

التي تزقزق النجوم في شيلتها

يعتز الشاعر بمكان ولادته ومحلته كسائر أبناء المحلات الحلية القديمة، في هذه المحلة التي يترابط أبنائها بالألفة والمحبة داخل تلك الأزقة الضيقة، وآذان مسجدها المسموع في كل أرجاء المحلة، وصوت رنين مدرسة الشرقية اليدوي. كل هذا التوثيق يوثقه الباحث والكاتب أحمد الناجي في كتابه الموسوم (هذا هو موفق محمد) الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل، الكتاب تضمن (410) صفحة من القطع الوزيري، الكتاب ذات طباعة جيدة خالي من الأخطاء الطباعية والإملائية وذات لغة عالية وجميلة تليق بمكانة الشاعر موفق محمد، هذا الشاعر الذي صدعت حنجرته بالحزن والجرح المثخن بالطبائع بفقدان ولده البكر في الانتفاضة الشعبية عام 1991م، في تلك اللحظة التي تسرب الحزن إلى روحه وملأ حياته التي انفتحت على ضراوة الوجود القاسية.

يذكر أحمد الناجي في كتابه حول محلة الطاق مسقط رأس الشاعر في صفحة 44 : "في محلة الطاق حتى يومنا الحاضر، تحف بها البيوت الأبهة المزدانة بفنون الزخرف والشناشيل والأراسي، وليس بعيداً عن مسكنه حسينية ابن طاووس التي آلت إليها مواكب العزاء بعد أن كان ملتقاها بيت السادة القزاونة، وقد خصها الشاعر بنص شعري جميل (محلة الطاق) كتبه سنة 2007م.

كان للأستاذ سعدي علوش في مرحلة المتوسطة تأثير إيجابي على الشاعر، "الذي كان له دور هام في تشجيعه على حفظ الشعر وإلقائه.. وهكذا انغرست بذرة القراءة" ص48. وفي عام 1963م تتوطد علاقة حميمية بين موفق والشعر الشعبي، يتابع ويقرأ ويحفظ، ولم يأتِ ذلك من فراغ، "فكثيراً ما كانت الأم وهي ابنة (عبد الله الجزائري) الشاعر الشعبي المعروف في مدينة النجف منتصف القرن العشرين" ص51. فالشاعر موفق محمد "الجرأة ديدنه، يصرخ بما يستشرف في احساسٍ مرهف، معلناً عما يعتمل في دواخله من مشاعر حقيقية حول التصفية الجسدية التي طالت صديقه مدرس اللغة العربية الشيوعي (حميد الصكر) من قبل السلطة آنذاك، فكانت قصيدته المعنونة (حصار) التي قرأها منتصف السبعينيات في قاعة اتحاد الأدباء في بغداد، جاء فيها: ص98

وقد حاصروك كثيراً

يطاردك المخبر الملتحي في الصباح

يسجل لون القميص الذي ترتديه

وكيف ترد التحية

ويصحبك سراً

وتمضي إلى الدرس دون اكتراث

عندما تشتد حملات السلطة القمعية أواخر السبعينيات، وفي صفحة 106 يذكر الناجي حول تأثير السلطة على الادب والثقافة قائلاً: "وتدور عجلة استلاب ومصادرة الحريات، فتمتد تأثيرها على الثقافة عموماً ما تطال منتجيها من المبدعين، وظل شاعرنا في تلك الأثناء يعيش الاحساس بالاغتراب، ويشعر بالضيق والاختناق، جاءت قصيدته بعنوان (المنقذ) نزفتها شفاهه سنة 1979م، وهو يعيش مغالبة مع الرقيب الذي يحياه... فكان الشعر ملاذه الذي يضخ فيه الأمل، ويستدعي احلامه المرتجاة قائلاً:

شخصٌ ما

يدعى ابن محمد

ترك الرأس هنا والأطراف

ولف القلب

وغادرني

أو أبحث عنه

أم أبقى منتظراً

يبحثُ عني

لقد وثق الباحث أحمد الناجي كل صغيرة وكبيرة عن حياة الشاعر الأدبية وسيرته الذاتية في كتابه الثري هذا، الذي حفل بتجربة شعرية إبداعية من طراز خاص، تجربة تحلق في الخيال لتحكي عن الواقع، فخرجت على وقع الوجع والجرأة وعبرت نطاق التقليد والرؤية الذاتية العميقة، وتناولت المرئي واللامرئي، فشكلت سردية مدهشة منسوجة على نول التمرد، وتبقى حياة موفق محمد الذاتية والأدبية جديرة بالقراءة والتحليل والنقد لكونها ثقافة خاضعة للبعد النسبي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي