محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من ذي قبل بأن أرض مصر خصبة غنية في كل مجال من مجالات الحياة، لها دور كبير في تطوير العلوم الإسلامية واللغة العربية وآدابها في العصر الحديث؛ حيث نهض الأدب فيها. وكانت مصر هي المنبع والمنهل للأدب واللغة العربية ، كما ظهرت فيها المدارس الأدبية التي كانت منهاجا لأدباء العرب، مثل مدرسة الإحياء والبعث، ومدرسة الديوان، ومدرسة أبولو. وبرز هناك عدد كبير من العلماء، والأدباء، والشعراء، والكتاب، والمؤرخين، وأصحاب الفلسفة، في العصور المختلفة الطويلة إلى عصرنا هذا والذين قاموا بخدمات جليلة في مختلف المجالات الأدبية من الرواية، والمسرحية، والقصة القصيرة وما إلى ذلك. ويرجع الفضل كله إلى أدبائها وكتابها في تجديد اللغة العربية ورقيها في العصر الحديث، بعد أن غزا "نابليون بونابرت" مصر عام 1798م. وهذه الحملة الفرنسية تسببت عن تطوير الأدب العربي الحديث في مصر بعد عهد طويل من الركود بسبب عدم اهتمام الخلافة العثمانية تجاه اللغة العربية وآدابها. وقد لعب هؤلاء الأدباء دورا حيويا في تطوير اللغة العربية وإيصالها إلى قمة الكمال.

وهناك أدباء مصريين لا تُنسى رغم الرحيل؛ فأعمالهم مازالت باقية لتحيي داخلنا الكثير بل تمنحنا الفرصة مرات لا تنتهى في اعادة اكتشاف تلك الشخصيات من جديد بين سطورها، ومن بين تلك الأعلام البارزة أمير القصة العربية يوسف إدريس الذى يمر علينا شهر أغسطس  الجاري حاملا نفحات ذكرى رحيل أمير القصة العربية بدون منازع واحد من الأعمدة الكبرى للثقافة المصرية والعربية الدكتور يوسف إدريس، فمنذ ثلاثين عاماً وما بين الثالث والخامس من شهر أغسطس لعام 1991 كان الرحيل الفاجع لأمير القصة المصرية والعربية يوسف إدريس ، وقد لا أكون مبالغاً ولو قلت وعن دراسة وإعادة دائمة لتأمل وقراءة وتقصي عالمه القصصي والروائي والمسرحي الشاسع الإنساني المصري ، الخاص والمنتمي بوعي للمهمشين في الريف المصري؛ حيث ولد في قرية البيروم، بمركز فاقوس، بمحافظة الشرقية في ١٩ مايو عام ١٩٢٧م. عاش طفولته معَ جدته بالقرية، ثم أكمل دراسته بالقاهرة، عمل كطبيب بالقصر العيني 1951-1960، حاول ممارسة الطب النفساني سنة 1956، مفتش صحة، ثم صحفي محرر بالجمهورية، 1960، كاتب بجريدة الأهرام، 1973 حتى عام 1982.

ورغم مرور أكثر من ربع قرن علي الرحيل إلا أنه مازال محتفظا بالصدارة ومكانة خاصة لم يستطع أحد أن يصل إليها في مجال القصة القصيرة، الأصعب كتابةً وتكنيكاً كونها حكاية في عدد قليل من الكلمات لها بداية ووسط ونهاية، فأعطاها روحا جديدة وكان مجددا لها من حيث اللغة والمضامين نقل القصة القصيرة العربية من موقعها الصغير إلى موقعها الكبير فأصبحت قصة عالمية، وقد لقب يوسف إدريس بأنه مفكر، وأديب مصري، من أبرز كتاب القصة القصيرة في الأدب العربي في العصر الحديث، وأشهر المجددين في فنونها، يتميز قلمه بالدقة والتركيز والتعبير المميز

وقد تميزت القصة عند يوسف إدريس بالواقعية والوصف وكانت انعكاس للواقع المصري فأبرز تركيب الشخصية المصرية واهتم في أعماله بحياة البسطاء والمهمشين الذين يصنعون تفاصيل الحياة اليومية فرسم لنا بانوراما تشريحية لفئات المجتمع المصري الفلاح الموظف العامل الطالب المثقف طبقة المعدومين من النساء والرجال فانتمى لمدرسة الواقعية النقدية.

كان يوسف إدريس غزير الثقافة واسع الاطلاع بالشكل الذي يصعب معه عند تحديد مصادر ثقافته أن تقول إنه تأثر بأحد الروافد الثقافية بشكل أكبر من الآخر.. حيث اطلع على الأدب العالمي وخاصة الروسي وقرأ لبعض الكتاب الفرنسيين والإنجليز، كما كان له قراءاته في الأدب الآسيوي وقرأ لبعض الكتاب الصينيين والكوريين واليابانيين، وإن كان مما سجله النقاد عليه أنه لم يحفل كثيرا بالتراث الأدبي العربي وإن كان قد اطلع على بعض منه.

هذا من ناحية أدبية وفنية وثقافية عامة ساهمت في تشكيل وعيه العقلي والأدبي، ولعل ممارسته لمهنة الطب وما تنطوي عليه هذه الممارسة من اطلاع على أحوال المرضى في أشد لحظات ضعفهم الإنساني، ومعايشته لأجواء هذه المهنة الإنسانية ما أثر في وعيه الإنساني والوجداني بشكل كبير، مما جعل منه إنسانا شديد الحساسية شديد القرب من الناس شديد القدرة على التعبير عنهم، حتى لتكاد تقول إنه يكتب من داخلهم وليس من داخل نفسه.

كان يوسف ادريس يعشق هواية تدمير التابوهات، وزلزلة المألوف، ويعتبر نفسه فوق أي سلطات سواء سياسية أو علمية تكون معلّبة القوالب الأيديولوجية الجاهزة، فتمرد على قواعد صنعته الفنية نفسها، وعلى قواعد ونحو وصرف اللغة العربية فقد خاصم سيبويه ولم يعقد صلحا ًمعه حتى يوم وفاته، ودخل كلية الآداب ولم يطق دروسها سوى ثلاثة أيام. وانتقده في هذه النقطة نقاد كثيرون وعلى رأسهم طه حسين، وحصل سجال ثري بينه وبين الناقد عبد القادر القط، أعلن فيه نظريته في اللغة الأدبية وبالأخص لغة القصة، فكتب في جريدة الجمهورية بتاريخ 13 أيار مايو 1960: "اللغة أي لغة لا تهبط على أبنائها من عالم الغيب ولا تتفجر لهم من باطن الأرض، ولكنهم هم الذين يخلقونها ويطوّرونها ويبدّلون فيها ويغيّرون، والقواميس والمعاجم التي وضعت للغتنا أثبتت ألفاظها لا على أساس أصلها وفصلها، ولكن على أساس أن العرب استعملوها لأداء هذا المعنى أو ذاك، أي أن اللغة العربية هي فقط اللغة التي يستعملها الشعب العربي بصرف النظر عن منشأ مفرداتها وعن التطور الذي يصيبها. ولو كانت اللغة العربية هي فقط اللغة التي وردت على ألسنة أجدادنا الأقدمين، لكان معنى هذا أننا نتكلم اليوم لغة أخرى".

وكان يوسف إدريس كذلك من أكثر الكتاب ارتباطا بالشارع والمجتمع يذوب في الشخصيات فيحولها إلى شخوص تتحرك أمامنا بحرفية شديدة نشعر بها تكلمنا وتلمسنا ونحن ننتقل بين سطور القصة فتخلق صورة ذهنية تظل محفورة في الذاكرة يفوح منها عبق إبداعي خالد يخلد ساطر هذه الجمل وهو ما جعله يتخطى بموهبته، حدود المحلية للعالمية وظهر هذا بوضوح في رائعته الحرام التي تعد من أعظم الروايات العربية وتحولت لفيلم عرض بمهرجان كان السينمائي الدولي عام 1965 وأثار إعجاب النقاد وروت السيدة فاتن الحمامة بطلة الفيلم رواية تختصر مكانة هذا المبدع فقالت أثناء العرض في كان لاحظت 3 سيدات يبكين بشكل هستيري وهو ما دفعها إلى سؤال إحداهن عن سر البكاء والتأثر ببطلة الفيلم وهي من بلاد بعيدة وواقع مختلف تماما فإجابتها أن كاتب الرواية قدم الإنسان بعيدا عن ظروف الزمان والمكان وأنا تأثرت بعزيزة أكثر من تأثري بجارتي التي تقاربني في الزمان والمكان لأنني عرفت ما بداخل عزيزة وشعرت بها ورأيتها من الداخل.

وقد خط بقلمه المبدع ثروة أدبية مكوّنة من عشرين مجموعة قصصية، وخمس روايات، وعشر مسرحيات، ومن أشهر أعماله القصصية الأولى "أرخص ليالي" التي أحدثت دويًا كبيرًا في الوسط الأدبي، مما دعا عميد الأدب العربي طه حسين للقول: "أجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء مثل ما وجدت في كتابه الأول "أرخص ليالي" على تعمق للحياة وفقا لدقائقها وتسجيل صارم لما يحدث فيها وجعلته يشعر بأنه ولد نجما منذ اللحظة الأولى".

وبالفعل كانت مجموعته الأولى هي الشرارة التي أضاءت الطريق لظهور الأديب الكبير يوسف إدريس التي توالت أعماله القصصية والروائية والمسرحية المميزة بعد ذلك مثل "جمهورية فرحات" و"البطل" و"العسكرى الأسود" و"البيضاء" و"اللحظة الحرجة" و"المهزلة الأرضية"، "رجال وثيران" و"الفرافير" وغيرها من الأعمال الإبداعية التي مازالت قيد اكتشاف السينما المصرية التي لم تكتشف إلى الآن سوى 11 فيلماً أهمها "لا وقت للحب" و"الحرام" و"النداهة" و"العيب" و"حادثة شرف" و"ورق سيلوفان"؛  وفي 1954 ظهرت مجموعته أرخص الليالي.. وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

..........

مراجع المقال

1-وسيم أحمد : الدكتور يوسف إدريس أمير القصة القصيرة (1)، الأيام، العدد 9063 السبت 1 فبراير 2014 الموافق غرة ربيع الثاني 1435.

2- مى إسماعيل: أمير القصة العربية.. يوسف إدريس، جريدة الأهرام، نشر بتاريخ الثلاثاء 24 من ذي الحجة 1439 هــ 4 سبتمبر 2018 السنة 143 العدد 48119

3- محمد الشماع: فى ذكرى رحيله.. لماذا لم يحصل يوسف إدريس على جائزة نوبل؟، جريدة مبتدأ ، نشر بتاريخ 2021-08-01 12:26.

4-عاطف بشاي: يوسف إدريس بين الأدب والسينما، المصري اليوم، الثلاثاء 03-08-2021 01:33

5- محمد علي فقيه: الأديب يوسف إدريس.. تشيخوف العرب، المصدر: الميادين نت 1 اب 2017 20:26.

6-  مني احمد: يوسف إدريس حكاية مصرية جدا، صوت الأمة، الخميس، 26 أغسطس 2021  09:12 ص.

 

 

 

عبد الجبار الرفاعيرحل يوم الاثنين 23-8-2021 عن عالمنا إلى الدار الآخرة صديقنا الشيخ محمد رضا حكيمي صاحب كتاب الحياة. عاش حكيمي ناسكًا متبتلًا أخلاقيًا عفيفًا مهذبًا، زاهدًا بكلّ ما لكلمة الزهد من معنى، لم يمتلك دارًا، ولا سيارةً، ولا هاتفًا شخصيًا، عاش كما يعيش الفقراء، فأصبح أسوةً لمريدين من صفوة الناس.كان يستغني بحياة الكفاف، لم يكترث بمال، على الرغم من أنه غزير التأليف، وكان بوسعه أن يستثمر حقوق مؤلفاته للعيش بطريقة مترفة.

عُرِف حكيمي بأمانته وصدقه ونزاهته، وترفّعه عن العناوين والألقاب، وشجاعته في قول كلمة الحق بصراحة، وذلك ما شجّع المرحوم د. علي شريعتي أن يضع ثقته فيه، ويستأمنه وصيًا فكريًا، خصّه شريعتي بوصيته بعد وفاته، لفرط ثقته بعلمه وبصيرته ومصداقيته،كتب له في الوصية أن يدقّق أعماله من الهفوات والأخطاء. يفكران معا في الاشتراكية ويدعوان لإلغاء الطبقات. تتناغم أعمال شريعتي وكتابات محمد رضا حكيمي في ذلك، وتشترك آثارهما في شحّة الحديث عن الحرية والديمقراطية والتعددية.

نشر الصديق الأستاذ محمد اسفندياري وصية شريعتي لحكيمي. اسفندياري معروف بصلته الحميمة بالمرحوم حكيمي، فأعطاه الوصية لينشرها بعد نحو عقدين تقريبًا على وفاة المرحوم شريعتي.

أمضى حكيمي سنوات طويلة في حوزة مشهد، وحضر البحث الخارج كما بلغني مدة لا تقلّ عن 10 سنوات. تميّز حكيمي بإبداعه الأدبي، ولغته المكتنزة، فكان ممن أغنوا النثر الفارسي الحديث.

2747 محمد رضا حكيمي‏حكيمي رحمه الله ينتمي إلى المدرسة الأخبارية الشيعية، لكنه اعطاها اسمًا جديدًا هو "المدرسة التفكيكية"، هذه التسمية ملتبسة، فهي تسمية جديدة بمضمون قديم. حاول إعادة إنتاج الأخبارية عند الشيعة بهذه التسمية البديلة الغائمة. صار موقف حكيمي أقرب إلى التلفيق، لأنه يعلن عن كل أسس ورؤية الأخبارية المناهضة للعقل وللإجتهاد في كتابته وودعوده، إلا انه يعود في مواضع أخرى عندما يتعرض للنقد، فيشدد على أنه يتمسك بالعقل ولا يستبعده. لم تكتسب محاولته الوضوح النظري لمؤسس الأخبارية محمد أمين الأسترآبادي (ت 1023 هـ) صاحب الفوائد المدنية، الذي رسم خارطة واضحة للاعتماد على الأخبار دون سواها، اتخذت موقفًا صارمًا من العقل الأصولي.

الأخبارية الحديثة ظهرت في حوزة خراسان بمشهد في القرن الرابع عشر الهجري، وكانت تدعو للفصل الجذري أو "التفكيك" حسب مصطلح حكيمي، بين معارف الوحي والمعارف والعلوم البشرية، وكان في طليعة هذه الجماعة موسى زرآبادي قزويني (1294 – 1353 هـ)، وميرزا مهدي أصفهاني ( 1303 – 1365 هـ )، ومجتبى قزويني (1318 – 1386 هـ). محمد رضا حكيمي حاول أن يصوغ الركائز الأساسية لهذه الرؤية ويرسم خارطة أفكارها ومفاهيمها في كتابه "المدرسة التفكيكية".

"التفكيك" دعوة نظرية لم أجدها تنعكس بوضوح في كتابات حكيمي، لأن القطع الجذري الذي يبشّر به لم يتمكن هو من تحقيقه ولا غيره. حكيمي ومن قبله أساتذة يفترضون عملية التفكير عملية حسابية ميكانيكية كمية، يستطيع الإنسان فيها أن يتخذ قرارًا يفرضه على عقله لحجب المنطق الأرسطي والفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه وكلّ معارف التراث التي تشبع وعيه ولاوعيه فيها في دراسته الحوزوية، ويصغي عقله لحديث أهل البيت "ع" بلا أية مؤثرات من تربيته وتكوينه التعليمي وبيئته وثقافته ومختلف الظروف والمتغيرات المتنوعة في مجتمعه الذي يعيش فيه. التفكير عملية ديناميكية لا ميكانيكية، تتوالد من عناصر واعية تشمل مختلف العناصر المشار إليها وغيرها، بموازاة عناصر لاواعية تنبع من البنى اللاشعورية الراسخة في أعماقه.

هناك تقارب بين رؤية حكيمي و"إسلامية المعرفة" لدى المعهد العالمي للفكر الإسلامي وأمثالها،كلاهما أراد أن يُصادر العقل ومكاسب العلوم والمعارف والخبرة البشرية.كلاهما خذلهما الواقع الذي يستبعد كلَّ رؤية لاواقعية عن الحضور فيه.كلاهما استبعدهما التاريخ من أن يكونا عاملًا فاعلًا في حركته، وتحولات الوعي والفكر والمجتمع في صيرورته.

2748 محمد رضا حكيمي

لبثت دعوة محمد رضا حكيمي أُمنية أخفقت حتى كتاباته في تمثّلها. عندما نقرأ هذه الكتابات نراها لم تتخلص من تأثره اللافت بالاشتراكية، وتغلغل الفهم والتفسير الطبقي للمجتمع المعروف في الكتابات الماركسية في آثاره، كما في أعمال شريعتي.كان حكيمي انتقائيًا في تعامله مع معارف الوحي، ينتقي ما يدعم موقفه منها ويدع غيره. لم يتردّد حكيمي في توظيف المنطق الأرسطي اليوناني وميراث المعقول في التدليل على موقفه وتبريره من حيث لا يشعر. أراد أن يغادر التراث اليوناني فغرق فيه،وكان يريد أن يصغي للأخبار والأحاديث الشريفة بمعزل عن كلّ خلفية لديه سابقة، لكن فهمه عقله خذله عندما اعتمد على أسس التفسير الطبقي، وظلّت أحلامه الرومانسية بمجتع لا طبقي يتنكر لها الواقع. لم يمنع الاختلاف مركز دراسات فلسفة الدين من ترجمة كتابه "المدرسة التفكيكية"، ونشره للمرة الأولى للقارئ العربي سنة 2000، وكتابة مقدمة للطبعة العربية شرحتُ فيها رؤيته ما أمكنني بحياد، ثم ألحقتُه بنشر كتابين له.

‏مهما اختلفت فكريًا مع حكيمي، إلا انه يفرض احترامه عليك، لا يمكن لأيّ إنسان أخلاقي إلا أن يحتفي بنسك ونزاهة وطهارة وشجاعة محمد رضا حكيمي في قول الحق، وزهده الذي يبهر أي إنسان لم يمت في داخله الإنسان. كان مهذبًا يتسم بذوق رفيع، لم يُفسِد الاختلاف في الرؤية صداقتنا،كان يتكرّم رحمه الله بزيارتي إلى بيتي، على الرغم من أنه قليل التنقل والأسفار.

رحم الله مُعلِّم الأخلاق الشيخ محمدرضاحكيمي، وأسعده الله في الآخرة كما أسعده بسكينة الروح وطمأنية القلب في الدنيا. "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ"، ق، 37.

 

د. عبد الجبار الرفاعي 

 

 

 

2742 روملاندروم لاندو باحث ومستشرق بولوني الأصل وبريطاني الجنسية، عرف بتعدد الجوانب وغزارة الإنتاج. له عدة مؤلفات في مجالات الفلسفة والدين والأدب والقضايا العربية والإسلامية، خصوصا المغربية. عشق المغرب، فقضى به السنوات الأخيرة من حياته، كانت له عدة لقاءات مع مجموعة من القادة والزعماء العرب، ولقب بمؤرخ المغرب، نظرا لكونه ألف باقة من الكتب حول تاريخ المغرب الحديث، إضافة إلى سيرتي الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، طيب الله ثراهما.

باحث متعدد الجوانب

ولد روموالد لاندو، يوم 17 أكتوبر 1899 بمدينة لودز التي تعتبر من أكبر المدن البولونية، والتي كانت تابعة، وقتئذ، لروسيا القيصرية، له جانبية متعددة، فهو صحفي ونحات ومربي وعسكري، إضافة إلى كونه باحثا. كان له إلمام كبير باللغتين الإنجليزية والألمانية، علاوة على العربية.

حينما ولج عالم البحث العلمي والنشر، اختار هذا الباحث أن يمهر مؤلفاته، اختصارا وعلى سبيل اسم الشهرة، باسم روم لاندو، فلصق به هذا الاسم، وحل محل اسمه الحقيقي. درس هذا الباحث الفلسفة والفن، ثم الدين في عدة مدارس وجامعات أوروبية، خصوصا بألمانيا، وقضى فترة شبابه في التجوال والترحال، وكسب قوت يومه من النحت. وفي سنة 1922، تتلمذ، في هذا المجال، على يدي جورج كولبي، الذي يعد أكبر نحات بألمانيا.

ومع نهاية سنوات العشرينيات وبداية الثلاثينات، ذاع صيته في وطنه الأصلي وأوروبا، من خلال البحث والتأليف، حيث نشر السيرة الذاتية للزعيمين البولونيين بيلسودسكي سنة 1929، وبادريفسكي سنة 1934، إضافة إلى كتابه "الله مغامرتي"، الصادر سنة 1935، الذي لاقى رواجا كبيرا، في تلك الفترة.

وزار هذا الباحث المغرب، لأول مرة، سنة 1924، ما جعله ينكب على دراسة الثقافة الإسلامية وتعلم اللغة العربية، والقيام بجولات في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وخلال سنة 1937، زار عبد العزيز آل سعود، عاهل المملكة العربية السعودية، وعبد الله الأول، ملك الأردن، وعدة زعماء دينيين ومدنيين بالشرق الأوسط، وحول هذه الزيارة، ألف لاندو كتاب "سلح الرسل" سنة 1938، الذي دعا من خلاله إلى تسليح العرب، من أجل مساعدة البريطانيين والفرنسيين في حربهم القادمة ضد ألمانيا النازية.

وقد حصل هذا الباحث على الجنسية البريطانية، يوم 08 مارس 1940، وكان يقطن بالقرب من مدينة تشيستر بالمملكة المتحدة. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتحديدا ما بين 1939 و1941، عمل ربان طائرة في صفوف السلاح الجوي الملكي البريطاني، ثم عضوا باللجنة العربية بقسم الاستعلامات بوزارة الخارجية البريطانية، أثناء الفترة الممتدة ما بين 1941 و1945.

وبعد جولة علمية قادته إلى الولايات المتحدة الأمريكية ما بين سنتي 1952 و1953، استقر لاندو بمدينة سان فرانسيسكو، حيث تعاون، لفترة من الزمن، مع فريدريك سبيغلبيرغ، أستاذ الديانات الأسيوية ومقارنة الأديان بالأكاديمية الأمريكية للدراسات الأسيوية. وخلال الفترة ما بين 1956 و1968، عمل هذا الباحث أستاذا للدراسات الإسلامية والشمال إفريقية بجامعة المحيط الهادي في مدينة ستوكتون بكاليفورنيا.

وبالموازاة مع ذلك، أشرف ما بين سنتي 1962 و1963 على برنامج تكوين هيئة السلام (بيس كوربس)، الذي يعنى بإعداد المتطوعين الأمريكيين للخدمة بالمغرب، وذلك في إطار المساعدة في عملية التنمية وسد الحاجيات من اليد العاملة المتخصصة، خصوصا في مجالي التعليم والفلاحة.

وبعد حصوله على التقاعد، استقر بمدينة مراكش التي تيمته بسحرها وغرائبيتها المنبعثتين من تعاريج أزقتها وفضاءاتها المغلقة والمفتوحة، وبساطة وعفوية ساكنتها التي تتميز بالتسامح والكرم، إضافة إلى روح المرح وخفة الظل. وقد توفي بهذه المدينة، يوم 02 مارس 1974، حيث دفن بمقبرتها الأوروبية.

2743 روملاندو

ومن أجل صون ذاكرة هذا الباحث من الضياع، تم تجديد قبره، ونظمت، بهذه المناسبة، السفارة البولونية، بتعاون مع نظيرتها البريطانية بالرباط، يوم 05 يناير 2012، حفلا بالمقبرة الأوروبية بمراكش، بحضور عدة شخصيات مغربية وبولونية وبريطانية من عالم السياسة والفكر والفن.

وفي تعريف مقتضب بهذا الباحث، مستقى من شاهدة قبره، نقرأ ما يلي: "روم لاندو، ولد سنة 1899 ببولونيا، وتوفي سنة 1974 بالمغرب، مؤرخ، كاتب مقالات ومستعرب، عالم وفنان، ربان طائرة بالسلاح الجوي الملكي البريطاني، مؤلف كتب حول البولونيين الكبيرين بادريفسكي وبيلسودسكي".

ولهذا الباحث عدة مؤلفات في مجالات فكرية مختلفة، تهم الفلسفة والدين والفن والإبداع الأدبي والسيرة الذاتية، إضافة إلى دراسة وتحليل الشؤون العالمية. كما له مجموعة من المقالات والدراسات النقدية، الصادرة في عدة صحف ومجلات بريطانية وأمريكية، نذكر من بينها: دوربورتر ودونيو ستيتسمان، علاوة على دوسبيكتيتور.

شاهد على العصر بالمغرب الحديث

2744 روملاندوبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، شد لاندو الرحال إلى شمال إفريقيا، حيث ربط علاقات وطيدة مع المغفور له الملك الراحل محمد الخامس وعدة زعماء آخرين لحركات التحرر بالمغرب العربي، وذلك بهدف مساندة هذه الحركات للانعتاق من نير الاستعمار الفرنسي.

وتعتبر سنة 1948 سنة فارقة ودالة في حياة هذا الباحث، إذ في هذا التاريخ، كرس جهوده وقدراته البحثية لدراسة الشؤون المغربية، ما أهله لأن يصبح مؤرخ المغرب غير الرسمي، وكانت ثمرة هذا العمل الدؤوب والمتخصص إصدار باقة من الكتب حول جملة من القضايا المغربية ذات الأهمية والراهنية، في ذلك الوقت، من أبرزها: "دعوة إلى المغرب" سنة 1950، و"سلطان المغرب" و"جمال المغرب" سنة 1951، و"يوميات مغربية" و"بورتريه طنجة" سنة 1952، و"أزمة المغرب الأقصى" سنة 1956، والسيرتين الذاتيتين للملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، الصادرتين على التوالي سنة 1957 و1962، ثم "تاريخ المغرب خلال القرن العشرين" سنة 1963، و"المغرب" سنة 1967، إضافة إلى "قصبات جنوب المغرب" سنة 1969، وأغلب هذه الكتب المؤلفة بلغة شكسبير قد ترجمت إلى لغة الضاد، من طرف مترجمين عرب ومغاربة، نذكر من بينهم: نقولا زيادة ومحمد إسماعيل علي وحسين الحوت، وعبد المجيد بن جلون وليلى أبوزيد وخيري حماد، إضافة إلى بنحمان الداودي.

ولكتابات ونصوص لاندو حضور متميز في المقررات الدراسية المغربية، خصوصا في السنة النهائية من المرحلة الإعدادية، كما لا تخلو امتحانات هذه المحطة الإشهادية بقطاع التربية الوطنية بالمغرب، من نصوص لهذا الباحث تتناول حياة المغفور له الملك محمد الخامس بالمنفى، مترجمة من طرف الأديبة المغربية ليلى أبوزيد، والتي ترسخ، بأسلوب أدبي تقريري، قيما وطنية وإنسانية سامية، تتمثل في الصبر والتضحية والإخلاص للوطن.

ورغم كون هذا الباحث معروف بدقته وموثوقيته في الأوساط العلمية والأكاديمية، إلا أنه قد يحدث له، أحيانا، أن يقدم معطيات طريفة ومثيرة للنقاش والجدل، كما وقع له حينما تناول بعض الحقائق التاريخية والمعمارية لجامعة القرويين بفاس، والتي رد عليها المؤرخ المغربي عبد الهادي التازي في مجلة دعوة الحق، الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية.

نصرة استقلال المغرب

يعتبر لاندو من المناصرين لاستقلال المغرب، ففي سنة 1949 قام برحلة إلى هذا البلد، استقبل خلالها من طرف الملك الراحل محمد الخامس وولي عهده الأمير مولاي الحسن، ما أذكى تعاطفه، بشكل كبير، تجاه المغرب، وجعله لا يتوانى في مساندة قضايا الوطنيين المغاربة العادلة، من أجل التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي. كما مكنته هذه الزيارة من نسج علاقات وطيدة مع رموز الحركة الوطنية المغربية، وعلى الخصوص الزعيم علال الفاسي.

وفي هذا الإطار، يقول المؤرخ ديفيد ستينر، المتخصص في قضايا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: "من وحي هذا اللقاء الفريد وتجاربه بالمغرب، بشكل عام، قرر لاندو تكريس بقية حياته للقضية المغربية. فعند عودته إلى إنجلترا، بدأ نشر مقالات في الصحف والمجلات البريطانية، قام من خلالها بدعم الحركة الوطنية المغربية".

وحينما انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، سار على ذات النهج، إذ التقى بوزير خارجية هذا البلد دين أتشيسون، والسيناتور توم كونالي، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، إضافة مجموعة من السياسيين المؤثرين في دوائر القرار الأمريكي. كما قدم محاضرات بجامعات أمريكية، وأحاط علما خبراء مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بوضعية القضية المغربية، وعدالة مطالب الحركة الوطنية المدافعة عنها، علاوة على نشر مجموعة من المقالات وإجراء حوارات بالصحافة المكتوبة والسمعية البصرية الأمريكية، في هذا المجال.

وفي هذا المضمار، يؤكد ستينر بأنه، في ذلك الوقت، أصبح لاندو المرشد والناطق، باللغة الإنجليزية، باسم الوطنيين المغاربة، حيث نشر عدة مقالات تدافع عن القضية المغربية في الصحافة الأمريكية، خصوصا بمجلتي "أمريكا" و"ميدل إيست جورنال" وصحيفة "نيويورك تايمز"، إضافة إلى استقطابه لمجموعة من الشخصيات البارزة والمؤثرة في المجتمع الأمريكي للدفاع عن استقلال المغرب، مثل السيدة الأولى إلينور، زوجة الرئيس الأمريكي روزفلت.

ومن باب التنويه والاعتراف بالجميل، وجه إليه علال الفاسي كلمة شكر عبر له فيها عن امتنانه العميق لنواياه الحسنة تجاه المغرب، واهتمامه بمصيره، ومشيرا إلى ترجمة مقاله حول القضية المغربية، الصادر بصحيفة "التايمز" البريطانية إلى اللغة العربية، وتوزيعه على نطاق واسع بمختلف فروع حزب الاستقلال بالمغرب، ومبرزا أن هذه أفضل وسيلة لتبيان وجهة نظره، في الموضوع.

ونظرا لشهرة هذا الباحث وتمتعه بشخصية كاريزمية في الأوساط الثقافية الأوروبية والأنكلوسكسونية، فإنه كان يشكل القناة المناسبة والضمانة الفكرية لتمرير صوت التحرر المغربي إلى دوائر القرار الأمريكية. وعبر هذا الباحث، تمكن حزب الاستقلال المغربي من القيام بدعاية كبيرة في أوساط النخب السياسية والجامعية الأمريكية، مستثمرا في ذلك كتابه الموسوم بـ "سلطان المغرب"، الصادر سنة 1951، حول المغفور له الملك الراحل محمد الخامس، حيث تم التعريف بهذا المصنف لدى أصحاب القرار الأمريكيين، ومندوبي مختلف الدول بهيئة الأمم المتحدة، مع التأكيد على أن الملك الراحل هو عاهل متنور ورمز للحداثة الشرقية، وضامن للوحدة الوطنية المغربية، وكل مساس بشخصه وسيادته يشكل خطرا على الاستقرار السياسي للمغرب والسلم العالمي.

وفي هذا السياق، يقول روبير مونتاني، الأنتروبولوجي وعالم الاجتماع الفرنسي، المتخصص في الشؤون الأمازيغية، إن نشر سيرة ذاتية للسلطان محمد الخامس، في الوقت المناسب، موقعة من طرف لاندو، الذي أصبح في خدمة حزب الاستقلال، يبين المجهودات التي تم القيام بها، على صعيد المغرب، من أجل انتزاع تنازل من فرنسا يروم تحقيق الحكم الذاتي الداخلي، الذي ليس إلا مرحلة مؤقتة للحصول على الاستقلال التام.

استشراق منصف للإسلام

2745 روملاندويعد لاندو من المستشرقين الثقات، الذين أنصفوا الإسلام وأعجبوا بحضارته، خلف عدة كتب، في هذا المجال، من أبرزها كتاب "الإسلام والعرب"، الذي عرف طريقه إلى النشر، باللغة الإنجليزية، سنة 1958 عن دار النشر "ألين وأونوين" بلندن، والذي قام بترجمته إلى اللغة العربية الأديب اللبناني منير البعلبكي، الملقب بشيخ المترجمين العرب، من طرف طه حسين، عميد الأدب العربي، والذي أصدره، سنة 1962، ضمن منشورات مؤسسة دار العلم للملايين ببيروت، التي يعتبر من مؤسسيها الرئيسيين.

وبخصوص هذه الترجمة، من القطع المتوسط والتي تقع في 387 صفحة، يقول البعلبكي: "هذه ترجمة دقيقة لكتاب "الإسلام والعرب"  للمستشرق الإنكليزي الشهير روم لاندو، حرصنا على تقديمها إلى القراء لأن هذا الكتاب، في اعتقادنا، من أنفس المختصرات التي وقعنا عليها في تاريخ العرب والحضارة الإسلامية، وأدناها إلى الإنصاف، بل إننا نجد في هذا الكتاب إكبارا للعرب وإعجابا بمآثرهم يعز نظيرهما في معظم آثار المستشرقين"، ومضيفا أنه أغفل في هذه الترجمة الفصل الأخير من الكتاب وعنوانه "مشكلات العالم العربي الحاضر"، لاختلافه مع المؤلف في كثير من القضايا ووجهات النظر التي أثارها فيه، ولأنه يعتقد أن الحقبة التي يتطرق لها ذلك الفصل لا تزال في حاجة للدراسة، ولا تزال أحداثها موضع نقاش كبير.

أما لاندو، صاحب هذا الكتاب، فقام بإهداء مؤلفه، باحترام عميق، إلى صاحب الجلالة المغفور له الملك محمد الخامس، ملك المغرب، مؤكدا فيه أن أهمية الإسلام والعرب لا تكاد تحتاج إلى توكيد في عهد تكفي فيه النظرة الخاطفة إلى صحيفة من الصحف اليومية، لإظهار مدى ارتباط مستقبل العالم الغربي بمستقبل الشرق الأدنى، مهد الإسلام والعروبة، ومشيرا أن الحضارة الغربية، ابتداء من الفلسفة والرياضيات إلى الطب والزراعة، مدينة للحضارة الإسلامية بشيء كثير.

وبخصوص ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، يقول هذا المستشرق المنصف والموضوعي في هذا المصنف: "والواقع أن كثيرا من المترجمين الأوائل لم يعجزوا عن الاحتفاظ بجمال الأصل فحسب، بل كانوا إلى ذلك مفعمين بالحقد على الإسلام إلى درجة جعلت ترجماتهم تنوء بالتحامل والتغرض. ولكن حتى أفضل ترجمة ممكنة للقرآن في شكل مكتوب لا تستطيع أن تحتفظ بإيقاع السور الموسيقي الآسر، على الوجه الذي يرتلها به المسلم، وليس يستطيع الغربي أن يدرك شيئا من روعة كلمات القرآن وقوتها، إلا عندما يسمع مقاطع منه مرتلة بلغته الأصلية".

وعن دواعي تأليف هذا الكتاب، يشير هذا الباحث موضحا: "لقد باشرت تأليف هذا الكتاب نزولا عند رغبة طلابي الموشكين على التخرج، وأن بعض مادته لمبنية على محاضراتي في قاعة التدريس"، مبرزا أن طلبته بالدراسات العليا هم الذين ساعدوه على إخراج هذا الكتاب إلى الوجود.

وفي شأن القيمة العلمية لهذا الكتاب، وبعد تقديم مجموعة من الملاحظات حوله، يقول الباحث في القرآن وعلومه عمر بن إبراهيم رضوان، في الجزء الأول من كتابه "آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، دراسة ونقد"، الصادر، في طبعته الأولى، عن دار طيبة بالرياض سنة 1992: إن هذا "الكتاب من أقرب الكتب للإنصاف، وفيه يظهر المؤلف إعجابا بالعرب وبمآثرهم"، مضيفا أن "الكتاب يعتبر من أفضل الكتب المختصرة في تاريخ العرب والحضارة العربية والإسلامية"، ومشيرا أنه "أمر طيب أن يكتب كاتب غربي لبني جنسه كتابات تظهر للعرب بعض المآثر والمزايا التي أخفاها غيره، بل وشوهوا كثيرا منها وسرقوا بعضها ونسبوها لبني جنسهم".

إن لاندو من طينة الباحثين الذين يتمتعون بمصداقية وتقدير كبيرين في الأوساط الفكرية والعلمية العربية والإسلامية، لكونه أسدى خدمات جليلة، من أجل إبراز مدى تأثير الحضارة الإسلامية في نهضة وإشعاع أوروبا، والتعريف بجمال وتاريخ المغرب، ونظرا لأنه خلف إرثا ثقافيا وعلميا غنيا ومتنوعا يشي بموسوعية البحث وعبقرية الفكر، توجد أهم مكوناته بمجموعة من مراكز البحث العلمي في عدة مناطق من العالم، خصوصا بقسم المجموعات الخاصة، التابع لمكتبة جامعة المحيط الهادي بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يدرس. وقد آن الأوان للباحثين أن يهتموا بهذا الإرث العلمي القيم، في بعده الاستشراقي والتاريخي.

 

عبد الرزاق القاروني، صحفي وباحث مغربي

 

عبد الجبار الرفاعيتغمد الله الصديق المرحوم د. ‏عبد الحميد أبو سليمان برحمته الواسعة، الذي رحل عن عالمنا إلى الديار الآخرة في 18-8-2021. قبل 24 سنة نشرت مجلة قضايا إسلامية معاصرة حوارًا معه، ‏كان أرحب رؤية وثقافة من بعض رفاقه الدكاترة المهندسين في فريق إدارة المعهد، على الرغم من أنه لم يكن متجذّرا في دراسة التراث وغربلته، لأن التخصص ‏الأكاديمي لأبي سليمان خارج التراث وعلوم الدين. أبو سليمان ابن مكة المكرمة، الأكثر وفاء لبيئتها المدينية، التي ولد ونشأ وتشبّع في مناخاتها ونسيجها الحضري العريق. كان متحضرًا، لا يفتقر لإدراك ومعرفة روح العصر.

المرحوم الشيخ د. طه جابر العلواني هو المتخصّص الوحيد في الشريعة وأصول الفقه من مؤسّسي المعهد وفريق إدارته، وإن تمّ تجميده من قبل فريق المعهد لاحقًا.

لا أتفق مع رؤية العلواني وأبي سليمان للأسلمة الشمولية، لأن "إسلامية المعرفة"، التي اقترحها المعهد العالمي للفكر الإسلامي تمثّل المدى الأقصى لإهدار مكاسب العقل البشري وتراكم الخبرة البشرية في العلوم، ‏لكن أحترمهما وأعتزّ بصداقتنا معًا، لأنهما يحرصان على التواصل والحوار والمناقشة الحرّة، والإصغاء للتفكير العقلاني النقدي.

‏ في سنة 2003 خصصنا عددًا في مجلة قضايا إسلامية لمناقشة موجة أسلمة العلوم، التي ‏اتسعت الدعوة إليها في الربع الأخير من القرن العشرين، وإن انحسرت بالتدريج في القرن الراهن، بعد أن خسرت رهاناتها، وتعذّر عليها تحقيق أحلامها في الواقع. صدر محور العدد تحت عنوان: "إشكاليات أسلمة العلوم: التحيز والتمركز في المعرفة"، العدد 23، ربيع 2003.

2740 عبد الحميد ابو سليماند. عبد الجبار الرفاعي مع د. عبد الحميد أبو سليمان في اسطنبول 2006

و‏في سنة 2006 تلقيت دعوة لحضور المؤتمر الذي عقده المعهد العالمي للفكر الإسلامي في اسطنبول بمناسبة مرور 25 سنة على تأسيسه، وقدّمتُ ورقةً نقدية ‏لرؤية المعهد للأسلمة الشمولية، نشرت هذه الورقة لاحقا في كتابي: الدين والنزعة الإنسانية، في الفصل السابع بعنوان: "إسلامية المعرفة أيديولوجيا وليست معرفة".كانت هي الورقة النقدية الوحيدة لهذه الرؤية الشمولية لأسلمة المعارف والعلوم في المؤتمر، لكن فريق المعهد تلقاها بانزعاج، خلافًا للمرحومين ‏عبد الحميد أبو سليمان وطه جابر العلواني اللذين تلقياها برحابة صدر، وحثّا على نشرها. ‏

في هذا اللقاء دعاني أبو سليمان ‏إلى زيارتهم في مقرّ المعهد، وتقديم رؤيتي النقدية ومناقشتها مع فريق المعهد، لكن لم تصل دعوة المعهد، لأن الدكتور عبدالحميد أبو سليمان لم يكن وقتئذٍ رئيسا له، ولم تتحقّق هذه الزيارة. ‏

واصلتُ النقد لهذه الرؤية، ففي سنة 2018 تضمن الفصل السادس من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، نقدًا جديدًا لأسلمة المعرفة، بعنوان: "عندما يتجاوز الدينُ حدودَه".

2741 طه جابر العلواني

د. ‏عبد الجبار الرفاعي مع ‏ الشيخ د. طه جابر العلواني ‏في القاهرة 2007

‏كلما التقيت الشيخ طه العلواني الذي كان يشكو بمرارة من تصدي غير المتخصصين بعلوم الدين لإدراة المؤسسات ومراكز البحوث المتخصصة في دراسة الدين وعلومه، واستحواذهم عليها، كما حدث للمعهد، بعد أن تمّ تجميد العلواني، فعاش سنوات حياته الأخيرة في القاهرة حتى وفاته.

كانوا يضيقون ذرعًا بكلّ من ينقدهم علميًا، فمثلًا لبث كتاب "المنهجية المعرفية القرآنية" اثني عشر عامًا منسيًا بعد أن حجبوه عن القرّاء، لأنه لا يتناغم وتفكيرهم المبسّط المغلق. الكتاب ألّفه صديقنا المرحوم محمد أبو القاسم حاج حمد، فرفضوه وعقدوا ندوة موسعة في القاهرة لمناقشته، لم أسمع فيها إلا الألفاظ والعبارات المكرّرة لديهم. المفارقة أن الكتاب أعدّه حاج حمد لصالح المعهد بتكليف الشيخ طه العلواني عندما كان رئيسًا للمعهد، كما حدثني العلواني بذلك، فطلب مني أبو القاسم حاج حمد نشره، وتطوّع الصديق الدكتور محمد همام مشكورًا فبعث بنسخته المصورة بالرونيو عبر البريد من المغرب "أغادير"، وعند تسلمي الكتاب طالعته مباشرة وتحمّست لنشره. استشرت الشيخ العلواني ‏فشجّعني على نشره، فأصدرته ببيروت في سلسلة كتاب قضايا إسلامية معاصرة ‏التي كان يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين، صدر في صيف 2003 . وقتئذٍ كنت في بيروت، كنا نمضي ساعات طويلة أنا والمرحوم حاج حمد في منزله بـ "الشويفات" وهو المضياف ككلّ الأصدقاء من السودانيين الكرماء المعروفين لمن عاشرهم بدفئهم الآسر، وتهذيبهم الأخلاقي. كنت أصغي لحاج حمد وهو يحكي منعطفات حياته، وتكوينه الثقافي، ونشأته المشبعة بالمعنى، ومناخات الروح المضيئة بإشراقات التصوّف الملهمة للشخصية السودانية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

...................

على هذا الرابط العدد 23، ربيع 2003 من المجلة، محور العدد تحت عنوان: "إشكاليات أسلمة العلوم: التحيز والتمركز في المعرفة". والورقة المقدمة للمؤتمر الذي عقده المعهد العالمي للفكر الإسلامي في اسطنبول بمناسبة مرور 25 سنة على تأسيسه، المنشورة في كتابي: الدين والنزعة الإنسانية، في الفصل السابع بعنوان: "إسلامية المعرفة أيديولوجيا وليست معرفة"، والفصل السادس من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الذي تضمن نقدًا جديدًا لأسلمة المعرفة، بعنوان: "عندما يتجاوز الدينُ حدودَه".

https://www.noor-book.com/u/%D8%AF-sharp-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/books?fbclid=IwAR1kamMnZiFRVosXPWJR5l9syFL35U_aoXh3e0RNrggPSUm15NsScGQIE3w

 

عبد الحسين شعبانحين تجتمع السخرية بالتحريض يكون المشهد أبو كاطعياً

* مفارقة

ظل ماركس ينتظر أن يكتب انجلز تدقيقاته وتعليقاته ونقده على مخطوطة كان قد بعثها إليه، ولكن دون جدوى، وكتب له أكثر من مرّة ولكنه لم يتلقّ ردّاً إلاّ بعد فترة طويلة، حيث استلم مخطوطة موازية لمخطوطته ومعها ورقة من ثلاثة أسطر جاء فيها: أعتذر فلم يكن لدي الوقت لكتابة ملاحظات مكثّفة، فكتبت هذه المخطوطة تعليقاً على مخطوطتك. انجلز.

فقد كان إنجلز يعني أن التكثيف أصعب بكثير من كتابة نصٍ مطوّل، لأن عليه أن يلمّ إلماماً كبيراً بالموضوع، بل يتشرّب روحه، أي جوهره،  بمعنى لبّه.

تذكرت ذلك حين هاتفني الصديق الشاعر فالح حسّون الدراجي طالباً نصّاً مني عن أبو كاطع الذي كنت قد نوّهت إلى مسألة الإحتفال بذكرى رحيله الأربعين منذ حين. وهنا استجيب لطلب الدراجي ولكن بنصٍ طويل مستعيناً بفقرات مجتزأة من كتابي "أبو كاطع على ضفاف السخرية الحزينة" الصادر في لندن العام 1997 والمُعاد طبعه في بيروت العام 2017 (مزيّداً ومنقّحاً، حيث تم الإحتفاء به في نادي العلوية على نحو مهيب وبما يليق بمكانة أبو كاطع).

وكم تخيّلته وأنا على المنصّة في نادي العلوية، وهو يتسلّل إلينا متنكّراً ليهمس بأذني أحم.. أحم.. نادي العلوية مو بس إلكم، أصبح لنا حصّة أحسبه حصّة السادة أغاتي مثل نذر عياده لولاده... تذكرت ذلك المشهد الدرامي وأنا أستعيد ذلك اليوم التاريخي يوم عاد إلينا سالماً فلم يخبرني عن موعد مجيئه ولكنه كان يعرف موعد دفاعي عن أطروحتي للدكتوراه، فذهب مباشرة من المطار إلى منزلي وترك حاجياته الشخصية ومنها توجّه إلى كليّة الحقوق بانتظار أن يكون أول المهنئين لي بعد خروجي من القاعة. ولا أنسى منظره وهو يتكأ على الحائط بابتسامة عريضة وبيده غليونه ثم يفتح يديه ليحتضنني ويقبّلني وكان أول من ناداني بالدكتور. وقد كتب عن ذلك وعن أطروحتي في صحيفة طريق الشعب في حينها.

أقرب إلى مدخل

يوم وصلتُ دمشق في تموز/ يوليو 1980 كنت أول شيء أفكّر فيه هو الإتصال بالعزيز شمران الياسري "أبو جبران" (نجله الأكبر) أو حسب التسمية الأدبية والفنية التي اشتهر بها "أبو كاطع"، خصوصاً في برنامجه الإذاعي "أحجيها بصراحة يا بو كاطع" أو حسب تدليعاتنا له فنناديه بـ "السيد" أحياناً، ولأنني تركت منزلي له قبل ثلاث سنوات ونيّف في براغ، بكل ما فيه حين عدت إلى العراق، فقد حاولتُ الإتصال برقم هاتفي القديم الذي بقيت أحفظه وإلى الآن " 120 520 "، ولكن لم يردّ عليّ أحد، ثم في مرّة ثانية أجابتني السيدة كلودوفا صاحبة المنزل بأن السيد النوفينارج (السيد الصحفي) كما كانت تناديه قد ترك المنزل.

وبعدها قال لي الصديق فاضل الربيعي الذي كان قد وصل من عدن إلى الشام أن لديه عنوان أبو كاطع، ويمكننا إرسال برقية له بالبريد، وحين أعطاني العنوان وقارنته بعنواني القديم عرفت أنه انتقل إلى منزل آخر بعد عمله في مجلة فلسطين الثورة بدعوة من السفير الفلسطيني عاطف أبو بكر أحد أصدقائنا الأعزّاء. وكتب فاضل البرقية بنفسه أن صديقنا العزيز "شعبان" وصل سالماً كما ترك له رقم تلفون مؤقت لأحد أصدقائي أعطيته له ليدونه في البرقية.

بعد ثلاثة أيام رنّ الهاتف، وإذا به يسأل عني وبعد أن أخذتُ السمّاعة، فقال لي: الكليط يتكلّم والهودار معي ونحن بانتظارك، وكان يقصد بالهودار موسى أسد الكريم، ثم دخل بالتفاصيل .. التأجيل ما بي صالح.. اليوم أفضل من بكرة.. توجّه إلى طرفنا بأسرع وقت ممكن ومكانك موجود ومحفوظ في القلب والعين. ثم تبادلنا الكلام والسلام معه ومع موسى أسد الكريم "أبو عمران" واتفقنا على اللقاء، لكن الأمور سارت بما لا تشتهي سفننا.

وحالت ارتباطاتي الجديدة دون السفر سريعاً، خصوصاً في إطار عملٍ يومي والتزامات وكتابات كنت قد أخذت على عاتقي إنجازها. ويوم صدر كتابي "النزاع العراقي - الإيراني" وهو أول كتاب يصدر عن الحرب العراقية - الإيرانية من منظور غير حكومي، الأمر الذي أثار إشكالات غير قليلة بالنسبة لي، وحين هاتفته وكان قد قرأ الكتاب، قال "الله يستر" وبعد حين قال وصلتني الطراطيش، خصوصاً ما صاحب ذلك من اعتقال العائلة وترويعها وتعريضها لتهديدات لا حدود لها استمرت لأكثر من 20 عاماً.

اللقاء الموعود

اتفقنا على اللقاء في نهاية آب/أغسطس 1981، أي نهاية الصيف تقريباً، حيث قرّرتُ السفر وبتشجيع منه، فإذا بنفسه يأتيني ولكنّه محمّل على ظهر طائرة وفي تابوت وملفوفٌ بالعلم الفلسطيني والعراقي. لقد كان خبر نعيه الذي وصلني عن طريق الرفيق ثابت حبيب العاني مؤلماً فقد شعرت بغصّة في حلقي وكم بقيت ألوم نفسي لأنني تأخرتُ بالسفر لملاقاته؟ وكم كان لديه ولديّ من الحكايات لكي نتبادلها لكنها ظلّت حبيسة في صدورنا، فلم يبح بها لأحد حسبما قال لي في آخر مكالمة، كما أنني لم أبح بها لأحد بعد رحيله؟ نُقل جثمانه إلى بيروت ووريّ الثرى في مقبرة الشهداء، وكانت آخر زيارة لقبره مع الشاعر والفنان الصديق عمران القيسي قبل عامين، أي قبل مداهمة فايروس كورونا "كوفيد- 19" لنا.

الذئب اللئيم

حتى في ظروف بيروت الحزينة وأوضاعها المأساوية أستجير بأبو كاطع نفسه، وكم ردّدت مع نفسي ما كان يرويه عن "حاتم السلطان" "موتك بطر يا حاتم السلطان" أما كان له أن يتأخّر قليلاً؟ أما كان له أن ينتظرني بعد فراق دام أكثر من أربع سنوات؟ أليس ذلك من حقوق الصداقة أم أن الذئب اللئيم الذي يتربّصه فيزوغ عنه تارةً ويراوغه تارةً أخرى ويستمهله مرات ومرات، استعجله هذه المرّة بطريقة غادرةٍ فتربّص له وهو على قارعة الطريقٍ بين براغ وبودابست ذاهباً لزيارة نجله الأكبر جبران، فاصطاده بشراسةٍ، لكن روحه المضيئة صعدت إلى السماء وهي مطمئنّة وراضية مرضية .

وعي وإدراك

لقد أتقن "أبوگاطع" حرفته وأدرك مدى تأثيرها في كسب الجمهور وإثارة الجدل حول ما يكتب، مبتكراً طرقاً مباشرة وغير مباشرة للنقد والتّحريض والتّفكير، والهدف هو الوصول إلى القارئ، سواء بتفخيخ حكاياته وأقصوصاته وجُمله أو استدراجه لدائرة الإيهام، وفي كلّ الأحوال دفعه للتّساؤل والشك، لما تستثيره نصوصه، فتارةً يستفزّ المتلقّي من البداية وأخرى يرخي له المقدّمة ليوحي له بنهاية مستريحة، لكنّه سرعان ما يفاجئه قبل الخاتمة بالعودة لدائرة السؤال، تلك هي حبكته الدرامية المتميّزة.

وكان "أبوگاطع" قد تمكّن من أدواته وامتلك فنّ مخاطبة قلوب وعقول الناس، بلغة بسيطة وعميقة في آن، أقرب إلى "السّهل الممتنع"، عبّر عنها بثقة عالية وبأسلوب بارع خصوصاً حين تتعاشق مفرداته العامية مع الفصيحة في تناسق باهر وتلقائي ، مزاوجاً بين الحزن والفكاهة على نحو متماسك وغير قابل للفصل.

المثقّف والأسئلة

وعلى الرّغم من كونه مثقّفاً أعزل وفرداً "نفر" -على حد تعبيره- وبإمكانات محدودة وشحيحة، إلاّ أنّ أسئلته المشاغبة كانت تتميّز بإثارة شكوك وارتيابات تفوق تأثيراتها ما تفعله هيئات أو مؤسسات أحياناً، في ظلّ أساليب الدّعاية والحرب النفسية والقوّة الناعمة والصراع الأيديولوجي الذي كان سائداً على نحو حاد في زمانه.

ودليلي على ذلك أنّه اضطرّ لطباعة روايته "الرّباعية"على نفقته الخاصة، بعد أن امتنعت الجهات الرسمية من طبعها، بزعم عدم استيفائها الشروط الفنية، لكنه باع عشرات، وربما مئات النسخ، حتى قبل صدورها لدفع ثمنها إلى المطبعة، وقد حجز العديد من الأصدقاء نسخهم قبل أن تطبع، ولا أعتقد أنّ كاتباً استطاع أن يفعل ذلك قبله أو بعده. إنّها طريقة "أبوگاطعية" بامتياز، له براءة اختراعها.

كان تأثير ما يكتب كبيراً على السلطة ومعارضتها، بل حتى داخل الحزب الشيوعي نفسه، حيث يجري صراع "مكتوم" بين قيادة "مسترخية" وقاعدة "مستعصية"، فقد كان أقرب إلى "بارومتر" يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي. وقد نجح في توظيف علوم عديدة لاختيار الوسيلة الأنجع واختبارها، وذلك من خلال علم النفس وعلم الاجتماع وأساليب التغلغل الناعم والحكاية الشعبية ليصل إلى مراده، متحدّياً الجميع أحياناً، بمن فيهم نفسه، حتى وإن اقتضى الأمر المغامرة، باحثاً في كل ذلك عن المغايرة والتميّز والجديد والحقيقة البيضاء.

جمهور وقيم

لهذا السبب استقطب جمهوراً واسعاً، ناهيك عن القيم الجمالية التي حاول إظهارها، كاشفاً لنا عن عمق ودراية ما يجري في المجتمع، خالقاً أبطالاً هدفهم إسعادنا، على الرغم مما كان يعانيه من ألم، وكما قال غائب طعمة فرمان عنه: إنّه إنسان ثابت في أرضه، يعرف كل شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافية روح، بشجاعة قلب، وحكمة نظرية ومكتسبة بما يمثل الهيكل الإنساني لحياة ابن الريف.

ويمضي فرمان للقول: لقد وظّف شمران نباهته ورهافة حسّه ولذاعة سخريّته ووضع كل ذلك في يد صديقه وأخيه الفلاح، ليلتمس مواطن الضعف والمأساوية في حياته، ويجعل من حياته البسيطة الساذجة في أحيان كثيرة قصصاً يمكن أن ترى وتجلب التعاطف، وتسجل تاريخاً لم يجرِ المؤرخون على تسجيله.

ضوء لا بدّ منه

لا زلت أعتقد أن أدب "أبوگاطع" لم يُدرس بعد ولم يُسلّط الضوء عليه بما فيه الكفاية، لا سيّما تفكيك "حسجته" (كيمياء لهجته المحكيّة) وقراءة ما وراء سطوره الملغّمة وتورياته حمّالة الأوجه، فضلاً عن سخريته المريرة واللاّذعة، ناهيك عن النكهة الشعبية النافذة التي امتاز بها، وطبعت جلّ أعماله الصحافية والروائية على مدى يزيد عن عقدين من الزمان.

والقراءة لا ينبغي أن تكون من باب التمجيد والمجاملة، بقدر ما تكون قراءة نقدية منهجية وموضوعية، بما له وما عليه، فضلاً عن إمكانية إفادة القارىء من الأجيال الحالية والقادمة، بالأجواء السياسية والفكرية والثقافية التي كانت سائدة في عهده والتحدّيات والكوابح التي اعترضت طريقه، ودوره المتميّز على الرغم من ظروفه الحياتية والمعيشية الصعبة، فلم يتمكن من إكماله دراسته، وهو ما يطرح أسئلة على الجيل الحالي والأجيال المستقبلية: ترى من أين جاءت موهبته؟ وكيف تمكّن من صقلها؟ ثم كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته؟ بحيث احتلّ هذه المكانة الاستثنائية ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقلاً من عالم الصحافة السريع والكثير الحركة إلى فضاء الرواية الذي يحتاج إلى التأمّل والدّقة.

ثم ألا ينبغي دراسة نصوصه التعبوية والتحريضية في إطار فصل الصراع ووسائل الدعاية المؤثّرة التي كان يستخدمها، والنقد الذي امتشق سلاحه بمهارة ودقة كبيرين، خصوصاً حين يعطّر كل ذلك بمسحة من السخرية والدعابة وخفّة الظل؟

تشاليز ديكنز العراقي

لقد عرف العراق لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر مع "أبوگاطع"، الذي برز فيه بنتاجه المتنوّع، سواء حديثه الإذاعي الموجّه إلى الفلاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المجالس والمضايف والديوانيّات، ليجعله مادة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته وخاصة رباعيته أو رواية "الحمزة الخلف".

لا أدري إلى أيّ حدٍّ - ونحن نستعيد "أبوگاطع" - يمكن أن نستذكر الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز صاحب رواية: "قصة مدينتين A Tale Of Two Cities"، فقد امتاز أسلوبه هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللاّذعة وصوّر جانباً مهمّاً من حياة الفقراء وحظي بشعبية لم ينلها مجايلوه.

وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبوگاطع"، فثمّة أحزان كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبوگاطع" فيها بعض التخفيف عن قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحك أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا للنقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.

وكما يقول المتنبي:

وَماذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ           وَلَكِـنّهُ ضَحِـكٌ كــالبُـكَاء

وكان الشاعر نزار قباني في إحدى زياراته للعراق، قد قال:

مرحباً يا عراق، جئت أغنيك           وبعض من الغــناء بكاء

السخرية والحزن

لأنّه كان يدرك أن الحزن معتّق في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كل شيء، فحتى فرح العراقيين وغنائهم ومناسبتهم المختلفة، كلها مغلفة بالحزن الجميل، ولذلك كانت سخرية "أبوگاطع" تداف بالحزن اللذيذ.

إنّ سخرية مثل سخرية "أبوگاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يواجه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشاكله وهمومه بنوع من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تعبّر عن موقف مقابل لكل تلك الإشكاليات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إني أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".

لقد كتب "أبوگاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم، لدرجة أنّ روائي المدينة غائب طعمة فرمان يقول عن شخصياته "لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعت بحّة صوتها في أذني، كنت أمام ما نسمّيه موسوعة الريف، ولكنّ كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً".

كاميرا بانورامية

لقد حاول "أبوگاطع" الكشف عن حياة مطوية تقريباً، فقام بتصوير الواقع بكاميرا بانورامية، ملتقطاً صوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، لا سيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته، فقد كان يعرف تمام المعرفة البيئة التي يتحدّث عنها بجميع تفاصيلها وتعقيداتها وتناقضاتها، وهو لا يأتيها زائراً أو مشاهداً، بل راصداً لها وفاعلاً فيها، لذلك جاءت صوره حسيّة تلامس حياة الريف بكل إيجابياته وسلبياته.

وصدق الروائي الروسي مكسيم غوركي حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبوگاطع – أبو جبران" هو مؤرّخ الريف، حيث عكست رباعيته حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحب المحّرم والظلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدين وخداعهم. ولولا "أبوگاطع"، لضاع هذا الجزء المهم من تاريخ الدولة العراقية، وللدقة لضاعت إحدى الرؤى لها، والتي يمكن مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان للريف العراقي.

لقد عرّفتنا سخرية "أبوگاطع" مشاكل الفلاحين وبخاصة فلاحي الجنوب، وبالقدر نفسه عرفنا حجم الألم والمرارة من خلال المواجهة لواقعه، ومرّة أخرى وذلك عبر جوانب حيّة من حياة المجتمع وشخصياته حيث تمكّن "أبوگاطع" من ربط ذلك بهارموني دقيق التناسق، لاسيّما بمنظومة الريف، وفقاً لمعايير جمالية وصوراً واقعية، مكتوبة بحسّ درامي يعكس الواقع بكل ما عليه وما له.

الشخص الثالث

حاول "أبوگاطع" استخدام ما اصطلح عليه الشخص الثالث أو "القصّخون" في المقاهي البغدادية أيام زمان أو ما يسمّى بالصوت الآخر أو "الفلتون" حسب استخدام سميرة الزبيدي، وكان صوته الآخر هو الذي يعبّر عمّا يريد أحياناً، لكنه يجعل ذلك بمسؤوليته المحدّث، ومحدثه هو "خلف الدوّاح" مبدعه الباطني ومحاوره ومنولوجه وملهمه، إنه شخصية أوهم "أبوگاطع" قارئه بأنها وهمية وغير موجودة، لكنه في واقع الأمر كان شخصية واقعية، موجودة، دماً ولحماً كما يقال، إنه كَعود الفرحان الذي نشرنا صورته لأول مرّة في كتابنا "على ضفاف السخرية الحزينة"، ولعلّ بساطته كفلاح تصلح مدخلاً لتوظيفه من جانب "بوگاطع"، ناسباً إليها الحكمة والمعرفة والخزين الاجتماعي للحكايات والأمثال والأشعار والتجارب، فضلاً عن سرعة البديهة وطلاوة اللسان.

خلف الدوّاح "كعود "

لقد رافق "أبوگاطع" في حياته الإبداعية شيئان لا يستطيع الاستغناء أو التفريط بأحدهما: الأول - صحبته مع خلف الدواح وهي المرحلة الثانية، حيث كان اسم كعود قد شغل المرحلة الفنيّة الأولى، وكعود أو خلف الدوّاح هو رفيق الحرف وصديق الكلمة والثاني السخرية، فقد كان الضحك ملازماً له حتى وإن كان يتفجّر حزناً، لأن ذلك واحد من رهاناته ضد أعدائه التقليدين وضد خصومه البيروقراطيين، وعبر خلف الدوّاح والسخرية كان يجد التعبير المتميز عن القرية وحياة الريف العراقي دون اسقاطات أو رغبات في الكتابة عن قوم يحاول التعاطف معهم لأنهم يتعرّضون للظلم، وهي الصورة التي دائماً ما تتكرر عندما يكتب أحد المبدعين عن الريف، ولكن في حالة "أبوگاطع" إنه كتب من داخل الريف بكل تفاصيله وحيثياته بسلبياته وإيجابياته، بنقاط ضعفه ومصادر قوته، بقبحه وجماله، ولم يكتب عن الريف من خارجه، كما كان يكتب بعض أدباء المدينة، مثلما هي رؤية الأديب ذو نون أيوب " الأرض والسيد والماء" التي سبقت الرباعية بعقدين ونيّف من الزمان، ففي حين كان الأول أصيلاً في التعبير عن مشاعر الريف والفلاحين، كان الثاني دخيلاً لأنه من خارج البيئة الاجتماعية الحسّية المنظورة وذلك ما رصده الناقد مصطفى عبود.

السخرية والأقصوصة

إنك والحالة هذه لا يمكن أن تفصل بين "أبوگاطع" وبين السخرية، ففن وأدب وعمود "أبوگاطع" الصحافي الذي انتشر شفيفاً خفيفاً كان لصيقاً بالسخرية اللاذعة الحزينة التي لم يعرفها الأدب العراقي عموماً، لكنها مع "أبوگاطع" اكتسبت شكلاً جديداً أكثر عمقاً وشمولاً وخفّة دم كما يقال. وبقدر سخرية "أبوگاطع" ، كانت الرواية شكلاً جديداً للتعبير، مثلما ظلّت الأقصوصات والحكايات مادة طازجة يحتويها عموده الصحفي وبقدر المتعة والضحك، فإنها في الوقت نفسه، تعكس جدّية عالية ووقاراً هائلاً، حتى وإن كنّا نضحك من الأعماق.

المعكّل بالمرقص

حدثني في إحدى الليالي الخريفية عام 1976 وكان قد فرض على نفسه إقامة جبرية بسبب إلتباسات الوضع السياسي والحزبي، قائلاً إنه ضمن المشهد السائد يشعر مثل "المعكَّل بالمرقص (أي من يلبس العقال والكوفية- اليشماغ) وهو يراقص فتاة، وأردف قائلاً نعم أنه معكَّل بمرقص السياسة. وكان يسمّي علاقات تلك الأيام " عرس واوية" أي " زواج ثعالب" نظراً لتردّي العلاقة بين الأطراف السياسية، لاسيّما الحكومة وحلفائها.

كان "أبوگاطع" يثير الكثير من الأسئلة، وقد تبدو للسامع أو للقارئ، إنها أسئلة سهلة، لكنها من السهل الممتنع، فالأسئلة السهلة هي أكبر الأسئلة وأخطرها: مثل الحرية والإيمان والإلتزام والتضحية والعنف والسلام والوفاء والتعايش وغيرها، أما لغته فكانت سلسة وقوية يطرّز فصحاه الخصبة بالعامية الجميلة، وبشيء من المرونة، فيحاور الدولة على لسان خلف الدواح وينتقد الأوضاع السياسية ويناقش الحركات والأفكار ويتمنطق بمصطلحات آيديولوجية وبحبكة درامية، كلّ ذلك مغلّف بالسخرية، لينتقل من حديث المجالس والشفاهة، إلى الكتابة، ومن الريف إلى المدينة، ومن هموم الفلاح، إلى مشاغل المثقف.

وإذا كان غائب طعمه فرمان، روائي المدينة، ولاسيّما بغداد بحواريها وأزقتها، بنسائها ورجالها، بجوامعها وكنائسها وحاناتها وملاهيها وتطلعاتها نحو الحداثة والحرية، فإن "أبوگاطع" كان بحق روائي الريف بفلاحيه وإقطاعيه، بعاداته وتقاليده، بأنهاره وجداوله، بحياته البائسة وتطلعه نحو التمدّن والعصرنة والعدالة.

الحرية والتنوير

كان عمود "أبوگاطع" الصحافي خطاً من خطوط المواجهة السياسية الساخنة، بقدر ما هو شفيف خفيف وأنيس، يقرأه من كان من محبي "أبوگاطع" وأدبه، لكي يتمتعوا بحكاياته وإقصوصاته وطرائفه ومفارقاته، مثلما يقيسون به درجة حرارة الجو السياسي والحراك الاجتماعي، وكان خصومه في السلطة وخارجها يقرأونه أيضاً، ليعرفوا مواطن الخلل في السلطة ذاتها، ولديهم أيضاً، وكان العمود بمثابة البارومتر الزئبقي الدقيق، فكلّما ارتفعت لغة "أبوگاطع" حرارة، سجّل البارومتر سخونة الوضع السياسي والعكس صحيح، وكان موقع عمود في الصفحة الأخيرة من جريدة "طريق الشعب"، حيث يتربع " بصراحة" وهكذا كان القراء يبدأون بقراءة الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، وعندما نقل العمود إلى الصفحات الداخلية، كتب "أبوگاطع" "نزّلوك لو صعوّدك؟" أي لماذا تم نقل العمود، مع غمز ولمز!!؟.

كان عمود "أبوگاطع" يعطي جرعات متواصلة من السخرية المشوبة بالحزن تلك التي يخشاها الحكّام والمستبدون والبيروقراطيون من كل صنف ولون وفي كل زمان ومكان، وكانت شخصيته المملحة " خلف الدوّاح" ما يوازي شخصية حنظلة في ريشة الفنان ناجي العلي، فالقلم والريشة والشخصيتان الأثيرتان مثّلتا ذلك السحر الآخاذ الذي يثير في النفس خيالات خصبة جديرة بكل من يتوق إلى الحرية والتنوير.

عمود "أبوگاطع" الصحافي مثل كاريكاتير ناجي العلي، يمسّ الروح ويتألق مع العقل وينساب إلى الوعي عميقاً ولاذعاً، وعندما نقول خلف الدوّاح فأنت تقصد "أبوگاطع"، مثلما تعني ناجي العلي عندما نقول حنظلة، وفي كلا الحالين تعني: مقاومة الظلم والاستبداد والانحياز إلى الإنسان وحقوقه... ولا يمكن تصوّر حنظلة بدون فلسطين، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدوّاح دون الحديث عن الريف العراقي، والعراق ككل.

وجوه ومؤخّرات

هي السخرية في الحالين إذاً: وجوه ومؤخرات، زهورٌ وتوابيت، طيورٌ وبنادق، مظلومون وظالمون، هي السخرية حين ينتصب أمامك الواقع العربي بكل تناقضاته وبؤسه وتشويهاته، مثلما تصوره ريشة ناجي العلي يعكسه قلم "بوگاطع": السخرية المشتركة والهوّية المشتركة والأمل المشترك للمثقفين والمظلومين والمنفيين، وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات.

لم يعرف العراق أدباً وكتابة ساخرة الاّ على نحو محدود، فمنذ العشرينيات وحتى الخمسينيات كانت هناك محاولات جنينية بدأت على يد نوري ثابت صاحب جريدة "حبزبوز"، ثم بدأت مع عبد الجبار وهبي وعموده " كلمة اليوم" في العام 1959 في صحيفة اتحاد الشعب الشيوعية، وكان شاكر مصطفى سليم قد نشر مسلسلاً ساخراً في "صحيفة الحرية" القومية التوجّه العام 1960 بعنوان " يوميات قومي متآمر"، وتشكّل كتابات أبو سعيد " عبد الجبار وهبي" وشاكر مصطفى سليم، ثنائياً لمن يريد التعرّف على تلك الفترة المضطربة والحساسة من تاريخ العراق، خصوصاً امتزاج النقد الاجتماعي بالسخرية السياسية.

ويمكن الإشارة إلى الكتابة الصحفية الفكاهية، فضلاً عن الرسوم الكاريكاتورية في الخمسينيات، كما عكستها كتابات خالد الدرة في مجلة " الوادي" وصادق الأزدي في مجلة "قرندل"، وذلك ارتباطاً بحياة المدينة، ولاسيّما بغداد في جانبها الاجتماعي والسياسي، كما كانت هناك كتابات عكست شيئاً من السخرية في فترة الستينيات مثلما كان يعبّر عنها جليل العطية في جريدة "النصر" وغيرها، لكن السخرية الحزينة استحوذت على "بوگاطع"، واختتم هذه المقالة بمشهد كوموتراجيدي، خصوصاً وأنه في رواية " قضية حمزة الخلف" بدا أقل تأثراً بالآيديولوجيا، مما هو في الرباعية، التي حملت إيمانية شديدة وتقريرية روتينية وتبشيرية منحازة، لكن هذا التمثّل خفّ في بنيته السردية في قضية حمزة الخلف.

 

شرّ البليّة ما يُضحك

ففي خضم المأساة يجعلنا "أبوگاطع" نردّد " شرّ البلية ما يضحك"، خصوصاً عندما يقدّم صوراً، متناقضة كومتراجيدية، فعندها يهجم "الحرس القومي" على القرية، حيث يتم تطويق البيت الذي يختفي فيه مطشر اليساري المطلوب من الحكومة، وإذ به يفاجئنا حين يُخرجه عارياً، حيث كان عند عشيقته "زينة!!

ففي تلك الليلة كان بزينة رغبة للتعرّف على مذاق أصناف أخرى من الحب، شفتاها تنتزعان منه الوعي. كل الأشياء صارت في ذهنه ضلالاً باهتة. نسي أباه ونسي نوبة الحراسة (المكلّف بها)، لم يعد حقيقياً في الوجود إلاّ زينة وملمس جسدها، وعرف البخور النفّاذ وطعم شفتيها...

لكن "أبوگاطع" مع استغراقه في هذا المشهد الرومانسي وحبكته الدرامية يصوّر لنا الوجه الآخر للدراما القائمة، فإذا بمسؤول مفرزة الحرس القومي يهتف فجأة: تقدّم، فيرتج بيت داود، حيث كان مطشر عند عشيقته، ولكي يحكم حبكته ويصل المشهد إلى ذروته، يُحدث المصادفة، فأفراد الحرس القومي جاءوا يقصدون بيت "عودة الكبر" الذي يقال أنه من الشيوعيين، بينما هم يهاجمون بيت داوود صاحبهم والمخبر لديهم عن طريق الخطأ، وهكذا تنكشف حكاية مطشر وزينة عن دون سابق ترصّد وإصرار، لكن اندلاع الرصاص وتعالي صوته، أدّى إلى خروج مطشر عارياً، واستطاع الهرب ووصل إلى بيته فرآه والده عارياً، وهذه مفاجأة أخرى في خضم المأساة الساخرة أو السخرية الحزينة لدى "أبوگاطع" بصورتها الكومتراجيدية.

ومنذ أواخر الخمسينات، تمكّن ذلك الريفي المصحوب بالشكّ والمتعطش إلى العدالة والغارق في وهم الآيديولوجيا، أن يخوض في معترك الحياة بشجاعة: كدحاً وصحافة وثقافة وأدباً، حتي غدا اسماً يُشار له بالبنان.

لم يكن "أبوگاطع" متفرجاً على ما يجري في الريف وحياة القرية، في اطار مشهد خارجي وتعاطف انساني، بل كان من الريف وكتب عنه، مقدماً البيئة الريفية بقدرٍ من التشويق والتوتر والانفعال، عاكساً حياة الفلاحين والريف العراقي، كمقطع من الدولة العراقية، التي أرّخ لها في رباعيته من العام 1923 وحتى العام 1963 وفي روايته "قضية حمزة الخلف" في مرحلة ما بعد انقلاب 8 شباط 1963.

الريف ومفهوم البطولة

يمكنني القول إن فصلاً مهماً من تاريخ العراق السياسي، كان سيبقى غير مكتوبٍ، ولربّما مجهولاً بما في ذلك التراث الشعبي لولا موهبة "أبوگاطع" الذي امتلك أدوات تصويرية وقدرات تخيلية لالتقاط واقع الريف العراقي، برؤية شفافة، بحيث اختلط الواقع المعيش بالخيال المتصوّر في حبكة درامية، أكتمل بناؤها في حالات وظلّ غير مكتمل في حالات أخرى. وبهذا المعني يصح قول مكسيم غوركي "التاريخ لا يكتبه المؤرخون بل الفنانون، الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان".

لقد تطور مفهوم البطولة في روايات وحكايات "أبوگاطع"، ففي قضية حمزة الخلف خفّ أو ضعف فيها تأثير الايديولوجيا قياساً بالرباعية، رغم انه ظلّ يلقي بظلاله الثقيلة عليها، لكنها لم تعدْ "كلية القدرة" أسطورية، خارقة، ينسب إليها كل الصفات الحميدة، بل تتمثّل في الشخصية الإنسانية البسيطة، التي تحمل عناصر القوة والضعف، الشجاعة والخوف، الاقتحام والتردّد، الخير والشر، المجد والأخطاء على حد تعبير الجواهري في قصيدته المهداة إلى الزعيم العربي جمال عبد الناصر، وهي تذكّرنا بغريغوري بطل رواية شولوخوف "الدون الهادئ" المتذبذب، المقتحم، المتردّد، الضاج بالحركة والحب والفحولة، المتنقل بين القوزاق والجيش الأحمر والأبيض وبالعكس!

إن كتّاباً ساخرين إلى جانب "أبوگاطع" الذي كان الأكثر شهرة وابداعاً بينهم، بحاجة إلى دراسات وأبحاث جادة للدخول إلى عالمهم الداخلي الروحي وتقويم ونقد نتاجاتهم وسخريتهم أمثال: عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) وعموده الشهير "كلمة اليوم" في صحيفة "اتحاد الشعب" بعد ثورة 14 تموز 1958، وشاكر مصطفى سليم، الذي كان يكتب في صحيفة "الحرية" مسلسلاً بعنوان "يوميات قومي متآمر" وقبلهما خالد الدرّة وكتاباته المتمّيزة في "مجلة الوادي" وصادق الأزدي في "مجلة قرندل". وفي مرحلة الثلاثينات اشتهر الكاتب الساخر نوري ثابت ومجلته "حبزبوز". واذا كانت السخرية فنّاً رفيعاً فهي تعبير عن موقف مسؤول من الحياة بكل ما تعنيه الكلمة. وكان كارل ماركس يردّد: إنني أقف مما هو مضحك موقفاً جاداً.

"أبوگاطع" رغم شعبيته الاّ انه كان رجلاً "مرفوضاً"، باستعارة توصيف المفكر جورج لوكاش، للبطل الملحمي حسب بعض الولاءات والمقاسات الحزبية الضيقة... لأنه كلّما كان يلامس تجربة كان يلغمها بالأسئلة... الأسئلة هي ذاتها التي ظلّت قائمة ومتلاحقة في مملكة جورج أورويل "مزرعة الحيوان" و"رواية 1984" أو عند "أبوگاطع" في "مملكة الضبع الأكبر".

نحن بحاجة إلى السخرية في مواجهة غلاظ القلوب...

 

عبد الحسين شعبان

أديب وأكاديمي

 

محمود محمد عليفي المقال السابق بينا كيف كانت ولادة بنت المستكفي ذائعة الصيت، وهي الأميرة تُعتبر شخصية الأميرة الأموية، والشاعرة القرطبية" ولاّدة بنت المستكفي بالله "، هي إحدى أظهر شخصيات التاريخ النسوي الأدبي في الأندلس وأشهرها. فهي الشخصية التي قد اهتمّ لها، وهامَ بها: جملةٌ من أهل الفنون ؛ فكتب عنها الأدباء، والشعراء، والمستشرقون، وجنح بالخيال عنها المتأدبون.

وفي هذه الفترة اتَّصلت ولادة بـ"أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي " الشهير بـ "ابن زيدون" بابن زيدون، والذي يعد من أعظم شعراء الأندلس، وأجلهم مقامًا، لموهبته الشعرية الفذة، وتنوعت أشعاره، وأغراضها فمنها الغزل، والمدح، والرثاء، والاستعطاف، ووصف الطبيعة، والهجاء، وقد كان في مدحه لحكام الأندلس، يركز على معانٍ محددة هي الشجاعة والقوة، وكان يضع نفسه في مصاف ممدوحيه، وهيبتهم على طريقة المتنبي (1) .

تعد قصة الحب بين ولادة وابن زيدون إحدى تلك القصص الحالمة والمشهورة التي بدأت داخل حدائق قرطبة وهناك حيث انطلق فيض من الشعر في جمال تلك الفاتنة ولادة حتى قال فيها ابن زيدون العاشق:

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقًا      والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا

   وللنسيم اعتلال في أصائله        كأنما رق لي فاعتل إشفاقا

وقد اشتهرت قصَّة الحب التي نشبَت بينهما رغم أنَّها لم تدُم طويلًا، فقد أحبَّها ابن زيدون حبًّا كبيرًا وصار مولعًا بها، وظلَّ يطلب وصالها ولقاءها على طول الفترة التي جمعت بينهما، وقد ذكر البعض سبب عدم استمرار علاقتهما طويلًا بأنَّ ابن زيدون قد أظهر ميله لجارية سوداء البشرة كانت بارعة في الغناء من أجل أن يثير غيرة حبيبته ولادة حتى تعود إليه، وقد حاول كثيرًا أن يسترضيها بقصائده الشهيرة والتي أشهرها القصيدة ذات المطلع الأشهر:

أضْحَى التّنائي بَديلاً عنْ تَدانِينَا.. وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا

إلا وقد زال يضحكنا أنسا بقربهم.. قد عاد يبكينا غيظ العدا من تساقينا

فانحل ما كان مفقـودا بأنفسـنا.. وأنبت ما كان موصولا بأيدينــا (2).

وصار هذا الحب الجارف واضحا عبر لقاءات في مجلسها، فاشتعلت قريحته بأشعار ملتهبة، ومساجلات رائعة، كانت مفاجأة لرواد المجلس، وأضفى سجالهما الشعري بعدا جديدا على حركة الإبداع الأندلسي في نهاية العصر الأموي، وبداية عصر الطوائف، ووصل الحب الجارف بينهما حد أنها كانت تطلب اللقاء وتتعجله تحت جنح الظلام ونظمت أبياتاً من الشعر في ذلك:

ترقب إذا جن الظلام زيارتي.. فإني رأيت الليل أكتم للسر

وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح.. والبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر

ويصف "ابن زيدون" حرصه على سرها، وصونه لها وحنانه عليها بقوله:

أصونك من لحظات الظنون.. وأعليك من خطرات الفكر

وأحذر من لحظات الرقيب.. وقد يستدام الهوى بالحذر

وكان لـ «ابن زيدون» غلام يدعى «علي» فداعبته فيه «ولادة» بقولها:

إن ابن زيدون على فضله.. يفتأ بي ظلما ولا ذنب لي (3).

وهكذا بدأ العشق بالسجالات الشعرية والمباريات الفكرية بينهما، كان حبهما مختلفًا، حب يحكمه اللهفة والشغف والشاعرية المفرطة والتنافس والتحدي، كل منهما يسجل أهدافًا على الآخر، وينتظر ردة فعل حبيبه، وكحال كل العشاق دائمًا يأتي الكدر متخفيًا داخل عباءة القدر،

وبينما كان العاشقان بالسر يتواعدان وبظلام الليل يستتران وفي الصباح بعضهما بالأشعار يغازلان، وذات مساء في مجلس ولادة كان ابن زيدون والحضور يستمعون لصوت جارية سوداء من جواري ولادة، ويبدو أنّ ابن زيدون لشدة إعجابه بصوتها طلب إليها أن تعيد الغناء، ما أثار حفيظة ولادة التي أبدت غيرتها ونقمت على ابن زيدون منذ ذلك الحين، وقالت معاتبة له:

لو كنتَ تنصِفُ في الهوى ما بيننا.. لم تهوَ جاريَتِي ولم تتخيَّرِ

وتركتَ غصنًا مثمِرًا بجمالِهِ.. وجَنَحتَ للغصنِ الذي لم يثمِرِ

ولكي تغيظ ولادة ابن زيدون صارت تصرف اهتمامها لابن عبدوس الوزير الذي صار ينافس ابن زيدون على ولادة، وقد ذكر المؤرّخون أنّ ابن عبدوس وولادة قد عُمِّرا طويلًا وبقي ابن عبدوس يواصلها وهي في عمر الثمانين، وهذا الحب الذي كان بين ولادة وابن عبدوس -أو الحب المفترض والمزعوم الذي ادّعته ولادة- قد أثار غيرة ابن زيدون، فما كان منه إلّا أن كتب الرسالة الهزليّة المشهورة وأرسلها لابن عبدوس، بل فوق ذلك فقد وصف ابن عبدوس بالفأر الذي يأكل فضلات ابن زيدون، والفضلات هنا هي ولادة، فقال ابن زيدون:

أكرِم بولادةٍ ذخرًا لمُدَّخِرٍ.. لو فرَّقَت بينَ بيطارٍ وعطّارِ

قالوا أبوعامرٍ أضحى يلِمُّ بها.. قلتُ الفَراشَةُ قد تدنو من النارِ

عَيَّرتُمونا بأن قد صارَ يَخلُفُنا.. فيمن نحِبُّ وما في ذاكَ من عارِ

أكلٌّ شهيٌّ أصبنا من أطايبهِ.. بعضًا وبعضًا صَفَحنا عنهُ للفارِ (4)،

وهنا هجرته ولادة إلى غير رجعة، ولم يستطع ابن زيدون استمالتها على كثرة ما قال فيها من قصائد واعتذاريّات، حتّى إنّ ابن عبدوس خشي أن يرقّ قلب ولادة له فسعى به عند أبي الحزم بن جهور فسجنه وهرب من سجنه، والأرجح أنّه قد هرب إلى إشبيلية إلى المعتضد من بني عبّاد، وبذلك تنتهي قصة الحب الخالدة التي جمعت ابن زيدون بولادة.

أن ترتبط بابن عبدوس، غريم ابن زيدون وعدوه الأول، بالغت ولادة في علاقتها بابن عبدوس ووصلت الأخبار لابن زيدون في سجنه، فبات يبكيها كل ليلة ويبكي جمال لياليها، ويبكي غربته وقهره في بعده عنها، وكتب في ذلك أشعارًا وهرب من سجنه يطوي صحاري وقفارًا حاملًا حبه لولادة بين حجرات قلبه، وبعد هربه قضى ابن زيدون بعد هربه فترة من الزمن شريداً في قرطبة، يتمنى أن يستطيع رؤية ولادة، ثم أرسل إليها بقصيدته الأشهر (النونية) وهي واحدة من أروع قصائد الشعر الأندلسي والشعر العربي عموما، يقول في مطلعها:

أَضْحَى التَّنَائِـي بَدِيْـلاً مِـنْ تَدانِيْنـا    وَنَا بَ عَـنْ طِيْـبِ لُقْيَانَـا تَجَافِيْنَـا

ألا وقد حانَ صُبـح البَيْـنِ صَبَّحنـا      حِيـنٌ فقـام بنـا للحِيـن ناعِيـنـا

مَـن مُبلـغ المُبْلِسينـا بانتزاحِـهـم     حُزناً مع الدهـر لا يَبلـى ويُبلينـا (5).

لم تلق هذه الأبيات أي رد فعل أو قبول أو استجابة في قلب ولادة حيث أصبحت قصة حب ابن زيدون وغرامها له مجرد ذكرى برغم ما خلفه هذا الحب العنيف من أثر في نفسيهما، وقد بقي مستعرا عند ابن زيدون لدرجة أنه كان يعتبر حياته فراغا قبل علاقته بولادة وأصبحت بحبها وامتلاكه لقلبها حياة سعيدة هانئة حقق فيها أمجاده الفكرية والأدبية، والسياسية أيضا، فقد كان يؤرخ لحياته بهذا الحب الطاغي ليلازمه سوء الحظ في مأساته وعذابه المرير وتحول أيامه إلى الكآبة من بعدها ليعيش الصراع النفسي الرهيب واقترانه ببعده عنها وإعراضها عنه. وظلت هي دون زواج حتى موتها في عام 1091م، تاركة وراءها فراغ ثقافي امتدت طويلا، وكان شاهدا على بداية عصر زوال دولة الخلافة في الأندلس (6).

توارى اسم ولادة في التاريخ الأدبي على حين علا نجم ابن زيدون. ولكن مجموعة من الشواعر الإسبانيات في ثمانينات القرن الماضي شرعن ينشرن قصائدهن في مجلة اسمها "ولادة". وبذلك عادت إلى الأذهان ذكرى المرأة التي سحرت أدباء عصرها وساسته. ومع تصاعد الحركة النسوية أصدرت الشاعرة الإسبانية ماجدالينا لاسلا في 2003 رواية عن ولادة. وأعدت الشاعرة السورية مرام المصري ديوانا شعريا ثنائي اللغة (بالعربية والفرنسية) عنوانه "عودة ولادة". واليوم يقوم في أحد أحياء قرطبة عمل نحتي، يمثل يدين تتلامسان في محبة ورفق، تكريما لذكرى ولادة وابن زيدون، عاشقي قرطبة اللذين غدت قصتهما أسطورة (7).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1-ربهام فؤاد الحداد: عشق ولادة بنت المستكفي وابن زيدون، جريدة الوطن، 12:44 م | الثلاثاء 12 ديسمبر 2017.

2- شوقي ضيف، ابن زيدون، القاهرة:دار المعارف، صفحة 23.

3-علي دياب: ولادة بنت المستكفي في عيون الباحثين والمستشرقين، التراث العربي، اتحاد الكتاب العرب، مج 31 ،ع 128، 2013، ص 101.

4- يوسف مكي: ابن زيدون وولادة بنت المستكفي، جريدة أخبار الخليج، العدد: ١٥٨٤٨ - الجمعة ١٣ أغسطس ٢٠٢١ م، الموافق ٠٥ محرّم ١٤٤٣هـ..

5- د. ماهر شفيق فريد: ولادة بنت المستكفي.. عودة مع تصاعد الحركة النسوية، جريدة الشرق الأوسط، الثلاثاء - 17 جمادى الآخرة 1436 هـ - 07 أبريل 2015 مـ

6- محمد الماطري صميدة: من قصص العشاق .. ولاّدة بنت المستكفي وابن زيدون:حب خالد على مر القرون !، نشر في الشروق يوم 21 - 07 – 2018.

7- د. ماهر شفيق فريد: المرجع نفسه.

 

يسري عبد الغنيهو أبو عبد الله بن محمد بن محرز الوَهْرَانيّ - بفتح الواو وسكون الهاء وفتح الراء وبعد الألف نون - أديب جزائري، عاش في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، المظان التي رجعنا إليها سكتت عن تدوين تاريخ محدد لولادته، إذ تذهب بعضها إلى أنه ولد على الأرجح في عهد الدولة المرابطية في بداية القرن السادس الهجري، بمدينة وهرانإحدى مدن الجزائر، وصفها محمد الزياني بقوله: «وهي مدينة من مدن المغرب الأوسط بساحل البحر الرومي عظيمة ذات مساحة وفخامة جسيمة وبساتين وأشجار ومياه عذبة وأطيار وحبوب عديدة...»، ولقد شبّ بهذه المدينة وعاش بها عدد لا يستهان به من رجال الفكر والثقافة والأدب، ممن ذاع صيتهم وانتشرت سيرتهم عبر مختلف مراحل الحضارة الإسلامية.

لقد عاش الوهراني بموطنه الأصلي تحت سلطة الدولة المُرابطية (التي تأسست بالمغرب على يد يوسف بن تاشفين، وقد تمكن المرابطون من حكم المغرب الأقصى وشطرا من المغرب الأوسط من سنة 524 هـ /  1130 م إلى سنة 668 هـ /  1269 م)، ثم شهد الوهراني سقوط هذه الدولة واستيلاء الموحدين على عرشها (بإعلان المهدي بن تومرت لإمامته ورياسته سنة 515 هـ وقد استطاع الموحدون أن يبسطوا نفوذهم على دول المغرب العربي جميعا وشطر من الأندلس، فوحدوها تحت سلطانهم، حتى سقوط حاضرتها مراكش العام 668 هـ).

في هذا الظرف السياسي تعلم الوهراني ودرس مختلف العلوم الإسلامية واللّغوية، لكننا لا ندري إن كان قد تنقل عبر حواضر المغرب الإسلامي للتتلمذ على يد المشايخ أم أنه اكتفى بالدراسة في وهران، نظرا لكون المصادر التي ترجمت له لم تتحدث عن ذلك، كما أن آثاره التي خلّفها لم تُشر إلى ذلك أيضا.

ويبدو أن ابن محرز الوهراني كان يسمو إلى المعالي لقدرته على الإنشاء والكتابة الديوانية، لكنه لم يجد سبيلا إليها بموطنه الأصلي وهران ولا في بلدان المغرب الإسلامي الأخرى خلال عهد الموحدين، رغم أنهم «اهتموا بالشعر والشعراء وجعلوهم أصحاب رسالة اجتماعية ودينية لا يمكن الإخلال بها»، على أن تكون دفاعا عن كيان دولتهم ونشر مذهبها، وقياسا على هذا فقد استُبعدت الأغراض التي لا تخدم المذهب، والغالب أن الوهراني لم يتفق هذا التوجه السياسي وهَواه، فعزم على التوجه إلى المشرق العربي الإسلامي، فقصد القاهرة بالديار المصرية على عهد الدولة الفاطمية، لأن القاهرة آنذاك كانت تنافس بغداد وقرطبة في العلم واجتلاب العلماء والأدباء، فقد اعتبرت خزانة الكتب بها مفخرة العصر إذ «بلغت جملة ما في الخزانة من الكتب نحو مليون وستمائة ألف – وقيل مليونين – في الفقه والنحو واللغة والحديث والتاريخ وسيرة الملوك والنجامة والروحانيات والكيمياء»، كما كان الأدب شعره ونثره منتعشا أيما انتعاش في تلك الفترة «وقوي فيها قوة لم تعتدها مصر قبل هذه الدولة».

بالديار المصرية، شهد الوهراني سقوط الدولة الفاطمية بموت العاضد سنة 597 هـ ، وقيام الدولة الأيوبية، وكان الأدب من جملة ما اهتم به الأيوبيون فانتعش على أيامها، وتبوأ فيه الأدباء مكانة مميزة في بلاط الحُكم، فوقف الوهراني على وجود فطاحل الكتاب والبلغاء، ومن أبرزهم القاضي الفاضل (- 596 هـ) والعماد الأصبهاني الكاتب (- 597 هـ) وغيرهم من رجال الفكر.

طمح الوهراني إلى الالتحاق بديوان الإنشاء (الذي كان يحتل المرتبة الثانية من حيث الأهمية في العصر الأيوبي بعد ديوان الحبس، وكان القاضي الفاضل على رأسه في ولاية صلاح الدين الأيوبي)، لكن حِيل بين الوهراني وبين ذلك، حينها علم أنه لن يتمكن من منافستهم ومناهاتهم، وإلى هذا أشار ابن خلكان في ترجمته للوهراني بقوله «علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا تتفق سلعته مع وجودهم فعدل عن طريق الجِدّ وسلك طريق الهزل»ثم استقر رأي الوهراني على مغادرة مصر.

إلى هنا سكتت التراجم التي أرّخت للوهراني عن سفراته لبلدان أخرى، حتى ( اتخذ من دمشق دارا وكان قد استوطنها على أيام صلاح الدين الأيوبي، ليستقر أخيرا في قرية على باب دمشق في الغوطة تُدعى داريّا، عُيّن خطيبا في مسجدها لضمان مورد عيشه من جهة، وتجنبا لسلاطة لسانه وسخريته اللاذعة من جهة أخرى، حتى توفي بها سنة خمس وسبعين وخمسمائة للهجرة (575 هـ) الموافق لسنة ألف ومائة وتسعة وسبعين للميلاد (1179م)، ودُفن أبو عبد الله بن محمد بن محرز الوَهْرَانيّ - رحمه الله – على باب تربة الشيخ الداراني)

أدبه:

لقد خلف ابن محرز الوهراني منامات ومقامات ورسائل جمعها وحقّقها كلها ووضعها تحت عنوان "منامات الوهراني ومقاماته ورسائله"، كل من الأستاذين إبراهيم شعلان ومحمد نغش، مع مراجعة لعبد العزيز الأهواني العام 1968م، وقد اعتمد المحققان في إصدار آثار الوهراني على خمس نسخ، ونشير هنا، أن صلاح الدين المنجد سبق له أن نشر نُسخة رقعة على لسان جامع دمشق من مُؤلف الوهراني اعتمادا على نسخة برنستون فقط.

وعند تصفحنا لعمل الوهراني نجده مؤلفا من منامات ومقامات ورسائل تختلف من حيث الطول والقصر، وقد بلغ عدد النصوص التي يحتوي عليها الكتاب زهاء أربعة وأربعين نصا بين منام ومقامة ورسالة.

فأما المنامات فثلاثة ينتقل من خلالها الوهراني بخياله إلى العالم الأخروي تارة وعالم الجن والشياطين تارة أخرى، ويسعى إلى لقاء صلاح الدين الأيوبي في الدنيا نفسها لأنه كان حيّا يومئذ، وأهم هذه المنامات وأطولها "المنام الكبير"، الذي تصور فيه الوهراني أنه بُعث إلى يوم المحشر والتقى هناك بالعلماء والفقهاء والشعراء والوزراء والمتصوفين وغيرهم، تحاور مع بعضهم، ووصف أحوال آخرين، ويبلغ حجم المنام الكبير ثلاثة وخمسين صفحة من الكتاب المجموع.

ومنام الوهراني منثور في أغلبه، تتخلله أبيات شعرية من نظم الوهراني حينا ولغيره أحيانا أخرى، وعنه يقول ابن خلكان: «وَلَوْ لَمْ يَكنْ لَهُ فِيهَا إلاّ المنامُ الكَبير لَكَفَاهُ، فإنّه أتَى فيهِ بِكُلّ حَلاوَة، وَلَولا طُوله لَذكَرْتُهُ».

وأما المقامات فرصيد الوهراني منها ثلاثة، كتب الأولى في بغداد والثانية في صقليةوالثالثة [21]في شمس الخلافة، فأما مقامته البغدادية فحاول الوهراني من خلالها سرد بعض المسائل السياسية المتعلقة بمجال الحُكم والحُكّام، كتحدثه عن سيرة عبد المؤمن بن علي وآل أيوب، أما مقامته الثانية في شمس الخلافة فتُدرج ضمن إطار النقد الاجتماعي، إذ أزاح الستار عن ظاهرة الإخلال بالقيم الدينية والاجتماعية القويمة، والمتمثلة في ادّعاء الكثير من الناس التفقّه في الدين من غير عِلم، وقد جعل الوهراني من شمس الخلافة رمزا حيا لهذا النوع من الناس، بينما حاول في مقامته الثالثة والمسماة " المقامة الصقلية " مدح بعض الرجال في أحد المجالس.

وأخيرا أخرج الوهراني نماذج متنوعة من الرسائل ذات الموضوعات المختلفة والتي بلغت زهاء ثلاثة وثلاثين رسالة، أنطق فيها الجماد والحيوان، ففي رسالة كتبها على لسان جامع دمشق، جعل من هذا الأخير لسان حال مساجد دمشق وما حولها، ومشاهد ومدافن الأنبياء والمرسلين، فاجتمعت المساجد، ولجأت إلى أميرها جامع بني أمية، لترى ما هي فاعلة بعد ما مسّها من ضياع.

وكتب الوهراني على لسان بغلته إلى الأمير "عز الدين موسك"  تخبر البغلة فيها الأمير بحالها، بعدما أشرفت على الهلاك، لما تقاسيه وتعانيه عند مالكها من مواصلة الصيام، وقلّة الشعير والقضيم رغم ما يملكه سيّدها من مال كثير.

كما أنطق الوهراني المئذنة، فكتب على لسانها خُطبة على لسان قاضي القضاة، يطلب فيها من السامعين شكر الله تعالى على تشريف دولة أئمتهم من بني العباس بالقاضي "أبو القاسم عبد الله بن درباس"، ووصفه بأفضل الشيم.

وللوهراني رسالة في الطير، ذكر فيها محاسن كل ذي جناح وفضله على الإنسان والطبيعة، أما بقية الرسائل فموجهة للأمراء والقُضاة وأولي الأمر آنذاك، والأدباء والشعراء، فيها الكثير من التهكم بأشخاصهم.

وعن منامات الوهراني ومقاماته ورسائله يقول عبد العزيز الأهواني أثناء تقديمه  لهذا العمل الأدبي بعد تحقيقه: «هذه المجموعة من النصوص تمتَاز في تَاريخ النّثر الفنيّ في الأدب العَربي بميزاتٍ ترفعها إلى مقامٍ عالٍ (...) وأسلُوبه يُضيف للنثر العربي ثروة ويفتح للدّارسين آفاقا»، ويمكن لنا بهذا الوصف وبعد متابعتنا لمنامات الوهراني ومقاماته ورسائله أن نتبين الكثير من الميزات التي إن أخذت الأهمية التي تستحقها، كانت بحق موضوعا بحثيا متميزا يزيد من وعينا بتراثنا الأدبي وتمسكا به.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

.........................

الاسانيد

 ابن خلكان، وفيات الأعيان،

أبو الفلاح الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب

خير الدين الزركلي، الأعلام

إسماعيل البغدادي، هدية العارفين وآثار المصنفين

ابن عودة المزاري، طلوع سعد السعود في أخبار وهران والجزائر وفرنسا إلى آخر القرن التاسع عشر

 أبو القاسم الحفناوي، تعريف الخلف برجال السلف

 عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر

يحيى بوعزيز أعلام الفكر والثقافة في الجزائر المحروسة

عبد اللطيف حمزة، الأدب المصري من قيام الدولة الأيوبية إلى مجيء الحملة الفرنسية:

رشيد بورويبة وآخرون: الجزائر في التاريخ: .

 

محمود محمد عليتذكر كتب التاريخ الأدبي والشعري عدداً من شواعر العرب في الجاهلية والإسلام، بلغن حمسمائة وخمس شواعر، وربما يزيد عن ذلك، ونعلم جميعاً أن التراث الشعري الموروث قد أرخ لآلاف الشعراء العرب ممن طوقوا كل أبواب الشعراء، بدء بالمعلقات وحتي عصرنا الحاضر، وبالرغم من أن المرأة كانت مخلوقاً مهضوم الحقوق تورث مع المال والماشية، تُوءد وهي طفلة، وتسبى في الحروب .. وتحرم من الميراث، إلا أن عدداً كبيراً من النساء نبغن في الشعر شأنهن شأن الرجال، وطرقن أبواب المدح والرثاء، والهجاء، والغزل، والحكمة، والحماسة، والتحزب السياسي (1).

وقد سايرن كبار الشعراء في الفصحاة، والمتانة، وصحة اللغة، فإذا كان للنساء كل هذا الأثر، ولهن هذه النسبة الكبيرة من الشعر .. فلطالما قرأنا عن شاعر " فحل" أو فحول الشعراء، فأستميح القارئ عذراً أن أقول مع بعض الباحثين " شعر الشواعر"  (2)، حيث أثبتن أن فحولة اللغة والشعر ليست قصراُ علي الشعراء، وإن الأمثلة واضحة كما في ولادة بنت المسكتفي والذي أطلق عليها في هذا المقال "غادة الأندلس في عصر المرابطين".

وهي أندلسية وشاعرة عربية من بيت الخلافة الأموية في الأندلس، هي ابنة الخليفة المستكفي بالله، اُشتهرت بالفصاحة والشعر، وكان لها مجلس مشهود في قرطبة يؤمه الأعيان والشعراء ليتحدثوا في شؤون الشعر والأدب،وقد عرفت الجمال الفاتن، والشعر المتقن، فهي احدي الشاعرات الشهيرات في تاريخ الندلس في عهد المرابطين، بل وأكثرهن شهرنة وجمالاً، واقترن اسمها بالعديد ممن حولها؛ فصاحبتها "مُهجة القُرطُبية"، وهي شاعرة لا تقل عنها جمالا، ولُقِّبَت بـ «مهجة صاحبة ولادة".

قال عنها «لسان الدين بن الخطيب» شاعر الأندلس ومؤرخها في كتابه الجامع «اللمحة البدرية في الأخبار النصرية»: «.. والأندلسيات جميلات فاتنات، موصوفات باعتدال السِّمن وتنعم الجسوم، واسترسال الشعور، ونقاء الثغور، وطيب الشذا، وخفة الحركات، ونبل الكلام، وحسن المجاورة، وقد بلغن من التفنن في الزينة، والتظاهر بين المصبغات، والتنافس في الذهبيات والديباجات، والتماجن في أشكال الحلى.. إلى غاية بعيدة. فتبصرهن أيام الجمع كأنهن الأزهار المتفتحة في البطاح الكريمة تحت الأهوية المعتدلة!». وسبب ذلك أن حكام العرب والبربر شغفهم جمال فتيات أوروبا، وكان ملوك غرناطة يتزوجون بجاريات شقراوات، ذوات عيون زرقاوات، يتنافسن في اجتذاب رجال الفكر والسياسة والشعراء والفنانين، فكانت أمهات معظم أولئك الملوك من أصل أوروبي، ونالت المرأة هذه المكانة لأن القادة والمشاهير من أهل الأندلس كانوا يبالغون في كرمهن وتدليلهن ويسبغون عليهن كل صنوف الرعاية والعناية (3).

وكان لها (صالون أدبي بقرطبة) لم يحضره أديب أو شاعر إلا هام بها فهي تذكرنا (بمي زيادة) في العصر الحديث.. غير أن حياة (ولادة) أكثر سعادة ومرحاً وإثارة من حياة (مي) فقد كانت ابنة حاكم قرطبة، وعاشت طويلاً، وهام بها كثيرون أشهرهم ابن زيدون الذي أحبها بكل جوارحه وقال فيها أجمل أشعاره ومنها روائعه: (

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً.. والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا

ودّع الصبر محبٌ ودّعك.. ذائع من سرِّه ماستودعك

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا.. وناب عن طيب لقيانا تجافينا

لم يعرف المؤرخون موعد ولادتها بشكل دقيق، ويقال أنها ولدت عام ألف وواحد للميلاد في مدينة قرطبة في الأندلس، إلا أنهم أكدوا جميعاً أنها عاشت لفترة طويلة وتوفيت وعمرها ما بين الثمانين، والخمسة والثمانين عاماً . كانت ولادة في المغرب تعد كعلية بالمشرق إلا أن ولادة تزيد بمزية الحسن الفائق، وأما الأدب والشعر والنادر، وخفة الروح فلم تكن تقصر عنها، وكان لها صفة في الغناء، وكان لها مجلس يغشاه أدباء قرطبة وظرفاؤها، فيمر فيه من النادر وإنشاد الشعر كثير لما اقتضاه عصرها.

هي ولادة بنت محمد المستكفي بالله بن عبد الرحمن .. أمها جارية أسبانية اسمها " سكرا"، وقد ورثت منها بشرتها البيضاء، وشعرها الأصخب،وعينها الزرقاوين، وكانت تخالط الشعراء في زمانها وتجالسهم، بل وتنافسهم، ووالدها هو " محمد بن عبد الرحمن الناصري " الملقب بالمستكفي بالله (أحد أضعف حكام الأندلس في فترة إنهيار العصر الأموي والذي قام علي أنقاضه عصر ملوك الطوائف)، وقد تولي الخلافة سنة 414هـ  قال عنه ابن بسام في الذخيرة: " وكانت دولته سبعة عشر شهراً صعابا نكدات، سود مشوهات، أرسله الله علي أهل قرطبة محنة وبلية، إذ كان منذ عرف غفلاً عطلاً منقطعاً إلي البطالة، مجبولاً علي الجهالة، عاطلاً علي كل خلة تدل علي فضيلة" (4)؛ولم تدل سلطة أبيها ولم تدم سلطة أبيها في الحكم، فبعد سبعة عشر شهرا حسب قول ابن بسام من ولايته ثار عليه أهل قرطبة، ففر مستخفياً بين امرأتين إلي مدينة أفليج مع بعض رجاله، فاتهموه بمال فاغتالوه وقتلوه، ولما خلع المستكفي ثم قتل (416هـ) كانت ولادة في شرخ شبابها، وذروة شهرتها، وقد شهرت مصرع آبائها، وانهيار دولتهم، وتريع أمراء الطوائف آرائكهم، وقد بخلت علينا المصادر التي أرخت لحياتها بذكر السنة التي ولدة فيها شاعرتنا، وذكرت السنة التي توفيت فيها، وقد اتفقت علي إنها توفيت يوم الأربعاء سنة 485هـ (5).

وكانت ولادة قد أخذت قسطا وافرا من التعليم قبل وفاة أبيها، حيث حضر لها العلماء والمثقفين، وحدب علي تربيتها، ولكنها ورثت عنه وعن امها الشريرة ميلها إلي المرح، والتحرر من قيود المجتمع والجرأة علي الفساد ؛ وهكذا تحررت من الأصفاد الاجتماعية بعد موت أبيها، فسفرت عن وجهها، وفتحت أبواب قصرها للأدباء، والشعراء، ورجال الفكر، فصار (صالونا) أدبياً يتهافت عليه الشعراء والكتاب، فكان مجلسها بقرطبة منتدي لأحرار المصر، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب علي حلاوة عشرتها، إلي سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك لعلو ونصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب (6)؛ وكانت تناضل الشعراء، وتساجل الأدباء، وتفوقهم في البراعة،  ولذلك عاشت في ثراء وبزخ الأميرات،وحباها الله بموهبة شعرية فذة وكانت أيضا تجيد وتستمتع بسيطرتها العاطفية علي الجميع، مما دفع بعض المتطرفين إلي تصويرها وكانها احدي فتيات الهوي والمتعة، إلا أن عددا كبيرا من الباحثين وصفوها بالعفة والطهارة، وأنها كانت بعيدة كل البعد عن الإسفاف والتبذل .

وكانت تصاحبها الشاعرة التي لا تقل عنها جمالاً " مهجة القرطبية"، والتس اُشتهرت بصحبتها لولادة، ولقبت بمهجة صاحبة ولادة، حتي أبوها المستكفي بالله بالرغم من أنه الخليفة، إلا أنه اُشتهر ولُقب بوالد ولادة، وكانت تحظي بحب واحترام كبيرين لثقافتها، ولفصاحتها الشعرية، ولجمالها، عكس أبيها الخليفة المستكفي بالله سيئ السمعة، والذي وصفه أبو حيان التوحيدي قائلاً:" قائلاً: "سقيم السر والعلانية، أسير الشهوة، ورجل بهذه الصفات لم يكن يتوقع منه إنجاب أميرة شجاعة، كريمة الحسن واليد، وشاعرة مميزة في مجالس الأدب بقرطبة، لكن هذا ما حدث، فأتت ابنته ولادة على عكسه تمامًا؛ امرأة لا مثيل بجمالها، وثقافتها، وفصاحتها، وحكاياتها الكثيرة مع العشق وابن زيدون، طيرت شهرتها في عصرها، ونقلتها إلى عصرنا؛ لتصبح من أشهر النساء في التراث العربي الأمس واليوم" (7).

كانت ولادة من أروع الشعراء والأدباء في ومانها، الأميرة الأندلسية الجميلة، والشاعرة العربية الفصيحة الأصيلة، والتي احتفي بها مؤرخوا الأندلس أكثر من أية شخصية نسائية أخري في عصرها، وكانت لها مكانة مميزة في الشعر، وقد اُشتهرت ببيتين شهيرين من الشعر، قيل أنها كانت تكتب كل واحد منهما علي جهة من ثوبها بماء الذهب:

أنا واللَه أصلح للمعالي.. وأَمشي مشيتي وأتيهُ تيها

وَأمكنُ عاشقي من صحن خدّي.. وأعطي قُبلتي مَن يشتهيها

وقد تنافس على حب هذه الأميرة الجميلة كثيرون، ولكن أشهر من نافس ابن زيدون في حب ولادة هو (ابن عبدوس) وهو وزير كابن زويدون ولكن الأخير شاعر مبدع فكاد له (ابن عبدوس) وكذب عليه حتى سجن ابن زويدون، وحين خرج أبدع رسائل الهجاء في ابن عبدوس والذي يظهر أن ولادة كانت سعيدة بهذا التنافس في حبها تذكي ناره بدلالها وتشعل النار في قلوب عشاقها، وقد أضيف لها كثير من الروايات المختلفة وحيكت حولها القصص.

قال عنها ابن بسّام:(.. كانت في نساء أهل زمانها، واحدة من أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر، كانت درة يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، وسهولة حجّابها، وكثرة منتابها، يخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب، على أنها ــ سمح الله لها، وتغمد زللها ــ أطرحت التحصيل وأوجدت إلى القول فيها السبيل، بقلة مبالاتها، ومجاراتها بلذاتها..) إلخ (8).

وكتب عنها "المقري التلمساني" في سفره "نفح الطِّيب من غصن الأندلس الرطيب» قائلا: «.. وكانت واحدة زمانها المشار إليها في أوانها حسنة المحاضرة، مشكورة المذاكرة" (9).

وهكذا كان منتدي ولادة، تجمع فيه بين الجمال والأدب، والذوق، وأنيق الشعر، ورفيع الغناء، وحسن المعشر، ورواء الحديث، وحلاوة الرد، وحرارة النكتة، حتي صح أن تُعد من كبيرات ربات المجالس الأدبية، أو الصالونات في الأدب العربي، بل في الأدب العالمي، فسبقت به أديبات فرنسا بعدة قرون، فولادة فتحت صالونها الأدبي في قرطبة في القرن الحادي عشر الميلادي، بينما عرفت فرنسا هذه الصالونات لأول مرة في القرن السابع عشر، وكثرت في القرن الثامن عشر (10) .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........

1- سلامة، هاشم صالح: شواعر العرب، المجلة الثقافية، العدد 51، 2000، ص 38.

2- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

3- لسان الدين بن الخطيب: اللمحة البدرية في الأخبار النصرية، المطبعة السلفية، القاهرة، 1929، ص 233.

4- ابن بسام: الذخيرة، القسم الأول، المجلد الأول، تحقيق إحسان عباس، بيروت، بدون تاريخ، ص 434-437.

5- سعد بن حسين وفلاقة: ولادة بنت المستكفي الاميرة الشاعرة، جذور، النادي الأدبي الثقافي بجدة، المجلد 9، الجزء 21، 2005، ص 346.

6- المرجع نفسه، ص 347.

7- أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والموأنسة، الجزء الثاني، المكتبة العصرية، بيروت، 1424هـ، ص 177.

8- ابن بسام: الذخيرة 1/376 .

9- شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني: نفح الطِّيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ص 344.

10- المرجع نفسه، ص 348.

 

عبد الرضا حمد جاسممن منتصف 1981 الى منتصف 1984 / الخاتمة

توقفت في الحلقة السابقة عند: بدرة وجصان

تحرك اللواء إلى قاطع بدره وجصان وكان واجب السرية في المناطق القريبة من مخفر الشهابي وكان الوضع هادى تقريبا إلى من المنغصات التي كان يثيرها الفوج ومن يسكن الخلفيات حيث كلما كان القاطع هادئ كلما نشط "الرفاق" ومن معهم وبالذات عندما يتمتع آمر السرية بإجازته الدورية حيث منذ فتره ليست بالقصيرة كنا لا نذهب معاً بالإجازة وكان هذا اقتراح من م. أول شاكر وكيل آمر السرية لأن ضابط التوجيه السياسي النقيب الاحتياط مجيد العبيدي (خريج كلية الآداب 1974) يتردد على السرية بين يوم وآخر عسى إن يجد شيء ضد النقيب وفي أحد الأيام ليلاً أتصل طالباً حضوري إلى مقر الفوج غدا صباحاً ومعي سجل الإجازات الدورية وكان صباح نفس يوم الاتصال أشرف على توزيع الإجازات الدورية للمراتب وفوجئ بوجود أسم أحد جنود السرية معهم وكان قد سأل عنه في الأسبوع الماضي وأخبرناه أنه مجاز وهو مقاول كان يشرف على بناء بيت نقيب سلمان في بلدروز ولكنه (بالهجه العاميه كلاوجي يعني يحصل على أجازه لمدة شهر لا يخدم منها يومين أو ثلاثة يعني مرتب حاله وأسمه (محمد نعيس) من أهالي الناصرية.

عرفت القصد فقمت بتبديل سجل الإجازات الدورية للفترة السابقة لتلك الليلة بحيث تكون إجازة محمد نعيس ومعه جندي اسمه (غني) من أهالي الناصرية أيضا كان عمله الأصلي (خلفة بناء)، في هذه الوجبة.

المهم ذهبتُ بالموعد ووجدت قلم السرية الأولى وسرية الإسناد أيضا لنفس السبب وعندما دخلت وأديت التحية قال أهلاً بقلم البطل أبا خلود ويقصد نقيب سلمان الذي رزق قبل أشهر بمولودة البكر وكانت بنت أسماها خلود* أخذ الدفتر وبدأ يقلب وفوجئ أن محمد نعيس يستحق الإجازة هذا الأسبوع فقال كان مجاز الأسبوع الماضي قلت له سيدي هذا السجل وإذا تريد أن تدققه تفضل وهذا توقيع نقيب سلمان على السجل(كان يوصييني النقيب في حالة التعرض لأي شيء في غيابه نقول نقيب سلمان قال هذا أو أسالوا النقيب عندما يعود).

لقد تعرض النقيب إلى مضايقات كثيرة خلال هذه الفترة وأهمها أنه كان كل ثلاثة ليالي الى أربعة ليالي يُكلف بواجب الدورية الليلية قرب خطوط التماس أو في الحجابات وهو لم يعترض لأن القصد منها أنهم يريدونه إن يعترض ليحاسب أو يتوسل ليُذَّلْ وكان واعي للحالتين وينفذ الواجب بكل بطوله وإخلاص وفي أحدى المرات كان الواجب ليلة أجازته الدورية.

خلال هذه الفترة وصل السرية الجندي (كريم) منقولاً من خارج اللواء ومعه توصيه بعدم تسليمه سلاح وعدم تكليفه بأي واجب لأنه مريض عقلياً (يعني طباكَات كما يُقال) وكريم شاب وسيم جداً (راهي) الطول رشيق ذو شعر أسود فاحم منسدل طويل خريج ثانوية زراعه ومن أهالي العمارة ويسكن مدينة الثورة ومعاقب بواسطة مجلس تحقيقي لمحاولته استخدام سلاحه الكلاشنكوف في ساحة العرضات وتهديده للضباط في تلك اللحظة.

تُرِكَ كريم في مقر السرية يتحرك كما يريد دون أي واجبات وأصبح من الذين يرتاح لهم النقيب لأنه صاحب نكته (وسوالف تخرب ضحك يمزج بها ما يريد من شتم للقيادة والحزب والجيش مع حركات بهلوانيه) وكان يقول له النقيب كل مره (أبو حاتم ولك أحنه المخابيل مو أنت ولك خوش جاي تضحك علينه روح بفالك)

في أحد الأيام قبل المغرب نادى أمر السرية باسمي بصوت عالي فهرعت إلى موضعه وجدت هناك (كريم) يقف في حالة الاستعداد ويعتمر الخوذة الفولاذية وبادرني النقيب قائلاً ولك هذا المخبل يريد يروح للمتقدم فقلت له(ها أبو حاتم منو مضوجك تريد أجازه كَال انه موجبان لازم تنطوني سلاح وأروح للحجابات وإذا ما تقبلون الليلة أروح مشي) هدئت من حالته وقبلته وأنا أعرف أنه يحبني ويحترمني و(يريد خاطري) فأصر على تهديده بالذهاب مشياً حينها أخبره النقيب بموافقته فتقدم من النقيب ليقبله فمنعته وقبلته وخرجنا وكان فرحاً جداً فعدت للنقيب الذي طلب مني الانتباه من أن لا يسرق سلاح أحد المراتب وطلب مني عدم تسليمه سلاح والبقاء معه حتى يصعد سيارة الأرزاق وأن أبلغهم توخي الحذر إثناء الطريق وترك لي اقناعه بخصوص السلاح خرجت إلى كريم وجدته قد (لف يطغه) ويسأل عن السلاح فأخبرته سيجد السلاح هناك وسيستلم سلاح الجندي الذي سيحل محله فاقتنع.

تحركت العجلة وكريم يرفع علامة النصر وماهي إلا نصف ساعة حتى حصل قصف معادي وعند الاستفسار علمنا أن عجلة الأرزاق في منطقة القصف . تبين بعد ذلك عندما توقف القصف لم يلتحق كريم إلى العجلة وهو مفقود فكلف أم السرية جنود الإعاشة الذين وصلوا إلى مواضع توزيع الأرزاق بالبحث عنه اثناء العودة فوجدوه ممزق الجزء الأسفل من جسمه بالكامل. كان المسكين البريء يكرر أنه مستعد أن يفقد أطرافه العليا أو السفلى ولا يصاب وجهه بخدوش وفعلاً وجدوه قد دفع برأسه داخل حفرة.

لم أرى نقيب سلمان باكياً قبل هذه اللحظة وكان يحاول التماسك ولم يقترب من أحد وكلفني شخصيا بمرافقة جثمان كريم الى أهله فرفضت بشده وقلت له لا أفعلها ولن أفعلها.

زرباطيه: 

تم تشكيل سرية مغاوير اللواء وكان مقرها زرباطيه ونسب آمراً لها النقيب سلمان ومنح صلاحية سحب ما يحتاج اليه من كل تشكيلات اللواء على أساس أنها القوة الضاربة للواء فقام وهذا طبيعي بسحب كل قلم السرية الرابعة وسائقه وحمايته وكان مقر السرية في زرباطيه وكان ذلك قبل أشهر من معركة شرق زرباطيه... تكاملت السرية مع تواصل نقل المراتب إليها وكان الأغلبية الساحقة من منهم من أهالي البصرة / القرنة

وفي احدى الليالي تعرضت السرية الى قصف لعدة دقائق وبعد توقف القصف تم إحصاء الموجود فتخلف أحد الجنود الذي وجد مستشهداً على فراشه حيث تعَّود إن ينام فوق الموضع وتبين أن شضية صغيره اخترقت مؤخرة رأسه وقتلته وهو من أهالي القرنة ويدعى (طارق حيال)

كان هناك ما يثير خلال هذه الفترة التي سبقت معركة شرق زرباطيه المعروفة والتي حدثت يوم 29/07/1983 واستمرت حتى يوم 01/08/1983

في ليلة 28 على29 تموز تعرض القاطع إلى هجوم كاسح من القوات الإيرانية التي استطاعة اختراق المواقع ليلاً وتمكنت من إدامة زخم هجومها حتى الفجر إلى إن وصلت قوات الحرس الجمهوري صباح يوم 30/07 حيث استطاعت أن تتعامل مع الموقف ولكن الملفت فيما جرى هي حكمة هذا الضابط الشاب نقيب سلمان إسماعيل فرحان حيث أخبرني أن غداً يوم توزيع الرواتب هل أنت مستعد للقيام بذلك وتسلم الرواتب للمقاتلين في المتقدم فقلت له نعم سيدي فقال هذا ليس أمر عسكري فقلت له هو امر عسكري أنا مسؤول عن تنفيذه وأنت تعرفني.

كان امتحان عصيب لم استعد له وهو مخاطرة هائلة بل هو انتحار ... هل إنا كما يعرفني نقيب سلمان؟ هل نقيب سلمان جاد فيما قال؟ لم نذق طعم النوم ليلتها جميعاً وعند الضياء الأول ودعت من كان قريب مني وانا بانتظار الامر من النقيب لانطلق مشياً على الاقدام في جو مشتعل... خرج النقيب مسرعاً من موضعه حيث استلم الإشارة بوصول امر اللواء وممثل طيران الجيش اديت التحية وعانقني وقال (ابريني الذمة) ...طفرت من عيني دمعه لا اعرف عليه أم على نفسي.

انتهت معركة زرباطيه وانتهى معها موقفها ولم تنتهي المهزلة التي نصفق لها مجبرين. (تقدم واحنه وياك اثنين...الخ)

لم تُمس السرية بمكروه لأن التعرض لم يتم على قطعات اللواء وكان اللواء و السرية على اهبت الاستعداد كقوة اسناد او هجوم مقابل

سارت الأمور بهدوء ويسر وسهوله فكانت الأجواء تدعو للارتياح النسبي الذي يزيده النقيب سلمان اطمئناناً فالكل يثق فيه ويرتاح له يقابل ذلك ارتياح النقيب من أن الأمور تسير بهدوء ويسرو بما يرتاح له.

كان هناك ما يثير أمر السرية ويعجب له ويتابعه ولا يعلق عليه ولا يعارضه ولا يجهر باستحسانه أو تأييده وكان يسرح معه ويغيب معه ومع نفسه ولا يُسِر أحداً بمشاعره حتى انا القريب اليه وعليه حيث كان مسؤول (البدالة) عريف احتياط من أهالي البصرة لا أتذكر أسمه شاب هادئ صلب جريء مؤمن/ متدين لا يغادر موضعه من الإجازة إلى الإجازة قليل الكلام منضبط كان كل يوم وقت العشاء يعتلي موضعه ليؤذن بصوت رخيم عالي واثق وعندما يصل إلى (أشهد أن علياً.....) يلحن ويضيف ويطيل وكان آمر السرية وقت الأذان يخرج من موضعه ليتابع وعند الانتهاء يدخل الموضع.

لم يكلمني عن شعوره وما يعني له ذلك ولماذا يحرص على متابعة ذلك؟. لقد كنت أشعر وأنا القريب إليه أنه يرتاح جداً ولم يحاول مره إن يتكلم مع مسؤول البدالة في ذلك ولم يتقرب إليه لأنه كان يعرف أنه جريْ ولا يجامل وشعرت مرات أنه كان يتعلم شيء منه وقد شعرت دائماً انه معجب بشجاعة العريف ورباطة جأشه وإخلاصه لعمله ولما يؤمن به ولم يتطرق الشك إلى قلب النقيب أبداً علماً أن النقيب لا يصلي ولا يؤدي أي فريضة. افترقنا ولم أسأله عن هذا الموضوع ولكني كنت أشعر أنه يبادل العريف الإعجاب والتقدير والاحترام

في نهاية الشهر الثالث من عام 1984 وعندما كنت أتمتع بإجازتي الدورية راجعت مدينة الطب في بغداد وبعد الفحص والأشعة تبين إنني مصاب بحاله صعبه في العمود الفقري ناتج عن مرض أصبت به في طفولتي وبعد عودتي إلى المعسكر أخبرت السيد النقيب بذلك فطلب تنظيم كتاب إرسال إلى مستشفى الرشيد العسكري فوراً وطلب الذهاب في اليوم التالي.

وفعلاً تم ذلك ومنحت أجازه مرضيه لمدة 45 يوم اُعْرَضْ خلالها على اللجنة الطبية وتم تحديد الموعد وعرضت على اللجنة التي أوصت بعدم إصلاحيتي للخدمة العسكرية المسلحة وغير المسلح وسيتم أعلام وحدتي بكتاب رسمي.

انتهت مدة الإجازة والتحقت بوحدتي دخلت على السيد آمر السرية لأداء واجب التحية والسلام بادرني قائلاً (ها أخويه خلصت ال45 يوم عبالك تخلص منا... ما تكَدر) وعند محاولتي الرد على كلامه المتواصل قال (اكَعدْ أخويه أكَعِدْ يا مهندس زراعي) استغربت لهذا الطرح الجديد وانأ في تلك اللحظة من التيهان قال (الليلة نظل نسولف للصبح شتكَول أخويه... لو تعبان) قلت له العفو سيدي (بس شنو القضيه) قال: وبداء يتكلم وكأنه يودعني الوداع الأخير وبدأ بذاكرة طريه يعيد ما مر من أول وصوله إلى السرية في معسكر الصويرة حتى هذه اللحظة بحلوها القليل ومرها الكثير وعرج على احترام الإنسان لنفسه وقيمه ومبادئه واحترام الآخرين وذكرني بحاله أو حادثه قد نسيتها وتعمدت أن لا اسردها لعدم أهميتها ولكن فوجئت بأنها عالقة في ذهن السيد النقيب رغم مرور فتره طويلة حيث قال (تتذكر ليلة الشجرة الخبيثة)

[الشجرة الخبيثة: في إحدى أمسيات عام 1983 وكعاته كان السيد آمر السرية يجلس خارج موضعه ونتحلق حوله (جماعة القلم والحماية والسائق والمراسل ومن موجود في مقر السرية) وكان كثير ما يكون الحديث لأغراض ألتسليه وكان محورها انثنين الأول حمايته (محمد) وهو من أهالي الموصل ،طويل رشيق وذو شوارب متميزة جداً وكان(يسميه النقيب الطويل أبو شوارب) والثاني أسمه (محمد مكَطوف) من أهالي البطحاء/الناصرية وهو كما قلنا سابقا طيب وفقير حد البلادة كان يستغلها أبو شوارب لإثارة الضحك...تطور الحديث في تلك الليلة بأن سأل أبو شوارب بخبث للضحك (ليش يكَولون الشجره الخبيثه)

موجه كلامه إلى (محمد مكَطوف) الذي لا يعرف أن يرد حتى لو سؤل عن أسمه فتردد كعادته ولم يجاوب سوى (هسه سيدي النقيب موجود وراها أنه لك) ضحك الجميع ثم بطيبه ولأجل الضحك أيضا وجهه السيد النقيب كلامه لي (ها أخويه شتكَول) فوجدتها فرصه كبيره قد لا تتكرر فقلت: الشجرة الخبيثة عبارة أطلقها القائد البريطاني عندما كبده الثوار الأبطال عند تقدم الجيش البريطاني لاستكمال احتلال العراق عام 1914حيث حصلت معركة في منطقة (اللحيس) بين الناصرية وسوق الشيوخ تكبد فيها البريطانيين خسائر لم يتوقعوها وقد تمترس بعض الثوار خلف شجرة سدر (سدره) ضخمه فأمر قائد الحملة البريطانية بإزالت هذه الشجرة التي سماها بالخبيثة. أثار هذا الطرح الجميع ثم قلت أن من يطلقها هو حفيد من أطلقها أول مره وكانت هذه العبارة انتشرت بكثرة في تلك ألسنه وكان يقال أن ورائها كان صدام حسين فقلت للسيد النقيب: ان من أطلقها وأنت تعرفه هو الخبيث لأنه يطلق مثل هذه العبارة على أبناء مدينه قدمت الكثير للحضارة الانسانية ثم سألته هل أهل تكريت أو الرمادي أو البصرة كلهم طيبين وهل أن سريتك كل افرادها طيبين. وهل تعلم أنك ونحن كلنا خبثاء لأن الجيش العراقي خبيث فهو يتشكل من أبناء تلك المدينة بنسبه لا تقل عن 70% وأن أبو الأنبياء  خبيث لأنه عاش فيها وبيته لازال هناك ومعه كل الأنبياء ومن علم الانسانية الكتابة خبيث ومن يتعلم الكتابة خبيث وكل كتاب خبيث بما فيها الكتب ألمقدسة.

هنا قام النقيب وصاح احسنت أستاذ (بس خلصنه يا معود أحنه دنضحك)]

أعود لليلة الوداع ......أقترب الفجر وأنا لا أعلم ماذا هناك غالبني النعاس ....قال النقيب (كَوم أوكَف بالاستعداد وادي التحية) .فامتثلت لذلك وأعطاني مجموعة أوراق قال قدمها للتوقيع فقدمتها ...فتبين أنها معاملة تسريحي حيث كان كتاب اللجنة الطبية قد وصل قبل التحاقي وأكمل النقيب كل معاملة التسريح وطلب من القلم عدم أخباري حينما ألتحقو المفاجأة تعقد لساني والنعاس الذي تركني...لم أعرف ما أقول أو كيف أتصرف أو كيف أودع فقال السيد النقيب مع أول الضياء سينقلك سائقي إلى الخلفيات وتغادر اليوم حتماً فحضنته وبكيت وهو يضحك وقال أتمنى أن نلتقي. مع الأسف لم نلتقي بعد ذلك.

لم أراه بعد ذلك حيث تحرك اللواء ليُزج في مذبحة (نهر جاسم) حيث فُقِدَ النقيب سلمان إسماعيل فرحان المياحي (أباخلود)

كان رجلاً أكبر من عمره ...شجاعاً...صادقاً.....أميناً..... مخلصاً لوطنه ومهنته قال نحن في معركة وكلنا أبرياء و الاخلاص والوطنية ليست بالانتماء الحزبي ...كان لا يفرق بين معيته لا على أساس العشيرة أو القومية أو المدينة أو الدين...كنا العربي والكردي والتركماني والشبكي ...كنا معاً المسلم السني والشيعي وكان المسيحي وكان اليزيدي...كنا عبد الرضا وعبد القهار وحسين وعمر ومحمد و أوديشو و كاكه خالد و عمو وخديدة....كنا من ديالى وكربلاء والبصرة والموصل والرمادي والناصرية والعمارة ودهوك وأربيل.....كنا العراق.

الرحمة لكل من كان بريئاً ومات بريئاً

(أتمنى من الذوات الذين وردت أسمائهم أو من يعرفون عنهم أن يكتبوا ما يعرفون).

 

عبد الرضا حمد جاسم

...........................................

ملاحظة: 

1 ورد أعلاه ما سمعناه عن قصة الشجرة الخبيثة لكن بعد التدقيق والانتباه صار هناك شيء اخر تركته في المقالتين التاليتين:

[الناصرية والشجرة الخبيثة] (1) بتاريخ 05.02.2021

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=953188&catid=329&Itemid=1249

[الناصرية والشجرة الخبيثة] (2) بتاريخ 07.02.2021

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=953283&catid=329&Itemid=1249

2 اكرر شكري للأساتذة هيئة تحرير المثقف الغراء لتفضلهم عليَّ بقبول إعادة نشر هذه المذكرات...كانت هذه المذكرات وبعد أكثر من عشرة أعوام من نشرها اول مرة سبباً في تعارف عائلتي وعائلة بطل المذكرات النقيب النجيب الراحل سلمان إسماعيل فرحان هذا الانسان الذي حمى المئات وأنقذهم من موت محقق ودافع عن كل بريء كان قريب منه وأنقذ البعض من الإعدام.

3 هناك بعض القصص عن الحرب لم أوردها في هذه المذكرات سأحاول نشرها في الذكرى ال(41) لاندلاع نيران الهمجية في يوم أيلول 1980

 

محمود محمد عليكان أحمد فؤاد نجم كالفراشة تجذبها النار وتشدها، حيث  زعم " نجم" أنه صدق أحلام الرئيس "جمال عبد الناصر" في دعوته للقومية، وأيقن باقتراب النصر على إسرائيل، لكن أحمد فؤاد نجم الواثق من حلمه آنذاك لم يخطر بباله أن عبد الناصر سيزج به في غياهب المعتقل، وهنا يقول أحمد فؤاد نجم : "لم أناصب الرؤساء العداء، لكنهم هم من ناصبوا الشعب المصري العداء".. هذا ما قاله الشاعر أحمد فؤاد نجم، عندما سئل عن أسباب سوء علاقاته برؤساء مصر" (11).

وقد مرت أشعار أحمد فؤاد نجم بمرحلتين أساسيتين كما قال عنه صلاح عيسي، ما قبل نكسة حزيران 1967، وما بعدها، تميزت مرحلة ما قبل النكسة بقصائد رومانسية وجهها لأمه وأبيه، كذلك بالقصائد الوطنية التي تغنت بمصر ونيلها، كما برزت ميوله اليسارية في هذه الفترة من خلال شعره، إضافة إلي إبرازه قدرة استثنائية على تحويل العادي إلى شعري، دون المساس بالفنية الشعرية للقصيدة، مستغلاً مرونة اللهجة المصرية حتى آخر قطرة، وهي المعروفة أنها أكبر من أن تكون لهجة، لكنها أقل من أن تكون لغة، ومن أبرز القصائد التي كتبها في هذه المرحلة (الجزائر): "ارقص يا نيل ساعة الأصيل والشمس رامية شعرها ورا ضهرها على صفحتك.. رامية سلاسل من دهب داب وانسكب في ميتك ولا الصبايا العطشانين متبعترين على ضفتك" (12).

أما المرحلة الثانية؛ فهي نقلة نوعية غير متوقعة من شاعر متصعلك مثل نجم، خاصة وأنه كان قد تخطى سن التمرد، حيث قامت نكسة عام 1967 عندما تخطى السادسة والثلاثين من عمره، لكنه استجاب استجابة سريعة ومتميزة، وكان من بين القلائل الذين تجرءوا على انتقاد سياسات عبد الناصر في العلن، من أبرز قصائده أيام حكم عبد الناصر، هي القصيدة التي كتبها بعد النكسة مباشرة بعنوان (الحمد لله): "يا أهل مصر المحمية بالحرامية الفول كتير والطعمية والبر عمار.. والعيشة معدن وأهي ماشية وآخر أشيا مدام جنابو والحاشية بكروش وكتار" (13).

وكانت جسدت هزيمة 1967 نقطة تحول في تاريخ علاقة "أحمد فؤاد نجم" بعبد الناصر وبالسلطة بوجه عام، فالحالم والمؤيد والمنتصر لشعارات القومية والعروبة، انقلب إلي شاعر جامح لينتقد أمرائه تأسيساً لدولة الإستبداد وترسيخا للقمع والمنع، وامتد ليهاجم شخص عبد الناصر نفسه .

كان لـ" أحمد فؤاد نجم " الكثير من المواقف ضد سياسيات الرئيس جمال عبد الناصر، خاصة فيما يتعلق بالحريات، زادت حدتها بعد نكسة 1967، فكتب ولحن مع الشيخ "إمام" عشرات الأغنيات، التي كانت سببًا في اعتقالهما، ومنها أول قصائده السياسية الممنوعة وهى: "الحمد لله خبطنا تحت بطاطنايا محلا رجعه ظباطنا.. من خط النار.. الفول كتير والطعمية.. والبر عمار والعيشة معدن واهي ماشية اخر أشيا.. مادام جنابه والحاشية بكروش وكتار ح تقول لى سينا وما سينا شي ما تدوشناشي.. ما ستميت أوتوبيس ماشى شاحنين أنفار إيه يعني لما يموت مليون.. أو كل الكون.. العمر أصلاً مش مضمون والناس أعمار إيه يعني في العقبة جرينا ولا في سينا.. هى الهزيمة تنسينا إننا أحرار".. وهي القصيدة التي دخل بسببها السجن، ولم يخرح إلا بعد وفاة عبد الناصر.. ايه يعني شعب ف ليل ذلة.. ضايع كله.. دا كفاية بس اما تقول له.. احنا الثوار.. الحمد الله ولا حولا.. الحمد الله ولا حولا.. مصر الدوله.. غرقانة في الكدب علاوله.. والشعب احتار.. وكفايه اسيادنا البعدا.. عايشين سعدا.. بفضل ناس تملا المعده.. وتقول اشعار.. شعار تمجد وتماين.. حتى الخاين.. وان شا الله يخربها مداين.. عبد الجبار (14).

ورغم تعرض أحمد فؤاد نجم للسجن في عهد عبدالناصر طيلة 9 سنوات؛ إلا أنه رثاه عقب وفاته وكتب قصيدة بعنوان "على ضريح عبد الناصر"، يقول فيها: أبوه صعيدى وفهم قام طلعه ظابط.. ظابط على قدنا وع المزاج ظابط..  فاجومى من جنسنا.. ما لوش مرا عابت.. فلاح قليل الحيا.. إذا الكلاب سابت.. ولا يطاطيش للعدا.. مهما السهام صابت.. عمل حاجات معجزة وحاجات كتير خابت.. وعاش ومات وسطنا.. على طبعنا ثابت.. وإن كان جرح قلبنا كل الجراح طابت" (15).

ولم يتخل الشاعر أحمد فؤاد نجم - المعروف بمعارضته للنظام في مصر منذ العهد الناصري في الستينات، عن رغبته في المشاكسة، وحتى عندما انتقل لغرفة عادية بالمستشفي فإنه غافل الكثيرين ليدخن السجائر.. وغافل المرض حيث جاء تشخيص الأطباء لحالته بأنه "مشروع جلطة"، بدوره لم يفوت الفرصة لنقد النظام الحاكم بمصر فتندر على الوصف بالقول أنها مجرد مشروع جلطة لم يكتمل؛ تماماً مثل مشروع توشكى، وهو مشروع لاستزراع مناطق في الصحراء الغربية بمصر روجت له الحكومة قبل أكثر من عشر سنوات لكنه تعثر ولم يكتمل (16).

وعند جاء الرئيس أنور السادات صاحب قرار الإفراج عن أحمد فؤاد نجم، وبرغم ذلك لم يسلم من انتقاد "نجم" له ولسياسته، فكتب عدة قصائد تهاجمه وتسخر منه ومن سياسة الانفتاح، منها: "ريسنا يا أنور"، و"الفول واللحمة" و"على الربابة" و"بوتيكات" و"البتاع"، وأشهرها كانت قصيدة "نيكسون بابا" التى ألفها بعد زيارة الرئيس الأمريكى "ريتشارد نيكسون"، وقال فيها: "شرفت يا نيكسون بابا.. يا بتاع الووتر جيت.. عملولك قيمة وسيما.. سلاطين الفول والزيت..

فرشولك أوسع سكة.. من رأس التين على مكة.. هناك تنزل على عكا.. ويقولوا عليك حجيت (17).

وهى القصيدة التى تسببت في سجنه، كما كان السادات لا يكتفي بسجن "أحمد فؤاد نجم"؛ بل دائمًا ما يعتقل زوجته صافيناز كاظم، وقد قال "نجم" عن ذلك؛ «كان السادات كل ما يحطنى في دماغه يجرنى على السجن أنا وصافيناز»، وبعكس جمال عبد الناصر، ولم يكتب «نجم» في «السادات» رثاء بعد اغتياله عام 1979 كتب أحمد فؤاد نجم قصيدة "المجنون أبو برقوقة..عيره وبرانى وملزوقة..بسلامته بيسرح قال بينا.. يعنى إحنا مواشي يا زقزوقة ..حلوين وحياتك يا بلدنا.. يا أم الخيرات المسروقة ..إحنا اللى رمينا البذرايه.. وروينا الأرض المعزوقة

...وحنحصد بكره وحنغنى.. وعيون الخاين مخزوقة". وحصل وقتها على حكم بالسجن لمدة عام، لكنه هرب حتى تم القبض عليه (18).

ولم يتوقف نجم يوماً عن الكتابة اللاذعة المباشرة، فبرز صوتاً عالياً أيام أنور السادات كما كان أيام عبد الناصر، فكتب العديد من القصائد التي انتقد فيها علاقات السادات الخارجية مع أمريكا وتحضيره للسلام مع الاحتلال الصهيونية، كما انتقد سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها السادات، من بين هذه القصائد قصيدة (موال الفول واللحمة) عام 1973: "عن موضوع الفول واللحمة صرح مصدر قال مسؤول.. إن الطب اتقدم جداً والدكتور محسن بيقول.. إن الشعب المصري خصوصاً من مصلحته يقرقش فول.. حيث الفول المصري عموماً يجعل من بني آدم غول" (19).

وعندما جاء "حسني مبارك" وقف "نجم" ضد سياسات الرئيس محمد حسني مبارك، واستقبل رئاسته بقصيدة «الشكارة»، تلاها بعدة قصائد ناقدة لحكمه ومعارض لخطة التوريث، فكتب قصيدة "في عيد ميلادك الكام وسبعين»، يقول فيها: "في عيد ميلادك الكام وسبعين، كل سنة وانت طيب واحنا مش طيبين كل سنة وانت حاكم واحنا محكومين، واحنا مظلومين، واحنا متهانين، ويا ترى يا حبيب الملايين، فاكرنا ولا احنا خلاص منسيين، فاكر المعتقلين، فاكر الجعانين، فاكر المشردين، فاكر اللى ماتو محروقين، فاكر الغرقانين، الله يكون في عونك، ها تفتكر مين ولا مين" (20).

وقد تبعها بالعديد من الأشعار والقصائد منها: "الجدع جدع والجبان جبان"، و"شيد قصورك"، و"رسالة من "حسني مبارك" إلي الشعب المصري"، و"سلامة مرارتك".. وهى القصيدة التي كتابها عندما استئصل الرئيس "مبارك" مرارته، قبل أن يشترك نجم في ثورة 25 يناير المطالبة بتنحي الرئيس "حسني مبارك" ؛ إضافة إلي عشرات القصائد اللاحقة، من أبرزها قصيدة "البتاع"، وقصيدة "احنا مين وهما مين"، كذلك قصيدته "شقلبان"، و"جيفارا مات"، وقد غنى الشيخ إمام أغلب هذه القصائد.. لم ينشر " أحمد فؤاد نجم " قصائد جديدة بعد انفصاله عن الشيخ إمام (21)، واكتفي بالظهور في البرامج التليفزيونية، إلا أنه عاد للشعر في آخر عهد مبارك فكتب قصيدة (ألف سلامة لضهر سيادتك)، (عريس الدولة)، وأيد الشباب في ثورة يناير 2011 .. وكانت قصائده تملأ ميدان التحرير، وعارض حكم الإخوان المسلمين المحظورة، ومن أشهر قصائده "كلمتين يا مصر"، "يعيش أهل بلدي"، "شيد قصورك"، "كلب الست"، "جيفارا مات" وتوفي في 3 ديسمبر 2013 (22).

وفي الثالث من كانون الأول/ يناير عام 2013،  توفي الشاعر "أحمد فؤاد نجم" بعد عودته من الأردن، حيث أحيا هناك آخر أمسياته الشعرية، وكان قد فاز بجائزة كلاوس الهولندية، لكنه مات قبل استلام الجائزة بأيام، توفي نجم عن عمر يناهز الرابعة والثمانين، تاركاً ورائه إرثاً شعرياً كبيراً، بعد أن سجل مع الشيخ إمام ولادة ظاهرة جديدة في الموسيقى والكلمة، ما تزال خالدة حتى يومنا هذا.

وفي نهاية هذا المقال أقول مع الأستاذ حلمي سالم : إن أحمد فؤاد نجم لم يكن مجرد شاعر، بل كان ظاهرة اجتماعية –سياسية- ثقافية – جمالية متكاملة، انضجتها لحظة تاريخية مركبة، عامرة بالانتصار والإنكسار، بالحرية والقمع، بالشعارات البراقة والسلاسل البراقة، بالإنجاز والسقوط، بالحقيقة والوهم، ومن قلب هذه اللحظة الدرامية انبثق صوت أحمد فؤاد نجم بالشعر- صرخة احتجاج ضد القهر، والجوع، والرعب والاستعباد (23).

كما لم يكن "أحمد فؤاد نجم" يمثل نبتاً شيطانيا بلا سياق أو أصول، لقد كان علي العكس امتداداً لتراث قديم، ووسيط، وحديث من كسر الطوق والشعر خارج السرب، ورفض الإنصياع، بدءً من جماعة " الصعاليك" (الفجميون مثله، قبل الإسلام وبعده)، ومروراً بشعراء الشطار والعيارين في العصور الوسيطة) ووصولاً إلي عبد الله النديم ثم "بيرم التونسي" في العصر الحديث (24)؛ ويستطيع المتايع أن يجد وشائج ربط عديدة بين عروة بن الورد – زعيم الصعاليك الأقدمين – وبين أحمد فؤاد نجم : مثل النزع الإستراكي عند كل من الصلوكيين، ومثل نزعة الخروج علي بيت الطاعة القبلي (قبلية النظام الجاهلي وقبلية النظام السياسي المصري في الستينيات والسبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ومثل حمل الروح علي الكف والمغامرة بكل الحياة : عاش عروة بن الورد مشرداً مطروداً، وعاش أحمد فؤاد نجم معظم سنواته مسجوناً، ومثل النزعة الوجودية الضاربة في عمق الرجلين علي الرغم من السطح الاشتراكي الملتزم (25).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

(11) يوسف دياب: أحمد فؤاد نجم .. حكايات مع الحياة والسجن.. جريدة مبتدأ .. 2020-12-03 20:54.

(12) أنظر مقدمة صلاح عيسي لكتاب الفاجومي، مصدر سابق، ص 15.

(13) المرجع  نفسه، ص 19.

(14) أحمد فؤاد نجم: الأعمال الشعرية الكاملة أحمد فؤاد نجم، المصدر السابق، ص167.

(15) أحمد فؤاد نجم: الفاجومي، مصدر سابق، ص  66.

(16) نفس المصدر، ص 89.

(17) نفس المصدر، ص 97.

(18) نفس المصدر، ص 112.

(19) نفس المصدر، ص 176.

(20) نفس المصدر، ص 198.

(21) نفس المصدر، ص 232.

(22) نفس المصدر، ص 239.

(23) حلمي سالم: انا رحت القلعة وشفت ياسين : مختارات من شعر احمد فؤاد نجم، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، مج 23 ,ع 256، 2006، ص 42.

(24) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

(25) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

 

 

محمود محمد عليترتبط السخرية بالسياسة ارتباطاً وثيقاً يمتد لتوغل في عمق التاريخ الأدبي، والسخرية السياسية تختلف عن التهكم السياسي. وقد عرفنا في الفلسفة عند اليونان أن " التهكم عند سقراط هو اصطناع الجهل على أمل أن يراجع الطرف الآخر في الحوار آراءه، ولكن السخرية، بعيداً عن الحوار، هي" أسلوب في الكتابة يؤدى لانفجار الضحك وبيان تهافت رأى كان محاطاً بهالة من التقدير والقداسة "(1)؛ كما عُد أرِسْطُفان أو أرِسْطُفانِس (ت 385 ق. م)" سيد المسرحية الهزلية التي تبطن النقد السياسي والاجتماعي، وفي العصور الوسطى الإسلامي وجدنا ملامح السخرية السياسية تظهر بوضوح مع بداية العصر العباسي، فكان من أشد الساخرين وقعاً الشاعر "بشار بن برد"، إذ سخر من كبار رجال الدولة، وكذلك عُرف هذا اللون عند المتنبي الذي سخر من السلطة والمجتمع في عصره، وقيل عنه إنه " كان يغالي في احتقاره للحكام والخانعين اللذين رضوا بحكم الظالمين "؛ وفي العصر الحديث في فرنسا عُد الفيلسوف "فولتير" (تــ 1778م) بأنه من المقدمين للثورة الفرنسية، ومن الأدمغة المتحررة التي ساهمت في تفجير الثورة الفرنسية. وجرته عقلانيته إلي التصادم مع السلطات التي زجت به في سجن الباستيل لردح قصير من الزمن. لقد كان من المعجبين به الوصي على العرش الذي سعى للإفراج عنه. وبعد إطلاق سراحه ذهب ليشكره على حسن صنيعه فنصحه الوصي بالتعقل ليمكن مساعدته، فأجابه فولتير: "شكراً لك. ولكن لدي رجاء واحد. وهو أن تكفوا من الاهتمام بإقامتي"" (2).

وهؤلاء جميعاً قد كشفوا عن عمق العلاقة بين السخرية والسياسة ومدى ارتباط السخرية بالسياسة، فأين ما كان الظلم تكون السخرية وسيلة موضوعية وفنية للقضاء عليه، ومن ثم ينتج عن التناقض بين الفنان والبيئة ذلك الفن الراقي الذي يتصف بالديمومة والاستمرارية .

وقد قسم الأدباء السخرية بحسب المقاييس والمعايير التي تختلف باختلاف آرائهم ورؤاهم في السخرية ؛ فإنه قُسم من حيث الموضوع إلى ثلاثة أقسام الاجتماعية والسياسية والترفيهية، ويعد الشاعر السياسي "أحمد فؤاد نجم" من أبرز شعراء السخرية في مصر، حيث اكتسبت سخريته ثوبا سياسيا واجتماعيا، حيث وظفها كبوق أعلن من خلاله عن مواقفه الصارمة والصلبة، حيال الأنظمة العربية بنبرة صارخة، حتي اشتهر في الأوساط الأدبية بشاعر السياسة، وتمتاز سخرية أحمد فؤاد نجم اللاذعة بميزتين أساسيتين: أولاً من حيث الدلالة أنها تحمل في طياتها معاني ثورية تندد بالأنظمة السياسية والاجتماعية في العالم العربي . وثانياً من حيث الصياغة فإنها صيغت بلغة نارية ولهجة شديدة عارمة تنقض علي الأنظمة التي خانت الشعوب العربية كالصاعقة . إن الموضوعات التي تناولتها سخرية" أحمد فؤاد نجم" هي: نقد الأوضاع الاجتماعية والحكومات العربية وعمالها ورجال الحكم والسياسة وذم التدخل الأجنبي في الشؤون العربية ونقد الظروف السياسية والاقتصادية المتردية والحث علي مقارعة الظلم ومكافحة الظالمين (3).

انتقد "أحمد فؤاد نجم" الحكومة المصرية في أشعاره مراراً وتكراراً مما أدى إلى وقوعه في السجن، والانتقادات اللاذعة التي وجهها أحمد فؤاد نجم جعلت منه بطلاً شعبياً حتى أضحي يمثل صوت الطبقات الكادحة،  يقول الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم (1929-2013) والملقب بالفاجومي في إحدي قصائده: الاسم: صابر.. التهمه: مصري.. السن: اجهل اهل عصري.. لرغم انسدال الشيب ضفاير.. من شوشتى.. لما لتحت خضري.. المهنه: وارث.. عن جدودي.. والزمان.. صنع الحضاره.. والنضاره.. والامان.. البشره: قمحى.. القد: رمحى.. الشعر: اخشن من الدريس.. لون العيون: اسود غطيس.. الانف: نافر كالحصان.. الفم: ثابت في المكان.. واما جيت ازحزحه.. عن مطرحه (4).

إنها كلمات شاعر العامية المصري "أحمد فؤاد نجم"، والذي ارتبط اسمه بالمنع والمصادرة والسجن والاعتقال،  وربما هو الشاعر المصري الوحيد الذي مثل للمحاكمة أكثر من مرة بسبب قصائده السياسية، والتي طالما أغضبت النظام المصري بداية من "عبد الناصر" حتي نهاية حكم "حسني مبارك" وأزعجت رجاله، والتهمة كانت دوما هي " تكدير السلم العام"، وبسب ذلك سجن ثمانية عشر عاما، حتي قيل عنه بأنه الشاعر المصري الذي لم تمنعه السجون من هجاء الحكام.

ولهذا يعد "أحمد فؤاد نجم" نموذج لشخصية " المعارض الأبد "، الذي يبدو وكأنه غير قادر على غير المعارضة، فهو غاضب على الجميع، وكأن لا شيء يعجبه، ولا شيء يمكن أن يرضيه. وهو طراز أقل شيوعاً بالضرورة لأن مغانمه الشخصية، المادية علي الأقل معدومة ، ومن ثم تأتي "معاضته الأبدية للسلطة من أنبل الدوافع وأرفعها شأناً، ذلك أنه يتميز أولا باعتزاز شديد بالنفس، وبرغبة حقيقية في تحقيق مصلحة الوطن، ثم إن لديه من الذكاء ما يمكنهم من تمييز الخط الفاصل بين الحق والباطل في أكبر الأمور وأصغرها علي السواء، ومن الشجاعة ما يجعله يصر على الجهل بالحق ومعارضة الباطل " (5).

هذا النوع من الشعراء من أمثال أحمد فؤاد نجم  تجده لا يكاد يقترب من السلطة حتى يبتعد عنها، إذ إنه حتى في أكثر العهود صلاحاً وإخلاصاً، يزعج السلطان بذلك الاعتداد الغريب بالنفس، وتلك الجرأة الغريبة على الجهر بالحق . فالسلطان، أياً كانت قوة ميله إلى جانب الحق، لم يظفر بالسلطان، في أغلب الأحوال، إلا بسبب ميل طبيعي لديه في الوقت نفسه إلى الاستبداد بالرأي، ولم ينجح في الاحتفاظ بالسلطان، إلا بدرجة أو بأخرى من القهر؛ والسلطان حتى إذا كان يحمل تقديراً دفيناً لهذا الطراز الفريد من الناس، طراز " المعارض الأبدي"، ولا يجد من الحكمة أن يعترف بالخطأ، وعلى الأخص على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إن للسلطان مصلحة محققة في أن يُظهر هذا الشاعر بمظهر المحق دائماً، الذي لا يخطئ أبداً، ولا يجد من الحكمة دائما أن ينصر المجاهر بالحق على أهل الباطل، إذ إن في ذلك تشجيعاً غير مرغوب فيه على انتشار الشعراء المعارضين، لهذا نجد أن العلاقة بين هذا الشاعر المعارض الأبدي والسلطان، حتى فى أزهى العهود وأقربها إلى قلبه، قصيرة العمر، إن لم تفُتر بسبب زهد الشاعر "المعارض الأبدي نفسه فى علاقة تطلب منه السكوت أكثر مما تطلب منه الكلام والتعبير عن موقف، فإنها تَفْتُر  لضيق صدر صاحب السلطان به ؛ لما يسببه له من متاعب مستمرة بسبب كونه دائماً على حق" (6).

وأحمد فؤاد نجم نموذج واضح للشاعر الذي يجسد فكرة المعارض الأبدي، وذلك لكونه أثار الجدل بأشعاره، وملأ الدنيا ضجيجًا لرفضه كل القيم والأعراف السائدة؛ كما أنه حارب الجميع فتم حبسه لأكثر من مرة لعدة سنوات، فوصف نفسه بأن:"روحي حرة في كل مكان، ولم يكن ضد الدين كجانب روحي مهم في حياة الإنسان، بقدر ما هي ضد أفكار من يعتقدون أنهم هم من يُمَثِّل الدين وَيَتَحَدَّثُونَ باسم الله، ولذلك وجدناه شرساً ضد جماعة الإخوان المسلمين، وشرسا في ضد نظام كل من جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك، كما دخل "نجم" في مشكلات عِدة مع السلطات بسبب هجومه المتحمس على الحكومة المصرية باستمرار، كما هاجم بعض الأساليب الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في ذلك العصر.. وهلم جرا (7).

وقد ولد أحمد فؤاد نجم في قرية كفر أبو نجم، التابعة لمحافظة الشرقية في 23 مايو عام 1929، وهو أحد أهم شعراء العامية في مصر، وأحد ثوار الكلمة، واسم بارز في الفن والشعر العربي.. تنقل نجم في أعمال يدوية مختلفة، واشترك في المظاهرات التي اجتاحت مصر سنة 1946 وتشكلت أثناءها اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال. في الفترة ما بين 1951 إلي 1956 اشتغل "نجم" كعامل في السكك الحديدية. ثم بدأ في نشر دواوينه .. والتقي الشيخ إمام في الستينيات. وهو ملحن ومغن كفيف البصر، وراجت أغانيهما بعد هزيمة مصر أمام إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967، وعاشا في منطقة شعبية تدعى "حوش قدم" ورغم انفصالهما فنيا ووفاة الشيخ إمام فإن نجاحهما معا كان ظاهرة استقبلت جيدا في مصر والعالم العربي (8).

في كتابه "الفاجومي" الصادر عن الهيئة المصرية للكتاب، يتحدث عن "نجم" عن كواليس من حياته منذ الطفولة، وتجربة الملجأ ومقابلة عبدالحليم حافظ، وعلاقته بأمه وبالمرأة، وكواليس قصائده التي عرضت بعض منها مشكلات متنوعة، كما يرصد بدايات علاقته بالشيخ إمام، والمثقفين المترددين على حفلاته، الذين جمعته بهم علاقات محبة، حيث يقول في الكتاب بأنه تزوج "أحمد فؤاد نجم" من الكاتبة المعروفة "صافيناز كاظم" التي تحولت كتاباتها منذ نهاية السبعينيات نحو مفاهيم إسلامية، وهى والدة ابنته الكبرى "نوارة الانتصار: نسبة لنصر مصر على إسرائيل في أكتوبر 1973" وبعد طلاقهما تزوج من المطربة "عزة بلبع" التي غنت الكثير من الأغاني السياسية والوطنية، وفي آواخر أيامه تزوج من سيدة من خارج الوسط الثقافي تكنى بـ"أم زينب" نسبة لابنتها الوحيدة من نجم (9).

قال عنه الشاعر الفرنسي لويس أراجون "إن فيه قوة تسقط الأسوار"، وأسماه الناقد الراحل علي الراعي "الشاعر البندقية"، ووصمه الرئيس الراحل أنور السادات بـ "الشاعر البذيء"، وقال عنه الأديب الراحل يوسف إدريس: "الفارس الذي تمنيت أن أكونه"، وقال عنه الكاتب المصري "صلاح عيسى:" اكتشفت وأنا أتأمل مشاعري تجاه (نجم) الإنسان، ونجم (الشاعر)، ونجم (الفاجومي)، العنيد العصي على الإفساد، إننى أمام ابن البلد الحقيقي الذي أتمنى أن أكونه، وأن جلده فعلاء عباءة الفلاحين القادمين من حقول القمح، وبيان القادمين من الصناعات الخفيفة ليقوموا بالواجب اليومي ضد الهزيمة" (10).

ولم تكن السخرية لدي أحمد فؤاد نجم وسيلة للتسلية أو المتعة، بل كانت عنده آلية تعبيرية موحية عبر بها عن مواقفه السياسية والاجتماعية، ويمكن اعتباره ناجحا إلي حد كبير في نهجه الأدبي حيث إنه تمكن من إبداع فكاهة تتمتع بقدرة إيحائية هائلة، وقد حصل أحمد فؤاد نجم بهذا على مجموعة من التكريمات، ففي عام 2007 اختارته المجموعة العربية في صندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة، سفيرا للفقراء، وفي 2013 وبعد وفاته منح وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.. وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكنور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.................

(1) أنور مغيث: فولتير الساخر، مقال بجريدة الأهرام، الثلاثاء 3 من جمادي الآخرة 1441 هــ 28 يناير 202.

(2) خالد القشطيني: سيد السخرية، جريدة الشرق الأوسط -الجمعة - 15 شعبان 1438 هـ - 12 مايو 2017 مـ رقم العدد [14045].

(3) تورج وند: الفكاهة السياسة في أشعار أحمد فؤاد نجم دراسة وتحليل، أفاق الحضارة، أكاديمية العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية ..السنة التاسعة، العدد الأول، الربيع والصيف 1437هـ، ص 46.

(4) أحمد فؤاد نجم: الأعمال الشعرية الكاملة أحمد فؤاد نجم، دار العودة، القاهرة، 2005، ص 122.

(5) د. جلال أمين: فتحي رضوان أو السياسة كأخلاق، ضمن كتابه شخصيات لها تاريخ، دار الشروق، القاهرة، 2007، ص 17.

(6) المرجع نفسه، ص 18.

(7) أحمد فؤاد نجم: الفاجومي، تقديم صلاح عيسي، سفنكس للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1993، ص 12.

(8) أحمد فؤاد نجم: الفاجومي .. السيرة الذاتية الكاملة، مكتبة جزيرة الورد، القاهرة، 2013، ص 34.

(9) المصدر نفسه، ص 18.

(10) إلهام زيدان: في ذكرى رحيله الـ7.. ماذا قال كبار المثقفين عن أحمد فؤاد نجم؟.. مقال منشور بجريدة الوطن المصرية .. نشر بتاريخ11:09 ص | الخميس 03 ديسمبر 2020.

 

 

محمد الصبانيعد الراحل "أحمد الطيب العلج" (1928-2012) إلى جانب الفنان المسرحي الراحل "الطيب الصديقي " من أبرز رواد المسرح المغربي، فقد كرس أزيد من ستة عقود من حياته لخدمة المسرح المغربي بالاقتباس والتأليف والتمثيل والتكوين، فهو المؤلف المغربي الذي كتب أكبر عدد من النصوص المسرحية، وهو المسرحي الذي طاف  كل ربوع المغرب، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه ، لكي يقدم للناس أعماله المسرحية. لم يكتف بتقديم مسرحياته في العاصمة والمدن المركزية، بل وصل إلى المدن الصغيرة والقرى المهمشة، التقى جمهوره فوق خشبات أقيمت وسط الساحات العامة، وفي القاعات الفسيحة والضيقة، وفي ملعب كرة القدم، وفي كل مكان يمكن أن يتحول إلى فضاء مسرحي ييسر سبل اللقاء بالجمهور. وربما هذا ماجعل البعض يلقبه بموليير المسرح العربي.

ويمكن للمتأمل في مسيرة حياة هذا الرجل أن يلاحظ كيف كان القدر يقوده كل مرة إلى المسرح، وكأن المسرح هو الآخر يعشقه ويتواطؤ مع القدر لتحقيق الوصال .

ومن دون شك أن الصادفات تصوغ  أحيانا مسارات الحياة فتشكل نقطة تحول عميق في تاريخ الأفراد، وربما الشعوب. ألم  يؤدي سقوط التفاحة  إلى اكتشاف الجاذبية ؟ ألم يشكل هذا الاكتشاف بداية انطلاق تطورات علمية جليلة قادت الإنسانية إلى اختراعات مهمة غيرت وجه الأرض وأنماط العيش في مختلف بقاع العالم؟ْ !

إذا كان إسحاق نيوتن قد صاح "وجدتها وجدتها " حين   ومضت في ذهنه حقيقة الجاذبية إثر سقوط التفاحة فوق رأسه، فإن احمد الطيب العلج صاح في أعماقه "وجدتها وجدتها" عندما اكتشف  أو أدرك حبه للمسرح، وحدس وهو طفل في التاسعة من عمره أنه ولد ليكون مسرحيا.

أول لقاء له مع هذا الفن كان في أحد ايام سنة 1937  عندما رافق أخاه إلى مكان لا يعرف شيئا عنه  اسمه "المسرح" ، وبعد رفع الستار ومشاهدة العرض المسرحي صدم بهذا العالم الجديد، وانبهر بأصواته وأضوائه وشخصياته وحكاياته، ووشمت ذاكرته بتفاصيل هذا  اللقاء الأول وجزئياته: عنوان المسرحية " قف أيها المتهم" مخرج المسرحية : شهيد المسرح المغربي "عبد الواحد الشاوي"، أول ممثل يراه في حياته هو الفنان الموسقار "عبد الوهاب أكومي" وهو يؤدي دور "عطاء" في نفس المسرحية ... وتوالت بعد ذلك مصادفات أخرى نتجت عنها حكايات طريفة وطدت عشق العلج للفن المسرحي .

elgeترك الطفل أحمد الطيب العلج مقعد الدراسة مبكرا والتحق بورشة النجارة لتعلم الحرفة  وتحول إلى نجار في مدينة الدارالبيضاء،  وحدث مرة  أن جاءت إحدى فرق هواة  المسرح ، وكلفته بتهييء الخشبة لتقديم عرض مسرحي. أقبل العلج على إنجاز المهمة التي كلف بها، وبعدما أعد الخشبة وكراسي الجمهور والستارة حدثت المفاجأة المحرجة المتمثلة في غياب الفرقة المسرحية.. حضر المتفرجون وغابت صناع الفرجة ! ماذا سيفعل هذا النجار مع جمهور يطالب بانطلاق الفرجة التي حضر من أجلها؟ّ  كيف سيواجه صرخات الاحتجاج الغاضب؟.. فجأة لمعت في ذهنه فكرة تحقيق حلمه بالتحول إلى مسرحي ، فبادر العلج إلى ارتجال تمثيلية وزع أدوارها على زملائه الحرفيين، وصعد فوق الخشبة ليواجه المصير الغامض!. وكم كانت المفاجأة رائعة عندما لمس العلج إعجاب الجمهور بتمثيليته المرتجلة. فتأكد له من خلال هذه التجربة أنه خلق ليكون مسرحيا.

بعد ذلك اضطر العلج إلى ترك حرفة النجارة والعودة إلى مدينة فاس بسبب مرض أصاب رئتيه، ففتح دكانا في "سوق صافي" لبيع  الخضر في الصباح وبيع الصحف المرجوعة في المساء. في هذا الدكان رتب له القدر مصادفة أخرى على يد الطاهر سميرس رئيس فرقة "شباب الفن "  الذي أحضر إعلانا عن مسرحية تعتزم الفرقة تقديمها لتعليقه بباب الدكان  مقابل الحصول على تذكرتين لمشاهدة العرض. مرت الأيام والأسابيع ولم تقدم الفرقة عملها المسرحي، فبادر العلج إلى استفسار رئيس الفرقة عن الأمر، ثم اغتم الفرصة  لاستئذانه في السماح له بحضور التداريب، فتحقق له ما أراد. بدأ العلج يتردد على الفرقة لمتاعبة التمارين على المسرحية، وفي أحد أيام "السعد" غاب الممثل الذي يؤدي دور الخادم "مبروكة " فطلب منه مخرج الفرقة القيام بهذا الدور نيابة عن الممثل الغائب. لكن الفتى العلج لم يكتف بأداء الدور صامتا كما كان مفترضا، بل ارتجل جوابا لقي استحسان المخرج ، مما شجعه على الإمعان في ارتجال حواره بالعامية في عمل مسرحي مكتوب بالعربية الفصحى. وهكذا قابل أحمد الطيب العلج الجمهور -على حد تعبيره- وهو "ممثل شبه مؤلف"، لأنه قام بتأليف الدور الذي كان يؤديه. بعد نجاحه في أداء هذا الدور تعززت ثقته في نفسه، سيما وأن هذا الوجه الجديد استثني من الهجوم العنيف الذي قابل به النقاد العرض. ومرة أخرى تأكد له أنه خلق ليكون مسرحيا.

عاد أحمد الطيب العلج إلى مدينة البيضاء للبحث عن فرص جديدة تمكنه من العودة إلى الركح  وترسخ علاقته بأبي الفنون، فكانت  المصادفة  مرة أخرى هي المفتاح الذهبي الذي فتح له أبواب التألق المسرحي . لكن العلج لم يترك  المصادفات وحدها تحدد مصيره ، بل عبَّد طريق النجاح بالإصرار والطموح  المدعوم بالموهبة  والثقة في النفس، فقد جاد الحظ هذه المرة بفرصة حقيقية، والموقف  مخالف للمواقف السابقة، بحيث وجد نفسه  أمام نخبة من المسرحيين الشباب، تم انتقاؤهم من قبل مديرية الشبيبة والرياضة، وبتأطير خبراء في التكوين المسرحي  مثل الفرنسي " أندري فوازان" والمغربي"عبد الصمد الكنفاوي". و ليس أمام فرقة مكونة من زملائه الحرفيين، أو فرقة من فرق الهواة، أو جمعية من جمعيات الأحياء. فكيف سينتزع العلج موقعا ضمن هذه المجموعة، وهولا يحمل أية شهادة علمية، في حين كان باقي الأعضاء من حملة الشهادة الابتدائية على الأقل؟ لقد استنجد بحرفته الأولى والتحق بالتدريب نجارا، وبهذه الصفة أو من هذا الموقع ظل يتابع  محاولة  "الطاهر واعزيز" و"عبد الصمد الكنفاوي " ترجمة مسرحية " حلاق اشبيلية" من الفرنسية إلى الدارجة المغربية، لكن ترجمتهما لم ترقه ، فأخذ أحداث الفصل الأول وبدأ يسهر على اقتباسها عندما ينام أعضاء المجموعة، وعندما انهى اقتباس الفصل الأول حاول إطلاع الكنفاوي عليه لكنه رفض وأجابه ممازحا "اذهب أيها النجار لخشبك".

لم ييأس هذا النجار العاشق للمسرح، وقابل الرفض بالإلحاح  والإصرار إلى أن أذعن الكنفاوي لرغبتة  وقبل الاستماع لما كتبه، فقرأ الفصل الأول من مسرحية " المعلم عزوز" المقتبس من "حلاق اشبيلية" ..أعجب الكنفاوي بهذا الاقتباس   ولغته العاميه السلسة والأنيقة ، فأمر بإلحاقه بالفرقة وصرفت له مكافأة مالية مهمة وصلت إلى أربيعن ألف فرنك، وكانت هذه بداية مساره الإبداعي  الغني في مجال المسرح.

لقد التحق أحمد الطيب العلج بالتدريب المسرحي  نجارا وخرج منه كاتبا مسرحيا وممثلا لامعا، ثم أصبح أحد أهم ركائز هذه الفرقة (فرقة المسرح الشعبي)، وتألقا تألقا كبيرا ليس في المغرب فحسب ، بل في فرنسا كذلك  عندما مثلت الفرقة المغرب في مهرجان مسرح الأمم بباريس سنة 1956 . لقد كشف العلج إلى جانب باقي أعضاء الفرقة على قدرات عالية في التشخيص بحركات دقيقة وإشارات تتسم بعفويتها وتلقائيتها التي تميز المحترفين الكبار، الأمر الذي جعل الصحافة الفرنسية تنوه بهم وتخصص مقالات للإشادة بموهبتهم .

إن تألق العلج على مستوى التشخيص يتكامل مع نجاحه في الاقباس والتأليف، فللكتابة العلجية  خصائص فنية  حققت لنصوصه تميزا وفرادة، وجعلت إنتاجه يحمل صفة المسرح الشعبي، ومن أبرز هذه الخصائص توظيف اللغة العامية المغربية الراقية و المرصعة بالحكم  والأمثال والأزجال، والبناء الدرامي القائم على البساطة والتحبيك المحكم للأحداث ، واستلهام التراث المغربي الشعبي برؤية تجريبية كما في مسرحية "قاضي الحلقة" ومسرحية" جحا وشجرة التفاح".

لكن الكثير من النقاد هاجموا أعماله المسرحية من زاوية ايديواوجية، واعتبروها تساهم في تكريس الأوضاع القائمة عن طريق التطريب ودغدغة إحساس الجمهور، وهذا ماجعل أحمد الطيب العلج يعلن عن تذمره من النقد القاسي الذي واكب مسيرته المسرحية، بحيث  أن  أعماله لم تجد من  ينصفها، فجل النقاد المغاربة هاجموها  باسثتناء المنيعي والمساري والسولامي والسحيمي، ومع ذلك واصل مسيرته الإبداعية ولم يتوقف، لأنه كان يؤمن بأن الأعمال الجميلة والناضجة فنيا وفكريا ستفرض نفسها. وقد تحقق له ذلك وحظيت مسرحياته بشهرة واسعة ونالت العديد من الجوائز القيمة في المهرجانات العربية والدولية. وقد غادرنا منذ تسع سنوات تارك ارثا غنيا في الكتابة والاقتباس والإخراج والتمثيل مثل " ولي الله" و" المعلم عزوز" و" الحكيم قنقون" و " قاضي الحلقة".

كان العلج يعشق المسرح عشقا كبيرا، ويكتب الشعر للتغزل فيه والتعبير عن حالة الوجد التي تعتريه وهو يشيد عوالم نص مسرحي جديد، وقد عبر عن هذا الحب الجارف للمسرح بالقول: "أنتم لا تعرفون أنني أقول شعرا في المسرح في الوقت الذي لم استطع فيه أن اقول شعرا عن أمي ...ولكن المسرح قلت فيه شعرا، وكلما وجدت تفسي بصدد كتابة مسرحية أجدني أتغزل وتعتريني حالات من الوجد".

 

د. محمد الصبان

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نحاول أن نتناول تجربة عرار، بصفته متمردا وغير خاضع لأي إطار سواء أكان اجتماعياً أم سياسياً، فمثل هذا التمرد الذي عاشه عرار، لم تتطرق إليه الكثير من الدراسات المعمقة من قبل الدارسين والباحثين الذين يفضلون عرار المهادن المصالح، ولذلك وجدناه يذهب في شعره باتجاه الغجر، وباتجاه الخمر يؤشر إلى حالة الاحتقان السياسية والاجتماعية، التي كانت تعصف بالمجتمع الأردني، وتضيق الخناق عليه؛ فمن جهة كان هناك الحكم الإنجليزي المستبد في كل من الأردن وفلسطين، ومن جهة أخرى كان هناك الصهاينة الذين كانوا يعدون الخطط من أجل الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية والعربية، وأبياته عن المسجد الأقصى الذي يهدده الضياع خير مثال على المستقبل السوداوي الذي كان ينتظر المسجد الأقصى.

ولذلك وجدنا عرار العروبي الإنساني قد نشأ على معاداة المشروع الصهيوني، ومنذ ذلك الحين وقف على خطر هذا المشروع ليس على فلسطين بل على الأردن، بل على جامع قريته وكنيسة العذراء فيها، ولهذا نظم محذرا:

"يارب"، إن «بلفور» أنفذ وعـده كم مسلما يبقى وكم نصراني؟!

وكيان مسجد قريتي من ذا الذي يبقـي عليه إذا أزيل كيانـي؟

وكنيسـة العذراء أين مكانهـا سيكون إن بعث اليهود مكاني؟»

وفي شعره نري أن هموم الإنسان هي هموم الوطن، هي المعاناة من المستعمر، فتحدث عن الوطن والمستعمر . فجاءت قضائده رائعة التصوير، بارعة المعاني والنكتة الساخرة، فيها خفة روح ودعابة، فكان حاضر البديهة رقيق الشعور، وغالباً ما كان يخفي وراء ذلك كله غماً وهماً .. ومن أطرف ما يذكر عن "عرار" في هذا الإطار الوطني أنه عندما كان أستاذاً للعربية في مدارس الكرك وإربد والحصن أخذ يؤلب النشيء الجديد علي المستعمر ويحذر من مؤامراته ويدعو إلي مساندة العرب في كل مكان:

سلم علي النبي محمد ... وأحمل سلاح مجاهد مستشهد

وأخدم لعزة دولة عربية ... في الجيش والبس شكة المتجند

يا ابن الألي وردت سوابق خيلهم... نهر المجرة في زمان السؤدد

هلا اقتفيت إلي العلا آثارهم... فالمجد في الفسطاط لا في المربد.

وفي الوصايا التي كتبها للتلاميذ أثناء تعليمهم بحثهم فيها علي التضحية من أجل أن يبقي الوطن أمناً يعيش في استقرار دائم .. " اعتقد أن روحك فداء أمتك، وحذار أن تهمل نفسك فتضيع أمتك، والجزيرة حافظ عليها . وقل أمام كل إنسان وفي نفسك علانية وسراً أنا أسعى لا ستقلال الجزيرة، وأتحمل في هذا السبيل كل شئ حتي الموت، أحيا من أجل هذا، وأموت مستريحاً في سبيل أمنية العرب اللهم أشهد، إني عربي اتعلم لأجل استقلال العرب، وأحيا وأموت لا أغير عقيدتي، أنا رهن إشارة قومي وإن أضاعوني".

علاوة علي أن شعر عرار كما ذهب بعذ الباحثين قد شكل تاليا نقطة انطلاق لدى شعراء عرب كثيرين، فقد رأى هؤلاء فيه أنموذجا يحتذى به، خصوصا فيما يتعلق بصورة الشاعر المتمرد المتصعلك، الخارج على القوانين والأنظمة والعادات والمنتصر في الوقت نفسه لقضايا فلسطين والحرية، ولذلك وجدناه يصوغ قصائده في هذه النماذج وغيرها من النماذج الأخرى بنسق شعري بسيط وبمفردات من اللغة اليومية المتداولة للشعبية، ومن هنا أطلق على أشعاره بـ"الشعبية"، لافتا إلى أن عرار اشتهر بأنه استخف كثيرا بالقيم السائدة في مجتمعه، معرضا بها وغير عابئ بردود الفعل ضده، فهو بحق ابن وطنه المخلص، والمعبر عن آمال وآلام شعبة بالكلمة الصادقة والموقف النبيل.

إن "عرار" بوعيه الثاقب انتبه منذ البدايات إلى الطبقة الإقطاعية التي كانت تتحكم بالثروة، وذلك مقابل الطبقة المسحوقة التي تمثل معظم البنية المجتمعية في الأردن، ومن هنا انتصر "عرار" من خلال شعره للمحرومين والمسحوقين من أبناء شعبه، كما قام بهجاء الطفيليين الذين يعيشون على امتصاص الشعب، ولذلك رأيناه في شعره يبحث عن أفق اجتماعي تترسخ فيه قيمة العدالة الإنسانية المطلقة، وكان يعيش في سياق حضاري فيه طبقات اجتماعية متنفذة مارست ظلما ملحوظا على الفقراء والمساكين، فكان "عرار"  يعبر عن موقفه الرافض لهذه الهيمنة الاجتماعية ويرفض تنفيذ القوانين التي صيغت لمصلحتهم

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة وهي تتعلق بأثر"عرار" التجديدي في الشعر، فالقارئ لتجربة "عرار" يلاحظ نزوعه المبكر في الثورة على تقاليد القصيدة السائدة في ذلك الوقت. لقد كتب "عرار"  قصيدة التفعيلة قبل وقت طويل من السياب ونازك الملائكة، وهذا واضح في التواريخ المثبتة في نهايات قصائد التفعيلة التي أنجزها، كما أن مثل هذه الثورة على تقاليد الشعرية كانت منسجمة مع ثورته على الواقع السائد أيضا، حيث تمثل قصائد عرار ذات خصوصية تميزها عن غيرها من القصائد، حيث تمتلك بنية منفردة، إضافة إلى مواصفات أسلوبية لا يشاركه فيها غيره من شعراء مرحلته، ولكن هذا لا يعني أن الشاعر مقطوع عن الحركة الشعرية العربية التجديدية، كما انه لا يبتعد عن البعد القومي العروبي على امتداد الوطن العربي الكبير؛ ولهذا فإن "عرار"  بحضوره الحار في نادي الشعر العربي استطاع ان يقدم نماذج بشرية واقعية ميزت المجتمع بما فيه من آفاق ومآس: الهبر وصورة للظلم الاجتماعي، عبود وصورة التزمت والتطرف، قعوار وصورة الخمر والندماء، وكوكس وصورة المستعمر المحتل.

وهنا راينا جاذبية شديدة شكلتها شخصية نيلسون ماندلا وفلسفته الإنسانية لعرار، حيث كان مفتونا به ويقلده على مستوى السلوك والرؤية للحياة واقتناص المعنى الفلسفي العميق للوجود الإنساني، ومحاولة تبرير تمرده على القيم الاجتماعية، خصوصا فيما يتعلق بإدمانه على الشراب، وسخريته اللاذعة للرموز الدينية في عصره.

وفي اعتقادي أن حبي لعرار يكمن تعلقه بالحرية، سيما أنه من الشخصيات الرواسي العالمية، التي تعلقت بالحرية وبالدفاع عنها، وعن أهمية أن يكون للإنسان الحق في اختيار نهجه ونمط تفكيره وطريقته في الحياة، والتي جعلته يقف ضد القهر والظلم وناضل لوطن يقوم على حرية المواطن، وعلى حقه في امتلاك خياراته، وعلى المساواة امام القانون، وتكافؤ الفرص بين الناس، وعلى العدالة السياسية والاجتماعية، ولذلك فإنه من الأولى بنا أن نلتفت لقيم عرار المؤسسة لوطن يسوده السلام بسيادة القانون والمواطنة والحرية، الأولى الرجوع لقيم عرار والتي كرسها الدستور.

وقد عاش "عرار" خمسون سنة عاش منها متقلباً بين اللهو والجد، والسياسة والشعر حوالي أربعون سنة من عمره، وكان يعلم أن أجله لا بد وأن يأتي في يوم من الأيام، لذلك أعد العدة وهيأ نفسه لساعة لا مناص منها، وقبل دنو أجله طلب أن يكون قبره في تل إربد تحديداً حتى يبقى مشرفاً على سهول المدينة ووديانها ومرتفعاتها وشوارعها التي وضع بصمته عليها، وكان بينه وبينها علاقة تشبه علاقة الحبيب بحبيبته، والعشيق بعشيقته..

ويكثر المؤرخون ليحاة "عرار" من التركيز علي أن الرجل كان جملة من التناقضات، والطباع العجيبة، والشاعرية والبساطة، والذكاء، والروح المرحة، والنقد اللاذع، والقاق، والنزق، والاضطراب، والتمرد، والمناكفة. تميز "عرار" بروح مرحة، لم تترك لحظة أو موقفاً إلا وأضفت عليه مسحة من الظرف والدعابة، وكان كثير السخرية، بعيداً عن الجدية، وعرف عنه ذلك في حياته الشخصية والرسمية، في الوظيفة وغيرها، دون أن يؤثر هذا الجانب المرح الساخر في موافقه الوطنية، فهو مرح، ولكن ليس إلي حد الابتزال، ساخر، ولكن ليس إلي حد الإسفاف . وقد كان المرح والفكاهة والسخرية عنهد " وسيلة للنقد الكاريكاتوري اللاذه لأوضاع مجتمعه، ورموزها البشرية .

كان "عرار" غريباً في طريقة حياته، مما أثار بعض من تعاملوا معه، حتي اتهمه بعضهم بالشذوذ، وبعضهم اتهمه بالإنحراف، فكان يقابل اتهاماتهم هذه بالهزء والاستخفاف أحياناً، وبالعتب أحياناً أخرى، وقد اتصف بالإنطلاق وعدم اللامبالاة، والخروج علي كل عرف ومألوف، وامتلأت حياته بالنوادر والدعابات التي تثير الدهشة والإعجاب، وتكشف عن جوانب ممتعة من شخصيته .

وفي نهاية هذا المقال الثاني أقول الإذاعي اللامع " أحمد مزيد أبو ردن"  وهو يرثي "عرار"  فيقول: يا شاعر الأردن يا سيفاً تجرد في المصاب.. علمتنا أن الثري كالعرض يفُدى بالرقاب... يامصطفي أنت الخلود ولوتعيبك التراب .. ولبثت تشرحُ بؤسنا حمماً قوافيك الغضاب.. ستظل طراد الهوي بين الخرائد والكعاب .. علمتنا كيف الوفاءُ يكونُ إن عز الصحاب.. نبكيك في زمن التخاذل وانحناءات الرقاب .. ماذا أقول أراثيا فيجف في حلقي اللعاب.. يا فارساً عزت به الأيام إن عصفت العذاب.. فوق الرثاء لأنت يا رمزاً  تشامخ كالقباب.

رحم الله  "عرار "، والذي كان واثق الخطوة في كل مواقفه. كان مجدداً ولم يكن مقلداً بأي وجه من وجوه التقليد. والمجدد ينظر إلى الأمام، والمقلد ينظر للخلف والعياذ بالله، المجدد يمثل النور، والمقلد يمثل الظلام، ألم يقل الفيلسوف ابن سينا في دعائه إلى الله تعالى: فالق ظلمة العدم بنور الوجود. ومن حكمة الله تعالى أنه خلق عيوننا في مقدمة أدمغتنا، ولم يوجدها في مؤخرة الأدمغة. كانت كتابته تمثل شلالاً متدفقاً من الحكمة والمعرفة، وإن كان أكثرهم لا يعلمون، وتعد بحراً على بحر، إنها تعد نوراً على نور، ويكفيه أنه حارب طوال حياته حياة الظلام والتقليد، إنه مدرسة كاملة، وإذا كانت روحه قد صعدت إلى السماء خلال الأشهر الماضية، فقد صعدت إلى عالم الخلود والبقاء واستراحت من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

نعم رحم الله "عرار "، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...............................

1- لقمان محمود: شاعر الانسانية والغجر، عرار رائد القصيدة الاردنية الذي تفرد بين جيله.. مقال.. التاريخ: 19 أبريل 2000.

2- أبو ردن، أحمد مزيد: مرثية عرار، المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية، ع42، 1997.

3- أحمد أبو مطر: عرار الشاعر اللامنتمي، أقلام الصحوة، الإسكندرية، ط1، 1977. دار صبرا للطباعة والنشر، دمشق - نيقوسيا، ط2، 1987.

4- عرار شاعر الأردن، يعقوب العودات (البدوي الملثم):، دار القلم، بيروت، ط1، 1980.

5- عرار شاعر الأردن وعاشقه (مختارات)، عبد الله رضوان، منشورات أمانة عمان الكبرى، عمان، ط1، 1999.

6- مصطفى وهبي التل، حياته وشعره، كمال فحماوي، د.ن، عمان، د.ت.

 

 

محمود محمد علي"عرار".. شاعر أردني، واسمه الحقيقي مصطفى وهبي صالح التل (25 مايو 1899 - 24 مايو 1949)، وهذا الرجل من أشهر شعراء الأردن على الإطلاق، وواحد من أبرز شعراء الشعر العربي المعاصر، لقب بشاعر الأردن، حيث يعد رائد القصيد الأردنية في مطلع هذا القرن؛ لقبوه باسم "عرار"، حيث كان يوقع بعض شعره بلقب (عرار)، ويتميز شعره بالرصانة ومناهضة الظلم والاستعمار بالأردن إلى حد كبير.. غرس روح الوطنية بين مواطنيه في الوقت الذي كان الأردنيون يبحثون عن هوية خاصة بهم .

ويعد " عرار" أحد أشهر شعراء الجزيرة العربية، وبلاد الشام، والدولة العثمانية في نهايات حكمها الذي امتد نحو أربعمائة عام، شاعر عربي أردني أصيل مهووس في حب الأردن، وقد وصل عشقه للوطن أن شبهه بجنة الله على الأرض.. عرار شاعر لم تشهد البلاد مثقفاً شاعراً مثله، ليس فقط في عملية نظم الشعر، ذلك أمر هين يمكن لكل ناظم للشعر أن يكتب ويتفلسف شعراً أو نثراً، عرار كان مدرسة في كل شيء، مدرسة في الوطنية والانتماء للوطن، مدرسة في الإنسانية خلال علاقته بالنور، مدرسة تصور كل تفاصيل الأردن من شماله الى جنوبه، وكأنه يحمل خارطة تسجل كل حفنة تراب، وبصمة حافر من حوافر خيول العز والشرف والبطولة، وقلم أردني سطر تاريخ الأردن بالحبر والدماء.

فعرار كان نسيج وحده في الحركة الشعرية المعاصرة، لكونه شاعرا متفردا لا ينتمي الى جيل، ولا الى مدرسة، و"انما ينتمي الى تجربته الخاصة فقط، لأن معظم قصائده قد رسختها مفاهيم تجاربه الحياتية، وربما عرار الشاعر الوحيد الذي لا ينفصل شعره عن حياته، فقد استغل مادة حياته استغلالا صادقا، واسقطها بصدق وبدقة وبشفافية في شعره، حيث لم يحجب من حياته شيئاً.

ويمثل عرار واحداً من جيل الرعيل الأول من الأدباء والشعراء في عصر النهضة العربية الذين عرفوا بقدرتهم على إيقاظ مشاعر من يقرأ لهم، فهو واحد من الشعراء الذين لم ينالوا كامل حقهم من الدراسة والتقويم والاهتمام. فهو يعتبر ثورة حقيقية استهدفت رقي الإنسان وتحقيق العدالة للجميع دون تفريق والالتزام بقضايا الوطن والمواطن.

ولد مصطفى التل في مدينة إربد بالأردن في عام 1897م والتحق بالمدرسة الابتدائية في إربد، ثم سافر إلى دمشق عام ١٩١٢ ثم نفي إلى حلب، حيث أكمل دراسته الثانوية من المدرسة السلطانية في حلب ثم تركها إلى بيروت منفيا بسبب تطاوله على والى دمشق وأكمل دراسته فيها، ولاحقا درس مصطفى التل القانون في أواخر العشرينيات.

وانتقل بعدها الى دمشق حيث واصل دراساته وشارك في الأنشطة السياسية التي عبرت عن الرفض ضد الإمبراطورية العثمانية والتحريض ضد القومية العربية. نفي الى بيروت الى جانب نشطاء أردنيين آخرين لكنه ما لبث أن عاد قريبا. كان مصطفى منذ أيامه في المدرسة الثانوية يعمل بنشاط في الأنشطة السياسية بسبب الاضطرابات الإقليمية التي عانى منها العرب والأتراك في طريقهم كجزء من الطموحات الاستعمارية البريطانية. وأصبح مدرساً للأدب العربي في الكرك عام 1922م، لكنه أقيل وطرد إلى المملكة العربية السعودية بسبب معتقداته السياسية التي كان ينقلها بشكل مستمر للعامة. وعلى مدى العقد المقبل عاد إلى الأردن ونفي مرة أخرى بعد مرور بعض الوقت.

حصل مصطفى التل على إجازة بممارسة المحاماة في ١٩٣٠ تدرج التل بالسلك الوظيفي حتى صار حاكما إداريا في مناطق «وادى السير والزرقاء والشوبك»، ثم مدعيا عاما في السلط ثم رئيسا للتشريفات في الديوان العالي، ثم متصرفا للبلقاء لأربعة أشهر عزل بعدها واعتقل وبعد خروجه عمل بالمحاماة؛ لكنه كان مستمرا في قراءة وكتابة الشعر. كما كان يعرف جيدا معظم الشعراء المعاصرين، وكانت لديه أيضا روابط وثيقة مع نخبة من الشعراء في قصر الملك عبد الله الذي دعي اليه لقراءة شعره. توفي مصطفى في عام 1949م في عمان، وتم تسمية أرفع جائزة أدبية بالأردن على اسمه، وكذلك المهرجان السنوي للشعر الذي يقام أيضا باسمه. كان مصطفى أيضا باحثا متعطشا وكاتبا للمقالات، وتم توزيع أوراقه السياسية على نطاق واسع بين القراء الأردنيين وكان لديه أتباع كثيرون بسبب آرائه السياسية. ولعب مصطفى دوراً رئيسياً في خلق الروح الوطنية لدى الشعب الأردني ضد الاحتلال الأجنبي في أراضيهم، وأظهر لهم ضرورة الوقوف ضد القوى الاستعمارية لإنقاذ هيبتهم الوطنية و احترام ذاتهم.

وعرار بداخله يتقمص شخصية نيلسون ماندلا من خلال كتابته الشعرية، ولذلك تجربة عرار فريدة من نوعها، إذ كانت متميزة بين تجارب الشعراء الآخرين في ذلك الوقت، لقد عانقت تجربة عرار الحالة اليومية البسيطة، وتحدثت عن مواضيع لم يتطرق إليها الشعر من قبل. تلك التجربة كانت معززة بروح شاعر ظل يمشي بين المتناقضات في الحياة، كما أنه توغل في هذا المشي، حينما التجأ إلى الغجر، وكتب عنهم وأشاد بهم باعتبار حياتهم أنموذجا للحرية، وذلك أمام المدن المتجهمة التي تضيق ذرعا بالشاعر وتقتل روحه.

وكان لعرار له صلات واسعة مع كثير من الشعراء المعاصرين له أمثال: إبراهيم ناجي، أحمد الصافي النجفي، إبراهيم طوقان، عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، الشيخ فؤاد الخطيب، كما كانت صلته وثيقة ببلاط المغفور له الملك عبد الله الأول ابن الحسين، حيث كانت تجتمع نخبة من الشعراء والأدباء، وتدور بينهم مساجلات ومعارضات شعرية.

وقد خلف "عرار" وراءه عددًا من الآثار النثرية والشعرية التي كان أبرزها: عشيّات وادي اليابس، شعر، بالرفاه والبنين/ بالاشتراك مع خليل نصر، دراسات، الأئمة من قريش، دراسات، أوراق عرار السياسية (جمعها: محمد كعوش)، رباعيّات عمر الخيّام (ترجمة)، عشيات وادي اليابس (محقق).. إلخ.

وقد حظي "عرار" التل باهتمام الكثير من النقاد والدارسين نظرًا لميوله الاجتماعية وجانبه الفكري فقد ظل حس العدالة والإنصاف يلازمه طوال حياته إذ انتصر لتلك الطبقة الاجتماعية المضطهدة المعروفة بالنّور وعاشرهم وجالسهم في كثير من أيام حياته، وقد اتصل اسم مصطفى وهبي التل بلقبين: شاعر الأردن، وعرار وهو اللقب الأشهر له والاسم الذي عرف به خلال مسيرته الشعرية.

وعرار شاعر لم تشهد البلاد مثقفاً شاعراً مثله، ليس فقط في عملية نظم الشعر، ذلك أمر هين يمكن لكل ناظم للشعر أن يكتب ويتفلسف شعراً أو نثراً، عرار كان مدرسة في كل شيء، مدرسة في الوطنية والإنتماء للوطن، مدرسة في الإنسانية خلال علاقته بالنور، مدرسة تصور كل تفاصيل الأردن من شماله الى جنوبه، وكأنه يحمل خارطة تسجل كل حفنة تراب، وبصمة حافر من حوافر خيول العز والشرف والبطولة، وقلم أردني سطر تاريخ الأردن بالحبر والدماء.

وقد تجسدت موضوعات أشعار "عرار" حول القضايا السياسية التي عايشها المجتمع الأردني والعربي آنذاك، والتي أشرف على كثير منها خلال مسيرته العملية في سلك القضاء، بالإضافة إلى القضايا الاجتماعية، وتناولت أشعاره الموضوعات والمضامين الآتية: الغزل ومنه قوله: يا ظبية الوادي ولا واد إذا ما كنت فيه ولا هناك حزون ما أنت إلاّ بسمة علوية بدموعها ربّ الجمال ضنين قولي لمن ظلموك: ربّ ظلامة شفعت لها عند الشيوخ عيون السياسة. ومنه قوله: لو أني أرأس الوزراء أو قاض كمولانا لألغيت العقاب ولم أدع للنفي إمكانا أما وانا من اتخذوه للإرهاق ميدانا فمن سجن الى منفى لآخر شط ابوانا فهات الكأس مترعة من الصهباء ألوانا يطالعنا بها حبب كعين الديك يقظانا العدالة الاجتماعية ومنه قوله: إنّ الصعاليك إخواني وإنّ لهم حقا به لو شعرتم لم تلوموني فالعزل والنفيّ حبا بالقيام به أسمى بعينيّ من نصبي وتعييني يا شرّ من منيت هذي البلاد بهم إيذاؤكم فقراء الناس يؤذيني..

وفي نهاية هذا المقال أقول مع د. محمد القضاة وهو يرثي عرار فيقول: يا عرار: الشعراء المجيدون لا يرحلون، والمبدعون الرائعون لا ينتهون، وإن رحلت أجسادهم فهم باقون بشعرهم وإبداعهم، يجتثون من السكون حياة وحرية . وننهل من عبقرياتهم وطموحاتهم الكثير الكثير... والشعراء الكبار لا ينقطعون، بل يستمرون في ذاكرة التاريخ والزمن، ويسطع نورهم مع بزوغ كل شاعر مبدع جديد .. يا عرار: يا أيها المسافر في ماضي الأردن وسهوله وجباله، يا صاحب الوجه الأسمر الشاحب الذي غابت ملامحه، ودفنت قسماته في ثري الأردن، يا من أثقلته الأيام فذبل، ولعبت به الحوادث فتحملها بمآسيها، وشرد في طول اليلاد وعرضها، وعصفت به الهموم، ولج به الخيال الطموح، ستبقي قصائدك تنبش فينا ذاك الماضي الجميل، تذكر الأردن بأهله ومواقفه، بآماله وأحلامه، بيأسه وطموحه، بعلله وأمراضه، لأنك كنت وستبقى قيثارة الأردن المشجيه، وبلبله الغريد.

وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............

1- تحسين التل: الشاعر والسياسي مصطفى وهبي التل "عرار".. مقال منشور بتاريخ 31-08-2019 03:04 PM

2- أمل محي الدين الكردي: شاعر الاردن عرار".. مقال منشور بتاريخ07-08-2019 05:29 PM

3- مصطفى وهبي التل: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة..

4- المقالات: أوراق عرار السياسية - وثائق مصطفى وهبي التل، (جمعها: محمد كعوش)، د.ن، عمان، 1980.

5- ماهر حسن: «زى النهارده» وفاة مصطفى التل «شاعر الأردن» 24 مايو 1949.. مقال منشور بتاريخ الأحد 24-05-2020 15:21 | كتب: ماهر حسن |

6- محمد القضاة: يا عرار، المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية، ع47، 1999.

 

محمود محمد عليالقارئ العزيز لعلك قد سمعت عن "أبي عامر محمد بن أبي عامر"، والمشهور بلقب "الحاجب المنصور"، كان جندياً مغموراً، ليس له شأن، لكنه بجده واجتهاده استطاع أن يبرز في القتال، ثم برز في الشرطة، حتى صار قائدا لشرطة قرطبة، وقد جاءت تقديرات الله -عز وجل- لتهيئ له الفرصة لأن يشغل خلال خلافة الحكم الثاني (الخليفة الحكم المستنصر بالله،) مناصب إدارية أخرى مهمة غير الشرطة، مثل مدير دار سك العملة، ووكيلاً لعبد الرحمن أول أولاد الخليفة، ثم وكيلا لهشام بعد وفاة عبد الرحمن. وولي خطة المواريث، فقاضيًا على أشبيلية ولبلة وأعمالهما.

وبأبي عامر ننتقل إلى عهد جديد، غريب في تاريخ الأندلس.. عهد "الحاجب المنصور" الذي قال عن نفسه: الحمد لله الذي جعل لنا دولة تمتد شماريخها من عدوة المغرب إلى شادي يعقوب، ومن البحر إلى المحيط، وأما بعد.. فما بال أقوام يقولون: سلب الأمر أهله.. وما بال آخرين يقولون.. من كاتب رقاع علي باب الزهراء إلى متحكم في الدولة.. فأما كاتب الرقاع فنعم..وبعد.. فأنا ابن إمرأة كانت تغزل الصوف بالجزيرة الخضراء، آخذه لأبيعه لأتقوت.. وأما الثانية فو الله ما أخذنا الأمر إلا من أجل الأندلس.. وقد كان الأمر ما علمتم.. خليفة صبي.. وأم ضعيفة.. ومن ورائهم أعمام يريدون هذا الكرسي.. ومن وراء هؤلاء وأولئك صقالبة يتآمرون.. ومصحفيون قد قلبوا علينا الموالي والعرب.. هؤلاء يقولون: لا مولي لنا سوي المصحفي.. وأولئك يقولون: قد أخذ مراتبنا في الدولة.. ومن وراء كل هؤلاء: العدو الجاسم على ثغور الأندلس يتربص بكم الدوائر.. فهل نعطيه هذا كله.. وهل نعطيه إرث الداخل، حتى لا يقال سلب الأمر أهله.. والله لو أني أخذتها لنفسي لما كنت غدوت في كل عاماً مرتين حتى وصلت إلى مناطق لم يصلها الفاتحون الأولون.. لم يصلها طارق بن زياد.. ولا موسي بن نصير حتي أصابت المرأة في تلك الممالك إذا أرادت أن تخوف أولادها قالت: صه ليأتينكم أبو عامر.. وإني والله لأرجو أن ألاقي الله تعالى بقارورة جمعت فيها غبار المعارك عن ملابسي، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يجتمع على عبد دخان جهنم وغبار في سبيل الله..

وهنا أتساءل: كيف استطاع محمد بن أبي عامر هذا الشاب، وهذا الفتي الذي كان جندياً مغموراً أن يمتلك المجد، والذي يذكرنا بعبد الرحمن الداخل؟.

هكذا استطاع "محمد بن أبي عامر" ليس له شأن لا مكانة، ولا وزن، ولا مال، ولا عائلة تختصها، ولا جنود، ولا أحد.. أستطاع أن يسيطر على الأندلس وحده.. كيف؟

روي عنه أنه في شبابه، إذ قال لزملاء دراسته أنه سيحكم الأندلس يوماً، وقبل أن يسترسلوا في الضحك مما سمعوه، طلب من كل منهم أن يتمنى عليه شيئاً ليعطيه إياه يوم يبلغ تلك النكال، فطلب أحدهم أن يجعله والي قرطبة.. وآخر أن يوليه ولاية كبيرة.. بينما سخر منه ثالث وطلب أن يجلده مائة جلدة ثم يطوف به عارياً على حمار ورأسه لذنبه وهو مغطي بالعسل حتى يجتمع علي جسده الذباب والنحل.. وعندما كبر حقق ما أراد، وأوفي لكل منهم ما طلب بما فيهم هذا الأخير.

سبحان وإن لنا في محمد بن أبي عامر لعبرة لا تنسي في أخ وصديق لي كان فقيرا معدما، وأمه التي مات زوجها كانت تبيع الفول لتتقوت به علي صبيها.. كانت تتمني أن يكون ولدها أستاذاً بالجامعة ويشار إليه بالبنان، ولكنها ماتت قبل أن يتحقق مرادها.. ذهب ولدها إلى الجامعة والتحق بكلية الآداب، وأثناء دراسته بالكلية كان يحلم أن يكون فارس كبير.. فارس تَشَوُّفه في الميدان.. له صولجان ويشار له بالبنان.. راح يشتغل عامل باطون.. في البرد وفي عز الهجير .. عامل أجير.. يُمْلِي بطون الأرض أسمنت وزلط.. ويصب عمدان العزيمة في كل بيت ويكتب عليها بالعرق.. إما أكون أولا أكون.. وفي وسط تيار العمل مد أيده للكتاب.. يقرأ الحروف.. وكان أول حرف هو حرف الألف.. ألف الإرادة والأمل.. والحرف الثاني هو الحرف ميم.. ميم العزيمة والهدف.. والحرف الثالث هو حاء.. حاء هو حلم عمره إنه يتعرف.. والحرف الرابع هو الحرف ميم.. ميم مستحيل أن ينحي أو ينحرف.. والحرف الخامس هو واو.. واو القسم ليكتب اسمه على لوحة شرف (زي أبي محمد أبي عامر)... والحرف السادس هو الحرف دال.. دال الدعاء من أم ضحت لأجل ما يوصل للهدف..

وبالفعل وصل وصار بفضل الله ومنته أستاذا يشار له بالبنان.. راح ينشر مؤلفات مجانا من غير ما يأخذ فلوس من مكتبة نور الإلكترونية.. وبالفعل نشر فيها أكثر من حوالي 167 مؤلف منشور، لدرجة أن المكتبة كتبت عنه قائلة: هو واحداً من كبار المفكرين المصريين المعاصرين الذين يطلق عليهم لقب المثقف الشامل الذي ضرب بسهام وافرة في فروع الفلسفة، حيث كتب في الفلسفة الإسلامية، والتصوف، وعلم الكلام، والمنطق ومناهج البحث وفلسفة الإبستمولوجيا، علاوة على اشتغاله بقضايا الفكر السياسي المعاصر، وهو صاحب موسوعة أجيال الحروب، والتي صدر منها حتى الآن ثلاثة مجلدات، بدأ فيها من حروب الجيل الثالث إلى حروب الجيل الخامس، علاوة علي اهتمامه الشديد بقضايا الأوبئة والجوائح، ومقالاته المتعددة حول كوفيد 19، وكذلك مقالاته في القضايا الاجتماعية والسياسية والمنشورة بالصحف والمجلات العربية والمصرية.

وأختم حديثي بقول الأستاذ محمد ياسين صالح: سلام على نجم الأمل مؤتلفاً في سماء الشباب.. سلام على دعوة سليمان والهدهد الغائب.. سلام على حلم تحقق وحلم تكسر وحلم ما زال ينتظر.. عن هذا الأخير أحدثكم وعن ورقة اتخذتها منذ بيعة الصبا.. أودعتها أسماء رجال وقعوا في نفسي موقع التأثير والعظمة.. قد تجدون فيها "المتنبي" و"السموئل".. وقد تجدون "أبا حيان" و"أبا عثمان".. ولربما عثرتم بـ"مارون عبود" و"جورج زيدان".. وإذا سألتني يا سيدي ما الذي جمع هؤلاء كلهم في ورقة واحدة.. أجبتك بأني كنت حديث عهد لشباب كانت مرآة نفسي تواقة غير صدئة ما كان أسهل أن ينبطبع فيها الجمال والدهشة.. أدهشني ذات مرة شاعر نبطي.. فأورثتني تلك الدهشة أربعمائة بيت نبطي حفظاً ومعشار ذلك نظماً .

أنا ابن إخميم الذي نظم نثر البادية فقال " والله لأكتب اسمي علي لوحة في سجل الخالدين".. أنا كما قال "المتنبي": صَخْرَةُ الوادي إذا ما زُوحمَتْ.. وإذا نَطَقْتُ فإنّني الجَوْزاءُ.. وَإِذا خَفيتُ عَلى الغَبِيِّ فَعاذِرٌ.. أَن لا تَراني مُقلَةٌ عَمياءُ.. شِيَمُ اللَيالي أَن تُشَكِّكَ ناقَتي.. وصَدري بِها أَفضى أَمِ البَيداءُ.. وصدق الله القائل: ونريد أن نمنّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض.. وللحديث بقية في قابل الأيام..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

في عام 1991 وتحديداً في آذار/ مارس بعد نهاية ما يسمى بعاصفةِ الصحراء بأيامٍ قليلة – العاصفةُ التي صَحَّرت أيامَنا، وذبحتْ أحلامنا، وهدَّمت أكواخَ شَبابنا.

أخذتني خَطواتي لزيارةِ صديقٍ لي في مكانٍ بعيدٍ عن سكني للإطمئنان على سلامته، وما إن أقبلتُ وأقتربتْ خطواتي نحوه وإذا به يصرخُ بيّ معقولة.

- بادرتهُ بعلامةِ استفهامٍ مثله، ولماذا تلك المعقولة التي أراكَ تستقبلني بها؟

- أأنتَ هنا؟ تساءلَ صديقي مُستغربًا؟

- نعم كما تراني أنا هنا. أنا هنا بِلحمي وشَحمي رغم أن لا وجودَ للحمِ والشحمِ أثر الخوف والجوع اللذان حققا أكبر رصيدٍ لهما في بلادي المصابة بلعنةِ السماء.

- أنا مازلتُ حياً يا صديقي ولم تسرقني قنابلُ وصواريخُ الموت التي سرقت الكثيرين.

- أجابني صديقي قائلا: أنا ما قصدتُ هذا بل قصدتُ أنت هنا وغيرك قد تمكن من الهربِ إلى حيث تكون الحرية خارج أسوار الوطن.

- أبتسمتُ، وقلتُ له ما رأيك، هل تريدني أن أشدَّ الرحال وأهرب إلى حيث تكون الحرية؟

- هزَّ رأسهُ وهو يتمتمُ، نعم هذا ما أتمناه، وما أريده لك يا صديقي، أنا أعرفُ تماما أن حُلمك أكبرُ من فضاءات الألم، وأوسع من أمتداداتِ الحزن المغلف للروح، ولهذا أتمنى لك أن تكون خارج أسوار وقيود الألم.

ثم أردف قائلاً: أخبرني بالله عليك ما الذي يمنعك والفرصة الآن سانحةٌ ومواتيةٌ لك طالما أن قوات التحالف الدولي تستقبلُ كل العراقيين الهاربين من جحيم الوطن، وجحيم الموت المزروع في ثنايا الوطن.

***

في الحقيقة، استحسنتُ الفكرة، فكرةُ الصديقِ الذي نطقَ تلك الكلمات بقلبٍ متوجعٍ ومفجوع.

في صباح اليوم التالي، ودون إستئذان أو مشاورة الأهل، امتطيتُ روحي حصانًا جامحًا، وهرَعتُ أهرولُ نحو قدرٍ مجهولٍ، والصرخةُ في داخلي تسبقني بأنينها وعذاباتها.

أيُّ الطرقِ سأسلكُ؟ تساءلتُ مع نفسي، وأيُّ الجهاتِ سأتخذ؟

الطرقُ مسدودةٌ، وملغومة بقواتِ الحرس الجمهوري، يا ويلي.

الموتُ يبتلعُ الناسَ، والوجوهُ ترتجفُ، والعيونُ مرايا عاكسة لتحركات من يرصدونه أو يشككون بنواياه وحركته.

لكني وبعد التوكلِ على الله سلكتُ طريقًا ترابيًا لي معهُ علاقة معرفة قديمة، وصداقة حميمية. تلك العلاقة تمتدُ لأكثرِ من ستِ سنواتِ عندما كنتُ أحد المغضوب عليهم في معسكرات الطلبة، المعسكراتُ التي أبتكرها القائد الضرورة لطلبةِ الكليات عام 1986 حيثُ كنتُ أسلك هذا الطريق الترابي الصحراوي المكسو بالكثبان الرملية المتطايرة كتطاير الروح في لحظةِ الخوف.

الطريقُ طويلٌ، والخوف ينتزعُ الروح.

آه يا لصدى عذاباتي وانكساراتي وخيباتي وخذلاني.

كانَ الطريقُ إمتدادًا لمعسكراتِ القاعدة الجوية بإتجاه قاعدة الإمام علي، المكانُ الذي يطلقُ عليه الأمريكان اسم (طليلة)، ولا أعرفُ بالضبط لماذا هذه التسمية، ومن أين جاءت، وهل لها علاقة بالديانات القديمة؟

بدأ الخوفُ يدبُ في عروقي، ويتصاعدُ شيئًا فشيئًا ليلتفَّ حولي، وبدأتْ قدماي تتآكل من شدةِ الألم والخوف والتعب.

لا أحدَ في الطريق. أنا والطريقُ نمشي وحدنا، نمشي مع بعضنا.

أنا أتلفتُ من الخوفِ، والطريقُ يتلفتُ معي، كأنهُ يحتمي بيّ.

تجاوزتُ ثُلثَ المسافةِ، ولأن معدتي كانت فارغةً، ولم أتناول شيئا من الطعام، بدأ الجوع يقتحمُ البطنِ الخاوية بجنودهِ وأسلحتهِ المُوجعة، والعطشُ أخذ مني مأخذاً.

تزودتُ بالصبرِ، وقلتُ يا نفس كوني قويةً فما هي إلا مسافة قصيرة وتكونين في مأمن من جيوش القهر، ورصاصات الموت.

وبينما أنا كذلك، وإذا بسيارةٍ فيها شخصان لا أعرفهما، اقتحما تأملاتي وارهاصاتي، وتوقفتْ سيارتهما بجانبي.

لا أعرف ماذا حصل لي في تلك اللحظة المرعبة، شعرتُ أن دمي تجَّمدَ في أوردتي، وقدماي تسمَّرت، وماتت من شدة الخوف.

حسبتُهما من رجالات أمن القائد وقد نصبا لي شركا لكي يوقعا بيّ.

- فتحَ الرجلُ القريب من الجهة التي أمامي نافذة السيارة وسألني:

- إلى أين أنتَ متجه؟

- أجبته وبكلِ صراحةٍ إلى خانك يا دهر ..

- ضحكَ الرجلُ الثاني الذي يجلسُ في الجانب الآخر من السيارة، وقال لي ونحن كذلك.

- إذن تعالَ واذهب معنا ..

ترددتُ قليلا في بداية الأمر، ولكن بسبب إصرارهما لم أجد بُدا من عدم الانصياع والإذعان لطلبهما.

- قالوا اخبرنا بصراحةٍ إلى أين أنت ذاهب؟

- قلتُ لهما وبلا ترددٍ أنا ذاهبٌ إلى خانك يا دهر، لعلّ وعسى، عسى ولعلّ أجدُ في قواتِ الأمم المتحدة ناصية أحلامي لكي أتحرر من قيود الألم وأرحل حيث تكون الحرية والأمان، وحيث يكون الله ..

- أبتسم الرجلان وقالا لي أننا نريد أن نأتي بقليلٍ من النفط لعوائلنا من قوات التحالف الدولي ..

***

وبينما نحنُ كذلك وإذا بالمسافةِ تتلاشى ونصلُ إلى النقطة التي تحرسها قوات التحالف الدولي ..

- أوقفونا عن بعدٍ وقالوا لنا ما الأمر؟

- تقدمتُ أنا صوبهم، دققتُ النظرَ بهم جيدًا، وإذا بهنَّ نساء يرتدين البزة العسكرية، مجندات شقراوات ..

- قلتُ لهنَّ: هذان الرجلان يريدان قليلا من النفط لعائلتيهما للأستعمال المنزلي.

جاءتني الإجابةُ بالإيجاب، لا بأس ولكن رجاءً اخبرهما أن هناك تفجيرات في القاعدة فعليهما أن يحترسا.

استلمَ هذان الرجلان تلك المعلومة وشدا الرحال ولم أرهما بعد ثانيةٍ.

- وأنت؟ ما خطبك؟ ما الذي تريده؟ هل تريدُ ماءً، طعامًا، دواءً. ماذا تريدُ؟

- سألتني إحدى الشقراوات الجميلات وهي تلوكُ مخارج حروف الكلماتِ بشفاهٍ ناعمةٍ طريةٍ يطربُ لها القلبُ المُلتاعُ عاطفةً.

- قلتُ لها ودون تردد، أنا جئتُ قاطعًا المسافاتِ البعيدة أبحثُ عن حريتي.

- أبتسمتْ وقالت لا أفهم ما تعنيه ....

- قلتُ لها أنا ابحثُ عن Humanitarian asylum

- أبتسمتْ مرةً ثانية وقالتْ لا بأس ستأتي طائرة هليكوبتر بعد ثلاثين دقيقة وبإمكاننا أن نأخذك معنا إلى بلاد السعودية لمدةِ ثلاثة أيام ومنها إلى امريكا.

- ثم كررتْ عبارتها مرة ثانية وهي تلوكُ الكلمات بشفاهٍ طريةٍ، أكادُ أجزمُ أنها أضرمت النارَ في قلبي.

Just three days no more no less

واو، يا إلهي، سأكون في امريكا بعد ثلاثةِ أيامٍ.

هل أنا في حلمِ أم حقيقة، أم أنها أحلامُ اليقظةِ؟

- بادرتها بسؤالٍ متوهجٍ بالفرح، وكيف سأكون في امريكا بعد ثلاثةِ أيامٍ؟

- قالتْ ...

We’ll supply you with a travelling document which enables you to go with us to America directly.

يا إلهي، هل هذه المجندة الشقراء الجميلة تقولُ الحقيقة أم أنها تشتري بعقلي حلاوةً من أرض العراق؟

تذكرتُ في الحال البيت الشعري التالي:

”إن أقبلت باضَ الحَمامُ على الوتد

وإن أدبرت بالَ الحمارُ على الأسد”

***

لم تمضِ عشرُ دقائقٍ على سماعي هذا الخبر المفرح الذي سينقلُ حياتي من العدم إلى اللاعدم، من القيود إلى التحرر، من المعاناة إلى الاستقرار والراحة، وإذا بالقدر يسلّطُ عليّ سياط العذاب والقهر والألم والموت البطيء من حيث لم أحتسب، ولم أتوقع بالمرة.

رجلٌ عراقيٌ أربعيني العمر اقتحمَ لحظات التأمل، واقتحمَ حلبةَ الأحلامِ والأماني، وبيده سيفاً، قطعَ به عُنقي المُشرئب بأحلامِ اليقظة، وذبحَ به أجملَ حلمٍ كادَ أن يتحقق بعد عشرين دقيقة.

- بادرّ الرجلُ العراقيُ الأربعيني المجندات الشقراوات بالتحيةِ، وتحدثَ معهنَّ مثلما فعلتُ أنا، وقالَ لهنَّ بالحرفِ الواحد عبارتهُ المغروسة في ذاكرتي.

I would like to complete my high studies in US. My specialization is Surgery.

I’m graduated from College of Medicine.

- واو .. رائعٌ ومذهلٌ أنت ..

- جاءتهُ الإجابةُ سريعةً ومختصرةً من إحدى المجندات.

- طيب كما أخبرنا هذا الشاب واشارت بإصبعها نحوي، أنتما الاثنان ستكونا في ضيافتنا لمدةِ ثلاثةِ أيامٍ في معسكرٍ في السعودية، وبعدها سنأخذكما إلى بلاد الحرية والأمان (امريكا).

ولكن كما قلتُ قبل قليلٍ، لابد أن تتحملا ثلاثة أيامٍ فقط، لا أكثر ولا أقل ..

Promise …

***

وبسرعةٍ غير طبيعية كأنها سرعةُ إعصار مدمر يضربُ مدينةً آمنة دون سابقِ إنذار، استدارَ الرجلُ الأربعيني نحوي ومَسكني من ذراعي كما يمسكُ الموتُ أنفاسَ من يستقدمه ضيفاً إلى القبر، وصعقني بكلماتهِ القاتلة التي جَعلتني أقفُ مُتسمرًا، حائرًا، مقيدًا بألفِ قيدٍ، ومقتولاً بألفِ سكين.

- قالَ لي: أنا أكبرُ منك عمرًا، وأكثرُ تجربةً وخبرةً في الحياة.

أنصحُك أن لا تذهب معهم.

ثم أردفَ قائلاً: من سيُضمن لنا أنهم سيلتزمون بكلامهم معنا ويأخذونا إلى امريكا في غضونِ ثلاثةِ أيام؟، ربما سيكون حالنا حالَ العراقيين الذين كانوا في معسكرات الأسرِ الإيرانية الذين فقدوا عوائلهم لسنواتٍ في فترة الثمانينيات.

الغريبُ في الأمر، أن الرجلَ الأربعيني نطقَ هذه الكلمات المليئة بالتشاؤم والإحباط، وتبخرَ في الحالِ، لم أعد أراه إطلاقًا رغم أن المكان هو صحراءٌ مفتوحةُ الأطرافِ على مصراعيها، لكنه تبخرَ وغابَ عن ناظري، وشعرتُ كما لو أن الأرضَ ابتلعتهُ.

كلماتهُ نفذتْ إلى مساماتِ عقلي، وقتلتْ في داخلي حُلمَ السنوات، وقتلتْ في داخلي ذلك الأمل بالخروج من قيودِ، وجحيم الوطن إلى بلادِ الحرية والأمان.

***

في تلك الأثناء، وبينما أنا أبحثُ عنه في نظراتي الشاردة، هبطتْ طائرةُ الهليكوبتر، وتقدمتْ نحوي المجندة الشقراوية، وقالت بهدوءٍ وأدب جم تفضل لتكون أول شخصٍ في المقعدِ الأمامي من الطائرة.

- نظرتُ إليها ودمعةٌ حرى تلوذُ في الأحداق، وعَبرةٌ تهاجمني من حيث لا أستطيع المقاومة.

- قلتُ لها والألم يعتصرني: لن أستطيع الذهاب معكم وسأرجع من حيث أتيت ..

- ماذا؟ صرختْ المجندةُ مستغربةً.

- ما الذي غيَّرك؟

- ألست أنتَ من طلبَ منّا أن نساعدك على مغادرة العراق إلى امريكا؟

- نعم أنا من طلبَ ذلك، ولكني تراجعتُ في قراري، وسأبقى في بلاد القهر والألم والديكتاتورية والخوف والقتل والموت بإرادتي.

رأيتها وهي تهمسُ، وتتحدثُ إلى زميلتها وقد اعتلى منصةُ وجهها القلق والحزن، وتغّيرت نبرةُ صوتها حتى إنها حاولتْ أن تثنيني عن قراري في التراجع، القرارُ المزاجي الغير مدروس، ولكني بادرتها وقلتُ هذا قراري ولن أُغّيره أبدا ..

تجَّهمَ وجهها حزناً وألمًا ثم قالتْ:

ستندم كثيرًا، وتتألم كثيرًا، وسيبتلعك الحزنُ كما تبتلعُ الأفاعي أفراخَ الطيور الصغار ..

لن تجدَ فرصةً ذهبيةً في العمر كالتي بين يديك الآن، فرصةٌ لن تتكرر لك فيما بعد أبدا، فرصةٌ يبحثُ عنها الملايين من المعذبين والمحرومين في بلاد الله المزروعة بالطغاة وتجّار الحروب ومصاصيّ الدماء.

أرجوك فَكر جيدًا، إنها فرصتكَ الذهبية، لا تخسرها، لا تضّيعها، تشبثْ بها طالما نحنُ معك الآن، ومُستعدون لِمساعدتك.

- معذرةً، إنهُ قراري الأخير، لا تراجع فيه. أجبتها وفي داخلي بركانٌ من ألمٍ وعذاب.

يبدو أن كلمات الرجل الأربعيني الذي بعثتهُ الأقدار على حينِ غِرة، قد تلَّبستني تمامًا، وجرَّدتني من صوابي، ونفذَ إلى مسامات وخلايا عقلي سحرها وتأثيرها، وشعرتُ كما لو أنه مارسَ معي عمليةَ غسيل دماغ في أقلِ من أربعِ دقائقٍ.

- طيب خذ هذا الكتاب هديةً مني. جاءتني كلماتها الأخيرة معبئةً بالحزنِ والأسف بعد أن عجزتْ عن إقناعي.

أهدتني كتاب الإنجيل، العهد الجديد (New Testament) الذي مازلتُ أحتفظُ به كذكرى أليمة تعشعشُ في ذاكرتي.

- ناولني الرجلُ الأربعيني ورقةَ القدر، مكتوبًا عليها:

أنت غير مسموحٍ لك بمغادرة البلد، عليك أن تبقى هنا داخل أسوار الوطن، لتبكي، وتعاني، وتتجرع كأس القهر والألم والذل.

ورقةُ القدر جاء بها إليّ هذا الأربعيني الذي لم يمكث سوى دقائقٍ معدوداتٍ ليقتُلَ في داخلي إنسانا، ويذبحَ في داخلي أحلام العمر المؤجلة، وليشنق في داخلي عناوين الحرية والأمان والتحرر من قيود الألم والعذاب.

وليسرق مني وإلى الأبد أجمل وأحلى وأعذب حلمٍ كادَ أن يتحقق في غضون دقائق قليلة لولا تلك الورقة القدرية التي حملها لي هذا الرجل الأبعيني .

***

رجعتُ وحيدا أتقيأ الآهات، مطلقًا العنانَ لِصوتيّ المذبوح وهو ينشدُ مواويل الوجع ..

يا لغربة الأقدار، ويا لهذا الرجل الأربعيني الذي جاءت به الأقدار من حيث لم أحتسب، ولم أكن أدري، ولم أتوقع في آخر الدقائق ليغّير بوصلة مسيرتي، وهو يحملُ رسالة الأقدار إليّ، والتي تمنعني من مواصلة مشوار العمر بحثًا عن الحرية ...

 

أحمد الشحماني

.............................

* الرجلُ الأربعيني، إشارة إلى رجلٍ كان في عقدهِ الرابع في آذار/ مارس 1991. الآن ربما هو في أواخر الستينات من عمرهِ إن كان حيا، ولو أنا أشكُ إن كان هو بشراً، أغلبُ ظني أن السماء والأقدار بعثته لي بهيئةِ بشرٍ ليغّير بوصلةَ مسيرتي، ولله في خلقه شؤون.

 

 

محمود محمد عليبقلوب حزينة وأعين ذرفت منها الدموع، ودعنا بالأمس (الموافق 4 أغسطسر 2021) بعد صراع شجاع ومثالي مع المرض أخاً وصديقاً وأستاذاً عزيزاً علينا، ألا وهو الأستاذ الدكتور فوزي العمدة -عضو مجلس الشورى الأسبق وعميد معهد الخدمة الاجتماعية بسوهاج – بجمهورية مصر العربية.. رحل الدكتور فوزي العمدة بعد صراع مع المرض خلال السنوات الأخيرة.. غادرنا جسداً لكن ذكراه ستبقي طيبة، مثمرة ما بقيت الجامعة بين طلبته وزملائه وبين محبي الثقافة والمعرفة. عرفناه لطيفاً، خدوماً، عميقاً في بحثه، جدياً في عمله، موسوعياً في اطلاعه، والله لهو في نظري نعم الرجل المتميز، والمنهل الثر، والمفكر الناصري التقدمي، والمنظومة المتكاملة من العطاء، وهو أيضاً أحد الرموز السياسية والثقافية بمصر الحبيبة .

والدكتور فوزي العمدة كان قد لمع نجمه، وبرز اسمه، وهو تاريخ حافل بالعطاء، وتمثيل مشرف في مختلف المواقع السياسية فى رحلة عطاء، امتدت عبر أربعون عاماً شغل فيها مواقع مختلفة محلياً، وعربياً، وأفريقيا، ودولياً، ولم تأتى من فراغ، فقد بدأ حياته عضو مجلس إدارة النقابة العامة للعاملين بالسكة الحديد، والسكرتير العام المساعد للنقابة عام 1964 م؛ ثم عضوا بمجلس محلى محافظة سوهاج عام 1966م، وعضو باللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي لمدة دورتين، كان يرأسها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وقد اختاره الرئيس "جمال عبد الناصر" ضمن لجنة المائة سنة 1968، التى كلفها بإعادة تنظيم الاتحاد الاشتراكي، وهذه اللجنة تضم أهم 100 شخصية على مستوى جمهورية مصر العربية.

كما عمل الدكتور فوزي العمدة فى اللجنة المركزية مع الرئيس "أنور السادات" وقت أن كان نائباً للرئيس فى لجنة الشئون الداخلية واتجاهات الرأي العام ومتابعة لجان المحافظات باللجنة المركزية بالاتحاد الاشتراكي، فقد اختاره الرئيس السادات ضمن لجنة المائة التي قامت بتطوير الاتحاد الاشتراكي ووضع دستور 1971م، وعقب ثورة التصحيح أجريت انتخابات مجلس الشعب عام 1971 .

وقد انتخب الدكتور فوزي العمدة عضو بمجلس الشعب عن دائرة أخميم عام 1971م وفى أول اجتماع لمجلس الشعب انتخب الدكتور فوزى العمدة وكيلاً لمجلس الشعب وكان ذلك أول نصر حققه للصعيد بصفة عامة وسوهاج بصفة خاصة، فهو أول وكيل لمجلس الشعب من الصعيد، وكان أصغر وكيل فى تاريخ الحياة البرلمانية، وكان عمره وقتها 34 عاماً فقط، ثم تولى رئاسة لجنة الشئون العربية بمجلس الشعب دورتين متتاليتين دورة 1971، 1976م.

كما تم اختياره أميناً عاماً للحزب الوطني بسوهاج عام 1978م لمدة أكثر من عشر سنوات وعين عضواً بمجلس الشورى سنة 1989، و1992، و1998 م، حتى انتهيت عضويته بالمجلس سنة 2004، وأما عن دوره في مجال التنمية في سوهاج فقد شارك في : تأسيس شركة سوهاج الوطنية للتنمية، وكذلك تأسيس البنك الوطنى للتنمية، وأيضا تأسيس شركة سوهاج الوطنية للسياحة والفنادق، ثم اختير الدكتور فوزى العمدة، ثم عضواً بمجلس إدارة البنك الوطنى للتنمية لمدة عشر سنوات.

عشق الدكتور فوزي العمدة العمل الاجتماعي ووضع أمامه هدف عظيم، وهو حصوله على درجة الدكتوراه فى فلسفة علم الاجتماع، ولم يكن الأمر مجرد الحصول على الدرجة العملية ولكن ليبنى صرحاً علمياً ضخماً ليشار إلية بالبنان، ويعد بحق قلعة علمية ومعمارية فى قلب الصحراء فى قلب حى الكوثر بسوهاج (المعهد العالى والمعهد المتوسط للخدمة الاجتماعية) الذي شارك الدكتور فوزى العمدة .. فى تخطيطه وإنشاءه منذ أن كان تلال وصحراء جرداء لا نبات فيها ولا ماء؛ وهي قلعة علمية يقصدها كل أبناء مصر من شماله إلى جنوبه .. تخرج منه آلاف وأصبح هذا الصرح شامخ يضم أكثر من 17 ألف طالب كل عام - وشاهد على العصر - بأن الدكتور فوزي العمدة رائد العمل الاجتماعي في محافظة سوهاج . لذلك أنتخبه السوسيولوجيين بالإجماع نقيباً لهم بمحافظة سوهاج منذ عشر سنوات .

وكان الدكتور فوزى العمدة قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي وسياسي بارع يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة الثقافية وستظل أفكاره السوسيولوجية تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

تميز الراحل الكريم الدكتور فوزى العمدة خلال رحلته السياسية والعلمية الطويلة بالاخلاص والتفانى فى أداء الواجب الوطنى، وأنه رحمه الله كان دائما فى خندق الدولة الوطنية مدافعا عن كل قضايا المواطن والوطن، وأقسي ما في الحياة أن يودع الإنسان عزيزا عليه، وداعا ليس بعده لقاء، ولكن تلك هي إرادة الله وسنته في خلقه، ويتعين علينا أن نرضي بقضائه عز وجل .. وعزاءنا أن أديبنا الكبير الراحل – يرحمه الله – سيظل يعيش في قلوبنا وعقولنا طوال حياتنا، بل أطول كثير في حياتنا، فجهوده في الإعلاء بقدر العلم والمعرفة ستظل خالدة عبر الزمن تضيئ عقولنا، وتثري أفكار أفكارنا .. وأدعو الله أن يتغمد فقيد الوطن الكبير بواسع رحمته ويسكنه الفردوس الاعلى من غير حساب، ولا سابق عذاب، وأن يلهمنا وأهله، وزملائه، وتلاميذه، ومحبيه، الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون ..

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ المثقف والسياسي وعالم الاجتماع حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الرجل المرموق، فتحية طيبة للدكتور فوزى العمدة الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر والسياسي المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور فوزى العمدة، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

صادق السامرائيالدكتور علي جواد الطاهر (1922 - 1996)، حاصل على الدكتوراه من جامعة السوربون، وهو أستاذ، أديب، ناقد ومحقق، ولديه أكثر من أربعين كتابا، والعديد من المقالات النقدية المنشورة في الصحف والمجلات، ويُعد من كبار المؤلفين العرب.

وكنت أتابعُهُ، وقرأتُ له كتاب منهج البحث الأدبي، وراء الأفق الأدبي، الخلاصة في مذاهب الأدب الغربي، ومن حديث القصة والمسرحية، وما كان ينشره.

وكنتُ معجبا بما يكتبه وأبحث عن كتبه ومقالاته، وقد تأثرت به كثيرا وبآليات إقترابه من المواضيع الأدبية، وبأسلوبه في نقدها وتقديمها للقارئ.

وأول مرة ألتقيه عندما كنت طالبا في كلية الطب، وقد حضرتُ أمسية ثقافية في المركز الثقافي لجامعة الموصل، الذي حضرها الجواهري برفقته، فقدمه وأوضح مدى إهتمامه بشعره وتقديره لإبداعه.

وبعدها ببضعة سنوات إكتشفتُ أن أحد أقربائي المعنيين بالأدب والثقافة من أصدقائه، وكان راقدا في مستشفى اليرموك، وتصادف وجودي معه أثناء زيارته له، فتحاورنا في موضوعات متنوعة، وتواصلنا بعد ذلك لوقت أمام المستشفى، وكان يحدثني في الأدب والثقافة والإنسان، وكيف أن المثقف أصبح في وضع لا يحسد عليه.

وقد أوقدتني كلماته وألهمتني أفكاره، وإنجذبت لكتاباته أكثر، وأعدت قراءة كتابه منهج البحث الأدبي عدة مرات.

ومن المعروف أنه من النقاد الأفذاذ والمحققين البارعين، والمهتمين باللغة العربية وبأساليب تدريسها، ويبدو أن الناقد لا تكتمل أدواته النقدية إن لم يطلع على ما كتبه أستاذنا الطاهر في النقد.

ولابد من القول أنه من المتأثرين بمحمد مهدي البصير، ومصطفى جواد، ويُحسب من طراز الكتاب والأدباء العرب البارزين، كطه حسين والعقاد والمازني وأمثالهم.

وكغيره من العراقيين المتميزين لم يأخذ نصيبه من التكريم والتقييم، فالبلاد بأنظمتها المتعاقبة تنفر من المثقفين والنابغين وربما تعاديهم وتقضي عليهم.

وكعادتنا فلا نحتفي بالعقول المنيرة اللامعة، ونتبارك بالكراسي ولا يعنينا من هو الجالس عليها، فالكرسي العتيد متسيّد على وعينا الجمعي، ولكي تكون متنفذا ومؤثرا، عليك أن تتمكن من الجلوس على الكرسي بأي وسيلة كانت!!

تحية للأستاذ الدكتور علي جواد الطاهر الذي تعلمتُ منه معنى الأدب، وقيمة الكلمة وصدق العبارة ومهارة التعبير!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

صادق السامرائيالأستاذ عبد الرضا حمد جاسم شد إنتباهي منذ زمان بقدرته على التشريح العلمي الدقيق، للموضوعات التي يتناولها بمنهجية نقدية ذات أدلة وبراهين، وقدرة منطقية سببية على المحاجة والتفاعل الهادف للإمساك بتلابيب الحقيقة وصدق القول.

وقد طلب مني المرحوم الدكتور حسين سرمك في إحدى تعليقاته على مقالاتي أن أتفاعل مع الأستاذ عبد الرضا، لأنه يمتلك قدرة تنويرية ذات قيمة حضارية تنفع الأجيال.

وأقرأ ما يكتبه ولا أعلق، لأن التعليق سيأخذنا إلى تفاعلات طويلة تستولد مقالات ومقالات، وبسبب زحمة العمل وضغط الوقت، أجدني أكتفي بالقراءة المتأملة لهذه القدرة العجيبة على تشريح المكتوب، وكأنه يمسك مشرطا ويبضع ما بين الكلمات والعبارات والسطور، ليكتشف ما لم يقله الكاتب، أو قاله بأسلوب غير مصيب.

هذه الموهبة المتميزة تستحق وقفة تثمين وتشجيع وتعزيز، لأنها تفتق محتويات المكتوب وتمنحه أبعادا معرفية ونقدية ذات منفعة تنويرية وتوجيهية، وتجعل الكاتب يتفكر فيما يكتبه، ويتحسب لكل كلمة يخطها يراعه.

وأراها كتابات ذات حس نقدي جريئ ومقدام، لا يتردد صاحبها في تناول المواضيع، والتصدي لأي طرح، ولا يعنيه كاتبه بقدر ما تشده الفكرة وما فيها من صواب وخلل.

وتبدو كتاباته وكأنها لناقد موسوعي يجيد مهارات النقد، ويمتلك أدواته وطاقاته النفسية والفكرية والروحية، مما جعله يتواصل ولا ينكسر أو يتوانى في الرد على ما يراه لا يتوافق وبديهيات الأمور، ولا يمت بصلة لواقع مطحون بالهموم.

إن هذه الكتابات تحتاج إلى رغبة ومطاولة ومثابرة وبحث وصبر وتجشم عناء ردود الأفعال، وربما العدوان وعدم التفاعل الإيجابي مع المنشور، لأنه يتكلم بلسان الحقيقة الدامغة والبراهين الساطعة، ويفند ويعزز ويرفض، والغاية أن تبدو الحقيقة ناصعة الإشراق.

فما أحوج الواقع الثقافي لهذه الأساليب النقدية الصادقة، الصالحة لبناء مسيرة معرفية متوهجة تضيئ عقول الأجيال وتحفزها للبحث، والتعاطي مع الكلمة على أنها رسالة ومسؤولية وإشعار صيرورة ومآل جميل.

تحية للأقلام الحرة الجادة المجتهدة في بناء صرح العقول الواعدة بمستقبل معاصر كبير.

 

د. صادق السامرائي

16\\7\2021

 

 

محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضى بأن: "الموهبة الفكرية والأدبية خاصة الشعرية، هي عنوان لتاريخنا نحن الناطقين باللغة العربية، فهي ما يميز جذورنا الثقافية. فالشعراء، والأدباء، والمفكرين العرب من قديم الزمان، عكسوا لنا تجاربهم، وحياتهم، وأحاسيسهم اتجاه انتماءاتهم من خلال الشعر العربي الجميل، فظهرت لنا المعلقات السبعة وغيرها من دواوين الشعر العربي الرائع.

وجاءت الحضارة الإسلامية، وكان لها شعراء يذكرون مفاهيمها وأفكارها، ويردون على الآخرين من خلاله، ففي عصور الأمويين والعباسيين كان الشعراء والأدباء العرب يستخدمون الشعر، والنثر، والأدب عموماً، ليعلموا الناس الحكمة، والمبادئ السمحة، وبشكل دائم ظل الشعراء الفطاحلة العرب؛ أمثال: المتنبئ، والبحتري، وأبى العلاء المعري، وابن رشد، وإخوان الصفا.. وغيرهم كثير مكان فخر واعتزاز للأمة العربية بأكملها على مر الزمان، وذلك لما قاموا به من أدوار هامة جداً في نشر الوعي والرقي بالذوق العربي وعكس واقع زمانهم وطبيعته وظروفه بشكل عبقري أصيل.

وفي عصر النهضة العربية الاولي أيضاً احتل الأدب مكان الصدارة بين المثقفين والمفكرين؛ أمثال: العقاد، وطه حسين، وأبو القاسم الشابي، وبدر شاكر السياب، ومحمد حسين هيكل وغيرهم من الأدباء والمفكرين الذين ساهموا في نشر الوعي ومحاربة الغزو الأجنبي لبلادهم. وكذلك الأدب الإبداعي الرفيع المستوى، والذي صاحب حركة التجديد الشعري والكتابة الشعرية الحرة؛ ومن ممثليها : سميح القاسمي، وأمل دنقل، ومحمود درويش، والفيتوري، ونزار قباني، ونازك الملائكة.. وغيرهم كثيرا، كل واحد من هؤلاء كان ينظم الشعر لمواجهة قضايا إنسانية جوهرية ولمعالجة مواضيع واتجاهات ذات درجة من الأهمية بالنسبة للعالم العربي والافريقى، وقد برعوا جميع في رفد الثقافة العربية والأدب العربي بروائع الشعر، فكانوا من الإبداع بمكان القمة ونجحوا في تحريك الوعي لعامة الناس بقضاياهم الملحة" (1).

قصدت أن أستهل هذه المقدمة لأقول بأنه علي رفوف المكتبات العربية نستلقي شعراء عظام، عن واحد من أشهر شعراء فلسطين أتحدث عنه هنا في هذا المقال .. أتحدث عن سميح القاسم، الذي ارتبط اسمه بفلسطين، والثورة، والمقاومة، فهو القائل: أحسُّ أننا نموت لأننا.. لا نتقن النّضال.. لأننا  نُعِيد دون كيشوت.. لأننا... لهفي على الرجال!

يعد سميح القاسم واحدا من الشّعراء الذين أظهروا تفاعلهم اَلْخَلَّاق  مع قضية الجماهير العربية الفلسطينية وكفاحها المشروع ضد الاحتلال الصهيوني، فنتج عن ذلك استلهام الشّاعر سميح القاسم للتراث العربي والإنساني، والتّاريخي، الأدبي، والديني، والأسطوري، فمثّل ذلك تواصلاً مع التراث وتواشجا بين الماضي والواقع الراهن في بناء هذه القصيدة، التي صدرت سنة ألفين وستة للميلاد، وهو العام الذي شهدت فيه أراضي قانا مجزرة همجية جديدة وفظيعة... مذبحة مروعة أودت بحياة الآلاف من المدنيين الأبرياء، الذين أفاقوا على قصف صهيوني مدمر في بنايات سكنية ومعسكرات حربية، تستفيق فيها مدينة قانا على وقع الجريمة لتبحث بين الأنقاض عن الأحياء والشهداء، فأبى سميح القاسم إِلَّا أن يحمل سلاحه للذّود عن عرض إخوانه العرب، حاملاً في ذلك شعار متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟، فعبر عن ذلك في قصيدة "عجائب قانا الجديدة" (2)

ولد سميح القاسم لعائلة فلسطينية في مدينة الزرقاء بتاريخ 11 مايو 1939؛ حيث عَمِل والده في قوّة حدود شرق الأردن في ذلك الحين؛ عادت عائلته إلى الرامة سنة 1941، وتعلّم في مدارس الرامة اَلْخَلِيلِيَّة  (1945-1953)، والناصرة (1953-1957). علّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ليتفرغ لعمله الأدبي.  وتعلّم في مدارس الرامة اَلْخَلِيلِيَّة  والناصرة (3).

وقد صدَرتْ في الوطن العربي وفي العالم عدّة كُتب ودراسات نقدية، تناولَت أعمال الشاعر وسيرته الأدبية وإنجازاته وإضافاته الخاصة والمتميّزة، شكلاً ومضموناً، ليصبح كما ترى الشاعرة والباحثة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي، الشاعر الوحيد الذي تظهر في أعماله ملامح ما بعد الحداثة في  اَلشِّعْر العربي. وهو كما يرى الكاتب "سهيل كيوان" "هوميروس من الصحراء" وهو كما كتبت الشاعرة والباحثة الدكتورة رقية زيدان "قيثارة فلسطين" و"متنبي فلسطين". وسميح القاسم في رأي الشاعر والناقد الدكتور المتوكل طه هو "شاعر العرب الأكبر"، ويرى الكاتب محمد علي طه، أن سميح القاسم هو "شاعر العروبة بلا منازع وبلا نقاش وبلا جدل". ويرى الكاتب لطفي وبلعابه  أن "سميح القاسم" هو "الشاعر القديس" وبرأي الكاتب عبد المجيد دقنيش أن سميح القاسم هو "سيّد الأبجدية". ويرى الكاتب والناقد الدكتور نبيه القاسم أن سميح القاسم هو "الشاعر المبدع، المتجدّد دائماً والمتطوّر أبداً"، وبرأي الكاتب الطيب شلبي فإن سميح القاسم هو "الرجل المتفوّق في قوة مخيلته والتي يصعب أن نجد مثلها لدى شعراء آخرين". واعتبرت الشاعرة والكاتبة آمال موسى سميح القاسم "مغني الربابة وشاعر الشمس، ويمتلك هذه العمارة وهذه القوة التي تسمح له بأن يكون البطل الدائم في عالمه الشعري" (4)، وقال عنه أستاذنا العالم العراقي الكبير بأنه  "شاعر المقاومة والعروبة، المناضل ".

ولذلك قال عنه أستاذنا الدكتور "علي القاسمي" :" ورث الشاعر سميح القاسم شجاعة آبائه ونضالهم وتعلقهم بالثقافة والمعرفة. فمنذ شبابه عُرِف بكونه أحد أعلام شعر الثورة والمقاومة الثلاثة الذين بزغوا في الستينيات داخل فلسطين المحتلة (أراضي 1948): توفيق زياد ( 1929 - 1994) ومحمود درويش ( 1941- 2008) وسميح. يُضاف إليهم كاتب صحفي هو إميل حبيبي (1921 - 1996) صاحب رواية ” المتشائل” الذي أوصى أن يُكتب على قبره ” باق في حيفا”. وقد مارس هؤلاء الأعلام نضالهم السياسي من خلال المؤسسات السياسية والحزبية الإسرائيلية، فاختاروا الانتماء إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وجاء اختيارهم هذا لأسباب عديدة منها لأن الحزب الشيوعي الإسرائيلي تعود جذوره إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، ولأنه معادٍ للصهيونية، ولأن من أهم أهدافه عدم التمييز بين العرب واليهود، والمساواة المدنية والقومية للمواطنين العرب داخل إسرائيل، إضافة إلى أن الحزب الشيوعي في إسرائيل هو الحزب الوحيد الذي يصدر صحيفة باللغة العربية. وكما أخبرني "إميل حبيبي" ذات لقاء: كنا كالغرقى، نتشبث بأي خشبة طافية مهما كان لونها، حمراء أو خضراء، في سبيل المحافظة على الوجود العربي داخل إسرائيل" (5).

ويستطرد أستاذنا الدكتور "علي القاسمي" فيقول : بعد صراع رهيب مع الموت دام حوالي ثلاث سنوات، سقط غصن الزيتون من يد شاعر المقاومة الفذ، سميح القاسم، وترجل عن صهوة الشعر والنضال، في 19 من شهر آب/أغسطس 2014، ليُرفع نعشه على أكتاف فتيان قرية الرامة الفلسطينية وشيوخها ومعهم أولاده الأربعة: وطن ووضاح وعمر وياسر، وتسير خلف نعشه، صبايا البلدة ونساؤها وهن يزغردن وينشدن قصيدته التي لحَّنها وغنّاها الفنّان اللبناني المتميِّز، مارسيل خليفة: مُنتصبَ القامة.. أمشي.. مرفوعَ الهامةِ .. أمشي في كفي .. قفصةُ زيتونٍ وحمامه.. وعلى كتفي.. نعشي وأنا أمشي.. قلبي قمرٌ أحمر ..قلبي بُستان ..فيه العوسج، فيه الريحان شفتاي .. سماءٌ تمطر ناراً حيناً، حُباً أحيان …(6).

وقد قيل: "الأحياء هم أبناء عم الموت"، هكذا كتب الشاعر الراحل محمود درويش، يصف العلاقة مع الموت، لم يعرف "درويش" أن بيت شعره سيعيش لينطبق على رفيق دربه سميح القاسم، وكأنهما تواعدا أن يرحلا فى نفس الشهر، مع اختلاف السنوات، آن لـ«القاسم» أن يضع نعشه من فوق كتفه، فيسكنه، فيما تظل قامته منتصبة، وهامته مرفوعة، وكفه مطوية على قصفة زيتون تعلن سلامه للعالم، فيرحل فى وقت لا يزال وطنه يتعرض فيه لهجمات بربرية متوحشة (7).

وكما قال رفيق دربه "درويش": "سنكتب من أجل ألا نموت، سنكتب من أجل أحلامنا»، فإن «القاسم» الذى مد مكتبة الشعر بما يزيد على 80 كتاباً لن يغيب، حتماً سيعيش فى قصائده وشعره إلى الأبد. وُلد الشاعر، فلسطيني الهوى والهوية، فى بلدة الرامة الواقعة شمال فلسطين، عام 1939، لأسرة درزية، وهى ذات البلدة التي كبر ودرس فيها، قبل أن تحتلها إسرائيل فيما احتلت من أراضٍ فلسطينية فى عام 1948، ذاق "القاسم" مرارة الاحتلال، ثم مرارة الاعتقال على أيدى المحتلين أكثر من مرة، ورفض التجنيد الإجبارى الذى فرضته قوى الاحتلال على أبناء طائفته من الدروز، وفى ذات الوقت تفجرت موهبته الشعرية ليكتب عن قضية وطنه كما لم يكتب من قبل، فيهاجم جنود الاحتلال: «تقدموا.. تقدموا براجمات حقدكم وناقلات جندكم.. فكل سماء فوقكم جهنم.. وكل أرض تحتكم جهنم»، ويناشد أهله "يا إخوتي السمر الجياع الحالمين ببعض راية.. ما زال في تاريخنا سطر لخاتمة الرواية"، ويتحسر "أحس أننا نموت، لأننا لا نتقن النضال"، ويبكى: "أتراك تذكر.. آه يا ويلى على مدن الخيام"، على أن أعلى قصائده صوتاً تلك التي غناها الموسيقى وعازف العود الشهير مارسيل خليفة، والتي يقول فيها: "منتصب القامة أمشى.. مرفوع الهامة أمشى.. فى كفى قصفة زيتون.. وعلى كتفي نعشى، وأنا أمشى وأنا أمشى"، وهى ذات القصيدة التي نال عنها "القاسم" جائزة "غار الشعر" من إسبانيا، والتي لم تكن جائزته الوحيدة، تلتها جائزتان من فرنسا، هذا غير جائزة "البابطين" الشهيرة، و"وسام القدس للثقافة" الذى منحته له فلسطين، فيما أهدته مصر "جائزة نجيب محفوظ"، بالإضافة إلى جوائز أخرى من جهات عدة كـ"جائزة السلام"، و"جائزة الشعر الفلسطينية"، وغيرهما. رحل "القاسم" تاركاً خلفه أربعة أولاد هم: "وطن"، و"وضاح"، و"عمر"، و"ياسر"، كما ترك أحلامه الصغيرة في دواوينه الشعرية التي منحها عناوين "مواكب الشمس"، و"أغانى الدروب"، و«دمى على كفى"، و"قرآن الموت والياسمين"، و"الموت الكبير"، بينما حملت كتبه النثرية عناوين "عن الموقف والفن"، و"الرسائل"، و"رماد الوردة، دخان الأغنية"، كلها تخلد اسمه، وترفع ذكره، وتضعه في مكانته التي يستحق مع غيره من شعراء القضية، أولئك الذين علموا العالم كيف تكون الكلمة أقوى من طلقات المدافع  (8).

ويطول بنا الحديث وفي النهاية لا نملك إلا أن نقول بأننا لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شملة ومستوعبة لكل اسهامات "سميح القاسمي" الذي كان  مثل لنا نموذجاً فذاً للروائي والأديب المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

1- معاذ عمر حمور: موقفنا من الابداع الفكري والأدبي.. الركوبة.. 23 أغسطس، 2017.

2- وهيبة فوغالي: الانزياح في شعر سميح القاسم "قصيدة عجائب قانا " أنموذجاً دراسة أسلوبية، كلية الآداب واللغات، جامعة أكلي مهند أولحاج، الجزائر، 2012، ص أ.

3- سميح القاسم من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

4-المرجع نفسه.

5- الدكتور علي القاسمي: في رحيل شاعر المقاومة سميح القاسم، صحيفة الناقد العراقي .

6- المرجع نفسه.

7- نبيلة مجدى: بروفايل| سميح القاسم الصوت الضائع، صحيفة الوطن المصرية،  نشر الخميس 21 أغسطس 2014.

8- المرجع نفسه.