علاء اللاميرحل عن عالمنا يوم أمس الباحث العراقي المتميز د. ميثم الجنابي، بعد تدهور صحته في الأيام الأخيرة إثر إصابته بفيروس كورونا. هنا تعريف سريع بالراحل ومنجزه الفكري:

 في تعريفه بكتاب "الإمام علي - القوة والمثال" وبمؤلِفهِ، المنشور على الغلاف الثاني للكتاب، يكتب الراحل هادي العلوي: "من هذه الساحة الواسعة - ساحة الصراع بين الحكم والمعارضة في التراث العربي الإسلامي ع.ل - لميثم الجنابي جولات في تاريخنا السياسي والثقافي تضعه في طليعة المريدين الشجعان الذين أمسكوا دفة التاريخ بأيديهم في وقت مبكر من نموهم الفكري فاستوعبوه بعمق النظر ودقة المنهج وشرف القصد. والضابط لهذا كله عند ميثم استقلالية الباحث الذي لا يكتب داخل التوازنات، ولا يتوخى إرضاء قرائه بقدر ما يسعى إلى استفزازهم وحملهم على التفكير خارج المسلمات الاعتقادية حتى يتوصلوا إلى تقييم عادل لتاريخهم وأبطالهم". 

أعتقد أن العلوي لخص في سطور قليلة كل ما يمكن قوله بصدد ميثم المنظّر والباحث النقدي التقدمي المستقل في ميادين التاريخ والفلسفة وتاريخ الفلسفة وفلسفة التاريخ والفكر والسياسة والتراث، بصوته الأصيل والخاص والذي لا يساوم على مضامينه وأسلوبه الكتابي المتفرد الذي ينأى عن التبسيط المحاذي للتسطيح على حساب الفكرة بهدف إرضاء القارئ - كما لاحظ العلوي في تعريفه آنف الذكر- فهو لا يقيم كبير اعتبار لشهرة ورواج عابرين، تميز بزهد نادر بهما في الوسط الثقافي العراقي، فقد كان يتهرب من الأضواء الإعلامية والوجاهة والمديح و"البضائع" الأخرى التي يلهث خلفها أغلب المثقفين وأشباه المثقفين هروب الجواد الأصيل من الأعنة.

وفي مراسلاتي القليلة مع الراحل - إذ لم أتعرف عليه مباشرة ووجها لوجه، وهي الحالة نفسها مع معلمنا ورفيقنا هادي العلوي - تعرفت على جانب آخر من جوانب شخصية الراحل الجانبي؛ فثمة التواضع الجم والزهد الطبيعي لا المفتعل والنأي عن الأنا وعن الانشغال بالذات، بل ثمة تركيز على عناوين الحديث وجوهره واحترام عميق لعقل الآخر دون مجاملات ومساومات.

ثمة صفة نادرة أخرى تميز بها الراحل وهي الغزارة والنوعية الرفيعة في كل ما أنتج من تراث فكري ضخم ورفيع في ميادين متقاربة كالفلسفة والتاريخ والسياسة والتراث. وأزعم أن من الصعوبة أن يجمع باحث هاتين الميزتين معا، أي الغزارة في الإنتاج البحثي حيث ظل يكتب حتى أيام مرضه الأخيرة ولم يتوقف عن الكتابة إلا حين فقد القدرة الجسدية تماما على الحركة، وقد تلازم ذلك الروح الكفاحي لديه مع قدرة نادرة على تقديم الجديد والمتطور والمفاجئ وعلى استيلاد الأفكار والأسئلة الثقيلة المنتجة ووضعها في نسق منهجي تفرد به، ولا تكاد هذه الميزة تغيب عن جميع مؤلفاته وهي بالعشرات وبعضها كتب تأسيسية ومرجعية في بابها النظري.

وفي كتبه عن العراق، والتي اطلعت عليها فقد كان يحرص على إهدائي نسخا منها وخصوصا في كتابيه المهمين "العراق ورهان المستقبل" و"العراق ومعاصرة المستقبل"، يقدم الراحل فتوحا نظرية وقراءات نقدية غنية ومُغْنية، بلغة أنيقة منتقاة وأسلوب سلس يحاول قدر الإمكان التخفيف من وطأة التعقيد الأكاديمي الموروث من احترافه لتدريس الفلسفة والكتابة فيها، ولكن دون السقوط في التبسيط والتسطيح كما أسلفت. وسواء كنتَ تختلف أو تتفق مع ما يطرحه الراحل من أفكار فأنت تخرج من تجربتك في قراءة كتبه بالمزيد من الوعي بالموضوع المبحوث وبالكثير من المعلومات التي كنت تجهلها أو تعرف عنها القليل أو الغامض.

على أن قراءة نثر الراحل الجنابي والتآلف مع أسلوبه التعبيري يحتاجان إلى نوع من الدربة والتعود وربما كان هذا الأمر واحدا من أسباب عدم اتساع دائرة كتاباته وتنظيراته وبطء انتشارها جماهيريا في ميادينها، رغم أن هذا الواقع لم يؤثر قط على مستوى انتاجه الفكري كما ونوعا.

رحل ميثم الجنابي باكرا، وبرحيله توقف ينبوع ثقافي وفكري أصيل عن رفد المكتبة العربية والعالمية بنصوص ملهمة وأصيلة وجديدة وتأسيسية، ولكننا قد نجد بعض العزاء في ضخامة التراث المكتوب المنشور الذي خلَّفه لنا وكأنه في رهانه على المستقبل يرهن الماضي "المنجز" ومعه الحاضر كله بغية مقاربة واكتناه الحق والحقيقة والسير باتجاههما وباتجاه المستقبل سيرا وئيدا وأكيدا وواثقا بالمستقبل ذاته.

كان الراحل حين يكتب عن العراق، يفيض من نثره الشغف والحب الممتزجان باللوعة الشخصية على ما آل إليه العراق قبل وبعد الغزو الأميركي.. ها هو - مثلا - يبدأ مقدمة كتابه الضخم "العراق ورهان المستقبل" بالكلمات التالية منذ السطر الأول (عندما قيل لأحد المتصوفة "من أي شيء هذه الآه؟، أجاب "من كل شيء!"؛ وهو وصف يمكن تطبيقه على بقايا العراق ولسان حاله الواقعي. فعندما ننظر إليه فإنه يبدو كياناً يتأوه بين تاريخه الواقعي وفرضيات المستقبل/ ص7). وفي السطور الأخيرة من هذا الكتاب يودعك الجنابي بالوصية الحزينة المشوبة بالأمل والإصرار الكفاحي عليه فيكتب (في هذا الانتقال - من سيادة الحدود إلى سيادة القانون - يمكن للروح العراقي التمتع الفعلي بما يمكن دعوته بسيادة الأمل الدائم. وهي سيادة تفترض على الدوام العيش حسب قواعد الفلسفة العقلانية لمواجهة النفس، وتأمل التاريخ الذاتي، وتأسيس البدائل الواقعية للإشكالات التي يواجهها العراق. آنذاك فقط يمكن لتموز والسيادة أن يلتقيا ويتداخلا بوصفهما مصيرا في ضمير العراقيين وعقولهم وأفئدتهم، ورمزا عن وحدة الحرية والسؤدد في العراق/ ص390).

وداعا أيها العقل الحر المتألق والمتوحد مع معقولاته من أجل الإنسان وقضاياه،

وداعا ميثم الجنابي!

ولا قرتْ أعينُ المتثاقفين المتاجرين بالكلمة والمعنى والمشتغلين في مؤسسات دولة الفساد والرداءة.

وتعسا لدولة الجهل والرثاثة واللصوصية التي تفرط بأمثال الجنابي وتتجاهلهم أو تجهلهم وهو الأرجح، ولكنها تزخرف مؤسساتها بحثالات المتزلفين.

أدناه عناوين غالبية مؤلفاته:

2648 ميثم الجنابي

1- التراجيديا السياسية للطوباوية الثورية. دار الأهالي، دمشق، 1990.

2- علم الملل والنحل . ثقافة التقييم والأحكام- دار عيبال، دمشق. 1994.

3- الإمام علي بن أبي طلب- القوة والمثال. دار المدى، دمشق - بيروت . 1995. قدم له الراحل هادي العلوي.

4- التالف اللاهوتي الفلسفي الصوفي (أربعة أجزاء) ، دار المدى، دمشق - بيروت 1998.

5- "الإسلام السياسي" في روسيا، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 1999.

6- الغزالي. دار ادوين ميلين بريس، نيويورك، 2000 (بالروسية)

7- الإسلام السياسي في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 2001

8- روسيا - نهاية الثورة؟، دار المدى، دمشق، 2001.

9- حكمة الروح الصوفي (جزءان)، دار المدى،دمشق، 2001.

10- اليهودية الصهيونية في روسيا وآفاق الصراع العربي اليهودي، دار العلم، دمشق، 2003

11- الإسلام في أور آسيا، دار المدى، دمشق، 2003

12- العراق ومعاصرة المستقبل، دار المدى، دمشق، 2004

13- اليهودية الصهيونية وحقيقة البروتوكولات، دار الحصاد، دمشق، 2005

14- العراق ورهان المستقبل، دار المدى،دمشق، 2006.

15- الحضارة الإسلامية – روح الاعتدال واليقين (ج1)، دمشق، 2006

16- جنون الإرهاب المقدس، بغداد 2006.

17- المختار الثقفي – فروسية التوبة والثأر، دار ميزوبوتاميا، بغداد 2007.

18- أشجان وأوزان الهوية العراقية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2007,

19- فلسفة الثقافة البديلة، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2007,

20- العراق والمستقبل – زمن الانحطاط وتاريخ البدائل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2008.

21- هادي العلوي-المثقف المتمرد، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2009.

22- حوار البدائل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2010

23- التوتاليتارية العراقية- تشريح الظاهرة الصدامية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2010

24- فلسفة المستقبل العراقي، دار الكتاب الجامعي، العين- الإمارات العربية المتحدة، 2010.

25- الفلسفة واللاهوت عند الغزالي،دار المرجاني، موسكو، 2010، (بالروسية)

26- فلسفة الهوية الوطنية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2012

27- الحركة الصدرية ولغز المستقبل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2012

28- ثورة "الربيع العربي" (فلسفة الزمن والتاريخ في الثورة العربية)، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2013

29- فلسفة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، دار صدره، موسكو، 2014 (بالروسية)

30- الإسلام: حضارة وثقافة وسياسة، دار صدره، موسكو 2015، (بالروسية)

31- المركزية الإسلامية الحديثة – الظاهرة الإسلامية. كيولن، ألمانيا 2016، (بالروسية)

32- فلسفة البدائل الثقافية (البحث عن مرجعية الفكرة العربية)، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

33- الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

34- العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

35- الفكرة الإسلامية المعاصرة وآفاقها، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

36- فلسفة الفكرة القومية العربية الحديثة، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

37- التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي، مطبعة الجامعة الروسية، موسكو، 2018(بالروسية)

38- تأملات حول الحضارة الإسلامية، دار العارف، بيروت، 2018

39- الزمن والتاريخ (نقد الراديكالية والأوهام "المقدسة".)، دار العارف، بيروت، 2018

40- محمد – رسول الإرادة، دار العارف، بيروت، 2018

41- الأشباح والأرواح (تجارب المثقفين والسلطة)، المركز الاكاديمي للأبحاث(العراق-تورونتو – كندا) بيروت 2019.

42- الاستشراق والاستعراب الروسي (المرحلة التأسيسية)، المركز الاكاديمي للأبحاث(العراق-تورونتو – كندا) بيروت 2019.

 

 

يسري عبد الغني الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود (رحمه الله)

"وكان للمتقين إماماً"

بداية قبل أن أعرفك بتعريف المعرف به فضيلة الإمام الأكبر شخ الجامع الأزهر سماحة الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود (رحمه الله)، فإنه لمن دواعي الشرف للعبد لله أن كان تلميذًا متواضعًا لشيخنا الجليل، فقد درس لي في معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، كما التقيت به في دار العلوم جامعة القاهرة حيث تعلمت بها في مرحلة التعليم الجامعي ثم في دراستي العليا، كما شرفني أن أكون متابعًا له في كل الفاعليات التي كانت تنار بعلمه وفكره ونقائه وصفاء روحه، أضف إلى ذلك أنني شرفت بأن أقوم بإجراء أكثر من حديث صحفي معه عندما عملت بالصحافة وكان آخرها قبل أن يقابل وجه الباري بأشهر معدودات، كما كتبت عنه عشرات المقالات في حياته وبعد وفاته، فقد تعلمت منه الكثير مما يحتاج صفحات وصفحات، ولكن أعتذر لك أيها القارئ المفضال عن هذا الاستطراد، وفسيرة أهل الطريق العطرة محال أن تعبر عبور الكرام فقط

الأستاذ الدكتور /عبد الحليم محمود، اسم عظيم لرجل عظيم.. رجل شرف به الإسلام كواحد من أبنائه وعلم من أعلامه.. هكذا نعى أستاذي/ المفكر الكبير خالد محمد خالد (رحمه الله) الشيخ الإمام عبد الحليم محمود في صباح يوم وفاته، وأحسن وصفه، وأوجزه، فبعد عودته من الحج في 16 من ذي القعدة 1498هـ الموافق 17 أكتوبر 1978م توفى الشيخ الإمام بعد إجرائه عملية جراحية بالقاهرة عن عمر يناهز 68 عاماً، كان له فيها مشوار علمي ودعوى عظيم، كما كان له دور كبير في حفظ الأزهر لهيبته وتطويره واستمرار مسيرته.

ولد الشيخ الإمام / عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الشريف الأسبق، الذي ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسين ، في قرية أبو أحمد، بمدينة بلبيس، في محافظة الشرقية، بجمهورية مصر العربية،في 2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ الموافق 12 مايو 1910م، تلك القرية التي أنشأها جده، ونسبت إليه حتى تغير اسمها الآن لقرية السلام، وفيها المسجد الذي أنشأه قبل وفاته، وأوصى بأن يدفن فيه، والآن يستقر به ضريحه الذي صمم ليكون منفصلاً عن المسجد، وهناك تحتفل القرية بذكرى وفاته سنوياً.

 التحق الشيخ عبد الحليم محمود بالأزهر الشريف سنة 1923م، وحصل على شهادة الثانوية الأزهرية عام 1928م، واستكمل دراسته العليا ليحصل على العالمية سنة 1937م، ثم حصل على الليسانس في تاريخ الأديان والفلسفة من جامعة السوربون. حتى نال الدكتوراه عن موضوعه «أستاذ الثائرين الحارث بن أسد المحاسبي» في 8 يونيو 1940م، بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وطبعتها الجامعة باللغة الفرنسية.

بعد عودته إلى مصر تم تعيينه عضواً بمجمع البحوث الإسلامية، ثم تولى أمانته العامة بعد ذلك. وفى 1970م، صدر قرار جمهوري بتعيينه وكيلاً للأزهر، وفى 27 مارس 1973 م، صدر قرار تعيينه شيخاً للأزهر الشريف.

كانت حياته مليئة بالمحطات الجديرة بالوقوف والتأمل، حيث انتقد الأزهر وطالب بتطويره وإصلاحه، وأدى ذلك إلى إحالته للتأديب وتصدى لمحاولات تحريف بعض آيات القرآن الكريم من بعض المغرضين.

 كانت رؤاه عن نصر العاشر من رمضان /السادس من أكتوبر 1973 م، بشرى عظيمة به، حيث رأى في منامه الرسول وهو يعبر قناة السويس، ومعه عدد من العلماء المسلمين وخلفه القوات المسلحة، وأخبر الرئيس الراحل أنور السادات بهذه البشارة .

نشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه. حفظ القرآن الكريم ثم التحق بالأزهر سنة 1923م. حصل على العالمية سنة 1351 هـ / 1932م ثم سافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة لاستكمال تعليمه العالي حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عن الحارث المحاسبي سنة 1359 هـ / 1940م. بعد عودته عمل مدرسا لعلم النفس بكلية اللغة العربية بكليات الأزهر، ثم عميدا لكلية أصول الدين سنة 1384 هـ / 1964م، وعضوا، ثم أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية فنهض به وأعاد تنظيمه، عين وكيلا للأزهر سنة 1390 هـ / 1970م، فوزيرا للأوقاف وشئونا لأزهر.

تولى الشيخ / عبد الحليم محمود مشيخة الأزهر الشريف، في ظروف بالغة الحرج، وذلك بعد مرور أكثر من 10 سنوات على صدور قانون الأزهر سنة 1381 هـ / 1961م الذي توسع في التعليم المدني ومعاهده العليا، وألغى جماعة كبار العلماء، وقلص سلطات شيخ الأزهر، وغلّ يده في إدارة شئونه، وأعطاها لوزير الأوقاف وشئون الأزهر، وهو الأمر الذي عجّل بصدام عنيف بين فضيلة الشيخ والعالم الجليل / محمود شلتوت شيخ الأزهر الشريف، الذي صدر القانون في عهده، وبين تلميذه أستاذنا الأستاذ الدكتور / محمد البهي الذي كان يتولى منصب وزارة الأوقاف، وفشلت محاولات الشيخ الجليل في استرداد سلطاته، وإصلاح الأوضاع المقلوبة.

لم يكن أكثر الناس تفاؤلا يتوقع للشيخ / عبد الحليم محمود أن يحقق هذا النجاح الذي حققه في إدارة الأزهر، فيسترد للمشيخة مكانتها ومهابتها، ويتوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية على نحو غير مسبوق، ويجعل للأزهر رأيا وبيانا في كل موقف وقضية، حيث أعانه على ذلك صفاء نفس ونفاذ روح، واستشعار المسئولية الملقاة على عاتقه، وثقة في الله عالية، جعلته يتخطى العقبات ويذلل الصعاب.

ولأستاذنا الجليل (رحمه الله) أكثر من 60 مؤلفا في التصوف والفلسفة، بعضها بالفرنسية، من أشهر كتبه: "أوروبا والإسلام"، و"التوحيد الخالص "أو "الإسلام والعقل"، و"أسرار العبادات في الإسلام"، و"التفكير الفلسفي في الإسلام"، و"القرآن والنبي"، و"المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي".

بدت بوادر الإصلاح واضحة في سلوك الشيخ / عبد الحليم محمود بعد توليه أمانة مجمع البحوث الإسلامية، الذي حل محل جماعة كبار العلماء، فبدأ بتكوين الجهاز الفني والإداري للمجمع من خيار رجال الأزهر، وتجهيزه بمكتبة علمية ضخمة استغل في تكوينها صداقاته وصلاته بكبار المؤلفين والباحثين وأصحاب المروءات.

عمل الشيخ على توفير الكفاءات والكوادر العلمية التي تتلاءم ورسالة المجمع العالمية، وفي عهده تم عقد مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية، وتوالى انعقاده بانتظام، كما أقنع المسئولين بتخصيص قطعة أرض فسيحة بمدينة نصر لتضم المجمع وأجهزته العلمية والإدارية، ثم عني بمكتبة الأزهر الكبرى، ونجح في تخصيص قطعة أرض مجاورة للأزهر لتقام عليها.

أثناء توليه لوزارة الأوقاف عني بالمساجد عناية كبيرة، فأنشأ عددا منها، وضم عددا كبيرا من المساجد الأهلية، وجدد المساجد التاريخية الكبرى مثل: جامع عمرو بن العاص ثاني أقدم المساجد في إفريقيا بعد مسجد سادات قريش بمدينة بلبيس محافظة الشرقية (كما يقول بعض المؤرخين)، وأوكل الخطبة فيه إلى الشيخ / محمد الغزالي (رحمه الله) فدبت فيه الروح، وعادت إليه الحياة بعد أن اغتالته يد الإهمال، وتدفقت إليه الجماهير من كل صوب وحدب، وأنشأ بمساجد الوزارة فصولا للتقوية ينتفع بها طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية جذبت آلافا من الطلاب إلى المساجد وربطتهم بشعائر دينهم الحنيف.

رأى أن للوزارة أوقافا ضخمة تدر ملايين الجنيهات أخذها الإصلاح الزراعي لإدارتها لحساب الوزارة، فلم تعد تدر إلا القليل، فاستردها من "وزارة الإصلاح الزراعي"، وأنشأ هيئة كبرى لإدارة هذه الأوقاف لتدر خيراتها من جديد، وعلم أن هناك أوقافا اعتدت عليها يد الغصب أو النسيان، فعمل على استرداد المغتصب، وإصلاح الخرب.

صدر قرار تعيين الشيخ/ عبد الحليم محمود شيخا للأزهر، في 22 صفر 1393هـ / 27 مارس 1973م، وكان هذا هو المكان الطبيعي الذي أعدته المقادير له، وما كاد الشيخ يمارس أعباء منصبه وينهض بدوره على خير وجه، حتى بوغت بصدور قرار جديد من رئيس الجمهورية في 17 جمادى الآخرة 1394هـ = 7 يوليو 1974م، يكاد يجرد شيخ الأزهر مما تبقى له من اختصاصات ويمنحها لوزير الأوقاف والأزهر، وما كان من الشيخ إلا أن قدم استقالته لرئيس الجمهورية على الفور، معتبرا أن هذا القرار يغض من قدر المنصب الجليل ويعوقه عن أداء رسالته الروحية في مصر والعالم العربي والإسلامي.

روجع الإمام في أمر استقالته، وتدخل الحكماء لإثنائه عن قراره، لكن الشيخ أصر على استقالته، وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه، ورفض تقاضي راتبه، وطلب تسوية معاشه، وأحدثت هذه الاستقالة دويا هائلا في مصر وسائر أنحاء العالم الإسلامي، وتقدم أحد المحامين الغيورين برفع دعوى حسبة أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف، طالبا وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية.

إزاء هذا الموقف الملتهب اضطر أنور السادات إلى معاودة النظر في قراره ودراسة المشكلة من جديد، وأصدر قرارا أعاد فيه الأمر إلى نصابه، جاء فيه: شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر.

تضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشرة، وانتهت الأزمة وعاد الشيخ إلى منصبه ليواصل جهاده. وجدير بالذكر أن قرارا جمهوريا صدر بعد وفاة الشيخ بمساواة منصب شيخ الأزهر بمنصب رئيس الوزراء.

كان أستاذنا المغفور له الشيخ / عبد الحليم يدرك خطورة منصبه، وأنه مسئول عن القضايا التي تتعلق بالمسلمين، وأنه لا ينتظر من أحد توجيها إلى النظر في بعض القضايا وغض النظر عن بعضها، فكان للأزهر في عهده رأي ومقال في كل قضية وموضوع يتعلق بأمر المسلمين، فتصدى لقانون الأحوال الشخصية الذي حاولت الدكتورة/ عائشة راتب إصداره دون الرجوع إلى الأزهر، وحرصت على إقراره من مجلس الشعب على وجه السرعة، وكان هذا القانون قد تضمن قيودا على حقوق الزوج على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية.

لما علم الإمام الأكبر بهذا القانون أصدر بيانا قويا حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام، وأرسله إلى جميع المسئولين وأعضاء مجلس الشعب وإلى الصحف، ولم ينتظر صدور القانون بل وقف في وجهه قبل أن يرى النور، لكن بيان الشيخ تآمرت عليه قوى الظلام فصدرت التعليمات إلى الصحف بالامتناع عن نشره، واجتمعت الحكومة للنظر في بيان الشيخ / عبد الحليم محمود، ولم تجد مفرا من الإعلان عن أنه ليس هناك تفكير على الإطلاق في تعديل قانون الأحوال الشخصية، وبذلك نجح الإمام في قتل القانون في مهده.

اقترح البابا شنودة بطريرك الأقباط في مصر (قدس الله روحه) تأليف كتب دينية مشتركة (في الأخلاق) ليدرسها الطلبة المسلمون والمسيحيون جميعا في المدارس، مبررا ذلك بتعميق الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة، وتقوية الروابط بينهما. لقي هذا الاقتراح قبولا بين كبار المسئولين، وزار الدكتور /مصطفى حلمي وزير التربية والتعليم آنذاك، الإمام الأكبر ليستطلع رأيه في هذا الاقتراح، لكن الشيخ الغيور واجه الوزير بغضبة شديدة قائلا له: من آذنك بهذا، ومن الذي طلبه منك، إن مثل هذه الفكرة إذا طلبت فإنما توجه إلينا من كبار المسئولين مباشرة، ويوم يطلب منا مثل هذه الكتب فلن يكون ردي عليها سوى الاستقالة.

ما كان من الوزير إلا أن استرضى الشيخ الغاضب وقدم اعتذارا له قائلا له: إنني ما جئت إلا لأستطلع رأي فضيلتكم، وأعرف حكم الدين، ويوم أن تقدم استقالتك لهذا السبب فسأقدم استقالتي بعدك مباشرة.

من مواقف الشيخ الشجاعة ما أبداه تجاه المحكمة العسكرية التي تصدت للحكم في قضية جماعة التكفير والهجرة المصرية، وكانت المحكمة قد استعانت بعدد من علماء الأزهر الشريف لإبداء الرأي في فكر هذه الجماعة، غير أن المحكمة لم تسترح لرأيهم، وكررت ذلك أكثر من مرة، وكانت في عجلة من أمرها؛ الأمر الذي جعلها تصدر أحكاما دون استئناس برأي الأزهر.

لم تكتف هذه المحكمة بذلك بل تضمن حكمها هجوما على الأزهر وعلمائه، وقالت: إنه كان على المسئولين عن الدعوة الدينية أن يتعهدوا الأفكار بالبحث والتدبر بدلا من إهمالها وعدم الاعتناء بمجرد بحثها. ولمزت المحكمة علماء الأزهر بقولها: "وا أسفاه على إسلام ينزوي فيه رجال الدين في كل ركن هاربين متهربين من أداء رسالتهم أو الإفصاح عن رأيهم أو إبداء حكم الدين فيما يعرض عليهم من أمور، فلا هم أدوا رسالتهم وأعلنوا كلمة الحق، ولا هم تركوا أماكنهم لمن يقدر على أداء الرسالة".

كانت كلمات المحكمة قاسية وغير مسئولة وتفتقد إلى الموضوعية والأمانة، وهو ما أغضب الإمام الأكبر لهذا الهجوم العنيف، فأصدر بيانا امتنعت معظم الصحف اليومية عن نشره، ولم تنشره سوى صحيفة الأحرار المعارضة. في هذا البيان اتهم أستاذنا المرحوم الدكتور /عبد الحليم محمود المحكمة بالتعجل وعدم التثبت، وأنها لم تكن مؤهلة للحكم على هذا الفكر، وأنها تجهل الموضوع الذي تصدرت لمعالجته، وكان يجب عليها أن تضم قضاة شرعيين يقفون موقفها ويشاركونها المسئولية ويتمكنون من الاطلاع على جميع ظروف القضية ونواحيها فيتمكنون من إصدار الحكم الصحيح.

اتهم الإمام المحكمة بأنها لم تمكن علماء الأزهر من الاطلاع على آراء هذا التنظيم أو الاستماع إلى شرح من أصحابه، والاطلاع على كافة الظروف التي أدت بهم إلى هذا الفكر، واكتفت بأن عرضت عليهم المحضر الذي سجلته النيابة من أقوال ومناقشات، وهذا لا يرقى أن يكون مصدرا كافيا يقوم عليه بحث العلماء، أو أساسا متكاملا تصدر عليه أحكام.

تولى الشيخ عبد الحليم محمود مشيخة الأزهر في وقت اشتدت فيه الحاجة لإقامة قاعدة عريضة من المعاهد الدينية التي تقلص عددها، وعجزت عن إمداد جامعة الأزهر بكلياتها المختلفة بأعداد كافية من الطلاب، وهو الأمر الذي جعل جامعة الأزهر تستقبل أعدادا كبيرة من حملة الثانوية العامة بالمدارس، وهم لا يتزودون بثقافة دينية وعربية تؤهلهم أن يكونوا حماة الإسلام.

أدرك الشيخ خطورة هذا الموقف فجاب القرى والمدن يدعو الناس للتبرع لإنشاء المعاهد الدينية، فلبى الناس دعوته وأقبلوا عليه متبرعين، ولم تكن ميزانية الأزهر تسمح بتحقيق آمال الشيخ في التوسع في التعليم الأزهري، فكفاه الناس مئونة ذلك، وكان لصِلاته العميقة بالحكام وذوي النفوذ والتأثير وثقة الناس فيه أثر في تحقيق ما يصبو إليه، فزادت المعاهد في عهده على نحو لم يعرفه الأزهر من قبل.

من أهم دعوات الشيخ (رحمه الله) دعوته إلى تطبيق الشريعة الإسلامية من ميادين الجهاد التي خاضها في صبر وجلد داعيا وخطيبا ومحاضرا ومخاطبا المسئولين في البلاد، فكتب إلى كل من سيد مرعي رئيس مجلس الشعب،وممدوح سالم رئيس مجلس الوزراء في تلك الآونة، يطالبهما بالإسراع في تطبيق الشريعة الإسلامية، ويقول لهما: "لقد آن الأوان لإرواء الأشواق الظامئة في القلوب إلى وضع شريعة الله بيننا في موضعها الصحيح ليبدلنا الله بعسرنا يسرا وبخوفنا أمنا...".

لم يكتف الإمام الأكبر بإلقاء الخطب والمحاضرات وإذاعة الأحاديث، بل سلك سبيل الجهاد العلمي، فكون لجنة بمجمع البحوث الإسلامية لتقنين الشريعة الإسلامية في صيغة مواد قانونية تسهل استخراج الأحكام الفقهية على غرار القوانين الوضعية، فأتمت اللجنة تقنين القانون المدني كله في كل مذهب من المذاهب المعتمدة .

كان الشيخ عبد الحليم محمود يستشعر أنه إمام المسلمين في كل أنحاء العالم، وأنه مسئول عن قضاياهم، وكان هؤلاء ينظرون إليه نظرة تقدير وإعجاب، فهم يعتبرونه رمز الإسلام وزعيم المسلمين الروحي، ولهذا كان يخفق قلب الإمام لكل مشكلة تحدث في العالم الإسلامي، ويتجاوب مع كل أزمة تلمّ ببلد إسلامي.

فقد أصدر بيانا بشأن الأحداث الدامية والحرب الأهلية في لبنان الشقيق، دعا الأطراف المتنازعة من المسلمين والمسيحيين إلى التوقف عن إراقة الدماء وتخريب معالم الحياة، وأهاب بزعماء العرب والمسلمين إلى المسارعة في معاونة لبنان على الخروج من أزمته، وفاء بحق الإسلام وحق الأخوة الوطنية والإنسانية، وقياما ببعض تبعات الزعامة والقيادة التي هي أمانة الله في أعناقهم.

لم يكتف الشيخ بذلك بل أرسل برقية إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية يناشده العمل بحسم وعزم على وقف النزيف الدموي الذي أسالته المؤامرات المعادية على أرض لبنان.

قامت أزمة عنيفة بين المغرب والجزائر بشأن مشكلة الصحراء الغربية التي كانت أسبانيا تحتلها، وأدى الخلاف بينهما إلى مناوشات حربية كادت تتحول إلى حرب عنيفة. لما علم الإمام بأخبار هذه التحركات سارع إلى إرسال برقية إلى كل من ملك المغرب ورئيس الجزائر، دعاهما إلى التغلب على نوازع الخلاف وعوامل الشقاق والفرقة، وأن يبادرا بتسوية مشكلاتهما وموضوعات الخلاف بينهما بالتفاهم الأخوي والأسلوب الحكيم، وناشدهما باسم الإسلام أن يلقيا السلاح وأن يحتكما إلى كتاب الله.

أرسل في الوقت نفسه برقية إلى الرئيس السادات يرجوه التدخل للصلح بين القطرين الشقيقين، جاء فيها: "تتعلق بزعامتكم قلوب المسلمين من العرب والمسلمين الذين ينتظرون مساعيكم الحميدة في إصلاح ذات البين بمناسبة الصدام المسلح المؤسف بين البلدين الشقيقين الجزائر والمغرب".

رد السادات على برقية شيخ الأزهر ببرقية يخبره فيه بمساعيه للصلح بين الطرفين جاء فيها: "تلقيت بالتقدير برقيتكم بشأن المساعي لحل الأزمة بين الجزائر والمغرب، وأود أن أؤكد لكم أن مصر تقوم بواجبها القومي من أجل مصالح العرب والمسلمين، وما زال السيد محمد حسني مبارك نائب الرئيس(في تلك الآونة) يقوم بمهمته المكلف بها، أرجو الله عز وجل أن يكلل جهوده بالنجاح والتوفيق...".

في الوقت نفسه أرسل برقية إلى الملك / خالد بن عبد العزيز عاهل المملكة السعودية آنذاك يدعوه للتدخل إلى حقن الدماء بين الشقيقين وفض النزاع بينهما، وقد أحدثت هذه البرقيات أصداء قوية، وكانت عاملا في هدوء الحالة بين الدولتين الشقيقتين.

كانت حياة الشيخ عبد الحليم محمود جهادا متصلا وإحساسا بالمسئولية التي يحملها على عاتقه، فلم يركن إلى اللقب الكبير الذي يحمله، أو إلى جلال المنصب الذي يتقلده، فتحرك في كل مكان يرجو فيه خدمة الإسلام والمسلمين، وأحس الناس فيه بقوة الإيمان وصدق النفس، فكان يقابل مقابلة الملوك والرؤساء، بل أكثر من ذلك؛ حيث كانت الجموع المحتشدة التي هرعت لاستقباله في الهند وباكستان وماليزيا وإيران والمغرب وغيرها تخرج عن حب وطواعية لا عن سوق وحشد وإرهاب.

في ظل هذا النشاط الجم والرحلات المتتابعة لتفقد المسلمين شعر بآلام شديدة بعد عودته من الأراضي المقدسة فأجرى عملية جراحية لقي الله بعدها في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق15 ذو القعدة 1397 هـ / 17 = أكتوبر1978م تاركا ذكرى طيبة ونموذجا لما يجب أن يكون عليه شيخ الأزهر.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيأبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (212 - 282) هجرية.

نحوي، لغوي، مهندس وفلكي، أخذ علمه من العلماء البصريين والكوفيين، شيخ علماء النبات، وأول المؤلفين في علم النبات.

مؤلفاته: "كتاب في تفسير القرآن 13 مجلد، الفصاحة، الشعر والسعراء، إصلاح المنطق، الأخبار الطوال في التأريخ، البلدان، الجبر والمقابلة، النبات، الأنواء، الجمع والتفريق، جواهر العلم، الزيج، ضمائر القرآن، البحث وحساب الدور، البيان، القبلة والزوال، الوصايا، ما يلحن في العامة، نوادر الجبر، الكسوف، الرد على لغزة الأصفهاني"

ومن أشهر مؤلفاته في التأريخ "الأخبار الطوال" الذي ترجم لعدة لغات وحرر عدة مرات. وكتابه النبات المؤلف من ستة مجلدات، ورتب فيه النبات أبجديا، وتحدث عن مراحل نموه وإنتاج الأزهار والأثمار.

وأشار إلى التهجين في النباتات والتطعيم، وإستولد ثمارا ذات صفات جديدة بواسطة التطعيم، وأزهارا جديدة بالمزاوجة بين الورد البري وشجر اللوز، وربما يكون قد سبق العالم (مندل)، حسب رأي البعض.

وصار الكتاب عمدة اللغويين الذين جاؤوا بعده، فنقلوا منه، وعمدة الأطباء والعشابين، فلا يتخرج أو يشتهر عشاب إلا بعد ان يستوعب هذا الكتاب ويؤدي الإمتحان فيه.

قالوا فيه:

شمس الدين الذهبي: "صندوق كبير الدائرة، طويل الباع، ألف في النحو واللغة والهندسة والهيئة والوقت وأشياء"

راغب السرجاني: " يعد أول من ألف كتابا علميا متخصصا عن النبات، وكان هذا الكتاب بإسم النبات والشجر، وفيه جمع ما يربو عل 1120 نباتا من نباتات الجزيرة العربية، وكان يصف النبات وصفا دقيقا"

أبو حيان التوحيدي: " إنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، وله في كل فن ساق وقدم ورواء وحكم"

فهو عالم موسوعي وضع أسس علم النبات وسبق العديد من العلماء في فهم طبائع ونمو النباتات، وأهميتها الغذائية، ولديه بعض الإشارات عن أهميتها العلاجية أيضا.

هذا العالم الألمعي سطع نور معارفه في زمن كانت القارة الأوربية تعيش في حقبة القرون الوسطى، التي تطغى عليها الخرافات والأضاليل والأساطير.

تحية لعالمنا الجليل وللأمة التي أوجدت أمثاله.

 

د. صادق السامرائي

 

سوف عبيدلست أدري أين قرأت قول أحد خلفاء بني أميّ ولعله معاوية اِبن أبي سفيان ـ ما شيّبني إلا اِنتظار المواعيد ـ فغفر الله لكل الذين بقيت أنتظرهم في مناسبات عديدة وعندما يصلون متأخرين يجدون كلّ الأعذار فأبقى متحسّرا على هدر وقتي فمن النادر جدّا الالتزام بالمواعيد لدينا معشر التونسيين إلا بعض اِستثناءات نادرة تشفي غليلي وآخرها ما كان مع الصّديق الأديب مصطفى يحي الذي وصل إلى الموعد قبل ساعة أو أكثر وذلك بمناسبة الاِحتفاء به في نادي الأدب بجمعية اِبن عرفة الذي تديره الأديبة سُونيا عبد اللطيف وأظنه تفاجأ عندما وجدني في اِنتظاره لعله اِعتاد مثلي الاِنتظار في المواعيد...

باسمًا طَلقَ المُحيّا يصعد المدارج نشيطًا أنيقَا في كسوته الرّمادية فتراه ممشوقًا كرُمح كأنه في العشرين وهو في عقد التاسع فما شاء الله تبارك الله ومتّعه بالصّحة والعافية صديقي القادم في تلك القيلولة من مدينة قابس على مسافة أربع مائة كيلومتر من العاصمة تونس

الأديب مصطفى يحي بدأ الكتابة الأدبية بعد أن تجاوز الستين عاما وهذه مسألة مهمّة للغاية لأنه يؤكد أن الولوج إلى عالم الأدب لا يمكن أن نحدّه بسنّ معيّنة فهو متاح لكل من يروم معانقة الحرف والكلمة أما المسألة الثانية التي نعتبرها من صديقنا أبي جمال فإنها تؤكد أيضا أنّ الشهادة العلمية ليست ضرورية ولا كافية أيضا ولا شافعة كذلك لكسب صفة الأديب ذلك أن مصطفى يحي لم ينل حظه من التحصيل المدرسي إلا سنوات قليلة من التعليم الاِبتدائي وسبقه الجلوس إلى المؤدّب في الكتّاب ولكنه ثابر على التحصيل والمطالعة بعدهما فقد تمكّن من قواعد اللغة العربية والفرنسية عن كثب وحذق أسرارهما فكتب الشّعر والقصة بفصاحة الجاحظ وفُولتير معا لذلك فقد حلّق في سماء الأدب بجناحين معًا وقد زادته تجربته الطويلة والمتنوعة في الحياة من الاِستفادة من معاناته في الحياة فهو من مواليد سنة 1935 بقابس التي تجمع بين الواحة والبحر والصحراء وقد عمل سنوات في سلك الأمن الوطني إبّان السنوات الأولى من الاِستقلال وكان من المتطوعين في حرب بنزرت سنة 1961 ثم هاجر إلى فرنسا وعاش هناك سنوات طويلة متقلّبا في أطوار مختلفة فكل هذه المراحل أفادته في مواضيع كتبه باِعتبارها منهلا لا ينضب وقد أوجزت الأديبة سُونيا عبد اللطيف مسيرته في هذه الفقرة قائلة عند تقديمه:

أوّل كتاب له هو "ذكريات من المستقبل" سنة 2001 وهو مجموعة شعري)

مزدوجة بين العربية والفرنسي، عبّر فيها عن اِنبهاره بمدينة الأنوار باريس.. وحنينه للوطن

المجموعة الشعرية الثانية "شظايا" 2007 بالعربية رثا في قصائده مآسي الأمة العربية...

في سنة 2008 فاجأ ابو جمال الساحة الثقافية بإصداره للجزء الأول من سيرته الروائية بالفرنسية passent les jours.. وتحدث فيه عن حرب بنزرت والمجزرة التي حصلت.. ولم يكشفها التاريخ..

و ـ الأمل لا يموت ـ هو عنوان مجموعته الشعرية الثالثة سنة 2009 وهي قصائد مزدوجة بين اللغتين..

في سنة 2013 أصدر روايته  "لظى بنزرت" التي هي ترجمة للجزء الأوّل من من سيرته الذاتية  passent les jourS   فيها فضح المستور وعرّى المطمور..

في سنة 2015 أصدر مجموعته القصصية الأولى "أخشى النسيان" وهي مزيج بين الواقع والخيال، ومن خلالها نلاحظ فيها اِسترجاعا للذكريات واِستحضارها وكأنه يعيش على حنينها... وكأنه يتعجّل تدوينها خشية التلف والضياع...

ونشطت الذاكرة بعد الاضطراب فأتت المجموعة القصصية الثانية ـ قطوف الخريف ـ سنة 2018 وهي مزيج بين الماضي والحاضر.. وكان الأهداء فيها لروح زوجته التي فارقته..

وخريف أبو جمال ليس ذلك العراء  وذلك الذبول بل هو بداية موسم جديد.. بداية دورة الحياة...

وكانت المجموعة القصصية الثالثة  "حين يزهر الخريف " وهو الكتاب التاسع في حصيلته..

 (خريف أبو جمال خصب ومازالت أشجاره تزهر ...

2646 مصطفى يحيى

والأديب مصطفى يجي أبو جمال متيّم بمدينته قابس الفيحاء وعاشق لواحتها التي قضّى فيها طفولته وتمتع بجمالها وصفائها قبل أن تصاب الواحة والمدينة بالتلوّث وقد كتب قصيدة بديعة يتغنى فيها بالواحة والنخلة مستحضرا فيها سنواته العذبة في أرجائها ومتحسّرا على ماضيها بما كان فيه من هدوء ومرح وهناء ثم في آخر القصيدة يُبدي غضبه ونقمته على ما آلت إليه تلك الربوع حيث نالت منها أيدي العبث بالطبيعة نتيجة لطغيان المادة والجشع... وله قصائد أخرى من بينها قصيدة ـ شموخ ـ وقد رسم فيها مبادئه في الحياة لكأنها دستوره الخاص أو كأنها خلاصة حياته حيث يقول:

لا وجه منيّتي أخشاه

لا طول حياتي يغويني

في عقدي التاسع هذا

لا شيء عاد يغريني

ما المال كان مرادي

فنزر النزر يكفيني

شربت الحب أكوابا

من ذابلات الجفون

بعزم ذدت عن وطني

ما مال للغازي جبيني

وللتمجيد ما سعت قدمي

ولا فخم القصور يعنيني

فصديقة في الود صادقة

عن كل الغواني تغنيني

وخلّ إذا العواصف هبّت

هبّ في الحين يحميني

ومن قصائد أبي جمال بالفرنسية هذه القصيدة التي يمجّد فيها الرّفق بالحيوانات وهي لعَمري أرقى درجات الإنسانية التي تتجاوز الإنسان إلى الحيوان والطبيعة جمعاء حيث يقول:

MES AMIS LES ANIMAUX

Jamais je ne monte un cheval

Ni le faire courir à en crever

Jamais je ne chasse un animal

Ni priver un oiseau de liberté

Je ne tue point vipère ni crotale

Si je ne suis en grand danger

Le lion, le loup ou le chacal

Ne chassent que par nécessité

Le superbe tigre du Bengale

Ne traque le cerf que pour manger

La viande je mange car c’est vital

Mais n’use jamais de cruauté

Le toréro ce sanguinaire médiéval

Torture la bête pour des « Olé »

ومن مآثر أقوال صديقنا الأديب مصطفى يحي وهو في عقده التاسع ما يلي:

الصّبا له أريجه وكذلك المراهقة والشباب والكهولة أما الشيخوخة فهي داء لا دواء له

شخصيا أمقتها ولكني أجاريها ولا أجد لها أيّ طعم بل طعمها ترياق وحنظل نرى الشهد ولا نستطيع أكله ونرى الورد ولا نستطيع قطفة ويرانا الجمال فيفرّ هاربا من أمامنا.

هذه تحية لأديب تونسي أعتبره مثالا في العطاء وتقديرا له على مسيرته الجديرة بالدراسة متمنيا له المزيد من الإبداع في كنف الصحة والعافية وطول العمر...

 لا تحسب عُمرك بالسّنوات وإنما بالذكريات ولا تحسب ثروتك بالمال بل بالأصدقاء كما يقول المثل السويدي

 

سُوف عبيد

 

محمود محمد عليلا شك في أنه يصعب تعريف الفلسفة السياسية – كما يصعب تحديد وتأطير ذاتها، لأنه يمكن أن يضم كل ما يتعلق بالحياة السياسية لمجتمع ما من المجتمعات، له تنظيم معين، وسلطة معينة . وهذا يعني أن مثل هذه الفلسفة تتناول علاقة الفرد بغيره من الفراد ضمن نطاق الأطر السياسية المحددة، وعلاقة هؤلاء بالسلطة الحامية حكماً لهذه الأطر، وكذلك تتناول هذه الفلسفة نوع السلطة المشار إليها ؛ وبعبارة أخري فإن الفلسفة السياسية، إنما هي محاولة فكرية لمعرفة طبيعة الدولة، أي لمعرفة أسسها السياسية . إنها ليست علماً موضوعياً لبحث الظواهر السياسية في الدولة، بل هي محاولة لفهم حياة شعب من الشعوب، وبالتالي فكل فلسفة سياسية فلسفة سياسية لابد أن تتضمن نوعاً من البحث الأنثربولوجي .

ولو أخذنا هذا التعريف ودرسناه علي ضوئه الفكر السياسي عند الفارابي  (260هـ-874م/339هـ-950م) لما وجدناه يخرج عنه . فالمعلم الثاني، قد حاول أن يحدد طبيعة الدولة المثالية، والشروط التي يجب توفرها في رئيسها، وأول ما يافت النظر في التفكير السياسي لدي الفارابي هو ربطه بين هذين القطبين اللذين لا يلتقيان علي صعيد الممارسة السياسية إلا نادراً ألا وهما: الأخلاق والسياسة، وهذا هو الإطار الذي نلمسه في كتاب " آراء أهل المدينة الفاضلة" و"نحصيل السعادة" و"السياسة المدنية" و" رسالة في التنبيه علي سبيل السعادة "، بل في " إحصاء العلوم" أيضا .

وقد عاش الفارابي في زمن انعطفت فيه الدولة العباسية نحو الضعف وتفسخت فيه الخلافة، فقد عاش الفارابي في بداية القرن الرابع الهجري، حيث أخذت الدولة العباسية في الانحلال، وزالت هيبتها في نفوس شعوبها بسبب تسلط العنصر التركي على ملوكها ؛ فكان من المحتم أن تصدم هذه الأحوال المتبدلة وعي المفكرين المسلمين عامة إبان عصرهم ذلك، ويظهر أن الفارابي قد أصابه شيء غير هين من هذه الصدمة، فلجأ إلي إقامة فكرة السياسي على أساس البحث النظري أو الخيالي أو المجرد، نتيجة الشعور بعدم الاقتناع أو بعدم الرضا بالأوضاع القائمة، والرغبة في إقامة نظام مثالي يتلافي عيوب النظام الموجود ويحقق المزايا المنشودة.

فالمدينة الفاضلة هي المدينة التي تسير فيها المور بصورة خيرة وسعيدة، حيث لا مجال فيها سوي للفضائل، وحيث الألإراد يشكلون مجتمعاً واحداً متماسكا. فإذا لم يتوفر هذا في " المدينة" بطلت عنها صفة الأفضلية، وأصبحت إما "جاهلية" لا تطمح إلي السعادة، ولا ترغب إلا في نوازل الأبدان والتمتع بها،وجمع الثروة، والتصرف وفق الهواء الشخصية بلا ضوابط ولا قيم، وإما " فاسقة" يعرف أهلها طريق الخير ولكنهم يتبعون طريق الشر؛ وإما "مبتذلة" يسير أهلها أولاً في درب أهل المدينة الفاضلة، ثم ينقلبون علي أعقابهم ، وإما "ضالة" تسير خلف رئيس مخادع يدعي إلهية قراراته .

ويعرف الفارابى المدينة الفاضلة: بأنهاالمدينة القائمة على التعاون على الأشياء التى تنال بها السعادة وهى تشبه الجسم الصحيح الذى يتعاون كل أعضائه على تتميم الحياة وحفظها، وسكان المدينة الفاضلة لهم صفات مشتركة وكل فرد منهم له معارف وأعمال تختلف عن غيره .

ويذكر الفاربي مضاداتها من المدن الأخرى التى قسمها فى أربعة أقسام كبيرة هى: المدينة الجاهلة وهى التى لم يعرف أهلها السعادة الحقيقية واعتقدوا أن غاية السعادة فى اتباع الشهوات والتمتع بالملذات، وهناك المدينة الفاسقة وهى التى يعلم أهلها كل ما يعلمه أهل المدينة الفاضلة ولكن أفعالهم مثل أفعال أهل المدينة الجاهلة، وهناك المدينة المتبدلة وهى التى كانت آراءها فى القديم آراء أهل المدينة الفاضلة ولكنها تبدلت وأصبحت آراء فاسدة، وهناك المدينة الضالة وهى التى يعتقد أهلها آراء فاسدة فى الله والعقل الفعال، ويكون رئيسها ممن أوهم أنه يوحى له وهو ليس كذلك.

ويرى الفارابى أن كل نفس من أهل المدينة الفاضلة علمت الحقيقة والعقل الفعال تكون قد اكتسبت الخلود وخلدت فى السعادة، وأنفس أهل المدينة الجاهلة مصيرها الزوال والعدم وأنفس أهل المدن الفاسقة تخلد فى الشقاء، أما أنفس أهل المدن الضالة فمصيرها الزوال. يتحدث الفارابى فى نهاية كتابه عن رأى أهل المدينة الجاهلة فى العدل فهو قائم عندهم على قهر القوى للضعيف والقضاء عليه واستعباده، وإذا طبق العدل عندهم فى البيع والشراء ورد الودائع فإن مرد ذلك يكون الخوف لا حب العدالة.

ولكن الفارابى يؤكد العدل بمعناه الحقيقى الذى تقوم على أساسه الحياة الصحيحة فى المدن الفاضلة وهو نفس ما طالب به مفكرو الفقه السياسى الإسلامى. ومن الطريف فى الكتاب أن الفارابى يحذر الناس ممن يحث القوم على تعظيم الله، وعلى الصلاة والعبادة وترك خيرات الدنيا بحجة الحصول على خيرات الآخرة، ويرى أن كل ذلك أبواب من الحيل والمكيدة للانفراد بالحصول على خيرات الآخرين.

وهنا لجأ الفارابي في فلسفته السياسة، من خلال كتابه: "آراء أهل المدينة الفاضلة" إلى التطلع إلى مدينة فاضلة شأنها أن تعكس أصالة مجتمع فاضل تتحقق في كنفه السعادة والكمالات الضرورية للمجتمع، وأن هذه المدينة تمثل لديه أكثر من دلالة روحية واجتماعية وسياسية لحركة المجتمع الإسلامي .

وإذا كان المجتمع الفاضل هو المحور الذي قامت على أساسه نظرية الفارابي السياسية، فإن هذا المجتمع يقوم على دعامتين رئيستين: مدينة فاضلة تتحقق فيها السعادة باعتبارها الهدف المنشود، ورئيس أو ملك لهذه المدينة يكون أكمل إنسان أو عضو فيها، ويكون بالنسبة لها بمثابة العقل من البدن . ولذلك نجد الفارابي يتحدث في كتابه: "آراء أهل المدينة الفاضلة" يتحدث عن ماهية المدينة الفاضلة ومكانتها بين أنواع التجمعات البشرية، وكذلك يتحدث عن رئيس المدينة أو الدولة كما تصورها الفارابي .

ولتحقيق هذا الغرض نجد الفارابي يبدأ كتابه بمدخل فلسفي حول واجب الوجود وصفاته، ثم يعرض للنفس الإنسانية وقواها، وكيفية تكونها، ثم يتناول الأسباب الداعية للاجتماع البشري، ولماذا يحتاج إليه الإنسان، وما الضرورة التي تفرض وجود رئيس، وصفات المدن الفاضلة ومضاداتها، والصناعات الواجب توافرها فيها وآراء أهل المدن الجاهلة والفاسقة، ويرى أن المجتمعات البشرية فيها الكامل وفيها غير الكامل، والكامل منقسم إلى ثلاث، العظمي، وسطى، والصغرى، وهي المعمورة، والأمة، والمدينة، وغير الكامل: مثل القرية، والمحلة، والسكة، والمنزل، ويرى أن الخير الأفضل ينال بالمدينة، وليس بأنواع الاجتماع البشري الأقل منها. ثم يؤكد أن الغرض من تأليف كتابه المدينة الفاضلة ذكر قوانين سياسية يعم نفعها جميع من استعملها من طبقات الناس في سلوكه مع كل طائفة من أهل طبقته، ومن فوقه ومن دونه؛ حيث إن لكل نوع من هؤلاء سياسة تختلف عن الآخر. ثم يتناول قوى الإنسان الناطقة والبهيمية ويربطها بالسلوك السياسي، ويعرض لتكوين المجتمع السياسي ودور النبوات، ويتناول سلوك الإنسان السياسي من خلال مجموعة من القيم مثل العدل والمشاورة والنصيحة وتحصين الأسرار .

وفي كتابه "السياسة المدنية" يبدأ الفارابي في حديثه عن العقل الفعال، ويميز بين الإنسان والحيوان من حيث دور العقل، ثم يتناول الاجتماعات المدنية ويقسمها إلى ثلاث: عظمي، ووسطى، وصغري، ويقسم موضع الإنسان إلى اثنين: الأول يرأس ولا يرأسه آخر، ويقصر الأول على الحاكم الفيلسوف ثم يعرض للمدينة الفاضلة ومضاداتها من مدن فاسقة وظالمة وجاهلة .

ولم يقف الفارابي عند هذا الحد، بل إننا نجده في كتابه "تحصيل السعادة" يربط بين السياسة والأخلاق. مبينا أن الغاية النهائية منها هي تحقيق السعادة للأمة البشرية. لذلك نراه يحدد موضوع العلم المدني في كتابه هذا بأنه: "الفحص عن الغاية في وجود الإنسان، وهي الكمال، ثم الفحص عن الوسائل التي ينال بها ذلك الكمال وهي الخيرات والفضائل"، ويقسم الفارابي الفضائل أربعة أجناس: الفضائل النظرية، والفضائل الخلقية، والفضائل الفكرية، والصناعات العملية، ثم يحدد الفضيلة الواجبة لكل فئة من فئات المجتمع، فمثلا الجيش لابد أن يركز على فضيلة القوة الفكرية مع القوة البدنية، ويركز على دور الملك في تربية أمته، ورعيته، على الفضيلة حتى تتحقق لهم السعادة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........................

1- د. أحمد علي: مدينة السماء ومدينة الأرض: بحث في جدل الأخلاق والسياسة عند الفارابي، أعمال المؤتمر الدولي الرابع: السياسي في البلاد الإسلامية - الفكر والأنماط والأماكن، جامعة منوبة - مخبر النخب والمعارف والمؤسسات الثقافية بالمتوسط، 2015.

2- عبد الرازق عيسي : «الفارابى».. الفيلسوف فى رحلة البحث عن «المدينة الفاضلة».. مقال بجريدة المصري اليوم، 2020.

3- وليد فستق: السياسة في الفلسفة الإسلامية : الفكر السياسي عند الفارابي، مجلة الفكر العربي المعاصر، ع 15,14، 1981.

4- محمود محمد علي وآخرون: الفكر السياسي الإسلامي منذ الينابيع الأولي وحتي القرن التاسع الهجري، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الاسكندرية، 2016.

 

 

عبد الحسين شعبان"يبقى المسؤول قوياً إلى أن يطلب أمراً لنفسه"

سليم الحص

مرّتان قدر لي أن أشارك بهما الاحتفاء بدولة الرئيس سليم الحص، الأولى- حين طلب مني تجمع اللجان والروابط الشعبيّة إلقاء كلمة بمناسبة تكريمه، وذلك في أيار/مايو2012. ومع أنني لم أحضر الاحتفالية إلا أنّني أرسلت كلمة بالمناسبة أرفق نصّها في خاتمة هذه المقالة*.

والثانية، حين قدّر لي أن أشارك في اختيار"المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة" لسليم الحص باعتباره "شخصية حكم القانون والإدارة الرشيدة"، في إطار لجنة ضمّت كلاًّ من د. وسيم حرب، د.عصام سليمان، د. عصام نعمان، د. ساسين عساف، وكاتب هذه السطور، وذلك في العام 2018، وأتشرّف بكوني عضواً في مجلس أمناء المركز.

وقد وضعت هذه اللجنة تقريراً خطياً يستعرض مبادىء ومؤشرات حكم القانون التي تم اعتمادها لقياس أداء الرئيس الحص، ورصد مدى احترامه والتزامه بهذه المبادىء سواء بمواقفه أو قراراته أثناء توليّه المناصب العامة والحكوميّة. وقد بيّن هذا التقرير مدى عمق التزام الرئيس الحص قولاً وفعلاً بمبادئ "حكم القانون".

وكنت قد تابعت باهتمام بالغ مسيرة سليم الحص وهي حافلة بالعديد من المنجزات، خصوصاً حين أصبح رئيساً للوزراء للفترة من 1976 ولغاية العام 2000 حيث رافق كلاّ من رؤساء الجمهورية: إلياس سركيس وأمين الجميّل وإميل لحود، كما شغل وزارات، هي: الصناعة والنفط والإعلام والاقتصاد والتجارة والتربية الوطنية والفنون الجميلة والعمل والخارجية والمغتربين، إضافة إلى انتخابه نائباً عن بيروت لدورتين: في العام 1992 والعام 1996.

وضمن هذا السجل الحافل يُعتبر الحص ابن الدولة وخبيراً معتقّاً بجميع مفاصلها، إضافة إلى عمله في إطار المجتمع المدني بعد تركه العمل في الدولة، حيث شغل عدة مواقع منها رئيس مجلس أمناء المنظمة العربية لمكافحة الفساد التي تأسست في العام 2005 بمبادرة من نخبة من الشخصيات الفكرية والثقافية ودعوة كريمة من د. خيرالدين حسيب ومركز دراسات الوحدة العربية، وكان أمينها العام وما يزال د. عامر خيّاط، ويشرّفني أنني عضو في مجلس أمنائها.

إذا أردنا أن نرسم شكل لبنان العابر للطائفية والمذهبية، فيمكن أن نتخيّل شخصية سليم الحص بما تحمل من نقاء وصفاء سريرة وطيبة، وتلك تمثّل ملامح لبنان الذي نحبّه ونتمنّاه. وتعبّر تلك الصورة عن "ضمير لبنان" الحيّ والنابض بالوطنية والعروبة، ومثل تلك الصفات كانت غالبة على مجمل سلوكه خلال توليّه العديد من المناصب الرفيعة.

وقد عمل الحص على إعلاء شأن الدولة خلال ترؤسه لخمس حكومات لبنانية ضمن ما هو متاح من إمكانات وظروف وتحديات وضغوط، وهو القائل "لدينا الكثير من الحريّة والقليل من الديمقراطية"، لأنه يدرك أن الديمقراطية كأسلوب وإدارة حكم تتطلب قوانين وأنظمة ومؤسسات ديمقراطية وفصلاً للسلطات وقضاء مستقل ورقابة وشفافية، وهذه لن تتحقق إلا بقيام دولة أساسها الحق والمواطنة، ودولة من هذا القبيل تقوم على الحرية التي لا غنى عنها كأساس للمواطنة المتكافئة والحيوية، ومساواة ضرورية في جميع المجالات، لأن المواطنة لا تستقيم دون مساواة، وهذه تتطلّب عدم التمييز القانوني والواقعي أيّ المجتمعي المعلن والمُضمر، وتحتاج إلى عدالة ولاسيّما اجتماعية، وإلاّ ستكون ناقصة ومبتورة ومشوّهة، ولكي تكتمل صورة المواطنة، فلا بد من شراكة ومشاركة في اتخاذ القرار، وخصوصاً فيما هو مصيري من الشؤون العامة، وفي توليّ الوظائف العليا دون تمييز، أي شراكة في الوطن الواحد، وبهذه المنظومة يمكن الحديث عن مواطنة وعن توّجه ديمقراطي باحترام حقوق الإنسان، وكان الحص يدرك أن ذلك يتطلّب ثقافة وممارسة في آن، وربما يحتاج إلى تطور طويل الأمد.

فلسطين في القلب

في اليوم التالي لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي العام 2000 توّجه الحص  وكان رئيساً للوزراء، مع أعضاء مجلس الوزراء لعقد جلسة في مدرسة بنت جبيل المُحررة، وكانت تلك خطوة شجاعة وجريئة، وفيها رمزية كبيرة، ناهيك عن تحدٍ وفعل مواجهة ثقافية، علماً بأنه كان في أشد لحظات الحرج حين اجتاحت إسرائيل الجنوب في "عملية الجليل" المعروفة في عام 1978وهو كان في سدة المسؤولية، وهو المعروف عنه وعلى طول تاريخه تأييده للمقاومة ورفضه للمشاريع الاستسلامية، تلك التي تريد "تحييد" لبنان تارة بحجة تجنيبه الصراع في المنطقة، أو كي لا يكون "ساحة مفتوحة" له، أو بزعم عدم "تكافؤ القوى"، وغير ذلك من الكلام الحق الذي يُراد به باطل.

كان رأي الحص أن أس المشاكل في المنطقة هو الاستعمار الاستيطاني حيث تتوّسع "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى القدس التي تعتبر قطب الرحى بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي، ولذلك عارض اتفاقيات أوسلو العام 1993 من منطق أنها لم تستجب للمطالب الفلسطينية والعربية في حدها الأدنى، خصوصاً قيام دولة وطنية فلسطينية على حدود الرابع من حزيران /يونيو1967 وعاصمتها القدس الشرقية وتأمين حق العودة في إطار حق تقرير المصير.

الطائفيّة

تُعتبر الطائفيّة أحد ألد أعداء الحص، وعلى الرغم من أن النظام الطائفي مكرّس عُرفاً وبصورة أخرى قانوناً ضمن اتفاق الطائف 1989- وهو الاسم الذي تُعرف به "وثيقة الوفاق الوطني اللبناني"، التي وُضعت بين الأطراف المتنازعة في لبنان، وذلك بوساطة سعودية في 30 أيلول/سبتمبر1989 في مدينة الطائف وتم إقرارها بقانون بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر1989 مُنهيّاً الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 15 عاماً- إلا أن الحص لم يُسجّل في تاريخه أيّ موقف يحمل في ثناياه بُعداً طائفياً، في جميع مراحل حياته، سواءً حين تولّيه المسؤولية أو حين يكون خارجها، ولعل ذلك ما جعله شخصية جامعة وموّحدة بين مختلف الفرقاء السياسيين.

مذكرات الحص

النزاهة لا تستقيم أحياناً مع الاستقطابات الطائفية والمذهبية، فما بالك إذا كان النظام طائفياً، فثمة محاولات جرت لإزاحة الحص عن المشهد السياسي باسم الطائفة أحياناً. وفي مذكراته الموسومة:

Salim El Hoss: For Truth And History -2000 Experiences in Governance 1998 "

للحقيقة والتاريخ- تجارب الحكم ما بين 1998 و2000"، يتناول المحاولات التي تعرّض لها لاغتياله سياسياً بقوله "لقد حاولوا اغتيالي لإزالتي من ذاكرة البلد، ولكن خدمتي لوطني هي أغلى ما أملك وأترك لأحفادي. ولستُ نادماً على شيء، ولم أعمل لنفسي، ويداي لم تتسخا وضميري مرتاح".

أما الجهات التي حاولت إزاحته فهي جماعات لبنانية مختلفة، بعضها جرّاء مواقفه العروبية الرافضة للحلول الاستسلامية حيث كان موقفه داعما للمقاومة دائماً. والبعض الآخر المتورط بالفساد، ناهيك عن منافسات حول التمثيل السياسي لبيروت دون أن ننسى دور الأجهزة الأمنية السورية التي كانت متحكمة بالقرار اللبناني كما هو معروف.

وعلى الرغم من توافقه مع الرئيس إميل لحود إلا أن مذكرات الرئيس الحص تبيّن اختلافهما حول العديد من الأمور. وبسبب استقلاليته وتقديمه المصلحة اللبنانية على ما سواها تعرّض مرة أخرى لعملية اغتيال راح ضحيتها مرافقون له، كما تعرّض إلى تهديدات مباشرة وغير مباشرة من جهات مقرّبة من الأجهزة الأمنيّة السورّية.

وأخبرني الصديق الدكتور وسيم حرب أنه وفريقاً معه التقطوا الإشارة التي صدرت عن الرئيس الحص، وهي أقرب إلى شيفرة لا طائفية فقرروا العمل معه وإلى جانبه بحماسة واندفاعة كبيرتين، إلا أن الظروف لم تكن لتسمح بتطوير حالة عابرة للطائفية وتقاسم الوظائف، وهو ما أكدّه الدكتور عصام نعمان الذي عمل وزيراً في حكومة الحص وهو أحد المقربين الأساسيين منه. وكان الحص على رغبته في إنجاز عملية التغيير بالتدرج، إلا أنه كان يدرك المخاطر الجمّة التي تحيط به وبفريقه. ولذلك كان شديد الحرص والمسؤولية على فريقه الذي كان يحاول تنبيههم خشية حصول المحذور.

وعلى الرغم من تقدير الحص لمواقف سوريا، إلا أنه يشير إلى اختلافاته معها، وهو ما يذكره في الفصل الخاص الموسوم "بين سوريا وبيني"، ولعل ذلك كان مصدر احترام من جانب الرئيس حافظ الأسد الذي كان يقدّر نزاهة الحص ووطنيته وعروبته.

وعن آخر معركة انتخابية خاضها حتى وإن لم يكن مضطرا كما يقول، لكنه أراد طرح برنامج لمعالجة المشكلات الداخلية فضلاً عن مواجهة الهجمات الإسرائيلية التي سبقت الانسحاب في العام 2000.

زيارات ومشاركات

أذكر أنني زرته ثلاث مرات في منزله المتواضع ببيروت: مرة مع مجموعة شخصيات عربية كانت تشارك في مؤتمر ببيروت، وثانية برفقة الدكتور خيرالدين حسيب، وثالثة مع وفد من المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة برفقة الدكتور وسيم حرب.

كما شاركتُ معه في عدد من المؤتمرات داخل لبنان وخارجه، منها مؤتمر في الشارقة (الإمارات)، وأخرى في الدوحة (قطر)، وكنتُ في كل مرة أعجب بكلامه وإتزانه وحكمته وعمق تجربته فضلاً عن تواضعه وهدوئه. وكنت أنظر إليه من زاويتين: الأولى: كونه أستاذا للاقتصاد في الجامعة الأميركية ببيروت وظّف علمه لخدمة بلده. والثانية: كسياسيّ مستقل تمتّع بكفاءات إدارية نادرة ملّحها بظرافة شخصية استخدمها كوسيلة لتلطيف الأجواء في المواقف الصعبة. وهو ما يرويه الدكتور عصام نعمان عن خفّة دمه وسرعة بديهته.

الزهد "رئيساً"

اليوم، يعيش الرئيس الحص في منزله المتواضع في حيّ عائشة بكّار ببيروت، بعيداً عن الاستعراضات التي يقوم بها بعض السياسيين في لبنان، لجهة الحمايات والحراسات وقطع للطرقات. وعلى الرغم من ظروفه الصحية الصعبة ظل يستقبل أصدقاءه بين الفينة والأخرى، وقلبه على بيروت الجريحة التي أراد لها البعض تبديل ثوبها.

لم يعمد الحص إلى تأسيس حزب تابع له، ليستفد منه بعد خروجه من السلطة، ولم يفعل ذلك وهو في قمة السلطة أيضاً، فبقيّ زاهداً ومترفعاً وراقيّاً في تعامله، كما ظل حريصاً مثلما هو معروف على كونه ابن الدولة الحقيقي وخادمها الفعليّ، دون التفكير بأي امتياز خارج حكم القانون، فقد آثر أن يخدم لبنان بعيداً عن الحزبوية والتحزّب، ويكاد يكون من رجالات الدولة القلائل الذين عملوا حقيقة وواقعاً لإصلاح ما يمكن إصلاحه في بلد نظامه قائم على التجاذبات الخارجية الإقليمية والدولية.

* سليم أحمد الحص (20 كانون الأول /ديسمبر 1929)، وتزوج من ليلى فرعون (توفيت عام 1990) ولهما ابنة وحيدة: وداد.

من مؤلفاته:

The Development of Lebanon's Financial Market (بيروت، 1974)

نافذة على المستقبل (بيروت، 1981)

لبنان على المفترق (بيروت، 1983)

نقاط على الحروف (بيروت، 1987)

حرب الضحايا على الضحايا (بيروت، 1988)

على طريق الجمهورية الجديدة (بيروت، 1991)

عهد القرار والهوى (بيروت، 1991)

زمن الأمل والخيبة (بيروت، 1992)

ذكريات وعِبَر(بيروت، 1994)

للحقيقة والتاريخ (بيروت، 2000)

محطات وطنية وقومية (بيروت، 2002)

نحن والطائفية (بيروت، 2003)

عصارة العمر (بيروت، 2004)

صوتٌ بِلا صدى(بيروت، 2004)

تعالوا إلى كلمة سواء (بيروت، 2005)

سلاح الموقف (بيروت، 2006)

في زمن الشدائد لبنانياً وعربياً (بيروت، 2007)

ما قل ودلّ (بيروت، 2008)

***

* كلمة تحية بمناسبة تكريم الدكتور سليم الحص

السيدات والسادة تجمّع اللجان والروابط الشعبية – مكتب المؤسسات الاجتماعية

أيها الحفل الكريم،

تحية حارة ومن خلالكم أحيّ الشخصية الوطنية العروبية الكبيرة الدكتور سليم الحص وأتمنى لاحتفالكم المهيب النجاح والتوفيق، وللدكتور الحص الصحة والسعادة، ولأمتنا العربية العزّ والسؤدد.

إن مبادرتكم بتكريم الدكتور الحص تستحق التقدير، ففي تكريمه تكريماً لمعاني الوطنية الحقة والعروبة الصادقة والإنسانية المخلصة، فقد أفنى الرجل حياته مكافحاً ومنافحاً عن حقوق العرب، ليس في لبنان فحسب، بل في جميع البلدان العربية، وخصوصاً دفاعه الذي لا يلين عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما حقه في تقرير المصير وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، تلك الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرّف أو التنازل تحت أي مبرر كان.

ولهذا فإن مبادرتكم هي مبادرة كريمة للمُثل والقيم التي ناضل من أجلها طويلاً الدكتور الحص، وإذْ أحييكم على هذا الاختيار، فإنما أعتبر هذه المبادرة تمثلنا جميعاً، وهي باسم كل من آمن بطريق الأمة العربية ومشروعها النهضوي الحضاري في الحرية والكرامة والاستقلال والتحرر وحقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري. ولعل هذه هي الأهداف العامة للربيع العربي، حيث عانت بلداننا وأمتنا طويلاً من الهيمنة الأجنبية ومشاريعها الإمبريالية – الصهيونية، ومن الاستبداد والديكتاتوريات والقمع المعتّق، وآن الآوان لتعزيز مساهمتها ودورها، في اللحاق بركب العالم المتمدّن، وفي ظل القيم المشتركة للإنسانية!

لعلها خسارة لي في عدم حضور هذه الفرصة التاريخية والاستماع إلى كلمات وشهادات لمفكرين وقادة رأي وسياسيين مرموقين بحق الدكتور الحص، وعذري أنني كنت مرتبطاً في وقت سابق بمواعيد خارج لبنان، لهذا أقدّم اعتذاري، ولكم منّي خالص المودّة والاحترام وللدكتور الحص الصحة والسعادة.

ومعاً مع الدكتور الحص على طريق الحق والعدل والقيم الوطنية والإنسانية، تلك التي عمل وضحّى من أجلها، فكراً وكتابة وممارسة وخلقاً رفيعاً، سواءً كان في مسؤولياته الرسمية، أو في مهماته الشعبية، وتسنّى لي مثل الكثيرين من الذين يحضرون احتفالكم، التعرّف عليه منذ سنوات، فوجدت فيه التواضع الجمّ والإخلاص المنقطع النظير والنزاهة والاستقامة اللتان لا حدود لهما وعفّة اللسان والنبل، فضلاً عن مخزونه المعرفي الوفير ومساهماته الاقتصادية والحقوقية الرصينة، التي أغنى بها المكتبة العربية، وصدق من أطلق على الرئيس سليم الحص "ضمير لبنان".

تحية لدولة الرئيس الحص وتحية لاحتفالكم، وشكراً لمنحي فرصة مخاطبتكم،

أصافحكم بحرارة

 

د. عبد الحسين شعبان

أيار/2012

 

 

يسري عبد الغنيولد أبو الحسن محمد بن أحمد بن جُبير الأندلسي البلنسي، في ليلة السبت عاشر ربيع الأول سنة 540 هـ الموافق الأول من سبتمبر سنة 1145 م، ببلنسية أحد مدن الأندلس على مصب نهر الوادي الكبير في البحر المتوسط، ولكن آخرين قالوا: إنه ولد بشاطبة الأندلسية التي ولد بها الإمام / الشاطبي مؤلف الشاطبية في قراءات القرآن الكريم والمدفون بالإسكندرية، وكانت وفاة ابن جُبير في رحلته الثالثة بمدينة الإسكندرية سنة 614 هـ = 1217 م .

وحينما صار صبيًا شغف بالعلم شغفًا ملك عليه حواسه، ولم يفارقه طوال حياته، فكان يسعى إلى أهل العلم والرأي والفكر في كل مكان ينزل به، فكان في قائمة أساتذته من لقيه في مدينة سبته الأسبانية على ساحل المغرب قرب طنجة، ومن لقيه بمكة المكرمة وبغداد عاصمة الخلافة العباسية وحران الفارسية ودمشق السورية وغيرها بالإضافة إلى علماء الأندلس .. وعلى وجه الإجمال فقد تلقى العلم على يد علماء عصره فأجازوه وقدروا

كانت العلوم التي عني بها ابن جُبير علوم الدين من فقه وحديث وقراءات وما اتصل بها من علوم اللغة والنحو والأدب، وعندما بلغ السن التي يستطيع فيها أن ينفرد بحياته وينهض بأعبائها احترف الكتابة فعمل لبعض الأمراء الذين كانوا يسيطرون على الأندلس وبلاد المغرب في ذلك الوقت .

ولم يشتغل محمد بن جُبير بالكتابة وحدها بل عمل بالتدريس أيضًا، وخاصة بعد رحلته الثانية إلى المشرق حيث انقطع مدة في مدينة فاس  لتدريس التحديث وروايته، والتعمق في علوم التصوف الإسلامي، ووصف الأديب الأندلسي المعروف / لسان الدين بن الخطيب محمدًا بأنه كان فاضلاً عفيف الهمة، شريف النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة ذا فضل بديع وتقوى، يحقق أعماله الصالحة، وتروى له أشعار تمتلئ بالتواضع وتنهى عن الحمق وسوء التصرف، وتحذر من الاغترار بالدنيا، ويظهر في رحلته حرصه الشديد على زيارة قبور أعلام الدين ولقاء المشهورين من رجاله الذين عرفوا بالصلاح والتقوى، كل ذلك جعل الرجل يميل إلى الزهد، وأخذ هذا الميل يزداد إلى أن جعله يترك ويطرح الدنيا العريضة التي نالها بالأدب ويلازم التصوف .

لم يقم محمد بن جُبير برحلة واحدة بل قام برحلات ثلاث قصد فيها جميعًا الحج إلى بيت الله الحرام الذي هو مقصد معظم الراحلين من المغرب إلى المشرق، إن لم يكن كلهم، والذي وهب الأدب العربي مجموعة من أجمل ما عرف من أدب الرحلات، وخاصة إذا أضفنا إليه طلب العلم، ولم يدون ابن جُبير أخبار هذه الرحلات كلها في كتابه بل قصره على الرحلات الأولى وحدها، وذكر المؤرخون بواعث معينة أثارة في نفس الرجل الشوق إلى الحج، وبعثت فيه العزم على قصده، ودفعته على القيام برحلاته لأدائه .

مر ابن جُبير في رحلته بمصر، وشبه الجزيرة العربية، والعراق، وبلاد الشام، وصقليه تلك الجزيرة الإيطالية التي فتحها المسلمون في العصر الأموي وينسب إليها القائد / جوهر الصقلي قائد جيوش المعز لدين الله الفاطمي الذي أسس مدينة القاهرة وبنى الأزهر الشريف، شاهد ابن جُبير كبريات مدن هذه البلاد فصورها في كتابه تصويرًا يتفاوت طولاً وقصرًا وفقًا للمُدة التي أقامها بها، والانطباع الذي خلفته في نفسه، والأهمية التي رأى أنها تستحقها .

والمتأمل في رحلة ابن جُبير يستطيع أن يستخلص أنه كان يعنى في وصف المدن بنواح ثلاث: المرافق (المنافع)، والمشاهد، والأرباض (ما حول المدينة )، وتضم المرافق عنده : الأسوار والحصون والمساجد والمدارس والحمامات، ومصادر المياه، والأسواق، والبيمارستانات (المستشفيات)، والمنازل، والشوارع، والأبواب، كما تضم المشاهد المقابر والموالد (ذكرى مولد العلماء والأولياء) وآثار الأنبياء والعلماء والأولياء والمواقع الإسلامية والمعابد والكنائس والآثار غير الإسلامية، وتضم الأرباض الأحياء والضواحي، ولا نقصد هنا أنه وصف ذلك في كل مدينة زارها بل أنها هي ما يتعرض له عند وصفها فيأتي بأثرها تارة ويهمله أخرى .

رحالة يهتم بالغرباء والحكام وأحوال الناس:

لقد عني ابن جُبير في رحلته أو في كتابه الذي سجل فيه رحلته بالغرباء والفقراء والمهمشين وبخاصة مواطنيه المغاربة، رأى الناس وتحدث معهم وشاهد كيف يعاملهم حكام الأقطار التي مر بها وشعوبها فيشيد بصاحب الفضل عليهم، ويعدد ألوان بره بهم، وينبذ من يبعدهم أو يسيء معاملتهم، وهو يتغنى بأفضال الناصر / صلاح الدين الأيوبي الحربية والسلمية وينتهز كل فرصة للثناء عليه .

وهو يتجول في كل إقليم فيسجل ما يتميز به وما يغلب عليه من طبيعة أو خصائص، وبمعنى آخر لون الحياة فيه، فأكثر ما تحدث عنه في مصر: المشاهد والآثار، وفي بلاد الحجاز الشعائر والمواسم والاحتفالات الدينية، وفي بلاد العراق الوعظ والوعاظ، وفي بلاد الشام المسجد الأموي بدمشق، مسجلاً الجوانب السياسية والحربية والاقتصادية من الحياة بين المسلمين والصليبيين الذين كانوا يحتلون أجزاء من بلاد الشام في الآونة التي زارها ابن جُبير، ولم يتجاهل الحياة الاجتماعية لأهل دمشق وما حولها، وفي صقلية يرصد أحوال المسلمين، ومشاعرهم تحت سيطرت حكم الملك غليوم (وليم الصالح) وسياسته .

وأذكر أنني ذكرت في ملتقى علمي حول الرحلات في تراثنا، أن رحلة ابن جبير هذه تعد بحق من أحسن الرحلات في تراثنا، تلك التي قام بها من غرناطة الأندلسية إلى الحرمين 572 هـ = 1176 م، واستغرقت 27 شهرًا، وقد أكدت على أن هذه الرحلة، وبقدر ما تهم الجغرافي تهم دارس العمارة والآثار، وكما ذكرنا فإنه يصف آثار البلاد التي زارها وصفًا دقيقًا فنيًا، فعند زيارته للقاهرة يصف آثارها تفصيلاً، كما هو الوضع بالنسبة للمشهد الحسيني (ص 45 من الرحلة)، وكما في وصفه لمسجد الإمام الشافعي والمدرسة الصلاحية التي بجواره (ص 48 من الرحلة)، وأيضًا وصفه للجامع الطولوني والبيمارستان المنصوري (ص ص 51 ـ 52) .

وقد ذكرنا وصفه لمدينة أخميم بصعيد مصر حيث وصف آثارها الإسلامية، يضاف إلى ذلك الوصف الدقيق الذي كتبه للحرم المكي (ص ص 81 ـ 109) وقراءته للنصوص التاريخية، أضف إلى ذلك وصفه للحرم النبوي وصفًا هندسيًا مستوفيًا (ص ص 160 ـ 195)، وزيارته لحلب الشهباء السورية حيث قام بوصف قلعتها المشهورة وحدثنا عن تاريخها (ص 250 )، كما وصف مسجدها الجامع ومنبره مع ذكره للمصطلحات الفنية المعمارية .

وهذا شأن الرحالة ابن جبير في جميع البلدان، على أن وصفه للجامع الأموي بدمشق السورية يعتبر أهم مرجع في تاريخ هذا الجامع من الناحيتين التاريخية والهندسية (ص ص 261 ـ 273 )، ومن منا ينسى وصفه الرائع لساعة المسجد الأموي الدقاقة .

وما سبق يدل على أن كتاب رحلة ابن جُبير كتاب مهم قيم يمتلئ بالعديد من الدراسات والأبحاث يمكن أن يعود إليها أهل البحث في مختلف المجالات .

ولما كان الرحالة محمد بن جُبير دقيق الملاحظة، صادق التعبير، متنوع الالتفات، وكان العصر الذي قام فيه برحلته عصر الحروب الصليبية عظيم الأهمية لدى الشرقيين والغربيين والمسلمين والمسيحيين، فقد لفتت رحلته الأنظار منذ صدورها، وجذبت القراء، ومنحت الدراسيين في النواحي المختلفة ما يسعون ورائه من معلومات فكثر الحديث عنها، وكثر الأخذ منها وعظمت العناية بها، يبقى أن نذكر هنا أن أول طبعة من كتاب رحلة ابن جُبير صدرت في ليدن بهولندا في سنة 1907 م .

 

بقلم: د.  يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيابن خفاجة المدّاح والراثي أقل شأناً ووزناً من ذلك الشاعر الوصَّاف والغَزِل. ابن خَفَاجَة الأندلسي هو إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خَفَاجَة الهواري الأندلسي، شاعر من الكتَّاب البلغاء، غلب على شعره وصف الرياض ومناظر الطبيعة، ولد سنة 450هـ، وهو من أهل جزيرة شقر من أعمال بَلَنْسِيَة شرقي الأندلس.

شقَر .. موطِن ولادته ونشأته ؛ كان لها الأثر البالغ في تكوين شخصية شاعرنا المتوفى عام 533 هجري، خصوصاً الجانب الذهني منها، وهي الموضع الذي عزز نزعته الأدبية، وأطلق العنان لخياله الشعري.

ذلك، لأن شقَر “أنزه بلاد الله وأكثرها روضةً وشجراً وماءً”، كما وصفها ياقوت الحموي.

أحد الجسور الواصلة لمدينة بلنسية حيث عاش الشاعر ابن خَفَاجَة الأندلسي -في العام 1860م

يعد ابن خفاجة من أكبر شعراء الأندلس من حيث المقدرة الفنية في وصف الطبيعة الأندلسية، فقد كانت ولادته –كما ذكرنا- في مدينة شقر، وهي رمز للسحر والجمال؛ لغزارة أشجارها وكثرة أزهارها، فتغنَّى برياحينها، وهام بأفيائها، وأصبحت طبيعة الأندلس مصدر إلهام لابن خفاجة، وليس غريباً أن يوصف ابن خفاجة بـ (جنَّان الأندلس) و(صنوبري الأندلس) فقد سارت بأشعاره الركبان، وراح أهل الأندلس يرددونها على ألسنتهم وخاصة قوله:

يَا أَهــــلَ أَندَلُــــسٍ لِلَّــهِ دَرُّكُـــمُ .. مــــاءٌ وَظِلٌّ وَأَنهارٌ وَأَشجارُ

مـا جَنَّــةُ الخُـلدِ إِلّا في دِيارِكُــــمُ .. وَلَـــو تَخَيَّرتُ هَذا كُنتُ أَختارُ

لاتَختَشوا بَعدَ ذا أَن تَدخُلوا سَقراً .. فَلَيسَ تُدخَلُ بَعدَ الجَنَّةِ النارُ

موضوعات شعر ابن خَفَاجَة الأندلسي:-

المديح:-

قصائد المديح عند ابن خفاجة يسيرة، يقول في إحدى قصائده المدحية:

مـــاذا عَلَيـــكَ وَقَد نَأَيــتَ دِيــــاراً .. لَــــو طافَ بي ذاكَ الخَيالُ فَزارا؟

وَنَظَمــتُ مِن قُبَـــلٍ بِصَفحَـــةِ جيدِهِ .. عِقــداً وَقَد لَبِسَ العِناقَ شِعارا

فيمَ التَعَلُّلُ في هَــواكَ وَقَد طَـــوى .. مِنّــي الضَنى وَبِكَ النَوى أَسرارا؟

وقال يمدح الفقيه أبا العلاء بن زهير:

شـــأوْتُ مَــطَـايَـا الصِّــبَا مَــطْلَـبَـا؛.. وطُـــلـتُ ثَنَــايَــا العُــلَــى مَــرْقَــبَـا

وأَقْبَــلــتُ صَـــدْرَ الــدُّجَــى عَــزْمَــةً.. تُــوَطِّــىءُ ظَــهْــرَ السُّــرَى مَــرْكَـبَـا

فَــجــبـتُ إلـى سُــدفَـةٍ سُـــدفَــةً.. وَخُـــضْتُ إلـى سَبسَــبٍ سَــبسَـبَـا

الغزل:-

جاء الغزل في ديوان ابن خفاجة في قصائد مستقلة، كما جاء مضمناً في قصائد أخرى كالمديح ووصف الطبيعة والحماسة والرثاء، ومن ذلك قوله:

أَما وَاِلتِفاتِ الرَّوضِ عَن أَزرَقِ النَهرِ.. وَإِشراقِ جيدِ الغُصنِ في حِليَةِ الزَّهرِ

وَقَد نَسَمَت ريحُ النُّعامى فَنَبَّهَت .. عُيونَ النَّدامى تَحتَ رَيحانَةِ الفَجرِ

وَخِــــدرِ فَتـــاةٍ قَـد طَـــرَقتُ وَإِنَّـمــــا .. أَبَحــتُ بِهِ وَكرَ الحَمامَةِ لِلصَّقرِ

وقال متغزِّلاً:

فَتَــــقَ الشَّــبـابُ بوَجنَتَــيهَـــا وردَةً .. فـي فَــرعِ إِسْحِــلَـةٍ تَمِــيدُ شَــبَابَا

أضْحَــتَ سَـوالِـفُ جِـيدِهَــا سُــوسـانَـةً.. وَتَــوَرَّدَتْ أَطْــرَافُهَــا عُنَّــابَـا

بـَيْضَـاءُ فَـاضَ الحُـــسْنُ مَـاءً فَوْقَهَـا.. وَطَــفَــا بِهِ الـدُّرُ النَّفيــسُ حَــبَابَــا

بَـيْنَ النَّحُــورِ قِــلادَةً تَحْــتَ الظَّــلا.. مِ غَمَــامَـــــةً دونَ الصَّــبَـاحِ نِــقَابَـا

نـادَمْتُــهَـا لَيـــــلاً وَقَــد طَــلَعَتْ بِــهِ.. شَمْسَـــاً وَقَــد رَقَّ الشَّــرَّابُ سَـرَابَـا

وتَــرَنَّــمَـتْ حـتَّى سَمِــعــتُ حَمَـــامَــةً.. حَتَّـى إذا حَسَـــرَتْ زَجَــرتُ غُــرَابَـا

الوصف:-

وقال واصفاً النَّعامة:

ولرُبَّ طيَّـــــــــارٍ خَفيفٍ قد جـَـــــرَى .. فشــــلا بجـــــــارٍ خلفَــه طيَّارِ

من كُــــــلِّ فاجرةِ الخُطــــا مُختالـــــةٍ .. مشيَ الفتاةِ تَجُرُّ فضــلَ إزرارِ

مخضوبةِ المِنقـــــــارِ تحسَبُ أنَّهـــا .. كَرَعَتْ على ظمإٍ بكـــأسِ عُقارِ

لا تَستقرّ بِها الأداحـــــي خشيــــــــــةً .. من ليـــــــلِ ويلٍ أو نهـــارِ بَوارِ

وقالابن خفاجة يصف الجبل

1- وأرعن طمّاح الذؤابة باذخٍ يطاول أعنان السماء بغاربِ

2-يسدُّ مهبَّ الريحِ من كلِّ وجهةٍ ويزحمُ ليلا شهبهُ بالمناكبِ

3-وقورٌ على ظهر الفلاة كأنه طوال الليالي مفكرٌ بالعواقبِ

4-يلوث عليه الغيم سود عمائمٍ لها من وميض البرق حمر ذوائبِ

5-أصختُ إليه وهو أخرس صامتٌ فحدَّثني ليل السرى بالعجائبِ

6-وقال ألا كم كنتُ ملجأ قاتلٍ وموطن أوَّاهٍ تبـتَّلَ تائبِ

7-وكم مرَّ بي من مدلجٍ ومـؤوِّبِ وقـال بظلِّي من مطيٍّ وراكبِ

8-فما كان إلا أن طوتهم يدُ الردى وطارت بهم ريح النوى والنوائبِ

9-فحتى متى أبقى ويظعنُ صاحبٌ أودِّ منه راحلا غيرَ آيبِ

10-وحتى متى أرعى الكواكب ساهرا فمن طالعٍ أخرى الليالي وغاربِ

الرثاء:-

يحتل منزلة رفيعة في ديوان ابن خفاجة، ويتصف بالصدق؛ إذ أن الأشخاص الذين قد رثاهم جمعته بهم ذكريات ومجالس جميلة، ومن ذلك قوله:

وَرُبَّ لَيـــالٍ بِالغَميــمِ أَرِقتُهــا .. لِمَرضـى جُفونٍ بِالفُراتِ نِيامِ

يَطــولُ عَلَيَّ اللَيــلُ يا أُمَّ مــالِـكٍ .. وَكُـــلُّ لَيالي الصَبِّ لَيلُ تَمامِ

وَلَم أَدرِ ما أَشجى وَأَدعى إِلى الهَوى .. أَخَفقَهُ بَرقٍ أَم غِناءُ حَمامِ

وَقَفتُ وُقوفَ الشَكِّ بَينَ قُبورِهِم .. أُعَظِّمُها مِن أَعظُمٍ وَرِجامِ

وَأَندُبُ أَشجى رَنَّةٍ مِن حَمامَـــةٍ .. وَأَبكــي وَأَقضي مِن ذِمامِ رِمامِ

وقال يرثي أم الفقيه قاضي القضاة أبي أميَّة:

فــي مِثـلِــهِ مِـنْ طــــارِقِ الأرزاءِ .. جــــادَ الجَمَــادُ بعَـبرَةٍ حَمــرَاء

مِـنْ كُـــلِّ قـانَيـةٍ تَسـيــلُ كـأنَّهــا .. شُهـبٌ تَصَـوّبُ مِـنْ فُرُوجِ سَـماءِ

تَحمَــى فتَغـرَقُ مُقـلَـةٌ في جــاحِمٍ.. مِنهَــا وَتُحــرَقُ وجـنَةٌ في مــاءِ

مَحـتِ الكَــرَى بيـنَ الجُـفـونِ وربَّمـا.. غَسَـلَـتْ سَـوادَ المُـقلَـةِ الكَـحلاءِ

لا تُــورِث الأَحشــــــاءَ إِلَّا غُـــــلَّـــــةً.. والمـــاءُ ينفَـــعُ غُـلَّـــةَ الأَحْشـــاءِ

أهــوِلْ بــهِ مِــنْ يــومِ رُزءٍ فَـــادِحٍ.. سَحَــبَ الصَّــبَاحُ بِــهِ ذُيُــولَ مَسَــاءِ

مُـتَـلاطِــمُ الأَحْشـــاءِ تَحـسِــبُ أنَّـهُ.. بَحْــرٌ طَـمَى مُـتَــلاطِــمُ الأرجَــاءِ

وَلَــئِنْ صَـبَرْتَ وصَــبرُ مِثلِــكَ حِـــسْبَـةٌ.. فَلَــقَد أَخَــذْتَ بِشِيمَــةِ النُّبَــلاءِ

قال عنه ابن بسَّام: “تصرف في فنون الإبداع كيف شاء، وأتبع دلوه الرشاء، فشعشع القول وروَّقه، ومدَّ في ميدان الإعجاز طلقه، فجاء نظامه أرق من النفس العليل، وآنق من الروض البليل، يكاد يمتزج بالروح، وترتاح إليه النفس”.

وقال عنه المقري: “أبو إسحاق ابن خفاجة كان أوحد الناس في وصف الأنهار والأزهار والرياض والحياض والرياحين والبساتين”

نلمس في ديوان ابن خفاجة الشعري؛ قيثارةً متعددة الأوتار والأصباغ والألوان تلتقي في مقطوعاتها، لا سيما الوصفية الخاطفة الأخيلة الحلوة والفكر البديعة، وتتمايس صورها بأفواف من اللَّفظ الجامع بين الرَّصانة والطرافة، بحسب ما ذكره محُقق الديوان الدكتور عمر فاروق الطبَّاع.

يُلاحظ بأن ابن خفاجة المدّاح والراثي أقل شأناً ووزناً من ذلك الشاعر الوصَّاف والغَزِل، فوصفه متعدِّد الألوان والايقاعات، وغزله رقيقٌ صادق المشاعِر والأحاسيس، ولا سيَّما حين يعانق دُنيا المرأة من خلال عالم الطبيعة في ضوء مفاتن المرأة.

هذا الجنوح إلى الأجواء الحالمة؛ وانجذاب فؤاد الشاعر إلى عوالم المرأة والطبيعة ومجالس المدام؛ هما التعليلان اللذان نفسِّر بهما اعتبار ابن خفاجة في عداد الطبقة الثانية من شُعراء الأندلس، بعد ابن زيدون خاصة، بحسب الطبَّاع.

ويقول الأخير: إن شاعرنا كان معاصراً للدولة العامرية في بلنسية في فترة ازدهارها، بيد أنه لم يتصل بملوكها أو ملوك الطوائف في مدن الأندلس الشهيرة، مثل غرناطة وقرطبة وإشبيلية.

ويبرِّر الطبَّاع جفاء ابن خفاجة مع بلاط الملوك بالقول: إن ذلك ليس مرتبطاً بعدم شهرته أو بفعل خموله الشعري، وإنما لمزاجٍ رومنسي غلب عليه وشدَّه إلى أرجاء الطبيعة التي هام بها هيام عاشق متيَّم، كان يصبو إلى لوحاتها في وداعة الربيع، كما يصبو إليها في مجامر صيفها وصقيع شتائها.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

.......................

الاسانيد:

- الأثر المشرقي في شعر ابن خفاجة الأندلسي (231).

- الأعلام (1/56).

- ديوان ابن خفاجة.

- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (6/541).

- مبنى قصيدة وصف الطبيعة في شعر ابن خفاجة الأندلسي دراسة تحليلية.

- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (1/681).

- نهاية الأرب في فنون الأدب، شهاب الدين النويري.

 

 

يسري عبد الغنيبدأ الشاعر العراقي الجواهري بنشر قصائده في بغداد منذ سـنة 1921 وفي سنة 1923 نشر كتيباً عنوانه "حلبة الأدب" يتضمن معارضاته لقصائد متنوعة لعدد من كبار الشعراء المعاصـرين.

أنتقل الجواهري إلى بغداد سـنة 1927 فعيّن معلماً في بعض المدارس الابتدائية وفي هذه الفترة حدثت مشكلته المشهورة مع الأستاذ العلامة ساطع ألحصري مدير المعارف العام على أثر نشر قصيدة له ذمّ فيها العراق ومدح إيران، فاتهم بالشعوبية وفصل من وظيفته ولكن وزير المعارف الذي كان يرعاه ويلتزم جانبه توسـط في تعيينه بوظيفة كاتب في البلاط الملكـي. وبعد ثلاث سـنوات استقال الجواهري من الوظيفة وأصدر جريدة الفرات في سنة 1930 ثم أُعيد إلى التعليم في أواخر السنة التالية ثم نقل إلى وظيفة في ديوان وزارة المعارف فمدرسـاً في إحدى المدارس الثانويـة.

عمل الجواهري فترة قصيرة في بلاط الملك فيصل الأول عندما توج ملكا على العراق، واستقال عام 1930 وأصدر صحيفة "الفرات". ثم ألغت الحكومة امتيازها فبقي من دون عمل حتى عين معلما بمدرسة المأمونية في بغداد أواخر عام 1931.

وفي سـنة 1932 توفي أحمد شـوقي وتزاحم الشعراء في كل قطر عربي لوراثة لقب " أمير الشعراء" ولم تكن إمارة الشعر منصباً يتحتم ملؤه إذا ما أصبح شاغراً بوفاة شاغله وإنما هو لقب شـخصي منح لأحمد شـوقي وانتهى بوفاته. ومع ذلك فقد تزاحم الشعراء على هذا اللقب وكثر المرشـحون له. أما الجواهري فقد أرسـل باقة من شـعره إلى الدكتور طه حسين ليقرأه ويزكيه عله يرشـحه للإمارة الشاغرة. وكان ذلك من مظاهر طموح الشاعر الشاب وثقته بنفسـه. وعلّق " الزيات " على ذلك قائـلاً إن طه حسـين أعجب بشعر الجواهري وبقي هذا الإعجاب يتزايد حتى آخر أيام طه حسـين.

في عام 1935 أصدر ديوانه الثاني باسم " ديوان الجواهري"

استقال الجواهري من التدريس نهائياً في سنة 1936 واتهم بنشر القصائد السياسية في جريدة " الإصلاح" عرّض فيها بوزارة ياسين الهاشمي فارتأى وزير الداخلية رشـيد عالي الكيلاني إحالة الجواهري إلى المجلس العرفي العسكري إلا أن رئيس الوزراء ياسـين الهاشـمي بما اتصف به من سـعة الصدر والحلم لم يوافق على ذلك فاسـتدعى الجواهري ووعده بأنه يرشـحه لإحدى النيابات الشاغرة عن لواء كربلاء وقبل أن يتم ذلك وقع انقلاب بكر صدقي الذي أسقط وزارة ياسـين الهاشـمي فسارع الجواهري إلى تأييده وأصدر جريدة اسـمها " الانقلاب" أيد على صفحاتها وزارة بكر صدقي ومدح رئيسها وهاجم وزارة ياسـين الهاشمي ولكن وزارة الانقلاب لم ترشـح الجواهري نائباً في الانتخابات التي أجرتها كما كان يتوقع بل إنها اسـتغلت بعض ما نشره في جريدته فأحالته على المحاكم وصدر الحكم عليه بالسجن بضعة أشـهر.

بعد خروج الجواهري من السـجن اختار لجريدته اسـماً جديداً هو " الرأي العام" وكانت وزارة بكر صدقي قد اسـتقالت بعد مقتل قائد الانقلاب بكر صدقي وأُقيمت لياسـين الهاشـمي حفلة تأبينية كبرى شـارك فيها عدد من كبار شـعراء العربية وخطبائها وطلب الجواهري أن يلقي فيها قصيدة في رثاء ياسـين فرفض طلبـه. وأيد الجواهري حركة أيار (مارس) 1941 المعروفة بحركة رشـيد عالي الكيلاني فلما فشلت الحركة سافر إلى إيران ثم عاد في السنة نفسـها واسـتأنف إصدار " الرأي العام" ونهج فيها نهجاً يسارياً واضحاً، وعوتب الجواهري في حينه لاقتصاره في قصائده على مدح الجيش الأحمر وانتصاراته في سيباستوبول وسـتالينغراد فنظم قصيدته المشهورة "تونس" التي امتدح فيها الجنرال البريطاني مونتغومري وانتصاراته على قوات المانيا بقيادة الجنرال روميل في شمال أفريقيا.

في عام 1944 شارك في مهرجان أبي العلاء المعري في دمشق. وفي سنة 1946 أصدر الجواهري جريدة باسم " صدى الدستور" وانتخب نائباً عن كربلاء ولكن المجلس لم يدم طويلاً وحلّ في سـنة 1948 وفي تلك السنة سافر إلى لندن ضمن وفد صحافي عراقي وانفصل عن الوفد وبقي في لندن مدة ثم سافر إلى باريس وفيها نظم ملحمته الغزلية "أنيتا" ثم أقام في مصر مدة وعاد إلى بغداد فحرر في بعض صحفها.

أصدر في عامي 1949 و 1950 الجزء الأول والثاني من ديوانه في طبعة جديدة ضم فيها قصائده التي نظمها في الأربعينيات والتي برز فيها شاعراً كبيراً. شارك في عام 1950 في المؤتمر الثقافي للجامعة العربية الذي عُقد في الإسكندرية. انتخب رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين ونقيباً للصحفيين. اعتقل في أبو غريب في سنة 1952 .

أصدر جريدة اسمها "الجديد" في أيار (مايو) 1953 ، ثم غادر العراق إلى دمشق في سنة 1956 فاتخذها سـكناً وعهد إليه فيها بتحرير جريدة " الجندي" التي تصدرها رئاسة أركان الجيش السـوري.

عاد الجواهري إلى بغداد في تموز سنة 1957 وفي السنة التالية وقع الانقلاب العسكري بقيادة عبد الكريم قاسم فتحمس له الجواهري وأيده بشعره وأعاد إصدار "الرأي العام" وانحاز إلى اليساريين وساير الشـيوعيين وانتخب رئيساً لاتحاد الأدباء ونقيباً للصحافيين. وواجه مضايقات مختلفة فغادر العراق عام 1961 إلى لبنان ومن هناك استقر في براغ ضيفاً على اتحاد الأدباء التشيكوسلوفاكيين سبعة أعوام.

عاد إلى بغداد في تشـرين الأول (أكتوبر (سنة 1968 فأُعيد انتخابه رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين عند إعادة وخصصت له الحكومة راتباً تقاعدياً قدره 150 ديناراً في الشهر.

في عام 1969 صدر له في بغداد ديوان "بريد العودة" . في عام 1971 أصدرت له وزارة الإعلام ديوان " أيها الأرق" .وفي العام نفسه رأس الوفد العراقي الذي مثّل العراق في مؤتمر الأدباء العرب الثامن المنعقد في دمشق وفي العام نفسه أصدرت له وزارة الإعلام ديوان"خلجات"

في عام 1973 رأس الوفد العراقي إلى مؤتمر الأدباء التاسع الذي عقد في تونس .

بلدان عديدة فتحت أبوابها للجواهري مثل مصر، المغرب، والأردن ، وهذا دليل على مدى الاحترام الذي حظي به ولكنه اختار دمشق واستقر فيها واطمأن إليها واستراح.

كرمه الرئيس الراحل «حافظ الأسد» بمنحه أعلى وسام في البلاد .

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

 

 

سوف عبيدما اِنفكّت القيروان تجود بالشّعراء على توالي العصور وتتالي العهود من بينهم الشاعر عبد الرحمان الكبلوطي الذي ظهرت بواكير قصائده منذ منتصف سنوات ستينيات القرن العشرين لكنه لم يحظ بالمتابعة الكافية ولعل هذا يعود أولا إلى غياب الاِهتمام بمختلف الأقلام وتركيز الأضواء على عدد قليل منها من دون تقييم موضوعي ولدواع ذاتية وسياسية ومصلحية ويعود ثانيا إلى أن الشاعر عبد الرحمان الكبلوطي زاهد في التعريف بنفسه وبشعره ولا يتسوّل المنابر الإعلامية واللقاءات الثقافية وغيرها فالشعر لديه بوح ذاتي ومعاناة حميمية وقد أصدر أخيرا وبعد سنوات من الاِنتظار ديونا جديدا بعنوان ـ الشعر في زمن الأنترنات ـ جمع فيه شتات قصائده المتنوعة المضامين

يجدر بنا أن نعرّف بالشاعر فهو أصيل القيروان حيث ولد بها سنة 1944 ودرس بها الاِبتدائي والثانوي ثم بمدينتي حمام الأنف وسوسة وقد تخرّج من دار المعلمين العليا أستاذا في اللغة العربية وآدابها وباشر إثر ذلك التدريس في المعاهد وقد تحصّل على شهادة التبريز واِلتحق بسلك التفقّد ثمّ تولّى مسؤولية المندوب الثقافي في ولاية بنعروس التي شهدت في عهده إنشاء عديد المكتبات العمومية ودور الثقافة

* للشاعر عبد الرحمان الكبلوطي الدواوين التالية

ـ خرساء يا حبيبتي سنة 1975

ـ طريق المجد سنة1986

ـ تونس الجميلة ـ 1996

**ومن منشوراته في التحقيق

ـ ديوان محمد الفائز القيرواني

ديوان محمد الشاذلي عطاء الله

ـ ديوان الإلاهيات والنبويات لمحمد الشاذلي عطاء الله

ـ ديوان الهادي علي ـ باقة ورد شذية من الأشعار الغنائية

*** في الدراسات الأدبية عن

ـ اِبن المقفع ـ المعرّي ـ اِبن خلدون ـ توفيق الحكيم ـ محمود المسعدي ـ نجيب محفوظ ـ محمود تيمور ـ على الدوعاجي...

ـ من فنون الإضحاك في الأدب العربي

ـ تراجم المبدعين في ولاية بنعروس التونسية

****وله في انتظار الطبع

ـ أغنيات من زمن الشباب وهي أربعون قصيدة معرّبة من الشعر الفرنسي

ـ شعراء القيروان على مرّ الزمان

في فاتحة ديوان ـ الشعر في زمن الأنترنات ـ يرى صاحبه ان الشاعر مهما حلّق في عالم الخيال أو اللامعقول فإنه يظل اِبن بيئته وشاهدا على عصره ونحن عندما نقرأ قصائد عبد الرجمان الكبلوطي يتأكد لدينا هذا الموقف فقد جاءت قصائده معبّرة عن البيئة التونسية في مختلف مظاهرها ووقائعها اليومية والسياسية فأنت عندما تقرأ قصيدته عن الهاتف الجوّال أو ـ البُرتابل ـ كما عنونها وهو الاسم المتداول في تونس فإنك تعيش مع التونسي وهو يستعمل هذه الآلة العجيبة التي غيّرت من حياته في أدق تفاصيلها إذ يقول فيها :

في كل يوم مشهد في مشهدِ

متطوّرِ

تلقاه في جوّ طريف مزهرِ

في السوق في النهج الكبير

في الزقاق الأصغر

في الرتل في حافلة الركوب

وفي الإدارة في مفاه طيبات المظهر

كلّ بأذنه آلة

من صنع هذي الأعصر

رنّات هذا الهاتف الجوّال

موسيقى وألحان عذابُ المصدر...

ومن قصائده التي تعبّر عن الواقع الراهن الذي نعيشه وقد ألمّت بنا جائحة ـ الكورونا ـ هذه القصيدة وقد صوّر فيها معاناتنا اليومية ونحن نصارع هذا الوباء من أجل الحياة ويشهّر فيها بالاِحتكار وفقدان المواد الغذائية ويضمنّها كذلك النصائح الطبية للوقاية من خطر اِنتشار الوباء فكان الشاعر حقا ذا دور اِجتماعي باِمتياز

جرثومة ملعونة * منها وباء الكورونهْ

كالثور هاج علينا * ومدّ فينا قرونهْ

واجتاح كلّ بلاد * يرى الأنامُ فنونهْ

داء سرى في جنون * فما أشدّ جنونهْ....إلخ

وعبد الرحمان الكبلوطي سجّل بعض الأحداث السياسية المؤلمة مثل اِغتيال محمد البراهمي والفلسطيني محمد الدرّة

وشكري بالعيد الذي ورد في قصيده هذه الأبيات

هو شعلىة وقّادة في موطني * لهبا يشبّ لظاه بالتأكيد

قاد النضال محاميا في شعبه * يهفو لرفع الظلم بالتنديد

وسلاحه سيف اللسان فصيحهُ * نسرا يطير بشهمنا الصنديد

قتلوه ظنا أن شعلته خبت * وكذلك ظنوا القتل للتهديد...إلخ

فهذا الديوان جامع لأغراض متنوعة تشمل المواقف الوطنية والعربية والإنسانية من ناحية وتفسح مجالات حميمية للوجدان في قصائد أخرى وتسجل بعض تفاصيل الحياة اليومية أيضا فالشاعر عبد الرحمان الكبلوطي ترجمان عصره ولسان حال مثقّف ملتزم في قصائده جميعا

هذه تحية مودّة لصديق عرفته على مدى سنوات طويلة وكانت له مساهمات عديدة ومعتبرة في تنشيط الحياة الثقافية ومن بينها خاصة إشرافه على مدى عشرين سنة على منتدى أدباء التلاميذ الذي كان ينعقد كل سنة في ولاية من الولايات ودأبت على تنظمه وزارة التربية وقد تخرّج منه عديد الأدباء والأديبات هم اليوم في صدارة المشهد الأدبي وكان لي شرف مرافقته في تنظيمه مع صديقتنا الأديبة عروسية النالوتي وغيرها

كذلك لا يجب أن ننسى مساهمة الأستاذ عبد الرحمان الكبلوطي في المجال التربوي وتدريس اللغة العربية وآدابها وتطوير برامجها وطرق تدريسها ومواكبته اللطيفة والمفيدة للمئات من الأساتذة الذين كان يرعاهم بالنصح والإرشاد ممّا جعله محلّ التقدير والإجلال من الجميع وذلك لقدراته العلمية والبيداغوجية المتميّزة زد على ذلك ما حباه الله به من لطف ولباقة نادرة الوجود وكم هو بارع في ترأس الندوات والملتقيات الأدبية وغيرها بما يضفي عليها من روح المؤانسة والكياسة...

ولا تكون الخاتمة إلا بأن أقول إن الشاعر الصديق عبد الرحمان الكبلوطي قد تحمّل أخطار الخروج ومنع الجولان بين مدينة الزهراء ومدينة رادس في هذه الظروف الوبائية وجاء إلى بيتي ووضع الديوان في صندوق البريد محلّى بكلمات إهداء أخجل من ذكرها فأرجو أن أكون في مستواها يا صديقي العزيز .

 

سُوف عبيد

 

يسري عبد الغنيأبو القاسم هبة الله بن جعفر بن سناء الملك، وهذا هو لقبه الذي شُهر به، شاعر وأديب متميز. اختلف المؤرخون في سنة ولادته، ولد في مصر سنة (550 هـ _608هـ)، وشبَّ في ظل أسرة عريقة، نعمت بالغنى والثروة، وجمعت معها الفضل والمعرفة، وترعرع في ظل أب يرعاه، ويهتم بتعليمه وتثقيفه، فأحفظه القرآن الكريم، ودرّسه اللغة والنحو، فجمع في نشأته الأولى بين علوم الفقه والدين واللغة، وكان مُلمَّاً ببعض اللغات الأجنبية المنتشرة في تلك الحقبة، كاللغة الفارسية التي كان يتقنها وينشر بعض إنتاجه بها، ويستخدم بعض الخرجات الفارسية في موشحاته، كما كان ملماً بعلوم الفلك، حتى كثرت إشاراته لأسماء الكواكب والنجوم والأفلاك ومنازلها، وما يدور حولها من قصص وأساطير.

ويأتي على رأس علاقات ابن سناء الملك مع علماء عصره علاقته بالقاضي الفاضل، الذي يقول عنه: «هو الأستاذ وأنا التلميذ له، والمتعلم منه». فكانت بينهما مودة وتواصل بالرسائل، وكتاب «فصوص الفصول» حافل بالرسائل التي أرسلها القاضي الفاضل إلى ابن سناء الملك، والرد عليها، وهذه الرسائل تدل على الصلة الوثيقة بينهما، مما حمل الشعراء المعاصرين على حسده. كان لهذه الصلة أثر بارز في حياة ابن سناء الملك، لأن القاضي الأثير عند صلاح الدين الأيوبي جعل ابن سناء الملك مقرَّباً من صلاح الدين وحاشيته فمدح من السلاطين صلاح الدين وأولاده العزيز و الأفضل، وأخاه الملك العادل، ومن الوزراء ابن شكر.

 وقد استدعاه القاضي الفاضل إلى دمشق، ولكن حنينه إلى القاهرة أعاده سريعاً إلى مصر. وعلى الرغم من أن ابن سناء الملك أقام بمصر إلا أن شهرته الشعرية طبَّقت الآفاق فَعُرف بين شعراء مصر وشعراء الشام، زاد على ذلك أنه كانت له مجالس تجري فيها المحاورات والمفاكهات التي يروق سماعها، وكانت داره إحدى المنتديات التي جمعت أسباب الترف واللهو، ولكنه كان على جانب كبير من الأخلاق الكريمة، فيها الاعتدال والورع والتقوى والشموخ والاعتداد بالنفس، أما مذهبه فقد قرر ابن سعيد بأنه كان مغالياً في التشيع، على حين قررّ آخرون من المؤرخين أنه كان سُنيِّاً، والحديث في ذلك يطول.

ترك ابن سناء الملك تراثاً رائعاً يأتي على رأسه:

ديوانه الشعري، وهو ديوان بديع يشهد برسوخ قدمه في الشعر، طبع بتحقيق محمد إبراهيم نصر في القاهرة سنة 1969م، ثم أعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة طبعة سنة 2003 .

دار الطراز في عمل الموشحات، وهو أول كتاب نظر للموشحات في تاريخ الأدب العربي كله، حيث قام ابن سناء الملك بوضع أصول وقواعد نظم الموشح كما فعل الخليل مع الشعر، كما يتضمن عدداً كبيراً من الموشحات الأندلسية القديمة، وموشحات ابن سناء الملك، وقد طبع بتحقيق جودت الركابي في بيروت سنة 1949م، وأعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر طبعه سنة 2004 .

فصوص الفصول وعقود العقول، ويتضمن رسائله مع القاضي الفاضل.

مختصر الحيوان للجاحظ .

قالوا عنه

قال العماد الأصفهانى عنه لما قابله: «... فوجدته في الذكاء آية، قد أحرز في صناعة النظم والنثر غاية، تلقى عرابة العربية له باليمين راية، وقد ألحفه الإقبال الفاضلي في الفضل قبولا، وجعل طين خاطره على الفطنة مجبولا، وأنا أرجو أن ترقى في الصناعة رتبته، وتغزر عند تمادي أيامه في العلم بغيته، وتصفو من الصفا منقبته، وتروى بماء الدربة رويته، وتستكثر فوائده، وتؤثره قلائده..»

وألف الصفدي كتاباً سماه (الاقتصار على جواهر السلك في الانتصار لابن سناء الملك) .

وللقاضي السعيد نوادر كثيرة. وتوفي في شهر رمضان سنة (608هـ) بالقاهرة.

يا شقيق الروح من جسدي أهواً بي منك أم ألم

من شعره:

أيها الظبي الذي شرد تركتني مقلاتك سدى

زعموا أني أراك غدا وأظن الموت دون غدي

أين مني اليوم ما زعموا أه

أدنو شيئاً أيها القمر كاد يمحو نورك الخفر

أدلال ذاك أم حذر يا نسيم الروح من بلدي

خبر الأحباب كيف هم أه

اذكر أنني استمتعت جدا بالجزء الأول من قصيدته "باتت معانقتي و لكن في الكرى" التي قالها في مدح القاضي الفاضل

هذا الجزء من أجمل ما قرأت في الغزل و كانت هذه عادة عند الشعراء القدامى أن يبدأوا قصائدهم بالغزل على اختلاف مقاصدها

و هذه الأبيات بالذات هي أكثر ما يعجبني

أشكو إليها رقتي لترق لي *** فتقول تطمع بي و أنت كما ترى

و إذا بكيت دما تقول شمت بي *** يوم النوى فصبغت دمعك أحمرا

يا من سبى في الحسن عبلة عبدة *** رفقا عليّ فليس قلبي عنترا ...

ابن سناء الملك من شعراء العصر الأيوبي قيل انه مبالغ في تشيعه لكن هذا القول رد ونفي ايضاً له قصائد جميلة جدا وابيات تعلق بالذهن والقلب  منها   قصيدة له  نظمت عل بحر المديد ..

في مدحه لصلاح الدين الايوبي لفتح حلب

اتى اليها يقود البحر ملتطماً__ والبيض كالموج والبيضات كالحبب

تبدوا الفوارس منها في سوابغها ___ بين النقيضين من ماء ومن لهب

تطوي البلاد واهليها كتائبه ___طياً كما طوت الكتاب للكتب

خافت وخاف وفر المالكون لها __ فالمدن في رهب والقوم في رهب

ويقول عن الملك العادل ابا بكر بن أيوب:

هو الملك المحيي المميت ببأسه __ ونائله ايان يرضى ويغضب

وفي ابيات جميلة مدح فيهها الملك المظفر فقال :

مآلي هُجرتت بغير ذنب __واسرت فيك بغير حرب

فأجبني هذا جزاؤك __ اذا سكرت بغير شرب

وقال في مدح الفضل ايضاً:

راحت وحق الله روحي__ بين المليحة والمليح

واعادها من وجوده __ كالغيث لا بل كالمسيح

اما مفضلتي فهي:

إِنَّكَ المخلوقُ في كَبدي __وأَنا المخلوقُ في كَبَدِ

إِنْ نَجَا مِنْ مَاءِ أَدمُعِه __فإِلى نارٍ من الْكَمَدِ

يَشْتَهي وَصْلاً فلم يَرَه__ ويَرَى ماءً فلم يَرد

هائِمٌ حَيْرَانُ في بلدٍ __والذي يَهْواهُ في بَلَد

***

بقلم/ د. يسري عبد الغني

 

2632 فاسلي ليونيتيف(1905 – 1999) Wassily Leontief

هو الاقتصادي الروسي- الامريكي الذي ولد في ميونخ - ألمانيا ونشأ في لينينگراد (سانت بيترسبرگ حاليا). كانت عائلته موسرة بعض الشئ وكان والده استاذا للاقتصاد درس في ألمانيا وتزوج من إمرأة ألمانية من أصل روسي تعود جذور عائلتها الى منطقة سانت بيترسبرگ منذ أواسط القرن الثامن عشر، وكانت تعمل في حقل تأريخ الفن. بعد ان حصل والد فاسلي على الدكتوراه من جامعة ميونخ عاد الى وطنه للتدريس في جامعة لينينگراد، وهناك نشأ فاسلي وتعلم في مدارس المدينة وتفوق فدخل جامعة لينينگراد وهو بعمر 15 عاما وحصل على الماجستير في الاقتصاد بعمر 19 عاما. كان ذلك عام 1924 عندما استلم ستالين السلطة بعد وفاة لينين. لم تشعر العائلة بالاستقرار في وطنها المضطرب بالجو السياسي غير الامين فانتقلت الى ألمانيا حيث تسنى لفاسلي اكمال الدكتوراه في الاقتصاد في جامعة فريدرش وللم في برلين عام 1928.

بعد نيله الدكتوراه واصل عمله في معهد كيلKiel لدراسات الاقتصاد الدولي الذي حصل عليه قبل تخرجه بسنة واستمر فيه لغاية 1929 حيث انتدب للعمل كمستشار اقتصادي لدى وزارة السكك الحديد في الصين لمدة سنة واحدة. انصب عمله في معهد كيل على اشتقاق دوال الطلب والعرض رياضيا وتطبيقيا مستخدما البيانات الاقتصادية الحقيقية. ثم بعد ذلك وفي عام 1931 جاءت فرصة العمل في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة الامريكية. تلتها فرصة العمل في جامعة هارفرد عام 1932 ليلتحق بجوزيف شومبيتر ويشكلا ماسمي بالجيل الذهبي لاقتصاديي هارفرد. في عام 1946 نال درجة الاستاذية في هارفرد وبقي هناك استاذا لمدة 41 عاما، انتقل بعدها الى جامعة نيويورك عام 1973 والتي بقي فيها لحين وفاته عام 1999.

عند بدء عمله في هارفرد، عزم على انجاز صياغة تطبيقية لنظرية التوازن الاقتصادي العام، خاصة حسب مفهوم فالراس، فحصل على منحة اكاديمية وبدأ بتتبع ودراسة البيانات الاقتصادية المتوفرة لدى المكتب الامريكي لاحصاءات العمل. بموجب هذه البيانات تسنى له تنظيم النشاط الاقتصادي وتقسيم الاقتصاد الامريكي الى 500 قطاع . كان ذلك من أجل ان يضع يده على كيفية ترابط العلاقات فيما بين القطاعات ومنتجاتها ويصوغها بنموذج رياضي عام تخصصت فيه معادلة خطية لكل قطاع تبين العوامل التي تؤثر فيه. وبذلك تمكن من ايجاد العلاقات المتداخلة بين القطاعات وتقدير مدى تأثير احدهما على الآخر. في عام 1943 استطاع ان يكون اول من استخدم الكومبيوتر الميكانيكي من الجيل الاول الذي توفر في جامعة هارفرد. بهذا العمل تمكن من صياغة مصفوفة او جدول المدخلات- المخرجات مستخدما البيانات الاقتصادية الامريكية للفترة 1919-1929. كان ذلك منجزا وحدثا تاريخيا اطلق عليه اسم تحليل المدخلات- المخرجات الذي اصبح مقترنا باسم ليونتيف، كما اصبح فيما بعد اداة اساسية لتبيان تداخل الانشطة الاقتصادية ودوال الطلب والعرض فيما بين القطاعات المختلفة. قام بنشر نتائج هذا العمل بكتاب عنوانه هيكل الاقتصاد الامريكي للفترة 1919-1929. تلا ذلك بعدة بحوث في هذا المجال شكلت بمجموعها المساهمة الكبرى له في النظرية الاقتصادية التي نال بموجبها جائزة نوبل للاقتصاد عام 1973.

في هارفرد، فضل قسم الاقتصاد ان يجعل ليونتيف متفرغا للبحث في البداية فلم تتوفر له الفرصة الكافية للتدريس الا بعد ثلاث سنوات حيث بدأ عام 1935 بتدريس مادة نظرية الاسعار، وسرعان ما اصبح درسه حاضنة للطلبة المجتهدين الذين شكلوا الجيل الاول في الاقتصاد الرياضي. كما حصل ان ينال فيما بعد أربعة من طلابه جائزة نوبل في الاقتصاد، حتى ان اولهم پول سامولسن نال الجائزة عام 1970 أي قبل استاذه ليونتيف بثلاث سنوات. أما الطلاب الثلاث الآخرين الذي نالوا الجائزة هم روبرت سولو عام 1987 وفرنن سمث عام 2002 وتوماس شيلنك عام 2005.

يعتبر ليونتيف من أوائل من انغمسوا في التحليل الاقتصادي الكمي والنماذج الرياضية وتطبيقاتها غلى ارض الواقع، وذلك باستخدام الاحصاءات المتوفرة عن كل مفصل من مفاصل النشاط الاقتصادي. وبالرغم من هذا الاتجاه فقد عُرف، خاصة في سنواته الاخيرة، بتوجيه النقد واللوم على طرق تدريس الاقتصاد التي اهتمت فقط بالاشتقاقات الرياضية للنظريات واهملت تبيان معانيها وجدواها في الحياة العملية. ومع انه كرس اغلب جهده الاكاديمي لتطوير تحليل المدخلات-المخرجات الاقتصادية، فانه ساهم مساهمات جدية وفعالة في جوانب اخرى من النظرية الاقتصادية كالتجارة الخارجية ونظرية الاسعار وتاثير تغيرات البيئة على النمو الاقتصادي وطرق البحث العلمي في الاقتصاد والسياسات الاقتصادية والاجتماعية. في عام 1933 نشر بحثا نظريا مهما حول استخدام منحنيات السواء في تحليل اقتصاديات التجارة الخارجية، ,وفي عام 1934 قدم تحليلا عن نموذج الكوبوب غير الخطي Non-linear Cobweb Model .وفي عام 1936 نشر بحثين، احدهما حول نظرية كينز النقدية في البطالة، وثانيهما عن السلعة المركبة والارقام القياسية، وهو البحث الذي سجلت فيه له مساهمة فريدة في صياغة مفهوم السلعة المركبة Composite commodity التي نسبت ايضا للاقتصادي البريطاني جون هكس. في عام 1937 نشر بحثه في تحليل العلاقات المتداخلة بين الاسعار، المخرجات، الادخار والاستثمار، وفي عام 1941 نشر كتابه المعنون هيكل الاقتصاد الامريكي. في عام 1946 ساهم في اقتصاديات العمل بتحليله لعقد الاجور السنوي، وفي عام 1956 نشر معالجته لموضوع نسب عوامل الانتاج في هيكل التجارة الخارجية. في 1991 قدم لنا فكرته عن الاقتصاد عموما كدورة جارية ومتصلة ببعضها، وهذا المفهوم Circular Flow مايزال يشكل الدرس الاساسي لطلبة الاقتصاد عن ماهية النشاط الاقتصادي وكيفية سير عجلته عمليا. وفي عام 1993 نشر فلسفته وفهمه الشخصي لعلم الاقتصاد وتساءل عما اذا كان ممكنا ان يعاد النظر في هيكلة هذا العلم ليصبح علما تطبيقيا بالدرجة الاولى.

أما مساهماته الكبرى التي حملت اسمه فيمكن تلخيصها بأربعة:

1) تحليل المدخلات-المخرجات Input-output Analysis، كما اسلفنا

2) متناقضة ليونتيف Leontief Paradox

3) دالة انتاج ليونتيف Leontief Production Function

4) السلعة المركبة Composite Commodity Theorem

يتلخص تحليل المدخلات- المخرجات كما لمحنا اعلاه بطريقته المبتكرة والمعقدة آنذاك بتتبع العلاقات والتأثيرات المتشابكة والمتداخلة فيما بين المنتجات والشركات المنتجة والقطاعات. فمثلا زيادة الطلب على الاثاث تتطلب زيادة انتاج الاثاث مما يقود الى زيادة انتاج كل العوامل الداخلة في انتاج الاثاث كالخشب والبلاستك والحديد والقماش والاسفنج والاصباغ والجلود والمسامير والصمغ والخيوط والاكسسوارات الصغيرة وغيرها مما يدخل في الانتاج. وكل واحد من هذه العوامل الداخلة قد يقود في انتاجه كمخرج الى مدخلات اخرى. فالخشب يتطلب زيادة قطع الاشجار وهذا يتطلب المكائن والمعدات والسيارات والعمال والادارة كما يتطلب اجراءات ودوائر قانونية ومحامين ووكلاء، ومدافعين وناشطين في البيئة وسياسيين ، وهكذا. والنتيجة هي ان كل المنتجات التي يطلبها المستهلك والمنتج متداخلة ببعضها وتقود الى تداخل شركاتها وقطاعاتها وعملائها فيتداخل الانتاج بالاستهلاك والتوزيع والتسويق والاعلان والكل يتعامل بالقاسم المشترك وهو النقود التي تتداول من يد الى اخرى ومن غرض الى آخر. وهذا التدفق المستمر للنشاط الاقتصادي بكل تشابكاته يسري تأثيره بشكل متسلسل كالحلقات المتصلة بالسلسلة الواحدة او مايسمى Chain reaction ويسمى ايضا Domino effect وهو ما يمكن تتبعه وملاحظة علاقاته وحساب تأثيراته عبر تحليل المدخلات-المخرجات الذي اصبح اسهل بكثير اليوم قياسا بأيام ليونتيف، وذلك بفضل تطور تكنولوجيا الكومبيوتر وبرامجياتها.

أما متناقضة ليونتيف فهي ظاهرة تم اكتشافها من خلال العمل في مصفوفة المدخلات-المخرجات. فقد لاحظ ليونتيف من خلال بيانات التجارة الخارجية في الاقتصاد الامريكي ان الولايات المتحدة تصدّر مايعرف بالسلع كثيفة العمل Labor-intensive goods وتستورد السلع المعروفة بانها كثيفة رأس المال Capital-intensive goods، وهو مايخالف نظرية المزايا المقارنة Comparative advantage theory في الاقتصاد الدولي التي تقول ان من الانسب اقتصاديا لكل بلاد ان تصدر السلع التي تمتلك فيها مزايا مقارنة وتستورد السلع التي تفتقر فيها لتلك المزايا. وبما ان الاقتصاد الامريكي يعج بالسلع كثيفة رأس المال ويفتقر نسبيا لكثافة العمل فان حقيقة البيانات ناقضت النظرية في هذه الحالة.

في خضم اشتغالاته على البيانات الاقتصادية الامريكية واجهته بعض الحالات المحدودة من حالات الانتاج التي تطلبت معالجة رياضية خاصة كصياغتة لما سمي بـ "دالة انتاج ليونتيف"Leontief Production Function وهي دالة الانتاج ذات النسب الثابتة لعوامل او مدخلات الانتاج والتي لاتقبل التعويض او الاستبدال فيما بين العوامل الداخلة في الانتاج. كما تمتاز هذه الدالة بعرضها لما يسمى بمرونة التعويض الثابتة Constant Elasticity of Substitution . ففي المثال الابسط لمنتج ما (مخرج) مثل Q ذي عاملي انتاج (مدخلين) هما x1 & x2، تتخذ الدالة الصيغة التالية:

Q = min { x1/a , x2/b}

حيث ان a & b يمثلان قيمتان تكنولوجيتان ثابتتان

أما مفهوم السلعة المركبة فينسب الى ليونتيف، كما ينسب الى الاقتصادي البريطاني جون هكس. ومفاده انه لو افترضنا ان مجموعة من اسعار السلع والخدمات تتحرك بشكل مواز لبعضها، أي انها تتغير بنفس النسب فان ذلك يجيز لنا، رياضيا على الاقل، ان نضمها الى بعض ونعتبرها سلعة مركبة واحدة ذات سعر واحد، مما يسهل الاشتقاقات الرياضية ولا يؤثر كثيرا على المنطق الاقتصادي.

بقي ان نذكر جوانب اخرى من حياة هذا الاقتصادي اللامع. تزوج فاسلي مرة واحدة عام 1932من الشاعرة أستيل ماركس ورزقا ببنت واحدة عام 1936 اسمياها سفتلانا. من هواياته صيد السمك بالسنارة والتمتع بالبيرة والواين، خاصة اثناء عطلته التي يمضيها في مزرعتيه في ولايتي فرمونت وكنتكت. ويقال ان انتدابه كمستشار في الصين جاء بعد محادثة مع رجل صيني متنفذ في احد بارات نيويورك.

يذكر ليونتيف في مذكراته عن طفولته في سانت بيترسبرگ حادثتين بقيتا في ذهنه، الاولى هي المشهد المهيب لتشييع الروائي الروسي ليو تولستوي حيث يتذكر المشهد بالرغم من انه لم يكن يدرك ماحصل ولماذا تجمع الناس بهذا العدد الهائل. والثانية انه رأى الزعيم البلشفي فلاديمير لينين يخطب في الجماهير بحماس لكنه هنا كان يدرك مايجري لانه كان شابا يافعا آنذاك. وقد ذكر ان والده كان معارضا لثورة اوكتوبر وما حدث من تغيير شامل في حياة المواطنين، فاصبح هو كشاب مراهق معارضا مندفعا ايضا قام بتوزيع المناشير واعتقل عدة مرات.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

محمود محمد عليمن المعروف عن الدكتور سامي الدروبي إنه كان مبدعاً، وذا موهبة أدبية، وكان شديد العناية بصياغة كتاباته، فاتسم بغزارة الإنتاج، حيث بلغت مؤلفاته وترجماته ما يقارب الثمانين؛ وقد اشتهر بترجمته لجميع أعمال دوستويفسكي، والتي تعد الترجمات الأشهر لهذا المؤلف، وله ترجمات لمؤلفين آخرين كتولستوي وبوشكين وميخائيل ليرمنتوف وجويو وسارتر، وغيرهم؛ مثل كتاب : تفكير كارل ماركس: نقد الدين والفلسفة، تأليف: جان إيف كالفيز، وكتاب: . المذهب المادي والثورة، تأليف: جان بول سارتر، وكتاب: المجمل في فلسفة الفن، تأليف: بندتو كروتشه، وكتاب : منبعا الأخلاق والدين، تأليف: هنري برغسون، وكتاب : مسائل فلسفة الفن المعاصر، تأليف: ج.م. جويو، وكتاب : الطاقة الروحية، تأليف: هنري برغسون، وكتاب: الضحك: بحث في دلالة المضحك، تأليف: هنري برغسون، وكتاب: الفكر والواقع المتحرك، تأليف: هنري برغسون، وكتاب: مدخل إلى علم السياسة، تأليف: موريس دوفرجيه، ترجمة: جمال الأتاسي، وكتاب : معذبو الأرض، تأليف: فرانز فانون، وكتاب: المعلم العربي: إعداد المربي، تأليف: روجه كوزينة، وكتاب: علم النفس التجريبي، تأليف: روبرت س. ودروث، وكتاب: سيكولوجية المرأة، تأليف: ج. هيمانس، وكتاب : وقائع مدينة ترافنك، تأليف: إيفو آندريتش، وكتاب: بطل من هذا الزمان، تأليف: ميخائيل ليرمنتوف، ورواية : ابنة الضابط، تأليف: الكسندر بوشكين.. وهلم جرا.

وفي مجال التأليف فنجد من كتاباته مثلا: علم النفس ونتائجه التربوية، دروس علم النفس، الموجز في علم النفس، علم النفس والأدب: معرفة الإنسان بين بحوث علم النفس وبصيرة الأديب والفنان، علم الطباع: المدرسة الفرنسية، الرواية في الأدب الروسي، وهلم جرا .. علاوة علي مئات المقالات التي نشرها في حياته.

وفي تجربة الدروبي الكثير الذي يفسر ولعه بدوستويفسكي، الذي يصفه الجميع بأنه أهم خبراء علم النفس، فالدروبي الذي جاء من مدينة حمص إلى القاهرة في الأربعينيات لدراسة الفلسفة وعلم النفس في جامعة القاهرة، قبل أن يحصل على دكتوراه في التخصص، جاء لمصر وأهّل نفسه للتعاطي مع مدينة كانت تعيش "سنوات الغليان" قبل ثورة 1952، وخلال سنوات دراسته بالقاهرة ارتبط بصلات وثيقة مع زملائه من الطلاب الذين مثلوا جيلا ضم أسماء مثل محمود أمين العالم ويوسف الشاروني ومصطفي سويف وبدر الديب ولطيفة الزيات، وكانوا جميعا من الأدباء الراغبين في التغيير، ولديهم طموح بكتابة إبداعية مختلفة تكسر السائد والمألوف.

وحين باشر الدروبي نشر ترجماته خلال حقبة الخمسينيات والستينيات وجد دعما وترحيبا من أقلام كبيرة، في مقدمتها أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش وأحمد حمروش وآخرين كانوا يعرفون عنه ولعا استثنائيا بدوستويفسكي، الذي ترجم له أكثر من 11 ألف صفحة، وهو مريض في القلب مرضا لا يمكّنه من الاستلقاء على سريره أثناء النوم، كما أنجز 5 مجلدات من المؤلفات الكاملة لتولستوي، والتي يصل عدد صفحاتها إلى 5 آلاف صفحة، وهو في صراع بين الحياة والموت.

وقد أتم سامي الدروبي قراءة أعمال دستويفسكي وهو في عمر السادسة عشرة، كان يترجم من اللغة الفرنسية وليست الروسية، وكانت رؤيته للترجمة رسالة سامية وليست وظيفة يتكسب منها، فكان إذا أعجبه عمل أدبي قام بترجمته مجانًا، جاء ذلك في تعليق لموقع «Farshetkotob» والمطلع على ما كُتب عن الدروبي المولود في عام 1921 كان يستشهد دومًا بالمفكر الألماني قائلاً بأن «دستويفسكي علمني شيئًا عن النفس الإنسانية» ينتهى إلى انه علامة فارقة في سيرة الترجمة إلى العربية إلى جانب ترجماته في الأدب والفلسفة والسياسة والتربية وعلم النفس، نشر العديد من الكتب والمقالات التي تدور حول العلاقات بين الأدب وعلم النفس (5).

لم يقدم سامي الدوروبي وهو ما تؤكد عليه العديد من الدراسات فقط للثقافة، بل الرؤية الحية والدرس الأبدي، بأن العمل في أي مجال هو مساهمة لبناء البلاد والعقل والانسان، حياته كانت درس حرية من نوع آخر من الصعب والمستحيل على أصحاب العقول المحدودة استيعابه (6).

وقد بدأ سامي الدروبي الأديب والناقد والمترجم والدبلوماسي السوري حياته العمل معلمًا بالتعليم الابتدائي قبل أن يوفد إلى مصر لدراسة الفلسفة، بعد تخرجه عمل الدروبي معيدًا بجامعة دمشق ثم أوفد إلى فرنسا لدراسة الدكتوراه في الفلسفة وبعد عودته عين استاذًا لعلم النفس ثم وزيرًا للمعارف؛ وقد ساعدت الدروبي دراسته للفلسفة وعلم النفس في فهم عميق لأدب دستويفسكي وتقربه للقارئ العربي فكان يركز كثيرًا في روايته على اللاوعي لدى أبطاله، وتحليل النفس البشرية (7).

وحول النضال القومي في فكر الدكتور سامي الدروبي، فنجده يقول :" أومن بالوحدة العربية إيماناً لا يتزعزع وأومن بأنها نقطة الانطلاق لتحرير البلاد العربية من الاستعمار، ولعودة العرب إلي التاريخ يرفعون قدرهم ويغنون الحضارة الإنسانية .. فالوحدة هي الخطوة الأولي نحو النهضة (8) .

وقد كتبت الباحثة السورية بثينة الخير في كتابها "الدكتور سامي الدروبي مسيرة حياة": حمل الدروبي لواء النضال من أجل الحرية والاستقلال ليس في سوريه وحدها، بل على نطاق الوطن العربي.. حيث شكل مع بعض رفاقه وأستاذين من أساتذتهم، عندما كان يتابع دراسته في مصر، نواة لمجموعة مثقفة ساعدت الشعب العربي في ثورته عام 1941 من أجل استقلال العراق وحريته، وتوالت جمع التبرعات وقامت بحملة الإعداد للتطوع لمواجهة المستعمر البريطاني، وشكل في أثناء دراسته في باريس حلقة لدعم الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي عام 1954.

لقد اجتمع لدي سامي الدروبي الفكر الفلسفي المثالي مع الواقع الحياتي لأبناء أمته العربية، هذه المعادلة التي تبنتها الصفوة المختارة من أبناء الأمة العربية في العصر الحديث : أمثال : شيخ العروبة أحمد زكي باشا، والمفكر العربي الكبير الأستاذ ساطع الخضري، والمربي والدكتور سامي الدروبي وغيرهم، الذين أرادوا أن يخرجوا ما في بطون الكتب من شعارات سامية للوحدة العربية إلي التطبيق الفعلي لتحلق الأمة العربية بركب العالم الذي يسير سيراً حثيثاً في ركب الحضارة والتقدم، ولقد رأي الدكتور سامي الدروبي بفكره الثاقب أن أقرب طريق لتحقيق الوحدة العربية هو البدء بتربية الناشئة العربية تربية قومية فكان المعلم والموجه والمربي لأجيال بذر في نفوسهم حب العلم والعمل ومحبة الجميع، واتخذ الدكتور سامي الدروبي من مهنته التعليم سبيلاُ لغرس روح النضال في أبناء الشعب العربي من أجل التحرر والوحدة، وجعل من نفسه قدوة لزملائه وأبنائه من الناشئة العربية، وتمثلت في صفاء نفسه وقوة شكيمته في صدق إخلاصه وعظيم تواضعه في نقاء وحدويته وحبه لأمته العربية (9) .

وعندما سقطت الوحدة الأولي بين سوريا ومصر، بكي الدكتور سامي الدروبي أمام الرئيس الراحل عبد الناصر أثناء تقديم أوراق اعتماده لسوريا في الجمهورية العربية المتحدة إذ قال في خطاب الاعتماد : سيادة الرئيس :" إذا كان يسعدني ويشرفني أن أقف أمامكم، مستشرفاً معاني الرجولة والبطولة، فإنه ليحز في نفسي أن تكون وقفتي هذه كوقفة أجنبي، كأنني ما كنت في يوم مجيد من أيام الشموخ مواطناً في جمهورية انت رئيسها، إلي أن استطاع الاستعمار مع الرجعية أن يفصم عري الوحدة الرائدة في صباح كالح من أصباح خريف حزين يقال له 28 أيلول، صبا هو في تاريخ أمتنا لطخة عار ستمحي، ولكن عزائي عن هذه الوقفة التي تطعن قلبي يا سيادة الرئيس، والتي كان يمكن أن تشعرني بالخزي حتي الموت، أنك وأنت تطل علي التاريخ فترس سيرته رؤية نبي وتصنعه صنع الأبطال قد ارتضيت لي هذه الوقفة، خطوة نحو لقاء مثمر بين قوي تقدمية ثورية، يضع أمتنا في طريقها إلي وحدة تمتد جذورها عميقة في الأرض فلا انتكاس، وتشمخ راسخة كالطود فلا تزعزعها رياح .

وإلي جانب ما تميز به الدكتور سامي الدروبي في مجاله المهني التربوي وبراعته في الترجمة، فقد لفت الأنظار إليه كدبلوماسي عربي رائد، حيث أعطي الدبلوماسية العربية بعداً جديداً ممثل ضمير أمته وعبقريتها، وكما قال عنه سفير الجزائر فإنه كان سفيرا للعروبة وللقومية العربية وليس سفيرا للقطر العربي السوري وحسب (10).

وفي الذكري الخامسة والأربعين لرحيل الدكتور سامي الدروبي يتمني صاحب المقال أن يكرم هذا المربي الوحدوي الأصيل الذي قدم الكثير لأبناء أمته العربية وناضل طوال عمره من أجلهم في فكره التربوي الخلاق ونضاله القومي الرائد.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

5-فهد المضحكي: سامي الدروبي علامة فارقة في سيرة الترجمة إلى العربية، مقال منشور بتاريخ السبت 7 نوفمبر 2020 الموافق 21 ربيع الأول 1442.

6- المرجع نفسه.

7- المرجع نفسه.

8- أحمد سعيد هواش: المرجع نفسه، ص 93.

9- المرجع نفسه، ص 93.

10-المرجع نفسه، ص 94.

 

 

خلال الخمسينيات من سنوات اقامتي في المانيا، كان بعض اساتذتي الكرام، يطعًمون محاضراتهم الطبية بشذرات من الفلسفة الاجتماعية، واتذكر ان احداها كانت تدور حول مفهوم السعادة، فتعلمت في حينها ان السعادة اما ان تكون ذاتية مادية صرفة، يسعى صاحبها الى اشباع ملذاته الشخصية ليس إلا، لكن هذا الضرب من السعادة لا قيمة له. واما ان تكون جمعية اي ترمي الى خدمة المجتمع، حينذاك تعتبر السعادة، سعادة روحية وهي السعادة المنشودة،  تنشأ حينما يمارس الانسان عملا من شأنه ان يؤدي الى اسعاد نفسه والاخرين كذلك.

 لقد الّف الاديب الامريكي دوس هكسلي في القرن الماضي كتابا حول تأثير مادة الميكالين على الانسان، وهي مادة مخدرة، تستخرج من نبات الككتوس، اي الصبًير المعروف بالتين الشوكي، لكنه يختلف عن بقية المخدرات كونه يخدر الجسم فقط، لا العقل، وبذلك يرى الانسان النور اضوء والزهر انضر ووجه الحبيب اجمل والاحساس بالرضى اكمل، وهذا الاسترخاء يجعل صاحبه يشعر بالسعادة - - ونعني هنا السعادة المزيفة - -  وواضح ان الرجل السعيد حقا هو ذلك الذي تنبع السعادة الحقيقية من قلبه دون ان يحتاج الى خمر او مخدر.

  لذا فاننا نشعر بهذه السعادة عندما يرتقي وطننا ويزدهر المجتمع ويصل ابنائه الى مراتب سامية، كأن  يكتشف احدهم دواء لمرض عضال او عندما يكون في استطاعتنا ان نقضي على الأمًية ونكافح التخلف والعقائد البالية او عندما يزول حكم ظالم عن كاهل شعب غُلب على امره، او يعم البشرية بركة السلام ونحو ذلك.

  كان نبينا محمد عليه الصلاة والسلام نموذجا حيا في السعي لتحقيق السعادة الروحية، تجلت في سلوكه، وهي خدمة بني البشر، بغية تطويرهم نحو حياة احسن، فعندما وصل النبي الى مدينة يثرب في عامه الاول للهجرة وجد القبائل العربية في تناحر دائم، كانت قبائل الاوس والخزرج النصرانية، اشدها عنفا واقتتالا، فبدأ النبي الكريم يرشدهم فأسمعهم ما يهذب اخلاقهم، ويصلح حالهم ويطهر قلوبهم ويلم شعثهم عبر توضيح معان بعض الايات القرآنية لهم،  وعندما اصغوا فهموا وتعلموا و اهتدوا وتصالحوا مع خصومهم واعتنقوا الاسلام دينا وتحضروا تدريجيا، وعندما بان للعيان حجم التغير الايجابي للقوم، وقد تحرر من تقاليد وعادات الجاهلية،  امتلأ قلبه غبطة وشعر بالسعادة الروحية تغمره، فغير اسم مدينة يثرب الى المدينة المنورة اي المدينة التي اصبح شعبها متنورا.

 لم تشمل صفة العظمة الانبياء والصالحين فحسب بل اولئك الرجال الوطنيين الذين يقودون شعوبهم بضمير حي ونزاهة مفرطة. فدرب الاستقامة الذي نهجوها، قاد شعوبهم بالتالي الى السعادة الحقة.

 اتذكر اني شاهدت في قناة CNN الامريكية في التسعينيات مقابلة صحفية للمستشار الالماني الاسبق السيد كول، بطل الوحدة الالمانية المعروف، جرت في داره في العاصمة الالمانية برلين. فبعد ان وصل الصحفي الامريكي ودخل بيت كول، وجده وحيدا، اي لم يجد عنده من يخدمه، وبعد ان رحب بضيفه، ذهب الى المطبخ بنفسه ليهيئ له القهوة الصباحية. لكن الصحفي شاهد ان هناك رجلا آخر، يدخل المطبخ من الباب المقابل، ويهمّ هو الاخر في عمل قهوته، مما اثار هذا المشهد فضول الصحفي الذي جعله يسأل السيد كول عن هوية هذا الطارئ، فقال له انه جاري، فاستغرب الامريكي لهذا الجواب وقال: وكيف؟،  لِم لَم يكن لكل منكما مطبخه الخاص به؟ فقال المستشار السابق:

 (كانت فكرتي الاولى ان استأجر دارا لوحدي، فيها كل شيء، لكنني وجدت نفسي امام مأزق مادي، بعد ان اكتشفت ان راتبي التقاعدي لا يكفي لذلك، فبدل ايجارها سيرتفع 200  مارك اكثر. وبما اني اريد ان اعيش عيشة مريحة، اقتنعت بالمطبخ المشترك وشكرا.

 وهذا يعني ان السيد كول وهو المستشار الذي حكم المانيا الاتحادية سنوات عدة لم يجرأ يوما ان يمد يده على (بيت المال) للشعب الالماني، هذا (البيت)، الذي يدعم ويطور اقتصاديات الكثير من دول العالم، بأمكانياته المالية الهائلة.

اقول ان هذه السيرة المثالية لأمثال هؤلاء الحكام الشرفاء، هي السر في سعادتهم وسعادة شعوبهم، وبالتالي في ازدهار حضارتهم وتقدم بلادهم، كما نراهم اليوم.   

 

بقلم د. رضا العطار

 

 

   

يسري عبد الغنيفاتح الأندلس طارق بن زياد

تكاد شخصية طارق بن زياد، الرجل الذي ينسب له فتح الأندلس، مليئة بالغموض، فهناك العديد من القصص والحكايات المتعلقة بحياته الشخصية أو موضعه التاريخي، ونهايته غير معروفة بوجه الدقة إلى اليوم.

لقد ارتبطت شخصية طارق مبدئياً بالبطولة وتحقيق حلم كبير كدخول العرب إلى بلاد - الفرنجة، التي ظلّ بها المسلمون لحوالي ثمانية قرون منذ أوائل القرن الثامن الميلادي إلى القرن الخامس عشر بسقوط دولة بني الأحمر في غرناطة سنة 1492.

وعرف طارق كأحد قادة جيش موسى بن نصير في بلاد المغرب في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك، وقد أبدى مهارة في القيادة لفتت الانتباه له، ما دعا إلى اختياره حاكماً لمدينة طنجة مكافأة له، وهو يبذل الصبر والإصرار ويظهر المواهب.

لكن شهرته الأساسية ارتبطت بالأندلس وعملياته الاستطلاعية التي سبقت الحملة، بحيث يمهد الطريق إلى هناك بناء على رؤية واقعية بالأرض، ولا يزال جبل طارق المسمى باسمه شاهداً إلى اليوم على تاريخ الرجل، الذي ولد سنة 675م / 55هـ وتوفي سنة 720م / 101هـ، حيث عاش حوالي 45 سنة ومات شاباً.

وقد خلد الشاعر المصري علي محمود طه، قصة طارق بن زيادة في قصيدة مشهورة طويلة جاء فيها:

من علّم البدوي نشر شراعها

وهداه للإبحار و الإرساء

أين القفار من البحار وأين من

جنّ الجبال عرائس الدّأماء؟

يا ابن القباب الحمر ويحك!

من رمى بك فوق هذي اللّجة الزّرقاء

تغزو بعينيك الفضاء وخلفه

أفق من الأحلام والأضواء

جزر منوّرة الثّغور كأنّها

قطرات ضوء حفاف إناء

والشّرق من بعد حقيقة عالم

والغرب من قرب خيالة رائي

ما بين المولد والنهاية

ولد طارق بمنطقة بولاية وهران غرب الجزائر، وقد كان طويل القامة وضخم الهامة وأشقر اللون. ولكن ثمة ثلاث روايات حول أصوله، الأولى تنسبه إلى البربر الأفارقة، والثانية إلى الفرس من همدان، والثالثة إلى العرب من حضرموت. ما يدل على هوية الرجل العابرة للأجناس، وهي سمة إيجابية تحسب لصالحه في التاريخ.

وكما مولده ونسبه فإن نهاية الرجل أيضا محفوفة بالغموض، فمن المعروف أنه عاد إلى دمشق بصحبة موسى بن نصير بعد ان استدعاهما الخليفة الوليد بن عبد الملك، وقيل إن السبب هو خلاف بين طارق وموسى، وقد عزلا في نهاية الأمر.

ويبدو أن ثمة صراعا حول السلطة والمطامع وراء الأزمة بكليتها، ونقل أنه في أيامه الأخيرة عاش فقيراً ومعدماً إلى أن مات، بل إنه شوهد يتسول في المساجد، وهي المفارقة المدهشة التي لو صدقت فإنها تصوّر إجحافاً كبيراً تم بحق هذا القائد العظيم من السلطة الأموية.

تعتبر علاقة موسى بن نصير بطارق بن زياد من العلاقات المرتبكة، فالرجل الذي اهتم بطارق في البدء وهيأ له المراقي، وبه استطاع موسى أن يحقق الانتصارات في المغرب، عاد ليحسده بعد أن وجده يصعد إلى أعلى. هكذا تبدو الصورة من بعض الوجهات. وفي بعض الروايات أن موسى غضب على طارق وسجنه وهمّ بقتله لولا شفاعة مغيث الرومي مولى الوليد بن عبدالملك.

وهناك قصة أخذت طابعاً أسطورياً، تُروى عن سبب الصراع بين الطرفين، وهي خلافهما حول مائدة من الذهب مرصعة بالأحجار الكريمة، بحسب القصة إنها تعود للنبي سليمان بن داود، وأن طارقاً استولى عليها في غزواته، وفي النهاية فإن المائدة – بحسب الرواية – استقرت في قصر الخليفة الأموي بدمشق.

أما الحكاية الكبيرة فهي قصة حرق الأساطيل البحرية بعد عبور البحر إلى الأندلس، التي كثيرا ما روّج لها، وأن طارق هدف إلى دفع جنوده إلى الاستبسال وعدم التفكير في العودة إلى الوراء. وقد تكون القصة ذات مغزى رائع، لكن هل كانت حقيقة؟

وفي أغلب الروايات فهي ليست صحيحة، حيث لم ترد سوى في مصدر واحد هو كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للإدريسي، الذي عاش بعد خمسة قرون من فتح الأندلس.

وترفق قصة حرق السفن بخطبة شهيرة منسوبة لطارق قال في مطلعها: "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر".

برغم كل شيء، فإن طارق قد دخل التاريخ وخلد اسمه في العديد من الأماكن، وعلى رأسها الجبل المسمى باسمه، وفي عام 2012 أصدر البنك المركزي البريطاني لحكومة جبل طارق ورقة مالية تحمل صورته من فئة 5 جنيهات استرلينية.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

جميل حسين الساعديفي أوائل السبعينات من القرن المنصرم تعرفت على الشاعر عبد الأمير الحصيري صدفة في سوق السراي، وهو سوق شعبي لبيع الكتب، يتفرع من شارع المتنبي، الذي يضمّ أكبر وأشهر المكتبات في بغداد مثل مكتبة المثنى ودار البيان ودار التربية وغيرها من المكتبات، كنت كثيرا ما أتردد على سوق السراي لشراء الكتب القديمة، التي كانت تباع بأسعار رخيصة، وكان لي هناك صديق صاحب (كشك) لبيع الكتب القديمة هو الأديب عبد العزيز القديفي مؤلف كتاب (شوقي في الميزان)، كنت بعد أن أنهي تطوافي في السوق، أذهبُ إلى محلّه الصغير، الذي يتوسط أحد جانبي السوق لأمضي عنده بعض الوقت نتجاذب فيه أطراف الحديث في مواضيع عديدة، وعلى رأسها الأدب والشعر . كنت أذهب إلى السوق مرتين كلّ أسبوع، لأبحث عما هو جديد من الكتب والمجلات مثل: مجلة الفكر المعاصر وتراث الإنسانية والهلال وسلسلة (كتابي)، وكنت في كلّ مرة أزور صديقي عبد العزيز القديفي . وفي إحدى تلك الزيارات عرّفني بالشاعر عبد الأمير الحصيري، الذي التقيته فيما بعد مرّات كثيرة، كان آخرها في اتحاد الأدباء العراقيين في العلوية قرب ساحة الأندلس . كان مخمورا كالعادة، ووقف غير بعيد عني، وهو يشير بيده إلى شفيق الكمالي وزير الثقافة والإعلام في زمن النظام السابق، الذي كان يلقي محاضرة في ذلك المساء في اتحاد الأدباء العراقيين، صارخا بأعلى صوته (لقد أفسدت اللغة العربية يا شفيق). ثمّ استمر الحصيري في مقاطعة الكمالي وتصحيح الأخطاء اللغوية، وحين انتهت المحاضرة، قامت حماية وزير الثقافة والإعلام شفيق الكمالي، الذي كان عضوا كذلك في القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم في العراق باقتياد الشاعر الحصيري إلى خارج مبنى الإتحاد وانهالوا عليه ضربا، حتى سقط على الأرض والدماء تسيل من أنفه وفمه على قميصه وسترته.

2629 عبد الأمير الحصيري 1كان الشاعر عبد الأمير الحصيري حجة في اللغة العربية، أبصر النور في العام 1942 في النجف الأشرف، المدينة التي أنجبت كبار الفقهاء والشعراء والأدباء. أمضى سنوات شبابه الأولى فيها يحضر مجالسها الأدبية ويصرف معظم وقته في قراءة الشعر العربي قديمه وحديثه، وقد أخبرني في أحد لقاءاتي معه، أنّه كان يحفظ أكثر من 150 ألف بيت من الشعر عن ظهر قلب، ثمّ انتقل إلى بغداد في العام 1958 ليبدأ حياة مختلفة تماما عن تلك التي عاشها في النجف، حياة أقلّ ما يقال عنها أنّها حياة صعلكة وتشرد وعدم استقرار، مارسها الشاعر، ليعلن بذلك رفضه للواقع والتمرد عليه، ويهيم على وجهه متنقلا بين الأرصفة والحدائق والحانات . وقد وصف حاله بهذه الأبيات، المقتبسة من قصيدته، (أنا الشريد):

ما زلت طفلا غريرا، كيف تقربني

أنا التشرد والحرمان والأرق؟!

أنا الشريد!! لماذا الناس تذعر من

وجهي؟ وتهرب من أقداميَ الطرق؟!

وكنت أفزع للحانات، تشربني

واليوم!! لو لمحت عينيّ، تختنق

2629 عبد الأمير الحصيري 2

كان الحصيري متأثرا بسيرة شاعر الصعاليك في العصر الجاهلي عروة بن الورد، حتى أنه أصدر في العام 1973 مجموعته الشعرية (مذكرات عروة بن الورد)، والتي عبّر فيها عن نزعته إلى التمرد وإلى تمجيد الصعلكة والإشادة بشعرائها، حتى نعته بعض شعراء الستينات ب (عروة زمانه) . فالصعلكة في منظوره منهج حياتي، ومنظومة قيم جديدة، تتصدى لقيم المجتمع المفروضة من قبل علية القوم، فشعراء مثل تأبّط شرا والسليك بن سلكة وغيرهم من شعراء العصر الجاهلي كانوا أصحاب قضية تنتصر للمحرومين والمظلومين وتسعى إلى كسر شوكة الأقوياء على طريقتها الخاصة .

في العام 1978 عثر على أمير الشعراء الصعاليك، عبد الأمير الحصيري جثة هامدة في فندق شعبي في منطقة الكرخ . وبرحيله فقد الشعر العراقي شاعرا تفرّد بأسلوبه الشعري وبطاقته الشعرية المتميزة، التي ضخّت دماء جديدة في عروق الشعر العمودي، فجعلته ينهض ويندفع إلى الأمام قاطعا أشواطا بعيدة على طريق الحداثة والتجديد مع الإحتفاظ بالأصالة وفخامة اللغة.

 

جميل حسين الساعدي

 

 

محمود محمد عليما بين الأدب والدبلوماسية مشترك كبير، إذ يتفاوت هذا المشترك بين كاتب وآخر، ولعل هذا المشترك يتقاسمه كثير من الرجال العظام الذين هم هدية النعيم للإنسانية في بعض المناسبات، وهم يمثلون في التاريخ الأقطاب الذين ينتصبون عادة عند مفارق الطرق فيرشدون المسافرين إلي الطريق الصحيح، وفد كان الأستاذ الدكتور "سامي مصباح الدروبي" أحد هؤلاء الرجال الذين لم يبعثوا فقط لشعوبهم وحدها، بل لإرشاد الجنس البشري بأسره، وقد حملت رسالته الروح الحقيقية للعروبة والقومية العربية، وقد أعلنت علي الملأ في وقت كان فيه العالم بصورة عامة، والوطن العربي بصورة خاصة يعاني أحوالاً سيئة بسبب قوي الشر في القرنين التاسع عشر والعشرين.

يقف المفكر والفيلسوف والأديب السوري "سامي الدروبي" في طليعة المثقفين العرب الذين دفعتهم الظروف إلي الإقامة في الغرب الأوروبي، ويكاد يكون أكثر هؤلاء صلة بالواقع العربي من حيث إلحاحه المستمر علي البحث في قضايا هذا الواقع وتقديم صورة موضوعية له تُظهر العالم الغربي علي مبلغ ما يمكن أن يقدمه العرب للعالم، وما يستطيعون أداءه من رسالة إن هم تجاوزوا ما هم فيه من ضعف وشتات هما لدي النظر نتاج غربي بالدرجة الأولي . وقد اتسمت دراسات الدكتور سامي الدروبي بملمحين أساسيين لا يستطيع قارئ كتبه العميقة إلا التسليم بهما، وهما: الإخلاص ثم الشمول . إذ لا يمكن ومهما اختلفت معه في كثير من مقدماته أو في كثير مما يخلص إليه إلا أن تقر له بهذه اللهجة الصادقة التي تُنبئ عن نفس ممتلئة ألما لما يتهدد أمتها من أخطار، فضلاً عن منهجه الذي امتزج فيه المنطق بالتحليل بالوقائع علي نحو نفتقده في كثير مما نقرءه من كلام عن مجتمعنا ومشاكله وتطوراته.

ولذلك أقول:  يمثل الدكتور "سامي الدروبي" علماً مهماً من أعلام التجديد والإصلاح الفكري العربي المعاصر، وغدت نتاجاته الفكرية والفلسفية والأدبية مرجعيات مهمة في تأصيل الذات والمحافظة علي الهوية، وفي التعبير عن شخصية المفكر العربي في ظل المواجهات الحضارية التي عاشها، ولكن لعل أبرز أفكاره الممتازة أنه كان "يعتقد اعتقاداً جازماً بأن نهضة الأمة العربية، وبعث تراثها وأمجادها يقتضيان الاطلاع الشامل علي الحضارة الحديثة، وتمثل وجوهها المختلفة فكراً وفلسفة وأدباً وفناً "(1).

ولذلك من الوفاء في نظري لجهود الإصلاح الفكري العربي المعاصر، إحياء ذكري الدكتور " سامي الدروبي" بعد ما يزيد علي أكثر من عقد كامل من وفاته، بطريقة علمية تعرض وتحلل الحياه الفكرية والتوجهات الإصلاحية لسامي الدروبي الذي أسهم بدور فعال في الأدب والنقد والترجمة، والدبلوماسية التي ساعدته بعد ذلك في بلورة الهوية والتأسيس لفكرة الدولة السورية؛ لا سيما وأن جيلا كاملا من أدبائنا العرب خاصة في القرن الماضي كان يتغني بترجماته الرائعة لجميع أعمال دوستويفسكي، والتي تعد الترجمات الأشهر بالنسبة له، حيث يروي عن الدكتور " طه حسين " عندما سأله أحد الصحفيين قبل وفاته: ماذا تقرأ ؟، فأجاب أقرأ دوستويفسكي، معرباً بقلم سامي الدروبي، وأضاف: كأني بسامي الدروبي مؤسسة كاملة، حيث يقرأ الفكرة في أصلها باللغة الأجنبية، ومن ثم  يضفي عليها من فكره الخلاق وأسلوبه السامي فتخرج فكرة جديدة، فكانه القارئ يقرأ نصاً عربياً أصيلاً لأديب عربي مشرقي الأسلوب، قوي العبارة، جزل الألفاظ، وهو ما سمي (:مدرسة سامي الدروبي) التي تميزت برصانتها وأسلوبها المميز، وإتقانها، وتعابيرها المعبرة، هذه المدرسة التي تضع الفائدة والمعرفة للقارئ العربي قبل كل شئ آخر ؛ وقد تمني الأديب "رجاء النقاش" أن تقوم مؤسسة قومية باسم (مؤسسة سامي الدروبي للترجمة) تكون مهمتها ترجمة عيون الفكر العالمي بالأسلوب نفسه وعلي الأسس نفسها التي وضعها سامي الدروبي (2).

ولذلك وجدنا الأستاذ " جورج صدقني" يقول عنه:" كان سامي الدروبي يجب أن يترجم، ولكنه لم يكن مترجماً هاوياً، ولا كانت الترجمة هواية لديه . كانت الترجمة في نظره رسالة حضارية . ولطالما بشر في هذا العصر من تاريخ العرب يجب أن يكون عصراً للترجمة، ولطالما حلم بأن يكون هذا العصر عصر الترجمة الثاني بعد عصر الترجمة الأول أيام العباسيين . ورأيه في ذلك أن الأمة العربية بأمس الحاجة إلي أن تفتح نوافذها للهواء والشمس . ولم تكن الترجمة لديه رسالة يبشر بها بالكلام وحسب، بل انبري بنفسه إلي حمل لوائها فكان علما من أعلامها البارزين (3).

وُلد الدكتور سامي الدروبي في عام 1921 وتوفي في عام 1976، أديب وناقد ومترجم ودبلوماسي سوري من مواليد مدينة حمص، وقد درس  سامي الدروبي في مدارس حمص الابتدائية والثانوية، ثم واصل دراسته في تجهيز دمشق، القسم الثانوي للبكالوريا، وتابع دراسته في دار المعلمين العليا لمدة عامين، وعمل معلمًا سنة واحدة قبل أن يوفدَ إلى مصر أواخر عام 1943 ليدرس في كلية الآداب- قسم الفلسفة في القاهرة. تخرَّج سنة 1946، وعمل خلال عامي 1948 – 1949 بدمشق معيدًا في الجامعة، ثم أوفِدَ إلى باريس خلال الأعوام 1949 – 1952 لتحضير الدكتوراه في الفلسفة، وعاد من باريس وعُيِّنَ مدرّسًا في كلية التربية، ثم أستاذًا لعلم النفس.. بعدها أنجز الدروبي مهمته كمترجم فذّ وسط زحام وانشغالات عمل لا ينتهي وخبرات توزعت بين الجامعة وكواليس العمل الدبلوماسي، فقد عمل أستاذا جامعيا للفلسفة في حمص، ثم عميدًا لكلية التربية بجامعة دمشق فوزيرًا للمعارف، ثم سفيرًا لسوريا في يوغسلافيا، مصر، إسبانيا، والمغرب، ومندوبا لسوريا في جامعة الدول العربية في القاهرة التي كانت أقرب المدن لمزاجه وقلبه.

وخلال إقامته بالقاهرة منحه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ما لم يمنحه لأي شخص آخر، فقد عامله كصديق أتاح له أن يجالسه وقتما يشاء، بحثا عن "خبرة إنسانية" أو سعيا لمشورة، وفي كل اللقاءات التي جمعت بينهما كان ثمة مقعد يشغله في المخيلة.. كاتب روسي يجري استدعاؤه في أي حديث بين الرئيس وصديقه المترجم الذي كان سفيرا لبلاده في القاهرة. وبلغت درجة الصداقة بينهما أن عبدالناصر عرض عليه، بعد انفصال سوريا ومصر عقب فشل الوحدة بين البلدين، منصب سفير في الخارجية المصرية ليبقى إلى جواره، وقد توفي 1976، ومُنح جائزة لوتس في عام 1978، أي بعد رحيله.

وقد أنجز الدكتور "سامي الدروبي" مهمته كمترجم فذّ وسط زحام وانشغالات عمل لا ينتهي وخبرات توزعت بين الجامعة وكواليس العمل الدبلوماسي، وخلال إقامته بالقاهرة منحه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ما لم يمنحه لأي شخص آخر، فقد عامله كصديق أتاح له أن يجالسه وقتما يشاء، بحثا عن "خبرة إنسانية" أو سعيا لمشورة، وفي كل اللقاءات التي جمعت بينهما كان ثمة مقعد يشغله في المخيلة.. كاتب روسي يجري استدعاؤه في أي حديث بين الرئيس وصديقه المترجم الذي كان سفيرا لبلاده في القاهرة. وبلغت درجة الصداقة بينهما أن عبدالناصر عرض عليه، بعد انفصال سوريا ومصر عقب فشل الوحدة بين البلدين، منصب سفير في الخارجية المصرية ليبقى إلى جواره.

وتحفل مذكرات زوجته إحسان البيات بالكثير من التفاصيل الكاشفة عن عمق العلاقة مع عبدالناصر وعائلته، لدرجة أن عبد الناصر كان يهتم بالحالة الصحية لسامي الدروبي كما كان يدعوه بعد إصابته بمرض القلب، بل بعث إليه دواء يابانياً أرسل في طلبه خصيصا؛ يقول د. عمر عبدالسميع في مقال له نشر في الأهرام عنوانه «حين بكى عبدالناصر» عند تقديم الدكتور سامي الدروبي أوراق اعتماده للرئيس جمال عبدالناصر سفيرًا لسوريا في الجمهورية العربية المتحدة في الأول من سبتمبر عام 1966 أي بعد الانفصال بكى السفير سامي الدروبي وهو يقول: إذا كان يسعدني ويشرفني أن أقف أمامكم مستشرفًا معاني البطولة والرجولة فإنه يحز في نفس أن تكون وقفتي هذه كأجنبي، كأنني ما كنت في يوم مجيد مواطنًا في جمهورية أنت رئيسها، ولكن عزائي في هذه الوقفة التي تطعن قلبي يا سيادة الرئيس والتي يمكن أن تشعرني بالخزي حتى الموت، ومضى الدروبي في كلمته بصوت متهدج يبكي، وفي أثناء كلمته بكى جمال عبدالناصر، ورئيس مجلس الوزراء علي صبري ووزير الخارجية محمود رياض، ونشرت الصحف الأجنبية صور تقديم أوراق الاعتماد في صدور صفحاتها الأولى مسجلة أول حادث في التاريخ يبكي رئيس جمهورية في أثناء تسلمه أوراق اعتماد سفير يبكي هو الآخر (4).. وللحديث بقية..

 

أ.د محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – بجامعة أسيوط.

.................

1- جورج صدقني: سامي الدروبي مترجماً، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، ع 59,6، 1976، ص 6.

2- أحمد سعيد هواش: الدكتور سامى الدروبى بين الإبداع الفكري والنضال القومي 1976 – 1921، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، مج 45 , ع 53، 2016، ص 92.

3- جورج صدقني: المرجع نفسه والصفحة نفسها.

4- د. عمر عبدالسميع: حين بكى عبدالناصر، مقال منشور بالأخرام المصرية.

 

2625 محمود فهمي حجازياللقاء الأول: التحقتُ بجامعة الرياض في العام الدراسي 1973ـ1974 للعمل بقسم اللغة الإنكليزية في كلية التربية، وبعد سنة تقريباً حصلت بدايات ما يُسمى بالطفرة البترولية، فازدادت مداخيل الدول المنتجة للبترول، وتكاثرت اليد العاملة الوافدة إلى هذه البلدان، لاسيّما دول الخليج، من الغرب والشرق.

التقيت بشابٍ سعودي اسمه الدكتور محمود إسماعيل صيني كان قد حصل على الدكتوراه في اللسانيات التطبيقية من جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة، وعُيّن مدرساً في كلية الآداب بجامعة الرياض في السنة الدراسية التي عُيِّنتُ انا بكلية التربية. وربطت بيننا علاقة ودية بفضل أخلاقه الرفيعة، ومحبته الآخرين، وتشابه تخصُّصنا وخبراتنا.

وذات يوم تحدَّثنا ـ أنا والدكتور صيني ـ عن عدم وجودِ مدرسةٍ تعلّم العمّال الوافدين اللغة العربية، واتفقنا على أن نتبرّع بتعليمهم العربية في المساء. وهكذا حصلنا على غرفتيْن دراسيتيْن في بناية كلية الآداب بحي الملز في مدينة الرياض. وقسَّمنا المتعلِّمِين على قسمَين:

ـ قسم لمَن يعرفون الحروف العربية، ومعظمهم من الآسيويين الذين تستعمل لغاتهم الحروف العربية في كتابتها، واضطلع الدكتور محمود إسماعيل صيني بتدريسه.

ـ وقسم لمَن لا يعرف الحروف العربية، وأغلبهم من البلدان الغربية، وكنتُ أنا الذي أتولى تدريسه.

وقد لقي هذا البرنامج إقبالاً كبيراً في الفصل الثاني. وبعد سنة تقريباً، قرَّر مدير الجامعة، الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الفدا، أن يؤسِّس في الجامعة معهداً لتعليم العربية لغير الناطقين بها. وعهد إلى لجنة للإعداد لمؤتمر من كبار المتخصِّصين لوضع تصوّرٍ لهذا المعهد: أهدافه، مناهجه، أنواع الدراسة فيه، الشهادات التي يمنحها، إلخ. فقد كان هذا المعهد أول معهد لتعليم العربية لغير الناطقين بها في المملكة العربية السعودية..

شارك عشرات من كبار الباحثين في هذا المؤتمر الذي عُقد في جامعة الرياض سنة 1977 لتقديم البحوث، التي صدرت في كتابٍ بجزئَين[1]، والمشاركة في الجلسات الاستشارية حول هيكلة المعهد. وهناك تشرَّفتُ بلقاء الدكتور محمود فهمي حجازي الذي استُقدِم من مصر حيث كان يدرّس بقسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة. وأُلقِيتْ في المؤتمر بحوثٌ كثيرة. ومن عجائب المصادفات، أن بحث الدكتور محمود حجازي كان عن " التعابير السياقية" في حين كان بحثي عن " التعابير الاصطلاحية" وهو مكمِّل للبحث السابق. ويُعدُّ هذان البحثان رائديْن في اللسانيات العربية الحديثة، كما يقول الدكتور زكي كريم[2].

ومنذ اللقاء الأوَّل بيننا وأنا أشعر بأنَّني كسبتُ صديقاً حقيقياً في شخص الدكتور محمود فهمي حجازي على الرغم من وجودِ عددٍ كبير من العلماء في ذلك المؤتمر، من مصر وغيرها من البلدان. ويعود الفضل في ذلك إلى شخصية الدكتور محمود الجذابة والمخلصة، وأخلاقه الرفيعة، وعلمه الغزير. ولا أجد وصفاً لهذه الشخصية المتميزة أفضل من وصف أحد طلابه، الدكتور إبراهيم عبد المعطي، وهو يرثيه في مقالٍ بجريدة "الوفد" حيث يقول:

" أستاذي الدكتور محمود فهمي حجازي: وجهٌ تعلوه البشاشة، قامةٌ مرتفعة فيها شموخ، شخصية راقية تحمل ملامح الأرستقراطية لكنه مصري أصيل، لديه اعتزاز بالنفس يخلو من التكبُّر، روح طيبة تتسم بالتواضع، بسيط في التعامل مع تلاميذه بساطة لا تنزع هيبته من القلوب، وإنما ترفع قدره في نفوسهم، يصحبهم ويفتح لهم بيته، ويطرقون بابه في أي وقت عندما يحتاجون إليه، يتدفق العلم على لسانه في جمل مرتبة خالية من الغموض،..."[3] 

مولده ومدينته:

ولد محمود فهمي حجازي سنة 1940 في مدينة المنصورة مركز محافظة الدقهلية في شمال مصر. وتقع المنصورة على بُعد 120 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من القاهرة. وهي تحتلُّ الضفة الشرقية لنهر النيل فرع دمياط، وتقابلها في الضفة الغربية من النهر، مدينةٌ أقدم منها تُسمّى "طلخا". فقد أُنشِئَت مدينة المنصورة سنة 616هـ/ 1219م من لدن الملك الكامل (حكم من 1218ـ 1238م)، وهو ابن أخي صلاح الدين الأيوبي، وخامس ملوك الدولة الأيوبية في مصر. وقد بناها الملك الكامل عند مفترق النيل على دمياط وأشموم، في مواجهة الغزاة الصليبيين (الإفرنج) الذين حاصروا دمياط أثناء الحملة الصليبية الخامسة. بناها في بقعة كانت تسمى " جزيرة الورد"، لأنَّ المياه تحيط بها من ثلاث جهات وفيها أشهر مزارع الورد في مصر؛ وسميت المدينة بالمنصورة تفاؤلاً بالنصر على العدو الغازي. وقد انتصر المصريون فعلاً على الغزاة الذين عادوا إلى بلدانهم.[4]

ولكن الأوربيين عاودوا الكرَّة في حملة صليبية سادسة، وأخيراً في حملة صليبية سابعة (1249ـ1250م) يقودها الملك لويس التاسع، ملك فرنسا بنفسه، ومعه أخوه روبرت دي أرتوا الذي كان يقود فرقة من فرسان المعبد، ومعه كذلك الأمير الإنجليزي وليم أوف ساليزبري الذي كان يقود فرقة إنجليزية. وفي بداية تلك الحملة الصليبية السابعة توفي الملك الصالح سلطان مصر، فأمسكت زوجته شجرة الدر بزمام الأمور بعد الاتفاق مع قائد الجيش ورئيس القصر، وقرَّرت إخفاء نبأ الوفاة حفاظاً على معنويات الجيش، وأرسلت إلى توران شاه ولي العهد الذي كان في حصن كيفا (في تركيا اليوم) راجية قدومه، وتولت بنفسها إدارة البلاد، والتخطيط للمعارك مع قادة الجيش لحين وصول الملك الجديد. وحقق أبناء الشعب المصري العظيم من الجنود والفلاحين المتطوعين، إنزالَ الهزيمة الماحقة بالغزاة، وقُتِل الأميران الفرنسي والإنجليزي وبقية المحاربين الغزاة إلا مَن استسلم منهم فأخذوا أسرى، ومن بينهم قائد الحملة الصليبية السابعة لويس التاسع ملك فرنسا. وهكذا دخلت شجرة الدر التاريخ بحكمتها وشجاعتها.

ولا تزال (دار ابن لقمان)[5] قائمة وسط مدينة المنصورة؛ وهي الدار التي سُجِن فيها لويس التاسع مدَّة شهر حتى دفعت زوجته الفدية المطلوبة، فأُطلِق سراحه في 7 مايو/أيار 1250م. وانتهت الحملة الصليبية السابعة على مصر وتوقَّفت الحملات الصليبية عليها بعد ذلك. فالصليبيون وأشباههم من الذين يتذرَّعون بالدِّين وسيلةً للغزو وقتل الآخرين والاستعمار والاستيطان في أراضي الغير وسرقة ممتلكاتهم، لا يفهمون إلا لغة القوة التي أوصلتهم إلى أراضي الغير واستغلالها، والقوّة هي التي تخرجهم منها كذلك.[6]

وهكذا يكون محمود فهمي حجازي وردة من بقعة جزيرة الورد المباركة "المنصورة"، حلّت بالقاهرة وغيرها من البلدان، وهي تعبق بالخُلق والعِلم وتحمل بين بتلاتها صفحات ناصعة من تاريخ مصر العظيم. 

دراسة الدكتور محمود فهمي حجازي:

حاز محمود فهمي حجازي شهادة البكلوريا الثانوية سنة 1954 أي وعمره حوالي أربعة عشر عاماً فقط، لأن نظام التعليم القديم في مصر، كان يسمح للنابهين من الطلاب أن يتقدَّموا لامتحان البكالوريا بعد سنة واحدة من الدراسة بدلاً من ثلاث سنوات[7].

لم تكن في مصر آنذاك سوى ثلاث جامعات: جامعة القاهرة، وجامعة الإسكندرية، وجامعة عين شمس بالقاهرة.[8] ولم يُقبَل آنذاك بالجامعة الأمّ، جامعة القاهرة، إلا الأوائل المبرَّزين. فَقُبِل محمود في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، ودرسَ على كبار أساتذتها آنذاك مثل الدكتور طه حسين، والدكتور شوقي ضيف، والدكتورة سهير قلماوي. وفي دراسته الجامعية هذه ألمَّ بالدراسات اللغوية والأدبية في التراث العربي كلّه. وأمضى في كلية الآداب أربعة سنوات من 1954ـ1958، ثم أمضى فيها السنة التمهيدية للماجستير من 1958ـ1959.

وقد ذكر في إحدى مقابلاته التلفزية أنَّه تَّأثر بشخصية الدكتور شوقي ضيف. (ولكنّه ألَّف كتاباً عن طه حسين بعنوان " طه حسين: حياته وفكره"(1998)، ولم يؤلِّف كتاباً عن شوقي ضيف، على ما أعلم." ) وكان حلمه وهو طالب في جامعة القاهرة أن يمثِّل مصر أو البلدان العربية في الخارج. فقد كان له إحساس قوي بالانتماء الى الوطن العربي.[9] 

ومما يدلُّ على همّة محمود فهمي حجازي العالية ومحبّته اللغات عامَّة، أنَّه أثناء دراسته في كلية الآداب التحق بمدرسة الألسن[10] وتابع جميع مقررات اللغة الألمانية فيها، وحصل على شهادتها سنة 1958، علماً بأنَّه كان يجيد اللغتيْن الإنجليزية والفرنسية.  فاضطلع بتدريس اللغة الألمانية في التعليم العام مدة سنة هي 1958ـ1959 في الوقت الذي كان معيداً في كلية الآداب بالقاهرة، ويدرس فيها السنة التمهيدية للماجستير.  ما رسخ اللغة الألمانية وقواعدها في فكره.

وفي سنة 1960 نال بعثةً دراسية إلى ألمانيا مدّتها خمس سنوات (1960ـ 1965) للحصول على الدكتوراه في جامعة لودفيغ مكسمليان في ميونيخ[11] ـ قسم الدراسات اللغوية السامية (اللغات الجزيرية، كما يسميها التأثيليّون العرب اليوم، أي لغات شبه الجزيرة العربية، ومنها اللغة العربية)[12].

درس محمود علم اللغة المقارن في جامعة ميونيخ، ومن اللغات التي درسها هناك إضافةً إلى التعمق بدراسة اللغة الألمانية وآدابها: اللغة اللاتينية، واللغة العبرية واللغة الآرامية. وحصل على شهادات باللغة الألمانية واللغة العبرية، وأخيراً حاز الدكتوراه بتقدير الدرجة العظمى، بعد أن أجيزت أطروحته عن " منهج التحليل اللغوي عند العرب في ضوء شرح السيرافي على كتاب سيبويه" عام 1965م بإشراف أستاذ علم اللغة القارن في جامعة ميونيخ الدكتور أنطون شبيتالر Anton Spitaler .[13]عضو أكاديمية بافاريا للعلوم والإنسانيات ثم نائب رئيسها. 

زواجه وعائلته:

عندما أكتب عن أحد العلماء من الأصدقاء لا بدُّ أن أذكر زوجته، فأنا من المؤمنين بمقولة " وراء كل عظيم امرأة ". فالزوجة الصالحة أحد عوامل نجاح المفكّر والعالم والمبدع. وقد وفَّق الله الدكتور محمود بالزواج سنة  1971 من سيدة رائعة خَلقاً وخُلقاً وعلماً، هي الأستاذة فردوس عبد المنعم منصور الحاصلة على ليسانس الآداب في الآثار المصرية، وشهادات دراسات عليا في المكتبات والوثائق، وهي عضو اتحاد كتّاب مصر، وعضو اتحاد المكتبات، والرئيس السابق والمؤسِّس لمكتبة القاهرة الكبرى، التابعة لوزارة الثقافة المصرية. وقد وفّرت هذه السيدة الرائعة الجوَّ العائلي السعيد الذي ساعد الدكتور محمود على البحث والتأليف وما يتطلَّبه من تضحية من قبل العائلة، كما أسرَّ إليَّ في مناسبات عديدة.

وأحسب أن إخلاص السيدة فردوس لزوجها وقيامها بتوفير المناخ العائلي الذي يمكّنه من الإبداع والعطاء هما نتيجة حبٍّ مزدوج، فهي تحب زوجها حباً جما وتحب المعرفة التي يعشقها وينتجها زوجها في شكل بحوث وكتب تهدف الى تنمية اللغة العربية وثقافتها، فالسيدة متخصِّصة في علوم الكتاب والمكتبات.

وقد منَّ الله عليهما بابنتين ملئتا البيت فرحاً وسعادة، وأحسنت أمهما تربيتهما، وهما:

ـ   رانية حجازي، التي ورثت حب المعرفة من والديها، فحصلت على ماجستير إعلام من الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1995، وعلى دكتوراه في السلوك والقيادة التنظيمية من جامعة لافيرن في الولايات المتحدة الأمريكية.

ـ   مروة حجازي التي حصلت على باكلوريا الثانوية من المدرسة الألمانية بالدقي في القاهرة سنة 1993، وليسانس إعلام من جامعة القاهرة سنة 1997.

 عمله في التدريس:

بعد عودته من ألمانيا، انضمَّ الدكتور محمود فهمي حجازي إلى الهيئة التدريسية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، وتدرَّج في الدرجات الأكاديمية في ضوء الخبرة التدريسية والمؤلَّفات العلمية: مدرِّس 1966، أستاذ مساعد 1972، أستاذ 1978. [14]

وبوصفه أستاذاً، كان الدكتور محمود فهمي حجازي من خيرة الأساتذة لأنَّه عالِم بموضوعه، واضح بأفكاره، منطقي بمنهجيته، محبٌّ لطلابه وعمله. يقول عنه أحد طلابه السابقين الكاتب إيهاب الملاح:

"كانت المرة الأولى التى أدرس فيها أفكارا منظَّمة وواضحة عن اللغة؛ وأدرك معنى وقيمة المنهج العلمى والرؤية الكلية وضرورة فهم الظواهر أو أي موضوع يخضع للدرس وفق طريقة مخصوصة فى البحث، وسياق منظم للدراسة، وترتيب واضح فى تناول المسائل أو الموضوعات المدروسة.. إلخ."[15]

وفي أثناء عمله التدريسي في كلية الآداب بجامعة القاهرة، عُهِد إلى الدكتور محمود بعدة مسؤوليّات إدارية وأكاديمية من أهمها: 

1ـ أستاذ زائر، جامعة آرلنجن، نورنبرغ، ألمانيا، 1969ـ1970، لتدريس اللغة العربية للألمان فيها.

2ـ أستاذ زائر، جامعة الكويت، 1970 ـ 1974، وعملت زوجته في مكتبة الجامعة.

3ـ مستشار، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) بالقاهرة 1969ـ1979، خبير غير متفرغ في تعليم العربية لغير الناطقين بها.

4ـ أستاذ زائر، جامعة قطر في الدوحة 1980ـ1984؛ وعملت زوجته الفاضلة بتطوير مكتبة الجامعة.

5ـ مستشار تحرير، "مجلة الدراسات العربية" التي تصدر في جامعة هايدلبرغ بألمانيا (1981ـ2019) وكان المستشار العربي الوحيد لدى هيئة تحرير المجلة.

6ـ مستشار، المنظَّمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، 1984ـ 1992، لتنمية تعليم اللغة العربية في ماليزيا.

7ـ وكيل كلية الآداب في جامعة القاهرة من (1989ـ1994)، وأميناً لمجلس الدراسات العليا، بالكلية.

8ـ رئيس تحرير مجلة كلية الآداب، خلال مدَّة عمله وكيلاً لكلية الآداب (1989ـ1994)، وقد اضطلع بتطوير المجلَّة فجعل ما يُنشر فيها محكما، وصارت فصلية تصدر أربع مرات في السنة.

9 ـ رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة (1994ـ1997)

وهذه الدار أسسها الخديوي إسماعيل (حكم 1863ـ1879م) بوصفها مكتبة عمومية سنة 1870م/1286هـ. وكان للدكتور حجازي اهتمام خاص بالبرديات المصرية، فأعاد نشر فهرسة البرديات في هذه الدار بعد أن تولّى رئاستها. وتضمَّ هذه الدار الآن أكثر من 60 ألف من نفائس المخطوطات، منها أكثر من 3 آلاف من البرديات العربية تعود إلى القرن الأول حتى الخامس الهجري.

كنتُ آنذاك أعمل مديراً لإدارة الثقافة والاتصال في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) بالرباط. فرأيتُ أن أعقد أحد اجتماعات المنظمة في ضيافة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية المصرية، دعما لصديقي رئيسها الجديد، الدكتور محمود حجازي، من جهة، وحصولاً على أفضل الشروط لصالح منظَّمتي. وقد عُقد هذا الاجتماع باسم (ندوة مديري مراكز المخطوطات في العالم الإسلامي) وحضره أكثر من أربعين مديراً من جميع الدول الأعضاء بالمنظمة في المدة من 26ـ31/5/1966. ويقيناً أن الاجتماع كان أفضل اجتماع عقدته المنظمة في تاريخها، أو كما قال أ.د. حسن دومان ممثل تركيا في الندوة: " هذه أهم ندوة في تاريخ المخطوطات".[16]

ويعود الفضل في ذلك إلى نشاط الدكتور محمود، وخبراته التنظيمية، ومعرفته المعمقة في قضايا المخطوطات والوثائق، وعلاقاته الوثيقة مع كبار رجال الدولة المصرية، وتواصله العلمي مع محقّقي المخطوطات وخبرائها.  وقد انتُخِب في بداية الاجتماع رئيساً للمؤتمر بعد أن قمتُ بترشيحه، طبقا لتقاليد المنظمة في اضطلاع ممثل الدولة المضيفة برئاسة الاجتماع.

وفي الجلسات العلمية للندوة ألقى كلُّ مدير مركز تقريراً عن المخطوطات في بلده، والخطط المتبعة لجمع المخطوطات بالحرف العربي وصيانتها وإصدار التشريعات القانونية لحمايتها، وتدريس علم المخطوطات... إلخ. ثم اختتمت الندوة بإصدار توصياتها، وعملت إدارة الثقافة والاتصال بالإيسيسكو على متابعة تنفيذ تلك التوصيات، مثل تزويد مراكز المخطوطات في الدول الفقيرة بأجهزة صيانة المخطوطات وترميمها، وتدريب العاملين فيها على استعمالها.

وأصدرت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، جريدة يومية باسم "المخطوطات" مدّة ستة أيام وزِّعت كل صباح على أعضاء المؤتمر وفيها أخبار المؤتمر وأنشطته الثقافية والاجتماعية. ونظَّمت الهيئة رحلات يومية لاطلاع المشاركين على أبرز المعالم الثقافية في القاهرة، وما أكثرها. وكذلك اقامت احتفالات حضرها محقِّقو المخطوطات وخبراؤها المصريون للتعارف مع المشاركين في الندوة، والتواصل والتعاون فيما بعد. 

10ـ الرئيس المؤسِّس لجامعة نور مبارك للدراسات الإسلامية، في ألماتا، كازاخستان، في حين تولَّت زوجته الفاضلة تأسيس المكتبة الجامعية وتنظيمها.(2001ـ2014).

11ـ أستاذ زائر في الدراسات العليا لمُدد قصيرة في جامعة بودابست (المجر)، وجامعة أمستردام (هولندا)، وجامعة ليون (فرنسا)، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والجامعة الأمريكية بالقاهرة.

12ـ عضو المجلس العلمي لـ "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" (2013ـ2019). وهو المجلس الذي تتخذ الهيئةُ التنفيذية للمعجم توصياتِه أساساً للمنهجية العلمية التي تتبعها، وقد جُمعت هذه التوصيات في " الدليل المعياري للمعالجة المعجمية والتحرير" الذي أصدرته الهيئة التنفيذية. 

ونجح الدكتور محمود نجاحاً باهراً في جميع هذه المهمات بفضل أخلاقه العالية، وذكائه الفائق، وعلمه الغزير، وشخصيته الجذابة، ودبلوماسيته الرفيعة.  ومن الأمثلة على ذلك أننا عندما بدأنا بالترويج لتعليم اللغة العربية لغير العرب، واختلفنا بتسمية هذا المجال، فبعضنا فضل مصطلح "تعليم العربية لغير الناطقين بها"، ولم يستسغ بعضهم الآخر عبارة "غير الناطقين"، فاستعمل مصطلح " تعليم العربية للناطقين باللغات الأخرى"، ولم يحظَ هذا المصطلح بقبول الجميع. أما الدكتور محمود فأطلق على هذا المجال اسم " تعليم العربية لأبناء اللغات الأخرى". ولم يسعَ إلى فرضه، لأنَّ من أرائه الرصينة في علم المصطلح، وهو من أبرز المشتغلين فيه، أنَّ المصطلح المولَّد لا يُفرَض بقانون أو من قبل سلطة، بل ينتشر بالاستحسان والقبول لدى الجمهور المُستعمِل، فالمصطلح كالسلعة التي يعتمد رواجها على خصائصها الذاتية، وقد يُسهم الإعلان (الإشهار) التجاري قليلاً في رواجها. 

الإشراف على الرسائل الجامعية:

في مشواره التدريسي في الجامعات المختلفة، يفتخر الدكتور محمود فهمي حجازي ـ وهو محقّ بذلك ـ بأنه أشرف على أكثر من 140 رسالة جامعية لدرجات الماستر والدكتوراه في موضوعات مختلفة: علم اللغة، علم اللغة التطبيقي، التراث العربي الإسلامي، مناهج التدريس، وطرائق التدريس. وإذا كانت معظم هذه الرسائل والأطروحات أنجزت بإشرافه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، فإن كثيراً منها قد أُعِدَّ في جامعات مصرية وعربية أخرى، وأحياناً بالإشراف المشترك مع جامعات أوربية. وقد أجرى هؤلاء الباحثون من طلبة الدراسات العليا، أبحاثهم الأكاديمية انطلاقاً في الأساس من دروس الدكتور محمود ودراساته العديدة ومؤلفاته القيمة ومنهجيته البحثية في علم اللغة العربية، بحيث يمكن القول إنهم شكَّلوا مدرسةً لغويةً معاصرة متميزةً.

وفي الثمانينيات من القرن الماضي، وقبل أن يُنتخَب عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وقبل أن يعلن اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية، بعقدَين كاملَين من الزمن، عن إحياء اهتمامه بتصنيفِ معجمٍ تاريخيٍّ للغة العربية، أخبرني الدكتور محمود ذات مرَّة أنَّه يشجّع طلابه في الدراسات العليا على البحث في المصطلحات اللغوية وكيف تتغير معانيها واستعمالاتها عبر عصور اللغة المتعاقبة؛ مثلاً المصطلحات الجغرافية في الشعر الجاهلي، ثم نفس المصطلحات في عصر صدر الإسلام (الخلفاء الراشدين والخلفاء الامويين) وتطور تلك المصطلحات ومفاهيمها وتغيّرها بمرور الزمن، والقوانين والأسباب اللسانية والاجتماعية والمناخية وغيرها التي تحكَّمت في ذلك التغيُّر والتطوُّر؛ من أجل توفير المادَّة اللازمة لتصنيف معجم تاريخي للغة العربية في المستقبل.

 مؤلَّفات الدكتور محمود فهمي حجازي

أ ـ الكتب:

سأتناول هذه المؤلَّفات في دراسة مستقلة لاحقا؛ ولكني سأذكر عناوينها هنا وتاريخ صدور الطبعة الأولى:

المعجم الألماني العربي، بالاشتراك (فايسبادن، 1974)[17]

اللغة العربية عبر القرون (القاهرة، 1968)

علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة (القاهرة، 1970)

علم اللغة العربية: مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية ( الكويت، 1973)

مدخل إلى علم اللغة (القاهرة، 1975).

فؤاد سيزكين. تاريخ التراث العربي، ترجمة د. محمود حجازي (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1441 هـ/ 1991م). اضطلع الدكتور محمود بترجمة عدة مجلدات من الكتاب.

الأسس اللغوية لعلم المصطلح ( القاهرة، 1993)

كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ترجمة نخبة من العلماء وأشرف على الترجمة: محمود فهمي حجازي (القاهرة: الألكسو/الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993).

البحث اللغوي (القاهرة، 1993)

أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي (الكويت/القاهرة، 1995)

اللغة العربية في العصر الحديث (القاهرة، 1997)

طه حسين: حياته وفكره (القاهرة، 1998)

أصول علم اللغة (القاهرة، 1998)

حوار الثقافات: عن المؤلفات الألمانية عن التراث العربي الحديث، وعن الدراسات الألمانية في البلاد العربية، بمناسبة معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، 2004.

اتجاهات السياسة اللغوية (الرياض، 2015). 

ب ـ الدراسات والمقالات:

إنَّ الدراسات والمقالات التي كتبها الدكتور محمود ونشرها في الصحف والمجلات أو ألقاها في المنابر الإذاعية والتلفزية، لا تقلَّ أهمية عن الكتب التي ألّفها، لا لأن هذه الدراسات والمقالات تُعَدُّ بالمئات، بل لأنها كذلك تتناول قضايا ذات أهمية بالغة، وتمَّت صياغة بإيجاز غير مُخلٍّ. ولكي أوضّح هذه النقطة، أروي الطرفة التالية:

عندما كان الدكتور محمود رئيساً لجامعة الدراسات الإسلامية في ألماتي، كازخستان[18] (2001ـ2013)، واظب على حضور مؤتمرات مجمع اللغة العربية السنوية بالقاهرة التي تعقد عادة مدّة أسبوعَين في أواخر شهر مارس.. وكانت هذه المؤتمرات تشتمل على جلسة مغلقة في الصباح، وعند الظهر جلسة مفتوحة يلقي بعض الأعضاء بحوثاً سبق أن أعدوها. ولم يكن تحصيل الدكتور محمود في ألماتي يقتصر على تعلُّم اللغتين الكازاخية والروسية، بل كذلك بعض التقاليد العلمية. وكان الوقتُ المخصص في مجمع القاهرة لكل باحث لإلقاء بحثه ساعةً كاملة تعقبها نصف ساعة للمناقشة. وكنا نحرص على استنفاد الساعة المخصصة لنا لتقديم بحوثنا، ولكننا فوجئنا بأن الدكتور محمود فهمي حجازي قدَّم بحثه في عشر دقائق فقط. طبعاً سألناه في بداية المناقشة عن السر في ذلك. فشرح لنا أنها عادة أكاديمية روسية، فالباحث يقدّم الجديد في بحثه، فما الفائدة في تقديم معلومات معروفة لدى الحاضرين، ومن أراد المزيد يمكنه التواصل مع المحاضر أو الاطلاع عليه في المراجع.

 الجوائز والأوسمة وأوجه التكريم الأخرى:

خلال رحلة الدكتور محمود فهمي حجازي العلمية، لفتت منجزاته أنظار العلماء وأصحاب الشأن فكرّموه بأرفع وسائل التكريم ومنها:

عضوية اتحاد كتاب مصر (منذ 1985)

عضوية المجمع العلمي المصري بالقاهرة (منذ 1995).

عضوية مجمع اللغة العربية بدمشق (منذ 1995).

وسام الاستحقاق الألماني الاتحادي من الطبقة الأولى (1997)

(Verdienstorden der Bundesrepublik Deutschland Bundesverdienstkreuz

عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة (منذ 1999). وفي هذا المجمع تولّى الدكتور محمود رئاسة لجنتَين هامتَين إحداهما لجنة من كبار أعضاء المجمع لتأليف قسم من " المعجم الكبير " الذي يعمل على إعداده المجمع منذ عقود من الزمن، والأخرى رئاسة لجنة اللهجات والبحوث في المجمع.

الجائزة التقديرية لجامعة القاهرة في العلوم الإنسانية (1998).

دكتوراه فخرية من جامعة العلاقات الدولية واللغات العالمية، ألماتي، جمهورية كازخستان (2004 )

وسام من رئيس جمهورية كازخستان (2013).

جائزة الملك فيصل للغة العربية وآدابها (2019 ).

 جهود الدكتور محمود فهمي حجازي في نشر اللغة العربية في العالم

مما قدَّمتُه من معلومات حول دراسات الدكتور محمود فهمي حجازي، واللغات التي تعلّمها، والبحوث اللغوية التي أجراها، والخبرات الميدانية التي اكتسبها؛ يمكننا القول بكل ثقة إن الرجل كان مؤهَّلاً لمهمة كبرى هي نشر اللغة العربية في العالم. بيدَ أن المجال لا يتسع للحديث عن جميع جهوده في ذلك. ولهذا سأقتصر على الحديث بإيجاز عن ثلاث قضايا فقط هي:

أ ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) وخبيرها الدكتور حجازي وتأسيس معهد الخرطوم الدولي للغة العربية.

ب ـ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإسيسكو) وخبيرها الدكتور حجازي، ومناهج تعليم اللغة العربية في ماليزيا.

ج ـ جامعة نور مبارك للدراسات الإسلامية، ورئيسها المؤسِّس الدكتور حجازي ونشر اللغة العربية في آسيا الوسطى. 

وهذه بعض المعلومات عن كل نشاط من هذه الأنشطة:

أ ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، وخبيرها الدكتور حجازي وتأسيس معهد الخرطوم الدولي للغة العربية:

أثناء عمله أستاذاً، أشتغل الدكتور محمود فهمي حجازي خبيراً في الإدارة العامة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) خلال سنوات السبعينيات من القرن العشرين. ولم يكن ثمة خبيرٌ باللغة العربية آخر غيره في الإدارة العامة.  بدأت علاقته بالمنظمة أيام مديرها العام الأول المصري الدكتور عبد العزيز السيد (1970ـ1975) وتوطدت هذه العلاقة أثناء تولّي السوداني الدكتور محي الدين صابر الإدارة العامة للألكسو سنة 1976، وانتهت علاقة حجازي بهذه المنظمة سنة 1979، بعد انتقال الإدارة العامة من القاهرة إلى تونس. بيد أن جميع ما فعله الدكتور محي الدين صابر في خدمة اللغة العربية ونشرها في العالم حتى نهاية عهدته مديراً عاماً للألكسو سنة 1988، كان من مبادرات وتخطيط الدكتور محمود فهمي حجازي، فقد كانت العلاقة وثيقة بين الرجلَين، والثقة مكينة، والاهداف واحدة. وفيما يأتي أهم المشروعات التي خطط لها الدكتور حجازي في الألكسو: 

1ـ مشروع النهوض بتعليم اللغة العربية في باكستان (1975).

كان هذا المشروع بطلبٍ من حكومة باكستان التي كانت ترغب دوماً منذ استقلال باكستان سنة 1947 في تعميم تعليم اللغة العربية واستعمالها لغة وطنية بدلا من الإنجليزية وذلك بسبب تعدد اللغات الوطنية التي يربو عددها على ستين لغة في باكستان. ونظراً لعدم تمكن البلدان العربية آنذاك من مساعدة باكستان في تحقيق رغبتها، اضطرت حكومتها إلى الإبقاء على اللغة الإنجليزية في دوائر الدولة وإضافة اللغة الأوردية إليها بوصفهما لغتَين رسميتَين. وتعدُّ اللغة الأوردية لغة مشتركة للمسلمين في الهند وباكستان لاحتوائها على نسبة كبيرة من المفردات والتراكيب العربية، ولكن لا يتكلمها بوصفها لغة أمّ سوى 7 بالمئة من السكان. وأغلبية الأطفال الباكستانيِّين يبدؤون بتعلم القرآن الكريم في صغرهم.[19]

وهكذا بقي تعلم لغة القرآن الكريم واستعمالها رغبة مكبوتة في نفوس المسلمين في باكستان. وقد تُوّجت هذه الرغبة بقانون 2020 الذي أقرّه مجلس الشيوخ الباكستاني والقاضي بإلزامية تعليم اللغة العربية في جميع سنوات التعليم العام من السنة الأولى الابتدائية إلى السنة الثانية عشرة الثانوية.[20]

2ـ معهد الخرطوم الدولي لتعليم اللغة العربية:

كان الدكتور محيي الدين صابر وزيراً للتربية في السودان (1969ـ1972)، وتأكَّد له أنه لا بد من تطوير تعليم اللغة العربية في السودان للاستجابة لاحتياجات السودانيين ممن لغتهم الأم ليست العربية. فتقدمت الحكومة السودانية بمذكرة إلى مؤتمر وزراء التربية العرب سنة 1972 تدعوهم إلى إنشاء مركزٍ لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. وافق المؤتمر على الطلب، وتبنت الألكسو المشروع سنة 1973، وافتتح المركز في الخرطوم وبدأت الدراسة فيه بتاريخ 15/10/1974. وعندما أصبح الدكتور محي الدين صابر مديراً عاماً للألسكو سنة 1976، عهد الى الدكتور محمود فهمي حجازي خبير المنظمة بتطوير المركز. فاضطلع الدكتور محمود بوضع خطة شاملة للمركز تقضي بتحويله إلى معهد دولي لإعداد المسؤولين عن إعداد معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها، أو ما يسميه الفرنسيون بـ "تكوين المكوِّنين"، مستفيداً بذلك من معاهد إعداد المعلمين للغة الفرنسية بوصفها لغة أجنبية، وكذلك من تخطيط معاهد غوته الألمانية التي تتَّخذ إدارتها العامَّة مقرها في مدينة ميونيخ، حيث درس الدكتور محمود.

وهكذا أصبح " معهد الخرطوم الدولي للغة العربية" بالإضافة إلى تعليم العربية لغير الناطقين بها، يقبل الخريجين الجامعيين المتخصّصين باللغة العربية من جميع أنحاء العالم، من أقصى الصين وإندونيسيا إلى أدنى السنغال وجنوب إفريقيا، لإعدادهم إعداداً خاصاً يمكّنهم من تطوير تعليم العربية وإعداد أساتذتها وتدريبهم في بلدانهم. وقد بذل الدكتور محمود جهوداً فكرية جبارة في إنجاز ذلك وسافر إلى الخرطوم عدّة مرّات لتدريب أساتذة المعهد أنفسهم. وقد تطوَّرت برامج هذا المعهد، فأصبح يمنح البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه، وأنواعاً متعدّدة من الدورات التدريبية والشهادات بما في ذلك دبلوم دورات تعليم العربية للدبلوماسيين غير العرب.[21] 

3ـ إنشاء صندوق تنمية الثقافة العربية في الخارج:

تقدّم الدكتور محمود فهمي حجازي، بوصفه الخبير اللغوي في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) بالقاهرة، بالخطوط العريضة لفكرة إنشاء صندوق تنمية الثقافة العربية في الخارج، للدكتور محي الدين صابر الذي تولى منصب المدير العام للمنظمة في مطلع سنة 1976، ونال موافقته لإعداد المشروع. فاشتغل عليه، مع أشغال أخرى، وأمضى سنتين تقريباً في استكمال المشروع: أهداف الصندوق، هيكلته، مجالات عمله، أماكن العمل، موارده، إلخ. وانتهى من إعداد المشروع وتقديمه للمدير العام أواخر سنة 1978. وكان المشروع يركِّز على نشر اللغة العربية، بوصفها جوهر الثقافة العربية ووسيلتها، في الدول الأخرى، خارج الدول العربية الأعضاء في المنظمة. والدول المستفيدة هي جميع الدول غير العربية، وذلك لنشر اللغة العربية بين سكانها بمَن فيهم الجاليات العربية المهاجرة.

في 19/11/1977 قام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة إسرائيل وإلقاء خطاب في الكنيست الإسرائيلي من أجل السلام بين مصر وإسرائيل. رحّبت إسرائيل بذلك لإخراج مصر من معادلة الصراع الإسرائيلي ـ العربي.

في 17/9/1978، وقَّع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل باستراحة الرئيس الأمريكي في كامب ديفيد بحضور الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

في 2ـ5 /11/ 1978، اجتمعت الدول العربية، ما عدا عُمان والسودان والصومال، في بغداد وقرّرت مقاطعة مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس.

في مطلع سنة 1979 انتقلت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم من القاهرة إلى تونس ممثلة في شخص مديرها العام محي الدين صابر ومعه حوالي 12 موظفاً من غير المصريين. أمّا الموظَّفون المصريون الذين يبلغ عددهم حوالي ثلاث مئة موظف فبقوا في القاهرة.

كنتُ أعمل خبيراً في مكتب تنسيق التعريب بالرباط التابع للألكسو آنذاك. وكانت الألكسو في القاهرة قد تلقت طلباً لترشيح أثنين من كبار الأساتذة العرب للتدريس في "الدورة الصيفية الرابعة للسانيات" التي ستعقد في " معهد أبو رقيبة للغات الحية " الواقع في شارع الحرية بتونس العاصمة، طوال شهر تموز/ يوليو 1979، وهي دورة مصمَّمة لتدريب نخبة من طلبة الدكتوراه من جميع البلدان العربية. وشارك في تدريبهم اثنان من الأساتذة الأمريكان، واثنان من الفرنسيين، واثنان من البريطانيين واثنان من العرب.  وقد رشحت الألكسو أستاذين للتدريس في تلك الدورة هما خبيرها في مقرها بالقاهرة وخبيرها في مكتبها بالرباط، أي الدكتور محمود فهمي حجازي وأنا، علي القاسمي. وأحسب أنَّ الدكتور محمود هو الذي اقترح الاسمين على المدير العام.

كنتُ خلال العام الدراسي 1978ـ1979 أعمل في الصباح في مكتب تنسيق التعريب بالرباط، وأدرس مساءً اللغة الألمانية في معهد غوته بالرباط. وحصلتُ على منحة من المعهد لدراسة اللغة الألمانية في معهد غوته في بلدة (روتنبرغ أوب در تاوبر)[22] في ألمانيا خلال شهر آب/ غشت.َ

وهكذا عندما سافرت إلى تونس للتدريس في الدورة الصيفية للسانيات، قمتُ في اليوم الأول بزيارة الدكتور محي الدين صابر المدير العام للألكسو الذي اكترى مقراً مؤقتا يقع خلف فندق إفريقيا في شارع أبو رقيبة بتونس العاصمة. ووجدت معه 12 موظفاً من موظفي الألكسو الذين جاءوا معه من القاهرة، وهم من غير المصريين. أما بقية الموظفين من المصريين فقد بقوا بالقاهرة. وكان الدكتور صابر وموظفوه منهمكين في العمل لأنهم كانوا يحضّرون لعقد الدورة الخامسة للمؤتمر العام للمنظمة في تونس في المدّة من 24ـ29/12/1979 لإقرار برامج المنظمة المقبلة. وهكذا وجدتُ نفسي أعود إليهم كل يوم بعد أن أنهي حصصي التدريسية في الدورة الصيفية لأساعدهم في إعداد الوثائق اللازمة للمؤتمر. فكان الدكتور محي الدين صابر يخبرني بنوع الوثيقة المطلوبة، فأعدّ مسودتها، وأعرضها عليه للموافقة، ثم أقوم برقنها على الآلة الكاتبة على ورق الاستنساخ (الاستنسل)، وسحب النسخ بالعدد المطلوب منها على جهاز الاستنساخ، ثم أضع كل نسخة في ظرف وأكتب العنوان عليه، ثم أحمل الظروف إلى البريد في الشارع نفسه، لإرسالها. وكنا جميعاً نعمل طوال النهار وطرفاً من الليل.

وعلى الرغم من العلاقة الشخصية الحميمة بين الدكتور محي الدين صابر والدكتور محمود فهمي حجازي، فإن الأخير لم يلتقِ بالأول في تونس. فقد اعتبر أن علاقته بالمنظمة قد انتهت بانتقالها من القاهرة ومقاطعتها مصر. فالدكتور محمود فهمي حجازي مصري عروبي، ولكنه مصريّ أولاً. أضف إلى ذلك أن الدكتور محمود صحب عائلته معه إلى تونس. فهو يحرص دائماً على إعطاء عائلته الوقت المستحق لها. فإذا اضطلع بمهمات تدريسية أو علمية خلال العطلة الدراسية الصيفية فإنه يصحب عائلته (زوجته وكريمتيه) معه، على نفقته الخاصة، لتمضية وقت الراحة معهن والاستمتاع برفقتهن. وهذا ما فعله، مثلاً، في الدورة العالمية الرابعة للسانيات في تونس (كامل شهر تموز/يوليو 1979)، والدورة التدريبية لمفتشي اللغة العربية ومدرسيها في ماليزيا (كامل شهر تموز/ يوليو 1984). فقد كان الدكتور حجازي رجل العلم والمعرفة، وهو في الوقت نفسه رجل الأخلاق والمبادئ والإنصاف.

وفي أثناء عملي مع الدكتور صابر في تونس ورضاه عن نشاطي، فقد أسرَّ لي ذات مرة أنه يأمل أن يكون صندوق نشر الثقافة العربية في الخارج، أهم أجهزة الثقافة العربية في الألكسو بعد أن يوافق عليه مؤتمر المنظمة، وأنه ينوي أن  ينقلني من مكتب تنسيق التعريب بالرباط إلى مقر المنظمة في تونس لأتولى إدارة الصندوق، لا سيما أنني بدأت أحد الأنشطة التي هي في صلب عمل هذا الصندوق عندما التحقتُ بمكتب تنسيق التعريب، وهو تصنيف معجم عربي ـ عربي لغير الناطقين بالعربية هو " المعجم العربي الأساسي".[23] وطلب مني أن  أقوم بزيارة الإدارة العامة لمعاهد غوته لتعليم اللغة الألمانية في ميونيخ، حينما أذهب إلى ألمانيا لدراسة الألمانية في شهر آب/ أغسطس والتعرف على أنشطتها، وبعث بخطاب إلى مديرها العام بذلك. وفعلا رتبت لي الإدارة العامة في ميونيخ زيارة مدتها يومان اطلعتُ فيها على اقسامها الرئيسة: إعداد المعلمين، تأليف المناهج التعليمية، إنتاج الوسائل السمعية البصرية، إلخ. وحملتُ معي وثائق عديدة تتعلق بأنشطة معاهد غوته.

وافق المؤتمر العام للمنظمة في كانون الأول/ ديسمير 1979، وهو أول مؤتمراتها الذي انعقد في تونس، على مشروع صندوق تنمية الثقافة العربية في الخارج الذي أعدّه الدكتور محمود فهمي حجازي،[24]مع تفويض المجلس التنفيذي للمنظمة بمتابعة التفاصيل.[25] وحصل تغيير طفيف في المشروع وهو تسميته بـ " جهاز التعاون الدولي لتنمية الثقافة العربية الإسلامية". وفي أواخر تلك السنة وصلت إلى مدير مكتب تنسيق التعريب بالرباط، العلّامة عبد العزيز بنعبدالله، برقية تلكس من المدير العام للمنظمة تنصُّ على نقل علي القاسمي من مكتب تنسيق التعريب بالرباط إلى مقر المنظمة بتونس. ولكني لم أكن مستعداً للانتقال لعدة أسباب، منها أن ولدي حيدر التحق السنة الفائتة بالمدرسة العراقية الابتدائية في الرباط كما بدأ دراسته في السنة السادسة ذلك العام الدراسي، ومنها أنني أحببتُ المغربَ وأهله ونسجت وشائج صداقة مع كثير من أعلام الثقافة فيه، ومنها أنني استشرتُ، العلامة عبد العزيز بنعبدالله مدير مكتب تنسيق التعريب، الذي أثق في حكمته ونزاهته، فقال لي ثلاث كلمات: " ستكون أسعد بالمغرب".

ولهذا توليتُ الإجابة على برقية التلكس بنفسي بدلا من مدير المكتب، لأعتذر فيها عن عدم استطاعتي الانتقال لأنه لا توجد مدرسة عراقية لابني في تونس.  وأعترف الآن أنني أخطأتُ عندما وافقت على اقتراح المدير العام وجهاً لوجه في تونس خلال شهر تموز/ يوليو. ولم يكن صديقي الدكتور محمود فهمي حجازي موجوداً في المنظمة ليصلح ذات البين. وشعرتُ بأن علاقتي ساءت بالمدير العام الذي كان محقّاً في غضبه عليَّ. وأخيراً أدّت تلك العلاقة السيئة إلى استقالتي من الألكسو، والتحاقي بالمنظَّمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو). 

الدكتور محمود فهمي حجازي وعمله مستشارا للإيسيكو:

بدأت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) عملها في مقرِّها بالرباط في شهر مايو 1982. وكنتُ من أوائل العاملين فيها. وفي بداية العمل كان عددنا خمسة أشخاص مع ثلاث كاتبات وفرّاش/ شاووش، وسائق. وهؤلاء الأشخاص هم: المدير العام، العلامة الدكتور عبد الهادي بوطالب[26]، ومدير ديوانه الأديب المغربي مصطفى القصري[27]، والمسؤول الإداري أبو بكر الصقلي، والأستاذ الجامعي محمد الفاسي الفهري، وأنا.

عمل الدكتور محمود فهمي حجازي مستشاراً للإيسيسكو في المدة من 1984ـ1991. واضطلع بثلاث مهمام بارزة: 

1ـ إدارة الدورة التدريبية لمفتشي ومدرسي اللغة العربية في ماليزيا:

اختار المدير العام للمنظمة، الدكتور عبد الهادي بوطالب، إقامة أول دورة تدريبية للمنظمة في ماليزيا، ربّما لأن هذه الدولة كانت مترددة في الانخراط في الإيسيسكو. وعهد بالتنفيذ إليَّ وطلب مني أن أشرف على الدورة طوال انعقادها مدة شهر. وبعد التواصل مع الحكومة الماليزية، تم الاتفاق على عقد الدورة التدريبية لمدة شهر خلال صيف 1984، ويشارك فيها 100 من مفتشي اللغة العربية ومدرسيها في ماليزيا. واختارت وزارة التربية الماليزية بلدة (نيلم بوري) في ولاية كلنتان الواقعة في الشمال الشرقي من دولة ماليزيا على الحدود مع تايلند والمطلَّة على بحر الصين الجنوبي.

وصلتُ العاصمة كوالا لامبور قبل ثلاثة أيام من بدء الدورة التدريبية، لمقابلة وزير التربية الوطنية الطبيب الدكتور داوود سليمان، ووزير الثقافة أنور إبراهيم. وكان الوزير أنور إبراهيم، من قبل، رئيس منظمة الشباب الإسلامي الماليزية، وزعيما في المعارضة، وقد سُجن مدة سنتين في السبعينيات بدون محاكمة لقيادته مظاهرة حاشدة ضد الفقر والتهميش، وبعد أن أُطلق سراحه، زادت شعبيته. وهنا أرسل إليه رئيس الوزراء محمد مُحاضِر، وهو رئيس الحزب الحاكم وأخبره بأنه يرى أن رئيس الوزراء المقبل ينبغي أن يكون أنور إبراهيم، لأنه يتمتع بالذكاء والنزاهة والشخصية اللازمة لهذا المنصب، ولكي يتحقّق ذلك لا بد أن ينخرط أنور إبراهيم في الحزب الحاكم، وسيدربه مهاتر في دواليب الدولة، ويعينه وزيراً في مختلف الوزارات، لا سيما وزارة التربية التي تقتضي التقاليد الحكومية في ماليزيا أن يكون رئيس الوزراء قد خدم وزيراً للتربية من قبل. وهذا ما كان.

وعندما قابلتُ أنور إبراهيم، الذي كان وزيراً للثقافة، شعرتُ أنه صديقي منذ مدة طويلة وأنا لم ألتقِ به من قبل. فقد كانت له شخصية جذّابة تجعلك تشعر بأنه أخوك المخلص الصادق. وعلى الرغم من أن وقت العمل قد انتهى الساعة السادسة مساء، فإن الوزير أعطاني كتاباً عن ماليزيا لأقرأه حتى ينهي جميع أعماله ذلك اليوم ثم يصحبني معه إلى منزله لتناول طعام العشاء معه ومع عائلته.

أسرَّ إليّ أنور إبراهيم الذي كان محباًّ كبيراً لرئيس الوزراء الدكتور محمد مُحاضِر ومعجباً شديدَ الأعجاب به، أن محاضر تولى رئاسة الوزارة سنة 1981 بوصفه رئيس الحزب الأكثر شعبية في البلاد، المنظمة الوطنية الملاوية المتحدة؛ وأنه أخبر وزراءَه من أعضاء حزبه، أنه سيحوِّل ماليزيا من بلد زراعي فقير، إلى بلد صناعي غني، خلال عشرين عاماً فقط وأنه سيعتزل السياسة بعد ذلك. (وفعلا حقق ما يريد، وتخلى عن الحكم سنة 2003)؛ وأنه أخبرهم أن العرب يحبونهم وهم يحبون العرب، ولكن ينبغي لماليزيا ألا تنضمّ إلى منظماتهم الدولية، لأنهم سيغرقون في المشاكل بين العرب، ونصحهم بأن ينظروا إلى الشرق للتعاون، وقصد اليابان. ولكن أنور إبراهيم أضاف أن الإيسيسكو هي الاستثناء الوحيد من منظمات العرب، لأن ماليزيا تريدها أن تعلّم الماليزيين اللغة العربية، وأن ماليزيا لا تريد أي مساعدة مالية، بل تدفع جميع ما يلزم من مال لتعلّم اللغة العربية.

وفي ذلك اليوم اتصل الدكتور داوود سليمان، وزير التربية بأنور إبراهيم وزير الثقافة، يرجوه أن يتولى افتتاح الدورة التدريبية في بلدة نيلم بوري، لأن أنور إبراهيم خطيب مفوّه باللغتين الماليزية (البهاسا) وبالإنجليزية، وهو يطعّم خطبه بآيات من القرآن الكريم، ويترجمتها الى اللغة الماليزية، ما يجعله أكثر قبولاً لساكنة تلك الولاية المعروفين بتديّنهم خصوصاً، وللماليزيين عموماً.

توجّهتُ مع مَن وصل من أساتذة الدورة التدريبية بطائرة واحدة من كوالا لامبور إلى نيلم بوري في ولاية كلنتان، فوجدتُ بعض المسؤولين في انتظارنا بالمطار، وصحبونا إلى أفضل فندق في نيلم بوري وأخبرونا بأنهم حجزوا للأساتذة في هذا الفندق المريح على حساب الوزارة الماليزية. فسألتهم:

ـ وأين يسكن المتدربون؟

ـ في القسم الداخلي للمعهد الإسلامي حيث تقام الدورة.

فقلتُ: إن أساتذة الدورة يودّون أن يقيموا في القسم الداخلي نفسه، ويتناولون وجباتهم اليومية مع المتدربين الماليزيين، ويمضون السهرات الليلة معهم في مشاهدة أفلام الفيديو العربية، ويقيمون صلواتهم الخمس معهم.

وفي الحال، فهم الدكتور محمود فهمي حجازي المقصود من كلامي، وأيدني بشدة، ما جعل المسؤولين الماليزيين يصحبوننا إلى القسم الداخلي . وفي المطعم، طلبت ترتيب موائد الطعام بشكل تستوعب فيه كل مائدة 11 شخصاً: عشرة من المتدربين الماليزيين، وأستاذا عربيا من المدرِّبين، لتكون المحادثة أثناء تناول الطعام بالعربية. وكانت الدراسة تتكون من ست ساعات يومياً، مع لقاء لمشاهدة الأفلام العربية بعد العشاء ومناقشتها بعد انتهاء كل فيلم. وكنتُ قد اخترتُ الدكتور حجازي مديراً لتلك الدورة التدريبية.

لقد كانت دورة تدريبية مكثَّفة ناجحة بفضل إدارة الدكتور محمود فهمي حجازي، وتخصصه في الموضوع.

وفي اثناء هذه الدورة التدريبية كنا ـ الدكتور محمود وأنا ـ نلتقي بانتظام لتدارس مسألة تأليف مناهج تعليم اللغة العربية في المدارس الماليزية وكتبها المدرسية. مستعينين بدراساتنا وخبراتنا السابقة في هذا المجال هو عند دراسته وتدريسه العربية في ألمانيا، وأنا في دراستي وتدريسي العربية في الولايات المتحدة الأمريكية[28]. واتفقنا على الأسس اللازمة لذلك. 

2ـ تأليف كتب تعليم اللغة العربية للمدارس الماليزية:

كانت أهم المبادئ التي اتفقنا عليها في تأليف تلك الكتب كما يلي:

1ـ أن يضطلع بتأليف الكتب المدرسية لتعليم اللغة العربية في المدارس الماليزية أساتذة ماليزيون، يختارهم الدكتور فهمي حجازي ويدرّبهم على أصول التأليف، وأن تُكتب أسماؤهم على أغلفة الكتب.

2 ـ أن تكون لكل سنة دراسية ثلاثة كتب: كتاب الطالب، كتاب المدرّس، كتاب التمارين.

3 ـ أن يكون كتاب الطالب مدعَّماً بوسائل الإيضاح اللازمة: الرسوم والصور والأشرطة الصوتية. (لم تكن الشابكة قد استُعملت في التعليم عن بُعد).

4 ـ أن يمكِّن محتوى الكتاب الطالبَ من استيعاب الحضارة العربية الإسلامية والتعبير عنها، وفي الوقت نفسه استيعاب الثقافة الماليزية والتعبير عنها.

5 ـ وهذا يستلزم أن يكتسب الطالب المهارات الأربع: الفهم (فهم المسموع، وفهم المقروء) والتعبير (التعبير تحدُّثاً، والتعبير كتابة).

6 ـ اعتماد الطريقة التواصلية والاستعانة ببقية الطرائق كذلك (وكانت الطريقة التواصلية أحدث الطرائق آنذاك).

 تولّى أنور إبراهيم حقيبة وزارة التربية في ماليزيا في المدة من 1986ـ 1991. وتعدّ وزارة التربية أهم وزارة في خطة التنمية البشرية التي كانت ماليزيا تتبناها، فالتعليم هو أساس التقدّم. وأحد الشروط الواجب توافرها في مَن يتولى رئاسة الوزراء أن يكون قد تقلّد منصب وزارة التربية. فالدكتور محمد مُحاضِر، رئيس الوزراء آنذاك، ونائبه موسى هيثم[29]، كانا قد توليا منصب وزير التربية من قبل، وكذلك عبد الله أحمد بدوي[30] الذي تولى رئاسة الوزارة عندما تركها الدكتور محمد مُحاضِر سنة 2003، كان وزيراً للتربية. وعلى الرغم من أن جميع الوزراء الماليزيين متحمِّسين لتعليم اللغة العربية في مدارسهم، فإن أنور إبراهيم كان أكثرهم حماساً، فهو خطيب مفوّه بلغة البهاسا (لغة ماليزيا وإندونيسيا، التي نال شهادة الماجستير بآدابها)، ويستعمل كثيراً من الاستشهادات بالعربية من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في خطبه. وأحسب أنه حفظ القرآن الكريم أو قسما كبيراً منه قبل أن يلتحق بالمدارس الحديثة. وكانت خطبه تسهم في شعبيته السياسية وشعبية الحزب الذي ينتمي إليه.

في صيف 1986، عقدت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) دورةً تدريبيةً ثانية في ماليزيا لمفتشي ومدرسي اللغة العربية. وطبعاً أخترتُ صديقي الدكتور محمود فهمي حجازي على رأس الأساتذة الجامعيين الأحد عشر الذين اضطلعوا بالتدريب. ولكن لم يتولَّ هذه المرة أية مسؤوليات إدارية فقد كانت مهمته اختيار فريق المؤلِّفين الماليزيين وتدريبهم على تأليف الكتب المدرسية باللغة العربية. وإذا كانت الدورة قد انتهت بعد شهر واحد فقط، فإن الدكتور حجازي أمضى شهراً ونصف. وبدأ فريق المؤلِّفين الماليزيين بتأليف الكتب ذلك العام بإشرافه وتوجيهه. وكان وزير التربية الماليزي أنور إبراهيم حريصاً على الانتهاء من تأليف الكتب في أسرع وقت ممكن والبدء باستعمالها في المدارس. ولهذا لمّا أصبح الدكتور محمود فهمي حجازي وكيل كلية الآداب بجامعة القاهرة، وحالت مسؤولياته الإدارية دون سفره إلى ماليزيا، أخذ الوزير أنور إبراهيم بإرسال فريق المؤلفين الماليزيين إلى القاهرة للاجتماع مع الدكتور حجازي. إضافة إلى ذلك، لم يطلب الدكتور محمود حجازي من الإيسيسكو طوال تلك المدة مكافآت عن عمله في تأليف الكتب أو مقابلاً لرحلاته إلى ماليزيا للاجتماع بفريق المؤلِّفين. فتأكّد لي أن وزارة التربية الماليزية قامت بذلك، وفهمت كلام أنور إبراهيم: " إن ماليزيا ستدفع ما يلزم من مال لتعلّم اللغة العربية."

وفعلاً أنتهى تأليف الكتب قبل أن يتحوّل أنور إبراهيم من وزارة التربية الى وزارة المالية سنة 1991. وعندما وصلتني الكتب، قرأت المقدمة التي كتبها مدير التعليم العربي في وزارة التربية الماليزية، وشعرتُ بالخجل، لأنه وجّه الشكر ليّ، في حين أن صاحب الفضل في تأليف هذه الكتب، هو الدكتور محمود فهمي حجازي وفريق المؤلفين الماليزيين. وبعد عشر سنوات تقريباً من تركي العمل في الإيسيسكو، التقيتُ بأحد المشاركين في ندوة عُقدِت في مدينة مراكش وهو أستاذ جامعي ماليزي يعمل في الجامعة الإسلامية بكوالالمبور وسألته عن تلك الكتب، فدُهِش لسؤالي عن كُتب مدرسية تمَّ تأليفها قبل خمسة عشر عاماً، لأنَّ ماليزيا تغيّر مناهجها المدرسية كلَّ ثلاثة أعوام تقريباً، فالعلم في تطوّر والمعرفة في تغيّر، وكلُّ شيءٍ يتغيّر!!!

 ج ـ جامعة نور مبارك الإسلامية في ألماتي في كازاخستان:

في أثناء زيارة نور سلطان باييف، رئيس جمهورية كازخستان[31]، لمصر سنة 1993، تمَّ الاتفاق بين الحكومتين على بناء جامعة إسلامية في كازخستان. وأُنجِزت المرحلة الأولى من البناء الذي اضطلعت به شركة المقاولين العرب المصرية، سنة 2000. وبعد تجهيز الجامعة فتحت أبوابها للطلاب سنة 2003، واضطلع الدكتور محمود فهمي حجازي برئاسة الجامعة حتى 2014، وأُسند إنشاء مكتبة الجامعة إلى زوجته المكتبية الماهرة الأستاذة فردوس، فالمكتبة هي قلب أية جامعة حديثة. أما بعد الدكتور حجازي ورئاسته التي دامت أحد عشر سنة،  فإن رؤساء هذه الجامعة يُرسلون من مصر لمدة أربع سنوات فقط.

وقد حدّثني الدكتور محمود حجازي عن الكيفية التي استطاع أن يقنع بها الرئيسين الكازاخستاني والمصري على تحمل نفقات إنشاء جامعة إسلامية وتسييرها. فقد حدَّث الرئيس الكازخستاني أثناء زيارته لمصر، عن العلاقات الوطيدة القديمة بين المسلمين التي لعبت كازخستان دوراً هاماً في إرساء العلم والحرية في البلدان العربية، وفصّل في شخصيتين كازاخستانيتَي الأصل هما: الفارابي والظاهر بيبرس.

ولد مؤسس الفلسفة الإسلامية أبو نصر محمد الفارابي (260ـ339هـ) في مدينة فاراب (في كازاخستان اليوم)، وتعلَّم في بغداد فبرز في علوم عديدة كالطب، والفلسفة، والفيزياء، الموسيقى، وصار أحد كبار الفلاسفة المشرفين على دار الحكمة ببغداد، وهي مكتبة ومجمع ومركز أبحاث أسسه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (حكم 137ـ158 هـ).  وتنقَّل الفارابي إلى دمشق والقاهرة وتطوان في المغرب، ولقي رعاية خاصة من سيف الدولة الحمداني في حلب. ولُقِّب بالمعلِّم الثاني لاهتمامه بشرح كتب المعلِّم الأول، أرسطو. ويعزى إليه تصميم وصناعة آلة القانون الموسيقية. وأثَّرَ في جميع الفلاسفة المسلمين بعده.

أما الملك الظاهر بيبرس سلطان مصر والشام (حكم من 658ـ676هـ/ 1260ـ 1277م)، فقد كان قائدأ عسكرياً فذاً يتصف بالشجاعة والحكمة وهو أيضا مولود في الجغماق (كازاخستان اليوم)، عندما تعرَّض قلب العالم الإسلامي إلى هجمتين شرستين من الشرق والغرب:

ألأولى، هجمة المغول من الشرق الذين أسقطوا بغداد سنة 656هـ/1258م، فأوقف تقدمهم السلطان قطز وقائد جيشه الظاهر بيبرس، وهزماهم في معركة " عين  جالوت" الشهيرة وتتبعهم قائد الجيش بيبرس وقضى على فلولهم في الشام، ثم هزمهم في معركة الأبلستين سنة 1277م؛

والثانية، هجمة الصليبيّين من أوربا الذين انتصر عليهم قائد الجيش المصري الظاهر بيبرس في معركة " مصيدة المنصورة" الشهيرة سنة 1250م وهزمهم وقتل قادتهم العسكريين وأسر لويس التاسع ملك فرنسا قائد الحملة الصليبية السابعة، وسجنه شهراً كاملاً إلى أن دفعت زوجته الفدية. كما استولى على الإمارة الصليبية في إنطاكية، عقاباً لأميرها الصليبي الذي ناصر المغول وساعدهم في معركة عين جالوت.

وكان الظاهر بيبرس رجلآ عادلاً يساعد الفقراء، متحلياً بالشجاعة والدهاء، مُحبّاً للعلم ومكرِّماً للعلماء، وهو الذي أسَّس المدرسة الظاهرية والمكتبة الظاهرية بدمشق، وضريحه في الأخيرة إلى الآن. وإيماناً من الظاهر بيبرس بأهمية الوحدة الإسلامية، أحيا الخلافة العباسية بالقاهرة عندما تولى الحكم، رمزاً لوحدة المسلمين.

ثم عرض الدكتور محمود حجازي فكرة إنشاء جامعة إسلامية في عاصمة كازخستان آنذاك، الماتي[32]، لتحمل اسمي رئيسي كازاخستان ومصر، " جامعة نور مبارك الإسلامية[33]"، وتكون نفقتها مناصفة بين مصر وكازاخستان. ومعروف أن هذا الاسم المقترح، يكفي لموافقة الرئيسين على المشروع.

تقع الجامعة في منطقة نظيفة بالمدينة عند سفح جبال آلاتو، في شارع الفارابي. وتتوفر الجامعة على مبنيَين تعليميَّين، ومكتبة فيها قاعات للمطالعة، ومركز لخدمة الطلاب، ومطعم ومبنى لسكن الطلاب، ومطعم، ومجمَّع رياضي وصالة ألعاب (كرة قدم، كرة سلة، حلبة للتزلج على الجليد)، وللجامعة الأراضي اللازمة للتوسع.

يوجد في الجامعة أربعة أقسام: قسم اللغتين العربية والإنجليزية وتُعلَّم هاتان اللغتان إلزاميا لجميع طلاب هذه الجامعة، قسم علوم الدين، قسم الدراسات الإسلامية، وقسم الدراسات الإنسانية. في الجامعة حالياً 1733 طالباً وطالبة. كما يؤم هذه الجامعة بعض الطلاب من جمهوريات آسيا الوسطى لاسيما من قيرغيزستان وأوزبكستان. ويؤطر الطلاب 104 من أعضاء الهيئة التدريسية[34]، وتمنح الجامعة شهادات الإجازة، والماجستير (سنتين بعد الإجازة) والدكتوراه (لمن يروم مزاولة القضاء). وتستجيب برامجها لاحتياجات وزارة التعليم والعلم في كازاخستان. وللجامعة مجلس أمناء، نصف أعضائه من المسؤولين الكازاخستانيين والنصف الآخر من المصريين.

 خاتمة:

وخلاصة القول إنني سعدت شخصياً بمعرفة معظم روّاد تعليم اللغة العربية لأبناء اللغات الأخرى في النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين، واطلعتُ على كثير من جهودهم القيمة في هذه المجال الحيوي، بحكم تخصصي وعملي. وهؤلاء الرواد هم من العرب ومن غير العرب، وازعهم عشقهم للغة القرآن الكريم، ودافعهم عظمة هذه اللغة وجمالها وروعة نظامها الصوتي والصرفي والنحوي، فهي أمُّ اللغات البشرية جميعاً وأطولها عمراً وخلوداً[35]. ولكل واحد من هؤلاء الرواد خصائصه المميزة التي يتفرَّد بها من حيث تركيزه على التخطيط واتخاذ القرار[36]، أو تناول الجانب النظري في التأليف، أو ممارسة الجانب التطبيقي في التعليم، أو إعداد المواد التعليمية الأساسية والمُعينة كبرامج التعليم عن بُعد بالمراسلة أو بالشابكة. وهم جميعاً يستحقون التقدير والتنويه بأعمالهم القيمة، واحداً واحداً.

بيد أنني أعدُّ صديقي الدكتور محمود فهمي حجازي من أكثرهم نشاطاً وإنتاجاً وتأثيراً في هذا المجال (ولعل ذلك نتيجة محبتي لشخصيته الفذة، وحسن اطلاعي على نشاطه وأعماله). فقد اشتغل على الجانب الاستراتيجي في هذا المجال، مثل تأسيسه الجامعة الإسلامية في كازاخستان، والجانب النظري عن طريق مؤلفاته اللسانية عن اللغة العربية تاريخاً وحاضرا، فأرسى قواعدَ مدرسةٍ لسانية عربية معاصرة من خلال طلابه الذين كوّنهم في جامعة القاهرة وغيرها من الجامعات العربية، والرسائل الجامعية التي أشرف عليها وهي تزيد عن 140رسالة وأطروحة. وكذلك الجانب التطبيقي إذ مارس تعليم اللغة العربية للألمان وغيرهم، وتدريب مفتشي ومعلمي اللغة العربية لأبناء اللغات الأخرى، وإعداد المواد اللازمة، الرئيسة كالكتب المدرسية، والمعينة كالمعاجم الأحادية اللغة (رئاسته لجنة تصنيف " المعجم الكبير" في مجمع اللغة العربية بالقاهرة)، والمعاجم الثنائية (كاشتراكه في تصنيف " المعجم العربي ـ الألماني").

عندما كان محمود فهمي حجازي طالباً في كلية الآداب بجامعة القاهرة، كان يحلم بأن يكون ممثلاً لبلاده أو للأمة العربية لدى الأمم الأخرى، كما ذكر في إحدى مقابلاته المتلفزة. ويطيب لي أن أخاطبه الآن، بعد أن رحل إلى جوار ربه، والدمع يترقرق في عينيَّ، قائلا: أخي محمود! نم قرير العين خالداً في الفردوس الأعلى، فإنك حقّقتَ حلمك كاملاً: لم تكن سفيراً لحاكم أو ملك أو سلطان. لقد كنتً سفيراً فوق العادة للغة القرآن الكريم، وثقافتها العربية الإسلامية لدى أمم العالم شرقاً وغرباً، وكنتَ أعظم سفير في الدنيا. وأي سفير يبقى في مهمته، كما بقيتَ أنت في كازاخستان، مثلاً، أحد عشر عاماً وأنت تؤسس جامعةً رائعة ستواصل رسالتك الخالدة. ولهذا فإن رئيس جمهورية كازاخستان، منحك أسمى وسام في الدولة، وهو وسام لا يُمنح لأعظم السفراء. وسيذكرك تاريخ الثقافة العربية الإسلامية بأحرف من نور[37].

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

........................................ 

[1] محمد حسن باكلا (المحرر) السجل العلي للنذوة العالمية الأولى لتعليم العربية لغير الناطقين بها (الرياض: عمادة شؤون المكتبات ـ جامعة الرياض، 1400هـ/1980م) بجزئين.

[2] يقول الدكتور كريم زكي حسام الدين في مقدمة كتابه " التعبير الإصطلاحي" (القاهرة: مكتبة الأنجلوـ مصرية، 1985)، إنه لم يسبقه إلى البحث في هذا المجال باللغة العربية سوى الدكتور محمود فهمي حجازي وعلي القاسمي.  والدكتور كريم زكي حسام الدين درس في جامعة القاهرة على الدكتور محمود فهمي حجازي ثم واصل دراساته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية ونال الدكتوراه. وعاد إلى جامعته ليتحفنا بعدد من الكتب اللسانية المتميزة. 

[3] إبراهيم عبد المعطي، " أستاذي الدكتور محمود فهمي حجازي" في جريدة "الوفد" القاهرية، الشابكة:     alwafd.news/essay/50363. شوهد بتاريخ 15/5/2021.ش 

[4] أحمد بن علي المقريزي ( ت 845هـ/1442م)، في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ( القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2002) ج1 ص 402.

[5] تحوَّلت دار لقمان اليوم إلى متحفٍ يضمُّ صوراً ولوحات وأشياء تعود إلى فترة الحروب الصليبية.

[6] للوقوف على تفاصيل معارك الحملات الصليبية، تُنظَر المراجع العربية والأجنبية، مثل:

ـ ابن تغري. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2005). و

Chronicles of the Crusades, Villehardouin and de Joinville, translated by Sir F. Marzials, Dover Publications 2007.-

 [7] كما أوضحت لي الأستاذة فردوس عبد المنعم منصور زوجة الدكتور محمود حجازي رحمه الله. 

[8]  بدأت الدراسة في كلية الطب بالمنصورة بوصفها فرعاً لجامعة القاهرة سنة 1962، ثم صدر قانون بجامعة المنصورة المستقلة سنة 1972/1973. 

[9] ذكر ذلك بنفسه في مقابلة متلفزة مع الإعلامية المصرية منى الشاذلي بعد حصوله على جائزة الملك فيصل سنة 2019،

[10] أنشأها في القاهرة الشيخ رافع الطهطاوي باسم مدرسة المترجمين، وفي سنة 1957 صار اسمها مدرسة الألسن العليا، وتمنح شهادة اللسانس، وفي سنة 1973 أُلحقت بجامعة عين شمس وسمّيت بكلية الألسن.

[11] Ludvig Maximilian Universität Münchenمن أرقى الجامعات العالمية للبحوث، تأسست سنة 1472, وتحتل في أحد التصنيفات العالمية للجامعات المرتبة 32، ويبلغ عدد هيئتها التدريسية أكثر من خمسة آلاف باحث، وميزانيتها السنوية 735 مليون يورو تقريباً.

[12] وضعَ مصطلح " اللغات الجزيرية" بديلاً لمصطلح " اللغات السامية"، عالم ُالآثار اللساني العراقي طه باقر (1912ـ1984) المتخصِّص بلغات العراق: العربية، السومرية، الآرامية، الأكدية) ومترجم " ملحمة جلجامش" السومرية إلى العربية. 

[13]  كانت الحكومة المصرية تبعث بعض الطلبة المتفوقين إلى إنجلترا لدراسة اللسانيات ومن أمثلتهم الدكتور إبراهيم أنيس والدكتور تمام حسان  والدكتور كمال بشر. أما طلاب الدراسات الاستشراقية، لدراسة اللغات الجزيرية مثلاً، فقد فضَّلت ابتعاثهم إلى ألمانيا ومن أمثلتهم الدكتور رمضان عبدالتواب والدكتور محمود فهمي حجازي، وذلك لعوامل عديدة منها أن الاستشراق الألماني أقل تأثراً بالتوجهات التبشيرية والاستعمارية لحركة الاستشراق في الدول الأوربية الأخرى، كإنجلترا وفرنسا، حيث يُعيّن المستشرقون مستشارين في وزارة المستعمرات أو لدي الكنيسة لتعليم المبشرين اللغات التي تلزمهم. فحركة الإصلاح الديني البروتستانتي التي تزعمها القس الألماني مارتن لوثر برسالته التي نشرها 1517، نتج عنها ابتعاد الوسط العلمي الأكاديمي الألماني عن تأثير الكنيسة والسياسة؛ إضافة إلى أسبقية الألمان في الدراسات الفيلولوجية (بهدف توحيد اللهجات الألمانية في لغة مشتركة فصيحة)، وكذلك دراستهم لغات الشعوب الأخرى وتراثها بموضوعية وحياد أكبر مما في الدول الأوربية الأخرى.  (يُنظَر: محمد سعدون المطوري، " الاستشراق الألماني ودوره في الدراسات الشرقية" في مجلة " دراسات استشراقية"، ع 3، س 2، (2015) ص

[14] يبدو أن النظام الجامعي المصري الحالي لا يتضمَّن رتبة " أستاذ مشارك " الموجودة في بعض الجامعات العربية والأمريكية. 

[15] إيهاب الملاح " محمود فهمي حجازي...تحية إلى عالم كبير"، جريدة الشروق، بتاريخ 10/11/2017، تم الاطلاع عليه في الشابكة بتاريخ 6/6/2021:

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=10112017&id=a8617998-edfa-4101-ad08-e93c659c7feaالجامعة.

[16]  مقابلة مع أ.د. حسن دومان ممثل تركيا، في جريدة "المخطوطات" بتاريخ 31/5/1996.، وهو اليوم الأخير من المؤتمر.

[17] ألَّف هذا المعجم المستعرب الألماني، غوتس شراگله Gotz Schragler  (1923 ـ       ) بعد التحاقة بالهيئة التدريسية في جامعة لودفيغ ماكسمليان بميونيخ سنة 1960 مستعينا بأربعة من الطلاب العرب، وفي مقدمتهم محمود فهمي حجازي. وحظي هذا المعجم بالإقبال. أُعيدت طباعته في مكتبة لبنان ناشرون في بيروت، سنة 1977.

[18] كازاخستان، جمهورية استقلت عن الاتحاد السوفيتي سنة  1991برئاسة نور سلطان. تبلغ مساحتها 2,724,900 كيلومتر مربع، تقع في أوراسيا، أي بين أوربا وآسيا، وتطل على بحر قزوين. ويبلغ عدد سكانها قرابة 20 مليون نسمة. كانت عاصمتها الماتي، ولكن الرئيس نور سلطان نقل العاصمة شمالاً سنة 1997إلى مدينة (أستانا)، التي سماها الرئيس الذي تولى السلطة بعده، مدينة (نور سلطان) تكريماً له. اللغة الرسمية فيها : القاقزانية والروسية. والجمهورية غنية بالبترول والغاز.

[19] النسب المئوية التقريبية للسكان الناطقين باللغات الوطنية الكبرى في باكستان كالآتي: البنجابية   38.78، البشتوية 18.24، السندية14.57 ، السَرَيكية 12.19، الأوردية 7.08، البلوشية 3.02، لغات أخرى 6.12. (من موقع باكستان على الشابكة شوهد في 7/6/2021

https://en.wikipedia.org/wiki/Pakistan#Languages

 [20] جريدة " رأي اليوم" بتاريخ 2/6/2021، شوهد في الشابكة تاريخ

2/6/2021https://www.raialyoum.com/index.php/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D9%8F%D9%84%D8%B2%D9%85-%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D8%A5/

[21] عندما كان الدكتور محيي الدين صابر في زيارة عمل للملكة العربية السعودية سنة 1977، التقى زميل الدراسة القديم في مصر، عالم التربية المصري الدكتور أحمد المهدي عبد الحليم الذي كان أحد زملائي في كلية التربية بجامعة الرياض، وأخبره بأنه يبحث عن أستاذ متخصص في المعجمية ليشتغل خبيراً في "مكتب تنسيق التعريب بالرباط" التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. فأخبره الدكتور عبد الحليم عني، بوصفي حاصلاً على الدكتوراه في هذا الموضوع من أمريكا ولي فيه بحوث. فالتقى بي الدكتور صابر واتفقنا على ذلك. وعندما ذهبتُ ذلك الصيف إلى القاهرة لاستكمال أوراق التعيين بالمنظمة للعمل في مكتبها بالرباط، أجرى معي الدكتور صابر عدة مقابلات بطريقة غير مباشرة، ثم عرض عليّ أن أعمل في معهد الخرطوم الدولي للغة العربية بدلاً من مكتب تنسيق التعريب بالرباط. ولئلا أجيبه بالرفض، أخبرته بأنني سأفكر في الموضوع تلك الليلة، وأوافيه بجوابي صباح الغد. خرجتُ من مكتبه وتوجهت فوراً إلى مكتب صديقي الدكتور محمود فهمي حجازي القريب من مكتب المدير العام، وأخبرته بالموضوع وأنني أفضل العمل بالرباط، وما على صديقي إلا ترتيب ذلك، ففعل المطلوب بطريقته الدبلوماسية اللطيفة، والتحقتُ بمكتب تنسيق التعريب في 1/9/1978م. 

[22] تقع بلدة روتنبرغ أوب دَر تاوبر على ارتفاع 430 متراً من سطح البحر في شمال بافاريا في ألمانيا، وهي بلدة قروسطية بنيت من الطوب والخشب سنة  1274م، وعدد سكانها أقل من عشرة آلاف نسمة، وتحتفظ بطابعها القديم ، لذا تُعدّ بلدة سياحية، ولمعهد غوتة  مركز هناك لتعليم اللغة الألمانية للأجانب.

[23] علي القاسمي، المنسِّق وآخرون. المعجم العربي الأساسي (تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1989) وتولت لاروس توزيعه. وقد شارك في تأليفه أحمد العايد، وأحمد مختار عمر، الجيلالي بن الحاج يحيى، داود عبدة، وصالح جواد الطعمة، ونديم المرعشلي. وتولى التحرير، أحمد مختار عمر، وقام بمراجعته: تمام حسان عمر، وحسين نصار، (وقد اخترتُ بنفسي فريق المؤلفين والمراجعين ما عدا نديم مرعشلي والجيلالي بن الحاح يحيى اللذين اختارهما المدير العام من تونس، بعد أن انسحب من الفريق رشاد الحمزاوي قبل بدء العمل.

[24] جرت العادة أن تقدّم المشروعات للمجلس التنفيذي والمؤتمر العام للمنظمة باسم المدير العام للمنظمة ولا يُذكر اسم الخبراء الذين أعدّوها.

[25]  كان نظام الألكسو يقضي باجتماع المؤتمر العام المكوَّن من وزراء التربية أو الثقافة في الدول الأعضاء مرة مدتها خمسة أيام كل ثلاث سنوات، أما المجلس التنفيذي للمنظمة الذي يمثل فيه كل دولة وكيل الوزارة المعنية، وزارة التربية عادة، فيجتمع مرّتَين في السنة ومدة كل اجتماع عشرة أيام. ولهذا فإن المؤتمر العام قد يوافق على مشروع من المشاريع من حيث المبدأ، ويترك دراسة التفاصيل ومناقشتها للمجلس التنفيذي.

[26]  عبد الهادي بوطالب (1923ـ2009): مفكّر وسياسي ودبلوماسي وأديب مغربي، نال العالمية من جامعة القرويين الإسلامية، والدكتوراه من كلية الحقوق بالرباط. مناضل من أجل استقلال المغرب فقد كان أحد زعماء حزب الشورى والاستقلال. كان مستشاراً للملك محمد الخامس، وأستاذا ثم مستشاراً للملكين الحسن الثاني ومحمد السادس. تولى وزارة الأشغال في أول حكومة وطنية، واضطلع بمناصب وزارية عديدة، ورئيس مجلس النواب، وسفير المغرب لدى الولايات المتحدة الأمريكية. له أكثر من ستين كتاباً في الفكر الإسلامي، والقانون، والسياسة العربية.

[27]مصطفى القصري (1923ـ2009): شاعر، وصحفي، وأستاذ، ودبلوماسي، ومترجم، ومناضل من أجل استقلال المغرب، اعتقلته السلطات الفرنسية عدة مرات. اشتهر بترجمة الشعر الفرنسي إلى العربية، من أشهر ترجماته " زهور الألم" لبودلير، و" الأمير الصغير" لأوكزبري.

[28] عندما درستُ علم اللغة التطبيقي في جامعة تكساس في أمريكا، عملتُ مساعد تدريس TA    لتعليم العربية للطلبة الأمريكان. كما اشتغلت مساعداً لمؤلفي كتاب Modern Standard Arabic, Intermediate Level  من تأليف بيتر عبود وآخرين خلال صيف 1971 في جامعة مشيغان ـ آن آربر. وكتبوا على غلافه، أسماء المؤلفين الستة، وأسماء مساعديهم الثلاثة من طلبة الدكتوراه.

[30]  كتبتُ عن عبد الله أحمد بدوي في كتابي " طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات" (الرياض: دار الثلوثية، 2016)، الطرفة رقم 50. والكتاب متوافر في موقع " أصدقاء الدكتور علي القاسمي" على الشابكة.

[31] كازخستان: أقوى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق اقتصادياً ، ناتجها المحلي 60% من ناتج المنطقة كلها، استقلت سنة 1991، مساحتها أكثر من مليون ميل، وسكانها قرابة 20 مليون نسمة ( قرابة 70% منهم كازاخ مسلمون). رئيسها بعد الاستقلال نور سلطان نزارييف 1991ـ 2019، ورئيسها الحالي قاسم جومارت توكاييف. لغتها الرسمية: الكازاخية والروسية).

 

[32] قرر الرئيس الكازاخستاني نقل العاصمة من  مدينة ألماتي إلى مدينة أستانة التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة وتقع شمال وسط البلاد، ثم قرر الرئيس الذي أعقبه تسميتها مدينة " نور سلطان" تكريما للرئيس السابق.

[33] بعد تنحي الرئيس حسني مبارك إثر الحراك الشعبي ، المسمى بـ " ثورة 25 يناير" 2011، أسمى المصريون هذه الجامعة بـ " الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية نور مبارك " في ألماتي.

[34] عندما كان الدكتور محمود حجازي رئيساً للجامعة، كان يستعين بأساتذة زائرين، لا سيما من مصر، لمدة شهر لكل واحد منهم، وقد بعث إليّ بدعوة لتمضية شهر في الجامعة لإلقاء محاضرات على طلبتها. فكّرتُ في الموضوع وقررتُ الاعتذار، لعدة أسباب منها أن ما أعرفه يعرفه غيري في كازاخستان أو مصر فلماذا أغيّر برنامجي الشخصي؟، وثانياً أن الأساتذة المصريين بالقاهرة سينتقدون الدكتور محمود لاستعانته بأساتذة من غير المصريين بأموال المصريين، وهم على حق. فكتبتُ إليه أن الأساتذة المصريين أولى بالدعوة. فأجابني أن لديه مخصصات لهذا الغرض من خارج ميزانية الجامعة التي تساهم فيها مصر. ولم أستجب للدعوة الكريمة.

[35] أجرت جامعتا ليدز في بريطانيا وبورتو في البرتغال بحثاً علمياً مشتركاً استغرق سنوات عديدة لمعرفة ما إذا كانت البشرية من سلالة واحدة أو عدّة سلالات، وثبت لديهما أن البشرية نشأت وترعرعت في جنوبي شبه جزيرة العرب، ومنها انتشرإلى بقية المعمورة التي لم تكن معمورة آنذاك. تُنظَر مجلة American Journal of Human Genetics, Feb. 2012 أو مقال " نحن جميعاً عرب " في المجلة الفرنسية " لو بوان":

https://www.lepoint.fr/journalistes-du-point/frederic-lewino “ Civilisation; Nous sommes tous des arabes” , Le Point, Fev. 2012.

أو الاطلاع على خلاصة البحث في كتابي: " علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية" ط2 (بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 2019). 

[36] من القرارات التي تساعد في نشر اللغة العربية في العالم، قرار اتخاذها لغة رسمية في المنظمات الأممية، وهنا يُذكَر الأستاذ الفقيه محمد الفاسي، مندوب المغرب في المجلس اتنفيذي لليونسكو في باريس الذي اضطلع برئاسة ذلك المجلس في مطلع السبعينيات، واستطاع الحصول على موافقة أعضاء المجلس بالأغلبية المطلقة (50% +1) على إضمّ اللغة العربية إلى اللغات الرسمية الخمس في اليونسكو، مما مهدّ لإضافتها إلى اللغات الرسمية لمنظمة الأمم المتحدة في نيويورك، وبقية المنظمات الأممية. ( ينظر في ذلك كتابي " طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات" ( الرياض: دار الثلوثية، 2018).

[37] يشكر الكاتبُ الأستاذةَ فردوس عبد المنعم منصور على تكرمها بتزويده ببعض الوثائق، والشروح المتعلقة بدراسة زوجها المرحوم حجازي. 

 

يسري عبد الغنيالكتاب الذي معنا صدر في القاهرة  سنة 1946 م، ويقع في مجلدين، وعنوانه هو (تاريخ المساجد الأثرية)، أما مؤلفه فهو العالم الجليل / حسن عبد الوهاب، الذي عمل كبيرًا لمفتشي الآثار الإسلامية في الحكومة المصرية، كما كان عضوًا بارزًا في المجلس الأعلى للآثار المصرية (وزارة الآثار المصرية حاليًا)، وبعيدًا عن المناصب الحكومية الزائلة، فقد كان الرجل خبيرًا فنيًا متميزًا، وعالمًا موسوعيًا في مجال الآثار الإسلامية .

مؤلفاته في العمارة الإسلامية:

للأستاذ حسن عبد الوهاب دراسات مهمة في العمارة الإسلامية، نذكر  منها:

1 ـ (التأثيرات المعمارية بين آثار سورية ومصر): بحث ألقاه في الحلقة الدراسية الأولى والتي كانت بعنوان (التاريخ والآثار )، و عقدها المجلس الأعلى للفنون والآداب والشئون الاجتماعية بالقاهرة (المجلس الأعلى للثقافة حاليًا)، في المدة من 4 ـ 9 فبراير 1961 م، ونشرها المجلس ضمن الكتاب الذي نشر عن هذه الحلقة البحثية في سنة 1962 م .

في هذا البحث تناول التأثيرات المعمارية التي وقعت بين آثار سوريه ومصر في العصرين الأموي والعباسي، ثم عقد مقارنات مهمة بين التفاصيل المعمارية في الدولتين، مشيرًا إلى انفراد مصر بطرزها المعمارية الرشيقة .

وبهذا البحث أيضًا مقارنات على درجة كبيرة من الأهمية بين تفاصيلها مثل المقارنة التي عقدها بين محراب مسجد السيدة / رقية (رضي الله عنها) بالقاهرة العاصمة المصرية، ومحراب المدرسة الحلاوية بحلب السورية والمقارنة بين تابوت (مقام أو قبر ) السلطان الناصر / صلاح الدين الأيوبي بدمشق العاصمة السورية ومعاصريه: تابوت (مقام أو قبر) المشهد الحسيني، تابوت (مقام أو قبر) الإمام الشافعي بمصر وغير ذلك من المقارنات .

هذا، وألحق الأستاذ / حسن عبد الوهاب بالبحث 74 صورة فوتوغرافية بمختلف التفاصيل المعمارية في مصر وسورية .

2 ـ سلسلة من الأبحاث عن العمارة الإسلامية، نشرت في مجلة (العمارة المصرية) وكانت هذه المجلة من أرقى المجلات الهندسية في مصر، وإليك بيان بهذه الأبحاث:

أ ـ العمارة في الدولة الطولونية: مقدمة وتاريخ ووصف الجامع الطولوني بالقاهرة، نشر البحث في العدد الثاني من المجلة، والصادر سنة 1940 م.

ب ـ العصر الفاطمي: مميزاته ومنشآته، نشر في العدد (5 ـ 6) من المجلة، والصادر سنة 1940 م .

ج ـ البناء بالطوب في العصر الإسلامي: نشر في العدد (3 ـ 4) من المجلة، والصادر سنة 1940 م .

د ـ العمارة في العصر الأيوبي: مميزات العمارة في هذا العصر و آثاره، نشر البحث في العدد (7 ـ 8 )، من المجلة والصادر سنة  1940 م .

هـ ـ العمارة في عصر المماليك البحرية: مميزات العمارة في هذا العصر وأشهر آثاره، نشر هذا البحث في الأعداد (9 ـ 10) من المجلة، والصادرة في سنة  1940 م، واستكمل في العدد الثاني الصادرفي سنة  1941 م، ثم في العدد  (7 ـ 8 ) الصادر في نفس العام، وواصل نشر البحث في العدد    (1 ـ 2)، الصادر سنة 1942 م، والعدد (3 ـ4)، والعدد (5 ـ 6 )، الصادران في نفس العام .

ز ـ العمارة في دولة المماليك الجراكسة: نشرت هذه الدراسة في الأعداد     (1 ـ 2)، والصادرة سنة 1946 م، واستكملها في الأعداد (3 ـ4) الصادرة في نفس العام، ثم واصل نشرها في العدد الأول من المجلد التاسع، والصادر سنة 1949 م .

ونحب أن نشير هنا أن الأبحاث المشار إليها مجموعة قيمة تشتمل على دراسات تاريخية فنية ومقارنات معمارية مزودة بطائفة كبيرة من الرسومات والصور الفوتوغرافية، وكل ذلك في مجمله منهل عذب لمن أراد أن يدرس أو يبحث في العمارة الإسلامية وفنونها المتفردة .

ح ـ مجموعة من البحوث الكاملة عن أشهر العمائر الحديثة في مصر، وقد نشرت في أعداد متفرقة من المجلة المشار إليها .

3 ـ طرز العمارة الإسلامية في ريف مصر: وهو بحث ألقاه في المجمع العلمي المصري (شارع القصر العيني) بالقاهرة، في يوم الخامس من نوفمبر سنة 1956 م، وتم نشر البحث في مجلة المجمع العلمي المصري في المجلد 38 الصادر في عامي: 1956 ـ 1957 م، مع ثلاثين صورة فوتوغرافية، تناول فيها دراسة طرز العمارة في كافة أقاليم (محافظات) مصر، ومميزات كل إقليم (محافظة)، والثروة الفنية الموزعة في أنحائه، وطرق البناء بالطوب في الوجهين القبلي والبحري، وخاصة في مدينة رشيد التاريخية، ووضح امتياز الريف المصري بمحافظته على الطرز المعمارية الصحيحة في العصر العثماني الذي وقعت تأثيراته على القاهرة، وبخاصة على بناء المنائر الخاصة بالمساكن .

قراءة في كتاب تاريخ المساجد الأثرية:

قدم الأستاذ / حسن عبد الوهاب الجزء الأول من كتابه عن تاريخ المساجد الأثرية بمقدمة ضافية عن نشأة المساجد، وأول مسجد بني في الإسلام، والمساجد التي شيدت في فجر الإسلام، ثم نشأة المدارس بمصر وتصميمها، وبعد ذلك تناول أثر الدولة الإسلامية بمصر في الارتقاء بفن العمارة منذ الفتح العربي لها .

وقد تناول المؤلف بالدراسة المعمارية أشهر المساجد الأثرية في مصر في مختلف العصور التاريخية منذ فجر الإسلام حتى العصر العثماني، مع مقدمة تاريخية معمارية لكل عصر، فتناول الحديث عن جامع عمر بن العاص، والجامع الطولوني (الذي بناه أحمد بن طولون)، والجامع الأزهر الشريف بالقاهرة .

وتكلم عن الجامع العتيق بمدينة إسنا في صعيد مصر، ومسجد العطارين، والجامع الأقمر، والجامع الأفخر (المعروف بالفكهاني)، والمشهد والجامع الحسيني (نسبة إلى الإمام / الحسين [رضي الله عنه]، حيث يقال أن رأسه الشريفة مدفونة به )، ومشهد الإمام / زيد بن زين العابدين (رضي الله عنه)، وجامع الصالح طلائع بن رزيك .

وتحدث عن قبة ومسجد الإمام / الشافعي (رضي الله عنه)، ومدرسة وقبة السلطان المملوكي / قلاوون، والخانقاه الجاولية، وخانقاه بيبرس الجاشنكير، ومسجد الماس الحاجب، وجامع قوصون، وجامع بشتاك، ومسجد الطنبغا المارداني، وجامع آق سنقر (إبراهيم أغا)، وجامع الأمير شيخو  الناصري، ومدرسة وجامع صرغتمش، ومدرسة ومسجد السلطان حسن، ومدرسة أم السلطان شعبان، ومدرسة ألجاي اليوسفي،ومدرسة وخانقاه الظاهر برقوق، ومسجد الإمام / الليث بن سعد (رضي الله عنه)، والمدرسة الباسطية، ومدرسة المؤيد شيخ، والمدرسة الفخرية (مسجد أو جامع البنات)، وجامع جاني بك الأشرافي، ومدرسة الأشرف بارسباي بالأشرافية .

ويواصل حديثه فيحدثنا عن خانقاه الأشرف بيرسباي بالقرافة الشرقية، وعن مسجد الأشرف بيرسباي بالجانكاه، ومسجد زين الدين يحيى بشارع الأزهر، ومسجد زين الدين يحيى بحي بولاق، ومسجد زين الدين يحيى بالحبانية، ومسجد سلطان العاشقين الصوفي / عمر بن الفارض بجبل المقطم، ومدرسة قايتباي بالقرافة الشرقية، وقبة يشبك بن مهدي بكوبري القبة شرق القاهرة، قجماس الإسحاقي، ومسجد سلطان شاه، والقبة الفداوية، ومسجد قايتباي  الروضة (حي المنيل) .

ويتابع فيتكلم عن مسجد أبي العلاء في حي بولاق، ومسجد قاني باي الرماح، ومسجد السلطان قنصوة الغوري، ومسجد المحمودية، ومسجد الشعرواي (الشعراني)، ومسجد سنان باشا، الملكة صفية، ومسجد يوسف الحين، مسجد عقبة بن عامر، المدرسة الفاراقانية، ومسجد ذو الفقار، ومسجد كتخدا، ومسجد عبد الباقي جوربجي، ومسجد النبي دانيال، ومسجد كريم الديم الحلوتي، ومسجد السيدة عائشة، ومسجد البيومي، ومسجد محمد بك أبي الذهب، ومسجد حسن باشا طاهر، ومسجد سليمان أغا السلحدار، ومسجد أحمد الرفاعي، ومسجد الفتح (حي عابدين)، ومسجد محمد على باشا الكبير بالقلعة .

وفي كل أثر من هذه الآثار يتحدث مؤلفنا عن تاريخ بناء الأثر مع التعريف بمنشئه، وأحيانًا يذكر أسماء المهندسين والصناع الذين شاركوا أو عملوا في بنائه أو أشرفوا عن عمليات البناء، ثم يتحدث عن تاريخ الجامع أو الأثر من حيث الزيادات التي أدخلت عليه على مر العصور .

يضاف إلى ذلك وصفه المعماري للأثر مع المقارنات المعمارية والتأثيرات الواقعة على الأثر، ولا يفوته تناول وصف الزخارف الفنية وعناصرها في شتى أجزاء الأثر، مع الإشارة إلى ما حدث فيها من ترميم.

وعند كلامه عن التصميم العام والتخطيط الهندسي للعمارة، يورد لنا مساقط وتفاصيل للعمارة تساعدنا كقراء على تفهم الأثر فهمًا تامًا، ويذكر في النهاية قائمة مهمة بالمراجع العربية والإفرنجية مما يجعل الكتاب مرجعًا علميًا بمعنى الكلمة .

أما الجزء الثاني من الكتاب، يمكن أن نطلق عليه جزء الملاحق أو الجزء التوضيحي، فهو يشتمل على 177 لوحة بها عدد 275 من الصور الفوتوغرافية لكل أثر مع ذكر تفاصيل العناصر المعمارية المصورة، وما بها من زخارف، وكتابات، وملحق بهذا الجزء فهرس تفصيلي لبيان الصور الواردة باللوحات .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنييحيى بن محمود الواسطي (-) رسام عراقي ولد في بلدة واسط في جنوب العراق بداية القرن الثالث عشر الميلادي. اختط نسخه عام 1237 م، من مقامات الحريري وزينها بمائة منمنمة من رسومه تعبر عن الخمسين مقامة (قصة). وكان عمله هذا أول عمل في التصوير العربي نعرف اسم مبدعه. وقد عاصر جيل من مفكري العراق وعلمائه كابن الأثير وابن الرزاز الجزري وياقوت الحموي وغيرهم.

كان الواسطي مثقفاً واسع الاطلاع، عمل رساماً لدى الخليفة المستنصر بالله العباسي، وقام بترجمة الصور الذهنية إلى واقع، وقد عرضت أعماله في مكتبات الجامعة المستنصرية ببغداد، وتسابق المقتنون على اقتنائها في الأندلس والمغرب العربي؛ ولاسيما ملوك الموحدين في مراكش.

والكتاب محفوظ في المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم 5847 عربي. وتوجد نسخة أخرى من مقامات الحريري مزينة برسوم الواسطي في مكتبة سانت بطرسبرگ بروسيا، إلا أنها وقعت فريسة الإهمال وربما كان سبب ذلك حز رقاب المخلوقات الحية فيها بخطوط سود للدلالة على أنها ميتة كى لتتجنب المنع أو التحريم. وزوق اكثر من نسخة من مقامات الحريري وغيرها من أمهات الكتب العربية، ويعتبر مؤسس مدرسة بغداد للمنمنمات ويبرز كاستاذ فن شخصي بدلاً من أن يخضع إلى القواعد والأصول الفنية التقليدية، وكان مثقفا واسع الاطلاع وترجم الصور الذهنيةالى واقع، عاصر جيلاً من مفكري بلاد الرافدين

وكان الواسطي يستعمل الحبر الأسود ويخلطه ببقايا حرق ألياف الكافور ويمزجها بزيت الخردل وبعض الألوان الأخرى التي كان يقوم بتحضيرها بنفسه.

ويعتبر الواسطي من أوائل فناني مدرسة بغداد للتصوير.

«الواسطي»، وفق المراجع العربية والإسلامية، هو يحيى بن محمود بن يحيى بن الحسن الواسطي من آل «كواريها». وهذا النسب الأخير هو الذي جعل الكثير من الباحثين يستدل على أن الواسطي من أصل أرمني. ولكن، سواء كانت هذه الفرضية صحيحة أم لا، فإن دراسة رسوم المقامات في شكل معمق، تكفي للتشديد، إما على الأصل الأرمني للواسطي، وإما على تأثره الحقيقي بالأيقونات الأرمنية، والفن البيزنطي في شكل عام.

وتقول سيرة الواسطي إنه نشأ كما يدل اسمه في مدينة واسط التي تقع في موقع وسط بين الكوفة والبصرة شرق نهر دجلة. وعاش في القرن السابع الهجري، (الثالث عشر الميلادي). وهو تعلم الرسم منذ طفولته، ويبدو أن جوه الأسري كان يشجع على ذلك وأن الرسم كان مهنة بعض الكبار في عائلته. وفي وقت لاحق، ويقيناً بعد نضوج أسلوبه كرسام، توجه الواسطي إلى بغداد وعاش وعمل فيها. وهو أدخل جديداً إلى فن رسم المنمنمات الذي كان سائداً في عاصمة الدولة، تحديداً عبر قدرته على المزج بين شتى التأثيرات التي تحدثنا عنها، والتي كانت ولا سيما في تلك المرحلة جزءاً من العناصر التي بنت الحضارة الإسلامية بفنونها وآدابها وعلومها. اعتبرت رسوم الواسطي صورة تعكس مشاهد الحياة في عصره. لكن المؤسف أننا لا نعرف أعمالاً كثيرة للواسطي خارج تحقيقه لرسوم مقامات الحريري.

إذا كان هناك كثر، من بين المستشرقين، وحتى من بين المفكرين العرب والمسلمين، يعتقدون أن التصوير كان - أو لا يزال حتى الآن - ممنوعاً في الإسلام، فإن رسوم الواسطي لمقامات الحريري، تبدو وحدها كافية لتكذيب هذا الزعم. ومن ناحية ثانية، لئن كان البعض قال إنه من المسموح تصوير الزهور وأشياء الطبيعة وربما الحيوان أيضاً في لوحات وزين جدرانية ولكن ليس الإنسان، فإن الواسطي صوّر في لوحات رائعة ولا تزال تنبض حتى اليوم بالحيوية والبهاء، مشاهد من الحياة اليومية في مدن الإسلام في زمنه وفي الأرياف في بعض الأحيان أيضاً، يدور بعضها في الأسواق والبعض داخل البيوت والقصور، بينما تدور أحداث بعض ثالث، حتى داخل دور العبادة، ونعرف طبعاً أن عدداً كبيراً من تلك الرسوم إنما كان تعبيراً عن حكايات ونصوص أدبية تضمه كتب ومخطوطات من دون أن يخطر في بال أحد في ذلك الحين - بالطبع - إمكانية تحويل المشهد المرسوم إلى لوحة تعلق على الجدران.

وفي هذا السياق، تظل منمنمات الواسطي بين أعمال أخرى، شاهدة على معرفة المسلمين فن الرسم وممارستهم إياه، حتى وإن كان من الصعب، في هذا الإطار، الحديث عن لوحة عربية، بالمعنى الغربي للكلمة، تنتمي إلى تلك الأزمان. ومهما يكن من أمر فإن الواسطي لم يكن وحيداً، إنما كان هناك عشرات من الفنانين غيره، وكانت هناك أيضاً وفق المؤرخين، مدارس في التصوير، منها «مدرسة بغداد» التي ينتمي الواسطي إليها، وكانت تضم وفق الدراسات المتنوعة، أعداداً كبيرة من الرسامين المحترفين إلى أعداد كبيرة من الفتيان المتمرنين يعملون جنباً إلى جنب مع الوراقين والنسّاخين ممن امتهنوا حرفة تصنيع الكتب ونسخها وتجليدها. وعلى رغم تلك الوفرة في عدد «الفنانين» الذين كانوا يحيطون بالواسطي أو سبقوه زمنياً أو أتوا تالين له، من الواضح أن أهمية هذا الأخير تعود إلى أن عمله على «مقامات الحريري» وصلنا أكثر اكتمالاً، وأنه عرف فيه كيف يجدد ويبدع في فن، كان لا بد له من أن ينهل من مصادر عدة حتى تكتمل لغته. ومما لا شك فيه - في هذا الإطار - أن رسوم الواسطي تنم عن ذلك التمازج الضروري والخلاق، في ذلك المجال، بين عناصر ثلاثة: الحياة اليومية كما تراها عين الفنان في بغداد ذلك الحين، وفي أماكن أخرى أيضاً «زارتها» المقامات وعبرت عنها، والتأثيرات الفارسية في زمن كان الامتزاج قد نما في بغداد، والعراق عموماً، وبالتالي بالنسبة إلى الحضارة الإسلامية كلها، بين الروافد العربية والفارسية والتركية، وأخيراً فن الأيقونات المسيحية، ولا سيما الشرقية الأرمنية، إذ إن علينا هنا أن نأخذ في الاعتبار ما يشير إليه كثيرون من أن الواسطي كان أرمني الأصل ومسيحياً بالتحديد، اعتنق والكثير من أفراد عائلته الإسلام وعاش في أجوائه وأضاف إلى فنه ما حمله معه من تراث أرمني مسيحي بل بيزنطيّ كذلك.

ومن البديهيّ القول هنا إن هذا كله كان هو ما خلق ذلك المزيج، الذي يمكننا تأمله اليوم في عشرات المنمنمات التي تصور، خصوصاً مقامات الحريري، والتي - في رأي المفكر المصري الراحل، ثروت عكاشة، الوارد في كتاب كبير من اللافت أنه يتضمن الكثير عن أعمال الواسطي وأساليبه وتأثيره في الفنون الإسلامية ناهيك بتأثره هو نفسه بفنون المناطق المحيطة ببغداد التي كانت مركز الحضارة العربية - الإسلامية في ذلك الحين، لكنه لا يتضمن ما قد يبدو لنا في هذا السياق أساسيا وضرورياً، أي سيرة لصاحب الرسوم نفسه (!) - تنتمي إلى «مدرسة بغداد» التي «يصفونها بأنها مدرسة تغلب عليها الرسوم الآدمية بما فيها من حياة وقوة غير ملقية بالاً بتفاصيل أجزاء الجسم، ولا بتفاصيل التشريح ولا بالتزام النسب بين الأعضاء ولا بمظاهر العواطف والانفعالات، وكما هي الحال في التصوير «القوطي - البيزنطي» تصور الوجوه الآدمية بملامح غفل من التعبير وكأنها أقنعة». وعكاشة الذي يحدد هنا أهم السمات الشكلية التي تسم رسوم الواسطي للمقامات، يجمل موضوعات الرسم على الشكل الآتي: مشاهد طبيعة الحياة اليومية، مشاهد الحياة الدينية وأخيرا مشاهد الحياة القضائية، انطلاقاً من واقع يقول لنا إن العدد الأكبر من مقامات الحريري إنما كان يتضمن أحداثاً وخلافات وضروب احتيال كان لا بد للواحدة منها أن تنتهي في المحاكم أمام القاضي، ما كان يشكل فرصة للرسام تمكنه من تصوير لوحات لعلها الوحيدة التي ترينا نماذج من حياة الإدارة خارج نطاق لوحات رسمية كثيرة أخرى تجعلنا على تماسّ بصري مع حياة القصور واحتفالاتها.

ولعل في إمكاننا هنا أن نقول إن الرسوم التي ثمة اتفاق تام على عزوها إلى الواسطي، إنما تنقل أجواء العدد الأكبر من المقامات، باستثناء مقامتين، كما تقول ناهدة النعيمي الباحثة العراقية التي وضعت عن رسوم الواسطي للمقامات دراسة لا تقل أهمية عن دراسة عكاشة. وتقول النعيمي إن المقامات في حد ذاتها «لعبت دوراً كبيراً في حفظ التراث في الفن الإسلامي، لأنها حظيت باهتمام المصورين وعنايتهم (هم الذين شجعتهم شعبية المقامات على) أن يزيدوا من ذلك الاهتمام برسم صور جميلة توضح النصوص (...)، فأقبلوا على رسم حوادث المقامات بوحي مما دار فيها وطبعوها بطابع فني اختلف وفق أسلوب كل فنان وفهمه للنص (...) في ثقافة عالية واطلاع كبير». والحقيقة أن في إمكاننا بصورة عامة أن نستعين برسوم الواسطي وكذلك بمجموعات أخرى من الرسوم المتعلقة بالمقامات في شكل عام إذا ما شئنا اليوم أن ندرس، بصرياً، المجتمعات العربية والإسلامية كما كانت عليه أحوالها في تلك الأحايين، وهو على أية حال ما فعله عدد كبير من المستشرقين في أزمان تالية حين اعتمدوا على الرسوم للعثور على تفاصيل تتعلق بالأزياء والديكورات. علماً أن سيكون من الطريف هنا أن نذكر كيف أن العاملين في ديكورات الأفلام السينمائية ومن بعدها المسلسلات التلفزيونية، حين أرادوا استعادة الأجواء التاريخية في أعمالهم، اعتمدوا نقوش المستشرقين الممتزجة بفانتازيات هجينة، كمصدر لإلهامهم، بدلاً من اعتماد رسوم الواسطي وزملائه في شكل مباشر. غير أن هذه حكاية أخرى بالطبع. إنما حكايتنا هنا فهي الواسطي نفسه الذي نعرف أن رسومه المقامات أضفت على هذه أبعاداً بصرية مدهشة، لم يفت الذين موسقوا المقامات لاحقاً أن يستلهموها في موسيقاهم بطرق فذة.

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

......................

مراجع

د. ثروت عكاشة "فن الواسطي من خلال مقامات الحريري"، دار الشروق، 1992.