كريم المظفرأهم المخاطر التي كشفت عنها أحداث جمهورية أخرى من جمهوريات رابطة الدول المستقلة عن الإتحاد السوفيتي السابق، هي جمهورية كازاخستان، التي كانت حتى وقت قريب من أهدأ جمهوريات المنطقة، ولديها علاقات وطيدة مع العالم الغربي وفي المقدمة منها مع الولايات المتحدة، تلك العلاقة التي ساعدتها على الحصول على ثقة واشنطن، وجعلها محل ثقة لديها، وكذلك جعلها مقرا لأحد مختبراتها المهمة في المنطقة .

وكشفت الإضرابات الأخيرة التي شهدتها الجمهورية، والتي بدأت على خلفية رفع أسعار الوقود، وتوسعت مطالب "المتمردين" والمطالبة بإسقاط الحكومة، بعد استيلائها على المرافق الحكومية وحرقها ونهبها المباني الحكومية، كشفت هذه الإضطرابات، تعرض المختبرات البيولوجية السرية التي تم إنشاؤها بمشاركة الجيش الأمريكي في كازاخستان للهجوم، ولكن ليس هناك ما يؤكد أن شيئًا ما كان مفقودًا من هناك هذه المرة، وتؤكد سلطات المدينة أن المختبر لم يترك دون حراسة.

وتنتقد روسيا بشدة بناء شبكة واسعة من هذه المرافق على أراضي رابطة الدول المستقلة،  وفي عام 2020 قالت وزارة الخارجية الروسية إن أنشطة مركز لوغار تثير القلق لأن واشنطن لا تشرح ما يفعله المتخصصون هناك في الجوار المباشر للحدود الروسية، وهذا النشاط قد ينتهك التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية الأسلحة البيولوجية والتكسينية (اتفاقية الأسلحة البيولوجية والتكسينية)، وتتعرض أنشطة المنشآت المماثلة الأخرى في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي لانتقادات منتظمة من قبل الدائرة الدبلوماسية.

ولم يخف الخبراء نشاطاتهم، وأنهم يجرون بحوثًا هناك، وبسبب القيود التشريعية، فإنه غير ممكن إجراءها في أراضي الولايات المتحدة نفسها، في الوقت نفسه، فإن أنشطة هذه المؤسسات بالقرب من حدود روسيا غير شفافة تمامًا، مما يخلق تهديدًا خطيرًا، وحذر علماء سياسيون من أن الفيروسات والبكتيريا الخطيرة المسروقة من هناك يمكن أن ينتهي بها الأمر في أيدي الجماعات الإرهابية.

وعلى مدار العقد الماضي، وبدعم مالي وتنظيمي من وزارة الدفاع الأمريكية، تم نشر ما لا يقل عن عشرين مختبرًا بيولوجيًا في جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي، ويعمل في بعضها موظفون أمريكيون يحملون جوازات سفر دبلوماسية، وبسبب الافتقار إلى الشفافية في أنشطة المؤسسات، فقد أصبحت مرارًا وتكرارًا مصادر للشائعات حول إجراء تجارب بيولوجية خطيرة فيها، ولم تعلق الولايات المتحدة أبدًا على أنشطة هذه المختبرات في سياق ارتباط محتمل بتفشي المرض.

ويوضح الأمريكيين أنفسهم أن بناء مثل هذه المختبرات في بلدان رابطة الدول المستقلة أرخص مما هو عليه في الولايات المتحدة، وفي أمريكا يتم وضع مثل هذه المطالب الكبيرة على نظام حماية هذه المرافق التي تلتهم ببساطة مبالغ ضخمة من المال، والتي تشكل الجزء الأكبر من الميزانية، بالإضافة إلى ذلك، قامت الولايات المتحدة ببناء مثل هذه المنشآت في رابطة الدول المستقلة، ولأنها كانت هادئة حتى وقت قريب، باستثناء أوكرانيا، لا يعرف ما يحدث في مثل هذه المواقع، ويمكن أن يفترض أن بعدهم عن أمريكا هو ضمان إضافي بأن بلادهم لن تتأثر في حالة وقوع حادث، في ظل هذه الظروف يكون من السهل نفسيا إجراء تجارب مهما كانت درجة الخطر، هناك فارق بسيط آخر، يجب أن تؤثر الأسلحة البيولوجية الحديثة على جينومات معينة، وبالتالي على الأشخاص من جنسية معينة، في هذا، يعطي الموقع القريب من حدود روسيا ميزة إضافية.

وفي بداية شهر كانون الثاني (يناير) الجاري، ظهرت معلومات على الشبكات الاجتماعية تفيد بأنه في ذروة المذابح، استولى الإرهابيون على مختبرات بيولوجية أمريكية سرية ونهبوها تركت دون حراسة في العاصمة ألما آتا، حيث كانت تتم دراسة الفيروسات القاتلة وسلالاتها، وأكدت مصادر مطلعة على الوضع أنه خلال أعمال الشغب في ألما آتا في 5-6 يناير، وتعرضت إحدى المنشآت الأمريكية الثلاثة في المركز العلمي الوطني للعدوى الخطيرة بشكل خاص، وكانت بها نوافذ وأبواب مكسورة، وعلى الرغم من أن المسلحين لم يتمكنوا من الاختراق هناك، إلا أنهم فشلوا في تأكيد عدم وجود أي شيء مفقود من هناك.

وبحسب وسائل الإعلام الكازاخستانية فأنه في عام 2016، وفي المركز الوطني Masgut Aikimbayev، أفتتح المختبر المرجعي المركزي، حيث استثمرت وكالة البنتاغون للحد من التهديدات (DTRA) حوالي 160 مليون دولار، وقد تم تجهيز المؤسسة بأحدث المعدات بأموال أمريكية، وتم اعتماده للمستوى الثاني والثالث من السلامة الأحيائية، وهذا جعل من الممكن دراسة الأمراض التي تشكل خطورة خاصة على البشر وكيفية انتشارها عن طريق الحيوانات المحلية - حمى الكونغو القرم والجمرة الخبيثة وداء البروسيلات -، وفي عام 2017، أجروا بحثًا عن فيروسات كورونا في الخفافيش، ويشير الموقع الرسمي للمركز إلى أنه يشارك بنشاط في برامج التعاون الدولي مع وكالة الحد من التهديدات بوزارة الدفاع الأمريكية، والمركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض المعدية والوقاية منها، ومعهد باستير الفرنسي، ومؤسسات أخرى معروفة لمكافحة الأوبئة، وفي الولايات المتحدة .

وعلى مدى السنوات الثماني الماضية، تم تنفيذ ما لا يقل عن 28 مشروعًا بتكليف من الجيش الأمريكي في كازاخستان، ولم يقتصر الأمر على المتخصصين المحليين فحسب، بل شمل أيضًا الأفراد العسكريين من المركز الطبي للبحرية الأمريكية (ماريلاند) وموظفي معهد Bundeswehr لعلم الأحياء الدقيقة (ميونيخ) والمختبرات العسكرية في بورتون داون (بريطانيا العظمى)، وبالإضافة إلى المنشأة التي تضررت في العاصمة الجنوبية، مولت وكالة الحد من التهديدات العسكرية الأمريكية (DTRA) بناء خمسة مختبرات بيولوجية أخرى في الجمهورية، بما في ذلك في مركز العدوى الخطرة بشكل خاص في ألما آتا (TSOOI) ومعهد أبحاث مشاكل السلامة البيولوجية في قرية Gvardeisky (NII PBB).

وفي نوفمبر من العام الماضي، ظهرت معلومات على الموقع الإلكتروني لحكومة كازاخستان أنه بحلول نهاية عام 2025، في جنوب الجمهورية، في قرية جفارديسكي، مقاطعة كورداي، منطقة زامبيل، سيتم إنشاء مختبر بيولوجي آخر ذو أعلى مستوى رابع BSL-4 للسلامة البيولوجية، والذي يسمح بالعمل مع أخطر الفيروسات والبكتيريا المعدية التي لا يوجد علاج لها، ويتضمن المرفق مخزنًا تحت الأرض لمجموعة من السلالات الخطرة والخطيرة بشكل خاص، وعارض السكان المحليون، والشخصيات العامة والسياسية المعروفة، خوفًا من تسرب فيروسات قاتلة، بناء المختبر ونظموا اعتصامات سلمية، لكن على الرغم من احتجاجات المواطنين العاديين، لم يتم تأجيل بناء المختبر.

وتشير صحيفة "إزفستيا" إلى أنه تتواجد شبكة من المعامل على أراضي أوزبكستان، ظهر أولها في طشقند عام 2007، فقد تم دفع تكاليف البناء بالكامل من قبل وكالة DTRA التابعة للبنتاغون، وفي عام 2013، وظهر مرفقان أمنيان آخران من الدرجة الثانية في أنديجان وفرغانة، وفي عام 2016، تم تشغيل مختبر التشخيص الإقليمي في خوريزم في أورغينش، وفي عام 2010، افتتحت الولايات المتحدة شبكة من 13 مختبرًا من هذا القبيل في أوكرانيا، بما في ذلك معهد متشنيكوف الأوكراني لأبحاث مكافحة الطاعون، الذي يدرس الجدري والتسمم الغذائي والجمرة الخبيثة.

وفي عام 2012، مولت الولايات المتحدة، في إطار برنامج المشاركة البيولوجية المشترك، افتتاح مختبر وزارة الدفاع الأذربيجانية لرصد الأمراض المعدية، وبعد عام، تم الانتهاء من بناء مرفق من المستوى الثالث للسلامة البيولوجية في باكو، وهو متخصص في دراسة مسببات الأمراض في العينات البشرية والحيوانية، وفي جورجيا، وعلى بعد 17 كيلومترًا من قاعدة فازياني الجوية بالقرب من تبليسي، تم إنشاء مركز ريتشارد لوغار لأبحاث الصحة العامة، وفي عام 2018، ادعى وزير أمن الدولة السابق للبلاد إيغور غيورجادزه أنه يمكن إجراء تجارب سرية على الأشخاص في هذا المركز، وأوضح أوليغ زيلتونوزكو، المتخصص في مجال الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ان ثل هذه المختبرات تظهر كجزء من التطوير العسكري الأمريكي لأراضي ما بعد الاتحاد السوفيتي.

ويؤكد المختصون انه يتم دعمهم رسميًا من خلال المنح الأمريكية، وانه تم تشكيل برنامج أبحاثهم أيضًا من قبل الأمريكيين، وفي وقت من الأوقات، قدم إيغور جورجادزه (ضابط سابق في المخابرات السوفياتية الجورجية ووزير أمن الدولة في جورجيا - إيجور جورجادزه) مجموعة كاملة من الوثائق حول التطورات الجارية في أحد المنشآت الأمريكية في جورجيا، وكان الأمر يتعلق ببعض الأدوية، ولكن في الواقع تمت دراسة الوسائل الأمريكية للتأثير على الجسم، مع مراعاة الخصائص البيولوجية للسكان المحليين والأمريكيين والقوقازيين والأوروبيين، ويمكن الافتراض أن هناك تطورات في بعض الوسائل للتأثير بشكل هادف على السكان المحليين، لكن هل يمكن تسميتها أسلحة بيولوجية؟ هذا المصطلح غير واضح الآن، ولا يزال من الصعب فهم ما قد يظهر في النهاية، وعلى سبيل المثال، كانت هناك شكوك بأن حمى الخنازير الأفريقية، والحمى النزفية، التي انتشرت بين الحيوانات، أتت من أراضي جورجيا إلى شمال القوقاز، لكن لم يكن من الممكن تحديد مصدر العدوى.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

محمد سعد عبداللطيفأصوات طبول الحرب تدوي عاليا، ولهجة الخطاب أصبحت أكثر حدة"!!

هل تنوي روسيا حقا غزو أوكرانيا وتشعل الشرارة الٱولي لحرب عالمية ثالثة؟

مع وصول المحادثات بين موسكو والغرب بشأن الأزمة الأوكرانية إلى "طريق مسدود"، وفق التصريح الروسي، وهل فشل المساعي الدولية لنزع فتيل الأزمة، تزداد يوماً بعد يوم، تنبٱ بحدوث مواجهة عسكرية قد تطال كل الغرب؟

وسط تصعيد في اللهجة العسكرية المتبادلة، كما ذكر  مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، "جيك سوليفان  إن خطر الغزو العسكري بات كبيراً. كذلك تصريح وزير خارجية بولندا قال نحن علي ابواب حرب بدٱت شرارتها،

ماهي توقعات الخبراء إذا اندلعت المواجهات في ظل عالم تحت صفيح ساخن،  وشتاء ساخن للغرب، حرب بدٱت بالفعل الحرب الالكترونية المعلوماتية وتوقف الٱجهزة في بعض الدوائر الحكومية  في اوكرانيا،  هل تصريح بوتن صدق  حين قال  سوف يرد علي التهديدات الغربية، "تقنيا وعسكريا". هل الحرب التقنينية بدٱت ٱمس الجمعة. !!

هل يشعل فتيل الصراع في اوكرانيا  مناطق آخري ساخنة من الصراعات في شبة جزيرة. "كوريا وايران، واسرائيل .ووسط ٱسيا، وشرق اوروبا، هل يصبح الطريق مسدود في مفاوضات نزع فتيل حرب بعد فشل الجهود الدبلوماسية، هل الحرب هي البديل التي سوف تدمر حوالي 70%من البنية التحتية في العالم وتقطع كل الاتصالات وشبكات الإنترنت .ويصبح سماء العالم  نار من  جهنم  يحمل غبار نووي يقضي علي الٱخضر. واليابس، هل الضربة الٱولي ستنطلق من الحشود العسكرية الروسية .علي حدود اوكرانيا،او من داخل المحيط الاطلسي عن طريق غواصة نووية روسية،الاستخبارات الٱوكرانية لديها معلومات بنشوب الحرب هذا الشهر  صراع الٱفاعي والقوة النووية هل. تكون نهاية العالم !" في ظل هذا التوتر  عقد مجلس حلف "الناتو "في مقره ببروكسيل، يوم الأربعاء الماضي، محادثات مع" موسكو". بشٱن تخفيف حدة التوتر علي الحدود الأوكرانية، من الحشود العسكرية الروسية الضخمة التي تقدر بحوالي/ 150 الف جندي /، وقد صرح ٱمين عام حلف الناتو في المؤتمر الصحفي ٱن الناتو سيعزز وجودة شرق أوروبا إذا تعرضت أوكرانيا للهجوم من قبل روسيا، هل يعيد التاريخ سيناريو  الٱزمة في البحر الكاريبي في جزيرة، (كوبا) في نشر صواريخ  من قبل الٱتحاد السوفيتي في ستينيات القرن المنصرم ٱبان الحرب الباردة هل يتوقع ٱن تكون زوبعة في فنجان  من ارتفاع سقف  الطلبات الروسية  المستحيل قبولها من الغرب،هل (بوتن)عازم بالفعل علي غزو ٱوكرانيا في حالة الاعلان عن ضمها هي وجورجيا الي حلف الناتو؟ 

هل اصبح الوضع في البحر الٱسود مزعج للآمن القومي الروسي علي حد تصريح الرئيس الروسي الذي كان بحيرة روسية وصار به لاعبيين دوليين علي الحدود الروسية؟ روسيا لن تتوانى فى حال قبول عضوية اوكرانيا في حلف الناتو، حدوث هجوم عسكرى أن يتم فصل أجزاء كبيرة من شرق أوكرانيا، تحت ذريعة وجود نسبة كبيرة من السكان من أصول روسية هناك، تكراراً للنموذج الذى جرى فى جنوب جورجيا بإقامة (كيانين خاضعين)  للنفوذ الروسى، بل وبما قامت به من ضم شبه جزيرة «القرم» إلى سيادتها قبل ثمانية سنوات، وفصلها كلياً عن الدولة الٱم،ليصبح هذا الطلب الروسي في كل دول الامبراطورية السوفيتية السابقه لضم اجزاء من دول وسط وشرق اسيا،من وجود اقليات عرقية روسية  تخوفات بحدوث ذلك !!:)

غير أن هذا  الٱجتماع الٱخير في بروكسيل  قد يكون فقط تكرارًا لمحادثات (جنيف  وفينيا) التي اعتزم كلّ فريق خلالها التمسّك بمواقفه.

ويعتبر الملف الأوكراني، بمثابة "الشوكة" في خاصرة الروس، الذين يشككون دوما في نوايا " كييف"، فيما تتخوف الأخيرة باستمرار من تكرارا تجربة ضم جزيرة القرم (عام 2014) واجتياح أراضيها، مكررة في الوقت نفسة أن لها الحرية المطلقة بالانضمام للناتو، مما يشكل حساسية كبرى للكرملين. بعد الٱعلان عام (2013) عن طلب الرئيس الاوكراني  بطلب انضمام بلادة  الي الناتو، وفي خضم هذا الصراع كانت المحاولة لنزع فتيل الأزمة،في مقر حلف الناتو وجرت

تلك المحادثات بين "الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين "مع موسكو في مقرّ الحلف في بروكسيل، لمحاولة تجنيب المنطقة ما تعتبره واشنطن تهديدا روسيا باجتياح أوكرانيا، بعد أن أعلنت  " نائبة وزير الخارجية الأميركي "ويندي شيرمان " يوم الثلاثاء من الٱسبوع الماضي ممثلي الدول الثلاثين الأعضاء في حلف  الناتو بفحوى المفاوضات التي أجرتها في "جنيف مع نائب وزير الخارجية الروسي ''سيرغي ريابكوف."

فيما مثّل روسيا نائب وزير الخارجية ألكسندر غروشكو الذي وصف الاجتماع بأنه لحظة الحقيقة في العلاقات بين بلاده والناتو.

على أن تمثّل شيرمان الولايات المتحدة فيما أرسلت فرنسا (فرانسوا دولاتر) وهو المدير العام لوزارة الخارجية الفرنسية. في المقابل كان هناك عدم ارتياح من الجانب البولندي لقيادة فرنسا المفاوضات،وتطلع فرنسا الي قيادة اوروبا في هذة الٱزمة وكانت تخوفات بولندا من اجتياح روسي لباقي الدول الٱوروبية بعد اجتياح اوكرانيا،فقد أكد الأمين العام للناتو "ينس ستولتنبرغ "أن الحلف قد ينشر قوات إضافية في الدول الأعضاء به في شرق أوروبا إذا استخدمت روسيا القوة ضد أوكرانيا.

خطر حقيقي لنزاع مسلح جديد في أوروبا" لكنه قال إن الحلف "سيبذل كل ما في وسعه لمنع" أي سيناريو من هذا القبيل. !!"

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري. وباحث في الجغرافيا  السياسية

 

 

عبد الجبار العبيديان أخطر ما تواجهه الشعوب من حكامها هي نظريات التبرير.. حين يعمدون الى تحويل الحق الى باطل والعدل الى ظلم.. تساندهم قوة السلطة والمنتفعين منها رغم ان النظرية مستمدة من نظرية المعرفة،لكن المبررين سرعان ما يُكشفون،فتسقط هيبتهم لدى الناس كما نراهم اليوم.من هنا فأن هذا التوجه يفسد نظرية الحكم ويصيب الدولة بالشلل في حقوق الناس.. والتبرير يختلف من شخص الى اخر حسب قوة القدرة التجريبية او المنطق او الشهادة.وعلى العموم قاومت الحكومات المخلصة لشعوبها هذ النظرية كي لا تنتشر بين المواطنين.. لتصبح وسيلة من وسائل الدفاع عن الوضع الراهن ومبرراته لحماية النظام المجحف بحق الشعب.. والمواطنين.

الانسان العراقي رغم حضارته الضاربة في القدم منذ عهد السومرين، وتاريخه الناصع المشحون بكتب الشرائع منذ عهد آورنمو السومري (2212 -2095ق.م )الكبير.. والدساتر على عهد حمورابي البابلي (1750 ق.م صاحب الدستور الاول في العالمين.. والوثائق الاشورية التي حددت المفاهيم.. والكتابة التي ساعدتهم على اختراع التدوين فتولدت عندهم الحضارة التي علمتهم نظريات ربط الظواهر قبل الاخرين.. لكن النظرية التبريرية منذ القدم رافقت الحاكمين.. هنا يأتي دور المؤرخين..

ورغم هذه المظهرية الحضارية والبعد الزمني لا زال انسان الحضارة القديمة جاهلا بادوات الاستخدام لها،لان الظروف السياسية التي واكبته خلقت منه انساناً مضطرباً مبررا لكل خطأ يرتكبه دون الأعتراف به.. وكأن نظريات التبرير التي خلقت من نظرية المعرفة قد لا زمته.. لذا لم يعد يدرك ما يحيط به من كثرة ما تلقى من الصدمات التاريخية التي لم يعد بامكانه مقاومتها نتيجة الحروب المتكررة وغزوات الشعوب الاخرى الطامعة بوطنه، وسيطرة الدكتاتورية المقيتة عليه.التي أستنزفت طاقته المبدعة فحولته الى انسان عاجزا على قدرة الاستفادة والتطوير..

لكن أصالته الحضارية قد تغلبت على عجزة فكان ثورة عارمة كلما واجهته الصعاب لاسترداد الحقوق.. وهكذا كان ولا زال.فالانسان له طاقة وقدرة على التحمل،ليس باستطاعته ان يتحمل اكثر من طاقته.. هذا الأنسان لا يُغلب ان توفرت له القيادة الناجحة.. ولكن أين له من ذلك.. على مر السنين ؟ نأمل من قيادة تشرين 19 ان تخلق لنا قيادة التحقيق.

ولأن الانسان العراقي نشأ علمانيا لم يرتبط بدين منذ عهد اورنمو واكد وبابل ونينوى،حين حشر في الاساطير والخرافات الذي اعتبره احيانا نوع من الدين كما في ارتباطه بآله الشمس والمعابد والزقورات وايتام المواخيروالتي حينما نقرأ تاريخه القديم نراه هو شيء والدين الذي فرض عليه شيء اخر. فظل مع ما نؤمن به اليوم من مصطلحات التقدم والتأخر بعد ان آمن بفكرة الحركة التي نادت ان الزمان والاشياء في تغير وتحول دائمين ولهم في ذلك مذاهب شتى.والانسان العراقي هو الوحيد الذي امن بالفكرالحر ولم يعرف الدين والبعث بعد الموت، فكانت له مدرسة لتعليم الكتابة والقراءة وليست مخصصة لمواخيرالرذيلة والبغاء. والمرأة كانت عنده معلمه وقاضيه في المعابد محترمة لا مسترخصة كما هي اليوم، وكان له قانون وشريعة لا تخترق كما في شريعة حمورابي.ولم تكن للآله بغايا معابد وقصور، بل حكم مطلق يستمد قوته من عدالة القانون.. بينما الاله الفرعون كان في الحضارة المصرية القديمة.. يعتقد في البعث بعد الموت لذا كان يدفن احتياجات الميت معه املا في عودة اللقاء من جديد.لذا عرف منذ البداية دفن الموتى كأنه خيال في وجود.

ويبدو ان الحضارات وان اختلفت مساراتها،لكنها تشترك في اهدافها وفلسفتها الحياتية.فاليونانيون ومنهم هرقليط أمنوا بالحركة الدائمة،وسبب هذه الحركة هو الصراع الذي يؤدي الى تحول الاشياء بعضها الى بعض،فالوجود عنده موت يتلاشى،والموت وجود يزول.فالخير والشر والكون والفساد امور تتلازم وتنسجم في النظام العام.. لذا كان ليس بحاجة الى فلسفة التبرير.

والعراقيون في حضاراتهم السابقة من سومرية وكلدانية وبابلية وحتى الاشورية كانوا على علم ويقين بحركة الزمان وانتقال الاشياء من حال الى حال.ومن يقرأ مدونة اصلاحات أوركاجينا وآورنمو وقانون حمورابي يدرك ذلك تماماً، لكنهم كانوا لايؤمنون بالبعث واليوم الاخر،لذا حتى موتاهم كانوا يدفنون في حفر بلا لحود ولا اشياء ترافقهم كما كان عند المصريين القدماء. هذا هو الذي طبع الفكر العراقي بالابداع وربط الظواهر والابتعاد عن الخرافة والشعوذة وغيرهما.. كثير.

لذا ترى العراقي الى اليوم رابطاً للظاهرة لا تفوته الفكرة المقابلة ابداً حتى سرت بين العراقي منذ القدم مقولة(أمفتح باللبن،ويقرأ الممحي) وهي حقيقة وليست وهماً، حتى ان مؤرخينا المُحدثين قد اقروا في ذلك كما كنا نقرأ للمرحوم المؤرخ الاثاري الدكتور رضا الهاشمي في ارائه المعمقة والبرفسور طه باقر مؤرخ الحضارة العراقية القديمة، لكن عيبهم الوحيد انهم كانوا منذ القدم لايتفقون على رأي معين.. رغم كونهم يقولوا بالحركة الدائمة للحياة والموت معا.. ويبدو انها خصلة تركزت فيها نتيجة تغير الظروف الحياتية بأستمرارعندهم.. لكن اذا ما توفرت الظروف الملائمة سرعان ما يتفقون.

لقد ادخل الاسلام على الفكر العربي عمقا بالغاً،فأزداد احساس العربي بالوجود والموت،وجاءت النظرية القرآنية لتؤكد ذلك في سورة الملك اية (2) "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" ومن القرآن الكريم نعلموا ان الوجود حياة والموت حياة، فأصبحوا كيف يفكرون بامور الحياة المعنوية حين احسوا بالخير والشر. وقد عبر شعراؤهم حين قالوا:

لكل شيء اذا ماتم نقصان      فلا يغرك بطيب العيش انسان

هي الامور- كما شاهدتها- دول من سرَهُ زمن ساءته أزمانُ

وفي وثيقة اردشير الفارسي المسماة (عهد آردشير) مؤسس الدولة الساسانية أكد وجود هذه الفكرة،حين حذر الملوك والسلاطين من الاغترار بالدنيا والجاه والسلطان وان الزمان في تغير لااحد يستطيع رده.. لكن الحاكم الفارسي لازال بعيدا عن هذا الاعتقاد.. فهو نرجسي لا يعتمد عليه في شدة.. لماذا.. ؟

ثم جاءت نظريات ابن خلدون حين حاول تطبيقهاعلى تاريخ دول المسلمين فسماها دورة العمران.

وعلى الجملة ان الانسان واحد والفكر واحد لكن الذي يتغير فيه هي ما تمليه عليه الظروف من تقلبات واحداث لتصهره وتكيفه كيفما تشاء. لذا فالعلم ليس هو الوحيد الذي يرقي عقل الانساني وانما جملة عوامل اخرى التي تعمل على صقل فكره وتغييره من حال الى حال منها البيئة الحرة التي تربى فيها.. لذا لايمكنه من المحافظة على توازنه امام مغريات الترف او الحضارة فيظهرعليه التباين بين مستواه الخلقي والسلوكي كما نرى الحاكم اليوم ،اما الثقافة فهي التحول الداخلي للانسان التي تجعل منه انسانا يستطيع اتخاذ موقف سليم من الحضارة وادواتها والترف واشكاله.

هنا يستدعي الامر ان نقارن بين الانبياء وقادة الدول،بين محمد (ص) وابو سفيان، وبين عمربن الخطاب والاسكندر المقدوني، وبين ماو تسونغ وهتلر وموسليني بعد الحروب.،لنرى كيف ان الثقافة الملتزمة قد خلقت منهم انساناً يؤمن بالقيم المعنوية وبحقه وحقوق الاخرين في قيادة الوطن والامة والأخر، يؤمنون بانفسهم وادوات الحياة.. لكن عندما اساء الحاكم القيم ضيع نفسه وملكه وشعبه دون ان يدركوا مخاطر نظريات التبرير.فتأصلت بمن جاء بعدهم ولا زالت.. تشعل العروق.

هنا تبقى المبادىء والقيم هي الاساس في حكم الناس وليس قوانين التبرير،وهوان الحاكم النقي يبقى محتفظا بها وبكرامته ونبله امام الناس، اذا ما بقيت المبادىء في رأسه شذرة من شذرات القوة ليواجه الباطل ونظرية التبرير، بكل مغرياتها المادية والمعنوية ليقول لها محمد(ص) بايمانٍ مطلق :(والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان اترك هذا الامر ما تركته او اهلك دونه) ويقصد هنا الدعوة الاسلامية ومُثلهاومبادؤها العتيدة،وهو الذي انتقل الى جوار ربه ولا يملك من الدنيا المادية شروة نقير،لكنه ملك الحياة والناس والرب معاً، وسيبقى ذكره خالداً محفورا في عقول الناس والتاريخ.. فهل من يدعون الاسلام اليوم يطبقون.. ؟ لا أعتقد..

فهل من يدعون بالدين والانبياء والرسل وأهل البيت والصحابة اليوم كذبا وزورا.. مدركين ما فعلوا ويفعلون حين أرتدوا نظريات التبرير في حكم الشعوب بقصد التظليل والمظلومية الكاذبة فخانوا الوطن.. بعد أن اضاعوا مشروع الحكم الوطني في التطبيق.. وهاهم يعيشون اليوم في نظرية الخوف المستمر نتيجة التبرير الخاطىء في التطبيق رغم الرفاهية والمال المسرق الكثير.. وما دروا ان العدل هو أقوى جيش.. والآمان أهنىء عيش.. فمن يعش في خوف مستمر.. لن يكون حراً ابدا.. حكام الغدر والخيانة وسرقة اموال الشعوب مثالا اليوم.. فهل يتعضون..

ان أفضل مايفعله الفاشلون اليوم هو ان يصنعوا من أنفسهم رجال دين، ونقول لهم: ما قيمة الناس الا في مبادئهم  فلا المال يبقى ولا الألقاب والرتب.

كن يا حاكم الوطن المستباح اليوم للأغبياء.. كالاحجار الكريمة التي لا تصنع.. بل يصنعهم القدر أبحث عنهم فلا تغرك الدنيا وتبقى تبحث عن المال فأصحاب الاموال.. بلاقيم يبقون عبيدا لها.

الحاكم هو الذي يحدد قيمة نفسه كما في غاندي الهند.. ومهاتير محمد ماليزيا فلا تصغر من شأنك حين ترى فخامة الاخرين من خونة الاوطان والشعوب يتظاهرون.. فلو كانت القيم والمبادىء تقاس بالأوزان.. لكانت الصخورأغلى من الماس.. فأطلب الحق ايها المواطن المخلص وان قل..؟

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

ابراهيم أبراشبصمت وبدون ضجيج إعلامي أو اهتمام شعبي كبير بدأ ممثلو  الفصائل الفلسطينية بالتوافد إلى الجزائر العاصمة تلبية لدعوة وجهها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون  للفصائل الفلسطينية لجلسة حوار في محاولة لرأب الصدع وإنجاز مصالحة وطنية، وفي هذه الجولة ستكون لقاءات منفصلة تجريها اللجنة الجزائرية المُكلَفة بملف المصالحة مع كل فصيل على حدة، وبعدها ستقرر الجزائر ما إن كان هناك حاجة لجولة ثانية تجتمع فيها كل الفصائل لاستكمال الحوارات أم سيتوقف الأمر عند الجولة الأولى، والأمر هنا لا يتوقف على الجزائر بل على مدى توفر الإرادة عند الأطراف الفلسطينية على إنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام، لأن المكان الذي كانت تجري فيه حوارات المصالحة سابقا لم يكن السبب في فشل المصالحة، بل غياب الإرادة عند الأحزاب بالإضافة إلى التدخلات والاشتراطات والضغوط الخارجية على الأطراف الفلسطينية، وهنا نُذَكِر بأن عشرات جولات الحوار الفلسطيني والتي آلت كلها للفشل لم تكن فقط في مصر بل سبقها وتلاها حوارات مصالحة رسمية وغير رسمية في السودان واليمن والسنغال وقطر وتركيا وسويسرا وروسيا، ولا نعتقد أن كل هذه الدول كانت متواطئة لإفشال المصالحة الفلسطينية!!! .

لقد سبق وأن كتبنا أكثر من مرة أن إنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام بما يحقق توحيد الضفة وغزة في سلطة وحكومة واحدة لم يعد شأناً فلسطينياً خالصاً، مع أنه مطلب وأمنية لكل الشعب ويحقق مصلحة فلسطينية عامة، ففي هذا الملف تتدخل أجندة عربية وإقليمية ودولية بالإضافة إلى إسرائيل التي صنعت الانقسام الجغرافي وتتحكم بنقاط العبور والتواصل بين غزة والضفة، كما أن طول أمد الانقسام خلق وقائع على الأرض زاد من صعوبة إنهاء الانقسام. إلا أن الصعوبة لا تعني الاستحالة بل تعني الحاجة لمزيد من الإرادة مع ضغط شعبي على الأحزاب والطبقة السياسية التي استمرأت بعض مكوناتها حالة الانقسام بسبب ما تمنحهم من منافع ومصالح.

نعم، المصالحة ممكنة في حالة تفكيك ملفاتها والاشتغال على ما هو ممكن الآن ولا تستطيع إسرائيل أو الأجندات الخارجية إعاقته، وفي هذا السياق يمكن تحقيق اختراقات في ملف التوافق على إستراتيجية عمل وطني تحدد الهدف الوطني النهائي وأدوات تحقيقه، شكل وحدود الدولة المنشودة، شكل المقاومة المتناسب مع طبيعة المرحلة، توحيد المنظومة القانونية في الضفة وغزة، وقف الاتهامات والتراشق الإعلامي ولغة التخوين والتكفير، اتمام الخطوات التي تم التوافق عليها فيما يتعلق بملف منظمة التحرير، التوافق على إجراء الانتخابات العامة.

وفي هذا السياق يأتي دور الجزائر لإنجاز هذه الملفات أو بعضها، أما لماذا الجزائر؟ ولماذا الآن؟ .

لماذا الجزائر؟ لأن للجزائر، شعباً وحكومة، علاقة خاصة مع فلسطين تعود لزمن انطلاق الثورة الفلسطينية حيث استلهمت هذه الأخيرة تجربة الثورة الجزائرية في مواجهة الاستعمار الفرنسي وكانت الجزائر بعد الاستقلال من أول وأهم الدول التي ساندت الثورة الفلسطينية ودعمتها عسكرياً ومادياً وأقامت قواعد للثورة على أراضيها واستمرت الجزائر تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني بالرغم من تغير القيادات والأحوال في الجزائر وفلسطين، وبالتالي فهي صادقة وجادة في تحقيق ولو بعض الانجازات في ملف المصالحة دون أن يكون لها أي أغراض سياسية خاصة بها، ولأنها أيضاً متحَرِرة من أية ضغوط خارجية عليها.

أما لماذا الآن؟ فلأن الأمور في فلسطين رسميا وشعبيا وصلت لحد الكارثة و استنزف الصراع الداخلي الشعب والأحزاب والسلطتين وانكشف مأزق الجميع، مأزق دعاة التسوية السياسية والمراهنة على اتفاقية أوسلو وتوابعها حيث تنكرت إسرائيل لكل الاتفاقات والوعود وجارتها في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى محدودية قدرة الأمم المتحدة وقراراتها على فرض سلام عادل، أيضاً مأزق دعاة المقاومة حيث آلت أربعة حروب وأربعة عشر عام من السيطرة على قطاع غزة تحت عنوان حماية مشروع المقاومة إلى مزيد من المعاناة والبؤس وحصار قطاع غزة ومساعي توقيع اتفاقية هدنة يتم فيها التنازل عن المقاومة مقابل مساعدات مادية وتثبيت سلطة واهية لحماس في غزة.

حوارات الجزائر بمثابة بصيص نور وبارقة أمل حتى وإن كانت واهية بإمكانية أن تُعيد جميع الأحزاب النظر في مواقفها ونهجها ويلتقي من تبقى من عقلاء فيها، برضاهم أم كُرهاً، لإنقاذ القضية الوطنية من الضياع، وإن لم يفعلوا فالشعب الفلسطيني سيواصل نضاله بالأحزاب أو بدونها وبالمصالحة بينها أو بدون مصالحتها، فالشعب الفلسطيني وقضيته العادلة موجودان قبل أن تتواجد الأحزاب السياسية الراهنة، ومستقبل ومصير القضية ليس رهينا بالأحزاب التي هي حالة عابرة على شعب يضرب بجذوره في أرض فلسطين منذ حوالي خمسة آلاف سنة.

وعلى الأحزاب أن تعلم أنها إن عادت من الجزائر دون توافق ولو في الحد الأدنى فلن يغفر لها الشعب وسيحملها المسؤولية عن كل المصائب، بل سيكون غضب الشعب على الأحزاب أشد من غضبه على الاحتلال، وقد لا تكون مستقبلا أية فرصة أخرى للمصالحة والوحدة الوطنية.

 

إبراهيم ابراش

 

 

قاسم حسين صالحشهد يوم افتتاح الجلسة الاولى للبرلمان العراقي، الأحد (9/ 1/   2022) دخول الفائزين من التيار الصدري.. بالأكفان، ودخول الفائزين من التشرينيين ب(التك تك).. فكتبت في اليوم الثاني اصبوحة كانت بالنص:

(لا تبنى دولة بارتداء الأكفان وركوب التكتك،

بل تبنى بحكومة نزيهة تستقطب عقولا كفوءة ومستقلة).

وكنت انوي كتابة مقالة عما حدث ، لكنني وجدت في تعليقات العراقيين ما يستوجب توثيقه ،  اليكم نماذج منها كما كتبت بالنص:

* عماد فاخر

الدولة تبنى بالفكر الحر وفق أطر وقوانين  تستهدف خدمة المواطن ورقيه،  وليس بمجموعة أحزاب همها الأول والأخير الصراع على السلطة والسيطرة عليها مهما كان الثمن.. الدولة تحتاج إلى تخطيط سليم وبناء فكري ممنهج.

قيس حميد فرحان*

احسنت استاذنا الفاضل دكتور قاسم..  لا تبنى الدول بالمظاهر المزيفة.

*  عزيز يوسف

دكتور حبيبي همه ليش مايعرفون،  وللعلم اجو من ارقي دول العالم،  بس ذوله محكومين من دول تريد للعراق ان يصبح ضيعة لايران وتركيا ودول الخليج.

ابو حسين الربيعي*

مشكلتنا انه لا احد يفكر بالوطن بل بمصالحه ومشاكله مع الاخر والتي برزت بشكل واضح في الجلسه..  تشّفي وغيض وشماته.. وهذا لايبشر بمستقبل زاهر.

* مكي حداد

ومتى نرى هكذا دولة وقد عبرنا ال ٦٥ من العمر عتيا!

* هدى العزاوي

ضحك على ذقون الناس الجهلة

* هاشم حسين ناصر المحنك

بين الشكليات والحقائق شيطان أشر

* ميمون ترك

دكتور سابقا ذكرت هلشي. مفروض مايقبلون حزب للترشح في انتخابات مالم يكن لديه ملف وخطه عمل كامله للمدة اربع سنوات.التقيت اكثر من 5 مرشحين وهم من احزاب كبيره قبيل الأنتخابات.. ماعدهم اي معلومه او فكره للمستقبل،  ماعدهم اي رؤيه للمستقبل مثلا.. في قطاع تعليم وصحه وبلديات ونفط وغاز.. الاف الأستثمارات في انتظار محافظات عراقيه محد مطرق. للموضوعه بناء دوله يحتاج ناس اكفاء

*  دكتور سلام جبار جياد

رسالة واضحة للاحتفال بالفوضى القادمة - كتب على العراق الشقاء - ولن تقوم للبلد قائمة - ولو اتيحت الفرصة لهجرة امنه لن يبق بالعراق من يحمله جوازه وحتى هؤلاء الذين يخدمون الوطن من برلماني الاكفان والتكتك كلهم امنوا او سيؤمنون حياتهم وحياة عوائلهم خارج البلد فيما يذكرون الفقراء بطمري علي ابن ابي طالب ويطلبون منهم ان يزهدوا حتى بالتنفس.

* سمية زكي

وكذلك بالتخطيط للمستقبل اقتصادياً وثقافياً واحترام الشعب وحفظ كرامته.

غانا * نصرت

وبالكفاءة والتعاون وخدمة الناس والاحترام والنزاهة وحب الخير.

* نهى عبد الله

بعد هذه السنوات باتت الدولة بجميع مؤسساتها طاردة للعقول والكفاءات المستقلة

زهير العبدلي

طريقه اخرى مبتكره للضحك على ذقون الحمقى من الناس.

* ندى طالب رمضان

كلها مظاهر خداعة تخفي ورائها النفاق والظلم

* عماد علو

مؤشرات على وجهتنا إلى المستقبل المنشود.!؟

كان الغرض من ذكر هذه النماذج من التعليقات ان يفهم السياسيون ان العراقيين يعرفون أمرين :أن الدولة تبنى بحكومة نزيهة تستقطب العقول العراقية الكفوءة والمستقلة.. تخطط للمستقبل اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وتحترم الشعب وتحفظ كرامته.  والثانية: ان ما يجري هو ضحك على الذقون ومظاهر خداعة ونفاق وان لا احد (منكم) يفكر بالوطن.

لكنهم كما قال الأخ عبد المطلب محمود (عزيزي دكتور.. لن يقرأها احد منهم!)

ما هكذا يكون البرلمان!

يعني البرلمان، هيئة تشريعيه تمثل السلطة الأعلى في الدولة، المخول بموجب دستورها باصدار تشريعات وقوانين تعبر عن ارادة الشعب واولياته، وتمثيل الشعب امام حكومة نيابية يراقب أداءها بتأيدها ان اصابت ومحاسبتها ان اخطات، وهو السلطة الأقرب للمواطن واهتماماته. وما حصل ان البرلمان تحول في (الأحد 9 كانون) الى ساحة لصراع خصوم وأخذ ثأر وتباهي بفوز لأذلال الآخر. ومن طريف ما حصل أن التشرينيين الذين دخلوا البرلمان بـ(التكتك) خرجوا منه بـ(الجكسارة!).

ومع ذلك فان البرلمان بدورته الخامسة حقق ما لم تحققه الدورات السابقة، ففيه حصل تجاوز للطائفية والمحاصصة، وشكل خطوة باتجاه معارضة حقيقية.. وفيه حصل أن (الكعكة) التي كان يتقاسمها كل الفرقاء.. سيتقاسمها الآن الفائزون فقط!

لقد صرح الصدر بعد يومين من انعقاد جلسة الأحد بأنهم (ماضون لحكومة الأغلبية).

فان نجحت فانه يجب ان تكون (حكومة حلول) تعالج الآتي:

تأمين الخدمات ، فعلى مدى (18) سنة تحولت مدن العراق الى خرائب، بما فيها  العاصمة بغداد التي صارت من  اسوأ عواصم العالم.

تشكيل محكمة من قضاة مستقلين تتبنى مبدأ (من اين لك هذا؟) واسترداد ما نهب من ثروات العراق التي يكفي نصفها لأعمار دولة خرجت من حرب كارثية.

ان تؤسس لسيادة القانون.. بحصر السلاح بيد الدولة وانهاء نفوذ الفصائل المسلحة(وبعضها تقاسمت السيطرة على احياء بغداد).

خفض رواتب وامتيازات اعضاء البرلمان العراقي.. فما يتقاضونه يفوق رواتب اقرانهم في بلدان العلم بما فيها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا.

بهذه تبنى الأوطان.. وليس بركوب التكتك وارتداء الأكفان.

 

د. قاسم حسين صالح

 

 

كريم المظفرالمفاوضات مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بشأن الضمانات الأمنية، والتي انتهت مؤخرا في جنيف وبروكسل و فيينا، كانت المحور الرئيسي للمؤتمر الصحفي التقليدي السنوي لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حول نتائج عمل الدبلوماسية الروسية، واستمر ما يقرب من ثلاث ساعات، بالإضافة إلى قضايا العلاقات مع الغرب وحده هذه المرة، رغم أنه في كل إجاباته تقريبًا ذكر الأميركيين، بالاتجاهات التي ستطور بها روسيا سياستها الخارجية في عام 2022 .

وكجزء من الحوار الروسي الأمريكي حول قابلية الاستقرار، وفي بروكسل وعلى هامش مجلس روسيا والناتو، وفي فيينا كجزء من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، المجلس الدائم، وموسكو لديها ثلاثة مطالب رئيسية: عدم توسيع الناتو، وإعادة أسلحة الحلف إلى مواقع عام 1997، وعدم نشر قواتها الضاربة بالقرب من حدود الاتحاد الروسي، ورفض التحالف المطلبين الأولين رفضا قاطعا، معلنا استعداده لمناقشة النقطة الثالثة، وأوضح سيرغي لافروف أن هذا الخيار لا يناسب موسكو، وأكد مرة أخرى أن المقترحات الروسية "ليست قائمة، بل حزمة"، في الوقت نفسه، أشار الوزير الروسي إلى أن موسكو تعول على استمرار المفاوضات، وإذا تلقت روسيا رفضًا، فقد يكون رد فعلها مختلفًا تمامًا، وقال " الأمر يعتمد على المقترحات التي سيقدمها للرئيس الروسي له خبراؤنا العسكريون ".

وفي معرض تعليقه على احتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أشار إلى وجود "خطين أحمرين" بالنسبة لموسكو فيما يتعلق بأوكرانيا، محذرا في الوقت نفسه من مغبة تدخل عسكريين من الناتو بالنزاع الدائر في دونباس، وإن روسيا ترفض رفضا قاطعا اقتراب الحلف من حدودها وتعتبر ذلك "خطا أحمر حقيقيا"، وحتى لو بقيت أوكرانيا خارج الناتو، فإنه قد تكون هناك اتفاقيات ثنائية محتملة مع الأمريكيين والبريطانيين والدول الغربية الأخرى التي تقيم منشآت وقواعد عسكرية على ضفاف بحر آزوف، وشدد الوزير لافروف "هذا أيضا غير مقبول بالنسبة لنا، لأن نشر أسلحة هجومية على أراضي جيراننا مثل أوكرانيا، يشكل تهديدا لروسيا، هو خط أحمر آخر".

وزير الخارجية الروسي لفت إلى أن "المئات" من العسكريين الأمريكيين والبريطانيين موجودون في أوكرانيا، في حين يمثل قيام الغرب بتزويد أوكرانيا بالأسلحة "إغراء إضافيا" لكييف للجوء إلى استخدام القوة لحل النزاع في دونباس، وحذر لافروف في الوقت نفسه من أن مشاركة المدربين الغربيين في الصراع في دونباس غير مقبولة إطلاقا، وستكون "تجاوزا للخطوط الحمراء"، كما أنها ستعني "صداما مباشرا بين الروس من أصحاب الجنسية الأوكرانية من جهة، وعسكريي الناتو، من جهة أخرى".

وحمل لافروف أيضا الناتو المسؤولية عن محاولة جر أعضاء جدد منهم أوكرانيا إلى صفوفه بشكل اصطناعي، مؤكدا أن موسكو ستواصل العمل كي تكون مستعدة لأي سيناريو، محذرا في الوقت نفسه من أن الغرب يعمل على تقويض قواعد العلاقات الدولية المبنية على ميثاق الأمم المتحدة ويحاول إملاء نهجه على الآخرين، مشددا على رفض روسيا لهذا النهج، وقال إن دول الغرب تسهم في تطور الأمور بطريقة سلبية، مشيرا إلى أن مخاطر اندلاع المواجهة في العالم تتصاعد.

وتنتظر روسيا من الغرب ردا خطيا مفصلا على اقتراحاتها بخصوص الضمانات الأمنية، لأن "الشركاء " الغربيين برأي وزير الخارجية الروسية سبق أن خالفوا وعودهم السابقة إزاء موسكو، وقال "بودي الإشارة خاصة إلى أننا نحتاج إلى ضمانات قانونية ملزمة "، لأن الشركاء الغربيين لم يفوا أبدا بالاتفاقات السياسية التي تم إبرامها في التسعينيات، ناهيك عن تعهداتهم الشفهية.

ورجح الوزير الروسي أن الغرب يحاول تنحية الولايات المتحدة عن المسؤولية عن اتخاذ قرار بخصوص الرد على المبادرة الروسية وإطلاق مشاورات مبهمة بخصوص هذه المسألة بدعوى ضرورة التشاور مع الشركاء الغربيين، مبديا قناعة موسكو بأن رد الغرب على مبادرتها يتوقف غالبا على موقف واشنطن، وأوضح: "بصراحة، يدرك الجميع طبعا أن أفق التوصل إلى اتفاق تتوقف على الولايات المتحدة، ومهما قالوا لنا عن ضرورة التشاور مع الحلفاء، إن ذلك مجرد حجج واهية ومحاولات لعرقلة العملية، وإن الغرب أقدم على تصعيد الأمور في تجاوز لكل الحدود والمنطق السليم"، مشددا على أن "صبر موسكو استنفذ".

ودعا الوزير لافروف الغرب إلى تقديم اقتراحاته ردا على المبادرة الروسية على وجه السرعة، مضيفا: "في الوقت نفسه سنواصل العمل كي نكون مستعدين لأي سيناريو، ونحن بشكل عام مقتنعون بأنه يمكن دائما التوصل إلى حلول مقبولة للجميع في حال وجود حسن نية واستعداد لحلول وسط "، وتابع أن التنبؤ بكيفية رد روسيا في حال رفض الغرب اقتراحاتها الأمنية يمثل أسلوبا غير بناء، وشدد على انه "إذا تم رفض مقترحاتنا، فإننا بطبيعة الحال سنقيم الوضع وسنبلغ الرئيس به، وسنتخذ قرارا مع أخذ جميع العوامل في عين الاعتبار، بالدرجة الأولى بغية ضمان أمننا بشكل موثوق به"، وإن روسيا ستنطلق من مصالح الاستقرار العالمي في دراسة إمكانية توسيع تواجدها العسكري في دول أخرى.

تصريحات الوزير لافروف جاءت متزامنة مع ما أعلنه البيت الأبيض من أنه يتوقع "اجتياح" روسيا لأوكرانيا خلال الفترة ما بين منتصف يناير الجاري ومنتصف فبراير المقبل، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي  "نحن قلقون لأن الحكومة الروسية تستعد للاجتياح"، وأعادت الى الأذهان ما جرى عام 2014، بما في ذلك " التخريب وحملات الإعلام لاتهام أوكرانيا بالتحضير لهجوم حتمي على القوات الروسية في شرق أوكرانيا، والخطط العسكرية الروسية لإطلاق مثل هذه الأنشطة قبل عدة أسابيع من بدء الاجتياح الذي قد يتم ما بين منتصف يناير ومنتصف فبراير" وادعت بساكي أن روسيا قد "تفبرك الذريعة" لشن هجوم على أوكرانيا.

تصريحات بساكي و ما نشرته مصادر إعلامية غربية مجددا حول "استفزاز روسي وشيك في دونباس" جنوب شرق أوكرانيا، وصفها الكريملين بأنها "ادعاءات باطلة لا أساس لها "، وقال المتحدث بأسمه ديميتري بيسكوف تعليقا على ما نشرته شبكة "سي إن إن" نقلا عن مصدر في الإدارة الأمريكية: "حتى الآن، كل هذه التصريحات لا أساس لها من الصحة ولم يؤكدها أي شيء".

ونقلت الشبكة عن مصدر في الإدارة الأمريكية أن الولايات المتحدة لديها معلومات تفيد بأن روسيا كانت تستعد لاستفزاز في شرق أوكرانيا، وأنها نشرت مجموعة من النشطاء لتنفيذ عملية سرية في شرق أوكرانيا، وصدرت منشورات مماثلة من قبل "واشنطن بوست" و"رويترز" و"وكالة الأنباء الفرنسية" و"بلومبيرغ"، وصفها ديميتري بيسكوف بأنها "تصعيد للتوتر لا أساس له من الصحة"، مؤكدا أن "روسيا لا تشكل أي خطر على أحد"، ولم يستبعد بيسكوف احتمال وقوع استفزازات لتبرير مثل هذه التصريحات، محذرا من أن "محاولات حل الأزمة في جنوب شرق أوكرانيا بالقوة سيكون لها عواقب وخيمة.

الخارجية الروسية بدورها حذرت من وجود مؤشرات على أن الحكومة الأوكرانية تستعد لشن هجوم عسكري جديد على منطقة دونباس، ومن أن الوضع في أوكرانيا لا يزال في طور التدهور المستمر، لا سيما عند خط التماس في منطقة دونباس بجنوب شرقي هذا البلد، ولفتت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، ولفتت زاخاروفا إلى أن بعثة المراقبة الخاصة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا رصدت خلال الأسبوعين الماضيين قرابة سبعة آلاف خرق لنظام وقف إطلاق النار في دونباس، ما يتجاوز بخمسة أضعاف ما تم تسجيله في الفترة المماثلة من العام الماضي، موضحة في الوقت نفسه إن انفجارا أو إطلاق نار يحصل في دونباس في كل ثلاث دقائق تقريبا، مضيفة "بدلا عن وضع حد للحرب الأهلية التي دخلت عامها الثامن، تستعد كييف على ما يبدو لحسم قضية دونباس بالقوة".

دعوات وزير الدفاع الأوكراني، أليكسي ريزنيكوف، دول الغرب إلى إمداد كييف ليس بأسلحة دفاعية فقط، بل وهجومية، استقبلتها موسكو بأسف شديد إزاء وقوف دول حلف الناتو بالكامل إلى جانب السلطات الأوكرانية في "مخططاتها المجنونة عموما، لإطلاق حملة صليبية ضد مواطنيها"، كما حذرت من رفع مستوى التواجد العسكري الأجنبي في أوكرانيا من سنة إلى أخرى، وإن نحو 10 آلاف مستشار عسكري من حلف الناتو يتواجدون في هذا البلد حاليا، أربعة آلاف منهم أمريكيون، وبرأي موسكو أن تواجد هؤلاء المستشارين لا يسهم على ما يبدو في تحسين الظروف على الأرض .

تواجد المستشارين في أوكرانيا بمهام مساعدة حكومة كييف في ضمان الأمن القومي و"ردع العدوان الروسي"، ووصف موسكو هذه التبريرات بأنها "مجرد كذب"، تؤكد إن الغرب يمارس التحريض ويقود بشكل مباشر الأحداث التي تتطور في دونباس على مرأى روسيا، وإعلان الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبيرغ أن حلف شمال الأطلسي وافق مبدئيا على انضمام أوكرانيا وجورجيا إليه، غير أنه لم يحدد موعدا زمنيا بعد لذلك، ما يبشر بجولة جديدة من " الإستفزازت " الغربية تجاه روسيا، ولكن بأيدي أوكرانية، لأن الغرب حسم أمره بعدم التدخل عسكريا في أوكرانيا لأي سبب كان .

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

كريم المظفرالاجتماع الأول لمجلس روسيا والناتو  بعد عامين ونصف من التوقف كان "صعبًا، لكنه مهم" للحلف، وفي موسكو، تم وصفه بأنه "حديث من القلب إلى القلب"، وأصبحت المفاوضات التي استمرت أكثر من أربع ساعات أكثر المحادثات صراحة بين الجانبين، وأظهرت التناقضات العديدة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي وعدم استعدادهما لتفاقم الصراع، ورحب التحالف بالمشاورات الثنائية بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة بشأن الضمانات الأمنية، مشيرا إلى أنه من أجل الأمن في أوروبا، لا ينبغي تفويت فرص التفاعل البناء، بالإضافة إلى ذلك، أعرب الناتو عن استعداده لمناقشة القيود المتبادلة مع روسيا بشأن الصواريخ وقضايا السياسة النووية.

اجتماع مجلس "روسيا - الناتو" هو المرحلة الثانية من الحوار الروسي الغربي حول موضوع ضمانات الأمن، بعد مشاورات روسية أمريكية أجريت في جنيف يومي11 و 12 يناير الجاري، واستمرت لأكثر من سبع ساعات، وقبل اللقاء الذي تم  عقده في فيينا الخميس ضمن إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، كان بمثابة محادثات غير حاسمة خيمت عليها خلافات عميقة وجوهرية، بهذا العنوان العريض يمكن تقييم مخرجات اجتماع مجلس روسيا-الناتو، وهو الأول منذ عامين ونصف، أما في التفاصيل فقد رفضت موسكو تقديم أي تنازلات أو حلول وسطى بمسألة الضمانات الأمنية، وعلى الضفة الأخرى أقر الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ بالحاجة إلى الحوار مع روسيا لمنع اندلاع نزاع مسلح في أوروبا، وأكدت نائبة وزير الخارجية الأمريكي رفض بلادها لمطلب عدم توسع الناتو شرقا.

ووفقا لنتائج هذه المفاوضات بين روسيا والغرب، يبرز تساؤلا ملحا  هل تراجعت فرص الدبلوماسية لنزع فتيل أسوأ التوترات بين الشرق والغرب منذ الحرب الباردة؟ وما هي البدائل؟، فقد أكدت الخارجية الروسية أن الرئيس فلاديمير بوتين يطلع على خيارات مختلفة من الخبراء العسكريين للتعامل مع تدهور محتمل للوضع حول أوكرانيا، وهذه القضية معقدة ولا يجب تسريبها بأي شكل من الأشكال إلى الفضاء العام لأن ذلك بحد ذاته سيقوض الوضع " ينبغي منح الدبلوماسية فرصة "، بحسب وزارة الخارجية الروسية .

الكريملين  يرى في سلسلة المفاوضات التي جرت مؤخرا مع الولايات المتحدة والناتو، حول الضمانات الأمنية لروسيا، لم تكن ناجحة، ويشير إلى أنه تم خلال المشاورات في جنيف وبروكسل بين روسيا من جهة والولايات المتحدة والناتو من جهة أخرى، حول القضايا الأساسية، تسجيل وجود خلافات، وهذا أمر سيء، وأكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف أن روسيا لم تفتقر أبدا إلى الإرادة السياسية فيما يتعلق بمواصلة المفاوضات مع الولايات المتحدة، لكن لا يمكن لحلف الناتو أن يملي على روسيا كيف وأين تحرك قواتها العسكرية على أراضيها .

أجواء المفاوضات وكما عبر عنها نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو، بأنها أتسمت بالصراحة، وكانت  بعيدة  عن أي تلطيف أو استخدام عبارات اللياقة السياسية، إلى أن تدهور الأوضاع المتواصل قد يؤدي إلى التداعيات الأقل قابلية للتنبؤ والأكثر خطورة بالنسبة للأمن الأوروبي، وأضاف الدبلوماسي الذي ترأس - إلى جانب ألكسندر فومين، نائب وزير الدفاع الروسي - وفد بلاده في المشاورات مع ممثلي الناتو "روسيا غير موافقة على هذا السيناريو، والتدابير التي نقترحها اليوم، وعلى النحو التي تم عرضها في مسودة الاتفاقية (بين روسيا والناتو) تسمح بتغيير الوضع تغييرا جذريا.

كما إن الحوار في الإجتماع بين الطرفين  كان عميقا وجديا لكنه في الوقت نفسه كشف عن خلافات كثيرة حول قضايا محورية ومن أهم هذه القضايا أن الناتو يفهم مبدأ عدم قابلية الأمن للتجزئة فهما انتقائيا، إذ أن هذا المبدأ من وجه نظر الناتو لا ينطبق إلا على الدول الأعضاء في الحلف ولا يخطط الناتو في نشاطاته العملية لأخذ مصالح أمن الآخرين بعين الاعتبار، وشدد غروشكو على ان  "اليوم لا توجد لدينا أي أجندة إيجابية مشتركة إطلاقا".

كما أكدت روسيا، أن محاولات الولايات المتحدة لابتزازها وترهيبها  غير مقبولة ولن تؤدي إلى النتيجة المرغوبة، وقال سيرغي ريابكوف، "نسمع دائما عن ثمن ما... سيكون على روسيا دفعه في حال قيامها أو عدم قيامها بما يريده أو لا يريده هؤلاء الأشخاص، كما لو أن التاريخ لا يعلمهم أي شيء، مثل هذا الحديث غير مقبول على الإطلاق بالنسبة إلينا، وتابع: "أفهم أنه فضلا عن العقوبات والابتزاز لم يبق الكثير في ترسانة السياسة الخارجية الحديثة للغرب، يجري فقدان حتى القدرة على التوصل إلى الاتفاقات، لكننا سنحاول إعادتها أو حتى زرع هذه القدرة".

وتحمل روسيا، الولايات المتحدة المسؤولية عن تصعيد التوترات عند حدودها، والتحذير  من أن الحكومة الأوكرانية بدعم مفرط من الغرب تحلم في "الانتقام" من موسكو وتبحث عن ذرائع للتهرب من تنفيذ اتفاقات مينسك الخاصة بتسوية النزاع في منطقة دونباس، وشددت روسيا على طلب موسكو لوقف تمدد حلف الناتو شرقا وتخليه عن فكرة انضمام أوكرانيا إليه، وقال نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف  "أي استفزاز قد يحدث، لن نسمح بتحميلنا المسؤولية عن تبعات وخيمة للغاية قد تنجم عن ذلك، نحذر فقط من أنه يتعين على الناتو التراجع".

وترفض وزارة الخارجية الروسية، تأكيد أو استبعاد إمكانية نشر بنية تحتية عسكرية روسية في كوبا وفنزويلا، ردا على الأنباء التي ترددت بعد أخفاق إجتماع روسيا – الناتو  في إيجاد لغة مشتركة في التحديات التي يواجهها العالم أزاء الخلافات والتوترات بين كتلتي الشرق والغرب المتمثلة في روسيا من جهة وبين العالم الغربي والولايات المتحدة من جهة أخرى، وأكد ريابكوف "لا أريد تأكيد أي شيء، ولن أستبعد أي شيء أيضا"، لكنه أشار في الوقت نفسه إن كل شيء يتوقف على تصرفات "زملائنا الأمريكيين" .

الإستنتاج الروسي عن نتائج جولات المفاوضات، هو إن  الولايات المتحدة والناتو غير مستعدين لتلبية المطالب الروسية بشأن الضمانات الأمنية، وإن موقف الناتو من قضية عدم توسع الحلف شرقا "غير قابل للاختراق"،، وتشير  إلى أن ذلك "أمر مثير للقلق "، وأن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي مستعدان للتحدث فقط عن تلك الضمانات الأمنية التي تناسبهما، وتقول روسيا  أنها ليست على ثقة بأن الولايات المتحدة والناتو سيقدمان تنازلات بشأن الضمانات الأمنية، لكن الحوار مستمر على مختلف المستويات.

وأمام هذه المعطيات عن نتائج المفاوضات الروسية الغربية، شددت موسكو، على أن روسيا ستنتقل إلى سياسات "الردع المضاد" تجاه حلف الناتو في حال إتباع الحلف سياسة ردع روسيا، وتحذير الناتو  من أن تدهور الوضع سيؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها بالنسبة للأمن الأوروبي،  في حين أوضحت وزارة الدفاع الروسية أن ثمة 3 قضايا محورية يجب التركيز عليها، وتشمل هذه القضايا أولا "ضمانات لعدم توسع الناتو شرقا على حساب أوكرانيا وأي دول أخرى"، وثانيا "تحمل التزامات بعدم نشر الصواريخ الأمريكية الجديدة متوسطة وقصيرة المدى في أوروبا، لأن نصب مثل هذه الأسلحة يمكن أن يؤدي إلى تدهور جذري للأوضاع الأمنية في القارة"، وثالثا ترتكز المقترحات الروسية، بحسب بيان الوزارة، على "الحد من الأنشطة العسكرية في أوروبا واستبعاد زيادة ما يسمى بمجموعات قوات المرابطة الأمامية".

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

عامر صالحمخرجات الأنجاز المتدني للعام 2021 في العراق هي امتداد طبيعي لتراكمات الفشل في تجارب بناء دولة المواطنة والرفاه والأستقرار الأجتماعي ما بعد 2003، وهي بالتأكيد امتداد نسبي لحقبة عبثية سبقتها، تجسدت في سياسات النظام السابق في تخريب واهدار للموارد البشرية والثروات المادية على خلفية عسكرة مؤسسات الدولة ومواردها وتوظيفها في خدمة الدكتاتور وطموحاته واحلامه المريضة في ظل نظام شمولي عانى منه شعبنا الأمريين.

ولكن حقبة ما بعد 2003 هي حقبة تسلطت فيها قوى "سياسية معارضة " للنظام السابق عملت على خلفية افتعال ما يسمى بالمظلومية المذهبية الطائفية والأثنية والعرقية، تحول فيها فعل المعارضة المشروع للنظام الأستبدادي الى متلازمة مرضية ما بعد سقوط النظام " وخاصة في ذهنية الأسلامويين وبعض من القوى الأخرى الأثنية الشوفينية والطائفية المناطقية، وكانت ابرز ملامح ذلك التحول هو الانتقال من سلوك المعارضة الى سلوك العداوة والحقد على الدولة والتعامل مع مؤسساتها كغنائم ما بعد السقوط وأحلال الخراب فيها وسرقتها وعدم التمييز المطلق بين النظام السابق وبين الدولة ومؤسساتها، وكذلك الطفح المزمن لتلك لرغبات تلك القوى في بناء دولة بعناوين دينية او مظلوميات مخادعة واحكام السيطرة على العام والخاص في حياة الناس والمجتمع. 

وقد أوغلت تلك القوى في تخريب وتحطيم الدولة ومؤسساتها ونهب المال العام وكان ذلك متزامنا مع خراب منظم للقطاع الخاص وتدميره والحيلولة دون نهضته وانهاء دوره، الى جانب تغول القطاع العام وتضخمه دون مخرجات او انتاجية تذكر وغص بالبطالة المقنعة الكلية والجزئية واصبح من قلاع الفساد الأداري والمالي والنهب العام، عبر تحاصص قطاعاته من قبل احزاب السلطة وتحوله الى ميادين مربحة للأحزاب او ما يسمى بظاهرة " الريع السياسي " حيث الحزب المالك للوزارة يحول وزراته الى ميدان خصب للأستثمار الفاسد من منتسبي الحزب وعناصره وتتحول الوزارة الى " باب رزق " ومصدر لتمويل للحزب التي يملكها، فلا نستغرب من تضخم اجهزة الدولة ومؤسساتها والذي تجاوز 7 ملايين موظف في دولة تبيع النفط لتأكل به وتسدد رواتب منتسبيها، وهو ما يسمى اختصارا " بالدولة الريعية ".

فكانت البطالة والفقر وانعدام الخدمات الانسانية في الصحة والتعليم والكهرباء والماء والتدهور الاجتماعي المتواصل وتفكك المنظومة الاخلاقية وانتشار الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وتعاطي المخدرات الى جانب التدين الزائف الذي يثقل الحياة اليومية ويشرعن الفساد وسرقة المال وينشر الخرافة كثقافة يومية ويضعف مكانة العلم، الى جانب انتشار السلاح المنفلت الفردي والميليشياوي والعشائري، وفقدت الدولة بوصلتها في السيطرة على مجريات الاحداث وفقد القانون قوته وقيمته التأثيرية في الحد من الجرائم والانفلات الاجتماعي والافلات من العدالة وجميعيها مشاهد يومية تهدد حياة المواطنين، واصبحت قوى اللادولة هي اليد الطولى في فرض اجندتها التخريبية على الدولة والمجتمع، بل ان جزء لا يستهان به من قوى اللادولة محسوب على الدولة ويتقاضى مصادر تمويله منها، وبأختصار فأن ما مافقده العراق واهدره من المال العام تجاوز الألف واربعمائة مليار دولار.

كثيرة هي انتباهات العام 2021 والبدء من خاتمته قد تؤشر على الكثير من بداياته: الأنتباهة الأولى هي الانتخابات البرلمانية المبكرة والتي اجريت في اكتوبر الماضي ثم مصادقة المحكمة الاتحادية العليا عليها، وفتحت المصادقة الباب على مصراعيه لمختلف السيناريوهات في تشكيل الحكومة المقبلة، وان القوى المتصارعة هي نفسها القوى التي قادت العراق منذ 2003 بشكل مباشر او غير مباشر، باستثناء ظهور قوى معارضة مستقلة نسبيا لا نعرف عن قدراتها الفكرية ورؤيتها المستقبلية في لعب دور المعارضة الفعالة، وقد مثلت قوى انتفاضة تشرين في البرلمان الخامس تمثيلا لا ينسجم مع حجم الانتفاضة التي اندلعت في العام 2019 لأسباب عديدة منها عدم الثقة بالنظام السياسي ومقاطعة الانتخابات في ظروف انتشار السلاح المنفلت وعدم محاسبة قتلة المتظاهرين وعدم تطبيق قانون الأحزاب وغيرها، ومن الجدير بالذكر ان المشاركة كانت في الانتخابات ضعيفة ولا تتجاوز 30% حيث من استلم البطاقة الألكترونية بحدود 40% في ظل عزوف كبير عن المشاركة. ان رفع شعارات الاصلاح من قبل قوى فائزة وفي مقدمتها التيار الصدري وغيره وبعيدا عن نوايا الصدق في ذلك والقدرات الفكرية وآليات التنفيذ واستخدام الشعارات لأغراض التعبئة والتجييش، فأن الأصلاح لن يبدأ فعلا إلا بفك عقدة منظومة المحاصصة الطائفية والأثنية والعرقية ولن توجد اي مؤشرات لذلك وان السباق على الرئاسات الثلاث" البرلمان، رئيس الجمهورية ورئاسة الوزراء " وما يتبعها لاحقا من توزيع للمناصب حسب الاستحقاقات الاثنية والمكوناتية هي ملامح بارزة في المشهد القادم وبالتالي فأن المحاصصة الطائفية والمذهبية والعرقية باقية وستعيد انتاج نفسها استمرارا للنهج السابق.

الأنتباهة الثانية في نهاية مشهد العام الماضي هو تصريح وزير المالية العراقي علي عبد الأمير علاوي والذي قال فيه أن: "مستقبل العراق مرتبط عضوياً أو كلياً مع قطاع النفط ولا توجد دولة في العالم تشبه العراق في هذا الجانب بما فيها الدول النفطية، ورأى أن العراق يواجه تهديداً حقيقياً وخطيراً خلال السنوات العشر المقبلة نتيجة التقلبات العالمية والنوعية في سوق النفط واعتماد القطاع الحكومي كلياً على تمويل الكشوفات المالية من عوائد النفط. وأضاف " إذا حدث ذلك فستضطر الدولة إلى تسريح أعداد كبيرة من الموظفين لعدم إمكانية الدفع لهم". ورغم ان تصريحات الوزير كانت مصدر قلق وامتعاض للشارع العراقي وللعديد من المحللين والسياسيين، ولكن الحقيقة يجب ان تقال وإن كانت مرة: أن الدول الريعية التي تعتمد على النفط كمصدر وحيد للتمويل ولم تذهب الى تنويع مصادر الدخل القومي من الصناعة والزراعة والأستثمارات الخاصة وقطاع المعلومات والخدمات هي دول هشة لا تقاوم ما يتعرض له قطاع النفط من هزات وازمات عالمية، بل هي هي دول زائلة، وهناك الكثير من تجارب الدول بما فيها الجيران الخليجية وصلت الى حدود كبيرة من الموازىة بين النفط والقطاعات الأخرى في التمويل وصل بعضها الى المناصفة.

الأنتباهة الثالثة وهي تنبؤية ومشروطة، فقد اعلنت شركة "سومو" العراقية لتسويق النفط أن الإيرادات المتحققة من مبيعات النفط الخام خلال العام 2021 بلغت 68 مليار و995 مليون دولار، بمعدل 5 مليار و749 مليون دولار شهرياً، موضحة أن معدل سعر البيع الشهري للنفط الخام بلغ 68 دولاراً و366 سنتا للبرميل" طبعا سعر البرميل عبر ال80 دولار. وعلى افتراض استمرار تدفق البيع بنفس المنوال للعشر سنوات القادمة والثبات النسبي للأزمات فأن العراق سيكون له تراكم مالي يقدر من 700 مليار الى 800 مليار دولار، فأذا ما استمرت طبيعة الحكم ذاتها وبنفس سياق السنوات السابقة فأن العراق مقبل على اهدار الأموال المذكورة الى جانب الأموال التي اهدرت في الأعوام ( 2003ـ2020) والتي ذكرناها سابقا والتي بلغت ما يقارب الألف واربعمائة مليار دولار.

الأنتباهة الرابعة هي محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في بداية نوفمبر الماضي والتي استهدفت منزل اقامته في المنطقة الخضراء بطائرات مسيرة محملة بالصواريخ، والعجيب وفي الوقت الذي لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم فأن رئيس الوزراء العراقي يؤكد في خطابه بعد الهجوم أنه يعرف المنفذون حق المعرفة" وسيتم محاسبتهم وتقديمهم للعدالة " وهو خطاب اعتاد عليه العراقيين بعد كل جريمة او محاولة اغتيال او تصفيات جسدية تطال رموز ثقافية وسياسية وصحفية وكتاب ويشمل ايضا قتلة المتظاهرين في احتجاجات اكتوبر وغيرها، ولم يستطيع رئيس الوزراء حتى في حالة واحدة من الأعلان عن الجهات التي تقف وراء مرتكبي الجرائم السياسية ومنفذي الأغتيالات، وقد أكتفي بأضفاء الطابع الفردي على الجرائم المرتكبة وحصرها في افراد منفصلين عن الجهات التي دفعتهم والدوافع التي تقف وراء ذلك. أن العدالة لا تحتاج الى ظرف مناسب او توقيت ما او فرصة سانحة كي تتم ممارستها بوضوح امام الشعب وان تأخير او تسويف تطبيق العدالة بحق القتلة والمجرمين سيعيد انتاج الجرائم اضعافا ويقوي من صلف منفذيها وهو ما يحصل الآن على الساحة العراقية.

اما الأنتباهة الخامسة فهي انفتاح العراق على محيطه الأقليمي والعربي منه بشكل خاص والابتعاد عن سياسات المحاور وكذلك محاولات انفتاحه على العالم وتحسين سمعته الدولية، الى جانب زيارة بابا الفاتيكان التاريخية للعراق ، هي محاولات ايجابية تترك انطباعا ان العراق يطمح الى دور ايجابي فعال، ولكن هذا الانفتاح ومدياته يجب ان لا يكون اشبه بمحاولات الهروب الى الامام والرمي بمشاكل الداخل العراقي الى الخارج، ونحن نعلم ان السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية والأستقرار الامني والاقتصادي والاجتماعي الداخلي، وبالتالي فأن فعالية السياسية الخارجية يجب ان تكون استمرار لقدرة النظام في معالجة ازماته الداخلية، وإلا فهي مجرد سلوك يلجأ أليه النظام للتنفيس عن ازمته الخانقة.

أما ابرز ملامح الأزمات الأقتصادية والأجتماعية للعام 2021 فهي في مجملها امتداد لأزمات الأعوام التي سبقته وقد ازدادت استفحالا وبدون حلول وقد اشارت الى تلك الأزمات اغلب المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ومنظمات حقوق الأنسان والمؤولين العراقيين وغيرها، ولعل ابرزها هو:  

ـ تصاعد نسبة السكان عند خط الفقر والتي بلغت 25% من السكان او اكثر، ومن العيب ان تكون دولة كالعراق والتي تمتلك خامس احتياطي نفط في العالم ان تمتلك هكذا نسبة فقر في العالم، كما شكلت نسبة البطالة اكثر من 15%. وهناك 5 ملايين يتيم في العراق يشكلون نسبة 5% من ايتام العالم.

ـ أما في مجالي التعليم والصحة، فقد كشفت المؤشرات عن واقع مرير يعانيه الطلاب في المدارس من خلال حاجة البلاد إلى 8000 مدرسة، وكشفت أن نسبة التسرب وترك الدراسة بلغت 73% من إجمالي المراحل الدراسية وضمنها الكليات والجامعات (الابتدائية: 91%، المتوسطة: 36%، الثانوية: 18%، الجامعات 14%). وذكرت إحصائية المفوضية العليا لحقوق الأنسان في العراق وجود 1000 مدرسية طينية (مبنية من مادة الطوب اللبِن). كما انخرط نحو مليون طفل في سوق العمل. وهناك 3 ملايين طفل بعمر الدراسة يتواجدون خارج المدرسة.

ـ وقد امتدت المؤشرات ذاتها لتشمل مجال السكن والعشوائيات، حين أكدت المؤشرات حاجة البلاد إلى 3 مليون ونصف المليون وحدة سكنية للتغلب على أزمة السكن الخانقة، وتحدثت أيضاً عن 4000 مجمع عشوائي يسكنها نحو نصف مليون أسرة، تتركز معظمها في العاصمة بغداد. 

ـ ارتفاع نسب العنف الأسري ضد النساء والاطفال وكبار السن وقد سجل العام 2021 على الأقل 14 ألف حالة عنف ضد المرأة، الى جانب زواج القاصرات وغياب قانون العنف الأسري وتداعيات كورونا كعامل ضغط في ازدياد العنف.

ـ ازدياد اعداد النساء الأرامل حيث يقدر عددهن بين 3ـ4 ملايين ارملة او اكثر في احصائيات اخرى، الى جانب ارتفاع نسبة العنوسة بين النساء في الاعمار 18ـ45 لأسباب اقتصادية واجتماعية وهجرة وتهجير وانعدام الاسقرار الفردي والأسري، وبالقابل تزايد نسبة العزوبة لدى الرجال لذات الأسباب، وارتفاع نسب الطلاق حيث تقدر في العام 2021 زيادتها 10 حالات كل ساعة الى جانب ارتفاع نسب الأبتزاز التي يقع ضحيتها النساء وبنسبة اقل الرجال ايضا.

ـ ارتفاع نسب تعاطي المخدرات وقد بلغت نسبة التعاطي بين الشباب الى 50% وهو وضع كارثي حيث الفقر والبطالة بين الشباب بلغت 36%، في بلد يشكل فيه الشباب بين دون عمر 25 سنة نحو 60% من سكانه.

ـ الارتفاع الكبير لعدد الحرائق حيث تجاوز عددها 30 ألف حريق وبدوافع واسباب مختلفة، منها العفوي بفعل تماس كهربائي ومنها الأهمال ومنها الانتقام وتصفية حسابات شخصية ومنها جرائم مقصودة طالت حتى دوائر الدولة ومؤسساتها واستهدفت حرق ملفات بهدف اخفاء جرائم فساد وغيرها، وكان اشد الحرائق وقعا وألما انسانيا هو حريقي مستشفى الحسين في محافظة ذي قار ومستشفى الخطيب في بغداد والذي راح ضحيتهما اكثر من 170 ضحية، وهو نتاج عقود من الفساد وسوء الأدارة في قطاع الصحة وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع حتى بات المواطن يخاف من الذهاب الى المؤسسات الصحية لسوء أدائها وتدهور مكانة الطب والرعاية فيها.

ـ اما في مجال الأمن وضعف استتبابه فقد تمت عشرات الهجمات بالصواريخ والمسيرات على المنطقة الخضراء ومطار بغداد واربيل وقاعدة بلد في صلاح الدين شمال بغداد الى جانب الهجومات المتفرقة على القواعد العسكرية العراقية، وبالمقابل سجل العام 2021 اكثر من 200 هجوم لداعش في مناطق مختلفة من العراق.

نقول ان الاصلاح الشامل لأوضاع البلد المأساوية يحتاج الى قدرات مهنية وعلمية واكاديمية ومستقلة نسبيا عن تأثيرات الايديولوجية العقائدية ذات الطابع المتحجر والتي ترى في الاصلاح هو مجرد خطاب منفعل ومعمد بردود الافعال يستجيب عبر خلق العداوة بين القوى السياسية الاخرى وافتعال الازمات وادعاء الصلاحية المطلقة لكل الاوقات والاوضاع، وهؤلاء حصرا هم من يعرقلو الاصلاح ومدياته مهما بلغ ادعائهم الانفعالي بقدراتهم على الاصلاح، فهو لا يتجاوز سوى رغبات منزوعة الصلة بطبيعة الاصلاح بكونه عملا دقيقا يستدعي الايمان بادوات المنهج العلمي في البحث عن المشكلات المستعصية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، وفق سنة البحث العلمي ومنهجيته المعروفة، وغلق ابواب الاجتهاد أمام الخرافة والدجل والسحر والشعوذة والثقافة الماورائية للبحث عن حلول لمعضلات البقاء والاصلاح.

 

د. عامر صالح

 

فارس حامد عبدالكريمفي العراق، وكما يفترض نظرياً على الأقل، ان لدينا نظام انتخابي دستوري ديمقراطي يوازي في شكله ومضمونه ما موجود في ارقى النظم الديمقراطية الحديثة، ولكن مثل هذا النظام المتطور عبر تاريخ طويل من الصراع بين السلطاتوالشعوب لايمكن أن يدار إلا من قبل نخب وطنية في غاية النزاهة والعفة والشعور العالي بالمسؤولية الوطنية ونكرانالذات وهذا في الواقع لم يتوفر في كثير من الأحيان...! اذاً اين تكمن المشكلة؟ المشكلة اننا انتقلنا من الدكتاتورية الىنظام برلماني متطور لم تصل الشعوب الحديثة الى نظيره الا عبر تطورات تاريخية مفصلية و صراعات  دموية مع عتاةالحكام وثورات شعبية عارمة، بينما قدم لنا في ليلة وضحاها جاهزاً فأضحى عند التطبيق مرتعاً لبعض الفاسدينوالإنتهازين ووسيلة للإثراء السريع، وتم تحييد المخلصين في النظام البرلماني من خلال نظام محاصصاتي متشعباستبعد تدريجياً كل الكفاءات الوطنية وأحل محلهم اتباع الأحزاب وكثير منهم من الجهلة والمزورين والانتهازيين.

وكان الأحرى ابتداءاً الدعوة الى نظام رئاسي دستوري مع برلمان منتخب للرقابة والتشريع  يبدأ به الشعب العراقي أولىصفحاته وخطواته مع الديمقراطية.

لماذا النظام الرئاسي؟

يمكن تلخيص مزايا النظام الرئسي بما يأتي:

* ينتخب الرئيس من قبل الشعب بالإقتراع العام المباشر عادة. وبذلك يضمن الشعب تخويل شخصية عامة يثق بهالإدارة شؤونه ونتجنب بذلك اختيار رئيس تأتي به الأحزاب وأشباح الدولة العميقة بعد أن تثقله بشروطها وأجنداتهاالمشبوهة وتشل قدرته على إتخاذ القرارات الصائبة وتحسب عليه حركاته وقراراته تحت ضغط الإقالة.

* يقوم الرئيس بإختيار كابينته الوزارية وتكون مسؤولة أمامه لا أمام البرلمان. وفي ذلك فرصة لإختيار اصحاب الكفاءة والنزاهة والعلم والمعرفة وزجهم في مفاصل الدولة.

* عادة ما تتجمع الأحزاب في ظل النظام الرئاسي وتندمج لتكوين حزبيين رئيسيين في الدولة لأن ذلك فقط يعطيهم القدرةعلى المنافسة من خلال مرشحيهم، وعادة ما يكون عدد المرشحين الفاعلين اثنين فقط.

* يقوم النظام الرئاسي على الفصل التام للسلطات وبذلك تقوم كل سلطة بمهامها الدستورية دون تدخل من أية سلطةأخرى مطلقاً.

* في ظل النظام الرئاسي يمكن لأي مواطن الترشيح لمنصب الرئيس.

* يتيح النظام الرئاسي للعمل الإداري السرعة في إتخاذ القرارات ومعالجة الأزمات والتنفيذ دون الرجوع للبرلمان ولذلكهو صالح للدول التي تمر بمراحل انتقالية وبحاجة الى تنمية سريعة شاملة.

* في النظام الرئاسي اما أن تحدد سلطات الرئيس بشكل حصري في الدستور وماعدا ذلك يكون من صلاحية البرلمان أوأن تحدد سلطات البرلمان بشكل حصري وماعدا ذلك يكون من صلاحيات الرئيس. وبذلك تكون صلاحيات كل سلطةواضحة لاتقبل التداخل والغموض.

* في النظام الرئاسي لايمكن انشاء سلطات خارج سلطات الدولة ولايمكن للدول الأخرى التدخل في شؤونه لإستحالةزرع مؤيدين لهم في مراكز القرار، كما لايمكن لأعضاء البرلمان التدخل بشؤون الدولة.

* يتفرغ البرلمان في النظام الرئاسي لدوره الأساس في التشريع ولايمكن في ظله ان تجد نائباً يتجول بين الوزاراتللحصول على امتيازات.

* تكون سلطة القضاء في ظله قوية ونافذة وتراقب دستورية القوانين ومشروعية القرارات ولها الحق في الغائها متى ماخالفت الدستور او القوانين النافذة ومن الصعب التدخل في شؤونها نظراً لإستقلالها التام.

* تنشأ في ظل النظام الرئاسي اجهزة رقابة قوية وفعالة وتتمتع بسلطات واسعة تحد من الفساد بشكل كبير.

النظام شبه الرئاسي

* اما في النظام شبه الرئاسي فينتخب الرئيس من قبل الشعب أما كابينته الوزارية فتنتخب من قبل البرلمان وتكونالوزارة مسؤولة امام البرلمان والرئيس. وهو غير ملائم للدول غير المستقرة سياسياً لانه يعيد موضوع المحاصصةللواجهة وخضوع الرئيس للضغوط البرلمانية إلا اذا كانت الأغلبية البرلمانية من حزب الرئيس.

ضمانات النظام الرئاسي

من الناحية الدستورية فقد وضعت الدساتير التي تبنت النظام الرئاسي عدة ضمانات وهي؛

١- لايجوز اعادة انتخاب الرئيس لاكثر من دورتين متتاليتين وهذه تعتبر من القواعد الدستورية الجامدة التي لايمكنتعديلها.

٢- يحل نائب الرئيس محل الرئيس عند وفاته او تعرض الرئيس للخطر.

٣- لمجلس النواب توجيه تهمة مخالفة الدستور او الخيانة العظمى او ارتكاب جرائم والتحقيق معه ومن ثم عزله ولكناغلب الدساتير حددت اغلبية الثلثين لعزله لضمان عدم الضغط على الرئيس.

٣- العزل عن طريق الاستفتاء الشعبي او الدعوة لانتخابات مبكرة بدعوة من مجلس النواب.

٤- للمحكمة الدستورية العليا الغاء قرارات الرئيس المخالفة للدستور في اي وقت.

خلاصة: إن النظام الرئاسي يهدف الى إزالة التعارض في الصلاحيات وتسريع آلية اتخاذ القرار وإعطاء زخمللإصلاحات الاقتصادية تحديداً، فمن المعروف أن النظام الرئاسي يهدف في الأساس للاستقرار السياسي إذ يسمحبتشكيل حكومات قوية ومتجانسة ومحصنة من  انهيار الائتلافات الحكومية بسبب برامج الأحزاب المتناقضة، فضلاً عنتقويتها في مواجهة الضغوط الخارجية التي ستكون أكثر تأثيراً في الحكومات الائتلافية المنبثقة عن البرلمان . كما أنهيساهم في تفعيل رقابة البرلمان إذ يفصل بينه وبين الحكومة، بينما يضعِف النظام البرلماني الدور الرقابي والتشريعيبسبب قيامه على الإئتلافات التي ترعى مصالحها.

 

فارس حامد عبد الكريم العجرش - استاذ جامعي

 

علاء اللاميفي سنوات ما سمي "الحرب الباردة" بين الكتلتين الشرقية الاشتراكية والغربية الرأسمالية، وللخروج من حالة الانحياز العلني للغرب والتزام الحياد المزعوم، رفعت فصائل من اليمين السياسي الإسلامي وغير الإسلامي في العالم العربي هذا الشعار مضموناً أو نصا. والأرجح أن حركة الإخوان المسلمين في مصر، والتي دخلت في تناحر جذري ضد النظام الناصري المعادي للاستعمار، هي التي بادرت لرفعه ضمن شعارها "الإسلام هو الحل، لا شرقية ولا غربية"، رغم صعوبة توثيق هذا الشعار كاملا في وثائق الجماعة في تلك الفترة مع شيوع مقولة "الإسلام هو الحل" آنذاك، ومع أن البعض ينسبه إلى الزعيم الإيراني الخميني، الذي أصبح نظام الحكم الذي أسسه  عضوا فعالا في التحالف الشرقي بقيادة روسيا في أيامنا، بعد أن أدرك عمق العداء الغربي لأية دولة في الجنوب تحاول أن تكون مستقلة قولا وفعلا.

* وبعد أن زال الاتحاد السوفيتي من الوجود، وتفككت كتلته الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وبرز عالم القطب الغربي الواحد "الأميركي"، لم يعد أحد يذكر هذا الشعار. وبعد عقدين، وحين لملمت روسيا بوتين الرأسمالية جراحها ووقفت على قدميها اقتصاديا وعسكريا، وشكلت مع الصين "الشيوعية" ودول عديدة أخرى مستهدَفة غربيا، تحالفا سياسيا واقتصاديا عميقا، عاد الإعلام الغربي للحديث عن استقطاب عالمي جديد بين الشرق والغرب، وعموما فهذا الصراع الأوقيانوسي بين شرق أورواسيا وغربها ليس جديدا بل هو يعود لعصور قديمة، كعصر أورليان الذي دمر مملكة جدتنا المقدامة زنوبيا ملكة تدمر التي انتفضت ضد الهيمنة الرومانية في القرن الثالث الميلادي، وحتى قبل هذا العصر.

* ومن الواضح ان القطب الشرقي الراهن بقيادة روسيا والصين لم يعد تحالفا طبقيا أيديولوجيا بالدرجة الأولى، ففيه دولة رأسمالية كروسيا، ودولة يقودها حزب شيوعي كالصين، ودولة إسلامية شيعية كإيران، وهو تحالف دفاعي بحت في وجه هجوم شامل وضار بدأت به الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة لحصاد غنائم ما بعد زوال الاتحاد السوفيتي، ولمعاقبة عدد من الشعوب والدولة التي سمتها "المارقة" فشنت أمريكا وحلفاؤها ضدها حروبا مدمرة، وفرضت الحصار ضد شعوب ودول أخرى في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

 * ورغم أن التحالف الشرقي الراهن هو دفاعي بحت كما قلنا، ولكن الغرب لا يطيق أن تقف أية قوة بوجهه، ولذلك يتفاقم الصراع في أيامنا، وتندفع دول الغرب لمحاصرة روسيا في عقر دارها، وتحاصر الصين وتشن ضدها حرب اقتصادية ضارية، وتحاصر إيران وتهدد بشن الحرب عليها؛ وفي هذه الظروف ولأسباب أيديولوجية وسياسية مصلحية عاد أحد الأحزاب في العراق لرفع شعار "لا شرقية ولا غربية" في محاولة لا حظ لها من الصدقية، وخارج السياق التاريخي، بهدف اتخاذ، أو الإيحاء باتخاذ، موقف محايد بين الهيمنة الأميركية والنفوذ الإيراني في العراق وبين الغرب والشرق. والحقيقة أن الوقوف على الحياد في هذه الحالة لا يعني عمليا سوى الوقوف مع أحد الطرفين المتصارعين على العراق وثرواته وسيادته وتحديدا مع الطرف صاحب القوات على الأرض العراقية وصاحب النفوذ الرسمي المستند إلى وثيقة دولية هي " إتفاقية الإطار الاستراتيجي" التي وقعها المالكي مع أميركا، أو مع كليهما، خصوصا إذا اقترن بإهمال مطلب استعادة سيادة واستقلال العراق وتمييع مطلب طرد القوات الأجنبية من أراضيه وإلغاء تلك المعاهدة الاستعمارية والتي تمثل الركيزة القانونية لهذه الهيمنة العلنية على العراق في جميع المجالات وفي مقدمتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والصحية والتعليمية ...إلخ!

* بالعودة إلى أصل هذه المقولة/ الشعار السياسي، نجد أنها أُخِذَتْ نصا من الآية القرآنية 35 من سورة النور والتي تقول: "ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍۢ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍۢ مُّبَٰرَكَةٍۢ زَيْتُونَةٍۢ لَّا شَرْقِيَّةٍۢ وَلَا غَرْبِيَّةٍۢ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ..."؛ ويبدو واضحا أن مَن أخذوا بها أساؤوا فهم معنى الآية فهي - بحسب أشهر التفاسير القرآنية - لا تقول بالتعارض العدائي والتناقض الجذري بين الجهتين  - الشرقية والغربية - بل بجعلهما مكملين إحداهما للأخرى، أو متجانسين لا متضادين. فالتابعي مجاهد يقول في تفسيره لهذه الآية: "ليست بشرقية، لا تصيبها الشمس إذا غربت، ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولكنها شرقية وغربية، تصيبها إذا طلعت وإذا غربت". أما ابن أبي حاتم فقال "ليست شرقية ليس فيها غرب، ولا غربية ليس فيها شرق، ولكنها شرقية غربية".

أما الحسن البصري فنفى أن تكون هذه الشجرة من عالمنا الأرضي، بل هي مثل معنوي ضربه الله لنا، قال "لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه مثل ضربه الله لنوره".

علاء اللامي

 

 

علجية عيش(من كتاب في مهب المعركة)

إن بعض القيم لا تباع ولا تشترى، هكذا يقول مالك بن نبي وهو يتحدث عن الحضارة لا يمكن لأحد من باعة المخلفات أن يبيع منها مثقالا واحدا، ولا يستطيع زائر قدم أوةراق اعتماده أن يعطي من محفظته أو من حقيبته الدبلوماسية درة واحدة منها، كان حلم مالك بن نبي أن يعيش الشباب العربي بصفة عامة والشباب الجزائري بصفة خاصة واقع مختلف تقف فيه الحقيقة عارية للا غبار عليها، شباب ييلك السبيل الذي نشده المثقف الحر الواعي بقضية أمته ليخلصه من الأوهام والنقد الذاتي لا يعني تغيير الأفكار حسب الفصول والنقد الذاتي لا يعني التراجع بقدر ما يعني المراجعة، ما قيمة أفكار لا تعبر عن أحلام الشعب وطموحه، شعب غارق في بحر البحث عن الخبز والحليب والزيت المفقود، يبحث عن قطعة قماش يستر بها عورته وسقف يقيه البرد وماء الأمطار

"تفاهات جزائرية" عبارات أسقطت كل الأقنعة وكشفت الوجه الحقيقي لبعض الناس، الذين يدّعون أنهم من النخبة المثقفة أو ينتمون إلى الطبقة السياسية...، تفاهات جزائرية لست أنا قائلتها ولكن تحدث عنها مفكرٌ وفيلسوفٌ جزائري، لا يستطيع منافسته مفكر أو فيلسوف أو أديب في الجزائر، إنه مالك بن نبي المفكر المَنْسِيُّ وسط النخبة المثقفة الجزائرية، ورد هذا المقال في كتابه الذي حمل عنوان: "في مهب المعركة" ضم الكتاب مجموعة من المقالات كتبها مالك بن نبي في باريس في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، نشرها في صحيفتين ناطقتين بالفرنسية وهما الشباب المسلم والجمهورية الجزائرية، أسقط فيه الأقنعة وكشف الزيف الثقافي الجزائري (كشخصية العالم الثالث)، هو مقال دعا فيه مالك بن نبي هؤلاء إلى الرجوع للنفس بالنقد الذاتي، لفحص أيُّ قطعة محددة من نشاطهم الإجتماعي، كانت رسالة موجهة إلى النخبة المثقفة والنخبة السياسية في الجزائر .

 يرى مالك بن نبي أن النخبة عندما تفقد موهبة النقد الذاتي على وجه الخصوص، فكأنها حققت الفشل دون أن تسعى في تفهم أسبابه، وإنما تتمنى أن تكون قد شعرت بالفشل حين لم يكن لندائها صدى يُذْكَرُ، ويضيف بالقول: "لو أن النخبة درست هذا الفشل لاستفادت منه أكثر مِمَّا يفيدها نصف نجاح خداع، لأنها تدرك من خلال تلك الدراسة حقيقة الأمر، هذا الفشل - كما يقول هو- يتضمن جانبا سيكولوجيا وجنبا فنيا، أي النقص في التنظيم وفي التخطيط وفي توجيه العمل المشترك، وهذه العناصر تعتبر عمود القضية، ليس محليا فقط، وإنما بالنسبة لحركات الإصلاح في العالم الإسلامي كله، هذه الحركات التي فشلت كلها، لأنها كما قال لم تدرس أرضها قبل الشروع في العمل، فكانت سببا في فقدان الجمهور الثقة والأمل، ويرجع مالك بن نبي هذه التفاهات إلى الموقف الإجتماعي السلبي، الذي لا يتسم بالإرادة المتصلة والجهد المتواصل، وإذا ما أخضع هذا الجهد إلى التحليل فهو في نظره متفككُ الأجزاء كأنه مركب على صورة الخط المنقط، الخط الذي يمر من نقطة إلى أخرى دون أن يصور شيئا.

(صناعة الكتاب في الجزائر تحوّلت إلى بزنس business)

والمتأمل في موقف مالك بن نبي ورؤاه الفلسفية التحليلية التي شخص فيها واقع المجتمع (الثقافي) يقف على حقيقة أن الذين يتحدث عنهم هم في الحقيقة باعة السياسة وهم باعة الثقافة وهم باعة الإبداع وهم...وهم...وهم..، بل هم باعة الحضارة في كل صورها وأشكالها، حوّلوا مكاتبهم ودور النشر إلى دكاكين للتجارة، ولو بحثت عن الرصيد الفكري لكبار الكتاب والمفكرين تجده يباع على الأرض في الأماكن التي خصصت لبيع الكتب القديمة (السويقة كعيّنة بمدينة قسنطينة شرق الجزائر)، لقد تحولت صناعة الكتاب في الجزائر على سبيل المثال إلى بزنس business، و هم بذلك بعملون بشعار: " إن الوقت درهم" le temp c’est de l’argent، هي الأفكار الميتة التي تحدث عنها مالك بن نبي تمثل للمجتمع خطرا أشد عليه من خطر الأفكار القاتلة وقد تتمثلان الأفكار الميتة والأفكار القاتلة في شخصية واحدة تمثل المظهرين، لأنها تحمل الجرثومة الموروثة في كيانها، ثم تمتص الجرثومة المستوردة وتزرعها في المجتمع.

مالك بن نبي.. "أكتب بضمير"

و لذا فمالك بن نبي يدعو النخبة في كل مجالتها (الثقافة والأدب والإعلام) بأن تكتب بضمير وتقوم بعملها باحترافية وضمير أيضا فلا تغلب كفة المال على كفة الإبداع، فلا يمكن أن يكون مجرد آلة كتابة أو آلة طباعة ودون أن يقدر للكلمات التي يكتبها أي نتيجة اجتماعية، يقول مالك بن نبي في مقاله المعنون: " أكتب بضميرك": " إن على من يكتب واجبا إزاء الكلمات التي يكتبها"، لأن القارئ (في الجزائر) غالبا ما يكون رجل الشعب لا رجل (النخبة)، فالكتاب سلاح يرمي إلى تحليل الأحداث، المشكل في النخبة في الجزائر كما يقول مالك بن نبي هو أنها لا تشعر بحاجة للمطالعة بعد تخرجها من الجامعة وعملها الفكري ينتهي لأسباب اجتماعية ونفسية موروثة، كما يوجد جمهور يتابع بنهم كل إنتاج ثقافي، يمارس الأفكار بقلبه وعقله معا، أي أنه ليس مجرد مستهلك سلبي،  بينما لا يقرأ "المثقف" في الجزائر إلا بعقله، يقارن مالك بن نبي بين الثقافة في بلاد نهرو (الهند) وفي باقي البلدان الأخرى لاسيما الجزائر، ويرى أن موضوع الفكر والثقافة في الجزائر يستحق إعادة النظر فيه أي مناقشته ودراسته دراسة معمقة، في إطارها النفسي والأخلاقي.

وقد قدم مالك بن نبي مثالا بشخصية ممتازة ومتميزة، هو رجل الفكر والسلام غاندي الذي وجّه الهند بما أوتي من اتجاه روحي طبع بطابعه الشخصي رسالتها في العالم، كانت الهند الجديدة هي الهند القديمة لا في ظاهر الأشياء ولكن في جوهرها، هذه هي بلاد غاندي الذي بعث الروح الهندية من جديد في أذهان شبابها، حتى بلاد الميكادو والساموري التي استشهد بها مالك بن نبي، البلاد التي تغلغل في نفسها الروح العسكري كافحت من أجل التخلص من سياسة الأحلاف والتسلح، فاين هي الجزائر اليوم ونحن نرى حضارة الغرب متفشية في أذهان بعض شبابنا، هذا الشباب الذي عجز عن التلاءم مع واقعه، فهو بشبه إلى حد ما "الدون كيشوت"، أمامه "هاوية" ولا يدري أنه معرض للسقوط فيها، خلاصة القول أن مقالات مالك بن نبي ورغم أنها تناولت المشكلة الثقافية في مرحلة الإستعمار، لكنها لا تزال تحمل في طياتها نبض المشاكل وعمقها في جزائر 2022، لأن البطن الذي أنجب الوحش كما يقول برتولت بريشت لا يزال شديد الخصوبة.

 

علجية عيش بتصرف

 

 

قاسم حسين صالحمهمة الصدريين والتشرينيين

يعني البرلمان، هيئة تشريعيه تمثل السلطة الأعلى في الدولة، المخول بموجب دستورها باصدار تشريعات وقوانين تعبر عن ارادة الشعب واولياته، وتمثيل الشعب امام حكومة نيابية يراقب أداءها بتأيدها ان اصابت ومحاسبتها ان اخطات. وهو السلطة الأقرب للمواطن واهتماماته، لأن افراده يأتون عن طريق الاقتراع العام باساليب ديمقراطية تضمن سرّيتها ونزاهتها، ويشترط فيهم حسن السيرة والسمعة.

ويحدد النص الدستوري العراقي ان يكون لكل مئة الف مواطن نائب واحد ليكون البرلمان ممثلا للشعب، فيما يشير واقع حال البرلمان العراقي انه لم يحقق هذا النص. ففي انتخابات 2010 حصل 15 نائبا فقط على القاسم الانتخابي والعتبة الانتخابية، ما يعني ان (310) نائبا لم ينتخبهم الشعب بل فازوا بما تصدقت عليهم اصوات كياناتهم، بينهم من حصل على (78) صوتا!. وبموجب هذه الحقائق الواقعية والدستورية التي كشفت عن ان ثقة الناخبين العراقيين استقطبت فقط (15) شخصية من بين اكثر من ستة آلاف مرشحا، وباعتراف مفوضية الانتخابات فان البرلمان العراقي الذي جاء في 2018 بـ(329) عضوا كانت نسبة المشاركة فيه هي الأدنى، ما يعني انه لا يمثل الشعب من الناحية الشرعية. وفي انتخابات 10 تشرين اول/ اكتوبر 2021 تراوحت نسبة المشاركة بين 41 الى 43% وفقا للمفوضية العليا للانتخابات فيما تقدرها القوى التقدمية والوطنية المقاطعة باقل من ذلك بكثير.. ما يعني في كل الاحوال انها ايضا لا تمثل الشعب من الناحية التشريعية.

ومع ذلك فان الرواتب التي يتقضاها اعضاء البرلمان العراقي تفوق رواتب اقرانهم في كثير من بلدان العلم بما فيها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ودول اوربية. فوفقا لجريدة الصباح الرسمية فان مجموع راتب عضو البرلمان هو 32 مليون دينارا بين راتب اسمي ومخصصات الحماية والسكن وغيرها، فضلا عن سلفة تبلغ 90 مليون دينارا لا ترد.

وباعتبار عضو مجلس النواب بدرجة وزير فانه يتقاضى ايضا 600 دولارا في اليوم في حالة السفر، وانها وفقا لخبراء اقتصاديين كلفت الدولة اكثر من ملياري دولارا.

اننا لسنا ضد منح عضو البرلمان امتيازات معقوله تشكل حافزا له لخدمة شعبه ووطنه، ولكننا ضدها حين تكون غير مبررة. فلقد منح قانون مجلس النواب (13 لسنة 2018) حقوقا خارج المنطق القانوني بأن جعل خدمة عضو مجلس النواب خمس عشرة سنة ليمنحه تقاعدا يخالف الدستور بشكل سافر، بنصّه في المادة (14) منه بأن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز، حيث أن قانون التقاعد الموحد يحدد الحد الأدنى للخدمة بـ (15 سنة)، ولا تضاف خدمة لمن كانت خدمته تقل عن هذه المدة، فيما منح النائب حق التقاعد حتى لو كانت خدمته تقل عن اربع سنوات!

ويتفق قانونيون وبرلمانيون ان ما يتقاضاه عضو مجلس النواب هو مكافأة وليس راتبا، ومن الناحية القانونية فانه لا يستحق تقاعدا، وهي حالة ما حصلت في البرلمانات العالمية ويصفها برلمانيون بانها غير معقولة وخيالية.

وللتاريخ فاننا كنا وقعنا مذكرة حملت تواقيع (2875) شخصية وطنية من داخل العراق وخارجه قدمت الى الرئاسات الثلاث طالبوا بذلك واوضحوا ان الغاء امتيازات اعضاء مجلس النواب سيحقق نتائج ايجابية في جميع مناحي الحياة:

- فعلى الصعيد السياسي، سيسهم الغاؤها في مجيء مرشحين يهدفون الى خدمة الشعب ويحد من مجيء اشخاص طامعين بالثروة والمنصب.

- واقتصاديا، سيحقق الغاؤها اكتفاءا ماديا بتوفيره مليارات الدولارات لتستثمر في الخدمات العامة وبناء الوطن.

- واخلاقيا، سيسهم الغاؤها في اعادة المنظومة القيمية للناس واحياء الضمير الأخلاقي الذي ضعف او تهرأ عند كثيرين.

- واجتماعيا، سيعمل الغاؤها على احياء الطبقة المتوسطة، ويقضي على الغبن الفاحش الذي الحقته بالناس طبقة سياسية استفردت بالثروة.

- وثقافيا، ستسهم في اشاعة الثقافة التي تقول الحقيقة، وتشيع حرية الصحافة التي احتل فيها العراق مرتبة متأخرة عالميا.

- واجرائيا، سيترتب على عضو البرلمان ألكشف عن أرصدته المالية وامواله الثابتة والمنقولة داخل العراق وخارجه، وشهاداته العلمية مصدقة من وزارتي التربية والتعليم العالي في العراق حصرا.

- ومعنويا، سيعيد الغاؤها (رد الأعتبار) للعراق الذي اعتبر واحدا من افسد ثلاث دول في العالم.

وختمناها بالقول:

ان صوت الشعب يقول لكم (كفاكم ثراءا وكفانا فقرا) فهناك اكثر من (13) مليون عراقي دون خط الفقر باعتراف وزارة التخطيط في سابقة ما حدثت في تاريخ بلد يعد واحدا من أغنى عشرة بلدان في العالم. واننا بوصفنا أصحاب رأي من مفكرين وأكاديميين ومثقفين وفنانيين.. نكون بطلبنا هذا قد ادينا واجبنا نحو شعبنا الذي ندعوه الى الضغط على اصحاب الِشأن لأتخاذ القرار بخفض امتيازات اعضاء مجلس النواب العراقي.. ولم يحصل اي اجراء.. وتلك هي مهمة النواب الصدريين والتشرينيين، ان يكون اول اجراء لهم هو عرضها على البرلمان الحالي.. وسينجحون بتحقيق هدفين:فضح من يعارض ذلك امام الشعب، ودعم نواب الكتل التي تحالفوا معها في اغلبية مريحة.. فصدق الشعارات وبناء الدولة لا يبنى بارتداء الأكفان وركوب التك تك.. بل باستعادة وطن يمتلك كل المقومات لان يعيش اهله برفاهية.. فابدؤها بخفض امتيازات ورواتب اعضاء البرلمان ليتحقق اول اجراء يمهد لقيام دولة مؤسسات مدنية يستحقها العراقيون.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

 

جواد بشارةحكومة التوافق الوطني حكومة الشراكة الوطنية حكومة المكونات الوطنية، وكلها في الحقيقة كانت حكومات محاصصاتية حسب تغريدة السياسي المستقل د. ليث شبر وهو محق في ذلك.

بعد الجلسة الأولى لمجلس النواب العراقي اتضحت الصورة. يريد البعض اعتبار "العرف السياسي" المستورد من التجربة اللبنانية القميئة والمدمرة لأنها دمرت لبنان وستعمل على تدمير العراق"، فوق الدستور والاستمرار بما يسمى " عراق المكونات" على حساب عراق المواطنة التي تتحقق فيها المساواة بين المواطنين. وما أن نقر بحتمية " مفهوم المكونات" فهذا يعني أنه لا خلاص من صيغة " المحاصصة" فلكل مكون مطالب وحصص في الكعكة السياسية. فالجميع، بموجب ذلك، يريد حصة في المشاركة في الحكم والحكومة سواء فاز أو خسر بالانتخابات، التي يسميها " استحقاقه الانتخابي"، ولا ينقصنا من التجربة المرة اللبنانية سوى " الثلث المعطل" الذي يشل البلد.

لفهم هذه المتاهة السياسية العراقية ينبغي العودة قليلاً إلى الوراء للطلاع على خلفية المشهد السياسي. أولاً تجدر إلى ما قبل 2003 وسقوط النظام الصدامي السابق. كان هناك نظام ديكتاتوري حديدي يحكمه رجل واحد هو صدام حسين، وإن كان ذلك باسم حزب فاشي هو حزب البعث العربي الاشتراكي، الشبيه بالحزب النازي، وكان يحكم بالحديد والنار والعنف والبطش والقسوة والوحشية، ويقمع ويقتل ويصفي معارضيه سواء خارج حزب أو داخله.  وكانت المعارضة تتكون من أحزاب قديمة يسارية ويمينة وليبرالية، مدنية ودينية، تتواجد أغلبها في خارج العراق وترعاها دول ومخابرات وأنظمة، وكلها تنادي بإطاحة نظام صدام حسين وتدعو لتأسيس ديموقراطية سياسية وعهد جديد بديل للدكتاتورية والقمع ومصادرة الحريات، طبعاً كان ذلك على الورق ونظرياً فقط. أما في داخل العراق فكان هناك خلايا نائمة لبعض الأحزاب العريقة والقديمة كالحزب الشيوعي، وحزب البعث جناح سوريا المعارض لبعث صدام حسين والمتحالف مع البعث السوري، وحزب الدعوة. وحده التيار الصدري بزعامة المرجع محمد محمد صادق الصدر هو النشط على الساحة الداخلية ولديه قاعدة جماهيرية كبيرة.

وكان الإسلام السياسي مشتتاً وموزعاً بين العواصم بكل تسمياته وهو بمجمله متحالف ومتعاون مع إيران ومرجعيته إيرانية على العموم، لذلك كان يشكك في شرعية التيار الصدري المعارض أيضاً لنظام صدام ولكن بطريقته الخاصة، ويطعن في مصداقيته ويتهمه بالعمالة للنظام لكونه يعمل في الداخل العراقي تحت أنظار ورقابة النظام الصدامي ومخابراته وينسق معها أحياناً، إذا اقتضت الضرورة ذلك، ويعلن استقلاليته عن إيران. فالتيار الصدري جماهيري شعبوي وثوري ويتبع شخصية كارزمية دينية مقدسة لديه هي شخصية القائد محمد محمد صادق الصدر، والذي ورثه في القيادة بعد اغتياله على يد مخابرات النظام السابق، ولده الشاب مقتدى الصدر، بينما احزاب الإسلامي السياسي الأخرى حزبوية وتنظيمية منضبطة وهرمية لديها عدة قيادات دينية ومدنية، وتختلف بالرؤية السياسية والمنهجية اللازمة لقيادة البلد. قيادات الإسلام السياسي الشيعية التقليدية لا تعترف بزعامة مقتدى الصدر وإن جاملته وتعتبره زعيم طائش ولا يفقه في السياسة شيئاً ومتسرع ومزاجي ومتقلب، وقد أعلنوا ذلك مراراً وتكراراً في جلسات خاصة أو عبر وسائل الإعلام. سقط النظام الصدامي على يد الأمريكان حلفاؤهم وظهرت للسطح نفس المعادلة التنافسية والشك المتبادل وفقدان الثقة، وربما النزعة الانتقامية، بين الإسلام السياسي الشيعي التقليدي وبين التيار الصدري وزعيمه الشاب، الذي لم يتردد في تصفية أول خصم له وهو عبد المجيد الخوئي نجل المرجع الأعلى السابق السيد أبو القاسم الخوئي.  اختار الأمريكيون جماعات الإسلامي السياسي الشيعي وسلموهم السلطة في العراق وتعمدوا تهميش مقتدى الصدر وتياره بعد أن تعاونوا معه قبل السقوط بقليل، فرد عليهم بتشكيل ميليشيات جيش المهدي وإعلان المقاومة المسلحة " ضد الاحتلال الأمريكي: بل وتعاون مع تنظيمات إرهابية سنية متطرفة ومتشددة دينياً كالقاعدة في شن الهجمات على القوات الأمريكية والأجنبية الأخرى المحتلة للعراق. لم يشارك التيار الصدري في العملية السياسية قبل 2008، وتعرض لهجمة عسكرية شرسة لتصفية جيش المهدي من قبل رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي وبالتعاون مع القوات الأمريكية من خلال حملة عسكرية سميت بصولة الفرسان مما ولد في نفس الزعيم الشاب للتيار الصدري جرحاً لم يندمل بعد وكراهية شخصية تجاه نوري المالكي. بعد ذلك التاريخ دخل التيار الصدري معمعة السياسة والمشاركة بالعملية السياسية كما شارك بعمليات الفساد المستشري في جسم الدولة العراقية ومؤسساتها، لكنه ظل معادياً وكارهاً لنوري المالكي ، رغم مساهمته في تمديد ولايته الثانية كرئيس للوزراء  ولكن بضغط إيراني واضح مارسه الجنرال قاسم سليماني وذراعه اليمين في العراق أبو مهدي المهندس مؤسس حزب الله العراقي، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، لكنه في الحقيقة هو القائد الحقيقي لهذه التشكيلة العسكرية الميليشياوية ، رغم دورها الإيجابي في محاربة تنظيم داعش الإرهابي وإسقاطه وتحرير المناطق التي كانت تحت سلطته وعلى رأسها الموصل ولأنبار ومناطق واسعة من شمال العراق، كانت هناك ، وما تزال، تشكيلات عسكرية وفصائل مسلحة بتسميات متعددة انشقت عن التيار الصدري وجيش المهدي وأسست تنظيمات مسلحة مستقلة عنه وبعضها بتشجيع ودعم من نوري المالكي ، مثل عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي الذي كان مقرباً لمقتدى الصدر وأحد خدمه يقدم الشاي لضيوفه، والتي سماها مقتدى الصدر الميليشيات الوقحة، إلى جانب العديد من الشخصيات التي كانت تحت إمرة مقتدى الصدر وتنظيمه المسلح، التي انسلخت من التيار وانضوت تحت خيمة الحشد الشعبي، وبعضها باسم فصائل المقاومة العراقية ، مما اثار حنق وحفيظة مقتدى الصدر وغضبه. والجدير ذكره أن أغلب هذه التنظيمات المسلحة الميليشياوية أسست واجهات سياسية وشاركت في الانتخابات ما قبل الأخيرة سنة 2018 وحصلت على مقاعد برلمانية وامتيازات مالية وسياسية كثيرة بفضل عمليات التزوير ومقاطعة 80 بالمائة من الشعب العراقي لتلك الانتخابات. في تشرين أكتوبر 2019 خرجت تظاهرات احتجاجية عارمة قامت بشبه ثورة جماهيرية شعبية تطالب بحقوقها الشرعية واستعادة الوطن المختطف ، اصطف معها التيار الصدري في البداية، وانقلب عليها فيما بعد، وحاربتها الميليشيات المسلحة الموالية لإيران بتوجيه وتنسيق وأوامر كانت تصدرها إيران خوفاً من تفاقمها وانعكاسها على الداخل الإيراني وتحجيم النفوذ الإيراني في العراق وكان يقود ذلك التصدي  العنيف في الداخل العراقي من سمي بالطرف الثالث، وهم الميليشيات الولائية ، وكان لقاسم سليماني وأبو مهندي المهندس دوراً كبيراً كما أظهر ذلك فيلم وثائقي بمناسبة مقتل سليماني بثته قناة  الميادين الموالية لإيران،  وقد تسببت تدخلات  الفئات المسلحة الولائية باستشهاد أكثر من 900 شهيد وجرح وتشوه الآلاف من المدنيين أغلبهم من الشباب كما تم خطف وقتل واغتيال العشرات من الناشطين المدنيين على يد تلك الميليشيات وزعمائها الموجودين في العملية السياسية والمسيطرين على قوى الدولة المسلحة في الجيش والشرطة والأمن والمخابرات عن طريق دمج عناصرهم برتب مختلفة في هذه المؤسسات العسكرية والأمنية. وبضغط الجماهير المنتفضة وتدخل المرجعية الدينية في النجف تمت إقالة حكومة عادل عبد المهدي وتنصيب مصطفى الكاظمي كمرشح تسوية توافقي لتشكيل حكومة مؤقتة مهمتها الإعداد لانتخابات تشريعية مسبقة وتشريع قانون انتخابي جديد وتحقيق بعض الإنجازات البسيطة لذر الرماد في العيون. لقد تمت الانتخابات بالفعل قبل ثلاثة وبنجاح وبنسبة لا بأس بها من الشفافية والنزاهة أدت إلى خسارة أغلب التنظيمات السياسية الشيعية لمقاعدها البرلمانية، بما فيها تلك التي تمتلك أذرع مسلحة والتي انضوت تحت خيمة ما يسمى اليوم بالإطار التنسيقي، كدولة القانون برئاسة نوري المالكي وفتح برئاسة رئيس منظمة بدر المسلحة هادي العامري، و التي كانت في السابق تابعة للمجلس الأعلى بقيادة محمد باقر الحكيم ومن ثم بقيادة شقيقه عبد العزيز الحكيم ، ثم انقلب على المجلس الأعلى نجل عبد العزيز عمار الحكيم واستولى على كل ممتلكاتها ومقراتها ومؤسساتها وأسس كتلة جديدة تحت اسم تيار الحكمة ، الذي لم يحد سوى مقعدين في الانتخابات الأخيرة ، وهو عضو في الإطار التنسيقي أيضاً إلى جانب كتلة صادقون الواجهة السياسية لتنظيم عصائب أهل الحق الولائي التابع لإيران، بقيادة قيس الخزعلي  وتنظيمات أخرى كحزب الله والنجباء  وتحالف العقد، وتحالف تصميم، وبابليون، وتحالف الحكيم والعبادي.

يعيش المشهد السياسي العراقي حالة من الترقب والخوف والقلق إثر تفاقم تجاذبات سياسية لا متناهية، وتصعيد في لغة التهديدات المتبادلة إثر المشادات والفوضى التي سادت جلسة البرلمان الأولى التي عقدت بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية المبكرة خاصة إثر مبادرة الإطار التنسيقي بأخذ خصمه الصدري على حين غرة، بتقديمه لائحة بأسماء 88 نائباً مع توقيعاتهم، يعتقد أنها مزورة، لفرض الأمر الواقع وتسجيل الإطار باعتباره الكتلة الأكبر في أول جلسة للبرلمان المنتخب، وبالتواطؤ المفضوح مع رئيس السن محمود المشهداني عضو تحالف العزم المنشق عن خميس الخنجر زعيمه الحقيقي ، وفي مسرحية مفضوحة مهلهلة الإخراج . والجدير بالذكر إن وائل الركابي القيادي في الائتلاف بزعامة نوري المالكي أعلن في تصريح له  إن الرسالة التي بعثها الاطار للتيار الصدري للذهاب  ليلتحق به لتشكيل الكتلة الأكبر باءت بالفشل. وقد أضاف الركابي في تصريحه انه في حال عدم التوصل الى اتفاق بين الإطار والتيار وإصرار الأخير على حكومة الأغلبية الوطنية وإقصاء الإطار التنسيقي  فان هذا الأخير سيعلن نفسه ككتلة اكبر لتقاربه مع القوى السياسية الأخرى "الأمر الذي زاد من  تعقيد المشهد وغموضه، ما دفع الصدريون إلى منع المشهداني من رفع الجلسة للتداول   بذريعة التحقق من صحة التواقيع وتم إخراجه من الجلسة بعد إدعائه أنه تعرض للضرب ، وكان عاقداً العزم على ترشيح نفسه لرئاسة البرلمان بالاتفاق مع الإطار التنسيقي و 14 نائباً من كتلته العزم لقطع الطريق على إعادة انتخاب الحلبوسي، والحال أنه لايحق له سوى افتتاح الجلسة وإداء القسم الدستوري وفتح باب الترشيح لرئاسة البرلمان، ولما فشلت هذه المناورة انسحب نواب الإطار التنسيقي من الجلسة ومعهم  نواب الاتحاد الوطني الكوردستاني، لكنهم لم ينجحوا في كسر النصاب الدستوري. وهذه المناورات والأحداث غير الديموقراطية جعلت  مصير الحكومة القادمة شبه مجهول.

وكرد فعل، أكد الإطار التنسيقي، عدم اعترافه بنتائج الجلسة الأولى لمجلس النواب العراقي، وعزمه على تقديم شكوى للمحكمة الاتحادية للطعن بشرعية الجلسة والعودة للمربع الأول وقد أعلن متحدث رسمي باسم الإطار التنسيقي أنه الإطار “سيتصدى لهذا التفرد اللامسوؤل في القرار السياسي وسيمنع أخذ البلد إلى المجهول”، وتحميل الكرد والسنة مسؤولية ذلك وفق بيان الإطار. جماعات الإطار التنسيقي ليسوا كتلة برلمانية بل وحتى ليسوا تحالفاً واضح المعالم بل مجرد تجمع لتنسيق المواقف والتحركات، كما أشار إلى ذلك الخبير القانوني طارق حرب، فهم ورغم خسارتهم الكبيرة بالانتخابات، أرادوا إعادة الكرة في بسط سيطرتهم على البلاد ومقدراتها بقوة السلاح والارتهان من جديد لإيران التي تخلت عنهم كما هو ظاهر حيث هنأت رسميا الحلبوسي على انتخابه رئيساً لبرلمان، وهذا الموقف الولائي الذيلي لا يصب في مصلحة العراق ولا يتفق مع مخرجات العملية الانتخابية الأخيرة، وإرادة غالبية العراقيين.

كان التيار الصدري منتبه للعبة  الإطار ومناوراته الخفية، ووفق تفاهمات مسسبقة مع الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني وتحالف تقدم وحوالي نصف تحالف العزم المخلصين لخميس الخنجر ومنهم مشعان الجبوري تمكن من تحقيق أغلبية برلمانية مررت التصويت على رئاسة البرلمان لصالح محمد الحلبوسي رئيس تحالف تقدم ونائبيه الكوردي والشيعي حيث تم انتخاب الصدري حاكم الزاملي نائب أول لرئيس البرلمان وفرض الأمر الواقع وفق السياقات الدستورية وهو نفس التفاهم الذي قد يتحول إلى تحالف للكتلة الأكبر  سيصوت لصالح مرشح الكورد لرئاسة الجمهورية ومرشح التيار الصدري لرئاسة الحكومة . الفصائل المسلحة المنضوية تحت راية الإطار التنسيقي مستنفرة ومتأهبة للمواجهة العسكرية وربما لتصفية مقتدى الصدر شخصياً باعتباره عقبة كأداء أمام مشاريعها ومخططاتها للاستئثار بالسلطة وخوفاً من سعيه كما صرح هو عدة مرات، لتجريدها من السلاح ومعاقبة المجرمين والخارجين على القانون فيها مهما كانت مقاماتهم ومواقعهم في العملية السياسية وتقديم الفاسدين للعدالة. وهذه نوايا تهدد وجودهم ونفوذهم وامتيازاتهم. فلقد سبق للصدر أن صرح ونشر وغرد بصريح العبارة إن مايقوم به يعبر عن "إرادة الشعب هي (حكومة أغلبية وطنية) وأن أي ضغوطات خارجية لن تثنينا عن ذلك وأي تهديدات ستزيدنا (تصميما) و(تقدما) و(عزما) نحو (ديمقراطية) عراقية أصيلة حرة ونزيهة.. لذا فعليهم أن يعوا أن قوة (المذهب) من قوة العراق ومن قوة طوائفه وأعراقه. وهو تصريح علني للتحالفات التي أجراها بعد التصديق على نتائج الانتخابات من قبل المحكمة الاتحادية العليا لتحقيق الكتلة البرلمانية الأكبر بالتحالف مع تقدم بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي (37 مقعدا) وتحالف عزم بقياد خميس الخنجر (14 مقعدا) والحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود بارزاني (31 مقعد) اضافة الى ائتلاف تصميم بزعامة محافظ البصرة أسعد العيداني (5 مقاعد) من مقاعد البرلمان البالغ عددها 329 مقعدا ومع اضافة 73 مقعدا حصل عليها التيار الصدري وبعض المستقلين وصلت إلى 200 مقعد ولا يحتاج حتى لمقعد واحد من الإطار التنسيقي الذي على بعض مكوناته الخروج من الإطار والالتحاق بأغلبية الصدر البرلمانية للبقاء في العملية السياسية وإنقاذ أنفسهم والتخلي عن كتلة دولة القانون التي تتزعم الإطار التنسيقي الذي لم يبق أمامه سوى الذهاب للمعارضة البرلمانية مرغماً .

يتعين على الحكومة الشرعية القادمة إعادة الاعتبار لهيبة الدولة ومؤسساتها الشرعية والأمنية والعسكرية ووقف إقحام السلاح في اللعبة السياسية، واستشراء وتغول منظومات التحزب الميليشياوية، التي يجب عليها تجريدها من أسلحتها، لأنها أوصلت البلاد لطريق مسدودة كادت أن تودي بالبلاد نحو مهاوي الإفلاس والدمار والاقتتال الداخلي والانقسام الطائفي والعرقي.

 

د. جواد بشارة

 

كاظم المقداديبعد 15 عاماً من تركه لمنصبه كرئيس لمجلس الوزراء، قامت ملكة بريطانيا بتكريم توني بلير- رئيس الوزراء الأسبق بوسام الفروسية ضمن قائمة الشرف التي اصدرتها في عيد راس السنة للعام الجديد 2022، تقديرا لنشاطه خلال عمله كرئيس للوزراء للفترة 1997- 2007،. وهذا الوسام هو أرفع وأقدم وسام بريطاني يمنح لمستحقه لقاء خدمات مميزة قدمها للمملكة أو للعالم. وينال صاحبه أيضاً لقب (سير) رسمياً..

يبدو ان ثمة من ورط الملكة العجوز بالإقدام على هذا القرار، وإن قيل أنه "قرار شخصي" من قبل الملكة، ولم تشرك رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسون في اتخاذه..

نعم، ورطة للملكة بهذا القرار الخاطئ، لأن بلير الوحيد من رؤوساء الوزراء البريطانيين قد إستحق إهمال تكريمه عقب أنتهاء خدمته، والدليل ان لا أحد إنتقد عدم تكريمه طيلة عقد ونصف عقد من الزمن، لا بل أُعتبر الكثيرون عدم تكريمه موقف صريح يعكس عدم الرضا على أداءه الحكومي، وأعتبرها اَخرون بمثابة نوع من العقوبة له ،خاصة عقب صدور تقرير الجنة البريطانية للتحقيق في الحرب على العراق الذي ادان بصورة واضحة، وأخرى غير مباشرة، سياساته ومواقفه التي ورطت المملكة المتحدة بصراعات دولية، مثل الحرب على أفغانستان عام 2001 وغزو العراق وإحتلاله في عام 2003، وغيرها، فأساءت لسمعة بريطانيا وهدمت جسور الثقة مها،وراح ضحيتها اَلاف الأبرياء من مدنيين وعسكريين، وكان يُفترض ان يُعامل كمجرم حرب ويقدم مع شريكه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأبن الى محكمة الجنايات الدولية لينالا القصاص العادل.

والجدير بالذكر أنه لم يتأخر تكريم ولا رئيس وزراء بريطاني واحد قبل بلير. ولم ينتقد أحد عدم تكريم بلير، ولم يجرأ أحد حتى من قادة حزبه المطالبة بذلك... بيد ان المفارقة هنا، هي عدم تكريم أي رئيس وزراء بعد بلير عقب إنتهاء مهامه، وقيل ان المبرر لذلك هو " لكي لا يجرحوا شعور" بلير الذي لم يكرم..

وتطرح نفسها التساؤولات التالية: لماذا أقدمت الملكة على تكريم بلير في هذا الوقت بالذات وتجاهلت إتهامه بجرائم حرب والإساءة لمكانة المملكة المتحدة دولياً بسياساته الرعناء؟

وهل ستكرم رؤساء الوزراء الذين جاءوا من بعده وهم أحق وأكثر إستحقاقاً منه؟

لقد أثار هذا "التكريم" المتاخر جدا ضجة كبيرة وردود افعال غاضبة من البريطانيين انفسهم قبل غيرهم من الشعوب التي تضررت من سياسات رئيس الوزراء الاسبق بلير..وقد تجسد الغضب شعبي الواسع في العديد من الفعاليات التي جرت لحد الآن، وأبرزها:

- توقيع أكثر من مليون و100 ألف مواطن بريطاني خلال 4 أيام على عريضة طالبت بسحب الوسام من بلير بسبب دوره في حرب العراق، والذي يجعله مسؤولاً شخصياً عن ضحايا الحرب من العراقيين والبريطانيين، وإتهمته بـارتكاب جرائم حرب.

وجاء في العريضة، التي نشرها أنغوس سكوت على موقع change.org إن بلير " تسبب في ضرر لا يمكن إصلاحه لكل من دستور المملكة المتحدة ونسيج مجتمع الأمة " أثناء توليه منصبه.وأضافت: " لقد كان بلير مسؤول شخصياً عن التسبب في مقتل عدد لا يحصى من الأبرياء والمدنيين والجنود في نزاعات مختلفة. ولهذا وحده يجب أن يحاسب على جرائم الحرب".

وشددت العريضة على ان " بلير بالذات هو الشخص الأقل استحقاقا لأي تكريم عام ولا سيما أي شيء تمنحه جلالة الملكة:".ودعت العريضة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون التدخل لمناشدة الملكة إليزابيث الثانية لتجريد بلير من هذا الوسام الذي لا يستحقه.

- ولعل من بين أبرز المعترضين هن امهات الجنود الضحايا الذين قتلوا في حربي العراق وافغانستان. وقالت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية أنّ العديد من النساء من ذوي الضحايا هدّدن بإعادة نياشين" إليزابيت كروسز" التي أعطيت لأسر العسكريين الثكلى، احتجاجًا على تكريم بلير،الذي كان السبب في مقتل ابنائهن.

وأنتقد الناشطون المناهضون للحرب خطوة التكريم واصفين بلير بأنه مجرم حرب.

فغرد الصحفي جون بيلجر على صفحته في "تويتر" قائلًا: "إن الازدراء الذي تحمله النخبة البريطانية للجمهور لم يتم التعبير عنه ببلاغة أكبر مما كان عليه في قرار منح توني بلير أعلى وسام فارس".

وكتب أحد مؤيدي العريضة: “تجب محاكمة توني بلير، وليس منحه وسام فروسية. إن تكريم شخص كهذا يُبرز مدى فساد وانحطاط النظام السائد"...

وكتب المعلق السياسي ليام يونغ على صفحته الشخصية في تويتر إن ” توني بلير حصل على لقب فارس لخدماته الإمبريالية. هذا الرجل يجب ان يوضع في قفص الاتهام في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بدلا من تكريمه ..حقا يا له من يوم مخجل”.

وقالت مقدمة برامج "جي بي نيوز" تونيا بوكستون إنها “شعرت بالغثيان” من قرار "الفارس بلير" ، الذي “تسبب في وفاة الكثيرمن الابرياء “.

وغرد جون سميث – ابن المحارب القديم الشهير في الحرب العالمية الثانية والكاتب هاري ليزلي سميث – على صفحته في تويتر بالقول ” يبدو لدى الملكة إنه من المقبول قتل الأشخاص ذوي البشرة السمراء بمئات الآلاف دون عقاب “

وهذه الاراء والمواقف جميعها لم تأتِ اعتباطا وانما اعتمدت على ما ظهر من حقائق خلال العقدين السابقين. كما اكتسبت الحملة ضد بلير زخما اكبر بعد تصريح وزير الدفاع الاسبق (جيف هون) الذي خدم مع بلير، الذي أكد فيه ان " بلير امره بحرق وثيقة سرية مهمة تقول ان غزو العراق عام 2003 قد يكون غير قانوني)، مع حقائق اخرى جرى التلاعب بها او تغييرها من اجل تبرير الحرب، وانه (اي بلير) عمد الى اقالته من منصبه لمعارضته لخيار الحرب ليتفادى الاحراج. كما اتهم رئيس رئيس الوزراء الاسبق بانه (ضلل الوزراء والبرلمان والجمهور لدعم حرب اعتبرها الكثيرون غير قانونية وجريمة).

وكانت قد تشكلت في عام 2009 اللجنة البريطانية للتحقيق في الحرب على العراق،التي سميت( لجنة تشيلكوت) واستغرق تحقيقها 7 سنوات، ونشرت نتائجه في عام 2016 ، وخلص تقريرها، رغم المؤاَخذات الجدية على عملها، إلى أن تبرير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير وتخطيطه لحرب العراق وتعامله معها ينطوي على العديد من الإخفاقات فيما يمثل حكما قاسيا على دور بريطانيا في الصراع.ووجد التحقيق أن بلير قال للرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش قبل ثمانية أشهر من غزو العراق عام 2003 إنه سيدعمه “أيا كان الأمر” وفي نهاية المطاف أرسل 45 ألف جندي بريطاني إلى المعركة بينما لم تكن الخيارات السلمية استنفدت.

ووصفت لجنة التحقيق التورط البريطاني في الحملة على العراق عام 2003 بغزو دولة شرق أوسطية غير مبرر، كما قاد بلير بلاده للحرب في أفغانستان إلى جانب الولايات المتحدة عام 2001.

وكانت صحیفة "الغاردیان" البريطانية قد لخصت محصلة التقریر بـ " دولة دمرت ( إشارة الى العراق) و"ثقة تھدمت"(إشارة الى بریطانیا) و"سمعة تحطمت"(إشارة الى بلیر) نتیجة غزو العراق في عام 2003

وعقب نشر تقرير لجنة تشيلكوت طالب الألاف من البريطانيين أن يواجه بلير محاكمة جنائية لقراره القيام بعمل عسكري تسبب في وفاة 179 جنديا بريطانيا وأكثر من 150 ألف مدني عراقي في السنوات الست التالية.

هذا وقد تعززت حملة تجريد بلير من لقب الفروسية بإتهامات مدمرة وجهها له وزير دفاعه جيف هون، حيث أعادت صحيفة " دايلي ميل" مؤخراً مقتطفات من كتاب لهون، جاء فيه إن "رئاسة الوزراء أمرته بحرق مذكرة سرية تقول إن غزو العراق عام 2003 قد يكون غير قانوني"، وعندما ظهر هذا الادعاء في عام 2015، قال بلير عنه إنه "هراء". لكن هون، الذي كان مسؤولا عن الدفاع حين بدأت الحرب على العراق، أصر على أن الإدعاء المذكور كان صحيحاً. وقدم رواية مثيرة عن التستر من قبل " مكتب رقم 10".وأوضح هون أن "سكرتيره الرئيسي الخاص أخبر بعبارات لا لبس فيها من قبل جوناثان باول، رئيس أركان بلير، أنه " بعد قراءة الوثيقة يجب أن يحرقها"، مشيرا إلى أن "الماندرين التابع لوزارة الدفاع انزعج بشدة من الأمر - وتحدوا رئاسة الوزراء من خلال قفل المذكرة في خزنة بدلا من ذلك".

وأشار هون إلى أن بلير "أقاله وتفادى الخطر، هرباً من اللوم في الحرب".

وفي مذكراته وصف وزير الدفاع الأسبق " صدمته عندما طُلب منه تدمير نصيحة سرية من اللورد غولدسميث، المدعي العام اَنذاك، بشأن شرعية الحرب في الفترة التي سبقت الصراع، حيث تم الكشف لاحقا عن أن غولدسميث قال إن الحرب يمكن أن تكون غير قانونية،ولكنه غير رأيه قبل أيام من بدء القتال، وقال "إن ذلك قانوني"...

وأشار جيف هون إلى أنه "تم تضليل الوزراء والبرلمان والجمهور من قبل بلير لدعم حرب اعتبرها الكثيرون غير قانونية وجريمة..

 

د. كاظم المقدادي

 

ابراهيم أبراشهيمنة منطق الخصومة والتنابذ والإحلال على منطق التكامل وتقاسم العمل إحدى سمات المجتمعات غير المتحضرة و تتعارض مع قواعد العقل والمنطق والطبيعة، وهذا المنطق والعقلية من محلفات مجتمعات ما قبل الدولة حيث كانت تسود حرب الجميع ضد الجميع بسبب تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، اما بعد قيام الدول والسلطة الواحدة وسن القوانين والاحتكام لها وتوافق المكونات المجتمعية على قواسم مشتركة تشكل ما يسمى المصلحة العامة أو الوطنية  تم تغليب منطق وعقلية التكامل والتعاضد بين أشخاص ومؤسسات يقومون بوظائف مختلفة لخدمة الصالح العام، وتسمى أحياناً (الوحدة في ظل الاختلاف) .

ففي الحياة السياسية الدولية تتباين الدول والأيديولوجيات وتتضارب المصالح حتى قيِّل إن السياسة عالم الاختلاف والتعددية، ولكن السياسة تعني أيضا فن إدارة الدولة وإدارة الاختلافات والتباينات والبحث عن القواسم المشتركة، ولذاك تقوم المنظمات الدولية والقانون الدولي بتنظيم وعقلنة المصالح المتعارضة حتى الحرب تم وضع قانون دولي لها، فالدول والمجتمعات لا  تستطيع  العيش في حالة حرب وصراع  وخصومة دائمة كما لا تستطيع أية دولة صغيرة كانت أو كبيرة أن تعيش منفصلة عن بقية الدول، فهناك دائما اعتمادية متبادلة وكل دولة تكمل ما ينقصها من غيرها من الدول .

وفي السياسة الداخلية أو الوطنية تقوم القوانين والأنظمة بتنظيم وعقلنة المواقف والمصالح المختلفة، فلا يمكن لجميع البشر أن يكونوا في نفس الوقت حكاماً ومحكومين، فدائماً هناك حاكم وهناك محكوم مع إمكانية تبادل الأدوار، ومقولة إن الديمقراطية تعني حكم الشعب لا يعني أن الشعب يحكم بالفعلـ بل يختار من يحكمه، أيضاً توجد سلطة ومعارضة لكل منها دور ووظيفة في سياق النسق السياسي، كما أن السلطة تنقسم إلى تشريعية وتنفيذية وقضائية ويجب الفصل بينها واحترام دور ووظيفة كل منها في سياق التكامل والتنسيق.

المقصود من كل ذلك توضيح أن استقرار وديمومة المجتمعات، المستقلة منها أو الخاضعة للاستعمار، وتطورها يقوم على منطق التكامل وتوزيع العمل بين مؤسسات وأفراد ذوي قدرات مختلفة ومتباينة، وهذا المنطق المُستمد من الخلق الطبيعي ومن واقع الحياة الاجتماعية للبشر  يتعارض مع منطق وعقلية التناحر والصراع ومحاولة كل فرد أن يحل محل الآخرين أو يقوم بما يقومون به، وعقلية التكامل وتوزيع الأدوار تستجلب التسامح والقبول بالأخر المختلف كشريك في المجتمع أو النظام السياسي أو الحزب.

المشكلة الملموسة في الحياة السياسية الفلسطينية – بالرغم من أنها سمة عربية عامة-  ،وخصوصا بعد الانقسام والوصول لطريق مسدود بالنسبة لطرفي المعادلة الفلسطينية، أن عقلية ومنطق الصراع ومحاولة كل حزب أو زعيم أو أيديولوجية إقصاء المنافسين والحلول محلهم والزعم بأنه يملك الحق والحقيقة المطلقة تطغى على عقلية ومنطق التشاركية وتوزيع العمل وتكامل الأدوار ، وخصوصاً أن الشعب الفلسطيني يعيش في مرحلة التحرر الوطني ويحتاج لكل جهود وإمكانيات الشعب، ففي مرحلة التحرر الوطني يجب أن تتكامل جهود وإمكانيات اليساريين واليمينيين، الإسلاميين والوطنيين، السلطة والمعارضة الخ، ولا يجوز أن تسعى  أي أيديولوجية أو حزب أو زعيم لإقصاء الآخرين، ففي الوطن متسع للجميع والوطن يحتاج للجميع.

في الساحة الفلسطينية البعض لا يفهم أو لا يريد أن يفهم منطق التكامل وتقسيم العمل ويعترف بأن كل شخص يقوم بعمله حسب قدراته وإمكانياته وتخصصه، وأن الحياة الاجتماعية والسياسية تقوم على الاختلاف في الأدوار والوظائف مع التكامل بما يخدم مصلحة الوطن، فالطبيب لا يمكنه الحلول محل المهندس أو رجل الشرطة، و القاضي لا يجوز له أن يكون حاكماً في نفس الوقت، وللمقاتل أو المجاهد دوره الذي يتميز عن دور الدبلوماسي، كما أن للأكاديميين والمثقفين والمفكرين دورهم الذي يجب أن لا يتعارض مع عمل سلطة سياسية شرعية ومنتخبة تقوم بوظائف وأدوار لا يستطيعون القيام بها مع احتفاظهم في نفس الوقت بوظائفهم وصفاتهم الأساسية كأكاديميين ومثقفين ومفكرين.

وحتى على المستوى الحزبي وفي داخل الحزب الواحد هناك من له قدرات ويتميز بسمات قيادية تنظيمية وهناك من له قدرات على التواصل المجتمعي وتجنيد عناصر لحزبه وهناك من يُبدع في الصحافة والإعلام وهناك الاكاديمي والطبيب وهناك المقاتل أو المناضل العسكري ، ويجب ألا  تكون نظرة كل فئة  إلى الأخرى نظرة حسد وحقد ومحاولة تكسير المجاديف أو الحلول محل بعضهم البعض أو الجمع بين كل تلك الوظائف والأدوار، بل يجب أن تقوم على التكامل فكل شخص أو فئة تكمل ما تقوم به الفئة الأخرى.

عدم احترام التخصص وعدم الاعتراف بتباين القدرات وضرورة تقسيم العمل أفرز ظاهرة خطيرة وهي أن كل شخص يرى في نفسه مؤهلات القيادة وينُكرها على الآخرين، وكل شخص يريد ان يكون زعيماً أو قائداً، ليس لأن منصب القيادة يمكِّنه من خدمة حزبه أو الجماعة التي يقودها بل لأن القيادة تعني التميز والاستعلاء على الآخرين وإخضاعهم له، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن بعض القادة يعتقدون في انفسهم قدرات كُلية وخارقة لا تتوفر عند غيرهم، حيث يُفتون في السياسة والدين والاقتصاد والعمل الأكاديمي بل ويتدخلون في عمل أصحاب هذه التخصصات، ويناصبون العداء لكل من يعارضهم او يكشف تجاوزاتهم.

عدم احترام تباين وتمايز التخصصات والقدرات ومنطق التكامل أوجد حالة مرضية أو عقدة أن كل شخص يريد أن يكون قائدا أو زعيما ويتعامل مع الآخرين كأتباع  أو مريدين. ففي كل حزب مئات الأشخاص الذين يحملون لقب القادة: مئات القادة في حركة فتح ومئات القادة في حركة حماس وهكذا بالنسبة لبقية الفصائل حتى إنه في بعضها يصبح عدد القادة أكثر من عدد العناصر. 

عقدة أو هوس القيادة والزعامة لا تتعكس سلبياتها على الأداء السياسي وعلى المواطنين العاديين أو (الأتباع) فقط بل تنعكس سلبا على علاقة (القادة) مع بعضهم البعض حيث يشكك هؤلاء بعضهم ببعض ويتآمر بعضهم على بعض، كما لا يحترمون القيادة العليا بل لا يتورعون على التآمر عليها حتى وإن كانت من نفس الحزب الذي ينتمون إليه.

 

إبراهيم أبراش

 

رائد الهاشميان موضوع (التغير المناخي) أصبح من أخطر التهديدات التي تُحدق بكوكبنا وتهدد حياة البشرية جمعاء، وهذا الخطر طالما تم التحذير منه من قبل الخبراء والمختصين منذ فترة طويلة ولكن مع الأسف لم تلتفت جميع الحكومات والمنظمات الأممية لهذه التحذيرات ولم تحرك ساكناً الا باجراءات بسيطة جداً لاتتلائم مع جسامة الخطر، ولكن الآن تم دق جرس الإنذار بشكل رسمي في كل العالم وأصبحت الحقائق جلية وواضحة للجميع وأصبح العالم كله مهدد بكوارث رهيبة مالم تتخذ الإجراءات السريعة لوقف هذا الخطر.

علينا أن نفهم جميعاً ومعنا كل العالم بان هذا الخطر عام يشمل كوكبنا بالأكمل ولا يشمل دولة واحدة او قارة بعينها واذا ما أردنا ان نتغلب عليه فلن ننجح الا بتكاتف الجميع من حكومات ومنظمات أممية وشركات كبيرة أو صغيرة والأهم هو ان جميع شعوب العالم يجب ان يكون لها دوراً بارزاً في الإجراءات لتجنب الخطر. 

من الإجراءات التي تم اتخاذها لتدارك الخطر هو انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP26) في غلاسكو باسكتلندا، وتم الاتفاق على "ميثاق غلاسكو"، الذي وافقت عليه جميع الدول البالغ عددها 197.

والذي خرج بمقررات هامة أهمها :

1- محاولة العمل على الإبقاء على ظاهرة الاحتباس الحراري عند مستوى 1.5 درجة مئوية.

2- محاولة العمل على التخلص التدريجي من استخدام الفحم.

3- الاتفاق على وضع المناهج السوقية وغير السوقية لتجارة الكربون.

4- طرح قضية التمويل لمساعدة البلدان الفقيرة بالدخل على التكيف مع تغير المناخ وتخطي عصر الوقود الأحفوري بالرغم من المعارضة الشديدة من قبل الدول العظمى.

وفي مجال آخر أعلنت الأمم المتحدة عن إطلاق حملة (اعملوا الآن) الرامية للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري والعناية بكوكب الأرض، وذلك مع تزايد الكوارث الطبيعية التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم، مثل فيضانات ألمانيا وحرائق الغابات في كندا والولايات المتحدة.

وأشارت الحملة إلى أنه من أجل الحفاظ على مناخ صالح للعيش، يجب خفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى صفر بحلول عام 2050.

وبيّنت أن التغييرات الكبيرة يجب أن تتم في هذا المجال من جانب الحكومات والشركات، لافتة إلى أن الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون غير ممكن دون مشاركة المواطنين، وخاصة في الاقتصادات المتقدمة.

وأضافت الحملة: "يمكن لكل فرد منا المساعدة في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري والعناية بكوكبنا، من خلال تغيير عاداتنا واتخاذ خيارات ذات تأثيرات أقل ضررا على البيئة، ولدينا القدرة على مواجهة تحديات المناخ وبناء عالم أكثر استدامة".

ما أريد قوله بان القضية خطيرة جداً ويجب عدم انتظار الإجراءات الحكومية لأنها تتضارب مع مصالحهم الاقتصادية الكبرى لذا يجب التركيز على أمرين في غاية الأهمية وهما:

1- اطلاق الحملات الإعلامية الواسعة للتثقيف بخطورة قضية التغير المناخي وآثاره الكارثية على العالم أجمع وايصال هذه الحملة لكل شعوب الأرض لغرض الحث على مشاركة الجميع في الإجراءات الاحترازية للتخلص من الخطر ويجب أن تشترك في هذه الحملة أكبر عدد ممكن من المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروئة .

2- حث منظمات المجتمع المدني والناشطين المدنيين في جميع دول العالم بالمساهمة بكل الوسائل من اجل الضغط على الحكومات واجبارها على اتخاذ إجراءات حقيقية في الحد من الخطر وهذا يمكن عبر حملات احتجاج جماهيرية أو ندوات تثقيفية وعبر خلق رأي عام عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام.

وفي خضم هذه التطورات الخطيرة والتي تهدد جميع الشعوب ومنها شعبنا العراقي نتسائل أين حكومتنا والطبقة السياسية مما يجري حيث لم نسمع حتى تصريحاً رسمياً أو اهتماماً أو نيّة حقيقية للتعامل مع هذا الخطر والجميع منشغل بالصراع الدائر لتشكيل الكتلة الأكبر وتشكيل الحكومة وتقاسم المناصب، وهذا الموقف والسكوت مقلق ويهدد أمن وسلامة العراق واقتصاده وشعبه فعلى الحكومة الجديدة والطبقة السياسية برمتها أن تهتم بهذا الموضوع وتضعه في أولويات برنامجها الحكومي المرتقب وأن تأخذ بنظر الاعتبار قضية في غاية الأهمية وهو أن الاقتصاد العراقي يرتكز على واردات النفط بشكل شبه كامل وأن الطلب على النفط في الأسواق العالمية سيبدأ بالانخفاض بشكل تدريجي في المستقبل القريب بسبب القرارات الأخيرة التي اتفقت عليها معظم الدول المشاركة في مؤتمر المناخ الأخير ومنها تقليل الانبعاثات الناتجة عن استخراج وتكرير النفط وكذلك القرارات بمنع تصنيع واستخدام كافة الآليات والسيارات والمعدات التي تعمل بالوقود وكذلك منع تشغيل المصانع والمعامل التي تستخدم الوقود في عملها، وتم وضع جداول زمنية بتنفيذ ذلك وهذا يعني أن العالم سيتوجه بشكل كامل الى مصادر الطاقة البديلة عوضاً عن النفط وبالتالي فان أسعاره ستبدأ بالانخفاض تدريجياً وهذا يعني أن العراق مقبل على كارثة اقتصادية بمعنى الكلمة بسبب اعتماده على إيرادات النفط، وهذه الأسباب كلها تحتم على الحكومة البدأ بوضع خطط تنموية حقيقية لايجاد بدائل حقيقية تعزز من واردات الموازنة العامة والنهوض بالقطاعات المهمة المدرة للواردات وأهمها الصناعة والزراعة والسياحة والتجارة وكذلك يجب أن تركز الخطط التنموية على بناء وتوفير مصادر الطاقة البديلة كما معمول به في معظم دول العالم وخاصة أن العراق لايزال متخلفاً في هذا المجال الحيوي وكذلك يجب التعامل بشكل جدي مع إيقاف الهدر في الغاز الناتج عن عمليات استخراج النفط والذي يساهم في عملية التلوث البيئي وخاصة أن العراق من أكثر البلدان التس تساهم في التلوث البيئي عالمياً وقد تم توجيه إنذارات وتحذيرات كثيرة من منظمات عالمية للعراق في هذا الجانب علاوة على الخسائر المادية الكبيرة التي تنتج عن الهدر الحاصل في احتراق الغاز، كل هذه الأمور يجب أن تاخذها بالحسبان الحكومة الجديدة وأن تتسابق مع الزمن لتعزيز وانعاش الاقتصاد العراقي وإيجاد البدائل الملائمة لتعظيم الوادات بدلاً من الاعتماد على النفط، علماً أن معظم الدول النفطية خطت خطوات كثيرة في بناء اقتصاداتها والخروج من عباءة الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي لتمويل الموازنة.

أكرر دعوتي للحكومة العراقية الجديدة وللبرلمان وللطبقة السياسية باستدراك هذا الخطر الحقيقي والإسراع باتخاذ هذه الإجراءات الكفيلة بتقليل حجم الكارثة التي يقبل عليها العراق وشعبه وتجنيبه الوصول الى حافة الهاوية الناتجة عن سوء الإدارة وانعدام التخطيط السليم.

 

د. رائد الهاشمي - خبير اقتصادي

 

محمد سعد عبداللطيف(وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)

إن الکاتب یجب استخدام سحر اللغة للتعبير عن المجتمعات البائسة، والمریضة وما تعانيه من أمراض، وٱن يكون بعيدا عن إنتمائة السياسي

لا أبالي إن كنت في جانب والجميع في جانب آخر.. ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم ولمعت سيوفهم.. ولا أجزع إن خذلني من لا يؤمن بما أقول. إنما يؤرقني أشد الأرق أن لا تصل هذه الرسالة إلى ما قصدت.. فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح .. أخاطب أنصار المبدأ لا محترفي المزايدة والاشاعات وتصفية حسابات سياسية  علي حساب شرف عائلات وضياع وخراب بيوت كما حدث للمعلمة التي كانت تعمل متطوعة وحملة التشهير من جماعة لها مصالح وتصفية حسابات لا تكون علي حساب شرف سيدة ليست من الرجولة. ٱو حملات الشماتة  والتشهير  بوفاة شخص ما لإنتمائة السياسي"إن حضانة العلم تجني العلم بعد "21 عاما " ٱما حضانة الٱخلاق فتجني الٱخلاق بعد ٱربعين عاما " لذلك قال الله في كتابة العزيز تيهوا في الٱرض اربيعين سنة حتي يٱتي جيل ٱخر بٱخلاق مختلفة عن ٱبائهم من بني إسرائيل   في رحلة الخروج من مصر  في قصة سيدنا موسي علية. وعلي نبينا الصلاة والسلام ". لم ننتهي من قصة المعلمة التي رقصت في رحلة وٱصبحت قضية (رآي عام) وجاء إعلان وفاة الكاتب والإعلامي (وائل الإبراشي .والمستشارة تهاني الجبالي .)وبدٱت نفس الكتائب من الهجوم والإنتقام  الإلهي منهم بوفاتهم  .في ٱي مدارس فكرية تعلموا   " عن وفاة شخص بين يدي الله الٱن " انة عقاب إلهي. من اعطاك صك الغفران ومن اطلعك علي علم الغيب  اعمالة بينة وبين خالقة . هل تعلم في ٱي ارض ستموت وهل نزل عليك الوحي وٱخبرك ٱنه من اصحاب النار وانت من ٱصحاب الجنة . ٱنا  ٱخاطب قصاد الحق لا طالبي السلطان وأنصار الحكمة لا محبي الحكم والصراع علي السلطة واستغلال الدين شماعة لنشر الفتن والإشاعات وبث الفتن" الفتنة نائمة  نعل الله من ايقظها ".. (- ن" وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ

مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ

وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ

وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ " صدق الله العظبم " كلنا نعلم ماذا فعل" النبي محمد "علية الصلاة والسلام ٱثناء مرور  تشييع جنازة يهودي وقف وقال كلمتة المشهورة .إذا رأيتم الجنازة فقوموا.

لقد کتبنا من التراث والتاریخ فآنا لیس عرابا ولا ضارب الودع.نکتب الحقیقة ونحذر من القادم.لقد تعلمنا

من ديننا الحنيف" (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموة  واتقوا الله إن الله تواب رحيم»)

لقد انتشرت الحروب النفسية  والإشاعات . مع نظام العولمة والتقدم التكنولوجي في شبكات الإتصالات والتواصل الإجتماعي .التي  ٱصبح فيها العالم 'قرية صغيرة: تنتشر الإشاعات كالنار في الهشيم "

ومن المعروف  فی زمن  الشعبوية والحروب والأوبٸة  والمجاعات تلعب الإشاعات دور كبير في خلق بيئة من الفوضى في المجتمعات سواء فی السلم أوالحرب !! ففی فترة السلم تبدآ الإشاعة علی انها معلومة غیر مٶکدة کی تنتشر أولاً ۔ والإنتظار ۔من نتاٸج هذا المردود داخل المجتمع من سلبیات فالإشاعة تستخدم قبل الحرب للتمهيد لها وتهيئة الأجواء وإرهاب الخصم، جيشاً وشعبا،ً

وإضعاف روح الإصرار والتصميم والعزم والإرادة، من خلال خلق القصص وتزييف الأنباءوتحريفها۔  والمبالغة في سرْد الحقائق وتجسيمها، واستغلال الأحداث الجارية والأمور العارضة، واستغلال الدوافع والقيم الإنسانية، واستخدام عقائد الجماعة ومُثلها وقيمها وتراثها . وتعمل الإشاعة على نشر الأخبار بطريقة مستمرة لمساعدة الوصول الي فوضي داخل المجتمع  ۔وتعتبر الحرب النفسية والإشاعة أكثر خطورة من الحرب الفعلية، لأنها تستخدم أساليب متعدّدة ورخيصة ، وتستهدف التأثيرعلى أعصاب الناس ومعنوياتهم ووجدانهم، وتتسلل الحرب النفسية إلى النفس دون علم الشخص، وإذا كانت الحرب العسكرية لها قواعد وأسس تحكمها، فإن الحرب النفسية لا تخضع لقوانين أوتقاليد حربية معينة، ونتائجها غير مباشرة، ويصعب تقديرها بلغة الكم وفي هذا النوع من الحرب يختفي الأعداء وهي توصف بالديمومة لأنها تمارس في أوقات السلم والحرب والأوبٸة والکوارث والمجاعات.كثير يعتقد ٱن ما يكتبة حرية تعبير. إن الحرية حق لكل  إنسان لها ضوابطها وقيودها ولا حرية. في الإسلام لنشر ما يعتبر  فساداً  اوفتنة في مفهوم الإسلام رغم ان هذا الصراع والاتهام بالكفر. والذندقة والالحاد والهرقطة   ليس وليد اليوم .لعلماء يقتخر  ويتفاخر المسلمون  بهم في عصرنا الحالي . انهم  كانوا ملحدين علي يد ائمة وفقهاء الدين  في الازمنة التي عاشوا فيها فكانوا يطلقون.علي." بن سنا " امام الملاحدة  كذلك (ابن رشد وابن الهيثم وابي بكر الرازي وبن المقفع. والجاحظ وابي العلاء المعري وجابر بن جيان) وغيرهم. رغم انهم قامت علي اكتافهم الحضارة الإسلامية. كل هؤلاء. كفروا وذندقوا. وهرقطوا. بين . صراع  من  الاصولية.الريدكالية. والعلمانية من هؤلاء العلماء فمثلاً عندما يشتد الخلاف بين (ابن سينا)  وفقهاء عصره.

كان يقول لهم سوف ادخل المسجد اصلي. ركعتين. ثم اذهب الي المنزل. لشرب "قدح من النبيذ." وٱقرأ ثم  انام ..

كذلك ابي الطب "ٱبي بكر الرازي. "كان ملحدا لا يؤمن بالنبوة. النبي. محمد والف كتاب  عن خرافات الأنبياء  كذلك ٱبي" اسحاق الكندي  "كان ينكر الوحي..

وٱبي "العلاء المعري" وٱبن النديم. وٱبن الطفيل " كلهم لهم دور في الحضارة. الغربية كذلك نفتخر بهم في عصرنا الحالي  فليس غريبا ان نسمع في عصرنا. امثال كثيرة .نختلف معهم  ..

باسم حرية التعبير في قالب. جديد  من وجهة نظرهم منظور إسلامي ان الآختلاف بين الناس ٱمرا طبيعيا فحسب بل ايجابي (ولوشاء. ربك لجعل  الناس أمة و احدة ولا يزالون مختلفين).

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري ۔وباحث في الجغرافيا السياسية

 

 

محمد المحسنهل ندير ظهرنا لهذا الغزو العولمي في حركة إستعراضية مشفوعة -بإنتحار حضاري- أم نواجه ما بات يهددنا بإعتماد ثنائية المحافظة على الذات والتفتّح على الآخر؟

كيف يمكن خلق توازنات تحمي أجيال المستقبل من مداهمات الثقافة المعولمة واختراقاتها في ظل هذه الثورة الإتصالية الوافدة من الغرب وما يتخللها من تنميط سياسي متعدّد الوسائل والأشكال؟

ألسنا مدعويين هنا..والآن إلى لحظة مكاشفة صادقة مع النفس لتجاوز مطباتنا وتفعيل واقعنا وعقلنة ملامح المستقبل؟

أردت القول أنّ الخوف من غزو ثقافي كوني لم يعد له مبرّر وهو ليس من قبيل الأوهام التي تعودنا عليها، بقدر ما هو حقيقة ثابتة ومؤكّدة أملتها ظروف وملابسات تاريخية لها عميق الأثر في واقعنا العربي خاصة والدولي عامة نورد منها ما يلي:

-انهيار القطب الإشتراكي وتفكّكه وما تلاه من انهيارات متلاحقة أصابت دول المنظومة الإشتراكية مما أفضى إلى تحكّم الرأسمالية المعولمة في اقتصاد الدول النامية واخضاع هذه الأخيرة لتبعية اقتصادية موغلة في التسلط والإستغلال.

- في عالم الثقافة الكونية هذا، برزت شركات متعددة الجنسيات تستغل في صالح المصالح الاقتصادية الكونية، وهذه الشركات أقوى من الدولة حيث تفوق ميزانياتها الدخل القومي لكثير من الدول النامية، وقد ملأت الحيز الثقافي في إعلامنا واستطاعت تلوين العالم بأفكارها وثقافتها.

– اتفاقية- الجات- التي تحوّلت إلى منظمة عام 1995 وأصبحت تبعا لذلك ضلعا أساسيا في مثلث الهيمنة الغربية (صندوق النقد-البنك الدولي-الجات) وهذه الإتفاقية تفسح المجال للغزو الثقافي الأمريكي والغربي عامة الذي أساسه إنكار وإقصاء الثقافات القومية للشعوب الأخرى، وبالتالي أمست تشكّل تهديدا خطيرا لثقافة وتطوّر العالم النامي في كافة المجالات الأخرى.

– في ظل العولمة ومع توقيع إتفاقية- الجات- أصبحت الشركات المتعددة الجنسيات ومنها – والت ديزني- أقوى من الدول بعد حدوث إنفصال بين المصالح الاقتصادية العملاقة والأنظمة السياسية المحلية، وأصبحت تبعا لذلك تمارس ضغوطا من أجل التأثير على القرارات السياسية الداخلية في الدول التي تمارس فيها أنشطتها.

– نجاح العولمة في خلق أجيال كونية منبهرة بالسلعة الثقافية الأمريكية الأكثر إبهارا، الشيء الذي يهدّد بتخلّف صناعة السينما لدينا وغيرها من الصناعات الثقافية.

إنّ لهذه المعطيات التي ذكرناها عميق الصلة بخلخلة الواقع العربي وجعله ينوس بين طرفي الإنغلاق والإنفتاح دون الإلتفاف حول هذا الواقع وعقلنته بما يؤسّس لإستحضار الذاكرة لدى الإنسان العربي، ولعل في قولة فلاديمير لينين خير دلالة لما نحن بصدد الإشارة إليه: «شعب بلا ذاكرة، هو شعب لا مناعة له».

فكيف يمكن في ظل الراهن الثقافي الكوني تأكيد الذات وإثبات الهوية والمحافظة على الأصالة بما من شأنه أن يبلور الصورة الحقيقية لحضارتنا؟

هل نحن مطالبون وأمام المد الكاسح للتكنولوجيا من جهة، والعولمة من جهة أخرى، بإعادة البناء الفكري للمجتمع عبر استحياء الماضي ومصالحة الراهن واستشراف المستقبل؟

ألم نفرّط في مكاسب حضارية كانت ستضعنا في مرتبة الدول المتقدمة استهدفتها بواكير النهضة في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر: محمد عبده – جمال الدين الأفغاني والكواكبي..فكيف نسينا التاريخ وقد ولجنا قرنا جديدا وصافنا ألفية ثالثة!؟

أليس المطلوب- اليوم- من العرب والمسلمين التفكير الجدي في بناء خصوصية منفتحة وفاعلة. خصوصية تتمتّع بديناميكية ذاتية تعيد قراءة التراث وصوغ الثقافة الشعبية، وتغيّر علاقة الأنظمة والأحزاب بالدين والقيم الدينية، وتؤسس لمصالحة تاريخية بين قيم الفرد والمجموعة وبين اللحظة العالمية الراهنة.

ولكن..

لكي تكون هذه الثقافة فاعلة وقادرة على الإنخراط في الحركة العالمية المناهضة لسلبيات العولمة، يجب أن تكون ثقافة إنسانية في مضامينها وقيمها، تعتمد مرجعية حقوق الإنسان، وتقطع مع التقسيم التقليدي للعالم الذي كان قائما على المعتقد الديني للأفراد والشعوب وتنحاز إلى الجبهة العالمية المؤمنة بالحرية والعدل والمساواة، والرافضة للتعصّب والإقصاء والاستعمار والهيمنة.

إنّ إقصاء الأنا.. للآخر وانغلاقه على ذاته طمس للهوية الفاعلة والمؤسسة، كما أنّ الإنفتاح المحافظ على الأصالة والحضارة العربية تأسيس للذات، ولذا بات لزاما على المثقفين العرب خاصة وعلى الشعوب العربية عامة إعادة النبض إلى التاريخ والعكس صحيح، وذلك من خلال فعل المواطنة وتجذير قيم الهوية بإعتماد التنمية الثقافية للمجتمع كشرط أساسي لنجاح التنمية في كافة مجالات الحياة، ثم المساهمة بشكل فعّال في بناء بعد الذاكرة العربية والسعي لصياغة الواقع العربي الراهن وفقا لمقاييس التقدّم قصد الإنتقال من الوضع المتخلّف حضاريا، إلى الوضع المحقّق لإنسانية الإنسان..

وإذن؟

لا بد إذا من إعادة الإعتبار للثقافة في مرحلة قد يكون فيها الإبداع الثقافي الإضافة الوحيدة التي يمكن أن تميز مساهمة المنطقة في المشهد العالمي الراهن الذي يفترض أن تلعب فيه الجوانب الرمزية والقيمية دورا مهما في المستقبل، وخصوصا لدى الداعين إلى عولمة بديلة يكون الإنسان محورها وهدفها.

قلت هذا، وأنا على يقين بأنّ شعوب هذه المنطقة، وحتى قطاعات عريضة من نخبها، لم تتمكّن حتى الآن من ملاحقة التحولات الجارية، ما جعلها غير قادرة على إنجاز أي نقلة نوعية في أي مجال من المجالات سواء الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية. كل الجبهات منهارة وجميع مقومات الأمة مهزوزة.. !.

الأكيد أن العولمة ليست شرا كله. فهي في بعض جوانبها- وهذا الرأي يخصني- قد توفّر فرصة لإعادة هيكلة أوضاع المنطقة على أسس مختلفة.

على سبيل الخاتمة:

إن نجاح أى بلد من البلدان النامية، فى الحفاظ على الهوية والدفاع عن الخصوصية، مشروط بمدى عمق عملية الانخراط الواعى، فى عصر العلم والتكنولوجيا، والوسيلة فى كل ذلك هى اعتماد الإمكانيات التى توفرها العولمة نفسها، أعنى الجوانب الإيجابية منها.

لست مجبرًا أن أكون أمريكيًا أو فرنسيًا، أو غير ذلك، بل يجب أن أحافظ على هويتى وثقافتى وعاداتى وأخلاقى، مع الاستفادة بالطفرة العلمية الناتجة عن العولمة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال: صياغة إستراتيجية عربية للتعامل مع العلم والتكنولوجيا الحديثة، وإعادة النظر فى المناهج الدراسية والجامعية على نحو يهدف إلى تأصيل الملامح الحضارية فى الشخصية العربية لمواجهة تحولات عالم اليوم.

والتنسيق والتعاون بصورة متكاملة فى وزارات التربية والتعليم العالى والثقافة والإعلام، والأوقاف والشؤون الإسلامية، والعدل، للمحافظة على الهوية الإسلامية من أى مؤثرات سلبية.

… وأرجو أن تصلَ رسالتي إلى عنوانها الصحيح.

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

 

 

كاظم الموسويانهارَ في نهايةِ الثمانيناتِ من القرن الماضيّ الاتحادُ السوفييتيّ، وتداعت منظومتُهُ الاشتراكيّةُ بشكلٍ سريعٍ ولافتٍ للانتباه، وناقشت هذا الانهيارَ مراكزُ البحث وأصحابُ القرار السياسيّ، وتناقلتها أوساطُها إضافةً إلى وسائلِ الإعلام بمختلِف مسمّياتها بتحليلاتٍ وتقاريرَ ومقالاتٍ ودراساتٍ اختصرت وقائعها بانتهاء مرحلةٍ مهمّةٍ من تجارِب الشعوب وتاريخها المعاصر، وبدايةِ مرحلةٍ أخرى لها، بالتأكيد ما يميّزها عن سابقتها، وقد لا تكون متقدّمةً عليها. ولكن المؤكّد فيها ما انعكس منها ضمنًا أو تحوّلًا بشكلٍ متسارعٍ أيضًا على كلّ الأوضاع العالميّة والمحليّة، سواءً في الجغرافيّة السياسيّة للاتّحاد السوفييتي ومنظومته، أو في ارتباطات الحركات والأحزاب الشيوعيّة واليساريّة في أنحاء الكرة الأرضيّة، ومنها بلداننا العربيّة بهذه التغيّرات والتحوّلات.

مثلَ غيرِه، واجهَ اليسارُ العربيُّ هذهِ المرحلةَ التاريخيّةَ بصعوباتٍ متباينةٍ تراوحت مع عمق الأزمات المختلفة، على جميع الصعد، وانعكست لشدّتها وسرعتها، وما رافقها من تحدّياتٍ وضغوطٍ بصورٍ وملامحَ أخرى على بِنيتِهِ الواقعيّة، وتكوينِهِ الجدليّ وارتباطاتِهِ الداعمةِ لكينونتِهِ الأيديولوجيّة ومرجعيّتِهِ الفكريّة. فقد كان اليسارُ العربيُّ عمومًا، بتركيبِهِ الممثّل من الأحزاب الشيوعيّة خصوصًا، والحركات الماركسيّة العروبيّة عمومًا، على علاقاتٍ قويّةٍ وارتباطاتٍ مختلفةِ الأوجه مع الاتّحاد السوفييتيّ ومنظومتِهِ الاشتراكيّة. وبدهيٌّ لن تمرَّ حالةُ الانهيار دون أن تتركَ آثارًا وتداعياتٍ مختلفةَ المستوى ومتباينةَ المظاهر، وهو ما حصل فعلًا، وصنع مجراه العام على الجميع، دون استثناء.

المعروفُ أنّ الاتّحادَ السوفييتيّ وحزبه الشيوعيّ وقياداته الفكريّة والأمميّات الشيوعيّة أدّت أدوارًا وأثّرت بأشكالٍ عديدةٍ في دعم تأسيس الحركات والأحزاب اليساريّة والشيوعيّة في العالم، وخاصّةً في وطننا العربيّ، منذ زرع أولى البذور، وحتى تكوّن الأحزاب وقيامها وفعلها الميدانيّ وتحالفاتها وانسجامها مع التحوّلات والتغيّرات الداخليّة والخارجيّة، المحليّة والدوليّة. كما أدّت قيادةُ الاتّحاد السوفييتي وباقي الأحزاب الشيوعيّة والاشتراكيّة القائدة لبلدان المنظومة الاشتراكيّة دورًا فعّالًا في إعداد الكوادر الحزبيّة وتدريبها ومساعدتها على قيادة التنظيمات، وإدارة البناء الحزبيّ والعمل السياسيّ. ولا ينكر الدعم الماليّ والفكريّ والثقافيّ والتعبئة الأيديولوجيّة والإعداد والتدريب لتقبّل الكفاح في البيئات المختلفة، وملائمتها للنضال الوطنيّ والقوميّ بأفقِ الاشتراكيّة والشيوعيّة. وناضلت الأحزابُ الشيوعيّةُ منذ تأسيسها في إطار الحلف الاستراتيجيّ مع المركز الاشتراكيّ والتبادل في المواقف أو التطابق فيما يخدم تلك العلاقات أو الروابط الملزمة للأطراف مع المركز وتوجّهاته الفكريّة والسياسيّة. واستمرّ التأثيرُ الأيديولوجيّ والماديّ والمعنويّ لإشعاع المركز ليس على الأحزاب الشيوعيّة وحدها، إنّما على الأحزاب وحركّات التحرّر الوطنيّ، التي تبنّت هي الأخرى الفكرَ الاشتراكيَّ العلميَّ والتوسّعَ أو التنافس الميدانيّ أو التمثيلَ السياسيَّ مع الأحزاب الشيوعيّة، فروع الأمميّات أو المرتبطة عموديًّا داخلَ البلدان العربيّة خصوصًا، والبلدان الأخرى عمومًا.

أثَّرَ نجاحُ ثورة أكتوبر الاشتراكيّة في روسيا عامَ 1917، وقيادتها البلشفيّة في نشر الوعي الفكريّ والسياسيّ خارج روسيا، وكان لتوجيه  لينين رسائل إلى الشعوب الإسلاميّة وشعوب الشرق عمومًا وقياداتها السياسيّة مفاتيح علاقات، وانتباهات لتوجّهاتٍ جديدة. فقد جاء في رسالةٍ وجّهها لينين إلى المسلمين في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر عامَ 1917: "يا أيّها المسلمون في روسيا وسيبيريا وتركستان والقوقاز.. يا أيّها الذين هدم القياصرة مساجدهم وعبث الطغاة بمعتقداتهم وعاداتهم، إنّ معتقداتكم وعاداتكم ومؤسساتكم القوميّة والثقافيّة أصبحت الآنَ حرّةً مقدّسة، نظّموا حياتكم القوميّة بكامل الحريّة، ودون قيدٍ فهي حقٌّ لكم، واعلموا أنّ الثورةَ العظيمةَ وسوفييتات النواب والعمال والجنود والفلاحين تحمي حقوقكم وحقوق جميع شعوب روسيا". وفي التقرير الذي قدّمه لينين في المؤتمر الثاني لعامة روسيا للمنظّمات الشيوعيّة لشعوب الشرق (22 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1919)، "وفي إثر مرحلةِ استيقاظ الشرق ستحلُّ في الثورة المعاصرة مرحلةُ اشتراكِ جميع شعوب الشرق في تقرير مصائر العالم كلّه، كيلا تكون مجرّدَ وسيلةٍ للإثراء. إنّ شعوب الشرق تستيقظ لكي ما تعمل حقًّا وفعلًا ولكي ما يسهم كلُّ شعبٍ في تقرير مصير البشريّة بأسرها". وفي هذا الإطار انتشرت الأفكارُ الاشتراكيّةُ في البلدان العربيّة، وتأسّست نواتات النقابات العماليّة والأحزاب الاشتراكيّة والشيوعيّة، وتطوّرت منظّماتُها، وأخذت بمهمّات التحرّر الوطنيّ ومقارعة قوى الاستعمار والرجعيّة المهيمنة في تلك البلدان. وأعلن عن تأسيس أحزابٍ اشتراكيّةٍ وشيوعيّةٍ في العشرينيات من القرن الماضي في فلسطين ومصر وبلاد الشام، ولحقتها في العراق والعديد من البلدان العربيّة، في مشرق الوطن ومغربه. وتمّت العلاقات والصلات بينها وبين المركز، الاتّحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكيّة، وأخذ التعاونُ والتضامنُ الأمميُّ موقعَهُ في نهوض حركات التحرّر الوطنيّ في الوطن العربيّ، وتجذر الأحزاب والقيادات اليساريّة فيه، وكانت لها تحالفاتها ومواقفها التاريخيّة في اندلاع الانتفاضات والثورات والتحوّلات.

بدهيًّا لا تترك قوى الاستعمار والرجعيّة وأنظمتها البوليسيّة المجالَ والساحاتِ لنشاط الأحزاب اليساريّة عمومًا، وقامت باستمرارٍ بالتدمير الداخليّ لها أساسًا، والتضييق عليها، وحتى العمل على منعها وحرمانها من العمل العلني، الأمرُ الذي ترك آثارًا سلبيّةً أدّت إلى صناعة عواملَ ذاتيّةٍ وموضوعيّةٍ لتحجيم الدور وإضعاف الفاعليّة السياسيّة، شهدت له السجونُ والانقساماتُ الداخليّةُ والتنافسُ غيرُ المبدئيّ بين تلك الأحزاب والتحالفات الطبقيّة. وحاول الاتّحاد السوفييتي هنا أيضًا في البحث عن حلولٍ لقضايا الخلافات داخلها في أكثرَ من بلدٍ عربيٍّ ومساندتها في توحيد جهودها وتطوير وسائل كفاحها الوطنيّ والقوميّ.

كان هذا قبل الانهيارات فكيفَ حصلَ بعدها؟!

بالتأكيد لم يكن الأمرُ يسيرًا، حيث فقدت هذه الأحزابُ مرجعًا رفاقيًّا كبيرًا أسهم في الدعم والتضامن والتطوير على مختلف الصعد، ممّا عمّق من الأزمات والتحدّيات. وكان أبرزها القدرةُ على تجاوزها على الصعيد الفكريّ والدعم الماديّ والبناء التنظيميّ والعلاقات الأمميّة. فقد مارست القياداتُ الحزبيّةُ وإداراتها السياسيّةُ أدوارًا تابعةً للمركز، وانحيازات كاملة، لا سيما بعد انقسامِهِ أيضًا، في الصراع السوفييتيّ والصينيّ، وموقفه من سياسات "التعايش السلميّ" وغيرها من السياسات العمليّة، وكذلك انعكست عليها آثارُ تلك الصراعات، وصولًا إلى تفكّك المرجع المشترك، وتعدّد المصادر بين القوى الاشتراكيّة العالميّة، وكانت هذه الحالةُ البدايةَ في تراجع الدور الحركيّ في قيادة التحوّلات والتغيّرات المحليّة والإقليميّة، وظهرت في توقّف الاجتماعات الدوريّة للأحزاب الشيوعيّة والعمّاليّة في المنطقة العربيّة، وتوزيع المجلّة النظريّة والتضامن الأمميّ عمومًا. وتكشّفت ملامحُ الأزمات أكثرَ في طبيعة الانشطارات البينيّة، داخلَ كلّ حزبٍ وكلّ بلد، مما شتّت الكفاح المشترك، والسعي إلى الوحدة الوطنيّة والقوميّة، لا سيما للأحزاب الماركسيّة العروبيّة، أو الشيوعيّة في البلدان المتعدّدة القوميّات. وطبع الانهيار في المركز نفسه على الأحزاب "التابعة" له خارجه، وبروزه في الصراعات الفكريّة وتغيير المسمّيات، والتخلّي عن الإعلان العقائديّ في الماركسيّة اللينينيّة منهجًا أيديولوجيا لها، وحتّى التهرّب من رمزها المميّز لها في نشر "المطرقة والمنجل" في مطبوعاتها، وكذلك من مصطلحاتٍ فكريّةٍ أساسيّةٍ، مثل النضال ضدّ الإمبرياليّة أو صراع الطبقات ودكتاتوريّة البروليتاريا أو البروليتاريا، وحتى الدور الطليعيّ لها في التحرّر الوطنيّ، وتغيير اسمها والابتعاد عن قاعدتها الطبقيّة المعبّرة عنها، وتعرّضها لتناقضاتٍ وجوديّةٍ لذاتها، ودورها الطبقيّ والسياسيّ، لا سيّما في التسابق إلى التعاون أو التراضي مع العدوّ الطبقيّ والسياسيّ، الداخليّ والخارجيّ على السواء، وقَبول روح التنازل والمساومة على القيم والمبادئ لانتهاز مصالحَ شخصيّةٍ أو مغرياتٍ وقتيّةٍ وعلى حساب البرامج العلميّة، وفقدان الادراك بضياع البوصلة الثوريّة، والأمميّة والضرورة الطبقيّة، وبخس وخسارة دماء الشهداء والتضحيّات وصفحات البطولات التاريخيّة وأمجاد الحزب، وليس هذا تعبيرًا عن مسعى إلى التجديد النظريّ أو التطوير الفكريّ وبناء حزبٍ جديد، بل تخلٍّ عنه وتجميدٌ لأدواتِهِ الفاعلة.

كلُّ هذا حصل، وحدث فعليًّا، هذا وغيره.. وقد عكس في خلاصتِهِ طبيعةَ الأزمات التي واجهها اليسارُ العربيُّ وتنوّعها، وبعد كلّ ذلك لا بدّ من التوقّف عند طبيعة كلّ واحدةٍ منها، وهي غيرُ قليلةٍ، ولا يسيرةٍ، وتبدأُ في صحّة تشخيصها، ومعرفة تحدّياتها وعمقها وضرورة المراجعة الموضوعيّة لها، بقراءةٍ علميّةٍ للمتغيّرات والتحوّلات وعواملها الذاتيّة والموضوعيّة؛ كي ينهضَ اليسارُ العربيُّ اليوم، ويقودَ المواجهةَ والعودةَ لأخذِ زمامِ القيادةِ في طليعةِ التغييرِ التقدميّ.

 

كاظم الموسوي

 

عبد الخالق الفلاحتزداد المنظمات التي تحمل أسماء وعناوين مختلفة دون ان يعرف مصدر هذه المنظمات ومواردها ومؤشرات تأثيرها في المجتمع والدولة وظلّت مبهمة اوضعيفة، فضلا عن غيابها عن ساحة العمل الفعلي الميداني التوعوي، وهناك اليوم اسئلة عديدة برزت عمّا قامت به هذه المنظمات من اعمال ساهمت بصورة ولو جزئية في ان تقدم للمجتمع فوائد معنوية او مادي، وهي تنظيمات تطور عملها بشكل بطيء جدا مع تأريخ نشأتها الطويلة، فكانت واجهات للأحزاب والتيارات وتجمعات وواجهات لاشخاص، وتكمن مشكلتها في التسلط والالتزام الايديولوجي الذي عطلها عن حرية الحركة، وهي تتسم أكثرها باعتبارات شخصية بدل ان يكون لها كيانها المستقل عن الأفراد المكونين لها .. وتدار بواسطة مجالس ادارية وجمعيات لا وجود حقيقي لها "الهيئة العامة للأعضاء" إنما تشكلها مجموعة من الأفراد مخالفة لكل القوانين والقواعد ورغبات ذاتية . وتنقسم المنظمات إلى نوعين حكومية وغير حكومية بالنظر إلى الأعضاء المكونين للمنظمة، وحركة المنظمات والجمعيات الانسانية في الأساس هي جزء من التراث المشترك للبشرية جمعاء. وتخص كل انسان، وترتبط المنظمة بجهود مشتركة من أجل بناء عالم أفضل. هذه المنظمات في الحقيقية يجب عليها ان تعبر عن إيمان الإنسان وثقته في المستقبل، من أجل تحقيق مصالح وأهداف محددة، على أن تكون غير راجعة لحكومات الدول، التي تأسست فيها هذه الهيئات. وإن الهيئات غير الحكومية الجادة عليها مسؤولية العمل من اجل توسيع عملها في فتح مكاتب لها والعديد من الفروع، وقد تتعدد الأهداف التي يتم تأسيس الهيئات غير الحكومية بسببها، فقد تكون نوعين: ربحية وغير ربحية، حيث تزاول دور ضروري في التأثير، على البرامج والاستراتيجيات الحكومية،عن طريق عملية المراقبة، والمشاركة في اجتماعات التفاوض حول الاتفاقيات. لم تكن ولادة منظمات المجتمع المدني العراقي ولادة طبيعية وسهلة رغم ان تاريخ نشأة هذه المنظمات يعود لبدايات القرن الماضي . لقد شهدت الفترة التي أعقبت عملية التغيير عام 2003 تأسيس المئات من منظمات المجتمع المدني في عموم العراق مع عدم فعالية بعضها. ولا يخفى على أحد الدور الكبير الذي لعبتها الا البعض بعض من المنظمات الدولية التي عملت في العراق بعد التغيير من تقديم يد العون والمساعدة لإعداد كبيرة من المنظمات تمثلت بالتدريب وإعداد كوادر المنظمات في دورات داخل وخارج البلد وتمويل البرامج والأنشطة التي ساهمت بشكل ملحوظ في بناء هذه المنظمات رغم ان غاياتها تختلف مع القواعد الحقيقية لنشئة هذه المنظمات وكانت البعض منها ضحية او واجهات للبعض من السفارات الاجنبية. ولا ننكر لقد استطاعت بعض منظمات المجتمع المدني وخلال فترة زمنية قصيرة من لعب أدورا مهمة وأساسية شملت تقديم المساعدات الإنسانية لضحايا الحرب واعمال العنف وتوفير الدعم القانوني للفئات المهمشة والمستضعفة ونشر وترسيخ مبادئ السلام والتعايش السلمي وثقافة حقوق الإنسان والمساواة في النوع الاجتماعي وتمكين المرأة ومكافحة الفساد ومراقبة الانتخابات البرلمانية ومجالس المحافظات وغيرها من المواضيع. لكن ورغم هذه الأدوار المهمة واجهت العديد من منظمات المجتمع المدني العراقي الكثير من المشاكل والتحديات والمصاعب نتيجة للوضع السياسي والأمني الذي تمر به البلاد وانحسار مصادر التمويل النزيه الذي يشكل عصب الحياة لهذه المنظمات، والفساد المالي الذي نخر مصداقية بعضها والذي شكل ضربة موجعة لعمل هذه المنظمات وجعلتها متهمة بالفشل والشك في المصداقية . هناك نوعين من هذه المنظمات،حكومية وهي التي تؤسسها الحكومات وترتبط بها واطر قوانين خاصة بناءاً ووفق متطلبات تلك الحكومة ودوافعها والغاية التي يتم التأسيس بموجبها وتدعمها مادياً وقد عززت منظمة اليونسكو مع هذه المنظمات تعاونها ووسّعت نطاقها بإبرام العديد من الاتفاقات الرسمية معها بغية تعزيز قدراتها على التنفيذ من خلال الاضطلاع بأنشطة مشتركة على الصعيد القطري والإقليمي والعالمي.

لاشك ان الأنظمة السياسية الديمقراطية والدكتاتورية تحاول أن تؤثر في التنشئة السياسية والديمقراطية للفرد من خلال استهداف أفكاره عن طريق غرس معلومات وقيم وممارسات يستطيع من خلالها تكوين مواقفه واتجاهاته الفكرية التي تؤثر في سلوكه السياسي. وهذا السلوك يلعب دورا في فاعلية الفرد السياسية في المجتمع، لذلك تلجأ الانظمة السياسية الحاكمة الى خلق قيم وأيديولوجيات مقبولة بنظرها ومشروعة لها في عيون شعوبها.

هناك المنظمات الغير حكومية كذلك لوجودها اهمية مباشرة ودورا واضحا في تعزيز الديمقراطية ونشر مفاهيم حقوق الإنسان وضمان الحريات الاساسية وتحقيق السـلام وتنمية المجتمعات المحلية والرقابة والتقييم، كما يعتبر عنصرا فاعلا في الاستجابة للأزمات والكوارث وحالات الطواريء، ويتوقف تحقيق أهداف المنظمات على جديتها ومدى فاعليْتها واستدامة مصادر تمويلها والسعي لإيجاد تمويل مستقل لتحقيق اهدافها، لتكريس مصادر كبيرة من أجل ترقية وحماية حقوق الإنسان،ومستقلة عن الحكومات والجماعات السياسية، ولا تسعى للوصول إلى السلطة السياسية، من أجل استعمالها لأغراضها الذاتية، كما أنها منظمات إرادية تضم أفراد تجمعهم نفس المبادئ والأفكار مع ضرورة التأكيد على أنها ليست جهات سياسية، وهذا شرط ضروري للمنظمة غير الحكومية حتى تتمتع بالمصداقية، هدفها الأساسي هو تنفيذ المعايير الدولية لحقوق الإنسان وتتألف من مجموعة من الأشخاص الذي يتفقون في أعمالهم، من أجل تحقيق مصالح وأهداف محددة، على أن تكون هذه الهيئات غير راجعة لحكومات الدول،التي تأسست فيها هذه الهيئات. وإن الهيئات غير الحكومية تؤسس لها العديد من الفروع في بعض البلاد، نجد هذا المنظمات منذ بدايتها لا تسعى إلى تحقيق هدف ربحي، وبالتالي نشاطاتها تبرعية، تسعى إلى تحقيق أهداف معنوية وأخلاقية وهي الحفاظ على الكرامة الإنسانية للأفراد وتسعى إلى احترام الإنسان لأخيه الإنسان. هذه الخاصية ضرورية ومن الأهمية بمكان حيث تميز المنظمات غير الحكومية من غيرها من التجمعات، مثل الشركات التجارية والمدنية، ومن ثم فهي تخضع في علاقاتها مع دولة المقر إلى نفس التشريعات التي تنظم الشركات التجارية والشركات المدنية، وهذا لاينفي أن المنظمات غير الحكومية تقدم بعض الإصدارات الخاصة من كتب ومنشورات وتقوم ببيعها لدعم ميزانيتها، وبالتالي فهي لاتكتفي بالهبات واشتراكات منخرطيها، وغالبًا ما تكون أسعار هذه الإصدارات موجهة لسداد أعباء الأنشطة والطباعة والنشر، وأصبحت المنظمة غير الحكومية مرادفة لخدمة المجتمع والأعمال الخيري الذي يتم تنفيذه خارجا عن الذات من قبل عدد قليل من أعضاء المجتمع دون أي ارتباط أو تدخل من الحكومة. وقد أصبحت المنظمة غير الحكومية (الحكومة أو المنظمات غير الحكومية) يد الحكومة التي تشتد الحاجة إليها، كما أنه من الواقع أنه على الرغم من أفضل النوايا لا يمكن للحكومة الوصول إلى المستوى الشعبي، ومعالجة جميع المشاكل، وحلها في بطريقة هادفة دون الاعتماد عليها في حالة بنائها الإنساني، في هذا الصدد، تملأ المنظمات غير الحكومية الثغرات وتساعد الحكومات في جميع أنحاء العالم على النهوض بالبناء...

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي