 آراء

مهدي الصافي: جذور الاستبداد العميقة في بلادنا

مهدي الصافيتبدأ رحلة او مدرسة الاستبداد الشرقي مع بزوغ فجر الحضارات القديمة.. الاساطير - الاديان - الاديان الشعبية والطوائف - انظمة الحكم الشمولي –الاقطاع - شيخ القبيلة او العشيرة - الباب العالي او ولي الفقيه او المرجع - السيد والعبد - الاسرة والمدرسة - التاجر والسوق - الاعلام المأجوروالنخب الفوقية، الخ.

في الاساطير القديمة ترى ان موقع الالهة الحاكمة من الشعب او الارض دائما ماتكون في موقع مرتفع، يضع عرش الامبراطور الاله فوق رؤوس الناس، حتى في مسألة بناء القصور والمعابد الشاهقة الارتفاع ترى انها خاضعة للاعتبارات الاستعلائية المعنوية، وهناك تقسيمات بدائية لفئات الشعب على اسس مختلفة الخ.

ومن الطبيعي كان ارتفاع العرش يعتمد على حجم المملكة واتساع رقعتها وقوتها العسكرية والمادية، لكن تعد بداية نزول كرسي الحكم قليلا مع ظهور الاديان، فيصبح بمستوى اقل من السابق، اي يرفع الناس من تحت اقدام الحاكم (المتحالف مع السلطة الدينية) الى مستوى الرقبة (اي يرتفع مجلس كبار القوم الى مافوق قدم الحاكم او عند مستوى ركبته)،

حتى جاء الاسلام فساوى بين الجميع، لكنه ابقى على منبر الجامع، الذي استغل فيما بعد في العهد الاموي والعباسي ليصبح شبيه بكراسي العروش (الامبراطورية)، مع الابقاء على وظيفة المنبر فقط في صلاة الجمع والاعياد والمناسبات او الازمات الكبيرة، ثم ظهر صدر الديوان او مقدمة مجالس الاسياد ورجال الاقطاع وتجار الدين...

لقد كانت الانظمة الملكية او الشمولية ولازالت تعمل على ابقاء تلك الهالة المضخمة المرتفعة لصورة قمة هرم السلطة السامي امام الشعوب المضطهدة او المسلوبة الارادة، حتى لاتفسد عليهم الحضارة الحديثة او الديمقراطية العلمانية نشوة هذا الشعور (المريض) والانا المنتفخ بالموروث الاستبدادي، ولانه مرض اجتماعي خبيث عززته السلطة الدينية والطائفية والقبلية او العشائرية في مجتمعاتنا العربية، بقيت اثاره شاخصة حتى بعد مجيء الديمقراطية وانهيار الانظمة الشمولية (بعد 2003 ثورات الربيع العربي)، والانفتاح العربي الواسع على الحضارة لتكنولوجية...

يفهم الناس في بلادنا الحديث المنسوب للنبي محمد ص: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" بعقلية الراعي والقطيع المسؤول عن رعيه، او الاقطاعي والفلاح والارض، لاتقدح في ذهنه موضوعة المسؤولية الاجتماعية التكاملية، والمفاهيم الانسانية الحديثة المتعلقة بالحرية والحقوق والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الرجل والمرأة الخ.

الخطاب الديني والعشائري خطاب استبدادي، لانه يختزل الدين والمقدسات او التراث والعادات والتقاليد بتوجهات واراء وفتاوى وسلطة الفقيه الاعلى او المؤسسة الدينية الرسمية او شيخ العشيرة الاكبر، يستخدم رجال الدين الحدود والعقوبات الشرعية (سواء التي جاءت في الكتب السماوية عند بقية الاديان او في القران الكريم والسنة النبوية وسنة الصحابة او الاءئمة)

او المبتدعة لاحكام القبضة على رقاب ومشاعر المسلمين، على اعتبار ان الشريعة ثابتة ومقدسة، ولهذا تجد التكفير والارهاب عند السنة، وكذلك تغلغلت هذه الافكار الى نظام ولاية الفقيه في ايران،

وعند الاسلاميين الشيعة في العراق، وهي نتاج الانحطاط الحضاري والانغلاق الفكري للاسلام السياسي، الذي لايرى وجه الله عزوجل الا في العنف والبؤس والمعاناة والفقر والحزن لانها تقلل من فرص التمتع بالحياة، وهي مقدمات اساسية لدخول الجنة كما يعتقد او يصورها تجار الدين (حتى الفرح والضحك وضعت له منغصات تراثية)،

بينما هم ولانهم يحسبون انفسهم من الطبقة او الفئة الناجية فلهم الحق في فعل كل شيء، لان حتى في حالة الخطأ يخرجه على انه اجتهاد فيه اجر محفوظ له في السماء، مع العلم أن القريب من رجال الدين يرى عدة نماذج انتهازية ومنافقة تحتقر مايسمى عوام الناس، ولاتجد بينهم المؤمن المتواضع الزاهد (اقصد رجل الدين المؤمن الحقيقي، ولهذا اعتبر عمل وكسب رجل الدين من عرق جبينه منقصة وتقليل لهيبته)، لانهم يحاربون اصحاب هذه الصفات ويعتبروها خطر محدق بهم وبحاشيتهم....

 (اسئلة عامة:المرجعيات الدينية السنية والشيعية الرسمية او البارزة هل استمعت يوما لفكر الفلاسفة والمفكرين او المثقفين...هل اخذت او ناقشت معهم القضايا السياسية او الاقتصادية والاجتماعية التربوية..في العراق هل استعانت المرجعيات الدينية بالمرجعيات الاكاديمية المتخصصة بعلوم السياسة والقوانين والاعراف الدستورية قبل حث ودفع الناس للتصويت على الدستور الفاشل، الذي رسخ سلطة المحاصصة والفساد، الخ.)،

فهناك مانطلق عليه بالاديان الشعبية التي يهيمن عليها تجار الدين الذين يروجون لبضاعتهم عند القواعد الشعبية المسحوقة، من اصحاب الغيبيات والروايات الاسطورية والممارسات السلبية

 (احياء تراث السلف او سنة الخلفاء الراشدين عند السنة، او بدعة المغالاة في الشعائر والطقوس عند الشيعة، الخ.)، وهؤلاء يعتبرون الاديان السماوية الرصينة ورجالها او مؤسساتها (اي غير المحرفة اوالتي لم تتغير تبعا للحاجات السياسية والاجتماعية المتوارثة) هم من الد اعداءها وخصومها او منافسيها في مجال المهنة المشتركة

 (فتجد عند الاديان الشعبية معايير اختيار رجل الدين او المرجع مختلفة، بعضها يؤخذ عن طريق التوريث الابن يأخذ مكان الاب حتى لو كان صبيا او مراهقا، دون الرجوع الى قواعد التفضيل والاختيار التي يروجون لها بطريقة مختلفة بعد ان تضاف قصص واكاذيب عن البركات والقدسية والكرامات المصاحبة لزعيمهم الروحي الجديد، واخرى تأتي حسب الظروف والدعم المادي المسخر لصناعة رجل الدين المأجور)،

في حين لاتجد تلك الاعمال والتصرفات او الاساليب المفتعلة عند اصحاب الرسالات الدينية الانسانية السليمة، بل ماتراه في العلن منهم تجده في السر ايضا، يتوحد ظاهر الايمان عندهم مع باطنه، بلا رياء او تسويق رخيص او اقتباسات واستحضارات وضيعة.....

الانسان المقيد بجذور الاستبداد (سواء كان ذلك طواعية او رغما عنه) لايمكن ان يركب سفينة التطور الحضاري، وسيرى المدنية ودولة المؤسسات كائن غريب او عدو حقيقي يريد ان يجرده من المكاسب المعنوية المكنونة في وجدانه

 (المتوارثة ابا عن جد بعد انهيار الدولة العباسية وغياب مفهوم الامبراطورية العربية او الدولة لقرون طويلة، والتي لم ترجع للظهور الا اوائل القرن الماضي، ولازالت بعض انظمة الخليج الملكية والاميرية تذكر الناس بتلك العهود المظلمة من حياة قبائل وعشائر الجزية العربية، خوفا من اجتياح الربيع العربي بلادهم)، او يسلب منه حالة الاستقرار النفسي النسبي (الذي يجده متجذرا في سلطة الطائفة او العشيرة، وفي الانتماء الى العصبة او الجماعة المغلقة)، اي هو يرفض الابتعاد ونزع او تغيير فكرة الاعتماد على الاخر، اواستبدال ثوبه العتيق بثوب الحرية والانعتاق من عبودية رؤوس الاستبداد، والمساهمة في بناء دولة الامة، التي قطعا ستوفر لهم الامن والامان والرفاهية والاستقرارالمعنوي والمادي، اكثر بكثير مما توفره له مضارب العشيرة او الانتماء الطائفي او الفئوي، وهذا يتطلب بذل المزيد من الجهود الجبارة من قبل المفكرين والمثقفين والكفاءات العلمية والفعاليات الاجتماعية الواعية، لاعادة التوازن الاجتماعي، ومد جسور التواصل بينهم وبين الشعب (بكل اطيافه وفئاته ومستوياته او توجهاته)، وتشخيص الاخطاء ودراستها وتحليلها، وتبني المسؤولية الاخلاقية التوعوية، لاختراق الحصون الطائفية والاثنية والعشائرية، واقناع ابناءها بالانخراط المباشر بالعمل السياسي التنموي، وفيما يلي بعض القضايا والنقاط الاصلاحية المهمة، التي نعتقد انها تساعد بتكسير بعض جذور هذا الاستبداد منها:

اولا: اعادة التعليم الالزامي للمدارس الاولية، وفتح مراكزمحو الامية

ثانيا: فتح المكتبات الرسمية العامة في جميع المحافظات والمدن والاقضية والنواحي والقرى فضلا عن المدارس والثانويات الخ.

لتشجيع الشباب وكذلك تعليم الاطفال على حب الاطلاع والمعرفة والقراءة، والابتعاد عن طرق الانحراف والعنف والمخدرات

ثالثا: اعادة نظام الخدمة العسكرية الالزامية بشروط محددة، ففي المجتمعات الاثنية او الطائفية والعشائرية المسلحة لابد ان تكون هناك مؤسسات عسكرية وامنية مركزية حتى لاتبرز ظاهرة المليشيات والجماعات او النزاعات العشائرية المسلحة

رابعا: تشريع عدد من قوانين وانظمة التعويضات المادية في حال الكوارث الطبيعية او الاخطاء الطبية او الحوادث الاجتماعية المختلفة، لتجريد تلك المسؤولية من سلطة العشيرة وتحويلها الى سلطة الدولة

خامسا: السلطات الدستورية الثلاث (القضائية والتشريعية والتنفيذية) هي العليا في البلاد، تقودها السلطة القضائية لسد منافذ التدخلات العشائرية في التنافس والصراع السياسي من قبل بقية السلطات، واعتبار الاحكام والفصول العشائرية سلطة همجية خارجة على سلطات الدولة الرسمية، مالم تكن تحت اشرافها وسلطتها الرسمية (او بعد ان يتم تشريع قوانين تنظم تلك الاحكام غير المتعارضة مع سلطة الدولة، وبالاخص السلطة القضائية)، واعتبار النزاعات المسلحة العشائرية الجماعية، جرائم ارهابية يعاقب عليها القانون..

سادسا: التثقيف الشعبي العام بأن الديمقراطية التنموية هي الخيار الوطني الوحيد، القادر على انقاذ الشعب من التفكك والتجزئة والصراعات او الفتن (الداخلية او المفروضة من الخارج)، لان في الدولة حدود ومنافذ بحرية وبرية ونهرية مشتركة مع الدول المجاورة، وثروات وموارد ومشارية استراتيجية، ومؤسسات وطاقات وكفاءات وطنية متعددة، لايمكنها ان تنجز او تقدم رؤيا وبرامج ومخططات مستقبلية تنموية في مجتمع مشتت الولاءات والانتماءات، او عبرمرورها واخضاعها لنظام المحاصصة المقيت...الخ.

تخرج من عباءة الاستبداد الطائفي او العشائرية الى فلسفة بناء سلطة الدولة التنموية الوطنية (دولة المؤسسات) المسؤولة عن الشعب والاجيال القادمة، والشريك الفعلي مع المواطن في ادارة الدولة، وتأمين استمرارية وكفاءة انظمة الضمان الصحي والاجتماعي والتربوي (الخ.)، الخالية من الزعامات الاسرية والعشائرية او الطائفية والاثنية، فكل مواطن سيد نفسه، وعبد لله عزوجل، بلا منة من شيخ العشيرة او زعيم الطائفة او الجماعة، بل في كل الاوطان والمجتمعات تنزل البركات والارزاق وكل الخير من الله سبحانه وتعالى...

 

مهدي الصافي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5428 المصادف: 2021-07-16 01:55:40


Share on Myspace