 آراء

حسن الحضري: أثر الفكر السياسي على المنظومة الثقافية في الدول النامية

حسن الحضريتحرص المنظومات السياسية في الدول النامية، على التدخل في توجيه المنظومات الأخرى، نحو السَّير في رِكابها، ولا تسمح أبدًا لأيَّة منظومة أن تسير في طريق مغاير، أو تسْبح ضد تيار النظام السياسي القائم، الذي يعكف على وضع خطَّته التي يرى أنه يمكنه السيطرة من خلالها، وأنها هي السبيل لضمان بقائه في سُدَّة الحكم، ثم يستغل منظومته الإعلامية، في الدَّعاية لِما يرى من أفكار وتوجُّهات.

فالأنظمة السياسية يهمُّها في المقام الأول، الاطمئنان على طريقة التعايش الفردي والجماعي داخل مجتمعاتها، وطريقة التعايش هذه ما هي إلا جزء من العملية الثقافية، وبالتالي تسعى تلك الأنظمة السياسية إلى تشكيل منظومة ثقافية توافق أهواءها وتحقق طموحها، في سير العملية الثقافية شكلًا ومضمونًا، بحيث تستطيع من خلالها توجيه أفراد المجتمع وجماعاته إلى فهم الأمور والتعامل معها بالطريقة التي يريدها النظام السياسي في ذلك المجتمع.

ولا شك أن ما تفعله تلك الأنظمة السياسية في الدول النامية، يلاقي خضوعًا تامًّا لدى جهلاء الناس، الذين يرون في النظام الحاكم قدوة لهم دون أن يسألوا عن حق أو باطل؛ فهم بِحُكمِ تعاقُبِ الأنظمة السياسية الفاشلة عليهم، أصبحوا لا يدركون شيئًا من هذه الأمور، وكل ما يعتقدونه أن ذلك نظامٌ حاكمٌ، وأن ما يقوله هو الصواب، وهو الذي تجب طاعته والانقياد له، بل إن بعض أولئك العامة يتطوعون بقناعة تامة منهم، في نشر أفكار تلك الأنظمة السياسية، والقيام بدور المُخبِر السِّرِّي الذي يرشد عن معارضيها، والكارثة أن أولئك العامة يتوهمون أحيانًا أنهم أوصياء على الناس، فيحاولون الحجر على آرائهم، ويصل بهم الأمر إلى حدِّ استعمال العنف في مواجهة المعارضين؛ من أجل إرضاء النظام الحاكم، دون تمييزٍ بين عالم وجاهل، أو مُصلحٍ ومفسد، وكأنهم أصبحوا يمثِّلون نظام الحكم ويتحدثون باسمه، وهو واقع مؤلم حقًّا لكنه يعبِّر عن النتيجة الحتميَّة لما تفعله تلك الأنظمة العابثة.

ومن هنا يتبيَّن لنا أن تلك الأنظمة السياسية تدرك تمامًا أنها لن تبذل جهدًا في تحقيق أهدافها؛ لأن تراكم الخبرات والتجارب قد أوجدتْ لها مجتمعاتٍ مستسلمة لِما يُفرَض عليها، ليس لديها رغبة في التغيير؛ لأن ثقافتها قائمة على نظرية الخضوع والاستسلام.

ولذلك تحرص الأنظمة السياسية في الدول النامية على تهميش الوزارات والمؤسسات الحيوية، التي ينبغي أن يكون لها دورها الفعَّال في إِحداث نهضة تنموية شاملة، لو تم دفْعُها في مسارها الصحيح؛ مثل وزارة الثقافة، التي تحرص أنظمة الدول النامية على أن يتولاها أناسٌ ممن تشبَّعت أفكارهم بأن الثقافة تنحصر في الفن، ولا علاقة لها بالعلم والفكر والإبداع والأدب والنقد وغير ذلك من مجالات العلوم، التي ينبغي أن تكون وزارات الثقافة قد أنشِئت من أجل النهوض بها ورعاية القائمين عليها؛ فالفكر السياسي في تلك الدول النامية لا يريد شيئًا من ذلك؛ فليس من المستغرَب في هذا الواقع المؤسف أن تأتي الأنظمة السياسية في تلك الدول بعازفة أو راقصة وزيرًا للثقافة؛ حتى يضمنوا نجاح مخطَّطهم وتحقيق أهدافهم، التي في مقدمتها القضاء على الوعي المجتمعي.

وحين ننظر إلى المنتَج الثقافي، في تلك الدول؛ نجد أن المؤسسات الثقافية الرسمية لا تقدِّم سوى العبث؛ من خلال مشروعات وبرامج ساقطة لا تناسب غير واضعيها ومنفِّذيها، ومطبوعات رديئة تحتوي معلومات مغلوطة وأفكارًا خبيثة وخواطر هزليَّة، يشغلون بها الناس عن النظر في أمور حياتهم وما آلوا إليه في ظل أنظمة متسلِّطة فاشلة، تعلم علم اليقين أنه لن يُكتَب لها البقاء إلا في ذلك المناخ السيئ، الذي تصطنعه اصطناعًا، وتُغْرق فيه مجتمعاتها التي لا تُبدي أي نوع من المقاومة.

والأمر لم يقتصر على المؤسسات الرسمية؛ فقد اصطنعت الأنظمة السياسية عملاء لها، وافتتحت لهم مؤسسات ثقافية خاصة، تَظهر أمام الناس بمظهر المعارِض، وفي الباطن ترعى برامج الأنظمة التي صنعتها، وتعكف على خدمة مصالحها وتحقيق أهدافها، والترويج لمخططاتها، فيبدو الأمر لمن لا يعلم، وكأنَّ هذه هي ثقافة المجتمع التي تعبر عن هويَّته، بينما هي في الواقع مخططات خبيثة لأنظمةٍ أشد خبثًا.

والفارق بين تلك الأنظمة الفاشلة وبين نظيرتها الناجحة؛ أن الأولى تسعى إلى تطويع المجتمع لِما يناسب عجزها وضعفها، أما الأنظمة الناجحة فتسعى إلى تطوير أدائها وتنمية رؤاها، والدفع بمؤسساتها إلى ما يحقق النجاح والاستقرار؛ فمعايير النجاح ثابتة جوهريًّا، لكن الأنظمة الضعيفة تعجز عن التعايش معها، فتصطنع معايير أخرى تناسب فشلها، وتسعى إلى تعميمها في التعايش المجتمعي.

وهذا يفسر سعي تلك الأنظمة إلى استقطاب الضعفاء في كل مجال، وإسناد أمور الوزارات والمؤسسات إليهم، ومحاربة كل من يوجِّه إليهم شيئًا من النقد، واتهامه بعرقلة النظام، وعقابه على جرأته وقوله كلمة الحق؛ حتى يكون عِبرة لغيره، ويتخذ الناس جانب اللامبالاة، وكأنهم يعيشون داخل دولة لا يَعنِيهم مِن أمرها شيء، رغم أن كل ما يدور حولهم يتعلق بمصالحهم ويؤثر عليهم سلبًا.

ومن الجرائم الثقافية والاجتماعية لتلك الأنظمة؛ اتخاذ مجموعة من السياسات الاجتماعية، تحاول من خلالها فرض ثقافةٍ بعينها في التمييز بين الناس باعتبارات مخالفة تمام المخالفة لِما ينبغي أن يكون؛ من خلال إضفاء نوع من المهابة والاحترام والتقدير نحو فئات بعينِها في المجتمع، دون أن تستحق شيئًا من ذلك بأي اعتبار من الاعتبارات الصحيحة، وفي المقابل تقوم بتهميش واحتقار فئاتٍ أخرى هي الأجدر بالاحترام والتقدير، وفي مقدمتهم العلماء والمفكرون والمبدعون باختلاف مجالاتهم وتعدُّدها؛ وهذا الفكر السياسي الأهوج قد جعل عامة الناس يتَّجهون في تربية أولادهم إلى أن يكونوا من الفئات ذات الحظوة عند تلك الأنظمة، والأولاد الصغار أنفسهم قد أدركوا هذه الحقيقة المؤلمة، فأصبحوا يسيرون نحو ذلك الاتجاه، من خلال مقوِّماته التي يتطلَّبها، وفي مقدمتها الفشل الدراسي، وسوء الخُلق؛ تَماشيًا مع الثقافة العامة التي قررت رفعة هؤلاء ووضاعة غيرهم.

ولا شك أن أجهزة الإعلام في الدول النامية، لها دور كبير في هذا العبث؛ فمِن خلالها يتم تطبيق تلك المفاهيم الثقافية المزيفة، ولذلك فإن الأنظمة السياسية في الدول النامية لا يفوتها أن تصطنع لنفسها أجهزة إعلامية توائمها وتحقق أغراضها، إضافة إلى استقطابها بعض الإعلاميين مِن ذوي المصالح، إما بالترغيب وإما بالترهيب، وحتى تضمن تلك الأنظمة استمرار موالاة أنصارها؛ فإنها تقوم بتسريب اتفاقيَّاتهم المبرمة بينهم؛ حتى يشعر أولئك أن مصلحتهم باتت في يد النظام الحاكم، وأنه لا مجال للتراجع.

وبعض العوام لا يستجيبون إلا لِما يصل إليهم باسمِ الشريعة؛ تحاشيًا للوقوع في أخطاء قد تقودهم إليها ثقافات دخيلة، إلا أنهم يقعون في براثن أنظمتهم السياسية، التي تغزو فكرهم من هذا الجانب، فتنتقي مسائل دينية بعينِها، وتقوم بتفسيرها حسب أهوائهم، وتُلقِي بذلك التفسير إلى بعض صنائعها ممن يروِّجون لأفكارهم باسم الدين من مرتزقة الإعلام، الذين يتأوَّلون ما يروق لهم باعتباره حقيقة راسخة ينبغي التسليم بها، وهم يعلمون تمام العلم أنهم مُغرِضون.

وقد استطاعت تلك الأنظمة أن تنشر في دولها النامية أنواعًا غريبةً من الثقافات الهدَّامة؛ أوَّلها: ثقافة الرعب؛ وهو رعب فردي ورعب مجتمعي؛ فأما الرعب الفردي فيعني خوف كل فرد في المجتمع من سياسة القمع الأمني، التي يمارسها النظام الحاكم ضد خصومه ومعارضيه؛ وأما الرعب المجتمعي فهو خوف المجتمع عمومًا من أن يَلقَى مصير هذه الدولة أو تلك، من الدول التي يتخذها النظام الحاكم مثالًا تحذيريًّا لتخويف شعبه، وكأنه يمنُّ عليهم إذْ لم يلاقوا ذلك المصير السيئ، متجاهلًا أن وظيفته هي الحفاظ على أمنهم، والبعد بهم عن ذلك المصير.

والنوع الثاني هو ثقافة التسويف، التي اكتسبتها الدول النامية من حكامهم، الذين يعِدون بالإصلاح، ثم يستنزفون مقدَّرات دُوَلِهم في مشاريع بعضها وهميٌّ لا وجود له، وبعضها فاشل، وبين الحين والآخر يجدِّدون وعودهم الكاذبة تحت راية التسويف.

أما النوع الثالث فهو ثقافة التدليس والتشويه؛ التي تنتهجها الأنظمة الحاكمة في الدول النامية، تجاه معارضيها، فبينما كانت تلك الأنظمة بالأمس القريب تمدح أشخاصًا بأعينهم؛ نجدها الآن تكِيل لهم الذَّم، وتُلصِق بهم النقائص، وتتحدث عن رموزهم وأَعلامهم حديثها عن المغمورين غير المعروفين؛ ولا سبب لذلك غير أنهم انشقُّوا على تلك الأنظمة أو واجهوها بمثالبها، أو قالوا كلمة حقٍّ في أمرٍ ما؛ وتذكِّرنا مواقف الأنظمة السياسية هذه بموقف اليهود من عبد الله بن سلام [ت: 43هـ] رضي الله عنه، حين أسلم، حيث «قال: يا رسول الله؛ إن اليهود قومٌ بُهتٌ، إنْ علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتوني عندك؛ فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أيُّ رجلٍ فيكم عبد الله بن سلام؟، قالوا أعلَمُنا وابنُ أعلَمِنا، وأخيَرُنا وابن أخيَرِنا؛ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أفرأيتُم إنْ أسلَمَ عبد الله؟!، قالوا: أعاذه الله من ذلك!!، فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ فقالوا: شرُّنا وابن شرِّنا؛ ووقعوا فيه» [أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 132/ 3329)].

وإذا كان من الواجب على الأنظمة الحاكمة، أن تدرك خطورة الغزو الثقافي الذي يأتيها من الخارج؛ فإن الدول النامية يتم غزوها ثقافيًّا من الداخل؛ من قِبَل أنظمتها الحاكمة، التي لا تستطيع التعايش في ظل المعايير الصحيحة للمجتمعات البشرية، فتضع لنفسها منهجًا خاصًّا يوافق إمكاناتها وتوجُّهاتها، ومِن ثَمَّ تقوم بفرضه على الأفراد والجماعات كثقافةٍ عامة يجب الالتزام بها وعدم الخروج عليها، وهو الأمر الذي يقود تلك الأنظمة نفسها قبل مجتمعاتها إلى عثراتٍ يصعب جبرها.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5489 المصادف: 2021-09-15 04:38:18


Share on Myspace