بليغ حمدي اسماعيلـ قريبا من القاهرة:

يبدو مشهد مثول الداعية المصري محمد حسان أمام المحكمة أمرا غير مثير أو يدعو إلى تحقيق الدهشة وتمكينها من العقل العربي المعاصر الذي بات اليوم أكثر وعيا وإدراكا لإحداثيات الحالة السياسية المرتبطة بالصبغة الدينية سواء داخل مصر أو خارجها ؛ لأن معظم دعاة مصر المعاصرين الذين بدأ بزوغ نجمهم الإعلامي في عهد مبارك كنوع من إحداث التوازن السياسي داخل المجتمع من ناحية، وكاستخدام ظهورهم فزاعة افتراضية وقنبلة موقوتة مؤجلة بوجه الولايات المتحدة الأمريكية لاسيما في الأوقات التي كانت تندد بعض منظمات المجتمع المدني الممولة خارجيا بقضية الأقليات الدينية في مصر والعزف على أوتار الطائفية الدينية وقتئذ. وقلة جدوى الإثارة في شهادة الداعية محمد حسان مفادها أن التضليل سمة رئيسة لدى كل من ينتمي للتيارات الإسلام السياسي، مثلما كانت شهادة الداعية المعاصر محمد حسين يعقوب والتي يمكن دمج الشهادتين معا في عدم معرفتهما بكافة مشاهد الوطن العربي، أو بالأحرى أنهما يكتفيان بالدعوة إلى الله طاعة ومحبة أو بتبصير العوام بصحيح الدين.

لكن في كنه الأمر وحقيقته أن دعاة العصر الحديث الذين بالقطعية لا يفطنون لتجديد الإمام محمد عبده لأنه صعب المنال في التلقي والتفسير والتأويل لقوة مضامين فكره ولغته الرصينة الفصيحة، ولم يدركوا أن الدين هو أساس إصلاح العباد والبلاد وليس لتأجيج العوام والبسطاء حظا من العلم والمعرفة، ورغم انتماء الكثير من دعاة العصر الراهن للطوائف والجماعات الدينية كالإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الجهادية والتكفير والهجرة والقطبيين نسبة لسيد قطب وأخيرا ولاية سيناء، إلا أنهم بالضرورة سينكرون كافة ممارسات تلك الطوائف وسينددون بما قامت به من أعمال قتل واغتيال لجنودنا البواسل من الشرطة والجيش، رغم أن وسائل التواصل الاجتماعي وما تقدمه شبكة يوتيوب كفيلة بأن تعضد لدينا يقين موافقتهم على ما تم من ممارسات بدليل دروسهم الدعوية ومحاضراتهم الكثيفة في الزمن والدلالة واشتراكهم بالنية لا بالفعل فيما نسب إلى هذه التيارات والجماعات.

المشكلة التي تظل عالقة بفكر هؤلاء وأتباعهم أن مصر وغيرها من البلدان العربية والإسلامية تعيش في جاهلية محكمة، وأن الشعوب العربية وحكامها أيضا في ضلال وفجور ومن ثم وجب الخروج عليهم وقتالهم حتى النفس الأخير. ودون تفتيت هذا الزعم الذهني لدى هؤلاء لأن قضيتهم بحق لا تستحق الاهتمام بقدر اهتمامنا بالدور الذي يقومون به من تقويض للأمن والأمان المجتمعي.

وبعيدا عن مشهد الداعتين محمد حسان ومحمد حسين يعقوب الذي لا يرهق العقل بتأويله، لكن كلما صعد التيار الديني السياسي ذو الأطماع السلطوية تحت عباءات الدين كلما اجتر الحديث مجددا عن بعض الدعاة، نعم بعض وليس كل لأننا أمرنا بأن نتجنب الظن باعتباره إثما كما يرشدنا ويأمرنا القرآن الحكيم، بعض هؤلاء نجده يسخر شيخوخته لتزويج الفتيات السوريات اللاجئات في مصر بحجة ستر النساء، ومنهم من وهب حياته للتغرير بطالباته بالجامعات تحت دعوى أنه صاحب الولاية الدينية وهو أجهل الرعية بدينه، ومنهم من يخطط ويدبر في الخفاء غير هارب إلى تركيا أو قطر أو ماليزيا كما فعل قيادات الجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين. لكن هم يدبرون هنا في الداخل فالرؤية أوضح وأبصر لهم.

وثمة عداء ملحوظ لدى دعاة العصر الحديث من المنتمين للتيارات الإسلامية المتشددة في مصر وبعض البلدان العربية للصحافة بوجه خاص، وللثقافة بوجه عام، هؤلاء المهووسين بتسجيلاتهم المسموعة، التفتوا منذ فترة زمنية ليست بالقصيرة إلى اللهاث وراء فتنة الفضائيات باعتبارها الأكثر انتشارها والأقوى تأثيرها في جموع العوام والبسطاء عبر رفع الصوت وتعبيرات الوجه وإطلاق الغضب أو الابتسامة لحدود سطح القمر / ولا يستطيع أن ينكر جاحد حقيقة مفادها أن هؤلاء المحسوبين بغير تخصص على الدعوة الدينية والعلم الفقهي بحكم أنهم غير متخصصين لا بإجازة رسمية من الأزهر الشريف أو لفقر درجاتهم العلمية في صناعة عدو في الداخل اسمه صحافة النخبة والتي يشيرون إليها بأنها صوت الحاكم وبوق الدولة والتي في نظر هؤلاء يحاربون الإسلام والمسلمين، ومنهم من كفر الحاكم وأطلق أحكام الجاهلية على الشعب تماما مستشهدين بفيلسوفهم سيد قطب الذي كان يحلم بامتطاء جواد السلطة عن طريق التقرب إلى الحاكم آنذاك الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وحينما افتضحت نواياه وظهرت أنيابه التخريبية أعلن حاكميته التي لا تتصل بما جاء في القرآن الكريم من تفاصيل الحكم لله.

 واستطاعت هذه الفئة بصورة مقصودة أن تلصق بالإعلام الوطني لاسيما الصحافة وأحيانا كثيرة البرامج السياسية التي تبث عبر القنوات الفضائية العديد من التهم التي لا تخرج عادة عن الليبرالية المتوحشة والبعد عن شريعة الله وإغراق المجتمعات الإسلامية بالقيم المغلوطة والعادات الفاسدة، بل تجاوز حفنة الدعاة المعاصرين حد توجيه التهم سابقة التجهيز إلى القول بأن الصحافة القومية والفضائيات الرسمية جزء رئيسي من مخطط خارجي لضرب استقرار المعتقدات الثابتة للمجتمعات الإسلامية.

ـ صوب كابول:

وانطلاقا من لجوء دعاة العصر الحديث إلى كافة الوسائط الجماهيرية التقنية التي تيسر مهمتهم الدعوية، فإن طالبان الحركة معروفة التكوين تاريخيا والضاربة في جهادها المسلح طوال عقود سواء ضد التيارات الشيوعية أو الإمبريالية الدولية، واستطاعت هذه الحركة بامتهار وكفاءة شديدة في استغلال كافة وسائط الإخبار والإعلان عن طبيعتها مستخدمة في ذلك دعما أمريكيا معروفا في المنطقة ليس من قبيل الأخذ بنظرية المؤامرة وإن كنا مضطرين طوعا وكرها وعن إرادة مباشرة في القبول والتسليم بفكرة دعم الولايات المتحدة الأمريكية أو الحركة الصهيوأمريكية لكافة التيارات والطوائف والحركات التي من شأنها تجعل منطقة الشرق الأوسط أكثر اشتعالا، ومن مصلحتها التوسعية ليس في احتال مكاني بل التوسع من خلال بقائها على قيد الحياة في منطقة محتدمة بالصراعات والأزمات عبر خلق وتدشين ممارسات تقويضية للأنظمة الحاكمة السائدة.

وأيضا جهادها ضد الأفغان أنفسهم وبعضنا يعرف قصة ملالا زاي يوسف التي تعرضت لوحشية حركة طالبان، ومن اليسير سرد بعض من تفاصيل قصتها لإعادة المشهد إلى أذهان القارئ وصولا إلى مشهد السيطرة على كابول وقنصها وسط استسلام عجيب.

"اللَّهُ بَارَكَنِي بِحَيَاةٍ جَدِيْدَة" بهذه العبارة افتتحت فتاة صغيرة السن ذات الأعوام السبعة عشر بالبراءة والطيبة والملامح الطفولية حديثها عقب إفاقتها من الغيبوبة التي دخلت فيها كرها بعد الاعتداء الوحشي على أيدي رجال حركة طالبان المسكينة، والعبارة مقصودة و جد بليغة لأنها ذكرت أولئك الذين يتشدقون بالدين وهم بعيدون تمام البعد عن إسلامنا الحنيف بالقيم التي ينبغي أن يلتزموا بها. و (مالالا ) قصة إنسانية ضد خفافيش الظلام والظلامية وأعداء التنوير، فهي فتاة نشأت وترعرعت في ظل ثقافة حركة طالبان التي تدعي أنها حركة دينية أصولية وهي في الأصل لا علاقة لها بالإسلام ولا بأهله مطلقا، وهؤلاء يرفضون حتى لحظة الكتابة تعليم المرأة بوجه عام لاعتبارات ثقافية ترتبط برهاناتهم الفكرية والأيديولوجية وتعليمات أمرائهم وشيوخهم بأن في تعليم المرأة انهياراً للمجتمع الإسلامي.

بل إن المستقرئ لآخر تصريحات قيادات وأمراء حركة طالبان منذ يومين يرصد ثمة أوامر ونواهي تتعلق بالمشهد السياسي الحاكم في أفغانستان، لكن بقية الأوامر والتعليمات نسائية وكأن الحركة نسوية تعتم بقضايا المرأة وأمورها وشأنها المجتمعي، فهذه الفتاة التي ولدت وعاشت في سويسرا باكستان أعني وادي سوات وهي منطقة سياحية هادئة رفضت أن تكون ضحية بائسة لأفكار الظلاميين الذين يرفضون تعليم الفتاة خشية الخروج على نظام قمعي وتطرف راديكالي معلن، وتبدأ قصة مالالا حينما اقتحم رجال من حركة طالبان باكستان حافلة مدرسية لدى خروج التلاميذ من مدرسة مينغورا في وادي سوات (شمال غرب باكستان) وسأل أحدهم “من هي ملالا؟” ثم أطلق عليها رصاصة في الرأس. اخترقت الرصاصة الجانب الأيسر من دماغها وخرجت من عنقها، ونقلت الفتاة، التي كانت تبلغ 14 عاما في ذلك الوقت، بين الحياة والموت إلى مستشفى برمنغهام في بريطانيا على متن طائرة طبية. وبعد شفائها فاستقرت في بريطانيا وساهمت في تأسيس صندوق ملالا الذي يقدم العون للجماعات المحلية المنادية بالحق في التعليم خاصة في باكستان ونيجيريا والأردن وسوريا وكينيا. وهي آخر من حصل على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الهندي إيلاش ساتيارثي وذلك حسب وصف الأكاديمية السويدية المانحة للجائزة عن " كفاحهما ضد قمع الأطفال والشبان ومن أجل حقوق جميع الأطفال في التعليم".

وحكاية مالالا تشبه آلاف الحكايا والقصص التي ترتبط بواقع الفتاة في مجتمعاتنا العربية الذي يصر ألا يرى في الأنثى عقلاً أو رأيا أو ذهنا وربما لا يدرك أنها بحق إنسان في ظل ثقافة ذكورية مريضة، فالقصة الاجتماعية ترى المرأة فتنة وغواية ومصدرا للشرور ذلك لأن تفكير النصف الأسفل من الجسد هو المسيطر على هؤلاء المرضى المتهوكين فكراً وعقلاً.

الذي يعنينا الآن هو سيطرة حركة طالبان على كابول ودخول أعضائها القصر الرئاسي وسط أنباء وأخبار عن هروب رئيس البلاد وأعضاء الحكومة فارين خارج حدود أفغانستان التي باتت منكوبة بفعل تدمير العقول والأبنية أيضا. وهذا ما ذكرته صحيفة (ميدل إيست) Middle East  يوم الأحد الماضي، حيث أشارت إلى أن مقاتلي حركة طالبان دخلوا مساء الأحد 15 أغسطس إلى العاصمة كابول بعد أن كانوا على مشارفها في وقت سابق، وسط انهيار سريع ومفاجئ لقوات الأمن والجيش، وتشير الصحيفة Middle East أيضا أن مصدرا أفغانيا أوضح بأن الرئيس أشرف غني غادر البلاد إلى طاجاكستان المجاورة، فيما توالت ردود الفعل الدولية بين محذر من فوضى عارمة وعودة للإرهاب وبين من دعا إلى انتقال سلسل للسلطة، في حين عبرت روسيا عن استعدادها للتعامل مع الحكومة الأفغانية الانتقالية، إلا أن الحركة المتشددة التي أعلنت سيطرتها على عدة مراكز ومؤسسات في العاصمة أكدت أنه لن توجد حكومة انتقالية. وأعلن غني أنّه فرّ من بلاده لتفادي "إراقة الدماء"، مع إقراره بأنّ "طالبان انتصرت.

وما يدعو للدهشة أن معظم قيادات الجيش الرسمي الحكومي الآن تطالب وساطة محلية داخلية وأخرى خارجية من بعض المنظمات الدولية وإن كانت سيادتها وهمية ضد معظم ممارسات إسرائيل بالمنطقة أو تجاوزاته التدخل لدى قيادات إيران بحق جيرانها من دول بلاد العرب، طالبوا جميعهم سرعة تحقيق الخروج الآمن لهم تأكيدا على يقينهم بالانتقام المستدام لحركة طالبان الذي تم عبر عقود طويلة.

وهذه السيطرة التقليدية التي تتم تحت عباءات دينية لرجال أزعم أو قد أزعم كثيرا بأنهم لا يعرفون كثيرا عن اللغة العربية وقواعدها التي هي محك فهم النص الديني، وهذا الانتصار السياسي المسلح الذي بالضرورة لا يستند على قواعد صحيحة للإسلام سرعان ما سيتجه صوب الداخل والخارج بأفغانستان، ولن نجد عجبا في رؤية بعض المشاهد المتلاحقة التي ستتزامن مع حالة سيطرة طالبان على أفغانستان بالكامل ؛ ليست منها طبع وتوزيع المصاحف أو كتب الأحاديث النبوية الشريفة، بل أولا إعلان انتصار الجهاد الإسلامي في أفغانستان المسلمة أيضا، ثم التنديد بالقتل والتعذيب والتنكيل بكل من يحاول الخروج عن تعاليم الإسلام، ليست التعاليم الثابتة الصحيحة المستقاة من ركائز الشريعة الإسلامية بل تعاليمهم المغلوطة التي لم تفكر للحظة واحدة أن تحارب أعداء الإسلام الحقيقيين والمهتمين بتدمير كل ما هو يتصل بالدين الإسلامي خارج حدود أفغانستان، بل الشقاء كل الشقاء لكل أفغاني يخرج من خلف ستار الأبنية العقائدية الطالبانية.

ومن مشاهد استشراف المستقبل بحكم ضيق الفكر لدى كافة التيارات السياسية ذات المرجعيات الدينية ما يتعلق بالتعليم والمرأة معا، فالتعليم عدو كبير يمثل وحشا يقف حجر عثرة ضد معظم إن لم يكن كل التيارات الجهادية المسلحة ذات المرجعية الدينية ليس فقط في بلاد الإسلام بل في الديانات الأخرى أيضا والقرون الوسطى في أوروبا تكشف تاريخها عن بعض الممارسات التي ارتكبتها الطوائف الدينية بإزاء التعليم والعلم وأهله، فالتعليم ومؤسساته لابد وأن يخضع لفكر طالبان وهو تعليم مقصود يخدم أطماعها في النفوذ والسيطرة والتحكم داخل أفغانستان ولا ريب في تهريب هذه الأفكار وتحليقها في بعض الدول العربية الإسلامية عبر جماعات متطرفة كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة وولاية سيناء وغير ذلك من جماعات التطرف الديني والفكري معا.

إن طالبان ستعامل المؤسسات التعليمية عقب سيطرتها بمزيد من القسوة فارضة عليها كل مظاهر وملامح الاستلاب والاستقطاب وإحكام القبضة الحديدية سواء من حيث طبيعة المعارف والمعلومات التي ستقدم للطلاب ومحو كل ما سلف وسبق من معلومات ومعارف وحقائق تاريخية تتصل بما أسماه أمراء طالبان بالدولة الفاسدة المارقة، كذلك سيحدثون تغييرا طارئا سريعا في أنظمة التعليم وإدارته ومن ثم نمط السلوك التعليمي داخل المدارس والجامعات وهو الأمر الذي يحدث إرباكا مستداما أشبه بالعقدة النفسية المرضية لكل تيارات الجهاد الإسلامي، وليس بغريب أن نجد الطبيب الذي يترك عيادته متجها للدعوة والخطابة، ومهندسا مدنيا هاجرا حياته الميدانية متجها صوب بوصلة الجهاد بالقول والجسد وأحيانا كثيرة جدا جدا بغير مبالغة نجد أناسا كانوا متخصصين بالترجمة والدراسات السياحية وأعمال التجارة لاسيما العائدون من أفغانستان منذ أواسط ثمانينيات القرن العشرين يتركون أعمالهم ووظائفهم ويطوفون بالشوارع والطرقات مطرقين أبوابها لدعوة رجل مسلم للإسلام لا أفطن كيف؟ ونصيحة أخت مسلمة مطلقة أو أرملة أم لم تتزوج حتى الآن بالزواج تحت باب عفة النساء، لكن أن يقدموا شيئا واحدا للمعرفة في بلدانهم العربية لا أقل ولا أكثر بل صارت علومهم ووظائفهم في وقت واحد عدمًا !.

ثم تأتي مرحلة المرأة في حياة طالبان السياسية والدينية، وهي في حقيقة الأمر ليست مرحلة بل إن النساء لا تشكل فترة زمنية في حياة المجاهدين المعاصرين الذي استغلوا الدين لتحقيق الأطماع والمصالح السياسية، بل إنها هي جوهر تفكيرهم ومجمل هدفهم وربما جاءت الفرصة سانحة لعلماء النفس والباحثين الجادين في مجال الصحة النفسية لإجراء دراسات نفسية علمية عميقة وواسعة لتبرير هذا الهوس بالنساء وفقه المرأة وحياتها وكافة شئونها لدى كل التيارات والجماعات الدينية في الشرق الأوسط. وقديما كانت فلاسفة أوروبا تعيب وتستهجن بعض الممارسات التي كان يفعلها رجال الدين المسيحي في القرون والعصور الوسطى هنا وكراسي الاعتراف التاريخية وطلبات التوبة وصكوك الغفران التي كانت موجودة آنذاك ولا أعلم إن كانت باقية حتى الآن لقلة معلوماتي بهذا الشأن.

لكن الهوس بالنسوية سواء من حيث تقييد حرية المرأة وحرمانها من التعليم أو من المعرفة عموما سواء إلزامية أم غير رسمية، وكذلك جعلها غنيمة كبرى للمجاهدين وجائزة عظمى للجهاد وهذا ما رأيناه كثيرا لا من خلال داعش وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، بل قرأنا وسمعنا ورأينا جهاد الحب وجهاد النكاح وولع رموز وقيادات الجماعات الجهادية كالتكفير والهجرة والجماعات الإسلامية ولا أعرف إن كان قصدهم بالسلفية سلف الإسلام الصالح صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) والتابعين وتابعي التابعين أم هي سلفية أمرائهم وقياداتهم من أهل العقد والحل أصحاب فتاوى القتل والاغتيال والترويع بحقوق المدنيين الأبرياء ورجال الشرطة والجيش.

لذا فالبوصلة الجهادية عقب احتلال كابول تتجه نحو شرق وغرب وشمال وجنوب دولة النساء، الزي الإجباري عليهم، نوعية الحياة وفرض الحبس قيد المنزل وتحريم خروجهن مطلقا، وتحريم تعليمهن، فهن مجرد كائنات بشرية تستحق التنفس وتناول الطعام والشراب ومتعة الرجال وربما استغلال بعضهن كدروع بشرية وقت التال فحسب، لكن حقهن في الحياة أمر لا يتطلب مجرد المناقشة أو التنويه عنه.

استقرت حركة طالبان بكابول، وأعلن متمردو أفغانستان سيطرتهم الكاملة على مفاصل البلاد والعباد بغير شريك في الحكم، والمشكلة أو الأزمة لم تنتهي عند حدود سياسية ضيقة قد تنجلي بمواجهة مسلحة، إنما الأخطر هو القاعدة التاريخية للتيارات الدينية المتطرفة التي تحولت لحمل السلاح وقتل المواطنين بحجة إعلاء كلمة الإسلام وإعلان الحاكمية لله ومن ثم سفر أفكارهم لدول أخرى وإعداد جبهات مماثلة بالدول الإسلامية تحت دعاوى خلافة راشدة في معتقدهم، هذا ما ينبغي أن نقرأه جيدا ونعد له بمزيد من الوعي والتأهيل والتربية الدينية الإنسانية الصحيحة، ولنا في كابول تفاصيل أخرى.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

علاء اللاميمن يقامر باستقلال وسيادة وطنه ويرهناهما لقوى أجنبية يفتح باب الجحيم على نفسه وعلى غيره، وهذا هو الدرس الأول من دورس تجربة أفغانستان المرَّة طيلة نصف قرن تقريبا. وإذا كان من قبيل عدم الحكمة الابتهاج بوصول حركة سلفية متشددة لها تراثها الضخم من القمع الدموي والرجعية السياسية والاجتماعية كحركة طالبان الأفغانية إلى الحكم فإن من العدل تماما ومن حق جميع ضحايا الإرهاب الإمبريالي الأميركي والغربي في العالم وخصوصا في العراق أن يبتهجوا لهذه الهزيمة المخجلة التي قاد إليها الغزو الأميركي الغربي لأفغانستان وإقامتها لنظام دمى فاسد انهار ولم يصمد أكثر من بضعة أسابيع. سيكون من العبث والسذاجة مقارنة ما حدث ويحدث في أفغانستان بما حدث وقد يحدث في العراق رغم تشابه سيناريو الغزو وإقامة النظام المحلي العميل لأسباب شتى كنا توقفنا عندها سريعا في مناسبة سابقة وقد نعود إليها.

* يمكن لنا، على سبيل العبرة والاتعاظ، أن نقارن حيثيات مصير النظام المحلي الأفغاني الذي أقامه الاحتلال الأميركي وانهياره المدوي خلال أيام وفرار رئيسه وحاشيته الى الخارج بحيثيات مختلفة تماما لمصير النظام الأفغاني المدعوم من الاتحاد السوفيتي والذي صمد وقاتل بشراسة لأربع سنوات طارحا خلالها برنامجا تصالحا حقيقيا وواجه قوات المسلحين الإسلاميين الكبيرة والمدججة بأحدث الأسلحة الأميركية انتصرت القوات الحكومية عليها في معركة جلال آباد الملحمية.

* لقد بدأ انسحاب القوات السوفيتية سنة 1988 وكانت آخر عملية حربية خاضتها ضد مجموعات أحمد شاه مسعود ما بين 23 و26 كانون الثاني -يناير عام 1989، ولم يسقط النظام إلا في سنة 1992. وقتل رئيس النظام محمد نجيب الله من قبل قوات طالبان بعد أن رفضت حتى الأمم المتحدة ضمان سلامته هو وأسرته وانتقالهم إلى خارج البلاد حين لجأ إلى مقرها في كابول وتآمر وخيانة حليفه الأوزبكي عبد الرشيد دوستم.

* وفي حين هرب اليوم الرئيس الدمية أشرف غني وحاشيته بعد أن رفض أن يذعن للهزيمة ويفكك نظامه خلال المفاوضات مع طالبان فقد كان الرئيس اليساري الراحل محمد نجيب الله قد اتخذ قرارات شجاعة لتفكيك النظام ووقف الحرب الأهلية وسفك الدماء التي طالت. فقبل بدء الانسحاب السوفيتي، قدم نجيب الله برنامج مصالحة شاملة لقادة المقاومة الإسلامية الأفغانية في يوليو 1987 بمنحهم 20 مقعداً في المجلس الحكومي، 12 حقيبة وزارية وحتي رئاسة الوزراء، ولكنه واجه رفضاً مطلقاً حتى من قبل أحزاب المجاهدين المعتدلين.

* قرر نجيب الله "بدء سريان تنفيذ الدستور الجديد في نوفمبر 1987 وتحوّل اسم البلد إلى جمهورية أفغانستان والمجلس الحكومي استبدل بـ الجمعية الوطنية حيث يمكن أن تتنافس الأحزاب بحرية تامة. تم تسمية وتعيين مير حسن شرق - أحد السياسيين المحايدين - كرئيس للوزراء بأفغانستان. خاطب الدكتور نجيب الله الجمعية العامة للأمم المتحدة في 7 يونيو 1988، داعياً أعضائها إلى إيجاد حل عادل وشامل للأزمة الأفغانية". ولكن واشنطن عرقلت أي طريق يؤدي إلى الحل السلمي بين الأفغان.

* "آنذاك عانت كابول من أزمة داخلية بسبب قرب وصول المجاهدين إلى أبوابها. استمرت حكومة الرئيس نجيب الله في العيش لـ 4 سنوات أخرى ولكن انقسامات حادة بين عدد من السياسيين والوزراء في الدولة لا سيما تقاعس الجنرال عبد الرشيد دوستم عن القيام بمهامه أسهمت في إضعاف نظام نجيب الله لكن حكومته نجت وقاومت بنجاح انقلابا داخليا من جناح حزب الشعب والتي قادها وزير الدفاع شهنواز تني".

* "عمل الراحل نجيب الله مع القائد أحمد شاه مسعود وبالتنسيق مع الأمم المتحدة على إيجاد تسوية شاملة لإنهاء الحرب الأهلية في البلاد ولكن المفاوضات انهارت ولم تفلح، ولم تكن واشنطن وإسلام آباد بعيدتين عن ذلك، فقرر نجيب الله الاستقالة من منصبه في 1992 ليُمهِّد الطريق أمام تشكيل حكومة انتقالية، كما وعد الشعب بتشكيل برلمان ذي مجلسين خلال أشهر قليلة على أساس انتخابات حرة وديمقراطية في البلاد".

* بعد ويلات ومعاناة كابول من نقص في الإمدادات والوقود في نهاية شتاء 1992. أبدى الدكتور نجيب الله رغبته في تقديم الاستقالة في 18 مارس 1992 تمهيداً لتشكيل حكومة مؤقتة ومحايدة. وتنحّى رسمياً في 16 أبريل 1992، وفي 17 أبريل 1992 طلب اللجوء السياسي بمكتب الأمم المتحدة في كابول. رفض برهان الدين رباني خروجه من البلاد لاحقاً ولكنه لم يحاول إلقاء القبض عليه أيضاً.

* بعد سقوط بلدة سروبي بيد حركة طالبان سنة 1996، بعث الدكتور نجيب الله برسالة إلى مكتب الأمم المتحدة في إسلام آباد مطالباً فيها بتوفير ملاذ آمن له ولشقيقه أحمد زي وحراسه الشخصيين ولكن الأمم المتحدة رفضت تلبية طلب نجيب الله نظراً لتدخلات المخابرات الباكستانية في القضية.

* ولكن يبدو أن قرارا أميركا باكستانيا قد اتخذ بإعدام الرئيس الأفغاني نجيب الله وشقيقه في عملية ثأرية لا معنى لها ولا فائدة منها وهي لم توقف سفك الدماء في الحرب الأهلية المفتوحة. فبعد هروب أحمد شاه مسعود والذي كان يقود جيش برهان الدين رباني آنذاك من كابول، وتسليمها إلى مقاتلي طالبان اقتحمت مجموعات طالبان المسلحة مقر منظمة الأمم المتحدة وقتلت محمد نجيب الله وشقيقه أحمد وصلبت جسديهما في شارع بكابول. ويقال إن أحمد شاه مسعود حاول قبل هزيمة قواته أمام طالبان إنقاذ نجيب الله ولكن هذا الأخير رفض هذه المساعدة.

خلاصات: لا أريد الخروج باستنتاجات متسرعة من هذه المقارنة السريعة في هذا النص المناسباتي، فالتجربة الأفغانية مأساوية بكل معنى الكلمة وتجربة اليسار الأفغاني وأخطاؤه الكارثية ساهمت في تعميق هذه المأساة ولكن الأمل يبقى قائما وحارا في أن ينجح الشعب الأفغاني الطيب في عبور هذه الأيام الحرجة دون السقوط مجددا في مستنقع الحرب الأهلية المريعة. لعل قادته يستفيدون من هذه التجارب المرة ويبدأوا ببناء بلدهم المستقل، إذ أن التفريط بالاستقلال والسيادة والتبعية لأي بلد أجنبي هو الباب الكبير للخراب والدمار.

أذكرُ وأذكِّرُ بهذه الحيثيات وأقتبس هذه الفقرات المعلوماتية من باب أخذ العبر وتسجيل الدروس كما قلت وتسجيل شهادات التاريخ الذي يبقى هو الشاهد الأكبر والأصدق والأكثر إنصافا على الأحداث حين يكتب بنزاهة وموضوعية. ومن هذا المنطلق أعتقد أن التاريخ سينصف الرئيس الراحل محمد نجيب الله - رغم أخطاء حزبه وقياداته - والذي قاتل ببسالة لأربع سنوات حاول خلالها القيام بمعجزة تصالحية جريئة في ظروف صعبة وشديدة التعقيد ولكن المخابرات الأميركية والباكستانية قطعت عليه الطريق ففشلت محاولته ودفع حياته ثمنا لها ولعناد ودموية عدوة الشعوب الولايات الأميركية المحكومة بعقلية الكوبوي المنحرف والمتلذذ بقتل البشر.

 

علاء اللامي

 

 

عبد الخالق الفلاحان ما يجري الان من احداث متسارعة في أفغانستان  يجرنا الحديث إلى ان نتذكر دائماً من خطورت المجموعات الارهابية بجميع مسمياتها  وصنيعتها وكيف انسحبت الولايات المتحدة الامريكية دون شروط مسبقة وسلمت افغانستان الجريح بطبق من ذهب لصنيعتها طالبان وها هي كابل العاصمة مهدّدة بالسقوط بين لحظة ولحظة كما يرى ذلك كافة المراقبين والخبراء العسكريين واحتمالية انزلاق أفغانستان إلى حرب أهلية، إنّ ما يجري في أفغانستان من أحداث ستنعكس بالتأكيد على الوضع الأمني والعسكري في المنطقة ويحول البلد إلى ملجأ لكل المجموعات الارهابية و"الجهادية" في العالم للحد من قدرات التعاون للدولة المتنامية في المنطقة (روسيا والصين وإيران) وتبقى طالبان محورياً في تحديد مسار الأحداث في المنطقة ووضع خطط بديلة لمواجهة كل الاحتمالات.

ومن ناحية أخرى لتأمين قواعد قريبة من أفغانستان لضمان سير العمليات المستقبلية من خلال الاتفاق مع دول جوار أفغانستان في آسيا الوسطى لإنشاء قواعد تنطلق منها مهمات عسكرية واستخباراتية مستقبلاً لدعم السياسة الأمريكية و لمساندة طالبان كابول ولو التزمت أمريكا بجد بالحفاظ على وجود قليل من القوات لحماية الحكومة الحالية وبقاء اطول في البلاد، ودعم القوات الأمريكية للقوات العسكرية في البلد ومساعدة مالية طويلة الأمد، لكانت قد زادت من معنويات الحكومة والقوات الأفغانية، ولعطل ذلك خطط طالبان ولكن قال " الرئيس الأمريكي جو بايدن إن الوقت قد حان لوضع حد لأطول حرب خاضتها الولايات المتحدة" في تاريخها " ولتكون طالبان تهديداً رئيسياً لدول الجوار الأفغاني"وتشهد أفغانستان نشاطا متزايدة عسكرياً لطالبان في الوقت الحالي؛ أسفر عن سيطرتها على عدد كبير من المحافظات والمدن والقرى والأحياء،هذا الانسحاب في الحقيقة اعطى الضوء الاخضر لتحرك طالبان نحو النصر الذي انتظرته طويلا وهي تقوم الآن بالسيطرة على مناطق جديدة. ومستمرة في التحكم على الكثير من الولايات  والقصبات الأفغانية.

 ومن الملاحظ هو ان في كثير من الأحيان، ينضم الشباب إلى الجماعات العنيفة لأسباب شخصية واجتماعية، ويتبنّون هذا الفكر لكونه المنظومة الفكرية للجماعات التي يريدون الانتماء إليها تتناسب مع عقولهم و لها سمات تتطابق مع رغباتهم، وتظهر المعلومات التي اشارت انه هم أكثر قابلية للانضمام إلى هذه الجماعات من غيرهم و من الاسباب التي ادت الى انحراف الشباب هو ايضاً ان الكثير من الدول لم تستطيع ان تعطي معنى صحيح للإرهاب وتفهيم مجتمعاتهم بخطورته، مما كان الانتماء إلى هذه الجماعة المتطرفة عند كثير من الأعضاء الجدد أكثر أهمية من الفكر نفسه، سواء كان دينيا أو سياسيا أو غير ذلك و كثيرا ما يجر الحديث عن الإرهاب إلى الفهم الخاطئ لنصوص الدين، باعتباره سببا للتطرف والإرهاب، وهذه قاعدة غير صحيحة لان الكثير من المجموعات التي تشكلت في دول العالم لم تكن دينية، فمشكلة الإرهابي المتطرف، أنه خضع لتفسيرات خاطئة للنصوص التي تتحدث عن الجهاد وإنكار المنكر، وأحكام التكفير والحدود، ونحو ذلك، من دون أن يرجع إلى الثقات من أهل العلم قديما وحديثا، غير أنه ليس السبب الأوحد لوجود الإرهاب، فمن أبرز أسبابه التي يحجم البعض عن الخوض فيها العنف السياسي والقمع والتنكيل، الذي تمارسه الأنظمة المستبدة تجاه المجتمع، فمن ثم تصنع الإرهاب.لقد اختلفت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حول الطريقة الصحيحة لفهم وتعريف الارهاب، وبالتالي، حول أي من الجهات والمجموعات حول العالم تستحق أو لا تستحق تسمية "الإرهابيين" وأن تدان على هذا النحو من قِبَل المجتمع الدولي وأن معظم التنظيمات المتطرفة والتكفيرية هى بالأساس صناعة غربية، وتخرج على وجه التحديد من رحم المخابرات الأمريكية والبريطانية،ومعلومات استودن التي كشفت تؤكد" تعاون أجهزة استخبارات ثلاث دول هى الولايات المتحدة، بريطانيا، وإسرائيل لإيجاد تنظيم إرهابي قادر على استقطاب المتطرفين من جميع أنحاء العالم فى مكان واحد فى عملية يرمز لها بـ عش الدبابير، وهى خطة بريطانية قديمة تقضى بإنشاء تنظيم دينى شعاراته إسلامية يتكون من مجموعة من الأحكام المتطرفة التي ترفض أى فكر آخر أو منافس له. والتاريخ المعاصر والحديث يكشف لنا الكثير فى هذا السياق ولماذا لم ترتكب هذه المجموعات عملا إرهابيا واحدا ضد أهداف إسرائيلية أو أمريكية، كما كانت تسميه الإرهاب دائما، مليئة بالتناقضات والتهافتات. ولا يزال غير مقبول اليوم كما كان في ثمانينيات والتسعينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا  و يتم استخدامه مرارا وتكرارا لتجريد "الآخر" من إنسانيته وشرعيته بينما يُضفي الشرعية على استخدامها للعنف ضده كما هو في سورية واليمن وفي افغانستان والعراق،ويحتاج الى المزيد من التحقيق النقدي حول بناء مفهوم "الإرهاب" والذي يمكن ان يؤدي في أن يستفيد بشكل كبير من تطوير إطار نظري ومنهجي من شأنه توثيق وتحليل تاريخ الطروحات والتفسيرات المتعددة حول "الإرهاب" وفيما يتعلق بالسياقات المختلفة -أكانت هذه آمنة أو تخاصمية، أو عامة أو سرية، أو سياسية أو إعلامية- التي أُنتجت فيها هذه التعريفات،وتختلف الأسس الأخلاقية التي يتخذها أعضاء المنظمات "المتطرفة اليمينية أو الدينية أو العرقية القومية ذات النزعات الانفصالية" لتبرير عملياتهم الإرهابية من تنظيم إلى آخر،وهذه الجماعات الارهابية تبدو لنا جميعًا وبلاشك بانها وحشية و متخلفة أخلاقيًّا، وأن عناصرها ترتكب أعمال عنف شنيعة وعشوائية، من خلال الممارسات التي تقوم بها في الكثير من بلدان الشرق الاوسط وفق مبررات تتفق مع قناعاتها.لاشك فيه ان الأنظمة  كانت السبب الاول في صنع الإرهاب عندما أغرقت الناس في الفقر والفاقة، ومارست أبشع صور الظلم الاجتماعي عليهم، فوجد الشباب أنفسهم أمام آفاق مسدودة، وأحلام موؤدة، فأضحوْا عرضة لاجتذاب الفكر الضال، الذي يهيئ لهم ميدانا يفرغون فيه سخطهم وغضبهم على الأنظمة، التي أفقدتهم معيشتهم وسلبت أرزاقهم وحاربتهم في أقواتهم. هذه الأنظمة القمعية وأهل التطرف والغلو وجهان لعملة الإرهاب، كلاهما يمثله، وكلاهما يمارس العنف السياسي الذي يتفق مع مصطلح الإرهاب من وجود عدة، سواء كان من الأفراد والجماعات تجاه الدولة، أو كان من الدولة تجاه الأفراد والجماعات، ان عمليات الاغتيال التي تمارسها الجماعات المتشددة إرهاب، والتصفية الجسدية والاعتقال الذي تمارسه الدولة ضد الأفراد والجماعات إرهاب كذلك. من أبشع صور الإرهاب التي تمارسه الحكومات القمعية ويفتح الباب أمام صناعة الإرهاب.

 

عبد الخالق الفلاح

 

احمد عزت سليميشكل المجال الحيوى الذى تدور فيه عقلية الآلة الصهيونية "دولة إسرائيل" أفراداً وجماعات وكياناً وتستمد منه إدراكها وتنطلق منه سلوكياتها وحركتها وتدفعها نحو الفاعلية والتحقق وتكتسب جماعاتها الاستيطانية تقاليدها وتتشرب منه أعرافها وتتشكل العناصر السياسية المؤلفة لهذه ال "دولة" وتتحدد مستويات ومجالات التفكير ومنطلقات السلوك والتبنى والولاء لنظام قيمى ينبع من أيديولوجيا محددة ومتبلورة وتشكل نسق من الأفكار والآراء الدينية والأخلاقية لكونها جزءاً من الوعى الذى يتحدد بظروف المجتمع الاستيطانى الإحلالى والثقافة الموروثة من نظام الجيتو وفى تفاعلهما مع القيم الدينية التوراتية والتلمودية وما يشمل كل هذا النظام من علاقات تعاقدية نفعية مادية باردة وشعائر وقوانين دينية انعزالية ضد الآخر ومقدسة يحتفظ فيها الإله بالقبيلة الذهبية التى هى مملكة الأنبياء، حتى العودة... "هو ذا شعب وحده يسكن بين الشعوب لا يسكن" مولعا بالإبادة والقتل ومنغلقا بداخل يهوديته الأرثوذكسية معتمدا كما بين إسرائيل شاحاك على الاعتراف بوجود الشوفينية اليهودية والاقتصادية والفحص الأمين لمواقف اليهود من غير اليهود، لتصبح فيه ال " دولة " الصهيونية كإرادة إلاهية لإقامة المملكة العبرية مرة أخرى كضرورة مقدسة قررها الإله .

هكذا يعيش هذا "الشعب" كما يدعى هذا النظام تاريخ واحد ممتد هو تاريخ الأسلاف والأجداد والأبناء والأحفاد، وفى كل هذا فإن انفعالات هذه الآلة الصهيونية بمستوياتها المتعددة تتطابق مع المعرفة الإدراكية لها كنظام متطابق معها يقف خلف النشاط ويجمعهما فى كل واحد يفسر به العالم والمجتمع والفرد وقد توحد فيهم الإله وقد أحالها هذا النظام القيمى إلى حقائق على الأرض حية نشطة ودينامية ملموسة فى نظام كلى متكامل انخلقت منه هذه الدولة الصهيونية وانبثقت معه القيم والتقاليد والممارسات التى أصبحت محور ومرتكز حياة الصهيونية كحركة و" دولة " وكجماعات وكأفراد وكامتياز تدافع عنه هذه المستويات المتعددة، وليصير هذا النظام الكلى المتكامل تمثيلاً صريحاً لثقافة جماعية مترسبة فى الوعى عبر تاريخ مزعوم موسوم بالتوحد، وبكونه منبعاً لذلك كله يستهدف أول ما يستهدف أن تتحقق مقولاته العنصرية القائمة على التمييز بين البشر اليهود، والأغيار الخنازير، وجعل اليهود ذوى خصائص أنثروبولوجية وجسمانية وبيولوجية وثقافية وتراثية وقدرات عقلية وأخلاقية موروثة أرقى وأفضل وأكثر قدرة على البقاء وعلى الإبداع من الأغيار .

وهذه الأفضلية استمدت ذاتها كما تدعى مما حباها الإله واختصها بها دون سائر الأغيار، فصار السلوك الإدراكى جمعياً وقولياً وفعلياً منخلقاً من روح الإله، فأضحى السلوك مقدساً قداسة التعاليم والأوامر الإلهية، واستمدت من ذلك كله النقاء العنصرى المزعوم وحتمية البقاء كديمومة الإله ذاته والتفوق والقوة كفضائل طبيعية اختص بها الإله اليهود وغير قابلة للتغيير أو الانتقال إلى جنس آخر، فالدم على حد تعبير مارتن بوبر هو الذى يحدد المستويات العميقة للوجود اليهودى، هو عالم الجوهر ويصبغ هذا الوجود وإرادته بلونه، والعالم من حوله إن هو إلا آثار وانطباعات بينما الدم اليهودى هو عالم الجوهر، وكذلك عرف لويس برانديز اليهودية بأنها مسألة تتعلق بالدم، ووصف صهيونى آخر هو إغناتز زولتشان اليهود بأنهم: " أمة من الدم الخالص " لا تشوبها أمراض التطرف أو الانحلال الأخلاقى ورأى موسى هس مؤسس الفكرة الصهيونية أن اليهودية حافظت على نقاوتها عبر العصور " .

ومن هذا " التعصب العنصرى كحالة خاصة من تعصب المعتقدات " ومن هذا الزعم بالنقاء العنصرى والبقاء العنصرى والتفوق العنصرى تكون الصهيونية هى رسول الغرب الاستعمارى فى تبرير دعاوى الغزو لتطهير العالم من دناسة الشعوب الأخرى المتخلفة وكما يقول هرتزل " فإن اليهود عندما يعودون إلى وطنهم التاريخى سيفعلون ذلك بوصفهم ممثلين للحضارة الأوربية، وأن الإمبريالية بوصفها نشاطاً نبيلاً يهدف إلى جلب الحضارة إلى الأجناس الأخرى التى تعيش فى ظلام البدائية والجهل، كذلك عودة اليهود، ولذلك فالعودة الصهيونية العنصرية هى عودة استعمارية غربية لأمة نقية عرقياً وأخلاقياً وهذا يمنحها حقوقاً أكسبها لهم الإله أبدياً وحصرياً وتاريخياً ككل متجانس دون سائر الأغيار، وذو نمط واحد هو الجوهر اليهودى الذى يتحقق فى " يسرائيل الشعب " التى هى " يسرائيل التوراة "، وكلاهما فى عقل الإله من قبل الخلق، وأن "إسرائيل" وحدها هى التى سوف تحقق التوراة وهى شريكة الإله فى عملية إدارة الكون وإدارة حركة التاريخ وتوجيههما، والتى يتدخل فيهما الإله لصالح " شعب يسرائيل " بحيث يتجه التاريخ نحو نهايته المسيانية الحتمية المطلقة التى يتحكم فيها اليهود فى مصير البشر والعالم، وعندها يقهقه الإله على عرشه وهو يرى الماسيح قد وصل وقضى لتوه على الشعوب الأخرى، وهذا القضاء وهذه الإبادة المسيانية الجماعية لشعوب العالم هى المرحلة الحتمية التى يستهدفها البقاء اليهودى كمرحلة نهائية للعداوة والكراهية للأغيار، ويصير التزاوج بين الخالق والشعب فى القبالاة (طبقاً للتجلى العاشر ضمن التجليات التوراتية العشرة- سيفروت) توحداً كاملاً ويقوم هذا " الشعب " بتوزيع رحمة الإله على العالمين بالتخلص منهم !!

 

بقلم: أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

قاسم حسين صالحالحقيقة التي لا يختلف عليها عراقيان ان البرلمان العراقي بدوراته الأربع، لا يمثل الشعب، فالنص الدستوري العراقي يحدد ان يكون لكل مئة الف مواطن نائب واحد ليكون ممثلا للشعب، فيما يشير واقع حال البرلمان العراقي انه لم يحقق هذا النص. ففي انتخابات 2010 حصل(15) نائبا فقط على القاسم الانتخابي والعتبة الانتخابية، ما يعني ان (310) نائبا لم ينتخبهم الشعب بل فازوا بما تصدقت عليهم اصوات كياناتهم، بينهم من حصل على (78) صوتا!.وبموجب هذه الحقائق الواقعية والدستورية التي كشفت عن ان ثقة الناخبين العراقيين استقطبت فقط (15) شخصية من بين اكثر من ستة آلاف مرشحا، فان البرلمان العراقي بدوراته(2005 و 2010 و 2014 و2018) لا يمثل الشعب، لأن نسبة من اجتاز العتبة الانتخابية في اربعتها لا تتعدى(5%).

ولتصحيح هذا الحال فان الأجراء الأول يتطلب الغاء امتيازات أعضاء البرلمان. وتتعدد (الروايات) بخصوص مقادير رواتب وامتيازات اعضاء البرلمان العراقي.فالنائب السابق مشعان الجبوري حددها بـ(45) مليون دينارا في الشهر، وردّ البرلمان بأنها اربعة ملايين دينارا (راتب اسمي) و مليوني دينارا مخصصات منصب ومخصصات شهادة تتراوح بين (100% الى %25)، فيما افادت جريدة الصباح الرسمية بأن مجموع راتب عضو البرلمان هو 32 مليون دينارا بين راتب اسمي ومخصصات حماية وسكن وغيرها، فضلا عن سلفة تبلغ 90 مليون دينارا لا ترد، و600 دولارا في اليوم في حالة السفر، وعلاج صحي مجانا.. كلفت الدولة اكثر من ملياري دولارا بحسب اقتصاديين.

ومع اختلاف هذه الروايات، فان الحقيقة المؤكدة ان رواتب نواب البرلمان العراقي تفوق اقرانهم في بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ودول اوربية..ما يعني ان بقاء هذا الحال على حاله سيبقي فرصة العمر مفتوحة لوصول البرلمان من يخدم مصالحه وتطلعاته ليكون ارستقراطيا، وكارثة في بقاء العراق الدولة الأفسد في المنطقة، فيما الغاؤها وجعلها بشكل معقول سيحقق نتائج ايجابية في جميع مناحي الحياة:

* سياسيا: يسهم بمجيء مرشحين يهدفون الى خدمة الشعب، ويحد من مجيء اشخاص طامعين بالثروة والمنصب.

* اقتصاديا: يحقق الغاؤها اكتفاءا ماديا بتوفيره مليارات الدولارات لتستثمر في الخدمات العامة وبناء الوطن.

* أخلاقيا: يسهم في اعادة المنظومة القيمية للناس واحياء الضمير الأخلاقي الذي ضعف او تهرأ عند كثيرين.

* اجتماعيا: سيعمل الغاؤها على احياء الطبقة المتوسطة، ويقضي على الغبن الفاحش الذي الحقته بالناس طبقة سياسية استفردت بالثروة.

* ثقافيا: يسهم في اشاعة الثقافة التي تقول الحقيقة، ويشيع حرية الصحافة التي احتل فيها العراق مرتبة متأخرة عالميا.

* اجرائيا، سيترتب على النائب الكشف عن ارصدته المالية وامواله الثابتة والمنقوله داخل العراق وخارجه، وشهاداته العلمية مصدقة من وزارتي التربية والتعليم العالي حصرا.

* ومعنويا..سيعيد الغاؤها (ردّ الأعتبار) للعراق الذي اعتبر واحدا من افسد ثلاث دول في العالم.

الثاني: الكوتا النسائية.. الألغاء صار ضرورة

بدءا، لنتمعن في قضيتين:

الاولى: ان مهمة مجلس النواب هي نقل البلد من حالة التخلف الى حالة الأزدهار، وهذا لن يحصل ما لم يتمتع اعضاؤه بالخبرة والكفاءة.

والثانية: كانت الكوتا حالة مقبولة اجتماعيا ومبررة سياسيا عام 2005، يوم نظّم قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية بالمادة (30) بأن تكون نسبة تمثيل النساء لا تقل عن الربع من اعضاء الجمعية الوطنية..لكنها تعدّ الآن (2021) حالة معيبة اعتباريا وسياسيا ونفسيا بعد ان صارت ندا للرجل، بدليل ان(22) مرشحة في انتخابات (2014)حصلن على اصوات كاملة دون الأستعانة بالكوتا..ما يعني ان المرأة الكفوءة والجديرة بان تكون عضوا في البرلمان ما عادت بها حاجة الى ان يتصدق عليها القانون الانتخابي بكوتا.

والمفارقة التي ينفرد بها البرلمان العراقي ان اكثر من خمسين نائبة برلمانية هنّ طاقات معطلة. فالكوتا  كشفت عن ان(60)عضوة من اصل(81) لسن بمستوى كفاية وفاعلية مرشحين سلبن حقهم (وبينهن حالات مخجلة لا يعرفن حكم الجار والمجرور!). ومخجل ثانية أن بين البرلمانيات الحاليات من اخذن البرلمان (سر قفلية) واغلقن الباب بوجه طاقات نسائية بعد ان عملن على تقوية علاقاتهن بكيانات سياسية وتملقات لرئيس القائمة.

ان الغاء امتيازات اعضاء البرلمان العراقي، والغاء الكوتا النسائية هما الأجراءان اللذان يسهمان في مجيء مرشحين يمثلون الشعب، ويفعّلان مهمة البرلمان المعطّلة من ثمان عشرة سنة في ازدهار الوطن وتحقيق حياة كريمة للمواطن في وطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش اهله برفاهية..وبدونهما يبقى البرلمان بائسا كما كان، ولا يحقق (10 تشرين 21) قدسية الأنتخابات كما وعدوا.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

عبد الحسين شعبانلم يتبلور مفهوم "العدالة الانتقاليّة الدوليّة" بعد، ليأخذ مكانه كجزء من قواعد القانون الدولي المعاصر. ولم تفلح جهود ومبادرات الدول المتضررة في إقناع المجتمع الدولي لتبنيّ هذا المفهوم. كما أن المجتمع المدنيّ في هذه الدول لم يبادر، بما فيه الكفاية، في إطار دبلوماسية شعبية موازية للدبلوماسية الرسمية لينشأ رأياً عاماً ضاغطاً يكون أقرب إلى محكمة ضمير.

وكانت ألمانيا قد اعترفت بماضيها الاستعماري في غزو ناميبيا، وفرنسا بمسؤولياتها عن الإبادة في رواندا 1994. كما أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون اعترف في 3 مارس/آذار2021 بوجود انتهاكات وتعذيب في الجزائر راح ضحيته المحامي علي بومنجل على يد الجيش الفرنسي وهو جزء من مطالبات جزائرية باعتذار فرنسي، كما اعترفت بلجيكا بجريمة اختطاف آلاف الأطفال مختلطيّ العرق خلال الحقبة الاستعمارية، وكذلك أقرت هولندا بمسؤولياتها عن تجارة الرقيق خلال الحقبة الاستعمارية. كل ذلك يجعل من التحرّك لتقنين فكرة العدالة الانتقالية الدولية ضرورة ملحة لتنقية العلاقات الدولية، وخصوصاً لحلّ المشاكل التاريخية العالقة.

تقوم فلسفة العدالة الانتقالية على خمسة مبادئ رئيسية:

أولها، كشف الحقيقة، فما الذي حصل وكيف ولماذا؟ إضافة إلى معرفة الظروف التي تمت بها تلك الارتكابات.

ثانيها: المساءلة للمرتكبين الذين أصدروا الأوامر أو قاموا بالتنفيذ.

 ثالثها، جبر الضرر المادي والمعنوي لإبقاء الذاكرة حيّة، خصوصاً بإطلاق أسماء الضحايا على الأماكن العامة مثل المدارس والمكتبات والنوادي والساحات والشوارع، وإقامة نصب تذكارية، كي لا تذهب تلك الذكريات الماسأوية إلى دائرة النسيان، بل تبقى في دائرة الضوء والذاكرة.

رابعها، تعويض الضحايا أو عوائلهم عما لحق بهم من أذى وألم وغبن وأضرار.

خامسها، إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية كي لا يتكرر ما حصل.

ويترّكز الهدف في جانبين، الأول: في عدم إفلات المرتكبين من العقاب لأن مثل تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم، والثاني: تحقيق المصالحة بمعناها الشامل عبر إجراءات قانونية وقضائية واجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وغيرها، وبالطبع فليس هدف العدالة الانتقالية الانتقام، وإلاّ ستكون عدالة انتقامية، وإنما هو الوصول إلى تسويات مجتمعية لتحقيق التعايش السلمي وترميم الحياة السياسية وفقاً لمبادئ التسامح والسلام ونبذ استخدام العنف وسيلة لحل الخلافات واحترام حقوق الإنسان.

وإذا كانت تطبيقات العدالة الانتقالية بدأت بُعيد الحرب العالمية الثانية وتطورّت خلال نصف القرن الماضي حيث اغتنت بتجارب العديد من دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وجنوب أفريقيا وبعض البلدان العربية ولاسيما المغرب، فإن هذا المفهوم يكتسب بُعداً دوليّاً اليوم، بمعنى أنه لا يشمل الارتكابات التي حصلت داخل دولة ما، بل ارتكابات قامت بها دولة ضد شعب أو مجتمع في دولة أخرى.

المقصود بذلك معالجة آثار الانتهاكات والتجاوزات والجرائم لحقوق الإنسان على المستوى الدولي، والهدف هو ذاته الذي جسدته مبادئ العدالة الانتقالية على المستوى الوطني، ويتلّخص بالوصول إلى المصالحة الشاملة وتنقية الحياة بين الدول وترميم علاقاتها  وتحسينها بحلّ المشاكل الناجمة عن ارتكابات الماضي بسبب الهيمنة الاستعمارية أو الإحتلال أو الحروب أو النزاعات التي سببّت إلحاق الضرر بشعوب البلدان التي تعرّضت للانتهاك.

ويمكن الإشارة إلى مبادرة مغربيّة رائدة جديرة بالتقدير، فمنذ عقد ونيف من الزمن ينشط "مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلام"، للوصول إلى صيغة تتبنّاها مؤسسات المجتمع المدني في الدولة المنتهَكَة حقوقها وفي الدول المنتهِكَة للحقوق، وذلك ضمن حراك حقوقي وقانوني دولي. تم التعبير عنه في "إعلان طنجة" كخلفيّة تأصيليّة لمدونة بإشراك الفرقاء من الطرفين على قاعدة المشترك الإنساني وحقوق الإنسان.

والمبادرة، التي حظيت اليوم بدعم جهات حقوقيّة مغربية هي "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والمركز المغربي للديمقراطية والأمن" لا تبحث في الماضي، بل هي بحث في المستقبل بهدف إجلاء صورة الماضي الذي شهد تاريخاً مشتركاً لعلاقات غير متكافئة، سواء مع إسبانيا أو فرنسا، وذلك باقتراح وسائل وسُبل جديدة لحلّ الخلافات على أساس حقوقي وإنساني توّفره مبادئ العدالة الانتقالية الدولية. ويتطلّب ذلك الاعتراف بالأخطاء والممارسات السلبية والانتهاكات، والعمل على تحديد المسؤولية وجبر الضرر والتعويض وإصلاح النظام القانوني والعلاقات بين الفرقاء.

ولا يستهدف الأمر مساءلة الشعوب وتحميلها وزر السياسات الاستعمارية أو محاولات الهيمنة والاستعلاء والعنصرية وفرض الاستتباع والخضوع على الآخر، إنما يتطلّب نزع صاعق التفجير بتسوية إنسانية وقانونية عادلة بإنضاج الظروف المواتية لتقبّل حلول طويلة الأمد على أساس المصالحة وليس الانتقام أو الثأر.

ويحتاج ذلك إلى جهد ونشاط واسعين لقطاعات المجتمع المدني كافة والفاعليات الثقافية والأكاديمية والاجتماعية والاقتصادية لخلق رأيّ عام دولي لبلورة مفهوم العدالة الانتقالية الدولية ليأخذ مكانه كجزء من قواعد القانون الدولي.

ويمكن اقتراح مشروع اتفاقية دولية تتبنّاها الجمعية العامة للأمم المتحدة تبادر إليه الدول المتضررة كجزء من تحرّك دبلوماسي وقانوني، يسهم فيه المجتمع المدني، كمُكمّل للدبلوماسيّة الرسمية في إطار مرجعية استباقية ووقائية لترصين القيم الإنسانية والحوكمة الرشيدة على المستوى الكوني.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

كريم المظفرالإفلاس الاوكراني يتجلى يوما بعد يوم، وخصوصا في ذلك الركوع على الركبتين والانبطاح الكبير، من قبل قادتها امام الغرب، والتوسل من اجل قبول كييف برنامج الشراكة مع حلف شمال الأطلسي،، وليس العضوية الكاملة، مقابل رفض غربي شبه كامل، عدا دول أوربا الشرقية السابق، والتي تم قبولها في الحلف لا لسواد عيونها وقوتها العسكرية او الاقتصادية، فمعظمها مفلسة رغم صغرها، وجيوشها ضعيفة في الإمكانات والمعدات، وكانت تعتاش على ما كان يقدمه لهم الاتحاد السوفيتي، وبعده ورثيه الشرعي الاتحاد الروسي، ولكن قبولهم كان بالدرجة الأساس نكاية في روسيا، وثانيا كي تواجه بهم واشنطن الاجماع الأوربي المنقسم ما بين الشرق الذي تدعمه أمريكا وبين الغرب الذي يضم الدول الاوربية المؤسسة لهذا الحلف والاتحاد، والتي تطالب بالتروي في قبول جورجيا وأوكرانيا وللأسباب أعلاه، وبالتالي سيكونان حتما عالة أخرى عليهم .

وآخر صرعات السياسة الأوكرانية الاستفزازية لروسيا، كما وصفتها المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا " بالغباء "، هي دعوة كييف واشنطن إلى نشر أنظمة دفاع جوي أمريكية على أراضي شبه جزيرة القرم النووية، في خطوة استفزازية لسياسة كييف في المنطقة وتجاه روسيا، واعتبرته الدبلوماسية الروسية بانه " دليل على نوايا الولايات المتحدة فيما يتعلق ببناء علاقات مع أوكرانيا نفسها، حيث يكون العامل الروسي هو مركز هذه العلاقات".

نائب رئيس الوزراء الأوكراني ووزير إعادة دمج "الأراضي المحتلة مؤقتًا" ألكسي ريزنيكوف، دعا أيضا الإدارة الأمريكية إلى تشديد العقوبات ضد الشركات التي تبني نورد ستريم 2، وإن على روسيا ألا "تعيد" شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا فحسب، بل يجب عليها أيضًا دفع تعويضات عن "احتلالها"، في شبه الجزيرة نفسها، قابلته روسيا بسخرية شديدة .

وكما يقول المثل الشعبي " اجه يكحلها عماها " حاول السكرتير الصحفي للرئيس فلاديمير زيلينسكي، سيرغي نيكيفوروف أن يقلل من أهمية تصريحات ريزنيكوف، وقال إن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية باتريوت يمكن نشرها على أراضي أوكرانيا - ولكن كخيار افتراضي، وينبغي تقييم بيان بان ريزنيكوف ليس على أنه النية الحالية لرئيس أوكرانيا، ولكن كخيار افتراضي لتعزيز الدفاع عن أوكرانيا، وان نشر الدفاعات الجوية الأمريكية لا يعتمد فقط على كلمات ريزنيكوف، بل يعتمد ذلك على الإجماع في المجتمع الأوكراني، ورغبة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، والاستعداد لقبول حقيقة أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستزعج الجار الشرقي، الاتحاد الروسي، وبذلك أفصح المسئول الاوكراني عن حقيقة علمهم بان مثل هذه التصريحات ستزعج الجار، وان اطلاقها ليس من قبيل الصدفة .

وقلل الخبراء العسكريون الأوكران من جدية هذه التصريحات، لان القوات المسلحة الأوكرانية لا تمتلك متخصصين مؤهلين لخدمة أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية، و إن نشر أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية في أوكرانيا سوف يستلزم إنشاء قواعد دائمة للجيش الأمريكي في البلاد، في حين أن المادة 17 من الدستور الحالي لأوكرانيا تحظر نشر قواعد عسكرية أجنبية على أراضي البلاد، ووفقًا للمادة نفسها من الدستور، يقتصر الدفاع عن أوكرانيا على القوات المسلحة لأوكرانيا، ومن أجل التغطية الكاملة لأراضي أوكرانيا من قبل الدفاع الجوي الأمريكي، إن وجد، ستحتاج الولايات المتحدة إلى عشرات المليارات من الدولارات، وبسبب العجز والاعتماد على الشرائح الأجنبية، فإن ميزانية الدولة لأوكرانيا غير قادرة على سداد هذه النفقات لواشنطن، أضف الى ذلك أن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية لن تساعد أوكرانيا بأي شكل من الأشكال في حالة نشوب حرب مع شخص ما، حتى لو وضعتها الولايات المتحدة بالفعل على الأراضي الأوكرانية، بحسب تعبير النائب السابق لقائد قوات الدفاع الجوي للقوات البرية في الاتحاد السوفياتي، اللفتنانت جنرال ألكسندر لوزان، لصحيفة فزغلياد.

إن حجة القلق الاوكراني من استعداد روسيا لنشر أسلحة نووية على أراضي شبه جزيرة القرم "، ودعوة واشنطن إلى نشر أنظمة دفاع جوي أمريكية في أوكرانيا، غير مقنعة من وجهة نظر الخبراء العسكريين، لأنه لا يمكن لهذه المنظومة ان تبدد هذا القلق الاوكراني، ولإن نظام الصواريخ الأمريكية باتريوت أقل شأنا من أنظمة الدفاع الجوي الروسية S-300V بالنسبة للطيران القتالي من الجيل 4 ++، على سبيل المثال، وبالنسبة لمقاتلات Su-35، فإن نظام الدفاع الجوي الأمريكي أيضًا لا يعمل كعقبة سالكة، وأن هذا ليس بسبب عدم قدرة الولايات المتحدة على إنشاء دفاع جوي أكثر فعالية، الأمر فقط هو أن البنتاغون لم يعارضه الطيران القوي لفترة طويلة، لذلك لم يكن الأمريكيون بحاجة إلى دفاع جوي متقدم للغاية.

مطلق التصريحات الأوكرانية ريزنيكوف على ما يبدو أنه ليس خبيرا في هذا المجال، فقد اعترف بأنه سمع للتو في مكان ما عن الدفاع الجوي، ولم يفهمه وأخبر علماء السياسة الأمريكيين عنها، واكتفى باللعب أمام الجمهور، لأن أوكرانيا إذا دخلت أوكرانيا في حرب "مع أحد"، فإن الصواريخ الباليستية ستعمل ضدها أولاً، وليس ضد الطائرات المأهولة، بالإضافة الى أن "الباتريوت" عديم الفائدة ضد الأهداف الباليستية، وقد ظهر ذلك، على سبيل المثال، من خلال هجوم الحرس الثوري الإسلامي الإيراني على القاعدة العسكرية الأمريكية عين الأسد في غرب العراق، ثم عجزت أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية عن اعتراض معظم الصواريخ.

هذه الدعوات رافقتها دعوات أوكرانية أخرى حول استفادة كييف وشركاؤها الغربيون من سيناريو تقسم روسيا إلى "عشر دول "، وهو ما عبر عنه وزير خارجية أوكرانيا السابق فلاديمير أوغريزكو، وقال ان مهمة الاوكرانيين اليوم " أن نشرح للغرب أنه من المربح أكثر أن يكون لديه عشر دول طبيعية مسالمة على أراضي الاتحاد الروسي الحالي من دولة واحدة"، وأن مهمة أوكرانيا هي إقناع الشركاء الغربيين بالفوائد الاقتصادية لهذا السيناريو،، في الوقت نفسه، لم يُجب أوغريزكو على سؤال حول كيفية حدوث "تفكك" البلد بالضبط، لكنه أشار إلى أن حدود عشر ولايات "مرسومة بالفعل على الخريطة".

وفي الوقت الذي أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فيه أن أوكرانيا تتحول إلى مشروع غربي "مناهض لروسيا" يهدف إلى المواجهة مع الاتحاد الروسي والتحريض على الكراهية تجاهه، وأشارته إلى أن العديد من الأوكرانيين لا يوافقون على هذا الوضع لكن لا يُسمح لهم بالتحدث، ومع تصاعد التصريحات الاستفزازية الأوكرانية، باتت روسيا تشعر بالقلق من تدهور الوضع الأمني في شرق أوكرانيا، في وقت لا يفعل رعاة كييف الغربيين شيئًا لإنهاء الحرب في دونباس، ووقف قتل السلطات الأوكرانية لشعبهم، ووفقا لما أعلنه نيقولاي لاكونين، نائب مدير إدارة الإعلام والصحافة بوزارة الخارجية الروسية، فان بعثة المراقبة الخاصة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا سجلت حوالي ألف حالة انتهاك لوقف إطلاق النار، وفقًا للمعلومات الواردة من دونيتسك و لوغانسك، قُتل أكثر من عشرة أشخاص، من بينهم مدنيون، في القصف، في الوقت نفسه فأن السلطات الأوكرانية تواصل تعقيد الوضع في عملية التفاوض بدلاً من حل النزاع في دونباس.

وعلى الصعيد السياسي، وبدلاً من تسوية النزاع في دونباس، فان السلطات الأوكرانية تواصل اتخاذ خطوات تؤدي فقط إلى تعقيد الموقف المسدود بالفعل في عملية التفاوض، وأشارت الخارجية الروسية، الى انه في 5 أغسطس، وافق مجلس الوزراء الأوكراني على مشروع قانون "بشأن سياسة الدولة في الفترة الانتقالية"، الذي ينص على "نظام قانوني خاص" معين يهدف إلى تطهير المنطقة من القوى غير الموالية لـ كييف، بالإضافة إلى ذلك، وقال لاكونين إن الاتحاد الروسي سينتظر التقييمات القومية للسياسيين الأوكرانيين من المسؤولين الأوروبيين وممثلي المنظمات الدولية.

كما ان تصريحات مكتب الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، حول عودة شبه جزيرة القرم إلى سيطرة كييف وحماية السكان الأصليين من " الاضطهاد " بمثابة المهام الرئيسية للبلاد، وبالتالي، ويعرب المكتب عن أعتقاده أن شعب تتار القرم "يتعرض حاليًا للقمع والاضطهاد الهائل بسبب موقفهم الرافض للاحتلال ودعم وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها"، وبالتالي إن عودة شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا هي مسألة وقت، وأعرب في الوقت نفسه عن ثقته في أن الأوكرانيين يقدرون شبه الجزيرة أكثر من الروس، وفقًا لزيلينسكي، فإن شبه جزيرة القرم و دونباس أراضي أجنبية للمواطنين الروس، في حين أعلن وزير الخارجية الاوكراني ديمتري كوليبا عن حقيقة أن كييف ستنتظر عاجلاً أم آجلاً عودة شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا، بالإضافة إلى ذلك، هدد روسيا بـ "حجارة من السماء".

واستكمالا للاستفزازات الأوكرانية، تعتزم كييف عقد اجتماع نهاية أغسطس الجاري أطلق عليه " منصة القرم " تعتبرها كييف أول منصة لمساعدة القرم، و "لأنها احتلال شبه الجزيرة "، دعيت لها بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وتركيا وبريطانيا، وكندا ودول الاتحاد الأوروبي، رأى فيها الوزير سيرغي لافروف ماهي "ليس إلا بمثابة تجمع ساحرات "، أو ما يطلق عليه "شباش"،وهي كلمة تطلق على اللقاءات الليلية للسحرة، بهدف الاحتفال أو تنفيذ طقوس محددة، وخلالها سيستمر الغرب في رعاية مزاج النازية الجديدة والعنصرية الذي تنتهجه السلطات الأوكرانية الحديثة .

روسيا، ترى في التصريحات الأوكرانية المستمرة هي نتاج موقف الغرب من القرم، المعيب ويثير الخجل، ويحاول الإساءة للقرم بعد أن عبر سكان شبه الجزيرة عن إرادتهم في الاستفتاء، ونسي على الفور الاتفاق الذي توصل إليه رئيس أوكرانيا آنذاك (فيكتور) يانوكوفيتش مع زعماء المعارضة، بضمانة فرنسا وألمانيا وبولندا والاتحاد الأوروبي، وبضمانة من قبل الولايات المتحدة، ومع حلول الصباح، داست المعارضة على هذا الاتفاق، وأشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إلى أنه عندما طلبت روسيا من الجهات الضامنة، إعادة المعارضة إلى رشدها والعودة إلى تنفيذ كل ما تم التوقيع عليه، ردت هذه الجهات بالقول، إن "الديمقراطية سادت وانتصرت، وعندما جرى الاستفتاء في القرم (والقول للوزير لافروف)، بدعم من روسيا التي ضمنت سير الاقتراع بسلام، أخذوا يقولون: "لقد قمتم بضم القرم"، معتبرا إن هذا الموقف كان معيبا من جانب الشركاء الغربيين الذين دعموا قيام الانقلاب في أوكرانيا عام 2014.، ومنذ ذلك الحين، يجري التضييق على اللغة الروسية في أوكرانيا، وتجري محاولات لإهانة التعبير الحر عن إرادة سكان القرم.

وامام هذا التصعيد باتت العودة إلى إجراء مفاوضات مينسك بشأن تسوية الوضع في دونباس والتي وصلت إلى طريق مسدود، أمر ضروري من وجهة النظر الروسية، وأكد ممثل الاتحاد الروسي في مجموعة الاتصال الثلاثية بشأن تسوية الوضع في دونباس، بوريس غريزلوف بانه قد حان لاستئناف مثل هذه الاجتماعات بدون تنسيق وبالإمكان عبر مؤتمرات الفيديو، حيث توجد حاليًا كل الاحتمالات لذلك، في رأيه، سيكون للمشاركة الشخصية للأطراف تأثير إيجابي على فعالية عملية التفاوض، في المقابل تتحجج كييف بظروف الوباء، وكذلك عدم اعترافها بالرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو، وبالتالي فإنها غير مستعدة للعودة الى مفاوضات مينسك .

ويصف المحللون السياسيون في أوكرانيا عذر رئيس الوفد الأوكراني إلى الكسندر أريستوفسيج في TCG، أن وفد كييف لن يذهب إلى الاجتماع في مينسك، لأنه لا يعترف بشرعية لوكاشينكو، بأنه " عذر سخيف وحتى كوميد " وشدد الأستاذ بجامعة لوغانسك التربوية الحكومية فيتالي دارنسكي، على أن "السلطة العليا لأوكرانيا (رادا والرئيس) فقط هي التي يمكنها الاعتراف بأن الرئيس لوكاشينكا غير شرعي، ولكن ليس مجموعة الاتصال في المفاوضات - ليس لديها مثل هذه الصلاحيات، وان مثل "العذر الغبي" هو في الواقع التخريب المعتاد من الجانب الأوكراني لعملية التفاوض بأكملها.

تجارب السنوات السابقة أثبتت أن أوكرانيا لا تنوي تنفيذ اتفاقيات مينسك، بل على العكس فإن سلطات كييف تواصل إطالة أمد العملية، وبالتالي تأتي بأعذار مختلفة، علاوة على ذلك، فإن الخبراء مقتنعون بأنه يوجد ولا يمكن أن يكون بديلاً لمنصة مينسك التفاوضية - فقد أثبتت عاصمة بيلاروسيا نفسها كمكان موثوق وآمن لجميع وفود TCG لسنوات عديدة.

هذه التصريحات الاستفزازية الأوكرانية لن تكون الأخيرة، وبحسب الممثل الدائم لشبه جزيرة القرم برئاسة جورجي مرادوف، الذي عبر عن أسفه من أن الاستفزازات ضد روسيا هي جزء أساسي من هذا المشروع المعادي لروسيا، وانه خلال القمة الدولية لما يسمى بمنصة إنهاء احتلال القرم، سيتم تطوير مجموعة كاملة من الاستفزازات المعادية لروسيا وشبه جزيرة القرم، بهدف إثارة التوترات في منطقة البحر الأسود، وفقًا لمرادوف، فإن هذا الاجتماع ضروري لتقويض الوضع الدولي حول شبه جزيرة القرم، والاستمرار العرب في معاقبة روسيا، بعد أن أدرك أنه لن يتمكن من "حرفها" عن الطريق الذي اعتمدته.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

منذ احتلاله قبل ثمانة عشر عاما لازال العراق يعاني من وطأة التدخلات الاجنبية من قبل الولايات المتحدة وايران وتركيا وجعله ساحة صراع وحروب مدمرة، ولازال من يسمون بالسياسيين يتناحرون على مراكز النفوذ وكتل احزابهم تتصارع على السلطة ونهب مقدرات البلد وثرواته. مضافا الى ذلك انتشار السلاح "المحمي" والفوضى التي تقوم بها الميليشيات الولائية والعقائدية، كل ذلك جعل الشعب يدفع ثمنا باهظا، وجعل العراق يفقد الكثير من فرص التطور والتقدم، ليصبح في عداد الدول المتخلفة في الميادين التقنية والعلمية والاقتصادية والصحية والاجتماعية. لقد أصبح هدف تغيير النظام السياسي الطائفي الذي أطاح بالدولة وقيمها ومبادئها الاساسية بالكامل مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تقبل المجاملات والمساومة والمناورات السياسية. مما يتوجب على الشعب وقوى ثورة تشرين التموضع السياسي والوطني الحقيقي للحفاظ على ما تبقى من اوراق ضغط لانجاز عملية تقرير المصير والتغيير السياسي الشامل لاستعادة الدولة. ولتحقيق هذه القيم ينبغي مواجهة الادعاءات الزائفة التي تنتهجها بعض الاحزاب لتسويق نفسها على انها حليفة "ثورة الفقراء والجياع"، الذين عانوا منذ ثمانية عشر عاما من نظام حكم طائفي ـ عرقي أنتج الارهاب والفساد والمليشيات المسلحة التي أشاعت الفوضى وعمليات الخطف والقتل والتهجير القسري وحولت حياة العراقيين الى جحيم حقيقي كما وأوصلت بلاد الرافدين الى حافة الانهيار.   

 أن ما يطرأ على السياسة العامة للدولة بسبب الصراعات الطائفية والعرقية اليومية لم يعد حدثا استثنائيا، بل هو شأن ممنهج ، تتحكم في ادارته ميليشيات ولائية اشد بأسا ونفوذا من الدولة، تؤثر في صياغة القرار واتخاذه على المستويين الداخلي والخارجي، تؤدي بين الحين والآخر إلى صراعات تكاد أن تقوض مصير العراق وتتجه به نحو المجهول. فيما القضايا المصيرية الهامة التي تعني في الدرجة الأولى المواطن العراقي، لاتزال منذ تشكيل أول إدارة حكم في البلاد على يدِ الاحتلال عالقة ولم يتحقق اصلاحها لغاية اليوم، وفي مقدمتها النقص الكبير في إمدادات الماء والكهرباء وتدهورالنظام الصحي  وأتساع الهجرة والتهجير وتصاعد عدد الأرامل واليتامى وتفشي البطالة والإرهاب والقتل على الهوية. لا بل مسألة نظام الحكم ومؤسساته برمتها، تفتقر الى المرجعية القانونية والقضائية التي لابد الاحتكام إليهما، آليا وحرفيا، وليس على أساس انتماءات عقائدية وحزبية تقتضيها مصالح أطراف النزاع ـ الطائفية والقومية ـ وفق منهج العمل بما يسمى "ضرورة التوافق" سيئ الصيت الذي عطل ميكانيكيا كل أمر في البلد.   

تحاول بعض القوى والاحزاب داخل السلطة وخارجها تحت ذريعة حماية الديمقراطية والعملية السياسية اسقاط جميع الاوراق من يد صناع ثورة تشرين لتفادي خسارة مواقعها داخل المجتمع وافراغ الثورة من مضامينها الوطنية وفي مقدمتها القضاء على الفساد الذي انهك الدولة والمجتمع وحال دون اعمار البلد وتحسين احوال الناس الامنية والصحية والاقتصادية وانهاء انتشار الميليشيات وسلاحها المنفلت وتحقيق العدالة وعدم الافلات من العقاب. إن ما يجري في العراق من أَساليب منافية للأعراف والقوانين كسرقة المال العام وتوزيع الامتيازات والعقارات على منتسبي احزاب السلطة، وانتشار الفوضى والتخندق الطائفي، وانتعاش أساليب قتل المتظاهرين وأصحاب الفكر والعلم والرأي وممارسة القمع والتهديد السياسي، وأخيرا وليس آخرا الخطف والابتزاز المنظم، هنالك تجاهل للشعب، الذي أصبح بنظر الطبقة الحاكمة في حكم الغائب، لا يُسأل عن رأيه في القضايا المصيرية. كل ذلك ليس أمرا عجيبا في عراق اليوم. إنما العجب، ان لا تجد بين القائمين على ادارة الدولة ومؤسساتها، من يقوم ولو بالجزء اليسير من صلاحياته لوضع حد للازمات وجعل المواطن يطمئِن على حياته ومستقبله، ويشعر أنه يقترب من نهاية النفق المظلم نحو عالم جديد منفتح ومستقبل أفضل . 

 

عصام الياسري 

 

 

كريم المظفرتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حول أداء الرياضيين الروس في أولمبياد طوكيو 2020 والتي أختتمت قبل أيام، وحصول روسيا فيها على المركز الخامس، وكذلك في المسابقات الدولية الأخرى، ومحاولات التشكيك بهذه الإنجازات، اثبتت بحسب الرئيس بوتين، ماهي الا محاولات تسييس الرياضة، وقد برهن الرياضيون الروس من خلال أدائهم بأفضل طريقة ممكنة أن جميع محاولات تسييس الرياضة تافهة، ولا معنى لها، بل وحتى ضارة " وبوجه عام لا معنى لها"، الامر الذي دفع رغبتنا في الكتابة في الرياضة، التي من المفترض ان تكون بعيدة عن السياسة .

لا اكثر في الدنيا من  أمر، إلا وهو الشعور بالظلم والحيف، ورغم هذه المعاناة للرياضيين الروس، نتيجة قرار هيئة التحكيم الرياضية "كاس"، بحظر استخدام العلم، حتى على ملابس الرياضيين والنشيد الوطني الروسي في المسابقات الرياضية الدولية والذي بالطبع له دلالة سياسية، والمشاركة بشعار اللجنة الأولمبية الروسية ذات الألوان الثلاثة الروسية، لكن هذا الامر، من ناحية أخرى، لم يؤثر على جودة  أداء وتفوق الرياضيين الروس في العديد من الفعاليات طوكيو 2020، وباتوا اكثر إصرارا للتحدي ومحاولة  كسب المزيد من الميداليات،  ولم يثبط من عزيمة الرياضيين الروس، حتى انهم تمكنوا من الحصول في طوكيو 2020  على ميداليات تفوق تلك التي حصلوا عليها في أولمبياد ريودو جانيرو، برصيد (20 ذهبية و28 فضية و23 برونزية).

لست خبيرا رياضيا، وتجربتي في لعبة كرة القدم أيام الشباب لا تسعفني في تقييم الألعاب الأخرى، لكني أجزم من كونني محبي هذه الرياضة الأولمبية، فمنذ شبابي أشاهد المنافسات وقمت بمراجعة جميع الأولمبياد وبطولات العالم لمدة 30 عاما في هذه الرياضة، وإذا تخبط أحد في مبادئ الحكم أو الأسلوب - اكتب في التعليقات، فقد لا أفهم هذا الموضوع الصعب، لذلك لا نريد الخوض في الأمور الفنية، فمثل هذه الأمور نتركها للفنيين وأصحاب الاختصاص في الرياضة،  ونحاول هنا استقراء الأمور كحال المتابعين للأولمبياد، التي تشد ملايين الناس اليها، مع متابعة آراء المحللين الرياضيين  .

ومن خلال الاحداث التي رافقت نشاطات الفريق الأولمبي الروسي، اتضح وبشكل جلي أنه كانت  هناك مهمة رئيسة في طوكيو 2020، تتمثل في ابعاد روسيا  مثلا عن كرسي التتويج في الجمناستك الايقاعي الفردي، والذي تتربع عليه منذ 25 سنة،، فالأول مرة، وفي امر لا يصدق، خسرت روسيا بطولة الجمباز الإيقاعي الفردي، واعطيت الميدالية الذهبية  للاعبة الجمباز الإسرائيلية لينا أشرم، التي خدمت مؤخرًا في الجيش الإسرائيلي ولم تفز في أي بطولات كبرى مثل الأولمبياد، في حين فازت دينا بالميدالية الفضية، على الرغم من ان للاعبة الإسرائيلية لا تستحق المركز الأول، لا لكون اللاعبة الروسية أخفقت في أدائها، فهي بطلة العالم ل 13 مرة، ولكن وكما يقول خبراء رياضة الجمناستك، ان اللاعبة الإسرائيلية  ارتكبت أخطاء جسيمة خلال عرضها  (تشابك شريطها في أدائها، والذي كان لا بد من تغييره)، وبالتالي فأنها لا تستحق اية ميدالية، ويقولون دائمًا أنه إذا كان هناك مثل هذا الخطأ، فلا يمكن لأي شخص أبدًا، إذا لم يرتكب الآخر نفس الخطأ، أن يصبح بطلاً، ناهيك عن بطل أولمبي، بل وأكثر من ذلك في الحدث الأخير،  لقد كان هذا الامر وكما وصفته صحيفة (غازيتا ) بأنه " مجرد وصمة عار على الجمباز الإيقاعي "، واتهمت روسيا القضاة بالتحيز والمبالغة في تقدير اللاعبة لينا أشرم .

اما في رياضة السباحة الإيقاعية، فإن  منتخب روسيا طالب باستبعاد المنسق الموسيقى "دي جيه – DJ"  من المنافسات الرئيسية ضمن أولمبياد "طوكيو 2020"، بسبب خلطه للموسيقى أثناء أداء الفريق، واضطر الثنائي الروسي المكون من اللاعبتين (سفيتلانا كوليسنيتشينكو وسفيتلانا روماشينا) إعادة أداء البرنامج الحر، بسبب الخطأ في اختيار الموسيقى، وأعرب الثنائي الروسي عن امتعاضه للخطأ، بالرغم من حصوله على درجة عالية جدا، واعتذار المنسق الموسيقي، وكان الدجي نفسه قد ارتكب خطأ مماثلا أثناء أداء الفريق الروسي في "أولمبياد أثينا 2016" أيضا، وبحسب مدربة منتخب روسيا للسباحة الإيقاعية "التزامنية" تاتيانا دانتشينكو، قالت  "نحن نعرف هذا المنسق الموسيقي (DJ)  ) منذ فترة طويلة! يبدو أنه يرتبك أثناء أدائنا، لكن... بصراحة، لا أؤمن بمثل هذه الصدف! " .

الروس مهتمون بالحكم على أداء الرياضيين الروس خلال دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو، وترى الحكومة  ومجلس الدوما (البرلمان)  أن الرياضيين، على وجه الخصوص، لاعبي الجمباز أصبحوا رهائن للوضع السياسي بين روسيا والعالم الغربي، وهو ما اكده نائب رئيس وزراء الاتحاد الروسي دميتري تشيرنيشينكو  بأن موسكو لن تتجاهل الموقف عندما أثرت السياسة على التقييم العادل لأداء الرياضيين الروس في الألعاب الأولمبي، وانها (أي موسكو)، لن تتجاهل الوضع الذي تبين أن السياسة فيه أعلى من التقييم الموضوعي والعادل لأداء الرياضيين الروس، والاستنتاج واضح وواضح للجميع - مثل هذا الموقف تجاه الرياضيين الروس غير مقبول، وأنه سيتم تحليل نتائج أداء الرياضيين من روسيا بالاشتراك مع وزارة الرياضة، وسيتم اتخاذ تدابير شاملة لدعم الرياضة، حيث يمكن أن تكون النتيجة أعلى،  وأنه سيتم التركيز أيضًا على زيادة عدد المسابقات ذات المستوى العالمي التي تقام في روسيا.

لا نريد هنا ان نقييم الرياضيين الروس، فهم انفسهم اثبتوا انهم يتنافسون ويتصارعون بالرياضة والسياسة معا، وان المشاكل القادمة مع " القضاة الرياضيين " ستزداد مع شدة الضغوطات الغربية على روسيا، وما جرى في طوكيو 2020 ضد الروس تسبب هذا الوضع في صدى في كل من المجتمع الرياضي والسياسي، وأثبت  أن التحكيم في الألعاب الأولمبية في طوكيو كان "فاسدا"  بامتياز، ورأى العالم جميعًا تمامًا، وفهموا كل شيء، وما حدث مع فريق الجمباز الايقاعي يعتبر "وصمة عار للجمباز العالم كله!، وكما قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا  زاخاروفا  أن "الأوغاد الذين بدأوا الحرب ضد روسيا ضد الرياضة لا يمكن أن يسمحوا بهذا النصر".

لقد عوقبت روسيا على تهمة تعاطي رياضييها المنشطات، وستكون في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2022 في الصين، مرة أخرى بدون علم ونشيد، والسؤال هنا، لماذا روسيا وحدها تدفع الثمن، اليس من العدل عند معاقبة روسيا على تعاطي المنشطات، الاخذ بالاستنتاجات المماثلة ذات صلة بالولايات المتحدة، خصوصا وان الحديث عن القتال غير العادل في هذا المجال أتخذ أبعادًا غير مسبوقة مؤخرًا.!!

وبشكل عام، بات الأمر مفهوما للجميع، وبالتأكيد أن ما حققه الرياضيون الروس يستحق الثناء والشكر على ما حققوه في طوكيو، رغم الظروف التي تعرضوا لها، والمناخ الصعب  -والذي  يمكن لأي شخص زار طوكيو في شهري يوليو وأغسطس أن يتخيل مدى صعوبة ذلك بالنسبة لشخص غير معتاد على هذه المدينة هناك، وبدون متفرجين في المدرجات بسبب فيروس كورونا،  ناهيكم عن المكائد والمؤامرات التي أرادت الإطاحة بهم .

 

د. كريم المظفر

 

محمد بنيعيشموضوع التعددية الحزبية ووظيفتها قد يختلف حاله من بلد إلى بلد ونظام إلى نظام، بل ومن شعب إلى شعب، حيث يختلط النحل مع الدبابير ويتجاوز الحد إلى ضرورة التطعيم أو التأبير مع التبرير.

وقد يعتبر التعدد الحزبي ذا طابع سلبي، وعلى العكس منه قد يكون ذا هدف إيجابي بحسب رؤوس الخيوط التي تديرها وتوجهها .فهي إما مكملات ومدعمات للأنظمة ومشاريعها  أو برادع وسرج توظف لمرحلة ثم ترمى في قمامة التاريخ.

وفي الغالب قد تكون الأحزاب، وخاصة في البلدان النامية أو المتخلفة عبارة عن واسطة مهينة مهدئة أو منشفة عليها تحمل أوزار الاستوزار وإخفاقاته وبها يزال القذى من أعين الساسة الكبار وتعثراتهم.ولا أريد أن أوسع المعنى أكثر لأنني لست بالسياسي ولا بممارس السياسة ولكن لنا رأي بحسب ما نراه ونسمعه من أهل الفن وذوي الكياسة...

أولا: الاستقطاب السياسي بالضرب على أوتار  الانفعال والتغرير

فكثيرا ما يعتمد ويراهن السياسيون على طلبة الجامعات ومن دونهم لتمرير خطاباتهم ومذهبياتهم الحزبية، وذلك لما يقرأونه بلغة ماكرة ومخادعة في تكوين الشباب الجامعي وسلوكياته الاندفاعية والثورية من مناسبة لهذا التمرير، وأركز على مصطلح الثورية وزئبقيته، والذي قد يعتبره الكثير إيجابيا بينما نراه من منظورنا في هذا المقام سلبيا، بحسب اشتقاقه اللغوي ونسبته إلى الثور كحيوان مندفع، وهذا يعني الغباء والتحمس للوقوع فريسة الصراع المفتعل، بترك العدو الحقيقي المتربص به والجري وراء السراب والألوان المثيرة للمشاعر والنزوات، تماما كما يفعل مع الثيران في حلبة الصراع وتصفيق المتفرجين، إذ الثور يتلهى بالرقعة الحمراء ويغفل عن المصارع والسيف الذي يخفيه له في طياتها حتى ينهكه ولا يكاد يتفطن لخدعته ومن ثم يجهز عليه بكل برودة دم وسهولة!‍‍‍

وهذا المطب الذي يقع فيه الطلبة والجمهور المنجر معهم وما يزالون كله ناتج عن ضعف التأطير العلمي واختلاله، وبالتالي ضيق أفقه وتبعيته الغوغائية لما يستورد من الخارج من غير تمييز أو تحليل.

ومن خلال هذه الاندفاعات والمزايدات قد يتفرغ الكثير من الطلبة إلى ممارسة اللعبة السياسية على حساب التحصيل العلمي، فيجتازون عبر الجامعات والمعاهد، لا يهمهم عند التحصيل سوى البروز بمظهر الحركي والنشيط وما إلى ذلك مما هو متعارف عليه، حتى أنك لتجد الطالب في خطاباته سياسيا أكثر من زعماء السياسة وحركيا أكثر من قادات الحركات، بينما قد لا يحصل من دروسه سوى حروفها الأبجدية الأولية والمتناثرة، فتمر عليه السنوات وهو قد حصل الفراغ والجراءة والحماس الثوري والمكر والدهاء، سواء في صفوف زملائه الطلبة أو مع الأساتذة أنفسهم، فهو يغرر بالطلبة حتى يوقفهم عن التحصيل ويغرر بالأساتذة حتى يجتاز الامتحانات بمجانية وتسهيل!

وبعد العبور يبقى الهاجس السياسي أو المتسيس لديه هو الشغل الشاغل لأن طريقه أسهل والربح فيه أوفر على شكل مقامرة ومسامرة، ومن ثم فلن يكون عالما أو متعلما وإنما سيسعى إلى تأسيس حزب أو جمعية أو هيئة وحركة يمكن أن يؤكد بها حضوره في الساحة العامة، حتى يصل إلى المنصب الذي يتوخاه.

وهذا هو حال غالبية متسيسينا ومتحزبينا سواء في داخل المغرب أو خارجه وهو ما يفسر أيضا كثرة الأحزاب المتناسلة بشكل سرطاني وبغير حياء ولا ولادة شرعية، بحيث يكاد يصبح في بعض البلدان العربية عدد الأحزاب بحسب عدد السكان كمبالغة‍! أي أن كل فرد له حزبه الخاص الذي هو نفسه! وهذه مهزلة وأضحوكة على الأذقان يجد الغربيون الذين خططوا لها من وراء الكواليس فيما يصطلحون عليه بدول وشعوب العالم الثالث فرجتهم وملهاتهم فيها، بل وسيلتهم للتدخل المباشر والسافر ضد الحاكم الرسمي للبلاد وضد الشعوب الأبية والمحافظة على أصالتها، وذلك حينما تشتكي أحد هذه الأحزاب من المضايقة أو منع بعض أنشطتها المشبوهة والمضرة بالمصلحة العامة من طرف بعض رجال السلطة حينما يستيقظ ضميرهم بوجه ما‍!

ولقد كان الأولى أن تحصر الأحزاب نظريا وقانونيا إن كانت موضوعية ومتحدة العقيدة والهدف في ثلاثة فرق لا غير، حتى يحدث التوازن وتكون الجدية والصدق في تحقيق مصلحة الأمة.

الحزب الأول يكون في الحكومة والثاني في المعارضة والثالث في الوسط الذي يراقب الجانبين بحسب الالتزام وعدمه، فمرة يناصر الحكومة ومرة يناصر المعارضة ومرة يكون في الحكومة ومرة يكون في المعارضة وهكذا... بحسب تحقيق المصلحة ومتطلباتها.

ومن هنا فيمكن الحكم على هذه الأحزاب السياسية بأنها علمية ،أي مؤطرة تأطيرا سياسيا واعيا وملتزما للتخصصات سواء داخل الحكومات التي يتولون إدارتها أو داخل الهياكل الحزبية التي يتأسسون فيها، فإذا رشح حزب شخصا للقيام بمهمة فإنه لا يرشحه اعتباطا، بسبب جرأته أو حماسته في النقد والكلام أمام الجماهير، وإنما يرشحه لكفاءته العلمية والسياسية، ولتخصصه المهني، وبالتالي وهو الأولى في التقديم لحسن سيرته وأخلاقه وفطانته والتزامه الديني، وإلا فقد تكون الكوارث غير الطبيعية! والانتكاسات الوطنية والحزبية وبالتالي الاجتماعية والاقتصادية...

وهذا الذي يبدو على السير الحكومي لعدة دول عربية وإسلامية تتشابه ولا تحتاج إلى إيضاح وتفصيل، وذلك لأنها لا تعتمد في البداية والتأسيس العقلي على علم العلماء وعقلنة وخلقنة السياسة وإنما أتوا البيوت من ظهورها ولم يأتوها من أبوابها، فوقعوا في الصدام المدني والاقتصادي وتسوروا البيوت بغير استئذان!ولكم في قاعات البرلمانات وما يحدث ببهوها لعبرة وخيبة نبرة !!!

فلا هم علماء بعيدون عن السياسة وإجراءاتها العلمية والمحكمة ولا هم سياسيون ماهرون ودقيقون في فهم الواقع ومتطلباته، وإنما هم غوغاء متسيسون يغامرون ويقامرون مع أنهم يبقون في حدود المحسوس المدسوس دون الانتقال إلى المعقول والصوغ النظري لضبط الإجراء السياسي، إذ السياسة كما يعرف طريقتها ابن خلدون: "يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها، فإنها خفية، ولعل أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها، ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر كما اشتبها في أمر واحد، فلعلهما اختلفا في أمور فتكون العلماء لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض إذا نظروا في السياسة أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم"[1]

ومن هنا فابن خلدون لا يشترط في السياسي أن يكون منطقيا أو نظريا أو حتى عالما فقيها مبرزا، وإنما يرى ضرورة أن تتوفر فيه أخلاق السياسة ونفسيتها التي بالضرورة تستدعي العلماء والمنظرين، وتضع كل واحد في مكانه المناسب حتى يستقيم المجتمع ويستقر حاله، بحيث يرى أن "العامي السليم الطبع المتوسط الكيس لقصور فكره عن ذلك وعدم اعتياده إياه يقتصر لكل مادة على حكمها وفي كل صنف من الأحوال والأشخاص على ما اختص به، ولا يعدي الحكم بقياس ولا تعميم ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة ولا يجاوزها في ذهنه كالسابح لا يفارق البر عند الموج، قال الشاعر:

فلا توغلـن إذا مـا سبحـت              فإن السـلامـة في السـاحــل

فيكون مأمونا من النظر في سياسته مستقيم النظر في معاملة أبناء جنسه في حسن معاشه وتندفع آفاقه ومضاره باستقامة نظره..."[2]

ثانيا: أحكام السياسة والتوظيف السليم للمقتضيات

فالسياسة مجالها العام  هو المحسوسات وبحسن توظيفها تدخل في المعقولات أي أنها تصير عملا فكريا مرموقا، أما في حالة عدم توظيفها السليم لخبث الطبائع وانحلال الأخلاق وغياب الكيس المتوسط والفطنة اللائقة فإنها تبقى في حكم التخييلي المرهون بالمحسوسات الجزئية، أي أنها سياسة غير ذات أبعاد حضارية ولا وطنية ولا تاريخية، وإنما هي إجراءات عفوية تخطط للمشاريع من مستوى الأرائكية وتنحو نحو اللائكية العبثية والانتهازية وبالتالي توقع في البطالة الفكرية، ومن نتائجها استمرار التبعية الاقتصادية والصناعية والعسكرية والفلاحية وحتى اللغوية والثقافية، إضافة إلى استيلاب الهوية والمرتكزات العقدية والسلوكية.

ومن هنا كان لا بد من اعتبار التخصص في الاختيار السياسي للوزراء ورجال الدولة، وليس اختيار وزراء الأمير –حسب رأي ميكيافللي- "بالمسألة القليلة الأهمية فهم إما أن يكونوا لائقين، أولا يتفقون مع فطانة الأمير وحسن تبصره بالأمور، والانطباع الأول الذي يتولد لدى الإنسان عن الأمير وعن تفكيره، يكون في رؤية أولئك الذين يحيطون به، فعندما يكونون من الأكفاء والمخلصين، يتأكد الإنسان من حكمة الأمير، لأنه استطاع تمييز هذه الكفاءة والاحتفاظ بهذا الإخلاص، أما إذا كانوا على النقيض من ذلك، ففي وسع الإنسان دائما أن يأخذ فكرة سيئة عن الأمير نفسه، إذ أن الخطيئة الأولى التي يقترفها تكون في إساءة اختياره"[3].

ويضيف في تحديد الاختيار وأخلاقياته بأن "هناك طريقة تمكن الأمير من معرفة وزيره واختياره وهي طريقة لا تخطئ أبدا، فعندما يفكر الوزير بنفسه أكثر من تفكيره بك، وعندما يستهدف في جميع أعماله مصالحه الخاصة ومنافعه، فإن مثل هذا الرجل لا يصلح لأن يكون وزيرا نافعا، ولن يكون في وسعك الاعتماد عليه، إذ أن من تعهد إليه مهام دولة الآخرين يجب أن لا يفكر قط بنفسه وإنما بالأمير..."[4]، وحيث أن الأمير يمثل رمز وحدة البلاد واستقراره فإن التفكير سيكون في الحقيقة في مصلحة الشعب والأمة والسهر على تحقيق رقيها وازدهارها وتحقيق العدل والإنصاف في أحكامها، ومن ثم فعلى السياسي السليم الطبع كما عرفه ابن خلدون أن ينكر ذاته ويفنى في مصلحة أمته خدمة ونصيحة.

ولكن حينما يحدث التسيب في المجال السياسي سواء على مستوى رأس الهرم السلطوي أو في الوسط أو حتى القاعدة فإن البطالة الفكرية قد تعم الجماهير وخاصة في الحكم على الأحداث والوقائع ذات الطابع السياسي، فتجد بعض الغوغاء يفسرون أخبارا ويحللون وقائع بل يتجادلون حولها ويتشبث كل واحد برأيه على شكل عصبية وحماس وجزم في المسألة كأنهم حاضرون في بؤرة المشكلة أو أنهم ضمن الذين خدموا مسرحيتها (أو سيناريوهاتها كما يصطلح عليه)، فهذا يؤيد الحزب الفلاني أو الدولة الفلانية أو الرئيس والحاكم الفلاني، ويسب بالمقابل الآخر ويلعنه أو يكفره ويخونه، وعلى الجملة يصدرون الأحكام الجاهزة من خلال الإذاعات والتفلزات والتجمعات في المقاهي والنوادي ومراكز الأنترنيت حيث السمسرة والمقامرة، ناسين أن "الحرب خدعة" وأن من أخطر الحروب فتكا بالجماهير والدول في زماننا هي الحرب الإعلامية "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وأولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا..."[5][6][7][8]

وعندما لا يردونه إلى أهل الاختصاص تقع جماهير كثيرة في فخاخ الأجهزة الإعلامية، وبالتالي قد تجد من يحرض ضدا على مصلحة وطنه وحاكمه بواسطة إشاعة من الخارج أو الداخل لا حقيقة لها في الواقع، فيكون ذلك سببا لفتن ومحن يسقط فيها الكثير تغريرا كمن يسعى إلى حتفه بظلفه!.. وقد يؤدي الأمر إلى القيام بمظاهرات واندفاعات هستيرية ربما قد يذكيها بعض الزعماء المتسيسين على نفس النمط والأسلوب الذي يوظف في الجامعات والتي تظهر بأسلوب الثورية السلبية في باعثها والغاية منها، بحيث أصبحت المظاهرات صورة للتعبير عن غباء الجماهير وسوقها كالقطيع إلى يد المساومين والمتسوقين، لأنه من خلالها ترصد الانتخابات المقبلة ويستطلع الرأي حول نتائجها وفيها يجد كل انتهازي ضالته في تحقيق مأربه، بينما يبقى الحال السياسي سواء كان وطنيا أو دوليا على هيئته، لأن فترة الضغط الجماهيري المدني بالخروج إلى الشوارع قد ولت فعاليتها وأصبحت عبارة عن رماد يدر في العيون وصخب يزعج الآذان لا غير!.فهل من تطور وتحول نحو الجادة والتجديد لتصحيح مسار الأحزاب وأدوارها المنوطة بها أم أن الأمر أبدي يدور ثم يعود إلى المكان الذي دار منه؟ !!!

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.............................

[1]  ابن خلدون: المقدمة ص 542.

[2]  ابن خلدون: المقدمة ص 543.

[3]  ميكيافللي: الأمير، منشورات دار الآفاق الجديدة ط 23 ص 180.

[4]  ميكيافللي: الأمير، منشورات دار الآفاق الجديدة ط 23 ص 181.

[5] سورة النساء، آية 82

 

 

كريم المظفرحادث مقتل المهاجر العراقي على الحدود بين بيلاروسيا و ليتوانيا، وتبادل الاتهامات بين البلدين في أسباب مقتله، حركت المساعي الدبلوماسية في كل من مينسك وبغداد وفيلنيوس، بعد أن ساء الوضع على الحدود الليتوانية البيلاروسية في الأيام الأخيرة، بعد قيام ليتوانيا بطرد مهاجرين قسريًا إلى الأراضي المجاورة، بحسب حرس الحدود البيلاروسية، وإصابة العديد منهم معظمهم من المواطنين العراقيين، حيث تسعى العواصم الثلاث الى اقناع العراقيين المرابطين على الحدود الليتوانية بالعودة الى العراق، في وقت أغرت وزارة الشؤون الداخلية الليتوانية، المهاجرين العراقيين من خلال تقديم مبلغ مالي لكل مهاجر غير شرعي يعود إلى وطنه.

راديو "LRT" الليتواني نقل تصريحات مديرة دائرة الهجرة التابعة لوزارة الشؤون الداخلية للجمهورية، إيفيلينا غودزينسكايتي، قولها إمكانية السلطات الليتوانية دفع مبلغ 300 يورو للمهاجرين غير الشرعيين إذا عادوا إلى وطنهم، مضيفة انه سيتم دفع المبلغ في المطار قبل الصعود على متن الرحلة والاستلام سيكون دفعة مرة واحدة فقط، مشيرة إلى أنه في حال قيام أحدهم بالقدوم إلى ليتوانيا مرة أخرة لن يكون بمقدوره التقدم بالحصول على الإعانة.

ليتوانيا، التي دخلت على خط المواجهة مع بيلاروسيا، بحجة النضال من أجل الديمقراطية، وتريد جلب zmagars (تشير هذه الكلمة إلى المعارضين البيلاروسيين الذين لا يمكن التوفيق بينهم والذين يعارضون نظام ألكسندر لوكاشينكا) إلى السلطة في بيلاروسيا – حيث يحاول الليبراليون والقوميون تدمير دولة الاتحاد بين روسيا وبيلاروسيا من خلال التحريض على الخوف من موسكو، وباتت فيلنيوس أيضا مأوى عناصر المعارضة البيلاروسية وعلى رأسهم المرشحة الرئاسية السابقة سفيتلانا تيخانوفسكايا، ونقطة الانطلاق لنشاطات المعادية لمينسك، والدبلوماسية المحرضة ضد حكم الرئيس ألكسندر لوكاشينكو.

وتتهم السلطات الليتوانية، بيلاروسيا بتسهيل عبور آلاف المهاجرين غير الشرعيين إلى بلادها، حيث تم اعتقال حوالي 1672 مهاجرا من جنسيات عربية وآسيوية، وبينهم مهاجرون من العراق وسوريا، وأعلنت ليتوانيا مؤخرًا عن ارتفاع عدد المهاجرين غير الشرعيين المحتجزين على الحدود مع بيلاروسيا، وفي هذا الصدد، أعلنت سلطات البلاد حالة الأزمة في 2 يوليو، حيث تشير أحدث البيانات إلى أنه تم احتجاز أكثر من 4 آلاف مهاجر غير شرعي في ليتوانيا على الحدود مع بيلاروسيا منذ بداية العام.

دعوة رئيسا وزراء ليتوانيا وبولندا إنغريدا زيمونيتي وماتيوس مورافيتسكي ، الاتحاد الأوروبي إلى تشديد الإجراءات ضد بيلاروسيا فيما يتعلق بأزمة الهجرة في المنطقة، إيلاء المزيد من الاهتمام لحماية حدوده الخارجية، وأشاروا إلى أن ضمان حماية حدود منطقة "الشنغن "هي مسؤولية ليس فقط الدول الأعضاء الفردية، ولكن أيضًا المسؤولية المشتركة للاتحاد الأوروبي، وقال البيان المشترك لهما «يجب إيلاء هذه القضية الاهتمام السياسي المناسب والتمويل الكافي على مستوى الاتحاد الأوروبي"، وهذه الدعوات لم تخلوا من تحميل مينسك مسؤولية استفزازها، مشددين في الوقت نفسه على ان ليتوانيا وبولندا تلتزمان بشدة بالموقف بشأن الحاجة إلى رد صارم وحاسم على تصرفات النظام البيلاروسي وكل من يشارك في تنظيم نقل المهاجرين غير الشرعيين.

كما تتهم ليتوانيا على لسان نائب وزير خارجيتها مانتاس أدوميناس السلطات البيلاروسية بكل شيء، والذي يرى ان هذه ليست هجرة عادية، بل هي محاولة من " النظام " البيلاروسي لإعادة هؤلاء الأشخاص إلى ليتوانيا من أجل زيادة الضغط على فيلنيوس، وبالتالي أصبح المزيد والمزيد من الأشخاص الذين يسعون للهجرة أدوات في أيدي النظام " الإجرامي" ... وليتوانيا، التي لديها أطول حدود الاتحاد الأوروبي مع كانت بيلاروسيا هدفاً واضحاً، لذا فهذه محاولة سياسية للضغط على الحكومة وإجبار الاتحاد الأوروبي على التخلي عن العقوبات التي أضرت بنظام (الرئيس) لوكاشينكو، والمهاجرون الفقراء عالقون في مرمى النيران.

الظروف التي يعيشها المهاجرون العراقيون وكما أوردتها وكالة الأنباء الكردية رووداو، بأن الأكراد متورطون في الصراع بين بيلاروسيا وليتوانيا، ونقلت عن احد المهاجرين الاكراد كارفان فايزولا من معسكر بابراد الليتواني قوله عن الوضع وتعامل الشرطة والقوات الخاصة المهاجرين معاملة سيئة للغاية، حيث صُدم الناس بهذه الإجراءات التعسفية، وتعرض منهم للضرب بالأحذية، ويشرب المهاجرون ماء التواليت، واصفا الوضع بالمريع، حيث يوجد حوالي 700 مهاجر من بينهم من 400 إلى 500 من الاكراد وهناك أناس عائلاتهم في السجن وأطفالهم غائبون (في المخيم)، وهناك أشخاص في السجن يعانون من مرض السرطان أو مشاكل في القلب، وهناك سيدة تبلغ من العمر 80-90، وهي في السجن، أين الضمير وحقوق الإنسان هنا؟، مشيرا الى انه بالإضافة إلى الأكراد، كان من بين المهاجرين عراقيون وسوريون وأفغان وأفارقه احتجزوا في المخيم قرابة شهرين بعد ترحيلهم من ألمانيا.

العراق من جانبه وكما أعلنت وزارة الخارجية العراقية، أرسلت وفدا دبلوماسيا إلى منطقة الحدود بين بيلاروس وليتوانيا للوقوف على تفاصيل مقتل مواطن عراقي والتدقيق بموضوع احتجاز خمسة عراقيين آخرين، وقال الناطق باسم الوزارة أحمد الصحاف، "أجرينا اتصالات مكثفة مع وزراء خارجية عدد من دول أوروبا وتلقينا اتصالات أيضا بهذا الشأن"، لافتا إلى أن الإشكالية تكمن بموضوع اللجوء غير الشرعي والذي بات يشكل قلقا كبيرا للدول وسلاحا موجها للبعض في النسق الجيوسياسي.

خلية العمل التي تشكلت داخل السفارة العراقية في موسكو لتتابع وبدقة تطورات الموقف وبتنسيق مع مركز الوزارة ببغداد، ومنحها صلاحية صرف جوازات عبور لأي عراقي فقد جواز سفره ويريد العودة لا سيما من بيلاروسيا، وأوفدت السفارة كادرا دبلوماسيا إلى بيلاروس ووصل بالفعل إلى الحدود البيلاروسية- الليتوانية بتنسيق كامل مع السلطات للوقوف على تفاصيل مقتل مواطن عراقي من مواليد 1981 من عائلة الحارس من محافظة النجف الأشرف، بالإضافة للتدقيق بقضايا خمسة عراقيين محتجزين منذ يومين في نفس الشريط الحدودي بين البلدين.

إيقاف جميع الرحلات الجوية المتوجهة إلى مينسك وعبر جميع وسائل النقل ومنها الخطوط الجوية العراقية وفلاي بغداد وإلى إشعار آخر، مع الإبقاء على الخطوط بشكلها الفاعل لإعادة المسافرين العراقيين، الطوعية لأي مهاجر، والتحذير في الوقت نفسه من وقوع المواطنين العراقيين من الوقوع في شراك شبكات الاتجار بالبشر والتهريب غير الشرعي، وفي ذلك إجراءات صارمة وقاسية من الدول لحماية أمنها وحدودها.

بدأ الخطوط الجوية العراقية بتنظيم رحلات إجلاء للمواطنين العراقيين العالقين في بيلاروسيا، وكما جاء في تغريدة السفير العراقي في روسيا عبد الرحمن الحسني، عبر حسابه الشخصي على تويتر، اعتبارا من يوم الثلاثاء العاشر من أغسطس الجاري، وان وفد قنصلي تابع للسفارة في مكتب الخطوط الجوية العراقية وفي المطار لتقديم كافة التسهيلات الممكنة للمواطنين الكرام، تأتي استكمالا لرحلة الاجلاء التي بدأت من يوم الجمعة الماضية بعد إرسال طائرة جامبو من الخطوط العراقية تتسع لـ 400 شخص، لكنها عادت حاملة 130 شخصا لعدم وجود عدد أكبر من المسافرين العراقيين ممن يرغبون في العودة.

اعتراف وزارة الخارجية العراقية في وجود شبكات الاتجار بالبشر والتهريب الغير شرعي للمواطنين، يجعلها امام مسئولية مباشرة مع الوزارات العراقية ذات الصلة لوقف هذه العصابات والتي هي باتت معروفة ويديرها أناس مشخصين حتى بالأسماء لديهم، وتقديمهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل، خصوا وأن أزمة بيلاروسيا كشفت مستور هذه العصابات ومن يقفر وراءها.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

بكر السباتينقيس سعيد وحَمْلَة تقليم الأظافر المتسخة..


هل تعيد تونس قصة نجاح رواندا في التنمية!

تونس تستيقظ من جديد في ظل صراع بين الرؤية الإصلاحية التي يحاول الرئيس التونسي قيس سعيد تطبيقها لإنقاذ تونس، وأخرى تضع العصي في دواليب خطة التنمية التي بدأت أولى مراحلها بجملة من الإصلاحات الإدارية التي طالت السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية تحت شعار اجتثاث الفساد وبناء قاعدة صالحة لرفع تونس إلى مستوى النهوض وبناء المستقبل وتجارب الدول التي نجحت بذلك مثل رواندا الدولة الإفريقية التي تحولت من المجاعة إلى سابع دولة على مستوى العالم في النمو الإقتصادي ما  يوحي بأن خطوات الرئيس التونسي سديدة فهل يتوافق الشعب التونسي على رؤية قيس سعيد الإصلاحية فيؤازرها وإن اختلفت بعض الأحزاب والتكتلات ومنظمات المجتمع المدني معها.. وخاصة أنها إجراءات قانونية وليست دموية، وهذا يبشر بالخير.. رغم ما تتعرض له هذه الإصلاحات من حملات إعلامية مشككة بدستوريتها.. ومحاولة إدخال الأزمة التونسية في أتون الصراعات الإقليمية! بربطها بأجندات خارجية في إطار الاحتمالات غير المؤكدة.

الرئيس قيس سعيد من جهته بعث برسالة جديدة يقول فيها إن المناورات والأراجيف السخيفة لا تزيدنا إلا إصراراً وصموداً وثباتاً ولن نتراجع أبداً إلى الوراء.

وفي سياق الإجراءات الإصلاحية على الأرض، وتعزيزاً لموقف قيس سعيد القانوني في كل الإجراءات المنتظر تطبيقها، فقد عين القاضي العميد بالجيش منير عبد النبي مديراً للقضاء العسكري، ما يعني بأن الإصلاحات الإدارية في الوزارات والسلطة القضائية تواكب الإجراءات الإصلاحية لاجتثاث الفساد وإعادة تشحيم دواليب التنمية للانطلاق إلى مستقبل أكثر نزاهة.

وللتذكير فالزعيم الإصلاحي ورجل المراحل إذا لم يتمكن من اجتثاث الفساد فلن تبشر رؤيته بنهضة تحلم بها الشعوب، ولنا في مهاتير محمد وأردوغان قدوة حسنة في سياق إنقاذ دولهم اقتصادياً وإن اختلفنا معهم سياسياً في بعض الملفات الإقليمية.

إن المحاذير التي قد تنشأ من جراء قرارات الرئيس الأخيرة موجودة، ويرفضها كل حر وعاقل ولا يقبل أحد بأن تكون السلطة مختزلة في يد شخص بعينه فالسلطة هي مؤسساتية في الدول الديمقراطية التي تتباهى تونس بأنها من بينها؛ ولكن ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار  أيضاً؛ بأن القاعدة العامة تقول أن كل من أجرم واستباح المال العام يجب أن يحاكم محاكمة عادلة على نحو يتوافق مع هذا المسار التصحيحي، فرئيس الجمهورية قيس سعيد كما يرى مؤيدوه، يحتكم في قراراته الطارئة إلى مرجعيّتين:

 تتمثل الأولى بالدستور التونسي وفق الفصل 80 منه، والذي يتحدث عن قرارات أدت إلى إجراءات استثنائية أعلن عنها الرئيس بسبب خطر داهم تواجهه الدولة التونسية، في الوقت الذي سيعتبر الرئيس فيه، المفوض رسمياً في ظل غياب السلطة التنفيذية بالإمساك بزمام الأمور.

والمرجعية الثانية تقوم على الأمر 50 من قانون الطوارئ لعام  1978 والذي يعزز صلاحيات وزير الداخلية ويمنحه الأحقية في أن يوقف كل من يشتبه فيه باعتباره ارتكب جرماً  مالياً أو جزائياً بالحق العام.

 من هنا فإن الرئيس قيس سعيد أطلق اليد لأصحاب الاختصاص للتحقيق في كل ملفات الفساد المالي المعلقة منذ عشر سنوات.

 ويبدو أن حزب حركة النهضة الذي كان يتحكم بدواليب المشهد السياسي التونسي وتفاصيله صار عليه الآن أن يواجه أمرين بعد الزلزال الذي أحدثته قرارات الرئيس الاستثنائية:

 - الأول يتعلق بالتصدعات التي أصابت الحزب من الداخل وضرورة إجراء إصلاحات في بنية الحزب الداخلية، قبل أن ينفرط عُقْدْ الحركة فتُشرذمه الأزمات.. وخصوصاً أنه شهد مؤخراً استقالات جماعية تقدم بها عدد من أعضاء الحزب.

ناهيك عن مطالبة البعض منهم بضرورة اعتراف الحزب بأنه المتسبب في هذه الأزمة المتفاقمة التي تشهدها البلاد.

إضافة إلى تصاعد الأصوات الشبابية في الحزب والمطالبة باستقالة رئيسه راشد الغنوشي، ومن ثم تسليم القيادة للوجوه الجديدة التي تؤمن بالتغيير.

- والأمر الثاني، على حزب حركة النهضة أسوة بالآخرين أن يتقبل الإجراءات القضائية ذات العلاقة بملفات الفساد والتهيؤ لفتحها خدمة للعدالة التي ينشدها الجميع. وكانت النيابة العامة في تونس قد أعلنت اليوم منع مسؤولين بالحكومة السابقة من السفر، كما وضعت وزارة الداخلية القيادي البارز في حزب حركة النهضة والوزير السابق أنور معروف قيد الإقامة الجبرية.. من دون تعليل الأسباب"، حسب بيان للحركة.

واعتقلت السلطات نائبين في البرلمان، وفتحت تحقيقات ضد آخرين، بما في ذلك ما يتصل بمذكرات قديمة تم تطبيقها بعد أن رفع الرئيس الحصانة البرلمانية.. وقد استهدفت هذه الإجراءات القضائية من هم أيضاً خارج صفوف حزب حركة النهضة كحزب الشعب ومستقلين (على سبيل المثال).

وهذا متطلب لا يجب الاعتراض عليه من قبل قيادة الحزب الذي يتهمه الخصوم بتلقيه دعم خارجي في الانتخابات الأخيرة، وأنه وقع عقداً مع شركة علاقات عامة خارجية لتلميع صورته وأن هناك مطالبات بمتابعة الحركة قضائياً. وقد نفى حزب حركة النهضة هذه الاتهامات وأكد رئيسه راشد الغنوشي على أن الحركة تخضع لإجراءات القانون التونسي، وأن حساباتها وعقودها تتم مراقبتها من قبل محكمة المحاسبات.

 إن التعامل بإيجابية مع توجهات الرئيس في هذه الجزئية بالتحديد، سيجسر العلاقة بين حزب حركة النهضة ورئيس الجمهورية من باب الثقة والقدرة على التفاعل مع المتغيرات المفصلية بكفاءة واقتدار حال الأحزاب في الدول الكبرى التي يناط بها تحمل أعباء السلطات التنفيذية، وتكون شريك فاعل في التنمية وإن كانت في صفوف المعارضة.

الثقة مطلوبة في هذه المرحلة، ولا شك أن قادة حركة النهضة يدركون مغزى رسالة الرئيس، التي وجهها للشعب التونسي بكل مكوناته، وتحدث فيها عن التضليل الإعلامي الذي يسود مواقع التواصل الاجتماعي ويسعى أصحابها للتشكيك بإجراءات الرئيس على الأرض والتي وصفها قيس سعيد بالمناورات والأراجيف السخيفة.. مع أن هذا لا يمنع أصحاب الأقلام الشريفة والمنظمات المدنية والحقوقية والأحزاب من نقد تلك الإجراءات بموضوعية كما يحدث الآن على أن يظهروا تعاونهم مع الرئيس لإنقاذ تونس في هذا الوقت العصيب، في ظل "الانقلاب التصحيحي" الذي يصفه ائتلاف المعارضة وعلى لسان الغنوشي نفسه بالانقلاب على الدستور؛ ما دام الرئيس وعد بالعودة إلى الديمقراطية حالما تستتب الأمور للانطلاق إلى مرحلة تفعيل عجلة التنمية الشاملة ووضعها في المسار الصحيح.

لا بد من كل الأطياف أن تدرك بما فيهم الرئيس قيس سعيد بأن الديمقراطية متطلب مستقبلي لا يجب التنازل عنه وهو أهم شروط التنمية بعد أن تقام على سياقها الصحيح، بعيداً عن الفساد الذي يشبه سمك القرش في الدولة العميقة، بالتزامن مع فتح الأبواب الموصدة أمام الحلول الاقتصادية المقترحة بالتعاون مع الدول المعنية بالشأن التونسي والتي أبرمت اتفاقيات مع تونس مثل فرنسا -خلافاً لرغبة الأغلبية البرلمانية المتمثلة بحركة النهضة وقلب تونس - في إطار الفرنكفونية كونها استعدت لتقديم المساعدات الاقتصادية اللازمة وإدخال الرساميل الفرنسية للاستثمار في تونس مع ما تبذله من جهود لدى صندوق النقد الدولي لجدولة ديون تونس وإقراضها من جديد بعد أن تنجح الأخيرة في إجراءاتها الإصلاحية التي بدأ الرئيس قيس سعيد بتطبيقها بحزم. ولا بأس بعد ذلك من إخضاع تلك المكاتب للرقابة غير المباشرة خلافاً لما اتفق عليه لطمأنة المعارضة في سياق ديمقراطي.

ولعل من الأراجيف التي أزعجت الرئيس قيس سعيد وتشدق بها الغنوشي، وانتشرت في الفضاء الرقمي كالنار في الهشيم هو اتهام الإمارات بتخريب المشهد التونسي وتصويره على أنه صراع بين حزب حركة النهضة "الأخوانية" من جهة والليبراليين ومعهم الرئيس من جهة أخرى. وأنها تضغط على تونس لقبولها التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي! وخاصة أن أبو ظبي تتهم حركة النهضة "الأخوانية" بالإرهاب.

وبغض النظر عن صحة ذلك وخاصة أن أبو ظبي أنكرته رغم أنه ليس مستغرباً منها لو صح الأمر؛ إلا أن تونس لم ترضخ لذلك في عهد الرئيس الأمريكي ترامب فما بالكم وجو بايدن غير مكترث من أصله بمثل هذا الشرط المحسوب على الإرث الترامبي الذي يحاول حرق كل أوراقه! فقيس سعيد أكد في خطاب تنصيبه عام 2019 بأن القضية الفلسطينية خط أحمر ووعد بأن كل تونسي يتصل مع إسرائيلي سيحاسب بشدة.. إذن لا خوف من نوايا الرئيس التونسي سعيد.. والمطلوب من كل التونسيين الالتفاف حول رئيسهم على أن يضمن لهم عودة الديمقراطية لإنجاح رؤيته الشاملة حتى تستعيد تونس ألقها الأخضر الذي تغنى به فطاحل الشعراء.

 

بقلم بكر السباتين

7 يوليو 2021

 

جميل حسين الساعدييمرّ المجتمع العراقي بأخطر مرحلة، عرفها في تأريخه الطويل، تتّسم بتصدّع كبير في منظومة القيم الأخلاقية والإجتماعية، التي هي أساس تماسكه وترابطه ومصدر قوّته. نحن أمام ظاهرة مروّعة من التفكك الأسري والمجتمعي، لم يشهدْ لها العراق مثيلا من قبل. كانت هذه الظاهرة في طور النشوء إبّان فترة الحصار، الذي فُرِضَ على العراق تحت حكم النظام السابق، ثمّ أخذت  تكبر وتستفحل بعد الغزو الأمريكي للعراق، والذي تسببَ في دمار بنيته التحتية والإتيان بطبقة سياسية أنهكت البلاد اقتصاديا عن طريق نهب ثروات البلاد واقتسامها فيما بينها، بأساليب لا يمكن أن يتصورها العقل حتى أنّ النهب أصبح ظاهرة عامة ومشرعنة، فالذي لا يسرق يغرّد خارج السرب وهكذا أصبح نهب ثروات البلاد والإستئثار بالإمتيازات شطارة وحذاقة بنظر الأحزاب، في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من نصف المجتمع تحت خطّ الفقر، فلو قارنا الوضع الإقتصادي للعراق الحالي بعراق السبعينات من القرن المنصرم، نجد أنّ العراق بالرغم من جرائم النظام السابق ومقابره الجماعية وسياسة القمع التي اتبعها والتي لا تميز بين المذنب والبرئ،، شهد ازدهارا اقتصاديا، لكنّ ذلك الإزدهار لم يدم طويلا بسبب طيش النظام الذي أدّى إلى فرض عقوبات إقتصادية دولية على البلاد. والتي ألحقت الضرر بالشعب العراقي،. فأضافت الى معاناته من النظام الدكتاتوري المستبد معاناة جديدة، تمثّلت في نقص الغذاء والدواء، أمّا النظام  فإنه لم يتضرر وخرج منها سليما.

في عراق ما بعد الغزوالأمريكي لم  يختصر النهب على الأحزاب الحاكمة، بل انتقل من قمّة الهرم إلى وسطه، ليصل أخيرا إلى قاعدته لتمارسه شرائح كبيرة من المجتمع كأمر مسلّم به . لا شكّ أنّ سقوط الطبقة السياسية أخلاقيا، وتنصّلها عن واجباتها في توفير الخدمات الأساسية للمواطن، وهي التي وضعتْ يدها على ثروات طائلة، كفيلة بأن تجعل من العراق فردوسا، ينعم أبناؤه بالرفاهية والغنى، خلّف صدوعا كبيرة في كيان المجتمع وكذلك في كيان الأسرة العراقية، المعروفة بأواصرها القويّة المتينة، فانهارت بذلك القيم الأخلاقية، ولمْ يعُدْ الوازع الديني رادعا ولا الأعراف الإجتماعية نافعة، في مجتمعٍ تحكمه طبقةٌ سياسيّة فاسدة، مؤلفة من أحزاب دينية تمثل ألأغلبية، وأخرى غير دينية تلوّح بشعارات قومية ووطنية، فلا الأحزاب الدينية ردعها الدين عن السرقة والنهب والفساد، ولا الأحزاب الأخرى بمسميّاتها العلمانية والقومية واليسارية ألزمتها المسؤولية الأخلاقية والوطنية بالإبتعاد وعدم الإنضواء تحت خيمة السراق والفاسدين.

من المعروف والمؤكّد أنّ الفساد الإقتصادي مرتبط بالفساد الأخلاقي . الفساد والأخلاق ضدان لا يجتمعان. ما حلّ في المجتمع العراقي من فساد أخلاقي سببه فساد الطبقة الحاكمة .  فكل ما شهده العراق من خراب في البنى الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والثقافية كان يشير إلى أنّ هناك مخططا هدفه تدمير شخصيّة الإنسان العراقي. فقد أغرقت البلاد بالمخدرات وظهرت عصابات متخصصة بالإتجار بالرقيق الأبيض، تقوم باستدراج النساء إلى أغراض غير شريفة بحجة توفير عمل لهن، وأخرى تتاجر بالأعضاء البشرية وانتشرت ظاهرة خطف الأطفال مقابل الحصول على فدية مالية، هذا الوضع المأساوي المدمر لن ينتهي إلّا بالعودة إلى القيم الأخلاقية  ومحاسبة الفاسدين وفرض هيبة القانون والدولة

وكما قال الشاعر:

وإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

جميل حسين الساعدي

 

عبد الجبار العبيديهل سيحاسب رؤوساء واعضاء مجالس النواب اللا منتخبين أنفسهم كم ساهموا بتدمير الوطن..؟ وكم سرقوا من الوطن؟ وكيف سيكتب التاريخ عن اسمائهم في الوطن..؟ هم يعلمون.. "لكن الغيرسزية" لا تهمهم أنفسهم ولا الوطن.. بعد ان سقطت نقطة الحياء من جبينهم على الوطن..

ان الذين استلموا سلطة العراق بعد التغيير الأمريكي عام 2003.. قد خانوا القيم والمبادىء فكان عليهم ان لا يخونوا قيم الرجولة.. فحين أضاعوا المبادىء وغابت عنهم قيم الرجولة اصبحوا في أسوء ما يمر به المرأ في حياته حين وصفهم الشعب" باسم الدين باكونا الحرامية".. فكانوا نموذجا غريباً في تاريخ قادة الامم من اصحاب المبادىء والرجولة "جياب قائد فيتنام مثالاً".. لم نقرأ ان قادة استلمواحكم وطنهم من الاعداء بشروط كما وصفوه، لكنهم باعوه لاعداءٍ اخرين دون شروط.. حالة نادرة لم يسجلها لنا التاريخ ولم نقرئها في صفحاته .حتى أصبحوا وصمة عار في جبين التاريخ..

وصفهم الشعب بالحرامية.. وبأنعدام الضمير، وبفقدان عقيدة الوطن والدين، و بالتخلي عن الشرف العام.. أو بتسميات.. غاب عنها اليقين.. حين احتكروا السلطة والمال والحقوق لهم وللأخرين من اصحابهم دون المواطنين.. حتى اصبح المواطن يستعطف الأخرين وبلده كله ثروة زاخرة في خدمة الغرباء والخونة والمحتالين.. خلافا لوصايا الدين والعرف الاجتماعي في محاسبة الضمير.. اما يكفيهم 18 عاما من الخيانة والتدمير وهم لا زالوا يدعون بالديمقراطية والحرية وحقوق الأخرين، لكنهم لم يتعلموا كل هذا الزمن الا فلسفة الكذب والتمويه، حتى اصبحت وجوههم يتقزز منها كل الناظرين.. فمنهم من هرب ومنهم من مات ومنهم من أختفى في خضرائهم الكريهة متسترا ان يراه المواطن الشريف.. نعم ان القائد المغلف بالوطنية الزائفة هو الاسرع في الخيانة.. لأنه الأقدرعلى تبريرها دون عيب من ضمير.. فاذا كنت لا تستحي فأفعل ما تشاء..ايها الزنيم .

نحن اليوم، نكتب ونحن في سفينة الألم.. ولا زال المجرم الخائن والبائع لوطننا يرهبنا، ولازال صاحب الدولة الملائكية (من كذابين الزفة) من اصحاب عمارات لندن وباريس يتاجرون بالوطنية والدين.. ولا زالت احزابهم الموبوءة (الدعوة والاسلامي والشيوعي والأذناب المصفقين) يهددون ويتوعدون من يخالفهم من مواقعهم في خضراء المياه الملوثة..لا تخافوهم.. فالشرفاء لايخافون من الجبناء أولاد (..) الذين لا وطن لهم ولا أم ترعاهم.. مجرد دمى يحركها الحاقد على الوطن الغريب.. حاربوهم.. امنعوهم من العودة والاستمرار.فأينما وجد الظلم فالحاكم المقصر هو المسئول عنه..

نقول لهم لا تحسبوا ان الصمت جبن أو ضعف من شعب مكلوم، فالأرض صامتة ولكن في جوفها بركان.. فأنتم يا من تدعون الوطنية والقيادة عليكم ان تتذكروا ماضي قادة الامم الذين خانوا العهد فكيف كان المصير.

ان المؤمن لا يسرق بلاده، ولا يعمل مع أعدائه بل يحاسب نفسه عن كل خطأ.. فالشهرة لا تعني ان لك قيمة.. أستقيموا على الطريقة ومن استقام أسقاه الله ماءً غدقاً (سورة الجن آية 16)، فالبيت المنقسم على نفسه مهدد بالزوال.. فيا من تدعون قادة العراق اليوم.. لا ثبات لكم، ولاعزم لكم، على الحق.. ولا صبر على السيف لكم، بل أنتم ألغازُ محيرة ملفوفة بالغموض.. فلا تغلفوا كل باطل بغلاف الدين.. فالدين نقي للأنقياء وليس للناكرين والخائنين..

دولة سقطت، ومؤسسات أنهارت، واموال تدفقت كالسيل الجارف من خزانة الحالكم الغبي القديم كانت مخبئة في حيطان قصوره بلا تفكيرو بلا حساب ولا رقيب والشعب يموت جوعا وبلا ضمير.فمنا من هرب، ومنا من أعتكف، والثالث مات دون مصير.. لكن الأنكى والأمر ان من رافق التغيير كانوا ألعن وأخون في قلوبهم على الوطن من كل من قصر بحق الوطن من السابقين حين ظهروا عكس ما كانوا يدعون..

المحتلون تفاجئوا بالذي حدث وبالمعارضة التي كانت تدعي الوطنية وسرقتها من المتعطشين للمال الحرام..أموال ما راؤا مثلها من قبل، لا عند الاولين ولاعند الاخرين، أنكبوا عليها نهبا وحرقاً دون قيد او رقيب.الجندي والقائد والحاكم الغريب، كلهم نسوا مهمة التغيير التي سموها تحرير، فسرقوا ونهبوا وقتلوا ما لم يكن في حسبان احدً من الوطنيين والمغيرين من نصيب.. حتى استمرؤا قتل العالم.. والطبيب.. والجامعي.. وكل من في رأسه شرف الوطنيين.. والسؤال المهم لماذا حبس الحاكم القديم حقوق الشعب دون سبب من مصير.. ؟ ألم يعلم ان هضم الحقوق فيها رفض لسيادة الحاكم بلا رقيب.. ولماذا تكررت عند القادم الجديد؟ ولو كانوا العكس اما كان لهم افضل بيقين.. كلها أسئلة بحاجة الى جواب وتحديد. توضع في منهج الدراسة ليتعلمها الطالب الجديد.

أنبهرقادة العراق الجياع الجدد بالذي حدث، فنسوا أرضهم وشعبهم ووطنهم ومستقبلهم، لابل قَسمهم وقرآنهم وصلاتهم وصيامهم واسلامهم وعليَهم وحسينهَم وعُمرَهم كما كانوا يدعون وما كانوا به يؤمنون، فراحوا مثل الغرباء المغيريين نهباً وسلباً وقتلا حتى قال محمود المشهداني رئيس مجلس النواب السابق.. نحن جئنا عصابة تفليش لا بناء ولا قانون، ولاعدل ولاحقوق.. كلها لنا دون الأخرين..ولم يعتقدوا انه غدا سيكون عليهم شاهداً بيقين.. هنا أختلط الحابل بالنابل فنسوا ان الامر يحتاج الى قضية متحركة، وقيم معينة، تلعب دور الدافع والمثير، قضية يجب ان تقنع الجميع، لتؤجج بين ابناء العراق الجريح احساساً مشتركاً، تستطيع ان تجرف اعدادا هائلة من البشر لتخلق امة جديدة لا يزيف مبادؤها من أمثال باسم كربلائي السارق اللعين.. لكن ثورة أبطال تشرين التي تأمر عليها عبد المهدي اللئيم ومن معه من الحاقدين وتكالبت عليها قوى الشر والمجاورين الحاقدين قد أيقضت ضمائرهم الميته حين أقترب المصير بعد ان رفع ثوار تشرين الابطال شعاراً جديداً اسمه..

" نريد وطن".

لذا واجهوهم باللكاتم والخطف والتشريد فمات الهاشمي وريهام وشهيد كربلاء وأمه المكلومة به.. لكن السؤال الذي لم يخطر على البال دوماً هو: هل ان من رافقوا التغيير كانوا من العراقيين – رغم مظهريتهم الدينية- وهل كانوا من طراز المؤمنين الذين التزموا بحالة الامة وتاريخها في الماضي والحاضر وأستذكروا شخصيات التاريخ العراقي الكريزماتية التي شدت الناس اليها حين حصل التغيير في بغداد والناصرية أم الأحرار، لا لم يكن في رؤوسهم هذا أبداً، لكن الذي كان يشدهم المال والجاه والمنصب والثأروالجنس والانتقام الكبير.والا لماذا يكذب القائد العام على المواطنين حين يزيف الحقائق بقتلة المناضلين ولا يتجاسر ضميره ان يقول من ورائهم في التنفيذ.. خسئت يا قائد المسيرة اليوم وانت اصبحت جبانا في تقييم المواطنيين.فلا تقل اخي هذا اسلامي وذاك مسيحي او آيزيدي أو ليبرالي وأخر شيوعي، انهم كانوا كلهم سواء مثل الاخرين.. حين ركعوا على يد بريمر (أقرأوا ما كتب عنهم في كتابه سنتان في بغداد) ستدرك اخي المواطن انهم كانوا سماسرة محتل لا قادة معارضة وطنيين.. كلهم دون أستثناء من أخرين؟.

نقول لهم لقد أوهمتمونا بوطنيتكم.. فالحركات الوطنية يرتبط نجاحها بتوفر القيادات المخلصة والأهداف الواضحة والبناء الوطني التنظيمي السليم وهذا ما كنا نعتقد بهم مع الاسف الشديد.. كما في حركة لوثر وكالفن والثورة القرنسية والامريكية والروسية واليابانية والسنغافورية والماوية وحتى الفيتنامية والكوبية، اندفع رجالها المخلصين في حركات سياسية عارمة حاولت انجاز مهمات معاصرة استنادا الى افكار ورموز تعود لماضي أممهم لاستذكار الروح الاستشهادية التي ذكرتهم بالماضي لتوظيفه في الحاضر السعيد، فبنوا آيديولوجياتهم على الصحيح.. فأين حسينهم وعليهم وعمرهم الذي عليهم يلطمون.. لقد مات جياب قائد فيتنام المنتصر في كوخه الصغير.. أذن لماذا نحن كنا العكس ؟هل هي همجية من نوع جديد.. أم كانوا غرباء عن الوطن واسلامنا غير الذي جاء به محمد الأمين.. أم ان البوذية أقوى ايمانا من دين المسلمين.. ؟ فلماذا راح الكل ينهب ويسرق ويصد عن الصراط المستقيم ؟ ولماذا مرجعيات الدين صمتت صمت القبور.. تهرول وراء بريمر اللص اللعين وتقبله من فمه على طريقة المِثليين الشبقيين..فهل هؤلاء فعلا كانوا مؤمنين.. ؟

علينا ان نتسائل ألم يَحُن الوقت اليوم للتخلي عن التعصب.. ويجب الأعتراف بأن الحقيقة الدينية تتغيير وتتطور وليست هي مطلقة ومنقوشة فوق حجر.. فاين السايكولوجين المثقفين العراقيين عنهم ؟ما ذا حل بهؤلاء الآوغاد؟ ماذا دهاهم حين عرضوا عن الوطن والوطنيين؟ فهل كانوا ضعفاء قيماً ووطنية لهذا الحد؟ أم كانوا جياع المال المفقود عند السابقين؟ رأيناهم قبل التغيير هنا في واشنطن ينادون بالحرية وحقوق المواطنين هم واصحابهم رعاع الزمن.. ويلطمون على الحسين ومظلوميتهم في العالمين، لكنهم بعد التحرير ظهروا العكس مما كانوا يدعون . ان السؤال الذي هو أكثر ألحاحاً هو اين يكمن سر الازمة والضعف والتردد حتى يكونون في مستنقع الخيانة والخائنيين دون تفريق؟.. أم أن المرافقين للتغيير كانوا من غير العراقيين.. على المؤرخين ان يؤرخو ا بصدق اقلام الصادقين.. لكن لا عتب على من زور حتى آيات القرآن الكريم ليثبتوا ان الخلافة لهم دون الأخرين..وكأن الله كان رئيسا لتعيين الحاكمين.

وقبل الاجابة على مثل هذه الاسئلة المهمة، علينا ان نؤكد بأن حصر اسباب الوهن والضعف والانحطاط بعنصر واحد يجانب الحقيقة، او عدة عناصر، قد يظفر بالحقيقة، فلا يمكن لكاتب واحد ان يعطي الجواب بالتحديد. واعتقادي ان الجانب الاهم هو تدهور العامل الذاتي في الانسان العراقي حين رأينا من يدعون الوطنية والأخلاص كانوا اول المساهمين في التخريب، واليوم يحاولون ان يتنصلوا عما فعلوا ونحن نقول لهم ان الرجال الحقيقيين يعرفون بصمودهم عند مواجهة اللحظات الحرجة في حياتهم عندما تواجه الأوطان المحن..أنظر اليهم في برنامج لعبة الكراسي حين يستظيفهم فلا ترى فيهم غير اللف والدوران والتلاعب بالالفاظ لانهم كاذبون.

ان سلبية هذا الجانب عند الانسان العراقي اليوم سبب له خللا ً بوحدته الجدلية .فكانت الفوضى، وأستمراء المال الحرام واهمال المواطنة، وضعف الغيرة على المواطن الاخر والعِرض والوطن الذي ليس له من مفهوم عندهم، وأهمال القاعدة التحتية للوطن العراقي الجريح..فهي اليوم حالة جديدة لم نقرأها في تاريخ العراقيين منذ عهد الحضارات.. بل قرأناها عند أبي رغال خائن مكة وابن العلقمي خائن المستعصم العباسي مع المغول.. ولكن عندما أدرك الانسان العراقي الخطأ وتراكم الظلم عليه كانت ثورة تشرين.. 2019 لذا سعى اللص الخائن عبد المهدي ومن معه من خونة التاريخ لقتلها بأي ثمن تنفيذا لأمر الخائنين.. من قادة جرف الصخر وغيرهم من الأرهابيين.. ؟؟؟؟

ان العامل التاريخي للوطن العراقي يمر اليوم بأقصى درجات الانحدار والضعف العام، والا ليس معقولا ان يقبل وزيرا او رئيساً او نائباً الرشوة والفساد وبيع الوطن للاخرين كما عملوا كل وزراء العراقيين على مدى 18 عاما من عمر التغيير.. وترفعوا عنها غالبية السابقين الذين سمينا عهدهم بالدكتاتوريين.. وهو بهذا المنصب المتقدم في الدولة والمحصن بالقسم الالهي والشرف الوطني والغيرة الشخصية، فأذا قفد الانسان كل هذه المقومات ماذا بقي له ان يكون الا نفاية من نفايات الزمن الكريه، فأذا كانت المادة هي الاساس، فهو يستطيع ان يحصل عليها ببيع المخدرات والسمسرة بالموبقات لهي افضل له من الاولى وقد مارسها ولم يشبع .غريب هذا اللابشر الجديد، لان في الاولى يضرالوطن والاخرين وفي الثانية نفسه هو لا الاخرين كما كان يفعل سماسرة الميدان ايام زمان..وقادة الاحزاب الباطلة اليوم مثالاً.. ويقف رواد حزب الدعوة في المقدمة.. فأين المرحوم محمد باقر الصدر الذي قدم حياته ثمناً للقسم واليمين..

الحالة العراقية اليوم تتطلب دراسات متخصصة وخاصة من علماء الاجتماع الذين نفتقدهم اليوم في عراق التغيير، فقد ماتت الجامعات العراقية وأساتذتها الجيدين، وبعد ان سقطت عنها وعنهم حتى الرصانة العلمية، ولم تبقَ الا أحجارها والمزايدين.. لقد اثبت الواقع العراقي اليوم ان التنازل الاجمالي للمشكلات يعطي أجوبة عمومية غامضة ويهمل الجوانب التفصيلية في الحل المرتقب.فهل ورثنا نحن هذه الصفات ام جاءتنا مكتسبة من الاخرين؟.. هنا هو مربط الفرس؟.

أبتداءً علينا جميعا وخاصة غالبية المفكرين ان تلتفت للعوامل التاريخية لدراسة خصال الامة المشتركة وانعكاساتها علينا اليوم بعد ان ضعف الامل في العراق في ان نجدد لامتنا المقام الذي نسعى اليه ونريد..

فهل نحن بحاجة لأن نستبدل رجالا باخرين؟ام بحاجة ان نستبدل الفوضى بالقانون؟ لقد ذهب الحاكم المتعنت الذي لا يسمع لأحد حتى من الصادقين.. فجاء من بعده الحاكم الذي اخترق كل قانون أكيد.. أما كان لهم افضل لو اتبعوا القانون.. وساهموا بتحليل الخطأ والتصدي للباطل بجرأة القانون وحسم الامور لصالح الناس ومحاسبة المقصرين؟ لكانوا اليوم هم من المنطلقين الى أفاق كثيرة مازلنا نقف امامها مندهشين. ولكن هل كل من قصرَ يذهب بلا محاسبة بمجرد ان تتاح له فرصة الهروب كما في الجعفري والشهرستاني والخزاعي والنصراوي وغيرهم كثير، وهم يعيشون اليوم في بلاد الغربة محتقرين.. ومن بقي منهم متحصنا بمليشيات الغادرين من امثال المالكي والعامري وغيرهم كثير، فذاك أخطر من فقدان القانون حينما تكون الامانة لا رقيب عليها ولا حسيب، فالحق القديم لا يبطله شيء على حد قول علي أمير المؤمنين.. والعقل مضطر لقبول الحق على ما قاله الامام الشافعي قولا وصدقاً للعالمين .

مئات التفجيرات والقتول حدثت وتحدث اليوم، عشرات التحقيقات حدثت بلا نتيجة، الاف السرقات حدثت بلا متابعة ولا تعريف بسارقيها، ملايين المخالفات بلا عقاب، كل من مات في الحرب العراقية الايرانية من الايرانيين يتقاضون الرواتب التقاعدية افضل من العراقيين.. هذه هي مكاسب العراقيين، طائراتنا عند الاخرين لا احد يطالب بها بالقانون، بربكم هل حلت كارثة بوطن مثل وطن العراقيين أموالنا الصعبة بيعت بالمزاد بعملة مزيفة يحرقها حاكم البنك المركزي اللعين.. الذي يدعون فيه انه يُحكم بدولة القانون؟ ورجل دولة القانون هو الذي امر باعدام الضباط والطيارين والعلماء والمفكرين ولاقانون يراقب ولا حكومة تنفذ القانون متحدياً الدستور.. وهو الذي أمر بأعدام رئيس الجمهورية السابق بلا قانون.. من هؤلاء تريد وطنا يطبق القانون؟.

سُيفعل القانون؟ لكن المشكلة من يكون اليوم نصيرا للقانون.؟.. مجلس نواب مزيف تباع فيه العضوية علنا ً بالقانون، ووزراء ومدراء عامون يباعوون ويشترون بالمال في دولة يسمونها دولة القانون..؟ واللجانالاقتصاية جملة حرامية يعينهم القانون..

وهل هذا الذي حدث جاء أعتباطاً ام كان مخططاً له مثل مجيئهم قبل التغيير لحكم الوطن بلا قانون..؟ علينا ان نتفحص مقررات مؤتمرلندن عام 2002 قبل التغييرونحن شهود عليه.. لترون ان الذي طبق بعده مفردات التغيير كان متفق عليه من كل السياسيين عربا واكراد ا وتركمانا ومسيحيين واخرين؟ ثقوا واقسم لكم بالله العظيم كانوا قبل التغيير يأتون الى واشنطن يركعون على ايدي الأمريكيين كما يركع الخادم على يد هارون الرشيد.. أنهم اشباه رجال ولارجال.. لا بل أنهم.. خصيان عبيد.

لم يبق لنا الا المواطن الذي نريد له ان يعي الوطن والمستقبل لعله لا يعطي صوتا انتخابياً غدا الا للذين يتوسم فيهم الامل ان جرت الأنتخابات، فلا تغرك اشكالهم وما يملكون.. ان الله لا يقبل ان يتعامل عبده لمن أخل بشريعته وقوانينه السرمدية في التنفيذ. ولكن لا خاب من أستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، عروة الحق الرصين.

فأين طريق الخلاص من هذه الأعراض النفسية والجسمانية ممن فقدوا طعم الحياة ؟ نتخلص منها بأستئصالها من الجذور حتتى لو كلفتنا الكثير.. وبعد ان نتخلى عن حياة الذات لنستبدلها بحياة الروح النقية وهي الكلمة.. لأن الله كلمة لانسان الحق الملتزم بالصراط المستقيم.. والكلمة هي (ان الله هو الحق). منه نستمد الامل.. فلا تمنحوا زنادقة التخريب فرصة العودة لبرلمان العراقيين الجديد فأزاحتهم يعني وضعهم في قفص الاتهام امام القانون العادل الذي لا يرحم المقصرين لذا هم متشبثون.. لا يوجد مستحيل لمن يحاول.. نحن لسنا بحاجة للانسحاب والهروب من الساحة بل الصمود وبيان الحق ان كانوا مخلصين.. لكن لا رجاء من الخائنين.

.فعليك اخي المواطن ان تطلب الحق وان قل..وتنزع منهم شرعية حكم الظالمين.. أيها المواطن العراقي الشجاع كن شجاعا.. لا تمنحهم صوتك بل أمنحه للمخلصين.. لان اللذين انهارت قيم الحياة المقدسة عندهم.. واشاعوا نظريات الفساد والتعامل معه بشطارة.. سقطت قدسية النضال عنهم.. انهم خسروا انفسهم واولادهم الذين علموهم الخطأ بيقين.. فبيدك التغيير.. كن شجاعا.. قوياً.. مؤمنا بالله ووطنك..فصوتا شجاعاً واحداً أكثرية.. كما قالها الامام علي أمير المؤمنين.؟

أخرج ايها العراقي الشهم من بين سعف النخيل ومزق اعداء الوطن.. كما خرج قيس سعيد من بين اغصان الزيتون وجعلهم كعصف مآكول.. أقدم ولا تخف فدماء شهداء تشرين هي حماية للشجعان المناضلين.. اخرج يا عراقي يا شهم..

وأكتب لك تاريخ..

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

كاظم الموسويمَن يعرف اعداد القرابين التي راحت ضحية الهجرة من مرابعها الى "حلم الجنة البعيدة" على أراضي الغرب؟، ومن يصدق الارقام التي تحاول منظمات الأمم المتحدة او المكلفة من جهات عديدة، نشرها؟، واغلبها لها مصلحة بما يحصل، ولا تقدم الا ما ينفعها طبعا. وما السبيل الى تذكر الضحايا، قرابين الهجرة والوعود المعسولة؟. ومَن ومَن؟!. أسئلة كثيرة وأغلبها متكررة، أو بعضها يعاد للاستفسار والتذكر. أية فاجعة تضاف إلى الأسباب التي أدت اليها، وإلى العوامل التي حرضت عليها، وإلى الأطراف التي ساهمت فعليا فيها؟. بالتأكيد يصعب الحديث ويؤلم الكلام ويجرح السؤال.. هذه أرواح بشرية لها تاريخها وذكرياتها واحلامها، ولها اهلها، أباؤها وامهاتها، أبناؤها وبناتها، احباؤها، زوجات وحبيبات واخوات واخوة وأصدقاء ورفاق، وكل هؤلاء تربطهم خيوط امل بها وشوق إليها، واستفسارات عنها وانتظار لخبر أو جواب..

في اخر الاخبار (2021/07/14) التي  وزعتها وكالة الصحافة الفرنسية "فرانس برس": إن المنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة، اكدت إن عدد المهاجرين الذين قضوا في البحر أثناء محاولتهم الوصول سرًا إلى أوروبا تضاعف هذا العام، مطالبة الدول باتخاذ إجراءات عاجلة للحد من هذه المأساة، وأعلنت المنظمة، في تقرير أن ما لا يقل عن 1146 شخصا لقوا حتفهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا خلال النصف الأول من عام 2021، أي أكثر من ضعف العدد الذي سجل في نفس الفترة من العام المنصرم "513 وفاة"، في حين وصل عدد الوفيات في النصف الأول من العام 2019 إلى 674 وفاة.

وأوضحت المنظمة، أن "المنظمات المدنية العاملة في البحث والإنقاذ واصلت الاصطدام بعقبات كبيرة، إذ إن أغلبية قواربها عالقة في الموانئ الأوروبية بسبب قرارات مصادرة إدارية وإجراءات جنائية وإدارية ضد أفراد طواقمها". وأشارت "إلى أن الزيادة في الوفيات تأتي في وقت تتزايد عمليات اعتراض القوارب التي تقل مهاجرين قبالة سواحل شمال أفريقيا". وهذه الأرقام تسجل عن قرابين الهجرة عبر البحر فقط، ولكن طرق الهجرة لم تتوقف على البحر حسب، بل تعددت وتنوعت، عبر البر، وعبر الجو، وعبر  فرص يوفرها البحر والبر والجو معا، ولكل ضحاياه. ولا يعرف معاناة الهجرة إلا الذين كابدوها وعاشوا محنتها أو قسوتها أو اسطورتها. وفي كل الأحوال لا احد يعرف الوقائع والارقام والاعداد الحقيقية، ولا احد يستطيع أن يكشفها أو يضعها أمام كل مسؤول دولي أو محلي ويواجهه عن مصائر الذين راحوا ضحايا بلا اسماء أو شواهد أو قبور مثل باقي المخلوقات.. وقد سجلت لأحياء وصلوا بعد معاناة تجارب محدودة ونشرت قصص لأفراد أو رويت روايات لمأساة، بينما ظلت الضحايا أرقاما في اخبار المنظمات.

مرة أخرى وفق المنظمة الدولية للهجرة إن أكثر من 33 ألف شخص غرقوا وهم يحاولون الوصول إلى شواطئ أوروبا خلال القرن الجاري مما يجعل البحر المتوسط "أكبر منطقة حدودية في عدد الوفيات بالعالم وبفارق كبير عما بعدها". وكم عدد الضحايا في البر؟، لم تسجل بعد أو تنتظر الفرج!. ما هي الاسماء، الاعمار، البلدان،؟!.

تعرف المنظمة الدولية للهجرة والوكالة الأوروبية لحماية الحدود (فرونتكس) أن معظم الواصلين جاؤوا أوروبا عبر البحر، بينما وصل خمسهم عبر طرق برية. وان أكثر بلدان الدخول للاتحاد الأوروبي هما اليونان وبلغاريا، المجاورتان لتركيا، وكرواتيا التي يحاول الكثيرون عبورها إلى أوروبا الغربية. بيد أن الكثير من المهاجرين يجدون أنفسهم قد علقوا في الدول المجاورة لكرواتيا وخاصة البوسنة والهرسك وصربيا.

يضاف بلدان اخران، ايطاليا واسبانيا، كمحطتين للوصول، عبر البحر أو الجو. وحسب المنظمة الدولية للهجرة وصل أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط في عام 2019 حوالي 105425 ألف مهاجر. وقد تضاعف عدد الواصلين من بحر إيجة إلى اليونان، مقارنة بالعام الذي سبقه. هذا فيما انخفضت بشكل كبير أعداد الواصلين من منتصف البحر الأبيض وخاصة من ليبيا وتونس ومالطا، ومن غرب المتوسط وخاصة من المغرب والجزائر. فقد ركب 14500 مهاجراً البحر من ليبيا وتونس في 2019، بينما كان الرقم 24815 في 2018. أما الطريق الغربي فكان عدد من سلكوه 24759 في عام 2018، بينما بلغ الرقم أكثر من الضعف في العام الذي قبله وبواقع 58525. وبالنسبة للطريق الشرقي للمتوسط، وخاصة بين تركيا واليونان وقبرص، اجتازه 66166 مهاجراً وهو ضعف الرقم في عام 2018 (33536).

كان تقرير للمنظمة قد أشار الى وصول عدد كبير قياسي من المهاجرين خلال الفترة بين عامي 2014 و 2016 وأسهم الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لوقف قدوم مهاجرين عبر اليونان وانتشار دوريات قبالة سواحل ليبيا وتونس في تقليل عدد المهاجرين بدرجة كبيرة.

كتب فيليب فارجيس الأستاذ بمعهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا، وكاتب التقرير،بحسب رويترز، إن الأرقام تقلل على الأرجح من الحجم الفعلي للمأساة الإنسانية. وأضاف "التقرير يقول إن 33761 مهاجرا على الأقل جرى الإبلاغ عن وفاتهم أو فقدهم في البحر المتوسط بين عامي 2000 و2017. الرقم يخص الفترة حتى 30 يونيو حزيران". وتابع "خلص التقرير إلى أن الحدود الأوروبية بالبحر المتوسط هي الأدمى في العالم وبفارق كبير".

تواصل أرقام المنظمة الدولية للهجرة الإشارة الى إن نحو 161 ألف مهاجر ولاجئ وصلوا إلى أوروبا بحرا هذا العام حتى الآن وإن 75 في المئة منهم وصلوا إلى إيطاليا بينما وصل الباقون إلى اليونان وقبرص وإسبانيا.

مقابل او إضافة إلى ذلك ومنذ سنوات تقوم دول الاتحاد الأوروبي بتمويل أجهزة السواحل في البلدان العربية، شمال افريقيا، وتدريبها وتجهيزها، لمنع المهربين من جلب أعداد إضافية من المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا بحرا. بينما تقوم دول اخرى، بينها المانيا، بضخ 18 مليون يورو (21.3 مليون دولار)، لإنشاء نظم مراقبة إلكترونية على طول الحدود الشرقية لتونس، ضمن مشروع تديره وكالة "الحد من التهديد الدفاعي" التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية. وتسعى الحكومات الأوروبية إلى إيجاد سبل لوقف تدفق المهاجرين عبر البحر المتوسط، خاصة من أفريقيا في السنوات الأخيرة، بما في ذلك عن طريق تمويل تدابير الأمن الحدودية في البلدان الرئيسية. وكما هو معروف أن الاتحاد الأوروبي وحكومات دول اخرى تخطط وتجهز مشاريع حمايتها أو تفتح أبوابها لمصالحها دون النظر للضحايا والقرابين الذين خسروا حياتهم قبل أن يحققوا اي حلم أو امل لهم ولمن ينتظرهم.

ارقام وأعداد قرابين الهجرة إلى أوروبا تظل وصمة في جبين السياسات الغربية التي هي بلا أدنى شك اهم الأسباب وراء ما جرى ويحصل ودون تقييم الثمن، وإلى متى؟!.

 

كاظم الموسوي

 

عبد الحسين شعبانأربك القرار الذي اتخذه السيد مقتدى الصدر المشهد السياسي والانتخابي وذلك بالإعلان عن عدم ترشيح تياره للانتخابات نظراً لما يتمتع به من نفوذ شعبي، خصوصاً في الوسط الشيعي فضلاً عن امتلاكه فصيلاً مسلحاً منضوياً في إطار الحشد الشعبي باسم “سرايا السلام”.

وقد جاء ذلك الإعلان بعد حريق مستشفى الحسين في الناصرية الذي أودى بحياة نحو 100 قتيل وجريح، وبعده تفجير مدينة الصدر، وقبلهما حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد، إضافة إلى ذلك مقتل الناشط المدني إيهاب الوزّاني، رئيس تنسيقية الاحتجاجات في مدينة كربلاء، في 8 مايو/أيار2021 الأمر الذي أثار موجة غضب شديدة في الشارع العراقي.

وكان الوزاني قد نجا في وقت سابق من محاولة اغتيال قُتل على إثرها زميله فاهم الطائي (ديسمبر/كانون الأول 2019). وقد نفّذ الهجوم مسلحون يستقلّون دراجات نارية وبأسلحة مزودة بكاتم للصوت. كما تعرّض صحافي مدني يدعى “أحمد حسن” في مدينة الديوانية بجنوب العراق إلى حادث اغتيال، بعد 24 ساعة من اغتيال الوزّاني، أصيب على إثره بجروح خطيرة.

وباستثناء تفجير مدينة الصدر التي أعلن “داعش” عن مسؤوليته، لم تدعِ أية جهة مسؤوليتها عن تلك الأعمال. كما لم تكشف التحقيقات الحكومية واللجان التي شكّلتها عن هوّية المرتكبين والجهات التي تقف خلفهم، ليتسنّى تقديمهم إلى العدالة، وهو الأمر الذي ظلّت حركة الاحتجاج التشرينيّة التي اندلعت في العام 2019 تطالب به، خصوصاً وقد سقط فيها أكثر من 600 شهيد ونحو 20 ألف جريح، من دون أن تظهر أي نتائج لمعرفة حقيقة ما حصل. وما زال الجناة طلقاء ومستمرون في ارتكاباتهم طالما يتم الإفلات من العقاب.

المزاج الشعبي

أثرّت هذه الحوادث على المزاج الانتخابي المتعكّر بالأساس، والمشحون بهواجس ومخاوف ومحاذير جراء انفلات السلاح وتغوّل الميليشيات على الدولة، حيث تشهد بغداد بين الفينة والأخرى استعراضاً للعضلات تقوم به المجاميع المسلحة لإبراز قوتها، كجزء من الحراك الانتخابي، وكرسائل إلى الآخرين لأخذ وجودها بالاعتبار كواقع ملموس؛ يُضاف إلى ذلك استمرار ظواهر هيمنة “المال السياسي” و”مراكز النفوذ” التي كوّنتها المجموعات الحاكمة داخل أجهزة الدولة ومع بعض القوى التقليدية الدينية والعشائرية، فضلاً عن النفوذ الإقليمي والدولي الداعم الاستقطابات السياسية.

وأعطى مثل هذا الأمر انطباعاً بأن نتائج الانتخابات سوف لا تكون أفضل من سابقاتها، أي أن التغيير الذي راهن ويراهن عليه البعض بمن فيهم محتجي تشرين، ما زال بعيد المنال، وهو رأي أخذ يتردد بصوتٍ عالٍ. فالبيئة السياسية والأمنيّة ما تزال غير آمنة لإجراء انتخابات حرّة نزيهة، وبإشراف دوليٍّ مُحْكمٍ. وقد عز مثل هذا الرأي انسحاب الصدر وإعلانه عدم ثقته بالحكومة المقبلة والحكومة الحالية.

ومن الطبيعي أن تحذو حذو الصدر قوى أخرى كان أولها الحزب الشيوعي الذي كان متحالفاً مع تيار الصدر في إطار كتلة “سائرون”، فأعلن عن مقاطعته الانتخابات لعدم توفر الظروف المناسبة لانتخابات حرة نزيهة، وفي الغالب سيقتفي إثر قرار الصدر قوى أخرى، خصوصاً إن لم يتراجع عن موقفه، علماً بأن الأوضاع العامة ازدادت سوءًا والحالة المعيشية والصحية والأمنية مستمرة بالتدهور.

يستند أصحاب وجهة النظر هذه إلى أن البيئة التشريعية القانونية والأداء البرلماني هما دون مستوى الحد الأدنى المطلوب، كما أن الإدارة الانتخابية غير مستقلة، والمقصود بذلك المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فلا الجهاز القضائي يملك قراره بالكامل، ولا حتى المرشّح متحرّراً من التأثيرات والناخب هو الآخر عرضة لمختلف الضغوطات، كما أن الرقابة لمنظمات المجتمع المدني والأطراف الدولية ليست على درجة من الفاعلية لإنجاز انتخابات نزيهة وحرة، على الرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن توفير رقابة دولية فعالة وذلك خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في البيت الأبيض”جولة الحوار العراقي – الأمريكي الرابعة، واشنطن في تموز/ يوليو 2021”.

فقد كانت التجارب الانتخابية جميعها مُرّةً وطالتها يد التزوير، إلى درجة عزوف المواطن عنها الانتخابات الأخيرة، حيث لم يشارك أكثر من 20٪ من الذين يحق لهم الانتخاب في التقديرات المتفائلة.

دعوات مبكرة للمقاطعة

لهذه الأسباب، برزت دعوات لمقاطعة الانتخابات، حتى قبل حصولها، بوصفها “غير شرعيّة”، بل وصل الأمر إلى وصم العملية السياسية برمّتها بأنها “غير شرعية”، خصوصاً باستمرار النفوذ الإيراني والأمريكي، وتأثيرهما المباشر على القوى والمجموعات السياسية، ناهيك عن استمرار ظاهرة السلاح المنتشر خارج نطاق القانون وعدم تلبية مطالب “حركة تشرين” بمساءلة المتسببين في هدر دماء المحتجّين.

وعلى الرغم من إعلان قوى وشخصيات عن مقاطعاتها للانتخابات فإن الاستعدادات قائمة على قدم وساق، وغالبية القوى السياسية، وخصوصاً منظومة 9 أبريل/نيسان المشاركة في العملية السياسية منذ العام 2003 ما تزال تعتبرها الوسيلة الوحيدة والمضمونة للمنافسة، وهي ما تعوّل عليه، كما أن بعض الشباب في الحراك التشريني لم يجدوا وسيلة سواها للتغيير، لذلك حاولوا تجميع أنفسهم لخوض الانتخابات لمنافسة القوى المهيمنة، لأن مقاطعتها ستعيد القوى القديمة التي صادرت المشهد السياسي واستحوذت على الامتيازات إلى مواقعها، وهي على معرفة ودراية وخبرة بعد تجارب انتخابية أربعة، فضلاً عن وجودها بدواونيّة الدولة وبيروقراطيتها وتمتلك المال والسلاح.

الكاظمي والترشيح

هل سيبقى الكاظمي في رئاسة الوزارة لو تم تأجيل الانتخابات إلى أجل معلوم أو مجهول؟ سؤال يراود الباحث والمحلل، خصوصاً بعد إعلان الصدر عن عدم المشاركة بالانتخابات. وحتى ولو جرت الانتخابات هل يمكن تشكيل حكومة في ظل معارضة لأكبر كتلة سياسية في العراق؟ علماً بأن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أعلن عدم ترشيح نفسه للانتخابات البرلمانية، وهو ما يُحسب له.

كما أن اختياره لموقعه جاء في ظرف سياسي ملتبس ومريب كمرشح تسوية لعدم تمكّن القوى المهيمنة على السلطة من التوصل إلى مرشح بديل بعد “إقالة” أو “استقالة” حكومة عادل عبد المهدي. وفي ظل تصاعد الصراع الأمريكي- الإيراني وانعكاساته عراقياً، وعلى الرغم من وعوده خلال العام المنصرم، بضبط السلاح المنفلت ومنع استهداف السفارات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية، والأمريكية خصوصاً في المنطقة الخضراء، ووضع حد للفساد ومحاسبة المفسدين وتهيئة بيئة مناسبة لإجراء انتخابات مبكّرة، إلا أنه لم يتمكّن من التقدم جدّياً على هذا الطريق، وظل يقدّم خطوة ويؤخّر أخرى. فما الذي سيحصل؟ وكيف ستتوزّع الخريطة السياسية الانتخابية، والتحالفات التي ستعقبها؟

وكان من المقرّر إجراء الانتخابات يوم 6 يونيو/حزيران، إلّا أن ثمة أسباب فنية (عدم تهيئة البنية التحتية للانتخابات) ومالية (تأخر إقرار الميزانية) وقانونية (عدم اكتمال تشكيل المحكمة الاتحادية) وسياسية تتعلق برغبة بعض القوى الفاعلة، أو عدم استعدادها الكافي، حال دون إجرائها، فتمّ تأجيلها إلى يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021، علماً بأن هناك من يشكّك بإمكانية إجراء الانتخابات أصلاً في ظل الأوضاع المعقدة، وحسب الدستور، فإن الموعد الاعتيادي للانتخابات هو كل أربع سنوات، وسيصادف في الربع الأول من العام 2022، أي بعد أقل من 6 أشهر من الموعد الثاني الذي من المقرر إجراء الانتخابات فيه.

ومع إغلاق باب الترشيح، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أنها صادقت على 44 تحالفاً و267 حزباً، حيث بلغ عدد المرشحين 3523 مرشحاً، منهم 1002 مرشحاً عن التحالفات و1634 عن الأحزاب، أما عدد المرشحين المستقلين فهو 887، ومن ضمن المجموع الكلي للمرشحين روعيَت الكوتا النسائية بواقع 25 بالمائة، أي 963 امرأة، علماً بأن 25 مليون عراقي يحق لهم المشاركة في الانتخابات المقبلة في 83 دائرة انتخابية لاختيار 329 نائباً، وفقاً للقانون الجديد الذي يأخذ بمبدأ الفوز بأعلى الأصوات.

الدورة الخامسة

يُذكر أن الانتخابات الحالية هي الخامسة وتقرّرت على وقع الاحتجاجات الشعبية الرافضة لسوء الإدارة وتدهور الخدمات، وتفشي الفساد، واستشراء البطالة، وتردي الواقع المعيشي والحياتي، خصوصاً في ظل التقاسم الوظيفي الطائفي والمذهبي. وكانت الانتخابات الأولى والثانية قد أُجريت في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق (2005 و2010). أما الانتخابات الثالثة، فقد نُظِّمت في العام 2014، وأعقبتها الانتخابات الرابعة في العام 2018.

صورة المشهد الانتخابي

كيف سيكون المشهد الانتخابي في انتخابات العام 2021؟ وهل ما تزال تدور في فلك “الترويكا” (الشيعية – السنّيّة – الكردية)، أم ثمة تغييرات ستجري عليها؟ ولكي نقرأ تضاريس الخريطة الانتخابية وطوبوغرافية التحالفات في ظل المنافسة الماراثونية، يمكن أن نقرأ جدول القوائم والكتل الانتخابية، كما يأتي. وقبل أن نحدد معالم القوى المتنافسة لا بد من القول أن غياب التيار الصدري ستكون له انعكاسات سلبية على توازن القوى. أما القوى الحالية فهي:

القوائم الشيعية، وتضم:

كتلة سائرون بقيادة السيد مقتدى الصدر، وهي الكتلة الأكبر في البرلمان الحالي، وكانت تطالب “بأحقيتها” في تولّي منصب رئاسة الوزراء، ويعتبر الصدر الرقم الأصعب في المعادلة الشيعية والرقم الصعب في المعادلة السياسية العراقية عموماً. وذلك قبل مقاطعته الانتخابات.

كتلة الفتح بقيادة هادي العامري وقيس الخزعلي، أي حركتي بدر وصادقون، وهي من الكتل القويّة المقرّبة من طهران، وتمتلك إمكانات مالية واقتصادية وعسكرية، وتعلن رفضها المباشر لبقاء القوات الأجنبية في العراق، استناداً إلى قرار البرلمان الذي اتخذه في مطلع العام 2020، وهي من القوى التي لها حضور كبير في الحشد الشعبي.

كتلة دولة القانون، بقيادة نوري المالكي، رئيس الوزراء لدورتين (2006 – 2014)، ومعه حزب الدعوة، إضافة إلى حزب الله العراقي، المقرّب من إيران أيضاً، والذي يعتبر قوة مسلحة ضاربة وجزء من الحشد الشعبي.

تيار الحكمة، برئاسة السيد عمّار الحكيم، المتحالف مع كتلة النصر بقيادة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (أحد أجنحة حزب الدعوة الإسلامية)، وكتل صغيرة أخرى، وقد سجّل في رصيد العبادي تمكّنه من إلحاق الهزيمة بداعش في نهاية العام 2017، مع ملاحظة نقد الكرد لموقفه من استفتاء كردستان الذي دعا إليه مسعود البارازاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني وربما كان ذلك أحد أسباب عدم توليه دورة رئاسية جديدة.

المجلس الإسلامي الأعلى، بقيادة همام حمودي، بالتحالف مع منظمة العمل الإسلامي، وقد تراجع أداءه بعد تأسيس تيار الحكمة من جانب السيد عمار الحكيم وخروجه من المجلس الذي كان يترأسه.

وهكذا فإن المشهد الشيعي أصبح متشظّياً ومفتتاً، بعدما كان موّحداً، يحتل أكثر من نصف البرلمان ككتلة قوية، لا سيّما عند تأسيسه باسم “البيت الشيعي” (2005). وسيزداد ضعفاً إذا ما غاب تيار مقتدى الصدر.

القوائم السنّيّة

وتتوزّع على ثلاث تجمّعات أساسية:

الكتلة الأنبارية، بزعامة رئيس البرلماني الحالي محمد الحلبوسي، ويسعى لتمثيل السنّيّة السياسية أو جناحها الأكبر وذلك بدعم من الشيعية السياسية والإثنية الكردية السياسية.

كتلة صلاح الدين، وهي تضم بعض سنّة الأنبار بمن فيهم رئيس حزب الحلّ جمال الكربولي، المتفرّع من كتلة الحلبوسي، والملتفّة حول رجل الأعمال خميس الخنجر، الذي يقود تحالف عزم العراق، حيث انضم إليه كتلة سنّة ديالى بقيادة رئيس البرلمان الأسبق سليم الجبوري.

الكتلة الموصلية، ويقودها نائب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان الأسبق أسامه النجيفي، بالتحالف مع رجل الأعمال جمال الضاري (المشروع الوطني للإنقاذ).

وهكذا، فإن المجموعة السنّيّة هي الأخرى متشظّية وغير موحّدة، بل أنها مختصمة.

القوائم الكردية

قائمتان رئيستان، تتوزعان تقليدياً وتاريخياً بين حزبين أساسيين، أولهما: الحزب الديمقراطي الكردستاني، وثانيهما: الاتحاد الوطني الكردستاني.

أما الكتل الانتخابية فهي:

تحالف كردستان بقيادة لاهور شيخ جنكي ويضم الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير “كوران” التي أسّسها القيادي الكردي ناوشيروان مصطفى والتي تعتبر قطباً جديداً سرعان ما حفر له أساساً في إطار التيار الكردستاني.

كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتضم مجموعة من الأحزاب الصغيرة التي تدور في فلكه، وله نفوذ واسع، حيث يمثّل نجيرفان البارزاني رئاسة الإقليم ومسرور البارازاني رئاسة وزراء الإقليم.

الحركة الإسلامية الكردستانية، أعلنت مقاطعة الانتخابات لعدم وجود ضمانات كافية لانتخابات نزيهة.

الكتل خارج الترويكا

ائتلاف الوطنية بقيادة إياد علّاوي، رئيس الوزراء الأسبق، المتحالف مع صالح المطلك (جبهة الحوار)، وقد بدأ نفوذه ينحسر بعد أن حصل على 91 مقعداً في العام 2010، لكنه لم يتمكّن من تشكيل الوزارة التي حاز عليها غريمه نوري المالكي للمرّة الثانية، بقرار من المحكمة الاتحادية حول تفسير مفهوم الكتلة الأكبر في الدستور (قبل الانتخابات أم بعدها)، علماً بأن إيران كانت تعارض تولّيه هذا المنصب. ومن المحتمل بعد انسحاب الصدر قد يتردد في المشاركة بالانتخابات، علما أنه أعلن عدم ترّشحه شخصياً.

قوى مدنيّة أخرى

هناك مجاميع وقوى مدنية غير منتمية إلى الترويكا، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي الذي كان متحالفاً مع السيد الصدر في إطار كتلة سائرون، وفاز في انتخابات 2018 بنائبين، لكنهما استقالا بعد حركة تشرين الاحتجاجية، وقد تحالف لخوض هذه الانتخابات مع كتل صغيرة أخرى. ولكنه انسحب بعد مقاطعة تيار الصدر. وهناك بعض الكتل التي تمثّل مجاميع إثنّية أو دينيّة، فضلاً عن مرشحين مستقلين فرادى أو متحالفين مع كتل أخرى، سواء في إقليم كردستان أو في عموم العراق، إضافة إلى كتل ومرشحين محليين في محافظاتهم أو مُدُنهم.

الانتخابات ودستور المكوّنات

إذا كان هناك شبه إجماع شعبي على ضرورة التغيير، سواء بالانتخابات أم بغيرها إلّا أنّ هناك طيفاً واسعاً من المجتمع العراقي، أخذ يتلمّس عدم جدوى التعويل على الانتخابات لوحدها في ظلِّ قانون انتخابي لا يلبّي طموحها، فضلاً عن انتشار السلاح خارج دائرة القانون والعدالة، ووجود الميليشيات والتنمّر على الدولة، العاجزة عن لجم أعمال الانفلات على الرغم من محاولاتها. وقد أعلنت بعض القوى مقاطعتها للانتخابات بعد تمادي القوى المسلحة في استهداف النشطاء وعدم قدرة الدولة على وضع حد لذلك، وهو ما سيؤثر على نتائج الإنتخابات.

وتعتقد هذه القوى أنّ مجرد المشاركة في الانتخابات في ظل النتائج المحسومة سلفاً، سيؤدّي إلى المزيد من الإخفاق ويمنح “الشرعيّة” للقائمين على الحكم في إطار منظومة 9 أبريل/نيسان2003، تلك التي استأثرت بالسلطة ما بعد الاحتلال، والتي مارست نوعاً من الحكم أدّى إلى تشويه الفكرة الديمقراطية، خصوصاً في ظلِّ دستور قام على مبدأ “المكوّنات” التي لا تعني سوى المحاصصة الطائفية الإثنية على حساب المواطنة المتساوية والمتكافئة. وقد وردت عبارة المكوّنات في ديباجة الدستور مرّتان، وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142.

ولعل مثل هذه الرؤية تعني تراجع عمليّة التغيير التي راهنت عليها بعض القوى عبر “خيار الانتخابات” المقبلة بالصورة التي ستجري فيها والآليات التي تعتمدها والتقنيّات التي سارت عليها سابقاً، والظروف غير المطمئنة التي تغرق فيها البلاد، وستعني المشاركة حسب بعض وجهات النظر الشبابية من قادة حركة الاحتجاج تبديداً للتضحيات الجسام، حيث سيصاب المواطن بخيبة أمل مريرة تزيد من معاناته، لأنّ البرلمانات التي أنتجتها الانتخابات السابقة توزّعت بين قوائم وحصص للكتل والجماعات السياسيّة ذاتها دون تغيير يُذكر.

وظلّت الائتلافات الثلاثة “راسخة” بين الشيعيّة السياسيّة التي لها موقع رئاسة الوزراء والسُنّية السياسية التي لها موقع رئاسة البرلمان والكردية السياسية التي لها موقع رئاسة الجمهورية، وخصوصاً لفريق منها، أمّا الفريق الآخر فله وزارة الخارجية أو وزارة المالية، ناهيك عن التوزيعات الأخرى لبقيّة المواقع التي يُطلق عليها “السياديّة”.

لبننة العراق

إن استمرار صيغة الائتلافات الحاكمة بتدوير طاقمها في إطار زوايا مغلقة يعني تراجع إنتاج طبقة سياسية جديدة خارج نطاق البلوكات القائمة، وهو ما يجعلنا نستحضر التجربة اللبنانية لنحو 7 عقود من الزمان، حيث ظلّت تدور داخل الدائرة نفسها، والتي تكرّست بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف العام 1989. وهكذا يتم تكرار تدوير الزوايا على نحو تستطيع كل زواية منها أن تعطل الزوايا الأخرى لما يسمّى بـ”الثلث المعطّل”.

ويبدو أنّ التجربة العراقية اقتفت أثر التجربة اللبنانية، الأمر الذي سيزيد من الإحباط الشعبي ويضعف من الاندفاع الذي يطالب بالتغيير ويعوّل على الانتخابات كإحدى وسائله، بسبب بقاء القديم على قِدمَه، واستمرار الطبقة الحاكمة بمواقعها، على الرغم من فشلها المزمن في تحقيق الحدّ الأدنى من حقوق المواطن، في ظلّ استمرار الفساد المالي والإداري وانفلات السلاح واستشراء ظواهر العنف والإرهاب وضعف الدولة بتقديم مرجعيات ما دونها إلى ما فوقها باسم الطائفة أو الدِّين أو العشيرة أو الحزب أو المنطقة أو الجهة، ناهيك عن تدهور الخدمات الصحية والتعليميّة والبلديّة وارتفاع معدلات البطالة وازدياد مستويات الفقر والجريمة.

الثورة في صندوق الاقتراع

إذا كان شعار “الثورة في صندوق الاقتراع” فإنّ الأمر يحتاج إلى توفّر مستلزمات ضروريّة سياسيّة وقانونيّة وأمنيّة وإجرائيّة، وفي حالة غيابها سيتم تدوير الزوايا الحادّة، الأمر الذي سيزيد الأزمة العراقيّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية حدّة، وربما يدفع بالمجتمع العراقي إلى المزيد من القنوط والتشاؤم، لا سيّما في ظل أزمة اقتصادية حادة، وتدهور الخدمات الصحية باستمرار جائحة كورونا، وتراجع مستوى التعليم وازدياد نسبة البطالة والفقر. وهذه العوامل جميعها تساعد على استفحال التعصّب ووليده التطرّف، وحين يتحوّل الأخير إلى سلوك يصبح عنفاً، أي الانتقال من التفكير إلى التنفيذ، وحين يضرب عشوائياً يصير إرهابا وإرهاباً دولياً، إذا كان عابراً للحدود.

لقد حكمت الشيعيّة السياسية لثلاث دورات ونيّف في العراق منذ العام 2005، وكذلك حكمت الإثنية الكُردية إقليم كردستان بالتقاسم بين الحزبين منذ العام 1992، فهل تغيّرت الصورة أم ازدادت تعقيداً؟ إنّ نقطة البدء تكمن في إصلاح النظام القانوني والدستوري بإلغاء كلّ ما من شأنه إعاقة تطبيق المعايير الديمقراطية وإزالة الألغام العمليّة التي تعترض ذلك، ولاسيّما العُرف المعتمد تحت عنوان “التوافق” الذي هو في حقيقته نظام للمحاصصة، ولا بدّ أن يعترف الجميع بوجود الأزمة وأن يُبدو الرغبة في حلّها بالتوصل إلى عقد اجتماعي جديد لتأصيل المواطنة وتعميق الفهم السليم لدور البرلمانيّ باعتباره مشرّعاً ورقيباً لما فيه خدمة المجتمع، وذلك برفع درجة الوعي الحقوقي المجتمعي بأهميّة وظيفة الانتخابات وما ترتّبه من نتائج على صعيد التغيير.

الانتخابات والانتقال الديمقراطي

ظلّت الانتخابات أكثر العناصر تحدّياً وحساسية، سواءً للنظم القائمة أو لعملية الانتقال الديمقراطي، ومن الناحية التحليلية فإن انعكاساتها على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ستكون مؤثرة، وذلك لسببين رئيسين، أولهما: له علاقة بحقوق الإنسان والحرّيات العامة، وخصوصاً الحقوق والحرّيات السياسية المعرّفة بالشرعة الدولية، وثانيهما: فله علاقة مباشرة بالإطار القانوني والإداري لتنظيم الانتخابات ومدى انسجامها أو مقاربتها للمعايير الدولية بما لها من قواعد وآليات وممارسات.

وقد أصبحت الانتخابات، ومنذ هبوب رياح الموجة الثانية العالمية للتغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، في صلب توجهات ومطالب الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وبرامجها، واتخذت بُعداً أكثر ثقلاً ووزناً، لا سيّما بعد عدد من التحوّلات التي جرت على المستوى العالمي، سواء في البلدان الاشتراكية السابقة ذات الأنظمة الشمولية أو بعض بلدان أمريكا اللاتينية ذات الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، إضافة إلى بعض دول آسيا وأفريقيا.

ومنذ التسعينيات تعاضدت ثلاث عوامل: الأول نجاح التغيير في أوروبا الشرقية؛

الثاني تململات وحركات احتجاج ونجاحات في بعض دول أمريكا اللاتينية؛

والثالث نجاح نيلسون مانديلا في انتخابات ديموقراطية وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي دام نحو ثلاثة قرون من الزمان في العام 1994، وبداية مسلسل جديد في هذه البلدان من تجارب العدالة الانتقالية، الأمر الذي أظهر العالم العربي وكأنه خارج سياق التطوّر التاريخي، في حين أصبح التغيير ضرورة لا غنى عنها، وليس اختياراً فحسب، ومعه أصبح الحديث عن الانتخابات والنظم الانتخابية شغلاً شاغلاً لا سيّما لمرحلة الانتقال، خصوصاً بعد ثورة الياسمين في تونس وثورة النيل في مصر.

لقد وصلت ما أطلقنا عليه “الشرعية الثورية”، التي حكمت في بعض البلدان إلى طريق مسدود، فضلاً عن ذلك فإن بقاء الحال من المحال، إذ لم يكن بالإمكان معاكسة التطور التاريخي بالكامل إلى ما لا نهاية، الأمر الذي اقتضى ويقتضي الانتقال إلى الشرعية الدستورية وهذه تتطلب رضا الناس أي الشرعية السياسية، وحكم القانون أي “المشروعية القانونية”.

واستناداً إلى ذلك يمكن القول أنه لا توجد “انتخابات ديمقراطية” دون التمتّع بالحقوق السياسية وهذه الحقوق تعني: الحق في التعبير، الحق في التظاهر، الحق في التجمع، الحق في التنظيم وتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات والحق في المشاركة، وكذلك لا يمكن قيام انتخابات ديمقراطية في إطار قانون انتخابات غير ديمقراطي أو تعسفي، ولعلّ الكثير من النقد وجه إلى الدستور العراقي والنظام الانتخابي لعدم احترام المعايير والالتزامات الدولية بتنظيم الانتخابات دستورياً وقانونياً، كما هي منصوص عليها في المادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى ظاهرة تتعلق بالوعي وعدم ثقة المواطن الفرد بالنظام السياسي ككل، لعزوف نسبة كبيرة ممن يحقّ لهم التصويت، لعدم ممارسة حقوقهم والإدلاء بأصواتهم، والأمر لا يخص العراق وحده، بل يشمل العديد من البلدان العربية والبلدان الفقيرة التي تجري فيها انتخابات بنسبة تصويت منخفضة جداً.

 

عبد الحسين شعبان

.....................

الأصل في هذه المادة دراسة للباحث نشرت في "مجلة الديمقراطية" التي تصدر عن مؤسسة الأهرام "القاهرة" عدد تموز/يوليو 2021.

 

 

علاء اللاميمرَّ اكتشاف المعبد الكنعاني في مدينة لخيش القديمة الذي أعلنت عنه السلطات الآثارية في الكيان الصهيوني في شهر شباط - فبراير من العام الماضي مرور الكرام على الوسط الآثاري العربي والفلسطيني، فلم يحضَ إلا بتقارير إخبارية قليلة ومبتسرة، ولم تصدر حتى الآن، على حد علمنا، أية دراسة عربية تناسب أهمية هذا الاكتشاف. هنا، محاولة للتعريف بهذا الحدث وقراءة تحليلية لدلالاته.

تفاصيل الاكتشاف:

تعتبر مدينة لخيش الكنعانية إحدى المدن الفلسطينية المهمة، فجغرافيا تقع المدينة على مسافة 44 كم جنوب غرب العاصمة الفلسطينية القدس، وعلى بُعد أربعة وعشرين كيلومترا شمال غرب الخليل، في منطقة تل الدواير، حيث كانت تقع قرية القُبيبة التي هجّر الاحتلال الصهيوني سكانها ثم دمّرها وأقام على أنقاضها عام 1955مستوطنة أطلق عليها الاسم الكنعاني القديم ذاته "لخيش".

يعود تأريخها إلى العصر البرونزي، أما الاستيطان البشري في المنطقة فيعود إلى عصور أقدم من ذلك بكثير، ويصل إلى العصر الحجري الحديث الفخاري (6500 إلى 5000 ق.م). وقد ورد ذكرها في رسائل تل العمارنة في عهد تحتمس الثالث كواحدة من "دويلات المدن" المناهضة للهيمنة الفرعونية في فلسطين القديمة والتي كانت بمثابة منطقة نفوذ وفترات احتلال مصري وتدمير عسكري، وقد أكد الاكتشاف الجديد هذه الحقيقة كما سنذكر بعد قليل. 

المعبد المكتشف - بحسب يديعوت أحرنوت - يضم في واجهته عمودين، وفي داخله قاعة كبيرة تنتصب دخلها أربعة أعمدة ودائرة حجرية، وجدت بداخلها أدوات عبادة لتأدية الطقوس التعبدية الوثنية، ويضم المعبد إلى جانب القاعة المركزية الواسعة، غرفًا جانبية صغيرة، عُثِرَ بدخلها على قدور برونزية؛ وفي الشق الشرقي من المعبد عُثر على أدوات ثمينة وخرز زينة وأسلحة من بينها رأس حربة وفأس. كما عُثر على كتابات كنعانية نادرة مكونة من ثلاثة أسطر خُطت على أداة فخارية تعود للقرن الثاني عشر ق.م، جمعت منها تسعة أحرف تكوِّن بمجموعها كلمة "كتاب" باللغة الكنعانية، إضافة إلى قارورة مطلية بالذهب نُقش عليها اسم رمسيس الثاني، ما يؤكد حقيقة خضوع المدينة للسيطرة والإدارة المصرية الفرعونية كالعديد من دويلات المدن الفلسطينية، ويوثق بالدليل الأركيولوجي أن الحضور المصري شكل جزءاً مهما - إلى جانب المكونات المحلية الكنعانية - من الثقافة العامة لفلسطين القديمة.

وبحسب بيان تفصيلي للجامعة العبرية، فقد عُثر في المعبد أيضا على "صولجان من البرونز مطلي بالفضة في شكله الأصلي، واعتبره المكتشفون "أحد البراهين التي تثبت أن الصولجان كان ذا أهمية دينية كبيرة ويشبه أثراً عُثر عليه من قبل في حفريات مدينة مجدو الكنعانية. كما عثر الباحثون في مكان قريب من معبد لخيش على تمثالين لمحارب كنعاني، يُعتقد أنه يعود إلى الإله بعل/ سما الإخبارية".

إن التضليل الأركيولوجي التوراتي يقوم عادة على إهمال أو تزوير وتحريف الآثار المادية المكتشفة، وهذا تقليد تنتهجه الدوائر الآثارية الإسرائيلية الرسمية حين يتعلق الأمر بالآثار الكنعانية وبأية آثار أخرى لا تؤكد وقد تفند روايتها التوراتية؛ فهي إما أن تعمد إلى تقديم تلك الآثار بسرعة واختصار وبعدم اهتمام، وقد تحجبها ولا تعلن عنها أبدا، أو أنها تقدمها بشكل مشوش عَمدا بعد تحريف محتوياتها. وقد كُشِفَ النقاب عن بعض عمليات التزوير الآثاري من قبل باحثين ومؤرخين محترفين مستقلين، لا من قبل هواة أيديولوجيين يتناولون الشأن الآثاري بلغة سياسية ذات نبرة "كفاحية" صاخبة وقليلة المحتوى علميا، أو بوضع تلك المكتشفات في سياقات تخدم وبشكل مباشر وأحيانا بشكل غير مباشر الرواية التوراتية المتضعضعة تماما، وهذا ما فعلته المؤسسة الأركيولوجية الصهيوتوراتية مثلا في تقديمها للنقش الكنعاني المعروف باسم "نقش سلوان" بطريقة مضلِّلة ومحرفة وستكون لنا وقفة تحليلية في دراسة مفصلة تتناسب مع أهميته في الرواية الصهيوتوراتية وأيضا في السردية المركزية الكنعانية لكونه نقشا كنعانيا لا علاقة له بالتوراة والحدث والتوراتي.

2700 معبد في فلسطين

تلفيقات صهيوتوراتية:

مع حدث اكتشاف المعبد الكنعاني في لخيش، لم يكرر الآثاريون الإسرائيليون قراءتهم التوراتية التلفيقية بكل فظاظتها، بل بطريقة إيحائية منمقة فنقرأ في صفحة التعريف بهذا الاكتشاف وبمدينة لخيش في الموسوعة الحرة الآتي: "في شباط 2020، اكتشف علماء الآثار بقايا معبد كنعاني. حدد العلماء فترتين من الدمار الكبير من البقايا المعمارية: في منتصف القرن الثالث عشر ومنتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد". وقبل هذا التعريف بسطور وضع محرر التعريف مدينة لخيش الكنعانية كلها في سياق القراءة التوراتية حين قال عن اكتشاف رسائل لخيش المكتشفة في الثلاثينات من القرن الماضي (لا يمكن تمييز الوثائق المكتوبة بلغة الحياة اليومية - يقصد اللغة الشعب الكنعانية ع.ل - عن اللغة العبرية في العهد القديم من حيث المفردات والقواعد)، وهذا أمر لا يمكن الوثوق به تماما، رغم التواشج اللغوي بين اللغات الجزيرية القديمة وجذرها المشترك والمفترض نظريا، إلا بالاطلاع على نصوص تلك الرسائل وترجمتها من قبل متخصصين محايدين، فاللغة العبرية لم يكن لها وجود منطوق ناضج ومتكمل لا وجود مكتوب في ذلك العصر، فالتوراة نفسها كتبت بإحدى اللهجات الآرامية والتي يسمونها آرامية التوراة.

وفي تقرير آخر لموقع (of israel times) نجد إشارات مُضلِّلة أخرى حول هذا الاكتشاف منها وصف الأبجدية المكتشفة بأنها "محيِّرة"! وقالوا "محيِّرة" لأنهم لم يستطيعوا هذه المرة عَبْرَنَتَها، ومرة بالقفز إلى اكتشاف آخر على مسافة ستة عشر كيلو مترا من لخيش يقول التقرير إنها "عبارة عن جرة تخزين فخارية ويعود تاريخها إلى نحو 1020 وحتى 980 قبل الميلاد، ويحمل النقش الذي تم العثور عليه في خربة قيافة اسم شخصية توراتية تُدعى إشباعل بن بيدا"، متناسين أن الأسماء التوراتية في غالبيتها الساحقة بما فيها اسم "إسرائيل" هي أسماء جزيرية مشتركة لشعوب المنطقة وإن اسم "ئيل" نفسه ليس إلها عبرانيا - اسم الإله اليهودي في التوراة هو يهوه و يهوى - بل كنعانيا وجد في فلسطين ورافدانيا واقترن بعاصمته الأشهر "باب ئيل" ومدن أخرى مثل أربا ئيل "أربيل" وكرب ئيل " كربلاء، وهناك أيضا ملك دمشق الآرامي حزائيل من أهل القرن التاسع ق.م.

أما الآثاري يوسي غارفينكل، عالم آثار في الجامعة العبرية بالقدس، فيربط وبشكل لا يمت للعلم بصلة بين هذا الاكتشاف وبين كتابة التوراة فيقول عنه إنه (أكبر مساهمة فكرية في أرض إسرائيل إلى الثقافة العالمية...لو لم تكن هناك أبجدية لما كان هناك كتاب مقدس". ولكن غارفينكل لا يجد بُدّا من الاعتراف وعلى طريقته الخاصة والملتبسة بزج السردية التوراتية في الموضوع فيقول مقاربا الحقيقة رغما عنه إنَّ "للثقافة الكنعانية تأثيرا أساسيا وحتى يومنا هذا على كل لغة تستخدم الأبجدية وليس فقط العبرية والعربية ولغات سامية أخرى". ولم يستطع، غارفينكل، أن يخفي بعض الحقائق التي لا سبيل إلى إخفائها فقال: "إن هذا هو أول معبد كنعاني قديم وجده علماء الآثار منذ أكثر من نصف قرن - آخر اكتشاف لمعبد كنعاني في المنطقة كان قد تم قبل 40 عاما ع.ل- ويسلط الاكتشاف الضوء على الدين القديم في المنطقة... وأضاف أنهم عثروا على تماثيل برونزية مطلية بالفضة لآلهة كنعان.

ويسجل غرافينكل أن "هذا الاكتشاف مهم بشكل خاص لأنه يُعتقد الآن أن الكنعانيين القدماء ابتكروا الأبجدية الأولى... قبل ذلك، لديك أسلوب الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين، ولديك نظام الهيروغليفية في مصر، وهذه كانت أساليب كتابة معقدة للغاية مع وجود مئات العلامات، ولم يعرف سوى الكتاب الذين تعلموا لسنوات كيفية القراءة والكتابة، وفى المقابل، يمكن كتابة الأبجدية الكنعانية وقراءتها بسهولة أكبر/ صحيفة اليوم السابع 25 شباط فبراير 2019".

فما العلاقة بين أبجدية لخيش الكنعانية وأبجدية أوغاريت في الشمال الجزيري السامي في القرن الخامس عشر ق.م، وأبجدية جبيل الفينيقية اللاحقة لها والتي يرجح أنها سادت بين القرنين الثاني عشر والخامس قبل الميلاد، وما قصة اللغة "العبرية التوراتية" وهل هناك لغة ناضجة ومستقلة بهذا الاسم في كل هذا التراث الفلسطيني العريض، وبأية أبجدية كانت تكتب؟ أسئلة كثيرة كهذه تكشف حجم التضليل الكثيف الذي تقوم به المؤسسة الأركيولوجية الإسرائيلية.

دلالات الاكتشاف:

ثمة بضع دلالات لاكتشاف هذا المعبد الكنعاني منها أولا؛ إنه يؤكد الأرضية الإناسية "الأنثروبولوجية" والإثنية واللغوية الكنعانية لفلسطين وكونها تشكل الفضاء التاريخي والحضاري والثقافي لما نسميها اليوم بلاد الشام، وأن ما تبقى سيكون في حال التأكد منه أركيولوجياً وأنثروبولوجياً مجرد هامش توراتي صغير في السردية الكنعانية والفلسطينية وليس العكس كما يحاول الخطاب التوراتي الصهيوني والذي يريد أن يقلب الآية فيجعل الاستثناء العبراني الهش والمضطرب هو النص وليكون الحضور الكنعاني هو الهامش.

الدلالة الثانية هي أن هذا المعبد الكنعاني الوثني يدحض مرة وإلى الأبد تلك الآراء التي شككت بالماضي الكنعاني لفلسطين وشعبها، وسخرت من المدافعين عنه كما فعل بعض القائلين بيمنية أو عسيرية التوراة الذين اعتبروا الكنعانيين "أكذوبة توراتية كبرى انطلت على الفلسطينيين والعرب لمدة مائة عام" كما قال الكاتب فاضل الربيعي في لقاء تلفزيوني معه بتاريخ 20 كانون الثاني - يناير 2019 مع قناة الغد؛ فأمام الدليل الآثاري الأركيولوجي الحاسم من الميدان الفلسطيني تصمت وتنهار كل الترجيحات والظنون والتفسيرات التأثيلية اللغوية "الإيتمولوجية" واللعب العشوائي بالمفردات والأسماء والمسميات الجغرافية.

الدلالة الثالثة، هي أن اكتشاف هذا المعبد وما فيه من آثار وأبجدية كنعانية مضاف إلى اكتشاف معابد كنعانية في فلسطين وأخرى في لبنان كمعبد الأنصاب "المسلات" الكنعاني في جبيل العائد إلى 2600 ق.م، والذي احتوى على تماثيل مصرية فرعونية أيضا، والمعبد الكنعاني في صيدا والعائد إلى 1300 سنة ق.م، والعشرات من المعابد الكنعانية التي تم اكتشافها في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين حيث يوجد في هذه الأخيرة 1959 موقعا آثاريا سرقت السلطات الإسرائيلية الكثير من محتوياتها أو خربتها، تؤكد دون أدنى لبس وحدة وتواشج مكونات منطقة بلاد الشام "أرض كنعان" القديمة من الناحية الإثنية والثقافية ضمن وحدة أنثروبولوجية أوسع تتداخل فيها المكونات الحضارية والإثنية الرافدانية والشامية والمصرية بما يعيدنا إلى مفهوم "الفَرْشَة الأنثروبولوجية الواحدة" الجامعة لمنطقة المشرق العربي التي نظَّر لها وبشَّر بها الجغرافي المصري الراحل جمال جمدان.

الدلالة الرابعة، هي أن عدم العثور على أي أثر عبراني أو يهودي أو توراتي باللغة الآرامية أو العبرية في هذا المعبد أو في عموم منطقة لخيش وضواحيها كلها، يعود إلى القرن العاشر ق.م والقرنين التاليين، يعني انعدام وجود استيطان عبراني أو يهودي في المنطقة، ويلقي ظلالا كثيفة من الشكوك على كل الرواية التوراتية حول الأحداث اللاحقة في القرن الثامن ق.م وما بعده، والتي تزعم فيما تزعم أن المدينة تحولت خلالها إلى "القلعة الرئيسية لمملكة يهوذا وأهم مدينة حامية ومدينة بلاط بعد القدس" في العصر الحديدي، بما يعطي للقصة التوراتية حجمها الصغير الحقيقي ضمن دولة مدينة صغيرة في يهوذا حول مدينة أورشليم القدس، وأخرى حول السامرة تحمل اسما كنعانيا هو إسرائيل، ولا يجعل أي من هاتين المدينتين الدولتين ضمن العشرات من دويلات المدن الفلسطينية والكنعانية، دولة مركزية كما يروج الباحثون التوراتيون في عصرنا.

فرغم وفرة اللقى والآثار في المدينة والمنطقة المحيطة بها ومنها بقايا أسوار وبوابات ومخلفات ما يقال عن معركة كبيرة بين الجيش الآشوري في عهد سنحاريب وسكان المدينة ومنها "شظايا من المدرعات المدفوعة وألجمة ومقاليع ورؤوس الحراب المصنوعة من الحديد والعظام. عُثر على إجمالي 850 رأس حربة في نقطة الاختراق المفترضة للآشوريين وحدها، واثنين من الأحجار الثقيلة 100 إلى 200 كيلوغرام التي ربما كان المدافعون يستخدمونها كمطرقة متأرجحة، وبقايا مقبرة جماعية فيها 1500 هيكل عظمي على المنحدر الغربي، جرى تصنيف معظمها على أنها ضحايا مدنيين لهذه المعركة. وبعد فتحها، احترقت المدينة بالكامل"، رغم هذه الوفرة في الأدلة لم يُعثر على أثر واحد باللغة العبرية أو بأية لغة أخرى يؤكد رواية التوراة عن السيطرة اليهوذاوية على المدينة في زمن الملك التوراتي حزقيا.

أما مزاعم الآثاريين الإسرائيليين القائلة أن هذا السور أو تلك البوابة تعود إلى عهد الملك التوراتي يوشيا وأن "من الممكن أن تكون المدينة المحصنة - داخل لخيش - قد بنيت أولًا في عهد يوشيا"، وأنها كانت واحدة من آخر مدينتين جرى احتلالهما قبل أورشليم" تبقى كل هذه المزاعم هُراء أيديولوجيا وإنشائيا ورجما بالغيب لا حظ له من العلمية، بل أن هناك من يعتقد على العكس من ذلك أن "مدينة لخيش أنشئت وتم تسويرها في حدود 900 ق.م، ولم تصبح أورشليم القدس مدينة رئيسية إلا بعد خراب لخيش في سنة 701 ق.م، ولم تكن هناك كثافة سكانية في تلك الحقبة من الزمن في المنطقة التي يسميها الناس دولة يهوذا/ رأي منسوب إلى الباحث توماس طومسون، ورد في مقالة بعنوان "علماء مدرسة كوبنهاغن شيفلد يفضحون تزوير تاريخ إسرائيل القديم ...البروفسور توماس تومسون نموذجا/ صحيفة الجزيرة السعودية /العدد:10602/2001". وهناك اعترافات خجولة أدلى بها حملة الخطاب التوراتي تشير إلى أن أهالي مدينة لخيش "المدينة الدويلة" هم من تولوا الدفاع عنها خلال الغزوات المصرية أو الرافدينية، وهذا ما تكرر في غزة في حرب التصدي التي خاضها أهلوها ضد جيوش الإسكندر المقدوني سنة 332 ق م.

وهذا ما ينبغي أن يتركز عليه الضوء البحثي فهو الذي سيقودنا الى تقديم قراءة حديثة وعلمية رصينة لتاريخ دويلات المدن الفلسطينية تعيد القصة التوراتية اليهودية إلى حجمها الصغير الحقيقي حجم الهامش على المتن الفلسطيني الكبير.

خلاصة:

يؤكد اكتشاف هذا المعبد الكنعاني في لخيش صحة الفرضية التي نتبناها وعبرنا عنها في مناسبات عديدة منها كتابي "موجز تاريخ فلسطين" و"نقد الجغرافيا التوراتية خارج فلسطين" والقائلة أن تاريخ فلسطين القديم تستوعبه وتفسره حقيقة أن هذا الإقليم - الذي سماه العرب بلاد الشام - ظل يعيش حالة دويلات المدن طوال تاريخه القديم، ولم ينتقل إلى مرحلة الدولة المركزية الواحدة كما هي الحال في بلاد الرافدين ومصر، لأسباب تاريخية وجغرافية وإناسية شتى، وأنه كان منطقة تجاذب إقليمي وتبادل نفوذ بين العملاقين القديمين المصري والرافداني، وأنه ظل من الناحية الإثنية جزيريا "ساميا" وتحديدا كنعانيا، وقد استوعب الهجرات البحرية "الفلسطية" فاندمجت مع مكونه الديموغرافي الإثني الأساسي "الكنعاني" خلال ستة قرون وإن الرواية التوراتية عجزت حتى الآن عن البرهنة على أن قصة المملكتين إسرائيل ويهوذا التي استغرقت بضعة قرون شكلت حالة مناقضة لهذه الفرضية. 

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

كانت السلطة السياسية في العراق في الفترة اللاحقة  لزوال الدولة العثمانية  وتأسيس الدولة العراقية في بداية عشرينات القرن العشرين (العهد الملكي) شأن مجموعة صغيرة مختارة اصطفيت من قبل المحتل البريطاني،  ثم شأن مجموعة من الضباط  الذين أطاحوا بالنظام الملكي (مجموعة عبد الكريم قاسم) ثم شأن نخبة حزبية في عهد البعث الأول والثاني أما عامة الناس فهم في الأغلب مسلمون بواقع الحال لا طموح لهم رغم اهتمامهم بما يجري من أحداث. واختلف الأمر  بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 حيث أصبح للعامة شأن بهذه السلطة بسبب الفراغ الذي شهده البلد نتيجة انهيار مؤسسات النظام الشمولي الحاكم وحدوث فراغ كامل في السلطة.

لم يستطع المحتل الأمريكي عند مجيئه للعراق في 2003 أن يملأ هذا الفراغ  كما لم يقدم شخصيات عراقية مهيئة ومدربة قادرة على ملئه والشخصيات القليلة المحسوبة على الغرب لم تثبت أهليتها وكانت مجهولة لدى غالبية الشعب. ولم تكن القوى التقليدية المعارضة لنظام البعث هي  أيضا قادرة لوحدها على إدارة البلد  فظهرت اتجاهات شعبوية كثيرة قاعدتها عامة الناس استطاعت تثبيت أقدامها في المعادلة السياسية العراقية بالاستناد إلى تلك الشعبوية فأصبحت الساحة السياسية في  العراق ملعبا للجميع.

وكان انفتاح أحزاب السلطة قديمها وجديدها على عامة الناس نتيجة افتقارها  للكوادر المؤهلة لإدارة الشأن العام أن اصبحت السلطة في مستوياتها العليا والأدنى مكانا لأن يمارس خليط من الناس يفتقد معظمهم التأهيل العلمي والإداري سلطاتهم فأنتج ذلك حالة اصبح فيه أي فرد عراقي مهما كان تأهيله يعتقد في قرارة نفسه أنه يمكن أن يكون في موقع السلطة ("مسؤولا" بلغة العامة قبل 2003) مستندا في اعتقاده هذا  على الأداء السئ للطبقة السياسية وكذلك أداء الجهاز التنفيذي من موظفي الدولة الذين أصبحوا خارج نطاق الرقابة والمحاسبة وبذلك تحولوا هم ايضا إلى ما يشبه السلطة. بكلمة أخرى فإن المواطن العادي اصبح لا يواجه سلطة دولة بأجهزتها وقوانينها وحسب بل سلطة أخرى تتمثل بالموظف التنفيذي الذي لا راد له بما يطلب أو يفرض على المواطن.

وبلغ ولع العراقي بالسلطة، وإن كان موظفا عاديا، إلى درجة تجده قد وضع صورته على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وهو يجلس وراء طاولة عريضة (فارغة في معظم الحالات) وخلفه علم العراق وأحيانا تجد عسكريين يضعون صورهم وهم بالزي العسكري بترتبهم المختلفة. وفي المقابلات التلفزيزنية تجد المتحدث العراقي، خاصة من السياسيين أو "مسؤولي" المحافظات، وهو يجلس على كرسي فخم يسع لبضعة أنفار تعلوه الزخارف و النقوش. أما مقدمو البرامج التلفزيونية، كمظهر آخر من مظاهر "الوجهنة"، فقلة منهم لا يقدم استعراضا كاستعراضات الأزياء وهو يعرض بسطة عن برنامجه وأن غالبيتهم يتحدث ويعلق ويعترض ويؤكد وينفي ويستهللك من زمن البرنامج الذي يقدمه أكثر مما يستهلك الأشخاص الذين استضافهم. أي أن بوده لو يتمسك بشاشة التلفزيون كتمسك السياسي بمنصبه. وفي حالة واحدة على الأقل جعل مقدم برامج في إحدى المحطات من قصة شعره ومن لحيته، مرة يطيلهما وأخرى يقصرهما أو بالتناوب، تسلية يعبر بها عن ذاته.

 ويبدو لي  أن حالة الانسحاق التي عاشها العراقي في الحقبة السابقة حيث ذوبت شخصيته في شخصية الحزب أو القائد  مع تتالي مآسي الحروب والحصار الاقتصادي الذي شوه البنى الاجتماعية التقليدية التي كانت سائدة قد ولدت بعد 2003 نقيضها الذي تمثل بداء تضخم التعبير عن الشخصية. ومن لم يجد له مكانا للتعبير عن نفسه من خلال مؤسسات الدولة وجد له مكانا في مواقع التواصل الاجتماعي فيمطرك بوابل لا ينتهي من المنشورات ويجادل بأي موضوع تشاء.

ولقد لعب الإعلام الحر، بالرغم من طابع الاستعراض الذي يمارسه بعض منتسبيه كما اسلفنا،  دورا مهما في تقريب صورة السلطة للعامة من حلال كشف سوء أداء  المتنفذين فاصبحت كل الزوايا المظلمة التي كان القرار السياسي يصاغ بها في العهود السابقة مكشوفة للجميع وصرنا نرى  وثائق حكومية يفترض أن تكون سرية تخرج على شاشات التلفزيون. والملفت للنظر أن مؤسسات حكومية يفترض أن تكون وثائقها محدودة الاطلاع نراها قد فتحت لنفسها صفحة على الفيسبوك يطلع عليها من يشاء بعد أن كانت حتى درجات الحرارة من اسرار الدولة في الأزمنة السابقة حسب ما قاله أحد الصحفيين الأمريكيين.

وبعد سنين طويلة من فوضى السياسة وسوء الأداء  والإرهاب والتدخلات الخارجية أن جاء الحراك الشعبي التشريني لينبئ بتطور جديد قد يدخل على الساحة العراقية وربما يعيد تشكيل الشخصية العراقية بصورة أفضل كشخصية تحمل قضية. غير أن هذه الحركة بعد انقضاء  قرابة سنتين من عمرها لم تحقق نجاحا يذكر في تغيير الواقع السياسي أو في خلق وعي شعبي جديد. رغم ذلك يبدو أن المشاركين بها والمؤيدين لها من الشباب بدأوا بمراجعة المواقف والأفكار مستلهمين ما نتج عن التجربة التشرينية خاصة لجهة افتضاح حقيقة مواقف قوى سياسية شعبوية وشخصيات  شاركت في الحراك التشريني لتجييرها لصالحها من منطلق الطمع في المكاسب السلطوية وهذا ما  حدث.

لقد انتج الحراك التشرين بعض الوجوه التي قدمت نفسها على أنها يمكن أن تكون بديلا مقبولا عن الأحزاب التقليدية التي حكمت بعد 2003 غير ان ما يلاحظ عليهم أن معظمهم، عدى استثناء واحد أو اثنين، يملكون خطابا "تذمريا" تقليديا يردده عامة الناس و لا يحملون أي تصور للخروج من مأزق الحكم ينم عن فهم عميق للعناصر المتادخلة التي انتجت الحالة العراقية الراهنة ويعزون المشكلة برمتها إلى التدخلات الخارجية وهذه أيضا يختصرونها بالصراع بين إيران والولايات المتحدة. إن هذا التصور الجزئي المبسط يجعل من الإرادة العراقية لا وجود لها خارج الإرادتين الأمريكية والإيرانية بينما تكمن المشكلة العراقية، في نظري،   في تعدد الإرادات العراقية التي تتناقض مع بعضها.

هناك الإرادة الكردية التي يمثلها الحزبان الكرديان الرئيسان الحزب الديموقراطي (!!!) الكردستاني والاتحاد الوطني (!!!) الكردستاني و التي ترى في وحدة الموقف الحزبي والبرلماني والحكومي العراقي أزاء القضايا الكبرى  يعني من الناحية العملية تشكل سلطة مركزية قوية في بغداد  تهدد استحواذهما واستئثارهما بحكم كردستان والتصرف بثرواتها.

يلي ذلك الإرادة السنية ممثلة بكتل عديدة  يرى البعض منها أن وحدة الموقف والرأي  يعني تطابقا أو حتى خضوعا لحكم الأغلبية الشيعية بنما يرى آخرون أن ذلك سوف يؤدي إلى زوال الحدود المذهبية  والذي يمكن أن يؤول في النهاية إلى جعل التمثيل السني بابا مفتوحا للجميع وليس حكراعليهم.

وبالنسبة للشيعة فإن وحدة الرأي والموقف سوف يعني لبعض أحزابها أو كلها أن حدود الامتيازات المتأتية من السلطة سوف تكون متحركة في وقت يسعى فيه كل طرف شيعي إلى الحصول على أكبر قدر من هذ الامتيازات ثم التشبث بها ما أمكنه ذلك (وهو ما يتجلى بأسطع صورة في الظروف  الحالية). وهكذا نكون أزاء صورة أن كل طرف قد أخذ مكانا له داخل مركب متأرجح لا يريد الآخرين أن يشاركوه به.

وتقف الإرادات الحزبية المتنافرة داخل كل فئة مذهبية أو قومية ولكن المتفاهمة ضمنا مع الفئات الأخرى على أن يبقى كل طرف في موقعه لا يبارحه، تقف في مواجهة إرادة جماهيرية متفقة على فساد السلطة السياسية وأكثر منها التنفيذية  وعلى ضرورة التغيير لكنها تفتقد إلى المنهج وإلى أدوات التغيير مما جعلها مشلولة أمام ثبات أحزاب السلطة.

 إذا نحن لسنا بأزاء عراق مقسم بين شيعة وسنة وكرد وحسب بل وأن كل واحد من هذه الأطراف منقسم على نفسه، وكذلك شعب منقسم على نفسه خاصة في الحالة الشيعية حيث نرى انقساما واضحا بين أنصار الكتل المختلفة وهذا الانقسام الشيعي يعكس نفسه بالشارع و لا يوجد ما يماثله في الدرجة في الحالة الكردية أو السنية وإن وجد فهو لا يأخذ طابعا حادا.

لقد أفرزت الانقسامات في الحالة الكردية قوى شبابية (حركة الجيل الجديد مثلا) على درجة متقدمة من الوعي لو واصلت تطورها فقد تنتج في نهاية المطاف حالة كردية جديدة أكثر ديموقراطية وأكثر مسؤولية ليس بالضرورة من خلال إزاحتها للقوى الكردية التقليدية  بل من خلال نجاحها في تنمية رأي عام كردي ضاغط على قوى السلطة في كردستان إلى درجة إجبارها على تغيير سلوكها أو فقدانها السلطة.

ويصعب علي تبين الحالة السنية وإرهاصاتها وماذا يمكن أن ينتج عنها لضعف المعطيات المتوفرة إذ لا نرى على شاشات التلفزيون ووسائل الاتصال الأخرى وجوها سنية بخطاب جديد كما ويصعب فهم الجانب الموضوعي في الصراع بين الكتل السنية المختلفة. ولكن الشئ المؤكد بالنسبة لي هو أن الغالبية الساحقة من جمهور هذه المناطق يؤمن بوحدة العراق وأن هناك أزمة ثقة بينه وبين ممثليه في مجلس النواب وفي الحكومة.

ويبقى الصراع البيني في الحالة الشيعية يمثل بنظري لب المشكلة لكونه ينعكس على الساحة العراقية كاملا بحكم عدم قدرة هذه الكتل على الخروج بموقف واحد أزاء القضايا الكبرى. إن كل كتلة من هذا المكون لا ترى في ما يكسبه أو يخسره الطرف الكردي أو السني تهديدا لها بل ما يكسبه أو يخسره الطرف الشيعي الآخر..لا أقول أن ذلك لا ينطبق عل الكرد والسنة ولكن بدرجة أخف كثيرا. وإذا أخذنا بالاعتبار الضعف العام للحالة العراقية فقد يميل البعض إلى عزو ذلك إلى أن الأكراد لديهم حاضنة أمريكية تعمل على توحيدهم ولو بالحدود الدنيا ويملك السنة حاضنة خليجية تفعل ما يفعله الأمريكيون. أما الشيعة فلا يبدو أن لديهم حاضنة ولو كانت لديهم حاضنة إيرانية كما يدعي البعض لرأيناهم قد توحدوا.

وهكذا أصبح "التخندق" سمة بارزة للحالة السياسية العراقية- خندق شيعي وآخر كردي وثالث سني. ويخرج أحيانا خندق منها ليناوش الخندق الآخر دون أن يصيبه بضرر وتدور معظم الصراعات في حدود كل خندق. لم ينتج الحراك التشريني بنظري بما هو مأمول منه لأن الجماهير لم تخرج من هذا الخندق لتلتقي بجماهير الخندق الآخر نازعة عنها أصفاد المذهب والقومية في إلتحام مصيري بل خرجت لتعبر عن مظالمها ضد زعاماتها كل منها من منطلقاته المطلبية الضيقة وجلها يتعلق بالتوظيف والرواتب وسوء الخدمات وهي مطالب حياتية لا تمس جوهر النظام السياسي الحاكم لذلك نجحت مؤسسة الأحزاب بتكتيكاتها المختلفة في تشتيت هذا الخروج من خلال تغيير بعض الوجوه لتعطي انطباعا مضللا وكأن هناك شئ قد تغير وأن الجماهير قد حققت ما تريد أو بعضا منه.

وأخطر ما في المسألة هو أن هذه الخنادق تتخفى وراء "نظام ديموقراطي"  فيه دستور ومؤسسات وانتخابات ونظام قضائي "مستقل" تبدو للوهلة الأولى أنها تعكس إرادة الجماهير التي لا مصلحة لها في القسمة ولكنها في حقيقة الأمر تعمل جميعها على تكريس تلك القسمة فالقانون أو النظام الانتخابي الذي يحدد عددا ثابتا لممثلي الكرد والسنة والشيعة والمسيحيين والشبك وغيرهم في البرلمان يتناسب وعدد سكان تلك "المكونات" إنما يضع جدارا فاصلا بين تلك "المكونات" لا يمكن اختراقه. مثال توضيحي: ماذا لو اختار نصف مليون ناخب شيعي أن ينتخبوا مسيحيين ليمثلوهم في البرلمان؟ ألا يعني ذلك بالضرورة أن يزداد عدد النواب المسيحيين في البرلمان ويقل عدد النواب الشيعة؟ولكن ذلك لا يحدث لأنه لا يجوز أن يتجاوز عدد النواب المسيحيين ما هو مقرر مسبقا لأنه لو حدث لدمر أسس النظام الذي بات يحرص على بقائه جميع الكتل السياسية. من الناحية الأخرى فلو قررت جماهير كل خندق أن تختار ممثلين لها من نفس الخندق ولكن ليس من بين مرشحي الأحزاب التقليدية في ذلك الخندق فإنها لن تكون قد فعلت شيئا مختلفا كثيرا طالما أنها اختارت ممثلين لها من نفس الخندق ولم تستطع الخروج لتمد يدها إلى جماهير الخنادق الأخرى.

إلى أين يقودنا هذا القول؟ إنه يقودنا إلى الاستنتاج بأن لا أمل  في التغيير الحقيقي وسنظل ننتج نفس منظومة التعطيل ونفس آلة الفساد مرة تلو الأخرى حتى لو تغيرت الوجوه.

وإني أعتقد أن القليلين سياسيين كانوا أم مثقفين أم أناس عاديين يتابعون المأزق اللبناني بما يستحق من الاهتمام.  وتكمن أهميته  في أنه يعكس بأصدق صورة مستقبل العراق السياسي فالمأزق اللبناني يتواصل ويأخذ في كل مرة أشكالا مختلفة عن سابقها أكثر ماساوية بعد مرور أكثر من سبعين سنة على تأسيس الصيغة الحاكمة في لبنان من قبل الفرنسيين والتي يبدو أن الأمريكيين وجدوا في تطبيقها على العراق  أفضل خيار لجعل البلد يراوح في مكانه وهو ما يريح حلفاءها الإقليميين.

تقول تقارير منظمات دولية أن نسبة كبيرة من اللبنانيين باتوا يعيشون على وجبة طعام واحدة في  اليوم و لا يجد الكثيرون ما يكفي من المال لشراء أدوية لأطفالهم بسبب انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار...

ماذا لو حذفنا النفط من المعادلة العراقية؟  عندها لن نكون أفضل حالا من حال لبنان فالصيغة التي تحكم لبنان تحكمنا والولاءات للخارج في لبنان هي نفس الولاءات التي عندنا مع اختلاف غير جوهري في الرعاة، وماكنة الفساد أو بالأحرى مؤسسة الفساد التي تمتد خيوطها لخارج البلاد والعصية على المحاسبة والقوية إلى درجة القدرة على القتل دون أن يراها أحد أو تترك اثرا هي نفسها- نفسها تقريبا في كل مكان. فالنفط لم يفعل سوى أن ستر عرينا وسيظل كذلك لزمن طويل طالما كانت أمواله تضيع بين الاستهلاك المفرط والنهب.

وهكذا يجد الشباب المتطلع للتغيير وكل من يشاركه هذا التطلع نفسه امام مأزق يتمثل بالسؤال: أين يمكن  إحداث التغيير وبأي اتجاه؟ لا قدرة للجماهير على تحطيم صنم المذهبية والقومية ما لم يخرج منها نبي (رجل أو حزب)  يحمل قضية يجمع عليها الناس ويسوسهم ويقودهم ويكون على يديه الفتح وعلى يده تحطم الأصنام.غير أن ذلك هو حلم  لا يشبهه غير حلم من يحلم بعدالة  وشجاعة علي ابن أبي طالب وعمر بن الخطاب لتحل علينا فيكون منها ومعها الخلاص.

لذلك دعونا نستجير بالواقعية حيث يتعسر تحقيق الأحلام فننقل كلام واحد من "رواد" الواقعية السياسة الجدد.

يقدم الدكتور طلال الزوبعي (مقابلة في فضائية "آسيا" 09/07) رأيا بسيطا مفاده أن المشكلة لم تعد تكمن في إعادة إنتاج حكومة محاصصة (على افتراض أن ذلك أصبح مسلما به في الظروف الحالية) بل في كيف يمكن لكل مكون أن يقدم من صفوفه أفضل الشخصيات من حيث  النزاهة والكفائة.

إن هذا المنظور كما يطرحه الزوبعي يعني أن المشكلة الآنية التي يواجهها العراقيون حاليا هي مشكلة أخلاقية طالما كنا نتحدث عن النزاهة ومعيارية طالما كنا نتحدث عن الكفاءة.

ويضيف الدكتور الزوبعي كلاما ذي دلالة: ان التزوير عندما يحصل فهو يستهدف منع الأكفاء والنزيهين من الفوز.

يقول أحد النقاد الاجتماعيين الأمريكيين: أن من ينتخب الفاسدين في كل مرة ليس ضحية بل شريك في الجرم.

وتلك بنظرنا هي حلول أوسط الإيمان...

 

ثامر حميد

 

عندما غادر الرئيس السابق لسلطة الاتلاف المؤقتة، بول بريمر، بغداد بعد مراسيم "نقل السيادة"، في حزيران 2004، خلف ورائه 100 قرارا، كان قد صادق عليها بصفته رئيس سلطة الاحتلال في العراق، واحد من هذه القرارات الخطيرة هو القرار الخاص بخطة العمل الصحفي التي وضعها الاتحاد الدولي للاتصالات "ITU" والتي تتضمن معايير تقنية متعلقة بحقوق البث والاتصال بمنطقة (أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط) وإصدار التراخيص لوسائل الإعلام العراقية، المقروء والمرئي والمسموع منها، والاخطر، القرارات المتعلقة بـ "براءة الاختراع، حول التصميم الصناعي، سرية المعلومات، واصناف الدوائر المغلقة". ومن هذه القوانين المثيرة للجدل ايضا، قانون رقم 39 الذي اسس لهيكلية الاقتصاد العراقي من خلال اعطاء المستثمرين الاجانب حقوق مساوية للعراقيين فيما يخص استخدام الاسواق العراقية المحلية. بيد انه، ليس من قبيل الصدف على الإطلاق، ان يتم تمرير المشاريع والقرارات الخطيرة على مستقبل العراق ومواطنيه، مثل لائحة الدستور الاساسي وقانون الانتخابات العام اللذين يشوبهما الكثير من التساؤل، وقانون (النفط والغاز والمعاهدة الأمنية)،اضافة الى مشروعضم عناصر الاحزاب والعشائر إلى القوات العسكرية وقوى الشرطة والأمن العراقية على أساس الولاءات والمحاصصات الطائفية والعرقية بعد ان كان "الحاكم بأمره بريمر" قد حل جميع هذه المؤسسات ابان غزو العراق. بل كان مخططاً له وفق برنامج معد سلفا بين أطراف أجنبية وعراقية ذات مصالح مشتركة لا زالت تشكل خطرا على العراق ومستقبله.  

لقد سعى الاحتلال منذ غزوه للعراق إلى تشجيع الاتجاهات الهادفة إلى إنهاء كيان العراق كوحدة وطنية، أرضا وشعبا، وتناغمت الأحزاب الطائفية والشوفينية "العربية والكردية ـ الشيعية والسنية" مع هذا المسعى الخطير لتحقيق مآربها السياسية والفئوية.. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل خطر ببال كل هؤلاء الذين أوصلوا العراق الى ما هو عليه اليوم بسبب انتهاكهم للمباديء الاساسية لمفهوم الدولة بهدف تحقيق مآربهم الشعبوية ـ الطائفية على حساب الحقوق العامة للمجتمع، بأن كياناتهم المزعومة، ما دامت مرهونة المصير والأجل، ستكون امام ردة فعل الجماهير الغاضبة غير مضمونة الى ما لا نهاية، وسوف لن يستمر النمر في اطعام البهيمة إلى الأبد.؟   

اذن أزمة الحكم في العراق كما يبدو، أزمة محاولات يائسة لا تجدي ولن ينفع التزويق والنفاق السياسي من على منابر الاعلام احياء مشروع الدولة بسهولة. فالصراعات الطائفية والعرقية اليومية من أجل المكاسب الفئوية لم تعد حالة استثنائية. والخلافات المستمرة حول الانتخابات داخل السلطة وخارجها، كما في كل مرة، هو صراع الضباع على الفريسة لاجل البقاء في السلطة والسيطرة على مركز القرار داخل مجالس السلطات الثلاث. لكن هذه المرة بات من المؤكد بان أغلب الكتل والأحزاب السياسية في العراق اصبحت مدركة تماما بأن المماطلة والتسويف لن يجديها نفعا وان دورها السياسي قد تآكل.  

إختلف المراقبون للمشهد السياسي في تسمية الوضع الحالي في العراق، فالبعض يشير الى انه خطير للغاية، وربما سيقود الى حرب أهلية ان تأجلت الانتخابات او تم اجراؤها دون تحقيق اهم شروطها كالحد من المال السياسي والقضاء على السلاح "المحمي" من قبل احزاب السلطة وميليشياتها. آخرون متفائلون بإجراء الإنتخابات ونزاهتها، فيما يتراوح رأي بعض النخب ووسائل اعلام وصحفيين في مكانه، على غرار بعض السياسيين وقادة أحزاب اعتادوا صناعة الرأي متأخرا، بل اشاعوا فوضى ثقافة الاستسلام في صفوف الثائرين ضد الظلم والقتل والخراب والفساد منذ عقدين، تحت ذريعة الحفاظ على العملية السياسية والنظام الديمقراطي اللذين من الناحية الواقعية لا وجود لهما اساسا.

اكتشف زعيم التيار الصدري "مقتدى الصدر" مؤخرا، مدى خطورة الاخطاء السياسية والمجتمعية التي ارتكبها تياره في الشأن الوطني وعرقلة اصلاح نظام الحكم وتامين استقلال البلاد وصيانة أمن المواطنين، بسبب سكوته على المحيطين به من جهلة مارقين ولصوص احتالوا عليه في كل شاردة وواردة لاجل مصالحهم حتى بات يخسر الكثير مما كان يحظى به من شعبية وسمعة طيبة. وتداركا للموقف اتخذ ثلاثة اجراءات هامة، اولا: اعلان برائته من العملية السياسية وعدم مشاركة تياره في الانتخابات القادمة. ثانيا: سحب يده من الحكومة الحالية والقادمة. ثالثا: الكشف عن وجود منتسبين لتياره يمارسون التضليل والكذب والخداع في الكثير من الامور الحساسة لاغراض شخصية. قرار الصدر هذا يعد سابقة سياسية شجاعة فالعراق لم يشهد في تاريخه المعاصر حزبا او قائدا سياسيا يعترف بالخطأ ويشخصه علنا بمثل هذه الصراحة. قرار الصدر قلب المعادلة السياسية رأسا على عقب، ووضع حسابات قادة الاحزاب دون استثناء موضع الشك، والاهم من ذلك كشف بالمجمل الخلفية الديماغوغية لكل خيوط التآمر الانتخابي على الساحة السياسية. ومن الناحية الاستراتيجية هو موقف وطني مسنود بالقول: (فاليأخذوا المال والانتخابات ويتركوا لنا الوطن) ـ فان تراجع سيخسر الرهان وثقة الناس به. ان التجربة السياسية في العراق اثبتت من خلال الوقائع ان الولاءات الحزبية نظرا لأجندات آيديولوجية او طائفية او أجنبية ـ  سوف لن تجعل الاحزاب منصرفة باتجاه سلطنة الانتماء لحماية الوطن، بقدر الاتجاه الى ما هو قائم: اي الدفاع عن الحزب ـ بمعنى آخر ـ يصبح الوطن ايقونة للفساد وضمان المكاسب داخل السلطة وخارجها ليس الا.! 

لقد فاجأ الحزب الشيوعي العراقي المنظومة السياسية والمجتمع العراقي بإعلانه مقاطعة الانتخابات، وليس مهما مدى تأثير القرار على اصحاب السلطة، لكن اتخاذه بالتأكيد مهم للاغلبية الصامتة والمجتمع العراقي الذي ينشد تغيير النظام السياسي بالكامل. السؤال: لماذا لم يتم اعلان المقاطعة في اوائل تموز حينما جرى استفتاء الحزب عليه وليس في 24 تموز؟، سيما وقد سبق للحزب ان اعلن في 9 ايار 2021 عن تعليق "تجميد" مشاركته. المثير للغرابة، لماذا تمهل الحزب؟، ولماذا تدارك الامر بعد اعلان الصدر عدم مشاركة تياره في الانتخابات القادمة؟. لو كان له السبق لحسب ذلك انتصارا لشهداء الانتفاضة!. 

اتسم العديد من الاحزاب المدنية التقليدية والتيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني بفك الارتباط عن النضال الجمعي ضد الطغمة المتسلطة رغم كل النصائح التي اتت لها حتى من داخل صفوفها. ولم تستوعب خطر المضي مع فئة بربرية تمسك بالمال والسلاح والميليشيات والسلطة على مستقبلها السياسي. بيد انهم فضلوا مغازلتها لاجل حفنة مكاسب رمزية اودت بسمعتهم وتاريخهم السياسي داخل المجتمع العراقي سيما بين الشباب الذين علمتهم الازمات والمعاناة على مدى ثمانية عشر عاما، فن السياسة والنضوج الفكري. ان فهم طبيعة الصراعوالظروف التي تعاني منها طبقات المجتمع المسحوقة، يقودنا للجواب على السؤال: لماذا اعلن الحزب تعليق مشاركته بعد قرار الصدر بعدم المشاركة؟. وبغض النظر عن فهمنا لمعنى كلمة (تعليق) "وقف ـ بصورة مؤقتة’" وفي هذا السياق معنى كلمة (عدم) "رفض التعامل بشكل قاطع"، فالحزب مع هذه الازدواجية كان امام خيارين ـ الاول: انه كان غير مستعد لخسارة اي جزئية من تموضعه السياسي في ظرف تكاد ان تكون العملية السياسية متدحرجة نحو المجهول، الامر الذي لم يسمح له بالرهان قبل الصدر. الثاني: ادراكه بان عدم اتخاذ قرار التعليق سيضعه امام منعطف سياسي ـ مجتمعي حرج يكلفه خسائر انتخابية ومعنوية يصعب تجاوزها او اصلاحها على المدى المنظور.   

ان سلوكا كهذا أفضى الى نوع من "الاختناق الفكري" وعدم التوازن بين طبيعة الصراع القائم والشروط الموضوعية التي لا تعني التجرد والجمود بقدر ما تعني عمليا ونظريا، اهمية توخي الدقة في اتخاذ المواقف والقرارات وضبط ايقاعها المرحلي والزمني بشكل شمولي دون تردد كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي ريموند أرون.. في مقابلة في احدى الفضائيات العراقية في معرض اجابته على سؤال: ما رأيه بقرار الصدر؟، اجاب احد قادة الحزب قائلا، انها خطوة جيدة على ثوار تشرين الاستفادة منها ـ مضيفا ـ عليهم أيضا كشف اسماء الفاسدين ـ يا للسخرية، مسؤول حزبي بهذا المستوى يطالب المتظاهرين كشف اسماء الفاسدين ـ لا نعلم هل هي مزحة ام زلة لسان؟. أفلا يستطيع الحزب وهو شريك في العملية السياسية منذ 2004 ولديه من الوسائل والمعلومات الكافية، ان يكشف للمجتمع العراقي الحقائق التي نعتقد بانها من صميم مسؤولياته الوطنية والسياسية والاخلاقية، وليس من مسؤولية بؤساء القوم في سوح التظاهر ومنعطفاتها.. 

المفارقة طلبات الانسحاب وصلت لغاية 28 تموز الى خمسة ومرشحة للمزيد، والمناورات الانتخابية بين جميع الاطراف لاتزال ملتهبة. فيما تؤكد المفوضية العليا للانتخابات انها لم تستلم بشكل رسمي أي طلب بالانسحاب، وباب تقديم طلبات الانسحاب أغلق في العشرين من يونيو الماضي. لكن ما لا نعرفه مَن مِن الاطراف قدم فعلا انسحابه خطيا وبشكل رسمي لمفوضية الانتخابات وتم تأكيد موافقتها على الانسحاب بشكل قطعي لا لبس فيه من الناحية القانونية. يقودنا هذا لان نتساءل كيف لحزب تقليدي كالشيوعي له ارث حافل ان يرتضي لنفسه، نظاما طائفيا، يجاهر احد اطرافه الرئيسيين بمقولة خطيرة (اخذناها وما ننطيها بعد ـ على أشلاءنا) اي البقاء في السلطة باي ثمن. لكن اي ثمن سيدفعه الحزب ان عاد وقرر المشاركة لسبب ما، اذ جاء في بيانه الصادر في 27 تموز 21 : "ان مقاطعتنا الانتخابات في ظل الازمات الخانقة الراهنة لا نستهدف العملية الانتخابية كممارسة ديمقراطية".. دون الاشارة عن اي ديمقراطية في ظل "عملية سياسية ـ طائفية فاشلة" يتحدث ؟.   

 

 عصام الياسري

 

 

علاء اللاميمع رابط تحميل: كتاب: تعني الفرانكفونية في تعريفها الإعلامي الأشهر الترويج للغة الفرنسية والثقافة الفرنسية، مثلما تعني الانتماء إلى "منظمة دولية مقرها باريس و"تعتمد اللغة الفرنسية قاعدة لها، وتعمل على تعزيز وتوطيد الروابط السياسية والثقافية والأمنية والاقتصادية في ما بينها لتتمكن من مواجهة التحديات". ولكن الفرانكفونية أمست تعني في ما تعني نزعة أيديولوجية مناهضة للثقافات المحلية للبلدان المستعمَرة السابقة تبلغ أحيانا درجة تأييد الدعوات الانفصالية الثقافية أو السياسية التي يتبناها بعض الأفراد والجماعات. إن الفرانكفونية تمت بصلة مضمونية وثيقة إلى نمط الاستعمار الفرنسي الخاص والذي لا يقف عند ما يعنيه ويتطلبه النمط الاستعماري الأوروبي التقليدي من نهب ثروات البلدان المستعمَرة وتحويلها الى سوق للسلع الرأسمالية ومصدر لليد العاملة الرخيصة والخامات الثمينة وموضعها القواعد العسكرية الاستراتيجية بل تتعدها الى ما يسميه عبد الإله بلقزيز (إجراء جراحة ثقافية ولغوية تيتبع المستعمَر للمستعمِر وتأتي على استقلال شخصيته وكيانه/ ص 19 - الفرانكفونية: أيديولوجيا. سياسات. تحدي ثقافي لغوي/ مجموعة مؤلفين".

هذا المضمون ما يزال يشي به حتى اليوم تعريفها على موقعها الرسمي الذي يجعل اللغة الفرنسية حاملة لمشروع "القيم الإنسانية" كما تفهمها الدولة الفرنسية حيث يقول التعريف (الفرانكفونية تمثل مجالا من أكبر المجالات اللغوية العالمية. فهي ليست مجرد تقاسم لغة لأنها تعتمد أيضا على أساس الاشتراك في القيم الإنسانية التي تنقلها اللغة الفرنسية. ويمثل هذان العنصران الدعائم التي ترتكز عليها المنظمة الدولية للفرنكوفونية/ تقرير لموقع بي بي سي).

* وعلى هذا فليس دقيقا القول إن الفرانكفونية هي مجرد تهمة تشنيعية يلقيها الإسلاميون السلفيون ضد خصومهم العلمانيين المحليين، فحتى لو استعمل الإسلاميون هذه التهمة بين أسلحتهم الهجائية بمواجهة أسلحة خصومهم العلمانيين المتشددين، فهذا ليس دليلا على جوهر الفرانكفونية الحقيقي، إذ أن الفرانكوفية كمصطلح سبقت في ظهورها صعود الحركات الإسلامية المعاصرة بعدة عقود، وقد صكَّها الجغرافي الفرنسي أونسيم روكولو كمصطلح استعماري للمرة الأولى في القرن التاسع عشر في كتاب حمل اسم "فرنسا والجزائر ومستعمراتها". وقد برزت الدعوة لتأسيس منظمة الدول الفرانكفونية في ستينات القرن الماضي بدعم مالي وإعلامي وسياسي ضخم من الدولة المستعمِرة "فرنسا" لتحقيق نوع من العودة من النافذة بعد أن طردتها الشعوب وحركاتها الاستقلالية من باب التحرر الوطني آنذاك.

* ليس دقيقا أيضا القول إن الفرانكفونية وشبيهتها الإنكلوفونية ومنظمة "الكومنولث" خالية من أي بعد سياسي وثقافي وأيديولوجي فهي محملة بهذه الأبعاد رغم كل الكلام الإنشائي الذي ينفي وجودها، ولعل الأسوأ من تبرئة الفرانكفونية من هذه الأبعاد هي مساواتها بالنزعة الهوياتية المحلية "الوطنية" واعتبارها مساوية أو مماثلة لما يسمونها العربفونية "نسبة إلى اللغة والهوية العربيتين".

* إن مساواة نزعة التبعية الفرانكوفونية لدائرة ثقافة وسياسة البلد المستعمِر السابق "فرنسا" باللغة والثقافة المحلية العربية في بلد عربي ما دليل ملموس على البعد الأيديولوجي في هذا المسعى القائم على التبعية غالبا، أما عمليا فنحن نجد أحيانا، إلى جانب الفرانكفونية التابعة المستَلبة نوعا من الفرانكوفونية الإيجابية المندغمة بهويتها الوطنية ولا يعدو استعمالها للغة الفرنسية إلا أداة تواصل وتوصيل إلى جانب اللغة الوطنية المحلية.

بمعنى أن هذا البعد ليس سلبيا دائما فهناك أمثلة على اتجاه فرانكفوني آخر يعتمد الاستقلالية والنزعة الوطنية المدافعة عن ثقافتها وهويتها المحلية منتجة أدبها باللغة الفرنسية أو بالفرنسية واللغة العربية معا كما هي الحال مع الكاتب التقدمي الجزائري رشيد بوجدرة وغيره، وهو - في المناسبة - كاتب مهمش وغير مرحب به من قبل المؤسسات الثقافية الفرنسية قبل غيرها ولهذا السبب الاستقلالي بالذات!

* هناك أيضا نوع نفعي من الفرانكفونية اللغوية يخص بعض الدول التي لا تضم الكثير من الناطقين بالفرنسية ولكنها تطمع ببعض المساعدات المادية وغير المادية التي تمنحها الدول المستعمِرة السابقة، وهناك أيضا نوع شبه محايد منها يمثله بعض الأكاديميين والعاملين في ميادين العلوم التخصيصية باللغة الفرنسية دون أن يترتب على ذلك أية تبعية أو مواقف سياسية مشتقة من السياسيات الفرنسية الرسمية للدولة لمؤسسة الفرنسية.

*لقد تأسست منظمة الدول الفرانكفونية ومقرها باريس بدعم فرنسي مباشر وبمبادرة من "شخصيات سياسية في مطلع ستينيات القرن الماضي بتقديم اقتراح يقضي بتجميع البلدان حديثة العهد بالاستقلال والراغبة في الحفاظ على علاقات لغوية وثقافية مع البلد المستعمر السابق "فرنسا" كان من بينها الحبيب بورقيبة ورؤساء النيجر والسنغال وكمبوديا، كما كتب مصطفى المسناوي، مجلة العربي عدد / 515/2001. ولكن نفوذ ودائرة الفرانكفونية لا يقتصر على المستعمرات السابقة، بل يشمل ست دول أوروبية هي سويسرا، رومانيا، لوكسمبورج، بلغاريا، ألبانيا، موناكو، فرنسا، وفي قسم من بلجيكا، وهذه الدول وإن لم تكن جزءًا من المستعمرات الفرنسية نتيجة روابط ثقافية قديمة وبسبب سيادة اللغة الفرنسية كلغة للطبقات الارستقراطية في بلاطات بعض الممالك الأوروبية) فالفرنسية "هي لغة العائلات الملكية والنبيلة في كل الأقطار الأوروبية بما فيها روسيا ودول أوروبا الشرقية" كما كتب جورج قرم، مجلة العربي م.س".  مضاف إلى ذلك عامل صعود وهيمنة اللغة الفرنسية خارج فرنسا وفي "كل أوربا منذ بداية عصر التنوير الأوروبي - في القرن الثامن عشر- وكانت هي المعتمدة في العلاقات الدولية " كما يسجل الباحث جورج قرم.

 

علاء اللامي

........................

للمزيد حول موضوع الفرنسية: رابط تحميل كتاب "الفرانكفونية: أيديولوجيا. سياسات. تحدي ثقافي لغوي/ مجموعة مؤلفين": 

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D9%83%D9%88%D9%81%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%AD%D8%AF-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%BA%D9%88%D9%8A-pdf