ابراهيم أبراشقبل الولوج للحالة الفلسطينية وتبيان الوضع الصعب الذي بات عليه الواقعيون الفلسطينيون- القيادة الفلسطينية ونخبها- لا بأس من مراجعة سريعة تؤصل لنظرية الواقعية السياسية وهي النظرية التي تم التجني عليها كثيراً وباسمها اندلعت حروب واقتُرِفت جرائم وانتشر الاستبداد السياسي، وحتى بالنسبة لحركات التحرر الوطني فقد كانت الواقعية السياسية تصرف عقلاني لبعضها ساعدها على تحقيق كل أو بعض أهدافها الوطنية بأقل الخسائر أما بالنسبة لحركات تحرير أخرى فقد أدت الواقعية السياسية إلى التماهي مع سياسة دولة الاحتلال والاستسلام لمشيئته أو اندلاع حرب أهلية .  

من المعروف أن النظرية الواقعية في السياسة جاءت كرد على/أو في مواجهة النظرية المثالية، فإذا كانت المثالية تنظر للعالم وخصوصاً للعلاقات الدولية وداخل المجتمع نظرة أخلاقية مثالية وتتعامل مع الجانب الإيجابي عند البشر وتنبذ القوة والعنف وتدعو إلى ما يجب أن يكون وتأمل بالوصول إلى عالم خالي من العنف والصراع على المصالح، فإن الواقعية السياسية على العكس من ذلك تنظر الى الجانب السلبي في الطبيعة البشرية وتهتم بالمصالح والصراع حولها وبالقوة وتوازناتها أكثر من اهتمامها بالمثل العليا والجوانب الأخلاقية والقانون الدولي، ومن المدرستين أو المذهبين السياسيين انبثقت عدة مدارس فكرية وفلسفية وانبني عليهما عدة تطبيقات عملية في زمن الحرب وزمن السلم.

وهكذا تم التواضع على أن الواقعية السياسية هي إعمال العقل في الواقع بعيداً عن الشعارات والعواطف، وتسبيق المصلحة على غيرها من الاعتبارات، وأن القوة هي ضمان تحقيق المصالح القومية. إلا أن النظرية الواقعية السياسية تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب مبالغتها بالمراهنة على القوة والمصلحة وأن الوصول للسلام لا يتم إلا من خلال القوة وتجاهلها للقانون الدولي والشرعية الدولية.

الخطورة في الواقعية السياسية لا تكمن في دلالاتها ومفاهيمها الأولى بل في سوء فهمها وتوظيفها لاحقاً بحيث أصبح السياسيون والكيانات السياسية ممن يرفضون فكر الثورة والتغيير والديمقراطية وممن لا يؤمنون بقدرة الشعب على التغيير يبررون ممارساتهم في مواجهة تلك الدعوات ومطالب التغيير بأنهم واقعيون وعقلانيون بحيث أصبحت الواقعية أقرب إلى الفكر المحافظ والرجعي .

وفي هذا السياق نشير إلى عدة منزلقات وتشوهات اقترنت بالواقعية السياسية أو اختلطت بها:-

1- الواقعية السياسية لا تعني الاستسلام للأمر الواقع كما يفسرها أو يروج لها أصحاب النفس القصير والمستسلمون الذين يبررون سياساتهم المتخاذلة وغير الوطنية بأنه ليس في الإمكان خير مما هو موجود-الواقع القائم -.

2- المعنى العلمي والصحيح للواقعية غير منفصل عن العقلانية، إنها إعمال العقل في الواقع بشموليته؛ ووضع الخطط   والاستراتيجيات العملية للتعامل معه بأبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية والمجتمعية وفي سياق البيئة الإقليمية والدولية،فإن كان الواقع يخدم مصلحة الأمة – دولة مستقلة أو حركة تحرر وطني- وأهدافها فالواقعية السياسية تعني تطويره والبناء عليه، وإن كان ضد مصالحها فالواقعية السياسية تعني تغييره.

3- لأن الواقعية السياسية تنطلق من حسابات الواقع وحيث إن الواقع، سواء ضمن البيئة الداخلية أو الخارجية أو كليهما، يتغير باستمرار فإن السياسات المبنية على الواقعية السياسية يجب أن تتغير بتغير الواقع وإلا أصبحنا أمام فكر وسياسة رجعية ومحافظة.

4- الواقعية السياسية لا تعني التجرد كلياً من الأخلاق والمثل أو عدم الالتزام مطلقاً بالشرعية الدولية وبالسلام العالمي، بل تحتاج الدول والكيانات السياسية التي تقول أو تمارس الواقعية إلى بعض هذه القيم والمنظومات، أو التصالح معها؛ أو يكون لها فهم خاص لها، حتى لا يتم نبذها من عالم يدعو للسلام والمحبة.

5- كل دول العالم اليوم تسير على نهج الواقعية السياسية التي تُسَبِّق المصالح القومية على غيرها من الاعتبارات، حتى وإن قالت عكس ذلك، ولكن واقعيتها تتغير وتتبدل حسب مقتضيات الظروف، كما أنها تلطِف واقعيتها وتخفيها أحيانا بالشعارات والايديولوجيات الدينية أو الثورية الخ.

بالعودة إلى الحالة الفلسطينية فإن الواقعيين السياسيين ظهروا منذ السنوات الأولى للثورة عندما تمت الدعوة للتواصل مع القوى اليهودية غير الصهيونية وتبني شعار/ هدف دولة ديمقراطية يتعايش فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون؛ ثم مع تبني سياسة المرحلية 1974 وخطاب الرئيس ابو عمار في الأمم المتحدة في نفس العام (غصن الزيتون والبندقية)، إلا أن المحطة الأبرز للواقعية كان في قرارات المجلس الوطني في الجزائر 1988 (دورة إعلان الاستقلال) وتبني قرارات الشرعية الدولية والقبول بدولة على حدود 1967، آنذاك تبنى أبو عمار ورفاقه - خصوصاً صلاح خلف وخالد الحسن ومحمود عباس- واقعية الثوار المجروحين أو واقعية الانحناء للعاصفة لتجنب ما هو أسوأ، دون التخلي نهائياً عن نهج الثورة، وإعلان (الاستقلال) في الجزائر مهد الطريق لتوقيع اتفاقية أوسلو.

ما دفع القيادة الفلسطينية لهذا النهج (الواقعي) أن وضع منظمة التحرير كان في تراجع بعد خروجها من لبنان 1982، وكان وضع مقاتلي الثورة في الخارج بئيس جداً، والانتفاضة الأولى 1987 بدأت تخبو، وتم محاصرة المنظمة عربياً ودولياً بعد اتهامها بالتواطؤ مع صدام حسين ودعمه خلال حرب الخليج الثانية 1991 /1990... إلا أن هذه الواقعية السياسية انزلقت نحو توقيع اتفاقية أوسلو الذي كان خروجاً عما ورد في إعلان الاستقلال، كما كان مراهنة على أن تؤدي أوسلو إلى وقف الانحدار وإعادة تجميع الأوراق.

 الواقعية السياسية الفلسطينية اصطدمت بالتعنت الإسرائيلي واستمرار الاستيطان ومصادرة الأراضي وبالسياسة الأمريكية التي تراجعت عن وعودها وبمواقف عربية متراخية، كما أن قوى سياسية فلسطينية رفضت هذه الواقعية السياسية واعتبرتها استسلاماً بل خيانة وطنية، آنذاك قرر أبو عمار عام ٢٠٠٠ وبعد فشل لقاء كامب ديفيد ٢ العودة لنهج الثورة والكفاح إلا أن إسرائيل كانت له بالمرصاد.

ما بعد أبو عمار ومع تولي الرئيس أبو مازن عام 2005 لكل الرئاسات دخل النظام السياسي في حالة سياسية ملتبسة، فكلما ازدادت المنظمة والسلطة تمسكاً بالسلام وتأكيداً على رفض كل أنواع العنف ضد الاحتلال حتى حق الدفاع عن النفس كلما زادت إسرائيل من ارهابها ومشاريع استيطانها، وكلما زادت القيادة تمسكا بالشرعية الدولية كلما أوغلت إسرائيل في انتهاك القانون الدولي والشرعية الدولية، مما جعل فكرة حل الدولتين الذي تتمسك به القيادة كتعبير عن الواقعية السياسية بعيدة كل البعد عن الواقع، وبالتالي انفصال السياسية الرسمية عن الواقع.

 وصف نهج القيادة بأنه واقعي وعقلاني فقد معناه عندما تخلت القيادة عن توظيف قوة الشعب وكل أشكال المقاومة الشعبية لردع إسرائيل وكورقة على طاولة المفاوضات؛ وعندما لم تجد القيادة شريكاً إسرائيلياً للسلام، وعندما فقد الفلسطينيون عمقهم العربي والإسلامي كما فقدوا أي حليف دولي قوي مما جعل واقعية وعقلانية المنظمة والسلطة أقرب للاستسلام للأمر الواقع أو أقرب للمثالية السياسية وهذه الأخيرة لا تصلُح مع كيان استعماري إرهابي استيطاني كإسرائيل.

وهكذا فقدت واقعية الثوار والمناضلين قوة دفعها وروحها النضالية بالرغم من كل الجهود التي تبذلها القيادة على المستوى السياسي والدبلوماسي وخصوصاً على مستوى الأمم المتحدة .

هذا التخبط في النظام السياسي والمبالغة في الواقعية لدرجة تحولها إلى وقوعية أدى لتسلق انتهازيين إلى مراكز القرار ووصول النظام السياسي لطريق مسدود وفقدان الأمل وحالة من التيه السياسي والانقسام وتفكك الهوية الوطنية الجامعة وحالة غضب شعبي تجلى مع أحداث حي الشيخ جراح والمواجهات مع الاحتلال وأحياناً مع أجهزة أمن السلطة والمواجهات المسلحة على جبهة قطاع غزة وما يعيشه قطاع غزة من حصار وفقر وتفرد حركة حماس بالسلطة، ومطالبات قوية بالانتخابات وتغيير النظام السياسي، كل ذلك قد يؤدي لتصويب مسار النظام السياسي وعقلنة الواقعية السياسية برفدها بقوة الشعب ووحدته.

 

إبراهيم أبراش

 

 

اسماء شلاشتونس: أصلها "تؤنس" من الأنس والمؤانس. وقد أشار المؤرّخ عبد الرحمن بن خلدون إلى أصل كلمة "تونس" التي أطلقت على حاضرة شمال إفريقيّة، فأرجع أصلها إلى ما عرف عن المدينة من ازدهار عمراني وحيوية اقتصادية وثقافية واجتماعية حتى أنسها الفاتحون والوافدون وتبادلوا مع سكانها الألفة، فقد أشار المؤرخ إلى أنّ اسم "تونس" اشتقّ من وصف سكانها والوافدين عليها لما عرفوا به من طيب المعاشرة والأنس..

اليوم، بعد أن أنست إلى لنفسها وهدأت لديمقراطيتها وعبق ياسمينها الذي فاح منذ عقد بعد سنين من استبداد بغيض.. صرنا نناشد أُنسها مرة أخرى، فهي ميلاد الثورات التي نريدها أن تبقى.. لكن لن تهدأ نفوس أرباب الثورات المضادة، ويناموا ملء جفونهم حتى يحطموا كل التجارب الديمقراطية التي أتى بها الربيع العربي الذي بدأ من تونس..

كذلك لن تهدأ روح محمد بو عزيزي عراب الثورات ومؤججها بعد أن يعرف أن بلده تونس قد هبت عليها ريح غدرهم. تونس أول معقل للثورات وآخرها حتى الآن، تصاب بحمى الحنين إلى الديكتاتورية، ليس صدفة بل هو ميعاد ضربه صناع الفوضى والنهايات لكل حركة حرة..

الذين جعلوا الشعوب أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التطبيع في ظل أنظمة مستبدة، أو دمار وقتل وتجويع..

أنظمة الثورات المضادة ومن يتبعهم من مرتزقة وإعلام ومستفيدين وأتباع، قادوا بإعلامهم وأفواههم ومنابرهم حرباً منظمة ضد الحريات وإعادة تدوير نفايات الاستبداد. فهم أخذوا على عاتقهم أن يجعلوا المواطن في حنين دائم لعهود الاستبداد بعد ان دمروا كل خيارته في حياة كريمة، من دعم لنظام الأسد والسيسي وحفتر.. ورعاية التطبيع وتمويله وتنفيذه، إلى جعل المواطن العربي مدمر بنيوياً ومادياً ونفسياً، لا يفكر سوى برغيف الخبز الذي جعلوه حلماً، ليصرفوا نظره عن أحلام التغيير وحرياته الأساسية، بينما تُصرَف أموالهم الطائلة على تدمير مشاريعه في الحياة. وتمويل الانقلابات على تطلعاته التحررية.

لكن ماذا سوف يقول صاحب أشهر المقولات والصرخات في الربيع العربي بعد إسقاط بن علي ١٤ يناير ٢٠١١ (هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية).. وماذا تقول قرطاج القديمة والجديدة، تلك التي تم تأسيسها عام 814 قبل الميلاد.  والتي شهدت في ذلك الوقت نظاماً سياسياً ديمقراطياً فريداً من نوعه، يتكون من مجلس شيوخ ومجلس شعب مع وجود سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، تتم تكوينها عن طريق الانتخاب. حيث كان كل شيء يتم عن طريق القانون والدستور، إنه مجتمع مدني وديمقراطي في ذاك الزمن.. أما اليوم، وفي حاضر الديمقراطيات، في "عصرية" العصر قلبوا الحالات وانقلبوا على قديم الديمقراطية وجديدها..

تونس التي ظلت بعيدة عن أيادي صيادي الثورات لكنهم يحاولون الآن إعادتها إلى حظيرة المستبدين ونتمنى أن يكون هناك متسع من أمل كي لا تنجح المهمة حتى نهايتها.. وتفشل أهداف الانقلاب وداعميه.. وتعود الحرية إلى نصابها..

إن الحرية وعدمها مثل اللونين الأبيض والأسود لا تقبل حلولاً وسطى. فإما أن تكون حراً وترى أن ما حدث هو اعتداء على الحرية والديمقراطية وإما أنك لا ترى أبدأ، ولا توجد تسمية أخرى .. لأن الحرية هي فعل "جيني" لايتم اكتسابه من أحد ولايهبه للإنسان أحد.. لا أوروبا، ولا عقدة الدونية أمام الغرب القدوة للكثر المبتهجين بانقلاب تونس وعقلهم الديمقراطي المتناقض الذي يحتاج لبرمجة نفسه كي يعي معنى أن تكون حراً . وعلى ذكر أوروبا، فإن أغلب دول أوروبا إن لم يكن كلها تحكمها أحزاب دينية، وحتى أحزاب دينية متطرفة أحياناً. ومعظم تلك الأحزاب تعاني فساداً سياسياً وفضائح.. لكن أحداً لم ينقلب على دستور بلده بحجة التغيير، بل تركوا القرار للشعب بإجراء انتخابات، لأنهم يحسبون حساب الشعوب، ولأن ذلك من بديهيات الديمقراطية بألا ينقلب رئيس على السلطة التنفيذية والقضائية.. والدستور..

لا توجد حرية على مقاس كل شخص أو وفق هواه وثوبه وعقيدته وأحقاده وإلا لما كانت حرية.

ختاماً: إن الذي حكمنا منذ سبعين سنة، حتى الآن، بالنار والحديد والقمع والتسلط والقبضة الأمنية، هي أنظمة تسمي نفسها علمانية اشتراكية قومية.. وليس إسلاماً سياسياً، سواء نظام مصر أو سورية أو بن علي الذي تهللون الآن لعودة عهده وغير ذلك من الأنظمة الجمهورية والملكية .. لذلك اجعلوا صراخكم أقوى ضد هذه الأنظمة.. لأننا إن تحررنا منها فكل الحريات الأخرى الحقيقية تبدأ..

 

أسماء شلاش

 

 

كاظم الموسويليست مفاجأة هذه الإهانات العنصرية، وليست الأخيرة طبعا، ولكنها الاحدث والأغرب في سياقها في المملكة المتحدة. فقد طالت اللاعبين البريطانيين، ماركوس راشفورد، جايدون سانشو وبوكايو ساكا، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، على خلفية إهدارهم لركلاتهم الترجيحية أمام حارس مرمى الفريق الايطالي في نهائي كأس أوروبا لكرة القدم، ما أدى إلى خسارة منتخب "الأسود الثلاثة" 2-3 بعد التعادل 1-1 في الوقتين الأصلي والإضافي على ملعب ويمبلي الشهير. وكان مدرب الفريق غاريث ساوثغيت قد ادخل راشفورد وسانشو في الدقائق الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني بهدف تنفيذ ركلات الترجيح، معتمدا أيضا على البديل الآخر ساكا. لكن اللاعبين، ذوي البشرة السوداء، أخفقوا في محاولاتهم، ما جعلهم عرضة للإساءة العنصرية على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا الامر حصل في الرياضة، التي ترادفها مصطلحات بعيدة جدا عن روح ما حملته تلك الحملات المسيئة. وهذه فضيحة للتناقضات المتفشية.

الأمر الذي دفع رئيس الوزراء بوريس جونسون (12 تموز/يوليو 2021) الى استنكار تلك الإساءات. مغردا عبر تويتر "المنتخب الإنكليزي يستحق الإشادة به كبطل وليس التعرض للإساءة العنصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي". وأضاف رئيس الوزراء "هؤلاء المسؤولون عن هذه الإساءة الفظيعة يجب أن يخجلوا من أنفسهم".

 كما رد الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم على تويتر "نشعر بالاشمئزاز لأن بعض أعضاء فريقنا الذين قدموا كل شيء للفريق هذا الصيف، تعرضوا لإساءات تمييزية عبر الإنترنت بعد مباراة الليلة"، مشدداً "نحن نقف بجانب لاعبينا". وتابع في بيان منفصل "الاتحاد الإنكليزي يدين بشدة جميع أشكال التمييز وهالَهُ ما صدر من عنصرية على الإنترنت تستهدف بعض لاعبي إنكلترا على وسائل التواصل الاجتماعي". وشدد "لا يمكننا أن نكون أكثر وضوحاً بأن أي شخص يقف خلف مثل هذا السلوك المثير للاشمئزاز غير مرحب به في متابعة الفريق".

وأفادت شرطة لندن أنها تحقق في منشورات "مسيئة وعنصرية"، موضحة في تغريدة على تويتر "نحن على علم بعدد من التعليقات العدائية والعنصرية على وسائل التواصل الاجتماعي موجهة ضد لاعبي كرة القدم بعد نهائي كأس أوروبا 2020". وتابعت "هذه الإساءة غير مقبولة إطلاقاً ولن يتم التسامح معها وسيتم التحقيق فيها". واتخذ لاعبو إنكلترا موقفاً قوياً ضد العنصرية في البطولة وركعوا قبل مبارياتهم الاخيرة.

شاركت وزيرة الداخلية بريتي باتل: أشعر بالاشمئزاز لتعرض بعض اللاعبين الإنجليز الذين قدموا الكثير لبلادنا خلال الصيف الحالي لإساءة عنصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

عكست هذه الأقوال عمق الإهانات والاساءات التي حصلت وعبرت عن ما هو خفي أو ما وراء ما ظهر على الواجهة.. فقد أظهرت حركة "حياة السود مهمة" وتظاهراتها أن العنصرية ثقافة متغلغلة في مجتمعات غربية كثيرة، ومنها المجتمع البريطاني.

كشف استطلاع للرأي جديد مولته صحيفة "الاندبندنت" البريطانية ونشرت مقالا عن نتائجه، (2021/04/05) أن شريحة كبيرة من البريطانيين تعتقد بوجوب أن تشرع المملكة المتحدة في التصدي لمشكلتها المستفحلة المتمثلة في العنصرية.

ورأى كثيرون ممن شاركوا في ذلك الاستطلاع أن مؤسسات بريطانية عدة، بدءاً من الحكومة والشرطة ووسائل الإعلام، وصولاً إلى الأسرة الملكية، تشكل مؤسسات عنصرية. ووفق الدراسة الاستطلاعية التي أجرتها مؤسسة "بي أم جي" BMG بطلب من الاندبندنت"، فإن نسبة الأشخاص الذين يعتقدون بعنصرية المؤسسات البريطانية تزيد على نحو لافت في أوساط السود والآسيويين والأقليات الإثنية (الذين يعرفون في بريطانيا بمجتمع الــ"بامي" Bame، اختصاراً لعبارة Black, Asian & Minority Ethnic).

وبالتزامن مع نشر تقرير "هيئة النظر في العنصرية والتمييز العرقي" بعد مرور أربعة أشهر على الموعد الذي يُفترض نشره فيه، جاءت الدراسة الاستطلاعية الجديدة كي تُبين أن قرابة ثلث الأشخاص المستطلعين المتحدرين من أقليات إثنية (31 في المئة)، يرون في حزب المحافظين حزباً عنصرياً. في المقابل، يتبنى 20 في المئة من عموم البريطانيين (من مختلف الأعراق) ذلك الرأي، الأمر الذي يُشير إلى اختلاف في وجهات النظر مرده إلى تمايز في واقع العيش، وفق مقال الصحيفة.

إذ رأى واحد من كل ثلاثة بريطانيين (33 في المئة) أن قوى الشرطة عنصرية، فيما ترتفع نسبة أصحاب هذا الرأي إلى 42 في المئة، بين المستطلعين المتحدرين من أقليات إثنية. كذلك كشف الاستطلاع أن ما يناهز ثلث البريطانيين المتحدرين من أقليات إثنية (33 في المئة) يعتقدون أن الصحف الشعبية في بريطانيا عنصرية، فيما شاركهم هذا الرأي أكثر من ربع البريطانيين من مختلف الأعراق (28 في المئة).

وعلى نحوٍ مماثل، بشأن سؤال الاستطلاع عن التماثيل والنصب التاريخية وأسماء الشوارع المرتبطة بماضي بريطانيا الاستعماري، رأى قرابة نصف المستطلعين المتحدرين من أقليات إثنية إنهم يودون إزالتها وتغييرها، وقد وافق على ذلك قرابة خُمس البريطانيين من الأعراق كافة (22 في المئة).

ورأت نسبة واحد من كل أربعة بريطانيين من أوساط الـ"بايم"، أن الاسرة الملكية عنصرية. وفي المقابل، وافق 22 في المئة من إجمالي البريطانيين (من مختلف الأعراق) على ذلك الرأي الذي جاء متزامناً مع دخول الأسرة الملكية البريطانية في قلب سجال حول العنصرية، إثر مقابلة أجرتها الإعلامية الأميركية أوبرا وينفري مع ميغان ماركل والأمير هاري، دوقة ودوق ساسكس.

حسب ما جاء في الصحيفة، رأى رئيس قسم الاستطلاعات في "بي أم جي"، روبيرت ستروذيرس، أن "استطلاعنا يظهر أن واحدا من كل خمسة بريطانيين يعتبرون الأسرة الملكية عنصرية، ما يشكل معدلاً يرتفع على نحو لافت في أوساط الأشخاص المتحدرين من أقليات عرقية". وحرضت مقابلة ميغان وهاري التلفزيونية، الإهتمام بالموضوع "فإن الأسرة الملكية ليست وحدها على الإطلاق معنية بالأمر. وفي الحقيقة، يُظهر استطلاعنا أن نسبة قليلة من الأشخاص تعتبر الأسرة الملكية أسرة عنصرية، بالمقارنة مع الرأي نفسه تجاه مؤسسات أخرى عدة". ويوضح ستروذيرس تلك المسألة، "مثلاً، ثمة عدد متعادل تقريباً من الأشخاص يعتبر أن حزب المحافظين لديه مشكلة تتعلق بالتمييز العرقي، حتى أن هناك نسباً أعلى من الأشخاص يرون (العنصرية) سائدة في وسائط التواصل الاجتماعي، والصحافة المطبوعة، والشرطة". إذ يُظهر الاستطلاع أن ضعفي عدد الاشخاص في الأوساط غير البيضاء، بالمقارنة مع الأوساط البيضاء، يوافقون مع ميغان، بمعدل 45 في المئة، فيما يبلغ ذلك المعدل في أوساط البيض 21 في المئة.

تكشف هذه الأرقام والإحصاءات نسب المشكلة في مجتمع متعدد الاعراق والأديان والثقافات، وتعطي دروسا تاريخية وعبرا بشرية لآفاق إنسانية تقتضي معالجتها للمصلحة العامة.

 

كاظم الموسوي

 

بليغ حمدي اسماعيللماذا لم تسقط حركة الإخوان المسلمين بعد في البلدان العربية ؟ يبدو هذا التساؤل غير المدهش لي ولكثيرين من المستقرئين لتاريخ وشاهد تنظيم حسن البنا في عشرينيات القرن المنصرم، لكن يظل تساؤلا ملحا على كثيرين أيضا غيرنا، وحتى حينما قام الرئيس التونسي قيس سعيد بتقويض البرلمان وإزاحة وزير الدفاع وباقة من وزراء الحكومة برزت على سطح المشهد السياسي هناك حركة النهضة وهي إحدى الكيانات السياسية التابعة لحركة الإخوان المسلمين مثل حزب الحرية والعدالة في مصر الذي تم تدشينه عقب انتفاضة يناير 2011 واستمر حتى العزل الشعبي الاستثنائي والتاريخي لممثل الجماعة في الرئاسة الدكتور محمد مرسي ومن بعده انمحاء الأثر السياسي الرسمي لهذه الجماعة .

وخروج آلاف التونسيين في شوارع العاصمة واعتلاء هتافاتهم المناهضة لحركة النهضة الإخوانية وممارساتها كذلك استيلاء أعضائها على مقاعد مجلس نواب الشعب التونسي واقتحامهم مقار الحركة بمعظم أرجاء تونس الخضراء يعيد إلى الأذهان فكرة عدم انصياع ملايين المصريين الوطنيين لكافة محاولات الاستلاب والاستقطاب التي مارستها جماعة حسن البنا في مصر طيلة عقود طويلة واشتعلت ذروة الاستلاب ومن بعده الإقصاء والتهميش خلال سنة حكم الجماعة البلاد والعباد كذلك .

ويكثر تساؤل الشباب الذي اعتاد عدم القراءة لماذا هذا الظهور المتجدد لجماعة الإخوان خلف أذرع سياسية متباينة وكيانات اجتماعية غير مشروعة رغم أن الحكومات العربية المتعاقبة كانت ولا تزال على حذر من التصاعد غير الطبيعي أو الصحي لهذا الكيان الذي تمرس في خلط السياسي بالديني ؟ .

وإذا تكاثرت الأسئلة وتناثرت التساؤلات حول التنظيم الذي أسسه أستاذ اللغة العربية حسن البنا وانتشر بصورة مدهشة وربما فاقت خيال وتصور مؤسسيها فإن الإجابات تبدو سهلة وبسيطة ولا يمكن تأويلها من جديد أو إعادة تلقي ردود بعينها ونحن بصدد الإجابة عن السؤال الذي تصدر المقالة الحالية .

إن انتشار الجماعة وظهورها من جديد في كل مرة ويعقبها أيضا سقوط كبير وفضائح تتصل بأصحابها وقياداتها ورموزها يعود لأسباب منها اعتماد الجماعة على نصوص الولاء التي لا يمكن الإفصاح عنها بل كل المستندات والمراجع والوثائق التي تتصل بحركة الإخوان المسلمين هي مجرد موضوعات إنشائية تصلح للمدارس الإلزامية عن الفضائل والصبر والجهاد وتكوين الأمم ومواجهة العدو والقضاء على الاحتلال والاحتكار سواء كان سياسيا أم اقتصاديا، لكن زعمي أن هناك نصوص أشبه بنصوص ولاية الفقيه في إيران والتي هي في كنهها بيعة لا يمكن الفكاك من شراكها القوية والمتينة إلا بالموت .

السبب الثاني يبدو بحق بسيطا جدا في استلاب الجماعة المنحلة سياسيا وقانونيا وقضائيا ثم شعبيا في كافة الدول العربية يعتمد على المهمشين، وقصة المهمشين تعود بنا طوعا وكرها إلى معظم كتابات رائد القصة القصيرة يوسف إدريس، حيث إنه أجاد في امتهار عميد الرواية العربية نجيب محفوظ في تصوير المهمشين ليس فقط من حيث المظهر وطبيعة الوظائف التي يشتعلونها، بل أيضا تجسيد الحالة النفسية والطبيعة الاجتماعية لديهم وكيف أن هؤلاء المهمشين هم بحق في حالة امتعاض مستدامة وشعور بالاضطهاد والقمعية من كل البشر على سطح الكرة الأرضية وأنهم بحق يمتلكون الكفاءة والمقدرة والقدرة على إصلاح الكون لكنها تصاريف الزمان التي منعتهم من قيادة الأمم والشعوب .

ومن هذه اللحظة الفارقة يصبح المهمش فريسة سهلة القنص والاصطياد ومن ثم الانقياد طواعية لفكر الجماعة حيث إنها طالما لعبت على وتر الأشخاص الذين يعانون تهميشا ما في مجتمعاتهم لظروف شتى ليس من بينها الدين أو السياسة وهي حرفة تنظيم حسن البنا، لكن هذا الشعور بالتهميش والفقر المجتمعي في الانخراط والتواصل تجعل مهمة قيادات الجماعة سهلة وميسرة من حيث التحكم بالطاعة والتنفيذ والعصيان والاعتصام والإضراب وأخيرا القيام باغتيال كل من يخالف فكر جماعة الإخوان .

حتى لحظة استقطاب سيد قطب منظِّر الجماعة في النصف الثاني من القرن العشرين تم استقطابه تلقائيا وبغير جهد أو بلاء أو كلل وقتما استشعر مؤخرا أنه مجرد رقم لا أكثر ولم يملك كاريزما الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، أو المفكر والأديب العبقري الدكتور طه حسين، أو الإصلاحي المجدد محمد عبده، فشعوره بالتهميش من الطبيعي أن يجعله صوب البروز والظهور على ساحة مشهد الأحداث بصورة تمكنه من الاستشفاء النفسي الداخلي عن طريق تأييد حفنة من المنغلقين على أنفسهم فكريا واجتماعيا.

وسيد قطب هذا وصل بنفسه إلى ادعاء جاهلية المجتمع المصري، مصر بلد الأزهر الشريف حفظة القرآن ورواة الحديث وفقهاء المنطقة، لكن تهميشه أوصله كرها إلى المناداة ليل نهار بفكرة الحاكمية التي أعتقد وهو الآن في دار الحق لم يعي قصد الحكم لله كما تم وروده في القرآن الكريم النص المحكم القاطع ذي الأسرار، لكن هو بادعاءاته كمفكر مصري رأى وجوب الخروج على الحاكم بوصفه ومجتمعه وشعبه وأمته وربما المنطقة العربية كلها كافرة لا فائدة مرجوة من صلاحها إلى بالقتل والتدمير والتخريب، ولعل هذا ما أورده بعد سنوات الحكم عليه بالإعدام شنقا إلى التحليلات النفسية والسيكولوجية لعقله وفكره وطروحاته التنظيرية التي تنم عن عقل مريض .

نفس الأمر حدث حينما نجح الأخير في استقطاب السيدة زينب الغزالي للتنظيم وأن تكون الصوت النسائي المعبر عن الجماعة بصورة مغايرة، فالسيدة وإن فارقت الحياة إلى بارئها لا يمكن أن نتغافل حالات التهميش الأسري والعائلي لها وكونها زوجة ثانية لرجل ليس بالمفكر أو الزعيم أو الأديب .

وماذا عن بقية أسباب هذا الانتشار الواسع للجماعة أيضا في كافة البلدان العربية، إن قيادات الجماعة ومنظريها الذي يرون أنفسهم قادة الرأي والفكر رغم فقرهم في إدارة بلد عظيمة مثل مصر المحروسة دوما يجعلون المجتمع صوب أعينهم، ليس بالضرورة جعل أفراد المجتمع الطبيعي والسليم بالفطرة ينتمون إلى كياناتهم السياسية كالأحزاب، بل عن طريق مبادرات ومشاركات اجتماعية مشبوهة، نعم هي مبادرات مشبوهة وإن كان ظاهرها بريئا طاهرا نقيا كماء النيل، لكن باطن تلك الممارسات المشبوهة هي مجرد استقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب إلى تنظيم الجماعة من خلال مسابقات رياضية أو لقاءات تثقيفية عامة تحت مظلة موضوعات يراها البعض عادية لكنها هي في جوهرها تستهدف استمالة الشباب فقير الثقافة والتعليم إلى أفكار وآراء ومعتقدات فكر الجماعة الدموي الذي لم ير شيئا في القرآن سوى الحاكمية مع إن ذكر الحكم لله ورد في سياق مخالف لعقول أولئك الفقراء ذهنيا ودينيا وسياسيا بالقطعية .

ثم ماذا بعد؟ المرأة، تظل المرأة سلاحا ناجحا وناجعا وقويا في أجندة تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وهذه السطور المقبلة لن تتحدث عن السيدة المعروفة إعلاميا بأم أيمن فلها ثمة مقالات ليست بالقصيرة عن دورها السري والأكثر غموضا داخل أروقة الجماعة المحظورة والمنحلة قضائيا، لكن السطور هذه تتحدث عن مبادرات وسعي حثيث خبيث وممارسات جامعية وطلابية مستمرة لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الفتيات والسيدات المسلمات وضمهن تحت ستار الدين والعفة والفضيلة إلى التنظيم الدموي المتطرف .

فالحكاية تبدأ من أختي الفاضلة، وإني أراك درة الجنة وفخر للإسلام وأنك جوهر الحكاية والرواية والفصل والمبدأ والمنتهى، ثم حكايات طويلة في سرعة واختزال للسطور عن الفضيلة والعفة والسفور والحجاب والنقاب وأن الإسلام ازدهر عن طريق النساء الصالحات وأنت منهن طبعا وأنك رافد النجاح والتفوق والامتياز البشري، ثم سلسلة مستمرة من الإسطوانات الصوتية لكبار شيوخ وأئمة الجماعة الذين لم يتفقهوا في الدين فقط هم يمتلكون لحى طويلة ويرتدون جلابيب قصيرة ويدعون للجنة .

وحينما نصل إلى جنة الجماعة، نراها جهادا آخر، مرة نكاح المجاهدين الأبرار من وجهة نظرهم بالتأكيد، ومرة جهادا بالحب من خلال مبادرات الانضمام للجماعة بصور مشبوهة تبدأ بجمع معلومات وبيانات هي في الحقيقة شخصية وغير مهمة لكن عن طريقها يقوم أعضاء الجماعة وخلاياها النائمة والعائمة على وجه المجتمع في فترات ركوده أو انشغاله بقضايا مهمة وحيوية كمشكلة سد النهضة وغيرها، فيقوم هؤلاء بترويض عقل الفتاة وقيادته ـ العقل ـ نحو الانصياع المطلق للجماعة وإقناعها بأنها خليفة طبيعية للصحابيات الجليلات، وأن قيامها بالمهام الموكلة إليها هي أقرب للجنة .

الأكثر دهشة في هذا المشهد، أن هذه الفتاة الصغيرة تقع مباشرة في الحب صوب شيخها أو أميرها أو الشخص الإخواني المسئول عن تجنيدها عقب الحصول على كافة بياناتها الشخصية فإما أن يتزوجها تحت مسميات كثيرة ؛ أنها يتيمة أو فقيرة أو مسكينة أو ضعيفة أو بحجة تأهيلها لقيادة الفتيات المجاهدات . أو تزويجها لرجل آخر ينتمي إلى الجماعة، وسرعان ما تكتشف الفتاة أنها وقعت دون قصد في شراك عجيبة وأن الجنة طارت وأن الجهاد صار جسديا وأن العقل لا يصلح لقيادة الأمة .

لذلك يتعين على الحكومات الرشيدة ومنها مصر ألا تواجه تنظيم حسن البنا بالسلاح فقط فهذا أمر سهل وبسيط لكنها تقضي فقط على الكيانات الصغيرة والشابة والمستقطبة دون الكبار والقيادات والزعماء الذين يمتلكون دهاء الذئاب ومكر الأفاعي، بل الأقوى هو المواجهة الفكرية لهؤلاء الشباب، المشكلة لا تكمن في القيادات لأنهم بالفعل يجيدون التخفي وارتداء نقاب السيدات والاختباء وسط المجتمع في حرفية ومهنية في التنكر، لكن الشباب المسكين هو الذي ينبغي التوجه نحوه ومواجهته بحقائق ومشاهدات تنظيم الجماعة الذي فسد في الأرض وطغى ..

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق التدريس(م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

نبيل احمد الاميرإن الولايات المتحدة الإبراهيمية هي دولة فدرالية تم دراستها وإنتاجها علناً للتطبيق على أرض الواقع خلال الخمسين سنة القادمة في مكاتب وزارة الخارجية الأميركية.. وتشمل هذه الدولة مجمل الدول العربية والاسلامية بعد القضاء على المنظومة الاسلامية والشيعية المقاومة تحديداً إذا لم تنضم المؤسسة الدينية الشيعية المتمثلة بمراجعها للمشروع.. وما توصية دوغلاس سليمان سفير الولايات المتحدة السابق بالعراق في تقرير احد اهم مراكز البحوث في امريكا بضرورة التخلص من المرجع الاعلى السستاني إلاّ تأكيد لأهمية التخلص من المنظومة الشيعية الرافضة للتطبيع.. وما اعلان الولايات المتحدة لبعض رموز المقاومة الاسلامية في العراق والوطن العربي كأهداف يجب تصفيتها تحت حجة وذريعة الارهاب وفعلاً تم تصفية من طالتهم صواريخ الراعي الرسمي للمشروع إلاّ دليلاً ثانياً على أنه سيتم تصفية كل من يقف بوجه مشروع التطبيع او مشروع صفقة القرن او مشروع الديانات الابراهيمية او مشروع الولايات المتحدة الابراهيمية .

وتتعدى حدود هذه الدولة الحلم الصهيوني "من النيل إلى الفرات" وغايتها  في النهاية تحقيق الهيمنة الصهيونية المطلقة من خلال بوابة الدبلوماسية الروحية، وهذا ما كشفته الدراسات التي يجري العمل فيها وعليها منذ سنوات رغم ما يخفيه "اتفاق أبراهام"  .

إن مفردات ومصطلحات وتصريحات كثيرة مرَّت في مجرى "صفقة القرن" من دون أن يتوقَّف عندها الخبراء لفحص مضمونها وما تخفيه من أسرار ونيات . والحقيقة ان الباحث أو المحلل السياسي لا يستطيع أن يصل إلى تركيب الصورة إلا إذا اعتمد على المعلومات أو استعان بمجموع القطع المركبة للصورة، فيُغربلها ويختار ما يراه مناسباً، ليصل إلى الصورة الواضحة أو معظمها على أقل التقديرات .

وبما أنَّ المحلّل أو الباحث العربي يعمل وحيداً من دون طواقم متخصّصة معه وحوله كما تعمل مراكز الأبحاث العالمية، فليس غريباً أن تغيب عنه معلومات أساسية لا يمكنه من دونها أن يرى الصورة بشكل واضح، أو يقرأ ما بين سطور التصريحات ومعاني المفردات المستخدمة، وهذا يتطلب جهداً مضاعفاً لفهم ما تخفيه التصريحات والمفردات المستخدمة للدلالة على ماهية "صفقة القرن" والاتفاقيات التي يوقّعها الأطراف بين ليلة وضحاها بأسماء مثيرة في البيت الأبيض بين فترة وأخرى .

لقد لفت إنتباهي خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل التوقيع على الاتفاق الإماراتي البحريني الإسرائيلي وإعلان السلام بينهم في البيت الأبيض، حين سمّى الاتفاق باسم "اتفاق إبراهام"!!!

كما استوقفني حديثه حين قال في خطابه: "هناك تطلّع إلى المستقبل لدى اليهود والمسلمين والمسيحيين، ليعيشوا مع بعضهم البعض، وليحلموا ويصلّوا مع بعضهم البعض، وجنباً إلى جنب، بانسجام وتناغم وسلام .

وتساءلت كذلك مع نفسي إذا كان الاتفاق بين الإمارات المسلمة وإسرائيل اليهودية، فما دخل المسيحيين، وماذا تعني كلمات "أن يُصلّوا مع بعضهم البعض جنباً إلى جنب"؟

2666 نبيل احمداعتقدتُ حينها أنَّه يقصد تقاسم الحرم الإبراهيميّ أو الحرم القدسيّ بين اليهود والمسلمين، ولكن مرة أخرى تسائلت..

ما دخل المسيحيين في ذلك؟

وما دخل الإمارات في تقاسم الحرم القدسي أو الحرم الإبراهيمي، خصوصاً أن الاتفاق لا يعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بل يقفز عنها عمداً .

هذه التساؤلات أعادتني إلى تصريحات سابقة رافقت "صفقة القرن"، تقول إن هذه الصفقة لا تعني الفلسطينيين وحدهم، بل تعني شعوب الشرق الأوسط كلها في العلاقة مع إسرائيل، وعدت إلى تصريح جاريد كوشنير بالذات لمحطة "سكاي نيوز" (الإماراتية) يوم 28 شباط/فبراير 2019 بأنّ "صفقة القرن ستلغي الحدود السياسية بين شعوب الشرق الأوسط . وفي ما بعد قال: "إنَّ الرئيس ترامب يشجّعنا لتبنّي التوجّه الجديد، ولتوحيد الناس حول القاسم المشترك، فكيف يكون ذلك؟.. ومَن هو أو ما هو القاسم المشترك الذي يوحّد الناس؟

لاحظت أيضاً في عدد من الدول العربية أنَّ بعض رجال الدين أخذوا يستخدمون مصطلح "الديانات الإبراهيمية الثلاث"، والمقصود هي الإسلامية واليهودية والمسيحية، وتذكرتُ أنَّ منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين، "الأونروا"، التي تُعنى بحياة اللاجئين الفلسطينيين، كانت قد بادرت في العام 2017 إلى تغيير المناهج المدرسية من الصفّ الأول إلى الرابع، ومن ضمن هذه التغييرات الكثيرة استبدال تعريف القدس في المنهاج الدراسي من عاصمة الدولة الفلسطينية إلى المدينة الإبراهيمية المقدّسة للديانات الثلاث.. لذلك اتسائل ألا يوجب كل ذلك التوقف عنده والبحث في مايستتر وراءه من أفكار أو مقاصد، إن لم يكن مخطَّطات ؟

فقد كتب الموقع العبري "بِحَدري حريديم " (غُرف الحريديم) يوم 13 آب/أغسطس 2020، أنَّ تسمية الاتفاق تعود إلى أن "أفرهام"/ إبراهيم هو أب الديانات الثلاث الكبرى، ولا يوجد رمز لنجاح اتفاقية السلام بين إسرائيل والإمارات أفضل من شخصية نبي الله ابراهيم، وشدد الموقع على تصريح كوشنر بالبحث عن القاسم المشترك .

أما معهد أبحاث الأمن القومي في "إسرائيل"، فقد نشر مقالاً يوم 3 أيلول/سبتمبر 2020 تحت عنوان (الإسلام في خدمة السلام.. التداعيات والأسس الدينية لاتفاق أفرهام)، يقول فيه الكاتب : "في الوقت الذي تتجه الأنظار في إسرائيل إلى المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية للاتفاق، هناك اهتمام قليل بما يحمله من تحدّيات في المجال الديني" .

ويضيف الكاتب أنَّ اتحاد دول مجلس التعاون الخليجيّ أقام مكتباً حكومياً خاصاً في العام 2016، وأعلن عام 2019 عاماً للتسامح . وفي هذا السّياق استضافت الإمارات لقاء قمة بين بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر، اللذان خرجا ببيان مشترك سمي "بميثاق الأخوة الإنسانية"، دعا إلى التّسامح ومناهضة التطرّف والغلوّ .

وأشّر الكاتب أن الإمارات تقوم ببناء معبد مشترك للديانات الثلاث سيتم افتتاحه في العام 2022  يُسمى "بيت عائلة إبراهيم"، وهو يشمل معبد يهودي وكنيسة مسيحية وجامعاً إسلامياً في قاعة واحدة، مشيراً أن هذا كله له استحقاقات يجب أن تستعد إسرائيل لها، فهل هذا ما قصده ترامب بقوله : "يصلون معاً بانسجام جنباً إلى جنب" ؟

كل هذا لم يكفِ ليستند التحليل بعد إلى حقائق مكتملة، وقد غاب عنا تقرير نُشر في موقع "الوطن" الإلكتروني يوم 13 آذار/مارس 2018  تحت عنوان "الدبلوماسية الروحية بوابة تصفية الصراع مع إسرائيل"، تناول فيه الكاتب دراسة أكاديمية صادرة في العام 2018، تتحدث عن "الدبلوماسية الروحية" التي أُنتِجت في مكاتب وزارة الخارجية الأميركية في ظل الإدارة الديموقراطية (هيلاري كلينتون)، وما تزال هي الدبلوماسية الفاعلة لحل النزاع في الشرق الأوسط في ظل إدارة ترامب وبايدن .

والأهم من ذلك ما يخفيه هذا الاتفاق من مخطط كبير لإنشاء ما يسمى بـ"الولايات المتحدة الإبراهيمية"، وهي دولة فدرالية موعودة، تشمل مجمل الدول العربية في الشرق الأوسط وإسرائيل وإيران وتركيا وحتى المغرب العربي، أي أنها أكثر اتساعاً حتى من "حدود النيل إلى الفرات"، على أن تكون القيادة الفدرالية لـ "إسرائيل"، وتكسب شرعية ذلك من امتلاكها التكنولوجيا الضرورية لاستخدامها في جهود تطوير الشرق الأوسط، وتساعدها في ذلك تركيا لقدرتها على استيعاب المعارضة الإسلامية الإخوانية، التي قد تعارض القيادة الإسرائيلية للمشروع ولكونها عضو في حلف الناتو ولإحتضان بعض الدول الاسلامية التي تعاند وترفض قيادة إسرائيل للمشروع .

لقد إعتمدت في دراستي البحثية هذه على بعض الوثائق الأميركية الموجودة في جامعات هارفرد وفلوريدا وبنسلفانيا، فقد أصدرت جامعة هارفرد وثيقة بهذا الخصوص سميت "مسار إبراهيم" في العام 2013، وتبعتها جامعة فلوريدا بوثيقة اسمتها "مشروع الاتحاد الفدرالي الإبراهيمي" في العام 2015 .

من هنا يتضح لنا أننا أمام مشروع أكبر بكثير من مجرد عملية سلام بين إسرائيل والإمارات والبحرين، البلدين اللذين لم يحاربا إسرائيل يوماً ولم يكونا ضمن دول الحدود المشتركة مع اسرائيل .

لذلك اقول بضرس قاطع أن "صفقة القرن" هي مشروع استراتيجي تاريخي فعلاً إذا ما نجح في ترسيخ أسسه على أرض الواقع .

قد يقول قائل إن هذا المشروع من صنع الخيال، ولا يرتبط مع الواقع بصلة، وهنا يتوجب علينا أن نتذكر أن أصل مشروع الحركة الصهيونية كان من صنع الخيال أيضاً، وبدا حلماً لم يصدق الكثيرون أنه سيتحقق إلا بفعل إصرار الصهاينة على تحقيق أحلامهم بإقامة المؤسّسات وتجهيز الكوادر والأدوات اللازمة لذلك، وتفعيلها وفق برامج محددة ومدروسة الأهداف والمراحل، وبغياب الفعل العربي أو تماشيهم مع مخططات الآخرين وكأنها أوامر من السماء واجب الطاعة .

وبعد الدراسة والبحث وجدت ان لأجل تحقيق هذا المشروع الفدرالي، فقد تم العمل منذ سنوات على 3 مستويات :

1- إقامة مراكز ومؤسَّسات وبرامج ماتسمى "الدبلوماسية الروحية". وفي هذا المستوى تفاصيل كثيرة . ومن هذه المؤسسات مؤسستين يقودهما توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق المعروف بولائه لإسرائيل..

المؤسسة الأولى في أفريقيا، والثانية في الشرق الأوسط، وهاتان المؤسستان تدربان الكوادر الشبابية للترويج لهذا المشروع . كما يُدرّس هذا الفكر الآن في الجامعات الأميركية، ومنها جامعتا فرجينيا وبنسلفانيا.

2- المستوى الحكومي.. فقد أسَّست الإدارة الأميركية إدارة خاصة في وزارة الخارجية عام 2013، ولازالت هذه الادارة تعمل لحد الآن، وكانت تحت الرعاية المباشرة لهيلاري كلينتون، وهي ما تزال فاعلة بقوة في ظل إدارة ترامب وادارة بايدن أيضاً .

وكانت الادارة تحت عنوان "الحوار الاستراتيجي مع المجتمع المدني"، وتضم هذه الإدارة مئة شخصية، منها 50 دبلوماسياً و 50 من الرؤساء الروحيين المؤثرين من المسلمين والمسيحيين واليهود، لتقديم المشورة للدبلوماسيين لتحقيق أهداف المشروع .

3- رعاية "الدبلوماسية الروحية" من قبل المؤسَّسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، باعتبار أن "السلام الديني" يسمح بالتنمية المستدامة، ويقاوم الفقر في الدّول التي لا تمتلك التكنولوجيا الضروريّة للتنمية.

ومن كل ماسبق ولأجل تجسيد هذا المشروع على الأرض، انطلقت أيضاً مشاريع سياحيَّة تحت اسم "مسار إبراهيم" في الدول ذات الصلة، وهو عبارة عن مسارات تُشكّل مقاطع لمسار واحد طويل، وهو مسار يُزعم أنه مسار نبي الله إبراهيم الخليل، كان قد مشى فيه، رغم ان كثير من المؤرخين وعلماء الآثار رفضوا هذه الأسطورة بما في ذلك الإسرائيليون أنفسهم .

ينطلق المسار المُبارك لنبي الله ابراهيم كما تم رسم المشروع من تركيا، وبعضهم يقول من العراق، ويمرّ في سوريا ولبنان وفلسطين، ليصل إلى مكة والمدينة المنورة . ففي الضفة الغربية يُسمى مسار "إبراهيم الخليل"، وفي إسرائيل يسمى "مسار إبراهيم"، حتى أصبحت هذه المسارات تستقطب السياحة الدولية بالفعل .

ولتحقيق هذا الهدف إعلاميا، وصل صحافيون إسرائيليون عاملون في البرنامج الشهير "مساع أحير"/ سفرة أخرى"، إلى مدينة أورفا جنوب شرق تركيا، فجاؤوا بقصص وأساطير تتحدَّث عن بركة نبي الله إبراهيم وعجائب مسيرته وعن بيته ومغارته، وهي من القصص التي تثير شغف السائح، ولكنّها في الأساس والجوهر والهدف تؤسس لوعي جديد ينشر ويعزز الرواية الصهيونية وعلاقة اليهود التاريخية في منطقة الشرق الأوسط، وتحويل الخرافات والأساطير اليهودية إلى تاريخ يُروى للعالم .

ويبقى بعض الاسئلة لأي مراقب.. مثلا

هل كانت ممارسات القاعدة وداعش الدموية والوحشية باسم الإسلام والمسلمين خلال العقد الأخير، ممارسة مقصودة وموجَّهة من جهات معينة ليبتعد المسلمون عن دينهم، فيسهل تبنّيهم للمذهب الإبراهيمي - الإسرائيلي، وخصوصاً أننا نعلم أن الممولين والداعمين للقاعدة وداعش ليسوا سوى أولئك الذين يدعون اليوم إلى هذا المذهب الإبراهيمي، أو الذين سينضمون إليه لاحقاً، أو أنَّ سلوكيات هذه التنظيمات كانت حقيقية ومن دون توجيه، وقد تم استثمارها للترويج للمذهب الجديد وتسهيل قبوله.

والسؤال الثاني.. هل تحتاج هذه الفدرالية الجديدة إلى جيش وتحالف أمني، وهو الذي تحدثت عن إنشائه هيلاري كلينتون في العام 2013، وجاء ذكره في كتابها "خيارات صعبة" .

أما السؤال الثالث فهو ماذا سيفعل العرب؟.. هل ينضمون إلى المشاريع القدرية الصهيونية أو سيتبنى محور المقاومة إفشال هذا المشروع بالفعل؟

بداية الفكرة..

بدأت الفكرة في عام 1990 عندما قام سيد نصير المعتقل في الولايات المتحدة بتهمة اغتيال الحاخام مائير كهانا (ما زال معتقلاً لغاية الآن) بطرح فكرة الابراهيمية (أبناء سيدنا ابراهيم) لتشكل قاعدة انطلاق لحل القضية الفلسطينية مع اسرائيل وامكانية التعايش مع أبناء ابراهيم بسلام، وقد وجّه نصير عدة رسائل من داخل السجن إلى الحكومات الأمريكية المتعاقبة حتى جاءه الرد من قبل ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي جورج بوش الابن بأن رسالتك قد وصلت، وفي بداية التسعينات تحدث جورج بوش الأب عن نظام عالمي جديد قائم على فكرة السلام والدين، وقامت وزارة الدفاع الأمريكية بدعم برنامج دراسات الحرب والسلام والذي يعتبر أن الدين مدخل أساسي لصياغة النظام العالمي الجديد، وأن هذا المدخل ممكن أن يحقق فكرة الاتحاد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وكان الهدف الحقيقي من الفكرة هو هدف سياسي، ولكن الهدف المعلن يتم تقديمه  بأنه تقارب بين الاديان وتلاقي تاريخي وثقافي بين الشعوب .

الابراهيمية والدبلوماسية الروحية..

قامت الحركة الصهيونية وتيار اليمين المسيحي والحكومات الأمريكية المتعاقبة منذ سنوات بدعم الفكرة الابراهيمية والعمل عليها وتطويرها من خلال لجنة خاصة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، ومن خلال توفير دعم مالي لمؤسسات مختلفة ومنها مؤسسات أكاديمية . وكان لجامعة هارفارد دور كبير في تطوير الفكرة والتي عملت عليها لسنوات طويلة . ففي عام 2015 أصدرت وثيقة أرض المسار والمستندة إلى رواية العهد القديم، والمقصود بها رحلة سيدنا ابراهيم في منطقة الشرق الأوسط، والتي بدأت من تركيا وصولاً إلى مكة والمدينة المنورة ولمصر، وهذا المسار الذي يشكل خريطة اسرائيل الكبرى لغاية اليوم، وفيما بعد قامت جامعة فلوريدا في صياغة الفكرة وتقديمها بشكل آخر حيث تحدثت عن الاتحاد الابراهيمي الفدرالي، وأن الإبراهيمية قاعدة لحل الخلافات القائمة اليوم بين أبناء ابراهيم ودياناتهم الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام، وذلك من خلال التركيز على القضايا المشتركة في الأديان والابتعاد عن ما هو مختلف عليه .

وعلى سبيل المثال أن الإسلام يعترف بالديانات الثلاث وأن المسيحية تعترف باليهودية وبالتالي فإن المشترك بينهم هي اليهودية، كما أن المشترك بين الأديان الثلاث هي احترام قدسية الاديان، وأن مسار سيدنا إبراهيم والذي يصل إلى عشرة دول تقريباً يشكل تاريخ مشترك بين شعوب المنطقة، مع مراعاة الشعوب الأصلية (المقصود اليهود تحديداً)، ومن أجل تعزيز فكرة ما هو مشترك يجب العمل بطريقة غير تقليدية قائمة على الدبلوماسية الروحية التي تستند على عقيدة جديدة هي ما تسمى العقيدة الابراهيمية .

مسار ابراهام الديني..

إن هذا المسار يتفق مع خريطة إسرائيل الكبرى، ويحقق لها إزالة الحدود الموجودة حاليا والتي لم تقم اسرائيل بترسيمها بشكل نهائي حتى اليوم، وهذا المخطط يتفق مع تصريحات باراك أوباما عام 2013 حول ما أسماهُ أرض إبراهام العالمية، كما تحدث كوشنير أن الحدود السياسية ليس لها قيمة في المستقبل، وفي اتفاق التطبيع الإسرائيلي مع الإمارات والبحرين تم تسميتها بالمعاهدة الإبراهيمية (اتفاقية ابراهام) في دلالة واضحة لتبني هذه الفكرة، والتي عبر عنها كوشنير بأنها بداية عهد جديد.

ومنذ فترة يوجد تصميم لبيت العائلة الإبراهيمي بمتحف اللوفر في أبو ظبي يجسد هذه الفكرة .

كما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إنشاء نموذج عقائدي من الأديان الثلاث وبهذا تكون إسرائيل كيان طبيعي في هذا النموذج هي المركز .

في الولايات المتحدة الإبراهيمية المفترضة، يضمن مكانة اسرائيل المهيمنة في الشرق الأوسط، ومن أجل نجاح هذا النموذج يجب العمل من خلال الدبلوماسية الروحية على تغيير ثقافة شعوب المنطقة، والتركيز على ما يسمونه التاريخ المشترك بينهم، والتخلص من بعض النصوص وتأويلاتها في العقائد، وتعزيز فكرة التعايش بين الشعوب على حساب المدن والأماكن المقدسة، وعلى حساب أن الاحتلال هو الاصل وليس الدين، والعمل على رفض المرجعيات الدينية الشيعية العريقة واستبدالها برجال دين ليسوا بعلماء دين، ورفض السُنّة والأثر، وصحيح البخاري ومسلم، وتوظيف سياسيين يؤمنوا بالفكرة، ومن أجل تحقيق هذه الفكرة لابد من اتهام المرجعيات الدينية كالأزهر  وغيرها من المؤسسات الدينية بالتقليدية والرجعية وممارسة التحريض والإرهاب .

أن الصهيونية العالمية تدرك أن استمرار بقاء إسرائيل على قيد الحياة في هذه المنطقة العربية مرهون بتغيير عميق في ثقافة شعوبها، والذي تعتبر الدولة الاسرائيلية كيانا غريبا ومعاديا لها، ولأن شعوب المنطقة العربية شعوبا كلاسيكية متدينة بالفطرة وتشكل فيها العقيدة الدينية والموروث الثقافي العقائدي الثقافة العامة والجمعية، فإن أى تغيير فى تلك الثقافة الجمعية هو مرهون بتغيير فى العقيدة الدينية لتلك الشعوب، وبالتالي فان إنشاء نموذج عقائدى موازي يبدو أمرا ممكنا خاصة لو كان هذا النموذج نابعا في الأساس من الأديان والمذاهب القائمة على أرض الواقع في المنطقة، وهى أديان ومذاهب متقاربة في كثير من المفاهيم الاخلاقية والانسانية، وفي أحيان أخرى المفاهيم العقائدية، وهذه الوسائل جميعها تسعى إلى تحقيق الاهداف السياسية، ولكن هذا المخطط تجاهل بالمطلق أنه في المقابل لدى العرب والمسلمين روايتهم الدينية الخاصة التي تختلف في مضمونها وأهدافها السياسية والاخلاقية والتاريخية عن روايتهم ذات الاهداف السياسية للسيطرة على المنطقة العربية والشرق الاوسط .

ارض اسرائيل والسلام..

إن المخططات الصهيونية والامريكية التي تدفع باتجاه فكرة الولايات المتحدة الإبراهيمية لا تهدف إلى تحقيق السلام العادل القائم على قرارات الشرعية الدولية بين اسرائيل والدول العربية، او بين اسرائيل والدولة الفلسطينية بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس، بل تسعى إلى فكرة استعادة ما يسمونه أرض بني إسرائيل وأرض الميعاد .

وفي كتاب العودة إلى مكة لآفي ليبكن ضابط الاستخبارات الاسرائيلي السابق أشار إلى أن ارض الجزيرة العربية يجب أن تعود للشعوب الأصلية وهم بني إسرائيل، حسب ما ورد في العهد القديم، لذلك فالولايات المتحدة الابراهيمية لا تعترف بالحدود الحالية بين الدول، فهي تسعى إلى ضم تركيا وايران واسرائيل في اتحاد فدرالي بزعامة اسرائيلية تركية مشتركة في المرحلة الأولى على اعتبار أنهما دولتان تمتلكان التقدم العلمي والتقني (التكنولوجي) والصناعي، ولديهما القدرة على ادارة الموارد البشرية والثروات العربية التي لم يحسن العرب استثمارها في السابق، كما أنها لا تعترف بالفكرة القومية والوطنية، بل أنها تدعو إلى إنشاء تحالف حول الفكرة الابراهيمية، لذلك فهي لا تعترف بفكرة الأماكن المقدسة أو المدينة المقدسة للمسلمين بل تسعى إلى الغائها، وقد حدث ذلك بالفعل عندما حاولت وكالة الغوث الدولية للاجئين منذ سنوات إحداث تغيير في المناهج الدراسية للمرحلة الاساسية في محافظة القدس واطلاق اسم المدينة الابراهيمية على القدس الشريف وقد واجهت هذه الخطوة غضب شعبي أدى إلى إفشال هذه المحاولة، وهناك محاولات سياسية أخرى يتم العمل عليها بصمت للترويج للفكرة الابراهيمية .

ما وراء الفكرة..

أصبحت فكرة الولايات الابراهيمية تتفاعل في أروقة صناعة السياسة الامريكية والاسرائيلية منذ سنوات، ويشير مجموعة كبيرة من الباحثين إلى خطورة هذا المخطط، كما أن الحقائق على الارض تؤكد جدية اسرائيل والولايات المتحدة في تشكيل نظام اقليمي جديد على أساس هذه الفكرة، وهناك بالفعل تحالف وثيق ومعقد بينهما في هذا الشأن قائم على فكرة عقائدية والتي تظهر مؤشراته في بروز تيار اليمين المسيحي الاصولي في الولايات المتحدة والذي أخذ بالظهور منذ أواسط الثمانينات في القرن الماضي، والذي يعرف بالمسيحية الصهيونية ويتم دعمه من المسيحيين المحافظين والحركة الصهيونية .

وقد قال القس المسيحي الاصولي جيري فالويل وهو من ابرز قادة التيار المسيحي الامريكي ” أن من يقف ضد اسرائيل فهو يقف ضد الله”، واعتبر “أن دعم اسرائيل فرض ديني على كل مسيحي” .

خطورة الفكرة..

تكمن الخطورة في محاولة القائمين على الفكرة إلى إعادة تشكيل الوعي الاسلامي والعربي والفلسطيني ليكون أكثر تقبلاً لوجود اسرائيل المحتلة بغطرستها، وبما يخدم تنفيذ مخططاتها، ويستند هؤلاء إلى شئ من المنطق في روايتهم الدينية ومن خلال إجراء مقاربات دينية وفق تصورهم المريض، كما وتظهر خطورتها في أن ملكية أرض مسار سيدنا إبراهيم في رحلته والذي حل ضيفاَ فيها على مدينة الخليل وأهلها، ليس لشعوب المنطقة وسكانها الحاليين بل هي ارض إبراهيمية عالمية، وقد أكد وليام يوري رئيس مبادرة مسار ابراهام في هذا الشأن أنه لا يوجد ولاء للحدود ويجب أن يكون الولاء للفكرة، وبالتالي لا توجد ملكية للاماكن المقدسة، وعلى المستوى السياسي قامت الولايات المتحدة الامريكية من أجل تحقيق هذه الفكرة بطرح كثير من المبادرات والصفقات التي من شأنها أن تنهي قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالعرب وبالحق الفلسطيني، كصفقة القرن حيث صرح جاريد كوشنير في “سكاي نيوز عربية” وكما اشرنا سابقاً في 28 فبراير 2019 أن هدف صفقة القرن إزالة الحدود السياسية الحالية، وقد أكد الرئيس الامريكي ترامب أن صفقة القرن للمنطقة ككل، وهذا يؤكد أن صفقة القرن بالنسبة لفلسطين قد تكون البداية فقط، فخريطة ما يسمونه مسار ابراهيم تقطع المدن الفلسطينية من المنتصف، وهذا يعني أنه لا توجد اراضي فلسطينية وفق هذا المخطط، ومن المخاطر ايضاً تهيئة المناخ الملائم للنظام السياسي الجديد، وهذا يقتضي تحقيق فكرة التطبيع بين الانظمة العربية وشعوبها مع اسرائيل من أجل قبول وجود إسرائيل في المنطقة .

وهذا ما حدث في توقيع اتفاقية ابراهام بين اسرائيل من جهة والامارات والبحرين من جهة أخرى .

وتدعو الفكرة الابراهيمية إلى إعادة قراءة التاريخ وإعادة صياغته بما يضمن قبول الشعب اليهودي الاصيل في المنطقة، وبالتالي قبول دور دولة إسرائيل الحالية في المنطقة، والعمل على تغيير ثقافة شعوب المنطقة إلى ثقافة جديدة إبراهيمية .

الموقف الاسلامي والعربي..

لا يمكن تجاهل الثقل السياسي والديني لاكثر من 1.7 مليار مسلم في العالم، ثلثهم من الشيعة، ومنهم اكثر من 400 مليون عربي، تربطهم عقيدة دينية واحدة وتراث اسلامي عميق وتاريخ يعتزون به، وهؤلاء لهم جميعاً عقيدتهم الخاصة التي يؤمنون بها ويرفضون تجاهلها أو إعادة صياغتها وفق رواية الآخرين، فجميع المسلمين والغالبية العربية يؤمنون بسيدنا ابراهيم عليه السلام، ويؤمنون بأنه ابو الأنبياء، بالاضافة إلى ايمانهم بكافة الانبياء كما جاء في القرآن الكريم فالمسلمون يؤمنون بالدين اليهودي الذي أنزل على سيدنا موسى عليه السلام، ويؤمنون أيضاً بالديانة المسيحية التي أنزلت على سيدنا عيسى عليه السلام، ولكن لهم الحق أيضاً أن يقولوا ما قاله الله تعالى: “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”.(سورة آل عمران، 67)، وقوله تعالى: “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”(سورة آل عمران، 19)، والاسلام أيضا يدعونا إلى السلام والرحمة والمحبة واحترام الآخرين والعفو، حيث قال تعالى في سورة البقرة(آية: 109) “وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”  وقال تعالى: في سورة المائدة (آية:13) ” فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” .

والقرآن الكريم والحديث الشريف والتاريخ الاسلامي توجد فيه شواهد كثيرة على تسامح وعفو ورحمة الاسلام والمسلمين بالآخرين .

وفي المقابل لا نستطيع اليوم إنكار الواقع الصعب على المستوى الاسلامي وتحديداً العربي، وحالة من غياب الوعي وانحسار للفكر وتراجع للثقافة وغياب الحالة الديمقراطية البناءة، وضعف الروابط المشتركة للعروبة والمشاعر القومية والمشاعر الوطنية، وما تعانيه الأمة الاسلامية والأمة العربية من مؤامرات تسعى إلى تشويهها وإضعافها، وكل هذا ساهم في توليد الصراعات الطائفية، وحالة من التطرف لدى بعض الجماعات الاسلامية، وان حالة انعدام الرؤيا في العالم العربي ساهمت في توفير مناخ خصب لحالة من الفوضى والحروب العربية العربية والحروب الداخلية وما يسمى بثورات الربيع العربي،  والذي من شأنه أن يخدم هذه الفكرة ذات الابعاد السياسية، حيث يصبح أكثر سهولة الترويج لها في ظل هذه البيئة الخصبة غير السوية، فهي المناخ الملائم لدعوة  في ظاهرها تدعو إلى فكرة التسامح والتعايش والتطبيع  في المنطقة، وفي باطنها السيطرة الكاملة على مقدرات ومصير 400 مليون عربي .

إن فكرة الولايات المتحدة الابراهيمية تستند إلى رواية التوراة لدى صهاينة اليهود، وهي رواية من وجهة نظر علم الآثار، وعلماء التاريخ الاجانب والإسرائيليين والعرب، وأيضا من عامة المسلمين محرّفة ومنقوصة ولا صلة لها باحتلال فلسطين الذي هو غزو استعماري .

والمسلمون لديهم روايتهم الخاصة التي يؤمنون بمصداقيتها وموضوعيتها وعدالتها والتي تعترف بجميع الأديان وكافة الرسل، وهذا الموقف القائم على الاعتراف بكافة الكتب المقدسة يشكل أساس مقبول لتبني روايتنا والاعتراف بها بوضوح، ويشكل نقطة انطلاق صحيحة للجميع، فالدين الاسلامي قائم على الرحمة والتسامح والمحبة، وهذا يتطلب من المسلمين ومنظمة التعاون الاسلامي وكامل هيئاتها وجامعة الدول العربية العمل الفاعل لمواجهة هذه الفكرة الصهيونية من خلال اصدار المواقف الرسمية، وتعزيز فكرة التراث الاسلامي، وتوضيح الموقف الاسلامي من كافة الاديان، فمشكلة المسلمون العرب تحديداً أرض محتلة وليس نزاع أديان .

ومطلوب أيضا موقف واضح من المؤسسات الدينية كالأزهر ومرجعيات النجف وقم التي تمثل مرجعيات دينية عريقة للمسلمين في العالم ولما يمثله للمسلمين من مئات السنين، بالاضافة إلى مجمع البحوث الاسلامي (الهيئة العليا للبحوث الإسلامية)، والحكومات العربية والمنظمات والمؤسسات العربية، حيث أن هذه المؤسسات قادرة على توضيح الموقف الاسلامي الصحيح بعيداً عن التطرف والجماعات التكفيرية، وهي مطالبة بالرد على هذه المخططات، وهي مطالبة كذلك بإعطاء علماء الدين المساحة الكافية لشرح الموقف الديني من القضايا الملحة في العالم الاسلامي، والرد على الافكار المشبوهة ذات الابعاد السياسية، ومطلوب ايضاً الرد على محاولات التشكيك في التراث الاسلامي الحضاري والسنة كالمحاولات التي تظهر من وقت لآخر للتشكيك في الصحيحين، ويمكن التوصية ايضاً بتشجيع وسائل الاعلام الموثوقة في الرد على هذه المؤامرات، والتعريف بمفهوم الفكر الاسلامي والثقافة الاسلامية وتقديمها بطريقة تليق بها، وابراز مساهمات الحضارة العربية الاسلامية العلمية والحضارية في كافة المجالات ومساهمتها العالمية، وهذا يتطلب خطاب واحد وموقف واحد .

لذلك فالمطلوب اقتراح مبادرات واقعية تظهر الهوية العروبية وقادرة على احداث فرق يساهم في خلق حالة من الاستقرار في المنطقة، وهذا ما ينشده المسلمون والعرب عامة، ففي مقابل هذه المخططات السياسية لا بد من أفكار وخطط قائمة على تحقيق العدالة والسلام اللتين يسعى إليهما الجميع، عدا الاحتلال الصهيوني، وهذا ما نحتاجه في عالم لا يقبل حالة من الفراغ .

وللدراسة البحثية هذه بقية بالتأكيد حيث لا ينتهي البحث والتنقيب عن الحقيقة .

 

دراسة بحثية لـ / الدكتور نبيل أحمد الامير

 

 

محمد سعد عبداللطيفالرياح تهب علي ثورة الياسمين

رياح تحمل معها شعار "إرحلوا سئمنا منكم" في ظل حالة أنتشار وباء كورونا وحصد ارواح كشف عن هشاشة النظام وفشل الحكومة في إدارة الأزمة. وفشل المنظومة الصحية. وفشل الدولة في ملفات اقتصادية وعدم شعور المواطن البسيط بتحسن الحالة الاقتصادية. وشعور طبقة عريضة بعدم الارتياح لجماعة النهضة. كانت المظاهرات قد اندلعت اليوم الأحد في تونس العاصمة وبعض المدن ناحية مقرات حركةالنهضة. عن فشلة في إدارة شئون البلاد الممثلة في الحكومة والبرلمان. رياح عاتية تهب لتعصف بالحكومة والبرلمان وهتافات لإعادة روح ثورة الياسمين. فهل يعيد التاريخ نفسة. ويعلن عن فشل الإسلام السياسي في البلد التي اندلعت منها شرارة ثورات الربيع العربي الاولي.

السيد راشد الغنوشي الذي عاش في الغرب. معارضا فترات طويلة للإنظمة التونسية السابقة. ويعتبر من الساسة المنفتحين علي الغرب. هل تعرض لضغط من المتشددين داخل جبهة النهضة الإسلامية. الفشل جاء من ملفات الفساد داخل الجهاز الإداري. والفشل كذلك من عدم المؤاومة داخل الإتلاف الحالي. هل تجميد البرلمان وحل الحكومة هو نهاية جماعة الإخوان في تونس. كما حذر من قبل في لندن من جماعة الإخوان المسلمين في مصر من خوض انتخابات الرئاسة. من فشلهم بعد الثورة وستكون نهاية الجماعة.. هل صدقت نبوءات الغنوشي في مصر وفشلت في وطنة الام في تونس. وهل سوف تشهد تونس عواصف من عدم الإستقرار السياسي في المرحلة القادمة،السيد الغنوشي يعتبر ذلك إنقلابا علي الدستور والثورة. ويدعوا الشعب الي مظاهرات سلمية. بعد منع الجيش من دخولة الي البرلمان. وهويعتبر البرلمان في حالة انعقاد دائم حسب الدستور؟

وقال السيد الغنوشي عقب قرارات رئيس الجمهورية بإقالة الحكومة وتجميد العمل بالبرلمان ، لم اتصل بالرئيس الذي استشارني فقط لكنة لم يعلمني بقرارته الإستثنائية ؟ وصرح السيد راشد الغنوشي لوكالات الأنباء

أن "الدستور يفرض أن يكون مجلس النواب في انعقاد دائم ويمنع حل الحكومةوأتهم الغنوشي قرارات الرئيس" لا سند لها قانونيا "وهي انقلاب وتأويله للدستور خاطئ. وفي تصريح أخر اعتبر ان دعوة رئيس البرلمان للشعب ،أن يخوض نضالا سلميا لاستعادة الديمقراطية"، محذرا من أن "قرارات الرئيس خاطئة وستدخل تونس والشعب التونسي في ظلمات وسلطة الرأي الواحد. سوف تهدد السلم الاجتماعي للخطر. وان التظاهرات سوف تسمح للفوضي وعدم الإستقرار ، وتأتي قرارات الرئيس التونسي على خلفية الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها البلاد.. وقد تولي السلطة التنفذية ودعا الي تشكيل حكومة جديدة. هل نهاية حركة النهضة في تونس. ستكون علي يد "قيس سعيد ". وأن الأحداث والوضع الاقليمي. سوف يشهد حالة من عدم الإستقرار. إذا دخلت تونس في مواجهات مع الحركة الإسلامية من دائرة عنف. هل الأحداث الجارية في تونس هي إنقلاب أو تصحيح مسار للديمقراطية. وان الأحداث الجارية ظاهرة طبيعية لمخاض ثورة الياسمين،؟

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

 

عبد الخالق الفلاحقبل الاطاحة بالنظام البعثي في 2003 كان لدى العراقيين آمال واحلام كبيرة في إحداث تغيير جوهري في حياتهم بعد ثلاثة عقود ونصف من الاستبداد. لكن في السنوات التي تلت ذلك التاريخ واستلام المسميات من الأحزاب الحالية زمام الحكم والقيادة، لم يتحقق أي شيئ من هذه التوقعات، و تفاقم فشل الحكم هذا بسبب الافتقار إلى المؤسسات الفعالة والنزيهة التي لم تعترف بعضها حتى بشرعية النظام الجديد، بنيت معظم مؤسسات الدولة العراقية بالأصل لخدمة نظام مختلف كليًا عن النظام الدستوري الفيدرالي الديمقراطي الذي كان من المفترض أن يتم إنشاؤه بعد استفتاء عام 2005, وظلت بيروقراطية مليئة بالمسؤولين الموالين للنظام السابق تقود مؤسسات الدولة . الأزمة في النظام السياسي الحالي تحول دون استقراره وتعريف مصالحه والقيام بوظائفه كنظام سياسي فعال يخدم مصالح الشعب، فمن الأساسيات المفترضة للنظم السياسية العامه، وجوب امتلاكه لأدوات تضمن له التكيف مع المواقف الطارئة، وتمكنها من إيجاد الحلول الناجعة لمواجهة تلك المواقف، وتمنح النظام القدرة على الإستمرار، ومنع أي تداعيات من إرباك النظام وفاعليه الرئيسيين. ومن بديهيات النظم أن الأعراف السياسية والدساتير والقوانين النافذة والهياكل المؤسساتية والسلطات هي الكوابح الرئيسية لمنع تصدع النظام. من المؤسف ظهر استبداد الأحزاب بشكل مطلق كواحد من أخطر أنواع الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تاريخ العراق المعاصر. هكذا تجاهل النظام السياسي مفهوم حيادية المؤسسات في الأنظمة الديمقراطية، حيث تكون الدولة محايدة بين جميع الطبقات، والأديان، والمذاهب، والأعراق، والقوميات، والثقافات، والعشائر، وعدم التدخل في شؤون الأحزاب السياسية، وضمان العدالة في المشاركة وفي الحق باختيار الاتجاهات السياسية والفكرية ضمن دولة مدنية ديمقراطية.

لقد اعتادت الكتل السياسية على تشكيل حكومات توافقية من تحالفات مختلفة ومتقاطعة في كثير من الأحيان تتجنب هذه الحكومات الائتلافية الصراعات الصفرية التي من شأنها أن تعرض بقاءها السياسي للخطر إذا كانت ستعارض إرادة الكتل السياسية الكبيرة من خلال تنفيذ أي إصلاحات جذرية حقيقية قد تضر بمصالحها. لذلك، ركزت معظم هذه الإدارات، على قرارات صياغة قرارات لا تؤثر على المصالح الأساسية للكتل السياسية الرئيسية - وبالتالي فإن أي إصلاحات تم اتباعها كانت بعيدة كل البعد عن كونها جوهرية وأساسية. أن اي نجاح الإصلاح الأساسي يعتمد على وجود حكومة فعالة ومتماسكة تدعمها كتلة برلمانية كبيرة وموحدة وهي ليست بتلك السهوة تحقيقها على المستوى القريب و تحتاج قرارات الإصلاح الصعبة أيضًا إلى دعم شعبي من الجمهور الذي يفهم ما هو على المحك.

ان استمرار حالة الانقسام السياسي بين الكيانات والاحزاب والتي تأخذ بالاشتداد يوما بعد يوم في ظل التقرب من الانتخابات التي من المزمع ان تكون في الشهر العاشر من هذه السنة والاختلافات العنيفة التي أخذت تظهر للعلن بين حتى الطيف الواحد "خلافا محمد الحلبوسي وخميس الخنجر" لو صحت واحدة من اعنف الاختلافات الهابطة بين اخواننا السنة وكذلك الاطياف الاخرى الشيعي- الشيعي الكوردي- الكوردي والمسيحي -المسيحي التي لا تقل عنه في الضراوة يدفع إلى تزايد الدور الخارجي والصراع بين القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في المشهد العراقي حول دعم الكتل الحليفة لها، وهو ما يغذي حالة الاستقطاب الداخلي بين الكتل والتحالفات السياسية ويؤدي إلى تعقيد الأزمة وانسداد حلولها وتصاعد الأمور في العراق، خاصة مع تزايد أعمال العنف و إشاعة الفوضى التي قد يستغلها تنظيم «داعش» الإرهابي في ممارسة أنشطته واستعادة نفوذه مرة أخرى و لا تُخفي حقيقة كونه يضرب الاستقرار ومفهوم الدولة ويُرهب المواطنين باختلاف مقاماتهم وانتماءاتهم ومعتقداتهم.

لاشك في الامكان بزوغ فجر الاصلاح وأهم خطوة في هذا الطريق؛ نبذ الظلم من الحاكم والمحكوم في وقت واحد و يعطى كل ذي حقٍ حقه، فانه يمثل استحقاق ثقافي ومعرفي في الوسط الاجتماعي، يتحول فيما بعد الى أرضية صالحة تضمن نسب معينة من العدل في الحكم، يفرّج الهموم ويفكّ عقد الأزمات والبشارة قائمة بإمكانية تطبيق هذه القيمة السامية في الحكم، كما يمكن إيجاد المصاديق العملية للعدالة على صعيد المجتمع بتوفر القدرات الاستيعابية لتطبيق هذه القيمة في مختلف أشكال التعامل بين الأفراد والجماعات، وفي نفس الوقت تضييق مساحات الظلم ومكافحة الفيروسات المسببة لنشوء ومحاربة انتشار هذا المرض الاجتماعي والسياسي فيما بعد..

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

محمد عمارة تقي الدينإن الغوص في أكثر مستويات التحليل عمقاً هو أمر من شأنه أن يخبرنا، أن النمط الإدراكي المهيمن والمُسيطر على أذهان أغلبية المتدينين داخل الكيان الصهيوني في لحظته الراهنة، والمُشكِّل لوجدانهم الجمعي نحو العرب عامة والفلسطينيين خاصة، هو باعتبارهم نفايات بشرية سامة، أو حشرات ضارة يجب التخلُّص منها بأسرع وقت: إبادةً أو تهجيرًا.

فوجودهم، وفقًا لقناعات هؤلاء المتدينين، هو أمر من شأنه أن يحول دون تحقق حلم الخلاص وعودة المسيح اليهودي المُخِّلص، ومن ثم إقامة مملكة الرب وفردوسه الأرضي الذي يحيا فيه اليهود وحدهم، بعد أن تتم عملية إبادة أعداء اليهود إبادة تامة في معارك آخر الزمان.

ومن هذا المنطلق، وتأسيسًا على هذا التصور وتلك القناعة، فإن الغالبية العظمى من المتدينين الصهاينة داخل الكيان الصهيوني يرون أن " العربي الجيد هو العربي الميت"، وأنه لا خلاص بمفهومه الديني طالما ظل الوجود العربي في فلسطين، ومن ثم يتحتم إنهاء هذا الوجود العربي بأية طريقة كانت، فكل الوسائل مباحة.

وهو أمر يجعل من المستحيل التوصل لتسوية عادلة للصراع العربي الصهيوني، في ظل احتمال قوي بانقضاض هذه التيارات الدينية على سدة الحكم داخل الكيان الصهيوني بشكل كامل، وهو الانقضاض الذي بدأت ملامحة في التبدِّي في الآونة الأخيرة.

وسنحاول في هذه الدراسة إضاءة واحدة من المنظمات الصهيونية الإرهابية ذات القناعات الدينية الموغلة في عنصريتها، وهي منظمة كاخ، تلك التي أسسها الحاخام "مائير كاهانا" عام 1971م، فهي منظمة إرهابية تؤمن بالعنف في حده الأقصى باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافها، لذلك فقد ارتكبت العديد من العمليات الإرهابية ضد العرب، مما أثار موجة استياء عالمية، والتي على إثرها تم حظر المنظمة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكلمة كاخ هي كلمة عبرية تعنى "هكذا"، وهي تعليق على شعار الحركة، وهو عبارة عن يد تمسك بالتوراة، ويد أخرى تمسك بالسيف، ومكتوب تحته كلمة "كاخ" ، أي أنه هكذا، وبهذا الطريق وحده، والذي يجمع بين التوراة والسيف، أي بالعنف المتأسس على قناعات دينية ستتحقق الأحلام في إقامة دولة إسرائيل الكبرى، والتي تمتد لديهم من النيل إلى الفرات، فشعار الحركة، في حقيقة الأمر، يعبر عن أيديولوجيتها الإرهابية ذات النزعة العنصرية خير تعبير، ويفضح خاصية التوسع والتمدد السرطاني النائمة في عمق الفكر الصهيوني.

وعلى هذا الأساس، وانطلاقًا من تلك الرؤية، يرى كاهانا أن دولة إسرائيل ليست مجرد كيان سياسي، بل هي كيان ديني تحقق بمشيئة الرب، لذلك لا توجد قوة في هذا العالم- وكما يدعى – تستطيع تدميرها أو منعها من التوسع.

فالتاريخ في رأيه ووفق قناعاته يتمركز حول المشروع الصهيوني وحده ويندفع باتجاهه لكن في ثوبه الديني، رافضاً الصيغة العلمانية من الصهيونية، إذ يسير وفقًا لخطة جبرية مرسومة ومحددة سلفًا، ستتحقق في نهايتها دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، في تلك اللحظة سيجرى تنحية العلمانيين الصهاينة جانباً، فقد انتهى دورهم في تلك المسيرة المقدسة، إنهم (حمار المسيح) بمفهومه الديني الذي سيحمل المسيح لمقصده دون وعي منه، وهنا وعند هذا الحد ينتهى دوره.

بل ويهاجم الديمقراطية باعتبارها فكرة وآلية اخترعها الأغيار،غير اليهود، وأن اليهود لا يصلح معهم سوى تطبيق الشريعة اليهودية، التي لن ينصلح حال اليهود إلا بها، وبها وحدها، بحسب زعمه.

وإذا ما تمعنّا برنامج الحركة، سيتضح لنا جلياً مجمل فكر الحركة، وهو يرتكز على عدة محاور هي:

أولاً: حدود دولة إسرائيل هي من النيل إلى الفرات.

ثانياً: طرد العرب من كامل إسرائيل والتوسع في عمليات الاستيطان هو أمر غير قابل للمساومة.

ثالثاً: القدس هي ملكية خاصة لليهود وحدهم، ومن ثم يجب تدمير المقدسات الإسلامية بها لتعود يهودية خالصة.

ومن أجل تحقيق هذا البرنامج، قامت الحركة بالعديد من العمليات الإرهابية ضد العرب، حيث ضمت في داخلها العديد من التنظيمات الإرهابية المتخصصة في هذه الأعمال، ومنها: تنظيم " تاناخ" وهو تنظيم شبابي للتدريب على الأعمال العسكرية وكيفية استخدام السلاح لقتل الفلسطينيين، وتنسب لهذا التنظيم العديد من العمليات الإرهابية ضد العرب، كذلك منظمة " دولة يهودا"، ومنظمة " الإرهاب ضد الإرهاب "، ومنظمة "حملة الخناجر" .

أحد المؤشرات التي تدل على انزلاق المجتمع الصهيوني نحو أقصى التطرف، هو انتخابه كاهانا عام 1984م ليصبح عضوا في الكنيست، رغم كل ما يقوم به هو ومنظمته من عمليات إرهابية.

بعد مقتل المؤسس مائير كاهانا، انقسمت الحركة إلى حركتين رئيسيتين هما: حركة "كاخ" وحركة " كهانا حى"، وبسبب امتعاض الرأي العام العالمي من المجازر التي قام بها أعضاؤها ضد الفلسطينيين تم حظر أنشطة الحركتين وإعلانهما كمنظمتين إرهابيتين.

غير أن من يعتنقون الأيديولوجية الكاهانية لا يزالون يتواجدون بقوة داخل إسرائيل وخارجها، ويعبرون عن أنفسهم وعن فكرهم المتطرف سواء بحراك على الأرض (عمليات إرهابية) أو عبر وسائل الإعلام المختلفة (تحريض على العنف).

ولك أن تعلم أن باروخ جولدشتاين مُرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي ضد المصلين عام 1994م، هو من المنتمين لتلك الحركة، تلك المجزرة التي راح ضحيتها تسعة وعشرون شهيداً، غير مئة وخمسين مصاباً، وذلك بدم بارد، حيث أطلق النيران عليهم أثناء أدائهم لصلاة الفجر.

بين يديّ الآن أحد مؤلفات مائير كاهانا، هو كتاب "شوكة في عيونكم"، والذي يخلع فيه على العرب كل صفات الشيطان، ومن ثم دعا فيه إلى ضرورة الترحيل الفوري للعرب من أرض إسرائيل، إذ يقول: " ليس هناك إمكانية للتعايش السلمي بين الطرفين", فهم في نظره " قنبلة موقوتة " وسوف تنفجر في الدولة اليهودية في أية لحظة.

كذلك فهو يؤكد على أن طرد العرب هو عمل مقدس وواجب ديني، فيقول: " إن فكرة إبعاد العرب من إسرائيل ليست مجرد نظره شخصية، وبالطبع ليست نظرة سياسية، بل نظرة يهودية تعتمد على تعاليم دين التوراة.. إن طرد كل عربي هو واجب ديني".

ويقول أيضا: " بدلًا من أن نخشى ردود فعل الغرباء إذا فعلنا ذلك، يجب أن نرتعد خوفًا من غضب الله إذا لم نفعل ذلك ونطرد العرب بأنفسنا ".

وهي أفكار عنصرية موغلة في عنصريتها ونزوعها نحو العنف والإرهاب، ولا تحتاج لمزيد من شرح أو تعليق.

ومما يجدر ذكره هنا، أن أحد أحفاد الحاخام مائير كاهانا، وهو مئير إتنجر Meir Ettinger، يُعد واحدًا من غلاة المتطرفين في إسرائيل في الوقت الحالي، حيث يسير على نهج جده لأمه، ومن ثم يطلقون عليه لقب (شبح مائير كاهانا)، إذ يدعو للعنف ويشرعنه كوسيلة لتحقيق غايتين بحسب زعمه: الأولى وهي الخلاص من العرب، والثانية وهي إسقاط الحكم الإسرائيلي الحالي الذي يرى أنه حكم علماني كافر، ومن ثم إقامة إسرائيل التوراتية على أنقاضه.

ووفقًا لرؤية إتنجر يجب أن يتصاعد العنف ويتأجج الصراع ليبلغ ذروته حتى تنهار الحكومة الإسرائيلية وتُخلق حالة من الفوضى، ومن ثم يمكن إقامة نظام حكم جديد منبثق عن الشريعة اليهودية، ولأجل هذا الهدف يجب العمل على هدم المؤسسات القائمة وإقامة مؤسسات جديدة، وهو يبدو متأثرًا بشكل كبير بأطروحات الأناركيين ودعاة الفوضى الخلاقة، غير أنه مزجها بنبوءات نهاية العالم بنسختها الدينية. 

يرى أنه يتحتم تطهير كامل "أرض إسرائيل" من (الذين يعبدون الأصنام)، وهو يقصد المسيحين والمسلمين، إذ يعتبر ديانتهم ديانية وثنية، وأن وجودهم بتلك الأرض هو أمر من شأنه الحول دون الانخراط في عملية الخلاص.

وقد تم القبض عليه إثر اتهامه في قضية إحراق عائلة الدوابشة الفلسطينية في عام 2016م، إذ مات أربعة أفراد من الأسرة حرقًا، من بينهم طفل عمره عام ونصف، وكانت تلك الحادثة مثار اهتمام العديد من الصحف العالمية.

والجدير بالذكر أن عمليات إحراق منازل الفلسطينيين من قبل المستوطنين الصهاينة هي عملية متواترة الحدوث، إذ تتسق مع ما سبق طرحه من قناعات لدي هؤلاء المتشددين، بل تجد لها تأصيلًا فقهيًا حول آلية تنفيذها لدى هؤلاء، فها هو المتطرف الصهيوني المتماهي مع الفكر الكاهاني، موشيه أورباخ (Moshe Orbach) ، وهو من سكان بنى باراك، يضع كتيبًا بعنوان " ملكوت الشر " (The Kingdom of Evil) ، يقدم من خلاله برنامج عمل لكيفية إحراق العرب في منازلهم، إذ يقول: " عليك أن تذهب للقرى العربية وتبحث عن منازل العرب مسلمين ومسيحيين، وتكسر الزجاج أو الشبابيك أو الأبواب، وتقذف بالمولوتوف داخله، ولكي تتجنب هرب سكانه قبل احتراقهم أشعل مدخل المنزل هو الآخر، لكي توقع أكبر عدد من الإصابات الكبيرة فيما بينهم، ويمكن أن تضربهم على رأسهم لكي تمنعهم من الهرب فيفقدوا وعيهم ويحترقوا في النيران ".

وهو ذات السيناريو الذي تم به إحراق منزل عائلة الدوابشة، لذا أشارت أصابع الاتهام إليه وللمجموعة الإرهابية التي ينتمي إليها، والتي يطلق عليها (العصيان)، والجدير بالذكر أنه كان قد سبق القبض على موشيه أورباخ من قبل بتهمة إحراق إحدى الكنائس، ومنازل أخرى تمت كتابة عبارات عنصرية على جدرانها، مثل: غادروا (Leave) والموت للعرب (Death to Arabs).

وبالعودة إلى إتنجر، فقد وجَّه خطابًا للمحكمة التي مثل أمامها بتهمة إحراق منزل الدوابشة، قال فيه:" لقد منعتموني من الوصول إلى بيتي، والمكان ليس لكم، ولكنه للنبي يعقوب، مالك أرض إسرائيل، ومنعتموني من العودة إلى منزلي في القدس، والقدس ليست لكم، فهي مقر الهيكل، هذه الحكومة ــــ حكومة إسرائيل ــــــ هي ضد التوراة وضد وصايا الرب"، وهو خطاب يُجسد مجمل رؤيته الدينية وقناعاته العقائدية المتمركزة حول أحقية المتطرفين اليهود بالأرض، وبالتالي شرعية إبادة كل من عليها من غير اليهود.

إذ يدعو إتنجر، الذي يسير على نهج جده مائير كاهانا، لإقامة حكم يهودي وخلافة يهودية خالصة على منهاج التوراة، تماماً كما تدعي داعش، مما دفع البعض لإطلاق لقب (أمير داعش إسرائيل) عليه.

والجدير بالذكر أنه قد وُجِّهت اتهامات صريحة للسياسي والمتطرف الصهيوني أفيجدور ليبرمان بأنه كان عضواً سابقاً في هذا التنظيم الإرهابي.

وفي التحليل الأخير، تبقى كلمة مفادها: أن ما يرتكبه الصهاينة من أعمال إجرامية ضد الفلسطينيين، هي في كثير منها ذات دوافع ومنطلقات دينية تأسست على قراءات خاطئة ومتعسفة ومقتطعة ومجحفة للنصوص الدينية، لكنها تبقى، في التحليل الأخير، قراءات مُتعمَّدة، إذ جرى صبغها عمداً بلون الأيديولوجية الصهيونية.

إذ تنطلق من تفسير حرفي جامد ومنحرف ومؤدلج لكثير من تلك النصوص باقتطاعها من سياقها التاريخي ومحاولة إسقاطها على الواقع الحالي قصراً، وهو واقع مغاير تماماً للواقع الذي نزلت به تلك النصوص وجاءت استجابة لمفرادته، وتماشياً مع حيثياته على الأرض في محاولة لتقويم اعتلالاته وتجاوز إكراهاته لتسمو به بما ينسجم ودعوة السماء، غير أن ذلك لم يحدث، بل ما حدث هو العكس تماماً.

والخطأ في ذلك أن هذا الفهم العنصري يبدأ من أيديولوجيا فكرية ما متجهًا إلى النص ليبحث عما يعضد أيديولوجيته تلك، فاليهودي المتطرف المعاصر يقرأ هذه النصوص على ضوء أيديولوجيته التي تكونت مسبقًا، ومن ثم يُسقطها على واقعه، فالنص المقدس، لديهم، هو الذي عليه أن يُأقلم ذاته مع الأيديولوجية المتطرفة ويخضع لسلطانها وليس العكس، وهي جريمة بحق النصوص المقدسة يجري ارتكابها من قبل جماعات التشدد في كل الأديان ولا تقتصر على أتباع الصهيونية الدينية وحدهم.

من هنا تتخذ فتاوى التشدد اليهودي مساراً واحداً ومركزياً، هو: تشويه وشيطنة الفلسطينيين جميعهم باعتبارهم أحفاد العماليق، وهم، أي العماليق، الأعداء التاريخيون لليهود الذين دعت التوراة لإبادتهم.

في حين أنه كان يجب النظر إليهم باعتبارهم أعداء حقبة تاريخية مرت وانقضت، بل يجرى استدعاء تلك النصوص وإعادة تأويلها، وفق أيديولوجية هؤلاء، ليتخذ العداء مع العرب وضعية أزلية/أبدية، مؤكدين أن كل زمان وله عملاقه الخاص به والذي يتحتم القضاء عليه، وأن العرب هم بالضرورة عماليق هذا العصر.

ومن ثم، فهي قناعات بلون الدماء تضرب بجذورها عميقًا في الوجدان الصهيوني، لتشكل وعيه الجمعي، وتنتشر بين سكان الكيان الصهيوني انتشار النار في الهشيم كمقولة تأسيسية، ومن ثم تنتقل للفعل والممارسة، وهي قناعات من شأنها الدفع نحو مزيد من القتل للعرب، والمزيد من تفريغ الأرض من أهلها، ومن ثم إحلال صهاينة محلهم، عبر إضفاء تبريرات دينية زائفة على تلك الممارسات لتكتسب قداسة زائفة.

ومن ثم يبدو الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، بكل بشاعاته وجرائمه ضد الفلسطينيين، وكأنه أمر إلهي وفرض ديني يتحتم الامتثال التام له من قبل الأتباع في خشوع وإذعان، بل والذهاب فيه إلى حده الأقصى كماً وكيفاً، لتفريغ الأرض تمامًا من أهلها: قتلاً أو تهجيراً، ومن ثم توطين الإرهابيين الصهاينة مكانهم، وفق استراتيجية: التفريغ والإحلال التي كثيراً ما تحدث عنها الدكتور عبد الوهاب المسيري.

الملاحظة المركزية هنا، أن تلك الممارسات الإجرامية بحق الفلسطينيين تتصاعد بمرور الوقت، كنتيجة مباشرة  لما يوفره النظام الدولي المنحاز للكيان الصهيوني من حماية لهؤلاء، عبر منع صدور قرارات دولية رسمية من شأنها إدانة هذا الإرهاب الصهيوني، في ظل وجود آلة إعلامية صهيونية هائلة توجه خطابها بلغات عدة، ولديها المقدرة على أن تصور المجرم كما لو كان هو الضحية.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

علا بياضشكّل وصول سلالة "دلتا" شديدة العدوى إلى أستراليا تحديا كبيرا لاستراتيجية البلد في مكافحة فيروس كورونا، وقد أعلنت السلطات في نيو ساوث ويلز أن المنطقة أصبحت بؤرة لانتشار الفيروس.  ومع زيادة  الإصابات الجديدة، أدى ذلك  إلى إعلان الإغلاق في مدينتي سيدني ومن ثم  مالبورن ، وفرض قيود مشدده وصارمه .

ما الخطأ الذي حدث في طرح اللقاح في أستراليا؟

تعتبر أستراليا واحدة من دول العالم التي تواجه تحديات Covid-19، لكن الإحباط يكتنف تأخر إطلاق التطعيم. وصفت أستراليا، انها  أبطأ من معظم البلدان الأخرى في تحصين سكانها، مع مطالبة بعض الفئات المعرضة للخطر بشدة بالحماية. بينما تسارعت وتيرة التقدم مؤخرًا، تم تطعيم حوالي 3٪ من السكان بشكل كامل. ونسب التأخير إلى نقص الإمدادات وسوء الإدارة.

الآن، تواجه الحكومة ضغوطًا جديدة على الإمداد بعد أن رفعت العمر الموصى به لجرعة   AstraZeneca للأشخاص فوق 60 عامًا. في الوقت الحالي، تعد AstraZeneca المكون الرئيسي لبرنامج التحصين في البلاد.  كما ارتفع تردد اللقاحات في بعض الولايات مع زيادة وتيرة طرح اللقاح في الأسابيع الأخيرة. بدأ التطبيق في فبراير وحتى الآن تم إعطاء 6.1 مليون جرعة لقاح في جميع أنحاءأستراليا . وحصل حوالي 3٪ من السكان على اللقاح، وفقًا لبيانات جامعة جون هوبكنز.

كيف تقارن أستراليا عالميا،  في مواجهة جائحة كورونا؟

 رغم السياسة الصارمة المتمثلة في الإغلاق وإغلاق الحدود وضوابط الحجر الصحي في أستراليا فان إبقاء مستويات الإصابةمازالت مرتفعة. سجلت أستراليا 910 حالة وفاة و 30274 حالة إصابة منذ بدء الوباء . ومع ذلك، وتيرة التطعيم، لاتزال متأخرة . وفقًا لأحدث البيانات، قدمت أستراليا 23 جرعة لكل 100 شخص.  يقارن هذا المعدل بـ 106.1 جرعة لكل 100 شخص في المملكة المتحدة، و 92.9 في الولايات المتحدة، و 73.3 في ألمانيا.  تتطلب معظم اللقاحات جرعتين. تعد أستراليا واحدة من أسوأ الدول أداءً في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، على الرغم من أن اليابان ونيوزيلندا تمتلكان معدلات تطعيم أقل لكل 100 شخص.

2662

تصاعد الغضب في أستراليا

تصاعد الغضب في أستراليا مع وضع 13 مليون شخص، حوالي نصف عدد السكان البقاء في بيوتهم  تحت إغلاق كبير  بهدف مواجهة انتشار مرض كوفيد-19. وخرجت مظاهرات في مدن أسترالية ضد قيود الإغلاق  قرابة الشهر والتي فرضتها السلطات لمواجهة انتشار فيروس كورونا. وقد تجمع الآلاف في سيدني حيث هاجموا  المعترضين  الشرطة أثناء رسائل ضد الإغلاق  والحريه والمساعدات الماليه القليله المقدمه من الحكومه التي ارهقت كاهل المواطن  بعد الحجر المطول . وتم إجراء اعتقالات متعددة في محاولة لوجود قوي للشرطة لتفريق الحشد وفرض قيود COVID-19 الموضوعة لمنع انتشار تفشي المرض في سيدني. 

وكانت الانتقادات كبيره ضد رئيس الوزراء سكوت موريسون أولها بدأ خلال قمة ال G7   ،حول تأخير إجراءات شن حملات التطعيم ضد كوفيد 19 ، ووضع قاره  استراليا تحت المتوسط العالمي .

حملة التلقيح

وكانت حملة التلقيح التي اطلقتها استراليا  قد بدأت في شهر فبراير/شباط 2021، للسكان البالغ عددهم 25 مليون وكان من المتوقع أن يتلقى معظمهم اللقاح، لكنها توقفت بسبب نقص الإمدادات من لقاح فايزر والتي فشلت الحكومه من تأمينه، والارتباك بلقاح" أسترازينيكا" ومخاطره المحتملة حيث   أحدث زوبعة من الإنتقادات والحرب الكلامية بين السياسيين في أستراليا وتسبب حالة من عدم اليقين والحَيرة و التردد عند المواطنين.

وقال أدريان إسترمان، رئيس قسم الإحصاء الحيوي بجامعة جنوب أستراليا: "لسوء الحظ، وضعت الحكومة الفدرالية معظم البيض في سلة أسترازينيكا، وقد أصبحت هذه مشكلة كبيرة الآن". وطلبت أستراليا 40 مليون جرعة من لقاح فايزر، ومن المتوقع تسليم نصف هذه الكمية في الربع الأخير من هذا العام.ومن المحتمل الحصول  على لقاحات موديرنا  ونوفافاكس حتى وقت لاحق أيضا  من هذا العام. فعدم القدره  على الاستغناء عن أسترازينيكا هو أنه لا يوجد ما يكفي من لقاحات فايزر لجميع السكان في الوقت الحالي .

  وقد حصل ما يزيد عن 10 في المئة من السكان على جرعتي اللقاح. وتبقى معدلات التطعيم في أستراليا الأقل بين الدول المتطورة، إذ لم تتجاوز 14 في المئة من السكان. وأثارت موجة انتشار الوباء في سيدني انتقادات حادة تعرض لها رئيس الوزراء سكوت موريسون حيث   اعتذر عن إخفاقات حكومته في إدارة حملة التطعيم .

ذكرت صحيفة "ويكلي تايمز الأسترالية" – أن اعتذار موريسون جاء بعد يوم واحد من رفضه الاعتذار عن “الحملة الكابوسية” لتطعيمات كورونا، مكتفيا بالقول إن الحكومة الأسترالية تركز على “إصلاح المشكلات”. ووفقا للصحيفة، قال موريسون: “آسف لأننا لم نتمكن من تحقيق العلامات التي كنا نأملها في بداية هذا العام”. وأضاف : “إنني أتحمل مسئولية برنامج التطعيم، كما أنني أتحمل مسئولية التحديات التي واجهتنا.

 لكن زعيم حزب العمال أنطوني البانيز قال ان الحكومه  فشلت في الوصول الى هدفها المتمثل في أربعة ملايين شخص  وقال البانيز: سكوت موريسون دائما يكون قويا في الإعلان ودائما ما يكون ضعيفا في الفعل .

ألسيناتور شوكت مسلماني غرد قائلا : "فقدت حكومة نيو ساوث ويلز السيطرة بسرعة مع تصاعد الضغط على الأشخاص الذين يعانون من الإغلاق المطول مع القليل من المساعدة المالية مع عدم وجود حلول لقاحات حكومية فيدرالية في الأفق".

الخلاصه

يبدو هناك فشل في سياسات الحكومة اللأسترالية في إحتواء جائحة كورونا ودعم  المواطن الأسترالي للخروج من هذه الأزمة التي كانت لها تداعيات كبيرة جدا على إقتصاد شرائح كبيرة من المجتمع الأسترالي الى جانب قطاع الشركات والاعمال. الاستراليون محبطون من إستراتيجية الحكومه الفيدراليه   في مكافحة الوياء والفشل في تأمين جرعات كافيه من اللقاح وطريقة إدارة حملات التطعيم. وهناك مخاوف من أن يمتد الإغلاق في مدينة سيدني إلى شهر سبتمبر/ أيلول، ة حتى التطعيم الشامل.

ماتحتاجه أستراليا الاستفادة من تجارب بقية الشعوب والإستعانة بخبراتها وابتكاراتها العلمية في مواجهة جائحة كورونا.

 

بقلم: الإعلامية والكاتبة علا بياض ـ سيدني

 

 

صلاح حزامالشعوب الواعية عندما تَمنح صفة عظيم او كبير لأحد القادة، فان لها شروطاً عديدة ولايكفي ان يكون القائد نزيه ونظيف اليد لكي يحصل على هذا اللقب. ماذا لو كان نزيهاً ولايسرق لكنه مُسرِف ومبذّر وينفق دون حدود على رفاهه الشخصي؟هل هو نزيه ؟

من الطبيعي والواجب ان يكون القائد نزيه لذلك لاينبغي الاعجاب الشديد بسياسي نزيه، بل يجب البحث عن ادوار وممارسات أخرى تجعل اللقب مستحقاً.

كذلك لايجوز الاعجاب والانبهار بمسؤول قام ببناء شيء ما، اليس هذا واجبه؟ هل المفروض ان لايبني؟ واذا بنى شيئاً ننبهر به الى حد التقديس؟ من قال له ان يصبح قائداً؟ هو الذي اراد ذلك وعليه ان يتحمل المسؤولية كاملةً.

اليوم ارسل لي صديق عزيز مقالة نشرها شخص يمتدح فيها نزاهة عدد من قادة العالم المعروفين وكيف انهم ماتوا وهم فقراء لانهم كانوا قادة نزيهين..مع انهم قاموا باعمال جبّارة لبلدانهم ..

احدهم وجدوا في جيبه مبلغ بسيط وآخر كان يقترض على راتبه وآخر مات وهو لايمتلك بيت الخ..

بعض هؤلاء القادة كان من الافضل لو كان سارقاً فقط بدون ارتكابه للمجازر الفظيعة وتدمير مجتمعاتهم .

ابتدء الرجل، الذي لا أريد ذكر اسمه تحاشياً للشخصنة وتركيزاً على الظاهرة، بالقائد السوفيتي لينين الذي أسس الاتحاد السوفيتي الذي كلّف تأسيسه ملايين الارواح ثم سقط ذلك الاتحاد السوفييتي بالشكل الذي نعرفه وانتقده المواطنون السوفييت قبل غيرهم.

عاش المواطنون فيه في جوع وفقر مستمر وضغط أمني هائل.

ماجدوى النزاهة اذا كان القائد قد أسس كياناً خاطئاً قال عنه الفيلسوف توينبي (الذي كان معجباً جداً بالنظام السوفييتي) عندما زار الاتحاد السوفييتي بدعوة من ستالين، انه نظام خاطيء ومعاكس لقوانين الطبيعة وسوف يسقط حتماً بعد ستين او سبعين سنة!! وهذا ماحصل بالضبط.

ثم انتقل صاحبنا الكاتب المحترم الى ستالين الذي امتدحه لانه ترك عند موته دولة فيها عشرين ألف دبابة وهزم النازية !!

هل يعرف الرجل كم كلفت قرارات ستالين العسكرية الخاطئة في حربه ضد هتلر، كم كلفت الشعوب السوفييتية من خسائر بشرية دون ضرورة؟ وهل يعرف كم أعدم من خيرة الضباط على الشبهة؟ وهل يعلم ان بعض افضل الضباط تم جلبهم من سجون سيبيريا لكي يشاركوا في الحرب لانهم اكفاء جداً وساهموا في هزيمة النازية!!

وهل يعرف كم كلفت سياساته الزراعية تلك الشعوب من مجاعات؟ هل يعرف انه قتل الملايين على الشبهة ؟

ماجدوى انه مات بدون ان يترك بيتاً لابنته إزاء تلك المجازر؟ لنقل انه نزيه لكنه صاحب الفظاعات الكثيرة،

ومن قال ان روسيا وباقي دول الاتحاد السوفيتي ماكانت لتتقدم ابداً بدون البلاشفة؟؟ ام هي العصبية السياسية والايديولوجية؟

ثم ينتقل الى كاسترو الذي قال عنه بسطحية فائقة : انه أسس كوبا الحديثة !! علما انه لايوجد شيء حديث في كوبا وصارت مدنها تشبه المتاحف المهجورة وسياراتها سكراب الاربعينيات والخمسينيات وبشرها فقراء ومعزولين عن العالم منذ الخمسينيات والضغط الأمني لايطاق.والآن يتظاهر الشعب الكوبي ضد النظام..

ثم يذهب الى سيرة الزعيم الفييتنامي هوشي منه، الذي قال انه جعل فييتنام قوة صناعية جبارة (كلام غير مسؤول).

علماً ان هوشي منه جعل شعبه ضحيةً ووقوداً لحرب بالنيابة بين الصين والاتحاد السوفيتي من جانب وامريكا من جانب آخر انتهت بهزيمة امريكا، لكنها كلّفت الشعب الفييتنامي ثلاثة ملايين ضحية وتدمير غير مسبوق.

اما متى تحوّلت فييتنام الى دولة صناعية، فأنها تحولت بعد الانفتاح على الغرب الرأسمالي وبالذات امريكا واستقبلت الاستثمارات الاجنبية المباشرة من الامبريالية . عدد من مثقفي فييتنام يقولون : لماذا حاربنا امريكا ولماذا عدنا الى حضنها؟ بدأت التنمية عندما تحولوا الى الرأسمالية برعاية الدولة الشيوعية شكلياً.

ثم يتناول تجربة ماو تسي تونغ،في الصين الذي قال عنه: انه حوّل الصين خلال خمس سنوات الى قوة صناعية عظمى، وهذا غير صحيح لأن الصين كانت راكدة وصناعاتها موضع تندّر لرداءتها الى أن جاء دنغ هسياو بينغ

الذي بدء في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي في إرسال البعثات إلى البلاد الغربية لدراسة الهندسة والاقتصاد والادارة الحديثة لغرض تطوير الاقتصاد الوطني.

واعتمد على هؤلاء الذين يسمون "تكنوقراط" في حل مشاكل الصين وتطويرها وتشغيل الصينيين.

وانفتح الاقتصاد الصيني على الاستثمارات الاجنبية وبالذات الامريكية.. وبذلك تطورت الصين عندما اصبحت "عصفور رأسمالي في قفص اشتراكي".. بعض المتعصبين يرفضون القبول بأن التحول نحو الرأسمالية هو سبب التطور ويعتقدون ان الشيوعية هي السبب مع ان الشيوعية لم تستطع إحداث هذه القفزة منذ ان جاءت للحكم نهاية الاربعينيات..قطاع خاص زائداً رأسمالية دولة أمنية قاسية، هذه هي الوصفة الصينية...

يختم الكاتب بالرئيس الجزائري بومدين وعبد الكريم قاسم في العراق،

كانا نزيهين فعلاً لكنهما لم يؤسسا نظاماً مستداماً يستمر بعد رحيلهما.

عبد الكريم قاسم وصفه المرحوم ابراهيم كبة بالقول : (انه كان نموذجاً فذّاً للأميّة السياسية) ..

اهتم بالفقراء بشكل شخصي ولم يستطع اقامة نظام مؤسسي يتولى ذلك ولم يضع دستوراً دائماً ولم يؤسس لانتخابات او تداول سلمي للسلطة واستهل عهده بمجزرة.

وعندما انقلب عليه ابناء الشوارع وروّاد البارات الرخيصة، حطّموا كل مابناه في ايام..

تقييم الزعماء يعتمد على حزمة من الانجازات ولايعتمد على نقاط مضيئة منتقاة لكي نضفي عليهم البطولة والعظمة..

ادارة البلدان مسؤولية جسيمة وليست نوع من العبث والاختبار والتفضّل على الشعوب..

 

د. صلاح حزام

 

 

قاسم حسين صالحفي 31 نيسان 2021 نشرنا مقالا بعنوان (الأنتخابات بين المشاركة والمقاطعة)،  جاء في خاتمته بالنص:

(بوصفي سيكولوجست ومهتم بعلم النفس السياسي، فأن الحالة السيكولوجية للناخب العراقي هي التي تتحكم بموقفه من المشاركة او المقاطعة، وهي التي تحدد نتائج الانتخابات النيابية. ويشير الواقع الى فوضى امنية، ومناخ خوف أحدثته موجة اغتيالات طالت نشطاء لم يحاسب مرتكبوها، وصراع بين قوى الدولة واللادولة.. واجواء مشحونة بالتوتر لا تصلح لأجراء انتخابات نيابية تأتي ببرلمان يمثل 25 مليون ناخبا، وصراع انتخابي يفتح بوابة الاغتيالات .. الخاسر الأكبر فيها هم المرشحون المستقلون، لأن تعليمات مفوضية الأنتخابات تنص على ان انه لا يحق لأي كتلة تقديم مرشح نيابي آخر لأي مرشح يموت او يقتل. والأخطر انها ستعزز سيطرة الاحزاب الحاكمة على السلطة والثروة، وستشرعن فوزها حتى لو كانت نسبة المشاركة 5% مستندة للدستور وقانون الانتخابات، وستصف من يشكك بها بانه خارج على القانون ويجب ان يعاقب.. يقابله موقف القوى التقدمية والتشرينية التي تعد الأنتخابات باطلة.. وستكون المواجهة مشابهة لما حدث في تشرين/اكتوبر 2019 يوم تعاملت السلطة مع النشطاء تعاملها مع غزاة أعداء يجب ابادتهم.

ولتفادي نكبة أوجع في زمن النكبات، وخيبة اقسى في زمن توالي الخيبات.. فان التأجيل  هو الخيار الأفضل للقوى التقدمية والتشرينية والوطنية.. وللعراقيين كشعب ابتلي بطبقة سياسية أفقرتهم وأذلتهم.

وفي 7 حزيران نظم الاتحاد العام للأدباء والكتّاب ندوة عن الموقف من الانتخابات المبكرة شارك فيها سكرتير الحزب الشيوعي الصديق رائد فهمي.. وقد اوضحنا رأينا بان الموقف الصحيح هو عدم المشاركة فيها مستندين الى قراءة سيكولوجية للناخب العراقي.. ويأتي قرار الحزب الشيوعي  (السبت 24 تموز) بعدم المشاركة في انتخابات اكتوبر/تشرين 2021.

استطلاع نيسان 2021

قبل ثلاثة اشهر، كنّا استطلعنا الرأي في المشاركة من عدمها في الأنتخابات

شارك فيه (378) بينهم أكاديميون ومثقفون واعلاميون، توزعت مواقفهم على النحو الآتي:

الأول: موقف سلبي.

– المقاطعة موقف سلبي، وستجيش الاحزاب الحاكمة انصارها لمشاركة قوية ويبقى المقاطعون يسبون ويلعنون لأربع سنوات اخرى.

–  القانون الانتخابي لا يعطي هامشا لفوز القوى الرافضة لنظام المحاصصة، اذن لا جدوى من المشاركة.

-ترك الساحه لاحزاب الفساد يعزز انفرادهم بالسلطه وغياب الصوت النزيه الذي يفضحهم.

–الموقف سلبي وستجرى الانتخابات حتى لو كانت المشاركة 5٪ .

– من يقاطع عليه ان يضع البدائل لئلا تترك الساحة للغول فيغول اكثر

الموقف الثاني:ليست حلاّ

– بما انه لا يوجد قانون يحدد نسبة المشاركين بالانتخابات فهذا يعني ان لا جدوى من مقاطعتها، ويجب تكملة المشوار لنهايته وفاءا لدم الشهداء.

– المقاطعة في بلد الشعب منحاز للطائفة لا تنفع،  بسبب ان الذين صوتوا في الأنتخابات السابقة سيصوتون للاحزاب الفاسدة.

– ما يزال التدخل الاقليمي عبر الدمى الماسكة بالسلطة سيدة الفساد والمحاصصة تسّير القضاء وتمسك بشؤون السياسة والاقتصاد ان لم يسقط هذا النظام اولا.

الموقف الثالث:مشاركة ام مقاطعة.. لا فرق

– لا اتوقع حصول شيء، إنتاج نفس القمامة.. اتباعهم جاهزون للصعود في اللوريات لملء صناديق الاقتراع،  وسينتج البؤس باقسى مما هو عليه ال?ن.

– أعتقد أن البيئة السياسية تنطوي على إشكالات وتناقضات ففيما يشير قانون الأحزاب إلى منع مشاركة أحزاب سياسية لها أذرع مسلحة نلاحظ أن جماعات مسلحة أنشأت احزابا وحازت على موافقة المفوضية.الأمر الآخر أن قوى السلطة وقد حاصرتها إرادة الشعب في تشرين   2019ارتكبت أعمال قتل غير مبرر إلا لحماية مصالحها فهل تستطيع قبول نتائج انتخابات ليست في صالحها،  ستغرقنا بالدم حين يتهدد وجودها ومصالحها.

– كثيرون مقتنعون بمقولة:من يملك السلطة والمال والسلاح هو الذي يفوز.

استطلاع تموز 2021

تركز هذا الاستطلاع على قرار الحزب الشيوعي بالانسحاب من الانتخابات شارك فيه اكثر من (850).. توزع اغلبهم بين موقفين:

الأول يرى انه موقف صحيح وصائب.. " فلا انتخابات نزيهة تحت اعواد المشانق والكواتم والتفجيرات والسلاح المنفلت والاغتيالات "، "وانه موقف تاريخي يسجل للحزب بوجه هذه المهزلة التي اوجدها وصنعها الانحطاط السياسي والاخلاقي لحفنة من سياسيين طارئين"، "نبارك قراركم الوطني بعدم المشاركة في الانتخابات،  كي لا تكونوا كما كنتم في الدورات السابقة.. مشاركين في تشويه قيم الديمقراطية".. و " الأنسحاب افضل لحفظ ماء الوجه!".

فيما  يرى المقف الثاني ان الانسحاب موقف خاطيء لانه يعني "ترك الساحة للفاسدين"، " وفرصة لاعادة تدويرهم للسلطة"، "وتقويض للحياة المدنية للمواطن دون معارضة برلمانية ولو بصوت واحد"، " وان الانسحاب سيسمح للفاسدين بتمرير انتخابهم ويمنحهم الشرعية" و"ما هو البديل؟ هل هي الثورة؟ الكفاح المسلح؟ أم التظاهرات والصراخ ثم العودة للبيوت؟! ". و.. " اذن لماذا حرقتم الشارع بالتظاهرات ومن اجل من ذهبت ارواح الشباب؟!".

استنتاج وموقف

نستنتج،  ان المزاج السيكولوجي للناخب العراقي قد تغير خلال الاربعة اشهر الماضية لصالح مقاطعة الانتخابات، ويعزى ذلك الى وصول العراقيين ليقين ان حكومة السيد مصطفى الكاظمي عاجزة عن تأمين اجواء انتخابية آمنة، وان سطوة الميليشيات والدولة العميقة التي تمتلك السلاح والمال ستحسم نتائج الانتخاب لصالحها.ويدعم ذلك تصريح الممثلة الخاصة للامين العام للامم المتحدة (جنين بلاسخارت) في 19 تموز الجاري بان الاوضاع الامنية في العراق مهزوزة جدا وانه لا يمكن أن تجرى انتخابات دون تزوير.

الموقف

ان مقاطعة الانتخابات موقف يجب ان يبنى بفكر يقوم على استراتيجية، يشكل تحالف القوى التقدمية والوطنية والدينية المناهضة للفاسدين منطلقها برؤية علمية وعملية تؤمن الخلاص من افسد وافشل واقبح من حكم العراق في تاريخه.. وتلك هي المهمة الأصعب.

  

ا. د. قاسم حسين صالح

 

جواد كاظم البيضانيقبل أيام قرأت مقال لرجل تحدث في حقل معرفي مهم دون دراية بما يقول معتمداً عن التلقين وليس البحث والاستقصاء والتي تعد من أهم صفات المؤرخ الضليع، ولعله بدراية او بتوجيه حاول قلب الحقائق من خلال اعتماد المخيلة الميثولوجيا  التي ترتكز على الأسطورة، ولا شك فان تاريخ الترك في أعمه الأغلب بني على الأسطورة، فآمة لا تملك هوية تاريخية  تعتمد الميثولوجيا في بناء تدوين تاريخها، وقصة الذئاب الرمادية التي يتزين بها هذا الشعب واحدة من الأساطير المعروفة.

ما فهمته من مقال هذا الرجل أن الأرمن لا أصول تاريخية لهم في هذه الارض، وان يريفان مدينة اذرية!  وعلى الرغم من  معرفتي بتاريخ هذه الأرض ورسوخ العرق الأرميني فيها،  بيد أني التزمت الصمت لمراجعة المصادر التاريخية وأمهات المصنفات التي تحدثت عن هذه الأرض، فلا بد لي أن التزم الضوابط المعرفية في الرد اذا كان هناك خطأً تاريخيا، وعليه تصفحت بعناية كتاب فتوح البلدان للبلاذري أحمد بن يحيى بن جابر بن داود، فوجت ان العرب خاضوا قتال مع الارمن في مدن  الرها، وسميساط، وقرقيسيا، وآمد، وميافارقين ... الخ؛  قال في ذلك وفتح العرب أوزن عَلَى مثل صلح نصيبين ودخل الدرب فبلغ بدليس ..." (1) ولنترك البلاذري ونعود إلى خليفة بن خياط الذي تحدث بازهاب عن فتوح أرمينية(2) في كتابه المعروف تاريخ خليفة بن خياط، ثم ان اليعقوبي الذي عمل في ديوان الانشاء، وذهب إلى أرمينية ووصفها وصفاً مهماً وتحدث عن سكانها ومدنها وخراجها وذكر ا ناهلها من الأرمن فضلاً عن حديثه عن سكان اذربيجان من الاكراد، والحق أن البلاذي تتطرق الى الصلح الذي عقده الأكراد من سكان اذربيجان مع القادة العرب، وذا ذهبنا الى كتب الجغرافية الاصطخري، ابن خرداذبا في كتبهم المسالك والممالك ومسالك الممالك ويبقهم اليعقوبي في كتابه تاريخ البلدان فالحديث يطول عن الاتفاقيات التي عقدها العرب من البطارقة الأرمن، والبطريق هنا يعني النلك ويبدو أن رجال الدين الأرمن في ذلك الوقت كانوا يملكون الصفتين الزمنية والدينية، فهل هناك سبيل الى  مَنَاصٍ من اظهار الحقائق كما هي .

استمرت مراجعتي لهذه المصادر ايام دون كلل، رغم يقيني أن المعلومات التي نقلها صاحب هذا المقال الأسطوري لا ترقى الى الحقيقة بشيء . خلال ذلك تذكرت أساتذتنا رحم رحم اللّٰه الماضين منهم وحفظ الباقين ونفعنا بعلمهم؛ إنهم يقولون أن على المؤرخ أن يتحدث بحقائق التاريخ كما هي وان يمحص الأخبار ويدققها دون الخضوع إلى ميل او انفة او عصبية فهذه الصفات تبعده كثيراً عن صنعته، ويبدو ان صاحب هذا المقال لا يحسن الصنعة في اشاراته غير الدقيقة الى وقائع يجهلها او تجاهلها لغاية سياسية او مادية او بحثاً عن سفرة مع مليحات اذربيجان اللائي تميزن باختلاط جمالهن بين شعوب الأبروم، والآفشار، والبادار، والاشاخسيفين والبايدجائين، وشعوب اخرة من السلاف والفرس والاكراد حتى أصبحت نسائهم مقصداً لعشاق الجمال.

لنعود الى صلب المقال، ان الشعوب التي سكنت في اذربيجان مثلت الهوية الحقيقية لهذا البلد الذي توحد على يد الامبراطورية الفارسية ثم الروسية بعد أن كان أمارات متناثرة من (الكوبينيه، والشيكينية، والباكينيه...) وقسم من هذه الشعوب لا تزال تحتفظ بهويتها رغم ما يمارس عليها من ضغوط كبيرة لاذابتها عرقيا، وهنا على صاحب المقال مراجعة الحقائق فالتاريخ لا يرحم من تلاعب بهويته، ثم ان الحقائق لا تمحى بالادعاء بل هي ثابته عن المنصفين من المؤرخين وارباب هذه الصنعة. وعليه ان يكون عراقي ويغلب مصلحة بلده دون مصلحة الترك وان لا يكون ادات تطمس الهوية التاريخية، فالذي يتحدث بهذه اللغة الضحلة من المخاطبة التاريخية لا شك ان يكون أداة موجهة على بلده تستخدم عن الحاجة.

 

د. جواد كاظم البيضاني

......................

المصادر

1- البلاذري، فتوح البلدان، بيروت، مكتبة الهلال، 1998، ص ص 176 – 184.

2- أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري البصري (ت 240هـ)، تاريخ خليفة بن خياط،  بيروت، دار القلم، ط2، 1992.

 

 

عبد الامير العباديلقد كانت وثبة كانون الموقد الذي اشعل لهيب الثورة العراقية ضد الحكم الملكي وضد بريطانيا واذا كانت شرارتها قد انطلقت بسبب معاهدة بورت سموث

وعندما حاولت السلطة الملكية استمالت الوثبة من خلال شق صف قياداتها المتمثلة بالحزب الوطني والشعب والشيوعي والديمقراطي الكردستاني فانها في ذات الوقت قد فشلت رغم استقالة رئيس الوزراء جمال بابان وكيل صالح جبر الا ان الوثبة مضت لتؤسس لجموع. استمرت رغم هول ماتعرضت له القوى الوطنية

والتي راح ضحيتها استشهاد العديد من المنتفضين منهم جعفر الجواهري والالوسي وشمران علوان وبهيجة وغيرهم.

والوثبة استمرت تكافح على الرغم مما فقدته من فرص ومن رجال كان اخر من قدمت  قادة الحركة الشعبية الا وهم قادة الحزب الشيوعي العراقي في عام ١٩٤٩، فهد وحازم وصارم

ومع مرور الوقت تماسكت انتفاضة الشعب انذاك حتى انتفض الشارع بأنتفاضتين. في عامي ١٩٥٢، ١٩٥٦

ومن خلال هذه الانتفاضات اصطف الشارع حول قياداته واستقطب العديد من النقابات والمنظمات الجماهيرية وحتى النسوية حيث لعبت المرأة دورا رياديا في السير جنبا الى جنب مع الرجل

وما اريد توضيحه هنا ان بعض قيادات الانتفاضة استطاعوا تقريب. وجهات نظر نخب عديدة من الضباط

 توجوها بيوم ١٤ تموز حيث كان موعد الثورة والقضاء على الحكم الملكي وبغض النظر عن التباين في وجهات النظر حول تلك المرحلة الا ان الواقع يشير الى ان هناك ارادة جماهيرية صنعت التغيير، لذلك ارى من المناسب بيان اوجه الاختلاف بين  وثبات ١٩٤٨،١٩٥٢،١٩٥٦وبين تشرين

اولا: الارادة الوطنية لتلك الوثبات كانت صامدة وبقوة ولا يوجد فيها مندسين وكان الهاجس الوطني متوجها لاسقاط الحكم الملكي

ثانيا: التماسك التنظيمي ووحدة قيادات الاحزاب الوطنية اتجهت لحمل الروح الثورية والاصرار على تغيير الحكم

ثالثا: الانتفاضة انذاك كانت تجمع كل الطوائف شيعية سنية كردية والمسيحيين والصابئة وحتى اليهود حيث كان الاصطفاف الوطني هو الصفة الملازمة للوثبة والوثبات الاخرى

 رابعا: لا توجد شعارات طائفية او دينية اطلاقا فقط كانت الشعارات تنادي بمطالب وطنية

خامسا:التسابق الوطني وعشق العراق كان هو الرمز الذي صنع انهيار السلطات انذاك

سادسا: التشخيص الدقيق لتواجد لحمة القوى الوطنية

سابعا:لم تختصر وثبة كانون على حزب معين رغم قوة الحزب الشيوعي لكن يلاحظ مشاركة احزاب وطنية اخرى كالحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال وفوق ذلك كانت النقابات كالمحاميين والاطباء والمعلمين والمهندسين وغيرها من قوى الشعب كلها تشارك في هذه الانتفاضة وغيرها

وبالعودة الى انتفاضة تشرين تميزت بالاتي:

اولا: عدم وجود قيادة موحدة وعدم وجود اي اصطفاف وطني ممنهج عدا تواجد وخاصة في بغداد لقواعد الشيوعيين واتحاد الطلبة العام ورابطة المرأة العراقية

ثانيا: لا توجد شعارات وطنية موحدة بل وجدت شعارات دينية طائفية

ثالثا: تشرين كانت مختصرة على المناطق الشيعية وعدم مشاركة المناطق السنية والكردية

رابعا:على الرغم من الاعداد الكبيرة التي تتمثل بالنقابات والاتحادات المهنية لم نجد مشاركتها فاعلة

حيث اقول ان هذه الشرائح لا تشعر بالعوز المادي وهذه تجعل كل هذه النقابات متفرجة وارى بتقديري هو ضعف الحس الوطني لما يعانية الوطن  من احتلال اميركي وايراني وتركي وخليجي اضافة الى عدم الاحساس بما تعانيه الدوله من رداءة الخدمات والتعليم والصحة والاقتصاد والزراعة، اذ تشعر العديد من اصحاب هذه النقابات بالتخمة المالية التي تجعل لها مبرر لعدم مشاركتها هذه الانتفاضة

اذن مالسبيل لنجاح انتفاضة الشعب؟

علمتنا دروس السياسة ان وحدة المجتمع على هدف واحد كفيلة بتغيير النظام السياسي وذلك من خلال الصوت الواحد لكل قوى الشعب والسبيل الاخر للتغيير هو الاصرار على الاضراب ولو تجرأت نقابات المحامين والاطباء والمعلمين  واصحاب النقل والطيران والسكك الحديد والموانئ على الاضراب يوما واحدا لانهارت هذه الدولة الورقية ولحدث التغيير بالطريقة السلمية

اما الخروج هنا. وهناك بمجاميع منهكة القوى اتعبها العوز والفقر وسقوط المئات من الشهداء ارى في ذلك افقار لاي انتفاضة وفوق ذلك هو تعرض الثوار الى العنف والقتل من مختلف الجهات والتي مازالت الدولة تقيدها ضد مجهول

اخيرا ان قيادة الشارع تحتاج قيادات ثورية فذة تبسط وجودها وتفرض الخروج للشارع بطرق متعددة لهو الطريق الثوري للنجاح وللثورات طرق اخرى ان فشلت فيما ذهبنا اليك

مجدا لشهداء العراق والنصر حليف شعبنا العراقي

 

عبد الامير العبادي

 

 

سليم الحسنيفي الأشهر القليلة الماضية لم يكن أداء السيد مقتدى الصدر موفقاً، وهذا ما بدا واضحاً من خلال حجم الانتقادات التي طالته. كانت الانتقادات من الكثافة بحيث انه لجأ أكثر من مرة الى الظهور إعلامياً من أجل معالجة ما وقع فيه من خطأ في موقف سابق، لكن سلسلة الأخطاء كانت تتراكم، بحيث تبعتها موجة كبيرة من الاستهجان انعكست على وسائل التواصل الاجتماعي بسعة عالية.

وتحت ضغط الرأي العام وخصوصاً بعد وقوع حادثة حريق مستشفى ذي قار، شعر السيد مقتدى الصدر بأنه أصبح في موقف حرج، فقرر إعلان الانسحاب.

وقد أخذ الكثير من الكتّاب والمتابعين على مقتدى الصدر انه أعلن انسحابه بصفته الفردية الشخصية، وليس انسحاب التيار الصدري وكتلته البرلمانية ومسؤوليه في الدولة. واعتبروا الخطوة بانها عملية مناورة مألوفة سبق ان قام بها أكثر من مرة.

لكن هناك بُعداً آخر من المناسب التوقف عنده، فمقتدى الصدر اتخذ هذه الخطوة وبالطريقة التي تحدث فيها، ليعلن تخليه عن مسعاه في تولي رئاسة الوزراء المقبلة، وهو المسعى الذي صرح به أكثر من مرة، ثم صار لهجاً على ألسنة مسؤولي تياره.

لقد توصل السيد مقتدى الصدر الى أن بوابة الولوج الى رئاسة الوزراء ممنوعة عليه، والسبب أن أصحاب القرار العميق المؤثرين في السياسة العراقية (محليين ودوليين) يتعاملون معه على انه صاحب دور، وأن هذا الدور سينتهي فيما لو وصل الى رئاسة الوزراء. ويبدو أن زعيم التيار الصدري توصل الى هذه الحقيقة متأخراً لكنها وصلته بشكل قاطع.

إن السيد مقتدى الصدر بمواقفه طوال سنوات ما بعد سقوط نظام الدكتاتورية، كرّس بقوة نظرة الأطراف المؤثرة في العراق على أنه أفضل من يغيّر التوازنات من خلال استخدام اتباعه في أي وقت يشاء وبأي طريقة يريد وبأي اتجاه يقرر من دون ان يعير أهمية لما سيقوله اتباعه.

هذه الميزة التي تفرد بها، جعلت القوى العميقة على قناعة تامة، بأن الحفاظ على ظروف التأزم والقلق في العراق بحاجة الى وجود السيد مقتدى الصدر في مكانه الحالي الذي برهن ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ أنه الوحيد القادر على شغله.

لقد خسر الكثير من السياسيين اللامعين في دول العالم مواقعهم أو حياتهم لأنهم أرادوا في فترة متأخرة أن يتحولوا الى موقع أعلى، ولم يلتفتوا بأن ما وصلوا اليه كان من صنع أيديهم، فلقد رضوا أن يكونوا رجال أدوار في ساحات مضطربة وحساسة بالتوازنات، وهي الدائرة التي لا يمكن الخروج منها إلا بالإبعاد أو التابوت. أما القلة من القادة فقد اكتشفوا هذه الحقيقة مبكراً فشقوا طريقهم على أنهم رجال قضية وليس دور، فكانوا زعماءً تاريخيين.

إن السيد مقتدى الصدر لن يحصل على رئاسة الوزراء في ظل الأوضاع المعقدة الراهنة، ويزداد مستوى استبعاده بسبب التشتت الشيعي الموجود في العراق، فهو طرف مؤثر فيه. وطالما بقي التشتت الشيعي قائماً فان كل الأبواب موصدة أمام التيار الصدري للوصول الى رئاسة الوزراء، حتى وإن تم تزوير الانتخابات أو شغل النواب الصدريون أكبر الكتل.

خيار السيد مقتدى الصدر يتحدد في قدرته على الخروج من حالة رجل دور الى رجل قضية، وهذه لا تكون بالشعار والتغريدة والكلام، إنما بالممارسة العملية الشاخصة، وهذا يعني أن يعيد صياغة حركته من جوهرها، بحيث يصبح العامل المؤثر في العمل على توحيد الكيانات الشيعية، وبعد ذلك يمكنه أن يخطط لما يشاء من مواقع السلطة، وستأتيه سهلة يسيرة.

 

سليم الحسني

٢٢ تموز ٢٠٢١

 

 

عدنان ابوزيدلا تزال هناك رغبة قوية في الديمقراطية بين العرب والدول ذات الغالبية المسلمة باعتبارها أفضل أشكال الحكم، على الرغم من إخفاق الكثير من التجارب، فضلا عن النتائج المتواضعة للربيع العربي.

غير ان المشكلة الكبرى في الدول العربية والإسلامية، ان الديمقراطية توقفت عن حدود كونها مفهوما نظريا، متداولا بشغف، على مستوى الشارع، والدراسات المتخصصة، بل انها حتى في الدول التي تدّعي ممارستها، تغيب عنها احدى اهم السمات، وهي الانتخابات التنافسية النزيهة، وحرية التعبير.

تحليلات غربية تشير الى ان بنية المجتمعات الإسلامية، حيث الدين والعشيرة والعلاقات الاجتماعية شديدة التعقيد، تحول دون توطيد قواعد راسخة للديمقراطية التي استنسخت نفسها على شكل ديمقراطية قبلية بمجلس عشائري ورؤساء منتخبين دكتاتوريين، الأمر الذي يُولّد الإحباط، ويوقِف الاندفاع الغربي للترويج للديمقراطيات في الشرق الأوسط.

لكن تخلي الغرب عن دعم الديمقراطيات، لا يعني انتهاء محاولات التأسيس لها، فلا يزال الحماس يتصاعد، لكنه

في الغالب على شكل نظريات ورغبات، وليس مشاريع عملية نافذة، على الرغم من ان جلّ الافراد في مجتمعات الشرق الأوسط معجب بالديمقراطية الغربية، التي انجبت مجتمعات مدنية، واقتصادات قوية اثمرت عن غطاء حماية اجتماعية متين، وارتفاع في مستويات الدخل للفرد الغربي.

وعلى الرغم من الاعجاب بالغرب، الا ان المواطن المسلم يرى ان من الأفضل المزاوجة بين الإسلام والديمقراطية،  

إذ تعتقد الأغلبية في باكستان والأردن ومصر، وفق المركز البحثي "بيون ريسيرج سنتر" أن القوانين يجب أن تتْبع بدقة تعاليم القرآن، في حين أن معظم التونسيين و 44٪ من الأتراك يريدون أن تتأثر القوانين بقيم الإسلام.

ويمتد النقاش حول صعوبة تطبيق الديمقراطية في الدول الإسلامية، الى المساواة بين الجنسين، ودور المرأة في المجتمع، والعشيرة، والطبقية الاقتصادية والاجتماعية. 

لكن اليأس يجب ان لا يخيّم، ذلك انّ الديمقراطيات الغربية ليست حالة مثالية، وهناك نماذج جيدة من الديمقراطيات 

في العالم الإسلامي نجحت في الانسجام مع الكثير من أسس التدين، كما في إندونيسيا إلى ماليزيا وباكستان ولبنان إلى تونس و تركيا، كما إن الهند التي تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، تصّنف على أنها أكبر ديمقراطية في العالم. 

الزعيم الماليزي والسجين السياسي السابق أنور إبراهيم، يقول: "نحن نمثل الإسلام المتسامح الليبرالي الذي يستوعب الكثير من قيم الغرب الديمقراطي".

وحيث أنّ لا أحد يتغافل الحقيقة في ان الكثير من المسلمين يعيشون في بلدان غير ديمقراطية، وبعضها دول فاسدة، مستبدة، إلا انّ لا أحد ينكر أيضا ان الحكومات الغربية تدعم الديكتاتوريين في الشرق الأوسط والدول الإسلامية، على الرغم من ان جورج بوش، وتوني بلير والمحافظين الجدد، تحدثوا كثيرا بعد 11 سبتمبر عن ان المشكلة الحقيقية في العالم ذي الأغلبية المسلمة هي الافتقار إلى الديمقراطية والتعددية السياسية.

 

عدنان ابوزيد  

  

سعيد توبيرالمغرب في مواجهة اسبانيا

من أهم الدروس البيداغوجية المستفادة من "المنهج التاريخاني" الذي اشتهر به المؤرخ والمثقف المغربي "عبد الله العروي": هو أننا لا نستطيع فهم حقيقة " الراهن المغربي" اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، دون العودة الى دراسة الجذور التي غالبا ما تكون عميقة ومتشابكة. ويقصد بذلك أن ما نعانيه اليوم من مفارقات - (غياب الثقافة الديمقراطية، صعوبة ربط التنمية المستدامة بتجديد النموذج التربوي، واقدار الاقتصاد الوطني على تنافسية التجارة الدولية، واستكمال وحدته الترابية للتفرغ لتحديات تطوير البحث العلمي والتفاعل الواعي مع تأثيرات فورة الرقميات ومكتسبات الذكاء الصناعي، والاستجابة العقلانية والاستراتيجية للقضايا الحارقة اجتماعيا واقتصاديا وتربويا)، له علاقة مباشرة بظاهرة بالاستعمار" أو ما يسميه هو في تحليلاته ب "التدخل الاجنبي".

وعليه فان الاطروحة الرئيسة الذي نسعى الى المرافعة عليها تتأطر ضمن افق "ثقافة وطنية جديدة" يستدعيها الاستشعار السياسي والثقافي الحادين باستهداف المغرب في كفاحه من أجل النهوض الشامل والسيادة الكاملة على ترابه التاريخي. وبالتالي ترتد هذه " الأخيرة" تلقائيا الى اعادة القراءة والنبش في تاريخ مقاومة المغاربة للخطر الاجنبي الذي ارتبط بالمد الايبري خلال القرن الخامس عشر وما قبل وما بعد الاحتلال المزدوج " الفرنسي – الاسباني". وبالتالي تجد نفسها " الوطنية الجديدة" حريصة على التعبئة الجماعية الممنهجة اعتمادا على وثائق ونصوص تاريخية لشحذ همم الرأي العام لصالح قضايا الوحدة الترابية، والتفاني في حماية حدود البلاد واعلاء شأن السيادة الوطنية والثقافة المشتركة والافتخار بماضي الحضور المغربي العربي الاسلامي في العصر الوسيط في اسبانيا عمرانيا، علميا، فنيا، ادبيا وفلسفيا .

وفي هذا السياق يعتبر صاحب "الأصول الاجتماعية والثقافية للحركة الوطنية 1830.1912" أنه علينا نحن "المغاربة" ان نتصرف كسكان جزيرة "مطوقة" بحيث لا يمكن ان ننفي الجغرافيا. بدليل ان رسم خريطة المغرب 1956حسب موقف الزعيم "علال الفاسي" فور عودته من المنفى لا يضم سوى خمس "تراب المغرب التاريخي" مع اقتطاع غير مسبوق في تاريخ المغرب القريب لكل من تندوف/ توات/ تيديكلت/ الساقية الحمراء/ شنقيط وطبعا سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. وعليه فإن روح " الوطنية الجديدة" تلتصق جذريا بالمتابعة الدقيقة لتفاعلات ملف " الصحراء المغربية" اقليميا ودوليا ووطنيا، والذي خفث حضوره في تحليلات واهتمامات أغلب المثقفين والفاعلين السياسيين في السنوات الاخيرة.

في حين لاحظنا أنه منذ اعتلاء العاهل المغربي عرش المملكة بدأت الخطوط الاستراتيجية للديبلوماسية المغربية تجنح نحو الاصلاح العميق والتصويب المنهجي لمقاربة قضية الوحدة الترابية "الصحراء المغربية"، والتي اعطت لها نفسا جديدا بالارتكاز على عدد من الاولويات ضمن استراتيجية واضحة المعالم، من شأنها إعادة رسم الطريق السياسي الجديد. وبالتالي شكل اقتراح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي وقابل للتطبيق اولى اولويات المقاربة الجديدة، ما أدى بالإدارة الأمريكية إلى دعم المغرب ودفع بالأمم المتحدة إلى إقحام الجزائر وموريتانيا في المفاوضات، بعد أن كانت تروج لأطروحة كاذبة مفادها أن الجزائر هي فقط حاضنة للاجئين وليست طرفا في النزاع.

وأما اليوم فإن المتغير الذي تحكمه مقتضيات فتوحات عودة المغرب الى "بيته الافريقي"، بناء على شراكات اقتصادية واقعية وبرامج اجتماعية عملية وتربوية مع عدد من الدول الافريقية الصديقة. قد أدى في النهاية الى اعتراف الادارة الامريكية بمغربية الصحراء، اعتراف أربك تحالفات عدد من الدول الاوربية في علاقاتها بالجزائر، واصبحت لا تستطيع اخفاء عدوانيتها اتجاه المغرب. هكذا يجد الراهن المغربي نفسه في مواجهة تهديدات الجوار الجغرافي والسياسي، وتبين ان الاعتراف الامريكي بمغربية الصحراء قد كشف حقيقة "اسبانيا" العدوانية والاستعمارية.

 تؤكد الوقائع على ارض الواقع أن اسبانيا لم تعد قادرة على اخفاء عدائها للمغرب عندما تستقبل زعيم البوليساريو بلا حشمة تاريخية أو حياء سياسي جغرافي، في استفزاز سافر لمشاعر مغرب "المسيرة الخضراء ". وفي هذا السياق العدائي اتجاه استكمال المغرب لوحدته الترابية تذهب صحيفة "الباييس" في أحد مقالاتها البئيسة، إلى أن السبب الحقيقي وراء الأزمة هو رغبة الرباط في دفع إسبانيا إلى تبني موقف واضح في نزاع الصحراء بدعم الحكم الذاتي. والحال هو أن المغرب قد عبر بشكل رسمي عن أسفه لموقف إسبانيا التي استضافت على ترابها إبراهيم غالي، المتهم بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ويراهن الإسبان على تهدئة الوضع مع المغرب، خصوصا بعد فشل مساعي إقناع الإدارة الأمريكية بالتراجع عن الاعتراف بمغربية الصحراء وكذا غياب الإدانة الملموسة أوروبيا لموجة الهجرة غير الشرعية صوب سبتة.

تقتضي فلسفة "الوطنية الجديدة" باعتبارها وعيا تاريخيا بأهمية الحرية والمساواة والاستقرار والتعاون. وبدل التصعيد ولغة العداء والصراع ندعو النخب السياسية الاسبانية الى لغة الحوار والتفاوض على قاعدة الندية وتكافؤ الفرص والتنافس الرشيق. بحيث تثبت التجربة ان هناك من القواسم المشتركة بين البلدين لا يمكن اقصاؤها في أي تحليل. ذلك ان التجاور الجغرافي هو حتمية فيزيائية لا يمكن الا ان تكون من عوامل خلق مساحات الحوار والاتفاق والتفاوض حول المصالح المشتركة، كما ان التجربة التاريخية العربية الاسلامية في الاندلس العربي قد يشكل فرصة تاريخية لاغلاق صفحات احداث الماضي المأساوية والجنوح نحو الشراكة العادلة والتقارب بين الشعبين . الواقع هو أن المغرب لن يتخلى على وحدته المركزية وسيظل شوكة في حلق الاطماع الاستعمارية القديمة والحديثة. اليس من حقه ان يستعيد ترابه التاريخي؟ ، اذ المغرب اخر دولة استعمرت واول دولة استقلت في الشمال الافريقي. وغني عن التعريف شراسته في المقاومة لكل انواع التدخل الاجنبي اكان اسبانيا ام فرنسيا.

على النخب السياسية والمتتبعين الاسبان للشأن المغربي ان يغيروا نظرتهم العامة الى مستقبل المغرب ، على اساس ان ازمنة الهيمنة والاستعمار قد ولت. وان المغرب تمتع بالسيادة السياسية مبكرا في ترابه التاريخي دون الترامي على ارض الجيران. عليها ان تساعد المغرب على استرجاع ترابه التاريخي الشرعي والقانوني لخلق امكانيات التعاطي الايجابي مع مشاكل الهجرة والتهريب والارهاب. مع الوعي بان المغرب قادر على تغيير شركائه الاستراتيجين واسواقه التجارية بحكم الارادة الوطنية الواعية بمصالح الامة ومستقبلها في احترام تام للقيم الدولية والكونية.

 

الأستاذ: سعيد توبير - مكناس

 

نور الدين حنيفالبديهي في هذه الذاكرة أنّ مُعدّل المواطن في المشاركة السياسية في المشهد السياسي المغربي مُعدّلٌ مرتفع، لا أملكُ فيه رقْماً دقيقا. ولكنّ البداهة السياسية تبيح لنا التخريج التالي: إنّ أقلّ مشاركة للمواطن المغربي لا تنزل عن معدّل عشر مشاركات في عمره افتراضاً لا إحصاء، في حالةٍ يكون فيها هذا المواطن ملتزما بالمشاركة بشكلٍ دؤوبٍ ولا يُفلتُ منها ولاية واحدة، وعمره يتراوح بين الستين والسبعين عاما.

تُفيدنا هذه المقدمة في تأويل علاقة المواطن بالمشهد السياسي، وهو يكرّر في حياته نفس الأخطاء، ونفس الأكاذيب، ونفس التلاعبات ونفس الخيبات ونفس الصدمات ونفس أشكال الوعود وأضرب الإخلاء بها في مسلسلٍ سياسي أو شبيه بالسياسي يكرر ذاتَه في عبث مجنون وفي جنون عبثي يعيد الصورةَ ذاتها، في تاريخية غير مفهومة داخل نسق الاعتبار.

هناك إذن ذاكرة، وهناك مواطن، يعشق أن يُكْذَبَ عليه. ويحبّ أن يقرأ تاريخه الشخصي في علاقته بالمشهد السياسي قراءة انتقائية، تعزل الخبيث عن الطيب، وتُطبّل للسلامة الاِتّكالية، وتفرح لثقافة المهادنة. وهناك في آخر المطاف ذاكرة سياسية مريضة تستحق أكثر من بحث وتستحق أكثر من تحليل. إنها ذاكرة عاجزة عن تسجيل المعلومة وتوثيقها، وعاجزة عن قراءتها قراءة تفكيكية تعتبر الماضي لاستثمار المستقبل. إنها ذاكرة متسامحة فوق العادة.

وفي غير تعميم نقول إن المواطن لا يحمل في فكره موقفا كامل التكوين إلا في الحالات النادرة التي تكون فيها الثقافة واعية لا حشوية ، والنادر لا يحكم القاعدة، وبالتالي فهذا المواطن لا يملك ذاكرة محللة بالمفهوم التفكيكي والتأويلي أو على أقل تقدير، بالمفهوم الاعتباري المستخلص للدروس والعبر. ولا يملك القدرة القرائية التي تؤهله إلى مراقبة تاريخ مشاركته الشخصية في المشهد السياسي واستجلاب دروس اللحظة والراهن والاستقبال. إن هذا المواطن يشبه إلى حدّ ما ذلكم القط الذي سرعان ما ينسى أن سيّده قد خنقه بالأمس القريب حتى كاد أن يقتله. ومع ذلك كلما قدّم له الطعام انبرى القط إلى المصالحة والتسامح وطيّ صفحة الماضي لبدء أخرى أكثر عماراً، بل أكثر وهما.

وهي الصفحة التي طواها المواطن قبل الاستحقاق الأخير، وقبل قبل الأخير، وقبل العاشر والتاسع والثامن... وهكذا في مسلسل تراجعي تشبه مقدمته نتائجه ورأسه ذيله.

تمثل هذه الحالة النفسية مظهرا من مظاهر المثالية الارتدادية التي لا يكون فيها المواطن جادّاً في حياته السياسية، ولا يكون فيها حاسباً لمقتضياتها كما يحسب مدخوله الشهري ومصاريفه، على اعتبار أن الحياة ترتبط في نظره القاصر بما هو حيوي، والحيوي عنده هو دائرة المأكل والمشرب والملبس، وما جرى مجرى ذلك وكان بوظيفة سدّ الحاجة المادية... في حين أن الحاجة المعنوية، ومنها مصيره السياسي، فلا يملك إزاءه مثل هذه القوة في النظر وفي الفعل، والتي يحرص فيها حرصا شديدا على إشباعها.

لا تلتفت هذه المثالية الارتدادية إلى عمق الظاهرة، بل تلتفت إلى قشورها حيث تمارس الذاكرة الجمعية سلطتها على الفرد، وتؤطّر فيه دروب التذكر والتمثل والتفكر، وتدفعه راضيا إلى عملية المسح بالمعنى الإلكتروني ( formatage )، بحيث لا يبقى في هذه الذاكرة إلا ما هو مشرق وجميل بين قوسين. والمشرق الجميل هنا هو المتسامح، والمتسامح هو المتنازل في ضعف عن اللحظات القوية التي كان تبنّيها فرصة لصناعة المواطن القوي، لكنه فضل أن يرمي بمعطيات هذه القوة الكامنة رميا جذريا في سلة المهملات.

إننا أمام أزمة نسمّيها الذاكرة الجمعية التي تضع المواطن في كفّتين: كفة المشاركة بتداعياتها المسؤولة والعامرة، وكفة المسالمة الباحثة عن الأمن أو بالتعبير الصحيح عن وهم الأمن. ويعني ذلك أن المواطن يتحول من كائن معنيّ بمسلسلات المشهد السياسي الذي يهمّه بالدرجة الأولى، إلى كائن مغترب عن هذا المشهد، ويصبح مجرد موضوع عابر تحدّه قبضتا كماشة قويتان، فلا يجد بدّاً من تحديد لاموقفه الباني انفلاته من ثقافة التبرير، وبالتالي يختار هذا المواطن بدل المواجهة قرارَ المهادنة.

أعتبر هذه المهادنة عتبة أساساً يعبرها السياسي الذي يختلف عن المواطن بقدرته على المغامرة بمشروع القيم في المشهد مسلّحا بديماغوجية فرد

ية وأخرى جماعية (الحزب مثلا)، وهما تمكنان السياسي من تحجيم هالته الكاسية لنواةٍ موضوعُها كائنٌ مفرد وضئيل ومتقزم ونكرة. وهي وضعية نووية يتنكر لها السياسي كشرط نجاح في الفعل السياسي وكتأشيرة ضامنة لعبور المشهد من بابه الواسع (الواسع بين قوسين).

هنا، وهنا بالذات تتبدى المعادلة بطرفين: طرفٌ يختصر وضع المواطن المتردد والمثالي والظامئ لتصديق الوعد بالجنة السياسية الأرضية. وطرف ثانٍ يختزل السياسي الداهية الماسك ِ العلاقةَ بقبضةٍ من مكر مُغلّف بكل لبوسات القيمة الإنسانية النبيلة والحاملة للبرامج العسلية... وبين الطرفين يمتد جسد السياق السياسي أو الظرفية السياسية، أو المسار الاجتماعي كعامل مساعد يبلور العلاقة في هذا الاتجاه المنحرف والمرَضي والمكرس للتناقض والمفارقة والمظاهر الخادعة.

أترجم هذه الحالة المفارقة بحضور الفراغ السياسي في تجلّيه البسيط عبر البوابات الأولى لتفعيل المشهد. وهو الفراغ الذي يتعملق مارداً بين وضعيتين:

وضعية المواطن الطوباوي ووضعية السياسي الماكر. داخل هذا التوزيع الوجودي تتمسرح ظاهرة الكذب السياسي لتفعل فعلها العبقري في ترميم العلاقة بين كاذب ومكذوب عليه، وفيها يتحول كلا الطرفين إلى كائن متلذذ بهذه اللعبة وبتداعياتها الغزيرة، تطمينا للذات المشطورة وتسويفا لغد لن يأتي موعده. ومن هنا نفهم لمَ يرفع السياسي سقف الوعود ويزخرفها في ذهنية مواطنٍ اكتوى بالأمس القريب بصدمة الإخلاف والإخلال بالبرنامج الحزبي المعسول. والمُفارق في هذه الصدمة أن المواطن هو من يحمل هذا السياسي الكاذب إلى مقرات الجماعات والجهات على أكتافه. وهو من يعبّد له الطريق مفروشا بكل التسهيلات الممكنة. وهو من يعلم علم اليقين أنه خانه بالأمس... إلا أنه يُعطّل ذاكرته على الاشتغال المحلل والمقارن والمستخلص للدرس التاريخي القريب.

و لفهم هذه الظاهرة لا ينبغي تأويلها في سياقها الموضوعي المرتبط بسلوك الإنسان في علاقته بذاكرته البشرية، وإنما ينبغي قراءته في سياق متحول هو سياق السلوك السياسي وبسلوك المواطن لا الإنسان، وبسلوك المرَشِّح والنّاخب ومسؤولية الناخب لا بسلوك الفرد المعزول عن سياق المشاركة. في هذا المنعطف نفهم لِمَ يزْورّ المواطن عن قراءة التاريخ الانتكاسي لمشاركاته المتعددة والتي تنتهي بنفس الخيبة. إننا أمام ظاهرة أشكالية ومركبة لا أمام ظاهرة إنسانية تنفع فيها عمليات التنظير من خلال تركيم النتائج المُستقرأة في مضانّها. من هن نقرأ الظاهرة كالتالي:

- درجة الصفر: ويتعلق الأمر بالمواطن المشارك في اللعبة السياسية الذي يدخلها انطلاقا من وضعية الفراغ، فلا يحدث في الغالب أن يكون هذا المواطن قد راكم ثقافة سياسية تؤهله لكي يحسن الاختيار أو على أقل تقدير، يحسن اتخاذ الموقف.

- تأثير الميديا: وهنا مربط الفرس، وخاصة إذا تعلق الأمر بميديا خارجية تبدو فيها اللعبة السياسية ناجحة تعطي المثال في النزاهة والشفافية والرقابة الصارمة. وينسى المواطن في المغرب أو في العالم الثالث أن الأمر ينبغي قراءته في سياق الاستنبات، وأن بريق التجربة السياسية الغربية تحكمه شروط موضوعية خاصة بذلكم البلد وبتلكم الأرض وثقافتها وتاريخها، بشكل يدعو المواطن السياسي المغربي إلى إعمال فكره إعمالاً عقليا حتى لا يسقط في التقليد. إن الميديا في هذه الحالة لا تقدم التجربة البرّانية في موضوعيتها، وإنما تقدّم منها ما يدغدغ عاطفة قريبة ويجذب شعورا مائلا إلى الانجذاب وحسّاً غاضبا على الداخل ومستعدا لمعانقة أي شيء يأتي من الخارج، انتقاما للحظة الخذلان الموهومة.

- تأثير البيئة. ونقصد بذلك الوسط الذي يحتضن هذا المواطن، وهو وسط يمدّه بمجموعة من التمثلات المغلوطة عن الفعل السياسي، بما يؤثر على تلقّيه السياسي ويخدم اتجاها واحدا هو تفريخ ثقافة سياسية نكوصية وانتكاسية ومترددة وقبل كل شيء، انتقائية لا تقرأ الظواهر قراءة شاملة تفي بالحاجة في الإحاطة بما للظاهرة وما عليها. إن هذه البيئة مجالٌ خصب ومصدر ثرٌّ لمجموع العوامل المؤثرة على سلوكيات الفرد وتوجيهها. ولا ينبغي التقليل من شأن هذه البيئة لأنها في نظر علم الاجتماع السياسي بؤرة قوية لرصد هذه السلوكات المواطنية باعتبارها تقدّم أنساقاً من التفكير الخادمة للنسق السياسي بامتياز.

قاربنا في احتشام شديد مجموعة من مظاهر الذاكرة الانتخابية التي تسم ذاتها بالنسيان، وهو نسيانٌ نسقي تشتغل في تربيبه مجموعة من العوامل، تجعل المواطن ينخدع ويرى بأم عينيه أشكال الخداع السياسي ومع ذلك يعود ليرتكب نفس المشهد في لاوعي منه، وفي لا إرادة... والموضوع إشكاليٌّ لابدّ من طرحه داخل كثير من المباحث لفهم واستيعاب هذه الحالة الغريبة والنشاز.

 

نورالدين حنيف – المغرب

 

 

صادق السامرائيهل أن الطائفية من طبائع السلوك البشري، أم سلوك نتعلمه منذ الصغر، وننشأ عليه ولا نعرف سلوكا سواه، برغم ما يجلبه علينا من الأوجاع والملمات الدامية؟

هل الطائفية سلوك يمكن أن نغييره؟

علينا أن نسأل أنفسنا ونستحضر مبادئ ديننا وأخلاقنا وتقاليدنا ونجتهد بالجواب.

ترى كيف يتحول أبناء الدين الواحد إلى طوائف متناحرة، وأصحاب الألوان المختلفة إلى أعداء؟

إن الموضوع قد يكون معقدا والجواب فيه صعوبة، لكن البشر يبحث عن الجواب لكي يزيل غشاوات الجهل والإنفعال والإضطراب عن سلوكه.

يبدو لمن يتأمل التأريخ ومعايير السلوك البشري عبر مراحله الزمنية، أن النسبة العظمى من السلوك مكتسبة، أي أن البشر يتعلمها من محيطه الذي يترعرع فيه.

فلا توجد جينات طائفية، بل توجد جينات بشرية تنزع في تأثيراتها لتحقيق الإختلافات اللازمة للحياة وتواصل النوع البشري.

وبعض البشر يمارس هذه السلوكيات إعتمادا على إضطرابات في شخصيته، خصوصا أولئك المصابون بإضطراب الشخصية اللا إجتماعية، والذين مات في أعماقهم الضمير وما عاد لديهم رادع لما يفعلون، ولا توجد قوة في داخلهم تحاسبهم على أعمالهم.

فهم بلا ضمير يؤنبهم ويسائلهم، فيعيثوا فسادا، وإذا إمتلكوا قوة خربوا ودمروا وأهانوا العباد لتحقيق حاجاتهم النفسية الخفية.

ففي الكثير من السلوكيات الطائفية نوازع غير سَوية أو باثولوجية، وشرَه للجريمة وسفك الدماء والشعور بالقوة والسيطرة والجبروت.

وبصورة عامة فهذه السلوكيات التي يفرزها المجتمع ويصيب بها أعضاءه، يكتسبها من الآخرين المصابين بإضطرابات سلوكية خطيرة، وتحولوا إلى رموز لفئة أو قوة ما.

فالبشر يتعلم بالتقليد وبالملاحظة، وعندما يقوم هؤلاء بتلك السلوكيات ويحصدون من ورائها ما يعززها من المحفزات، فإن الآخرين يعيدونها ويكررون سلسلة مآسيها ودماراتها، وتتحقق في داخلهم قوة رافضة للآخر.

أي أنهم يميلون إلى الإنغلاق، والتوهم بأن ما يقومون به عين الحقيقة ولا شائبة عليه، ولا يحق لأحد أن يحاجج فيه، لأنه قد تحول إلى وجود مقدس في أعماقهم، مما يتسبب في المزيد من الويلات والجراحات وسفك الدماء.

ويصابون بداء مثالية السلوك الخبيث.

ويتعلمون ترسيخ هذه السلوكيات بتكرار مشاهدها، وتنامي المحفزات المشجعة عليها، وتحولها إلى قيمة إجتماعية ذات مردود معنوي على الفرد والعائلة.

فيحسبون جميع الأواني إناءً واحدا، ولا يفكرون بما يحوي الإناء، أي يميلون إلى التعميم القاسي المشين.

ومن هنا تنشأ الكراهية والحقد والبغضاء ومعطياتها السلبية، التي تعمي البصيرة وتشل الأبصار، وتحول البشر إلى مخلوق عدواني متوحش، ومفترس كاسر لأخيه.

فالطائفية بهذا المعنى إضطراب سلوكي، يجعل البشر يعامل بعضه البعض بكراهية  وجهل، إعتمادا على أفكار وتطلعات عدوانية هائجة، تفور في دنياه وتعززها خرافات وتصورات وإدعاءات معدومة البراهين.

وإنما هي أضاليل إختمرت في جهاز البشر المتحكم بغريزة الخوف والبقاء، الذي يؤدي إلى التوحش وردود الأفعال الغير متناسبة مع الموقف أو الحالة القائمة.

أي أنها تدفع إلى سلوك دموي مروع، للتعبير عن الخوف من الخوف المقيت.

وهي سلوك مضطرب مكتسب نتعلمه من خلال نشاطاتنا المتنوعة، ويتم إستخدامه  لإيقاع المزيد من الويلات بين الناس، وتحقيق أغراض سياسية مغرضة.

فنتعلم كيف نكره الآخر ونخافه، وبعناية فائقة وقصد مبرمج دون شعور منا، سوى أن ما نتعلمه يعزز الشعور بالإنتماء إلى تلك الفئة أو الجماعة.

وكلما أسرفنا في التخندق فيها،  إزداد خوفنا وكراهيتنا للآخر، وصار رد فعلنا تجاهه تدمير وقتل، للشعور بالخوف الشديد منه والكراهية الحمقاء له.

إن البشر الذي لا يمتلك هذه الأحاسيس المعوّقة يعيش في مجتمعات متفاعلة، ويشعر بالقوة والأمن والأمان، ويحقق إبداعا خلاقا ويؤسس لحضارة متطورة يسودها العدل والقانون.

أما المصابون بهذا الداء فيمضون حياتهم في رعب وتدهور، وإنهيارات متلاحقة وضعف متواصل يؤدي بهم إلى الخسران.

وقد تلعب أدورا في هذه السلوكيات ، القوى الساعية لإمتلاكها، والخوف الشديد من ضياعها أو فقدها، ويتم إثارتها بإستثمار مَواطن الإختلاف، وكأن البشر خلقوا كفرد واحد بلسان وعقل ولون واحد لا غير.

إن وعي مفردات هذا السلوك،  وإحباط مبررات تعلمه، وإستهجان ما يشير إليه سواء في البيت أو المدرسة أو المجتمع، والصحف ووسائل الإعلام، وإسقاط مفرداته من معجم التخاطب بين الناس، يساهم بعلاجه والوقاية منه، لأن المجتمع لا يجني منه إلا الضرر.

فعلينا أن نرفض منطقه،  وندينه بشدة، ونتجنب مفرداته، ونحذره أشد الحذر.

وعلى الرموز المتنوعة أن تنأى عن المنطق التفريقي التدميري للمجتمع الذي هي فيه، وتشجع على التواصل والتفاعل والتفاهم، وتبادل الرؤى ووجهات النظر، لتصنع سبيكة إجتماعية قوية تسعد أبناء المجتمع كافة.

إن الذات عليها أن تستيقظ، والعقل أن ينفتح، ولننادي كلنا أبناء وطن واحد، نساهم في بنائه وتحقيق السعادة لنا وللأجيال من بعدنا.

فأبناء الدين الواحد أخوة، كالجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر أعضاء الجسد بالسهر والحمى.

ولنعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرق ونكون إخوانا.

"أيها الناس إنما المؤمنون أخوة..."

"أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم..."

"أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم..."

"ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم"

إن إختلاف البشر آية من آيات الخلق وإعجاز الصيرورة والوجود.

فجيناتنا وأمراضنا متشابهة، وألواننا مختلفة وأفكارنا ومداركنا ولغاتنا كذلك، لكننا نعمل بقلب واحد نحو هدف واحد، ولنا قبلة واحدة وإله واحد ونبي واحد.

فلماذا ننسى كل هذا وذاك ونتصاغر في خنادق الطائفية؟

نعم إنها سلوكيات مكتسبة نتعلمها، ولنرفض كل سلوك يُشجعها ويُعلمها، وعلى القيادات السياسية والدينية والإجتماعية، أن تمنع التعامل بمفرداتها وتمقتها بقوة، لأنها تمثل الخسارة والدمار والثبور، والضياع للجميع بلا إستثناء.

وفي العديد من المجتمعات المتقدمة يحاسب القانون على أي تصرف، يتصل بالتمييز ما بين الناس أيا كان نوعه.

فلماذا لا تكون عندنا قوانين تشبهها؟!!

* الطائفة من الشيئ: جزء أو قطعة منه، والطائفية تعني تقطيع الشيئ الواحد إلى أشياء متماحقة!!

 

د. صادق السامرائي

1\2\2006

 

 

صالح الطائيكنت خلال الأيام الماضية مهتما ومشغولا بقراءة كتابين خطيرين، الأول هو كتاب "حكومة العالم الخفية" لشيربب سبيربدوفيتش، والثاني هو "التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين" لمارك كورتيس، قرأتهما بتركيز كامل، وخرجت بنتيجة ليست خافية على أحد، ولكننا كلنا نجاهد لتجاهلها، أو السكوت عنها، أو نشغل أنفسنا بفرعيات العلاقة المتوترة فيما بيننا وبين المجاورين لنا عن النظر إليها، والرأي الذي خرجت به أن من يعتقد أن للمبادئ والقيم مكانا في المعادلة السياسية واهم وعلى خطأ كبير، فهما مجرد عكازان تستقيم بهما السياسة وتهش بهما على عقول السذج من أبناء الشعوب المغلوبة على أمرها لخداعهم وتضليلهم لتسهل عليها قيادتهم، وقد انمازت هذه الثقافة الماكرة المراوغة بكونها واحدة من أسس السياسة الاستعمارية، وأشهر دولتين وظفتا هذا المنهج اللئيم هما بريطانيا وأمريكا. وظفته بريطانيا في أيام قوتها لكي تحافظ على فكرة أن الشمس يجب ألا تغيب عن أراضيها، لكي تستمر عجلة نهب خيرات الشعوب دائرة لا تتوقف، ووظفته أمريكا في سعيها لبناء عالم الحكومة السرية الخفية والنظام الدولي الجديد بعد أن أجلست على عروش بعض بلدان المنطقة؛ التي هي البلدان نفسها بلدان كانت تحت عناية المشروع البريطاني بعضا من امعاتها وصنائعها، وجعلتنا نتخيل أنهم المنقذون الذين كنا ننتظرهم منذ عشرات السنين، بينما أثبتت الوثائق الرسمية الدامغة أن العالم منذ أواخر القرن السابع عشر يحكمه أشخاص مختلفين عمن يتخيلهم أبناء الأمم المغلوبة على أمرها من الذين لا يعلمون بواطن الأمور؛ مثلما صرح اليهودي ديزرائيلي سنة 1844، وأن هناك قوة خفية أو يد خفية غير مرئية هي التي تحكم وتدير العالم وفق تصور بسمارك (ت: 1898) وهو رجل دولة وسياسي بروسي،  ورؤية لامارتين (ت: 1869) وهو شاعر وسياسي فرنسي تولى رئاسة الحكومة المؤقتة، بعد ثورة 1848، وأن الحديث عن حكومة وطنية في تلك البلدان مجرد ضرب من الهراء.

لقد أكد هذه الحقيقة ما قامت به الدولتان المستعمرتان بريطانيا وأمريكا من أعمال ألحقت الضرر الكبير بكثير من الشعوب عبر التاريخ. فضحت ما قامت به بريطانيا في أيام مجدها وثائق وزارة الخارجية والمخابرات البريطانية التي رفعت عنها السرية، حيث أشارت هذه الوثائق إلى تآمر بريطانيا مع المتطرفين والإرهابيين أفرادا وجماعات في أفغانستان وإيران والعراق وليبيا والبلقان وسوريا وإندونيسيا ومصر وبلدان رابطة الدول المستقلة وحتى نيجيريا التي دعمت بريطانيا حركات الإسلام السياسي فيها وحولتها إلى بلد مأزوم.

وفضحت ما قامت به أمريكا التي كانت لها جولات في غاية البشاعة تلك الأشرطة والمشاهدات العيانية وما نشره موقع ويكليكس، وهي الجولات الشيطانية التي بدأت في أول أمرها من خلال تعامل أمريكا مع السكان الأصليين من الهنود الحمر على أراضيها، ووصلت في عصرنا الراهن إلى حد تحريك الجماعات المتطرفة الإرهابية كأحجار رقعة شطرنج في مناطق عديدة من العالم، تحركها تحت حمايتها وبدعم مباشر منها لتنفيذ بعض أحقر الأعمال، وقد نجحت قواتنا خلال الحرب ضد داعش المجرمة في تصوير وتوثيق عشرات الحالات التي قامت فيها القوات الجوية الأمريكية بإسقاط كميات كبيرة من المؤمن والعتاد والسلاح وحتى عجلات النقل على مجاميع إرهابية كانت محاصرة وعلى وشك الاستسلام فأنقذتها من القتل أو الأسر، كما رصدت عمليات نقل للإرهابيين قامت بها القوات الأمريكية رغم أنف القوات العراقية ليؤدوا مهامهم في مناطق سبق ومسحتها أقمارها الصناعية. والنتيجة المتحصلة تنحصر في:

أولا: أن المصلحة الخاصة هي الأساس في سياسة هذين البلدين الخارجية حتى ولو كان فيها كبير الضرر على مصالح البلدان والشعوب الأخرى، وهذا يعني أن على الوطنيين في تلك البلدان أن يوحدوا صفوفهم ويتركوا المهاترات البينية الفارغة حفاظا على مصلحة البلد والأمة.

الثاني: أن أمريكا نابت عن بريطانيا في إدارة البؤر نفسها، وهي البؤر القلقة غير المستقرة والمستهدفة بشكل مباشر من خلال التخطيط والتهديد والتآمر والحصار والتخريب وكل متاحات التدمير الأخرى، ولا يوجد بلد من بينها إلى الآن يحظى بأدنى مستوى من الأمن والاستقرار.

ورغم ذلك نجد هناك جماعات لا زالت إلى الآن على استعداد تام للتضحية بأبنائها وبشرفها وببلدها وبعقيدتها الدينية في سبيل الدفاع عن الوجود الأمريكي الاستعماري في المنطقة، وجماعات لا زالت مخدوعة إلى الآن وتوظف كل متاحاتها وقدراتها في حربها الغبية ضد الآخر الذي تختلف معه في العقيدة المذهبية أو الدينية أو السياسية، ولا زال هناك من يسعى إلى القتل العبثي لمجرد أمل في أن يجد (حور العين) تنتظره بوله العاشقين وهو لا يعدل فلسين.

 

الدكتور صالح الطائي

 

 

كاظم الموسويتزداد أعداد اللاجئين والنازحين في الوطن العربي كل عام في إحصاءات وسجلات المنظمات المعنية مباشرة أو التابعة للأمم المتحدة بعناوين الاهتمام بحياة اللاجئين والنازحين. والأسباب التي تطرحها تتكرر ولا جديد فيها، هي حسب ما تكتبه مختصرة في الحروب الداخلية والأهلية والخارجية، واوضاع التدهور الاقتصادي، والأزمات الأخرى التي تشكل الأسباب أو عوامل البحث عن ديار آمنة. وكذلك اصبح في تقويم للأمم المتحدة يوم للاجئين، تحتفل به وتصدر بيانات عنهم وتقارير لمنظماتها ومفوضيتها وغيرها من المنظمات التي تشكل باموال مفتوحة لرصد الحالات والتقصد في نشرها واعلانها.

وفي كل الحالات التي تسبب اللجوء أو النزوح، ولكل من المصطلحين تفسيره القانوني والسياسي وتميزه، لا تتطرق تقارير هذه المنظمات إلى الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها. اي في الاخير تغطي على من هو صانع هذه الحالات المأساوية؟. رغم أنه واضح لكل ذي بصر، الا أنها تحاول باساليبها التمويه والتهرب من الحقيقة المرة.. الأمر الذي يضع مصداقية ما يصدر عن هذه المنظمات والمؤسسات من تقارير وتصريحات موضع شك وريبة، سواء في السردية او الاحصاءات، وقد تكون من منظور آخر طرف في الماساة، سواء في مشاركتها في التضليل أو في الصمت وحرف الوقائع فيما تنشره وتعتاش عليه.

آخر تقرير للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الذي نشر على موقعها الرسمي حول "الاتجاهات العالمية"، صدر بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، رسم صورة قاتمة عن أوضاع اللاجئين والنازحين في العالم. فقد ذكر أن المنطقة العربية استضافت ما يقرب من ربع عدد المهجرين قسرا حول العالم، بينما وصل إجمالي عدد النازحين داخليا في اليمن إلى 4 ملايين شخص، كما بقيت مستوياتُ النزوح الداخلي مرتفعة أيضا في العراق وليبيا وسوريا. وبيّن التقرير أن شخصا واحدا على الأقل يتعرض "للتشريد القسري" كل ثانيتين، في حين وصل عدد اللاجئين حول العالم خلال عام 2020 أكثر من 26 مليونا، كما بلغ عدد النازحين 82.4 مليونا. اي ما يقارب مئة مليون إنسان في حالة هجرة عن دياره ومرابعه.

وأشارت التقديرات الجديدة للمفوضية إلى أن ما يناهز مليون طفل قد ولدوا لاجئين بين عامي 2018 و2020، وقد يظل الكثير منهم لاجئين لسنوات قادمة. وما يتبع ذلك من حرمان من حقوقه كطفل أمام مؤسسات عناوينها رعاية الطفولة.

وللاستهداف السياسي أو الابتزاز المتكرر، تنشر للعام السابع على التوالي، خبر  استضافة تركيا لأكبر عدد من اللاجئين في العالم، برقم اقترب من 4 ملايين لاجئ، ولا تذكر بلدانا أخرى فيها ما يقارب هذا العدد من اللاجئين، وفي جوارها، وكيف ولماذا أسهمت في التحضير مسبقا لها؟!. وذكر التقرير أنه على الرغم من جائحة فيروس كورونا، فقد ارتفع كثيرا عدد الأشخاص الفارين من الحروب والعنف والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان في عام 2020. وحثت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قادةَ العالم على تكثيف جهودهم لتعزيز السلام والاستقرار والتعاون من أجل وقفِ الاتجاه السائد منذ ما يقرب من عقد من الزمان، والبدء في قلب مساره، فخلفَ كل رقم هناك شخص أُجبر على ترك منزله، وقصة من قصص الحرمان والمعاناة. ورغم هذه الإشارات الصريحة الا أنها لا تضع الاصبع على الجرح، كما يقال.. توصيات تبقى باهتة وعمومية ولا تحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية للقادة الذين تخاطبهم وتعرف جيدا أدوارهم في المحنة العالمية، التي تصدر عنها تقاريرها.

أشار  رئيس المفوضية فيليبو غراندي في مقابلة مع وكالة فرانس برس إلى "اتجاه لوحظ منذ 2012: الأرقام أكثر ارتفاعا من السنة التي سبقتها" معتبرا ان ذلك يعني وجود "المزيد من النزاعات والمزيد من العنف". ووفق غراندي فإن "الحلول السياسية غير كافية"، في ظل "مجموعة دولية منقسمة، وغير قادرة على إحلال السلام وبالتالي فان الوضع سيواصل التفاقم". ولم يخف المتحدث مخاوفه من أن "تكون السنة المقبلة أسوأ من هذه السنة".

أكد التقرير أن عدد النازحين بسبب الحروب والأزمات في العالم تضاعف في السنوات العشر الأخيرة.. وأشار إلى أن النزوح القسري يمتد تأثيره الآن إلى أكثر من 1% من سكان العالم - وبالتحديد 1 من بين 97 شخصا- مع عدم قدرة المزيد والمزيد من أولئك الفارين على العودة إلى ديارهم، وهو رقم لم تشهد المفوضية أعلى منه من قبل. اي رقم قياسي عالمي، له اثاره وتأثيراته وتداعياته.. كما قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: "إننا نشهد واقعا متغيرا وهو أن النزوح القسري ليس أكثر انتشارا في الوقت الحاضر فحسب، بل إنه ببساطة لم يعد ظاهرة مؤقتة وقصيرة الأجل".

تضاعف مستوى النزوح القسري تقريبا منذ عام 2010 (41 مليون شخص مقابل 79.5 مليونا الآن). واورد التقرير إن 80% من عدد المهجرين حول العالم يعيشون في بلدان أو أقاليم متضررة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد، والكثير من هذه البلدان تواجه مخاطر تتعلق بالمناخ وغيرها من الكوارث. كما أن أكثر من 3 أرباع اللاجئين في العالم (77%) عالقون في أوضاع نزوح طويلة الأمد، كالوضع في أفغانستان على سبيل المثال والذي يسير الآن في عقده الخامس.

واشتمل تقرير "الاتجاهات العالمية" على كافة جموع النازحين واللاجئين الرئيسيين، بما في ذلك 5.6 ملايين لاجئ فلسطيني ممن ينضوون تحت ولاية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" (UNRWA).

ووفقًا لتقرير مركز رصد النزوح الداخلي الجديد، وهو مركز اخر مهمته  الرئيسية تعرف من عنوانه، فقد تسبب، ما يسميه التقرير ب"النزاع في المنطقة" العربية بين عامي 2010 و2019 في نزوح 2.9 مليون شخص جُدد في المتوسط سنويا. ويمثل النازحون داخليا الآن ما يقرب من 3% من سكان المنطقة، أي ما يعادل سكان مدن عمَّان وبيروت ودمشق ودبي وتونس كلها مجتمعة.

 صرّحت مديرة المركز ألكسندرا بيلاك قائلةً: "إن حجم النزوح الداخلي والنزوح عبر الحدود لم يسبق له مثيل في بعض البلدان".

 وأشار التقرير الى إن النازحين الذين يلجأون إلى مخيمات أو يعيشون في مساكن غير ملائمة نتيجة ما يطلق التقرير عليه "الصراع وأعمال العنف" اضطروا إلى النزوح مرة ثانية أو ثالثة بسبب الفيضانات والعواصف. وإجمالاً، تسببت الكوارث المفاجئة البطيئة النشوء في نزوح 1.5 مليون شخصًا جديدًا داخليًا في جميع أنحاء المنطقة على مدار العقد الماضي.

أضاف التقرير عن تأثيرات العوامل الاقتصادية والبيئية على محنة النازحين، كما أدت جائحة فيروس كورونا المُستجد إلى تعقيد الأمور بقدرٍ أكبر. وقدر المركز  أن التكلفة الاقتصادية للنزوح الداخلي في المنطقة تبلغ حوالي 8 مليارات دولار سنويا، أي ما يكفي لتوفير ملياري جرعة من لقاحات فيروس كورونا المُستجد، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

كل التقارير، بارقامها واحصاءاتها واستهدافاتها، تضع محنة النزوح واللجوء أولوية مهمة أمام العالم، وتطالب بأهمية ايجاد الحلول وانقاذ الملايين منهم ومستقبل اجيالهم. فهل من مستجيب؟!.

 

كاظم الموسوي