كفاح محمودواحدة من أهم وأخطر ما يواجه مجتمعاتنا وهي في خضم عمليات تغيير اجتماعي وسياسي هي تلك المنظومة من السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة وسلطة الأب أو ولي الأمر، وانتهاءً بالقائد الضرورة مروراً بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس فيها نرجسيته وتفرده. فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت كثير من سلوكياتها تتمركز في مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافاً إليها إكسسوارات قروية وقبلية كرست تفرد الشيخ و الأغا، الذي تطور تدريجياً كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، حيث تتجلى اليوم في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية خاصةً في مرحلة ما سمي بالربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعاً، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع، وعودة سريعة لمكامن نشوء وبلورة الدكتاتورية اجتماعياً وتربوياً وتطورها سياسياً ندرك دقة ومصداقية ما يقوله علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول عالم الطفل الذي يرى نفسه مركزاً للمجتمع الذي يدور حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجياً إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولاً إلى من يتولى إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيساً عظيماً وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري.

إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش، ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة ايديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبداً مطيعاً أو ملحاً مذاباً في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولأن دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمناً ليس قصيراً، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولأن الكثير الكثير يؤمن بأن مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي سعيدة جداً بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه. عليه وجب البحث عن حلول وخيارات أخرى غير هذه النظم أو أن يتحول الجميع إلى دكتاتوريين لكي لا يُتهم أحد بأنه قد تفرّد بالآخرين!؟

وحتى يتحقق ذلك الهدف وحماية لأجيالنا القادمة من ظهور دكتاتوريات متوحشة تبتلعهم علينا أن نبدأ من السنوات الأولى لحياة الطفل في تهيئة بيئة صالحة لنمو كائن ديمقراطي لا يعتبر أن المجتمع كله خلق من أجله، بل يؤمن بأنه خلق من أجل المجتمع، وتعديل تلك المشاعر والسلوكيات الغرائزية وفق أسس تقلب المعادلة، فيتحول من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.

 

كفاح محمود كريم

 

 

جوتيار تمرالحكومة الكونكريتية: هي الحكومة التي تهتم بانشاء الطرق ومد الجسور والبناء العمودي وتجعلها من اولوياتها، وفق معايير مصلحية خاصة سواء من خلال مشاريع الشقق العملاقة او التجمعات السكنية ذات الاغراض النخبوية للفئات الخاصة، او الاهتمام بالمشاريع السياحية، في حين يعيش ثلاثة ارباع الشعب في عوز وضنك وحالة معيشية متردية.

الحكومة المصلحوية: هي الحكومة التي تفضل مصالح الاحزاب ورجالاتها وشركائها وشركاتها واعمالها وعقودها وارصدتها على الامن الغذائي واستقرار المواطن بحيث تترك المواطن يعيش كل شهرين منتظراً على أمل صرف راتبه او دفع مستحقاته التي هي في الاصل مسؤولية الحكومة.

الحكومة التاجرة: مصطلح يمكن ادراجه ضمن هيكلة الحكومات الشرق اوسطية بالذات، وهي الحكومات التي تسخر كل طاقاتها من اجل المتجارة بموارد الشعب، وتحت غطاء سياسي لايمت بالسياسة بشيء، فتصبح من اولوياتها السيطرة على جميع مصادر الانتاج الداخلي وكذلك احتكار جميع العقود التجارية الخارجية، وجعل وارداتها في خزينتها الشخصية دون استافدة الشعب.

الحكومة اللاشعبية: وهي بعكس الحكومة الشعبية المركزية الانموذج الذي السياسي الذي يحكم اكبر دولة في العالم – الصين - منذ عام 1954، وهي متشكلة من ثلاث سلطات عليا متداخلة، احداها الحكومة والاخرى هي كل من الحزب الشيوعي الصيني وجيش التحرير الشعبي، اما الانموذج الذي نقصده هنا هو الحكومة التي لاتعتمد على الشعب الا في الانتخابات، وما بعد الانتخابات تسلك الحكومة اتجاهاً فردياً اشبه بانظمة الحزب الاوحد، فتسخر كل امكانياتها المادية والاعلامية والعسكرية لترسيخ سلطتها والابقاء على كرسيها بعيداً عن متناول الطامحين في الوصول اليه.

الحكومة الفوضوية: الفوضوية او الاناركية هي مجموعة من المواقف والافكار التي تتركز حول مبدأ الحكومة مؤذية وغير ضرورية، وهي في دلالاتها تتمثل في الحكومات التي لاتقدم سوى الفوضى لشعوبها، وبذلك يكون وجودها من عدم وجودها سيان، بحيث لاتجد الشعوب في حكوماتها اية وسيلة للخلاص من اوضاعها الميؤسة سواء على المستوى السياسي وصراعات الاحزاب، او المستوى الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة، او على المستوى الاجتماعي للحد من انتشار الانحلال داخل المجتمع.

الحكومة العدمية: او ما يمكن ان يطلق عليه العدمية في السياسة، والعمل السياسي، وهي تمثل نزعة الى الهدم، الى محو الماقبل وعده من جملة المعدوم، والى نفي امكان صيرورة المابعد واقعاً يبنى عليه، وبحسب هذه الدلالات فان الحكومة العدمية هي التي لاتستطيع فرض اي - واقع - او ايديولوجية سياسية يمكنها اخراج الشعب من دوائر الشك الذي لانهاية له في كل شيء، سواء عبثية الوجود، او انعدام الامل في التغيير، او انعدام الحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبذلك تمثل هذه الحكومة انموذج هدم بدون ايجاد بديل.

الحكومة المضطربة: وهي التي تظهر اضطراباً في شخصيتها المعادية للمجتمع، ويظهر لديها هذا السلوك من خلال ممارساتها التي لاتخدم سوى فئة نخبوية معينة ومحددة، وكأنها مصابة بما يسمى بالاعتلال الاجتماعي، وهو اضطراب عقلي لاتُظهر فيه الحكومة ابداً اي اعتبار للصواب والخطأ، وتتجاهل حقوق الاخرين ومشاعرهم، وتميل الى التلاعب بالاخرين او معاملتهم بلا مبالاة قاسية، كما انها لاتُظهر اي احساس بالذنب او الندم من تلك السلوكيات التي تهدم مقومات المجتمع .

الحكومة الاعلامية: وهي الحكومة التي تعتمد على الاعلام في ابراز شعاراتها وتسليط الضوء على اعمالها وتحركاتها سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي فيما يتعلق بالبناء والعمران من جهة، او التجارة والعقود التجارية بجميع تمفصلاتها من جهة اخرى، ولكنها بعيداً عن الاعلام الشعاراتي لم تستطع من انجاز احدى اهم مقومات اية حكومة حقيقية وذلك ما يتعلق ببناء الانسان داخل الوطن، باعتبار ان الانسان هو اللبنة الاساسية في الوجود.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

7/7/2021

 

 

بكر السباتينإجراءات متبادلة بين الطرفين.. هل توجد أصابع إسرائيلية خفية! ما علاقة اتفاقية جدة في تداعيات الأزمة! وأسئلة أخرى.

لم تكن الخلافات الإماراتية مع السعودية وليدة اليوم، وتحديداً بعد فشل المحادثات بين الدول المصدرة للنفط.. " بشأن تمديد اتفاق خفض الإنتاج، مما أدّى إلى اتخاذ الأخيرة عدة إجراءات اقتصادية تنذر بالقطيعة بين الحليفين العربيين بل أن لهذا الخلاف جذور تاريخية كما سأطلعكم عليها في السياق.. ولكن الخلاف الأخير تحت مظلة "أوبيك بلاس" كان -فقط-- قد أخرج مارد الخلاف بين الرياض وأبو ظبي من القمقم ووضع علاقة الطرفين على المحك من جديد، وجاءت طبيعة الإجراءات المتبادلة بين الطرفين لتعيد الذاكرة إلى تداعيات ما بعد اتفاق جدة 1974 الذي ما لبثت الإمارات تذكر بأنه كان مجحفاً وغير عادل.

اليوم، فأن الموقف الإماراتي جاء وكأنه موجه للسعودية مع أنه خلاف سيبدو لولهة بأنه موضوعي وموجه نحو إجماع "أوبيك بلاس" ولكن كون قيادة تلك المنظمة الاقتصادية سعودية فإن الأنظار توجهات نحو تسميته بالخلاف الإماراتي السعودي وتوارى بقية الأعضاء خلف هذا المسمى، وبخاصة أن الرياض تصدرت المشهد من باب الصلاحيات الممنوحة لها وكونها وضعت قرار تمديد خفض الإنتاج حتى نهاية العام في إطار صفقة مع روسيا- العضو الزائد في المجموعة- وأنها تحرص على مصالح كل الدول المنتجة.

وتنص الخطة المطروحة على زيادة إنتاج النفط بمقدار 400 ألف برميل يومياً اعتباراً من أغسطس وحتى ديسمبر، بحيث تصل كمية النفط الإضافية المطروحة في السوق بحلول نهاية السنة إلى مليوني برميل في اليوم.

وتدفع السعودية وروسيا باتجاه اعتماد هذا الاتفاق حتى ديسمبر عام 2022. لكن الإمارات تقول إن الوقت مبكر للموافقة على التمديد حتى نهاية العام المقبل، وترغب في أن تتم إعادة مناقشة مستويات الإنتاج بحلول نهاية الاتفاق الحالي في أبريل 2022.. ومن هنا نشب الخلاف.

وتعقدت مناقشات الأسبوع الماضي بسبب اعتراض الإمارات التي تشكل عائدات النفط نحو 30 بالمئة من ناتجها الإجمالي المحلي، في اللحظة الأخيرة على الصفقة الروسية السعودية خلال اجتماع دول "أوبك زائد" الـ23.

ومنذ مايو الماضي، أعاد تحالف "أوبيك بلاس" ضخ الذهب الأسود بداية انتشار فيروس كورونا، ما ساهم في رفع الأسعار التي باتت تدور حول عتبة ال75 دولاراً للبرميل الواح في أعقاب انهيارها قبل أكثر من عام.

ولكن الإمارات ظلت تصر على رفع خط الإنتاج الأساسي بمقدار 0,6 مليون برميل يومياً إلى 3,8 ملايين برميل، باعتبار أن النسبة الحالية المحددة (3,17 ملايين) التي أقرت في أكتوبر 2018 لا تعكس طاقتها الإنتاجية الكاملة، مع حاجتها الملحة بسبب إجراءات التصدي لكرورونا التي أثرت سلبياً على الاقتصاد الإماراتي. فيمااعتبر السعوديون ذلك بمثابة الكارثة الاقتصادية التي قد تؤدي أيضاً إلى تفكيك منظمة "أوبيك بلاس" مع أن ظروف الإمارات الاقتصادية تعاني منها دول العالم وخاصة الأعضاء منها في "أوبيك بلاس" فلا يجب أن تتخذ كذريعة.

وجاء على لسان وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان بأن المقترح السعودي الروسي بشأن تمديد الاتفاق حظي بقبول الجميع، ما عدا دولة الإمارات التي اقترحت تأجيل اتخاذ المجموعة قراراً بشأن تمديد الاتفاق، وطلبت "مراجعة نقط الأساس المرجعية التي تحسب تخفيضات "أوبك بلاس" على أساسها"..مؤكدة تعرضها للظلم وتعهدت بالدفاع عن حقوقها.. الأمر الذي ساعد على إماطة اللثام عن عمق الخلاف السعودي الإماراتي في العديد من الملفات حيث رشحت معالمها على السطح، ومنحت خصوم الطرفين الفرصة لبذر توقعاتهم في حرث الأزمة المتصاعدة.. وربط الأزمة بمخرجات مؤتمر جدة عام 1974 الذي تراه الإمارات غير عادل.

ويبدو أن الموقف الإماراتي شكل صفعة قاسية للسعودية، حيث جاء في تصريحات وزير الطاقة السعودي بأنه حضر اجتماعات "أوبيك بلاس" منذ 34 عاماً، ولم يشهد طلباً كطلب الإمارات. منوهاً إلى إنه لا يمكن لأي دولة اتخاذ مستوى إنتاجها النفطي في "شهر" مرجعية، فالسعودية -وفق تصريحاته الأخيرة- تريد "موازنة الأمور عبر زيادة متدرجة للإنتاج حفاظاً على استقرار السوق بافتراض أن الاقتصاد لن يتدهور بشكل أكبر بسبب جائحة كورونا، وأن جميع أعضاء أوبيك بلاس" يتوقون إلى إنهاء الزيادات في سبتمبر المقبل". إلا أن أوبك وحلفائها أخفقوا في التوصل لاتفاق بخصوص سياسة إنتاج النفط في اجتماعين عقدا الخميس والجمعة، جراء اعتراض الإمارات على بعض جوانب الاتفاق.. ومن المزمع غداً الخميس عقد الاجتماع الفاصل بشأن الموقف الإماراتي الخلافي وسط تضامن مجموعة العشرين مع السعودية نيابة عن دول أوبك بالاس". حيث يسجل للسعودية أنها حولت  خمسة أسابيع من التدهور في أسواق النفط إلى "توافق بتخفيض غير مسبوق بالإنتاج" كما جاء على لسان الوزير السعودي الذي لفت إلى أن "إيجاد الحلول تم تركه في يد السعودية وروسيا وتم التوافق على حلول مشتركة".. مؤكداً على أن"اتفاق "أبريل 2020" بشأن خفض الإنتاج ما كان ليتم لولا تدخل المملكة وحرصها على أن تكون اللاعب الأساسي لإيجاد الحلول، وبأن الاتفاقية تشمل نصاً واضحاً بشأن التمديد ولا تحوي شيئا عن زيادة الإنتاج.

ويستشف من تصريحات الوزير السعودي بأن بلاده التي لولا جهودها التطوعية المبذولة لما وصلت أسواق النفط إلى الاستقرار الحالي؛ "تبتغي من الإمارات القليل من التنازل والعقلانية مما قد  يجعل اجتماع يوم غد الخميس ناجحاً".

ولكن ما قاله وزير الطاقة الإماراتي عقب فشل اجتماع "أوبيك بالاس" يوحي بتفاقم الموقف بين الحليفين الجارين، إذ شدد من جهته على أن مطلب بلاده هو العدالة والانصاف..  حيث طالب"بتشكيل لجنة من جهات مستقلة تنظر في التظلم الذي تقدمت به دولة الإمارات، توخياً للعدالة".

 وبما أن هذا سيأخذ وقتاً، لذلك اقترحت الإمارات "فصل قراري التمديد وزيادة الإنتاج".. حيث تعهد الوزير الإماراتي بأن تقدم الإمارات كل المستندات التي تثبت مظلوميتها إزاء "تمديد الاتفاقية تحت نفس بنود الاتفاقية السابقة"؛ بذريعة أن السوق العالمية بحاجة لزيادة الإنتاج، وأن الإمارات تؤيد هذه الزيادة بين شهري أغسطس وديسمبر المقبلين، دون أي شروط.

وعلى رأي المحللة لدى شركة "أر بي سي" الأمريكية حليمة كروفت، أن "احتمال غياب اتفاق، بل حتى خروج الإمارات من أوبك، ازداد بشكل كبير"، إذ يبدو من الصعب على التحالف أن يقبل بطلب الإمارات من غير أن يفتح الباب للفوضى، ما يسترعي تدخلاً أمريكياً لمنع سيناريو الانهيار .

ويتساءل مراقبون حول السر الحقيقي الذي يقف وراء عرقلة الإمارات اتفاق "أوبك بلاس مقابل واحد"، ورغبتها في زيادة الإنتاج..

فهل يتمثل فقط بانعكاسات أزمة كورونا على الإمارات التي أثرت سلبياً على اقتصادها!

 أم أن هذا الارتفاع جاء بعد توقف محادثات إيران التي تخضع صادراتها النفطية لرقابة دولية شديدة بسبب العقوبات الأمريكية؛ وحرمان إيران التي وافقت على المقترح السعودي الروسي من عائدات النفط مع تصاعد الطلب العالمي الصيفي القوي على الذهب الأسود! مما قد ينبئ بتأخير استئناف إمدادات إيران العضو في "أوبك زائد".

وعليه فمن هو الطرف الإقليمي "المحتمل!"، الذي يقف وراء القرار الإماراتي غير  حليف الإمارات الأشد خصومة لإيران، المتمثل بالكيان الإسرائيلي الذي يسعى جاهداً إلى ضرب الاقتصاد الإيراني وإفشال العودة إلى الاتفاق النووي بشتى الذرائع والسبل! وهو الطرف ذاته الذي سيقف إلى جانب الإمارات لو استفحلت الأزمة بين الرياض وأبو ظبي عرفاناً منه لجميل الإمارات التي فتحت له أبواب التطبيع على مصراعيه، وتدرك السعودية ذلك تماماً وخاصة أنها اختارت استراتيجياً في عهد بايدن الطرف القطري التركي على حساب الإمارات.

 إن دخول دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى الجانب الإماراتي في المنافسة الاقتصادية المحتدمة بن الرياض وابو ظبي في قطاعات التكنولوجيا والنقل وغيرها دعت الأخيرة إلى تجنيس خمسة آلاف إسرائيلي في غضون ثلاثة أشهر.. وكأنه تسريع في وتيرة التطبيع لتحصين الموقف الإماراتي وبخاصة لتأزم الموقف بين البلدين الخليجيين بعد عودة العلاقات بين السعودية وقطر إلى مجاريها منذ يناير الماضي.

من هنا يمكن فهم أهم قرارين اتخذتهما السعودية إزاء الإمارات ما يعيدنا إلى مخرجات مؤتمر جدة التاريخي، وهم:

أولاً:- تعليق السعودية الرحلات الجوية إلى ثلاث دول، من بينها دولة الإمارات، ويأتي ذلك كما هو معلن، بقصد الوقاية من السلالة الجديدة من فيروس كورونا بحسب وزارة الداخلية السعودية.. بينما المستهدف الحقيقي هو الاقتصاد الإماراتي -وفق محللين- وتحديداً قطاعي السياحة والنقل في الإمارات. هذا إذا علمنا بإن إمارة دبي لوحدها تعتبر من وجهات الاستجمام الرئيسة للمواطنين السعوديين على مدار العام ويزداد زخمهم في المناسبات وأهمها عيد الأضحة الذي شارف على الحلول.

ومن ناحية أمنية فإن قرار السعودية أعلاه سَيُخْضِعْ كلَّ الإماراتيين للرقابة الشديدة بما فيهم المجنسين من أصول إسرائيلية.. وهي حسابات أمنية لا تغفل عنها السعودية على المدى البعيد.

ثانياً:- قرار تعديل الرياض قواعد الاستيراد من الدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لتستبعد السلع المنتجة بالمناطق الحرة أو التي تستخدم مكونات إسرائيلية، من الامتيازات الجمركية التفضيلية.

وهو قرار جاء قبل استفحال أزمة "أوبيك بلاس" بين العضوين الإماراتي والسعودي. فيما لا يمكن إغفاله في ظل نبش ما تراكم من ملفات ظلت عالقة بين الطرفين.

وحسب مراقبين، فإن هذه الخطوة تمثل تحديا للإمارات التي تتنافس معها السعودية في جذب المستثمرين والأعمال، وسط تباين مصالح البلدين على نحو متزايد في أمور أخرى مثل علاقتهما بكل من دولة الاحتلال الإسرائيلي وتركيا.

وهذا يقودنا للحديث عن سابقة مشابهة حدثت بين الطرفين حينما وقع الشيخ زايد اتفاقية حدودية مع السعودية عام 1974م، عُرفت باتفاقية جدة، رسمت على أساسها الحدود بين الإمارات والسعودية، وتم تبادل الأراضي بين الطرفين، والغير منصف بالنسبة للإمارات هو أن حقل شيبة دخل ضمن الأراضي السعودية.. وظل الحال كذلك إلى أن جاء ولي عهد الإمارات محمد بن زايد ليعلن بإن الاتفاقية غير عادلة.

وزاد من تفاقم الأزمة عام 1999م تدشين حقل للنفط في شيبة التي يقع جزء منها في الأرض الإماراتية، دون أن تشرك الإمارات في تقاسم عائدات النفط من هذا الحقل الذي حرمها منه اتفاق 1974.

وبعد وفاة الشيخ زايد أثار بن زايد هذه الإتفاقية بين البلدين خلال أول زيارة للرياض في ديسمبر 2004م ولم يصل إلى نتيجة.

ولكن في العام 2006م أصدرت الإمارات في كتابها السنوي خرائط جديدة يظهر فيها خور العديد تابعاً للمياه الإقليمية الإماراتية خلافاً لاتقاقية جدة.

وفي خطوة شبيهة بما يحدث اليوم بين البلدين، جاء الرد السعودي على أزمة خرائط "العديد خور" في العام 2009م بمنع دخول المواطنين الإماراتيين إلى أراضيها باستخدام بطاقات الهوية كما كان معمول به آنذاك.

 لا بل ازداد الموقف تفاقماً  في يونيو 2009 حينما أوقفت السعودية آلاف الشاحنات عند المعبر الحدودي بينها وبين دولة الإمارات كنتيجة من التوترات وأوضحت ذلك على أنه جزء من تعزيز الرقابة على دخول السيارات من الإمارات إلى أراضيها.. مثلما هي ذريعة القرار الذي صدر مؤخراً بوقف الرحلات الجوية مع الأخيرة وإخفاء الأسباب الحقيقة للقرار.

وقد أوشكت العلاقة بين الطرفين أن تقطع في العام 2010 عندما أطلق زورقان تابعان للإمارات النار على زورق سعودي في "خور العيديد" واحتجز اثنان من أفراد الحرس الحدود السعودي، وحتى الآن الحدود البحرية بين البلدين غير متفق عليها. فما أشبه البارحة باليوم.

وفي المحصلة فإن تداخل الصراعات القُطْيِرَّيةِ والإقليمية في الشرق الأوسط بكل تحالفاته حاضرة بقوة في أزمة "أوبيك بلاس" فالسياسة هي الشيطان الذي يكمن في التفاصيل والذهب الأسود فتيل سريع الاشتعال، ولكن الخلافات التي تبيت بدون حلول ستخيم بظلها ذات يوم.. فهل هذا ما يحدث فعلياً بين الجارين الخليجين. وهل ثمة من له مصلحة في إيقاظها.(سلامة فهمكم).

 

بقلم بكر السباتين

7 يونيو 2021

 

احمد عزت سليمالدولة الصهيونية سند العرش الإلهي على الأرض

يشكل الثبات التلفيقى للدولة الصهيونية الإجرامية ومزاعمها الآلية المضمونية  التى تتحرك على امتداد الزمن والمساحة الجغرافية والكونية نافية بذلك طبيعة الحركة الإنسانية والكونية من امتداد وتفاعل وتواصل أوانفكاك وصراع ، باطنى وظاهرى، وأن الثبات مؤقت وعابر ونسبى، وأن الحركة مطلقة لا يحدها حد ولا يوقفها عامل، ولكنها مع الزعم اليهودى تجرى بإرادته وتنطلق منها، فقد أوقف يوشع الشمس والقمر، وأصبحت اللحظة اليهودية كما يتوهم حقيقة سرمدية قد خلق من أجلها الأجنبي(الأغيار) على هيئة إنسان ليخدم أنبياؤها، أفراد القبيلة الذهبية، حيث لا تقبل هذه الحقيقة المزعومة إلا من شعبها المختار فقط، أى من القلة وليس المجموع ولا من الكثرة (الأغيار) كما هو متعارف عليه، بل وعلى هذه الكثرة التسليم والانخضاع لهذه الحقيقة العنصرية الإلهية لحلول الإله فيها بذاته وفى أفرادها فى اتساق ووحدة داخلية ثابتة تبدو وهمياً وظاهرياً كذلك، فى حين تجمع فى باطنها كل تناقضات الواقع وتناقضات عناصره الميتافيزيقية بما تثيره من مزاعم مفترضة لا مبرهنة، وبما تثيره من عنصرية مقيتة تقوم على النص الدينى بمستوياته المتراكمة والمتنوعة باعتباره قومية خالصة تجمع بين العنصر واللون والنوع والعقيدة والأصل والوطن والأصل الاجتماعى، فتنهض كل هذه العوامل شاخصة فى وحدانية ذاتها، فالأسود اليهودى حلت فيه روح الإله بينما الأسود من الأغيار انخلق من الروح النجسة لخدمته، وهكذا تسير للأمور مع كل العناصر السابقة، وكما يوضح الحاخام راشى: أنه من العدل أن يقتل اليهودى الأجنبي لأنه عندما يسفك دماء هذا الأجنبي فإنه يقرب قرباناً إلى الإله، وإذا لم يقتل الأجنبي فإنه يخالف الطبيعة . هكذا يصبح اللون والعنصر والنوع (ذكراً وأنثى) والعقيدة والأصل والوطن والأصل الاجتماعى تحت سيف الإله اليهودى الذى حل فى شعبه المقدس الذى اختاره لنفسه إلهاً، ويصير مصيرهم عبر الزمن محكوم عليه فى نهايته بالحكم الدموى، فالوجود من أجل الوجود اليهودى النهائى المسيانى لهذه الجماعة المزعومة كجماعة فريدة مقدسة سوف تسود العالم عند نهايته  .

هكذا يتم إرجاع العينى الملموس إلى الماورائى الذى ترجع إليه العلة والبرهان ويرجع إليه الكمال والتمام، وإلا فالحكم الدموى هو مصير الأغيار المحتوم، لأنهم يسيرون نحو النقصان بينما اليهودى هو الإنسان الكامل التام الذى يتأكد تمامه ليس بنقصان الآخر فحسب ولكن بفضيلة التخلص منه وإيداعه نهايته الحتمية وصولاً إلى حتمية حكمه المسيانى، ولذا تسير حرية الأغيار وحركتهم منذ قيامها إلى نهايتها إلى قدرها المحتوم بوصول اليهودى إلى النهاية التى يحكم فيها العالم، فرب الجنود يطرد " هؤلاء الشعوب من أمامك ويدفع ملوكهم إلى يدك لتمحو اسمهم من تحت السماء ... ويبيدهم ويذلهم أمامك فتطردهم وتهلكهم سريعاً كما كلمك الرب "

ويقول الحاخام جيتسبرج: إن قتل اليهود لغير اليهود لا يعتبر جريمة تبعاً للديانة اليهودية، وأن قتل العرب الأبرياء بغرض الانتقام يعتبر فضيلة يهودية (1) كما أعلن الحاخام يوسف عن أن اليهود لديهم واجب دينى يتمثل فى طرد جميع المسيحيين من دولة إسرائيل " (2) وجاء فى التلمود الجحيم أوسع من النعيم ستين مرة لأن الذين لا يغسلون سوى أيديهم وأرجلهم كالمسلمين والذين لا يختتنون كالمسيحيين الذين يحركون أصابعهم (يفعلون إشارة الصليب) يبقون هناك خالدين " (3) وذكر فى التلمود أنه " إذا مات أحد الجدود مثلاً تخرج روحه وتشغل أجسام نسله حديثى الولادة ... وأن هذا التناسخ قد فعله الرب رحمة باليهود لأنه أراد أن يكون لكل يهودى نصيب فى الحياة الابدية. (4)، ويعتقد اليهودى ما سطره لهم حاخاماتهم من أن اليهودى جزء من الرب كما أن الابن جزء من أبيه وأنه لو لم يخلق اليهود لانعدمت البركة فى الأرض، ولما خلقت الأمطار والشمس، ولما أمكن باقى المخلوقات أن تعيش (5) .

صيرورة العالم ـ إذن ـ  من صيرورة اليهودى وهذه الصيرورة المزعومة قد صارت من قبل الوجود مطلقاً لا تتأثر بأية أحداث على الأرض مهما كانت فهى ثابتة  راسخة لا تتغير ولا تتحول ولا تتبدل، مستقلة لا ترتهن بالآخر، خالية من أية تناقضات متفردة- عنصرية، تدرك ذاتها بذاتها الإلهية وتدرك نفسها المتعالية بإدراك تدنى الآخر الملعون المدنس " حيث نطفة غير اليهودى هى كنطفة باقى الحيوانات "(6) ، وذلك فى مقابل نطفة اليهودى المقدسة التى تؤدى إلى ذات اليهودى المقدسة المنبعثة منها الأفعال المقدسة كمصدر أولي وإلهي لها مهما كانت دموية، فكما قال الحاخام أرئيل وهو يرثى على حد زعمه - الشهيد المقدس باروخ جولد شتاين الذى ارتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي عام 1994- والذى أصبح بفعلته الإجرامية شفيع إسرائيل فى الفردوس، وكما يرى أن اليهود يرثون الأرض ليس فقط من خلال معاهدة سلام ولكن فقط من خلال إراقة الدماء، وحياه الحاخام دوف ليور لأنه طهر اسم الإله المقدس، وأن أرواح غير اليهود تأتى من الجانب المؤنث من الكرة الشيطانية، ولهذا السبب  فإن أرواح غير اليهودى شر، وليست خيراً، وخلقت دون علم إلهى" – يقصد بمعرفة الشيطان، كما أن قوة الفيض، تبارك اسمه شاء أن يكون هذا الشعب على هذه الأرض يجسد جوانب الفيض الإلهى الأربعة، وهذا الشعب هو الشعب اليهودى الذين اختيروا لكى يجمعوا  معا العوالم الإلهية الأربعة هناك على الأرض " (7) .

لقد نقل الإله عن داود الخطيئة، وأمات الطفل الوليد وأطلقت القبالاة على الوليد الحية، كالحية التى يصارعها الإله، ومن ثم نقلت الخطيئة عن كل اليهود بقتل داود نتاج الخطيئة / الحية، وبالتالى  فمهما كانت الممارسات التى يمارسها الشعب الكهنة أو كهنة مملكة الأنبياء، داعرة أو فاسقة أو فاسدة أو شاذة أو منفضحة أخلاقياً أو تخريبية وإرهابية أو تمتهن كرامة الأغيار العبيد فهى فى نهايتها ونتائجها واجبة الحدوث والوجود كوجود اليهودى فى العالم، وكما فسر الحاخام اللوبوفيتشرى فى تفسيراته القبالية أن الخلق بأكمله (لغير اليهود) يوجد فقط من أجل اليهود ولذلك كله فهذه الممارسات مبررة لوجوده ذاته حتى يتقدس ويعلو، فالروح اليهودية تنبع من القداسة، والروح غير اليهودية تأتى من ثلاث دوائر شيطانية وأجسادها لا احترم لها وروح الجنين غير اليهودى تختلف عن روح الجنين اليهودى (8) كما وضح التلمود وبين، وقد خلق الرب ستمائة ألف روح يهودية كما جاء فيه لأن كل فقرة من التوراة لها ستمائة ألف تأويل وكل تأويل يختص بروح من هذه الأرواح، وفى كل يوم سبت تتجدد عند كل يهودى روح جديدة على روحه الأصلية وهى التى تعطيه الشهية الأكل والشرب (9)، هكذا أرواح اليهود لها تجدد مقدس وديمومة مقدسة.

ولكن الأمر لا يتوقف عند هذه المزاعم فاليهودى فوق المقدس ذاته والإله يندم من أجله بل لم يعد الإله جلد على اللعب والرقص بعد هدم الهيكل واعترف بخطيئته وندمه على ما فعله، واعتبر أنه ارتكب خطيئة ثقيلة وهذه الخطيئة أنهكت ضميره الحى حتى أنه قد خصص ثلاثة أرباع الليل للبكاء والندم، وكان إذا بكى سقطت من عينيه دمعتان فى البحر تسبب اضطراب الحياة وارتجاف الأرض وتنجم عن سقوطها الزلازل، هكذا يدفع غير اليهود ثمن خطيئة الرب، فترجف الأرض وتتوالى الزلازل التى تهلكهم ثم أن الرب يصرخ على خطيئته فى حق اليهود قائلاً: الويل لى ... الويل لى .. والويل للذى يمجد  أبناءه .. الذى قضى عليهم بالتشريد .. لأنه يصبح غير أهل لذلك "  كما أن قرارات الحاخامات فوق قرارات الإله إذا تعارضت معه، فالإله لا يساوى اليهودى ولكن اليهودى يفوقه ويسأله ويلومه ولا يثق فيه ولا يصدقه، حتى أن الإله المستمر فى الخضوع لهم يتساءل " حتى متى لا يصدقوننى " .

ولأنهم اختياره ـ وللاختيار عبء ـ  فقد جعلهم " مملكة كهنة، وأمة  مقدسة " وأصبحت الدولة الصهيونية هى سند العرش الإلهي على الأرض، ويقول الحاخام جيتسبرج فى مقال نشره عام 1996 بجريدة الأسبوع اليهودى بنيويورك: إذا شاهدت شخصين يشرفان على الغرق أحدهما يهودى والآخر غير يهودى، فإن التوراة تقول يجب عليك أن تنقذ اليهودى أولاً، وأضاف قائلا: إذا كانت كل خلية بسيطة فى جسد اليهودى تحتوى على ألوهيته فهى جزء من الرب وبذلك فإن كل ضرب من ضروب الحمض النووى الأميني DNA  هو جزء من الرب، ولهذا فإن هناك شيئا ما مميزاً فى الأحماض النووية الأمينية اليهودية، وتساءل قائلا: إذا كان هناك يهودى يحتاج إلى كبد فهل يمكنك أن تأخذ كبد شخص غير يهودى برئ يمر بالصدفة من أجل إنقاذه ؟ إن التوراة تجيز لك ذلك فالحياة اليهودية لا تقدر بثمن .. إن هناك شيئاً ما أكثر قداسة وتفردا بشأن الحياة اليهودية أكثر من الحياة غير اليهودية " (10) وجاء فى تلمود أورشليم (ص94) أن النطفة المخلوق منها باقى الشعوب الخارجين عن الديانة اليهودية " نطفة حصان ".  وهذا التعارض المزعوم بين الآخر الملوث الملعون المدنس وبين هذا اليهودى المقدس هو تعارض بين عالمين غير متجانسين وغير متقابلين وبشكل جذرى فالآخر المدنس لا يأكل الكوشير ولذا فالتعامل  معهم " يخرب الأرواح اليهودية ويحرمها من دخول الجنة "  فهو ليس إنساناً "، فهو يقتل مع خرافه وأبقاره حتى لو كان من الأخيار، وأطفاله الرضع مع رضع الحمير والبهائم، ولا نصيب لهم سوى البكاء لما فيه من الظلام والعفونة والطين " (11) ومن هنا لابد من الامتناع عن أية علاقة مع الأشياء النجسة قد تنشأ مع الأطهار البررة المقدسين الذى حل فيهم الإله والذين يمتلكون الشريعة ويستحقون أن ينخضع العالم لهم فسلطتهم هى سلطة من حل فيهم، وهم مع امتلاكهم الشريعة الحقة قد أصبحت سلطتهم أبدية سرمدية، هى ذاتها أبدية الإله والشريعة، وهذه الأزلية والأبدية جعلت" أنوف اليهود لا يمكن إصلاحها وشعر اليهودالأسود، المتموج، لا يمكن أن يصبح أشقراً ولا يمكن فرد تجاعيده بالتمشيط المستمر، والجنس اليهودى من الأجناس الأولى للبشرية التى حافظت على سلامتها، برغم التغير المستمر فى مناخ بيئتها، واحتفظ النوع بنقائه عبر القرون " (12) كما يرى موسى هس .

 

بقلم:ــ أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

...................

المراجع:

1 ـ إسرائيل شاحاك، نورتون ميزفينسكى: الأصولية اليهودية فى إسرائيل، ترجمة ناصرعفيفى، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة ، الطبعة الأولى 2004، ج2، ص 110 .

2 ـ نفسه ص 67 .

3 ـ عبد العظيم إبراهيم المطعنى، المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود، مكتبة وهبة، القاهرة، ص33.

4 ـ نفسه ص 32 .

5  ـ نفسه ص 36 .

6 ـ نفسه ص 36 .

7 ـ الأصولية اليهودية، ج2، ص 42 .

8 ـ نفسه ص 45 .

9 ـ المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود، ص 31 .

10 ـ الأصولية اليهودية، ج2، ص 49 .

11 ـ  المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود، ص 33 .

12 ـ هنرى فورد،  اليهودى العالمى، المملكة اليهودية .. نظرة أمريكية، ترجمة بدر الرفاعى، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة ، الطبعة الأولى2003، ج 2، ص24 .

 

 

علاء اللامينعم، هناك مَن يعترف بنصف الحقيقة التي تفيد أن أور كسديم الوارد ذكرُها في التوراة، ليست هي أور الكلدانيّة، فيقول إنّ أور لم تكن كلدانيّةً بل أكديّة، وإنّها وُصفتْ بالكلدانيّة مجازًا لأنّ التوراة كُتبتْ في عهد الكلدانيّين. مِن القائلين بهذا القول المطرانُ الكلدانيّ سرهد جمو، الذي ذَكر في محاضرةٍ له بتاريخ 19/10/2013:

"أور الكلدان هي أكديّة. ولأنّ العهدَ القديم كُتب في عصرٍ متأخّرٍ أيّامَ الدولة الكلدانيّة (612-539 ق.م.)، فقد سمُّوها أور الكلدانيّين؛ كمن يقول إنّ كريستوف كولمبس اكتشف أو وصل إلى أمريكا، بينما لم يكن اسمُها أمريكا حين وصلها كولمبس. إنّ أور الكلدانيّين في الترجمة العبريّة الأصليّة هي أور الكاسديّين، أو الكاشديّين، وليس أور الكلدانيّين. وفي الترجمة السبعينيّة [للتوراة] 280 ق.م. بُدّلتْ إلى أور الكلدانيّين لأنّ اليهود، وبالذات النبيّ دانيال، كانوا قد سمُّوا الدولةَ البابليّةَ الأخيرة كلدانيّةً، واشتُهرتْ بذلك. وسواء كانت أور الكلدانيّين أو الكاسديّين، فهي ليست في العراق."[1]

الحُجّة التي يسوقها المطران جمو لتبرير إطلاق صفة "الكلدانيّة" على مدينة أور السومريّة هشّةٌ جدّاً؛ دع عنك أنّها تقفز على الترجمة الغريبة لاسم المدينة، والمفترض أن يكون أور كلديم لا أور كسديم:

- أوّلًا، لأنّ بلاد سومر والسومريّين لم تكن مجهولةً من قِبل كتّاب التوراة. فقد ورد ذكرُهم في أسفارهم باسم شنعار، وسُمّيتْ بلادُهم "سهل شنعار."[2] ونقرأ في تعريفاتٍ توراتيّةٍ أنّ "شنعار" في العهد القديم أُطلقتْ على السهل الغرينيّ بين نهرَي دجلة والفرات، وهو السهلُ الذي عُرف بعد ذلك باسم بابل. ونقرأ في الإصحاح العاشر من سِفر التكوين أنّ ابتداءَ مملكة نمرود كان في بابل وأرك، وهي يوروك السومريّة، وتسمّى حاليًّا وركة، وأكد أو أجاد، عاصمةَ الفاتح الساميّ الشهير سرجون في الألف الثالثة قبل الميلاد.

- ثانيًا، لأنّ الدولة الكلدانيّة كانت قصيرةَ العمر، بل هي أقصرُ الدول الرافدينيّة عمراً، إذ لم تتجاوزْ ثمانيةً وثمانين عامًا، ثم سقطتْ إثر الغزو الفارسيّ الأخمينيّ. فكيف أصبحت "الكلدانيّة" صفةً واسماً لمدنٍ ومناطقَ عريقةٍ في التاريخ كأور، التي هي الأقدمُ بين مدن بلاد الرافدين وعواصمها، في حين تكون الصفةُ التي يراد إطلاقُها عليها أحدثَ عهدًا منها كثير؟

وفي المقالة التي أوردتْ وجهةَ نظر جمو، نقرأ للبروفسور ناحوم سارنا، أستاذِ الدراسات التوراتيّة ورئيسِ قسم الترجمة العبريّة في جامعة براندايس الأمريكيّة، وجهةَ نظرٍ مطابقةً تمامًا لوجهة نظرنا، على الرغم من تحفّظنا عن تأثيله لاسم "كاسديم"، فهو يقول:

"من الخطأ أن نقولَ أور الكلدانيّين عن أور العراق، لأنّ أور كانت مدينةً سومريّة. وكلمة الكسدانيّون هي نسبةٌ إلى كاسد بن ناحور، من امرأته مِلْكة ابنة هاران، الوارد في سفر التكوين 22: 22، وكذلك يشوع 24: 2. وناحور هو أخو إبراهيم بن تارح، أيْ إنّ إبراهيم هو عمُّ كاسد. لذلك كلمة أور الكلدانيّين، الواردة في العهد القديم للكتاب المقدّس باللغة العبريّة الأصليّة التي كُتب بها، وفي كلّ قواميس شرح الكتاب المقدّس، هي أور الكاسديّين، وليست أور الكلدانيين".

والبروفسور سارنا مصيبٌ في مقدّمة كلامه، ولكنّه ينتهي إلى استنتاجاتٍ توراتيّةٍ غيرِ علميّة حول الأسماء والأنساب، ولا تؤكّدها أيُّ قرائن أو أدلّة. فهي، إذن، استمرارٌ لوجهات نظر الآخذين بالتوراة ككتابٍ تاريخيٍّ صحيح، وما هو كذلك!

وبخصوص اسم أور كسديم، وترجمتِها إلى أور الكلدانيّة، فثمّة معلوماتٌ مفيدةٌ نجدها في مقالةٍ بعنوان "التوراة تدحض خرافة ’من النيل إلى الفرات‘،" منشورة في موقع الجزيرة في 23/11/2016، من دون ذكر اسم كاتبها. ولكنّ موقعاً آخر هو شجون عربيّة أعاد نشرَها في 25/11/2016، ونسبها إلى الباحث العراقيّ فاضل الربيعي. وأرجِّح بقوّة أن تكون المقالةُ للربيعي فعلاً لأسبابٍ تتعلّق بأسلوب الكتابة، وبالمضمون الذي يحاول الكاتبُ الدفاعَ عنه، ومؤدّاه أنّ الجغرافيا الحقيقيّة للتوراة وقصّةِ بني إسرائيل هي اليمن، لا فلسطين. وكنتُ قد نقدتُ بالتفصيل هذه النظريّةَ في كتابي الصادر سنة 2020 عن مؤسّسة الانتشار العربيّ، نقد الجغرافية التوراتيّة خارج فلسطين.

أعود الى المعلومات التي تحتوي عليها مقالةُ الربيعي، غاضّاً الطرفَ عن محاولته اعتمادَ هذه المعلومات لبناء استنتاجاتٍ تخدم هدفَه البحثيّ، لأقرأ فيها:

"تقول الروايةُ الاستشراقيّة الزائفة إنّ النبيّ إبراهيم عليه السلام خرج من أور الكلدانيّين، أيْ من أرضِ ما بين النهريْن (العراق القديم). لكنّ اسمَ أور هذا ورد في النصّ العبريّ من التوراة في الصورة التالية: أور- الكسديم אור כשדים. والتهجئة الصحيحة بالحرف العربيّ هي: ء/و/ر. ك/س/د/ي/م. تنطوي هذه الرواية على خطأ تاريخيّ. ففي عصر إبراهيم (1800-1900 ق.م)، لم يكن هناك شعبٌ يُعرف باسم كلدانيّين، لأنّ هؤلاء سيَظْهرون بعد نحو ألف عام من هذا العصر. والمثير للاهتمام أنّ سائرَ الترجمات والطبعات وبكلّ اللغات، بما فيها الإنجليزيّة، تضمّنتْ نفسَ التعبير المزيّف (كلدانيين وليس كسديم، Ur of the Chaldees). المشكلة التي يثيرها هذا النصُّ أنّ اسمَ كسديم لا يمكن أن يُقرأ كلدانيّين، لأنّ العبرية لا تعرف انقلابَ السين إلى لام. لكلّ ذلك، يمكن الجزمُ دون تردّد أنّ سِفر التكوين الذي روى قصّةَ إبراهيم لا يقول قطّ إنّه خرج من مكانٍ يُدعى أور الكلدانيّين، وأنّ مترجمي النصّ العربيّ والإنجليزيّ وبقيّة اللغات هم مَن وَضع هذه الكلمة، بدلاً من الاسم الحقيقيّ في العبريّة كسديم (כַּשְׂדִּים)".

كلام الربيعي سليم تماماً من الناحية التأثيليّة (الإيتمولوجية). وقد كرّر هذه الآراءَ، كما قلنا، كثيرٌ من الباحثين الأركيولوجيّين والمؤرِّخين واللاهوتيّين غير التوراتيّين، أو التوراتيّين الموضوعيّين والرصينين. ولم يعد يرفضها ويكرِّر نقيضَها إلّا التوراتيّون واللاهوتيّون المتزمّتون والآخذون بالرواية التوراتيّة بحذافيرها لتأكيد أهدافٍ عامّةٍ تخدم الاستراتيجيّةَ اللاهوتيّةَ الجيوسياسيّة الصهيونيّة، القائمةَ على الوعد الإلهيّ بمنح إبراهيمَ ونسلَه من بعده الأرضَ الواقعةَ بين الفرات والنيل. وهذا ما سيكون هدفًا لمحاولتنا النقديّة التفكيكيّة في الأسطر التالية.

***

في الصلاة التي أقيمت في مدينة أور الأثريّة بحضور البابا فرنسيس وممثّلين عن عددٍ من الأديان والطوائف الدينيّة الحيّة في العراق، رتّل الأب نشأتْ متّي توزا، كاهنُ أبرشيّة بغداد الكلدانيّة، بصوته الشجيّ، وباللغة العربيّة، آياتٍ من سِفر التكوين - الإصحاح الثاني عشر. وبعده تُليتْ آياتٌ من القرآن الكريم.

في الإصحاح الذي رتّله الأب توزا، وردت الصيغةُ الأقلُّ شهرةً للوعد الإلهيّ في الآية السابعة التي تقول: "وتراءى الربُّ لأبرام وقال: ’لنسلِكَ أهبُ هذه الأرض‘. فبنى أبرام هناك مذبحاً للربّ الذي تراءى له". ولم يرتّلْ توزا الآية الثامنة عشرة، المثيرةَ للجدل، في الإصحاح الخامس عشر، ونصُّها في الترجمة العربيّة كما يأتي: "في ذلك اليوم قطع الربُّ مع أبرام عهدًا قال: ’لنسلِكَ أهبُ هذه الأرضَ، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهرِ الفراتُ". وأعتقد أنّ مردَّ ذلك هو تفادي الإحراج الذي كانت ستولده تلاوةُ هذه الآية التي جعلت منها الحركةُ الصهيونيّةُ اليهوديّةُ والإنجيليّةُ البروتستانتيّة شعاراً لها في العصر الحديث. ولنا على هذا "العهد الإلهيّ" بعضُ الملاحظات التاريخيّة.

فمن الواضح، بحسب تسلسل آيات الإصحاح الخامس عشر، أنّ المقصود بهذا العهد الإلهيّ هو منحُ إبراهيمَ قطعةً من الأرض في منطقة شكيم الفلسطينيّة القديمة، نابلس. فقد ورد في الآية السادسة: "واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيّون حينئذ في الأرض." وهذا أمرٌ يمكن تفهّمُه في ضوء السياق التاريخيّ والجغرافيّ والحياتيّ للعائلة الإبراهيميّة الرعويّة المهاجرة بموجب القصص التوراتيّ، في حال الأخذ به. أمّا العهد أو الوعد الإلهيّ الثاني في الإصحاح الخامس من سفر التكوين، الآية الثامنة عشرة، فهو أمرٌ آخر ومختلف، ومن الواضح أنّه مُبالغ فيه ولا يمكن تصديقُه منطقيًّا وسياقيّاً وحياتيّاً. ولتوضيح المقصود بهذه التحفظات نتساءل: ترى، ماذا كانت ستفعل عائلةُ رعاةٍ، أو عشيرةٌ صغيرةٌ أو كبيرة، أو شعبٌ صغير من شعوب المشرق الجزيري "الساميّ" القديم، بهذه المساحة الهائلة من الأرض (من الفرات إلى النيل)، التي - إذا اخذنا بحرْفيّة الآية التوراتيّة المذكورة - تشمل حاليًّا نصفَ مساحة العراق وكلَّ سوريا ولبنان والأردن وفلسطين التاريخيّة ونصفَ مصر والسودان؟!

***

ولكنْ هل ورد اسمُ النيل والفرات في التوراة الأصليّة فعلًا، أم أنّ هناك تسمياتٍ أخرى؟

للإجابة على هذا السؤال نعود إلى مقالة الربيعي، ومنها نسجّل المعلومات الآتية. غير أنّنا سنأخذ بها بشيءٍ من التحفّظ بسبب الطريقة غير العلميّة في التوثيق أحيانًا، وبسبب بعض الأخطاء المعلوماتيّة التي سنشير إليها في مواضعها.

- يعتقد الربيعي أنّ النصّ العبريّ من التوراة بخصوص الوعد الإلهيّ، بأن يهَبَ اللهُ النبيَّ إبراهيم أرضاً تمتدّ من النيل إلى الفرات، إنّما هو نصّ مضافٌ لاحقاً، وليس نصّاً أصليّاً. فهو يؤكّد عدمَ وجود "أيّ إشارةٍ إلى نهر النيل أو الفرات". ولذلك فإنّ "كلَّ المزاعم القائلة بأن تكون له الأرضُ من نهر النيل إلى الفرات... لا أساس لها"[3]. ويشرح الكاتب اعتقادَه فيضيف: "ما يقوله نصُّ سِفر التكوين، كما في الطبعة العربيّة وبقيّة اللغات (1: 15:7)، هو التالي: "في ذلِك اليوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثاقًا قائلاً: ’لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إلى النَّهْرِ الكبيرِ، ونهْرِ الْفراتِ‘،" مثبتًا النصَّ باللغة العبريّة، ليقرِّر من ثم ما يأتي:

"هذه ترجمةٌ مزيّفةٌ ومضلّلة. ولنلاحظْ هنا أنّ النصّ العبريّ الأصليّ يَستخدم صيغةَ ’من/ نهر مصريم  מִנְּהַר מִצְרַיִם‘  (من نهر مصريم מִנְּהַר מִצְרַ) وليس ’من نهر مصر‘. كما أنّه يستخدم جملة ’حتّى النهر الكبير עַד-הַנָּהָר הַגָּדֹל،‘ ولا يقول ’الفرات.‘ أمّا الإضافة ’نهر فرات- فرث נְהַר-פְּרָת‘ فهي إضافةٌ متأخّرةٌ لم تكن موجودةً في النصّ القديم من التوراة، وقد نُقلتْ عن نصّ يونانيّ. بكلامٍ آخر، تمّت إضافةُ كلمة ’فرت-فرث‘ إلى النصّ التوراتيّ نقلاً عن هوامش وتوضيحات النصّ اليوناني. والأصل في الجملة هو ’من نهر مصريم إلى النهر الكبير .‘ على هذا النحو ظهرتْ خرافةُ ’من النيل إلى الفرات‘ استنادًا إلى تفسير (تأويل) محرِّري النصّ اليونانيّ."[4]

المؤسف هنا أنّ الربيعي لا يُثْبت في مقالته ترجمةَ النصّ اليونانيّ المعرَّب الذي احتجّ به أو يذكر مصدرَه؛ وهذه ثغرةٌ كبيرةٌ تُفْقِدُ منطقَهُ الكثيرَ من الصدقيّة والتماسك. ولكنّ الفكرة المشكِّكة في مضمون آية الوعد الإلهيّ بصيغتها السائدة، أو الرافضة لها، تبقى سليمةً من حيث الجوهر.

- أمّا ملاحظة الربيعي التي يقول فيها إنّ اسم الفرات "لم يكن معروفاً حتى العصر الآشوريّ بهذا الاسم"، وأنّ "المؤكّد" هو "أنّ اسمَه بورانو أو بورانوم وليس الفرات"[5]، فهي معلومةٌ ليست دقيقةً أيضاً. إذ إنّ اسم الفرات كان موجودًا في صيغة قريبة من لفظه باللغة العربيّة والعبريّة: ففي اللغة الأكديّة، الأقدم من الآشوريّة بكثير، نجد أنّ اسمَ الفرات كما يُلفظ بالحروف اللاتينيّة هو Pu-rat-tu، بو-رات-تو. ولمّا كانت الباءُ المستعملة هنا هي الباءَ البابليّة، وهي نفسُها P اللاتينيّة القريبة جدًّا من F، بل هي تُلفظ فاء في بعض اللغات الأوروبيّة المعاصرة كالألمانيّة مثلًا، فإنّ لفظَ بوراتو الأكديّة هي نفسُها فوراتو (= فرات) العربيّة والعبريّة. أمّا في الآراميّة فهي بالفاء حصرًا: ܦܪܬ Froṯ .

- كما لم يكن الربيعي دقيقًا حين كتب أنّ اسمَ مصر "لم يكن معروفًا في عصر إبراهيم، والسجلّات المصريّة الرسميّة تؤكّد أنّ اسم مصر ظهر فقط بعد 750 ق.م، وأنّ الاسمَ الذي عُرفتْ به هو إيجبت-القبط". فالحال أنّ اسمَ مصر لم يردْ في العبريّة فقط بلفظ "مصر أو مصريم"، بل هو كذلك في لغاتٍ جزيريّةٍ "ساميّةٍ" أخرى: فهو في الأكديّة القديمة (التي ظهرتْ وسادت في الألفيّة الثالثة ق.م) "مصري،" وفي الآراميّة "مصرين"، وفي الآشوريّة "مشر"، وفي البابليّة الحديثة "مصر"، وفي الفينيقيّة "مصرو"، على ما يؤكّد الدكتور عبد الحليم نور الدين، العميدُ الأسبق لكلّيّة الآثار في القاهرة، في الجزء الأول من كتابه، تاريخ وحضارة مصر القديمة. أمّا تامر أحمد عبد الفتّاح فيضيف، في مقالةٍ بعنوان "أسماء مصر القديمة"، المعلومات الآتية:

"أنّ البابليّين كانوا يطلقون عليها مصرو ومصر. ووردتْ كلمةُ مصرم في نصٍّ فينيقيّ يعود إلى أوائل الألفيّة الأولى ق.م. والمعينيّون في اليمن كانوا يسمّونها مصر ومصرى. وفي النصوص الآراميّة والسريانيّة مصرين... وظهرتْ باسميْ شرى ومصوى في لوحة ميتانيّة وُجدتْ في شمال غرب العراق وُجّهتْ إلى فرعون مصر، وفى لوحة أشوريّة ونصٍّ من رأس الشمرة فى شمال سوريا."[6]

***

وأخيرا، فقد يتساءل البعض: ترى، ألا يترتّب على القول بعدم تأريخيّة النبيّ التوراتيّ إبراهيم نفيٌّ تلقائيٌّ لما أكّدته في صدده الكتبُ السماويّةُ الأخرى كالقرآن؟ وعلى هذا التساؤل أجيب بالآتي:

في هذه القضيّة ميدانان أو جانبان: جانب إيمانيّ دينيّ غيبيّ، وجانب تاريخيّ وآثاريّ علميّ تجريبيّ. الأوّل ميدانُه الدين وعلومُه، ولا علاقةَ له بتأريخيّة وجود إبراهيم أو آثاريّة هذا الوجود، لأنّ هذه قضيّة علميّة. والقضايا العلميّة غير ثابتة، بل متغيّرة تبعًا للاكتشافات والنظريّات المتواترة: فربّما تُكتشَف أدلّةٌ علميّةٌ تُغيّر هذه النظريّة أو تلك جذريّاً، وتثبت أشياءَ أخرى كانت غيرَ ثابتة؛ وقد تكشف لنا ذاتَ يوم عن إبراهيم الحقيقيّ أو عن مثيلٍ له، أو قد لا تكشف. بكلمات أخرى نقول إنّ النبيّ إبراهيم، كمقولة دينيّة، هو شخصية دينيّة ورد ذكرُها في الكتب المقدّسة -- وهذا أمر محترم، شأنه شأن الأديان المحترمة نفسها، وهو موضوعٌ يؤمن به رجالُ الدين وعامّةُ المؤمنين بالديانات الثلاث، وليس موضوعًا للبحث الأركيولوجيّ. أمّا قضيّة وجود أو عدم وجود آثار أركيولوجيّة تؤكّد وجودَ هذا الحدث أو تلك الشخصيّة التوراتيّة، وصحّةَ خطّ رحلتها، ودقّةَ المعلومات المذكورة عن إبراهيم وعن هجرته وعمره وعائلته، فهي قضيّة تاريخيّة علميّة يُجاب عليها بالطرائق والأساليب العلميّة. وفي حال عدم وجود أدلّة وحجج ملموسة على تأريخيّة شيء أو حدث أو شخصيّة، فإنّه لا يمكن أن يقال العكس.

يضاف إلى ذلك أنّ القرآن لا يقدّم حيثيّاتٍ قصصيّةً تفصيليّةً عن إبراهيم وغيره من الشخصيّات التوراتيّة، كما هي الحال في أسفار التوراة، إلّا نادراً، وبشكلٍ عامّ أو إيحائيّ، وخصوصًا في سورة إبراهيم، حيث نجد أفكارًا ومبادئَ إيمانيّةً عامّةً ونصائحَ وتوجيهاتٍ أخلاقيّةً ودينيّةً من الآية الأولى في سورة إبراهيم (التي تقول "الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ") وحتى الآية الأخيرة ("هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ"). أما تفاسير السور القرآنيّة، ففيها الكثيرُ ممّا جِيءَ به من خارج القرآن، أو ما أطلقوا عليه مصطلحَ "الإسرائيليّات،" أي الروايات التي أخذها المفسِّرون المسلمون من الأحبار اليهود. وما يقال عن هذه الروايات الأحباريّة يقال عن التوراة نفسها بوصفها كتابًا غيرَ تاريخيّ بالمعنى التاريخيّ والعلميّ. إضافةً إلى ذلك، فإنّ المسلمين يؤمنون بأنّ التوراة التي كانت موجودةً في عصر صدر الإسلام وحتى الآن هي توراةٌ محرَّفة. وهذا أمرٌ مهمٌّ ومفيدٌ لتأكيد ضرورة عدم الخلط أو المساواة بين النصّ القرآنيّ والنصّ التوراتيّ، وضرورة عدم اعتبارهما كلًّا واحدًا منسجمًا.

 

علاء اللامي

......................

هوامش الجزء الثاني:

[1] - نيسكو موفق، "بحثٌ يؤكّد: مسقط رأس النبيّ إبراهيم أور الكلدانيّين لا تقع في العراق!" موقع صحيفة أزاميل، 6/2/2021.

2 - نقرأ في موسوعة الكتاب المقدّس على النت تعريفًا لشنعار يقول: "شنعار هي المنطقة التي تمتدّ بين بابل وارك وكلنة وأكد، وكانت ضمن مملكة نمرود، وفي هذه المنطقة أقيم برج بابل." وإرك هي أوروك "الوركاء،" عاصمة الملك السومريّ كلكامش، صاحب الملحمة التي عُرفتْ باسمه. ويعتقد بعضُ الباحثين أنّ اسم "العراق" تحوّر عنها إلى العربيّة.

3- فاضل الربيعي، موقع شجون عربية، 25/11/2016:

https://arabiyaa.com/articles/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%a9-%d8%aa%d8%af%d8%ad%d8%b6-%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d8%a7%d8%aa/?fbclid=IwAR3WvrfCke8GU1YtFnxa98Gp9tAE6zS1DFdUvSCkJA5FbdOWG8jaA80nxSU

4 - المصدر السابق.

5 - المصدر السابق.

6 -  عبد الفتّاح تامر أحمد، مدوّنة "حضارة مصر القديمة،" 27/6/2020.

* رابط لقراءة الجزء الأوّل من المقالة:

https://al-adab.com/article/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%85%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D9%91-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-1%D9%85%D9%86-2

 

 

ناجي احمد الصديقمنذ ان خطت الرئيس معمر القذافى نهاية السطر الأخير فى  في رواية حكمه فى ليبيا لم تنعم الدولة الليبية بساعة هناء واحدة ، فصراع السلطة فى ليبيا أصبح هو الآخر رواية أخرى لم يقيَض الله لها حتى يوم الناس هذا من يضع النقطة فى آخر سطورها الدامية

يبدو ان الرئيس الراحل معمر القذافى قد كان ساحرا حينما امسك بتلابيب الحكم فى دولة ليبيا فى ستينات القرن الماضي والى لحظة موته الصادم أمام الكاميرا بعد ان قبض عليه الثوار ونفذوا فيه حكم الإعدام دون محاكمة تماما كما يبدو الآن أن زمان السحر قد ولى ولن تستطيع ليبيا ان تنجب رجل مثله يقود الليبيين كما تقاد السائمة ان لم يكن يطوعهم فجبرا عليهم وها نحن ألان امام مشهد بالغ الكآبة بعد ان توقف صوت البندقية واخذ الناس يأملون فى المستقبل تنتكس العملية السياسية وهى فى نهاية طريقها الطويل باختلاف قديم متجدد بين محاور النزاع محليا واقليميا ودوليا ، وها نحن نعود على بدء ليتموضع الخلاف بين الشرق والغرب بكامل عنفوانه كما بدأ اول مرة بعد الثورة .

لم يكن الفشل الدواى الذى كان نهاية الحوار الليبي فى برلين هو القشة التي قصمت ظهر البعير بل ان تراكمات المماحكة والتمنع منذ انطلاق منتديات الحوار الليبي كان ينذر بنهاية غير سعيدة لأحلام  الهائمين فى حب التراب الليبى والذين ظنوا للحظة ان ليبيا ستعود بعد طول عناء دولة كباقى الدول يحكمها رئيس ويضبطها برلمان ويتعاون على إدارتها وزراء ولكن الاصطفافات المحلية والإقليمية والدولية ما كانت ستدع الحلم يكتمل والصفاء يعود لانهم يريدون ما وراء تدمير ليبيا ولن يخسروا فى ذلك شيئا طالما ان العملية نفسها تدار بايدى ليبية

تاريخ الصراع الليبى من اجل السلطة مملوء عن آخره بالمناكفات والمماحكات من احل المصلحة الشخصية أولاً ومن اجل المصالح الإقليمية والدولية ثانيا ، وليس فيه شىء من المصلحة الليبية شيء على الإطلاق ، فالشرق كان ومازال يعمل بجهد حثيث من اجل تولى خليفة حفتر زمام الأمور فى ليبيا للجم المد الاسلامى المتنامي فى الجنوب والغرب والحركات الإسلامية التى تسيطر على غرب وجنوب ليبيا تعتقد ان خليفة حفتر ما هو إلا صنيعة إقليمية ليس له الا ان يكون ترياقا للإسلاميين  وعلى هذا النحو تسير موجة الصراع الليبي الممتدة وعلى هذا النحو تتناسخ وتتناسل محددات ذلك الصراع وفى هذا الإطار تعقد المؤتمرات والحوارات والكل يضمر فى نفسه بغير ما يبديه فى العلن حرصا على إرضاء المجتمع الدولي ودفعا بجهود الأمم المتحدة نحو السلام ولكن ما ان تحين لحظة الحسم حتى تظهر النوايا وتطفو كل الخلافات المكنونة على الصفح وتبتعد ليبيا عن خط النهاية بنفس القوة التى اقتربت منه الى حين

فى جراب الحاوي اذن الكثير من من معينات الصراع فى ليبيا كان ذلك على مستوى القيادات فى الداخل او على مستوى الاصطفافات الإقليمية والدولية في الخارج ولعل فى إبداء خليفة حفتر نيته فى حسم ذلك الصراع عسكريا مرة أخرى وفى إبداء نية اروغان إبقاء قواته فى ليبيا وفى  قول المصريين ان الملف الليبى هو احد ملفات التقارب التركى المصري ... لعل فى تلك الأشياء رؤية صادقة لمآلات الصراع فى ليبيا وان فى جراب الحاوي مزيدا من الألغام التى لا يبدو لها نهاية وان الشعب الليبى سيظل يدفع ثمن لعبة المحاور لا لشيء الا ان من بعض بنيه من سار خلف سراب السلطة الزائف حينما صوره له البعض أنها حقيقة.

 

ناجى احمد الصديق الهادى - المحامى - السودان

 

 

عامر صالحمن قانون الأحوال الشخصية رقم(188) لسنة 1959 التي انتهكت المرأة والأمومة   

تتواصل الأحتجاجات الشعبية الى جانب الحراك الشديد لمنظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية المدنية أثر جلسة البرلمان التي انعقدت في الاول من تموز الجاري والتي كرست لتعديل المادة 57 من قانون الاحوال المدنية المرقم(188) للعام 1959، وتركزت الانتقادات، على تعديل المادة، 57 والتي جعلت الحضانة للأم غير المتزوجة قبل بلوغ الطفل سن السابعة، فيما منح الأب حق حضانة ولده بعد ذلك، وفق عدة معايير. كما نصت تلك المادة على أنه إذا أتم المحضون السابعة من عمره، وكان أبوه متوفياً أو مفقوداً أو فقد أحد شروط الحضانة تنتقل الحضانة للجد الصحيح، ثم إلى أمه ما دامت محتفظة بشروط الحضانة دون أن، يكون لإقاربه من النساء أو الرجال حق منازعتها فيه لحين بلوغه سن الرشد" للأطلاع على تفاصيل التعديلات المقترحة انظر الرابط اسفل المقال".

لم يكن هذا الأجراء جديدا ولا وليد الصدفة بل انه يعبر عن عقلية متخلفة يجسدها الجزء الاكبر من احزاب الاسلام السياسي الطائفي في البرلمان العراقي والتي تعكس الموقف المتخلف من المرأة وحقوقها المختلفة، ومن ضمنها حق الأمومة ورعاية اطفالها، وقد انتهجت تلك الاحزاب ومنذ سقوط الدكتاتورية بعد 2003 نهجا معاديا لمبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، ومما يثير غضب الشارع العراقي والنساء بشكل خاص ان هناك برلمانيات نساء يقفن مستميتات ضد المرأة وحقوقها ومعظمهن من كوتة الاسلام السياسي ويجسدن بالملموس الموقف المتخلف من المرأة وابقائها اسيرة لثقافة المجتمع الذكوري الذي يعيد انتاج اضطهاد النساء بواجهات " مقدسة ".

لقد تعرضت الاوضاع الاجتماعية للنساء والفتيات الى انتهاكات خطيرة على مر العقود الاخيرة جراء الحروب العبثية التي اقدم عليها النظام السابق وتركت آثارها في ظواهر عديدة، ابرزها الترمل بفقدان الزوج وتحمل الزوجة اعباء الإعالة وتضيق فرص العيش الكريم في التربية والتنشئة الاجتماعية للفتيات وللأسرة بصورة عامة، وأشد اوضاع المرأة تراجعا ما حصل لها بعد عام 2003 بدءا من الاحتلال ومرورا بصعود التيارات والحركات والاحزاب الدينية والطائفية الى السلطة، وصولا الى عودة أثر الاعراف والتقاليد القبلية والعشائرية، وكان للحروب الداخلية وما سببته من تهجير ونزوح وتشتيت للمكونات، وتدهور الحياة الاقتصادية وتدني مستويات العيش وانتشار البطالة على نطاق واسع وفي اوساط النساء المتعلمات وفي المجتمع بصورة عامة، أثره الواضح في تصدع منظومة الاستقرار القيمي وتدهور في المعايير وانحسار لخيارات التكافئ والتكافل الاجتماعي وقد جعلت من الحياة الاجتماعية أكثر قتامة. ويكفي ان نشير هنا الى حجم الكارثة الاجتماعية عندما نتحدث عن نسبة العوانس وقد بلغت اكثر من 80%، كما تجاوز عدد الارامل والمطلقات المليونين أمراة، وبلغ حجم الأيتام والارامل خمس السكان، وتصاعد نسبة السكان دون خط الفقر الى 40%، الى جانب زواج القاصرات دون 18 سنة، وبعضها لا يتجاوز 11، 12 سنة.

الأم هي الحلقة الأولى في حياة الطفل والأسرة، لما لها من دور عظيم في إعداد وتنشئة الأجيال ، ولما يقع على عاتقها من مسئوليات في إعداد الطفل وتربيته، وبعاطفة الأمومة التي لديها تمنحه مشاعر الدفء والحنان، لما تشكله من علاقة نفسية وبيولوجية بينها وبين أولادها وبناتها، والأمومة هي أكبر وظيفة للمرأة وهبتها لها الطبيعة في صراعها للبقاء لتكون بها الحياة، فهي رمز الحياة واستمرارها؛ وتعتبر أقوى الغرائز لدى المرأة وتظهر لديها من طفولتها المبكرة فنجد الطفلة ترعى أخواتها الذكور وتعتني بهم وتجد لديها العديد من الدمى والعرائس التي تمارس من خلالها دور الأم

الأمومة هى علاقة بيولوجية ونفسية بين امرأة ومن تنجبهم وترعاهم من الأبناء والبنات. وهذا هو التعريف للأمومة الكاملة التى تحمل وتلد وترضع (علاقة بيولوجية) وتحب وتتعلق وترعى (علاقة نفسية) . وهذا لا ينفى أنواعاً أخرى من الأمومة الأقل اكتمالاً كأن تلد المرأة طفلاً ولا تربيه فتصبح فى هذه الحالة أمومة بيولوجية فقط ، أو تربى المرأة طفلاً لم تلده فتصبح أمومة نفسية فقط. هذه الأدوار للأم عندما تلد وعلى المستويين البيولوجي والنفسي يجب ان تشبع بقدر هادئ ومعقول استجابة لأشباع غريزة الأم البيونفسية في رعاية اطفالها، وفي سياقات طبيعية ومقبولة قد تحل الخالة او العمة او الجدة نسبيا مكان الأم على المستوى النفسي او لصعوبات مؤقتة على المستوى البيولوجي"كالأرضاع"، وخلاف ذلك وعلى مستوى اكراه الأم لغير حضانة اطفالها فأنه أمر يهدد بمخاطر واضطرابات نفسية خطيرة وخاصة اذا كانت مؤظرة بكراهية من نوع خاص بين "الشريكيين " وعدم قبول الآخر بفعل عوامل كثيرة ومتعددة.

يالتأكيد هناك عوامل تؤطر استقرار الأسرة ومنعها من التصدع، من بينها الاستقلال الاقتصادي للشريكين وخاصة عن أبوي وأم الشريكيين، وكذلك العمر المقبول للزواج حتى ما بعد 20 عاما، فالنضج الزمني يلعب دورا في انعكاساته على العمر العقلي وخاصة في تفاوت غنى البيئات المختلفة وبالتالي فالشراكة هي عقلية مقترنة بزمن مقبول. وفي عراق ما بعد 2003 ومنفتح على مصرعيه لمختلف التيارات الدينية وغير الدينية والانعتاق من العزلة العالمية التي كان يعيشها العراق مقابل انفتاح على الآخر غير مدروس وصراع قيمي على أشده بين العشيرة والمدينة وقيم الانفتاح التي تهواها النفس بفطرتها في صراعها مع دين سياسي يكرس ازدواجية الأخلاق ويحلل الحرام ويحرم الحلال ويتحالف مع قيم التخلف والردة وفي مقدمتها العشيرة ويتشبث بالسلطة السياسية، فلا نستغرب ان الوضع يؤسس لمختلف الأنهيارات والنكسات والمصائب، والمرأة كعادتها وبفعل استفحال الذكورية وعدوانيتها هي من اسهل الضحايا في القتل والتنكيل وحرمانها من امومتها، الى جانب اصابتها بمختلف الأضطرابات النفسية والعقلية.

أن تقدم المجتمعات يقاس بمدى تقدم المرأة فيه ومساهمتها في الحياة العامة، لقد اصاب المرأة شتى صنوف الأذلال والقهر والأستعباد جراء الظلم الذي وقع عليها تاريخيا وحاضرا، والمرأة العراقية اليوم بين عاطلة عن العمل وأرملة ويتيمة ومطلقه وعانس وحبيسة المنزل، لا نستغرب من تداعيات ذلك على سلوكيتها اتجاه اطفالها، وخاصة عندما تبلغ الحال حدا مرضيا فأن الضحايا الأقرب هم الاطفال. أن حقيقة كون اللامساواة بين الجنسين وما يترتب عليه من اقصاء للمرأة هو نزوع ثقافي أولا، يكفي أن نرى عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في البلدان المتقدمة، والتي قامت على خلفية ظهور الفكر التنويري وانتعاش حركات الإصلاح والمساواة الاجتماعية، ولاحقا تعزيز التقاليد والاحترام والالتزام بقرارات وتوصيات المنظمات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة، وعدم تجاهل مطالب الحركات التحررية النسائية اليومية منها والمستقبلية. ولا نقول أن ما يجري في البلدان المتقدمة بخصوص النساء هو نموذجي ولا يمكن الطعن فيه،لأن في ذلك هو مجافاة للحقيقة في الكثير من وجوهها، ولكن المقارنة مع ما يحصل في مجتمعاتنا هو الذي يضعنا في صورة التفاوت المريع.

اليوم قد يكون من السهل على التنظيمات السياسية الدينية المتطرفة في البحث عن مبررات لأقصاء المرأة من ميادين الحياة المختلفة وانتهاء ضربها في امومتها في ظل بيئات متخلفة تعيد انتاج عورة المرأة ودونيتها كثقافة ذكورية سائدة، وان التذرع بعدم كفاءة الأنثى تربويا في الأمومة والرعاية لغاية الثامنة عشر من عمر الطفل يشكل جزء من منظومة الارهاب الفكري والسلوكي لأضطهاد المرأة الأم وعدم السماح لها بأداء دورها التربوي في الامومة والاعداد الاولي.

لقد فشلت البرلمانات العراقية ما بعد 2003 في التشريع لبناء أسس دولة المواطنة وبناء عراق آمن بعيدا عن المليشيات وقوى اللادولة كما فشل في التشريع لمحاربة الفساد الذي نخر الدولة وأهدر مواردها، واخفق في وضع حد للسلاح المنفلت الذي قتل الابرياء والسلميين في احتجاجات اكتوبر، ولم يشرع بما يضمن سلامة العملية السياسية والديمقراطية في البلاد ولم يستطيع وضع للأحزاب المليشياوية التي تقبع تحت قبة البرلمان وتسهم في صياغة اكثر قوانينه اجحافا بحق الشعب والدولة والمجتمع، ولكن البرلمان شاطر في التعبئة المشوهة لهدم الأسرة والمجتمع والعبث في الطفولة لتعزيز الثقافة الذكورية وبالأستعانة من البرلمانيات النساء ذات الثقافة الذكورية العدوانية اتجاه نساء من بنات جلدتها.

قد لا نستغرب من وجود لوبي عصي ضد المرأة العراقية فأن مقترح تعديل المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959 الذي قدم من قبل عضو اللجنة القانونية النيابية حسين العقابي (عضو كتلة الفضيلة النيابية) مطالبا فيه باسترداد الحضانة من الأم إلى الأب قد إنضمت اليه ابرز الشخصيات الذين خلقوا هذا الحراك البرلماني ضد حقوق الامهات وهم:

النائب الاول لرئيس مجلس النواب حسن كريم الكعبي

النائب الشيخ حسين اليساري رئيس لجنة الاوقاف النيابية

النائب هناء تركي الطائي نائب رئيس لجنة الاوقاف النيابية

النائب محمد الغزي نائب رئيس اللجنة القانونية النيابية

النائب حسن فدعم

النائب خالد الجشعمي

وسائر اعضاء اللجنة القانونية ولجنة المرأة والأسرة والطفولة النيابية (التي اساءت للمرأة والطفل) بأنظمامها الى لوبي استلاب الامومة، وتجدر الإشارة ان المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة ١٩٥٩ تُعطي الحق للأم المطلقة بالاحتفاظ بحضانة أطفالها بعد زواجها من رجل آخر ، كما سمحت لزوج الأم القيام بدور الولاية على الأطفال المحضونين ، والعيش معهم في بيت واحد.

ولكن في العراق وبعد تجربة 18 عاما من الزمن من تجربة الأسلام السياسي في الحكم ان هناك وعي بديل دخل البيوت العراقية، تتجسد ملامحه في التوق الى المساوة بين الجنسين في مناحي الحياة المختلفة، ويصتدم هذا مع اجندة الأسلام السياسي في اعادة انتاج الثقافة الذكورية لأغراض بقائه، وبالتالي فأن كل التشريعات المتوقعة والمجحفة من قبل السياسين الذكور والسياسيات ذات الثقافة الذكورية لا تعني ابدا تغيرا سريعا في الوعي العراقي صوب الاستسلام بل ان الوعي التراكمي نحو دولة المواطنة والحق والمساواة بين الجنسين سيجد ضالته بعد ان شق طريقة بألاف الضحايا والسشهداء من اجل عراق صالح للجميع إلا القتلة !!!.

 

د.عامر صالح 

............................

الروابط ذات الصلة:

موقع الحوار المتمدن: حملات التمدن، كلا لتعديل المادة 57 من قانون الاحوال الشخصية المرقم 188 لسنة  1959

وكالة ناس نيوز: جدل واسع بشأن تعديل قانون الاحوال الشخصية ... قنبلة ذرية

 

 

 

كاظم الموسوييحتفل هذه الأيام الحزب الشيوعي الصيني في ذكرى تأسيسه المئوية.. قرن كامل من السنوات، جرت فيها مياه كثيرة، تحولات ومنعطفات ومتغيرات على جميع الاصعدة، محليا وخارجيا، وكلها لها تأثيراتها، بأي شكل من الأشكال، على وقائع الحياة، مباشرة أو بغيرها. ورغم طول الزمن فإن سنواته في تاريخ الشعوب قد تكون غير مطابقة لامتداده. قد تمر سريعة، خاطفة، أو بطيئة، مؤلمة. اعلاميا أرخ التاسيس فى شانغهاي فى اول تموز/ يوليو عام1921 كطليعة الطبقة العاملة الصينية والممثل الصادق لمصالح الشعب الصيني، من قومياته المختلفة، والقوة المركزية التى تقود قضية الاشتراكية فى الصين، وهدفه النهائي هو اقامة المجتمع الشيوعي. وفق صحيفته اليومية، الشعب.

واتخذ الحزب الشيوعي الصيني من الماركسية- اللينينية وافكار ماو تسي تونغ دليلا مرشدا له. وقاد الشعب من قومياته المختلفة فى خوض نضال ثوري طويل ضد الامبريالية والاقطاعية والرأسمالية البيروقراطية وحقق الانتصار فى الثورة الديمقراطية الجديدة ونجح في قيادة الكفاح الشعبي وتأسيس جمهورية الصين الشعبية -- حكم الدكتاتورية الشعبية الديمقراطية، وفي تنفيذ سلس للتحويل الإشتراكي، من الديمقراطية الجديدة الى الاشتراكية، وانشأ النظام الإشتراكي وطوّر الاشتراكية في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة. واضاف برنامجه أن: المهمة الاساسية للحزب الشيوعي الصيني فى المرحلة الراهنة هى توحيد الشعب الصيني من جميع قومياته للعمل الجاد والاعتماد على النفس فى تحقيق تدريجي لتحديث الصناعة والزراعة والدفاع الوطني والعلوم والتكنولوجيا وبناء الصين كدولة اشتراكية متطورة الثقافة وديمقراطية رفيعة.

هل تمكن فعلا الحزب من انجاز كل ذلك؟. برغم الحروب الداخلية والخارجية وكل معوقات البناء وصعوبات النهوض العام استطاع الحزب أن يجعل من الصين الان الدولة الثانية في العالم اقتصاديا وبتطور مستمر على جميع الأصعدة ويعمل بسياسة وتوجهات عالمية ايضا. تختلف التقييمات لكل ما حصل في تاريخ الصين المعاصر، من تأسيس الحزب إلى قيادته الكفاح المسلح والصراعات الداخلية ومقاومة الإحتلال الياباني لجزء من شمال البلاد، الى التحديات الاستراتيجية في إدارة دولة ممتدة الأطراف ويسكنها أكبر عدد من السكان عالميا. وكذلك على مستوى التنظير والتوجهات الفكرية والنظرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية طبعا. ولاسيما امام المتغيرات الدولية، وانهيار حليفه اللدود، الاتحاد السوفيتي، واستفراد عدوه اللدود، الولايات المتحدة الأمريكية في النظام الدولي الجديد.

قبل هذه المتغيرات، كانت التحولات الميدانية في الصين واسعة، سعة البلاد، وحينها برز ماو تسي تونغ، قائدا شابا مفعما برؤية ثورية، توضحت عبر تأسيس "الجيش الأحمر"، لقيادة ثورة وطنية شعبية ضد حكم الكومنتانغ المدعوم من الولايات المتحدة، وتكللت قيادته للتحرر الوطني بتأسيس جمهورية الصين الشعبية. ولم يكن دور ماو في ذلك وحده وحسب، وانما تمكن بسياساته الاستراتيجية من دحر المستعمرين وتوحيد الصينيين تحت راية واحدة، راية الحزب الشيوعي. واصبح عمليا قائدا ملهما ومتميزا وزعيما جديرا بموقعه، له فكره ونظرته التي طبعت تأثيرها على المجتمع الصيني، وخارجه. فتبنى عام 1958 مشروعاً ضخماـ، بعنوان: "القفزة الكبرى إلى الأمام" مستهدفا نقل البلاد من طابعها الزراعي إلى الصناعي المتطور، ففرض إجراءات صارمة وجداول عمل شاقة لكل السكان، رجالا ونساء، وسحب أكثر من 100 مليون فلاح وفلاحة لبناء قاعدة اقتصادية صناعية كبيرة، ولكن بتضحيات كبيرة ايضا.

 وبعدها انشغل بإطلاق "الثورة الثقافية" عام 1966، مطورا أفكاره لتعزيز مكانة الحزب الشيوعي، وتعبئة جيل الشباب ونشر الوعي الثوري عبر ألمؤسسات الإعلامية، وفي مقدمتها صحيفة "الشعب"، التي أفردت صفحاتها لخطبه وأفكاره الماركسية. وفي ضوء الثورة الثقافية تشكّل "الحرس الأحمر" للدفاع عنها وعن التحول الثقافي للقيادة الصينية. وشنت وسائل الإعلام المعادية للثورة والدولة الصينية حملة تشويه ممارسات اختصرت بعناوين "عبادة الزعيم"، ومطاردة المثقفين وإحراق الكتب وهدم المعالم التراثية والفنية باعتبارها رمزاً للرجعية. ودفعت اختلافات في القرارات والإجراءات إلى حالة اختناق ثقافي وسياسي، أفرغ المحتوى من تطورات التحديث والتغيير، واسهم في تحول سلبي تكرس في إطار صراعات داخلية وخارجية، أدت إلى تشويه الفكر والوعي، وانقسام القيادة والإدارة للحزب والدولة. وظهر هذا اكثر بعد موت ماو، وهو ما فسره الإعلام الحزبي بغياب القائد، صاحب الكارزيما القادرة على التأثير المباشر وقيادة الاتجاهات والسياسات. وهناك اراء متصارعة ايضا حول السياسات والقيادات ما بعد ماو، في القيادة والادارة، وملاحظات على طبيعة التحولات وترك بصمات التغيير في كل التحولات التي حصلت في الحزب والدولة الصينية. ولكن في مراحل الإصلاح والتغيير تمكن الحزب والدولة من النهوض والتنمية والتطور والاستفادة من كل التجارب الإنسانية في التحولات الاستراتيجية، التي رسمت صورة أخرى لبلد كالصين، إذ بقي الحزب هو الذي يقود البلاد ويضع الأهداف الرئيسية موضع التطبيق، محققا مهمات توحيد الشعب والتخلص من الأستعمار والنهوض بالأمة الصينية. وسلك خلال القرن من عمره اتجاهات وتبنى أفكارا في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية، طارحا عبرها النموذج الصيني في الفكر والممارسة.

لم يتوقف الحزب عند بداياته، واستفاد منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي من تبني ثورة اقتصادية، تجمع بين أساليب بناء اقتصاد متنوع ومتقدم طموح ولا يتاطر بحدود نظرية، فتمكن من تحسين مستويات معيشة ملايين السكان خلال فترة قصيرة من الزمن، كما رسم مسار التنمية الأنسب للصين، بتقدير قياداته الجديدة، التي تمتعت بقدرات الاستجابة لمتطلبات التغيير وواكبت تطورات العصر مع الاعتبار لظروف الشعب والبلاد. كما قال زعيم الحزب والدولة، دينغ شياو بينغ -الذي يُعرف بـ"مهندس الإصلاح الصيني"- إن الاشتراكية لا تعني بالضرورة الفقر، مؤكدا على ضرورة جعل الصينيين أغنياء، وموضحا أن اشتراكية الصين منفتحة على قواعد اقتصاد السوق للاستفادة منها، إذ لا بد للصين من الاستفادة من كل الحضارات الأخرى، بما فيها الغربية.

و أكد الرئيس الصيني الحالي، زعيم الحزب، شي جين بينغ إنّ التنمية والتطور هما الأساس وليس التعددية وصخب الكلام باسم الديمقراطية أو الليبرالية في مجتمع المليار ونصف المليار نسمة، مضيفا أن الصين انفتحت اقتصاديا ولم تنفتح سياسيا، وأن ما يجري هو معركة بين حضارة غربية وحضارة صينية تقدم نموذجا جديدا للتنمية والاستقلال.

أما في خطاب مناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي، فقد أكد الرئيس الصيني، وزعيم الحزب: أن نهضة بلده عسكريا واقتصاديا "لا رجعة فيها". وقال أن "الصين لا تضطهد دولا أخرى". وكرّر ذكر دور الحزب في تاريخ الصين الحديث، قائلاً إنه كان أساسياً في نمو البلد، وإن محاولات فصله عن الشعب"ستفشل". وقال إن "الاشتراكية وحدها هي التي يمكنها إنقاذ الصين، والاشتراكية ذات الخصائص الصينية هي وحدها القادرة على تنمية الصين". وأضاف: "لن نسمح أبدا لأي أحد بالتنمر على الصين أو اضطهادها أو إخضاعها". وتابع قائلا: "كل من يجرؤ على القيام بذلك يضرب رأسه في سور فولاذي عظيم يمثله أكثر من 1.4 مليار صيني".

 

كاظم الموسوي

 

مصطفى محمد غريبالإضرابات العمالية عبارة عن انذار جديد يضاف الى إنذارات المظاهرات والاحتجاجات السابقة من قبل وبعد عام 2009 حول الانتخابات، هذه الإضرابات في قطاع النفط والبتروكيمياويات الإيراني حسبما نشر في "ميل است نيوز" امتدت نحو 50 شركة عاملة في القطاعات النفطية والبتروكيمياوية في 7 محافظات إيرانية في هذه الظروف الحساسة التي تمر بها إيران والمنطقة دليل على الأوضاع المأساوية التي تلحق الأذى بالشعب الإيراني وبخاصة الطبقات والفئات الكادحة، لم تكن هذه اول مرة لإضرابات عمالية طالبت بالحقوق الممكنة للعمال ومنها الأجور وقضايا التقاعد والحقوق النقابية وتحسين أماكن العمل وغيرها من الحقوق وفي كل مرة كانت هذه الإضرابات والاحتجاجات تجابه من قبل قوات الأمن والمؤسسة الأمنية بالقهر والاعتداءات والاعتقالات والسجن حيث تخلط هذه المطالب بتوجيهات حول اعداء الثورة أو التجسس لصالح الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الحقيقة تكشف المستور ومحاولات طمس الواقع المُر للعمال وعندما تمتد الإضرابات الى عدة مناطق أو قطاعات أو شركات فذلك دليل على وجود تجاوز حقيقي على الحقوق وتضع على عاتق  شماعة الحصار والخلافات مع الولايات المتحدة الامريكية بينما والحقيقة تقال إن ذلك بعيد عن هذا المفهوم الضيق الدعائي، لكن في الوقت نفسه له ارتباطات بسياسة خلق المشاكل والصعوبات مع المجتمع الدولي وتأثيرات السياسة الإيرانية في جانب حسن العلاقات والانتقال لحل المشاكل لصالح ليس العمال الإيرانيين فحسب بل أكثرية الشعب الإيراني.

إضراب العمال في القطاع النفطي اتسعت يوماً بعد يوم وانتقلت الى العديد من المؤسسات والشركات الخاصة ومؤسسات الدولة حسبما اشارت وكالات الانباء وفي مقدمتها ميدل ايست نيوز، الفقر وسوء الأحوال المعاشية وزيادة العاطلين عن العمل في ظل حكومة مفلسة تقريباً سياستها سلب حقوق العمال والكادحين وفي مقدمتها عدم دفع أجور العمال عدة شهور مما يدفع آلاف العمال للاحتجاج من أجل الحصول على اجورهم التي لم تدفع لهم والمطالبة بتحسين ظروفهم الاقتصادية وإيجاد توازن حقيقي بين ارتفاع الأسعار وبين مصاريفهم ودخولهم المتدنية وكذلك شروط العمل من بينها الصيانة المهنية واوقات العمل والمخاطر الناجمة عن القطاع النفطي بما فيها التسريح عن العمل "في بعض المصافي والمؤسسات النفطية " او إنهاء عقودهم . هذه المشاكل المتراكمة والاحوال المعيشية الصعبة دفعت قطاعات واسعة من الطبقة العاملة الى الاحتجاج والاضرابات ومن سير الأحداث يلاحظ المتتبعين أن وزارة النفط الإيرانية غير آبههَ ولا معنية وظهر هذا الامر من خلال قول كسرى نوري المدير العام للعلاقات العامة في وزارة النفط الإيرانية "هذه الشركات تابعة للقطاع الخاص ولا علاقة لوزارة النفط بها" وهو يخص تلك الشركات التي قامت فيها الإضرابات والاحتجاجات وكأنها تعمل خارج إيران ولا يوجد رقيب أو حسيب عليها لا من الحكومة أو الوزارة وهو أمر مستغرب جداً فمظاهرة صغيرة تطالب بالحريات توجه لها قوات الأمن الإيرانية فتقوم بما لا يرضي الضمير من اعتداء وضرب واعتقال لمئات العمال الإيرانيين الذي يطالبون بحقوقهم من هذه الشركات بينما الحكومة ووزارة النفط بالذات تغلق آذانها عن هذه المطالب المشروعة وتعتبرها خارج النطاق القانوني والحكومي في إيران. وكشف زيف هذه الادعاءات علي خدايي ممثل العمال في المجلس الأعلى للعمل قوله " إن هذه الإضرابات لعمال المقاولين الذين يعملون مع وزارة النفط والوزارة يجب ان تتحمل المسؤولية " أي لا تتهرب الوزارة من خلال تصريح مدير العلاقات كسرى نوري تحت ظل هذه الحجة البائسة هذه الإضرابات والاحتجاجات الواسعة من قبل الجماهير الإيرانية وتدني المستوى المعيشي والأزمات المتلاحقة تتزامن مع الحظر الأمريكي منذ عام 2018 عقب انسحاب الولايات المتحدة الامريكية في عهد رئيس الجمهورية السابق من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران  عام 2015، ونال القطاع النفطي الإيراني نصيب كبير من التأخير والانحسار الذي يعتبر الشريان المهم والحيوي للاقتصاد الوطني بشكل عام وبخاصة بعد تجميد العلاقة والانسحاب من الاتفاقية النووية حيث بدأ التدهور يتزايد ويتزامن مع السياسة الإرهابية والتجاوز على حقوق الجماهير الكادحة الإيرانية وفي مقدمتها الطبقة العاملة الايرانية، ولهذا أشار الكثير من ممثلي الطبقة العاملة الإيرانية والباحثين في أوضاع إيران الاقتصادية الى أن تطبيع " العلاقات مع إيران والمجموعة الدولية كان مهماً بالنسبة لإيران والوضع الاقتصادي " وبالنسبة للعلاقة بالتجارة مع الدول والعلاقات المالية وقضايا التعليم والخدمات، وليس هذا فحسب فإن إدراك العالم يؤكد أن الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة التي حدثت كونت فيها الطبقة العاملة الإيرانية جانب رئيسي ومهم بسبب البطالة التي ضربت اطنابها في كافة المجالات الإنتاجية والصناعية وسبب مهم آخر الارتفاع المطرد في كلفة المعيشة وارتفاع نسبة الفقر وضعف الأجور فالاحتجاجات التي حدثت  طوال فترات احمد نجاد ومن بعده روحاني وحسب رأي الكثير من الخبراء والمتابعين لأوضاع إيران عبارة عن مشاركة العمال الإيرانيين وجميعها تقترب من التشابه غير القليل مع "اضطرابات  الخبز " اثناء الانكماش الاقتصادي في المرحلة الثانية لرئاسة احمد نجاد إلا أن من المؤسف  أن الشعارات والهتافات أبعدت عن الاحتجاجات ولم تتزاوج مع القضايا المطلبية حينذاك فقد كانت تلك الاحتجاجات والطبقة العاملة سوادها تقريباً ركزت على المطلبية والحقوق المدنية وحرمانها من اختيار مرشحها في الانتخابات بسبب التزوير والتجاوز والهيمنة، ويبدو أنه قد غاب عن بال البعض وبخاصة الحكومات المتعاقبة على السلطة في إيران وعن بال المرشد الأعلى ان أكثرية الشعب الإيراني يعرف جيداً مصالحه الحقيقية، والطبقة العاملة الإيرانية تعرف الإمكانيات الهائلة التي تمتلكها وهي التي ساهمت في بناء الاقتصاد المتنوع وهو السند الأساسي في النضال المستقبلي والتدرج في ربط القضايا السياسية بالقضايا المطلبية.

أن المشكلة الأساسية التي تجابه جميع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلاقات الدولية تكمن في التعنت الإيراني على استمراره في برنامجه النووي والنية  في الحصول على السلاح النووي وأن يجري التنكر باعتباره حرام في الدين الاسلامي على حد تصريحات المسؤولين الإيرانيين في الدولة، ثم التدخل في شؤون الدول الداخلية  وتقديم السلاح وفي مقدمتها الصواريخ المختلفة والمُسيرات الطائرة التي بدأت تنتجها وتبعثها لأنصارها من احزاب وتجمعات وميليشيات  في ترهيب دول وشعوب المنطقة  والمواجهة مع الولايات المتحدة الامريكية وهي معروفة في وقائعها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، هذه القضايا وقضايا أخرى تعيق تطور الأوضاع وحل مشاكل الجماهير المعيشية، ومنذ أن أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي 2018 وفرض العقوبات  من جانب واحد والأمور تسير من سيء الى أسوأ وبمجرد فوز جو بايدن خلفاً لترامب تحلحلت الأمور نحو إعادة الحوار حول اتفاقية حول البرنامج النووي الإيراني من أجل رفع العقوبات المفروضة على ايران وبخاصة تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ان " بلاده مستعدة لتنفيذ التزاماتها في الاتفاق النووي إذا رفعت واشنطن العقوبات وتم التحقق من ذلك"  وبهذا صرح جان ايف لودريان مع نظيره الأمريكي انتوني بلينكن في مؤتمر صحفي "ننتظر من السلطات الإيرانية أن تتخذ القرارات الأخيرة، وهي على الأرجح صعبة، التي ستسمح باختتام" المفاوضات الجارية في فيينا لإحياء الاتفاق حول الملف النووي الإيراني"

إلا ان المفاوضات في فيينا مع الجانب الإيراني تبدو أنها تواجه صعوبات كثيرة وبخاصة إلزام إيران عدم امتلاكها أسلحة نووية وتقليص برنامجها النووي مع رقابة من قبل الأمم المتحدة ووكالة الطاقة العالمية والتصريحات المتضاربة مما يقلق العالم حول المصير من قضية اندلاع حرب في المنطقة التي عانت من الحروب السابقة، وظهر وجود الاختلافات العديدة فيما يخص الاتفاق والتنفيذ من كلا الجانبين الإيراني والامريكي، ومن هذا المنطلق أكدت إيران أنها لن تعود إلى التزاماتها بموجب الاتفاق النووي إلا بعد رفع العقوبات الامريكية عنها، بينما الجانب الأمريكي يصر على قضية أن تلتزم إيران قبل أي اتفاق لأنها لا تثق بالقيادة الإيرانية وأشار وزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن " إنه لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق مع إيران بشأن ملفها النووي، وإن المحادثات لن تستمر للأبد، وإن الأولوية الفورية هي وضع الاتفاق النووي في مساره مجددا، مضيفا أن بلاده وحلفاءها ستكون لديهم أيضا الأدوات اللازمة في حال التوصل إلى اتفاق لمواجهة أنشطة إيران الصاروخية والإقليمية."

ان الفشل في التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي سيؤدي الى مخاطر حقيقية بما فيها قيام الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة مع ايران وبهذا ستكون المنطقة في حالة يرثى لها ولن تسلم من شرارتها اي جهة وهذا يظهر من تصريحات إسرائيلية جديدة حول وجود خطة جاهزة " لضرب نووي إيران " اذا أصرت إيران على عدم تجديد الاتفاق الفني مع "الوكالة الدولية للطاقة النووية " واعلن عن وجود" خطط عسكرية تفصيلية لضرب المفاعلات النووية الإيرانية"  بالتأكيد أن حالة التلاعب بالألفاظ والحديث عن تفاؤل مضغوط ستكون تداعياته خطيرة جداً ومن الحرص أن ننبه إيران وشعبها الصديق عن مخاطر هذه التوجهات العدوانية الإسرائيلية والأمريكية من أجل ابعاد الشعب الإيراني الصديق عن آتون حرب لا يمكن أن تعرف نتائجها أو تحصى كوارثها ولهذا يجب التوجه لحل هذه المشكلة من أجل صالح الشعب الإيراني وجميع الشعوب في المنطقة وعدم الدخول في حرب طويلة أو قصيرة لأن نتائج الحرب العراقية الإيرانية مازال البلدان يعانيان منها لحد الوقت الحاضر.

 

مصطفى محمد غريب    

 

 

 

حميد بن خيبشفي مناخ سياسي متقلب بين الشك والارتياب والعداء، ومتأرجح بين التنكيت والتبكيت، ينكفئ العقل أمام تلك الرغبة المجنونة في الاستحواذ على المشهد برمته، ضدا لا على قواعد الممارسة السياسية فحسب، بل كذلك على ما يفرضه منطق التعدد واختلاف الآراء من توزع أفراد المجتمع بين هذا التيار وذاك لاعتبارات عديدة. وحين تتجرد اللعبة من كل قواعدها فتَرقب استباحة الهواة وباعثي الفوضى لأكثر المشاهد تغلغلا وتحكما في مفاصل حياتنا اليومية !

تولد عن الاحتكاك المتزايد بين الظاهرة السياسية وأدوات الاتصال الحديثة سلوكيات ومواقف يعجز المرء أحيانا عن تصنيفها، وذلك لخلوها مما عودتنا عليه الممارسة السياسية سلفا من انضباط  ولو محدود لمبادئ العمل السياسي وأخلاقياته، وإنضاج الخصومة وفق لغة لا تخدش الحياء العام. إن ما نعاينه اليوم من همز ولمز، واحتكام إلى القبح والاستعارات المرذولة يستحثنا لإقحام مفردات جديدة في المعجم السياسي دون الرجوع لأهل الاختصاص. وما نرجوه حقا هو أن تظل هذه المفردات على الهامش، كتعبير عن سحابة صيف نأمل أن تنقشع ليسترد المشهد عافيته!

يكشف خطاب بعض الفاعلين السياسيين عن حالة من "التصابي" قد لا تقف عند المدلول اللغوي الصرف، بل تفتح الباب أمام تأويلات نفسية أخرى. يُعرف ابن منظور التصابي في (لسان العرب) بأنه الميل إلى الجهل والفتوة ،فيقال استصبى الرجل أو تصابى أي مال إلى اللعب واللهو كالصبية فهو مُتصاب. ومن المأثور الأدبي قول الأقيشر السعدي :

تعففت عنها في العصور التي خلت        فكيف التصابي بعدما كلأ العمر

إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن           له دون ما يأتي حياء و لا ستر

فدعه ولا تنفس عليه التي أتى             وإن جر أسباب الحياة له الدهر .

أما التصابي السياسي فيحيل على استحضار ردود أفعال الصبية في مجال يرتبط فيه القرار والموقف بمستقبل الوطن واستقراره وازدهاره. وهي حالة انتابت جزءا غير يسير من النخبة السياسية في البلاد العربية ،خاصة بعد أحداث الربيع العربي، لعجزها عن مسايرة التحولات التي فرضتها حركات احتجاجية تطالب بالديموقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 لقد اضطر الفاعل السياسي في الآونة الأخيرة إلى مواجهة شباب تسيس من خارج إطار الحزب المعارض التقليدي، ورفع سقف المطالب بحيث لا يمكن للغة الخشب المألوفة أن تستوعبها كشعار أجوف، دون الإقدام على تأثيث البيت الداخلي بما يتناسب مع المرحلة الجديدة. فكانت المحصلة هي التخبط في الآراء والمواقف، والانحدار بالسجال السياسي إلى مستوى غير مسبوق من الشتم والتنابز بالألقاب والتلصص وانتهاك الحرمات !

إن من التصابي أن يعلن نائب للشعب أن تجربة حكومية استمرت لبضع سنوات لم تقدم أي شيء للبلد، فالأمر شبيه هنا بإسقاط طفل حائط بطولات أبيه، لمجرد أن الأخير اعترض على شراء لعبة أو تأمين مصاريف رحلة ! هذا الإنكار البارد يمكن قبوله من رجل شارع في فورة غضب أو احتجاج، لكن أن يصدر عن مسؤول قريب من مركز القرار ومتابعة التدبير الحكومي اليومي للشأن العام فهو ما يستعصي إدراجه في أية خانة أخرى .

ومن التصابي أن يُواجه الفاعل الحزبي اختلالات تنظيمية أو تصدعا داخليا لمؤسسته بتلفيقات غير مستساغة تمس الحياة الشخصية لخصومه أو محيطهم العائلي، أو تجريم سلوك أو موقف لا تتبين فيه للرأي العام مدعاة لذلك. تماما كالصبي الذي أتلف سيارة الجيران، فيسعى لتوريط أخيه الأصغر في العقوبة بزعم أنه دلق حبرا على جوربه! إن الفاعل الحزبي هنا لا يضيف نقاطا إلى رصيده أو يكشف عن دهاء وحنكة بقدر ما يحول نقاط ضعفه إلى فرص ونتائج يحصدها الخصم.

ومن التصابي أن يتصدى المعارض لقرار حكومي أو مبادرة، عبر إثارة الذعر ومحاولة تأليب الرأي العام، ونقل الاحتقان من داخل المعترك السياسي إلى الشارع، لتكشف الأحداث اللاحقة صواب المبادرة وحكمة القرار. يبدو الموقف هنا شبيها بطفل يصرخ مستنجدا لمرأى ثعبان في الردهة الخارجية، ليتبين بعد إضاءة المصابيح أنه ليس سوى حبل غسيل. ما ظنك إذن بالصبي وهو يتلقى وابلا من السخرية والقهقهات المستفزة؟ إن رجل الشارع البسيط قد يجد مسوغا لخطأ الفاعل السياسي أو حتى كذبه، لكن ما يثير استهجانه حقا هو أن يُستهان بذكائه وفطنته.

أما عن أسباب ومحددات التصابي السياسي فيمكن، ضمن قراءة أولية، تصنيفها إلى قسمين : الأول مرتبط بقواعد اللعبة السياسية ومدى الالتزام بها أو خرقها. والثاني متصل بالاستعداد النفسي للفاعل السياسي ومواصفاته الشخصية. وسنوجز الحديث هنا عن محددات القسم الأول لضيق الحيز من جهة، ولصعوبة استقصاء كل الحالات التي تضج بها البلاد العربية !

يستوقفنا حديث كل من إيان بريمر وبريستون كيت في كتابهما (الذيل السميك: أهمية المعرفة السياسية في الاستثمار الاستراتيجي)عن الأشكال الرئيسية للتحيز، وكيف يمكن لها أن تعيق صنع القرار السياسي أو المعالجة المبكرة للخطر. ويندرج التحيز الإيديولوجي ضمن هذه الأشكال التي توقع الفاعل السياسي في فخ التصابي حين تعيقه الغمامة الإيديولوجية عن طرح تحليل صائب للوقائع، أو الإقرار الموضوعي بما حققه الخصم السياسي من إنجاز على مستوى تدبير الشأن العام.

في الانتخابات الرئاسية البرازيلية لسنة 2006  بادر معظم الخبراء الاقتصاديين ببورصة "وول ستريت" إلى إطلاق تحذيرات بشأن الاستثمار الأجنبي في البرازيل، والمخاطر التي يمكن أن تكتنفها في حال فوز المناضل اليساري لويس إينياسيو داسيلفا، لكن هذا الأخير تبنى عقب انتخابه سياسات داعمة للسوق طمأنت المشاركين في أسواق رأس المال، ليتضح فيما بعد أن هؤلاء الخبراء معظمهم برازيليون ينتمون لدوائر سياسية يعتبرها حزب داسيلفا العمالي أعداء للسوق!

أما السبب الثاني فمتعلق بإصرار أحد أطراف العملية السياسية على نقلها من دائرة التنافس إلى دائرة الصراع الوجودي، أو ما يسميه الدكتور جاسم سلطان بصراع الإفناء الصفري، حيث يسعى طرف إلى إنهاء الآخر إما بنيويا عبر حذفه من المشهد برمته، وإما بالإبقاء على مؤسساته مع تجريده من مشروعه وأهدافه. وأثناء هذا السعي يمكن أن يبلغ التصابي مداه لإقناع الرأي العام بضرورة الإفناء. بل الأخطر من ذلك أن يقرر طرف أنه في حال خسارته يجب أن يخسر الجميع، وأن يصبح "خيار شمشون" هو البديل الأوحد للتدافع السياسي; بديل قوامه "علي وعلى أعدائي" .

يحيلنا الدكتور عبد الإله بلقزيز في كتابه (ثورات وخيبات) على سبب آخر للتصابي مرتبط بمسارعة القوى الحزبية إلى حصد نتائج الحراك الشبابي العربي، دون امتلاك تصور دقيق لطبيعة المرحلة الانتقالية. فالأمر لا يتعلق فقط بوضع استثنائي تتعطل فيه المؤسسات الدستورية والتنفيذية والتمثيلية ،ويُعتمد فيه على إجراءات انتقالية قبل الشروع في إعادة بناء تلك المؤسسات، وإنما يتعلق بأمر جوهري هو التوافق الوطني على قواعد البناء السياسي وإدارة السلطة. ناهيك عن التسوية الشعبوية لمسائل مصيرية كان من المفترض أن توضع تحت تصرف الشعب تصورات واضحة لها قبل توسل الشرعية عبر صناديق الاقتراع. هذه الشعبوية الديموقراطية ،كما يسميها الدكتور بلقزيز، كرست سلطة المنافسة الانتخابية لا سلطة الثوار المنتصرين، وأعادت للواجهة ثنائية الغالب والمغلوب، بدل أن تهيء للمشاركة الجماعية في بناء السلطة الجديدة، واشتقاق التفاهمات الضرورية بين الجميع حول قواعد هذا البناء.

إن كون السياسة شأنا عاما، يقول الدكتور جاسم، منح جرأة على الممارسة قبل أن تتوفر خلفية عميقة عن قواعد العملية السياسة. لقد أصبحت السياسة مهنة من لا مهنة له، ومجالا مستباحا لكل ألوان الهواة، مما خلق حالة من الفوضى والاضطراب في مجال من أخطر المجالات، خاصة وأننا نعيش في عالم سياسي بامتياز. هذا الاقتحام غير المدروس يعيد إلى الواجهة سؤال التنشئة السياسية وضرورة الارتقاء بالخطاب السياسي، وتحرير المشهد من مخلفات السعي البغيض للنفوذ والثروة !  

 

حميد بن خيبش

 

 

نبيل عرابيلم يكن قيام جامعة الدول العربية، حالة آنية ولدت من فراغ، بل كان حاجة ضرورية، ساهمت في جعلها تبصر النور عوامل عدة، خاصة خلال الثلاثينات وأثناء الحرب العالمية الثانية، حيث اشتدّت الدعوة إلى الوحدة العربية، ولاقت تأييداً واسعاً في صفوف الطلاب والمثقفين، في سائر الأقطار العربية.

ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط، فالبريطانيون وجدوا أن هذا التحرّك يصب في مصلحتهم، فآثروا دعم الفكرة لتصبح مشروعاً عبر بيانات وتصريحات عدّة، تطرقت إلى هذا الأمر، مؤكدة أنه حق مشروع للعرب بأن يكون لديهم وحدة، تتجلى في التعاون ضمن شتى المجالات.

رحّب لبنان بهذه الخطوة، وأعلن عن رغبته في التعاون والتنسيق مع إخوانه العرب، مشترطاً اعترافهم باستقلاله التام وسيادته الكاملة، وأن لا يؤثر التعاون على هذه الثوابت ولا ينتقص منها في أي حال من الأحوال.

والواقع أن موقف لبنان هذا لم يكن يختلف في شيء عن مواقف سائر البلدان العربية الأخرى، لأنه ما من حكومة عربية واحدة، حسب ما ظهر في مشاورات الوحدة العربية، وحسب ما ذكره مصطفى النحاس باشا، كانت مستعدة للتنازل عن سيادة واستقلال البلد الذي تتولى مقدراته لأية وحدوية كانت.

صحيح أن إعلان المواقف الواضحة والصريحة أمر ضروري، لتبيان الخطوة اللاحقة، لكن الإعلان بحد ذاته يجب أن يكون مرتبطاً بأمرين أساسيين عل الأقل، أولاً: جلاء المعلومات المتوافرة حول الأمر المطروح لدراستها والتدقيق بمدى صحتها، وجدّيتها، والأهداف المرجوة منها، ليتم بعد ذلك إعلان الموقف المناسب منها.

وثانياً: عند إعلان الموقف، يجب الأخذ بعين الإعتبار أن هناك خطوات لاحقة، والتزامات محددة ستصبح محط الأنظار، تمهيداً لتحقيقها، أو ردّات فعل وانعكاسات يجب تحمّل تبعاتها بكل أوجهها.

وبالعودة إلى الموقف البريطاني الرسمي، والذي أطلق خلال الحرب العالمية الثانية، من قضية ضرورة إيجاد إطار رسمي لصيغة الوحدة العربية، لا بدّ من التوقف عند الأسباب التي دفعت ببريطانيا للإقدام على ذلك، فنجد أنها وقت إعلان هذا التصريح (العام1941) كانت قد أوشكت على حركة رشيد عالي الكيلاني التحررية في العراق عام 1941، فأرادت امتصاص غضب العرب، هذا أولاً، كما كانت على وشك التدخّل العسكري في سوريا ولبنان، بالإشتراك مع قوات فرنسا الحرّة، لطرد القوات الفرنسية الفيشية الموالية للمحور (ألمانيا- إيطاليا- اليابان) فيها، هذا ثانياً، كما أرادت تجميع الدول العربية في منظمة واحدة تربطها في النهاية بعجلة سياستها الإستعمارية لتحقيق مصالحها في المنطقة... هذا ثالثاً، والأهم هو امتصاص الروح الثورية العربية في بناء وحدة عربية قوية.. وبالتأكيد هناك أسباب أخرى عديدة لا مجال لذكرها.

وكما سبق وقلنا أن لبنان قد رحّب بالفكرة، وتجلى ذلك رسمياً في تلبية بشارة الخوري، في العام 1942، دعوة مصطفى النحاس باشا لزيارة مصر، وفي الخطاب الذي ألقاه بمجلس النواب بعد إعلان انتخابه رئيساً للجمهورية اللبنانية عام 1943.

أضف إلى ذلك البيان الوزاري الذي ألقاه رياض الصلح في مجلس النواب في السابع من شهر تشرين الأول عام 1943، مشدداً على أهمية التعاون بين لبنان والدول العربية على قدم المساواة والإحترام المتبادل. وقد وقفت الدول العربية إلى جانب لبنان، في معركة الإستقلال التي خاضها، واعترفت به بلداً حرّاً مستقلاً، ودعمت ذلك بالتبادل الديبلوماسي معه.

والحصول على الإستقلال، وتبادل التمثيل الديبلوماسي، يجعلان موقف أي دولة أقوى وأفضل، وأكثر قدرة على الفاعلية في المواقف التي تتخذها، أو المشاريع التي ترغب في المشاركة بها، أو العمل على تحقيقها.

لقد كانت مصر هي المحور والمحرّك لقضية الوحدة العربية، والحكم يومها كان لمصطفى باشا النحاس، الذي كان رئيساً لحزب الوفد، وتسلّم رئاسة الحكومة بعد سقوط الملك فاروق تحت الضغط الإنكليزي.

ولهذا الهدف، وعلى مدى سنتين تقريباً، أجرى خلالها رئيس وزراء مصر اتصالات واسعة ومشاورات مكثفة مع حكومات الدول العربية المستقلة السبع، وفي طليعتها لبنان.

ومن الطبيعي جداً أن يكون للبنان ردّاً رسمياً رفيع المستوى، يليق بالأسلوب المصري الذي اتبعه مصطفى باشا النحاس. فكان أن حدّد لبنان موقفه في هذه المشاورات ببيان مكتوب سلّمه رياض الصلح، رئيس وزراء لبنان، في مطلع عام 1944 إلى النحاس باشا، وجاء فيه أن لبنان يرغب في التعاون مع الأقطار العربية لأنه يتفهم ضرورات هذا التعاون ومنافعه، ولأن الدول العربية أصبحت تتفهم أسباب موقف لبنان المتحفظ من الوحدة العربية، وتعترف بكيانه المستقل وحدوده الحالية.

وكما يظهر جلياً، فإن لبنان كان يحظى بمعاملة مميزة من قبل مصر، في تلك الفترة، ويعود ذلك إلى أسباب عديدة جداً. وتُعتبر مصر الدولة العربية الأولى، التي اعترفت باستقلال لبنان في الأربعينات، وشكّلت القاهرة مركزاً للتفاوض على استقلال لبنان، حيث تمّ إعلان التحالف بين بشارة الخوري وسامي الصلح، وصياغة " الميثاق الوطني "، الذي أسس نظام الحكم في لبنان في مرحلة ما بعد الإنتداب الفرنسي.

وأخذت المراحل التحضيرية لمشروع الوحدة، تتخذ منحًى عملياً جادّاً، يقتضي من كل الأطراف المعنية الإلتزام والصدق. ولبنان أحد هذه الأطراف الأساسية الذي تسعى مصر لجعله متواجداً بشكل فعلي وفعّال في كل الخطوات التي سبقت الولادة الحقيقية للجامعة. وكان ذلك يُقابل من الطرف اللبناني بالمشاركة الرسمية الرفيعة المستوى، والمنبثقة من موافقة شبه إجماعية من كل الجهات الحكومية، والدوائر المعنية، والشرائح السياسية والشعبية.

فتشكّلت اللجنة التحضيرية برئاسة مصطفى النحاس من مندوبين عن مصر وسوريا ولبنان والعراق والسعودية واليمن والأردن وممثل لعرب فلسطين. وتألّف الوفد الذي مثّل لبنان فيها من رياض الصلح رئيساً، ومن العضوين سليم تقلا وزير الخارجية، وموسى مبارك مدير غرفة رئاسة الجمهورية.

وعقدت اللجنة التحضيرية سلسلة من الإجتماعات أفضت إلى ما عُرف يومها ب"بروتوكول الاسكندرية"، وهو مشروع الميثاق المتضمّن الخطوط العريضة، والمبادىء الرئيسية التي خلُصت إليها نقاشات اللجنة التحضيرية، لإنشاء جامعة الدول العربية. وزيادة في حرص الوفود العربية على تأكيد احترام الدول العربية لإستقلال لبنان وسيادته، واستجابة منها لرغبة الوفد اللبناني، ضمّنت اللجنة التحضيرية بروتوكول الإسكندرية قراراً خاصاً يتعلّق بضمان استقلال لبنان.

ولكن الأجواء السياسية تتبدّل وفقاً لمعطيات وتغيّرات وظروف كثيرة، فكان تعليق اجتماعات اللجنة التحضيرية من تشرين الأول 1944 إلى شباط 1945، حصل خلالها تبدّل في رئاسات حكومات بعض الدول العربية، من بينها لبنان حيث استقال الرئيس رياض الصلح وخلفه عبد الحميد كرامي، ومصر حيث خلف أحمد ماهر باشا وحكومته سلفه مصطفى النحاس باشا.

ومع عودة الحياة إلى مشروع جامعة الدول العربية، الذي كان على الحكومات العربية المشاركة في عضوية اللجنة الفرعية الموكلة دراسة الميثاق الخاص به وإبداء الملاحظات عليه. وبالتأكيد فإن لبنان تابع مسيرة العمل في هذا المشروع، وبقي يسلك السياسة ذاتها، فكان أن شكّلت الحكومة الوفد الذي يمثل لبنان في هذه اللجنةمن وزير الخارجية هنري فرعون، وأمين عام وزارة الخارجية فؤاد عمون، ووزير لبنان المفوض في القاهرة يوسف سالم.

وكانت المناقشات قد شهدت ارتفاعاً في حدّة التمسّك ببعض البنود الواردة في البروتوكول، وتوتراً ملحوظاً في الإختلاف بوجهات النظر، ولبنان كان معنياً بما يجري.. إلى أن خلُص الأمر لصالحه، وتمّ صرف النظر عن ضرورة توحيد السياسة الخارجية للبلدان المشاركة في الجامعة، وأيضاً أن لا تكون مقررات الجامعة ملزمة إلا لمن يقبلها.

وبعد مضي شهر ونيّف، أعلن عن قيام "جامعة الدول العربية" في 22/آذار/1945، بعد أن أشبع ميثاقها دراسة وتمحيصاً ومناقشة واعتراضات، وهو يتضمن مقدمة وعشرين مادة. وبالنسبة للبنان، فقد حقق باسهامه في جامعة الدول العربية وانتمائه إليها مكاسب جمّة، وحصل على الضمانات التي أراد.

لقد أثبتت مصر بهذا الإنجاز الذي وُلِدَ بجهود مضنية، مكانتها وثقلها في العالم و تحققت أمنية عربية عمل لها العرب منذ مؤتمر باريس الأول عام 1913، وخلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب أن الأحداث الخطيرة بالمنطقة قد دفعت الدول العربية إلى الإسراع بالوحدة، فالوضع الفلسطيني كان يثير قلق الشعوب العربية وخاصة في مصر، واعتداء فرنسا على استقلال سوريا ولبنان عام 1943، فكان الواقع العربي حينذاك يتطلّب مثل تلك الوحدة لمواجهة الظروف والتحديات،... وكان مصطفى النحاس زعيماً مصرياً يلقى ترحيباً لدى الأوساط المثقفة.

 

نبيل عرابي

....................

المصادر والمراجع:

- معركة مصير لبنان في عهد الإنتداب الفرنسي، شفيق جحا، الجزء الثاني، مكتبة رأس بيروت، بيروت، 1995.

- قضايا عربية في البرلمان المصري، د. نبيه بيومي عبد الله، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996.

- صحيفة الأهرام عدد 13/شباط/2017.

 

عماد عليبداية، دعنا نعترف بان الظروف الموضوعية هي التي اثرت على الظروف الذاتية للمثقف والتي انتجت السدود المنيعة امام تحركه بالاتجاه الصحيح، وهي التي اغلقت الطريق امام تحركاته المطلوبة والضرورية في الوقت المناسب. والمعلوم ان تاثيرات الظروف الموضوعية عندما  تنعكس على الظروف الذاتية فيتولد واقعا مختلفا ناتجا عن تداخل الاثتنين لافراز الناتج الجديد المختلف وان تمكن المثقف المتمكن  المرور بين المتعرجات المصطنعة من افرازات الواقع الجديد المتكون من تلك الحالة  فممسيرة المثقف الصحيحة الملائمة عند تلك الظروف والحالة الثقافية الجديدة وربما تغير معها الوضع السياسي ومن ثم الاجتماعي والثقافي وب التالي فن الحالة الجديدة المتغيرة تماما هي التي تسيطر دائما على الجوانب الاخرى بما يهم المثقف وعمله وحتى عقليته بشكل نسبي دائما. وعليه، فان حالة الركود الموجود احالت دون  ان ياخذ المثقف مساره الصحيح في الواجبات الملقاة على عاتقه والتي يجب  ادائها سواء بشكل عملي مباشر او تلقائيا بشكل غير مباشر من ثمار بروز تاثيرات نتاجاته الثقافية على مر الزمن .

في الوقت والمكان الذي نعيش، لم نجد سيادة القانون والدوافع الذاتية والدرجة المطلوبة من التضحيات وتحاشي دور المثقف لدى المعنيين مع سيطرة الطموحات الشخصية التي تبعد المثقف عن اداء ما عليه وما يخص الشعب بشكل عام، وكذلك عدم توفر الحرية المطلوبة وسيطرة الخوف من القوى السائبة،  تجعل كل تلك الاسباب المثقف ان يعيش قلقا وخائفا بعد وصول الايدي الغدر الى المخلصين من المثقفين وبالاخص النشطاء الذين ادوا دورا متميزا في تحريك الراي العام، كل هذا ما جعل المثقف ان يفكر مليا قبل ان يمد يده الى ما يؤمن به ويعتبره هو الواجب عليه ان يفعله . طالما بقي دور القوة هو الاكثر تاثيرا ولم يفرض المنطق والحوار والتواصل والتفاهم نفسهم كعامل حاسم لبيان الاصح في اي امر عام، فيبق المثقف معصوبا ومكتوف الايدي وهو تائه في بحر الظلمات ولن يجد مساره الخاص في الواقع الفوضوي الذي يعشه في هذا الشرق الاوسط المتردي قبل المناطق الاخرى.

من جهة اخرى، فان صعوبات الحياة اليومية اجبرت النسبة الكبرى من الشعوب في هذه المنطقة ان تهتم بما يمكن ان تحصله لتسد قوتها اليومي ولم تتفرغ عقليا وعمليا للتفاعل مع ما ينتجه المثقف كي تتاثر به  بشكل عام. فان الاحزاب الموجودة والسطاة السياسية المنبثقة عنها تعتمد كليا على العقائد التي لم تُبقي دورا للمثقف في المشاركة في العمل والفكر لتحديد وتنظيم الطريق المناسب للمسيرة الصحيحة التقدمية التي يجب ان تكون هي الموجه الصحيح نحو التقدم بشكل دائم.

الاهم في هذا الامر هو الاجابة عن هذا السؤال كي نعلم هل يمكن ان نقف عند المثقف وواجباته؛ هل الواقع الثقافي العام يدفع لتشجيع المثقف في اداء واجبه الخاص ولم يبعث على الملل والياس، هل الظروف السياسية الاجتماعية الثقافية العامة لم تعيق المثقف قبل الجميع في عمله وعقليته، هل القوة السياسية الحاسمة خاضعة للقانون ام تسيطر عليها القوة العسكرية غير الشرعية لدى القوى السياسية بحيت اصفرت بدورها دور المثقف عمليا ومنعته اصلا في التفكير عن اداء واجباته الخاصة ودوره الاهم من اي شيء في المجتمع الطبيعي المثقف والسلطة المنبثقة منه.

على الرغم من ان نتاجات المثقف مهما كان نوعها لها التاثير المباشر على عقلية الفرد الا ان العمل والحركة المباشره له والتحرك الواقعي  المختلف الاتجاهات على الارض هو الاكثر تاثيرا وبشكل مباشر على العام، اي التحركات غير الثقافية على الارض عند المثقف عدا نتاجاته الفكرية هي الاكثر اهمية وتاثيرا بشكل مباشر، نتيجة عدم متابعة العامة للمثقف ونتاجاته ودوره النظري وعدم متابعته واهمله بشكل غير متقصد.

فعليه، يمكن انتوصل الى النتيجة بان المثقف الان وفي هذه الطروف الموجودة في حالة جمود وخمود وسبات دائم سواء بامر ذاتي نتيجة التاثيرات المختلفة عليه او نتيجة الواقع الخاص الذي يعيش فيه، ويحتاج التغيير الى قوة ارادة هائلة والبداية هي الاكثر اهمية من ما ياتي بعدها، فهل يتحرك المثقفون ام يحتاجون الى انعطافة كبيرة سياسيا كانت ام اجتماعيا او ثقافيا لتدفعهم الى التحرك من الموقع والنقطة الصحيحة ؟ 

 

عماد علي

 

علاء اللاميهزيمة أميركا أمام حركة طالبان وسحبها لقواتها من أفغانستان تحت النار، أسالت العرق البارد على وجوه بيادق أميركا ليس في أفغانستان بقيادة الرئيس الدمية أشرف غني أحمدزي فقط، بل في العراق وغيره. وهي أكدت مرة أخرى أن الحماية الأميركية لأنظمة الحكم التابعة لها ليست أبدية، وأنَّ أميركا التي تتهم كل من يقاومها بالسلاح بالإرهاب مستعدة للتفاوض معه ولعق اتهاماتها السابقة من على حذائه وتسليمه البلد الذي احتلته بالقوة حين تعجز عن القضاء على المقاومة بالسلاح أو بالخداع السياسي فالاحتلال الأجنبي أينما ووقتما كان لا يفهم إلا لغة القوة ويدعمها بالخداع!

* هذه الهزيمة لن تجعل من أميركا دولة سلام وتصالح مع شعوب الجنوب بل هي دولة عدوانية دموية مهزومة بالسلاح. وهذه الهزيمة لن تجعل حركة طالبان السلفية حركة مقاومة ديموقراطية وتنويرية كما يشتهي ويشترط البعض ليمنحها "بركاته" الليبرالية واليسارية القشرية، فقادتها ووثائقها البرنامجية تؤكد هذا المعنى لأنهم - على الأقل - ليسوا منافقين يقولون مالا يضمرون، بل أن تلك النتيجة هي ثمرة ثنائية القوة والمصالح. نستخلص من ذلك:

* أن لا مجال لأية مقارنة شكلانية لاحتلال أفغانستان باحتلال العراق؛ فالجغرافيا والاقتصاد "العقدة الاستراتيجية والنفط" حاضرتان في العراق بقوة وغائبتان نسبيا في أفغانستان وهما اللذان يقرران كل شيء، الانسحاب أو البقاء وتحمل ثمن البقاء.. وحين تبدأ أميركا بدفع ثمن بقائها في العراق من دماء عساكرها ستنسحب وأنفها راغم في التراب والوحل!

* أما بخصوص هجمة البعض الليبرالي على سلفية حركة طالبان واتهامها بالإرهاب؛ نتساءل: ترى، متى كان الحكم على حركة مسلحة ضد احتلال أجنبي يستند فقط إلى فكر وبرامج هذه الحركات وليس إلى جوهرها المقاوم للاحتلال؟ هل ينبغي علينا معاداة حركة المقاومة والجهاد الليبية ضد الاحتلال الإيطالي، والجزائرية قبل وبعد الأمير عبد القادر ضد الاحتلال الفرنسي، وثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال البريطاني، لأن قادتها كالشهيد الشيخ عمر المختار الهلالي كان سلفيا صوفيا أو لأن قادة العشرين رجال دين وشيوخ عشائر، وأمثال المختار كثيرون في التاريخ البعيد والقريب؟ أما محاولات المساواة بين حركة طالبان التي تقاتل على أرض بلادها وبسواعد شباب بلادها وبإمكاناتها الذاتية اما مساواتها بعصابات تكفيرية دموية مهاجرة وممولة من أعداء الشعوب مثل داعش والنصرة فهي محاولات تافهة ولا تستحق المناقشة.

* وأخيرا نتساءل: ترى، متى يفهم توابع أميركا أو المتوافقون مع وجودها ونظام الحكم الفاشل الذي أقامته في العراق - حتى إذا زعم بعضهم معاداتها ولكنهم يشاركون في الحكم اللصوصي الذي أقامته ويدافعون عنه - هذه الحقيقة ويستوعبون جوهرها فيسارعون إلى حلحلة الأمور وتفكيك نظامهم الفاسد والتصالح مع شعبهم وتجنيبه حمامات الدماء والمجازر؟ لو كانوا حقا ينتمون لمعسكر المقاومة لقاوموا هذا النظام الذين يشاركون فيه على أعلى المستويات ولتركوا الخيار لشعبهم ليختار الحكم الذي يرتضيه دون وصاية أو قسر أو ضغوطات، ولكن أهل الحكم في العراق لن يجنحوا لهذا الخيار التضحية بالنسبة للشعب والانتحاري بالنسبة لهم ولامتيازاتهم وغنائمهم ولهذا سيدفعون الثمن وأغلى مما سيدفعه نظام أشرف غني أحمدزي وأحزابه ومليشياته هناك!

 

علاء اللامي

 

عباس علي مرادالأسبوع الماضي أصدر وزير الخزينة الفيدرالي جوش فرايدنبرغ تقرير بين الأجيال  الذي يصدر كل 5 سنوات، نذكر أن أول تقرير صدر في عام 2002 من قبل حكومة جان هوارد.

يعرض التقرير للتحديات المستقبلية للإقتصاد والميزانية في البلاد  للأربعين سنة القادمة، ويدرس التقرير السياسات الحالية وتأثيرها على المدى الطويل وتأثيرالإتجاهات الديمغرافية والتكنولوجية والهيكلية والعمالة على الإقتصاد والميزانية.

يعطي التقرير صورة سوداوية لأستراليا في الأربعين سنة القادمة، فيرى واضعو التقرير أن أستراليا ستصبح أكثر شيخوخة وفقراً مما كان متوقعاً في التقرير الماضي.

أما بالنسبة للميزانية فستظل في عجز لمدة طويلة ويتراجع الدين العام بصورة طفيفة خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة، قبل أن يعاود الإرتفاع مجدداً حتى العام 2060.

يعتبر النمو السكاني الركن الأساس للنمو والإزدهار الإقتصادي لأنه يؤمن اليد العاملة والسوق الإستهلاكية والمنافسة في الأسواق العالمية.

من المتوقع أن يظل النمو السكاني في أستراليا إيجابياً في المستقبل ولكنه بطيء خلال السنوات القليلة القادمة حيث تراجع النمو السكاني من 1.5% العام المالي 2018-2019 إلى 1.2% 2019-2020 و0.2% عام 2020-2021  ولأول مرة نشهد هذا التراجع منذ عام 1916-1917، ويشير التقرير إلى أن السبب يعود الى جائحة كورونا وتراجع النمو الطبيعي للسكان وتراجع عدد المهاجرين.

شكل المهاجرون نسبة 60% من النمو السكاني في البلاد خلال العقد الماضي ومن المتوقع أن تصل النسبة الى 74% عام 2060-2061 حسب تقرير بين الأجيال2021، ليس هذا وحسب لا بل فقد ساهمت الهجرة الخارجية أيضاً في إرتفاع هذا النمو عن المعدل المتوقع رغم تراجع نسبة الخصوبة والنمو الطبيعي الذي كان يشكل أساس النمو في تسعينيات القرن الماضي.

ومن المتوقع أن يشكل النمو الطبيعي العمود الفقري للنمو السكاني في البلاد في الوقت الحاضر بسبب تراجع أعداد المهاجرين بسب جائحة الكورونا من حوالي 154000 ألف مهاجر عام 2019-2020 الى حوالي 72000 عام 2020-2021 والى قرابة 22000 عام 2021- 2022 ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم تدريجياً بعد رفع قيود السفر المفروضة بسبب كوفيد-19 لتصل الى 235000عام 2020-2029.

نشير الى أن تزايد عدد سكان أستراليا يترافق مع نسبة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا والتي تضاعفت تقريبًا بين 30 يونيو 1946 و 30 يونيو 2019 حسب مكتب الإحصاء الأسترالي، أي أن أستراليا ستصبح أكثر شيخوخة وذلك بسبب إزدياد متوسط عمر الفرد وإنخفاض الخصوبة.

إن شيخوخة السكان سوف تفرض تحديات مستقبلية وعبء على الخزينة بسبب زيادة الإنفاق على المسنيين، وتراجع نسبة العاملين الذين يدفعون الضرائب لتغطية هذه النفقات، حيث كان هناك 6.6 أشخاص في سن العمل لكل شخص يزيد عمره عن 65 عامًا في عام 1981-1982 واليوم هناك 4 أشخاص وبحلول عام 2060-61  سيكون هناك 2.7 فقط.

لقد أصبح التقرير في عهدة الحكومة ويبقى علينا الإنتظار لنرى كيف ستتعامل هذه الحكومة والتي أصبحت في مزاج إنتخابي مع ما جاء في التقرير، خصوصاُ أنها تواجه تحديات جمّة في كيفية مكافحة وباء كورونا المتحوّل المعروف بدلتا والذي فرض إغلاق مناطق واسعة من البلاد للحد من إنتشاره بالإضافة الى التعثر في حملة التلقيح الوطنية ضد الوباء.

أخيراً، نتمنى أن لا تتحكم الغريزة الإنتخابية والسياسية قصيرة المدى بردّ الحكومة عند الأخذ بتوصيات التقرير وتدرك أهمية دور المهاجرين في تنمية وإزدهار البلاد والتي يركز عليها البنك المركزي الأسترالي وقطاع الأعمال، وأن يكون لدى الحكومة رؤية مستقبلية تحاكي ما جاء في التقرير وتضع خطط على أسس علمية، وأن لا تعتمد على المعجزات التي يعتقد بها وأفصح عنها رئيس الوزراء سكوت موريسن بعد فوزه بالإنتخابات الفيدرالية عام2019.

 

عباس علي مراد      

 

 

كريم المظفرمنذ 18 عاما، أعتاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على تنفيذ ممارسة سميت ب(الخط المباشر)، والتي ترمز الى لقاء الرئيس بوتين مع المواطنين، عبر خط مباشر للاتصال الهاتفي المباشر، او عبر ارسال رسالة نصية او عبر البريد الالكتروني وارسالها الى مواقع وهواتف يحددها الكريملين مسبقا لتلقي أسئلة المواطنين واستفساراتهم لطرح المهم منها مباشرة وعبر التلفاز على الرئيس الروسي، إبداء رأيه حولها .

وتلقى الرئيس الروسي هذا العام أكثر من 2 مليون مكالمة على الخط المباشر - خلال البرنامج، والذي استمر 3 ساعات و 42 دقيقة، تمكن خلالها الرئيس بوتين من الإجابة على 68 سؤالاً، وتأكيده بأنه سيتم إيلاء الاهتمام لجميع الرسائل، علاوة على ذلك وحل بعض مشاكل أولئك الذين تقدموا بطلبات إلى الرئيس قبل نهاية البرنامج.

وحصلت هذه المرة مفاجأة غير متوقعة، فخلال الممارسة، أعلن منظمو حوار "الخط المباشر" المتلفز السنوي مع الرئيس بوتين، أن أنظمة الاتصال الخاصة بهذا الخط تتعرض حاليا لهجوم سيبراني مكثف، وقالت مذيعة الخط المباشر أثناء الحوار مع الرئيس بوتين "تسلمنا معلومات مفادها أن أنظمتنا الرقمية تتعرض في هذه الأثناء لمحاولات تنفيذ هجومات (سيبرانية) مكثفة من نوع DDoS )، وهي عبارة عن  هجمات الحرمان من الخدمات) ورد بوتين على ذلك بالقول: "حقا؟ ليست مزحة؟"، في حين أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف صحة هذه الأنباء، مشيرا إلى أن مصدر الهجمات السيبرانية هذه لم يحدد بعد.

وكعادة مثل هذه الممارسات ركزت الأسئلة على المشاكل الاجتماعية والقضايا الداخلية وبالأخص الإجراءات الحكومية لمكافحة فايروس كورونا، والتي باتت بعض هذه الإجراءات تثقل على المواطنين وعلى أصحاب العمل الصغير والمتوسط، ولم تخل ساعات الخط المباشر من الأسئلة المتعلقة بالقضايا الدولية المهمة والتي ركزت بشكل أساس على العلاقات مع الولايات المتحدة والناتو، والعلاقة مع أوكرانيا، وعواقب الحادث الأخير لتجاوز المدمرة البريطانية المياه الإقليمية الروسية قبالة سواحل القرم، وقضايا أخرى تناولت المسائل الثقافية والشخصية للرئيس الروسي.

ففي القضايا الدولية شدد الرئيس الروسي في رسائله، على إن مرحلة القطب الواحد انتهت والعالم يتغير بسرعة وبشكل جذري، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تحاول الحفاظ على مكانتها المهيمنة، وإن العقوبات ضد روسيا "عادت علينا بالفائدة وتمكنا من تطوير قدراتنا"، وأوضح بوتين إن العالم يتغير بشكل كبير، والشركاء في الولايات المتحدة يدركون ذلك، لكنهم يحاولون الحفاظ على الاحتكار  وأنه يعول على أن "يتخذ النظام العالمي طابعا أفضل"، وأن تعود العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة إلى طبيعتها.

وحول رد موسكو على العقوبات الغربية، فإن روسيا لن ترد على العقوبات بشكل يمكن أن يلحق بروسيا ضررا، لكن يمكنها أن ترد بطريقة غير مماثلة على العقوبات، وبخصوص التهديدات الأمريكية بعقوبات جديدة ضد روسيا، بعد اللقاء الذي جمع زعيمي البلدين في جنيف منتصف الشهر الجاري، وما إذا كان الرئيس جو بايدن يمكنه لعب دور مهم في العلاقات بين البلدين، قال بوتين إنه "على الرغم من أن لدى الولايات المتحدة نظامها السياسي الخاص، وتوجد بعض الضوابط والتوازنات، لكن الكثير من الأشياء تتوقف على الرئيس هناك".

الرسالة الثالثة كانت تأكيد الزعيم الروسي استعداده لعقد اجتماع مع نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، ومع ذلك، يجب معرفة أولا،  فهم  ما الذي ستتحدث عنه الأطراف، لأن الرئيس الأوكراني قد أعطى بلاده "تحت السيطرة الخارجية الكاملة" و يتم الآن حل القضايا الرئيسية في حياتها ليس في كييف، ولكن في واشنطن وبرلين وباريس، ووفقا للرئيس بوتين فانه من أجل إجراء حوار بين روسيا وأوكرانيا، يجب توفير ظروف ودية، وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لا يعتبر الشعب الأوكراني شعبا غير صديق، لكنه أكد أن قيادة أوكرانيا معادية لروسيا.

وردا على سؤال عن سبب عدم إدراج أوكرانيا في قائمة الدول غير الصديقة والتي أنشأتها السلطات الروسية في روسيا مؤخرا، قال بوتين  "ذلك أنني لا أعتبر الشعب الأوكراني شعبا معاديا لنا، لقد قلت مرارا ويمكنني أن أكرر أن الأوكرانيين والروس شعب واحد"، ومع ذلك فقد أشار الرئيس الروسي إلى أن القيادة الأوكرانية تبنت مواقف معادية لروسيا والروس كشعب، وعلق بوتين على مشروع القانون الأوكراني الذي لا يصنف الروس ضمن "الشعوب الأصيلة" في البلاد، واصفا ذلك بأمر "لا يتصوره العقل"، وأضاف الرئيس الروسي أن التداعيات المحتملة لتبني هذا القانون في أوكرانيا يمكن تشبيهها بمفعول "أسلحة الدمار الشامل".

وحذر بوتين من أن أنشطة القوميين المتطرفين في أوكرانيا - كما في أي دولة أخرى بما في ذلك روسيا - تقود إلى نتائج "هدامة"، كما أنه اتهم السلطات الأوكرانية بقمع القوى المعارضة الداخلية التي تدعو إلى "بناء وتقوية بلادهم، بما في ذلك عبر تطوير علاقات طبيعية مع روسيا، وأضاف بوتين أن هذه المعارضة يتم "قمعها في مهدها"، فهناك من يتم زجه في السجن ومن يوضع تحت إقامة جبرية أو يغتال في شارع".

وبشأن  الحادث الأخير لخرق  المدمرة Defender  البريطانية في البحر الأسود، والتي عبرت الحدود بالقرب من كيب فيولنت في شبه جزيرة القرم  فان رسالة الرئيس الروسي  الرابعة، وهي أقوى رسائل " الخط المباشر "، حيث  كشف  تفاصيل جديدة عن الحادث، ووصف بوتين حادثة Defender بأنها "استفزاز واضح متكامل دبره ليس البريطانيون فحسب بل والأمريكيون أيضا"، موضحا في الوقت نفسه أن طائرة استطلاع استراتيجية أمريكية أقلعت في ساعة مبكرة من ذلك اليوم من إحدى قواعد حلف الناتو في اليونان، مشيرا إلى أن مهمة تلك الطائرة جاءت بهدف كشف كيفية رد القوات الروسية على خرق حدود الدولة من قبل المدمرة البريطانية ورصد مواقع انتشار الدفاعات الجوية الروسية في القرم.

وأكد بوتين أن الجانب الروسي واكب منذ البداية طلعة تلك الطائرة، قائلا: "تابعنا ذلك وكنا على دراية تامة بشأنه، ولذلك قدمنا المعلومات التي اعتبرناها مناسبة، ربما كشفت سرا؟ فليعذرني العسكريون"، كما شدد بوتين على أن روسيا تواصل تطورها بالرغم من العقـوباتِ المفروضة عليها، مضيفا أن قدراتها الدفاعية بلغت مستوى عاليا، وباتت تتفوق على الولايات المتحدة في العديد من المعايير.

واكد فلاديمير بوتين، ان العالم لم يكن على وشك حرب شاملة بسبب هذه الحادثة، وقال "حتى لو أغرقنا هذه السفينة، فسيظل من الصعب تخيل أن العالم كان على شفا حرب عالمية ثالثة"، لأن أولئك الذين يفعلون ذلك يعرفون أنهم لا يستطيعون الخروج منتصرين من هذه الحرب.

اما بشأن تصعيد النزاع في إقليم قره باغ، فكانت هذه الازمة هي الرسالة الخامسة والتي شدد فيها  الرئيس بوتين على ان هذا التصعيد ليس من مصلحة أرمينيا أو أذربيجان، مؤكدا تمسك موسكو بالعمل على تطبيع الوضع في المنطقة بالتعاون مع باكو ويريفان، وقال بوتين "لقد لعبت روسيا دورا في تسوية هذه الأزمة بالغة الخطورة، وتصعيدها ليست من مصلحة أذربيجان ولا من مصلحة أرمينيا، ناهيك عن سكان قره باغ"، وعبر بوتين عن قناعته بأن الحفاظ على السلام في هذه المنطقة هو وحده كفيل بضمان رفاهية السكان المحليين وتنمية المنطقة اقتصاديا واجتماعيا، "ولا شك أن يكون أهالي قره باغ في أمس الحاجة إليه،  وأشار الرئيس الروسي إلى أن قادة أرمينيا وأذربيجان يدركون هذه الحقيقة تمام الإدراك.

وقال بوتين إن هناك مشكلات كثيرة تراكمت بين هاتين الدولتين ومنها مشكلات متعلقة بإعادة بناء الهياكل الأساسية العادية وأخرى متعلقة بترسيم الحدود.. وخاصة في الأماكن التي لم تكن فيها بين أرمينيا وأذربيجان حدود دولية حقيقية، بل الحدود الإدارية بين الجمهوريتين السوفيتيتين السابقتين، مشيرا إلى أن موسكو ويريفان وباكو أنشأت فريقا ثلاثيا مكلفا بتطبيع الأوضاع في المنطقة.

والرسالة الدولية الأخيرة والتي تطرق فيها الرئيس الروسي خلال حوار "الخط المباشر" مع المواطنين الروس إلى مشكلة الاحتباس الحراري وتغيرات المناخ التي تغدو ملموسة أكثر فأكثر، وقال أن روسيا قد أخذت على عاتقها التزامات واسعة النطاق تتعلق بالحد من الانبعاثات الضارة،  وقال " يجب علينا عمل كل ما في وسعنا للحد من مساهمتنا في تلك التغيرات،  ويجب علينا التأثير على ما يمكننا التأثير عليه"، مشيرا الى انه في روسيا، يحدث الاحتباس الحراري بشكل أسرع مما هو عليه في العديد من المناطق الأخرى في العالم، وهناك بالطبع إيجابيات وسلبيات،  ويجب ألا يغيب عن البال أن جزءا من أراضي  البلاد تقع  في خطوط العرض الشمالية، بما فيها مناطق توجد فيها تربة الجليد الأزلي، وهناك قرى وبلدات، وإذا بدأ الجليد الأزلي في الذوبان فيمكن أن يؤدي ذلك إلى عواقب سلبية حيث تتحول الأراضي بأكملها، بما فيها الأراضي الزراعية التقليدية، إلى صحراء، وان الحكومة قد  وضعت الحكومة خططا للرد على المزيد من تغير المناخ في المجالات والصناعات الـ10 الأكثر حساسية، بما فيها الطرق وغيرها،  وستسهم  في الجهود الدولية وسنستعد في الوقت نفسه لاستقبال ما لا مفر له".

فكما كان للرئيس الروسي رسائله الخارجية، فله في "الخط المباشر" رسائله الداخلية  الأولى منها، تلك التي أشار  رئيس الدولة فيها  إلى بداية مسيرته السياسية التي جاءت خلال رئاسة بوريس يلتسين، وأوضح أن أول رئيس للبلاد لم ينقل السلطة إليه (كما يشاع) – بل انه ووفقًا للتشريع، أصبح فلاديمير بوتين الرئيس المؤقت، حيث كان في ذلك الوقت رئيسًا للحكومة، وقرار من سيصبح رئيس الدولة اتخذ من قبل الشعب الروسي،  والثانية اكد فيها إن إجراءات الحكومة المتخذة بصدد مجابهة الموجة الثالثة من فايروس كورونا، والقرارات الاجبارية التي تتخذها بعض المناطق لتلقي التلقيحات الخاصة، وأنه لا يزال يعارض التطعيم الإجباري، لكنه أوضح أن حملة التطعيم الحالية تتوافق مع القانون الروسي، في حين كانت الرسالة الثالثة كانت ردا على شكوى المواطنين إلى فلاديمير بوتين من تصرفات البنوك، التي لا تهتم أحيانًا بالوضع المالي الصعب للمواطنين الأفراد، وقال الرئيس الروسي، إنه تم بالفعل التوقيع على قانون يحظر تحصيل الأموال من الحساب كدفعة للقروض، إذا كان المبلغ المتبقي أقل من مستوى الكفاف.

ولم يتجاهل الروس ارتفاع موضوع أسعار المواد الغذائية، وأشار فلاديمير بوتين إلى أن القرارات في هذا الاتجاه كانت تتخذ في بعض الأحيان خارج الوقت، لكن المشاكل المتعلقة بارتفاع تكلفة ما يسمى بـ "مجموعة البرش" لا تزال قائمة، حيث وصلت مؤشرات الغذاء العالمية اليوم إلى أعلى مستوى لها في السنوات العشر الماضية، ولسوء الحظ برأيه، هذا اتجاه عالمي - زيادة في أسعار المواد الغذائية، وحول ارتفاع أسعار السياحة الداخلية، اعتبر الرئيس الروسي، في رسالته الخامسة  أن أسعار الرحلات السياحية الداخلية في روسيا مرتفعة جدا، مشيرا إلى أن من أسباب ذلك غلق عدد كبير من بلدان العالم حدودها على خلفية جائحة كورونا، وإلى أن بقاء حدود عدد كبير من الدول مغلقة يسفر عن زيادة الضغط على البنى التحتية السياحية في روسيا، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار، لافتا الانتباه إلى أن السبب الآخر لهذه الظاهرة هو ضعف تطور البنى التحتية لقطاع السياحة في البلاد، وأعلن بوتين أن الدولة وضعت برنامجا لتطوير السياحة الداخلية، وأنشأت مؤسسة معنية بهذا الهدف ستدخل بقروض رخيصة إلى مشاريع سياحية، مع إبقاء إمكانية الخروج منها لاحقا وتقديم حصصها لأصحاب مشاريع خاصة بأسعار السوق.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

سليم مطرمن قبل العديد من المثقفين العراقيين

بمناسبة انتفاضة 1920 العراقية، طالعنا منشورات عدة تكرر نفس الافكار المنتشرة بين الكثيرين من المثقفين العراقيين المأخوذة بهوس البحث عن الامام المنتظر والفحل الاجنبي المنقذ:

انهم  يلعنون عملاء ايران، وبنفس الوقت يكتبون نصوص الشوق والغفران الى الاستعمار البريطاني والامريكي؟

طيب لنتفق معهم ومع امامهم (علي الوردي)، ان المستعمرين طيبون غايتهم تحضيرنا وتطويرينا وتقدمنا ورعايتنا وتثقيفنا وتعليمنا كيف نكون بشرا .. الخ .. وان ما يسمى بثورة العشرين كانت خطيئة وتهور وحشي ديني اقطاعي.. ولكن ولكن:

هل نسيتم ان الشريف حسين الذي قاد الثورة ضد العثمانيين وتحالف مع الانكليز على وعد ان يكون ملكا على المشرق العراقي الشامي والحجاز..لكن تبين انهم اعدوا (وعد بلفور) لمنح فلسطين الى اليهود، وتقسيم سوريا الطبيعية الى دويلات، ومنح الحجاز الى السعوديين، وفرض الضعف والخنوع على شعوب المنطقة حتى الآن..

الم يغتالوا حليفهم الملك فيصل الاول، لمجرد انه شرع فعلا بتكوين دولة عراقية وطنية موحدة؟

ثم هل نسيتم الابادات العرقية للهنود الحمر من قبل الانكليز وسرقة الملايين من الافارقة لجلبهم كعبيد..

هل نسيتم جرائم الانكليز ضد ابناء الهند رغم سلميتهم وخنوعهم لعدة قرون؟؟

هل نسيتم الحروب والتخريبات ضد الصين الفقيرة لاجبارها على استخدام الافيون؟!

هل نسيتم ابادة الملايين في الكونغو من قبل ملك بلجيكا ليوبولد (المتحضر الطيب المخلص للكنيسة) فقط من اجل جعلهم عبيدا لاستخراج المطاط؟؟!!

هل نسيتم استحواذ الانكليز بالقوة على مصر  بعد طرد الاستعمار الفرنسي ومنعها الى الابد من النهوض والمشاركة بالتحضر، رغم انها كانت في ذلك الوقت اكثر تطورا من اليابان حينها؟؟!!

هل نسيتم الثورة الامريكية ضد الاستعمار البريطاني، علما ان الذين قاموا بها هم البريطانيون المهاجرون الى امريكا، بعدما لمسوا كيف ان بلادهم القديمة الاصلية بريطانيا، تستغلهم دون رحمة؟؟؟!!!

اخيرا اخيرا اخيرا، هل نسيتم وتنسون ماذا فعل الاستعمار الامريكي الذي صفقتم له مع غالبية العراقيين واستقبلتموه بالاهازيج، على امل ان يحقق لكم الديمقراطية والتحضر وسياحة الشقراوات ومطاعم المكدونالد.. وانتم تعرفون الباقي.. وكيف انهم جعلوا بلادنا مبغى ادخلوا عليها ضباع ايران والوهابية والداعشية والكردوية، ووووو...؟؟؟؟!!!

نعم اخوتي المثقفون الشعراء المتباكون على الفراشات وشفاه الحلوات، استخدموا بعضا من الضمير والرهافة في احاديثكم عن شعبكم وبلادكم الجريحة التي لازالت تتكالب عليها الذئاب لانكم منذ اجيال وحتى الان، تشكون من ظالم وتقدسون ظالم. وانتم مثل الاطفال اليتامى التائهون الذين يبحثون عن اي فحل اجنبي يتبناهم ويستعبدهم..

 

سليم مطر - جنيف

 

مهدي الصافيتعد الحرب الباردة هي من اكثر الحروب التأريخية الحديثة المؤسسة لفلسفة او فكرة صناعة الازمات النفسية العامة (اي التي تتعدى مديات التأثير فيها حدود امة او شعب او دولة واحدة..الخ.) ...

وقد كان نظام البعث البائد في العراق يعتمد على تلك الاليات الخبيثة (البحث عن مفاهيم وصيغ وتهم سياسية عامة مؤثرة في العقل الجمعي، مؤامرة-خيانة-تخابر وعمالة-جاسوسية-اعداء الوطن-الطابور الخامس، الخ.)، استخدمت لضرب بقية الاحزاب والشخصيات السياسية الوطنية، وهو من اكثر الانظمة العربية انفرادا بتلك الظاهرة، ثم تجاوزت تلك الاساليب الحدود الطبيعية في التنافس السياسي غير المشروع قطعا على سدة الحكم، لتصبح سياسة ونهج شمولي عام، تحولت بالتدريج الى سلسلة متواصلة من الملاحقات والمتابعات الامنية للمواطنين (بما فيهم العمال والفلاحين والكسبة)، بعد ان بدأت تعطي هذه القبضة الحديدة (الدموية لهذا النظام الدكتاتوري) نتائج كبيرة في السيطرة والهيمنة على الشعب، فهناك دائما ما يقال ان الطبقة السياسية الحاكمة في اي دولة ترى ان الشعوب هي المنافس الشرس او العقبة الرئيسية امامها، التي لابد من تجاوزها بغية الوصول للحكم (سواء كان ذلك بالخداع والقوة او عبر صناديق الاقتراع، ولهذا تجد ان امتيازاتهم لاتمس في حال فوز هذا او ذاك بالحكم)، ولازال يتذكر الشعب جيدا الحصار الداخلي المفروض من قبل الدولة (غير الحصار الاقتصادي الدولي المفروض على العراق بعد 1990)، حيث تلاعب نظام الاحمق صدام بقوت الشعب وبالحصة التموينية (برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء)، وجعلها وسيلة لمحاربة وتجويع كل من يشك بولاءه له....

ان مسألة التعامل النفسي او التلاعب بمشاعر وعواطف الناس ليست حديثة، انما هي موروث بشري تأريخي، بل يعد من العوامل السياسية والاجتماعية الرئيسية للحكم (او الحروب والهجرات والغزوات او العبادات وممارسة الطقوس الخ) في الحضارات القديمة، وكذلك في بناء الدول او الانظمة الحديثة، لكنها تبقى ضمن دائرة التفاوت النسبي بين الانظمة والشعوب، ففي اوربا او حتى امريكا على سبيل المثال تختلف الاجندات المعنوية النفسية المطروحة امام الشعوب هناك، تبعا لنسبة الوعي الاجتماعي العام والحاجات او الضرورات المالية والاقتصادية التنموية المطلوبة، التي تعتمد عليها دولهم اعتمادا كليا، لبناء مايسمى دولة الرفاهية، اذ ليس من اهتمامات هذه الشعوب المشاكل او التعقيدات او الازمات الاجتماعية الدينية او الاثنية او التاريخية (انما هي تتخوف من هجرة هذه المشاكل واقتحامها للقيم العلمانية هناك من قبل الهجرات الاسيوية والافريقية المستمرة)، بينما تختلف على سبيل المثال دول الشرق الاوسط او الادنى، فشعوب هذه الدول الاقل وعيا، والحديثة العهد بالديمقراطية اوبناء دولة المؤسسات البدائية، لازالت غائبة عن الركب الحضاري، وهي متراجعة الى مراحل ومستويات الانحطاط الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي، الغائبة او المتبخرة عندها الروح الوطنية امام الانتماء الطائفي او القبلي او حتى الاثني، بعض طبقات هذه المجتمعات غارقة في الجهل والتخلف الديني (الاديان والمذاهب الشعبية) والاجتماعي، وتنزع رغباتها الى اعادة صياغة الاساليب القديمة في الحكم (الطموح بعودة الخلافة الاسلامية، مبايعة الزعماء والقيادات الدينية السياسية، وشيوخ العشائر وامراء السياسة والحرب، الخ.)، اي صناعة دولة القطيع!

من هذه العوامل التي تساهم بسحق عقول الطبقات الفقيرة، والاجيال المتعاقبة، السلطة الابوية العامة المزيفة، او تلك الموجهة نفسيا وعاطفيا للاستحواذ على عقول اتباعها، تارة بأسم العادات والتقاليد الموروثة، وتارة اخرى بأسم الدين او الطائفة ومفهوم الهوية، وليست الابوة الوطنية الثورية الحقيقية المجردة، التي يمكنها ان تضع الاسس الصحيحة لبناء الدولة العصرية الناجحة..منها مايلي:

اولا: الانتماء والهوية:

لايمكن الفصل بين الانتماء الاجتماعي (الاثني او القبلي او الديني والطائفي الخ.) وبين الهوية الوطنية العامة الجامعة، والا تصبح هذه الانتماءات هي الهويات الاساسية في تركيبة المجتمع، التي يمكنها ان تنعكس سلبا على شكل وطبيعة نظام الحكم (كتجربة المحاصصة في لبنان، والعراق وبقية الدول العربية)، مما يؤدي بالنهاية الى الفوضى والتقسيم، وفشل عملية بناء الدولة اوالمحافظة على وحدتها

ثانيا: الفكر والاحزاب او الحركات السياسية التنموية الوطنية:

تتنافس وتدوراحزاب الديمقراطيات المتقدمة في العالم في الجولات الانتخابية العامة حول محور الاقتصاد، وتقليل نسبة البطالة والفقر، وسبل توفير بيئة الازدهار، بينما تتنازع وتتناحر وفي احيان اخرى تتقاتل مايسمى بالاحزاب والحركات السياسية في بلداننا فيما بينها، دينيا وطائفيا واثنيا، ولا تجد او يلمس اتباعهم او الشعوب في ادبياتها اية برامج سياسية تنموية حقيقة لادارة الدولة، البعض من هؤلاء الحمقى يذهبون ابعد من ذلك، بتحميل الشعوب واتباعهم انفسم مسؤولية الفشل والفقر والانهيار، عبر الترويج لمفهوم نزول البلاء، وغضب الخالق عزوجل عليهم لانهم مسلمين غير صالحين (ارتكبوا الكبائر من الاثام)، وكأن بقية دول العالم المتطور مدن ملائكية فاضلة...الخ.

ثالثا: الانتماء القبلي-العشائري السياسي:

لا يمكن ان تبنى دول الامة بوجود هذا التداخل الاجتماعي السياسي السيء، الذي رسخته الطبقات السياسية الانتهازية في العراق (ولبنان، ويراد له ان يطبق في سوريا واليمن وليبيا وبقية الدول المنهارة)، حيث تم تقسيم النظام السياسي وفق مبدأ المحاصصة بين المكونات، ثم تدرج الى داخل كل مكون، بتوحيد المحافظات بدائرة انتخابية واحدة، مما دفع المواطنين الى التقوقع والانكماش والتراجع امام التكتلات العشائرية الكبيرة، والنتيجة لا ابن العشيرة يمكنه ان يشكل مع مرشحي العشائر الاخرى كتلة وطنية لبناء دولة المؤسسات، ولا تمكن من جلب الخير لمدينته او ابناء عشيرته، لان الدولة او الوطن جسد واحد، اذا مرض او فسد او انهار عضوا فيه، تأثر الجميع بنتائجه الوخيمة...

رابعا: الاسلام السياسي:

فشل حكم الاخوان في مصر، والاسلاميين الشيعة والسنة في العراق، وحتى انحراف مسار الديمقراطية والحكم الاسلامي الايراني (الذي اصبح اكثر تشددا ودكتاتورية لشعب يحب التواصل والانفتاح الحضاري المدني العالمي)، وانكشفت اكاذيب وادعات الاسلاميين المهيمنين على عواطف ومشاعر المسلمين بطريقة نفاقيةباتت مكشوفة (كما حصل في رد المرشد الهضيبي على حالة التكفير والتشدد في كتاب دعاة لا قضاة سبعينيات القرن الماضي، وهي تكتيك متبع للتقية والادعاء بالمراجعة، الا ان المتابع يرى انها عادت اكثر تطرفا في فترة الحكم بعد اسقاط حسني مبارك)، قد تكون لهذه الاحزاب او الحركات الاسلامية مبادئ وافكار اخلاقية دينية اصلاحية صادقة، الا انها تصطدم وتمر بعقبات كثيرة اثناء التجربة السياسية والواقع الاجتماعي المتنوع، اول هذه العثرات هي النزعة الشخصية لافرادها وقياداتها في مايتعلق بحب الوجاهة والتسلط والاموال (وحتى الجنس)، هؤلاء يشعرون انهم لايختلفون عن الخلفاء او الامراء والحكام، يحق لهم التمتع بالحياة على طريقتهم الخاصة (الزهد والتواضع امام العوام، وماخلف الابواب والجلباب الرفاهية وتأمين مستقبل الاولاد والاحفاد الخ.)، هذا لايعني ان جميع من انخرط بالاسلام السياسي هم على هذه الشاكلة، انما هناك فعلا من يؤمن بأن الاسلام السياسي لابد له ان يتواصل علميا ومنطقيا مع روح الحضارة المدنية الانسانية الحالية،

وان يتم الفصل بين الدين والدولة، وليس بين الدين والشعب والاخلاقيات الاجتماعية والدينية المعتدلة، اي ان الدين له المساحات الشرعية والاخلاقية الكاملة المحترمة داخل الدولة والمجتمع، ولكن ليس له سلطة دستورية او قانونية لاحكام القبضة الشرعية على الشارع، او اتباع اساليب التأثير النفسي الديني –السياسي، وهناك ايضا مفكرين اسلامين يدعون الى مراجعة المذاهب الاسلامية وكتب الحديث والفقه والتفسير...

خامسا: الثقافة والاعلام:

هذه هي ماكنة وادوات التأثير النفسي العام في المجتمع، فهي تمتلك القدرة الكاملة على حرف مسارات الوعي او تعديلها، تبعا للفسلفة والفكر والموروث والانجازات الادبية او الابداعية، اي عندما يكون النتاج الثقافي مغيبا او خجولا وحذرا لاكثر من اربعة عقود، ثم يأتي بعد عام 2003 او بعد ثورات الربيع العربي ليطرح رؤيته الخاصة لملأ الفراغ الهائل، بين الامس واليوم، ولايجد من يتحفز للاستماع او التواصل من ابناء المجتمع، بل يرى استمرار لحالة الانغلاق والعقم الفكري والثقافي السائد (حتى يرى تراجعا وهبوطا في مستوى المواضيع المطروحة في الدراسات الثقافية وبحوث اطروحات الماجستير والدكتوراة المتعلقة بها)، لايشكل ذلك حالة استثنائية او وقتية او مبعث على الصدمة بالنسبة لهم، ولايعتبر ظاهرة خاصة تتعلق بشعب او دولة دون اخرى، لان البيئات الاجتماعية والسياسية المضطربة اينما كانت تنتج نفس الكارثة او اشد منها، لان اساس منظومة القيم قد هدت وتحطمت من القواعد، فالحاجة الملحة للاصلاح في مثل تلك الظروف لاتكون بالترقيع والترمي الفوقي او الضمني، انما باحداث الطفرة او النقلة النوعية في الثقافة والوعي السياسي والاجتماعي الحضاري، وبأعادة صياغة المفاهيم الصحيحة، وبدفع العوامل النفسية المعنوية الايجابية الى المقدمة، والعمل على كشف الحقائق المزيفة المستترة خلف العناوين الاجتماعية والدينية المسيسة...

اما فيما يتعلق بالاعلام فهذا بيت الداء، بعد انتشار الفضائيات والاعلام الالكتروني، اصبح لكل طائفة او جماعة او حزب او تيار قناة او موقع الكتروني خاص بهم، فتداخلت السياسة بالدين بالتجارة والاجندات الداخلية والخارجية، وكأنها امواج هائجة متلاطمة يمينا وشمالا، ورياح عاتية تأخذ الناس الى المجهول، لا اخلاق ولا مهنية ولا اهداف واضحة للكثير منها، غاطسة في المنافع والمصالح والتجهيل والاستثمار الرخيص لمعاناة الابرياء ضحايا الفساد والفشل والعنف....

سادسا: الاسرة والتربية والتعليم:

البيت والمدرسة اما ان تكون مشروع للتربية والتنمية الاخلاقية والعلمية البشرية السليمة، او عملية تخريب وتدمير منظم لشخصية الفرد منذ نعومة اظفاره (بقصد او دونه)، ففي بلادنا لازالت نظرة الاسرة (التربوية العامة في البيت او المدرسة) المتسلطة على الاطفال هي معيار وميزان القناعة والقبول لطرق التربية، تشتد وتزداد عنفا كلما اعتقد الاباء ان الطرق اللينة نسبيا لم تنفع مع اولادهم، اذ لايمتنع هؤلاء عن هذه الاساليب والطرق البدائية في التعامل معهم، الا اذا شاهد ولاحظ زيادة في مستوى الرعب والخوف الظاهر في عيون الاطفال او التلاميذ،

هذا فضلا عن الاسقاطات والتفريغ النفسي الشخصي المريض فوق رؤوس هؤلاء الضحايا، هذه الظروف التربوية السيئة مدعومة احيانا من السلطة العليا في الدولة للانظمة الشمولية او الفاسدة، وكذلك من الزعامات العشائرية والقبلية او الدينية، التي تطرب الى مصطلحات وعبارات الطاعة والتأدب والتواضع المهين، وبيان حالة الاذلال امامهم (او امام كبار القوم ورجال الدين والمسؤولين)، ولعلك تستغرب اسثقال الناس في بلادنا من اضافة او لفظ عبارة استاذ او سيد لاي انسان في المخاطبة (، بينما تسمعها بكثرة يوميا في بلاد الغرب)، لانها تذكرهم بثقافة الاستعلاء والتفاوت الطبقي في المجتمع...

لهذا نرى ان هذه المجتمعات لايمكنها ان تنهض او تواجه مؤامرات الاستثمار الاجتماعي والديني المتناقض في السياسة، وتبتعد عن حدود دائرة الاستسلام، وتمتنع عن الخضوع للازمات النفسية المتواصلة المصطنعة من قبل قوى السلطة والحكم الرسمي او الاجتماعي والديني،

الا بالتحرر والانعتاق من قيود التراث القبلي او العشائري او الديني الشعبي، والتفكير ببناء نموذج عصري للدولة الديمقراطية، البعيدة عن اساليب الاقصاء والتهميش والعنف او التوحش، القريبة او المتداخلة مع العلم والمعرفة والمنطق العقلي الواقعي، تنظر الى تجارب الشعوب والدول المتقدمة اقليما او النامية والناشئة على انها داخل دائرة التنافس المشروع لهم في اللحاق بهم، وبقطار الحضارة الالكترونية الفضائية الفائق السرعة...

لن يخرج خيار الشعوب الفاشلة والمجتمعات والدول المضطربة عن انتاج دولة بدائية تجلب الفساد والفوضى والازمات النفسية والمرض والمعاناة والتوحش الخ....

اما خيار الامم والشعوب الحرة يظهر جليا في الاسس المعتمدة في بناء دول متقدمة انسانيا واخلاقيا وعلميا وحضاريا، تتسابق مع بقية القوى العظمى بشرف

 

مهدي الصافي

 

 

محمود محمد عليفي مثل هذا اليوم ٣٠ يونيو منذ ثماني سنوات هب الشعب المصري ثائراً بعد أن اكتشف هول المؤامرة التي تعرض لها بالسماح لجماعة الإرهاب الاخواني بالسطو علي حكم هذا الوطن. كانت الفترة التي مرت علينا بعد أيام من إندلاع ثورة٢٥ يناير مرتعاً لتنفيذ مخطط تخريب وتدمير مصر. جري ذلك بمشاركة كل الحاقدين والمتربصين والمتسلطين والخونة والانتهازيين.

وفي احتفالنا بحلول ذكري هذا اليوم الخالد علينا أن نتذكر كل الأيام المريرة التي عشناها في ظل ما فعلته جماعة الارهاب الاخواني بنا وبمصر. أن صدمة شلح هذا الحكم الذي استهدف القضاء علي هوية وحضارية مصر جعل الجماعة لا تصدق ما حدث حتي الآن.. أن استراتيجيتها تأسست علي تبني الخداع والتضليل باسم الدين البرئ تماما من انحرافاتها ودمويتها.

فلقد مرت مصر بسنوات عجاف بعد أحداث 2011 عانت خلالها من اهتزاز وعدم استقرار وصلت للفوضى، فلم تكن الدولة المصرية مستعدة او على مقدرة لمجابهة مؤامرة حيكت ضدمها من قبل ذلك التاريخ فى سنوات رخوية الدولة وعدم تماسكها، مماد أدى لظهور نتواءت مثل حركات يتم تديبها خارجيا على إسقاط الدولة مثل "6 أبريل" وغيرها من دعاة الفوضى والتخريب، بالإضافة إلى استقواء  جماعة الإخوان  الإرهابية التى كانت تمثل دولة داخل الدولة يتم إدارتها من مكتب مرشدها العام سواء من المنيل أو المقطم، ونخرت هذه النتوءات فى عصب الدولة المصرية كالسوس.

ولذا علينا أن علينا أن نعود بالذاكرة إلى الوراء لنتأمل تطورات الأحداث التى عشناها مع عواصف السنوات العجاف والتى فرضت على الضمير الوطنى شعارا واحدا هو الحلم المشروع باستعادة الاستقرار فكانت استجابة العناية الإلهية لنداء الملايين فى 30 يونيو وسرعة ترجمة هذا النداء فى قرارات 3 يوليو 2013.. كان الحلم باستعادة الاستقرار يعنى الخروج من كهوف الظلام التى حفرتها كتائب الفاشية الدينية بعد أن تمكنت من اختطاف دعوات التغيير والإصلاح المشروعة فى مطلع عام 2011... ولربما كان أعمق ما فى 30 يونيو أنها لم تكن ثورة بالمعنى التقليدى للثورات التى يسيطر فيها الغضب على العقل بقدر ما هى رمز للإنقاذ والخلاص وإزالة كل فنون التنكر ومستحدثات التجميل التى استخدمتها قوى سياسية عديدة أخفت حقيقة نواياها وراء البراقع الدينية والقبعات الأجنبية.

والسؤال الآن: متى بدأت ثورة 30 يونيو؟.. ولماذا؟.. ونتذكر هنا ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى أول تصريح له عقب الثورة.. وتحديداً يوم الأحد 14 يوليو 2013. وفى لقاء مع قادة وضباط القوات المسلحة، وكان وقتها يشغل منصب وزير الدفاع برتبة فريق أول.. حيث قال: «عندما تجلت إرادة الشعب بلا شبهة ولا شك، ووقع محظور أن تستخدم أدوات حماية الشرعية ضد مصدر الشرعية، فإنَّ الشعب وبهذا الخروج العظيم رفع أى شبهة وأسقط أى شك».. وأيضاً قوله: إنَّ «القوات المسلحة وجدت أن ما وصلت إليه الثورة ـ يقصد ثورة 25 يناير ـ لا يتناسب مع ما قصدته وسعت نحوه، وإنَّ رؤاها للمستقبل نزلت عليها عتمة وظلمة لا تقبلها طبائع عصور التنوير والمعرفة والكفاءة”.

فمنذ ما يقرب من 8 أعوام، توحدت كل فئات الشعب المصري علي اتخاذ وقفة جريئة ووطنية وحاسمة. تعيد مصر إلي الطريق الصحيح. بعد اختطاف الثورة من قبل جماعة إرهابية لا تعترف بالديمقراطية. ولا تؤمن سوي بالعنف والدم والإرهاب.. 30 يونيو أصبح عيداً وطنياً لن يُمْحَي من ذاكرة الوطن. واحتفالاً حقيقياً بثورة وطنية أجهضت كل المؤامرات والمخططات التي كانت تهدف لتقسيم الوطن ونهب ثرواته ونشر الفتنة بين أبنائه.. خمس سنوات مضت علي مصر منذ ذلك اليوم التاريخي الذي أعاد الأمل والطموح لأبناء الوطن.. تحديات وأزمات تحطمت علي صخرة الإصرار والوطنية.. إنجازات تاريخية تحققت.. مشروعات قومية عملاقة رأت النور.. ليس هذا فقط. بل استطاعت مصر الانتفاض من كبوتها وإعادة اقتصادها القومي لمساره الصحيح. فأول مرة في مصر يصل الاحتياطي النقدي الأجنبي لأكثر من 44 مليار دولار.

بلا شك فإن ثورة 30 يونيو تعد قصة إنقاذ وطن انتصرت مصر على الخونة والمتاّمرين، وعاد الوطن إلى أحضان المصريين الذين ناضلوا من أجل التخلص من جماعة الإرهاب فكانت ثورة 30 يونيوالتي أسقطت حكم الإخوان الأمل والرجاء لبداية عصر جديد من العمل والبناء، لكن الجماعة لاتزال تصر على أن لا تُجمل وجهها المخضب بدماء الشهداء من أبناء وطننا الأبرار الذين قادوا الثورة من أجل الخروج من الظلام إلى النور، تحلم بوهم العودة والانتصار.

ولذا على الشعب المصري العظيم الاًن أن يعي حجم المؤامرة وأن يكون مستعداً للتصدي لمحاولات إسقاط الدولة التي لا تتوقف عبر محاولات جر مصر إلى معارك جانبية على حدودها الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية، لكن القيادة المصرية تتفهم كل هذه المحاولات وتتعامل بالصبر الاستراتيجي مع كل هذه الملفات للحفاظ على مقدراتها.

ولذلك نقول في الذكري الثامنة مع الأستاذ محمد بركات : بدون تردد للحقيقة وللتاريخ .. لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو 2013 تعبيرا عن رغبة عامة لازاحة حاكم متسلط وتنصيب آخر اكثر رشدا وعقلانية مكانه،...، كما لم تكن ايضا مجرد توجه عام لتغيير نظام الحكم واستبداله بنظام آخر اكثر حكمة وعدلا واعتدالا ، ولكنها كانت تحرك أمة ونهوض شعب لاستعادة الوطن من خاطفيه وإعادة مصر الي مصريتها، وانقاذها من المصير المظلم والمستقبل المجهول الذي كانت تهوي اليه، مدفوعة بجماعة الافك والضلال والتطرف والارهاب، التي سيطرت عليها وأمسكت بخناقها وقبضت علي زمام الحكم بها، وراحت تسوقها الي غياهب الرجعية والتخلف والظلام، مدعومة ومتآمرة مع قوي الشر الاقليمية والدولية الساعية لهدم الدولة واسقاطها .

 

الأستاذ الدكتور محمدو محمد علي

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

1- جلال دويدار: خواطر .. ثورة ٣٠ يونيو.. ونهاية الجماعة الإرهابية.. مقال..

2- محمد بركات : بدون تردد – الثلاثين من يونيو ثورة جموع الشعب. .. مقال..

3- مرسي عطا الله : 30 يونيو .. لم تكن ثورة تقليدية. .. مقال..

4- أحمد الشامى :“أقول لكم ثورة 30 يونيو .. قصة إنقاذ وطن .. مقال..

5- محمد العزاوى : 30 يونيو .. ثورة أعادت مصر إلي الطريق الصحيح .. مقال..

6- مجدي سرحان : ” لله والوطن متى بدأت ثورة يونيو؟  .. مقال..

 

 

كريم المظفربشكل عام، باتت سياسة العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوربي، محط إهتمام القيادة الروسية، على الرغم من العقبات المصطنعة التي توضعها الولايات المتحدة بواسطة "طفيليات" الاتحاد الأوربي (دول أوربا الشرقية السابقة) الساعية الى كسب الرضا الأمريكي بعيدا عن التفكير في مصالح الاتحاد الأوربي، ومحاولة تقديم روسيا بروح الحرب الباردة كتهديد، حتى "التهديد الرئيسي" لأمن أوروبا، وخصوصا بعد عودة الإدارة الديمقراطية إلى السلطة في الولايات المتحدة، والتي أدت إلى توطيد أيديولوجي وسياسي جديد "لما بعد ترامب" للغرب الجماعي وتفعيل ملحوظ لقواته المعادية لروسيا.

وعلى الرغم من أن روسيا هي أول من دعت الدول الاوربية الى مناقشة الامن الأوربي بشكل جماعي، الا ان " الطفيليات " وبدافع امريكي، تسعى دائما الى تشويه النوايا الروسية الحقيقية في هذا المجال، من خلال اختراع أمثلة على "العدوان الروسي" المزعوم، والتهديدات العسكرية المظللة، ناهيك عن "الهجمات الإلكترونية" إلى "تنظيم التفجيرات"، وخلق حالة من (روسوفوبيا) والتي بُني عليها كل الخطاب المعادية لروسيا،بأسس أيديولوجية، إذا جاز التعبير، وتشجيع حالة اغتراب روسيا وأوروبا الذي تم إدخاله بلا كلل في الوعي الجماهيري لـ "الأوروبيين" من خلال الدعاية المعادية لروسيا، حول "العداء الأبدي" للدولة الروسية، "ذات الطبيعة الشمولية العدوانية، " فيما يتعلق بالثقافة والحضارة الأوروبية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فضل التوجه الى الشعب الأوربي مباشرة، ومخاطبتهم بلغتهم، في محاولة منه، وضع المجتمع الأوربي في حقيقة الروسوفوبيا السابقة والحديثة، بمفهومها الأساسي، ومحاولة غرسها في أذهان حتى الرجل العادي في الشارع، وفي حالة نجاحهم في ذلك، بعدها لن يكون من الصعب على المهتمين بهذا الأمر إيجاد سبب لإثارة الهستيريا المعادية لروسيا بشكل العواقب السياسية البعيد المدى.

ان مقال الرئيس بوتين بعنوان "الانفتاح على الرغم من الماضي" والذي نُشر في صحيفة Die Zeit، الألمانية الأسبوعية، تزامنا مع الذكرى الثمانين لبداية الحرب الوطنية العظمى، اعتبره الكثير من المراقبين بأنه يدمر هذه الصورة النمطية الأساسية للدعاية المعادية لروسيا، بأعتبار أن الرسالة الرئيسية لهذا الخطاب الموجه أصلا إلى الجمهور الغربي هي الدعوة إلى التعاون، والتعاون، وليس فقط المنفعة المتبادلة، والظرفية بشأن بعض القضايا "ذات الاهتمام المشترك"، ولكن الاستراتيجية، المبنية على منظور تاريخي واسع وطويل الأجل، ليس فقط على أساس المصالح المشتركة، أي القيم المشتركة، إلى حد كبير، لجميع الدول الأوروبية، بما في ذلك روسيا، الهوية الحضارية.

ومنذ مؤتمر الامن الدولي الذي عقد في ميونيخ 2003 حدد الرئيس الروسي أهدافه الإستراتيجية الأوروبية والتي تركزت على تشجيع القادة السياسيين في الغرب، "طبقته السياسية" على قبول هذا الواقع بشكل مسؤول وكامل، والاعتراف بأن الاعتماد المتبادل بين روسيا وأوروبا هو حقيقة طبيعية لا يمكن إصلاحها على الإطلاق لوجود كل منهما، وهذه الحقيقة لا يمكن تجاهلها إلا بالكلمات، وانه من المستحيل أن يعزل المرء عنه بـ "أطواق صحية" اصطناعية من البلدان الصغيرة، كون مثل هذه المحاولات لا تأتي بنتائج عكسية فحسب، بل إنها غير طبيعية بطبيعتها، حيث تعد روسيا أحد الأركان الأساسية للتوازن السياسي-الحكومي الذي تطور بشكل طبيعي في إطار الحضارة الأوروبية، بما لا يقل عن ألمانيا أو فرنسا، وان طحن هذا الحجر، ومحاولة الحفر تحته، وتقطيع القطع يمكن أن يؤدي بشكل موضوعي فقط إلى الصدمات وزيادة عدم الاستقرار في جميع أنحاء القارة، وعلى المدى الطويل - إلى تآكل وتدمير نظام الأمن الأوروبي بأكمله.

بعد أن نجت شعوب أوروبا من أهوال الحرب العالمية، كانت لا تزال قادرة على التغلب على العزلة واستعادة الثقة والاحترام المتبادلين، وشرعت في مسار التكامل من أجل رسم الخط الأخير في ظل المآسي الأوروبية في النصف الأول من الماضي، ويؤكد الرئيس بوتين في مقاله بشكل خاص أن المصالحة التاريخية للشعبين الروسي والألماني الذين عاشوا في كل من شرق وغرب ألمانيا الموحدة اليوم لعبت دورًا هائلاً في تشكيل مثل هذه أوروبا، وذكر بأن رواد الأعمال الألمان هم من أصبحوا رواد التعاون مع روسيا في سنوات ما بعد الحرب، وفي عام 1970، وقع الاتحاد السوفياتي و FRG على "صفقة القرن" - بشأن الإمدادات طويلة الأجل من الغاز الطبيعي إلى أوروبا، والتي أرست الأساس للاعتماد المتبادل البناء، والذي أصبح بداية للعديد من المشاريع الطموحة اللاحقة، بما في ذلك بناء خط أنابيب الغاز نورد ستريم، وكان الأمل الروسي أن يكون إنهاء الحرب الباردة انتصارًا مشتركًا لأوروبا، ويبدو أن أكثر من ذلك بقليل - وحلم شارل ديغول بقارة واحدة، ولا حتى جغرافية "من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال"، بل ثقافيًا حضاريًا - من لشبونة إلى فلاديفوستوك، سيصبح حقيقة، وضمن هذا المنطق - في منطق بناء أوروبا الكبرى التي توحدها القيم والمصالح المشتركة - سعت روسيا إلى تطوير علاقاتها مع الأوروبيين، ويشدد بوتين على "ان روسيا فعلت والاتحاد الأوروبي الكثير على هذا المسار ".

وكانت حركة الكتلة إلى الشرق، التي بدأت، مع حقيقة أن القيادة السوفيتية قد تم إقناعها فعليًا بالانضمام إلى ألمانيا الموحدة في الناتو، والتي أصبحت السبب الرئيسي للنمو السريع لعدم الثقة المتبادل في أوروبا، لكن ووفقا للرئيس الروسي " سارعوا إلى نسيان الوعود التي قُطعت آنذاك بالكلمات، بأن هذا ليس موجهاً ضدكم، وأن حدود الكتلة لن تقترب منك"، ومنذ عام 1999، تبع ذلك خمس موجات أخرى من توسع الناتو، ضمت المنظمة 14 دولة جديدة، بما في ذلك جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، والتي دفنت فعليًا الآمال في قارة بدون خطوط فاصلة، وهو ما حذر منه - Bar Egon  أحد قادة SPD، في منتصف الثمانينيات، والذي اقترح إعادة بناء نظام الأمن الأوروبي بالكامل بشكل جذري بعد توحيد ألمانيا، سواء بمشاركة الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة، لكن لم يرغب أحد، لا في الاتحاد السوفياتي ولا في الولايات المتحدة ولا في أوروبا، في الاستماع إليه.

علاوة على ذلك، واجهت العديد من الدول خيارًا مصطنعًا - إما أن تكون مع الغرب الجماعي أو مع روسيا، وفي الواقع، كان هذا إنذارًا نهائيًا، ويمكن رؤية عواقب مثل هذه السياسة العدوانية في مثال المأساة الأوكرانية لعام 2014، حيث دعمت أوروبا بنشاط الانقلاب المسلح المناهض للدستور في أوكرانيا، ومنذ أن بدأ كل هذا، تساءل الرئيس بوتين لماذا كنت بحاجة لفعل هذا؟ رغم موافقة الرئيس يانوكوفيتش بالفعل على جميع مطالب المعارضة. لماذا نظمت الولايات المتحدة انقلابًا، ولماذا دعمته الدول الأوروبية بشكل ضعيف، مما أثار انقسامًا في أوكرانيا نفسها وانسحاب شبه جزيرة القرم من تركيبتها؟

تسارع احداث العمليات السياسية في الجزء "الانفصالي" من فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، مثال على ذلك، أوكرانيا وحدها، التي تحولت بعد حصولها على الاستقلال إلى نوع من الملاعب الدائمة، تستحق الكثير، والنقطة هنا ليست على الإطلاق في "مكائد روسيا"، كما من الواضح أن العديد من السياسيين الأوكرانيين والأوروبيين يريدون التفكير، إن جذور ما يحدث أعمق بكثير - في المجال الروحي، وبالتحديد، في رغبة جزء من "النخبة" الأوكرانية للانفصال الحضاري، في معارضة أوكرانيا وروسيا، التي يتم التعبير عنها بشكل مقدس تقريبًا لـ "السياسيين المستقلين "الشعارات - التعويذات" أوكرانيا ليست روسيا "و" أوكرانيا هي أوروبا "، هذه التعويذات التي "تبرر" بعضها البعض، تشكل الشعار الرئيسي للانفصاليين الوطنيين الأوكرانيين، المصممة لتوفير الأساس الأيديولوجي والسياسي لـ "دولة مستقلة".

ومع ذلك، فإن المشكلة الأساسية لهذا الأخير هي بالتحديد أن هذا الشعار ينكر الواقع ويؤدي إلى عالم الوهم، إن حقيقة أن "أوكرانيا ليست روسيا"، بالطبع، ليست كذبة صريحة، علاوة على ذلك، فإن هذا البيان مشابه جدًا للحقيقة، لكنها تبدو فقط مثلها، فمن حيث الجوهر، إنها نصف الحقيقة، علاوة على ذلك، هذا مجرد نصف الحقيقة، والذي، كما يقولون، أسوأ من أي كذبة أخرى، فقد صُممت الدولة الأوكرانية بشكل مصطنع وفقًا للأنماط البلشفية وتم إخراجها من السياق السوفييتي في عام 1991، ولا تزال اليوم، بعد 30 عامًا، "غير مكتملة"، وذات سيادة مشروطة، وهذه حقيقة أساسية، وتأكيد عملي على أن أوكرانيا مستحيلة بدون روسيا وضدها، وبتعبير أدق، هذا ممكن فقط في شكل "فوضى مستقلة" وسوف يمثل دائمًا، إن لم يكن "نقطة مؤلمة"، على الأقل "مكانًا إشكاليًا" في القارة الأوروبية، ونوعًا من مساحة عدم اليقين، Zaporizhzhya Sich في وسط أوروبا، هذه هي الحقيقة الكاملة، وليس فقط ذلك الجزء منها "مقطوع" وفقًا لقوانين "المنطق المستقل"، التي يمكن لرؤساء "رجال الدولة" الأوكرانيين احتواؤها، ويجب على السياسيين الأوروبيين أن يدركوا أن قواعد الناتو في أوكرانيا لن تساعده بأي شكل من الأشكال في التحول إلى أوروبا، وأنهم في الواقع سوف يكونون موجهين ليس فقط ضد روسيا، ولكن أيضًا ضد أوروبا ككل، وإن إنشاء مثل هذه القواعد يعني تشويه الحضارة الأوروبية،و"المقالب المازوخية" بالنسبة للنخبة الأوروبية، على الرغم من "تقدمها"، ربما لا تزال أكثر من اللازم.

وبناءً على ذلك، يقول الكاتب الروسي سيرغي إيفانوف، انه لا ينبغي أن تواجه أوكرانيا أو البلدان الأخرى "خيارًا مصطنعًا - إما أن تكون إما مع الغرب الجماعي أو مع روسيا"، وإن صحة أطروحة الرئيس الروسي هذه تؤكدها الممارسة السياسية في السنوات الأخيرة أكثر من بيانها، لذلك، فإن التغلب على الانقسام المصطنع بين روسيا وأوروبا للحضارة الأوروبية أمر بالغ الأهمية حقًا، وتقترح روسيا اليوم استراتيجية مختلفة، تهدف استراتيجية الانفتاح إلى تحويل الاعتماد المتبادل الطبيعي والمؤسس تاريخيًا والمحدّد اقتصاديًا وثقافيًا بين روسيا والدول الأوروبية الأخرى إلى "اعتماد متبادل وبناء" على وجه التحديد، وعلى حد تعبير الرئيس فلاديمير بوتين تحديدًا، يجب أن يكون واضحًا أنه في عصر تواجه فيه أوروبا تحديات ذات نطاق حضاري حقيقي، لا يمكن أن يكون لاستراتيجية بناء "الاعتماد المتبادل البناء" بديل معقول.

الرئيس الروسي أراد في مقاله التحذير من تدهور نظام الأمن الأوروبي بأكمله بشكل خطير، وتتزايد التوترات، وأصبحت مخاطر حدوث سباق تسلح جديد حقيقة، وبالتالي يفقد الجميع الفرص الهائلة التي يوفرها التعاون، خصوصا وأن التاريخ الكامل لأوروبا الكبرى بعد الحرب يؤكد أن ازدهار وأمن القارة المشتركة والتي لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال الجهود المشتركة لجميع البلدان، بما في ذلك روسيا، لأن روسيا من أكبر الدول الأوروبية، والشعور بصلاتها الثقافية والتاريخية التي لا تنفصم مع أوروبا، والأهم من ذلك أنه مهم للغاية الآن، عندما يواجه الجميع تحديات مشتركة - الوباء وعواقبه الاجتماعية والاقتصادية الوخيمة -، لذلك فان روسيا منفتحة على التفاعل الصادق والبناء. وهذا ما تؤكده فكرة الرئيس بوتين المتمثلة في إنشاء مساحة مشتركة للتعاون والأمن من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، والتي ستشمل صيغ تكامل مختلفة.

 

د. كريم المظفر

 

علي الدباغباتت سيطرة طالبان بشكلها الجديد - الذي أنتجته جهود قطر والولايات المتحدة - على مفاتيح ومقاليد الحكم في أفغانستان مسألة وقت بعد ان قررت الإدارة الأمريكية انسحاب قواتها بعد عشرين سنة من الإستنزاف والصداع الدائم حيث خسرت اكثر من ٢٥٠٠ جندي وتكاليف مالية كبيرة. طالبان الجديدة والتي تم اعادة تشكيلها وانتاجها بقيادات مطاوعة تأخذ وتعطي وتتفاهم على دورِ أُنيط بها وهو محاربة داعش ومحاربة طالبان القديمة المتخاصمة، بخطط عسكرية أمريكية تمولها قطر الجاهزة دائما للدفع، بدلاً من الوجود الدائم للقوات الأمريكية وقوات حلف الناتو والتي لم تنهي وجود طالبان التي أنتجت وفرخت مجموعات متطرفة وهيأت حواضن دائمة لمجموعات الهنف والارهاب في منطقة الشرق الأوسط.

المهمة الجديدة لطالبان كانت نتاج إتفاق الدوحة وسنوات من إعادة انتاجها وبدأت عمليًا عند بداية انسحاب القوات الأمريكية ويتطلب منها إثبات قدراتها على الارض كجماعة مؤهلة للحكم وليس مجموعة مسلحة مناوئة للحكم تمهيدًا لصعودها لحكم أفغانستان، ومن المتوقع ان يُسهم عبد الله عبد الله بشراكة في الحكم معها ليكون أحد واجهاتها مع فريق يتقاسم السلطة مع طالبان الجديدة.

نهاية انسحاب القوات الأمريكية المعلن رسميًا سيكون ١١ سبتمبر القادم كنوع من تسويق انتصار وهمي للقوات الأمريكية التي اُستنزفت طيلة عشرون عاما في بلد عصي على الغزاة الأجانب عبر تاريخه الحافل بالحروب والتي لم ينجح اي غازٍ لها في السيطرة عليه والذي انتهى بتورط القوات السوڤيتية في مستنقع مُهلك تبعه مستنقع أعمق للقوات الأمريكية.

الولايات المتحدة هيأت تركيا (بدلًا من پاكستان غير المؤهلة ولا تمتلك قدرات مكافئة لتركيا) ليكون لها دورًا في الترتيبات الجديدة باعتبارها عضوا في الناتو ودولة صديقة لأفغانستان (على الرغم من ان طالبان تريد الاطمئنان ان وجود تركيا العسكري ليس وجودا ممثلًا لأمريكا او الناتو بل ان وجودها هو اتفاق بيني)، وبذات الوقت لا يخلق وجود قواتها في كابل أزمة كبيرة مع إيران التي يمكن ان تُربك الترتيبات الجديدة. إيران المتوجسة والقلقة من أي ترتيبات تجري في جوارها بدون مشاركتها لن تقف مكتوفة الأيدي في تغييبها أو ترتيب اوضاع معادية لها، فقد انتبهت لما كان يجري في الدوحة من إعادة تأهيلٍ لطالبان لذلك استدعت القيادات الجديدة لطالبان لطهران للتفاهم معها بضمانات وسلوك انعكس سريعا في تعامل طالبان الجديدة مع جماعة الهزارة الشيعية، ويعزي بعض المراقبين الهجوم الوحشي على مدرسة سيد الشهداء  للبنات في كابل بأنه رد من المجموعات المناوئة لطالبان الجديدة على دورها الجديد وتفاهمها مع إيران.

تركيا تعتبر وجودها في أفغانستان انتصارا ذو أبعاد مختلفة، فهي ستحقق - حسب الترتيبات القطرية الأمريكية- سلامًا ولو شكليًا بعد أربعون سنة من العنف في ذلك البلد وستسوق ذلك اسلاميا بما يخدم ايديولوجيا أردوغان الإسلامية، وفي احلامه كلاعبٍ عسكري بعد النجاح الذي تحقق لأذربيجان في ناغورنو كاراباخ، وقبلها في سوريا ودورها الفاعل، وستسوقه اورپيا كعضو مهم في الناتو يحتاجها وقت الشدة والحاجة ورأس حربة لا يتوفر بديلا لها في أعضاء الحلف في ملفات محددة بعد ان جنحت دول الناتو صوب اليونان في خلافها مع تركيا شرق المتوسط، وامريكيا بأنها دائما جاهزة لتحقيق ترتيبات تنقذ الغياب القادم لأمريكا في المنطقة التي تتهيأ لمواجهة النمو المتعاظم للصين. كل هذه الأبعاد لها أثمانها التي تطلبها تركيا وتريد تحقيق أعظم فائدة منها على الرغم من كل المخاطر المحدقة بالوجود العسكري التركي في كابل.

سيناريوهات امريكا وخططها في المنطقة لم يكتب لها اي نجاح عندما تتفرد في تنفيذها وتستخدم سطوتها وقوتها العسكرية، لكن هذه المرة إتكلت على قطر التي اثبتت قدرات ناجحة في مقاربة ملفات معقدة في المنطقة حيث تنتهج دبلوماسية دفتر الشيكات الجاهز دائماً.

 

د. علي الدباغ