قاسم محمد الياسريبما أننا بشر نتعامل في حياتنا مع المواضيع إعتمادا على تجاربنا الذاتيه ومعانيها الشخصية ومعيارنا الاخلاقي ستكون ماهية المواضيع نسبية لا مطلقة وأما المعنى الكامن وراء السلوكيات الفرديه سيكون متغيرا لا ثابتا وفق البيئة المجتمعية فكل منا يمتلك حياته الفكرية الخاصة به ويحاول إثبات وجوده في مجتمعه وفق منظوره الفكري وزاوية رؤيته للاحداث وإختلاف الأحكام التي تميزه عن الآخرين فجعلنا مصادرثقافتنا لكل فعل إجتماعي مختلفة عن الاخرين فاذا إختلفت أحكام الفاعل إختلفت صفات الفعل.. فنحن كأفراد نعيش اليوم في مجتمعنا حالة عدم رضا الذات ونجد صعوبة في التصالح مع ذواتنا وتلبية رغباتها ومطرقة الحياة واحتياجاتها وصعوباتها ووحشيتها تحيطنا من كل جانب والتي هي أسوا ماقد يمربه الإنسان في حياته حيث غالبا مايظهرعلى النفس بشكل أوبآخر إضطرابات نفسية تجعلنا غيرمدركين لما نريده بشكل واضح فتفاعل كل إنسان مع محيط حياته البيئية بكافة صورها يجعل تصرفاته في هذا التفاعل ينعكس داخليا على النفس وبمساعدة الجينات التي يحيط بها ضعف الارادة  فيجد كل فرد نفسه يعيش في صراع بين مطرقة الحياة وحاجاتها وإرضاء الذات ورغباتها أو إرضاء الآخرين وهذا يخلق تعقيدا داخليا يتضمن تضادا وصراع مابين الذات والآخرين في هذه الحياة مما يصعب ترتيب أوراق الذات الداخلية فيجد كل فرد نفسه وبدون وعي منه يعيش في حالة عدم الرضا عن ذاته وايضا يجد نفسه في سباق مارثوني يخوضه في حياته من خلال هذا الزمن الصعب المتغيروالذي أقسم أن يحبس أنفاسنا ورغباتنا التي نمنيها بالأمن والأمان بعيدا عن القلق ونحلم بالتفوق على كل الصعوبات التي تواجهنا. فاليوم نسبة عالية من مجتمعنا مصاب بهذيان نفسي وكأننا نتحدث مع ذواتنا ونلجا أحيانا الى أن نكتب أسطرمن حياتنا كقصص عن الزمن الذي كنا فيه نفرح ونحب ونتوادد بدفء ولذة وجدانية للاسف إنتهى برحلة تيه وضياع نعيشها اليوم إنه الهذيان النفسي الذي تراكمت نتائجه تحت مظلة هذه الحياة البائسة في هذا الزمن الخرب. فهواجسنا مافتئت تنفخ بتخوفنا فتدفعنا للوقوع في أكثرمن إنهيار في حسابات هذه الحياة وسط فقدان أحلام السعادة والتوادد والحب الذي صفقت لهم غرائزنا بقلوبنا وتسللت لها حمى عشق الحياة الحالفة أن تقبض على أرواحنا وتكتم على رغباتنا.. فتدهورت أحوالنا النفسية وأفضت الى نتائج كارثية جعلتنا نموت ببطئ وسط سلوكيات مضطربة متعددة ترتفع نسبتها مع مرور هذا الزمن الصعب واحداثه فزاد التفكيرمن حدة تأثرنا والتشكيك بأحاسيسنا.. إنه جنون من التحدي الذي يزج بنا الى سجن الاكتئاب وما محاولاتنا للتمرد على صوتنا المكبوت الذي وجد له ملاذا في جيناتنا الى جانب الصعوبات التي نواجهها والتخبط في واقع تحديات الحياة واحتياجاتها التي عصفت باستقرارنا النفسي.. وهنا لا يمكننا الحكم على رحلة حياتنا بالسوداوية بل هي الاضطرابات النفسية المتظامنة مع ضعف الارادة في الجيات وفقدان الرغبات بخراب النفس الذي نحمله يقودنا ويدفعنا الى التفكيركثيرا بالمجهول القادم بين كآبة ودموع وتقلبات مزاج تدفعنا للانحدار وعدم الإستقرار في حياتنا العامة وسط رعب وخوف فزجت بالكثيرمن أفراد مجتمعنا لإرتكاب حماقات وإقتراف أخطاء لا يمكن تجاهلها او الصفح عنها أو القفزعليها.. نعم إنها الحياة ولعبة الزمن المخيف التي تزين أحلامنا بموعدنا الآتي معها فأذا بها (تَضربُ أوتُضربْ) بفتح التاء اوبضم التاء لتنذرنا بما هو آت في هذه الحياة التي نحبها أكثر من أي شيئ في الوجود.ومشكلتنا أن هذه الحياة تعرف من أين تؤكل أكتافنا.وهي تضحك في وجوهنا نحن الحالفين أن نزهد فيها زهد الباحثين عن السعادة الحقيقية وهي تنظر إلينا أحيانا بنظراتها التحذيرية الواعدة وتارة ترجمنا بالحجر نحن المنقادين إليها إنقياد العبيد في زمن الجبابرة.. لقد بلغ بنا تشظي الروح وتمزق الذات مبلغه في رحلة الهوس الى أبعد مافي النفس من القدرة على العطاء فكيف لنا أن نتجاوزعقبة الخوف في سلالم التأمل بالنجاح والحذر من الوقوع في حفرة الفشل.. ففي ظل صراع وتسارع التفاعل مع محيط الحياة لإرضاء رغبات الاخرين الصعب مع إهمالنا لذواتنا ورغباتنا نحن.. فهل من الممكن مصارحة ذواتنا والتصالح معها حيث نظن إننا نفهم ذواتنا دائما بالقدرالذي يجعلنا نتوافق معها الحقيقة لا ليست كذالك لاننا لو نظرنا الى تصرفاتنا وسلوكنا بشكل أكثر تحليلا نجد أن طريقة تعاملنا في هذه الحياة مع رغبات النفس والاخرين هوالخيط الذي يكشف حقيقة ضعف الارادة في جيناتنا لأننا لم نعش بتناغم وإنسجام بين إنفسنا وسلوكنا إضافة الى صعوبة إتخاذنا القرارالذي يصنعه تفاعلنا مع بيئتنا الاجتماعية في محيط حياتنا فالذات لها رغباتها والحياة لها احتياجاتها التي لا بد منها بالتوازي في عالم اليوم كل لا يتجزأ لكن وبالتاكيد رغبات الذات أولا. لأن الحياة احتياجاتها حتمية وهي من يستدرجنا إليها كاستدراج الموت الى مقبرة الاجساد الهاربة من موعدها مع تراب القبر ومن هنا وجب علينا الإختيارمابين غرائزعزة أنفسنا وإذلالها نحن المتوددون الى مرمى أرواحنا كتودد العبد المسكين لسيده. ولا نبخل من القول في جنازة الرحيل الممتد على مساحة نعش الحياة مع كلماتنا الاخيرة بطلب الرحمة بعد أن يسدل ستار مسرح الحياة وينتهي فتح الباب للرياح الامارة بالانتصارالنفسي نكاية في شهوة الحياة تلك التي نستسلم لسوطها إستسلام الميت لحفار قبره.فباتت قناعتنا في هذه الحياة أننا مسيرين بإختيارنا ورغبتنا وارادتنا حتى نصل الى الموت ذالك الحاضرالغائب والحقيقة التي نحاول أن ننكرها أو نتهرب منها في دوامة الحياة واحتياجاتها ويبقى الموت يقبع بعيدا ينظرإلينا ويتصيدنا من وقت لآخر ليسلب من أرواحنا فرحتها فيطرق حياتنا بمطرقته فنتصدع أسفا على أحبة غادروا ورحلوا عنا ثم مانلبت أن نعاود الهروب بسلوكنا مع مغريات هذه الحياة ويعاود الموت يطاردنا لتدورعجلة الحياة هكذا على هذا المنوال كل منا ينتظر ساعته ولا خيار لنا سوى الإستسلام لأمواج الحزن في هذه الحياة  وصعوباتها التي تعصف بنا من كل جانب...

 

د. قاسم محمد الياسري

 

 

فارس حامد عبدالكريمالنُّكْتَةُ في قواميس اللغة هي (الفكرةُ اللطيفة المؤثِّرَة في النفس). ونُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ: أي (مُسْتَمْلَحَةٌ تُحْدِثُ فِي النَّفْسِ انْشِرَاحاً وَانْبِسَاطاً).

طبيعة ورمزية النكتة:

النكتة تقنية لغوية بالغة التكثيف بمضامينها المركزة صاغها عقل جماعي مجهول تقوم على عنصري المفاجأة والمفارقة التي تعج بها وقائع الحياة اليومية فيولدان حالة من الدهشة المقترنة بالمتعة التي يعبر عنها المتلقي بالضحك، وهو تأثير إيجابي.

انواع النكتة:

وتطلق على النكتة من حيث تأثرها، عدة اوصاف؛

نُكْتَةً مُسْتَمْلَحَةً: أي نَادِرَةً، تُضْحِكُ وَتَنْبَسِطُ لَهَا النَّفْسُ.

نكتة باردة؛ أي مُتكلَّفة لا حرارة فيها.

نكتة مبتذلة: أي تخدش الحياء.

نكتة سوداء؛ أي غير اخلاقية تطعن في الأعراض.

نكتة اجتماعية؛ تنال من المظاهر والتقاليد والمعتقدات الإجتماعية البالية.

نكتة سياسية؛ وهي شكل من أشكال المقاومة الثقافية تنال من الشؤون السياسية العامة بمظاهرها السلبية والتسلطية المختلفة.

دلالة النكتة:

ذهب ابن خلدون في مقدمته الى انه "إذا رأيت الناس تكثر الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أن الفقر قد أطبق عليهم، وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة، كمن يساق إلى الموت وهو مخمور".

أما الفيلسوف الفرنسي "هنري برجسون" فقد عرّف النكتة  بأنها "قهر القهر".

وفي مجال النكات السياسية يمكن التمييز بين نوعين من النكات:

اولهما؛ تلك النكات التي تطلقها الحكومات من خلال اجهزة متخصصة في مخابراتها وأجهزتها الامنية والمدروسة بعناية والتي تهدف الى تفريغ وامتصاص الغضب الشعبي وتحويله الى مجرد نكتة تنتهي بضحكة وضحكات عامة وبهدف ان يسلم النظام على رأسه. وتتنوع وسائل الدولة في ايصال نكاتها الى المواطن ومنها المسرحيات والافلام والبرامج الاذاعية والتلفازية فضلاً عن النكات المروية، وهذه النكات لاتمس شخوص السياسة ورموزها مطلقاً وانما تمس بعض الظواهر التي أثارت وتثير الغضب الشعبي مثل ازمة السكن والكهرباء والروتين الاداري، وقد تمتد لتشمل مجموعات او طائفة من الشعب غالباً مايثير ابنائها أو اتباعها حنق الحكومة ورجالها.

ثانيهما؛ النكات التي ينتجها الشعب من رحم معاناته وغضبه من السلطة العامة وأجهزتها سواء في الانظمة الديمقراطية او الانظمة الدكتاتورية مع الفارق،  هذه النكتة  قد يطلقها المواطن العادي او الصحف ووسائل الاعلام المعارضة.

 وعبر التاريخ كانت النكتة الشعبية تعبيراً صادقاً عن حال شعب مقهور بسبب ضنك العيش والفساد السياسي والأداري والاحتباس السياسي الناجم عن قمع الحريات العامة والاستبداد.

وعادة ما تمس هذه النكات الشخصيات السياسية ورجال الادارة العامة وسلطات الدولة المختلفة بشكل مباشر وبالأسم الصريح.

ومع ذلك فان للنكات التي يطلقها المواطنين طعم خاص فهل تمثل صرخة مدوية في مسامع السلطات ورجالها ولها تأثير قوي قد يهز وجود السلطة ويسقطها في نظر افراد الشعب، ولذلك تشدد الانظمة الدكتاتورية وكذلك البوليسية من العقوبات القاسية على مطلقي ومرددي النكات السياسية، وقد وصلت العقوبة في عهد النظام العراقي السابق الى الاعدام في سابقة غير مألوفة في العصر الحديث.

وقد شهدت الساحة العربية والعراقية العديد من الصحف والمجلات الساخرة ومن اشهرها مجلة المضحك المبكي السورية وحبزبوز العراقية، التي اغلقتها حكومة البعث في كلا البلدين بعد فترة وجيزة من تسلمها السلطة.

كما شهدت الساحة الفنية العربية والعراقية كتاب وفنانين كبار تخصصوا في الكوميديا السياسية سواء كانوا يمارسون عملهم بشكل مستقل او بإعتبارهم جزء من الاحزاب السياسبة المعارضة أو كانوا في حقيقتهم محسوبين على اجهزة الدولة السرية.

ومن هؤلاء عادل امام ودرديد لحام وسعيد صالح ونهاد قلعي ويوسف العاني واياد راضي.

يتضح ان النكتة السياسية سلاح ذو حدين فقد تستخدم كأحد الإجراءات للمحافظة على النظام السياسي وإمتصاص الغضب منه وتنفيسه وقد تكون احد وسائل الثوار لتقريع الانظمة الاستبدادية والفاسدة كجزء من عملية اسقاطها معنوياً تمهيداً لإسفاطها مادياً.

النكتة تتطوَّر ولا تُخترع:

يؤمن الفولكلوريون بأن النكتة لا يتم اختراعها ولكن تتطوَّر. وبحسبهم لا توجد نكتة محكية لأول مرة. فمعظم النكات المتداولة  تعود في أصولها إلى مئات السنين، ولكنها قد تظهر في كل مرة بثوب مختلف بحسب ما يخلع عليها الوسط الثقافي المتداولة فيه من مظهر جديد.

الفلاسفة والنكتة:

عبر التاريخ أحجم أغلب الفلاسفة عن دراسة النكتة والضحك بصورة متأنية، ويرجع ذلك لعدة اسباب من ضمنها المبدأ القائل إنه كلما كان الشيء ممتعاً كانت فلسفته أقل إمتاعاً والعكس صحيح. مثلاً الفن جميل ولكن فلسفة الفن مدعاة للملل، أما القانون فممل ولكن فلسفة القانون في غاية الإمتاع.

فرويد والنكتة:

وحسب سيگموند فرويد في كتابه «النكتة وعلاقتها باللاوعي» أن اللاوعي هو المسؤول عن صنع النكتة تماما كما هو مسؤول عن صنع الحلم. فالنكتة "آلية دفاعية" للتفريغ والتنفيس عن المكبوتات، فمن خلال الضحك والإضحاك يتمكن الفرد من التخلص من الضغوطات والاستدخالات النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها يومياً، وفي هذا الصدد يميز فرويد بين نوعين من النكت؛ الأولى؛ بريئة وهي تهدف الى المرح وصناعة السعادة لا غير، وهي مفرغة من أي خلفية محددة لأطرها المرجعية وأبعادها القصدية.

والثانية؛ غير بريئة وهي النكت ذات المحمولات السياسية والجنسية، ويتوجب فيها التمييز بين الظاهر والمضمر، وبين غاية الإضحاك المعلنة وغاية الترميز والتشفير، إذ يُطلب من سامعها وناقلها أن يفكِّك الرمز ويؤول الإشارة.

والنكتة غير البريئة المشفرة تكشف عن حقيقة سوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم وهو عواجه بالترميز كبت الحريات العامة وتشديد الرقابة على افواه الناس.

تاريخ النكتة

ورد في التاريخ الإغريقي، أن بلاميدوس، بطل حرب طروادة، هو أول من اخترع النكتة. وكان في أثينا حينئذ نادٍ كوميدي يسمَّى مجموعة الستين،  وتمت الإشارة الى كتاب واحد عن النكتة باللغة الإغريقية يعود إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي ويشتمل على 264 نكتة بعنوان الحبيب الضاحك (Philogelos). وقد أتت طبيعة النكات في هذا الكتاب مختصرة ومركزة مثل:

سأل حلاق أجيراً: كيف تريدني أن أقص شعرك؟

فأجاب الأجير: في صمت!!.

 ويجدر بالذكر أن هذه النكتة تُعد من ضمن أقدم عشر نكات مدوَّنة في التاريخ.

النكتة في التراث العربي والإسلامي:

للنكتة والفكاهة في التراث العربي والإسلامي تاريخ حافل وقد أجلى القرآن الكريم هذه الحقيقة حين بيّن أنها من دلائل عظمة الخالق جلّ وعلا؛ إذ قال: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا}. وقد قال الجاحظ (ت 255هـ/869م) –في كتابه ‘البخلاء‘- معلّقا على هذه الآية الكريمة: "فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت"؛ فكأنما الضحك حياة، والبكاء موت.

ويروي أبو سعد الآبي الرازي (ت 421هـ/1031م) -في ‘نثر الدر‘- أنه قُدّم طعام رديء اسمه "الكامَخ" إدامُ الخبز) لأعرابي فلم يستطبه، وقال ما هذا؟!

قالوا: كامَخ.

قال: ومن أي شيء صُنع؟

قالوا: من الحنطة واللبن؛ قال: أبوان كريمان فانظر ماذا أنجبا! ودخل أعرابي آخر المسجد والإمام في الصلاة يقرأ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ}، فقال الأعرابي: والكامَخ، لا تنسه أصلحك الله!!

وفي كتب التراث حكايات كثيرة شعرا ونثرا تتجلى فيها مظاهر الفكاهة في المجتمع الأموي، وقد شملت كافة طبقات هذا المجتمع  منها مما رواه ابن عبد ربه في ‘العقد الفريد‘. فقد ظهر لنا في هذا العصر ظرف الإمام الفقيه المحدّث الشَّعبي (ت 109هـ/728م) الذي كان يستخدم أسلوب التغافل الفكِه، وعُرف عنه المزاح فكان كثير السخرية من الحمقى.

ودخل يوما رجل أحمق على الشعبي وهو جالس مع امرأته في بيته فقال: "أيكم الشَّعبي؟ فقال الشعبي: هذه! وأشار إلى زوجته؛ فقال: ما تقول -أصلحك الله- في رجل شتمني أول يوم في رمضان، هل يُؤجر؟ قال: إن قال لك يا أحمق، فإني أرجو له"!!

وفي العصر العباسي يعد الجاحظ ذروة للأدب والأديب الساخر، ويلاحظ الباحث أحمد عبد الغفار عبيد -في ‘أدب الفكاهة عند الجاحظ‘- أنه "كان يستخدم الإطار الفكاهي ليوجّه نقداته الهادفة، وسُخرياته المرّة إلى الأدواء الاجتماعية، والنقائص الأخلاقية التي يراها فاشية في الناس من حوله".

وقد انتقد الجاحظ -بأسلوبه الممزوج بالسخرية ولغته الجزلة العذبة- أدواءً اجتماعية مثل الكذب والبخل وعجائب الظواهر الاجتماعية التي رآها في الشعوب؛ فتناول مثلا ظاهرة القُصَّاص والوعّاظ ممن لم يحصّلوا علمًا حقيقيًا وأوهموا العامة في زمنه بأنهم علماء لا يُشق لهم غبار، وكانت تصدر منهم أفعال وأقوال على قدر كبير من الغرابة والفكاهة.

قال الجاحظ: أتتني امرأة، وأنا على باب داري، فقالت: لي إليك حاجة وأريد أن تمشي معي، فقمت معها إلى أن أتت بي إلى صائغ وقالت له: مثل هذا ! وانصرفت.

فسأل الصائغ عن قولها، فقال: إنها أتت إلى تسألني أن أنقش لها على الخاتم صورة شيطان، فقلت لها: ما رأيت الشيطان لأنقش صورته !! فأتت بك وقالت ما سمعت !!!

وكان أبو كعب القاصّ يحكي ما في جُعبته بمسجد عتّاب ببغداد القديمة كل أربعاء، " ويروي ابن الجوزي (ت 597هـ/1200م) -في ‘أخبار الحمقى والمغفلين‘- أن أبا كعب هذا قال مرة في قصصه: "كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا؛

فقالوا له: إن يوسف لم يأكله الذئب!

قال: فهو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف!".

فإذا كان الأديب الفارسي عبد الله بن المقفّع (ت 142هـ/760م) أول رائد -في لغة الضاد- لهذا اللون الأدبي بترجمته لكتاب ‘كليلة ودمنة‘، الذي أورد جامعه على لسان أبطال قصصه من الحيوانات صنوفًا من الحكمة والأدب؛ فإن ذروة الكوميديا التشخيصية وُلدت مع ميلاد فن المقامات على يد بديع الزمان الهمذاني (ت 398هـ/1009م)، ثم من بعده الحريري البصْريّ (ت 516هـ/1122م).

وقد اشتُهرت شخصيات كوميدية في ذلك العصر مثل أبي العيناء وجحا والجمّاز وغيرهم. فقد عاش جُحا –أو "جِحَى: نوح أبو الغصن" حسب الصفدي (ت 764هـ/1363م) في ‘الوافي بالوفيات‘ الذي نسب إلى الجاحظ قوله إن عُمْر جحى "أربى على المئة"- بين القرن الأول والثاني الهجريين، وكان من أشهر أصحاب النوادر والفكاهة الشعبية في ذلك العصر وما تلاه.

وقد روى الدميري في ‘حياة الحيوان‘ أن والي الكوفة موسى بن عيسى الهاشمي (ت 168هـ/784م) مرّ على جحا يومًا وهو يحفر في منطقة صحراوية، فقال له: "ما بالك يا أبا الغصن لأي شيء تحفر؟ فقال: إني دفنتُ في هذه الصحراء دراهم ولستُ أهتدي إلى مكانها. فقال له موسى: كان ينبغي أن تجعلَ عليها علامة، قال: لقد فعلتُ، قال: ماذا؟ قال: سحابةٌ في السماء كانت تُظلّها، ولستُ أدري موضع العلامة الآن"!!

وروي ان جحا جالساً مع تيمورلنك ذات يوم. فقال تيمورلنك: إن الألقاب التي فيها اسم الله كالواثق بالله والمنتصر بالله تعجبني.. فهلا اخترت لي اسماً مثل ذلك يا جحا ؟؟

فقال جحا وقد ارتسمت على وجهة ابتسامة ساخرة: " اخترت لك اسم ( العياذ بالله)"!

القاضي البخيل) كان جحا في نزهة مع أصحابه، وبعد الطعام انصرفوا إلى بركة كبيرة يغسلون بها أيديهم فصادف أن زلقت رجل القاضي فوقع في البركة، فتسابق الرفاق لانتشاله قائلين: هات يدك.. هات يدك.. فلم يمد القاضي يده.. فصاح بهم جحا: لا تقولوا له هات فإنه لم يتعود سماعها، ثم تقدم منه وقال: خذ.. خذ يدي، فأخذ القاضي يده وأمسك بيد جحا ونجا !!

النكتة في إطار الصراع الايدولوجي والحرب الباردة:

روي عن الفنان الامريكي الساخر بوب تايلر انه سُأل ذات مرة عن سبب سبق السوفيت باطلاق مركبة فضائية  تدور حول الارض قبل امريكا؛ فأجاب ساخراً؛ لأن الألمان الذين لديهم أفضل من الألمان الذين لدينا!!!.

وفي المانيا النازية كلفت نكتة احدى العاملات من برلين حياتها، فقد وشت بها إحدى زميلاتها لأنها ألقت هذه النكتة: "كان غورينغ وهتلر في أعلى برج الإذاعة في برلين..وسأل هتلر ماذا يتعين القيام به لرفع معنويات سكان برلين فأجابه غورينغ: أرم نفسك".

وتقول إحدى النكات في عهد النازية أن "ليفي وهيرش التقيا في إحدى غابات إفريقيا.. فسأل ليفي: ماذا تفعل هنا؟ أجابه هيرش: أبحث عن العاج وأصطاد الفيلة، وأنت؟ فقال ليفي: لدي متجر أبيع فيه جلد التماسيح وأصطاد التماسيح.. هل تعرف ما حل بصديقنا سايمون؟ فأجاب هيرش: إنه فعلا مغامر حقيقي.. لقد بقي في برلين".

‎في الإتحاد السوفيتي يعود أب لستة اولاد متعب إلى المنزل بعد في نوبة عمل ليلية فيحيط به الأطفال ويطلبون اللعب.

يقول؛ حسناً، لنلعب لعبة تسمى الضريح حيث سأكون أنا لينين وستكونون انتم الحراس.

ونكتة تقول ان ماركس عاد الى الحياة وتحدث في الراديو دون ان يزيد على جملة واحدة "ياعمال العالم سامحوني".

وتتساءل النكتة الصينية لماذا تتحرك الشرطة الصينية دائما في مجموعة من ثلاثة أشخاص؟ ويجيب: يقولون إن الأول يعرف القراءة والثاني يعرف الكتابة والثالث يراقب هذين المثقفين،

دخل قاضٍ في محكمة بألمانيا الشرقية وهو يضحك دون توقف، ولما سأله زملاؤه بين نوبتين من الضحك قال لهم إنه سمع نكتة عن الحزب والحكومة، وعندما سألوه عنها، قال "لا أستطيع أن أقولها لكم، أنا حكمت على قائلها بثلاث سنوات".

بعد اشتداد وقع الحصار وفي الشتاء البارد القارص في نهاية التسعينيات واللافتات الرئاسية تملأ الشوارع وتشيد بالانتصار على امريكا وحلفائها الخونة المرتزقة العملاء‚ كان هناك رجل يترنح قهرا وجوعا في شارع السعدون أحد شوارع بغداد الرئيسية ويلبس ملابس رثة بالية يؤشر على سترته المهترئة ويصيح بأعلى صوته الله أيساعد امريكا... الله أيساعد امريكا. وعندما طوقوه رجال الآمن والمخابرات وسئلوه ماذا تقصد ب الله أيساعد امريكا؟ فأجابهم اذا أحنا أنتصرنا بالحرب وصار بينا هيج فلك  فشلون حال امريكا هسة خطية! وهيه خسرت الحرب كما يقول الريس!

في أحد رياض الأطفال في بغداد‚ قالت المعلمة: أعزائي الحلوين العراق جنة الله في الأرض ‚ غنية بالأكل والماء العذب وكل البضائع اللي يحتاجها ماما وبابا. وكل الاطفال فرحانين تغني وتلعب ويروحلهم بابا صدام ينطيهم نستله وجكليت ولعابات حلوة. وفجأة سمعت المعلمة بكاء طفلة في الصف. سألتها: هاي شبيج حبيبتي ليش دتبجين؟ جاوبتها الطفلة وهي تبكي: الله يخليج ست ‚ عفيه وديني للعراق!

وقيل انه ذات يوم روى شارلي شابلن نكتة أمام الجمهور  فضحك الجميع..

وأعادها للمرة الثانية، فضحك البعض فقط

وحين أعادها للمرة الثالثة، لم يضحك أحد !

بعدها علق قائلاً؛ إذا لم تستطع أن تضحك وتضحك لنفس النكتة، فلماذا تبكي وتبكي لنفس الهم والمصاب !؟

ويروى عن شابلن قوله (أكثر يوم تضيعه في حياتك، هو اليوم الذي لا تضحك فيه).

 

فارس حامد عبد الكريم

 

عصر التنوير عصر نشأت فيه حركة ثقافية تاريخية في القارة الأوروبية قامت بالدفاع عن العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة بدلا عن الدين.

"فولتير" (Voltaire) الذي عاش بين عامي 1694 و1778 هو من أعظم فلاسفة عصر التنوير.

هناك من لقب "فولتير" بأبي التنوير. ولئن أنكر عليه البعض هذه الصفة واختلف البعض الآخر في تحديد هويته الفلسفية فهذا لا ينفي، بدون أدنۍ شك، أنه خير شاهد علۍ عصره.

كان "فولتير" غزير الإنتاج في شتى المجالات. كان كاتباً مسرحياً، وروائياً، وشاعراً، ومؤرخاً، وفيلسوفاً. ما تركه من نفيس الأثر أصدق دليل على كونه ذلك.

من آثاره القيمة رواية "كانديد"  (Candide)‏ وهي رواية فلسفية من أشهر روايات الأديب الفرنسي والتي كتبها عام 1759.

نقد"فولتير" من خلال الرواية فلسفة التّفاؤل التي كان أحد رموزها الفيلسوف الألماني "ليبنتز" (Leibniz) عاش هذا الفيلسوف بين عامي 1646 و1716. هو صاحب مقولة أن " كُلُّ شَيءٍ سيَسيرُ إلى الأَفْضلِ في أَفْضلِ العَوالِمِ المُمكِنة".

لن نتناول رواية "كانديد" من منحاها الفلسفي العميق ولكن يهمنا أن نتطرق من خلالها إلۍ ما تضمنته فيما يتعلق بمفهوم التشاؤم وفي مقابله التفاؤل بماهما تعبيران عن تجربة شعورية.

تدور أحداث القصة حول شاب طيب، حد السذاجة، يدعۍ" كانديد". هذا الشاب عاش وترعرع في قصر خاله الذي عهد بتعليمه إلى أحد المعلمين. رسخ لديه معلمه فكر التفاؤل وحسن النية. تربۍعلۍ أن يرۍ الكون جميلا، أن يتوسم الخير في جميع الناس ويثق بهم وأن ينظر إلى الوجود نظرة إيجابية. لكن تبدلت حياته حين اكتشف خاله علاقته بابنته الجميلة فقام بطرده من جنة النعيم ليلقي به خارج أسوارها.

إلا أن ابتعاد "كانديد"عن العيش الرغيد لن يبدّل من تعامله المتفائل مع الحياة، حتى وإن وجد نفسه شريداً مفقرا.

لم يدفعه تبدل عيشه من النقيض إلۍ النقيض إلۍ التشاؤم بل كان يؤمن أن كل ما يعترضه من صعوبات له غاية فضلى.

في الحياة قد تعترضنا المحن شأننا شأن "كانديد" وقد نجهل للوهلة الأولۍ الغاية من الصعوبات ومن العثرات لكننا لو نظرنا إليها بعين التفاؤل سنرۍ حتما أنها تؤدي إلى الخير وسنقول إن كل ما يحصل لنا من مكروه، تأباه النفس، هو في أصله خير.

ولكن في مقابل التفاؤل، توجد نظرة أخرۍ إلۍ الوجود تراه بعين متشائمة.

مصطلح التشاؤم (Pessimism) مشتقٌّ من الكلمة اللاتينية "Pessimus" والتي تعني "الأسوأ". ويميلُ المتشائمون بشكلٍ عامّ إلى التركيز على سلبيّات الحياة.

في هذا نلاحظ أن الفلسفة التشاؤميّة هي الفكرة التي تنظُ إلى العالم بأسلوب يتّسم بمناهضةٍ كلية للتّفاؤل. المتشائمون الفلسفيون هم من العدميين الوجوديين الذين يؤمنون أَنْ ليس للحياة أيّ معنى أو قيمة جوهرية. حسب رأيهم فإن الوجود في حد ذاته بما فيه من أفعال ومعاناة ومشاعر هو أيضا بلا معنى. وما الالتزام العاطفي إلا عبء يثقل كاهل الإنسان ويزيد من معاناته.

بين ضفتي التفاؤل والتشاؤم نجد أنفسنا في وضعيات لا تكون مريحة. قد يعطيك التفاؤل شعورا زائفا بالأمان، وقد يعرضك لخيبات أمل في نتائج كنت تتوقعها أوفي أشخاص كنت تتوسم فيهم خيرا. انفتاح المتفائل علۍ الحياة والناس يجعله يتوقع الخير حتۍ في غير موضعه فيلبس القبح قناع الجمال.

كذلك التشاؤم يجعلنا ننظر إلۍ الوجود نظرة خوف وارتياب و نصبح لا نتوقع سوۍ الأسوأ. لسان حال المتشائمين يردد دائما أن "الدنيا دار شقاء".

لكن ونحن نتأمل شأن التشاؤم والمتشائمين نتبين أن هناك تشاؤما مفيدا. التشاؤم المفيد يأخذ ذلك التفكير السلبي إلى مستوى آخر جديد كليا ويسخره كوسيلة للوصول إلى النتائج المرجوة. هو ما يسمۍ بلغة علم النفس الاجتماعي"التشاؤم الدفاعي". لا يُعتبر التشاؤم الدفاعي أسلوب توقّع داخلي بل هو إستراتيجية معرفية تستخدم في سياق تحقيق أهداف معيّنة.لا ينطوي التشاؤم على اجترار الأفكار المتعلّقة بالنتائج السلبية المُحتملة إلا أن "التشاؤم الدفاعي" هو سلوك استباقي لمواجهة هذه النتائج. أن تكون متشائماً تشاؤما دفاعيا يعني أنك حين تخطط لأمر ما، تفترض الأسوأ، فلا يباغتك الفشل علۍ حين غرة. إن هذا التشاؤم الواعي الذي يسبق الفشل يجعلك متهيئا فيتيح لك أن تكون قادراً على تصور خطة جديدة أكثر نجاعة. إنه من الخطر أحيانا أن تبالغ في التفاؤل لأنّ ذلك من شأنه أن يؤدي إلى عواقب وخيمة. مثلا عند المراجعة للامتحان لا تتوقع أن تكون الأسئلة غاية في السهولة، بل توقع أنّها ستكون صعبة حتۍ يكون لديك الحافز لمراجعة الدرس بشكلٍ أفضل. هكذا يتيح لك التشاؤم الدفاعي أن تكون دائما مستعدا لمواجهة المصاعب المُحتملة.

صحيح أننا نعيش في عالم يجهز على معنى التفاؤل خاصة عندما لا نجد تفسيرا للشر الكامن في البشر لكن بالنهاية نحن لا نملك في مواجهة ذلك سوۍ أن نقول ما قاله "كنديد "في آخر الرواية وبعد رحلة الشقاء في أسوأ العوالم أنه "علينا أن نزرع حديقتنا". يعني ذلك أنه علينا أن لا نفسح المجال للمصاعب والخيبات كي تحتل ذواتنا وتننزلق بنا إلۍ هوة اليأس.

التفاؤل يجعلنا لا نقطع صلتنا بكل ما هو قيمي في الحياة كالطيبة والإيثار والعطاء. أن نتفاءل هو أن نزهر من الداخل ونسقي زهورنا لتنمو أكثر وتتفتح.

هذا لا ينفي أن الإفراط في التفاؤل قد يجعلنا كمن يمشي علۍ رمال متحركه وهو لا يعي خطورتها إلا حين تبتلعه، تلكم الرمال. كذلك الإفراط في التشاءم قد يحول حياتنا إلۍ توجس وريبة فتغدو بلا معنى.

الروائي الفلسطيني الكبير إميل حبيبي في روايته ذائعة الصيت“المتشائل”، الصادرة في حيفا العام 1974 دمج كلمتي تفاؤل وتشاؤم واخترع كلمة متشائل، تعبيراً عن حالة يجد فيها الواحد نفسه لامتفائلا ولا متشائما، فيميل إلى اتخاذ موقف وسط، التموقع في منزلة بين المنزلتين.

لعل اختبار الشعور ونقيضه يتيح للمرء إمكانية السيطرة علۍ نفسه عند الضرورة دون بكاء علۍ ما فات أو توجس مما هو آت.

 

درصاف بندحر - تونس

.......................

المراجع:

- رواية "كنديد أو التفاؤل" لفولتير. 

- كتاب "أبحاث جديدة فى الفهم الانساني" لغوتفريد فيلهيلم ليبنتز.

- رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" لإميل حبيبي.

 

القلم لفظ مشترك لمفهوم ذي مصاديق متعددة يتصدّرها القلم الذي ذكره القرآن الكريم في أول سورة منه كأوّلِ أداة تكمن أهميتها في تقييد العلم بالتدوين (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)[1]. أمر الله بالقراءة، ومن ثم الكتابة، وكأنه يؤكد على أن لغة الخطاب الشفاهية لوحدها غير كافية ما لم تُقيّد بالتدوين؛ فقرن القراءة بالكتابة حينما ذكر القلم لضرورته في تدوين ما يُقرأ. وأقسم به  الله جل وعلا في سورة القلم (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)[2]؛ ف(ن)-حسب بعض المفسرين- هي الدواة(المحبرة) أيّا كان نوعها، و(القلم) في الآية الكريمة هو القلم الذي نكتب به أيا كان نوعه. حرف النون هو الحرف الوحيد الشبيه بالمحبرة التي تُلازم وجود القلم؛ فمنها يستمد قوته لكي يكتب على الورق، (وما يسطرون)، وما يكتبون أو يعبّرون. والقرآن الكريم نزل بعد اختراع الإنسان القلم بصورته البدائية والدواة.

أورد العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره الميزان معنى القلم في الآية؛ موضّحا أن القلم هو مطلق القلم وما يسطر به من الكتابة، وقد أقسم به المولى؛ لأنه من أكبر النعم العظيمة التي وهبها الله لخلقه[3].

يُطلق لفظ القلم أيضا على أداة أوجدها الإنسان لتكون وسيلة التدوين لما يجول في خلده من مشاعر، وأفكار، ورغبات، وآمال، وآلام، وطموحات، ومنجزات، وعما يدور في محيطه من أحداث، ومن ثم توسّعت وظيفة القلم حتى صار يدوّن للإنسانية لغاتها، وأديانها، وشرائعها، ومعتقداتها، وتواريخها، وحضاراتها، وأحداثها، وعلومها، ومعارفها، وفنونها، ومنجزاتها، ويرسم به الإنسان نظم حياته السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، ويؤرشف في كل حقل منها. ويبقى القلم يكتب ما دامت الحياة البشرية.

ولضرورة القلم في حياة الإنسان فقد أوجده بصورته البدائية؛ فكان الإصبع هو باكورة تاريخ القلم؛ وأول قلم كتب به الإنسان، حينما كان يقتل الحيوان، ويغمس في دمه إصبعه، ومن ثم يكتب به على جلود الحيوانات، أو جذوع الأشجار، أو الأحجار، أو جدران الكهوف. وكانت الكتابة عبارة عن صور، ورسوم، ورموز للتعبير عن مراد الإنسان، واستمر الإنسان يرسم لآلاف السنين. ومن ثم نشأ القلم السومري في القرن الرابع قبل الميلاد أداةً للتدوين، في بلاد الرافدين؛ وكان بصورته الأولى عبارة عن عود قصبي كتب به السومريون على ألواح من الطين اللزج، ومن ثم تركوها لتجف تحت ضوء الشمس. السومريون تصدّروا العالم فدوّنوا أفكارهم، ونظرياتهم، ومعتقداتهم، ومنجزاتهم[4]. "أما خير ما فعله السومريون فهو أنهم انشؤوا وطورّوا بالتدريج طريقة للكتابة بقلم القصب، وعلى الطين، مكّنت الإنسان لأول مرة في التاريخ من أن يدوّن، ويخلّد أعماله، وأفكاره، وآماله، ورغباته، وأحكامه، ومعتقداته"[5]. "وازداد وضوح تدوين اللغة السومرية في ألواح الطين المكتشفة في جملة مواضع قديمة من العصر المسمى عصر فجر السلالات الثاني في حدود(2800-2700ق.م)"[6].

وتبع السومريين المصريون القدامى؛ فصنعوا القلم من نبات القصب منذ 5500 عام، والإغريق في بلاد اليونان كتبوا بريش الطيور في عام500 قبل الميلاد، وانتقلت أقلام الريش الى أوروبا، ومن ثم الريشة المعدنية في مدينة برمنغهام البريطانية عام 1830. وقيل أن عالم الكيمياء جابر بن حيان صاحب الريادة في اختراع فكرة قلم الحبر الذي يحتوي خزان صغير، لكن لم يُكتَب لفكرته من التحقّق في عصره. وللعالم العربي عباس بن فرناس فضل اختراع قلم الحبر في القرن التاسع الميلادي، وتطورت بعدها صناعة القلم بأنواع، وأشكال متعددة، ثم تطوّر القلم حتى صار يُصنع من الخشب المُحشّى بالرصاص، ومن ثم بالحبر السائل، والحبر الجاف[7].

والقلم الحديث تطور بألوانه، وأشكاله حتى بلغ اليوم صورته الأخيرة متمثلا بالنقر على لوحة المفاتيح (الكيبورد) في الأجهزة الألكترونية، وصار البعض يستغني عن النقر على لوحة المفاتيح ببرنامج الخطاب الشفاهي، وبدوره يكتب له الجهاز الألكتروني ما يرومه بالاستعانة بالبرنامج، وهو مُتداول الآن لتسريع الأعمال، ويستعين به كبار السن، أو من يعاني من مشاكل البصر.

وقد يُستغنى عن لوحة المفاتيح ببرامج جديدة تكتب دون الاستعانة باليد في المستقبل القريب، وما يدرينا لعل الكتابة في المستقبل لا تتطلّب الإملاء على الجهاز لكي يكتب؛ إنما مجرّد التفكير بشيء ما يكتب الجهاز من تلقاء نفسه، فالعلم كل يوم يكتشف، ويقدم لنا الجديد في مختلف الحقول.

قلم الكاتب فيه وجهان صائب وخاطئ؛ فالصائب له سمات عدة منها؛ الصادق، المبدع، الملهم، المصلح، المفيد، المخلص، الأمين، المُرمّم، البنّاء، الحر، المُجدِّد. والخاطئ له سمات عدة منها؛ الكاذب، الهدّام، الضار، الأجير، الغادر، الخائن، الجارح، المؤلم، المفسد، القاتل. فالكتابة هي نتاج القلم، ولها ألوانها، وآفاقها الشاسعة الممتدة بامتداد حياة الناس، والمختلفة باختلاف سجاياهم، وبصمات نفوسهم، وأنواع عقولهم.

القلم مادة جامدة؛ لكن فيه تتجسّد روح الكاتب فيبث المعنى في نفس وعقل المتلقي أو القارئ من أمواج إيجابية إن كان صائبا، أو سلبية إن كان خاطئا. كل ما يحمله القلم من أفكار الصواب، أو الخطأ من نفس وعقل الكاتب يتلقّاها القارئ؛ فتنعكس عليه بردود فعل إيجابية أو سلبية، فالقلم إما يُثري الأنفس والعقول بما يفيض عليها من أفكار نافعة وعلوم ومعارف، وما يعكس من كرم خُلق وسلوك قويم وفضائل وقيم ومثل أصيلة ومشاعر انطوت عليها نفس مُمْليها؛ أو يُحدثُ أضرارا وكوارث وفتنا ومعارك وحروبا، تنعكس على القارئ بالألم والضرر والضجر والخطر.

وظائف القلم

لا يمكن الإلمام بوظائف وفوائد القلم، ومهما عدّدناها فإنها ممتدة، وملازمة لاحتياجات البشر التدوينية التي تتوالد باستمرار، وتتكاثر. وفي كل أطواره وأشكاله يُمثِّل القلم منذ وجود الإنسان على الأرض أداةً الغرض منها تحرير الأفكار كيفما كانت بلغة خاصة من قالبها الداخلي الى قالبها الخارجي، بعد إنتاجها كليا في فضاء الكاتب المتضمن للنفس والعقل، ونقله الى فضاء القارئ.

وللقلم دور فعّال في حياة البشرية على صعيد الفرد، والمجتمع. على صعيد الفرد  يكمن دور القلم في كشف ذات الكاتب؛ ذاته التي تترقب منه المزيد من إذكاء الوعي والفهم وإحياء الأفكار، وتعديلها، وتنظيمها، والتأمل فيها، وتحليلها، وذلك باستحثاثه لشحذ قواه الذاتية لمواجهة جادة في الميدان الثقافي العام؛ لأنه يدخل في منافسة مع آخرين بنفس الاهتمام، ويتطلب منه تنمية ذاته الخاصة، وتطويرها بشكل مستمر دائم لتثبت بقوة، ولا تنهزم. شحذ القوى الذاتية يتطلب الاطلاع الدائم على منابع المعرفة التي تشمل اللغة والأفكار، لتنمية القلم، وإذكائه المستديم بالقراءة والكتابة الدائمين؛ لأن القلم يحرر النصوص الكاشفة عن هوية الذات، وصياغتها في قوالب لغوية معينة تختلف باختلاف الأفكار التي يتداولها الكاتب في فضائه، والنتيجة القلم كاشف عن هوية الكاتب، وبالتالي شخصه. والقلم وسيلة الدفاع عن النفس، فهو سيف الكاتب؛ والكاتب لا يحتاج الى سيف للدفاع عن نفسه كما قيل.

وتتعدد وظائف القلم للكاتب فبينه وبين صاحبه علاقة دينامية بالأخذ والعطاء، فالقلم يأخذ من صاحبه حينما يمده بالغذاء المعنوي الغني المفيد الذي به ينمو ويتطور؛ وهو- كما أوردنا - القراءة والتزود من منابع العلم والمعرفة، ويعطيه القلم بما يدوّنه ويرفده من كنوز المعرفة بمختلف حقولها وفروعها، فتتحقق السعادة لدى الكاتب؛ والسعادة التي يحققها القلم حين الكتابة فيها لونان من العطاء؛ الأول إضفاء شعور السعادة على الكاتب حينما يكتب بصدق ويقظة ضمير، والثاني هو وقع القلم على نفس وعقل القارئ حينما يكون مؤثرا؛ لأن القارئ يُشارك الكاتب إنجازه فتتحقق الفائدة لديه، ومن يكتب دون أن يتحقق شعور الفائدة، والارتياح، والسعادة على نفسه وعلى القارئ، فهذا يعني أن الكتابة تستنزف عقله ونفسه، فالكتابة الحقيقية هي التي تعطي، ولا تأخذ.

وعلى صعيد المجتمع فإن للقلم دورا فعالا في تدوين، وأرشفة حياة المجتمعات. وللقلم وظيفة مقدسة حيث دُوّنت به الكتب السماوية، وشرائع الأديان على اختلافها. أهمية القلم الكبرى هي حفظ أديان، وتراث، وتاريخ، وحضارات شعوب الأرض، ولولاه لما وصل الينا شيء منها.

يكتب القلم طبيعة حياة مجتمع ما، وتاريخه، وتراثه، وعاداته، وقيمه، ومنجزاته، وعلومه، وآدابه، وفنونه، وثقافاته؛ فيكشف لنا هوية ذلك المجتمع، وبصمته الخاصة، التي تميزه عن سائر المجتمعات الأخرى. وللقلم فضل كبير علينا فهو يرفدنا بمختلف العلوم في حقول المعرفة الشاسعة، وبكنوز الحضارات والثقافات.

وللقلم اليوم فائدة في مجال الطب النفسي، فالكتابة به إحدى طرق العلاج النفسي لبعض من الناس.أحيانا يكتب أحد ما باحثا عن مُتَنفَّس ليُفرغَ زفيرا اختنق فيه، ويستنشق عبر الصفحة أوكسجينا جديدا يتجدد فيه هواء النفس، فالكتابة تُفرغ أمواجه النفسية السالبة على الورقة، أو الصفحة الألكترونية، وبالمقابل تضفي عليه أمواجا موجبة. وفي هذا يؤكد أطباء علم النفس على ممارسة الكتابة لبعض من المرضى النفسيين؛ فهي وسيلة مهمة لإفراغ الأفكار السلبية، وتنشيط الذاكرة، وفتح آفاق جديدة عن النفس، والشخصية، والبيئة الاجتماعية المحيطة بالمريض. في هذا المضمار توصل جيمس بينبيكر الأستاذ في علم النفس الى اكتشاف مدهش، بعد أن حثّ مجموعة من الطلاب على الكتابة لمدة 15 دقيقة عن أكبر صدمة تعرضوا لها في حياتهم، أو موقف حرج مروا به، وأسدى نصيحته لهم بأن يطلقوا العنان لأفكارهم الدفينة، ويعبّروا عنها بالكتابة على الورق، وكرروا العمل لمدة أربعة أيام، بعدها رأى الأستاذ بينبيكر أن طالبا واحدا من بين 20 طالبا كان يجهش بالبكاء، ومع هذا فإنهم كانوا يُخيّرون ما بين التوقف عن الكتابة، أو مواصلتها؛ لكنهم كانوا يختارون مواصلة الكتابة على التوقف عنها[8].

القلمُ لسانُ النفسِ ورسولُ العقل

القلم كاشف لذات الكاتب، فالكتابة عملية نفسية وعقلية، والقلم فيها أداة فعالة فهو وسيلة النفس لإفراغ مخزونها من المشاعر والأحاسيس بصورها وألوانها، والكشف عن سماتها وطباعها، ووسيلة العقل للكشف عن هويته، وطبيعته، وأدائه، ومخططاته، وطروحاته. حين الكتابة تكتب النفس وما تنطوي عليه ويعتريها، والعقل وما يفكر به، فتنتج ثنائية النفس والعقل نصا خاصا جامعا يتجلى فيه أسلوب الكاتب في التعبير، والأسلوب هو مرآة الشخصية بكل عمل.

بشكل عام تجتمع خمسة عوامل لإنتاج النص هي النفس، والعقل؛ واللغة، والقلم، والقارئ؛ فالقارئ حاضر في ذهن الكاتب حين الكتابة. وقد لا تجتمع هذه العوامل كلها في كتابة نص معين عند كاتب معين، فليس بالضرورة أن يكون كل الكتّاب على وتيرة واحدة في التعبير وتدوين النصوص، كذلك يتبع ذلك نوعية النص المكتوب، وحقله الخاص. قد يكتبُ أحدٌ ما بلغة العقل؛ فهو قد يطرح موضوعا علميا بحتا، أو غيره بأي حقل، ويناقشه بمنطق عقله، لقارئ ما، أو لمجموعة خاصة، أو لعموم القراء. وقد يكتب أحدٌ بلغة النفس؛ فهو يكتب بما يجول في فضائها من مشاعر، وأحاسيس، وتصورات كيفما كانت، وبما تنطوي عليه نفسه لقارئ واحد، أو لمجموعة خاصة، أو لعموم القراء. وقد يكتب أحد بالنفس والعقل معا، والشعور الذي يعتريه هو الحفاظ على التوازن التام لإرضاء عدد لا بأس به من القرّاء. وقد لا تتقبل شريحة من القراء أسلوب طرحه لفكرة خاصة أو معالجتها. وأهم قوة مؤثرة للقلم هي مصداقيته في الطرح، والتحليل، والاستنتاح؛ فالقلم يمثل عقل الكاتب، وهوية نفسه، وكلما نقت سريرة النفس والعقل كان القلم صادقا، خالصا، نقيا، مؤثرا.

ويمكن القول إن من أجل الحفاظ على هوية القلم لكل كاتب هو فرض الرقابة الذاتية عليه لأنه أمانة بين يديه، والأمانة تقتضي الوفاء لها، والحرص عليها؛ هذا في حالة التفكير بكتابة في حقل خاص يحقق الفائدة للقراء. لذا فمن المهم الوفاء للقلم، ومراعاة الدقة في كتابة المعلومة، أو عرضها، أو ترتيبها، أو نقدها، أو تحليلها، وبذلك يكون الكاتب قد رفد القارئ والمتلقي رسالة نفسه وعقله معا، أو نفسه، أو عقله، وآخرها شخصه.

وتختلف أقلام الكُتّاب باختلاف شخوصهم واهتماماتهم، وتخصصاتهم، وثقافاتهم، فالجميع اليوم يكتب في مختلف العلوم النظرية والعملية، وفي مختلف الفنون، وتختلف تبعا لها أساليب القراءة لدى القارئ، وكل قارئ له قراءته الخاصة في حقل واحد، أو مجال واحد، أو في مجالات مختلفة. حينما نقرأ نصا مكثفا لكاتب معين، أو نقرأ نظريات لباحث، أو عالم في حقل نلمس قوة العقل لديه، أو نقرأ لأديب قصيدة شعر، أو نثر، أو خاطرة أدبية رائعة نلمس قوة الوجدان وسمو الإحساس لديه، أو نرى خريطة لمهندس خطّطها بقلمه نلمس قوة وروعة عقله الهندسي المنظم؛ وغير ذلك مما شاكل؛ فالقلم كاشف للطباع، والأفكار، والأحاسيس، والمشاعر، والطاقات، والمواهب، والإبداعات.

ما ينعكس على القارئ حين قراءة نص يعتمد على قوة التأثير عند الكاتب؛ وهي تتبع ذكاء الكاتب، وتنظيم عقله، وأسلوبه في طرح الفكرة، ومن ثم إخراج نصه الى عالم القارئ. وكل قارئ يتأثر بنوع معين من الكتابة، وللكتابة أنواع وألوان. في هذا المورد يقول الروائي ف. كورولنكو:

"يجب على الفنان أن يشعر دوما بالآخرين، وأن يلتفت ليس في لحظة الإبداع ذاتها؛ بل بعدها ليعرف ما إذا كانت فكرته، شعوره، شخصيته، تستطيع أن تقف أمام القارئ، وتصبح فكرته هو، شخصيته هو وحده، يجب عليه صقل كلمته بحيث تستطيع أن تقوم بهذا العمل حالا أو فيما بعد، أما إذا كانت مغلقة في حيز إرضاء الذات المنعزل فإنها تأخذ بالاضمحلال، تفقد القدرة والحيوية، تهزل، أو تتوجه الى أمزجة أحادية الجانب واستثنائية ذات صفة غريبة محضة"[9].

اختلاف أساليب الكتابة تتبع اهتمام الكُتّاب وتخصصاتهم، مع علمنا بأن بعضا من الكُتّاب يكتب في مجاله، وهو مفهوم لدى فئة خاصة من القراء لكنه غير مفهوم لأخرى. وقد نلمس أحيانا في أسلوب لكاتب الوضوح، والمصداقية العميقة، وملامسة نص الكاتب قلب القارئ، للحد الذي يشعر أن شخصية الكاتب عارية أمامه، لكن في أسلوب لكاتب آخر نلمس الغموض والإبهام، واختباء الكاتب خلف السطور لدرجة لا يكشف للقارئ ماذا يروم، لكن لا ننكر أن بعض الكتاب يكتبون لفئة خاصة تفهم ما يقصدونه ربما.

الكتابة عالم كبير كان فيما مضى مهيبا كونه مقتصرا على أهل الفكر، ومن يتوّفر على موهبة التعبير، لم يلجْه من هبّ ودبّ؛ لكن عالم الكتابة اليوم لم يعد حكرا على أحدٍ فالأغلبية اليوم اقتحمته، فكتبت، وتكتب بما راق، ويروق لها.

نقرأ كل يوم في الكتاب الورقي، أو الألكتروني، أو في منتديات العالم الافتراضي ما تتكرّم به أنامل الكتّاب والباحثين، أو المشتركين؛ بعض يكتب حسب اختصاصه؛ أساتذة علوم نظرية وتطبيقية. وبعضٌ أخرُ يكتب، وينشر ما طاب له مما هو نافع، أو مسلٍّ، أو ضارٍ أو مؤذٍ؛ ولا ننسى أن الكتابة إحدى صور العطاء ومن يعطِ يكُ حذرا حين يُعطي، وأسعد لحظة للكاتب حينما يكتب بصدق، ونقاء ضمير يقظ، والقلم كاشف عن الذات.

نستنتج مما تقدّم أن القلم أداة كاشفة عن جزء لا بأس به من بصمة شخصية الكاتب؛ فمراحل تكوين النص تشرع بدءاً بالنفس والعقل وما ينطويان عليه، ومن ثم ينتقل النص الى مرحلة الصياغة في قالب لغوي خاص يعبّر عنه القلم، الذي يفضي بالنص الى فضاء القارئ، والقلم أيضا أداة كاشفة عن بصمة كل مجتمع من المجتمعات البشرية.

أحيانا نقرأ كتابا يُغنينا عن عشرات الكتب، وبعض المنشورات، أو الأعمدة القصيرة تغني القارئ عن قراءة عشرات الصفحات في مختلف حقول المعرفة، وتتحقق لديه ثقافة عامة، وحتى بعض الحوارات تُغني عن قراءات كثيرة.

وأحيانا نقرأ سطرا واحدا يكتبه خبير في حقل ما يغنينا عن قراءة صفحات كتبها آخر غير مختص في نفس الحقل. وقد تكمن مشكلة في بعض الكتابات؛ وهي أن كتّابها ليسوا ذوي دراية واختصاص في حقل معين؛ وحين يطرحون، أو ينظّرون فيه يظهر تشويش وخلط فيما يطرحون، وقد يتلقّاها بعض القراء على أنها مسلمّات يمكن الأخذ بها.

يمكن لأيٍ منا طرح آرائه وأفكاره الخاصة إذا كان متخصصا في مجال نظري، أو عملي، وقد يكون مبدعا في حقله لو استطاع التعمق فيه أكثر؛ فيحقق فائدة لنفسه ومجتمعه؛ فالمجتمع يحتاج النظر، والعمل في مختلف الحقول؛ لأجل النمو، والتطور، والتكامل. لنترك الحقول التي لا علم لنا، ولا دراية تامة بها لأهل الاختصاص فهم أدرى بها، وأكثر فهما واطلاعا.

كل ما تقدم كان، ويكون، وسيكون، وسيبقى بفضل القلم، الأداة العظيمة التي منحت الإنسان القدرة على تجسيد كل ما يجول في داخله، وخارجه بالتدوين، وحفظت علومه، ومعارفه، وتاريخه، وحضاراته منذ فجر التاريخ، ولليوم الأخير من حياته.

في العالم الافتراضي اليوم الجميع يكتب بما شاء ويشاء، لكن تبقى ضرورة لمن يكتب، هي أن يضع نصب عينيه السكينة النفسية والعقلية للقراء، رفقا بهم فالعالم الافتراضي مُرهق للنفس، والعقل دون رحمة.

 

إنتزال الجبوري

.............................

[1] العلق- الآيات 3-5.

[2]  القلم- 1.

[3]  أنظر: الطباطبائي، السيد محمدحسين. الميزان في تفسير القرآن، ج19، ص377-378.

[4] أنظر: القلم من الدم الى الحبر. موقع صحيفة (البيان)(23/1/2010).

[5]   كل شيء من الماء والقصب. صحيفة العالم الجديد (4/2/2016).

[6]  باقر، طه. مقدمة في تاريخ الحضارات، ج1. بيروت: دار الوراق للنشر، ط1، 2009، ص78.

[7]  كل شيء من الماء والقصب. صحيفة العالم الجديد(4/2/2016).

[8] موقع ب.ب.س الألكتروني.

[9]  مينا، حنا. كيف حملتُ القلم. بيروت: دار الآداب، الطبعة الأولى، 1986، ص27.

 

 

داود السلمانمقدرات الإنسان الفكريّة والذهنيّة لم تقف عند حدّ، بل هو دائم المسعى في تذليل الصعاب، يفكر بعقله ويتأمل بذهنه، ويعمل بكلتا يديه.

ومن ذلك وفي مرحلة من مراحل حياة الإنسان المتدرجة، داهمه التفكير وراح يفكر بكل ما يراه شاخصًا أمامه ويتراءى له، في الكون، وفي الوجود، وفي السماء، وفي النجوم التي تظهر في السماء، بل وفي كل الشيء، وهي ما نطلق عليها بـ "مرحلة التفلسف". والتفلسف يعني حرية التعبير والبحث والإنتاج المعرفي، التفلسف يعني البحث عن الحقائق، فالفلسفة ما هي إلّا الرغبة الطبيعية في طلب المعرفة لذاتها، ومنها انطلق اسم الفلسفة على كل علم يصل إليه العقل عن طريق النظر الفكري بعكس الأيمان الإلهي، الذي يعود الى الغيبيات والماورائيات.

والفلسفة بدورها وتوقظ الفكر المنطقي للوصول الى حقيقة موضوعية متسلسلة، وذلك بالاستدلال الصحيح والفهم والتركيب والتنظيم والتحليل والتصنيف، وبالتالي لنصل الى نتيجة موضوعية وهي المبتغى. والفيلسوف هو إنسان لا يخاف من الأسئلة الكبيرة: من أين جئنا؟ والى أين نحن ذاهبون؟ وهل ثمة مدبّر للكون؟.

وفي كتاب "مبادئ الفلسفة" الأستاذ "رابوبرت" معنى «يتفلسف» أنه يبحث في ماهية الأشياء وأصولها وعلاقة بعضها ببعض، وليس يخلو إنسان من هذا العمل وقتًا ما، فساغ لنا أن نقول: إن كل إنسان متوسط الفكر يتفلسف، وإن كل الناس فلاسفة إلى حدّ ما، مع تفاوت فيما بينهم، إلا من استعبدته شهواته، إلا أن كلمة «فيلسوف» إذا استعملت بدقة لا تطلق على من ينظر إلى الشيء أحيانًا فيتأمله ويفحصه أو يشك فيه، ثم يرى فيه رأيًا يعتقده ويتمسك به، بل كما أنَّا لا نسمي زجَّاجًا ولا قفَّالًا من أصلح في بيته لوح زجاج كُسِرَ، أو عالج قفلًا فَسَدَ، إنما الزجَّاج أو القفَّال من اتخذ ذلك العمل حرفة في حياته، ولم يقتصر على التعليم الصحيح، بل أكسبته المثابرة على العمل مرانة وبراعة، وعرف كيف يصل إلى نتيجة خير مما يصل إليها غير المتمرن بجهدٍ أقلَّ من جهدِه، فكذلك لا نسمي فيلسوفًا إلا من كان أهم أغراضه في حياته درس طبائع الأشياء وتعقلها، وعُدّته في ذلك فِكْره، وكان له بمزاولة ذلك قدرة على إدراك الأشياء بسرعة، وكما أن الصنّاع على اختلاف أنواعهم يعرفون دقائق عملهم، وإن شئت فقل ينبغي أن يعرفوا ذلك، وأن يكونوا على علم بأحدثِ ما اخترع مما يتعلق بعملهم، كذلك الفيلسوف المتخصص للفلسفة يجب أن يعرف ما وصل إليه مَنْ قبلَه، وما قالوه في المسائل التي تشغل فكره.

وبصورة عامة فالفلسفة، كما عبّروا عنها، هي حُب الحكمة؛ "فإذا كنت تعتقد أنك تحب الحكمة، فإن الفلسفة هي المجال الذي يُفترض أن تدرسه. ولكن ما هي الحكمة التي تُعلِّمُنا إياها الفلسفة؟ بالنسبة إلى سقراط، وتقريبًا كل الفلاسفة القدماء الذين جاءوا من بعده، الحكمة التي تعلمنا إياها الفلسفة تتعلق بما قد يعني عيش حياة بشرية طيبة. وكان بديهيًّا في معظم الأفكار الفلسفية القديمة أن الحياة البشرية الطيبة تكون أيضًا حياة سعيدة. وفي إطار هذا التصوُّر - الذي يوجد تعبيرٌ واضحٌ عنه لدى أرسطو، ولكنه يكون مفترضًا من قِبل المدارس الهلينستية اللاحقة مثل المدرسة الرواقية - فإن الفلسفة تسمح بتحقيق أعلى درجة من السعادة، وهي حياة التأمل الزاهد؛ ومن ثَمَّ فإن الفلسفة هي الحياة التأملية، الحياة التي توضع قيد الاختبار والفحص، ويصير الافتراض أن الحياة غير المختبرة لا تستحق أن تُعاش. وبالتالي ينبغي أن تشكِّل الفلسفة البشر، لا أن تعلِّمهم وتوجِّههم".

والتفلسف اليوم وصل إلى أوجه، بعد أن تطوّرت الفلسفة وأصبحت هناك مدارس فلسفية واتجاهات فلسفية أخرى، وتعتني بالفلسفة ودراستها دراسات موضوعيّة. فالفلسفة هي اليوم ليست بالأمس، أي قبل الف عام أو تزيد قليلا، حيث ازدادت الاتجاهات الفلسفية على ما هي عليه قبل ذلك العهد. فهناك الاتجاه العقلي. الاتجاه التجريبي، الاتجاه النقدي، الاتجاه التحليلي، والاتجاه البراغماتي، والوجودي وغير ذلك.

وثمة من تحدث عن أهمية الفلسفة من خلال مفهومين: من جهة أهميتها للفرد، ثم من جهة أهميتها للمجتمع، بالنسبة للفرد تكمن أهمية الفلسفة، في مساعدتها للفرد على معرفة ذاته والعالم وفهمهما، ثم تنمية قدرته على التفكير، واستثمارها من أجل إيجاد حلول للمشكلات التي تعترضه في حياته اليومية أو المهنية أو غيرها، كما أن الفلسفة تشبع الرغبة الطبيعية للفرد في اكتساب المعرفة وتحصيلها. أما فيما يخص أهميتها بالنسبة للمجتمع، فإننا نجد أغلب المؤسسات المدنية تعتمد على الأفكار الفلسفية في صياغة قرارتها التنظيمية وغيرها، كما أنها تمثل إحدى ركائز بناء الحضارة الإنسانية، فالتفكير الفلسفي يمكّن الانسان من نقد وتحليل الواقع الاجتماعي وعلاج مشكلاته، إضافة إلى ذلك، نجد بأن الأنظمة التربوية تعمل على بناء الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع، لاسيما المجتمعات الناهضة والمتطورة، التي تنظر الى الحياة إلى انها آخذة بالتطور مع تقدم الزمن.

واذا تطرقنا الى الفلسفة الحديثة والمعاصرة سنرى أنّ الفلسفة قد تشعبت حتى لقد عالجت هذه الفلسفة، قضايا فكرية معقدة وعويصة، وبزغ عن ذلك فكر أصيل ينظر الى المستقبل، فضلا عن الحاضر نظرية تفاؤلية، نظرة دحضت جميع الأفكار القديمة والنظريات المستهلكة، فضل عمّا توصل اليه إنسان اليوم من فكر ثر استوعب جميع الأسئلة المطروحة على سوح الفكر الفلسفي، نتيجة تطور عوامل الزمن، وتقدم العلوم الحديثة وفق آيات جديدة، ومناهج متقدمة، وأطر واسعة، فأن عقلية إنسان اليوم هي ليست عقلية قبل مئات السنين، يوم كان الإنسان ينظر من منظار ضيق الى القضايا المطروحة على الساحة الفكرية والفلسفية.

فمثلا قد تأثر نيوتن بالفلسفة الميكانيكية، وكان يفكر بميل القمر للانحسار، كما افترض وجود مدار دائري وعلاقة مربعة عكسية تساوي وتضاد بعض القيود الميكانيكية غير المعروفة لنظرية كبلر الثالثة، ووضع معادلة قوة الطرد المركزي التي تنص على أن" قوة الطرد المركزي على الجسم الدوار تتناسب طرديًا مع مربع سرعته وعكسيًا مع نصف قطر مداره". وكانت نظرية نيوتن للضوء قائمة على أن الضوء على خلاف الصوت ينتقل على شكل خطوط مستقيمة.

أما ما طرحه رينيه ديكارت في الفكر الفلسفي فهو ما لا يختلف عليه أثنان وتوصل ديكارت في وقت مبكّر  إلى منهج خاص، وقد ظهر هذا المنهج بأشكال متنوّعة في عمله بمجالات الرياضيات والفلسفة الطبيعية والميتافيزيقا، وفي المرحلة الأخيرة من حياته ضمّنه منهج الشكّ، أو ألحقه به. وفي أيّام ديكارت كان المثقّفون يعدّونه من كبار علماء الرياضيات، وعالمًا استطاع أن يطوّر فيزياء (أو نظرية للطبيعة) جديدة وشاملة لا تستثني الكائنات الحية، وفيلسوفًا اقترح ميتافيزيقا جديدة. وفي مرحلة من مراحل حياته اكتشف ديكارت الفكرة الرئيسية التي تتيح الهندسة التحليلية، وهي تتلخّص في تقنية وصف الخطوط، مهما كان نوعها، باستخدام معادلات رياضية تتضمّن نسبًا بين الأطوال.

ثمُ جاء بعد ذلك إيمانويل كانت بمنهج جديد هو المنهج النقدي، وبه غيّر كانت طبيعة الفلسفة الحديثة تغييرًا جذريًا، وأثر منهجه في الفلسفة المعاصرة، إذ أحدثت ما أسماه الفلاسفة، الثورة الكوبيرنيكية في مجال المعرفة، سواء على مستوى المنهج أو التصور أو المضامين والنتائج، ففلسفته اتسمت بالنقد، نقد العقل المحض، وتبيان حدوده، ونقد المعرفة، بإبراز شروط إمكان تحققها، انتقد الخلط بين مجال المعرفة النظرية والتطبيقية، حيث العلوم الطبيعية، ومجال الديني- الأخلاقي، دافع عن العقل التنويري المنفتح، وفضح تناقضات الفكر الميتافيزيقي، كاشفا عن عيوبه وأوهامه وتهافته، واصفا الميتافيزيقا بالعجوز الشمطاء التي كانت تتباهى بجمالها، وقد صارت الآن منعزلة عن العلوم، بينما العلوم الطبيعية تتقد وتتقدم بشكل رهيب، انتقد كانت الأخلاق السائدة، هدفه إعادة فهم وتأويل علاقة الدين بالفلسفة، والدين بالإنسان، منتقدا الممارسة الدينية التعسفية، ساعيا إلى إعادة تأسيس الدين على ضوء مبادئ الأخلاق العملية، حيث العقل العملي والإرادة الخيرة والأوامر الاخلاقية المطلقة وغير المشروطة بمنفعة ذاتية أو غيرية.

ولا ريب في أنّ كانْت كان فيلسوفًا عقلانيًّا إلى حدٍّ مفرط، يترك مساحةً قليلة جدًّا للاهتمامات التي تعطي معنًى لحياة الناس، لكن في تعيينه لحدودِ ما يمكن للفلسفة أن تزعمه بطريقة مبررة، فإنه يكون مدفوعًا أيضًا باتجاهٍ يتجاوز تلك الحدود.

 

داود السلمان

 

المقدمة: من بين القضايا المهمة التي تتعلق باللغة الفرنسية في الوقت الحاضر قضية أوضاع هذه اللغة في إطار التعليم الجامعي، ومنها أوضاعها في الأقسام غير المتخصصة في كلية اللغات (قسم اللغة الانكليزية)، ولعل ابرز مظاهر هذه الأوضاع، تدن  حاد في المهارات اللغوية المكتسبة من قبل الطلبة، وعزوف بعضهم عن الاهتمام بدراستها، وقد أجمعت دراسات وبحوث كثيرة تناولت هذه الإشكالية في  الكليات التي تدرس فيها اللغة الفرنسية  للطلبة غير المختصين على أن الإشكالية في إطارها العام ناجمة عن عوامل كثيرة بعضها، يتصل بالطلبة وأساليب التدريس، وواقع التعليم، فيما يتصل بعضها الأخر بالظروف الذاتية والموضوعية المتصلة بالتعليم الابتدائي والثانوي.

مظاهر المشكلة في كلية اللغات

من خلال تجربتنا البسيطة في تدريس  اللغة الفرنسية في الكلية، لمسنا خلالها أن هناك موقفا عقليا ونفسيا تجاه أهمية اللغة الفرنسية وقيمتها وضرورتها في حياة الطلاب الخاصة والعامة، وهذا الموقف هو ثمرة تجارب بعض الاساتذة في تعلم الفرنسية منذ المراحل الأولى للتعليم الثانوي، وما تزال هذه التجربة  تتأكد نتيجة ما عليه طرائق تدريس هذه المادة حاليا في الجامعة سواء أكانت  منهجا  أم أساتذة وظروفا عامة تحيط بكل ذلك، وقد أضيفت إليها في كلية اللغات نظرة بعض زملائنا من أساتذة القسم إلى ما عليه تدريس تلك المادة (كاختصاص ثاني) من فشل، فصار بعضهم يتندر بها ويعدها عالة على موادهم العلمية في جداولهم الدراسية، ومما يواجهون به من التسرب الملحوظ والتغيب عن حضور محاضرات الفرنسية، ومن ثم ما تؤول إليه النتائج عند نهاية العام الدراسي . أما الأسباب المباشرة الدقيقة التي تتعلق بتدريس اللغة الفرنسية فنعتقد أنها ناجمة عن عدة أسباب موضوعية وذاتية.

أولا: الأسباب الموضوعية

تتصل هذه الأسباب بما يأتي:

1- ضيق الإطار الزمني المحدد لتدريس منهج اللغة الفرنسية.

2- غياب المناهج الحديثة.

3- ضخامة أعداد الطلبة وافتقاد الوسائل اللازمة للعملية التعليمية

4- غياب وسائل الإيضاح.

إن هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى إضعاف جهد الأستاذ وتبديد طاقته دون جدوى.

ثانيا الأسباب الذاتية

وتتصل بمفردات منهج تدريس اللغة الفرنسية، وأساليب التدريسي في تبسيط المادة وقدراته على استثارة فعالية الطلبة وترغيبهم بمفردات المنهج وجدواها لتخصصهم اللغوي، ويمكن تشخيص محورين رئيسين في هذا المجال:

1- ازدحام مفردات منهج تدريس اللغة الفرنسية بموضوعات غير وظيفية، أي لا يحتاج إليها المستخدم في حياته العلمية والعملية.

2-  فقدان الربط بين اللغة الفرنسية ومجال التخصص في الكلية، وغياب الأساليب الصحيحة في التدريس وترغيب الطلاب.

مفردات المنهج

إن تفحصا دقيقا لمفردات منهج تدريس اللغة الفرنسية في قسم اللغة الانكليزية في ضوء المعطيات المتوافرة يكشف عن أن هذه المفردات ولاسيما ما يتصل منها بمادة اللغة والقواعد النحوية لم تعد بشكل جيد، وليست واضحة المعالم والأهداف فهي قد وضعت بشكل متسرع ولا تلبي الحاجات الفعلية الدقيقة لتخصص الطالب في اللغات الأخرى ويمكن إجمال هذه المفردات وكما يأتي:

مفردات النحو والقواعد واللغة:

فالقواعد النحوية واللغوية التي ندرسها في قسم اللغة الانكليزية تستند إلى أشكال المقاربة الصورية أو القاعدية  القديمة ولا تعدو أن تكون في ضوء اللسانيات الحديثة موضوعات مجردة ليس إلا، فهي أقرب إلى كونها بنية مجردة،  أما المقاربة الوظيفية أو مقاربة المعنى التي يدعو إليها كثيرون في ضوء اللسانيات الحديثة فترى أن اللغة من الممكن أن تسخر لتحقيق التواصل داخل المجتمعات البشرية لأن العبارات اللغوية في ضوء ذلك تعد وسائل تستعمل لتأدية أغراض تواصلية وتمتلك حساسية شعورية ومعنوية وإنسانية، إن المنحى الوظيفي أو الواقعي في تدريس اللغة وقواعدها يعطي زخما تدريبيا يحول القواعد إلى أساليب ومهارات ملموسة ويسوق أصحاب الاتجاه الوظيفي  في تدريس اللغة .

المقترحات

1- تنمية معارف الطالب اللغوية وتدريبه على امتلاك الوسائل التي تُعِينه على التحليل اللغوي، والمقابلة بين اللغة الفرنسية واللغة التي يدرسها، ومعرفة الفروق النِّظامية بينهما، لأن ذلك سيعينه على الترجمة إذا ترجم، وعلى تعليم إحدى اللغتين إذا علم.

2- التركيز على النحو الوظيفي، وربط أمثلته بالحياة المعاصرة.

3- تقليل أعداد المجموعات الطلابية.

4- إعادة النظر في مفردات منهج اللغة الفرنسية في هذا  المجال، وتحديد الأهداف العامة لمادة اللغة الفرنسية العامة، والأهداف الخاصة لكل عنصر من عناصرها الآتية:

أ) التحصيل المعرفي.

ب) الأداء الوظيفي.

ج) التذوق الجمالي.

5- تكليف الطلاب بمحاولة الترجمة في الصفوف التي يمارس خلالها الطلبة مادة الترجمة، لاسيما في  السنتين الأخيرتين من كلية اللغات ـ إن وجدت ـ، وتصحيح الأخطاء التي يقعون فيها باستمرار.

 

م.م. فكتوريا مناتي محمود

 

 

 

 

 

محمد محفوظمع موجبات الهجرة الإسلامية إلى الغرب، تحول المسلمون في الغرب إلى حقيقة اجتماعية وثقافية واضحة وصريحة، وأضحت هذه الحقيقة الاجتماعية بحاجة إلى المزيد من الاندماج في المجتمعات الغربية.. بمعنى أن الشعوب الغربية تنظر إلى المسلمين بوصفهم مجتمعا جديدا بحاجة إلى المزيد من الجهود إلى الاندماج التام في مجتمعاتهم الجديدة.. وفي الجهة المقابلة ينظر المسلمون أنهم بحاجة أن يعيشوا خصائصهم الدينية والثقافية بمعزل عن التأثيرات الدينية والسلوكية لمجتمعاتهم الجديدة.. ولو تأملنا في طبيعة التجربة الإسلامية في الغرب، لوجدنا أن هذه المسألة من أعقد المسائل الثقافية والحضارية التي تواجه المسلمين في الغرب.. فالمهمة الأساسية التي تنتظر المسلمين هي الاندماج في مجتمعاتهم الأوروبية الجديدة ومن المؤكد أن فعل الاندماج وممارسته، يفرض على المسلمين تحديات وأوضاع جديدة، تتطلب منهم العمل على تحقيق فعل الاندماج، دون التخلي عن خصائصهم الدينية والثقافية..

وبمقدار ما ينجح المسلمون في انجاز هذه المعادلة، بذات القدر يتقدم واقعهم الحياتي والسياسي والاقتصادي.. ومن الطبيعي القول إن " أهم تحد تمثل في غياب مفهوم محدد للاندماج الاجتماعي، فهذا المفهوم الحديث يستخدم دون تحديد واضح للدلالات، كما لا توجد نظرية واضحة تفسر الاندماج وكيفيته والعوامل الأساسية المؤثرة فيه.. وهذا يتطلب دراسة النظريات التي عنت بالعلاقات بين الجماعات من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي باعتبار أن المهاجرين أو الأقليات يمثلون جماعات طارئة على النسيج الاجتماعي أو لا تحظى بتعامل عادل أو بظروف مناسبة لاستيعابهم.. ومن خلال نظريات العلاقة بين الجماعات والأساليب النفسية والاجتماعية التي تلجأ إليها المجموعات الصغيرة أو الأقليات للدفاع عن مصالحها ووجودها وخصوصياتها " (ص 10-11، الأقليات المسلمة في الغرب – مشكلة التعايش والاندماج – السويد نموذجا)..

ويبدو من خلال الجماعات البشرية، التي اندمجت وتفاعلت على نحو ايجابي مع مجتمعات أكثر تقدما وتطورا منها.. أن السبيل الوحيد للفاعلية السياسية والاجتماعية لهذه الجماعات تبدأ حينما تندمج في المجتمعات الجديدة، وتتفاعل مع كل قضايا هذا المجتمع الجديدة..

وإن هذا التفاعل الخلاق هو الذي يحول هذه الجماعات إلى فاعل ثقافي وسياسي في مجتمعاتهم الجديدة..

ويحدد الدكتور طارق رمضان في كتابه (المسلمون في ظل العلمانية – واجبات المسلمين وحقوقهم في ظل المجتمعات العلمانية) عناصر الهوية بأربعة مكونات وهي كالتالي :

1- إيمان وروحانية وممارسة تعبدية..

2- إدراك معاني المصادر الإسلامية (الكتاب والسنة) بقدر إدراك السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يعيش فيه المسلم..

3- التربية والتبليغ، فالدين أمانه يشهد عليها المسلم ويتعين عليه تبليغها عن طريق التربية..

4- العمل والمشاركة، فمعنى أن يكون المرء مسلما، أن يكون مؤثرا ومشاركا في الأنشطة الاجتماعية الرامية إلى إقامة العدل والرقي بالإنسان نحو الأحسن.. ويشير مضمون الكتاب الآنف الذكر إلى ضرورة إعمال اجتهاد فقهي يتيح الفرصة أمام الأجيال الشابة لكي تعيش دينها في انسجام داخل كل بلد تقيم فيه، وأن تحترم قوانين البلد وتعيش قيم المواطنة.. ويبدو أن الوصول إلى مستوى أن جميع الوجودات الإسلامية في الغرب يصبحون من المسلمين الأوروبيين، الذين لا يمارسون القطيعة مع أديانهم وثقافتهم،ويعملوا بكل جد واجتهاد للاندماج الكامل في مجتمعاتهم الجديدة..

فلا نريد للجماعات الإسلامية في الغرب أن تعيش العزلة والعجز والاغتراب في مجتمعاتهم الجديدة.. " لأن الاغتراب يقترن بعدم إمكانية الفرد على تحقيق توافقه النفسي وتوافقه مع الآخرين ، ولأن الاغتراب يؤدي إلى خمول وإطفاء حالة التفاعل الاجتماعي عند الفرد مما يجعله غير فعال اجتماعيا، وفاقدا للقدرات التي تحدد مدى مساهمته في البناء والتطور ".. (ص 15 – ابراهيم العبادي – الأقليات المسلمة في الغرب...).. فالذي نريده للجماعات الإسلامية في الغرب، أن تندمج في مجتمعاتها الجديدة، دون الذوبان والتخلي عن الخصوصيات الدينية والثقافية..

الاندماج المطلوب في المجتمعات الجديدة، لا يساوي الذوبان أو إخفاء الخصائص الثقافية، وإنما يعني التماسك والتداخل مع المحيط الاجتماعي والتفاعل مع قضاياه المختلفة.. فكل تداخل يفضي إلى المتانة والوحدة والتماسك والتكاسل يعد اندماجا.. فالاندماج ضد العزلة والانكفاء، كما هو بالضد من التبعثر وكثرة الخلافات والتشظي.. فهو أي الاندماج مشروع للتكامل والتوافق واتحاد الأجزاء مع بعضها البعض..

وعليه فإن الاندماج يعني بناء النسق الاجتماعي والثقافي على قاعدة الوحدة في التنوع، وبناء رؤية واحدة أو متسقة للعيش وفق الخصائص الذاتية دون الانحباس فيها.

 

محمد محفوظ

 

 

وعلي حبطيش1- التقاضي التاريخي والحالي:

هناك شرعية فلسفية للفلاسفة للتعامل مع مسألة التعليم، لأن التعليم يفترض مسبقًا تصورًا للإنسان يجب تعليمه والمجتمع فيه والذي من أجله يجب تثقيفه، ورؤية للعالم، يتم تفعيلها من خلال الأهداف. اتباعها والأساليب المستخدمة القيم، وتشارك في الأخلاق والسياسة. لذلك يوجد في تاريخ الفلسفة فلسفات تعليمية مختلفة وفقًا للفلاسفة (فكر في أفلاطون ومونتين وروسو على سبيل المثال)، وحاليًا فلاسفة التعليم الذين يجرون الأبحاث ويعقدون المؤتمرات.

لكن الفلسفة اليوم لم تعد تحتكر التفكير في التعليم. المؤرخون أو علماء الاجتماع أو الاقتصاديون، على سبيل المثال، مهتمون بها. منذ عام 1967، استهدفت العلوم التربوية في فرنسا أن تجمع في نفس الجامعة أنواعًا مختلفة من الأبحاث التي أجريت حول هذا الموضوع: وبالتالي يوجد علماء تنمويون، وعلماء نفس اجتماعيون وسريريون، وعلماء معرفيون، وعلماء فيزيولوجيا الدماغ وأعصاب، ومتخصصون في التقنيات الجديدة وعلماء الاجتماع والمؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا واللغويين والاقتصاديين والإحصائيين والمعلمين والمعلمين من التخصصات وما إلى ذلك. يتخصص البعض في جانب معين: علم نفس التعلم، ووسائل الإعلام المختلفة والأدوات الرقمية، والتدريب الأولي أو المستمر، والأسرة، والمدرسة، والتدريب المهني، والتعليم غير الرسمي، والتعليم الصحي، والبيئة، وتاريخ الانضباط المدرسي، والتعليم المقارن، إلخ.

يمكن العثور على الفلاسفة في قسم الفلسفة أو العلوم التربوية [1]. قد يكون هناك تقاضي: الفلسفة ليست علمًا، ويمكن إلحاقها بقسم علوم تربوية، فهل هذا مشروع؟ يغطي السؤال الارتياب العلماني للفلسفة تجاه العلوم الإنسانية، التي تنازع معها شيئًا فشيئًا مناطق مختلفة. نحن نعلم، على سبيل المثال، أن الفلسفة، في انعكاسها على العلم، توسع نظرية المعرفة للمجالات العلمية المختلفة (خصوصية الموضوع، وطبيعة إدارة الإثبات، ومجال صحة النتائج، وما إلى ذلك): لكنها كذلك حساس للغاية عندما يحاول علماء الاجتماع على سبيل المثال (انظر P. Bourdieu وL. Pinto وما إلى ذلك) وضعه في مجال ثقافي ...

بل إن الموقف أكثر تعارضًا مع تعاليم الفلسفة. يميل كل تخصص مدرسي إلى تنظيم تعليمه حول خصوصيته، وطريقته الخاصة في تنظيم التدريس والتعلم لمحتوياته (تعليم الرياضيات، والأحياء، والتربية البدنية والرياضية، واللغات، وما إلى ذلك). نحن لا نرى لماذا لن يكون هناك تعليم للفلسفة، حيث يوجد تعليم مدرسي لهذا النظام، وتعلمه من قبل الطلاب. لكن السؤال هو معرفة ما إذا كان ينبغي تطوير هذه الأساليب التعليمية في مجال الفلسفة الخالص، لأنها تندرج تحتها بمحتوياتها، و/ وضمن علوم التربية، مستفيدة من "التخصصات المساهمة"، على سبيل المثال، لأنها هي مسألة تعلم، معرفة علمية حالية في علم نفس التعلم والعلوم المعرفية ... يحسم السؤال بالصعوبة الكبيرة في الحصول على أطروحة في تعليم الفلسفة مقبولة في قسم الفلسفة بالجامعة، حيث الشرعية الوحيدة هي البحث على فيلسوف، وبدرجة أقل على فكرة فلسفية [2]. من الواضح أن هذا ليس هو الحال في علوم التربية، التي ترحب بجميع الأطروحات في التدريس التأديبي، حيث أن التعليم جزء من مجال أبحاثهم. غالبًا ما تم التعبير رسميًا عن أحد أسباب هذه الصعوبة من قبل المفتشية العامة للفلسفة: الفلسفة في حد ذاتها هي طرق التدريس الخاصة بها، لأنها تقود، وفقًا لـ J. المعلم، المتدرب الفيلسوف في رحلته. أي تدخل من مساهمة خارجية يمكن أن يشوه نقاء الانضباط. أما بالنسبة لأولئك الذين يوافقون على الحاجة إلى التعليم، فببساطة لأن المرء يواجه صعوبات في فهم دورة أو قراءة فيلسوف أو كتابة أطروحة، يجب أن تستند بالكامل على الفلسفة.

2- أسئلة معرفية:

يمكن تعريف موضوع تعليم الفلسفة بشكل كلاسيكي على أنه "دراسة تعليم وتعلم الفلسفة". إذا كان التدريس عمومًا يشير إلى مدرس يعلم، ويتعلم للطالب الذي يتعلم، فإننا نفكر من حيث من التدريس التقليدي للفلسفة في فرنسا، إلى حالة الصف الأخير من المدرسة الثانوية. ولكن هناك أيضًا فصولًا تحضيرية، وجامعة، وممارسات جديدة ذات هدف فلسفي في المدارس الابتدائية والمتوسطة، والتجريب في المدارس الثانوية المهنية، والممارسات خارج المدرسة (مقاهي فيلو، وورش عمل الفلسفة مع البالغين والأطفال، والجامعات الشعبية، إلخ). مجال البحث لذلك هو في الواقع أوسع من ذلك بكثير. خاصة وأن هذا التدريس مختلف جدًا في الخارج، مما يفتح طرقًا تعليمية مقارنة (في المكان والزمان). 

يمكن أن تكون هذه الوسائل التعليمية، وفقًا لـ J-L Martinand، من ثلاثة أوامر تحدد برنامجًا بحثيًا:

أ) التعليم الوصفي. يمكن أن يدرس بمعنى وصف (بدون حكم أو وصفة طبية) هذا التدريس كما هو (أو لا) مؤسسي ويمارس بشكل ملموس:

- تنظيمها الرسمي "السياسي" في نظام مدرسي معين: تكوين لجان تطوير المناهج الدراسية وعملية عملها (كان هناك الكثير منها في الفلسفة، وقد فشلوا في كثير من الأحيان) ؛ البرامج والنشرات حول المحتوى (المفاهيم أو الأسئلة، المؤلفون أو الأعمال، وأي منها؟)، الأساليب (الدروس، تفسيرات النصوص، الأطروحات ... العمل الجماعي؟)، التقييم (ما هي المعايير المطروحة) ؛ الجداول الزمنية للانضباط حسب التسلسل والمستويات ؛ أنواع وتواتر اختبارات التحكم أثناء التدريب ؛ طبيعة إجراءات الفحص والتحقق ؛ معاملات مادية نظام التوظيف والتدريب الأولي والمستمر للمعلمين، إلخ. يمكننا أيضًا دراسة تاريخ الانضباط المدرسي في هذا النظام التعليمي [3]. أو قارن هذا التدريس مع تعليمه الرسمي في البلدان الأخرى. يتضمن هذا بشكل أساسي العمل على المستندات لاستخراج المعلومات، ولكن أيضًا وضعها في المنظور بحيث يكون لها معنى: هناك فرضيات ضمنية أو صريحة في أي وصف، والتي غالبًا ما تكون في معالجتها التفسيرية.

- الطريقة التي يتم بها اقتراحه في الكتيبات (التعليم الوسيط بين برنامج المفتشين والمعلمين في الميدان).

- طريقة ممارسته في الفصول حسب نوع المنشأة وموقعها الجغرافي والاجتماعي وسلسلة ومستوى التعليم. كيف يتقدم المعلم في فصله للتعامل مع البرنامج، والتخطيط للتقدم والجلسات، والتحضير للاختبارات أو الامتحان: ما هي الاختيارات في ترتيب المفاهيم أو الأسئلة، والمؤلفين والمصنفات، والوسائط المستخدمة؟ ما هو مكان الطلاب في العملية (استماع، مشاركة، إلخ)؟ كيف يتعلم الطلاب، وما هي الصعوبات التي يواجهونها، وكيف يحاولون التغلب عليها؟ ماذا يفعل المعلم لمساعدة الطلاب الذين يجدون صعوبة - أو حتى يرفضون - في التعلم؟ هل توجد في المهنة إيماءات مهنية أساسية، وأنماط مختلفة يمكن تحديدها من المعلمين، وملفات تعريف للطلاب؟ يمكننا أيضًا أن ننظر في كيفية إجراء المسابقات والتدريب بالفعل.

تتضمن كل نقاط الدراسة هذه منهجيات مخصصة أو مستقلة أو مجتمعة: الملاحظات في الجسم الحي، وتسجيل الفيديو والتحليل، والاستبيانات، والمقابلات البحثية مع الجهات الفاعلة المعنية. هذه ليست طرقًا فلسفية على وجه التحديد، ولكنها مستعارة من العلوم الإنسانية، مما يجعل من الممكن دراسة تعليم وتعلم هذا التخصص بشكل ملموس.

- ولكن هناك أيضًا، بالإضافة إلى التدريس الفلسفي الرسمي، ممارسات مدرسية غير مؤسسية، بمعنى برنامج مخطط صريحًا. هذه هي حالة "الممارسات الفلسفية الجديدة" في المدينة ولكن بقدر ما نشعر بالقلق هنا بشكل خاص، في المدرسة الإعدادية وخاصة في المدرسة الابتدائية. من المهم تحليل كيفية ظهورهم في فرنسا (النهج التاريخي للابتكار التربوي) ؛ كيف تأثروا بالممارسات الأجنبية (بشكل كبير تلك التي قام بها فريق الفيلسوف الأمريكي م. ليبمان)، وما يتكون هذا (التعليم المقارن) ؛ لماذا كان هناك تنوع في التيارات والأساليب في فرنسا، أي منها، وما هي الأهداف وما هي الأجهزة، وما أنواع التدريب التي صاحبت هذا الابتكار، واقع أداء هذه الممارسات، وتفاصيل الأجهزة المنفذة، والمهارات المطلوبة من قبل المعلم وطورها الطلاب، والتأثيرات المستحثة. في عملنا، عملنا على العديد من هذه النقاط.

ب) يمكن أن يكون التعليم أيضًا توجيهيًا. هذا هو الذي دعت إليه المؤسسة رسميًا. بالإضافة إلى البرنامج الذي يجب تدريسه، والتعاميم التي تدخل في تفاصيل الالتزامات القانونية الخاصة بالتخصص، هناك عمل يتعين القيام به

على "الوصفات الذاتية" للمعلمين، أي الطريقة التي يتصرفون بها وفقًا للتمثيلات التي لديهم عن الطريقة التي "يجب" عليهم تدريس مادتهم بها.

بالإضافة إلى ذلك، إذا كان من الصعب مراقبة الامتحانات الشفوية للتجنيد في الجسم الحي، أو اجتياز عمليات التفتيش لمعلمي الفلسفة، فمن الممكن تحليل مجموعة من تقارير هيئات المحلفين في الرؤوس وتجميع الفلسفة (التي يتم إجراؤها العامة)، أو تقارير التفتيش الفردية، لتحديد المعايير الصريحة والضمنية لأحكامهم وتقييماتهم ونصائحهم وتعليماتهم. نحن نعلم إلى أي مدى يؤثر شكل التعليم الذي تم تلقيه ومعايير التقييم للمسابقات وعمليات التفتيش على الممارسات الحقيقية لمعلمي الفلسفة، لأنهم لم يتطوروا كثيرًا بمرور الوقت على الرغم من التغييرات المجتمعية والمدرسية الهامة. على سبيل المثال، تقليديًا، في الخيال المعياري للمهنة، يجب أن تكون دورة المعلم "درسًا"، نموذجًا أوليًا للدرس النموذجي للتجميع، مع تعليقات على النصوص من قبل مؤلفين عظماء. تظل صورة الدورة التدريبية كـ "عمل" مهمة. كما أنه من الضروري أيضًا التحضير لامتحان البكالوريا على مدار العام من خلال الرسائل الجامعية وشروحات النصوص، فإن تحليل النصائح الواردة في الكتيبات وغيرها من SOS Bac للنجاح في هذه التمارين يمكن أن يكون مفيدًا هنا، من خلال تكرارها وافتقارها الإبداع، دليل على عقيدة ضمنية ولكنها حقيقية للغاية في صميم الثقافة المهنية للشركة.

ج) يمكن أن يكون التعليم في النهاية "نقديًا ومستقبليًا": هذا هو مجال البحث في تعليم الفلسفة، مع الباحثين الجامعيين والممارسين المرتبطين به. الفلسفة هنا بالكاد لها ماض، بل هي بالأحرى سلبية. من هم الأكاديميون في أقسام الفلسفة، بمن فيهم أولئك الذين يستعدون نظريًا لمسابقات التوظيف، والذين أجروا أبحاثًا في مجال التدريس؟ كان هناك البعض منذ التسعينيات، ولكن في علوم التعليم، مجال فقد مصداقيته من قبل الفلاسفة ومنظمتهم الرئيسية. بدأ البحث في علم أصول التدريس في الفلسفة في عام 2000 تحت إشراف P. Meirieu، ثم مدير INRP، ولم يشمل أي فيلسوف جامعي معروف، وقام بتوجيهه زميل، مع المعلمين والمفتشين ... IREPH، معاهد البحث للتعليم الفلسفي، الذي ادعى في صورة IREM منذ عام 1998 من قبل جمعية جديدة لأساتذة الفلسفة (ACIREPH)، لم ير النور أبدًا [4].

التعليم الفلسفي، الذي تغيرت برامجه وتعميماته ووصفاته بشكل طفيف مقارنة بالتخصصات الأخرى (فلسفة بيرنس)، أصبح على نحو متزايد بعيدًا عن التعليم الجماهيري، والتلاميذ الذين تغيروا كثيرًا في علاقتهم بمعرفة المدرسة وقوتها.

 Le refus d'aggiornamento didactique et encore plus pédagogique (un fort « anti-pédagogisme » hante la profession), l'absence d'une formation adaptée qui prendrait en charge les nouveaux problèmes rencontrés, mettent nombre d'enseignants en difficulté, voire en

خسارة. هناك مسؤولية يجب أن نتحملها، والحلول للمضي قدما. يمكن للبحث في تعليم الفلسفة في مجال علوم التعليم ويجب أن يلعب دوره في هذا، لأنه مع إعطاء مكانه الكامل لخصوصية النظام الفلسفي، يمكن أن يستدعي "التخصصات المساهمة" لدعمه.: تاريخ نظام التعليم، الذي يشير إلى أن حالة معينة هي نتاج تاريخ معين، ويلقي الضوء على تداعيات التطورات المجتمعية على تلك التي تحدث في المدرسة، وتلاميذها ومعلميها، وطرق التدريس الثمينة أو المحتقرة، إلخ. ؛ علم الاجتماع المدرسي وعلم النفس المعرفي، كل منهما يشرح بطريقته الخاصة الصعوبات التي يواجهها الطلاب في بيئتهم وتعلمهم المدرسي ؛ تاريخ الفلسفة كنظام مدرسي، الذي لا يقع تحت عنوان "specie aeternitatis"، ولكنه متجسد إلى حد كبير في التاريخ (فكرة العلمانية مهمة للتعليم الفرنسي للفلسفة)، والذي يطور القضايا التي أثيرت سابقًا، يتذكر المواقف الحالية والمناقشات التي جرت، والقرارات المتخذة أخيرًا، والتسويات أو التشديد، والمآزق أيضًا ؛ التعليم المقارن، الذي يجعل التعليم الفلسفي الفرنسي نسبيًا، لأن هناك العديد من الصيغ ومختلفة جدًا في أماكن أخرى، والتي يمكن أن تعطي أفكارًا ...

 

الأستاذ : حبطيش وعلي

.........................

المراجع:

 [1] يجب أن نتذكر أن دوركهايم، الفيلسوف ومؤسس علم الاجتماع الفرنسي، كان أول كرسي في فرنسا لـ "علم التربية".

[2] في كل مكان، بالطبع، يعتبر البحث التأديبي البحت أكثر نبلاً من البحث في تدريسه. ولكن يمكن للمرء على سبيل المثال الدفاع عن أطروحة في تعليم الرياضيات (أو اللغات) في بعض مختبرات الرياضيات ...

[3] انظر أطروحة برونو بوكيه في فرنسا.

[4] وقعت الكلية الدولية للفلسفة للتو اتفاقية مع National Education بخصوص تدريب المعلمين والبحث في تعليم الفلسفة. ربما هناك افتتاح جديد هنا ...

 

محمد محفوظفي الفضاء الوطني والاجتماعي، ثمة شخصيات دينية وثقافية، عملت على بلورة مشروع ثقافي واجتماعي ووطني، يستهدف تطوير العلاقة بين مكونات وتعبيرات المجتمع السعودي، ووظفت كل إمكاناتها المعرفية والاجتماعية، من أجل إنهاء حالة الجفاء والخصومة التي تحكمت لاعتبارات عديدة واقع العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية.. ومن هذه الشخصيات فضيلة الشيخ حسن الصفار وهو احد أعلام الوطن والأمة.

وهو شخصية دينية وثقافية معروفة، وله العديد من الأنشطة والفعاليات، والذي عمل خلال العقدين الماضيين تحديدا على تفعيل خيار التواصل مع أبناء الوطن الواحد، ودعا عبر خطاباته الدينية والثقافية وكتاباته ومؤلفاته إلى نقد ظاهرة التطرف والغلو وحالات الانكفاء والعلة والعزوف عن المشاركة في الحياة العامة..

ومن كتاباته المطبوعة في هذا السياق [التعددية والحرية في الإسلام – بحث حول حرية المعتقد وتعدد المذاهب] و[التسامح وثقافة الاختلاف – رؤى في بناء المجتمع وتنمية العلاقات] و[الوطن والمواطنة الحقوق والواجبات] و[التطلع للوحدة] و[التنوع والتعايش – بحث في تأصيل الوحدة الاجتماعية والوطنية] و[المشكل الطائفي والمسؤولية الوطنية] و[الطائفية بين السياسة والدين] و[الانفتاح بين المصالح والهواجس] و[الآحادية الفكرية في الساحة الدينية] و[الحوار والانفتاح على الآخر] وغيرها من الدراسات والأبحاث التي تؤكد وتؤصل لخيار احترام التعددية وصيانة مقتضيات التعايش والسلم الأهلي.. فقد جاء في كتابه [الطائفية بين السياسة والدين] إن [التقريب بين أتباع المذاهب الإسلامية مهمة مرحلية اقتضتها حالة مرضية، هي التباعد والتنافر بين أتباع المذاهب، ومن أجل تجاوز هذه الحالة المرضية نحن بحاجة إلى ما يلي:

أولا: نشر ثقافة التسامح والتعددية وقبول الرأي الآخر، والتركيز على أسس الدين الجامعة والمشتركات التي توحد بين أبناء الأمة..

ثانيا: تشجيع أجواء التواصل بين علماء المذاهب الإسلامية ونخبها المثقفة والفاعلة، لتوفير فرص التعارف المباشر فكريا وعلميا..

ثالثا: قيام مشاريع مشتركة لخدمة المصالح العامة للدين والأمة]..

وفي كتاب آخر يقول [الانكفاء على الذات والابتعاد عن الآخر ليس حالا سويا.. إن الخصوصية العرقية أو الدينية لأي مجتمع لا تبرر انغلاقه وانعزاله عن محيطه، فمن مصلحته الانفتاح ليشارك في مسيرة التنمية والبناء، وليعزز موقعيته الوطنية، وليقدم نفسه بالصورة التي يريدها أمام الآخرين.. ومفاهيم الدين تدعو إلى التعارف بين أبناء البشر على اختلاف أعراقهم وأديانهم، وإلى التآخي بين أبناء الأمة مع تنوع مذاهبهم وتوجهاتهم]..

وفي مبادرة فكرية جريئة دعا في بحثه الموسوم ب(السلفيون والشيعة نحو علاقة أفضل) إلى إعادة بناء العلاقة بين السلفيين والشيعة على أسس جديدة، بحيث يخرج الجميع من سجون التاريخ إلى رحاب الإسلام وقيمه العليا..

والذي يؤكد أهمية وحيوية المشروع الذي يشتغل عليه الشيخ الصفار القائم على تجسير العلاقة بين الشيعة والسنة في المملكة، وإزالة كل الالتباسات والموانع التي تحول دون تطور هذه العلاقة، والدفع إلى الأمام بمشروع الاندماج الوطني على قاعدة المواطنة المتساوية، هو طبيعة المشاكل والهواجس القائمة في نظرة الأطراف المذهبية لبعضها..

فنزعات التشدد والغلو والمفاصلة الشعورية والعملية بين المختلفين، هي العناوين السائدة.

لهذا فإن العمل على بناء حقائق جديدة للعلاقة قائمة على التواصل والحوار والاحترام المتبادل، يعد من الضرورات الوطنية والاجتماعية، لأنه هو الذي يعالج مشكلات ملحة في الواقع الاجتماعي السعودي..

ونحن هنا لا ندعي أن العناوين التي يشتغل عليها الشيخ الصفار سواء في خطاباته أو مبادراته الوطنية والاجتماعية، هي عناوين ناجزة ومكتملة وإنما نحن نعتقد أن ملاقاة الشيخ الصفار في منتصف الطريق من قبل علماء ومهتمين من مختلف الأطراف والأطياف، سيساهم في تذليل الكثير من العقبات التي تحول دون اندماج المواطنين السعوديين مع بعضهم البعض..

فتفكيك موجبات الانكفاء والعزلة، وبناء العلاقة على قاعدة الاحترام المتبادل، بحيث لا يسئ أي طرف للآخر سواء في ذاته الراهنة أو مقدساته أو رموزه التاريخية، والعمل على تجسير العلاقة والتواصل الفعال بين فعاليات المجتمع ونخبته الدينية والثقافية، كلها من الأعمال والمبادرات الحيوية، التي ينبغي أن تدعم وتسند بالإضافة عليها ومراكمة ذات المضمون من مواقع دينية وثقافية واجتماعية مختلفة..

فنحن كسعوديين أحوج ما نكون اليوم إلى هذا الخطاب، الذي يدفعنا إلى الانفتاح والتواصل مع بعضنا البعض، ويؤسس لنظام العلاقة مهما كان حجم التباين في الآراء والقناعات على قاعدة المواطنة..

فالأمن الوطني والاجتماعي مرهون إلى حد بعيد، على قدرتنا وانخراطنا الفعلي في مشروع تجسير العلاقة بين مكونات الوطن.. ووجود اصطفافات مذهبية وطائفية في هذا البلد أو ذاك المجتمع، ليس مبررا للتمترس والتخندق الطائفي، وإنما وجود صعوبات في الواقع المعاصر للمسلمين على صعيد علاقتهم مع بعضهم البعض، ينبغي أن يدفعنا نحن أبناء هذا الوطن من مختلف مواقعنا المذهبية والفكرية إلى التشبث بخيار الحوار والانفتاح والتواصل.. وأهمية هذا الخيار نابعة أن في العالمين العربي والإسلامي هناك مشاكل وأزمات تهدد نسيج الأوطان والمجتمعات.. والمطلوب من قبلنا ليس الانخراط في هذه المشاكل وتغطيتها مذهبيا وثقافيا واجتماعيا، وإنما بناء حقائق وطنية واجتماعية تعزز الوحدة الوطنية، وتنظم الاختلافات عبر الحوار والتواصل ومقتضيات الاحترام المتبادل.. فما يجري في بعض البلدان من فتن طائفية، ينبغي أن لا يدفعنا إلى الوقوع في المحذور وزيادة اشتعال وتأجيج النيران.. وإنما على العكس من ذلك تماما، فما يجري من فتن وتوترات، ينبغي أن يدفعنا إلى الإسراع والمبادرة إلى توطيد العلاقة وإزالة الالتباسات ومنع التوترات من الوصول إلى فضائنا ومحيطنا الاجتماعي..

وإن تغيير الأنماط الثقافية والاجتماعية السائدة في أي بيئة اجتماعية، يتطلب مجموعة من الأعمال والأنشطة المستديمة حتى تحقق مفهوم التراكم المعرفي، لكي يتمكن المجتمع أو بعض فئاته وشرائحه في تغيير أفكارها وخياراتها الثقافية والاجتماعية.. ونحن في الدائرة الوطنية والاجتماعية، حيث نعيش التعدد المذهبي والتنوع الفكري، بحاجة إلى تلك الشخصيات الدينية والثقافية والاجتماعية، التي عملت على تفكيك حوامل الانكفاء والعزلة، وسعت من أجل هدم الجدر التي تفصل بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد لاعتبارات مذهبية أو فكرية، لأن هذه الشخصيات بما تملكه من معرفة وخبرة اجتماعية وتراث ثقافي وسياسي، لديها قابلية التأثير على شرائح وفئات اجتماعية عديدة.. لهذا فإن مشروعات الإصلاح التي تستهدف تطوير العلاقة بين تعبيرات وأطياف الوطن والمجتمع، بحاجة باستمرار إلى شخصيات متميزة وقادرة على صياغة رؤية أو مشروع متكامل يستهدف تقويض الكوابح والموانع التي تحول دون تطوير هذه العلاقة، وتعمل كخطوة ثانية على خلق الحقائق الإيجابية الجديدة والتي تنطلق من تعزيز مفهوم التواصل والحوار في أبعاده الاجتماعية والثقافية والعملية، وتعمل على خلق حالة التعاون بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد من أجل إنجاز الأهداف والغايات المشتركة، وتتعاضد مع غيرها من الشخصيات والفعاليات لحماية هذا الخيار وتوفير كل أسباب نجاحه واستمراره في الفضاء الاجتماعي والوطني..

ولعل من أبرز هذه الشخصيات الوطنية والاجتماعية، التي عملت انطلاقا من موقعها الديني ومركزها الاجتماعي على تطوير العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، وسعى بكل جهده وفعاليته وديناميته الاجتماعية والثقافية على القيام بمبادرات ثقافية واجتماعية تستهدف إزالة الحواجز والهواجس بين مكونات الوطن، وتجسير العلاقة بين نخبتها وفعالياتها الدينية والثقافية والعمل على خلق فضاء اجتماعي حاضن وفاعل في مشروع التواصل وإزالة الالتباسات التاريخية والثقافية بين أبناء الوطن الواحد..

أقول إن من أبرز هذه الشخصيات التي عملت في هذا السياق هو فضيلة الشيخ حسن الصفار.. لهذا فإننا نعتقد أن تجربة الشيخ الصفار على هذا الصعيد، من التجارب الثرية والتي تحتاج إلى قراءة متعددة الأبعاد فيها، للاستفادة منها، والبناء عليها..

فهي من اللحظات المتميزة والنوعية على صعيد العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية في المملكة، حيث يباشر أحد الزعامات الدينية والاجتماعية مشروعه الثقافي والاجتماعي على قاعدة إزالة الحواجز والموانع التي تحول دون تطوير العلاقة بين السنة والشيعة في المملكة..

إذ يعبر الشيخ الصفار عن مشروعه بقوله: [لا بد أن أشير إلى أن كل العقلاء في الوطن أدركوا أن حالة الجفاء والقطيعة والتعصب المذهبي هذه كلها أضرت ببلادنا، وأضرت بالبلاد الإسلامية جمعاء.. وما الحوار الوطني الذي بدأ إلا إشارة خضراء للبدء في مسيرة جديدة نتجاوز بها آثار الاستبداد الفكري والهيمنة الآحادية لتيار واحد، لأنه يضر بالجميع، فحينما يشعر الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الفرص أمامهم متساوية، حينئذ نفوت الفرصة على كل الأعداء وعلى كل المغرضين في الداخل والخارج]..

وجماع القول: إن مشهدنا الثقافي والاجتماعي يحتضن العديد من حقائق التعدد والتنوع، وأن لا خيار أمامنا إلا التعايش مع بعضنا البعض.. والتعايش هنا لا يعني التساكن بل التفاعل والمشاركة والمصير المشترك..

وتجربة الشيخ الصفار على هذا الصعيد نوعية، لأنه بلور آراء وتصورات متقدمة على صعيد إنجاز مفهوم الاندماج الوطني.. ونتطلع إلى أن تتراكم الجهود وتلتقي الأصوات مع هذا الصوت والجهد الذي يبذله الشيخ الصفار من أجل هدم الجدر والحواجز التي تحول دون انسجام وتفاعل المواطنين مع بعضهم البعض، وتصيغ العلاقة بين تعبيرات وأطياف الوطن على أسس الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل وصيانة حقوق الإنسان..

والساحة الوطنية اليوم، أحوج ما تكون إلى تلك الرؤى والأفكار التي تساهم في صياغة وبلورة مشروع وطني متكامل لإدارة حقيقة التنوع بكل آفاقها التي يزخر بها المجتمع السعودي..

وتعريفنا السريع بعطاءات هذه الشخصية الوطنية (الصفار)، هي من أجل إثارة النقاش والحوار الوطني حول سؤال التنوع في الواقع الوطني وسبل وآليات إدارته..

وهي دعوة أيضا لكل الباحثين إلى الاقتراب الثقافي والمنهجي من هذا الملف الهام والحيوي، لكي يساهم الجميع في بناء معرفة وطنية متكاملة تجيب على أسئلة التنوع، وتتفاعل مع مقتضيات هذه الحقيقة وتحدياتها، وتغرس في النفوس والعقول مقتضيات احترام هذه الحقيقة وسبل حمايتها..

 

محمد محفوظ

 

 

عبد الجبار الرفاعييميز إريكُ فروم بين نمطين متضادّين لحياة الإنسان هما: "نمط الحياة الامتلاكي، ونمط الحياة الوجودي" ينفي كلُّ واحد منهما الآخر، وتتحدّد كيفيةُ عيش الإنسان ورؤيتُه للعالَم وشبكةُ علاقاته بما حوله على أساسهما.

نمطُ الحياة الوجودي هو أن يمتلك الإنسانُ الأشياءَ لا تمتلكه، ويشبع فيها احتياجاته المتنوعة بالحدود المتوازنة المعتدلة، ويتركز سعيُه في الحياة على عدم خسرانه لذاته، وعلى امتلاء وجوده وتكريسه، عبر بناء صلة لوجوده بالوجود الحقّ المستغني عن كلِّ شيء سواه. يصف إيكهارت النمطَ الوجودي كما ينقل إريك فروم: (الوجود هو طريقة "طبخ" لـ "الولادة الذاتية للذات"، أي ذاك الذي "يتدفق في ذاته وعلى ذاته").

نمطُ الحياة الامتلاكي كيفيةٌ يختفي فيها وجودُ الإنسان الحقيقي كإنسان، ولا يُعلِن عن حضوره في الحياة إلا كشيء يستهلك الأشياءَ المادية ويتهافت عليها. تمتلكُ الإنسانَ في هذا الحضور الأشياءُ لا يمتلكها، ويقع أسيرًا لها تتحكم باحتياجاته وكلِّ شيء في حياته. في هذا النمط تفتقر حياةُ الإنسان لوجودها الحقيقي، بعد أن يستنزفها امتلاكُ الأشياء، وينهكها الإفراطُ في استهلاكها.

من أسوأ ما رأيتُ مقطعَ فيديو يصوِّر لقاءَ أصدقاء في أحدِ مجتمعات التخمة العربية، وهم يشربون نوعًا خاصًا من الشاي، يُعلِنون فيه للمشاهد أن ثمنَ الكيس الواحد منه، الذي يعمل ابريقًا واحدًا للشاي لا يكفي إلا لبضعة أشخاص، أكثر من 3700 دولار. الغريب أنهم كانوا يتبجحون في الإعلان عن ذلك بوقاحة وصفاقة تُشعِر المشاهد كأنهم يحتفلون بوليمة بهيجة. وليمةٌ ماتَ فيها الإنسانُ داخلَ الإنسان وانطفأ لديه الضميرُ الأخلاقي. لحظةَ شاهدتُهم، وهم يتفاخرون بهذا السلوك المنحط، تَقَزّزتُ من هذا المحفل المُرِيع للإفلاس الأخلاقي. بعضُ الذين يمارسون هذا السلوك الذي ينكأ جراحَ الجياع ويرقص على مواجعهم ممَنْ يصلون الجمعة، وكأنهم لا يعلمون أن التديّنَ الأخلاقي لا يحضرُ إلا حيثما تحضرُ الغيرةُ على الإنسان ويتحسّس المتديّنُ عذابات الناس.

الإنسان الأخلاقي هو مَنْ يتحسّسُ عذاباتِ الناس ويُشفِق عليهم ويسعى بحدود إمكاناته لتخفيف آلامهم. الجوعُ من أقسى ألوان العذاب، الجوعُ يفتكُ بعدد كبير من المجتمعات والأفراد، وتُضافُ للجياع كلّ يوم أعدادٌ مريعة، خاصة بعد جائحة كورونا. "وبحسب تقرير منظمة الفاو، يستمر الجوعُ في العالم العربي بالارتفاع، مع زيادة بنسبة 91.1 في المائة منذ عام 2000 ... وفي عام 2020، كان 20.5 في المائة من الأطفال دون سن الخامسة في المنطقة يعانون من التقزّم، و7.8 في المائة يعانون من الهزال". ويشير تقرير منظمة الفاو الصادر في أكتوبر 2019 إلى: "أن الآثار المجتمِعة للأزمة الغذائية والاقتصادية قد دفعت بأعداد الجوعى في جميع أنحاء العالم إلى حدودٍ قياسية عُليا أرست سابقةً تاريخية، بعدما تجاوز عدد الجياع رقم المليار".

في نمط الحياة الامتلاكي يظلّ الكائنُ البشري يلهث وهو يسعى وراء ما هو ثمين ماديًا كي يمتلكه ويستهلكه، من دون أن يصلَ إلى حالة يمتلكُ فيها شيئًا يشعرُ معه أنه حقّق ذاتَه واستغنى واكتفى، وارتوى عطشُه للحياة الروحية وللمعنى الأخلاقي والجمالي، مهما كان الشيءُ المادي الذي يمتلكه ثمينًا ونادرًا وغريبًا. يغرقُ هذا الكائنُ كلَّ يوم في الاستحواذ على الأشياء وتكديسها، بلا أن يعثرَ على شيءٍ يرتوي به نهمُهُ، بل إن أفراطَه في الاستهلاك ما هو خارج احتياجاته الضرورية، يشعرُه أنه يهرول وراءَ سراب، ويغرقُه في الملل والسأم والضجر وانعدام المعنى، وكلّما تهافت على الامتلاك اختفى حضورُه الفاعل في بناء صورةٍ أجمل للعالَم، وفشل في أن يكون سعيدًا بعد خسرانه لوجوده الحقيقي كإنسان.

نمطُ الحياة الوجودي قليلٌ اليوم بعد طغيان واجتياح النمط الامتلاكي لكلِّ شيء في حياة الإنسان، وكما يقول إريك فروم: "بما أننا نعيش في مجتمع موجه نحو الامتلاك والربح، فإننا لا نرى إلا نادرًا وجود نمط الحياة الوجودية، وترى غالبية الناس أسلوب التملك أسلوبًا طبيعيًا في الحياة، بل أسلوبًا وحيدًا للوجود. وهذا هو السبب الذي يجعل نمط الحياة الوجودية صعب الفهم من طرف، وكون كلا المفهومين متجذران في التجربة الإنسانية، ولا يمكن دراسة أحدهما بطريقة مجردة مفهومة بمعزل عن الآخر. إنهما ينعكسان في الحياة اليومية، ولهذا السبب يكون في الإمكان دراستهما بالفعل". نمطُ الحياة الوجودي قليلٌ وليس نادرًا، وإلا فبماذا نفسِّر دوافع العطاء وأعمال الخير في الأرض، البعيدة عن الدعاية والإعلان والإعلام والأغراض غير الإنسانية. ففي الأرض مَنْ يتبرع اليوم بثروة تقدر بالمليارات للأعمال الخيرية، يتبرع من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا وكفى، بلا أن ينظر لمعتقده أو لونه أو جنسه أو ثقافته أو بلده. يهدي ثروتَه البالغة عشرات المليارات لدعم النظام الصحي والتربوي والتعليمي في بلدان فقيرة، وغير ذلك من عطاء يجعل عيشَ الناس أسهل وحياتَهم أجمل. هؤلاء الأشخاص يسعدهم العطاءُ، تسعدهم سعادةُ الإنسان، وتلك هي أسمى المعاني الروحية والأخلاقية التي تتكشّف في نمط الحياة الوجودي، ولولا ذلك لا نجد مثل هذه المبادرات الإنسانية الأخلاقية.

نمطُ الحياة الامتلاكي تغرقُ فيه مجتمعاتُ التخمة المترفة. معظمُ الحاجات في هذه المجتمعات ليست أساسية، تفتعلُها أساليبُ تسويقٍ مراوغة تبرع في غواية الإنسان وغرسِ وتنميةِ شعورٍ كاذبٍ لديه بضرورة الأشياء المعروضة للتسوق بأسعار فاحشة، على الرغم من أنها لا تشبع حاجة حقيقية، بقدر ما تكون أداةً للإشهار وإعلان التميز والتفوق.

لا يتمكّنُ الإنسانُ من الخلاصِ من كثيرٍ من الألمِ إلا بالاستغناءِ عمَّا ليس ضروريًا في الامتلاك، والكفِّ عن الإفراطِ بالاستهلاك. من أهم بواعث طغيان التباهي والغطرسة في الاستهلاك الجهلُ بطبيعة الإنسان. إعادةُ تعريف الإنسان في ضوء معطيات الفلسفة وعلم النفس والعلوم الحديثة، الذي تحدثنا عنه، يُمهِّد لانبثاق حياةٍ روحية وأخلاقية يقظة، ويحمي الإنسانَ من خسران ذاته وإهدار كرامته، والاعتداء على حقوق غيره وحرياته.

نمطُ الحياة الامتلاكي ينتهي إلى ما اصطلحنا عليه بـ "الاغتراب الميتافيزيقي" الذي هو ضربٌ من الاغتراب الوجودي يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي. إنه ضياعُ كينونة الإنسان وتشرّدُها عن أصلها الوجودي. يفتقرُ الإنسانُ في وجوده الفقير المحدود إلى اتصالٍ بوجودٍ غنيّ بذاته، وعندما لا تتحقّق له مثلُ هذه الصلة الوجودية الحيوية يسقطُ في اغترابٍ وجودي. الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفىً عن أصلها الذي هو الوجود الحقّ.

الدينُ الذي يمنحُ حياةَ الإنسان معناها الوجودي هو الدينُ الذي يتجلّى في حياة الفرد والمجتمع بتديّن عقلاني روحاني أخلاقي، تُعلِن الغيرةُ على الله حضورَها فيه بالغيرةِ على الإنسان.

هذا النمط من التديّنِ قليلُ الحضور في الحياة، إلا انه التديّنُ الوحيد الذي يُحدِث أثرًا بالغًا بإثراءِ الحياةِ بالقيمِ وبتكريسِ حالة الاعتدال والتوازن في بناء الشخصية وترشيدِ سلوكها، وخفضِ الآثار المريرة للقلق الوجودي والألم والملل والضجر في حياة الإنسان. وإن كان لا يمكن للإنسان أن يتخلّص نهائيًا من الألمِ الذي يعبثُ بحياته، على الرغم من كلِّ الجهود العظيمة للأديانِ والثقافاتِ والفنون وقيمِها السامية في خلقِ طريقة عيشٍ أمثل للإنسان.

الإنسانُ اليوم في عطشٍ لصوتِ الله في الضمير، وإشراقاتِ أنواره في القلب، وتجلياتِ جماله في الوجود. الإنسانُ اليومَ في عطشٍ للحياة الروحية وللمعنى الأخلاقي والجمالي في حياته، لأنه يعيش في عالَم يشحُّ ‏فيه هذا المعنى. الحاجةُ للدين أساسيةٌ لدى الإنسان، أحيانًا الحاجة للدين تختفي بالتنكّر لها، حتى الإلحاد يستبطنُ موقفًا متنكّرًا للحاجة للدين، وإلا لو لم يشعر الملحدُ بذلك لأهمل الإيماَن والإلحاد، ولم يتخذ موقفا إنكاريًا. يقول شارل بودلير: "لو فُقِد الدين من هذا العالم، لَوُجِد في قلب مُلحد".

الدينُ ليس بديلًا عن الطب والعلاج النفسي. الدينُ ليس بديلًا عن العلم واكتشافاته واختراعاته، الدينُ ليس بديلًا عن العقل وتفكيره الخلّاق، الدينُ ليس بديلًا عن الفلسفة وأسئلتها العميقة وأجوبتها التي تتوالد منها على الدوام أسئلةٌ جديدة، الدينُ ليس بديلًا عن الإبداع الأدبي والفني.كلُّ هذه الأشياء خارج حدود الدين، وإن كان الدينُ يتأثر ويؤثر فيها، كلُّ منها بحسبها وعلى وفق كيفيةِ فهم الدين وطريقةِ قراءة وتفسير نصوصه.

لا يعرف الحاجةَ للدين إلا من يعرف شيئًا من تعقيد الطبيعة الإنسانية وتضادّها الداخلي العميق. أقرأ وأسمعُ كلماتٍ ومواقفَ إنكارية لكلِّ شيء ينتمي للدين، ممن يتكلمون ويكتبون في كلِّ شيء بلا تخصّص في علوم الدين والفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. هذه المواقفُ والكلماتُ لا تصدر عن تفكيرٍ متأمِّل عميق، بل يتكشّفُ فيها في الغالب تفكيرٌ تبسيطي متعجِّل، وتعكس تجاربَ شخصية قاسية عاشها هؤلاء في مجتمعات دينية مغلقة في بعض محطات حياتهم. أتحدث عن أولئك الذين يكتبون ويتكلمون عن كلِّ شيء من دون معرفةٍ دقيقة بشيء، أولئك الذين يُنكرون الدينَ بوصفه ظاهرةً أبدية في الحياة، بلا تفكير هادئ صبور، وبلا أيّ دليل.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

............................

ملاحظة: هذا المقال هو الحلقة الثانية عن نمط الحياة الامتلاكي والاستهلاك العبثي، الحلقة الأولى نشرت الشهر الماضي ديسمبر 2021، بعنوان: بؤس الذائقة الاستهلاكية وتشوهها.

 

عدنان عويدالهويّة لغة: جاء في معجمي: معجم المعاني الجامع - ومعجم عربي عربي بأن:

هُوِيَّةُ الْإِنْسَانِ: هي حَقِيقَتُهُ الْمُطْلَقَةُ وَصِفَاتُهُ الْجَوْهَرِيَّةُ.

والْهُوِيَّةُ الْوَطَنِيَّةُ: هي مَعَالِمُهَا وَخَصَائِصُهَا الْمُمَيَّزَةُ وَأَصَالَتُهَا

وبِطَاقَةُ الْهُوِيَّةِ: هي الْبِطَاقَةُ الشَّخْصِيَّةُ التي تَحْمِلُ اسْمَ الشَّخْصِ وَتَارِيخَ مِيلاَدِهِ وَعَمَلَهُ وَجِنْسِيَّتَهُ.

الهويّة اصطلاحاً:

وهي إحساس الفرد بنفسه وفرديّته وحفاظه على تكامله وقيمته وسلوكيَّاته وأفكاره في مختلف المواقف. أي هي مصطلح يستخدم لوصف مفهوم الشخص وتعبيره عن فرديته وعلاقته مع الجماعات (الدينية أو الوطنية أو العرقية...). في محيطه الذي ينوجد فيه. كما راح يستخدم المصطلح خصوصا في علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة، ويجد له مكانة عالية بشكل كبير في علم النفس الاجتماعي... كونه يعبر عن حقيقة الشيء أو مجمل السمات التي تميز شيئا عن غيره، أو شخصا عن غيره، أو مجموعة عن غيرها.

وكما للهويّة حضورها الايجابيّ الذي سنتناوله في هذه الدراسة المتواضعة، فلها أزمتها أيضاً، وأزمة الهويّة هي الاضطراب الذي يصيب الفرد أو المجتمع فيما يختصّ بدورهما في الحياة، فأزمة الهويّة الفرديّة، تكمن في حالة الشك والريبة التي تصيبه في فهم قدرته أو رغبته في ممارسة حياته طبقًا لما يريده هو ذاته من هذه الحياة او ما يريده الآخرون منه، بحيث يصبح غير متيقن من مستقبل شخصيته إذا لم يتيسّر له تحقيق ما يتوقَّعه هو أو الآخرون منه فيصبح في أزمة.

والأزمة بالنسبة للمجتمع،هي ذاك الاضطراب أيضاً الذي يصيب بنية المجتمع، بحيث يقفد توازنه بسبب ذلك الاضطراب في بناه الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، وبالتالي لا بد من إعادة تفكيك بنية المجتمع من قبل المهتمين بقضايا المجتمع على كافة المستويات، وتبيان حالة التردي فيه، ثم إعادة تركيبه من جديد بما يحقق تجاوزه لأزمته.

إذن، الهويّة هي إثبات للذات وتميزها ونموها وتقدمها، وبالتالي تحقيق ذاتها أمام نفسها وأمام الآخرين، وما ينطبق على الفرد ينطبق على الدولة والمجتمع. وعلى هذا الأساس تسعى الشعوب ودولها ونخبها السياسية والثقافية والعلميّة على تأكيد هذه الهويّة بشقيها الفرديّ والجماعيّ.

إن ما تقوم به الدولة بالنسبة لإثبات هويّة أفرادها وتميزهم، من خلال وجود هويات تعريف لهم، تشمل الاسم والكنّية، وبصمة الابهام، وزمرة الدم، وتاريخ الولادة، ومكان الاقامة، والخانة، وغير ذلك من قضايا تؤكد على هويّة هذا الفرد، فهي مطالبة أيضا عبر مؤسساتها التربويّة والثقافيّة والاعلاميّة، بتأكيد هويّة المواطنة في مجتمعاتها. والتي تعني:

مفهوم المواطنة:

تُعرف المواطنة لغة: بأنّها مصطلح مشتق من كلمة الوطن، وهو المكان الذي يُقيم فيه الإنسان سواء وُلد فيه أم لم يولد، والفعل منه (وَطَنَ) بمعنى أقام أو اتّخذ وطناً، والمواطنة مصدر الفعل (واطن) على وزن فاعل ويأتي بمعنى شارك؛ أيّ شارك بالمكان مولداً وإقامة.

أما مفهومها اصطلاحًا: فهي علاقة متبادلة بين الأفراد والدولة التي ينتمون إليها ويُقدّمون لها الولاء والطاعة بإرادتهم بعد أن وصلوا إلى إبجاد عقد اجتماعي معها؛ ليُحصلوا فيما بعد من خلاله على مجموعة من الحقوق المدنيّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة والثقافيّة، والاقتصاديّة، وليمارسوا حياتهم بحريّة دون إكراه أو إلزام وفقاً للعقد الاجتماعي الذي عقدوه مع الدولة وجسدوه في دستور يحافظ على الفرد والدولة والمجتمع. أو بتعبير آخر تعرف المواطنة بأنّها علاقة بين الفرد والدولة يُحدّدها قانون الدولة بما تتضمّنه من حقوق وواجبات. هذا مع تأكيدنا بأن مقومات المواطنة تتعدّد بتعدد الثقافات، والعقائد والقيم والمبادئ داخل المجتمعات، إلّا أنّ هناك مجموعة من المقوِّمات الأساسيّة والمشتركة للمواطنة تتجسد في التالي:

1- تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات.

2- إتاحة جميع الفرص أمام المواطنين الذين يشكلون المكون العام للدولة والمجتمع، باختلاف عقائدهم الدينيّة والعرقيّة وانتماءاتهم السياسيّة والفكريّة و الحزبيّة، ويتحقق ذلك من خلال وجود ضماناتٍ قانونيّةٍ، وقضاءٍ عادلٍ ونزيه يُنصف كلّ من تتعرّض حقوقه للانتهاك.

3- تحقيق المشاركة في الحياة العامة، من خلال فتح المجال للمواطنين عامة للمشاركة في جميع المجالات السياسيّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والاقتصاديّة، بدءاً من حقّ الطفل في التربية والتعليم، مروراً بحرية الأشخاص الفكريّة، وحقّهم بالاستفادة من الخدمات العامّة، ومشاركتهم بالأنشطة الثقافيّة المختلفة، وانتهاءً بحقّهم في الانخراط بحرّيةٍ في الأحزاب والنشاطات السّياسيّة وتولّي المناصب العليا، والمشاركة في صنع القرار.

إن مسألة الولاء للوطن هي من أهم أسس المواطنة التي تعمل على تجذيرها في حياة الفرد والمجتمع، ففبها تسمو علاقة الفرد والمجتمع بوطنهم لتتجاوز أيِّ علاقةٍ أخرى دينيّة كانت أو طائفيّة أو عرقيّة أو حزبيّة وغير ذلك من انتماءات أو مرجعيات تقليديّةّ، ولا تنحصر مسألة الولاء هنا في الجانب العاطفيّ والشُّعور الوجدانيّ للوطن فحسب، وإنّما تتجسد أيضاً في الادراك العميق لدى أفراد المجتمع وبسلوكياتهم اليوميّة المباشرة، وذلك من خلال الاعتقاد الدائم لديهم بأهميّة التقيُّد التام بالالتزامات والواجبات التي يحددها الدستور أو العقد الاجتماعي تجاه الوطن، كما يتجسد هذا الولاء في الشعور بالمسؤوليّة الفرديّة والجماعيّة لتحقيق النفع العام، وبأنّ الكلّ معني بخدمة وطنه وتنميته والرفع من شأنه.

خصائص المواطنة

تتجلّى خصائص المواطنة في عدّة أمور، أهمها:

أولاً: هي تمثل علاقة تبادليّة: إن المواطنة في شكلها ومضمونها هي علاقة تبادليّة بين الفرد ومجتمعه ودولته وموطنه، وهي علاقة ديناميكيّة غير سكونيّة، أي هي قابلة للتغيُّر والتطور بين فترةٍ وأخرى. بيد أنه تطور إيجابي قد تتسع مساحة المواطنة فيه وتتعمق آلية عملها بين مرحلة وأخرى من تطور حياة الفرد والمجتمع والدولة.

ثانياًعلاقة طوعية: إنّ الفرد تربطه هنا علاقة طوعيّة واختياريّة مع موطنه وبقيّة أفراد مجتمعه بمختلف فئاتهم أو مكوناتهم، وبالتالي يجب أن تتأسس هذه العلاقة كما بينا أعلاه على حبِّ الوطن والشعور بالانتماء إليه والتضحية من أجله، والعمل على رفعته.

أهميّة المواطنة: لا شك ان المواطنة تُساهم بشكل كبيرٍ وملموسٍ في تطوير المجتمعات، وذلك من خلال تحقيق الانسجام بين أفراد المجتمع عن طريق استخدام لغة الحوار لحلّ جميع أنواع الخلاف التي تنشأ بين مختلف فئاته. كما أنها تساهم في حفظ الحقوق والحريّات، وتحفيز الأفراد على تقديم التزاماتهم وواجباتهم تجاه الدولة، وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الخاصة، والمساهمة في ترسيخ المبادئ الأساسيّة في حياة الفرد والمجتمع؛ كالكرامة، والحريّة، والمساواة. وبالتالي تحمّلهم المسؤوليّة عند مشاركتهم في شؤون الحكم، بغض النظر عن الاختلاف والتنوع العرقيّ والعقائديّ والفكريّ بين أفراد المجتمع، إن كل الذي جئنا عليه هنا سيدفع المواطنين للمشاركة في الشأن العام، وسيُقوّي عندهم المواطنة الفاعلة. ويُساعد على بناء الفرد والدولة والمجتمع.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

...............................

* ملاحظة: للاستزادة في مفهوم الهويّة: راجع موقع (موضع).. (تعريف الهويّة).

 

 

جوتيار تمرما الذي يدفعنا دائماً الى القاء اللوم على غيرنا حين تتحول طموحاتنا الى هزائم ليس في واقعنا فحسب، انما في ذواتنا، وحتى في احلامنا..؟، هل يتحكم بنا الاسقاط النفسي ام نحن من نتحكم به ونوظفه لاغراضنا التي نسعى لتحقيقها ولو على حساب قضايانا المصيرية..؟، وبالطبع لانعني بالاسقاط هنا اسقاط المنافس السياسي او تسقيطه كما يقول قاسم حسين صالح، كما لانعني به الخطأ في الحساب والقول، أو: زَلَ، اخطأ، وتحير، والسقيط يعني الناقص العقل، كما في القاموس المحيط، وما نقصد به من الاسقاط هو من المنظور السيكولوجي باعتباره فعل لا ارادي يقوم من خلاله الشخص بنسب افكاره او انفعالاته لآخر أو آخرين لاسيما السلبية منها أو غير المرغوب فيها أو التي تسبب له التوتر (السياسيون وسيكولوجيا الاسقاط)، وتاريخياً ينسب الى علي بن ابي طالب قوله : " إن الفتى من يقول ها انا ذا  - ليس الفتى من يقول كان أبي " (ينظر: ابن زكري الفاسي، الفوائد المتبعة في العوائد المبتدعة)، وكأن مقولته تلك اسقطها الساسة بشكل معكوس، بحيث لا ارادياً اصبحوا يتغنون بتاريخهم السابق ويسيقون افعالهم الحالية وفق نظرية الحق الالهي، باعتبارهم اصحاب  - كان ابي -، فكل الاخطاء والزلات ليست لها اهمية، لانها سقطة لأن ليس هناك من لايخطأ، ولكن ادعاء ان تلك السقطات سببها اخرين، ذلك من صميم الفعل الاسقاطي النفسي القائم على إلصاق الفشل بالغير، وقيل قديماً " قد يفشل المرء كثيراً في عمله ولكن لايجب اعتباره فاشلاً إلا إذا بدأ يُلقي اللوم على غيره.."، وبالتمعن في واقعنا على جميع الاصعدة السياسية والشعبية والاقتصادية والاعلامية، سنجد مدى انغماس شعوبنا بكل تلك الشرائح في الفعل الاسقاطي، بحيث نراهم تجاوزا حدود التبرير اي بمعنى الكذب الصريح  على الذات، الى قمة الاسقاط النفسي، دفاعاً عن ذواتهم المنغمسة في المصلحوية الشخصية والحزبية والطائفية الدينية والقومية.

 لقد اجاد علماء النفس في الوقوف على طبيعة الاسقاط النفسي واعراضه، وبينوا بشكل واضح  وصريح كيف يحدث الاسقاط النفسي  فذهبوا الى أنه يحدث في اللاشعور بشكل بحت، حيث يجد الشخص نفسه يتصرف آلياً دون أن يفكر أو يشعر، فيهاجم من حوله ويلصق عيوبه ونقائصه بهم رغبة في حماية نفسه من ان يتهم بهذه العيوب – يرى فشل الاخرين ويجهر به على الملأ ولكنه لاينظر الى فشله الشخصي، الجماعي -، ويعتمد دائماً على لوم الاخرين على الاشياء التي فشل أن يفعلها، ويوقع عليهم التهم، بأنهم هم من عرقلوا طريقه في الوصول لها، وأنهم هم من اوقعوه في تلك الاخطاء، وفي الوقت نفسه يحاول هذا الشخص ان يقول بأن شخص ما يكرهه، على الرغم من كراهيته هو لذلك الشخص – كما نرى في فعل الغوغائية الفوضوية الاعلامية التي تستغل سخط الناس على الحكومات في الازمات فتعمل على اثارة النعرات والاتهامات من خلال انتقاء بعض الاشخاص الساخطين لينتقدوا الحكومات ليس للاصلاح انما فقط لبث الفوضى -، وذلك بغرض اخفاء مشاعره الدفينة تجاه الغير، مما يخفف من شعوره بالذنب، ولعل من قارئ يرى ان تلك الافعال هي تبريرية في الواقع، ولكن الحقيقة ان التبرير يختلف عن الاسقاط النفسي،ونحن حين نقرر مفهوم وطبيعة الاسقاط النفسي، فإننا وبحسب علماء النفس نرى الاسقاط يكون سلاح يتخذه الفاشل المهزوم  دفاعاً عن النفس، وينتج عنه شعور كبير بالذنب حتى يصل للهلوسة والهذيان، اما التبرير فانه حالة من كذب الشخص على ذاته، حتى يستطيع تحمل خطأه.

ومن خلال ذلك المنطق يمكن النظر الى آليات الدفاع التي تنتهجها جميع الشرائح داخل مجتمعاتنا، وكيفية تعاملهم مع الحقائق، التي خرجت من دوائر التبرير – الكذب على الذات – الى دوائر اوسع دفاعية تحاول ان تُلقي باللوم دائماً على مجهول خفي جبار مُتحكم ومُسبب لكل صور فشله، بعيداً حتى عن المنطق السياسي الذي قد يُقدم شخص واعي على ربط العوائق بالمصالح التي تنتهجهها المنظومات الدولية وكيفية الانسياق ضمن مساراتها، او الابتعاد عنها فتكون درجة العوائق هنا متعلقة بالاثار التي تحدث حين تسير وفق المسار او خلافه، لأن الاصل في الاسقاط النفسي الموجود في غالبية مجتمعاتنا هي ناجمة من خضوع السلطة السياسية بالدرجة الاساس لموجبات الفشل غير المتعلقة والصادرة عن القوة الذاتية، وذلك لان الفرد السياسي لم يدخل في صميم العملية السياسية من باب سعيه التدريجي، او وعيه التدريجي التطوري، ولكنه وجد نفسه سياسياً فاراد ان يمنطق وجوده وفق ألآلية التي ينتهجها الساسة، فكان الفشل ذريعاً في كل الخطوات، كما ان الفشل كان مدمراً على جميع الاصعدة، فالبنية الاجتماعية اصابها التفكك وشرخ كبير، فاصبح كل الافراد ساسة ويُقَيّمون الحكومات وفق نظرياتهم الخاصة المبنية على القوت وتوفير القوت بعيداً عن المُحكَمات الاخرى للسياسة، من فهم وادراك واقعي لتبعيات وجود الحكومات وبرتوكولاتها وواجباتها وحقوقها ضمن اطار تكاملي، ناهيك عن الخضوع لتيارات المعارضة التي تستغل الازمات والفوضى السياسية في الغالب وتحاول القاء لوم الفشل – فشلها – في تحقيق ذاتها على الحكومات واتهامها بالعمالة لأجندات خارجية اقليمية ودولية، او اتهامها بأنها لاتصلح لقيادة الامة، لكونها لاتستطيع ان تدافع عن سيادة الوطن امام تحديات وانتهاكات الاخرين لاسيما الدول الاقليمية التي تسعى دائما لنقل جبهاتها داخل حدود الاخرين، لتقدم لنفسها كذباً تبرير خرقها للقوانين الدولية وانتهاكها لسيادة الاخرين سواء باقتحام حدودها او التدخل في سياستها، كل ذلك يخلق شرخاً اجتماعياً واضحاً في بنية المجتمعات، وتزداد الهوة بين المنطق والعقلانية وبين الفوضى الواهمة التي تتبناها الغوغائية الفوضوية،  اما البنية الاقتصادية فهي تجميلية ظاهرية اعلامية وفي جوهرها ديون وخضوع تام لللااستقرار – فقدان الامني الغذائي -، وبروز طبقة ارستقراطية متحكمة بمصادر الاموال، ومتحكمة في آليات العمران الداخلي غير المنظم العشوائي – البناء العشوائي - الذي دائماً يتسبب بازمات حقيقية للمجتمعات،كما انه في المستقبل القريب لن يكون الا فوضى اخرى حتمية، وكلما اتسعت الهوة بين طبقات المجتمع اقتصادياً كلما كانت خضوع الناس للاسقاط النفسي اسهل واكثر تأثيراً وتأثراً، فإلقاء اللوم يتجه دائماً نحو الحكومات التي لاتستطيع ان تحقق مطاليب الشعوب بسبب الازمات الخارجية التي تؤثر فيها، وبسبب انتشار الفوضى داخلياً،  أما البنية الاعلامية  فهي في الاصل غوغائية فوضوية تعيش على مخلفات وفتات الازمات والاعمال الفاشلة للساسة، على الرغم من كون اصحاب نظرية الاعلام تلك هم في الاصل فاشلين قولاً وفعلاً وليس لهم اي  برنامج اصلاحي شمولي، سوى معاداة الاحزاب المنافسة والاشخاص ضمن صورة اقل ما يقال عنها انها عداءات شخصية، لانه هولاء لم يمروا بمراحل السعي والفشل ومن ثم السعي والنجاح، بل ظهروا فجاة ودخلوا المعترك السياسي وهم يمتلكون قوة اقتصادية مادية اعلامية كبيرة، هدفهم الاساسي اثارة الفوضى، ولايُعرف عنهم مرورهم بمراحل وتجارب سياسية سابقة ليتعلموا من ترجبتهم وفشلهم السابق، لذا نجدهم يبنون صرحهم فوق فتات فشل الاخرين، ومُخلفات الفوضى الناجمة من الازمات، فاصبحوا  كما يقول عبدالله الجعيثن في مقال له " الفاشل من يُلقي فشله على غيره"، ان القوة الذاتية في الانسان تتراكم عبر تعلمه من اخطائه وفشله في بعض المراحل، ولايمكن ان توجد قوة ذاتية في إنسان لم يفشل ابداً، لأن الذي لم يفشل ابداً لم يعمل عملاً حقيقياً ابداً – كتلك الفئات الاقتصادية التي تحولت الى احزاب سياسية مدعومة بالمال والاعلام، حيث نجد اساس وجودها قائم على تنفيذ ما يُؤمرون به بشكل حرفي، وهم دقيقون في التنفيذ ولكنهم غير ممتلئين من الداخل ولا محصنين ضد مختلف المواقف والتغيرات والتحديات لأنهم لم يمروا بها من قبل ولم يواجهوهها ويعالجوها فيفشلون في ذلك مرة أو مرتين أو ثلاثاً وينجحون عشرات المرات، وقد بنوا نجاحهم على دروس فشلهم، وكسبوا في داخلهم الاحاطة بجميع المحاذير والظروف، والمحاذير هي أهم ما يواجه اصحاب القرار، فإن كل قرار قوي له وجه براق إذا لم ننظر الى محاذيره، وهولاء قرراتهم براقة ولكنهم لايملكون اية مقومات لحل الازمات التي سبب قوتهم، ووجودهم منوط بتنفيذ ما يُطلب منهم، ونجدهم دائماً في جانب المعارضة التي تُلقي باللوم على الاخرين، وتُرجع اسباب فشلهم سواء كأفراد او مجموعات – فشلهم الذاتي – وفشل المنظومة التي يعمل تحت سقفها الى اشخاص اخرين او جماعات اخرى.

وعلى ضوء ذلك فان المحاذير او الموجبات التي نراها ونتعايش معها قسراً هي في الاصل مخلفات اللاوعي واللاشعور العدائي القائم لتلك الشرائح داخل مجتمعاتنا والتي تحاول إلقاء اللوم على غيرهم في كل الازمات التي نعيشها، في حين ان الواقع والتاريخ والحقيقة تؤكد بأن الكل مساهم وبنفس الدرجة في مسببات الفشل، وبالتالي فإن الحتميات الناجمة من ذلك والتي قلما ندركها هي ان الاسقاط بوصفه آلية حتمية من آليات الصراع، يفضي إذا تَحكّم الى الانتقام، والمُفضي بدوره الى المشاحنات العنيفة على صعيد العلاقات الاجتماعية، فكيف اذا كان على صعيد الصراع السياسي (قاسم حسين صالح، السياسيون)،  وبالتالي فإن تفشي مشكلة الاسقاط تؤدي الى عدوان مادي في صورة جرائم، فالمواطن الذي يحمل مشاعر عدوانية نحو قياداته قد يسقط تلك المشاعر من خلال القيام باعمال فوضوية، تخريبية، دعائية  هدامة، ويهاجمهم في كل الاحوال والاماكن مستغلاً كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة من اجل ايذائهم، وهكذا تدفع تلك الحيلة النفسية لخلق مجموعات تحاول ان تنسب فشلها في واقعها الى الحكومات، فتتعامل معها على ذلك الاساس، ومن ثم يقومون بارتكاب جرائم فعلية، على ارض الواقع، فتزيد الفوضى فوضى، واللا استقر .

وذلك ما يحتم علينا أن نقف على جوهر بعض المفاهيم التي اصبحنا نوظفها لغير اغراضها، حتى اصبحنا بمنظور علماء الاجتماع والنفس مرضى حقيقيين، مما يعني ضرورة اخضاع ذواتنا للتجربة والسعي ومن ثم الأخذ بالمعايير التي من خلالها نُطلق الاحكام على الاخرين وفق منظورنا الشخصي، وأن نحاول تَقييمها بمنظور اكثر حيادي علمي، فمن منا ليس مصاباً بداء الإنكار والتشكيك بكل ما حولنا، ومن منا ليس مصاباً بمعضلة التشويه وبعبارة أدق تغيير واقع المواقف حتى تتناسب نظرتنا وحاجتنا، ومن منا ليس مصاباً بالعدوانية تجاه اي شيء ليس من مصلحتنا الشخصية، ثم آليات القمع ليست دائماً هي استخدام القوة والعسكر، انما تتضمن بالدرجة الاساس التستر ومنع المشاعر والعواطف، فبدلاً من التصالح معها والاعتراف بها، يتم معاداتها وكبتها، لتتحول الى قوة هدم ذاتية اجتماعية، فضلاً عن حالة التفكك النفسي، كل ذلك موسوم بها جباهُنا، ومتفشي في دواخلنا، ومن خلالها نحاول نحن المرضى ان نُقَيم الواقع، فتأتي تيقيماتنا سلبية دائماً، وكأن المجتمع بكل تفصيلاته جامد غير متحرك، بل الاسوأ انه يتراجع للخلف دوماً ولايتطور وليس له اية برمجة مستقبلية، فتكثر التساؤلات فينا، وتختفي الاجابات وحتى إن وجدت فإنها لاتتلائم مع مرضنا النفسي، فتظهر لدينا حالة عدم الرضا الدائمة، وإلقاء اللوم على غيرنا، وكأن بؤرة فشلنا ليست منا، انما من غيرنا.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

13/1/2022

 

 

محمد محفوظعلى المستويين العربي والإسلامي نستطيع القول أن أغلب الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، التي تعيش حقائق التعدد والتنوع المذهبي، تعاني من مشكلة مستوى الانسجام الاجتماعي والثقافي بين مختلف أطرافها ومكوناتها وتعبيراتها.

لأننا جميعا كعرب ومسلمين لم نتمكن من إدارة تنوعنا المذهبي بصورة إيجابية وحضارية.

لذلك في المكان الاجتماعي الذي تتواجد فيه مجتمعات بشرية، تنتمي إلى مدارس عقدية وفقهية مختلفة عن مدرسة الأكثرية إذا جاز التعبير، تعاني هذه المجتمعات من مدى انسجامها والتحامها مع بعضها البعض.

وحتى نتمكن من معالجة هذه المسألة بشكل صحيح، من الضروري القول: أن المشكلات السياسية والاجتماعية والثقافية المترتبة من وجود حقائق التنوع والتعدد، ليست نابعة من طبيعة التعدد والفقهي والمذهبي أو التنوع الثقافي والاجتماعي، وإنما نابعة من طبيعة الخيارات المتبعة في إدارة حقائق التعدد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وحتى لا نقع في المواقف الأيدلوجية التي تغطي مقتضيات الموضوعية في التعامل مع مثل هذه الموضوعات، نتمكن من القول: أن جميع المسلمين بمختلف مدارسهم الفقهية ومشاريعهم الفكرية فشلوا على المستوى العملي في إدارة التنوع المذهبي الموجود في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

لهذا نحن بحاجة باستمرار إلى تطوير مناهج وآليات إدارتنا لحقائق التنوع الموجودة في مجتمعاتنا، حتى نتجاوز كل العيوب التي قد نقع فيها. وتسبب إشكاليات عملية من جراء سوء إدارتنا أو تعاملنا مع حقائق التنوع المذهبي. ولو تتبعنا اليوم طبيعة الصراعات والصدامات التي تجري في أغلب المناطق العربية والإسلامية، سنجد أن أغلب هذه الصراعات والصدامات، تعود في جذورها إلى الإخفاق الكلي أو النسبي في إدارة حقائق التنوع المذهبي الموجودة في البلدان العربية والإسلامية.

وما نود أن نثيره في هذا المقال هو طبيعة المشكلة الطائفية التي تعاني الأمة منها، ولكن من زاوية أخرى. وهي ما نسميها الطائفية المغلوبة أو المعكوسة.

بمعنى أن الممارسة الطائفية سواء كانت خشنة أن ناعمة، تمارس على نحوين أساسيين وهما: أن المجتمع الغالب يمارس طائفيته المعهودة، حيث التهميش والإقصاء والاستبعاد، والتعامل مع الطرف المذهبي المختلف، بوصفه مشكلة حقيقية وواقعية، تقتضي الاحتراز من هذا الطرف وعدم تمكينه من بعض المواقع الإدارية والسياسية.

لذلك ووفق هذه الرؤية الضيقة في التعامل مع التعددية المذهبية، فإن هذه الرؤية بدل أن تفكر في خيارات حضارية في التعامل مع هذه التعددية، فهي تلتزم بالرؤية السائدة في المنطقة العربية، التي تقتضي الإبعاد الممنهج والإقصاء وتصل بعض الحالات والنماذج إلى ممارسة التمييز بحق الطرف الوطني أو الاجتماعي الذي ينتمي إلى مدرسة فقهية مختلفة أو مغايرة.

وفي مقابل هذه الرؤية، فإن المجتمع الذي تقع عليه سياسات الإقصاء والتهميش، فإنه يقع في ذات المشكلة التي يعاني منها. وهذا ما نسميه الطائفية المغلوبة أو المعكوسة. ولعل من أهم سمات هذه الطائفية المعكوسة هي النقاط التالية:

1ـ العزلة والانكفاء والابتعاد قدر الإمكان عن المحيط الاجتماعي والثقافي والوطني. فإذا كان الغالب يمارس التهميش، فإن المغلوب يمارس العزلة والانكفاء وعدم الاندماج الوطني.

وعلى المستوى التاريخي إذا كانت هناك مبررات ومسوغات للعزلة والانكفاء في حقب تاريخية سابقة. فإن الانكفاء والانعزال في الحقبة الراهنة، يعمق فعل التهميش والإقصاء.

ولا معالجة واقعية لفعل التهميش والإقصاء إلا في الحضور الواعي والحيوي والفاعل على المستويات الوطنية كافة. لأن العزلة ومتوالياتها الإدارية والاجتماعية والثقافية، تضيع الكثير من الفرص التي توفر إمكانية عملية لتجاوز سياسات التهميش أو خيارات الإقصاء.

لذلك فإننا نتمكن من القول: أنه مهما كانت خيارات الإقصاء والتهميش، فإن خيار العزلة والانكفاء يفاقمها ويزيد وطأتها في مختلف الدوائر والمستويات.

ولا حل حقيقي إلا بكسر حاجز العزلة والانكفاء والانطلاق في رحاب الوطن بعيدا عن مركبات النقص التي قد تصيب تلك المجتمعات، التي تراكمت عليها سياسات الإقصاء والتهميش.

2ـ توسيع دائرة المقدس. لو تأملنا في طبيعة السلوك الجماعي الذي تأخذه وتمارسه المجتمعات المنهزمة أو المغلوبة، فإننا نجد أن من أبرز هذا السلوك وكشكل من أشكال الدفاع عن الذات ومقدساتها، هو العمل على توسيع المقدس لديها لحماية المقدس الحقيقي لديها، وحتى لا يتمكن الطرف الغالب من التعدي المباشر على المقدس الحقيقي. لذلك فإننا نرى أن حجم المقدسات لدى المجتمعات المستقرة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا يختلف جذريا عن حجم المقدسات لدى المجتمعات المهددة في وجودها أو كيانها العميق.

من هنا فإن المجتمعات المغلوبة تزداد تمسكا بذاتها الثقافية، ولا تكتفي بذلك، وإنما تعمل عبر آليات عديدة إلى توسيع المقدس كوسيلة من وسائل الدفاع عن المقدس الحقيقي. ومع الزمن تتحول المقدسات الإضافية إلى مقدسات حقيقية من جراء تعاقب الأجيال واختلاف الظروف والأحوال.

3ـ الرهاب من التجديد: من الناحية السوسيولوجية فإن المجتمعات المغلوبة لا تمارس التجديد، ولا تعتبره من أولوياتها القصوى. وإن أغلب جهدها الحقيقي يتجه صوب وقف حالة المغلوبية، والتمسك بأهداب الهوية الذاتية التي هي خط الدفاع الأخير لهذا المجتمع.

أعتقد أن هذه السمات هي من أبرز سمات المجتمعات المغلوبة والتي وقعت في فخ ما نسميه الطائفية المغلوبة. ولن تتمكن هذه المجتمعات المغلوبة من معالجة واقعها وراهنها، إلا بالتحرر من الطائفية المغلوبة وهي الخطوة الأولى في مشروع التحرر من الطائفية الغالبة من أجل المشاركة الفاعلة في وطن للجميع وينعم به الجميع وتتلاحم فيه كل شرائح وفئات المجتمع. لذلك ومن منطلق وطني عميق، ينبغي أن نقف ضد كل نوازع العزلة والانكفاء ونشجع أبناء الوطن بمختلف أطيافهم للانفتاح على بعضهم البعض وكسر حواجز ومبررات الانكفاء.

 

محمد محفوظ

 

محمد الربيعي يعتبر النظام التعليمي في العراق من أسوأ الانظمة التعليمية في العالم بما في ذلك دول الشرق الاوسط. هذه هي الحقيقة المعروفة. نعلم جميعا ذلك، لكن لماذا؟ لماذا نظام التعليم الأجنبي أفضل من نظام التعليم العراقي؟ سأدرج عدد قليل من الاختلافات بين نظام التعليم العراقي ونظام التعليم الأجنبي.

الفرق بين نظام التعليم العراقي والأجنبي

1-  يركز التعليم العراقي على المعلومات النظرية أكثر من التركيز على المواد العملية. ولا يسمح نظام التعليم العراقي بالإبداع، بينما في الدول الأجنبية يركزون على التعلم القائم على التجربة ويسمحون بالإبداع في التعليم.

2- في العراق، التعليم إجراء شكلي، جزء من الروتين، كأن يدفع بصورة مباشرة او غير مباشرة كل عراقي الحصول على درجة علمية في الطب او الهندسة او القانون او في موضوع آخر، وعلى الشهادات العليا، سواء تعلمت شيئا أم لا. في البلدان الاجنبية يعتبر التعليم عملية تعلم. والتأكيد يكون فيه على العمليات وليس على النتائج.

3- منهج التعليم الأجنبي يحتوي على كل شيء من الفنون إلى الرياضة جنبا إلى جنب مع الدراسات النظرية. الدول الغربية لديها فنون ورياضة وموسيقى ومسرح في المنهج. تركز بريطانيا بشكل أكبر على الرياضة فلديهم لعبة الكريكيت، والقدم، والركبي، والعاب الساحة والميدان في المدرسة والكلية. بينما نظام التعليم العراقي يؤكد فقط على الدراسات الصفية. لا يوجد متسع من الوقت للمزيد من المناهج في نظامنا التعليمي.

4- في معظم دول العالم التعليم الابتدائي والثانوي مجاني وإلزامي في القانون. التعليم في العراق أصبح عمل تجاري. أخذ في التحول نحو خصخصة التعليم فاصبح التعليم تجارة لتوليد أموال سواء للمستثمرين او للدولة او للمدرسين في التدريس الخصوصي خارج المدرسة. لذلك يتجه المستثمرون والاحزاب السياسية الآن نحو التعليم.

5- في العراق لا يُعطى الطلاب اختياراً لتحديد مجال اهتمامهم. يجب أن يصبح المرء طبيبا! تعتبر الرياضة والفنون لمن لا يجد مكانا في كلية مرغوبة. إذا لم تحصل على القبول في الطب فانهم سيختارون لك الزراعة. هذا هو ما يشعرك بأنك عراقي. في العراق يتم اختيار الكلية وفقا لمعدل البكلوريا وأنت ملزم بالقبول في الكلية التي تم اختيارها لك. باختصار في العراق انت تسير مع الاخرين في طابور من خط واحد. حيثما كان ذلك في البلدان الأجنبية، ينتظر الطلاب حتى يحصلون على القبول في مجال اهتمامهم.

6-  في العراق تكمن رغبة الطلاب في دراسة المواضيع التي لها توظيف حكومي وعلى اساس رغبة العائلة. وفي البلد الأجنبي يرغب الطلاب في الدراسة وفقا لمجال اهتمامهم واهتمام الشركات الصناعية والمؤسسات التجارية.

7- في العراق، يلزم الطلاب حفظ الحقائق والأرقام. الآلاف من المعادلات الرياضية، تواريخ المواليد والموت للخلفاء والملوك، والتفاعلات الكيميائية والشعر ومئات الأشياء الأخرى. في البلد الأجنبي يوقدون شعلة المعرفة في الطلاب من خلال التجربة العملية.

8- في العراق، الامتحان يقيس قدرة الطالب بما لا يتجاوز المعرفة المبنية على الحفظ والاستذكار وينعدم فيه التفكير النقدي وفهم المفاهيم وتطبيقها وتركيبها وتقييمها وحل المشكلات، مما يؤدي الى تقييم غير عادل لاداء الطالب في كل مستويات التعلم. وفي البلد الاجنبي تتمثل صفات الامتحان في المصداقية والشمولية والموضوعية وتمييز الفروق الفردية والمرونة وتوزيع الدرجات بصورة عادلة.

9- نظام التعليم العراقي يعلم التقنيات القديمة. نظام التعليم لم يتغير فيه الكثير منذ القرن الماضي. نظام التعليم العراقي سيء للغاية في اعتماد أحدث التقنيات في المناهج الدراسية. في البلاد الاجنبية تتغير المناهج الدراسية كل يوم وفقا لتحديث التكنولوجيا ومتطلبات الصناعة.

10- وأخيراً نحن نؤمن بالدرجات والشهادات. نحن نؤمن بالقبول في الجامعات ونكره التعليم المهني والتقني. الدول الأجنبية تؤمن بالمهارات. إنهم لا يهتمون بمؤسسة التعليم أكثر من كونها مؤسسة لتعليم المهارات، كل ما تتعلمه هو ما يمكن تطبيقه اثناء عملك.

هناك الكثير من الأسباب التي تجعل نظام التعليم الأجنبي أفضل من العراقي. تمكنتُ من سرد 10 اسباب هنا. نحن بأشد حاجة لتغيير نظام التعليم. وليس فقط في نظام التعليم، نحن بحاجة ايضا إلى تغيير في عقلية العراقيين كذلك. معا جميعا سيتعين علينا العمل بجد لتحقيق التغيير في نظام التعليم. لكن كيف يمكننا تغييره؟

يبني الانسان لكي يبني الوطن

اصبح العراق في يومنا هذا مورداً للموارد البشرية للعالم عن طريق الهجرة، ولكن ما هي نوعية رأس المال البشري، وهل هو من أجل سد احتياجات المجتمع؟ تشير الإحصاءات إلى أن عدد العاطلين عن العمل في العراق يقارب 15 مليوناً.

ما هو سبب هذه البطالة المرتفعة في العراق؟ الا يتطلع العراق إلى أن يكون بلدا متطورا ودولة قوية؟ الا يريد أن يلعب دورا في المجتمع الدولي؟ لا يبدو انه مهتم بتحقيق هذه الاهداف؟ الا يجب أن ينمو اقتصاده، ولكن لكي يتحقق ذلك، فإنه يتطلب قوة ضخمة من رواد الأعمال الذين يستطيعون تحويله الى دولة منتجة، من تلك التي تستهلك فقط.

يحتاج العراق إلى قوة ضخمة من المبتكرين والمنتجين الذين يمكنهم الاعتماد على الذات في جميع أنواع العلوم والتكنولوجيات. يحتاج العراق إلى مثقفين ومبدعين يمكنهم أن يجعل ثقافته عالمية. ثقافة ليست قابلة للبيع فقط ولكنها تساعد أيضا في بيع منتوجاته في جميع أنحاء العالم. باختصار، يحتاج العراق إلى علماء. قد يقول المرء أن لدينا قلة قليلة منهم. نعم، لدينا بعض منهم. رغم أنهم بأعداد صغيرة، كانوا دائما هناك. لكن السؤال هو - هل هم منتجات نظام التعليم لدينا؟ لا، كانوا مدفوعين بنفسهم وتلهمهم أنفسهم.

يجب أن يجعل التعليم الافراد احرارا، يجب أن يوسع أفق التفكير، وينبغي أن يشجع على التجربة وطرح الأسئلة. في نهاية المطاف، يجب أن يجعل الشخص يدرك القدرات وأوجه القصور التي لديه.

في العراق، لا يفكر الطلاب في اختيار المهن بخلاف الطب والصيدلة والحصول على شهادات عليا. إنها ليست مشكلة جيل الشباب ولكنها تجذرت عند الآباء والعوائل لانعدام الوظائف. انها ليست مشكلة عامة، ولكنها مشكلة نظام التعليم والنظام السياسي الفاسد لدينا الذي لا يمنحنا رؤى مستقبلية صحيحة.

هيكل الدراسة جامد والخيارات المتاحة ضعيفة. من ناحية أخرى، يحصل الطلاب في البلدان ألاجنبية على مجموعة متنوعة من المقررات المتاحة، يمكن للطلاب أن يختارون من بين مجموعة من المقررات والبرامج. ويمكنهم تغيير اختصاصهم في منتصف الطريق. هذا ليس بالامر السئ لانه يعني أن الطلاب يحصلون على معارف من مجموعة متنوعة من الموضوعات وبالتالي، ستكون خياراتهم الوظيفية أكثر وسعا وكذلك الفرص المتاحة لهم.

نظام المقررات يوفر خيارات عديدة ومختلطة من الاختصاصات في بلد لا يحتاج الى اختصاصات دقيقة ومعلومات متوفرة في كتب محددة غرضها النجاح في الامتحان بقدر ما يحتاج الى تدريب وتعليم واسع النطاق، ويوفر كفاءات يحتاجها سوق العمل.

التعليم العالمي يمنح الطلاب فرصا مذهلة للتعلم وثقافة وظيفية تجعلهم يعتمدون على الذات، ويمنحهم أيضا فرصة لكسب خبرة العمل في داخل الكليات والجامعات.

 

أ. د. محمد الربيعي

 

 

سناء ابوشرارمثلما هناك صوت في العالم الخارجي هناك صوت في عوالم الانسان الداخلية، بل أصوات أكثر تنوع من أصوات العالم الخارجي، صوت خارجي يقول تراجع، لا تستطيع، وصوت ضعيف وخافت من أعماق النفس يقول: حاول ربما تستطيع، والأشد أصغاءً لذاته سوف يستمع للصوت الخافت الضعيف، لأنه هناك في أعماق الضعف والهزيمة قد تنبت بذور الانتصار القادم، ولكن الأصوات الخارجية تبدو دائمة صاخبة رنانة ويكاد يملأ صداها الأرض والسماء ولكنها ورغم سطوتها وقوتها تبدو ضعيفة وهشة، فتأخذ قوتها من ضعف من يتلقاها.

هناك في العالم الخارجي، يوجد دائماً عدوٌ ما ينتصر وتتمدد مساحته لحد خنق الآخر، وبقدر ضعف ذلك الآخر يتضاعف حجم العدو، ليس لقوته ولكن لأنه زرع الخوف في الذات الضعيفة، ولكن في العوالم الداخلية للذات البشرية هناك دائماً منفذ وملجأ وطريق هروب أو معركة مواجهه تقضي على الظلم أو تقضي على الضحية لأنه في العوالم الداخلية لا وجود للظلم فإما العدل وإما الموت، فقط في العالم الخارجي يحيا الظلم والحياة بتمازج مر وسقيم ولكنه يستمر لسنوات وقد يستمر للعمر كله دون أن تلجأ الضحية لعوالمها الداخلية ودون أن تموت .

هناك في العوالم الداخلية يتم استقبال الحياة بشكل مختلف تماماً عن العالم الخارجي، ما نراه في العالم الخارجي ليس سوى صور تتكرر بكل يوم، وجوه نراها كل يوم ووجوه نراها لأول مرة، أشياء كثيرة تحيط بنا، قد نحتاجها وقد لا نحتاجها ولكنها موجودة وقد نتصارع لأجلها حتى ولو كانت كمالية ولا قيمة حقيقة لها بجانب قيمة الحياة، أما في عوالم الانسان الحقيقي الداخلية، فلكل شيء مكان وقيمة وقد لا يكون لأي شيء مادي مكان أو قيمة، لأنها عوالم روحية شفافة ترى العالم من خلال ستائر النور فلا تتمكن من الرؤية إلا بوجود النور، وحين يختفي نور الروح يغرق الوجود كله في الظلام، عوالم الانسان الحقيقي الداخلية لا يمكن إلا أن تكون مضيئة شفافة ناصعة البياض وإلا تحولت إلى صورة عن العالم الخارجي، فتفقد خصوصية الصمت وتفقد ميزة الصدق وينسحب صوتها الخافت ليحل محله كل أصوات العالم الخارجي بضجيجه ونفاقه ومراءاته وعدائيته وبأثره الواهن على الروح والعقل.

فمن منا لديه عوالم الداخلية ؟ بل من منا استطاع أن يعثر على عوالمه الداخلية الدفينة والمختبئة في زوايا نفسه وروحه وعقله تماماً كمتاهه تاريخية لا يمكن أن يدخلها ويجد طريقه بها دون خارطة العقل والتفكير والتعمق الدفين بالنفس والروح ؟ من منا استطاع أن ينسحب من العالم الخارجي وأن يذهب برحلة بعيدة وطويلة في عوالمه الداخلية هناك حيث الصفاء والنقاء والبهجة الصامتة، هناك حيث يستعيد روابطه مع الله الخالق الواحد الأحد، برحلة السكون والهدوء، برحلة عدم البحث عن منفعة ما أو محاولة إيجاد غاية ما، فقط هو وما يشعر وما يفكر وارتباطه بالله تعالى هناك بعيداً عن كل الأصوات والنظرات والكلمات في عوالم روحية تخبره بكل الكلمات دون ضجيج، تمنحه كل المشاعر دون مقابل، تقول له الحقيقة دون ثمن، هناك حيث يتعلم أن يقبل الحقيقة لأنها حقيقة دون ألم ودون توقعات، هناك حيث يتعلم وفي كل يوم حقيقة الوجود وبأنه ليس سوى عابر سبيل بهذه الحياة لا يلبث إلا أن يرحل . هناك حيث يدرك ويفهم ويعقل بأن هذا الكون، كل ما به ليس سوى جرم في ملكوت الله تعالى، هناك حيث يُردم الحقد، ويُدفن الأسى ويُنعى الألم، لأنه في عوالم الانسان الحقيقية الداخلية لا يوجد ألم، لأنها لا تحيا إلا بأنوار الله الخالق، ولا تستمر إلا بذلك النور الشفاف للروح، فهي عوالم لا تستمد عناصر وجودها من العالم الخارجي بل تستمدها من ذاتها ومن الحقيقة الإيمانية بأن الحقيقة الأولى والأخيرة هي وجود الله تعالى، وأن من يريد أن يعثر على النور بهذا الكون لن يجده بضوء الشمس ولا بنور القمر بل عميقاً في عوالمه الداخلية .

مهما بلغ عمق الأسى والحزن في العالم الخارجي، تُداوي العوالم الداخلية للانسان الحقيقي جراحه، يذهب إليها بكل يوم لترى ألمه وتضمد جراحه وتهمس له من جديد، غدا يوم أفضل، وأمس كان جميل رغم الألم، ومن الجميل أن تعرف الحقيقة ولو كانت مرة فلا شيء أشد مرارة من الحياة مع الوهم . العوالم الداخلية فقط ترشد الانسان لطريقه في الحياة وبدونها يبدو تائهاً في متاهه العالم الخارجي رغم محدوديته .

رحلة البحث عن العوالم الداخلية ليست سهلة، لأنها تتطلب وقبل كل شيء الانسلاخ عن العالم الخارجي وإصغاء السمع للنداء الخافت الذي يقود الانسان لذاته الدفينة . الشعور والاحساس والشفافية تعابير قد نعتبرها جزء من عالم الضعف الانساني ولا ندرك بأنها أقوى ما في الوجود الانساني لأنها بوصلة الانسان نحو حقيقة وجوده وبقدر تجاهله لها وإخماده لصوتها بقدر ابتعاده عن عوالمه الداخلية وانجرافه في العالم الخارجي . عوالم الانسان الداخلية ليست سوى واحته الظليلة في صيف قائظ، وجزيرته النائية نحو السلام الداخلي حين تجتاح الحروب النفس والعقل، وهي نسمة العطف تجاه كل ما في الوجود وقبل كل شيء تجاه ذاته البشرية.

 

سناء ابو شرار

 

محمد سعد عبداللطيفإن العلاقات الٱثمة بين البشر وزييف المعاملات وقبح الغايات اقعدتني عن السير في هذا العالم ! إن الٱدب السياسي هو التاريخ الحقيقي للأمّة، والشعب، والوطن، والقيم، وليس ما يكتبه اصحاب الإنتماءات السياسية والفكرية،وتزوير الحقائق بإستخدام الإشاعات،لهدف ما .نحن بصدد قضية شائكة تهدد نسيج المجتمع وتمزقة داخل الٱسرة الواحدة بعد ثورات الربيع العربي التي قسمت المجتمع العربي الي نصفين،نحتاج فيها الي تحكيم العقل والمنطق ومنطق التسامح لا منطق الثٱر واشعال النار والدم "،منطق الماضي القريب،في تجربة جنوب افريقيا، واوروبا الشرقية ام نستسلم من إنتشار الإشاعات والفوضي في منطقة "تحت صفيح ساخن " بعد ٱن اصبح العالم بالتعريف الجديد (حارة صغيرة) لقد تنبٱ الكاتب الروائي العالمي "غابرييل غارسيا ماركيز "، في روايتة (شیء خطیر سیحدث فی هذة القرية) من القرن المنصرم، من خطورة الشائعات في جميع رواياته وقصصه ليخوض غمار هذه المشكلات، ومن هنا انطلق في قصته " خریف البطریرك " التی تُرجمت الی کثیر من اللغات. كذلك روايتة العالمية (الحب في زمن الكوليرا) لقد استطاع "غارسيا ماركيز"، ٱن يكون سباقًا في رؤيته الاستبصارية للواقع والأمراض التي تنهش المجتمع، وضياع الإنسان الذي هو في نظرنا إنسان (إنسان العالم الثالث؛ الإنسان العربي). لقد کتب روایته علی شاطٸ المحیط الأطلسي. لیکتب لعالم لا یعرفة فی الشرق الأوسط الذي يعيش حالة من التخبط والحروب الاهلية.. من قال إن الفن الراقي لا يجب أن يكون هادفًا، ومعبرًا عن الروح الحزينة لملايين البؤساء في كوكبنا غير المتوازن، المليء بالمصائب والظلم والإجحاف؟

إن عالم ماركيز الفني الرحب، الذي يخترق فيه الحواجز وينطلق للمقاربة بين العوالم البشرية، ويقدّم النقد لهذه العوالم من خلال نظرته الفلسفية ولغته الأدبية؛ يشكّل نموذجًا مصغرًا للعالم الخارجي الذي نحن في صدده، وأدب ماركيز في الإجمال ينتمي إلى الواقعية السحرية.. هل کان " مارکیز خاٸن ؟ عندما. كتب عن واقع عاشة في بلد يسودها العصابات والفوضي !!

"إن كل رواية جيدة هي سر لأغوار العالم" ونحن الأن أمام منعطف تاریخي عالمي.وأمام إنتشار الأشاعات وخاصتا فی مجتمعنا المصري وخاصتا في الريف قد ساعد ذلك التقدم التكنولوجي من ثورة المعلومات وشبكات التواصل الإجتماعي في نشر الخبر بدون رقابة في سماء عالم مفتوح خلال ثواني معدودة !! ومع ظهور وباء" كوفيد 19" فی العالم كانت الإشاعات تنتشر. كالنار في الهشيم،ر.بعد الأعلان الرسمي عن حالات الوفاة (لنعیش مع قصه  "شيء خطير جدًا سيحدث في هذه القریة". ونحن الأن بصدد انتشار الاشاعات فی مجتمعنا. نعیش مع هذه القصه التی عالجت أهم مشكلة قد يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية وهي "الإشاعة" وأثرها على مجتمع ما؛ تدور أحداث هذه القصة في قرية صغيرة، تُشكل العجوز المحور الأساسي في الحكاية؛ إذ تُخبر أبناءها أن شيئًا خطيرًا سيحدث في هذه القرية، ثم ينقل الأبناء هذا الخبر لأصدقائهم، ليبدأ الخبر بالانتشار حتى يعم أرجاء القرية كافة؛ حينها يبدأ الجميع بالاحتياط والخوف من هذا الشيء الذي سيحدث؛ فهذه سيدة تريد شراء رطلين من اللحم ولكن البائع يخبرها بحدوث شيء خطير فتقوم بشراء أربع أرطال، وهذا آخر يشير إلى درجة حراة الطقس في الظهيرة -برغم أنها طبيعيّة- على أن شيئًا سيحدث، ويبدأ تجمع الناس في الميدان لمراقبة عصفورين هبطا، ويتهامسون أن شيئًا خطيرًا سيحدث فعلًا في القریة.

يبدأ الناس بالهروب من القرية مذعورين حتى تصبح خاوية على عروشها، لتخرج العجوز وتقول: "ألم أقل لكم أن شيئًا خطيرًا جدًا سيحدث في هذه القرية، وقلتم إنني مجنونة".

هكذا ختم ماركيز قصته، بعد عرضه لمشاهد الذعر والخوف التي انتابت أهل القرية. هکذا یحدث الٱن فی الواقع مصر فی خلال اسبوع من قضية المعلمة التي رقصت في رحلة. ووفاة كل من الإعلامي وائل الإبراشي والمستشارة تهاني الجبالي "من انتشار الإشاعات وتقسيم المجتمع الي فريقين متناحرين " لقد کانت کتابات "مارکیز" تقوم على هدف وأساس ثابت. كان ماركيز كثيرًا ما يسخر من الجهل والشعوذة قائلًا: "لم يتم الحاق الهزيمة بتلك الآفة إلا بفنون الشعوذة". وهو الأساس التي تقوم عليه قصتنا التي هي محور دراستنا؛ الجهل، الإشاعة، المجتمع الذي يتقبل الحوادث بصورة فطرية أقرب ما تكون للسذاجة.،

من خلال إسقاط مفهوم الواقعية السحرية على القصة نرى أثر الاستبصار لدى العجوز، وهو أحد أهم سمات هذه المدرسة، فقد شكل استبصارها المحور الذي تدور حوله عجلة القصة والذي ساعد على سرد تفاصيل القصة وإبراز الحركات واستنطاق الشخوص، والتدرج السردي حتى وصلنا إلى نتيجة الاستبصار وهو الشيء الخطير الذي سيحدث.. وکأننا نعیش القصة رغم ان کاتبها لم ینشرها.تحدُث الان فی الواقع الذی نعیش هذه اللحظات مع إنتشار الإشاعات المغرضة في وقت يتعرض فية العالم لوباء فیروس کورونا. والتغيرات المناخية والحروب في. منطقتنا العربية والصراعات الجيوسياسية . في نظري نحتاج الي اعادة قراءة التاريخ والٱدب العالمي والقصص الادبیة. بديلا عن الفوضي التي انتشرت الٱن في زمن العتمة نريد من يضئ شمعة للٱدب السياسي لنجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل " او يوسف ادريس في "فقر الفكر، وفكر الفقر، التي اصبحت خیانه .لكل مثقف ٱن ينجر الي حادث ويشعل النار فية .خيانة المثقف كما ذكرها الفيلسوف الفرنسي "سارتر "

وفی نهایة مقالي:

(ن" وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ

مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ

وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ

وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) "صدق الله العظبم"

 

بقلم: محمد سعد عبد اللطيف

کاتب مصري.وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

 

 

وعلي حبطيشبقلم: ميشال توزي

ترجمة: حبطيش وعلي


 Le mythe comme support à une réflexion philosophique avec les élèves

لقيادة مناقشة فلسفية في الفصل، نبدأ عادةً بسؤال قوي يطرحه الأطفال والمراهقون في الفصل. السؤال، لأنه يضع فرديًا وجماعيًا في موقع بحثي للإجابة عليه، يؤدي إلى عدة حلول ممكنة، وبالتالي يثير المناقشة. سؤال ينطلق من الأطراف المهتمة أنفسهم، يحل مشكلة الدافع، لأننا نريد البحث عن إجابة لسؤال وإيجاده بمجرد طرحه بشكل شخصي وحقيقي.

بالنسبة للأطفال الصغار، يمكن جمع هذه الأسئلة تلقائيًا أو بشكل رسمي في "مربع أسئلة" ؛ عندما يكون هناك برنامج فلسفي، كما هو الحال في السنة الأخيرة من المدرسة الثانوية، يمكن صياغتها من مفاهيم البرنامج. يمكن أن تنشأ بشكل طبيعي من الأحداث اليومية، من موقف يطرح مشكلة أساسية، شخصية (مثل الصداقة أو الحب) أو جماعية (قتال)، الطبقة أو المدرسة، الوجودي (الموت) أو المجتمع (خبر) .. يمكن أن تنشأ أيضًا، بطريقة تعليمية أكثر، أي أنها منظمة للتعلم الانعكاسي، من الدعم الذي يختاره المعلم: ألبوم شباب (1)، شريط هزلي (2)، ملصق (3)، رواية (4)، فيلم (5)، نص فيلسوف (6)، أو أسطورة ...

هنا نود التأكيد على الاهتمام المحدد للأسطورة بجعل الأطفال يفكرون.

الموتوس والشعارات، من الأسطورة إلى العقل ...

سنقول لماذا نبدأ من الأساطير لجعل الطلاب يفكرون فلسفيًا؟ قد يبدو الاقتراح استفزازيا. أليست الأسطورة، من منظور العلماء، ما قبل العقلانية، عن ترتيب الفكر قبل المنطقي، السحري، الديني، ما قبل العلمي؛ أو غير عقلاني، نشأ في اللاوعي الجماعي كما يقول يونج، مستوحى من الخيال، عندما يكون الأمر يتعلق بممارسة الطلاب لعقلهم؟ ليست الأطروحة الأكثر شيوعًا التي مفادها أن الفلسفة الغربية نشأت تحديدًا من التحول اليوناني من المتحولات إلى الشعارات في القرن السادس قبل الميلاد. ألخمين داخبلاد، عندما بدأ Xenophanes في انتقاد السلوك البغيض للآلهة الذين هم بشريون للغاية، وعندما أفسح Ouranos و Chronos و Zeus المجال أمام شعب ما قبل سقراط للهواء أو الأرض أو الماء أو النار كعنصر أساسي في الكون؟ إذن، ألا ينشأ اللوغوس كسبب من نقد الأسطورة، كمقطع من القصص الخيالية إلى المعرفة العقلانية للعالم في الشكل العلمي أو الفلسفي للعقلانية؟

ومع ذلك، فإن مصالح كل من mutos و logos هي نقاش فلسفي قديم. هل تستطيع الأسطورة أن تقول، بلغة أصيلة، من خلال قوتها الشعرية على الإيحاء، تفوقها، أشياء لا يمكن للمنطق، أو العقل، بسبب حدودها، أو جمودها المحدود، إضفاء الطابع الرسمي عليها أو فهمها (هذه هي نسخة الرومانسيين)؟ أم أن اللوغوس، على وجه التحديد بعقلانيته، تغلب على الأسطورة، هو تقدم للإنسانية في المعرفة؟ يمكننا أن نرى بوضوح هذا الغموض، أود أن أقول هذا التعقيد في أفلاطون، الذي من ناحية يعتمد على أسطورة أورفيك، أو يحشد الأساطير أو يخلقها بنفسه، ومن ناحية أخرى يطور مايوتيات عقلانية مشددة بالتعريفات المفاهيمية مع سقراط ("ماذا؟ هي الشجاعة - أم الفضيلة؟ إن جنسية اللاوعي، التي لها منطقها الخاص، غريبة على وجه التحديد عن منطق الشعارات ... يترك فلاسفة المفهوم باب الأسطورة مفتوحًا: لأسباب عملية، يحافظ كانط على الأسطورة على حدود "a" الدين في حدود سبب واحد ". ويرى هيجل في نوعه من التمثيل مظهرا تأمليا لمطلق الروح، تجاوزه المفهوم بالتأكيد في ديناميكيات ديالكتيك، لكنه حافظ ...

لا يمكن إنكار الأسطورة تجعل المرء يفكر. إنها نقطة انطلاق للفكر، من خلال قوتها في الدلالة، من خلال تعدد الأصوات لمعانيها المحتملة، وقوة جمعياتها من الأفكار. لكن هل يفكر، أم أنه مجرد مفهوم يفكر حقًا؟ إنه نقاش فلسفي، لأن هناك فلاسفة للمفهوم يثقون فقط بالعقل (على سبيل المثال، الفهم وأفكاره الواضحة والمتميزة في ديكارت، الفكرة الملائمة في سبينوزا، معمارية العقل في كانط، الروح في هيجل ...)، والفلاسفة منفتحة على استعارة الأسطورة (بعض الحكام القبليين، أفلوطين، نيتشه، بيرجسون ...).

على عكس الأسطورة، فإن المنطق الفلسفي، كما يقول دولوز، "فكر بمفهوم". المفهوم هو إنتاج الشعارات، مثلالحكم أو المنطق. مزاياه هي:

- من ناحية، من خلال اللغة، بما أنه لا يمكن للمرء أن يفكر بدون اللغة، فإن قوتها في التعميم والتجريد، مما يضمن لها امتدادًا واسعًا: ينطبق مفهوم الإنسان على جميع الرجال في الماضي، حاضرًا أو مستقبلًا، حقيقيًا أو متخيلًا ؛ من ناحية أخرى، قدرتها التوضيحية على التعريف من خلال النطق بسماتها، والتي تقصر وتحدد، وبالتالي تحدد المحتوى الدلالي لمفهوم ما، وتجعل من الممكن فهمها (على سبيل المثال: "الإنسان حيوان سياسي")، مما يؤدي إلى الدقة في استخدام اللغة (نبدأ في التفكير عندما نبدأ في معرفة ما نتحدث عنه بالضبط)

- أخيرًا قوتها التشغيلية للفهم العقلاني للواقع: أفهم بشكل أفضل ما هو الرجل بالنسبة للحيوان عندما أقول على سبيل المثال إنه loquans، وهذا يعني التحدث، وخاصة cogitans، وهذا يعني، التفكير .

ميزة المفهوم هي صرامته ووضوحه التوضيحي. حدوده؟ الجانب المجرد والبارد والجاف، الذي يبعدها عن العالم المتنوع والملون: المفهوم، مثل الكلمة، ليس أو لا يريد أو يمكن أن يكون الشيء ؛ بحثه عن الوحدة التي تجعله يغلق ؛ طريقته في بناء النظام، مما يجعله كليًا مغلقًا على نفسه. الاستعارة المعاكسة هي الاستعارة العلائقية، الكثيفة، متعددة المعاني، الخيالية، المتكاثرة، لكنها تستدعي تأويلًا، تفسيرًا، لأنه غير مؤكد، فقد ضبابية الخطوط العريضة. لكن هل يجب أن نلعب المفهوم ضد الاستعارة أم العكس؟

مصلحة الانتعاش المفاهيمي للأسطورة

بالمقارنة مع أولئك الذين يفضلون على التوالي القوة الشعرية للطفرات، أو القوة التفسيرية العقلانية للشعارات، سأقوم بتطوير فكرة أن كل منهم يعمل في مجاله الخاص. لقد ابتكر الجنس البشري خلال تاريخه أشكالًا ثقافية عظيمة للإجابة على سؤال المعنى: الدين، والفن، والفلسفة، والعلم ... كل منها يعمل في سجلات مميزة للحقيقة، والتي لا تكون بالضرورة متناقضة. تتوقف أسطورة سفر التكوين عن كونها منافسة للعلم إذا لم يتم أخذها بالمعنى الحرفي والأصولي أو لم تعد، ولكنها تعتبر نصًا رمزيًا مفتوحًا للتفسير. يمكن أن تسمح الشعارات من وجهة النظر هذه بتفسير عقلاني لـ mutos، توضيح مفاهيمي لما تقوله مجازيًا. هذا هو السبيل الثالث الذي نفضله، دون أن نقرر ما إذا كانت الشعارات تقول باستمرار ولكن بخلاف ذلك نفس الشيء مثل الأسطورة، أو إذا انفصلت عن طريق قول شيء آخر ...

بالنسبة لنا، فإن جعل الأطفال أو المراهقين يفكرون من الأسطورة هو جعلهم يكررون بشكل رمزي وتربوي الرحلة اليونانية التي تقود من التحولات إلى الشعارات، من السرد المقدس الفائق إلى العقل الفلسفي الجوهري.

إن الإحياء المفاهيمي للأسطورة من خلال مناقشة بهدف فلسفي يجعل من الممكن بالفعل الاستفادة من تعدد المعاني بما يكفي لتغذية التبادل على تفسيرها العقلاني، وطرح أسئلة فلسفية عن الحالة الإنسانية التي تتعامل معها بطريقتها الخاصة ( 7). إنها لعبة مربحة للجانبين، لأننا نمتص القوة المجازية لفهمنا للعالم، والتي في حد ذاتها تستحق ثقلها في العمق، لترجمتها إلى لغة أخرى، لغة العقل التفسيري، مما يجعل تقنينه صريحًا. لكنه لا يغلق هذا الثراء بمجرد أن يصبح حوارًا "صراعًا في التفسيرات" (ب. ريكور). هذا هو السبب في أن الأسطورة تكوينية في مرافقتها من خلال مناقشة بهدف فلسفي. لأن 1) يجمع المرء من خلاله الثراء الدلالي للصورة ؛

2) لكننا نحاول أيضًا تركيز هذا التشتت المحتمل في رسالة أكثر وضوحًا؛

3) مع تجنب الانغلاق والبرودة للمفهوم الجاف والاختزالي من خلال تعددية التفسيرات وحيوية النقاش حول الأسئلة الأساسية التي يطرحها، أثناء محاولته الإجابة عليها.

نحن نشترك في تحليلات Bettelheim التي ترى في الحكاية الخيالية (وهي نفس العملية للأسطورة) فرصة للطفل للعمل دون وعي وإسقاطي على صراعاته داخل النفس (8). كما يعتقد أن قراءة هذه الحكايات للأطفال كافية بحد ذاتها للقيام بهذا العمل

Nous pensons pour notre part qu'une

réflexion plus organisée à partir des mythes permet en plus un autre type de travail, apporte une dimension supplémentaire et complémentaire : l'exercice de la raison sur le récit, l'allégorie, l'image, la

التعبير المجازي؛ سبب مشترك يخلق التفسيرات، والذي يحدث هذه المرة على مستوى واعٍ وأكثر انعكاسًا. هنا ننضم إلى عمل سيرج بويمار (9)، الذي يفضل الأسطورة من الناحية التربوية على الوسائط الأخف (مثل الرسوم الهزلية)، بسبب نطاقها الأنثروبولوجي، الذي يربط المراهقين وجوديًا (خاصة الشباب).

الطلاب الفاشلين الذين تكون علاقتهم بالمدرسة وبالعالم بشكل عام إشكالية، والذين "يريدون أن يعرفوا ويخافوا أن يتعلموا").

لذلك، ليست القراءة البنيوية للأسطورة بقدر ما تثير اهتمامنا هنا، مثل "الأسطورية المنطقية": نظام منظم من العلامات وفقًا للقوانين، اندماجي داخل السيميائية لمجموعة من العناصر المحددة والمحددة، mythems ”(راجع العمل الهائل للأنثروبولوجيا الهيكلية بواسطة ليفي شتراوس). ما ينيرنا بالأحرى في منظورنا التعليمي لتعلم الفلسفة، وليس الأنثروبولوجيا أو الإثنولوجيا أو علم اللغة (مع نظريات الخطاب)، هو، في الأسطورة، تعبئة السرد والاستعارة، بأبعادها التخيلية والرمزية، التي تتعلق بالأحرى بالجانب الدلالي لخطابها (أصل كلمة mutos القديم هو "الكلام": ما يخبرنا به، ما يقوله، ما يقوله. يسعى لإخبارنا بطريقته الخاصة، ما يندرج ضمن علاقته بالمعنى والحقيقة، وهي المجالات التي تتعلق بشكل خاص بالمنهج الفلسفي.

هذا الخطاب لا يفعله من الناحية المفاهيمية، مع المفهوم العلمي الحديث لـ "السبب". تحدث Lévi-Bruhl عن فكر سحري ما قبل المنطقي مع سببيته المجسمة. إنها تحكي قصة "مقدسة"، تمس فيها الأشياء الأساسية، ومصادر الكون، والأرض، والحياة، والإنسان، والمستحيل والممنوع، والولادة والموت، والموت، والحب. ..

يروي قصة، ينتقل من خلال السرد. لذلك فهو يروق للخيال

لكن هناك خصوصية للأسطورة مقارنة بالنصوص السردية الأخرى. من المؤكد أنه ليس من السهل رسم الحدود، وقد اعترف جي دوميزيل بأنه قضى حياته يميز الأسطورة عن الحكاية ... لكن يمكننا القول أن الأسطورة تتبع التاريخ، من خلال تجميلها بعد ذلك. الحكاية خيالية، إنها قصة رائعة، حتى عندما تكون هناك لحظات من الخوف لا تريد صراحة إظهارها. الحكاية، على العكس من ذلك، هي تعليمية، وهناك قضية أخلاقية. الأسطورة مشبعة على الفور بالمعنى البشري، من خلال الإشارة إلى الآلهة. يتجلى خياله بقوة في الرمزية.

خصوصيتها هي التحدث إلينا تاريخيًا وجوديًا عن الأصل، فهي تجسد البداية، والوقت السابق للوقت، ولكن أيضًا العلاقة مع زماننا، بكل حالات سقوطه وانتكاساته، أي - أي أيضًا عن بداياتها. إنه خطاب يمكن فك شفرته بواسطة علم اللغة، مثل أي خطاب، لكنه يتخذ معنى فقط وله قيمة معرفية فقط بالإشارة إلى "الواقعي" الطبيعي والاجتماعي. يقول شيئًا لشخص ما عن شيء ما. يريد أن يكون "توضيحيًا"، يحاول أن يعطي "سببًا" لـ (ولادة الكون، المجتمع، المشاكل البشرية ...). لها وظيفة بدء (Micea Eliade)، من خلال توضيح الوقت التاريخي في زمن بدائي. إنه يولد الطقوس والمقدسات، تأثير ممزوج بالحب والخوف. لأن "الحقيقي" محجوب، مبهم، غامض، في مكان ما غير معروف، في أبعاده فوق العقلانية (في إشارة إلى البعد "الروحي") أو غير العقلاني (في إشارة إلى اللاوعي)، فإن الأسطورة تحدد وضوح هذا العالم السري، دون أن تجعل إنه شفاف تمامًا (وهو ما ستحاوله الشعارات).

وبهذا المعنى، فهو تعليمي، مثلما يسلم المعلم رسالة، وينقل سرًا تجاريًا (كلما زادت المعلومات

كانت الأساطير تاريخياً في اليونان في البداية روايات مقدسة تنتقل باطنيًا في بعض الأنساب). في الوقت نفسه، من الباطن، بالحدود العقلانية للاستعارة، يمكن للمرء دائمًا أن يدور فقط إلى نقطة معينة يؤدي بعدها إلى الضلال وحتى الأعمى (في حين أن الشعارات تريد أن تكون الوضوح والعالمية، وأساس الديمقراطية الفكرية) ؛ وقابلة للمشاركة، لأنها تستند إلى تقليد جماعي وشفهي وشعبي وغير متعلم، وتجتذب حساسية وخيال الجميع. من خلال هذا التأصيل الحساس والخيالي في شكل قصة سيتردد صداها في الطفل كرجل صغير.

الطفولة هي سن السبب، من التعطش لفهم موقف لم يختره المولود في العالم، حيث تم طرحه هناك، والذي يطرح معنى هذا الحدث الغامض، المأساوي من صرخة الضيق الأولى. والتي ستنتهي في تنهد أخير. تتماشى الأسطورة مع هذا التساؤل الوجودي البدائي، لأنها ترسم نوعًا من الضوء على هذا السؤال الخطير الذي صاغه الرجال تاريخيًا قبل العقل بوقت طويل. هذا لأنه يتردد أنه يمكن أن يكون أرضًا خصبة للتفكير، والذي ينادي بالرد على سؤال أصلي.

أمثلة على النهج

1) التفسير العقلاني للمعنى الضمني للأسطورة

دعونا نوضح وجهة نظرنا. نحن نعمل أيضًا على الأسطورة مع الأطفال والمراهقين والبالغين - معلمي المدارس في التدريب والمشاركين

في مقهى الفلسفة أو في ورشة عمل الفلسفة في جامعة ناربون الشعبية. دليل على أن الأسطورة، بطريقة معينة، ليس لها عمر: فهي تمر عبر التاريخ العظيم للرجال، والتاريخ الصغير لحياتنا، لأنها تحكي قصة (ما نحبه - الأطفال أو الكبار)، يمكن الوصول إليها بسهولة أكبر من خلال سردها من نهج مفاهيمي مباشر. نحن نستخدم الأساطير الأفلاطونية كثيرًا، لأنها تستلهم من كل من الأساطير اليونانية والفلسفة، وتضع تفاعلًا وثيقًا بين الطوائف والشعارات، في ظهورها وتقاليدها الفلسفية، لها بُعد ثقافي قوي (أساسي في مهمة المدرسة)، والرد على الاعتراض الذي غالبًا ما يتم توجيهه إلى الفلسفة مع الأطفال: أنت تدعي أنك تمارس الفلسفة بدون فلاسفة أو لجوء إلى الثقافة ...

يمكننا أن نرى الجانب المجازي للأسطورة يعمل هناك. على سبيل المثال في قصة الكهف، أسطورة أصل وطبيعة الفلسفة، إنها مسألة سجناء مقيدون (حالة الرجال المحرومين من الحرية - التفكير)، في كهف مظلم حيث لا يمكن للمرء أن يرى حالة الظلال (استعارة الرجل للرأي والغموض وظلامية الجهل) ؛ يتم فصل أحد هؤلاء السجناء وإجباره على تسلق منحدر شديد الانحدار (البحث عن الحقيقة ليس تلقائيًا، ومرهقًا عند القيام به)، لاكتشاف العالم الحقيقي (الحقيقة، الأفكار)، الذي يزعج، أعمى حتى في أولاً مثل الشمس التي لا يمكن النظر إليها في الوجه (يتطلب البحث جهدًا وتعودًا ومثابرة ومثابرة) ؛ وعندما يعود إلى الكهف لمشاركة الحقيقة المكتشفة، فإنه يخاطر بالقتل (هذا ما حدث لسقراط: الحقيقة الغاضبة، هدامة من الناحية المعرفية والاجتماعية) ...

هذه القصة التي يتم سردها هي قصة وصفية أولاً (يمكننا أن نطلب من التلاميذ رسمًا، والذي يعيدهم باستمرار إلى النص بحيث يكون الشكل دقيقًا)، ثم سرد (غالبًا ما طلبت منهم تقديم شريط فكاهي يقدم سردًا - حكاية - من خلافة القصة). ويحقق أفلاطون نفسه "الإحياء المفاهيمي للأسطورة" من خلال تفصيل عناصر القصة بشكل منهجي بطريقة مجردة، وشرح المعنى الكامن للقصة في محتوى فلسفي صريح. لكن هذا المحتوى أصبح متاحًا بشكل أكبر لأنه تم استقلابه في السابق بشكل خيالي في شكل استعارة، والتي توضحها تربويًا في أعقاب التفسير العقلاني.

هنا لدينا نموذج الارتباط والمقطع من التحولات إلى الشعارات، والتي، بعيدًا عن أن تكون متعارضة، تعزز بعضها البعض لإيصال رسالة، من خلال الإجابة على الأسئلة الضمنية، والتي يمكن طرحها صراحة على التلاميذ: في ماذا الدولة التي يجدها الرجال بشكل عفوي في علاقتهم بالمعرفة والحقيقة؟ الجهل، "شرط طبيعتنا فيما يتعلق بالجهل" (جمهورية، يعيش 7، أ). كيف نخرج من حالة الجهل هذه؟ من خلال البحث عن الحقيقة وراء آرائه العفوية والمعتادة، "طريق الروح للصعود إلى المكان المعقول". هل هو سهل؟ لا، عليك أن تشك في ما هو واضح، قم بتحويل نظرتك. ما هو الفيلسوف؟ طالب الحقيقة ومساهمها. ما هو منهجه؟ اشرح، واشرح بعقلانية، ما تبقى مصورًا، وتوصل إلى حقيقة الحقيقة، وما وراء ظهور الظلال، حقيقة الحقيقة.

مثال آخر هو أسطورة الأندروجينات، في خطاب أريستوفانيس عن الحب في المأدبة. هذه هي أسطورة أصل الحب التي تجيب على السؤال: أين نحن في الحب؟ من أين يأتي الحب؟ هذه هي قصة هؤلاء الرجال الأصليين برأسين وذراعين ورجلين، بعد أن استاءوا من الآلهة، تم قطعهم إلى جزأين للعقاب، ومن هنا رغبتهم التي لا تنضب في أن يصبحوا واحدًا من خلال احتضان بعضهم البعض. للاندماج. هذا هو "التفسير" غير العقلاني، ولكن الموحي جدًا، المقترح في الشكل السردي لقصة خيالية، يفسر مجازيًا أصل وطبيعة الرغبة (نتاج موضوع منقسم، كما سيقول لاكان)، في نفس الوقت معاناة من نقص وفرحة (إعادة) الاكتشاف، عند أعلى نقطة رمزية منذ أن كان الرمز في الأصل، تم تقطيع هذا الكائن إلى جزأين قمنا بتجميعهما معًا بطريقة معدلة لمحاولة إعادة تكوين كليته التي أعطته معنى.

الاهتمام الأول للأسطورة في الفلسفة كدعم تأملي، كما رأينا للتو، هو شرح معناها الضمني بشكل عقلاني. تتناسب أساطير أفلاطون بشكل خاص مع هذا، لأن لها هدفًا تعليميًا وفضيلة: نقل رسالة أكثر تجريدًا من خلال جوهر القصة. يتم تقليل تعدد المعاني إلى حد ما هناك، لأن أفلاطون نفسه يعطي القراءة التي يجب أن تكون عليه. من قصة حلقة Gyges، يختتم السفسطائي Glaucon فلسفيًا، بمعارضة سقراط وفقًا لـتكافئ "لا أحد شرير عمدًا"، أن إعطاء السلطة لشخص ما يجعله بالضرورة سيئًا، حتى لو كان صالحًا.

لكن أي قراءة يفلت من كاتب النص. إن "حق القارئ" كما يقول يو إيكو، هو أن يبني، من خلال وفي قراءته للمعنى، معناه الخاص، والذي يقتصر فقط على "حق النص"، وليس حق المؤلف. ... إنه كذلك لذلك من الممكن الحصول على "قراءات" أخرى للولائم غير تلك الخاصة بأفلاطون، مثل قراءة لاكان على سبيل المثال. ويمكن للأطفال أن يربكونا في التفسيرات التي يقدمونها للنص، بمجرد أن نفتح نقاشًا تفسيريًا وردود الفعل عليه. الأطفال الصغار جدًا لا يريدون العودة إلى الكهف، لأنهم يخافون من الظلام، أو لا يريدون التحدث بالحقيقة المكشوفة، حتى لا يغضبوا زملائهم في الفصل، ويتركون وحدهم.

في أسطورة Gyges، حيث يصبح الراعي قويًا للغاية بخاتم يجعله غير مرئي، هل نفسر أخذ Gyges للحلقة (على عملاق ميت في جوف صدع في الأرض) على أنه "موجود" أو "مسروق"، كما نسمع بشكل مختلف عندما يسرد الأطفال الأسطورة، التي فهمها كل منهم على طريقته؟ هذا التصنيف مهم لتفسير التكملة (Gyges يغوي الملكة ويقتل الملك ويستولي على السلطة): هل الخاتم هو الذي جعله سيئًا عندما "وجده"؟ أم طبيعته التي لديها الآن القدرة على زيادة شره لأنه "سرقها"؟

2) الأسطورة كوسيلة للحوار بين المعلم والطالب، أو للمناقشات الفلسفية

تجعل الأسطورة من الممكن التساؤل عن الأسئلة الأساسية المطروحة على الحالة البشرية. في نهاية مرحلة الفهم الحرفي للقصة - التي تم التحقق منها من خلال القدرة على سردها - أسأل الأطفال أو البالغين عما "تخبرنا" هذه القصة، وما هو أبعد من حرفيتها.، "رسالتها". التفسيرات بشكل عام متنوعة. يقول البعض أن الخاتم جعل Gyges سيئًا. ولكن لأن Gyges سيئ بالفعل فقد قتل الملك، ودعم الآخرين، ويمكن لشخص آخر أن يستخدم هذه القوة الجديدة ... وحتى يذهب لسرقة الأموال في بنك غني لإعطاء المال للفقراء ..

غالبًا ما اقترحت على الأطفال والكبار أسطورة سفر التكوين، قصة سلسلة التحريم، الإغراء، الانتهاك، العقاب. ماذا قيل لنا عندما قيل لنا هذه القصة؟ النسخة الملونة: أن الإنسان لا يجب أن يعصي الله مما أدى إلى آلام المخاض والولادة والموت؟ أم - النسخة الديناميكية التي بموجبها يسمح التحريم - أن عصيانه فتح للرجل الجنس والرغبة (خجلوا من التعري) والوصول إلى المعرفة بأكل ثمر الشجرة؟ تندمج الأسئلة في النص نفسه: لماذا لا قدر الله؟ لماذا يعاقب إذا كان جيدًا؟ لماذا لا يغفر؟ لماذا حرم أكل ثمر شجرة المعرفة؟ لماذا يحظر دون أن يوضح سبب المنعه؟ "لماذا عوقبوا لأنهم لم يعرفوا بعد الخير والشر؟ "؛ "لماذا حواء هي التي تتعدى على الأولى"؟ "لماذا يحذو آدم مثال زوجته؟ "لماذا من الخطأ أن تريد أن تصبح مثل الله"؟ أو بشكل أكثر عمومية: لماذا نحتاج إلى المحظورات؟ هل ما زالوا مبررين؟ هل التعدي دائما شيء سيء؟ هل يصير الإنسان إلهه؟

يمكننا أن نرى فائدة النهج: التشكيك في معنى القصة بما يتجاوز جانبها السردي، وبناء مفاهيم معانيها المحتملة، وتعزيز النقاش التفسيري حول النص، واعتبار الأسطورة كرد ضمني على سؤال أو أكثر، وتحديد الأسئلة يسألهم ويصيغهم بشكل صريح، بالإضافة إلى الإجابات التي يبدو أنه يعطيها، وتناول الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا شخصيًا، ونناقشها بشكل جماعي (هذه هي "اللحظة المناسبة DVP"). ميزة القيام بذلك مع الأطفال هي أن قوتهم الرائعة في الاستجواب، غير المسبوقة، الضخمة والراديكالية، "حماقتهم" بمعنى دولوز، تضع أصابعهم على أسئلة لم نعد نسألها لأنفسنا ...

إن أخذ الأسطورة كدعم يعني الاعتماد على مادة غنية جدًا بالأصل من الناحية الأنثروبولوجية، تحتوي على الأسئلة الأساسية للإنسانية: لذلك يمكننا إما أن نشرح بعقلانية المعنى (المعاني) التي نجدها فيها، أو نبدأ من الأسئلة و الإجابات الضمنية التي يحتوي عليها لمناقشة هذه الأسئلة بأنفسهم. كتب السيد ليبمان - يُحسب له - روايات فلسفية مخصصة، تحتوي ضمنيًا على الأسئلة العظيمة لتاريخ الفلسفة. هذه الأسئلة موجودة بالفعل في الأساطير ؛ الأمر متروك للمعلم لقيادة شرحهم من خلال الحوار، وقيادة المناقشات حول هذه الأسئلة الرئيسية ومحاولات إجاباتهم.

ملحوظات

(1) انظر عمل Y. S.

oulé، D.Bucheton and M. Tozzi: الأدب في المناظرات - المناقشات الأدبية والفلسفية في المدرسة الابتدائية، Sceren-Crdp de Montpellier، 2008.

أو عمل Edwige Chirouter. أطروحته: بماذا يفكر أدب الأطفال؟ النطاق الفلسفي لأدب الأطفال والممارسات الفلسفية في الحلقة 3 من المدرسة الابتدائية، مونبلييه 3، 2008 ؛ أو كتابه: القراءة والتأمل والمناقشة في المدرسة الابتدائية - أدب الشباب لمعالجة الأسئلة الفلسفية، هاشيت، 2007.

(2) أمثلة: سلسلة Piccolophilo لميشيل بيكيمال، المراجعة البلجيكية Philéas et Autobulle ؛ الفلاسفة الصغار في بايارد ؛ أين. السعادة، أو الحقيقة حسب Ninon d'O. Brénifier في Autrement Jeunesse إلخ.

(3) تقدم مراجعة Pomme d´Api (Bayard) كل شهر، للتلاميذ من سن 3 سنوات، ملصقًا مزدوجًا متباينًا لحثهم على التفكير في سؤال.

(4) هذه هي حالة الروايات الفلسفية السبع لم. تالبوت إلخ.

(5) انظر العمل Philosophie en série، Ellipses، 2009، الذي يظهر فيه Thibaut de Saint Maurice استخدامه الفلسفي للمسلسلات التليفزيونية مع محطته.

(6) شاتين جيه، بيتير جيه سي، نصوص ومناقشات ذات هدف فلسفي في الحلقة 3، في الكلية و ... في مكان آخر، Sceren-Crdp de Créteil، 2003.

(7) يمكن العثور على الجهاز المقترح وأمثلة لاستخدام الأساطير الأفلاطونية كدعم لـ DVP في كتابي المناظرة من الأساطير - مدرسة وفي مكان آخر، Chronique sociale، ليون، 2006.

(8) Bettelheim B.، Psychanalyse des tes de fées، Pluriel، Paris، 1976.

(9) بويمار س.، الطفل والخوف من التعلم، دونود، باريس 2002.

 

...........................

* ميشيل توزي، أستاذ فخري في العلوم التربوية بجامعة مونبلييه

 

بكر السباتينمن منا لم يعاني من أثر الشائعات على صعيد شخصي أو جمعي في إطار الأسرة والمجتمع والدولة والعالم، وقد استفحلت بيننا وفينا مع توالي الأزمات الاقتصادية وارتباط جزء منها بالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، والصراعات الدولية التي تؤثر على العالم، والخطر البيئي الذي يتهدد الأرض ومن عليها، ومخرجات تفشي مرض كورونا والتغيرات التي طرأت على الأمزجة والعادات والتقاليد بمساعدة التقنيات الحديثة المرتبطة بالفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي ومصادر المعلومات المقروءة والمسموعة والبصرية التي أتخمت بها الشبكة العنكبوتية التي تخطت كل القوانين الوضعية والدينية دون قيود .

فما فما هو تعريف الشائعة: أشكالها.. عوامل انتشارها.. سبل محاصرتها والقضاء عليها أو التقليل من أثرها إذا تعذر ذلك؟

أولاً- مفهوم الشائعة:

الإشاعة في اللغة: الأخبار المنتشرة. أما اصطلاحاً فإنها تجتمع على مفهوم واحد يتضمنه التعريف القائل بأن الشائعة هي: "الأحاديث والأقوال والأخبار التي يتناقلها الناس، والقصص التي يروونها؛ دون التثبت من صحتها، أو التحقق من صدقها".

والملاحظ إن هناك رابطاً و عاملاً مشتركاً يجمع بين المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي والسيكولوجي، هو "الانتشار والتزايد".

إلا أن العالم ليون فستنجر في نظرية التنافر المعرفي يضيف إلى ذلك ما فحواه بأن "استقبال الأفراد أو الجماعة لمعلومات غامضة أو غير كافية أو غير مناسبة أو متناقضة تخلق لديهم حالة من مظاهر سوء الإدراك والفهم لمجريات الأحداث مسببة حالة من الارتباك والفوضى"

والشرارة الأولى للشائعة تبدأ بخبر ذو أهمية خاصة لدى جماعة من الناس في ظل ظروف من الغموض والالتباس وفي حالة من التوجس والخوف والترقب لحدوث شيء ما؛ فتأتي الشائعة لتفرغ الضغوطات المتفاقمة في أعماق من يعانون منها، فتريحهم إلى أن تنجلي الحقيقة.. صادمة كانت أو متوافقةً مع التطلعات

أي أن "الشائعة تنتج عن الامتزاج الأقصى بين الحيرة والقلق" وهي تعيش إما لتحقيق الحاجات والتوقعات التي أثارتها حتى ينخفض مستوى القلق.

وفق ما ذهب إليه العالمان روسنو وغاري ألانفي في كتابهما المشترك:

" الشائعة والقيل والقال، وعلم النفس الاجتماعي والشائعة"

ثانياً- سبب انتشار الشائعات:

- يرجع البعض أيضاً أسباب ترديد الشائعات إلى ما يلي:

- المجتمع الجاهل يكون بيئة خصبة ومناسبة لترويج الشائعات ذات المصادر المبهمة مع أنها تمتلك جزءاً من الحقيقة ما سيتيح للمتلقي ترويجها مع إضافات ترضي غروره أو مآربه.. فتتحول إلى كرة ثلج تتدحرج على ألسنة الناس وتنمو بإفراط إلى أن تذيبها شمس الحقيقة..

- عدم وجود الطرف المخول بالرد على شائعة مُعينة يزيد لهيبها ويبعد عنها الشكوك والأقاويل.

- انتشار وسائل الاتصالات الحديثة التي يجملها الفضاء الرقمي. سواء كانت الشبكة المعلوماتية التي تتضمن ما هو مكتوب أو مسموع أو مرئي وبصري، بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

 وكل ذلك يُعَدُّ السبب الأهم في انتشار الشائعات ومصدر المعلومات المتاح للجميع بسهولة ويسر.

- قانون الشائعات الذي في رصد حركة الشائعة وقوتها ويوفر معطيات السيطرة عليها من خلال تحليل مدخلاتها.

ويقوم هذا القانون على عنصري الأهمية، والغموض. والمقصود هنا؛ أهمية الموضوع بالنسبة للأفراد المعنيين وغموض الأدلة الخاصة بموضوع الشائعة.

لقد حاول كل من ألبورت وبوستمان أن يضعا قانوناً أساسياً للشائعة في شكل معادلة جبرية، ووصلا إلى أنه من الممكن وضع معادلة عن شدة الشائعة على النحو التالي:

"شدة الشائعة= الأهمية * الغموض"

بحيث أن العلاقة بين طرفي المعادلة أو المدخلات طردية، فإذا ازدادت نسبة الغموض أو الأهمية ازدادت شدة الشائعة.

وترتكز المعادلة على أن الشخص لا يهتم أساساً بنشر الشائعة طالما لا تعنيه، أي "أهميتها" بالنسبة إليه. وهذا لا يكفي بل لا بد من اكتناف "الغموض" للخبر حتى تنفتح شهية ترويجه من قبل المتلقين.

ثالثاً- دوافع نشر الشائعة لدى الأفراد:

هناك دوافع متعددة تكمن وراء نشر الأفراد للشائعة وفيها بعد نفسي ذاتي أو جمعي، وقابلة للتدحرج والنمو والتأثير ويمكن توظيفها لمآرب تخريبية أو تسويقية، ومن هذه الدوافع:

-  الدافع النفسي الذاتي؛ لجذب الانتباه وتعويض النقص وحب الظهور على نحو شخصية "أبو العريف" الذي يسعى لجذب الانتباه إلى نفسه فيقوم بإلقاء الشائعة من أجل رفع مكانته في عيون الآخرين لشعوره بالنقص.

- الإسقاط المعنوي وإثارة الفوضى :حيث يشعر الفرد عندما يقوم بنقل الشائعة أنها تبعده عن المخاوف و نجده يسيطر عليها وتتسم هذه الشائعة بالطابع العدائي وتتسم بالغموض وعدم الوضوح ومثال على ذلك الشائعات التي تروج ضد الفلسطينيين لتسويق صفقة القرن وتقبل الصهاينة نفسياً ومعنوياً وقد ساهم الذباب الإلكتروني في نشرها عبر الفضاء الرقمي.

- العــدوان "قتل الشخصية": فيقوم الشخص في موقف من المواقف ونتيجة لعلاقات معينة بينه وبين شخص أخر بنشر شائعة ضد هذا الشخص وذلك قصد إيقاع الأذى بسمعة الشخص الأخر.

- بعث الثقـة و الاطمئنان في النفس: وفي ذلك يقوم ناشر الشائعة بترديدها بهدف إشراك غيره في مقاسمته حمل العبء في اكتساب عطف الآخرين بغية تهوين إيقاع الخبر الحقيقي الصادم على المقربين، وهذا النوع من الشائعات تمارسه الحكومات على شعوبها بصيغة أخرى؛ لتمرير الصفقات المرفوضة شعبياً.. ويمكن إدراج ما يعرف ب"بالونات الاختبار" في هذا السياق.

- العرفان والجميل وتحسين الأجواء: كذلك قد تنقل الشائعة من شخص إلى آخر بهدف تقديم المجاملة الودية من باب رد الجميل والمبالغة في المديح بغية إيصال الصورة للطرف الآخر من باب تمرير الرسائل المريحة التي تشيع في نفسه مشاعر الاطمئنان.

- الميل إلى التوقـع أو الاستباق: إذ تبلغ الشائعة ذروتها عندما يكون المرء متوقعا شيئا خطيرا بعد طول انتظار.. وهذا نهج يقوم به أصحاب القنوات المنتشرة في الفضاء الرقمي "التيوبر"

- الشائعات الاستراتيجية: وهي الشائعات المنظمة مثل الجيوش السيبرانية خدمة لأجندات الدول المتصارعة، كما يحدث في فضائنا العربي، أو ما يتعلق بالمنظمات العالمية التي يكتنفها الغموض مثل الماسونية، ومحاولة زعزعة الثوابت وإشاعة القلق والخوف على صعيد عالمي من خلال التشكيك بالأديان، والثوابت العلمية كشائعة أن الأرض مسطحة والأرض المجوفة، وأن الحرب العالمية الثالثة وشيكة، وأن هناك من يتربص بالبشرية من خلال انتاج الفيروسات في المختبرات العالمية للسيطرة على النمو السكان من خلال الإبادة البشرية، ناهيك عن شائعة حقن البشر بالشرائح الدقيقة عن طريق الحقن للتحكم بهم.

رابعاً- تصنيف الشائعات وأهدافها:

لقد حاول العالم بيساو أن يستخدم معيار الوقت في تصنيفه للشائعات وقسمها إلى ثلاثة أنواع:

1- الشائعة الزاحفة والمراوغة:

وهي التي تروج ببطء عن طريق الإعلام السيبراني الموجه عبر الفضاء الرقمي، ويتناقلها الناس همساً وبطريقة سرية - لحساسيتها- تنتهي في آخر الأمر إلى أن يعرفها الجميع. وذلك على نحو تمرير المشاريع السياسية والاقتصادية المبهمة من خلال تحليلات ترتكز على مدخلات تلك المشاريع وإظهار محاسنها من خلال مقارنتها بالمصير المخيف الذي يبالغ المحللون في تهويله في حال رفضها.. وترتكز تلك الأراجيف على مبدأ المصالح العليا ولو جاءت على حساب المبادئ.

2- شائعات العنف:

وهي تتصف بالعنف، وتنتشر انتشار النار في الهشيم، وهذا النوع من الشائعات يغطي جماعة كبيرة جداً في وقت بالغ القصر. ومن نمط هذا النوع تلك التي تروج عن الحوادث والكوارث أو عن الانتصارات الباهرة أو الهزيمة في زمن الحرب.. كما حدث في حرب 1967 ما يعرف بنكسة حزيران.. حيث أطلق المذيع أحمد سعيد عبر إذاعة صوت العرب في القاهرة شائعات حول انتصارات الجيش المصري وكيف أن الدفاعات الجوية أسقطت مئات الطائرات الإسرائيلية، لتفاجأ الأمة العربي بهزيمة العرب التي برمجت الإنسان العربي في تلك المرحلة على الخوف.

وكذلك فعل بسمارك عام 1870 حينما ادعى بأن فرنسا تريد احتلال "الاتحاد الألماني الشمالي" فجيشت هذه الشائعة الشعب الألماني فنجم عن ذلك الاحتلال احتلال فرنسا.

وهو ما حدث في معركة بلاط الشهداء التي خسر فيها المسلمون بقيادة عبد الرحمن الغافقي الحرب عام 732م حينما انطلقت أخبار بولغ فيها (شائعات) حول تسلل الجيش الفرنسي إلى معسكرات تخييم المسلمين خلف الجبهة، ونهب الغنائم والاعتداء على عائلاتهم فتفرق جمع المسلمين ما أدى إلى هزيمتهم.

3- الشائعات الغائصة:

وهي التي تروج في أول الأمر ثم تغوص تحت السطح لتظهر مرة أخرى عندما تتهيأ لها الظروف بالظهور، ويكثر هذا النوع من الشائعات في القصص المماثلة التي تعاود الظهور في كل حرب و التي تصف وحشية العدو وقسوته مع الأطفال والنساء.. وأقرب مثالاً على ذلك ما تمارسه سياسة المشروع الصهيوني الإعلامية بدءاً من أكذوبة شعب الله المختار التي على أساسها يحرم الشعب الفلسطيني من حقوقه.. ورجم المقاومة في غزة بتهمة الإرهاب وخاصة "حماس".. صحيح أن الفلسطينيين يردون على هذه الشائعات المضللة بما أتيح لديهم من تقنيات مستشهدين بما في حوزتهم من وثائق؛ ولكن آلة الدعاية الإسرائيلية تنتشر بفاعلية في القارات الخمس وخاصة في وطننا العربي، وهذا يصعب من مهمة الفلسطينيين.

رابعاً:- الشائعات التسويقية (الدعاية والإعلان) ذات الهدف الربحي من خلال الترويج لمحاسن السلع التجارية، عبر الإعلانات بأنواعها.

أو خداع المستهلكين من خلال أكاذيب مكشوفة لتسويق البضائع شبه التالفة كما حصل في عام 2009 عندما تفجرت إشاعة مدوية في السعودية باحتواء مكائن الخياطة سنجر على مادة الزئبق الأحمر، مما أدى إلى وصول أسعار هذه الخُرد إلى مئات الآلاف من الريالات !.

ويمكن إدراج تسويق المشاهير في هذا السياق نظراً لأن سرعة الانتشار تعود عليهم بالربح الكبير،، والشائعات التي تقوم على هذا المبدأ عادةً ما تحوم حول المشاهير كوفاة لاعب أو حدوث حادث لفنانة وغيره من الشائعات.

من الشائعات من يصنعها المجتمع بنفسه خصوصاً للأمور المزمع أو المترقب حدوثها وذلك بكثرة ترديدها و السؤال عنها تنخلق شيئاً فشيئاً هذه الشائعات.

خامساً- خطر الشائعات على المجتمعات:

للشائعات آثار نفسية وحسية بالغة فبمقدورها القضاء على مجتمعات كاملة في حين أنها لم تُواجه من قِبل الأطراف الواعية، وتزداد خطورتها إذا كانت هُناك جهة ما تُزيد إسعار نار الشائعة طلباً لمُبتغياتها، لأنها تشيع الخوف والارتباك وتؤدي إلى تفشي القلق بين الناس وتزرع الشك في قلوبهم وعقولهم وهذه تربة صالحة للأزمات بكل أشكالها.

سادساً- كيف نواجه الشائعات:

للحكومة والأفراد دور تكاملي في التصدي للشائعات:

- التعامل بشفافية مع المواطنين ونشر الأخبار الصحيحة مهما كانت طبيعتها، حتى لا يستسلموا طوعاً وبغير إرادتهم للدعايات السامة التي يبثها العدو عبر جيشه السيبراني وشركائه في الفضاء الرقمي، القادر على التأثير سلبياً على الوعي العربي والذي يسعى لإعادة برمجة العقل العربي وفق رؤيته الصهيونية.

- الرد على الشائعات فور انتشارها لمحاصرتها بالأخبار الصحيحة.

- نشر الوعي بين الناس وكيفية التبين من صحة الخبر والتحقق من مصدره والتمييز بين الغث والسمين؛ لأن الشائعة والجهل صَنْوان.

- مراقبة ما يتابع الأبناء من أخبار يختلط فيها الحابل بالنابل والغث بالسمين.

- إشغال الوقت بالعمل المجدي أو ما يفيد لأن الفراغ من مقومات تلقي الشائعة ونشرها.

وأخيراً فمواجهة الشائعات المتدحرجة قبل استفحالها والوقوع في مستنقع النتائج وحصاد الألسنأ لا بد من تضافر كافة الجهود الرسمية والشعبية لرد خطرها عنا وبناء الثقة بين الناس في المجتمع، وبين المواطن والحكومة ما دامت الشفافية قائمة والانتماء للوطن وقضايانا العادلة متين.

 

بقلم بكر السباتين

11 يناير 2022

................

* محاضرة للباحث بكر السباتين في نادي صاحبات الكتاب - عمان- الأردن

 

عبد الجبار العبيدياين نحن منها اليوم؟

مصطلحات ثلاثة: الحضارة والثقافة والمدنية. كلها تعني مفهوم واحد هو النظرة الحياتية لتقدم المجتمع وان اختلفت المفاهيم فيما بينها.

فالحضارة تمثل النظم والقيم والمعتقدات لشعب معين.. بينما المدنية تمثل النشاط الاجتماعي المرتبط بالجانب العقلي والمادي للانسان.. أما الثقافة تعني النشاط الانساني الذي يلبي حاجات البشر الروحية والفكرية ويسهم في تطور المجتمعات الانسانية.

الثقافة هي عقلية القيادة وطريقة تفكيرها في بناء الدولة، فأذا لم تكن العقلية القيادية ترتبط بثقافة عالية المستوى بعيدة ان الذاتوية باستطاعتها استيعاب التغيرات الاجتماعية والسياسية، لا يمكنها من المساهمة في بناء دولة القانون والعدالة.. كما في قيادات الدول التي ظهرت في القرن العشرين والواحد والعشرين، لكونها لم تعتمد القاعدة الشعبية في تطبيق الحقوق ولا تعرف الا الذات الفردية كما روجتها مؤسسات الحكم ناقصة المعرفة لنفي الاخر والانفراد بالسلطة والحكم.. لدرجة سقطت عنها مفاهيم الثقافة القيادية للوطن.. فمن يفقد الحب للأخر، والأخلاص للوطن، والشعور بالمسئؤلية العامة.. يفقد قيم اخلاقية الثقافة.

تتوارد الكتابات اليوم حول ثقافة العراق الجديد بعد 2003 التي يجب ان تعتمد التغيير الذاتي، في الكتابة والكلام المنطقي الصحيح، هنا يحتاج المواطن الى طرح افكار جديدة لتعريف الثقافة العراقية الجديدة وطرق تعميمها على مجتمع هدمت فيه الثقافة وتكسرت اضلاعها على مذبح المصالح الشخصية المتقاتلة فيما بينها من اجل مصلحتها الذاتية لا الوطنية.. ومن اجل تدمير الثقافة الوطنية لا أصلاحها.. حتى اصبحت القيم ثقافة لا اخلاقية في مجتمع غاب فيه القانون والعدالة وبالتالي غابت فيه الحقوق.

ولكي نفهم المراد بالثقافة الجديدة التي تعتمد التغيير الذاتي علينا ان نقول: ان لكل بلد من بلدان العالم نصيبا من الفنون والعلوم الثقافية، وان اختلفت مستوياتها لكن قواعدها تبقى واحدة، وتبقى عالمية النزعة وان اختلفت لغاتها،

اما الفن فعلى خلاف ذلك، مثل الادب والرسم والنحت والموسيقى، وحتى وان استعملت فيها لغة واحدة، لكن الروح والذوق المستعملان فيها يختلفان من شخص لاخر. وفي المحصلة، العلم والفن يدخلان في مفهوم مسيرة الثقافة الحضارية لذا يجب المحافظة عليها.

لذا فالثقافة: هي ثمرة كل نشاط انساني محلي ناتج من البيئة ومعبر عنها،

فثقافة العراق التي يتحدثون عنها الكُتاب اليوم هي جزء من حضارتهم العريقة، وهي تعبير عن الطبيعة العراقية وطبيعة منشئيها. هذه الثقافة التي احتوت ثقافة الحياة والمحبة والسلام والتعايش والمعرفة والحوار والجرأة والنقد، هذه الثقافة التي تريد الذاتوية تدميرها لنقص في تربيتها الثقافية.

ولكن على مر الزمن نلحظ تشابها وتقاربا في تطبيق هذه المفاهيم في الحضارة العراقية القديمة والحديثة حتى قيام التغيير في 2003. فهل هناك حقائق اخرى لمسها الكُتاب ليغيروا بها ثقافة العراق الجديد، وهل ان التغيير سيكون لصالح الجديد ام لصالح القديم الذي تبعثر وانتهى.. لا اعتقد ان في حالة الظروف الصعبة اليوم نستطيع ان نبني ثقافة الجديد المطلوب بعد ان ضعف الشعور بمسئولية الوطن والانسان وحلت بنا ثقافة الذاتوية.

لكل من الاسلوبين المطروحين منا ومن الاخرين الافاضل تعود الى عوامل تاريخية واجتماعية تشكل في النهاية اسلوب حياة الناس. فثقافة الامة هي علمها غير الواعي الذي تتوارثه اجيالها وتسير به شئون حياتها اي طريقتها في الحياة( Its way of life). وهنا تدخل اللغة والنظم الحياتية اليومية وما يختفي وراءها من علم متوارث فيها فعلى كتاب الدستور المحافظة عليها.

لكن السؤال المهم الذي نريد ان نطرحه على الاخوة، هل بأمكان الثقافة ان تغير واقع الحال بلا منهج معدٍ، واداة لمراقبة المنهج وتنفيذه؟ بعد ان طرحت وسادت عشوائياً خلال الفترة السابقة واللاحقة، ام تترك كيفما اتفق والشعب هو الذي يكون ما يرغب به الكُتاب في وطنهم الجديد؟ وهل ان الثقافة والاخلاق العربية التراثية الاصيلة لم تعد تجدي نفعاً، فالمطلوب تحديثها و اعادة صياغتها صياغة تتفق وواقع الحال الجديد، وبناء ثقافة جديدة على هذا المنهج المطروح اليوم؟، واذا جازلنا ذلك، فهو يجوز على امة ناقصة الثقافة اوحديثة عهد بها، فهل يجوز اليوم تطبيقها على ثقافة وطن الحضارة العريقة مثل العراق؟.

أنني اختلف مع البعض في وجهة نظرهم في هذا الطرح اللغوي والعلمي للثقافة، لاقول لهم ان الثقافة الجديدة التي نريدها جميعاً تحتاج الى ابداع واقعي اكثر ما تحتاج الى تنظير طوباوي يجري خلف جمهورية افلاطون او مدينة الفارابي الفاضلة، ونحن الان نعيش في سُلَم التقصير الثقافي والخلقي والسلوكي في وقت تمارس ابشع وسائل الثقافة الديموغوجية في وطننا العراق حتى حسبت ان لا شيء في العراق اسمه ثقافة الاخلاق سوى سراب يحسبه الضمآن ماءً، بعد ان الغينا الزمان والمكان واسقطنا العقل والتاريخ والاخلاق والحقوق من حساب ثقافتنا الحالية، فهل من عقل جديد مبدع ليعود بنا الى ثقافة الوطن العريقة بعيدا عن النرجسية والطائفية والعنصرية التي زرعها فينا الاغراب؟.. نعم نستطيع اذا ألغينا الطائفية والمذهبية والعنصرية وآمنا بالوطن الواحد بعيدا عن الرأي الفقهي الجامد.

نحن لسنا بحاجة الى ثقافة جديدة، بل بحاجة الى تطبيق منهج علمي جديد مبني على الوفاء والمحبة والاخلاص والامانة الحقيقية للشعب والوطن يرضاها الله، بعد ان عَمَ الفساد كل شرايين حياة الانسان العراقي اليوم، ظاهرة ما عهدناها من قبل، لذا فالظاهرة محكومة بظروفها التي يجب ان نحرص على معرفتها وتطويرها. علينا ان نهتم بعامل الزمن دون اهمال التاريخ، فالتجديد يجب ان يكون على مستوى الرؤية التاريخية وجديتة في النظر والعمل معا، بعد ان بدأنا نملك بعض وسائلها وتقف الحرية والعدالة الأجتماعية في المقدمة، وهذه هي الثمرة الوحيدة التي حصلنا عليها اليوم رغم ظروف الأنكسارات السياسية المتعمدة.. وهي لا شك كبيرة وبنظري اكبر من كبيرة.

بهذه الرؤية وبهذا المنهج سنملك مشروعا له منطلق وتوجهات وقسمات، هي بكل تأكيد تحديثاً جذريا في مستوى النظر والعمل، لان وجود التراكم الحضاري للوطن الحبيب منذ فجر الحضارات هو الرسالة لنا ولحضارتنا التي قد بلغت سن الرشد وان خابت في بعض مضامينها السياسية، فلا بد لها من ان تتحمل الاعباء في وقت المحن بعد ان صار االانسان والعقل حرا فيها فلا حاجة لها الا التثوير بعد التغييرفي 2003، لذا لابد للعقل من ان يعمل والعقل يعرف بفعاله لمواجهة تفاعلات الواقع عبر مسيرة الزمن فهل نحن جادون ما نقول وما نريد في ظل هذه التراكمات المصلحية للقيادة..؟.

كل الادوات نملكها ولم يتبق لنا الا المُنَفذ، فقد اثبتت ثورة تشرين الشبابية عام 19الخالدة التي هي الانسان فهل نحن نملك الانسان المفصل على ثقافتنا حتى نجدد الحضارة والثقافة معه وبه. نريد من ثقافة تشرين ان تحل الحقوق في مجتمعنا تلقائيا دون المطالبة بها اي سيادة القانون لترتاح النفس الانسانية دون تفريق. اما اذا بقينا على ما نحن علية بنظرية (شيلني وشيلك)، فتلك هي الطامة الكبرى، فلن نستطيع ان نحقق تجديدا ولا نبني بلدا، ما دامت الصنمية تسري في عروقنا ومن اجل الحفاظ عليها نستبعد كل شريف ومخلص لنبقى على كل ضعيف وفاسد الذين هم زعانف اسماك القرش في عالم لا يعرف الا الاعوجاج للوصول الى الهدف، انهم سكاكين اعداء الوطن التي تنخر في جسده حتى الموت، لكنهم ما دروا انهم هم الذين سيموتون.. والأنتخابات أثبتت ذلك.. والمستقبل كفيل بالتغيير الكلي لمفهوم الثقافة العراقية الجديدة. 

ورغم ما اصاب الأوطا في كل العهود من مظالم ونكبات، لكن التاريخ لم يحدثنا ابدا ان سمحوا لاعداء الشعب باحتلال اوطانهم وهم موضوعون تحت حماية سيوفهم وتغيير اسلوب حياتهم ومنهجهم في الحياة. صحيح تهاونوا، لكن الثوابت الوطنية ظلت خطأ احمرا عندهم والذي يتابع رسالة فلاسفة اليونان والرومان والمسلمين.. لا يستطيع اتهامهم بخرق الثوابت الوطنية التي حرمتها الانسانية على مر الزمن رغم الهفوات.

فثقافة الحياة موجودة لدينا نحن المسلمين ومحددة بالبند الثالث من دستور المدينة المغيب اليوم عنا الذي يقول: (يجب ان لاينام الحاكم ليلته وفي بلده معوزٍ واحدٍ). فأذا أمنت ارزاق الناس أمنت على نفسك منهم وهم حماتك لا الغريب. أما لغة الحوار والنقد والشورى مورست منذ البداية: (امرهم شورى بينهم) ولكن بلا تطبيق (منا أمير ومنكم أمير) والذي يلاحظ كيف ان معن بن زائدة يحاور الحاكم ويصفة بالجاحد، وسفيان الثوري الذي يصف المنصور بالظالم، والامام موسى بن جعفر (ع) يقف مع الرشيد ناصحا وموبخاً له وجها بوجه ( يا رشيد الظلم فاشٍ ببابك) يشعر ان ثقافة الحواركانت هي ثقافة عقلية القيادة وبحالة صحية جيدة عندهم رغم ما نقرأ ويشاع..

اما الاعتدال فيكفينا فخرا ان القرآن يدعو للوسطية (وكذلك جعلناكم أمةً وسطا، البقرة 143 ) في التعامل ومحمد(ص) ينادي اصحابه يوم فتح مكة قائلا: ( لاتقتلوا اعداؤكم حتى لا يقال ان محمدا يقتل اصحابه). فهل في ثقافتنا نحن نعيش تحت الحماية ونترك الشعب مكشوف الصدرللظلمة والذين لا يؤمنون بحياة البشر.. كما في قيادات الاحزاب الاسلامية اليوم التي قتلت من طالب بالثقافة الحقة كما في ثوار تشرين الأبطال.

اعتقد ان الاخوة يقصدون بمقالاتهم، حول سبل التغيير في العراق الجديد ثقافة القبول بالأمر الواقع، ولا يمكن لهذا القصد ان يتحقق الا بمنهج معرفي جديد، واداة المنهج الذي يجب ان يرسخ مفاهيم الحياة الصحيحة الجديدة لمجتمعه كما يتصورون، فهل نحن بقادرين على صنعهما من وراء هذا المشهد الذي يكاد ينطق بصوت الكارثة القادمة وراء حجب الليل البهيم، بعد ان تأصلت الطائفية والعنصرية والاقليمية ونظريات ضياع الحقوق في بلد هو اصلا مرشحا لقبولها.. ان المؤسسة الدينية هي التي ساهمت وتساهم في التخريب والا اين فتاواها في التصحيح..؟.

ان اليد الواحدة لا تصفق فأذا وجد اليوم من يريد ان يرفع شعار الثقافة الجديدة والاصلاح الجديد بحق وصدق عليه ان ينشر ثقافة التغلب على الصعاب بأختراقها، وعليه ان ينشر وينبه الى ضرورة احياء الشخصية العراقية التي ضعفت وانهارت امام الاخرين، عليه ان ينبه الى ضرورة المحافظة على الثوابت الوطنية التي جوبهت بعنف الحاكم اللئيم، عليه ان ينبه الى قيمة الانسان العراقي المهجر الغلبان والسجين بلا دليل الذي اصبح لا يلوي على شيء، واذا ما ضل خائفا او مترددا فلن يكون مصيره الا الانتهاء كما انتهى من قبله الاخرون؟

فهل في العراق اليوم رجال من هذا الطراز من البشر؟ام رجال لا يزالون ياملون المنفعة الشخصية لا غير.. والتي لا ترتضيها النفس العراقية الابية من اناس لا يستحقون حتى ان تصافحهم الايدي النظيفة، هؤلاء الذين ساهموا في سرقة المال والارض والقتل العمد للمحتجين، وهم اليوم كما تراهم أذلاء رؤوسهم منكسة لا تستطيع مجابهة المظلومين.. نأمل من القادمين الخير..

موضوع يحتاج الى وقفة جادة من الاخوة المهتمون بالشأن الثقافي العراقي حتى يوفقون فيما يريدون.. لا يتركون الشعر والنثر والتفاخر والتقارب والمديح.. لكن توجهاتهم يجب ان تكون مساوية لما يعانيه الانسان في وطن كان المفروض ان يكون من احسن الاوطان في الحقوق؟ ولنا في بعض من في السلطة اليوم املا لو يُستغلون، اما اذا كانوا يقصدون بثقافة التجديد عند الشعب على طريقتهم القديمة البالية.. فهي مجددة لا داعي للبحث عنها في مجتمع اصبح الحاكم عدوا للشعب والوطن.

فلا تتناغمون حباً بالثقافة دون عمل وتطبيق.. فالحب الذي يتغذى على الهدايا يبقى جائعاً على الدوام.. فخير الدروب ما أدى بسالكه الى حيث يقصد.

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

 

سليم مطرفضل العباسيين على الاسلام وعلى الشيعة!

جميع الناقدين للحقبة العربية الاسلامية بما فيها (الحقبة العباسية في العراق) يتميزون بالجهل التام بتاريخ دول الارض. لهذا فأن أحكامهم خالية من المقارنة العقلانية مع تواريخ باقي الدول والبلدان.

تراهم يحكمون على تاريخنا العربي الاسلامي بصورة مازوخية وعنصرية وكأن تاريخ باقي البشرية تقوده الملائكة وتسوده المحبة والسلام، عدا العرب المسلمين: (الغزاة القساة أهل المجون والاسراف.. الخ)..

منذ فجر التاريخ وحتى الآن، جميع دول العالم وحتى الامارات الصغيرة، لا بد أن تعيش: العنف والسلام، الظلم والعدل، الثراء والفقر.. الخ. يكفينا معاينة أنظمة اوربا وأمريكا الحالية، منذ بضعة قرون وحتى الآن، يمتزج جانبها الحضاري الزاهي مع جانب العنف وحروب الاستعمار والابادة والعبودية، مع جانب المجون والاسراف والاستحواذ وصعود مليارديرية واحدهم تفوق ثروته ميزانية دول عدة(1).

يتوجب التذكير بالأمور التالية:

وكما وضحنا سابقاً تشترك عدة أطراف عربية ومسلمة في هذا الموقف العنصري ضد تاريخنا العربي الاسلامي: (الحداثيون، والسنّة السلفية الذين بلغ حقدهم أوجه في داعش، وكذلك الشيعة السلفية). هنا نتناول موقف (الشيعة) ضد (العصر العباسي العراقي)، إذ يختصرون قرونه الحضارية الخمسة بعبارات بكائية اضحوية: (عصر الظلام والمجون وتقتيل العلوية).

وقد بلغ الامر بقياداتهم بعد 2003 الى اعتماد سياسة التدمير البطئ لـ (بغداد)، من خلال الاهمال المتعمد، رغم ان غالبية سكانها من الشيعة، لكنها تبقى (مدينة آثمة) لمجرد إنها قد تأسست من قبل العباسيين وتحمل آثارهم!؟ وترَّكَز الاهمال والتدمير البطيء على معالم الميراث العباسي من أبنية وجوامع والاحياء القديمة والشارع الذي يحمل اسم (الرشيد)! بل بلغ التطرف الى حد تفجير تمثال مؤسسها (أبو جعفر المنصور)! ناهيك عن عمليات الشحن والتثقيف لجماهير الشيعة بالحقد على كل ما هو عباسي في العراق، مع التصعيد الجنوني لثقافة البكائيات واللطم ويا لثارات الحسين(2).. (طبعا لا ننسى أيضاً تدمير داعش السلفية السنيّة لمعالم الموصل التاريخية النهرينية والاسلامية). والغريب أنهم يتغاضون تماماً عن ذكر الحقبة المغولية والعثمانية التي سببت الكثير من الاذى لعموم العراق ومنهم الشيعة؟

فضل العصر العباسي على الاسلام وعلى التشيع، بل على العالم والحضارة الغربية الحالية!

لو عاينا تاريخ بلدان ودول الارض، لوجدنا أنها لا تختلف كثيراً في ممارسة العنف وحياة المجون والاسراف. لكن الفرق الحاسم بين دولة وأخرى يكمن في:

مدى قدرتها على تشجيع شعبها على خلق إزدهار ثقافي واقتصادي واجتماعي، وكذلك عسكري يحميها من الاعداء والغزاة.

إذا كان فضل (دولة النبي والخلفاء الراشدين) إنها قد نشرت الاسلام في المنطقة، فان فضل (دولة الامويين) إنها خلال أقل من قرن، أسست أولى وأعظم (امبراطورية عربية اسلامية) من حدود فرنسا حتى حدود الصين. أي (بفضل الامويين الشاميين انتشر الاسلام) وأصبح ولا زال ديناً عالمياً. بالاضافة الى فضل الامويين بجعل العربية لغة ادارية للدولة ودواوينها.

أما (فضل العباسيين العراقيين)، فيتمثل بأنه طيلة خمسة قرون تحول الاسلام من مجرد (دين) الى (حضارة عالمية كبرى) شكَّلَت الأساس الذي انبثقت منه الحضارة الغربية الحالية(3)!

صحيح إن الخلافة العباسية في بغداد، خلال أقل من قرن: (العصر العباسي الاول: 750 ـ 847 م) فقدت الامبراطورية كلها، إذ تحولت عملياً الى دولة عراقية جغرافياً وسياسياً وحضارياً، لأن باقي الأقاليم قد استقلت بدول اسلامية، من الاندلس حتى افغانستان. لكن الميزة الوحيدة الشكلية التي كان يتمتع بها (خليفة بغداد) إن إسمه يذكر في مساجد بعض الدول المستقلة، ويستلم الأموال من زعمائها لكسب وده ومنحهم الشرعية الدينية باعتباره خليفة الرسول. بفضل هذا العصر العباسي، لأسباب عديدة تتعلق بالعراقيين خصوصاً: (توفر الثروة والدولة شبه القوية والمستمرة، رغم مختلف النكسات والاضطرابات)، طيلة خمسة قرون تأسست وازدهرت أعظم حضارة عالمية في تاريخ البشرية، شكَّلَت الأساس فيما بعد لأنبثاق الحضارة الغربية الحالية: إنها (الحضارة العربية الاسلامية)، التي انتشرت في عموم عالم الاسلام في آسيا وأفريقيا وجنوب اوربا. لكن أهم وأكبر حواضرها كانت في العراق: بغداد والكوفة والبصرة والموصل.. وتقاسم خلالها المبدعون العراقيون حوالي نصف كمية الانجازات الحضارية مع باقي الشعوب الاسلامية!

هذه جردة سريعة للانجازات الكبرى التي تخص الشيعة مباشرة:

أولاًـ من أعظم الانجازات الحضارية في العصر العباسي، تأسيس (عصر التدوين) أي نقل الثقافة العربية الاسلامية الى مستوى تدوين الكتب(4). فجميع المؤلفات العربية بعد (القرآن) (بما فيها كتب الشيعة) كانت أساساً في العصر العباسي(5). فبفضلهم عرف المسلمون:

ـ (السيرة النبوية): التي دونها (ابن هشام البصري) عن (الشيخ البكائي الكوفي) عن (ابن اسحاق المديني البغدادي). بالاضافة الى ما لايحصى من كتب العربية في الرواية والحديث والادب والفلسلفة والترجمة والعلوم(6)..

ثانياً ـ بفضل العصر العباسي عرف الشيعة:

1ـ (كتاب نهج البلاغة: للأمام علي) الذي دونه في بغداد (الشريف الرضي البغدادي).

2ـ أخبار (واقعة كربلاء) التي دونها في بغداد المؤرخ الطبري، نقلاً عن (ابن مخنف).

3ـ كذلك في هذا العصر نشر (الامام جعفر الصادق) مذهبه (الجعفري)، وقام تلميذه العراقي (هشام بن الحكم الكوفي) بتدوين أولى كتب هذا المذهب: (علل التحريم) (الفرائض) (الإمامة)، وغيرها. كذلك قام (الشيخ المفيد البغدادي) بتدوين أصول الفقه وتأسيس منهج فقهي جديد. ثم تأسست أولى حوزات (مدارس) الشيعة في (الكـوفة) وأعقبتها (حوزة بغداد) التي انتهت بالاجتياح المغولي للعراق.

4 - كذلك في هذا العصر عرفت (الصحيفة السجادية) المنسوبة الى الامام السجاد(7).

5 ـ كذلك دونت في العراق أولى تفاسير الشيعة لمثقفين كبار أمثال: جابر بن يزيد الجعفي الكوفي/ أبي حمزة الثمالي الكوفي/ الحسن العسكري السامرائي/ فرات بن إبراهيم الكوفي/ الشريف الرضي البغدادي/ الشيخ المفيد.. الخ

ثالثا ـ إن النهضة الحضارية في العراق العباسي قد ساهم فيها عدد لا يحصى من الشخصيات الشيعية العراقية الشهيرة، أمثال: العالم الكيميائي جابر بن حيان الكوفي (شيعي اسماعيلي). المؤرخ اليعقوبي البغدادي/ المؤرخ المسعودي البغدادي/ المؤرخ ابن الاعثم/ الراوي ابو الفرج الاصفهاني البغدادي/ العالم ابن الهيثم البصري(8)/العالم ابن وحشية النبطي/ الراوية معاوية بن عمّار الكوفي/ العلامة الشريف المرتضى البغدادي/ العلامة محمد بن همام الإسكافي البصري/ العلامة أحمد بن إدريس الأشعري/ الشاعر الحسين البغدادي ابن الحجاج/ الشاعر أبو فراس الحمداني/ الشاعر بن كميت الاسدي الكوفي/ الشاعر دعبل الخزاعي الكوفي.. الخ(9)..

رابعاـ في هذا العصر نشأت في العراق العديد من الجماعات والمذاهب الشيعية، مثل: جماعة اخوان الصفا (الفلسفية الاسماعيلية)، ومذهب الزيدية (حالياً في اليمن) / ومذهب الاسماعيلية المنشق عن الجعفرية (حالياً في سوريا واليمن والهند)، ومذهب النصيرية (علوية سوريا حالياً). بالاضافة الى مذاهب أخرى مهمة ولكن غير شيعية، مثل: الاباضية (مذهب سلطنة عمان).

الناحية السياسية ـ المذهبية، وحقيقة الظلم العباسي للشيعة!؟

كي نوفي هذا الموضوع الكبير والمعقد بعضاً من حقه، نذكر هذه الجوانب المكملة:

اولاـ إن الدولة العباسية في العراق، كما بينا دامت حوالي خمسة أضعاف مدة الدولتين الراشدية والاموية(10)، أي أكثر من خمسة قرون (750ـ 1250). ويصح اعتبارها دولة عراقية سياسياً وجغرافياً وسكانياً. فبعد قرن من تأسيسها في العراق (العصر العباسي الاول: 750 ـ 847 م)، فقدت عملياً السيطرة على باقي أنحاء العالم الاسلامي. طيلة القرون الاربعة المتبقية (847 ـ 1258 م) كان الخليفة مسيطراً فقط على العراق.

ثانيا ـ إن الحركة العباسية في الأساس لم تكن سنيّة أبداً، بل كانت (هاشمية: عباسية علوية) ونشأت سريَّة أولاً في الاردن (قرية الحميمة)، التي فيها ولد الخلفاء الاوائل: أبو العباس السفاح (السفاح تعني الكريم)، وأبو جعفر المنصور. وإن انقسام المسلمين لم يكن بين (شيعة وسنّة) بل بين (أنصار الامويين وأنصار العلويين). ثم بالتدريج تحول الى (صراع عباسي ـ علوي)، بعد أن فشل (خلفاء بغداد) بإرضاء حلفائهم (العلوية) الذين كانوا أساس ووقود الثورة في العراق والحجاز ضد الامويين. لكن الصراع لم يكن مذهبياً فكرياً، بل بقي سياسياً وحتى دموياً من خلال قمع عدة تمردات شيعية واغتيال شخصيات مهمة مثل (الامام موسى الكاظم: 799م)(11). لكن الصراع كان متقطعاً تتخلله فترات وئام حسب علاقة الخليفة بنقيب الطالبيين. لم يتحول الى صراع فكري مذهبي (سني ـ شيعي)، إلاّ بعد حوالي ثلاثة قرون (كما سنوضح).

رابعاـ كان من الطبيعي أن يوجد بين أنصار (الامام علي) مؤسسي مذاهب سنيّة عراقية: (الامام أبو حنيفة الكوفي، والامام ابن حنبل البغدادي، والاشعري البصري). كذلك غالبية جماعات التصوف ومثقفيهم كانت تقدس (الامام علي)(12). أما إنقسام المجتمع والدولة فكان متنوعاً بين عدة مذاهب سائدة حينذاك: (علوية، خوارج، معتزلة، مرجئة، أهل الحديث.. إلخ). بل إن الانقسام الحاد كان بين (الشيعة أنفسهم) الى حد التقاتل: جعفرية واسماعيلية (مستعلية ونزارية) وكسائية وزيدية (كما سنوضح).

خامساًـ قيادات الدولة العباسية لم تكن سنيّة ولا على مذهب واحد، بل تنوعت مذاهب الخلفاء حسب الظروف. كان مذهب الدولة يتأثر بمذهب الخليفة. في البداية كانوا أقرب الى العلوية، ثم تبنى (المأمون والمعتصم والواثق) (مذهب المعتزلة). ثم اختار (المتوكل) (مذهب الشافعية). أما آخر الخلفاء (المستعصم بالله) فكان يميل للشيعة الجعفرية، واختار وزيره من الشيعة: (مؤيد الدين الأسدي البغدادي، العلقمي)(13).

سادسا- كذلك خضعت الخلافة العباسية في بغداد خلال قرن للحكم البويهي الشيعي الزيدي (967ـ 1055 م). وقد تمتع حينها أنصار التشيع بامتيازات كثيرة. وبسبب هذا التمايز نشأت جذور الخلاف الطائفي بين الشيعة والسنّة(14). كذلك نشأت في العراق عدة دويلات شيعية: الحمدانيون في الموصل وحلب. ثم خلفهم العقيليون. كذلك نشأت الحركة الاسماعيلية التي نجحت بتأسيس امبراطوريتها الفاطمية في (المغرب ومصر والشام والحجاز)، بالاضافة الى دويلات اسماعيلية في البحرين واليمن.

إن العداء العباسي للعلويين ظل لزمن طويل محدوداً وعائلياً، مرتبطاً بالمنافسة بين (العائلة العباسية) و(العائلة العلوية) حول حق الخلافة. ولم يتحول الى عداء فعلي (سياسي وعقائدي) إلاّ بعد قيام (الدولة الفاطمية الشيعية الاسماعيلية) في المغرب ثم مصر والشام (909 ـ 1171). بسبب خوف العباسيين من النفوذ الاسماعيلي المصري الذي كسب الكثير من شيعة العراق، بل بلغ الخطر الى درجة حدوث انقلاب فاطمي في بغداد وهرب الخليفة العباسي(15). فمن طرائف التاريخ إن التهمة الاولى التي كانت قد وجهت لشيعة العراق، ليست (العمالة لأيران)، بل (العمالة لمصر)(16)!

تجارب الدول الشيعية

ان تاريخ البشرية يؤكد بان جميع التقولات عن المدينة الفاضلة ودولة السلف الصالح والارض الموعودة والامام المنتظر، مجرد أحلام وتمنيات لم نجد لها حتى الآن أي دليل أو أثر.

هذه الحتمية التاريخية طبعاً تنطبق على دول الشيعة، وقبل أن نذهب بعيداً الى التاريخ، لنعاين تجربة حكم الطائفيين والميليشيات أي دمار وعار نشرت في بلادنا منذ 2003 وحتى الآن.

أما التاريخ، لنتذكر (الدول الشيعية) مثل: (البويهية) في ايران والعراق، و(الفاطمية) في مصر (والمغرب والشام)، التي ما اختلفت عن دولة العباسيين في مجونهم وظلمهم بينهم وضد خصومهم. يكفي القول إن هاتين الدولتين انتهتا بسبب الصراعات الداخلية بين الاسرة الحاكمة(17).

بل هنالك مثال يتعلق مباشرة بالشيعة الجعفرية:(الدولة الصفوية والدولة القاجارية) اللتان حكمتا ايران(18) بالسيف والاثراء. كلنا نعرف كيف أن الصفويين بفضل حملات القمع والابادة حولوا ايران خلال بضعة سنوات من 80% سنيّة الى 80% شيعية!!؟؟ أما بذخهم ومجونهم وقصورهم العجيبة فلا زال شيعة ايران يفتخرون بها، متناسين بذلك أحكامهم (الانسانية والطهرانية) التي يطبقونها ضد الامويين وضد العباسيين العراقيين!

يمكن أيضاً مطالعة هذه الدراسة مع الصور والخرائط في موقعنا: https://urlz.fr/h5Rk

المصادر:

(1)ـ عن جرائم الغرب الاوربي والامريكي، ابحث عن بعض العناوين:

ـ تاريخ الاستعمار/ تاريخ الاستعباد الاوربي لافريقيا/ تاريخ ابادة الهنود الحمر/ ضحايا الحرب العالمية الاولي ثم الثانية/ ضحايا حرب فيتنام.. الخ

(2)ـ عن الحقد الطائفي ضد العباسين، طالع:

ـ تحمل إرث العباسيين.. أبنية بغداد الأثرية تسير نحو الاندثار.

ـ ابحث في ويكيبيديا: تمثال أبي جعفر المنصور

ـ دعوات لتحطيم تمثال الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في بغداد

ـ كذلك طالع مقال عن تدمير التماثيل من قبل الميليشيات وداعش:

شواخص العراق الفنية والتاريخية.. من المنصور إلى أبي تمام

ـ طالع يوتيوب بعنوان: حديقه القصر العباسي في بغداد اهمال الاثار العراقيه

(3) ـ عن تأثير الحضارة العربية الاسلامية على حضارة اوربا، ابحث عن:

ـ كتاب: فضل الاسلام على الحضارة الغربية/ مونتجمرى امين وات

ـ مقال : التأثير الإسلامي على أوروبا خلال العصور الوسطى

ـ مقال: فضل الحضاره إلإسلاميه على النهضة الأوربية

(4)ـ ورد في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص416:

(قال الذهبي: في سنة (ثلاث وأربعين ومائة 143 هـ):(أي بعد عشرة اعوام على قيام الدولة العباسية)، شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق في المغازي، وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب. وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان الناس يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة)

(5)ـ من الامثلة المعروفة عن عدم وجود نصوص مؤكدة قبل الفترة العباسية، (كتاب الملوك وأخبار الماضين) الذي يقال ان (الخليفة معاوية) قد ادلى به الى مؤرخ يماني اسمه (عبيد بن شرية). لكن ليس هناك من قرأ الكتاب او شاهده. بل حتى المؤلف غير مؤكد الوجود. راجع دارسة دراسة جادة ومختصرة في ويكيبيديا بعنوان: عبيد بن شرية

(6)ـ لو عاينا جميع الكتب الحالية عن تاريخ الدولتين الراشدية والاموية فإن مصادرها من الفترة العباسية، بالاعتماد على مصادر أقدم سمعية أو بعضها قيل انها مكتوبة لكنها لم يعثر عليها.

ـ كذلك تدوين الاحاديث النبوية، حيث ظهرت كتب المسانيد، وكتب الصحاح، واستفاد مؤلفوا هذه الموسوعات من كتب الحديث التي ألفت من قبل؛ ككتب مالك، والأوزاعي، وحمّاد بن سلمة، وتنوّعت تلك الموسوعات في أسلوب كتابتها وتصنيفها وترتيبها، وعُرف منها: صحيح البخاري الذي صنّفه الإمام البخاري، وصحيح مسلم الذي صنّفه الإمام مسلم.

(7)ـ هنالك اتفاق ان الصحيفة السجادية قد بدأها شفاهيا الامام السجاد ثم تعاقب عليها ورثته بالاضافة والتعديل لأجيال عدة. وهذا كان امل أمراً طبيعيا يحصل لكثير من النصوص الشفاهية. حتى استقر امرها مدونة في العصر العباسي. طالع:

introduction, translated with an; Chittick, annotation by William C. (2000).

The perfect book of Imam Zaynul-A'abideen A'li Ibnul-Husayn as-Sajjad : as'-S'ah'eefatul-kaamilatus-sajjaadeeyah = aṣ-Ṣaḥīfa al-kāmila as-saǧǧādīya (1. ed.). Qum: Ansariyan Publ

(8)ـ جاء في (إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي أن (ابن الهيثم) لجأ إلى الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي دعاه إلى مصر لتنظيم فيضانات النيل/ وتوفي في القاهرة في 1021، وفيها ألف كتابه الأشهر المناظر.

(9)ـ عن دور الشخصيات الشيعية، طالع:

ـ أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري/عبد العزيز محمد ولي

ـ أوائل المتصوفة وعلاقتهم بالتشيع/ موسوعة الدرر السنية

ـ الرواة المتهمون بالتشيع/ د. عبد الرحمن بن مشاري الحمود

(10)ــ حكم الخلفاء الراشدين 29 عاماً، (632 ـ 661م). أما (الدولة الأموية) استمرَّت 91 عاماً (41 ــ 132 هـ / 662 ــ 750 م).

(11)ـ اندلع الصراع المسلح بين العباسيين والعلويين فى ثورة محمد النفس الزكية سنة 145 هـ ثم ثورة الحسين بن على: (موقعة فخ) سنة 169 هـ . ثم فرار العلوي ادريس الى المغرب وقيام دولة الادارسة (788 – م 974)، والتي ادت فيما بعد لقيام الدولة الفاطمية (909 – 1171).

(12)ـ نقل الشعراني عن أحد المتصوفين: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفع كما رفع عيسى عليه السلام، وسينزل كما ينزل عيسى عليه السلام – ثم يقول الشعراني: قلت: وبذلك قال سيدي علي الخواص رضي الله عنه فسمعته يقول:

إن نوحا عليه السلام أبقى من السفينة لوحا على اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرفع عليه إلى السماء فلم يزل محفوظا في صيانة القدرة حتى رفع علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

ـ (طبقات الشعراني) (2/44).

وينسب هذا القول الى المتصوف الرومي: مـــــنذ كــانت صورة تركيب العالم كان عليّ/ منذ نقشت الأرض وكان الزمان كان عليّ

(13)ـ حسب المؤرخين فأن التشيع طيلة قرون كان مذهبا مسالما، ولم يصبح خطرا على الدولة الا بعد ظهور الحركة الاسماعية وتحولها الى حركة سرية تمردية (باطنية) في القرن التاسع م، زمن الخليفة (المأمون ثم المعتصم) على يد كل من (حمدان بن قرمط، وعبد الله بن ميمون القداح) في سجن في بغداد:

راجع (التبصير) للأسفرائني. كذلك (الفرق بين الفرق) للبغدادي (ص:28 و82 و296) .

(14)ـ من الوسائل الخبيثة التي قام بها البويهيون لتقسيم العراقيين واثارة الحساسيات بين الشيعة والسنّة، انهم قرروا تنظيم احتفالات الشيعة في بغداد بمناسبتي الغدير وعاشوراء، باحتفالات شعبية ورسمية وتعطيل الأسواق وتمويل المواكب الرسمية. وأن يلبس النساء المسوح من الشعر، وأن يخرجن في الأسواق حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن، يلطمن وجوههن. وفي يوم الغدير، أمروا بإظهار الزينة في بغداد، وفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الدبادب والبوقات، وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء وعند الشُرَط، فرحا بعيد الغدير – غدير خم – فكان وقتًا عجيبًا مشهودًا، وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة”: ـ الذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام) (26/6)

(15) ـ وقد بلغ هذا الخطر إلى درجة أن أحد أعوان الفاطميين (البساسيري: وهو مملوك تركي) سيطر على (بغداد) نفسها لمدة عام (1058)، وذكر اسم الخليفة الفاطمي في مساجدها بدلاً من اسم الخليفة العباسي. لكن السلطان السلجوقي (طغرل بك) استطاع القضاء عليه. لهذا التف أهل السنَّة حول السلاجقة الترك الذين أتوا كمدافعين عن الإسلام السني إزاء الخطر الفاطمي الشيعي. وقد بلغ الأمر بالقيادات الشيعية العراقية، أنهم اضطروا إلى توقيع بيان باسم علماء بغداد لصالح الخليفة يتهم (الفاطميين) بالكفر وزيف انتمائهم إلى سلالة الرسول وابنته فاطمة:

ـ الشيعة في مصر ــ صالح الورداني ص26.

(16)ـ يصح القول ان تأسيس (المذهب السنّي) بمعناه العقائدي المتميز عن (التشيع) قد تم في ظل هذا الخوف من الغزو المصري الفاطمي. يقول الذهبي في حوادث سنة 420هـ: «وفي شعبان جُمع العلماء والقضاة في دار الخلافة، وقرئ عليهم كتاب طويل عمله القادر بالله، يتضمن الوعظ، وتفصيل مذهب السنة، والطعن على المعتزلة، وفيه أخبار كثيرة في ذلك».

ـ المنتظم 15/ 280 ــ 282 و15/ 197، تاريخ الإسلام 28/ 286، البداية 12/ 26 و12/ 4.

ـ عن الاعتقاد القادري: (انظر شرح العقيدة للإمام السنوسي ت: 895 هـ).

(17)ـ ابحثت عن مقال: ما هي نهاية البويهيين؟/ سقوط الدولة الفاطمية

(18)ـ عن الدولة الصفوية، ابحث مثلا عن مقالات ويوتيوبات عديدة بعنوان:

ـ جرائم اسماعيل الصفوي/ الدولة القاجارية

وهذا فيديو عن التبرك بقبر الجزار اسماعيل الصفوي في ايران:

https://www.youtube.com/watch?v=4Mg9It3wVCg&ab_channel=%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D9%88%D9%84%D9%8A