جمال العتابيثمة مأزق يواجهنا حين نتصدى للمسؤولية الأخلاقية الثقافية، بإعتبارها حجر الزاوية في الوعي الأخلاقي، وعند القائلين بالجبر، ان كانت إختيارات الإنسان وأفعاله لا تستثنى من السياق الطبيعي، لإستحالت المسؤولية الأخلاقية، يقابل هذا إفتراض ان بعض اختياراتنا لا تحددها شروط سابقة، وبالتالي لا يسعنا التنبؤ بها طبقاً لتلك الشروط، فهناك إذاً إختيارات غير محددة، حرة، أعني الإختيارات الإنسانية، أو حرية الإرادة، التي تهيء للمسؤولية، وحسب أريش فروم في (جوهر الإنسان)، فان مفهوم المسؤولية يعني: انني واعٍ لما فعلته.

لقد أدرك سارتر بوقت متأخر في فلسفته، ان استقلال الإنسان الأخلاقي، وحريته ومسؤوليته، يمكن أن تهدر،  تنهار كلها في ظروف معيشية صعبة، أو في ظل نظام إستغلالي مثلاً، وهكذا أخذ يزداد وضوحاً بان مفاهيم الحرية والمسؤولية والإختيار، لا تعني شيئاً بدون السياق الإجتماعي،، وبأن الأخلاق ليست مغامرة فردية بطولية، بقدر ماهي ممارسة ذات أبعاد إجتماعية من الصعب تجاهلها، على الرغم من ان سارتر يجد في قدرة الإنسان إمكانات هائلة في صنع وجوده، وإختيار مساره في كل فعل يقوم به، فالحرية هي قدر الإنسان الذي لايستطيع الهروب منه، وهكذا استطاع سارتر ان يقول في لغة لا تخلو من المفارقة ان الانسان (محكوم عليه) بالحرية.

أي الإختيارات يكون الإنسان مسؤولاً عنها؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول: ان حرية الإختيار ليست مجرد قدرة شكلية، إما ان يمتلكها المرء، أو لا يمتلكها، بل هي وظيفة للبنية الشخصية للإنسان، لقد عانت المعالجة التقليدية لمسألة الحرية، من الإفتقار لإستخدام بيانات نفسية تجريبية، كما يقول فروم، الأمر الذي أدى الى الميل لمناقشة المشكلة بتعابير مجردة، فإذا عنينا بالحرية (حرية الإختيار)، فسيمضي السؤال حول ما إذا كنا أحراراً بالإختيار بين (س وص)، الحتميون يقولون بأننا لسنا أحراراً، والإنسان مجبر على الإختيار بين س وص، بسبب الدوافع التي تحدده وتجبره على إختيار هذا أو ذاك، في حين يدعي معارضوهم العكس تماماً، ويجادلون بأن الإنسان يمتلك مسؤولية الاختيار وحده، وهنا نصل الى عمق المأزق، من الصحيح؟ الجبرية أم الحرية، وفي كلتا الحالتين تكون المسؤولية الأخلاقية متعذرة، وعلينا أن نواجه الموقف الجدلي التالي: مالم يكن ثمة تسليم بان الانسان مسؤول عن أفعاله، فلن يكون على الأرجح مكان للمبادئ الأخلاقية، واذا تأملنا أعماق التجربة الإنسانية، وتتبعنا تطور المجتمع البشري، يبدو لنا ان إغفال الحرية الإنسانية يفضي الى إعتبار الناس تروساً في  وحدات وقوائم إحصائية وهم ليسوا كذلك، فالإقرار بقدرة الإنسان على الإختيار الحر، تدعنا الى الإعتزاز بصانعي الإبداع في الحياة.

ضمن هذا السياق ننظر لموقف المثقف من الحرية والإختيار كمحصلة للوقوف الى جانب القيم الإنسانية والأخلاقية الشاملة، ويبدو ان مفهوم غرامشي الأقرب في التعاطي مع هذه المواقف، إذ يعدّ الناس جميعاً انهم مثقفون، لا إختلاف بينهم إلا في أداء الوظيفة الفكرية داخل المجتمع، واذا سلمنا بان المجتمع في الغرب قادر على إستيعاب هذه الوظيفة وقبولها، فأنه من الصعب قبولها في بلداننا المتخلفة، التي تنعدم فيها حريات التفكير والمعتقد والرأي، ويختلط فيها مفهوم الثقافة أولاً، وتلتبس فيها الافكار، فيصعب التمييز بين المثقف العضوي والمثقف التقليدي. المثقف ذاته يعاني من أزمة هو الآخر، بإرتداده إلى الذات أولاً، وأزمة مع الآخر ثانياً، تتمثل بما يدعى بالنرجسية النخبوية، التي تزين للمثقف أنه عقل الأمة النير، وضميرها الحي، بإدعاء انه يحتكر الوعي والفكر والعلم، ويمارس والفضيلة، ويمارس الإقصاء بكل أشكاله، بينما الآخر له ذات مفكرة وعقل حي وفاعل، كذلك. فمازلنا، نعود لكتابات وافكار مبدعي العالم، ونعتمد طروحاتهم كمجالات خصبة للقراءة والفهم، بينما لا تصلح كتابات البعض في تجاربنا المحليةأن تؤسس لفكر متنور، وتأملي، تحليلي، فتبدو طارئة، هامشية، مقطوعة، لا تترك أثراً عميقاً في الحياة.، لاتتلمس نبضها،  لاترصد قلق الجسد الإجتماعي الثقافي، والتحولات فيه.

أعتقد أن لا دورَ للمثقف يلوح في الأفق، أو في سماء البلدان العربية الملبّدة بالغيوم السود، فهناك مشكلة كبرى تواجهها الثقافة في بلدنا، هي غير المشكلة في المجتمعات المتقدمة بالتأكيد، وهي تتمثل بالتحديات في مواجهة السلطة، وإتخذت شكلاً حادا في العقدين الاخيرين من الزمن، (سلطة التقاليد، والعرف، والعشائرية، والسلطة الدينية وسلطة الحكومة)، ان من طبيعة الإبداع أن يكون في صراع مع القوى التي تتجاهل الثقافة، وتعيق حركتها في المجتمع، أو تجميد عقل الإنسان وفكره المتحرر. في خضم هذا الصراع الحاد، تسعى قوى الظلام والشر أن تفرض الخراب الثقافي، لينزوي المثقف في عزلته، محاولاً على الأقل ان يكون وفياً لتاريخه وذاته.

ان تاريخ التطور الإنساني أثبت على مرّ العصور، ان المثقفين كانوا هم الذين سبقوا أزمنتهم، ومهّدوا الطريق لتطورات حاسمة في تاريخ البشرية.

 

د. جمال العتابي

 

 

حاتم حميد محسنهل سيتمكن العالم في هذه السنة من التغلب على الأزمة الاقتصادية العالمية التي نتجت عن وباء كورونا؟  هل وظائف الناس لازالت في خطر؟ منْ خسر اكثر في الأزمة الحالية وماهي الاجراءات التي يجب القيام بها  لأجل الانتعاش؟ ان قسم الشؤون الاجتماعية والاقتصادية في الامم المتحدة (DESA) يستعد لعرض تقرير نصف سنوي عن الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه لعام 2021، هنا خمسة أشياء نحتاج لمعرفتها حول حالة الاقتصاد العالمي:

1- ان الولايات المتحدة والصين تعودان بسرعة للوضع الطبيعي قبل الأزمة، لكن الدول النامية تشهد انتعاشا بطيئا. وبينما مخرجات الاقتصاد في الولايات المتحدة والصين يُتوقع ان تنمو بقوة وترفع النمو العالمي، لكن العديد من اقتصاديات الدول النامية لا يُتوقع ان تعود بسرعة الى مستوى مخرجات ما قبل الأزمة . الوباء لازال بعيدا عن النهاية في أغلب الدول النامية حيث اللقاحات تتقدم ببطء، والضغوط المالية تزداد حدة.

2- الموقف في المناطق الحساسة والأكثر ضعفا أصبح اكثر خطورة. الإغلاقات وإجراءات التباعد الاجتماعي ادّت الى فقدان الكثير من الوظائف في قطاع الخدمات الكثيفة الاتصال والكثيفة العمالة، والتي في الغالب تستخدم النساء. الوباء كشف ايضا عن هشاشة العمالة في القطاع اللارسمي  الذي هو المصدر الرئيسي للوظائف في العديد من الدول والذي يوفر أقل درجة من الأمان الوظيفي، والقليل من الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية.

3- الإنتعاش في التجارة العالمية كان قويا وخاصة في آسيا.

ان التجارة في بضائع التصدير تجاوزت مستويات ما قبل الأزمة، مدعومة بطلب قوي على التجهيزات الكهربائية والالكترونية، وعلى ادوات الحماية الشخصية (PPE) والسلع المصنعة الاخرى. التجارة في مجال الخدمات تبقى مقيدة بالقيود على السفر الدولي. ومع ان الصادرات من الاقتصاديات الأسيوية قفزت بسرعة، لكن الصادرات من أفريقيا وغرب آسيا ودول الكومنويلث المستقلة قد توقفت.

4- ان أزمة كوفيد 19 ألحقت المزيد من الضرر بالنساء والبنات.

هذه الأزمة أثّرت على المرأة بشكل غير تناسبي حينما عانت من فقدان كبير للوظائف والدخل، وهو ما ساهم في تعميق الفجوة بين الجنسين. العديد من البنات والنساء المثقلات بواجبات رعاية المنزل، اضطررن للتخلي عن المدارس وعن العمل ايضا. العودة الى المدارس والعمل تأخذ وقتا طويلا وقد لا تحدث ابدا للعديد من النساء وهو الأمر الذي يوسّع الفارق في التعليم والدخل والثروة.

5- تحتاج الدول لعمل المزيد لمعالجة التأثير المتفاوت لجائحة كوفيد – 19.

هناك حاجة ملحة لتقوم الدول بصياغة سياسات أفضل تراعي الفوارق بين الجنسين لتحقق انتعاشا من الأزمة يكون اكثر قوة وشمولية. ومع ان المرأة في الخط الامامي للجائحة، لكن تمثيلها كان ناقصا في عمل القرارات المتعلقة بالجائحة وفي صياغة السياسات الاقتصادية. التأثير الشديد وغير المتكافئ للجائحة على النساء والبنات يستدعي وضع المزيد من السياسات الموجّهة للمرأة والمزيد من إجراءات الدعم للنساء والبنات ليس فقط من أجل تعجيل الانتعاش وانما ايضا لضمان ان يكون الانتعاش شاملا وقويا.

 

حاتم حميد محسن

.......................

عن النشرة الاخبارية لقسم الشؤون الاجتماعية والاقتصادية للامم المتحدة UNDESA،عدد مايو 2021.

 

عدنان عويديُعَرّفٌ المفكر الراحل "محمد أركون" السلطة الأرثوذوكسيّة، بأنها: (السلطة المعتمدة على السلطة الحاكمة في فرض مفاهيمها وآرائها وقوانينها المعرفيّة على الآخر). أو بتعبير آخر برأيي بأنها مجموعة الرؤى والأفكار التي تشكل في سياقها العام (أيديولوجيا) تتبناها قوى سياسيّة داخل السلطة أو خارجها، يعتقد الحامل الاجتماعي لها بأنها وحدها من يمتلك الحقيقة الصائبة وما عداها من نظريات أو أيديولوجيات تحيط بها، خطأ يجب أن يقصى أو يهمش بأي شكل من الأشكال.

إن العقليّة الأرثوذوكسيّة بسلطتها الاقصائية، هي تعمل بالضرورة بهذا الشكل أو ذاك، على الغاء حريّة البحث والتفكير والتقصي من أجل حل قضايا المجتمع والدولة حلاً منطقيّاً، والحل المنطقي هو الذي يقوم بالضرورة على تقبل الرأي الآخر والحوار معه، وبالتالي المشاركة في البحث عن حلول للقضايا المشتركة.

إن العقل الأرثوذكسي، هو الذي يؤدي أيضاً إلى حجب الحقيقة، وعدم  الاقتراب من المسكوت عنه أو اللامفكر فيه، لأن السلطة الأرثوذوكسيّة تمنعه وتقمعه وتحول دون الاقتراب منه، وذلك من خلال حجرها على العقل وحريةّ الإرادة للمختلف، بحيث يصبح هذا العقل عاجزاً عن التساؤل. وفي مثل هذه الحجز على العقل المختلف، أو قمعه، سيسود نمط آخر من التفكير الذي ترضى عنه السلطة الأرثوذوكسيّة وتشجعه وتفتح له في المجال واسعا، وهو التفكر الخيالي والأسطوري والغيبي ولامتثالي والاستسلامي والماضوي وحتى العبثي، الذي يبتعد عن التأمل  المنطقي في الظواهر، وعدم استخدام الاستقراء والاستنتاج والقياس والبرهان العقل النقدي في النظر إلى الأشياء التي تهم مصالح المجتمع.

إن السلطة المعرفيّة الأرثوذوكسيّة إذا ما مُورِستْ من قبل قوى سياسيّة ذات مصالح انانيّة ضيقة داخل السلطة، ستدفع بالضرورة أفراد المجتمع ليفكروا بقضايا خارج نطاق قضايا واقهم التاريخي المعيوش ، وسيدخلون في صراعات ثانوية ربما تعود جذورها إلى مئات من السنين الماضية، كأن يدخلوا في عوالم معرفيّة وسلوكيّة تتعلق بالمذاهب الدينيّة والفرقة الناجية ومن هو الكافر أو المؤمن، وبفقه الحيض والنغاس، أو هل عمل المرأة حلال أم حرام، أو هل أن صوتها عورة أم غير عورة، وهل يحق للمرأة أن تخلط البندورة مع الخيار.. وغير ذلك. إضافة لدخولهم في دهاليز المجتمع الاستهلاكي والبحث عن اللذة وشهوة الموديل والقضايا القشريّة التافهة في حياتهم، بدل القضايا الجوهريّة المتعلقة بتعليمهم وتربيتهم التربية العلميّة التي تنمي عقولهم ومهاراتهم الإدراكيّة وامتلاكهم روح البحث عن الحقيقة في الظواهر التي يتعاملون معها، وبالتالي تطوير شخصياتهم من النواحي اَلجسديّة والروحيّة. ففي مثل هذه الوضعيّة الاجتماعيّة والفكريّة المتهافتة التي تساهم السلطة الأرثوذوكسيّة في تسويقها وتجذيرها داخل بنية المجتمع وعقول افراده. لا بد أن تكوّن أفرداً هم أقرب للبهائم منهم للبشر، وعلى هذا الأساس ستجد هذه البهائم السيف مسلطاً على رقابها دائماً عندما تشعر بذاتها الإنسانيّة وتريد العودة لإنسانيتها، كونها لا تجيد استخدام عقلها في التعامل مع مَنْ حَيْوَنَهَا، والحيوانات البشرية غالباً ما تثور ضد من يسوسها، فتكون النتيجة العقاب، وفي أقصى حالاته القتل.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

 

محمد سماعيل السرايالتأريخ، هو تأريخ حروب وملوك وحضارات وجماعات، فأين تاريخ الانسان (الفرد العادي) من كل ذلك؟

لا يوجد تاريخ للانسان، في كل ذلك الركام الورقي من الاحداث والازمان والكيانات الجماعية.. لان التأريخ في طبيعته، هو تأريخ للجماعات وليس تاريخاً للافراد.. ففي التأريخ، وفي الواقع المعاش ايضا، تنسحق الفردية تحت اقدام الجماعات، ولذلك فلا وجود واقعي للكيان الفردي، بل ان مفهوم الفردية الموهوم، انما هو مفهوم محشور في داخل انساق ماكينة الجماعة، لان الاساس الذي قامت عليه المنظومة المجتمعية ابان تشكل الجماعات والمجتمعات -بعد مغادرة مرحلة او حقبة الجمع والالتقاط -هو اساس قائم على تشكل كيانات جماعية، لا فردية، ومن ثم اتحاد هذه الكيانات الجمعية وانظوائها تحت كيان المجتمع الاكبر. وعلى اساس هذا التشكل الجمعي، قامت واوُجدت، ورْتبت، جميع انساق ونظم وقوانين الحياة، وفق اسس المجموعة، مراعية متطلبات الجماعة واحتياجاتها وفهم كينونتها اكثر من فهمها لكيان الانسان الفرد ذاته، اومراعاة متطلباته وتحقيق وجوده والتعامل معه كفرد ينتمي الى جماعة، لا التعامل مع جماعة تحوي افرادا..

وعلى الرغم من ان المعرفة البشرية، التي قطعت اشواطا عملاقة في سبر أغوار الانسانية، خصوصا في علوم الإنسان والمجتمع، الا ان تلك المعرفة لم تفهم حقيقة الانسان بصورة عادلة ومرضية، لان علوماً مرتبطة بدراسته بصورة لصيقة، كعلم الاجتماع مثلا، لم يدرس الا الكيانات الجمعية والتجمعات البشرية بصفتها الجماعية لا الفردية، ولم يدرس الانسان الفرد هنا الا بصفته جزاءا حيويا ومرتبطا بالجماعة لا ككيان مستقل. وكذلك فإن علم النفس، هو الاخر لم يدرس حقيقة الانسان الفرد، بقدر ما درس السلوك الانساني الفردي، بالضبط كما تدرس مثلا علوم البايولوجيا والطب، الاعضاء الجسدية ووظائفها واعتلالاتها. فهكذا علم النفس فهو علم وصفي للسلوك البشري سواء السوي او غير السوي، ومن ثم علاجي، للسلوك الفردي المعتل، لكنه غير معني بالكهنة او الطبيعة المتفردة والمتمردة للسلوك الانساني، بسبب تاريخه التمردي الطويل المتأتي من حقبة حياة منفلتة عن الكيانات الجمعية.. ربما تكون الاديان، خصوصا الخلاصية لا الطقوسية (البدائية)-وان كانت جميع الاديان خلاصية واغلب الطقوس كذلك خلاصية- التي سعت الى خلاص الانسان من نير شعور الخطيئة التي لازمت الوجود الانساني واصبحت مكونا ثابتا في الشخصية الانسانية .كالديانة المسيحية الخلاصية مثلا، التي سعت دوما الى تحرير الانسان من شعور الاثم الابدي والدائمي الذي يؤرق فكر الانسان على مدى حياته الشخصية، وتاريخه البشري العام.وكما يمثل بولس الرسول ذلك بصبغة لاهوتية، حيث يصور إن الخطيئة صُلبت مع جسد المسيح المصلوب، حيث اتخذ جسده هيئة الخطيئة فلما مات على الصليب ماتت الخطيئة معه ايضا، لذلك فإن المؤمن بعقيدة الخلاص المسيحي سوف يُصلب مع المسيح على خشبته، وبذلك تموت خطيئته الشخصية ويتحرر منها، وان جسده الذي كان ميتا بالخطيئة سيولد مع المسيح في حياة جديدة..لكن الحقيقة ان الاديان هي من خلقت الخطيئة والاثم، فقبل وجودها لم تكن هنالك خطيئة- اي قبل وجود الاديان والمجتمعات- التي اوجدت الكيانات الدينية ومنظومتها العقائدية واللاهوتية ومفاهيم الاثم والبر، التي لم تكن موجودة خصوصا قبل ظهور مجتمعات الزراعة.فلم يكن الانسان يشعر حين ذاك- في الحياة البدائية في مجتمع الصيد والالتقاط- بالخطيئة، لانه لاوجود في مخيلته لمثل هذه المفاهيم المجردة.او كما يعبر عن ذلك ايضا، بولس الرسول بعقيدة لاهوتية، بانه قبل وجود الناموس كانت الخطيئة ميته لكنها ظهرت -او حَيَتْ- بظهور الناموس، او كما يرد ذلك بصورة صريحة في رسالته لاهل رومية (بل لم اعرف الخطية الا بالناموس. فانني لم اعرف الشهوة لو لم يقل الناموس"لاتشته") رومية ٧:٧..

عَمِلَ الدين، ومن ضمن منظومة اكبر، الا وهي المنظومة القيمية المجتمعية، التي عملت على جر الانسان قسرا نحو تبني وانتهاج قيم الجماعة، ساحقة فرديته وتفرده ككائن بايولوجي، قبل ان يكون كائنا اجتماعيا، له سلوكياته البايولوجية الفردية التي لاتتناسب مع السلوكيات الجمعية وقوانينها والتزاماتها..لكن الدين كحقل معرفي تعامل مع الانسان الفرد-بالرغم من ان الدين كيان جماعي في اساسه- الا انه تعامل مع الفرد بآلية الخلاص الروحي الفردي والجماعي، لذلك افرد للتوبة والتكفير بابا كبيرا في بنيانه العام. لانه فهم ان الانسان خطاء بالطبيعة، وسيضلُ كذلك دوما، ولانه كثير الخطيئة والزلل فانه احتاج دوما للتكفير عن تلك الخطايا والعودة الى الشخصية الخيرة والسوية، وبما لم تراعي ذلك القوانين المجتمعية المدنية (الوضعية)، وخصوصا في المجتمعات والمدنيات الحديثة التي تعاملت مع الانسان الفرد ككيان آلي يجب ان يطيع القوانين المجتمعية بصورة الية صماء، ولهذا جعلت العقوبات القطعية والرادعة على سلوكه بصورة حدية غير مراعية لطبيعته الخطاءة وسلوكه الغير منضبط والغير مفهوم.يقول فرويد ان النفس البشرية او العقل اشبه مايكون بجبل الجليد العائم في الماء فالثلث الظاهر هو الوعي والثلثان المغموران تحت الماء هما اللاوعي او العقل الباطن، فلذلك فانه من الخطأ الحكم على سلوك الانسان من خلال الوعي فقط بل ان اللاوعي او العقل الباطن هو المتحكم الاكبر في السلوك الانساني.اي يلمح فرويد ان الانسان لربما هو غير مسؤول عن سلوكه مسؤولية اعتبارية كاملة وصارمه..فهو صريع بين انا مسحوقة بين تعاليم وقوانين وقيم المجتمع (الانى الاعلى) وبين رغبات واحتياجات وغرائز مطمورة في دهاليز النفس البشرية مستترة تحت اعماق النفس (الهوَ اواللاشعور او العقل الباطن)..

 

محمد اسماعيل السراي

 

انور الموسويأتحدث عن قطيعة ليست حالية، بل سوء فهم ولربما عناد مطبق نتيجةً لأسباب منها سياسي وعقائدي ومنها ايدلوجي خارجي او داخلي.

لا أتحدث عن قطيعة اليوم، بل انفصال دام طويلاً بين فهم الدولة للحياة وفهم المجتع لنفس تلك الحياة، وطرائق تطلعهم نحوها.

من هنا تكون الانطلاقة.

البعد الفكري لإي دولة بالعالم يجب ان يكون مستمدًا من حاجات المجتمع، تطلعات المجتمع، رغبات المواطن، لا أن يكون مبنيًا على اساس ثوابت مفروضة تقادمت بقدم حضارات أنتهت وصارت ركاماً. تلك اول قطيعة.

الثانية فهم الدولة لمجريات العصور ومتابعة تقدم المجتمعات وسياسية التحضر، هي من أهم اسباب تكوين العلاقة الطردية بينها وبين شعوبها ومجتمعاتها، اذ يكون المجتمع ماضيًا في أحلام يود تحقيقها ضمن أساسيات الدول المعاصرة والمجاورة في التقدم والنهوض والرعاية والعمران… الخ والدولة لازالت ضمن مؤسساتها غارقة في روتين استبدال سنوية سيارة او كتاب صحة صدور او معاملة تقاعد.. الخ

أما في قضايا العدالة الاجتماعية والسلم المجتمعي وتحقيق توازن اجتماعي يتسم بالحريات (والانضباط ) وفقًا للقانون. فتلك لها بعدين:

١- إما تضعف الدولة في قبالة الأعراف والعادات الاجتماعية وحتى الطقوس وحينها يضعف القانون تدريجياً فتحل الفوضى والجهل والتخريب والعنف وتزايد التغول الهمجي بين مفاصل الشعوب مع أستهلاك للسلاح والقتل وعدم إحترام خصوصيات الآخرين فتلجأ المجتمعات حتى الراغبة بالتغيير منها الى حماية نفسها بمصدر القوة المتوفر ، فالقانون لم يكتسب قوة السيطرة المفروضة، فيتحول مفهوم الأمان لدى المواطن إلى مفهوم كسبي بالحذاقة وليس ضمن واجب وطني مفروض على الدولة الراعية لهذا المواطن، لتنشطر عندهم بنية المجتمع بين التطلع نحو ما يرونه بدول العالم الاخر  وما توفره بلدان العالم من حريات وخدمات، وبين محاولات حماية أنفسهم من تسلط وتغول البدائيين.

٢- او نحو فهم التطور والتقدم والتحرر ضمن مسارٍ مشوه يؤدي في نتائجه العميقة إلى زيادات في الانتحار والأمراض النفسية والطلاق والتحلل وفهم معكوس لجميع مراحل تطور الشعوب المتقدمة.

وهذا حال الجماعات التي تتمتع بالسلطة  الخارجة عن فهم الدولة ، منزوية ضمن قطيعتها المفاهيمية والايدلوجية ضمن رقعة منغلقة غير مستوعبة حاجات الشعوب ورغباتهم في منحهم مقومات الحياة العصرية، ومنحهم امتيازاتهم الإنسانية وحرياتهم التي يرغبون بها في ممارسة رغباتهم وحياتهم بالطريقة التي يرون انها تلائم توجهاتهم.

تلك القطيعة في فهم أساسيات ورغبات الأجيال ((المتحورة )) جديرة بالملاحظة، فمجتمع اليوم ليس كما هو بالأمس، ولا توجد سلطة بالدنيا تستطيع كبح جماح الإرادة والرغبة بالتحرر التي يحتاجها المجتمع، وإن سكتوا ضمنًا عن التعبير، لكن فسلجة كيانهم عند ابسط اختبار تكشف تلك الرغبة.

لازالت جميع السلطات المتعاقبة غير مستوعبة او غير مكترثة بأن الاجيال الصاعدة والماضية تعيش في صراع محتدم ، صراع مفاهيمي وصراع نفسي بين الموروث والقدم، وبين استلهام الحداثة والتعايش معها، هذا الصراع يولد انفجارات عظيمة في بنية المجتمعات لو لم يتم استيعابه وفهمه لأنه يخلق تناقضات (يفسرها البعض  على انها نهايات  الزمان) والحقيقة ليست كذلك  بل هو  توليد  لمردود عكسي تماماً بجري الصراع بينه ضمن الأضداد ليولد منظومة حداثوية جديدة حتمًا شاء من شاء وابى من ابى، اما لو جرى قمعه والاستعاضة عنه بمفاهيم مفروضة قسرية،  ضمن احكام مسبقة " دينيًا وعقائديًا " سيتجه نحو الازدواجية، والتصنع، وماحال مجتمع بأكمله يصاب بتلك الطامة؟ تخيل حجم الكارثة والتي هي واقعة بعضاً منها  ضمن مسار مرئي غير مخفي على الجميع، فكيف ونفس السلطة المباشرة بالتنفيذ لازالت ضمن مخيال الماضي ومصرة على أنها على حق، على الرغم من ملايين الأدلة التي أثبتت عقم تلك النظرية وفشلها ضمن جميع مستويات الادارة، ابتداءًا  من الفن والذوق العمراني المستهلك، والمحاولات الخجولة في إعادة ترميم الوطن والهوية الوطنية الضائعة، وليس انتهائًا في استباحة الدماء وعدم الاكتراث بأهمية الروح الإنسانية، وفرض القوانيين المقيدة لحركة وحرية البشر وتصدير رغباته في ممارسة متعته و إلى ضياع فرص التقدم التكنلوجي والاقتصادي.. الخ

كيف لا يحصل الانفصام ، وكيف لا يتولد الإرباك والازدواجية بين ادعاء شيء وممارسة شيء اخر تماماً.

وكل يوم تصر فيه السلطة على أحقية معتقدها تحصل قطيعة موازية بينها وبين فئات المجتمع، واغتراب مستمر بين إرادة السلطة وتوجهاتها وبين المجتمع ورغباته وتطلعاته وممارسة حرياته وحياته بالشكل الذي يراه جميلًا من وجهة نظره.

واجب الدولة دومًا ان توفر لكل شيء، شيء محاط ومحمي بالقانون. ولكل رغبة وتطلع وممارسة سياق قانوني يحمي المواطن} لايقمعه ويهينه.

لن تُحل هذه القطيعة ابدًا مادام الفكر في الرياسة هو نفسه، اذ يستمر هذا الانفصال حتى يتم استبدال فكرة قيادة الدولة بفكرة "مدنية " ، قائمة على اساس التعددية المذهبية والفكرية وتحقيق كامل الرغبات للمجمتع الواسع والمختلف، ولن يتم ردم هذه القطيعة إلا بدولة تجعل شعار الولاء للوطن والهوية الوطنية هي معيار الخدمة للبلد، ولا تشظي الأفراد الى انتماءات متعددة، فالدولة ليس لها دين، الدولة عقيدتها " وطن ومواطن فحسب" ولن تنتهي تلك القطيعة حتى يتم التأسيس لدولة عصرية متحضرة تماماً تخلو من انبعاثات الماضي والخيال الغيبي او التعامل وفقًا للأعراف، تتعامل بطريقة واقعية مع شعوبها لا تعاملهم بطرائق غيبية!. كما ان الاساس الذي تنبثق منه الدولة ذات الرابطة بينها وبين شعوبها يكون قائم على توفير المستحقات المدنية للشعوب، واخذ الواجبات الوطنية من تلك الشعوب، لتصبح المعادلة متوازنة.

لن توفر الايدلوجيات السائدة اي فكرة لبناء دولة ولا فهم شعب او جيل او أجيال متعاقبة، لذلك سوف لن تنجح في استيعاب شعبها ولا ردم فوهة التباعد هذه وستستمر تلك القطيعة وسط فوضى للمفاهيم وحاجة ماسة لممارسة الرغبات داخل قعر مغلق من التقييد  العرفي والعقائدي وممارسة خفية لجميع حاجات البشر ضمن السر " المسموح به " لتتولد تلك القطيعة من رحم الازدواجية ومحاولة التكتيم على الإخفاقات وعدم الإذعان والاعتراف إن كل شيءٍ قد تغير ولابد ان تتغير السياسية معها وفقًا لحماية حقوق المواطن وحرياته.

 

انور الموسوي

 

 

داود السلمانالالم هو احساس فردي- شخصي لا يشعر به الا الشخص المعني نفسه، أي صاحب الالم، اما الشخص الذي يوجد بجانبه فهو يشعر بالانزعاج من تأوهات ذلك الشخص ولا يدرك قساوة ومرارة الالم، الذي يتعرض له المصاب بلوعة الالم، "لا يؤلم الجرح الا من به الالم"، لكن من باب الشعور الانساني، يدرك ما يعانيه المصاب، ادراكا شعوريا بحت. لذلك يعبّر دوستويفسكي بقوله "إن العذاب هو المصدر الوحيد للإدراك، رغم أنني قلت في البداية أن الادراك هو أسوأ ما يتميز به الانسان".

البير كامو في روايته "الطاعون" والتي تقع احداثها في مدينة وهران في الجزائر، يسرد لنا احداث مؤلمة حول كيفي ظهر الطاعون هناك من خلال ظهور اسراب الفئران بشكل يدعو للقلق والتي شاهدتها سكان المدينة عيانا، وهي قد نفقت بالعشرات ثم بالمئات ثم بالآلاف،  فانتقلت عدوة الطاعون الى الناس عبر تلك الحيوانات النافقة، وراح هذا المرض اللعين يفتك بالناس ويقتلها، فلم يسلم منه صغيرًا ولا كبيرًا، حتى عجز الناس عن دفن ضحاياهم الذين هم آلاف متعددة. "يربح الإنسان في الأوبئة والحروب المعرفة والذكرى" (الطاعون)

وكامو يسرد لنا الحالات الانسانية من خلال روايته هذه، وكيف أن سكان تلك المدينة تعاملوا بشكل انساني مع تلك الاحداث المؤلمة، فعاشوا الشعور الجمعي بالألم الذي انتابهم، وهم يشاهدون، في كل يوم يتساقط مئات الاشخاص، يتساقطون تباعا على الارض، وهم ميتون مصابين بذلك الطاعون الذي لا يرحم. "الطاعون وسيلة إلهية فعّالة للحصول على السعادة الأبدية" (الطاعون). ومن خلال احداث تلك الرواية الممتعة -المحزنة في آن، يصوّر لنا كامو الاوضاع الاجتماعية وربما الدينية كذلك تصوير دراماتيكيا، حيث كان رجال الكنيسة يحثون الناس على الصلوات والتضرّع الى الله على أن يرفع عنهم هذا البلاء، اذ حاول رجال الدين المسيحيين أن يقنعوا اهالي المدينة بذلك، "الطاعون لا يصيب أصحاب البنية الضعيفة، بل أصحاب البنية المتينة". إن الله قد ابتلاهم بهذا البلاء، لأنهم نسوا ذكره وانشغلوا بملذاتهم الدنيوية؛ وقد اقتنع الكثير منهم بهذا الرأي، وتأثروا بهذه المقولة، فراحوا يدخلون الكنائس والاديرة وحدانا وزرافات، وهم يضجون بالدعاء والتضرّع والبكاء ويستغفرون ربهم على معصيتهم له، أن يفرّج عنهم هذا العذاب وأن يرفع هذا الالم، ويقبل هذا التضرع، و"بما أن الموت هو مَن يقرّر مصير العالم، أليس من الأفضل «لله» ألا يؤمن به الناس"؟(الطاعون).

المجتمعات، ككل، في حالة الرخاء قد تتقاضى عن كثير من الامور المجتمعية، الضرورية لحياة الناس على اعتبارهم يشكلون قيمة انسانية عليا، يجب عليها أن تتعايش بمحبة واخلاص وشعور متبادل بين الجميع على حد سواء، اذ يكتنف هذا الشعور مسؤولية اخلاقية يجب أن تسود الجميع لكي يعيشون بتفان وتواصل مع الحياة المشتركة. وعند حدوث حالات البلاء وتعرض هذا المجتمع الى هزات نفسية وجسدية من امراض واوبئة او من كوارث طبيعية وغيرها، يعود هذا المجتمع الى رشده فيشعر بحجم الدمار الذي اصابه جراء ذلك، فينتبه الى نفسه والى وعيه، ويرجع الى ما كان عليه من ذي قبل، رجوع ندم، فيكون التعامل بالإنسانية، تلك الانسانية التي فُتق عليها الانسان، لتلافي النكوص والاهمال الذي ساد هذا المجتمع نتيجة لتغاضيه عن اسباب وكوامن انسانية قد فقدها دون أن يشعر بذلك او متعمدًا، او على الاقل يشعر بذلك نخبة معينة من ذلك المجتمع الذي اصيب بهذا النكسة التي كادت أن تقضي عليه، ويفترض أن مثل هذا أن لا يحدث. ذلك لأن "طريق الوصول لراحة النفس هو العطف" (الطاعون).

الدولة التي ظهر فيها فايروس كورونا، هي الصين وهي اكبر دولة سكانية عالميا، وهي الاكثر جهة تضررت بداية انتشار الفايروس. والى يومنا هذا ونحن لا نعلم الاسباب الحقيقة التي اظهرت هذا الفايروس القاتل، فبعظهم يرى أن الفايروس كان مُصنّع، أي هو عبارة عن حرب بيولوجية بين الصين والولايات المتحدة الامريكية، الدولتان المتنافستين على عرش العالم، وكلنا يعلم هذا التنافس بين القوتين العظيمتين: الصين وامريكا، وصراعهما  الاقتصادي.

انتابتني حالة من التذمر والحزن معًا، وانا ارى بأم عيني، وفي كل يوم وفاة صديق لي هنا وآخر هناك تحت مذبحة كورونا، فضلا عن ابناء مدينتي وبلدي، هذا التذمر والحزن اصابني بحالات نفسية وحالات ضجر وقلق، وفتق عندي تساؤلات فلسفية واخرى وجودية: لماذا ظهر هذا الفايروس؟، ولماذا يغيّب هؤلاء الناس المساكين، وخصوصًا الفقراء منهم، من العمال والكسبة، ومن الذين يعيشون بأجور يومية ومن غيرهم، جراء الحظر الذي فُرض على العالم برمته وليس على ابناء بلدي فحسب. واقتصاديا فرط عقد مليارات الدولارات، وضاعت في مهب الريح وفي اشهر معدودة، بينما هناك ملايين الفقراء والمعوزين هم بحاجة الى تلك المليارات، لانتشالهم من جحيم الفقر ونار العوز.

كورونا هو من الاسباب الطبيعية، كالفيضانات والكوارث الاخرى، مثل التسونامي الذي ضرب عدد من المدن الاوربية. ومن السذاجة بمكان أن نوعز ظهور فايروس كورونا الى غضب الاله وانتقامه من العباد بسبب عصيانهم لأوامره وعدم الطاعة، كما اوعز ذلك قساوسة مدينة وهران التي اصابها الطاعون، وكما رأى ذلك بعض علماء المسلمين عند ظهور كورونا.

في مقال سابق لنا حول رواية "الطاعون" ذكرنا إن الاحداث، تدور حول مرض الطاعون، اذ راح هذا الفايروس يفتك بآلاف الناس، حتى كاد أن يقضي على الجميع، وقد استعملوا كافة القضايا الوقائية للحد من هذا المرض، فلم ينجحوا، حتى أنهم، اخيرًا، اتجهوا الى علاج آخر لربما يكون الافضل أو البديل، الا وهو العلاج الروحي أو نستطيع أن نقول الماورائي وهو الدعاء والتضرع الى الله، من خلال تلك الادعية والصلوات، والاستغفار، لعل الله يرفع عنهم هذه المحنة، التي عصفت بهم كما تعصف الريح العاتية بأوراق شجرة صفصاف في موسم الجفاف.

جاء نداء الكنيسة أنه على جميع المؤمنين وغير المؤمنين التوجه الى الكنيسة لسماع توجهات الجهة الدينية بخصوص هذه الكارثة (الطاعون). فخطب القيس خطبة وعظية اشار فيها الى أن هذه عقوبة الهية، لأن الناس ضعف ايمانهم بالله ولم يتمسكوا بالدين، وتفرغوا الى ملذاتهم الخاصة، فنسوا الله خالقهم، وفي نهاية الخطبة العصماء دعا الحاضرين الى العودة الى الايمان والتضرع للخلاص من هذا البلاء". وهذه هي لعبة رجال الاكليروس في كل زمان ومكان، فهم شطار بالعزف على هذا الوتر الحساس، لتهوي قلوب الناس الى الدين، وهو بذلك المستفيد الاكبر.

ففايروس كورونا اعتبره البعض حربًا اقتصادية يريد المتسبب من وراءها الحصول على مزيد من الدولارات والربح العاجل، لينتعش بذلك اقتصاد شعبه، وإن كان على حساب قتل الناس الابرياء في معظم دول العالم وخصاصًا الضعيفة منها وذات الاقتصاد الهش، وهو ما حصل بالفعل، حيث تعرضوا للموت العاجل إثر هذا الفايروس اللعين بشكل لافت. والدليل إن اربع دول راحت تنافس بعضها البعض لإنتاج لقاح ضد هذا الفايروس، وهي الصين وامريكا وبريطانيا وروسيا، وبالفعل هذه الدول، في غضون عام كامل، استطاعت أن تنتج، وبوقت قياسي، لقاح مضاد لهذا الفايروس، وكل واحدة من منها تدعي إن انتاجها هو الاحسن والافضل.

البير كامو في روايته الطاعون كأنه يناغم عصرنا هذا في رسم ملامح كورونا بصورة الطاعون، اذ الاحداث تكاد أن تكون متشابهة من حيث الكارثة والجائحة التي حلت بوهران، وحيث البُعد الانساني، كذلك، والرعب الذي عاشته الناس ولا تزال تعيشه الى حين كتابة هذا المقال.

 

داود السلمان

 

علي رسول الربيعيكنت متعاطفًا مع هابرماس لأكثر من ثلاثين عامًا، رغم أنني كنت قارئًا ناقدًا له. في البداية، أدهشتني بصيرته الدقيقة فيما يتعلق بالتقاليد البراغماتية الأمريكية ووكيف عبر عن فهم عميق للروح الديمقراطية الراديكالية للحركة البراغماتية. شعرت حينها، وما زلت، أن هابرماس لديه فهم أكثر عمقًا ودقة لما هو أفضل وأكثر ثباتًا في البراغماتية - خاصة في فكر بيرس وديوي وميد - أكثر من العديد من المفكرين الأمريكيين. إنه مفكر ديالكتيكي لديه الشجاعة لمقاومة الاتجاهات العصرية ويرفض الانضمام إلى العربة التي تحتفل بالاختلاف، والتجزئة، والتغير، والتفرد، والتي تلعن العقلانية، والعالمية، والذاتية المشتركة، والصلاحية المعيارية. على الرغم من أن خصومه رسموه كاريكاتيرًا في كثير من الأحيان، إلا أن هابرماس لم يتوانى أبدًا عن الدفاع عما يعتبره صالحًا في إرث التنوير - السعي لتحقيق الاستقلال البشري والتحرر من جميع أشكال الاضطهاد. لم يتم يتبنى مطلقًا الخطاب الحاد الذي يدين جميع أشكال الإنسانية. وسيكون من الصعب تسمية مفكر آخر من القرن العشرين أخذ فكرة وممارسة النقاش العام والحوار بجدية أكبر. يشرك هابرماس نقاده باستمرار في محاولة للتعلم منهم، والدفاع عن قناعاته، وتعديل الادعاءات والتخلي عنها عند الطعن فيها لأسباب وجيهة.

أطلق هابرماس على كتابه الجديد بين الوقائع والمعايير مساهمات في نظرية مناقشة القانون والديمقراطية، لكن هذا قد يكون أيضًا عنوانًا مناسبًا لمجموعه بالكامل. طوال حياته المهنية، سعى هابرماس إلى إنصاف أقطاب الواقعية والصلاحية المعيارية والتوترات القائمة بين هذين القطبين. في طريقته "الاجتماعية" ، يسعى إلى تقديم فهم شامل وتحليل لواقعية المجتمعات الحديثة في تعقيداتها الكاملة. لكنه أيضًا جادل باستمرار بأن التفسير المناسب لتطور المجتمعات الحديثة يجب أن ينصف الادعاءات الضمنية والصريحة للشرعية والصلاحية المعيارية. لقد جادل - كما يفعل بشكل مقنع في كتابه الحالي - بأنه لا توجد نظرية معيارية (سواء كانت للديمقراطية أو القانون أو الأخلاق أو الأخلاق) كافية إلا إذا كان من الممكن أن ترتبط بالواقعية بشكل كامل بالحياة الاجتماعية اليومية وتندمج معها.

أخيرًا، وليس أقلها أهمية، كان هابرماس (مثل جون ديوي) نموذجًا للمثقف المنخرط بشكل مسؤول. على الرغم من أنه أصر على التمييز الدقيق بين البحث النظري والتدخلات العملية، إلا أنه اتخذ مواقف سياسية قوية بشأن مجموعة متنوعة من القضايا المتعلقة بقناعاته الديمقراطية. لقد كان منتقدًا دؤوبًا لا هوادة فيه لأولئك الذين يسعون إلى تخفيف حدة أو تعديل أو قمع أو نسيان الرعب الكامل واللاعقلاني للحقبة النازية. وهذا يعطي درسا بليغا لنقد كل تسلطية سياسية او دينية في مجتمعاتنا في العالم العربي.

لهذه الأسباب، والعديد من الأسباب الأخرى، لطالما وجدت كتاباته محفزة ومثيرة للتفكير. لكن يجب أن أعترف أنه كان هناك أيضًا قلق متزايد لأنني تابعت تطور نظريته عن الفعل التواصلي والعقلانية، ونظرية خطابه في الأخلاق، ونظرية خطابه عن القانون والديمقراطية. يستعمل هابرماس مجموعة معقدة من المفاهيم المثيرة للجدل والخلاف، المترابطة، المختلفة والمتمايزة: الصالح والحق؛ الإجرائية والموضوعية؛ التبرير والتطبيق؛ الجدل البراغماتي والأخلاقي والسياسي والأخلاقي على سبيل المثال. لقد أصبح الاستخدام الذي يستخدمه لهذه الفروق جامدًا وقاسيًا على نحو متزايد. بدلاً من توضيح القضايا ذات الصلة، فإن بعض هذه الفروق الصارمة والسريعة تحجب في الواقع أكثر مما تضيء. إن تجسيد الفروق التي يجب أن تكون سلسة ومنفتحة ومرنة هي التي تزعجني.

أود أن أوضح نقطتين حتى لا يساء فهم الغرض من ملاحظاتي الانتقادية.

(1) أنا بالتأكيد لا أعترض على الحاجة إلى إدخال اختلافات مفاهيمية في نظرية الخطاب عند هابرماس. فتتطلب كل نظرية تقديم واستخدام مثل هذه الفروق.

(2) وأنا لا أعترض على حقيقة أن الاختلافات المفاهيمية المركزية عند هابرماس لا تتوافق دائمًا مع الطرق التي نتحدث بها في السياقات اليومية أو حتى الطريقة التي رسم بها المنظرون الآخرون اختلافات مماثلة. لا أعتقد أن أي مفكر سابق لهابرماس قد ميز بين النقاش والمحاججة الأخلاقية والسياسي الأخلاقي بالطريقة الدقيقة التي رسم بها هابرماس هذا التمييز. إن التعبيرات مثل "الأخلاقي" و"الأخلاقي - السياسي" هي مصطلحات فنية، ومفاهيم مثالية يقدمها هابرماس لتوضيح نظريته في الخطاب. ستركز اعتراضاتي – في الدراسة اللاحقة - على الاستعمال المحدد من قبل هابرماس لهذا التمييز والفروق.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

محمد بنيعيشأولا: الأرائكية العلمية والبحث دون تحديد محطة النزول

وإذ نحن الآن في زمن العولمة والعلمنة ومعها العمينة إن صح التعبير! فإن الفتاوى الفقهية وقل حتى الطبية ولم لا السياسية ،قد أصبحت أرائكية ومستندا ماديا لا علميا ولا عمليا، وكأن الأرائكية تتماشى مناسبة مع مصطلح  اللائكية، وذلك فيما يتعلق وعلاقة الجمهور ببعضهم البعض أو تطبيق الحاكم لما يقتضيه الوضع من حلول وعلاجات يتحقق من خلالها الصالح العام وتنضبط بها الأحكام ويترسخ الاستقرار والأمن.

وحينما نصف الفتاوى وخاصة الدينية بالأرائكية فذلك من مصطلح شرعي ونصي محض عبارته ومضمونه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله عز وجل"1.

فالكثير قد يفسر الأرائكية هنا بمعنى أن هذا المتعالم أو المتجرئ على الفتوى يدلي برأيه المحض عبر القنوات، والمباشر الهزيل والهجين و المتسيب عند شبكة الأنترنيت في مسألة شرعية دون أن يكون لديه اطلاع على قواعد أصول الفقه أو اللغة أو النصوص الدينية بصورة مباشرة ووعي وإدراك لمعانيها وأسرارها.

وهذا الاطلاع نفسه  فيه جانب صحيح من الفهم ولكنه ليس كله، لأنه وإن حصل هذه العلوم على سبيل الاستظهار فسيبقى أرائكيا، وستبقى أحكامه غير مطابقة للواقع ولا متمشية مع مقتضيات النص ومناسبة له، وذلك لغيابه عن فهم جوهر أسباب النزول ومقتضى الخطاب.

وحيث إن الفقيه أو العالم مقصي ميدانيا عن الممارسة والتطبيق فإن فقهه أو فهمه يبقى ذاتيا وغير مناسب سواء في تحليلاته وتعليلاته أو في آثاره ونتائجه العلمية والاجتماعية، ومن هنا فسيصبح محصورا في الأرائكية، وهذا في حالة وجود فقهاء وعلماء منشغلين فعلا بمشاكل الواقع والتغيرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية وكذا السياسية الحادثة في دائرته.

أما أن توجد الأرائكية مع الجهل أو التكوين الناقص وغياب الانشغال والملاحظة والوعي بالمحيط فهذه هي الطامة الكبرى، ومنشأ التطرف في الأحكام والجري نحو الفتن وإشاعة البلبلة سواء لدى الحكام والمحكومين على حد سواء.

وإذا كانت الأرائكية في باب فقه المعاملات والقضاء تبدو وكأنها مفروضة بحكم الإقصاء من الميدان وغياب الإرادة في التطبيق فإن أسوأها حالا هي تلك التي تكشف عن المناوأة الصريحة للتصوف  مثلا كعلم وعمل وأخلاق وأذواق، إذ ليس بين مثل هؤلاء المتفيقهين أو المتعالمين أي حائل أو عائق يمنعهم من سلوك منهجه أو التسليم به إيجابيا، باعتباره ركنا أساسيا ينبغي أن يتعلمه ويعمل به ولو جزئيا كل طالب للعلم الشرعي حتى يستقيم أمره كملازمة رئيسية في التكوين العلمي. وهذا ما يلخص عناصره عبد الواحد بن عاشر كمعبر عن الشخصية العلمية السليمة والمتكاملة في المغرب وباقي دول المغرب العربي والأندلس من قبل عبر التاريخ.

في عقد الأشعري وفقه مـالك                   وفي طريقة الجنيد السـالـك.

وعند هذا الإقصاء سيفتضح أمر هؤلاء المتعالمين وتتبين الغايات من ادعائهم لأنهم فعلا مقصيون من الساحة العلمية والتطبيقية، إذ لو كان غرضهم الرئيسي هو تطبيق الشريعة لكان الأولى بهم أن يسعوا إلى البدء بأنفسهم من حيث تعويدها على الأخلاق الفاضلة بالذكر والصحبة وسلوك مبدأ التثبت والروية وهي قواعد صوفية وأصولية شرعية أساسية لتحصيل العدالة الظاهرية والباطنية. نقتطف نموذجا من رؤوسها في المنظومة المذكورة آنفا:

ويوقف الأمور حتى يعلمــــا                   مـــا اللــه فيهــن قــد حكمــا

يطهـــر القــلب من الريـــاء                  وحســــد وعجــــب وكـل داء

واعلم بأن أصل ذي الآفـــات                 حب الرياســـة وطرح الآتـــــــي

رأس الخطايـا هو حب العاجلة              ليس الدواء إلا في الاضطرار له.

ومن هنا كانت الحكمة المشهورة ربما قد تنسب إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن جمع بينهما فقد تحقق!"

لكنا مع الأسف نجد الأرائكية مجسدة بصورة لا تقبل الجدل أو المماراة وخاصة في الموقف من التصوف و أهله الحقيقيين!. إذ إضافة إلى التهجمات والإسقاطات والتحريفات التي قد توظف في الكليات ويسلخ من خلالها هذا العلم من مفهومه الحقيقي سواء لدى المتسلِّفين أو المتفلسفين والعلمانيين ، نجد تهربا واضحا من الاطلاع على مراكز أهله سواء كانت طرقا تقليدية أو تحقيقية. كما نلاحظ قدحا ونقدا لبعضها على سبيل الشائعات وأخبار السوق والغوغاء، منها ما يدرج في المدرجات الجامعية ومنها يروج على المنابر وغيرها من الأماكن التي كان من المفروض أن تعلم فيها الفضيلة والآداب والعلوم البناءة.

ثانيا: الميدانية النموذجية في ترسيخ الجدية العلمية:

وبهذا الإجراء الذي قد يطال كثيرا من المرافق الحيوية الميدانية و الشبيهة في الأمة  ستهدر أهم مبادئ العلم الموضوعي، وهي الملاحظة والمعاينة مع التجربة وتكرار الإصابة وقبلها الفرضية والمسلمة. لأن هذه القواعد تؤسس المنافذ والأبواب ووسائل المعرفة الصحيحة عند الإنسان لكيلا يقع في البطالة الفكرية وتصبح أحكامه جزافية وأرائكية يجمع هذا قول الله تعالى: "لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا" و"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".

فالحكم على عالم ما أو ولي وشيخ صوفي، أو على طريقة وجماعة وحزب ما،أو حتى على سلطان ومسؤول سياسي، لا ينبغي أن يكون مجرد إسقاطات وظنون وتوهمات، وإنما يجب أن يؤسس على معطيات مناسبة والموضوع المبحوث فيه. حتى تتحقق الغاية من الدراسة الجامعية ويتكون لدينا علماء إيجابيون بالاقتداء السليم، يقومون بدورهم في إصلاح المجتمع والمصالحة مع الذات بتزكيتها من التناقضات والمهاترات والتوهمات...

وكنموذج تاريخي على هذا البحث العلمي الأكاديمي أذكر مثال الغزالي باعتباره متخرجا من مدرسة نظامية تدرس وتحلل وتعلل وتقرر ولا تبرر وبالتالي تحرر، فيقول عن مسيرته العلمية وميدانية أبحاثه، "ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق وأخوض غمرته، خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة وأتهجم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة وأتفحص عن عقيدة كل فرقة وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة لأميز بين محق ومبطل ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر تصوفه ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ولا زنديقا معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته.

وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة الصبا"2

بعد هذا الاستعراض العلمي للطوائف والمذاهب، سيختار سلوك التجربة في مجال التصوف كما يقول: "ثم إني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل"3

وبعد التجربة سيعود بالثمرة لا ليستأثر بها لذاته وإنما ليفيد بها غيره وليصلح بها مجتمعه، ولكن ليس على طريقة الأرائكيين كما سبق وبينا وإنما هو إصلاح قائم على الاستمارات والاستجوابات والمقابلات الشخصية للعينات، حتى إذا توفرت المعلومات وتحللت تبينت عندها العلل والخلفيات، فإذا هي أربعة:

- سبب من الخائضين في علم الفلسفة

- سبب من الخائضين في طرق التصوف

- سبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم

- وسبب من معاملة الموسومين بالعلم بين الناس".

فأين علماؤنا الآن من هذا المنهج سواء في الجامعات أو الجوامع وسواء لدى علماء الشريعة والفقهاء أو لدى الفلاسفة والمفكرين كما يزعمون؟.

لا نكاد نعثر على بحاث يعتد بهم من هذا المستوى في جامعاتنا سواء سميت بالعتيقة أو الحديثة،ولا أستثني نفسي منهم، خاصة ونحن في عصر التواصل والأنترنيت والأقمار الصناعية والهواتف المحمولة وما إلى ذلك من وسائل النقل والاتصال، اللهم إلا ما قد نجده في مجال ما يسمى بعلم الاجتماع ولكن في حدود ضيقة وبسيطة ومؤدلجة مستنتجة قبل البحث، ولا تتوخى سوى مراحل التغيير الاجتماعي وصوره وأنماطه، وهي في الحقيقة لا تمثل سوى تحصيل حاصل ظاهر للعيان وبين لكل ذي عينين من بني الإنسان!.

ولقد كان من الأولى أن يقوم بمثل هذه البحوث الميدانية علماء المؤسسات ذات الطابع والدراسات الدينية ،الشرعية الأصولية ،والأكاديمية في نفس الوقت، وخاصة إجراء بحث عقدي اجتماعي أو بحث عقدي سلوكي أو ما إلى ذلك مما يمكن تفريع مسالكه إلى وحدات للبحث العلمي حسب المنهج الجديد المقرر تطبيقه في الجامعات، وقصد تشخيص الواقع ومحاولة استنتاج إيجابياته من سلبياته وطرح حلول علاجية ووقائية على المستوى الآني والمستقبلي.

فإذا كان العلماء أو الفقهاء لا يستطيعون القيام بجولات استطلاعية للمؤسسات الدينية ذات الخصوصية الروحية أو العلمية أو حتى الثقافية التراثية، وهي مؤسسات محدودة وغير معقدة التركيب والتنظيم، فكيف سيحفزهم البحث للقيام بجولات في مرافق الحياة العامة واستجواب أفراد المجتمع تطوعا وتحملا للمسؤولية من أجل إدراك أسباب انحرافاته وعلله؟.

لا شك أن هذه المقدمة قريبة جدا من نتيجتها وهي أن ظاهرة الأرائكية وغياب الباعث الديني الحثيث للإصلاح قد أصبحت هي الطاغية على هؤلاء، وبالتالي أصبحوا المشخصين عمليا للبطالة الفكرية للمجتمع على أعلى مستوى هيئاته، وهو ما سينعكس لا محالة على البطالة العامة التي أصبح يعاني منها المجتمع العربي والإسلامي في جل مرافق حياته ومؤسساته مما لا يحتاج معه إلى استقراء وتتبع وإنما كما قال الشاعر:

وأحسـن مـا في خـالـد وجـهـــه              فقس على الغــائب بالشـاهــد!

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.......................

1- رواه البيهقي في السنن الكبرى. كتاب النكاح.

2- الغزالي: المنقذ من الضلال. ص 5.

3- نفس المصدر. ص 43.

 

علمُ الاجتماعِ هو العلمُ الذي يدرُسُ الظواهرَ الاجتماعيّةَ، ويحاولُ تفسيرَها وبيانِ ظروفِ نَشْأَتِها. وعلمُ الاجتماع الديني الذي هو مُرَكَبٌ اضافي من شَيْئينِ هما:  الاجتماع والدين، وهو العلمُ الذي يدرُسُ الظواهر الدينيّةَ وظُروفَ نَشْأتِها . وهو علم حديث ظهر في النصف الأولِ من القرنِ العشرين .

 وعلم الاجتماعِ الدينيِّ يحاول دراسةَ الظاهرةَ الدينيَّةَ كظاهرةٍ اجتماعيّةٍ وتفسيرها على اساسٍ ميدانيٍّ تجريبيٍّ وتجريدها من بعدها اللاهوتي الغيبيِّ . وعلى هذا الاساس قَدَّمَ علمُ الاجتماعِ الدينيِّ نظرياتٍ وفرضياتٍ متعددة في تفسير الظاهرة الدينيّة . منها تفسير دوركايم نشأة الدين على اساس التفسير الطوطمي الذي فسر به نشوء الدين البدائي الذي استوحاه من كتابات ووثائق عن قبائل استراليا .

 ويرى الفيلسوفُ كانط: (أَنَّ الدينَ هو الشعورَ بواجباتنا من حيثُ كونُها قائمة على اوامرَ الهيَّةٍ ساميّةٍ).(1)، ويرى الفيلسوفُ ديكارت في كتابه " مقالٌ في المنهج": ( أنّهُ ينبغي لنا أن لانقبلَ شيئاً على أنّهُ حق مالم يتبين ببداهةِ العقلِ انه كذلك . ولكنَّهُ في كتابه (مبادئ الفلسفة) يذكر أنَّ من واجبنا أن نتخذَ لنا قاعدةً معصومةً بأنَّ ما أوحى به الله هوَ أوثقُ بكثيرٍ من كلِّ ماعداه).(2)، ويرى هيغل أن الدينَ هو: ( فنٌ باطِنيٌّ يُصَوِرُ لنا الحقيقةَ الالهيّة من الداخل عن طريق الشعورِ الباطنيِّ). (3)، ويُعَرِّفُ شلاير ماخر الدينَ بأنّهُ: ( خضوعنا لوجودٍ لاينالُهُ ادراكُنا، أَوأَنَّهُ خُضوعُ الانسانِ الى موجودٍ أَسمى منهُ) . (4)، وعَرَّفَ تايلور الدينَ بشكلٍ عام بأَنَّهُ: (الاعتقادُ في الكائناتِ الروحيّة أَو الاعتقاداتُ في الموجوداتِ الروحيّة ).(5)، امّا ماكس مولر فيعرّفُ الدينَ بأَنَّهُ: ( الشعورُ باللانهائي أَو بأَنَّهُ احساسُنا باللامتناهي). (6)، اما اميل دوركايم الذي يمثِّلُ المدرسةَ الفَرَنسِيَّةَ فيرى بأّنَّ الدينَ (مجموعةٌ متماسِكَةٌ من العقائدِ والعباداتِ المتصلةِ بالاشياء المُقّدَّسَةِ آمرَةً وناهِيَةً بحيثُ تؤلِفُ هذهِ المجموعةَ وحدةً دينيّةً متصلةً بكلِّ من يؤمنونَ بها ). (7)

 وهناك من فسر نشأَة الظاهرة الدينيّة بالخوف، اي: ان الانسانَ يرى في حياتِهِ ظواهرَ يخافُ منها كالرعد والبرق والصواعق والزلازل والبراكين، هذه الحوادث تبعث الرعبَ والقلقَ في حياة الانسان؛ فادى ذلك بالانسان ان يخترع قوةً تحميه من كل هذه الحوادث اسماها الله . فالله وفق هذه النظريات اختراعٌ انسانيٌّ . وهناك نظرية فسرت نشوء الدين بالجهل اي: اننا نجهل اسباب الحوادث المفزعة ولانجد لها تفسيراً فنلجأ الى قوة عالمة لاجهل في ساحتها ؛ لتطمئن نفوسُنا . أمّا اذا استطاع العلم ان يقدم لنا التفسيرات الكافيّة فلا حاجة الى الدين . وهناك التفسير الماركسي القائم على اساس الصراع الطبقي الذي تبنته الماركسيّة واعتبرت ان الدين نتاج الطبقة التي تملك وسائل الانتاج والتي تمتص جهد وعرقَ العمّال وتخدرهم بامانيّ واحلام وان هناك عالماً آخرَ يحقق لهم كل ماعانوه من اسىً وعذاب وعرق وكفاح، ولذلك اطلق ماركس مقولتَهُ (الدين افيون الشعوب) . امّا القرانُ الكريم فيقدمُ رؤيته في تفسير نشأة الدين من خلال الاية الكريمة في سورة الروم:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). الروم: الاية: 30 .

فيعتبر الدينَ فطرة الهية، وان الدينَ تعبير عن حاجَةٍ فطريّةٍ لدى الكائن الانسانيِّ .

وعلى هذا الاساس على المفكرين ان يستنبطوا من خلال أَلآياتِ الكريمة والاحاديث النبويّة الشريفة علم اجتماعٍ دينيٍّ اسلامي بامكانه ان يفسر لنا الكثير من الظواهر كظاهرةِ الصحوة الاسلاميّة وظاهرة العنف وظاهرة الانحراف لنفسرها كظاهرة اجتماعية تفسيراً اجتماعيّاً وفق رؤيتنا لفهم الظواهرِ الاجتماعيّة .

 

زعيم الخيرالله

.....................

المراجع

1- أحمد الخشاب، الاجتماع الديني، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة 1964، ص 75.

2- زكريا ابراهيم، مشكلة الفلسفة، دار القلم، القاهرة 1962، ص 192.

3- نفس المصدر السابق، ص 93 .

4- روجيه باستيد، مبادئ علم الاجتماع الديني، ص 33.

5- احمد ابو زيد، تايلور، مطبعة دار المعارف، القاهرة، 1957، ص 132.

6- روجيه باستيد، مصدر سابق، ص 33 .

7- علي سامي النشار ص 27 .

 

 

عبده حقيترجمه بتصرف: عبده حقي

هناك مواجهة عالمية تدور حاليا حول من يستحوذ على بيانات الشعوب. ففي اختتام قمة مجموعة العشرين في يونيو 2019 التي التأمت في اليابان، رفضت عديد من الدول النامية التوقيع على إعلان دولي بشأن تدفق البيانات - ما سمي بمسار أوساكا. سبب مقاطعة دول ناشئة مثل الهند وإندونيسيا وجنوب إفريقيا للإعلان على اعتبار أنه لم يكن لديها فرصة لوضع مصالحها الخاصة حول البيانات في الوثيقة الختامية.

وبحضور خمسون موقعًا لا يزال الإعلان قائماً كإعلان عن نوايا مستقبلية حول مزيد من التفاوض، لكن المقاطعة مثلت صراعًا مستمرًا من قبل بعض الدول لتأكيد مطالبتها بشأن البيانات التي ينتجها مواطنوها.

في عام 2016 تم الترويج عالميا على أن بيانات المواطنين هي النفط الجديد القادم في المستقبل . وعلى الرغم من أن هذا التشبيه قد تم ضحده بسرعة إلا أنه لا يزال كوسيلة مفيدة لفهم الاقتصاد الرقمي العالمي الراهن والقادم . واليوم مع تكثيف المفاوضات الدولية حول تدفق البيانات، قد تساعدنا مقارنة النفط هذه في تفسير اقتصاديات ما يسمى "توطين البيانات" – أي محاولة الاحتفاظ ببيانات المواطنين داخل بلدانهم.

وعلى غرار الدول المنتجة للنفط التي دافعت من أجل مصافي النفط لإضافة قيمة إلى النفط الخام، كذلك تريد الحكومات في جل العالم اليوم أن تبني شركات التكنولوجيا الكبرى مراكز بيانات على أراضيها . حيث تستند السحابة التي تشغل الكثير من صناعة التكنولوجيا في العالم إلى مراكز بيانات ضخمة تقع بشكل أساسي حول سواحل شمال أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية . وبالتالي في الوقت نفسه تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة بشكل متصاعد إلى الأسواق في الجنوب العالمي للتوسع مع دخول أعداد هائلة من الشباب المتمرسين في مجال التكنولوجيا عبر الإنترنت.

اتهامات بـ "الإمبريالية الرقمية"

لقد أدى الانفصال بين المصادر الجديدة للبيانات ومواقع مراكز البيانات إلى اتهامات من كثير من دول العالم الثالث بـ "استعمار البيانات" أو "الاستعمار الرقمي" .

الحجة الاقتصادية لدول الجنوب لاستضافة المزيد من مراكز البيانات هي أنها ستعزز التصنيع الرقمي من خلال خلق مزايا تنافسية لشركات السحابة المحلية، وتطوير روابط أخرى من قطاع تكنولوجيا المعلومات المحلية.

لقد تعاملت العديد من البلدان مع اللوائح المتعلقة بنوع البيانات التي يجب تخزينها وطنيا. بعضها يغطي قطاعات معينة فقط مثل البيانات الصحية في أستراليا. في دول أخرى مثل كوريا الجنوبية، تتطلب موافقة الشخص صاحب البيانات حتى يتم نقلها إلى الخارج. أما فرنسا من جانبها فتواصل السعي وراء البنية التحتية لمركز البيانات الخاص بها، والتي يطلق عليها اسم "السيادة السحابية"  على الرغم من إغلاق بعض الشركات التي كانت وراء الفكرة في البداية . فيما توجد القوانين الأكثر شمولية في الصين وروسيا، والتي تفرض التوطين عبر قطاعات متعددة لأنواع كثيرة من البيانات الشخصية.

يمكننا القول إن كثيرا من الدول ذات التعداد السكاني الهائل والمتزايد على الإنترنت هي الأكثر استفادة اقتصاديًا من مثل هذه اللوائح لأنها تتلقى حاليًا أقل استثمار في البنية التحتية للبيانات من عمالقة التكنولوجيا بالنسبة لعدد المستخدمين.

يستشهد مؤيدو توطين البيانات بالاعتماد البنيوي للبلدان النامية على البنية التحتية الرقمية المملوكة للأجانب وحصة غير عادلة من الفوائد الاقتصادية للصناعة. إنهم يحلمون باستخدام توطين البيانات لإجبار شركات التكنولوجيا على أن تصبح كيانات دائمة على أرض الوطن لزيادة مقدار الضرائب التي يمكن أن تفرضها عليهم في نهاية المطاف.

المنتقدون من جهتهم يشيرون إلى ارتفاع تكاليف الأعمال للخوادم المحلية، ليس فقط لعمالقة التكنولوجيا، ولكن أيضًا للشركات الناشئة التي تقول الحكومات إنها تريد تشجيعها بدعوى أن لوائح التوطين تتداخل مع الابتكار العالمي، ويصعب تنفيذها، وتتجاهل المتطلبات الفنية لمراكز البيانات: القرب من "العمود الفقري" لكابلات الألياف الضوئية للإنترنت، وإمدادات مستقرة للكهرباء، ودرجة حرارة منخفضة للهواء أو الماء لتبريد الخوادم العملاقة.

البيانات: ما هي قيمتها؟

لقد استخدمت إحدى الدراسات الأكثر استشهادا بها منذ عام 2014 منهجية غامضة أنتجها المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي، وهو مؤسسة فكرية للتجارة الحرة ومقرها في بروكسل، يأتي بعض تمويلها من شركات متعددة الجنسيات المجهولة . وليس من المستغرب أن تجد خسائر جسيمة للبلدان التي تفكر في توطين بياناتها . ومع ذلك وجدت دراسة أجريت عام 2018 بتكليف من شركة فيسبوك أن إنفاق مركز البيانات في الولايات المتحدة قد خلق عشرات الآلاف من الوظائف ودعم استثمارات الطاقة المتجددة وساهم بـ 5.8 مليار دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في ست سنوات فقط.

إن اتخاذ موقف دوغمائي مع أو ضد هذه القضية يخفي تعقيدات أخرى . تعتمد التكاليف والفوائد الاقتصادية على نوع البيانات المخزنة، سواء كانت نسخة مكررة أو نسخة حصرية فقط، ومستوى الدعم الحكومي لدعم البنية التحتية الأوسع، على سبيل المثال لا الحصر.

ماذا تفعل الحكومات ببيانات مواطنيها؟

لا يقتصر دور الشركات والدول الكبرى على لعب أدوار هامة جدا في محاولة الحصول على "سيادة بيانات مواطنيها ". قد يجد مطورو التكنولوجيا حتى الآن طرقًا لدعم حقوق الأفراد في التحكم في بياناتهم الشخصية باستخدام منصات رقمية مثل داتابوكس والتي تمنح كل واحد منا ما يشبه الخوادم الشخصية الخاصة به . إن هذه التقنيات لا تزال قيد التطوير، لكن المشاريع آخذة في النشوء - معظمها في جميع أنحاء أوروبا – إنها لا تمنح الأشخاص سيطرة أكبر على بياناتهم الشخصية فحسب، بل تهدف إلى إنتاج قيمة اجتماعية بدلاً من القيمة الربحية. قد تجد مثل هذه التجارب مكانًا في العالم النامي جنبًا إلى جنب مع ما تفعله الدول والشركات الكبرى.

 

 

 

عبد الرضا حمد جاسماحْتَرِمْ صيغة الأمر ذات المعاني العميقة عندما يصدرها الشخص لنفسه .. وذات معاني جميلة عندما يسمعها الشخص من مُهتم وذات معاني ربما حادة او صادمة عندما يسمعا الشخص من متحدي!!!!

مفيد ان يأمر كل شخص نفسه بها بعد ان يستيقظ من النوم وقبل النهوض من الفراش لصفاء تلك اللحظات حيث ينتقل الانسان فيها من حال الى حال وعظيم ان يكررها كل يوم ليضيفها الى برنامج دماغه .. "المبرمج هل يُبرمج" نعم مع الوقت والإصرار وهذا جزء من تربية النفس على عدم التعدي على الغير سواء كان من البشر او الكائنات الاخرى او الطبيعة.

الاحترام حق مقدس حتى للذي لا يستطيع انتزاع حقه هذا او الدفاع عنه كما نتصور نحن من حيوانات او نباتات او حتى جماد.

اول اشكال الاحترام هو أن يحترم الأنسان انسانيته من خلال اكتشافها والاعجاب بها والدفاع عنها لتدفعه للدفاع عن انسانية الغير من خلال عمله على ان يكون مُحْتَرَمْ.. ليترسخ لدية الاحترام ليتحول الى ثقافة

من يحب ان يُحْتَرَم يجب ان يكون مُحْتَرَماً ومُحْتَرِماً.. والاحترام فعل يجب ان يسود وعدم الاحترام يجب ان يقع ضمن رد الفعل غير الفيزيائي. نعم عدم الاحترام معاكس للاحترام والذي يجب ان لا يكون وفق قانون الفيزياء لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه حيث لحظة الوقوع وانما وفق وصف انساني يأخذ بنظر الاعتبار النتائج والحالة والمكان.. حيث التطبيق الفيزيائي يعني العصبية والانفعال والتناحر.. الفاصلة الزمنية بين الفعل ورد الفعل في موضوع الاحترام ربما تكون طويله ويُفضل وفق ’’رقبة البعير’’ و القول فيها رغم الاختلاف لغرض افساح المجال لامتصاص تأثير فعل رد الفعل ومحاولة تفسير الفعل ومن ثم افساح المجال لصاحب الفعل وفعل رد الفعل بمراجعة نفسه بالسكوت او عدم تكراره او الاعتذار وافساح المجال لمن وقع عليه الفعل (وهنا ليس مفعول به) للمحافظة على خيوط التواصل وتقدير اسباب الفعل الذي ربما يكون رد فعل خارج قدرته على التحكم فيه او لم يُحسن التعبير عنه او به.

كما ان الاحترام فعل فهو فاعل في نفس الوقت لأنه من أعماق الفاعل والمفروض ان يكون ويعم حيث عندها سيكون في الحياة شيء من حيوية الصح والخير والمحبة والهدوء وتكون مفيدة ونافعه وسعيدة للجميع.

اما إذا انخفض دور الفاعل والفعل /الاحترام ووقع رد الفعل الفيزيائي حيث سيصبح رد الفعل الفيزيائي هنا فعل وفاعل وستكون سلسلة من فعل/ أفعال حتى تصل الى (الانتقام او الثأر) وإن انتشر هذا صارت الحياة غابه من ردود الأفعال ويصبح هنا رد الفعل هو الفعل والفاعل ليظهر الظلم والازدراء والاضطهاد والتسلط والشللية’’ شلل وشلة’’ السوداء لتصاب الحياة بالعطب ويتعقد والعيش ونكون من الضالين.

الاحترام شعور انساني نبيل المفروض ان يكون دائم ودوامه يُشيع حياة هانئة متكافئة.

الاحترام في الظروف الحياتية في واقع اليوم والامس متذبذب تحت تأثير التنوع والتذبذب ناتج عن الإدراك لقيمة وموقع الفاعل في الحياة او يعكس المعنى الذي يحمله الفاعل للاحترام أي المُحْتَرِمْ من نبل وصدق وخُلق وإخلاص وحسن سيرة وسلوك وثقه بالنفس حيث شملت النسبية حتى الاحترام.

الاحْتِرامْ وعي وتَحَضُرْ واتزان وتسامح.. لذلك فالمُحْتَرِمْ عنده المقابل مُحْترَمْ ويظن انه مُحْتَرِمْ حيث لا إثم في هذا الظنْ.

المُحْتَرَمْ والمُحْتَرِمْ ليس فيه ضعف/ضعيف كما يتصوره البعض الضعيف وربما غير المُحْتَرَمْ أو غير المُحْتَرِمْ وليس خانع وراكع وذليل.. هو قوي بقوة جعلته يجعل من حواسه الخمس تتفاعل مع الوجود والموجود باحترام فصار يحترم الغير حقوق الغير والدفاع عنها بوجودهم او بغيابهم. فيكون عنده الاحترام ضَوء يُنير له طريقه الموحش ربما والذي اختار السير فيه بتَّحَسُبْ ودقه واخلاق.

المُحْتَرِمْ لا يسَّوف ولا يَهرب ولا يخفي رأسه في الرمال ولا يختفي او يتخفى تحت او خلف سُتُرْ وحُجُبْ لأن ذلك وفق ما يؤمن به إساءة له اولاً وللغير ثانياً وللمجموع ثالثاً.

عكس الاحترام ليس عدم الاحترام وكفى وانما التسيب والانفلات والفوضى في السلوك’’ الاقوال والأفعال’’ سواء بين الانسان والانسان او بين الانسان ومحيطه.

الاحترام يشيع السرور والبهجة والانفتاح على الاخر والتفاعل الايجابي وحب الغير والحياة العامة والخاصة.

الاحترام يعزز الذوق الخاص والعام والهدوء والرضا والقناعة لذلك عندما ينتشر ويعم، يعم الامن والامان والود والوئام والمحبة. 

الاحترام يمنح الاتزان والتوازن بين ما يُرادْ وما يُريدْ لتختفي الأنانية والاحقاد والبغضاء والتسابق على الإساءة للغير ويُمتص الغضب والانفعال لأن الاحترام والكلمات التي تعنيه وتدل عليه دائما ما تكون لطيفه وهادئة ونقيه وواضحة لا تتعب المقابل بل تسهل عليه استقبالها والتفاعل معها.

الاحترام محلول (البفر الكيميائي) *للحياة يمتص الغضب ويمتص الاندفاع الزائد في الحب والحقد والبغضاء.

الاحترام يُكْتَسَبْ.. يتعلمه الانسان منذ أيامه الاولى حين يتكون في رَحِمْ الام.. عندما تحترم ألاُم التعليمات الطبية الدوائية والغذائية او تحترم ما تعلمته من تجارب سابقه لها وللأخرين.. يتعلمه من تبادل المنفعة بين ألاُم وحملها جنينها.

الاحترام قيمته ببساطته واهميته ولا يمكن ان يُخْلَقْ بالتزويق او التلوين او التغليف.

الاحترام حديقة غناء تشيع الألفة والهدوء والتعاون وتدفع للتفاعل والتواجد والتعاضد وتبادل الاهتمامات والمشاعر.. حديقة تهرع اليها النفس لتتنفس النقاء وتلتقي الصفاء والهناء والانشراح والاختلاف.

لا يمكن ان يُصطنع الاحترام.. ان حاول أحد ذلك سيُبانْ كما يتبين الورد الطبيعي من الصناعي.. قد يتساويان بالنظر اليهما من بعيد لكن ما ان تقترب منهما حتى تشعر بالفرق الهائل بينهما.. الطبيعي يريح ويشيع الانشراح والتأمل والصناعي يشيع الالم والتساؤل والانقباض.. الاول فيه حياة وقريب من الاحاسيس لأنه حساس مرهف والثاني ميت مثير للكآبة.

أجمل ما في الاحترام انه ينبع من اعماق صافيه جميله نقيه.

الاحترام جاذب للغير والخير ويحافظ على الذات والادوات ويشيع الود والجد.

الاحترام يزيل ما يفرق بين البشر من اشكال واجناس ومعتقدات وعادات وطباع لكنه يُرَكِزْ ويعزز المواقع والمنازل في كسب المعرفة والعلوم والابداع والتقيد باللوائح وتنفيذ الواجبات.

الاحترام لا يتحقق بالإكراه والغصب والإذلال والاجبار.. لان كل هذه عنيفة وهو رقيق حساس شفاف ومن يحاول فرضه بتلك الصور يعني انه يحاربه ويرعب غيره سواء كان واعي لذلك او لا.. من يحاول او يتصور ان بإمكانه فرض احترامه بالإكراه او باستغلال حاجة الغير اليه يُذِل نفسه ويسيء اليها حاضرا ومستقبلاً.

الاحترام واجب لا يتحدد بالعمر ولا الموقع ولا الجنس ولا الحالة الاجتماعية.. أجمل ما في هذا الواجب انه ينفذ او يتم برغبة وليس بالإكراه وهو الواجب الوحيد الذي يتغير معناه بالإكراه الى معاكس لمعانيه. التلكؤ في تنفيذه يعني التلكؤ بالعيش بهناء ومحبه ووئام وامان.

الاحترام تثمين قيمة الشيء والذين تعبوا في انجازه وتقديمه وعرضه وما ينتج عنه. 

تحترم الحديقة لما تقدمه هذه الفسحة الطبيعية من خدمه لك وللغير والغير هنا انسان كان ام حيوان او هواء تحترم فيها ابتسامات الزهور وغناء الطيور وضلال الاشجار وجمال الخضرة والندى والهدوء والسكينة وما يحصل في تلك الفسحة الزمكانية من علاقات وما تنتج من افكار شخصيه وعامه.

يقابلك اخيك في الإنسانية مبتسما في الطريق ليعبر حتى ولو بشكل سطحي عن احترامه لك لتشعر انه يزيل عنك هم او قلق او يعزز فيك حب الخير والغير لتجد نفسك قبل الابتسامة العابرة مختلف عما بعدها.

الاحترام ثقافة يتعلمها الانسان من الطبيعة والاخرين والكتب.. يكتسبها الانسان من خلال جميع الحواس بخلاف الكثير من الاشياء التي ربما يحسها الانسان بحاسة واحدة او اثنتين.

عندما تفكر ان تلمس ورده تجد ان هناك شيء يدفعك للتعامل معها بلطف وذوق لأنك ربما قدرت لها نعومتها ورقتها وعطرها او تتذكر موقف تعامل أحدهم معها بخشونة وفضاضه وما شاهدته بعد تلك المعاملة القاسية

عندما تضع طائر في قفص قد تتلذذ بذلك وتعتبر نفسك امتلكته او تنفعه لكن شعورك يزداد لو احترمت حريته بالتنطط والطيران وتشعر إنك تطير معه او هو يطير بك بين تلك الاشجار والربوع

الاحترام قلنا يكتسب ويمكن التدرب عليه ووضعت نقاط كثيره لذلك ولكنها غير ثابته او محدده ويمكن لكل انسان ان يساهم فيها ويضيف عليها من تجربته.

صعقني الراحل الدكتور علي الوردي له الرحمة والذكر الطيب عندما ذكر التالي في كتابه المهم دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص 341 حيث كتب: [المشكلة في اهل المدن في انهم كانوا في أعماق أنفسهم لا يحبون الحكام وربما كانوا يبغضونهم ومعنى هذا انهم كانوا اتجاه الحكام يظهرون غير ما يضمرون وقد تأصلت هذه العادة في الكثيرين منهم بحيث أصبحوا في حياتهم اليومية يحترمون من لا يحبونه ويحبون من لا يحترمونه] انتهى

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

سامي عبد العالإذا كان هناك شيءٌ ما يميز الموتَ، فهو أنَّه " تجربةُ حدودٍ " بامتيازٍ. ولذلك كان الفراعنة يعتبرون أنَّ كل موت يقع بكيان الإنسانِ رحلةُ عبورٍ إلى الحياة الأخرى (الخروج إلى النهار، كما يقول عنوان كتاب الموتى). لأنّ الإنسان حين يموت يتجاوز الحدود الطبيعية المعروفة للحياة، ففي وقتٍ ما كان يتنفسُ ويتحركُ ويقطن ويتعلم وينام ويستيقظ، وفجأة يتعدى حدوداً كهذه بحالة وجودية أخرى هي الموت.

 أقول حالةً أخرى في إطار ما يُسمى بالكائن الحي، لأنَّ ما يموت فينا هو حيوانية الكائن بينما الجمادات لا تموت، وربما لا تشعر به مثلما نشعر نحن. والمرض أيضاً بمثابة الوقوف على الحدود بين الصحة والاعتلال، بين الانغمار بالحياة التلقائية وبين أخذ جرعات منها كأنَّها مصل شفاء من آلام معينةٍ. كذلك فكرة الحقيقة هي عمل حدودي بالدرجة الأولى، لا توجد حقيقةٌ كاملة التعين ولا باتة الصدق وإلاَّ لأضحت تجربةَ موتٍ مؤجل. وهذا يظل مرهونا بتحولات الحقيقة إلى ما يضاد الحياة المتكشفة فيها أو حولها باستمرار.

 في هذا الإطار تترك كلُّ نزعةٍ مغلقةٍ (مثل الأيديولوجيا الصهيونية) ضحايا لا حصر لهم على الحدود المقدسة لذاتها. وفي مجال السياسة يصعُب عزل النزعات المغلقة عن دجما ذات طابع لاهوتي جغرافي. حتى أنَّ اطلاعاً على تكوين الفكرة لا يختلف عن المسح الحفري لظلالها ورواسبها في الواقع. فما بالنا على هذه الخلفية إذا كانت للصهيونية المسلحة تجليات جيوسياسية تغتال العابرين بالجوار. وهي المثال الساخن سياسياً الآن الذي يضع الحدود القاتلة أمام حياة الآخرين (المتمثلين في الشعب الفلسطيني). والأخطر أنْ تتشكل الصهيونية في كيان مادي يمثل قنبلة موقوتةً على قارعة الحياة اليومية، ولو كانت بحجم دولة كاملة التكوين والسيادة والعلاقات اسمُها إسرائيل.

إنَّ إسرائيل كمستنقع عنف هي خريطة حرفية لدجما جيو سياسية geopolitical dogma قوامها أيديولوجيا صهيونية تلتهم التنوع وتقف بالمرصاد لكل آخر، معتبرةً أنَّ مملكة الرب (وداخلها الشعب اليهودي بالزمان والمكان) كتلة مثالية واحدة، يدور التاريخ بقدر ما يدور، لكنه في النهاية سيجسدها في حدود سياسيةٍ تناصب الشعب الفلسطيني العداء والكراهية، ذلك في وضع النبوءة اليهودية الزمنية التي يعمل هؤلاء البشر على إنضاجها وتحقيقها.

والقتل الناجم عن وجود اسرائيل هو استعمال الموت نتيجة " مثالية الحدود أو التلاعب بها أو التشدد في حراستها والسهر عليها". كلُّ عملية قتل بمثابة فرض إقامة جبرية على الآخر في حالة موت خوفاً من تجاوز الحدود كما تفعل اسرائيل مع الفلسطينيين. ولئن كان الموت تلقائياً على ما نراه على شاشة التلفاز ويعني تخطى حدود الحياة داخلها، فالقتل هو دفع المقتول لتخطى الحدود القصوى لوجوده عنوة. وهذا ما كانت تراهن عليه اسرائيل كدولة احتلال، ذلك كي لا يتخطى الضحايا الحدود التي تضعها النزعات والدول والايديولوجيا بشكل مصطنعٍ artificial. ولذلك فإنَّ "الاصطناع الحدودي" هو غالباً واقعة قتل بالمقام الأول وليس موتاً اعتيادياً.

 ولذلك عندما تفرض إسرائيلُّ حصاراً على المدن الفلسطينية إنما هو قتل بطيء الخلاص. عمل مقصود لإشعار الفلسطينيين المحاصرين بأنَّهم محاطون بالموت من كل جانب. ولم يتساءل البعض لماذا تتحول الحدود إلى غرفة كبيرة لتنفيذ حكم الإعدام بشعوب مقهورة؟ وبخاصة أن الحصار الحدودي ليس مؤقتاً بل لن يمرق منه شخص دون اعدام هويته. وطبعاً يجر ذلك معاني حصار الهوية والجسد والعقل والمستقبل والحياة، فالوضع في حالة انتظار جغرافي حتى تنطق الأرض إنْ كانت تملك لساناً وبياناً أم لا. حيث يقوم الجنود الإسرائيليون بإنطاق المارين الفلسطينيين عنوةً عبر أقاليم الدولة العبرية.

بالأمس القريب سقط أكثر من ستين فلسطينياً على حدود إسرائيل لمجرد اعتراضهم على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والآن تتكرر اللعبة يومياً في مناطق أخرى بصدد المسجد الأقصى، اسرائيل هي دولة حدود الموت داخل حدود فلسطين. هذه هي كانت اللعبة السياسية لاحتلال الأراضي طوال تلك السنوات. اليوم هناك حد فاصلٌّ بين شعب وآخر، وغداً سيكون هناك تاريخ جيوسياسي يقرر مصير الفئات الضالة من المارقين على الدولة القوية، وبعد غد أسلاك تدمي من يحاول الاقتراب، ثم بعدها إخلاء مقصود لأراضٍ يقال إنها في مرمى استراتيجي للدولة الاسرائيلية. ذلك بالضبط يحدد الإقامة والحركة للمحتلين مثلما كان تاريخ اللاهوت السياسي فاصلاً بين الذهنيات والعقول والجماعات كما طبقته الصهيونية. ومازال البعض ينظر إلى تاريخ اللاهوت على أنه تاريخ دول وقارات متباعدة عن بعضها البعض(أرض الحرب وأرض السلم من زاوية لإسرائيل أو من زاوية جماعات الاسلام السياسي).

ورغم أنَّ الاختلافات توجد حتى داخل الدين الواحد إلاَّ أنَّ المذاهب والأيديولوجيات شكلت حدوداً دامية ووضعت مزيداً منها في طريق من يحاول العبور. إنَّ إسرائيل وآلتها العسكرية ومؤسساتها وعنفها الرمزي والمادي عبارة عن نظرية في هذه الحدود، وبخاصة مبادرتها المستمرة بالقتل إزاء الاقتراب منها أو تجاوزها. يستحيل أنْ ننظر إلى المناطق المحتلة دون أنْ نركز انتباهنا إزاء ممارسات دولة تزحف على أرض شعب آخر، وتحاول الإمساك بما تبقى من أمل في التهام خريطة فلسطين بكاملها.

إسرائيل لديها برنامج سياسي في إفساح حدودها المتاخمة لتبتلع المدن والأحياء والمقابر والخرابات والشوارع من أيدي الفلسطينيين. كلُّ ذلك تحت عنوان كونِّها حدوداً مقدّسة وطأتها يوماً أقدامُ شعب الرب ورسمها المستقبل المنظور لدولته المقدسة. وكأنَّ شعب بني إسرائيل لم يكن سوى أقدام تجرجر حدوداً إلى أبعد نقطة ممكنة.

وقديماً أُطلق على بني إسرائيل (العَبرانيون) وهي كلمة تضمر في جوفها معنى الحدود وتجاوزها والفضاء القابل للمرور والهجرة والتخطي تجاه الأفق الآتي. في كتابه (تاريخ اللغات السامية)، يرى المؤرخ اليهودي إسرائيل ولفنسون أنَّ كلمة عبري لا ترجع إلى شخص أو حادثة بعينها، إنما تجميع في دلالتها طريقة في الحياة قوامها الانتقال من مكان إلى مكان، والارتحال وتجاوز المساحات وقطع المسافات بين الأماكن الصحراوية، إنَّ نمط الحياة جعل من الحدود شيئاً ضرورياً بالنسبة لسياسات الدولة العبرية ولمحاربة أعدائها. وتباعاً أصبحت إحدى الحيل الماكرة في التعامل بين البشر.

وكلمة عبري مشتقة لدى اسرائيل ولفنسون من الفعل الثلاثي" عَبَرَ"، بمعنى قطع مرحلة من الطريق أو عبر الوادي أو النهر من ضفته إلى ضفته الأخرى أو عبر السبيل نحوه. مغزى هذا معناه أنَّ مشكلة شعب العبرانيين الذين ينتمي إليهم بنو إسرائيل كانت مشكلة تتعلق أساساً بالحدود. وربما أصداء الشتات قابعة في الخلفية، فحيث يكون ترحال بلا عودة، ستكون اللاحدود هي الاتجاه نحو الفضاء المفتوح. والعبرانيون كان منهم الآراميون والآشوريون والأموريون ومنهم عشائر من العماليق وغيرهم من الشعوب والأعراق.

ورغم أنَّ بني إسرائيل انثروبولوجياً يمثلون فرعاً صغيراً من العبرانيين، إلاَّ أن التسمية فيما يبدو قد لحقت بهم وحدهم مؤخراً.  ومنها جاءت اللغة العبرية التي أصر اليهود على إبقاء التسمية عالقة بها. والمشهور من المسألة أنَّ اليهود سُموا كذلك بالعبرانيين: إمَّا لأنَّهم هاجروا وعبروا كما هاجر أبوالانبياء إبراهيم ومن معه من العراق وما حوله نحو فلسطين والشام عابرين الأنهر والصحراوات وبخاصة نهر الأردن: وإما يرجع نسبهم إلى عابر(عابير) الوارد اسمه في التوراة، وهو من نسل سام بن نوح ويعدُّ أحد أجداد النبي إبراهيم أبو الأنبياء.

ومن ثم هناك أسئلة مهمة: هل الخوف من الشتات يدعو شعباً بأكمله إلى ضرب أسوار دامية حول خصره الجغرافي؟! هل فكرة شعب الله المختار(هذا اللاهوت الأنثروبولوجي) تؤكد (لاهوتاً سياسياً) خاصاً بتسييس الحدود واصطناعها بالقتل؟ هل الإحساس الجمعي بالهوية الدينية والإيديولوجية تجعل شعباً في حالة عزلة تاريخية بقوة العنف على أرض الغير وغير الغير؟! هل الزعم بوجود سيناريو للتاريخ قائم على نبوءة مملكة الرب وإقامة الهيكل تجعل دولة الرب تتحرك في كافة أنحاء العالم بالأسلاك الشائكة ذاتها وتدمي أرجل من يطأها؟!

لعل ما يسمى بـ" الجدار العازل" داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يمثل حيلة دفاعية ضد فوبيا الشتات ونوعاً من استباق النتائج على الأرض وتغطية آثار الاستيطان. وهو لا يقل عن عملية إبادة جماعية للشعب الفلسطيني الأعزل. فالشكل الظاهر أنَّ جداراً يعزل الفلسطينيين ضمن أرض عامة، لكن الحقيقة أن هذا الجدار يبرئ إسرائيل، كأنها تقيم ما هو حق لها في نطاق سيادتها!!

وهذا نوع من " غسيل الأرض" لصالح اسرائيل على طريقة غسيل الأموال الآتية من مصادر غير مشروعة. لأنَّه قبل بناء أي جدار يجب التساؤل عن احتلال الأرض وزحف الاستيطان واغتصاب ملكية الحقول والمنازل والشوارع وقتل الأفراد وتهجير السكان وتجريف الهوية. وأنَّ الخطوة الاستباقية تقول إنه لكي تغطي إسرائيل ذلك كله، عليها إلهاء المتابعين في صحة الجدار وأهميته عوضاً عن البحث في أساسه وصحته ابتداءً. ولماذا يقام هنا أصلاً ولم يكن بمكان آخر؟!

والجدار بمقدار قوته يعكس هوساً بالإقصاء ورفضاً لأي تنوع وتواصل محتمل. نعود مرة ثانية إلى الحدود والموت. حيث يعبر الجدار عن رمز عنف بالأساس، لأنه يكاد يقول بدلاً من الوقوع في صراع مباشر وجهاً لوجاً، ها هو " أفعوان حجري" ممتد في فلسطين سيلتهم الوجوه والعيون كائنةً من كانت. كأنه حكم بالقتل المباشر كلما يقابله فلسطيني. وهو تجميد الإحساس عند درجة الصفر، فلا وراء الحجر غير الحجر.  إنَّه إجابة عن أي سؤال حول من هم بالخلف، كيف يفعلون ذلك، ما طبيعة عيشهم؟!

ولذلك تميز الأطفال الفلسطينيون بالدهاء عندما يقذفون الآلة العسكرية الإسرائيلية بالأحجار والحصى. فهم يقولون الجزاء من جنس العمل، فكما تحولت أدمغة قادة إسرائيل إلى أحجار، فلن تجدي سوى الأحجار كرصاص. وكانت النبوءة مبكرة بكيف سيكون الجدار عازلاً للأحاسيس، ومانعاً لفهم الحياة وبتر التواصل بين شعبين متداخلين ومتجاورين!! وبدلاً من سؤال التعايش وبذل الحقوق وإرجاع الأرض إلى أصحابها الفلسطينيين كانت إجابة أحجار الجدار قارعة وقاسمة.

الجدار اسمنتي بارتفاع يتراوح بين خمسة أو تسعة أمتار عبر المناطق المأهولة بالفلسطينيين وسياج إلكتروني في المناطق غير المأهولةِ بالسكان، ورغم أن 15% من مقاطع الجدار تمتد على حدود عام 1948 المسماة بالخط الأخضر إلاَّ أن الباقي بُني ضمن أراضٍ احتلت عام 1967 والمسماة بالضفة الغربية ويدخل فيها بعمق يصل إلى22 كم في منطقة أصبع ارئيل، ومسار الجدار يمر عبر ارضي مأهولة وزراعية في الضفة الغربية، كما يعوق وصول الفلسطينيين إلى الشوارع المحلية وحقول المزارعين.

وبالتوازي يعزل خط الجدار في المنطقة الشمالية آلاف الفلسطينيين في مناطق "مغلقة" بين الخط الأخضر والجدار، وقامت السلطات الإسرائيلية بتأسيس شبكة بوابات في الجدار ونظام تصاريح مرور للتحرك خلال الجدار التي أثبتت عدم جدواها بضمان حياة عادية للسكان. وفيما تقول الحكومة الإسرائيلية بأن هدف الجدار هو حماية المواطنين الإسرائيليين من الهجمات الانتحارية الفلسطينية، يقول الفلسطينيون إن شبكة الجدران، الأسوار والخنادق هي سرقة لأراضيهم وتقسيم للتجمعات السكانية وتقطع مسارات المواطنين عن المدارس وأماكن العمل والمزارع.

وقد بُني القسم الأكبر من الجدار في مناطق شمال الضفة الغربية وهو يحيط بمدينة قلقيلية ومناطق شمال الضفة الأخرى، وسيضم المخطط كبرى المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة من العام السابع والستين إلى منطقة تتصل بإسرائيل ولا يفصلها جدار عنها (كمنطقة كأصبع أرئيل)، ويؤكد الفلسطينيون أنَّ إجراءً كهذا هو فرض أمر واقع على أي اتفاق يمكن التوصل إليه مستقبلا، وان مثل هذه الشبكة لن تمنح محاولات بناء دولة فلسطينية قابلة للحياة أي فرصة..

كان ذلك أيضاً رد فعل إسرائيلي على حياة العزلة والبؤس والنبذ في " الجيتو والكيبوتس" على هامش المجتمعات الأوروبية التي عاش فيها اليهود. إنه انتقام تعويضي، فعندما لا يقتنص الضحية من جلاديه فرصاً لمبادلته اللكمات، يعثر على ضحية أكثر ضعفاً كالفلسطينيين لإثبات قوته أمام نفسه. ولكن ما هذه السادية السياسية المزمنة؟!

لقد تُصِر إسرائيل دوماً على تصدير " نكباتها التاريخية" في صورة "نكبة الفلسطينيين"، عاش شعبها الأول في الشتات فحلَّوا في أرض فلسطين، ثمَّ مارسوا التشتيت على أصحاب الأرض وجعلوهم مزقاً وجماعات وعائلات مهجرةً في كل أصقاع الكوكب. ولو وجدوا مكاناً على كوكب آخر لتعقبتهم إسرائيل إلى هناك ولزجت بهم في صحراواته. ظل بنو إسرائيل في التيه أربعين عاماً وهاهم يفرضون تيها وفوضى على أهل فلسطين قرابة ثمانين عاماً ومازالوا في البداية. عاش اليهود في ملاجئ وجيتوات على أطراف المدن وهوامشها فجعلوا من الفلسطينيين نزلاء دائمين للملاجئ والفقر والجراح المثخنة طوال حياتهم. ولم تتركهم إسرائيل هكذا بل تعقبتهم بالاغتيالات والموت أيضاً عبر حدود دول المهجر. عانى اليهود من الهولوكوست فوضعوا غزة والضفة في" أفران سكانية متحركة " عن طريق تضييق الخناق على البضائع والبيع والشراء والمرور والدخول والخروج ووضع الناس في عملية قمع وضغط متواصل وإشعارهم بكونهم محاصرين طوال الوقت.

أيضاً علاقة إسرائيل بأمريكا علاقة قائمة على التلاعب بالحدود، لقد أعطت أمريكا قدم ممتد داخل المجال العربي وكانت هي الردهة الشرقية للعسكرية والمخابرات الأمريكية. حتى يمكننا القول بأن حدود أمريكا تبدأ من إسرائيل في قلب الشرق الأوسط، ولقد كانت هذه الحدود معروفة ومتسعة في حربي الخليج الأولى والثانية. حتى عندما كان يريد أحد الزعماء العرب المهووسين توجيه اعتراض لأمريكا كان يعض أصابع إسرائيل، ولو عن طريق التصريحات والتلويح بقطع العلاقات والتنديد بالاحتلال وعقد المؤتمرات العربية في هذا الشأن. والزعيم العربي الجبار كان يعلم أن أصابع أمريكا تبدأ من إسرائيل وتنتهي فيها بالمثل.

 ولذلك فإن ما قتلته إسرائيل من ضحايا على حدود غزة وحول حرم المسجد الأقصى في المناسبات المختلفة لا ينفصل عن هذا كله. لعبة الحدود هي لعبة قتل مجهول في تاريخ بني إسرائيل بالدرجة الأولى. ذات مرة قال مايكل لينك (المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية) إن " القتل المتعمد" على حدود غزة والضفة يمثل جريمة حرب بحسب معاهدة روما.

وأكد لينك في كلمته بجلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان أنَّ هذا النوع من الأعمال ينتهك بشكل خطير معاهدات جنيف بشأن القانون الإنساني الدولي. وأوضح أنَّ أي إدانة لما وقع في غزة ستكون " فارغة ما لم يصاحبها حسابٌ أمام القضاء الدولي". وذكر هذا المسئول السابق أنَّ أغلب" الاحتجاجات في غزة كانت سلمية تقريباً بشكل تام دون سلاح " مؤكدًا أنَّ الآلاف في غزة خرجوا لأجل الهتاف والمطالبة بالحق في مستقبل أفضل ".

وعلى المنوال نفسه كان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد بن رعد الحسين قد دعا إسرائيل إلى إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، مشيراً إلى أنَّ الفلسطينيين "محبوسون في عشوائيات من الميلاد وحتى الموت"، وقال: " الاحتلال ينبغي أن ينتهي بشكل يمكن أنْ يجعل شعب فلسطين حرًا "...

هكذا تعصف لعبة القتل على الحدود بجميع المبادئ والقوانين الإنسانية حتى بحقوق الحيوان... فهل تتجنب إسرائيل هذه اللعبة القاتلة التي تشبه لعبة الحوت الأزرق؟! فليس اللعب بالموت ينتهي بانتصار اللاعب دوماً، بل قد يكون نوعاً من الانتحار والتآكل الداخلي الصامت. وجميع القوى العنيفة هي في الحقيقة تأكلُّ نفسها بنفسها كاشفةً كم هي ضعيفة أمام صمود الإنسان ولو كان عارياً. 

 

سامي عبد العال

 

محمد بنيعيشإن الإعاقة في تحصيل التطور المنهجي والمعرفي والترويض الفكري لدى أصحاب الجامعات والمؤسسات العليا ذات التخصصات في العلوم الإسلامية بالدرجة الأولى قد يكون سببها في الغالب علميا ونفسيا سلوكيا محضا ،وأيضا سياسيا واجتماعيا في آن واحد.

إذ الأستاذ الباحث في العلوم الشرعية سواء على مستوى الفقه أو العقيدة والتصوف حينما لا يجد ميدانا أو مناخا مهيئا يمارس ويختبر فيه محصلاته العلمية فإنه لا محالة سيؤدي به الحال إلى الانكماش وتضييع ملكة العلم والقدرة على تشحيذ الذهن في بابها، ومن ثم فلا ينتظر منه طائل في هذا المجال أو ذاك.

أ‌) التهميش الوظيفي للعلم والعلماء وطفو الحثالات في الساحات:

فعلى مستوى الفقه مثلا، وهو ما يقتضيه من اجتهادات ونوازل ويتطلب حلولا وفتاوى علمية موضوعية قائمة على التدبر والتفكر، نجده على العكس من ذلك يعرف تهميشا في باب التعامل العام وعلى جل مستوياته ، اللهم إلا ما كان من جانب الفقه التعبدي وبصورة انشطارية وآلية سردية. إذ أن جل الاهتمام لا يكون إلا بفقه العبادات، وعلى الأخص فقه الصلاة ثم الصوم وموسميا الحج، أما الزكاة فلا تكاد تجد بها اهتماما بالغا ومستحثا إلا في بعض الحالات بإيعاز سياسي ظرفي أو عند وجود ضرورة لدى بعض أصحاب الأموال ممن قد تصحو ضمائرهم بين الفينة والأخرى.

ومع هذا فإن التطفل قد ضرب أطنابه في هذا المجال، وأصبح وسيلة للخلاف بين العوام وأشباه العلماء، وخاصة في المساجد حيث التضارب قائم بين من يسمون بأتباع المذهب المالكي مثلا والمذهب الشافعي أو الحنفي  والحنبلي إضافة إلى الظاهري الذي بدأ يفرض نفسه بشذوذاته وتشدداته، وكل هذا ناتج عن الخلل والضعف العلمي الذي عرفه التوجيه الجامعي في كثير من جوانبه لدى المؤطرين في جامعات عريقة قد تحسب على العلوم الشرعية خاصة، إضافة إلى تسرب مذاهب ضيقة الفكر و محرفة المعنى من الخارج ،إما عن طريق السعودية أو باكستان وإيران وغير ذلك كالوهابية وفروعها في فكر الجماعات المختلفة ،والتي من أهم ركائزها إسقاط المذهبيات وتبديلها بالمبعثرات والحشويات والإسقاطات، وشحذ النعرات وإذكاء الخلافات وهلم جرا!!!

فتجد الصراع محتدما حول القبض والسدل والجهر والسر والجلوس والانصراف والرفع والخفض وحكم الشعير والقيمة في زكاة الفطر ورؤية الهلال بين الزيادة والنقصان  وهكذا دواليك، وحينئذ تلتقي علل الجامعات مع علل الجماعات ويسري إذاك المرض العضال وتبطل حكمة الشريعة في العبادة والوحدة والاتصال، كما يلغى حكم العقل والقلب في التدبر وإدراك الواجب من الجائز والمحال!.

وعند هذا الوضع البطالي ينكمش الفقه وينقبض العلماء، لأن العامة أو الجمهور قد أصبحت لهم الكلمة الفصل في أهم أركان الإسلام وفروعها، فمن سينقذ من يا ترى ومن سيوجه من !!!؟ والكل يظن في نفسه أنه الداعية وأنه أفقه من مالك والشافعي، بل قد يصرحون بغير حياء وكتقليد غوغائي لأبي حنيفة بالقول: هم رجال ونحن رجال!

ولكن رجال باللحى المكثفة والطبع الصلف والجراءة بغير علم، لا رجال بالفهم والفقه والتقوى والسلوك، واحترام قدسية العلوم الشرعية واجتناب الافتاء بغير علم، كما يروي الشافعي نفسه عن أستاذه الإمام مالك رحمهما الله تعالى: "إني شهدت مالكا وقد سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري"1

فإذا كان المسلمون ومنهم المغاربة قد اقتصروا من العلوم الشرعية على فقه العبادات كممارسة يومية وأيضا في بعض الأجزاء من فقه المناكحات أو ما يصطلح عليه حديثا بفقه الأحوال الشخصية أو مدونة الأسرة،مع السعي إلى بتره أو إقباره من طرف كثير من الأحزاب العلمانية وجمعياتها المزيفة وأيضا بتواطؤ مع بعض المسمون زعما بالفقهاء، فإنه سيكون مآل هذا العلم الشرعي نفسه هو الانقباض والنسيان والتلاشي، وذلك لسببين رئيسيين:

الأول: إقصاء المذهبية الرسمية للمجتمع من التطبيق على مستوى المساجد والمعاهد.

الثاني: غياب أهل الاجتهاد والوعي بالأحكام ودقة الفتوى في التوجيه والضبط الاجتماعي.

 إذ أن هؤلاء الأخيرين هم الذين لهم الحق بحكم التخصص في تقرير هل هذا المذهب أو ذاك قابل للمسايرة الاجتماعية أم أنه يحتاج إلى تعديل وأخذ ما هو أولى أو ما هو مشهور، وما هو ضروري من غيره... إلخ.

ثانيا: الانشطارية العلمية وسلبياتها على تواصل المتخصصين

ولكن أهل الاجتهاد قد انتقصوا أو افتقدوا بشكل ملفت في الكليات والجامعات العلمية الأكاديمية،كما أن أهل التقليد قد تقلص عددهم وحضورهم في الجوامع والمعاهد رغم محاولات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مثلا في المغرب وبعض الغيورين من أصحاب المعاهد المعتدلة سد هذه الثغرة على سبيل المراهنة التاريخية و السياسية ولكن بدون جدوى تستحق الاهتمام وتنعش الأمل في النفوس وتعم بها الفائدة، وذلك لانقطاع سند العلم من جهة كما تحدث عنه ابن خلدون، ولانقطاع المدد المادي للعلم والآفاق المستقبلية لتطبيقه سواء على المستوى الاجتماعي الذي يسوده الجهل والتخلف الفكري والسلوكي، إضافة إلى ضعف الوازع الديني ونقص الورع والتقوى في أوساطه بسبب وسائل الإعلام المضللة من مرئية ومسموعة ومكتوبة مدعمة، حتى قد بدأت الجراءة تصل إلى مستوى الطعن في المعاني القرآنية والأحاديث النبوية وخاصة صحيح البخاري ،باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وذلك بتجريح جامعه وتكذيب نصوصه لأنها مخالفة لأهواء الشواذ من الرجال والنساء على حد سواء، وبسبب أيضا التجهيل والتهميش المقصود للعلماء المستنيرين والغيورين، والتضييق على أهل العلم الجادين في جراياتهم وفي مكانتهم النفسية لدى الجمهور عن طريق الاستدراج وتشويه الصورة الحقيقية للعالم الصالح ودور الفقيه في المجتمع كما سبق وبينا.

أما فيما يخص فقه المعاملات من تعامل كامل وشامل في مجال المناكحات والبيوع (الاقتصاديات) والجنايات وما يندرج ضمنه من قضاء وشهادات وبينات وحقوق وواجبات وحدود وتعزيرات وتكاليف وأهليات...إلخ. فإنه يكاد يكون مفقودا بالكلية في مجتمعنا بسبب اختيارات كثير من الحكام ومعهم الشعوب أيضا. لأنه "كما تكونوا يول عليكم" إضافة إلى تشطير الفقه والوظائف المنوطة به بين الكليات ذات الطابع الشرعي المحض وكليات حقوقية واقتصادية، مما سيؤدي إلى تمييز واضح ومفضوح بين اعتبارات هؤلاء وأولئك، من خريجي هذه الكليات أو تلك. وتكون النتيجة حينئذ أن كلا الطرفين لا هم فقهاء قضائيون ولا هم حقوقيون شرعيون. وإنما العلوم الملقنة بين الجانبين تكاد تمثل بترا من بتر ولثْما من لثْم، ومن ثم اختل ميزان الفهم والعدالة في البلاد وضاعت معه كثير من حقوق الله والعباد.

ومن هنا نتساءل كيف سيصبح الفقيه طبيب المجتمع وهو لا يعمل بفتواه في القضاء ولا في المؤسسات التجارية والمالية ولا في المعاملات العادية من مقتضيات الحياة الاجتماعية وضرورة تقنينها؟!!

كيف سيتطور فقه الأسرة أو الأحوال الشخصية مثلا، والذي تثار حوله المجادلات ويسعى الكثير إلى إسقاط أحكام شرعية راسخة من مكوناته وإقصائها بأقوال وأهواء بشرية ،لا هي عقلية سليمة ولا واقعية مستديمة ولا عادلة حكيمة. وحتى اللجان المعينة للنظر في بنود المدونات والقوانين قد تعطي لنا صورة واضحة لهذا الخلط والمزج والتنافر بين أعضائها ،وتؤكد العلل التي تحدثنا عنها حول مفهوم الفقيه ومكانته والحقوقي وانشطاريته الاجتماعية وغربية تصوراته...! إذ كيفما كانت النتيجة والصيغة المتفق عليها سابقا أو لاحقا فإنها لا بد وأن تأتي مشوبة بعلل تحتاج معها إلى تصحيح تلو الآخر حتى لا يبقى منها سوى الغلط والخطأ!

ومن هنا أيضا فكيف سيستقيم هذا الفقه وهو منشطر ومنفصل عن ضوابطه الشرعية في باب الحدود والجنايات وباب الضرورات والمقاصد والمصالح المرسلة والاستحسانات مما يعد أهم الآلات والقواعد الاجتهادية عند الفقيه والقاضي على حد سواء؟

لاشك أنه سيبقى فقها معطلا رغم أنه في الظاهر يبدو وكأن الدولة أو المجتمع قد يعتمدان بنوده وقواعده كقانون في التقاضي والتراضي وتبرير عمل بعض البنوك المالية مثلا والمسماة بالتشاركية وغيرها، لأن الفقه الإسلامي بعناصره مرتبط ببعضه ارتباطا قويا وبأسلوب رياضي حتمي لا يمكن حذف رقم ضروري في معادلته، وإلا انهار البناء وجاء الاستنتاج سلبيا وخاطئا.

 إذ المعادلة تقتضي أن يكون القضاء من جنس الفقه روحا ونصا، أما أن القضاء في واد والفقه في واد آخر والحكم في واد والمجتمع معطل ومحصور بين الوديان، فهذا مما لا تقبله عقول الصبيان والحيوان بله عقل الإنسان المتحضر والمتصدر للعمران!

ومن هنا فلا لوم على العلماء إذا لم ينتجوا ولا على القضاة إذا لم يحكموا بعدل، ولا على العوام أو الجمهور والمجتمع إذا لم يستقم ولم ينتظم، لأن الخلل قائم من علاقة الرؤوس بالأقدام وبين تسطير الأقلام وما يدور في الأفهام، فبات العلماء الصلحاء مقصيين وبطاليين بالقصد والتخطيط مع سبق الإصرار والترصد حسب اصطلاح الحقوقيين من المحامين، وبالتالي محاصرين بين مطرقة الحكام وسندان العوام فعلى من يقع يا ترى هذا الملام!؟

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.....................

1- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1 ص 33.

 

قاسم حسين صالحتصريح

كشفت مفوضية حقوق الانسان في (4/5/2021) عن ارتفاع الوفيات في عام (2020) بنسبة (8.5) بالمئة، وأنها في تصاعد متكرر للعام الرابع على التوالي.. وعزت دوافع الآنتحار الى اسباب اجتماعية ونفسية واقتصادية.

تعليق

بوصفنا سيكولوجيين متخصصين في الانتحار فأننا كنا حذرنا ودعونا الحكومة والبرلمان لمعالجة تزايد حالات الانتحار في العراق عبر خمس مقالات ودراسات بينها (ما هكذا نقدم للعالم انتحار شباب العراق-8/1/2018) و(أربعة اسباب وراء ظاهرة الانتحار في العراق – 15/10/2020).. وعبر فضائيات (الشرقية، الحرة، روداو..).. وكالعادة فان البرلمان والحكومات لم تستجب وكأن الأمر لا يعنيها، الا مجلس محافظ بغداد الذي عالج الآنتحار بحل مبتكر هو (بناء اسيجة على جسور بغداد لمنع الشباب من الانتحار!)

ومع ان مفوضية حقوق الانسان معنية بهذا الشأن ورسمية تابعة للبرلمان، فانها اعلنت ان دوافعه اجتماعية نفسية واقتصادية دون ذكر من كان السبب في تضاعف حالات الانتحار.ولها وللبرلمان والحكومة نقول.. ان احزاب السلطة هي المسؤولة.. ليس فقط عن تزايدها، بل وعن الاستهانة بأرواح الناس في عدم معالجتها.

وكنا وعدنا في نهاية مقالنا الأول ان نتحدث عن الانتحار بلغة العلم.. وها نحن نفي بما وعدنا.

توطئة

من بين أكثر الموضوعات إثارة للدهشة، أن يقدم الإنسان على " نحر" نفسه! فنحن نندهش من تلك القدرة الغريبة التي تمتلك الإنسان، فتولد لديه الإصرار على أن ينهي حياته بقتلها !. والأغرب ما في هذه القدرة لحظة تنفيذ هذا الإصرار. إنها - في اجتهادي - أفضع مأساة تراجيدية تمثّل فعلاً على مسرح الحياة البشرية، يكون فيها " البطل " هو القاتل والقتيل معاً!. ونتساءل: لماذا يقتل الإنسان نفسه ؟ هل يكفي أن يفقد الإنسان الأمل في الحياة ليغادر هذه الحياة ؟ وهل إذا حلّت به آلام " فرتر" أو " سيزيف " أو " روميو " أو " جوليت " فأنه لا خلاص له منها إلا بقتل النفس ؟!

وحتى لو حسبنا الحياة على ما يرى أبن الرومي حين قال :

فلا تحسب الدنيا اذا ما سكنتها & قرارا فما دنياك غير طريق

أو ليس من الأجدى أن نسير في هذا الطريق على مهل لا أن ننطلق إلى نهايته مثل رصاصة ؟!

الانتحار .. قديماً وحديثاً

يرتبط الانتحار بالموت، وللمجتمعات والمدنيات القديمة فلسفاتها في الموت. فالفيثاغورسية تؤمن بالتناسخ والخلود، حتى أن فيثاغورس نفسه ادعى في زمانه بأنه متجسد حينذاك للمرة الخامسة ! والبوذية تعتقد بان المثل الأسمى الذي يمكن أن يصبو أليه الفرد هو الوصول إلى حالة " النرفانا " أو " العدم العام " أي فناء الذات واتصالها بعالم الحقيقة. فالوجود شرّ على الإنسان، فيما ينظر البابليون إلى الموت على انه مخيف. ولم يبدو على السومريين والاكديين انهم فكروا بأن الموتى يحيون، بل يبقون موتى إلا الحكّام فهم الذين يعيشون حياة أخرى، ولذلك يدفن معهم مرافقوهم وزوجاتهم وحاشيتهم وحرسهم وعدتهم.

وقد حرّمت الأديان قتل النفس، وإن تباينت في توكيد التحريم. فالمسيحية أصدرت قرارات بتحريم الانتحار عام (639م)، وقبلها وبعدها جاء في بعض موادها : " إن الانتحار جريمة وخطيئة "، فيما يعدّ الدين الإسلامي اشدّها توكيداً بتحريم قتل النفس، بآيات قرآنية صريحة بذلك: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " سورة النساء (86).وعن جابر بن سمرة قال: اخبرني النبي (ص) برجل قتل نفسه فقال: " لا اصلّي عليه " (أخرجه أبو داود 81)، ما يعني أن المنتحر، من وجهة نظر الإسلام، جزاؤه النار ولا عذر له مهما كانت مبرراته. والمفارقة العراقية أن حالات الأنتحار تضاعفت في زمن حكم أحزاب الأسلام السياسي فيما يفترض حصول العكس!

وسيكولوجيا، هنالك اربعة منظورات تختلف في تشخيص أسباب الانتحارهي:التحليل النفسي، السلوكي، الأجتماعي الحضاري، والوجودي، وفلسفات حديثة (الوجودية بشكل خاص) ناقشت مسائل أساسية في معنى الوجود والحرية والالتزام والحياة والموت في الوقت المناسب!، يمكن الأطلاع عليها في كتابنا (الأضطرابات النفسية والعلقية).

الانتحار.. عالميا و.. عراقيا

  هناك ما بين 800 ألف إلى مليون شخص ينتحرون كل عام، أي بمعدل شخص كل 40 ثانية، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

 يعدّ الإنتحار ثاني أهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على الصعيد العالمي عام 2015.

 تستأثر البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنحو 78% من حالات الإنتحار في العالم.

 معدلات الإنتحار أعلى في الرجال عنه في النساء، بمقدار ثلاث الر أربع مرات.

 وفقا لمنظمة الصحة العالمية لقائمة الدول حسب نسب الانتحار، احتلت اليابان الترتيب التاسع (36%ذكور، 13%اناث لعام 2004).وسويسرا- افضل دول العالم لعام 2018، الترتيب 22(24%ذكور، 11%اناث لعام 2004).وجاءت الكويت بالترتيب (89)، سوريا(98)، مصر (100) ولم يرد اسم العراق(ويكيبديا).

وكنا اشرنا الى ان الأسباب التقليدية للانتحار بمعدلاته العالمية، تتحدد بأربعة:

 البطالة في قطاع الشباب،

 تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية،

 الأصابة بامراض نفسية او عقلية،

 وعادات وتقاليد اجتماعية متخلفة.

وان متابعتنا وبحوث اكاديميين اشارت الى شدة هذه الأسباب التقليدية، وظهور اسباب عراقية جديدة لتزايد حالات الانتحار حددناها بـ: (توالي الخيبات، الشعور بالحيف والندم، الأكتئاب واليأس، فشل السلطة واستفرادها بالثروة، القتل هو الردّ، واشاعة الأحباط عبر وسائل الأعلام). 

الأنتحار .. عراقيا.. شواهد

  شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً بنسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين (الحياة، كانون الثاني 2016)

 حصلت وزارة حقوق الإنسان على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان ).

 كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام 2013 ولنهاية آيار بلغت 17 حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن 25 سنة (السومرية نيوز، ايار 2013)

 نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بـ(199) حالة في2013(القدس العربي).وفي تصريح أحدث للقضاء العراقي: تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام(2016) بواقع 22، 23، 38 حالة على التوالي(الحرة عراق، 5/7/2017).

 اثارتزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات بمحافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحد من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد) المدى).

 حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الإنتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة(غوغل).

 اعلنت مفوضية حقوق الانسان ان عدد حالات الانتحار في الربع الاول من عام 2019 بلغ 132 حالة ( RT).

 تلك الشواهد الموثقة تشير الى أن مفوضية حقوق الأنسان كانت قد اعترفت بأن تزايد حالات الأنتحار بدأ في عام (2014)، وأدلة اخرى تشير الى انها بدات من عام (2010).. فما الذي فعلته المفوضية خلال عشر سنوات، هل طالبت بعقد جلسة لمجلس النواب لمناقشته وهي مرتبطة به؟.. هل استجابت لدعوات علماء النفس والأجتماع بعقد مؤتمر يحضره اكاديميون مستقلون وخبراء في الجريمة يتوصلون فيه الى توصيات تلزم الجهات المعنية بتنفيذها؟.. وتأتي في العام (2021)! لتعزو اسباب تزايد حالات الانتحار الى عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية.. دون ان تحمل احزاب السلطة مسؤولية جريمة راح ضحيتها شباب وشابات قتلوا انفسهم برصاصة او شنقوها بحبل او حرقا او بسم قاتل! ما كان لهم ان تكون نهايتهم هذه لولا حكام خائني ذمّة وضمير استفردوا بالسلطة والثروة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

طلحة بشير غائية علم الاجتماع كانت قضية مرهونة بالفترات الأولى لتأسيسه، والتي كانت تسعى لتبرير إيجاد هذه المعرفة الجديدة التي تستطيع أن تقدم الكثير للبشرية حسبما ترجمته أعمال "كونت" و"دوركايم" فيما بعد، وكل السوسيولوجيين الكلاسيكيين والمحدثين تباعاً، ممّا جعلها تلخّص مجمل المساعي العلمية للعديد من السوسيولوجيين، والبحث عن إجابة حقيقية لما يمكن أن يقدمه علماء الاجتماع لمجتمعاتهم، ولم أشأ هنا أن أعرض كل الطروحات التي قُدِّمَتْ في هذا الشأن، لأنّه ليس هذا مُبْتَغَانَا، بل إعادة طرح هذا التساؤل انطلاقا من الواقع المعيش، الذي يحتّم إعادة طرحه بالنسبة للمشتغلين بهذا العلم وخاصة في مجتمعاتنا العربية، لذلك تراوحت مجمل هذه الأعمال في إجابتها عن هذا التساؤل بين إثبات علمية هذا العلم من خلال خلق معرفةٍ علميةٍ قادرةٍ على فهم وتفسير ديناميكية هذه المجتمعات، وبين نشر الوعي والتأسيس للنقد الذي سيصبح إيديولوجية متبنّاة من طرف الباحثين والتغيّر الذي يعدّ أملاً مرجوًّا، لذا سنقدم إجابتنا عن هذا التساؤل من خلال الواقع الذي يعيشه علماء الاجتماع ووضعيته داخل مجتمعاتنا، مع إدراكنا أنّ هذا الأمر يتطلب جهداً أكثر عمقاً وتحليلاً.

أيّهما بحاجة إلينا، المجتمع أم الدولة؟:

تظهر الإشكالية الكبرى في التراجع المستمر لدور الجامعة من دورها الريادي في تكوين النخب القادرة على قيادة المجتمع إلى انحصارها في التعليم والتلقين لأبجديات هذا العلم، وبذلك تتوسّع قاعدتها أمام انحصار هذه المهمة، وتتجاوز كل المعايير المتعارف عليها كمّيًّا وأفقيا (عدديا) ، من خلال فتح العديد من تخصّصاته وتوزيعها مَجَالِيًّا على البلاد استجابةً للطلب المتزايد الذي يراعي التوازن بين جهاتٍ مختلفة، وأمام هذا الوضع، سيصبح النظام الجامعي عاجزاً عن تقديم مهمّته الثانية والمتمثلة في إيجاد جيل قادر على التفكير والتعاطي مع مشاكله وعلاجها بسبب المناهج التعليمية المنتهجة وللأسباب السابقة الذكر، وبذلك تنحصر مهمة الجامعة في تقديم ثقافة عامة عن أدب أو تاريخ سوسيولوجي للاستئناس، غريب وبعيد عن الواقع، وهو ما سيجد المجتمع نفسه في غِنًى عنه، فإذا افترضنا غياب الآلاف من المتخرّجين من جامعاتنا ومعاهدنا من هذا التخصص، فلن يُحدث ذلك فرقاً يُذكر في المجتمع، بل سيستمر المجتمع وهو يثبت لنا بأنّه في غنًى عن هذه المعرفة البعيدة عن الواقع، فما يحدثه طبيب واحد من أثر يعوّض ما يحدثه الآلاف المتخرجون من جامعاتنا في هذا التخصص، وبهذا نلجأ ونرتكن إلى الدولة ومؤسساتها بحثاً عن مكانةٍ ودورٍ يستطيع من خلاله المشتغلون بهذا العلم إثبات وجودهم مهنيا واجتماعيا، وهذا المسعى والاختيار يكون مرهوناً بإرادة الدولة وسياستها وليس بإرادة الأفراد .

أصنام الدولة ومعاول الهدم:

موضع الندّية الذي خلقه المشتغلون بعلم الاجتماع في عالمنا العربي تجاه الدولة الحديثة، باعتبارها كياناً جديداً وغريباً في نفس الوقت استطاع أن يستحوذ على كل الرساميل (الرأسمال الاجتماعي الثقافي) ويسعى إلى تطويعها، خلق خطاباً عدائياً شغله الشاغل هو تفتيت بنية وتركيبة هذه الدول ذهنيا وسياسيا، ووجد سنده في ذلك في الاتجاهات الكبرى لعلم الاجتماع التي ارتبطت بتأسيسه بين المحافظة والراديكالية، لذلك فعمليات الهدم المتتالية التي سيقوم بها علماء الاجتماع والتي ستولد راحة نفسية لديهم، ستوسع الهوة بينهم وبين الدولة والأنظمة السياسية القائمة والتي ستجعلهم يتبنون موقف المعارض الدائم لهذا الصنم والمجبرين على تحطيمه كلّ مرّة.

هذه الحالة العدائية أو غير التصالحية ستفرز ردّات فعل باتجاه التطويع وعمليات الإدماج الممنهجة للمشتغلين بهذا العلم أو الرفض والتهميش.

أنا أنقد إذن أنا موجود:

وهي مهمة تمّ تبنيها والإيمان بها من طرف العديد من علماء الاجتماع والمشتغلين به في عالمنا، فالنقد في الغالب يتطلّب موقفاً، والموقف يتبلور في الغالب من طرف من تبنّوا هذا الاتجاه من خلال مفهوم الهيمنة للأنظمة الرأسمالية والطبقية، والتي تتطلب جرأة في الطرح والتبني، بخلاف مجتمعاتنا التي يغيب فيها هذا النوع من الأنظمة، ويصبح النقد مؤسساً كمحاكاة لوضعية اجتماعية مخالفة لمنظومتنا، فالأنظمة السياسية عندنا تسيطر على مخيلاتها الصورة المتولّدة من الأنساق الثقافية الاجتماعية والتي بالنسبة للأنظمة الملكية يعدّ نسق الشيخ والمريد الذي يفترض الولاء والطاعة، كما أوضح ذلك عبد الله الحمودي كنسق ثقافي ميهمن، يؤثر في المخيال السياسي ويسعى إلى إعادة إنتاجه، فيما يخصّ بعض المجتمعات وخاصة المجتمع الجزائري، يبدو أنّ المخيال الاجتماعي الذي يكرس دور الأب المعيل، والذي يظهر الشفقة والرحمة حيناً والتسلّط والعقاب أحيانا أخرى هو ما يحكم مخيلة السياسي، لذلك فالنقد ليس بالضرورة هو تبني موقف المعارض، بل تحديد الوضعية التي يمكن أن يقف فيها عالم الاجتماع لتعطي رؤية أكثر وضوحا عما يحيط به.

الوعي الزائف:

ارتبطت فكرة صناعة الوعي وإيجاده بالتوجّهات الاشتراكية اليسارية المناضلة، وهي إيديولوجيا نشأت في ظروف وسياقات اجتماعية وفكرية خاصة، سهّل مهمتها إيمانها بإحداث تغيرّات هامة في الأنظمة الاجتماعية من خلال النضال المستمر والمحكوم برؤية معينة، وهذا ما ترجمته الانخراطات المتتالية للمشتغلين بهذا العلم في مساعي تحقيق هذا الهدف الذي بات مطلبا محليا ودوليا، ولكنّ المهمّة التي أصبح يُعبَّر عنها بنشر الوعي، ويتمّ تجنيد المنخرطين والمناضلين لها، تراجعت مع انحصار حركات التحرر والنضال، وأصبحت مهمّة نشر الوعي مهمّة مشتركة بين العديد من الفاعلين في مجالات مختلفة، ووسعت وسائل التواصل الحديثة هامش إشراك فئات وفاعلين لا منتمين فكرياً وعلمياً وحتّى سياسياً لأيّ جهة كانت، بل يؤمنون بأنّ الوعي يصنع من خلال الفكرة التي يتمّ ترجمتها بالفعل يراه الناس ويلمسونه.

من القطيعة الإبستمولوجية إلى القطيعة الاجتماعية:

مستوى ممارسة القطيعة فكريا والذي يتمّ التأكيد عليه في مناهج هذا العلم، انعكس عمليا بحكم التخصص من طرف الباحثين عن شخصياتهم الاجتماعية، وخلقَ هوة كبيرة بينهم وبين مجتمعاتهم، فممارسات الفهم والتنظير لا تتجاوز جدران مكاتبهم، كما خلق ازدواجية في الشخصية لديهم تطلّبت للتعاطي مع المجتمع ضرورة نزع عباءة عالم الاجتماع، هذه الحالة الفصامية ستؤثر لا محالة على أفكارهم وتعيق عمليات الفهم والتحليل، لذلك تجدهم مجبرين على تتبع التناولات العديدة التي يجدون فيها ضالتهم، مستبعدين في ذلك مجتمعاتهم القريبة مجاليا والبعيدة ذهنيا .

التنبؤ المهمة الغائبة:

كان أستاذي "ع بوزيدة" يقول أنّه:" إذا كانت هناك وظيفة لعلم الاجتماع مستقبلا لا تعدو أن تكون سوى التنبؤ بالمستقبل"، إشارة إلى أهمّية دراسة المناهج المستقبلية، وهي دعوة باتت تجد لها مكانة ضمن التغيرات المتتالية والمتسارعة، والتي أظهرت قصوراً وعجزاً في تدخل السوسيولوجيين في دراسة وتتبع حيثياتها، بل لاحظنا التدخلات المتأخّرة للمشتغلين بهذا العلم ، وحتّى دعوات الاهتمام بالأحداث اليومية والتي خلقت سوسيولوجيا اليومي، لم تستطع تجاوز هذه الإشكالية مما وضع علم الاجتماع في أزمة حقيقية كتب عنها الكثير، وهذا ما لاحظناه في واقعنا من قصور التنبؤ حول حدثين بارزين أثّرا بشكل مباشر في سيرورة الأحداث  الأوّل عالمي وهو الجائحة، والثاني محلّيّ وهو الحراك الشعبي بالجزائر، بالنسبة لهذا الأخير كان التنبؤ ببروزه غائبا حتّى عند أكبر المشتغلين بالحركات الاجتماعية والاحتجاجات، إنّ هذه الوضعية الحرجة التي يعيشها علم الاجتماع في مجتمعاتنا تزيد من تفاقمها تلك المناهج والتناولات التجزيئية للعلوم نظرياً ومنهجياً والاستقلالية التي ما بات ينادي بها الكثيرون، لدرجة إقامة القطيعة بين تخصّصات تنتمي إلى نفس الميادين، وهذا ما تمّ تجاوزه في العلوم الغربية من خلال التناولات والمناهج الحديثة التي ألغت الحدود والحواجز بين التخصصات.

نشير في الأخير إلى أنّ الموضوع يحتاج إلى تأسيس علميّ من خلال الوضعية التدريسية والأهداف العملية للسوسيولوجيا ودورها في مجتمعاتنا، آملين من المشتغلين بهذا العلم أن يقوموا بمراجعات حقيقية في توجهات ومناهج وكذا نتائج هذا العلم في مجتمعاتنا.

 

د. طلحة بشير - استاذ محاضر بقسم علم الاجتماع

الجزائر

سامي عبد العالفي بعض مناسباتها العالمية مع كلِّ عامٍ، ربما يبزغُ السؤالُ التالي: هل تحتفل الفلسفة بنفسها؟! ومن ذا الذي بإمكانه حضور الاحتفال؟ بل وكيف سيتم الاحتفال ابتداءً؟!... الفلسفة بخلاف أي نشاط عقلي لا تحتفل بذاتها (أو هكذا يتم). لا تحتفل كعجُوزٍ بلهاء (أمُ العلوم قديماً) تُطلق صيحات الظفر (الزغاريد) بعريس شاب (العلم - التكنولوجيا) تطَّلُعاً لأحفادٍ جُددٍ. فهي من تلك الجهة (شمطاء عاقر) لا تلد، ولم تحاول مرة ثانيةً في هذه الاتجاه إلاَّ على استحياء بعدما تطورت العلوم معلنةً العصيان العنيف في أحايين كثيرة. إذ لم تخلو مقدمات للعلوم المعاصرة من" نقد قاسٍ" للفلسفة، كأنَّها تحاول الثأر المكبوت تاريخياً من الأم الرؤوم في وقت من الأوقات (وما أكثر عقوق الأبناء!!).

حدث هذا تدريجياً حتى تخلت الفلسفة عن دور الرقيب أو التلصص المعرفي، ولاسيما مع الابداع الفلسفي (الراهن) كحالةٍ كونيةٍ تستحث إنسانية الإنسان وتفكك حتميات الفكر والمعرفة والأيديولوجيات والمذاهب وترتاد مناطق المسكوت عنه في المجتمعات والثقافة وتطرح ما هو مجهول في عوالم الافتراض. بل قطعت الفلسفة أشواطاً بعيدة عن هذا المعنى كذلك، إذ غدت تتضمن أفكاراً تهدم نفسها بنفسها (أي غدت طريقاً نوعياً في هدم ما تقول وتبني)، ثم تتجدد ذاتياً وفقاً لألياتٍ ومعايير التفلسف الحُر. أي أعادت الفلسفة النظر بنفسها فيما كانت تمارسه، وهذه المهمة باتت تمثل ألف باء التفكير الفلسفي، حيث شرع الفلاسفة في تحديد أُطر أكثر رحابة وجذرية لإنسانيتنا الراهنة.

إنَّ الفلسفة قدرةٌ خاصةٌ على كشف مناطق العتَّمة في حياتنا، ترمِّم الوجود الإنساني بوصفها دعوةً عقليةً مفتوحةً لما يُشبع فضولنا الأوسع. حين يتفلسف المرءُ، فهو يُفسح مجال نشاطه مُلبيَّاً نداء ما هو إنساني داخله. ولا يعود دون تجديد أُطره النسقية التي ترى الأطراف من أعلاها إلى أدناها. عليه أنْ يستحق مرتبة الإنسان الحر كماهيةٍ لوجوده الحق، وألَّاَ يكون مجرد كائن خالٍ من الحياة والمصير. إنَّ امتلاء إرادتنا الحرة وعقلنا الخلاَّق- بافتراض ذلك- شرطان لا غنى عنهما لاستقبال الزمن. ولكي نوجد على خريطة الحياة، لابد أن نضع ما نصنع بعمومية اللفظ قيد التساؤل.

المجتمعات (التي تعترف بمساحةٍ للفلاسفة) هي مجتمعات تتمرن يومياً على المصير وكيف تتوقعه وبأي سيناريو سيتحقق، (أليست الفلسفةُ - أفلاطونياً - تمارين قاسية على الموت، الذي هو الحياة وجهاً لوجه؟!). إذن الفلسفة ترمق أخطار الوجود البشري كآثار غائرة تهجس بمشكلاتها الخاصة، لأنَّ تفكيراً فلسفياً يطلعنا على مستوى الضرورة في أعماقنا وكيف تتحول. إنَّ الحياة الغُفْل نومٌ عميق وكوابيس بحجم التاريخ الزاحف كثعبان الأناكوندا المفترس (Eunectes) أو أفعى الكبرى القاتلة (Naja).

وقد لا يخطئُنا الصوابُ إذ نقول إنَّ الفيلسوف مُروِّض ثعابين بالدرجة الأولى (ثعابين المفاهيم والعقائد المتطرفة والأخيلة والانماط العنيفة والأفعال الكبرى التي تخيم في حقبة من الحقب التاريخية). إنَّه كفيلسوف يخرجها من أدغال الثقافة والسياسة والأحداث مترقباً شراستها وتحولها وكيف تعيش في المجتمعات. ويعرفنا الفيلسوف أيضاً- وسط هذه الظروف- كيف تلدغ وخطورة السموم التي تحملها. هناك سموم تدمر الأعصاب، وهناك سموم تحدث شللاً، وأخرى تسمم الدم، وغيرها تسبب عماءً لا مهرب منه، وهناك سموم تقتل على الفور، وهناك سموم تبقى بالجسم فترات طويلة!!

ما أكثر ثعابين التخلَّف والفوضى والعنف والإرهاب والاستعباد والقهر والديكتاتورية التي تلدغ مجتمعاتنا الإنسانية في لحمها الحي. أشياءٌ تضرب بأذيالها أنسجة الحياة وتتمدد حيث لا نلتفت إلى جذورها وأبنيتها الغريبة. الفلسفة تدربنا حثيثاً حول تلك المسألة: كيف نفكر بهذا الكُّل الذي يتكون، وبأية صورة نلتقط تعقيده وانفكاكه على صعيد عام. التفكير هنا كالإحساس الغريزي (للأحياء) بحركة الحياة والموت في دورانهما الأقصى. أي العيش وفق الكل كما كان اللوغوس logos لدى هيراقليطس يطلق العنان لحياة الحكمة الدالة ومعرفة الفيزيس (الطاقة النامية physis) في جميع الكائنات.

إنَّ هناك قانوناً كلياً يربط الكائنات المختلفة ويربطنا بأخطار تاريخية نصنعها بأنفسنا عبر المجتمعات المعاصرة. مثل زيف الوعي وانتشار الجهل واحتقار العقل وبلادة أنظمة الدول وركود التعليم وتضخم الأوهام وأسواق التفاهة وشراهة الاستهلاك وافقار العقول وعُري المشاعر وتحول البشر إلى كائنات بلهاء. هي إفرازات وفضلات لا نستطيع تجنبها للأسف وكذلك لا نعيش دونها. تلك الأرجوحة البشرية المتناقضة التي تغطي جوانب العصر. فالثقافة ليست تراكما محايداً هنالك خارج إمكانية العودة خلال حياتنا من أبواب خلفيةٍ، لكنها كيانٌ حي ضخم نصنعه ليتحول كالثعبان الذي يلتهمنا مرة أخرى. الفيلسوف هو من يحمل مزماره صافراً ولاعباً على علاماته وتوجهاته أمام الجماهير، بحكم أنَّ كل فلسفة لا تخلو من مهمة ترويض الشراسة الموجودة في آفاقنا الإنسانية.

ها أنا اتخيل هؤلاء الحُواة (لنلاحظ فيها دلالة الحياة والاحتواء والحي والحيل) الذين سيقفون في ساحات عامة وسيتحلق حولهم الناس مشدوهين ومضطربين، بينما هم منهمكون في اخراج الأفاعي انسياباً من الجراب والشقوق والرقص معها. وكأنَّ هؤلاء يؤدون طقوس عالية الدقة والمخاطرة والسرية. كلُّ فيلسوف مبدع له القوة والاحتمال ذاتهما أمام الجماهير لإخراج بواطن التصورات والأفكار من مخبأها الغامض. كان الفلاسفة في أصالتهم اليونانية مشائين عظاماً، ولائهم للأقدام والأقدار والخطوات وما تحققه من أفكار رغم كونهم يخاطبون العقول. وأبداً لا يختلط لديهم الحذاء بغطاء الرأس، حيث لا يليق بأي انسان أن يكون الغطاء جهلاً بالمفاهيم أو وعياً آسنا خارج عصره (كحال السلفيات الدينية والديكتاتوريات السياسية الراهنة).

لعلَّ لغتنا الحية التي نتوارى خلفها هي جراب الوجود الإنساني (كل شيء في جوف الفرا). فليس أعقد تركيباً وأكثر خصوبة لموطئ الوجود والتاريخ من اللغة. وليس يفعل بها ويصنع منها شيئاً ذا قيمة (لو نتخيل) قدر ما يطلق الفيلسوف صيحات العقل كرَّحالٍّ (مشَّاءٍ) في دهاليز وشوارع المدن باحثاً عن المجهولات. تلك التي لا ندركها بسهولة من أول وهلةٍ ولكنها تؤسس لعالمنا وتواصلنا وتقنياتنا وعلاقاتنا العمومية. وهي بعض المهمة التي قد يؤديها حالياً الفكر الإنساني العميق على بعض صفحات (الفيسبوك وتوتير وانستجرام وغيرها).

فهذه (الأدوات- الوجُوه) هي كتاب الوجود الراهن (لوغوس الواقع الافتراضي). يمكن لكل انسان أنْ ينعكس فيها، بيد أنها تُؤسس لحرية الفهم والاختلاف والشفافية. إنَّ بعض وسائط التواصل الاجتماعي هي شوارعنا التي فتحناها في أقاليم الكون الخيالية، هي بمثابة الوجوه البديلة التي نقابل بها الآخرين صباحَ مساء. ورغم كمية التلون والتنكر المنطوية عليها إلاَّ أنها وسائط ربما في يوم من الأيام ستجدد وظائف الفلسفة. وربما سيأتي اليوم الذي تشهد فيه وسائل التواصل الاجتماعي (فلاسفة جوالِّين افتراضيين) يطلقون أفكاراً تحرر الإنسان من عوامل قصوره. وسيكون هذا الانسان منصتاً فاعلاً لنوع من العقلانية الافتراضية التي تؤثر عليه أكثر من السياق الذي يعيش خلاله.

إنَّ السكوت عن المجهول حولنا هو صمت مريع حول: ماذا سيحدث غداَ؟! رغم أننا فلسفياً ربما ندرك أنَّ كل إمكانية تأتي من هنالك وأنَّ لها علامات يجب سبر غورها وتحيُّن قدومها بأي وقت مثل تحين الثمار المنتظرة!! فاستنطاق الصمت الذي يملأ ما يُوجد هو المهمة التي تنتظر المتكلم وفق قواعده. لأنَّ أي صمت لا يحتاج ضجيجاً وإلاَّ لهرب إلى شقوق الواقع وأحداثه. الصمت له أبلغ الكلام شريطة حُسن التعامل معه وإطلاق معاني مبتكرةٍ لاصطياد خلساته النادرة.

الفلسفة تضيء كالنور الآتي من بعيد دون أنْ تزاحم الآخرين على الظهور. المزاحمة هي اشتراك بين أطراف في شيء معروف وقابل للتكرار وممكن تعميمه. بينما ترفض الفلسفة على وجه الإجمال الاثنين (المزاحمة وهوس التكرار)، فهي ضد أي ابتزاز فكري وكرنفالي باسم العقل. لو أنَّ فكراً قد زاحمَ فكراً آخر، فلا يجرى الأمر سوى بالاقتتال المنطقي، وسينقل الوضع إلى صراع وجودٍ. وسيكون الفكران نوعاً من العنف بينما واقع الحال يقول إنَّهما وجهان ثريان لاختلاف العقول. الفلسفة – من ثم- استثناءٌ غير قابل للمزاحمة من جهة الأصالة العقلية تبصُراً وكشفاً. هي تتجنب الشيء المعروف: لكونه ليس حقيقياً على الدوام، وقد يصبح عبئاً أمام الانسان. وكذلك تنتقد الشيء القابل للتكرار، لأنَّه يواري سوءة الفكر باعتباره أشبه بمركبة نقل عام!!

الفلسفة في كلِّ زمنها احتفاءٌ حُر من غير أنْ تفعل، احتفاءٌ دون طقوس شكلية، فالعتمة حين تُضّاء (على طريقة مصباح ديوجين اللائرثي) إنما تعدُّ ضرباً من الإبهار الاستثنائي. حالياً الواقع الافتراضي virtual reality هو مصباح ديوجين المتأخر، ففي أي وقتٍ يُضيئ العالم كلَّه، وفي أي مكان يتحرك مثيراً الدهشة والخيال والهواجس والأخطار. وفي هذا ستكون الفلسفة فعلَّ ابهار عقلي واحتماله الافتراضي الفذ. النشاط الفكري الحي يجعل وجودنا أكثر ثراءً وزخماً من ذي قبل. وكأننا نتعدد لحد التباين في حياتنا الفردية. الفلسفة بذلك ستضع مسيرتها ومسيرتنا العقلية تحت أنوار مختلفة كما لو كنا نراهما لتوِنا فقط.

إنَّ اجراس الفلسفة ستُقْرع على هيئة نواقيس هذه المرة، لأنَّها ستواجه في مجتمعاتنا العربية صدوداً غير مبرر. دوماً نقول للآخر المتكلم أو الفاعل في مضمار الأفكار: " بْطّل أيا هذا فلسفةً ". وترجمة العبارة ثقافياً هي (أنَّ الفلسفة باطل)، أي كُّفْ عن التفكير ولا تناقش ولا تحاور ولا تطرح ما تريد. لأنك إذا فعلت ستدخل دائرة الباطل والباطل عادة كان زهوقاً، وإنْ انتقدت، فستحل عليك اللعنات الحاضرة والغائبة إلى قيام الساعة. والخلط واضح بين معاني الدين والفكر، حتى أنك لا تستطيع التساؤل لمجرد المعرفة: (يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إنْ تبدَ لكم تسؤكم) كما يعمم الفقهاء والمتحدثون في الشئون العامة أحياناً. فلقد تمَّ تحريم وتجريم الأسئلة السياسية والفكرية والاجتماعية، رغم أنَّ القرآن لا يقصد النهي عن الأسئلة الفكرية والحقيقية تحديداً!!

فالسياق المنهي عنه تبدَّل ثقافياً حتى شمل هذه المجالات الحياتية بفعل الأنظمة المستبدة والداهسة لوعي الإنسان. وبالتالي كما ييتم الترديد: ليكُّن وضعك أيها الإنسان كما أنت: سامعاً مطيعاً خانعاً بلا رفض ولا تذمر. وكأننا نتحدث لأموات وليس لأحياء. لنلاحظ في هذا المناخ: أن خطباء الدين يتحدثون لأموات يشهدون كلامهم على الملأ، بينما رجال السياسة يُسْمِعُون من في القبور، أمَّا رجال الإعلام، فيلقنون الجماهير دروساً في الوطنية والهوية كشيوخ يلقنون أمواتاً إجابات لملائكة العذاب. ثم يأتي هؤلاء المسؤولون الرسميون أو أولئك كالسائلين: "ناكر ونكير" أثناء عذاب القبر ... من ربُك السياسي؟ من تؤيد في دائرة السلطة؟ ما دولتك؟ وما هو نظامك السياسي؟ لماذا لعنت ظروف الحياة مرةً بعد مرةٍ؟ وهل عصيت الحاكم الواقف فوق كتفيك يوماً ما؟ هل خرجت على النظام العام ولو في خاطرك؟! .... والإجابات معروفة بحسب التلقين الثقافي للأدمغة الفارغة.

كيف تحتفل الفلسفةُ إذن بمنجزاتها؟! نحن العرب حاضرون فلسفياً بلا فرح ولا انجاز ولا موضوع (لا عريس ولا عروس) إلاَّ بحكم الزمن فقط (والمثل الشعبي يقول: العروسة للعريس والزفة للمتاعيس، أي لهؤلاء المتفرجين). الفلسفة لدينا بهذا الحال يحب أنْ تكون تمارين لإحياء الموتى وإزالة كآبة الواقع. فلئن كان اليونانيون القدماء يتدربون فلسفياً على الموت من باب العزاء النفسي والعيش في حالات الاطمئنان والسكينة، فالمجتمعات العربية يجب أن تتدرب فلسفياً على الحياة. عليها أنْ تعيش عصرها، أن تُفعِّل حاضرها إلى أقصى مدى وتدخُل نطاق الثقافات العالمية بإسهامات تليق بإنسان العصر.

على الفلسفة لدينا أن تكون بمثابة فن إحياء الأرض الموات بلغة فقهاء الإسلام (إحياء أرض العقل وأرض الثقافة وجدب الحياة)، أي أهمية بعث الوعي من الأجداث التي تكبل حركته تاريخياً وكأنَّها قدرٌ مشؤوم!!

 

سامي عبد العال

 

صلاح حزامالشهادات العليا وإن تشابهت بالأسم، الّا انها تختلف في مستواها واهميتها وقيمتها العلمية بين شخص وآخر.

فالبحث للتحضير لدرجة الدكتوراه، مثلاً، يعتمد في مستواه وقيمته العلمية على عدة عوامل، من اهمها شخصية وطبيعة الباحث ومدى حبه وشغفه وايمانه بموضوع البحث . كذلك باقي طبائع هذا الباحث في حياته عموماً، كالدقة والتمحيص وطول البال والتأني والنزاهة والموضوعية واحترام النفس. واحترام التزاماته كشخص سوف يطالبه المجتمع بما هو جديد ويعتمد على آراءه في مجال اختصاصه ..

كذلك تلعب شخصية وطبيعة الاستاذ المشرف ومدى جديته واخلاصه في عمله ومدى علاقته بموضوع بحث الطالب وخبرته وعمق ودقة قراءته لبحث الطالب ..

كما ان مستوى الجامعة وارتفاع معاييرها وتوفر التسهيلات العلمية والادارية للطالب، يلعب دوراً مهماً في رسم ملامح الشخصية العلمية لذلك الطالب.

بناء على ذلك كله، تتشكل نظرة الطالب الى نفسه كحامل شهادة عليا.

وهل ستكون تلك بداية عمله كباحث متخصص ملم بشروط وقواعد البحث العلمي ام انها ستكون خاتمة البحث والقراءة.

في الحالة الاولى ستبدأ مرحلة الباحث الواثق المتخصص الذي يعرف ماذا يريد وكيف يعمل واين يجد معلوماته وكيف يستخدم المصدر والمعلومة وكيف يقتبس وكيف يحلل وكيف يربط الظواهر وكيف يخرج بنتائج مفيدة.

اما في حالة تحقق الاحتمال الثاني باعتقاد الطالب أنه قد ادّى ماعليه، فانه سوف يعتمد لباقي حياته المهنية على ما يتذكر من مرحلة البحث والدراسة . سوف تحصل له قطيعة مع التطور العلمي ومجريات الأحداث في العالم الاكاديمي والتطبيقي.

سوف ينعزل عن الوسط الجاد ويجد نفسه في خلاف مع الكثيرين الذين يتحدثون بلغة لايعرفها مع انه، نظرياً، منهم..

لايستطيع البحث والكتابة حتى لأغراض الترقية العلمية !! والبعض تم اخراجهم من الجامعات لعجزهم عن البحث اللازم لاغراض الترقية (عندما كانت المعايير العلمية تُحترم في العراق)..

يعتقد اليابانيون، ان نفس النوعية من الشاي اذا قام عدد من الناس بإعدادها، فأن الشاي المُحَضَّر سوف يكون مختلفاً بحسب شخصية كل شخص قام باعداده حتى وإن كان الشاي هو نفسه.

فما بالك ببحث الدكتوراه ؟؟

العنوان واحد لكن الطلبة مختلفون .

هنالك صنف ثالث من حملة الشهادات العليا وهو الأخطر على الاطلاق، حيث ان بعض الناس، ليس لدينا فقط بل في الدول الغربية ايضاً، يعجبهم العنوان وتتولد لديهم الرغبة في " امتلاكه" كأيِّ منزلٍ أو سيارةٍ او ساعة فاخرة، ويقوم باستئجار أحد تجار الشهادات لغرض اقتناء واحدة جميلة!!! لكنهم في العالم المتقدم لن يكونوا قادرين على العمل والنعيين بموجب تلك الشهادة بسبب اختلاف آليات الاختيار والتعيين select and recruit.

انهم سَواء امام القانون مع الذين اجتهدوا وحصلوا على شهاداتهم باستحقاق . كذلك هم سَواء امام المجتمع الذي يجهل كيفية حصولهم على الشهادة.

اصبح هؤلاء يشكلون خطراً على المستقبل لانهم يصبحون بمثابة مرجعيات علمية كاذبة ومزيفة . قد تعتمد الدولة ومؤسساتها عليهم وتستمع الى آرائهم الفاسدة والاعتباطية ..

كذلك قد يُصغي لهم عموم الناس في الحياة العامة باعتبارهم يمتلكون سلطة علمية منحتها لهم الشهادة المزيفة او التي يُساء فهمها والتصرف بها من قبل حاملها..

ان وجود هؤلاء يسبب التضليل وان الحياة بدونهم افضل ..

 

د. صلاح حزام

 

عبد الجبار الرفاعيفي معاشرةِ الناس نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل، نحتاجُ لغةً تتقن مخاطبة العواطف أكثر من لغة المنطق والفلسفة والرياضيات والعلم، نحتاجُ المشاعرَ أكثر من الفكر، ‏نحتاجُ الكلماتِ الحيّة المهذبة أكثر من كلمات المجاملة المنطفئة، ‏ونحتاجُ المعاني الأصيلة الصادقة أكثر من الفائض اللفظي الذي يمكن أن تقول الألفاظُ فيه كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا جميلًا. الحكيمُ في هذا العالَم هو من يعمل من أجل أن تكون حياتُه والعالَمُ الذي يعيش فيه أجمل، ولا تكون حياتُه أجملَ إلا إن كانَ قادرًا على صناعة الجمال في حياة غيره. صناعةُ الجمال تتطلب أن ‏يعطي الإنسانُ ما هو أجمل في كلِّ كلمة يقولها، في كلِّ حرف يكتبه، في كلِّ فعل يفعله، وفي كلِّ قرار يتخذه، في كلِّ شيء يقدمه لغيره. وهذا سلوكٌ شاقٌّ على النفس.

الحُبُّ ليس صعبًا فقط، بل هو عصيٌّ على أكثر الناس، لا يسكن الحُبّ الأصيلُ إلا الأرواحَ السامية، ولا يناله إلا مَنْ يتغلّب بمشقةٍ بالغةٍ على منابع التعصب والكراهية والعنف الكامنة في أعماقه. حُبُّ الإنسان من أشقِّ الأشياء في حياة الإنسان، لأن هذا الكائنَ بطبيعته أسيرُ ضعفه البشري، يصعب عليه أن يتخلّص من بواعث الغيرة في نفسه، وما تنتجه غيرتُه من منافسات ونزاعات وصراعات، وما يفرضه استعدادُه للشرِّ من كراهياتٍ بغيضة، وآلامٍ مريرة.

مادام الحُبّ أثمنَ ما يظفر به الإنسانُ وأغلاه، فإن نيلَه يتطلب معاناةً شاقةً وجهودًا مضنية. الإنسانُ أعقدُ الكائنات في الأرض، وأغربُها في تناقضاته، وتقلّب حالاته. تناقضاتُه لا تنتهي، لأنها تتوالد منها تناقضاتٌ باستمرار، مالم يفلح الإنسانُ بالتغلب عليها بمزيدٍ من صلابة الإرادة، ووعي الحياة، واكتشافِ مسالكها الوعرة، والخلاصِ من ضغائنها، والعملِ على الاستثمار في منابع إلهام الحُبّ، ونحوٍ من الارتياض النفسي والروحي والأخلاقي الذي يسمو بالإنسان في مراتب الكمال.

حُبُّ الناس صعبٌ، حُبُّ الناس، إن ظفرَ به الإنسانُ، حالةٌ يعيشها الإنسانُ ويتحقّقُ بها في طور وجودي جديد، وهي لا تتكرّس إلا بالتربيةِ والتهذيب، والصبرِ الطويل بإكراه النفس على العفو والصفح، والتدريب المتواصل على إخماد نيران التعصب وتحطيم الأغلال المترسبة في باطنه، والعملِ الدؤوب على اكتشاف منابع إلهام الحُبّ وتنميتها. ومن أثرى هذه المنابع النظر لما هو مضيء في مَنْ تتعامل معه، والعفوُ، والصفحُ، والغفرانُ عن الإساءة، والانهمامُ بالذات، وعدمُ الانشغال بالغير وشؤونه وأحواله، والكفُّ عن التدخلِ في الحياة الخاصة للناس وانتهاكها، ومطاردتِهم بالأحقاد،كما يفعل البعضُ الذي ينصّب نفسَه وكأنه وصيٌّ على الناس، يترصد كلَّ شيءٍ يصدر عنهم فيحاسبهم عليه. وهو لا يعلم أن كلَّ فعلٍ يرتدُّ على فاعله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

الحُبُّ أنجعُ دواءٍ تحمي فيه نفسَك وتحمي فيه غيرَك من آلام وشرورِ البشر. الحاجةُ للحُبّ من أشدِّ الحاجات العاطفية للإنسان، غير أن اشباعها لا يتحققُ بسهولة. الاستثمارُ في الحُبّ أثمنُ استثمار في إنتاج معنىً للحياة. العفو والصفحُ والحُبُّ أيسرُ دواءٍ يشفي الإنسانَ من آلامِ القلبِ وجروحِ الروح، مَنْ يجرّب العفوَ والصفحَ في المواقف المتنوعةٍ يجدهما كثيرًا ما يتغلّبان على حنقِ الناس، والشفاءِ من أحقادهم.كان وما زال العفوُ والصفحُ والحُبُّ أنجعَ دواءٍ لشفاء الإنسان وشفاء علاقاته في المحيط الاجتماعي من الأمراضِ التي تتسببُ بها الضغينةُ والبغضاءُ والكراهية. يُنسب للقديس أغسطينوس القول: "الكراهيةُ كمَنْ يشرب السُمَ على أمل أن يموتَ الآخرَ، فأول مَنْ يتسمَّم بالكراهية صاحبُها".

أعترف أني جرّبتُ العفوَ والصفحَ مع بعض الناس الذين لا يعيشون إلا بالضغائن والأحقاد ففشلتُ، وجربّتُ العفوَ والصفحَ معهم ثانيةً وثالثةً ورابعةً وخامسةً وسادسةً وسابعةً ففشلتُ، وربما سأفشل لو كررتُ التجربةَ، لكني كنتُ وما زلتُ متشبثًا بقناعتي الراسخة التي تشتدّ كلَّ يوم بأن العفوَ والصفحَ هما الدواء الذي يشفي القلوبَ من الضغائن والأحقاد المتفشية في مجتمعنا، وهما الدواءُ الذي يكفل الشفاءَ من أغلب الظواهر المقيتة لسأم الناس من الحياة وجزعهم.

أعرفُ أحدَ الأشخاص المعقدين المغرورين المشاكسين، كان لا يطيقه الأقرباءُ والأصدقاءُ وجميعُ الناس الذين يتعامل معهم،كلُّ شيء يراه أو يسمعه من غيره ينقلب قبيحًا لديه. طالما سمعته يذم كلَّ شيء، لا يرى الجميلَ عند غيره إلا قبيحًا، وإذا استمع حديثًا من صديق، يعقّب عليه بقوله: "هذا خطأ، أنت تجهل هذه الأشياء"، وإذا قرأ نصًا لغيره سَخِرَ منه، بلا أن يفكِّر ويتثبت ويدقّق في مضمونه، ومتى رأى شيئًا جميلًا يزدريه. لا يبادر في العطاء، وعندما يتلقى هديةً جميلة يفتّش بعناية عن أيّ نقص أو عيب فيها، وإن لم يعثر على عيب يفتعل عيبًا كي يذمها.كان يترقب على الدوام أن يُقدِّم له الناسُ كلَّ شيء، ويمدحه الناسُ على كلِّ شيء، من دون أن يفكِّر يومًا أن يقدم شيئًا لأحد، أو يمتدح أحدًا على فعل حَسَن. انتهى مصيرُ هذا الإنسان في شيخوخته إلى أن يعيش منفيًّا في داخله، منبوذًا من الكلِّ، بعد أن نفر الكلُّ منه حتى أقرب الناس إليه.

سألني أحد تلامذتي: ما أجملُ لغة ومواقف أكسب بها قلوبَ الناس، وتترسّخ بها صلتي بهم، ويستطيع الإنسانُ من خلالها أن يعزّز الصدقَ والثقة والسلام والمحبة بين الناس؟ قلت له: الحُبُّ شفاءٌ للقلب من الغِلّ والضغينة، الحُبُّ عطاءٌ يسمو بمَنْ يحِبّ على مَنْ يعجز عن الحُبّ. إن أردت أن تعيشَ سلامًا في داخلك، وتعيشَ سلامًا في علاقاتك بالناس، حاول أن تمنحَ الإنسانَ أعذب ما يبهجه، حاول أن تكتشفَ الجميلَ في كلِّ إنسان ممن تتعامل معه، ‏وتعرب له عن جماله.كلُّ إنسانٍ يعيشُ سلامةً عقلية ونفسية وعاطفية نعثر على صفاتٍ حَسَنة في شخصيته ومواقفَ جميلة في سلوكه، وحين نترجم حضورَها لديه في كلماتنا بصدق نهديه أعذبَ ما يتمنى أن يسمعه منا. الإنسانُ بطبيعته يفرحُ كالأطفال ‏حين يرى أو يستمع إلى ما يكشف له عن جماله، ويتمنى أن تفرحَ الأرضُ وتحتفلَ بفرحه.

مادامت الطبيعةُ الإنسانية ملتقى الأضداد، فليس من السهل أن يعفو الإنسانُ عن إساءة الغير إليه. لأنه يتطلب أن يعملَ الإنسانُ سنواتٍ طويلةٍ بترويض نفسه على العفو، وإن كان هذا الترويضُ شديدًا مزعجًا مريرًا شاقًا مُنهِكًا، وليس سهلًا أبدًا. الترويضُ على العفو والصفح هو الأشقّ، خاصةً مع الأعداء المتطوعين، لا يمكن تجرعُه في بعض المواقف إلا كعلقم، إلا أنه كان وما زال يطهّر الإنسانَ من سمومِ الكراهية، وينجي من بعض شرور هؤلاء الأعداء، الذين هم كأشباح لا ملامح واضحة لهم. العفو والصفحُ يعكس أخلاقية رفيعة وسموًا نبيلًا، لا يظفر به كلُّ أحد، وإلا لتسامى إليه كلُّ الناس. العفو والصفحُ إحسانٌ، المُحْسِنُ يتسامى إلى مقام المحبة في قربه من الله، "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

لا دواءَ يخفضُ الآثارَ الفتاكةَ للشرّ، ولا سبيلَ لتخفيفِ آلام الكراهية، ولا وسيلةَ لتقليل النتائج المرعبة للنزعة العدوانية في أعماق الكائن البشري سوى المزيد من الاستثمار في العفو والصفحِ والحُبِّ، بالكلمات الصادقة، والمواقف الأخلاقية النبيلة، والأفعال المهذبة الجميلة، والإصرار على تجرّع مراراتِ العفو والصفحِ والغفران، على الرغم من صعوبتها، ونفور المشاعر منها.

العفو والصفح شديدان على النفس عندما تتكرّر الإساءة، ربما يجد الإنسانُ نفسَه يتلقى طعناتٍ غادرة متكرّرة ممن لم يتعامل معهم على الدوام إلا بالإحسان إليهم. الصفحُ عن هؤلاء صعب، ومحبتُهم أصعب، محبتُهم أشقُّ وأقسى المواقف وأشدُّها مرارةً في النفس، لا يطيقها الإنسانُ إلا في بعضِ الحالات الاستثنائية التي يرى فيها تحوّلًا في سلوكهم، وتلك حالات نادرة. طالما أشفقت على مثل هؤلاء، لحظةَ أكتشف أن حاجتهم للكراهية تفوق حاجتهم للمحبة، وأنهم لا يعيشون إلا بكراهية من حولهم، بل حتى كراهية أنفسهم، أثر اعتلالِ صحتهم النفسية، وانهيارِ حياتهم الأخلاقية، إنهم كحالة بعض الكائنات الحية التي لا تعيش إلا في الظلام أو في الأماكن القذرة.

الحريقُ لا يمكن إطفاؤه إلا بالماء، الحربُ لا يمكن إطفاؤها إلا بالسلام، الكراهيةُ لا يمكن شفاؤها إلا بالعفو والصفح والغفران، الصفحُ ممكنٌ وإن كان شاقًّا. المحبةُ أشقّ، وأحيانًا ليست ممكنةً، غير أن العملَ على إثراء منابع إلهام المحبة وتكريسها غيرُ مستحيل عبر الحرص على تغذية هذه المنابع باستمرار. أثرى منابع المحبة أن تكون صادقًا مع نفسك، صادقًا مع الناس، صادقًا مع الله. عندما تكون صادقًا في كلِّ كلماتك ومواقفك تكون معلِّمًا للأخلاق، وملهمًا للمحبة في هذا العالَم الموحش.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

من مظاهر عصرنا الحالي هو السرعة الفائقة للتغيير في كل شيء ولاسيما السلوك الانساني ليلبي متطلبات العصر ومظاهره وحاجاته المتعددة بسبب تقدم وسائل الاتصال والتواصل والاندماج في عصر التكنولوجيا والمعلوماتية التي تشكل ظاهره وثقافة وسياسه العولمة لكل مظاهرها وما انتجته من ثقافه الاستهلاك الاعلام والدعاية والتسويق الحر، التي جذبت جميع الشعوب والثقافات وتبنتها بشكل وباخر على الرغم من سعي هذه الشعوب للتمسك بثقافتها الخاصة وهويتها القومية والدينية والثقافية والتصدي لتياراتها ومظاهرها السلبية على سلوك أبنائها. ونجد اليوم سعي الانسان المحموم للكسب والثراء والاشباع وطلب الحاجات المادية ظنا منه انه يواكب العصر ويعيش مظاهرة بانسجام وان ما يقوم به يجلب السعادة والاطمئنان والراحة.

 لاسيما ان عالمنا العربي والاسلامي لم يكن بعيدا عنها وتطبيقا لها بل انه يعد من أكثر العوالم انسجاما مع العولمة واستجابة لها مطبقا حذافيرها مستهلكا منتجاتها المادية والثقافية محاولا التكيف معها ساعيا الى دمج ثقافته الدينية الإسلامية من طقوس وعادات وممارسات وشعائر وانشطه مختلفة مع مظاهرها.

واكثر ما تبرز هذه المظاهر في شهر رمضان شهر الصيام وما يعنه من قيمة تعبديه لله وما يتضمنه من منظومه أخلاقية وقيمية ومعرفية تنعكس على الفرد والمجتمع في ممارساتها الإسلامية وهي الغاية والهدف الاسمى الذي حدده الدين الاسلامي من الصيام والعبادة في هذا الشهر الفضيل وهو ركن الدين الاسلامي الخامس وما ينطوي عليه من الفوائد الصحية والنفسية والدينية والاجتماعية والأخلاقية على الفرد والمجتمع و تعبير عن آيات الصيام وسلوكياته الروحية والعملية، ولذا سمي هذا الشهر بشهر الصيام والقيام والعبادات والطاعات وترك ملذات الدنيا والتوجيه الى عبادة الله الخالصة ولجم الغرائز والشهوات او التسامي بها.

ومنذ سنوات عدة تحول شهر رمضان من شهر الصيام الى شهر الطعام ..استجابة لمتطلبات ثقافة العولمة واصبح مهرجاننا كبيا للتسوق وبشراهة قوية للشراء لاتقاوم، وحصول حالة من الطوارئ الاستهلاكية لدى كثير من الاسر والبلدان العربية والإسلامية عبر تكدس البضائع والسلع في المحال التجارية والأسواق باستنفار الجهود لتوفير الكم الهائل من سلع الطعام وتزاحم الناس في الأسواق للتبضع مما يستوجب الانفاق الكبير من الدخل المادي للسرة وارتفاع الأسعار والغلاء لبعض المواد الغذائية لاسيما المرتبطة بثقافة وعادات اجتماعية " رمضانية " مما يستنزف الموارد المالية للاسرة والمجتمع . وبذا يتحول شهر الصيام الى شهر الطعام وشهر الاسراف والاستهلاك.

ونجد امام هذه الظاهرة الاستهلاكية ان المسلم بتصرفه هذا يقع في تناقض سلوكي كبير، أي بين السلوك التعبدي الخالص للصيام والسلوك الاستهلاكي المسرف للطعام

بين اتباع أصول الصوم وسنته واحكامه وفوائده وبين سعيه لإشباع الرغبات والحاجات وتفتحها للأكل والشرب بأصنافه كافة، ويحصل هذا في جميع دولنا الإسلامية، وبدل تحقيق فوائد الصيام الروحية للفرد الصائم، ازدهرت صناعة الطعام والتسابق لتقديم افضل الاطباق والوجبات ولاسيما المرتبطة بالفلكلور الاجتماعي الشعبي والثقافة الخاصة وهويتها المحلية والتي وجدت في وسائل الاتصال الحديثة المتقدمة فرصتها في نشر وتبادل ثقافة الطعام والاستهلاك ونقل العادات والانماط الغذائية بعضها لبعض واختيار الأفضل من الاطباق المعدة لإفطار الصائم، دون توفر فرصة لراحة الجسم والتجديد والاكتفاء بالوجبات البسيطة

المتباعدة اوالشبع القليل، تمثلا بسنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يفطر على بضع حبات التمر مع قليل من الماء او اللبن ليعطي القيمة الحقيقية لفائدة الصيام الصحية وغيرها من الفوائد .

وهكذا استهدفت العولمة بثقافتها الاستهلاكية القائمة على الربح والمنافسة اشاعه القيم المادية و اضعاف القيم الروحية والإيمانية و تحطيم معاني الشهر الكريم وافراغ محتواه من العبادة والاحسان وقيام الليل وقراءه القران والاعتكاف وصلاه التراويح والصدقات وصلت الرحم وغيرها من اعمال تتجسد في هذا الشهر وغيرها من اعمال وغيرها من الممارسات المغرية والجذابة التي تقدمها قنوات التلفزيون والفضائيات تعبر عن غير المعنى الحقيقي لشهر رمضان والتهيئة النفسية للصيام واستقبال المسلسلات والبرامج المختلفة التي تأخذ وقت الصائم طول الليل

ان شهر رمضان يمثل ثقافه الروح لا ثقافه الجسد واللذة والمتعة والاستمتاع و يمثل ايضا ثقافه الاهتمام بالأخر والاندماج والاحساس به لا ثقافه الفردانية و العزلة والوحدة والأنانية لان رمضان يأتي فيحيى في نفوس المسلمين فكره التواصل وصله الرحم وقيام التجمعات الأسرية والعائلية وتبادل الزيارات والقيام بالعبادات الجماعية وزياره الاقارب والاطمئنان عليهم في هذا الشهر ومساعدة الفقير والمحتاج. 

بالإضافة الى قيمة الاجتماع العائلي على مائده الافطار و تخليص الانسان من الانعزال عن الأسرة والمجتمع والتمسك بالنظام الاجتماعي القائم على حب افراد العائلة بعضهم لبعض وسعيهم لما رضى رب العالمين في تحقيق اهداف الحياه الاجتماعية والإنسانية

ان عمليه اثقال الجسم بالطعام تعد من العادات السيئة التي يرفضها الاسلام حيث قال تعالى "كلوا واشربوا ولا تسرفوا" وتحقيق الحكمة والفائدة الصحية من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صوموا تصحوا " وما لهذا الحديث من قيمه تربوية صحية واحكام وفوائد لان الغاية من الصوم هو العبادة والتقوى والزهد وتنمية قيمه الصبر وكبح او تأجيل اشباع الرغبات وضبط وتدريب الدوافع الأساسية لاسيما دافع دوافع الجوع والعطش والجنس وفق الشروط والسلامة الصحية من خلال منظومه القيم الرمضانية التي يتم ممارستها في هذا الشهر وتركيز الاهتمام للطقوس والممارسات الدينية التي تعمل على التجديد الروحي والنفسي وترويض الجسد ومنحه الراحة من عادات الاكل المتعددة .

ان الثقافة الاستهلاكية تمثل جمله من المعايير والسلوكيات والاهداف التي ترفع من قيمه النفعية والفردانية والأنانية واشاعة الاستهلاك والنزعة المادية الغرائزية المجردة من اي قيمه او محتوى انساني انها ثقافه العولمة ثقافه الجسد واللذة والمتعة والاشباع وقتل الروح والوجدان وتسحر المشاعر وتبلدها الامن رغباتها واضعاف النظام الاخلاقي والقيمي الانساني لسلوك الانسان، وهكذا تسهم اليات العولمة ومحتواها واهدافها الى غرس ثقافه في ذهن وعي الناس وقيمهم لا تقوم على صله بينها وبين النظام الاجتماعي والثقافي الذي ينتمون اليه بعد ان يتشرب الناس من خلال الضغط اليومي عبر الضخ اليومي بوسائل الاعلام الفضائيات و قنوات التلفزيون وما يوفره الزخم التقاني الكثير الذي يشهده ميدان التواصل وهو يستفيد في الوقت نفسه من اليات العولمة الاقتصادية ومن النتائج الكثيرة التي تحققها على صعيد توحيد وتحطيم الحدود وجعل العلم ينتمي ويتبنى منظومة ثقافية واحدة فضلا في جعل شهر رمضان الى مناسبه للترويج الكثيف والحاد لمختلف السلع وتسهم في ذلك بقوه وسائل الاعلام ولاسيما التلفزيون اضعاف المشاعر الدينية او استغلالها كوسيله من وسائل توسيع السوق والترويج اكثر لسلع بعيدا عن الدين ويجري المزج بين الدين والجنس في البرامج التلفزيونية على النحو الذي يبدو منفرا للغاية من شرائح واسعه من المجتمع، وتحويل شهر رمضان من ممارسات ايمانيه تعبديه الى ممارسه استهلاكيه ترفيهيه وافراغ من محتواه الروحي والقيمي والا يماني وهي ثقافه معادلتها بسيطة هي (سرعه زائد سهوله) وينطبق ذلك على وجبات الاكل والفنون والموسيقى والغناء والمظهر والملبس والآداب العامة وكل ما يتعلق بأنماط الحياه العصرية .

وبما ان الصورة أصبحت اليوم العنصر المهم في ثقافة العصر والوسيلة الاكثر اهميه وهي المفتاح السحري لنظام التعاقد الجديد، نظام وعي الانسان بالعالم وأنها المادة الثقافية الاساس التي يجري تسويقها على اوسع نطاق اجتماعي ذات التأثير الفعال في مستقبل هذا الانسان. فهي الوسيلة الفعالة لدى الشركات الفضائية والإعلامية التي تقدمها العولمة وتعمل على نشرها في البلاد العربية والإسلامية التي يسيطر عليها تجار المال والربح بدون ضوابط أخلاقية وهم اداه العولمة الفعالة وقادة نواياها السيئة من خلال حملات الدعاية والترويج لبضاعتهم التي تتنافى مع حرمته وافراغه من طقوسه الإيمانية والتعبدية التي تتعارض مضامينها مع المضامين الأخلاقية والقيمية لهذا الشهر الفضيل فيستغلوا أيام هذا الشهر الفضيل لتحقيق أغراضهم المادية والترويج للتمتع با لشهوات والتسلية من خلال البرامج والمسلسلات، وذلك بالهاء الصائم وصرف ذهنه عن ما كلف به من عباده، في حين ان شهر رمضان يمثل شهر شهر العبادة والتأمل ومراجعه النفس والذات والابتعاد عن ضجيج الاعلام المستهدف وتجنب حملات الدعاية والاعلام والمسلسلات والبرامج البعيدة الحرمة وقدسيه ومضمون الشهر الفضيل ونشر ثقافه الانحلال الخلقي والمجون عبره عرض الافلام والمسلسلات دون اي ضوابط و تحمل او تحمل مسؤوليه مدعين ان ذلك يقع ضمن حصول الانسان على حريته وسعادته التي يرغب فيها او يختارها وسائل وطرق جذابه مبهره للصائم في حين يقول الرسول عليه الصلاة والسلام " ما ملأ ابن ادم وعاء شر من بطنه يحسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه فان كان لا محاله ثلث  لطعامه وثلث لشرابه وثلثا لنفسه.

 

ا. د. نوال ابراهيم الدليمي

 

عادل خلف عبدالعزيزرب سائل يسألنا ما الذي دفعك للكتابة عن هذا الموضوع، هل مثلا عندما رأيت تغريدة فضيلة الإمام الأكبر غرد بخط يده ونوه إلي أن تراثنا لايقف حجرة عثرة ويحول دون التقدم الحضاري، اقول حفظ الله فضيلته لكن إذا لم نكن نحن أساتذة الفكر الإسلامي يتحدثون فمن الذي يتحدث، يا سادة قضية تراثنا الحضاري والحفاظ عليه قضية كل عربي حر يستطيع أن يمسك بقلمه ويكتب، كتبنا عن هذا الموضوع بل وكان شغلنا الشاغل منذ سنوات ولن نمل الكتابة عنه ولن نسأمها فهذه غايتنا والكتابة عن الحفاظ عن موروثنا الحضاري تناولها كثيرون اذكر علي سبيل المثال فضيلة العلامة عبدالحليم محمود ومن قبله شيخنا الجليل امين الخولي وكذلك من قبلهما سيدنا ومفكرنا مصطفي عبد الرازق ولم يغب عنا مؤلف زكي نجيب محمود تراثنا والتجديد والشرق الفنان وغيرهم كثير.فدافعنا واحد وتوجهنا واحد الوقوف والتصدي بمنتهي الحزم وبكل ما أوتينا من قوة الكلمة والحكمة وفصل الخطاب ضد من تسول له نفسه للعبث بتراثنا وتشويهه لمآرب لا يعرف نوايا أصحابها الا الله، يتحدثون بكلام يبدو أن ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب كمن يقدم لك كوبا من اللبن تستشعر حلاوته وجماله من أول رشفة ترتشفها إلي أن تتمعن في تذوقه فتجده مرا مدسوس به السم مثلما فعل بعض المستشرقون الذين يريدون أن يفرغوا التاريخ من محتواه ويستجهلون الناس بأسلوب سفسطائي قالبين الحق باطلا والباطل حقا ونحن من وراءهم نرد عليهم بكل ما أوتينا من فكر فلا يدحض الفكر الا الفكر.وللاسف هناك كثيرون وقلبي يدمي لقول هذا الكلام كثيرون من بني جلدتنا عربي الجنس مسلم بشهادة ميلاده ينقاد انقياد اعمي وينساق انسياق الأنعام بل هم اضل ينساقون وراء حملات التشويه هذه بل ويروجون لها وينصبون أنفسهم للأسف حماة لهذا التراث ويتصدرون للافتاء بفتاوي ضآلة مضلة ما أنزل الله بها من سلطان ، اقول لأمثال هؤلاء إن لم تستطيعوا قول الصواب فانصتوا لعلمائنا وتعلموا منهم، ان لم تستطيعوا الدفاع عن تراثنا وعقيدتنا فالتزموا الصمت فلن تنفعكم الأموال ولن تنفعكم الشهرة فالكل سيقف أمام المحكمة الإلهية وشهاداتنا سنسألون عنها الله لماذا زورتم شهادتكم لماذا كتمتوها، لماذا انقدتم انقيادا اعمي خلف شياطين الإنس.

بين الفينة والفينة يقيض الله لنا صوتا ييقظ الوازع الداخلي فينا أفق يا فلان ياهذا قم أمسك بمحبرتك واملأ قلمك مدادا ولا تجعله يجف واستمر في الكتابة ودافع عن موروثك الحضاري والفكري والعقدي، هذا ما فعلته بنا قصاصة ورق مكتوبة بخط اليد مكتوبة بمداد العلماء الحقيقيون الذين لا يرجون إلا الخير لهذه الأمة فبارك الله في كاتبها وبارك في كل من ساهم في نشرها فقد تكون وقودا يلهب حماسنا وسط هذا الخضم الهائل من هذه الترهات والخزعبلات .

ياسيداتي وسادتي يا من كل من ستقع عينه علي مقالتي ماذا فعلنا بهذا التراث هل أخذناه ومددنا أيدينا إليه واستخرجنا زخائره وكنوزه أم تركناه هملا تمتلأ به المكتبات وتعج به الدوريات ويكون طعاما للقوارض تنهش مجلداته .هل ازلنا الغبار الذي صار ركاما من التراب هل مددنا أيدينا إليه لنستخرج منه كنوز المعرفة في شتي المجالات وشتي العلوم النظرية والعملية والشرعية، هذا ما فعله الغرب حملوه إليهم وتعلموا منه ونسبوه الي أنفسهم ونحن الا من رحم ربي في سبات عميق، نائمون لا مخمورون بخمىر التغني بامجاد الماضي وحضارتنا وامجاد أجدادنا ولو عاد أجدادنا لأسفوا لحالنا ولضربونا بالنعال البالية، لماذا ضيعتم ما تعبنا فيه وقدمناه لكم علي أطباق من لؤلؤ، لتلألأوا بها وتزدهر حياتكم وتسيروا الي الأمام والي التقدم العلمي والتقني بدلا من الخنوع الذي صرتم إليه، ياليت قومي يفقهون مقالتي.وماذا فعلنا له لماذا لم نتصدي وندافع عنه جهاد الكلمة والكلمة أمانة ومسؤولية لماذا لم ندافع عنه ضد حملات التشويه من بعض المستشرقين، ضد عنصرية بعض المستشرقين ضد من نصبوا أنفسهم حماة للعالم وحراسا للفكر، هل يعقل أن نري شبهة تدعي علي حضارتنا وعلي موروثنا الحضاري تقول إن تراثنا الاسلامي يقف حجر عثرة أمام التقدم العلمي وأن الإسلام بقرآنه وسنته يدعوا إلي الرجعية والتخلف ويدعوا الي التبعية، يا من تفترون علي تراثنا كذبا وزورا وبهتانا نقول لكم قفوا عن منتهاكم وتأدبوا وقارعونا الحجة بالحجة والرأي بالرأي أن كانت حضارتكم في عصوركم البالية المظلمة، هل تراثنا الاسلامي بكل قيمه ومبادئه يحول دون حرية الفكر، لوبقليل من الحكمة راجعتم قرآننا لوجدتم كيف كان ديننا دعوة الي اعمال العقل والفهم والاستبصار، لو وجدتم كيف حفظ الله تعالي للعقل مكانته وكيف حفظه من التخريب والتيه والضلال، كيف رفع الله تعالي العلم والعلماء مكانا عليا وآيات القرآن كثيرة وأحاديث النبي كثيرة ألم يقل الله تعالي يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.الم يقل النبي صلي الله عليه وسلم، مداد العلماء كدماء الشهداء.ثم الم يطلق الله سبحانه وتعالي للعقل العنان في البحث والتنقيب والفهم والدراسة حتي في الأمور الميتافيزيقية، والفيزيقية العالم الطبيعي، وكذلك في المسائل التشريعية الاجتهادية التي تعتمد علي القياس المنطقي الاجتهاد، وفي المسائل الأخلاقية حديثنا عن الخير وعن الشر ، عن الحق والباطل، القبح والحسن، وغيرها، الم يتناول الفلاسفة الحديث عن قضايا وجودية تحتمل الدليل العقلي وكذلك الدليل النقلي.

يا سادة لابد من الوقوف صفا واحدا كتفا بكتف قدما بقدم نتخنق جميعا في خندق واحد، فرشنا أرضنا، نلتحف السماء ولنجعل دأبنا وديدننا الدفاع عن هذه الحضارة وهذا التراث ولنجعل دثارنا حضارتنا ندثر بها ونحتمي بها ونتزود بها ونجعلها عدتنا وعتادنا ضد من تسول له نفسه العبث بمقدراتنا والنيل من هويتنا سواء بتشويهنا أو تغريبنا عنا اقصد عن هويتنا.شكرا تحاياتي لحضراتكم

 

بقلم الاستاذ الدكتور عادل خلف عبدالعزيز استاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفه بآداب حلوان