 قضايا

سامي عبد العال: القتل.. ولعبةُ الحدودِ

سامي عبد العالإذا كان هناك شيءٌ ما يميز الموتَ، فهو أنَّه " تجربةُ حدودٍ " بامتيازٍ. ولذلك كان الفراعنة يعتبرون أنَّ كل موت يقع بكيان الإنسانِ رحلةُ عبورٍ إلى الحياة الأخرى (الخروج إلى النهار، كما يقول عنوان كتاب الموتى). لأنّ الإنسان حين يموت يتجاوز الحدود الطبيعية المعروفة للحياة، ففي وقتٍ ما كان يتنفسُ ويتحركُ ويقطن ويتعلم وينام ويستيقظ، وفجأة يتعدى حدوداً كهذه بحالة وجودية أخرى هي الموت.

 أقول حالةً أخرى في إطار ما يُسمى بالكائن الحي، لأنَّ ما يموت فينا هو حيوانية الكائن بينما الجمادات لا تموت، وربما لا تشعر به مثلما نشعر نحن. والمرض أيضاً بمثابة الوقوف على الحدود بين الصحة والاعتلال، بين الانغمار بالحياة التلقائية وبين أخذ جرعات منها كأنَّها مصل شفاء من آلام معينةٍ. كذلك فكرة الحقيقة هي عمل حدودي بالدرجة الأولى، لا توجد حقيقةٌ كاملة التعين ولا باتة الصدق وإلاَّ لأضحت تجربةَ موتٍ مؤجل. وهذا يظل مرهونا بتحولات الحقيقة إلى ما يضاد الحياة المتكشفة فيها أو حولها باستمرار.

 في هذا الإطار تترك كلُّ نزعةٍ مغلقةٍ (مثل الأيديولوجيا الصهيونية) ضحايا لا حصر لهم على الحدود المقدسة لذاتها. وفي مجال السياسة يصعُب عزل النزعات المغلقة عن دجما ذات طابع لاهوتي جغرافي. حتى أنَّ اطلاعاً على تكوين الفكرة لا يختلف عن المسح الحفري لظلالها ورواسبها في الواقع. فما بالنا على هذه الخلفية إذا كانت للصهيونية المسلحة تجليات جيوسياسية تغتال العابرين بالجوار. وهي المثال الساخن سياسياً الآن الذي يضع الحدود القاتلة أمام حياة الآخرين (المتمثلين في الشعب الفلسطيني). والأخطر أنْ تتشكل الصهيونية في كيان مادي يمثل قنبلة موقوتةً على قارعة الحياة اليومية، ولو كانت بحجم دولة كاملة التكوين والسيادة والعلاقات اسمُها إسرائيل.

إنَّ إسرائيل كمستنقع عنف هي خريطة حرفية لدجما جيو سياسية geopolitical dogma قوامها أيديولوجيا صهيونية تلتهم التنوع وتقف بالمرصاد لكل آخر، معتبرةً أنَّ مملكة الرب (وداخلها الشعب اليهودي بالزمان والمكان) كتلة مثالية واحدة، يدور التاريخ بقدر ما يدور، لكنه في النهاية سيجسدها في حدود سياسيةٍ تناصب الشعب الفلسطيني العداء والكراهية، ذلك في وضع النبوءة اليهودية الزمنية التي يعمل هؤلاء البشر على إنضاجها وتحقيقها.

والقتل الناجم عن وجود اسرائيل هو استعمال الموت نتيجة " مثالية الحدود أو التلاعب بها أو التشدد في حراستها والسهر عليها". كلُّ عملية قتل بمثابة فرض إقامة جبرية على الآخر في حالة موت خوفاً من تجاوز الحدود كما تفعل اسرائيل مع الفلسطينيين. ولئن كان الموت تلقائياً على ما نراه على شاشة التلفاز ويعني تخطى حدود الحياة داخلها، فالقتل هو دفع المقتول لتخطى الحدود القصوى لوجوده عنوة. وهذا ما كانت تراهن عليه اسرائيل كدولة احتلال، ذلك كي لا يتخطى الضحايا الحدود التي تضعها النزعات والدول والايديولوجيا بشكل مصطنعٍ artificial. ولذلك فإنَّ "الاصطناع الحدودي" هو غالباً واقعة قتل بالمقام الأول وليس موتاً اعتيادياً.

 ولذلك عندما تفرض إسرائيلُّ حصاراً على المدن الفلسطينية إنما هو قتل بطيء الخلاص. عمل مقصود لإشعار الفلسطينيين المحاصرين بأنَّهم محاطون بالموت من كل جانب. ولم يتساءل البعض لماذا تتحول الحدود إلى غرفة كبيرة لتنفيذ حكم الإعدام بشعوب مقهورة؟ وبخاصة أن الحصار الحدودي ليس مؤقتاً بل لن يمرق منه شخص دون اعدام هويته. وطبعاً يجر ذلك معاني حصار الهوية والجسد والعقل والمستقبل والحياة، فالوضع في حالة انتظار جغرافي حتى تنطق الأرض إنْ كانت تملك لساناً وبياناً أم لا. حيث يقوم الجنود الإسرائيليون بإنطاق المارين الفلسطينيين عنوةً عبر أقاليم الدولة العبرية.

بالأمس القريب سقط أكثر من ستين فلسطينياً على حدود إسرائيل لمجرد اعتراضهم على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والآن تتكرر اللعبة يومياً في مناطق أخرى بصدد المسجد الأقصى، اسرائيل هي دولة حدود الموت داخل حدود فلسطين. هذه هي كانت اللعبة السياسية لاحتلال الأراضي طوال تلك السنوات. اليوم هناك حد فاصلٌّ بين شعب وآخر، وغداً سيكون هناك تاريخ جيوسياسي يقرر مصير الفئات الضالة من المارقين على الدولة القوية، وبعد غد أسلاك تدمي من يحاول الاقتراب، ثم بعدها إخلاء مقصود لأراضٍ يقال إنها في مرمى استراتيجي للدولة الاسرائيلية. ذلك بالضبط يحدد الإقامة والحركة للمحتلين مثلما كان تاريخ اللاهوت السياسي فاصلاً بين الذهنيات والعقول والجماعات كما طبقته الصهيونية. ومازال البعض ينظر إلى تاريخ اللاهوت على أنه تاريخ دول وقارات متباعدة عن بعضها البعض(أرض الحرب وأرض السلم من زاوية لإسرائيل أو من زاوية جماعات الاسلام السياسي).

ورغم أنَّ الاختلافات توجد حتى داخل الدين الواحد إلاَّ أنَّ المذاهب والأيديولوجيات شكلت حدوداً دامية ووضعت مزيداً منها في طريق من يحاول العبور. إنَّ إسرائيل وآلتها العسكرية ومؤسساتها وعنفها الرمزي والمادي عبارة عن نظرية في هذه الحدود، وبخاصة مبادرتها المستمرة بالقتل إزاء الاقتراب منها أو تجاوزها. يستحيل أنْ ننظر إلى المناطق المحتلة دون أنْ نركز انتباهنا إزاء ممارسات دولة تزحف على أرض شعب آخر، وتحاول الإمساك بما تبقى من أمل في التهام خريطة فلسطين بكاملها.

إسرائيل لديها برنامج سياسي في إفساح حدودها المتاخمة لتبتلع المدن والأحياء والمقابر والخرابات والشوارع من أيدي الفلسطينيين. كلُّ ذلك تحت عنوان كونِّها حدوداً مقدّسة وطأتها يوماً أقدامُ شعب الرب ورسمها المستقبل المنظور لدولته المقدسة. وكأنَّ شعب بني إسرائيل لم يكن سوى أقدام تجرجر حدوداً إلى أبعد نقطة ممكنة.

وقديماً أُطلق على بني إسرائيل (العَبرانيون) وهي كلمة تضمر في جوفها معنى الحدود وتجاوزها والفضاء القابل للمرور والهجرة والتخطي تجاه الأفق الآتي. في كتابه (تاريخ اللغات السامية)، يرى المؤرخ اليهودي إسرائيل ولفنسون أنَّ كلمة عبري لا ترجع إلى شخص أو حادثة بعينها، إنما تجميع في دلالتها طريقة في الحياة قوامها الانتقال من مكان إلى مكان، والارتحال وتجاوز المساحات وقطع المسافات بين الأماكن الصحراوية، إنَّ نمط الحياة جعل من الحدود شيئاً ضرورياً بالنسبة لسياسات الدولة العبرية ولمحاربة أعدائها. وتباعاً أصبحت إحدى الحيل الماكرة في التعامل بين البشر.

وكلمة عبري مشتقة لدى اسرائيل ولفنسون من الفعل الثلاثي" عَبَرَ"، بمعنى قطع مرحلة من الطريق أو عبر الوادي أو النهر من ضفته إلى ضفته الأخرى أو عبر السبيل نحوه. مغزى هذا معناه أنَّ مشكلة شعب العبرانيين الذين ينتمي إليهم بنو إسرائيل كانت مشكلة تتعلق أساساً بالحدود. وربما أصداء الشتات قابعة في الخلفية، فحيث يكون ترحال بلا عودة، ستكون اللاحدود هي الاتجاه نحو الفضاء المفتوح. والعبرانيون كان منهم الآراميون والآشوريون والأموريون ومنهم عشائر من العماليق وغيرهم من الشعوب والأعراق.

ورغم أنَّ بني إسرائيل انثروبولوجياً يمثلون فرعاً صغيراً من العبرانيين، إلاَّ أن التسمية فيما يبدو قد لحقت بهم وحدهم مؤخراً.  ومنها جاءت اللغة العبرية التي أصر اليهود على إبقاء التسمية عالقة بها. والمشهور من المسألة أنَّ اليهود سُموا كذلك بالعبرانيين: إمَّا لأنَّهم هاجروا وعبروا كما هاجر أبوالانبياء إبراهيم ومن معه من العراق وما حوله نحو فلسطين والشام عابرين الأنهر والصحراوات وبخاصة نهر الأردن: وإما يرجع نسبهم إلى عابر(عابير) الوارد اسمه في التوراة، وهو من نسل سام بن نوح ويعدُّ أحد أجداد النبي إبراهيم أبو الأنبياء.

ومن ثم هناك أسئلة مهمة: هل الخوف من الشتات يدعو شعباً بأكمله إلى ضرب أسوار دامية حول خصره الجغرافي؟! هل فكرة شعب الله المختار(هذا اللاهوت الأنثروبولوجي) تؤكد (لاهوتاً سياسياً) خاصاً بتسييس الحدود واصطناعها بالقتل؟ هل الإحساس الجمعي بالهوية الدينية والإيديولوجية تجعل شعباً في حالة عزلة تاريخية بقوة العنف على أرض الغير وغير الغير؟! هل الزعم بوجود سيناريو للتاريخ قائم على نبوءة مملكة الرب وإقامة الهيكل تجعل دولة الرب تتحرك في كافة أنحاء العالم بالأسلاك الشائكة ذاتها وتدمي أرجل من يطأها؟!

لعل ما يسمى بـ" الجدار العازل" داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يمثل حيلة دفاعية ضد فوبيا الشتات ونوعاً من استباق النتائج على الأرض وتغطية آثار الاستيطان. وهو لا يقل عن عملية إبادة جماعية للشعب الفلسطيني الأعزل. فالشكل الظاهر أنَّ جداراً يعزل الفلسطينيين ضمن أرض عامة، لكن الحقيقة أن هذا الجدار يبرئ إسرائيل، كأنها تقيم ما هو حق لها في نطاق سيادتها!!

وهذا نوع من " غسيل الأرض" لصالح اسرائيل على طريقة غسيل الأموال الآتية من مصادر غير مشروعة. لأنَّه قبل بناء أي جدار يجب التساؤل عن احتلال الأرض وزحف الاستيطان واغتصاب ملكية الحقول والمنازل والشوارع وقتل الأفراد وتهجير السكان وتجريف الهوية. وأنَّ الخطوة الاستباقية تقول إنه لكي تغطي إسرائيل ذلك كله، عليها إلهاء المتابعين في صحة الجدار وأهميته عوضاً عن البحث في أساسه وصحته ابتداءً. ولماذا يقام هنا أصلاً ولم يكن بمكان آخر؟!

والجدار بمقدار قوته يعكس هوساً بالإقصاء ورفضاً لأي تنوع وتواصل محتمل. نعود مرة ثانية إلى الحدود والموت. حيث يعبر الجدار عن رمز عنف بالأساس، لأنه يكاد يقول بدلاً من الوقوع في صراع مباشر وجهاً لوجاً، ها هو " أفعوان حجري" ممتد في فلسطين سيلتهم الوجوه والعيون كائنةً من كانت. كأنه حكم بالقتل المباشر كلما يقابله فلسطيني. وهو تجميد الإحساس عند درجة الصفر، فلا وراء الحجر غير الحجر.  إنَّه إجابة عن أي سؤال حول من هم بالخلف، كيف يفعلون ذلك، ما طبيعة عيشهم؟!

ولذلك تميز الأطفال الفلسطينيون بالدهاء عندما يقذفون الآلة العسكرية الإسرائيلية بالأحجار والحصى. فهم يقولون الجزاء من جنس العمل، فكما تحولت أدمغة قادة إسرائيل إلى أحجار، فلن تجدي سوى الأحجار كرصاص. وكانت النبوءة مبكرة بكيف سيكون الجدار عازلاً للأحاسيس، ومانعاً لفهم الحياة وبتر التواصل بين شعبين متداخلين ومتجاورين!! وبدلاً من سؤال التعايش وبذل الحقوق وإرجاع الأرض إلى أصحابها الفلسطينيين كانت إجابة أحجار الجدار قارعة وقاسمة.

الجدار اسمنتي بارتفاع يتراوح بين خمسة أو تسعة أمتار عبر المناطق المأهولة بالفلسطينيين وسياج إلكتروني في المناطق غير المأهولةِ بالسكان، ورغم أن 15% من مقاطع الجدار تمتد على حدود عام 1948 المسماة بالخط الأخضر إلاَّ أن الباقي بُني ضمن أراضٍ احتلت عام 1967 والمسماة بالضفة الغربية ويدخل فيها بعمق يصل إلى22 كم في منطقة أصبع ارئيل، ومسار الجدار يمر عبر ارضي مأهولة وزراعية في الضفة الغربية، كما يعوق وصول الفلسطينيين إلى الشوارع المحلية وحقول المزارعين.

وبالتوازي يعزل خط الجدار في المنطقة الشمالية آلاف الفلسطينيين في مناطق "مغلقة" بين الخط الأخضر والجدار، وقامت السلطات الإسرائيلية بتأسيس شبكة بوابات في الجدار ونظام تصاريح مرور للتحرك خلال الجدار التي أثبتت عدم جدواها بضمان حياة عادية للسكان. وفيما تقول الحكومة الإسرائيلية بأن هدف الجدار هو حماية المواطنين الإسرائيليين من الهجمات الانتحارية الفلسطينية، يقول الفلسطينيون إن شبكة الجدران، الأسوار والخنادق هي سرقة لأراضيهم وتقسيم للتجمعات السكانية وتقطع مسارات المواطنين عن المدارس وأماكن العمل والمزارع.

وقد بُني القسم الأكبر من الجدار في مناطق شمال الضفة الغربية وهو يحيط بمدينة قلقيلية ومناطق شمال الضفة الأخرى، وسيضم المخطط كبرى المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة من العام السابع والستين إلى منطقة تتصل بإسرائيل ولا يفصلها جدار عنها (كمنطقة كأصبع أرئيل)، ويؤكد الفلسطينيون أنَّ إجراءً كهذا هو فرض أمر واقع على أي اتفاق يمكن التوصل إليه مستقبلا، وان مثل هذه الشبكة لن تمنح محاولات بناء دولة فلسطينية قابلة للحياة أي فرصة..

كان ذلك أيضاً رد فعل إسرائيلي على حياة العزلة والبؤس والنبذ في " الجيتو والكيبوتس" على هامش المجتمعات الأوروبية التي عاش فيها اليهود. إنه انتقام تعويضي، فعندما لا يقتنص الضحية من جلاديه فرصاً لمبادلته اللكمات، يعثر على ضحية أكثر ضعفاً كالفلسطينيين لإثبات قوته أمام نفسه. ولكن ما هذه السادية السياسية المزمنة؟!

لقد تُصِر إسرائيل دوماً على تصدير " نكباتها التاريخية" في صورة "نكبة الفلسطينيين"، عاش شعبها الأول في الشتات فحلَّوا في أرض فلسطين، ثمَّ مارسوا التشتيت على أصحاب الأرض وجعلوهم مزقاً وجماعات وعائلات مهجرةً في كل أصقاع الكوكب. ولو وجدوا مكاناً على كوكب آخر لتعقبتهم إسرائيل إلى هناك ولزجت بهم في صحراواته. ظل بنو إسرائيل في التيه أربعين عاماً وهاهم يفرضون تيها وفوضى على أهل فلسطين قرابة ثمانين عاماً ومازالوا في البداية. عاش اليهود في ملاجئ وجيتوات على أطراف المدن وهوامشها فجعلوا من الفلسطينيين نزلاء دائمين للملاجئ والفقر والجراح المثخنة طوال حياتهم. ولم تتركهم إسرائيل هكذا بل تعقبتهم بالاغتيالات والموت أيضاً عبر حدود دول المهجر. عانى اليهود من الهولوكوست فوضعوا غزة والضفة في" أفران سكانية متحركة " عن طريق تضييق الخناق على البضائع والبيع والشراء والمرور والدخول والخروج ووضع الناس في عملية قمع وضغط متواصل وإشعارهم بكونهم محاصرين طوال الوقت.

أيضاً علاقة إسرائيل بأمريكا علاقة قائمة على التلاعب بالحدود، لقد أعطت أمريكا قدم ممتد داخل المجال العربي وكانت هي الردهة الشرقية للعسكرية والمخابرات الأمريكية. حتى يمكننا القول بأن حدود أمريكا تبدأ من إسرائيل في قلب الشرق الأوسط، ولقد كانت هذه الحدود معروفة ومتسعة في حربي الخليج الأولى والثانية. حتى عندما كان يريد أحد الزعماء العرب المهووسين توجيه اعتراض لأمريكا كان يعض أصابع إسرائيل، ولو عن طريق التصريحات والتلويح بقطع العلاقات والتنديد بالاحتلال وعقد المؤتمرات العربية في هذا الشأن. والزعيم العربي الجبار كان يعلم أن أصابع أمريكا تبدأ من إسرائيل وتنتهي فيها بالمثل.

 ولذلك فإن ما قتلته إسرائيل من ضحايا على حدود غزة وحول حرم المسجد الأقصى في المناسبات المختلفة لا ينفصل عن هذا كله. لعبة الحدود هي لعبة قتل مجهول في تاريخ بني إسرائيل بالدرجة الأولى. ذات مرة قال مايكل لينك (المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية) إن " القتل المتعمد" على حدود غزة والضفة يمثل جريمة حرب بحسب معاهدة روما.

وأكد لينك في كلمته بجلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان أنَّ هذا النوع من الأعمال ينتهك بشكل خطير معاهدات جنيف بشأن القانون الإنساني الدولي. وأوضح أنَّ أي إدانة لما وقع في غزة ستكون " فارغة ما لم يصاحبها حسابٌ أمام القضاء الدولي". وذكر هذا المسئول السابق أنَّ أغلب" الاحتجاجات في غزة كانت سلمية تقريباً بشكل تام دون سلاح " مؤكدًا أنَّ الآلاف في غزة خرجوا لأجل الهتاف والمطالبة بالحق في مستقبل أفضل ".

وعلى المنوال نفسه كان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد بن رعد الحسين قد دعا إسرائيل إلى إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، مشيراً إلى أنَّ الفلسطينيين "محبوسون في عشوائيات من الميلاد وحتى الموت"، وقال: " الاحتلال ينبغي أن ينتهي بشكل يمكن أنْ يجعل شعب فلسطين حرًا "...

هكذا تعصف لعبة القتل على الحدود بجميع المبادئ والقوانين الإنسانية حتى بحقوق الحيوان... فهل تتجنب إسرائيل هذه اللعبة القاتلة التي تشبه لعبة الحوت الأزرق؟! فليس اللعب بالموت ينتهي بانتصار اللاعب دوماً، بل قد يكون نوعاً من الانتحار والتآكل الداخلي الصامت. وجميع القوى العنيفة هي في الحقيقة تأكلُّ نفسها بنفسها كاشفةً كم هي ضعيفة أمام صمود الإنسان ولو كان عارياً. 

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5362 المصادف: 2021-05-11 00:59:19


Share on Myspace