 قضايا

هبه حافظ: دور اليهود في المجتمع الأندلسي.. منذ الفتح حتى نهاية عصر الخلافة الأموية

توجد إشارات قليلة في الروايات التاريخية تتحدث عن العلاقات بين اليهود وحكامها مما يدل إلي هدوء العلاقات بينهم، فنري أنه لم يقم اليهود طوال هذه المدة التي تزيد عن ثلاثة قرون بأي تمرد على السلطة الحاكمة في الأندلس، كما لم تثبت مشاركتهم في أيٍّ من التمردات العديدة، وحركات الخروج على الحاكم التي قام بها غيرهم، بل كانوا يتعاونون في بعض الأحيان مع السلطة ضد الخارجين عليها.

قصة اليهودي الكاهن

ويروي لنا المقري في نفح الطيب عن قصة اليهودي في بلاط حاكم المغرب عبد الرحمن ابن حبيب وكان يتكهن له ويخبره بتغلب قرشي مرواني واسمه عبد الرحمن ذو ضفيرتين وأنه سوف يملك الأندلس ويجعل الحكم في سبطه. فاتخذ عبد الرحمن عند ذلك ضفيرتين، فلما جيء بعبد الرحمن ونظر إلى ضفيرتيه قال لليهودي: ويحك هذا هو، وأني قاتله، فقال له اليهودي: إنك إن قتلته فما هو به، وإن غُلبت على تركه إنه لهو. فقام ابن حبيب بالتنكيل بكل من يأتي إليه من بني أميه حتي هرب منه عبد الرحمن الداخل إلي القيروان. وتوضح لنا هذه الرواية مكانة اليهودي داخل بلاط عبد الرحمن بن حبيب هذا بالإضافة إلى مساعدته لعبد الرحمن الداخل في النجاة بحياته.

يهودي يخبأ فقهيا مسلماً في بيته

عجب الحكم الأول (180-206هـ / 796- 822م) من تصرف اليهودي الذي أخفى في بيته لمدة سنة الفقيه طالوت، المطلوب للسلطة، بسبب مشاركته في ثورة الربض سنة (202هـ / 817م)، وقال للوزير الذي دله وحرضه عليه عندما لجأ إليه طالوت ليشفع له: "يا أبا البسام، رجل من اليهود حفظ فيه علة من العلم والدين، وخاطر معنا بنفسه وماله وأنت غدرته، وقد وثق بك، أردت أن تهلكه هو وأهله، اخرج عني، فو الله لا رأيت لي وجها أبدا "، وعفا عن طالوت وعن اليهودي وعقبه من بعده وعزل أبا البسام. ويتضح لنا بتصرف الحكم إزاء اليهودي والتعامل معه أنه لم يتخذ في نفسه رأياً مسبقاً بسبب كونه يهودي بل تصرف معه بتفهم وإحسان، وهذا دليل أيضاً علي متانة العلاقات بين اليهود والسلطة الحاكمة في هذا الوقت، وأيضاً ثقة اليهود في الفقهاء ودفاعهم عنهم وهذا يدل علي أن الفقهاء لم يكونوا يحرضون السلطة ضد اليهود.

لم يتم فرض زي معين علي اليهود، بل كانت لهم حرية الاختيار وكانوا يتحدثون العربية، وكانت لهم حريتهم في تيسير أمورهم كما يروا، وكانوا يتقاضون فيما بينهم إلا إذا طلب اليهودي أن يقاضي أمام قاضي مسلم.

تاجر يهودي يلجأ للقضاء ضد الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط

ويحكي لنا ابن سعيد في كتابه حلي المغرب عن التاجر اليهودي الذي كان يعيش في ماردة وكان يريد أن يبيع جارية لديه لمحمد بن عبد الرحمن الوالي علي ماردة، فأخذها دون أن يدفع ثمنها. فلجأ اليهودي إلي القضاء وكان واليه أنداك سليمان بن أسود فهدده أن يذهب إلي قرطبة لوالده عبد الرحمن الأوسط (206 – 238 هـ / 822 – 852 م) إذا لم يعطي لليهودي حقه. وضحت لي هذه الوقعة شيئين، أولهما عدم خوف اليهودي من التظلم أمام القضاء وخصمه الوالي ابن الأمير ويبدو أنه قام بذلك لثقته في نزاهة القضاء وأنه لم يكن يوجد اضطهاد علي أساس الدين وأن الكل سواسية أمام القانون، ثاني شيء وهو موقف القاضي واتخاذه جانب اليهودي علي حساب الوالي بل وتهديده بتصعيد الأمر لأبيه الأمير.

يهود مدينة أليسانة وموالاتهم للأمويين

وعندما حدث التمرد الكبير للمولدين في الأندلس، والذي حرض عليه وقاده عمر بن حفصون في أواخر عهد الأمير محمد الأول (238-273هـ / 852-886 م)، خضعت الكثير من المناطق والمدن الواقعة جنوبي قرطبة لسيطرة ابن حفصون، وأعطاه الكثير من سكانها ولاءهم، بينما ظلت مدينة أليسانة يقطنها أغلبية من اليهود وهي قريبة من قرطبة وحصن بلاي حيث الموقعة التي دارت بين ابن حفصون و المنذر ابن الأمير محمد وتعرف بموقعة حصن بلاي، ولقد ظلت أليسانة موالية للسلطة في قرطبة. وأنني أعتقد أن الموقفين السابقين لليهود لم يصدرا عنهم، بدافع من الوفاء أو الالتزام بالعهود والمواثيق، بل لأن مصلحتهم أن تكون هناك حكومة قوية توفر لهم الأمن، وتعطيهم حقوقهم كأهل ذمة، وليس من مصلحتهم أن يخضعوا لمجموعة من المشاغبين والعصاة فيعتدوا على أموالهم ويضيعوا حقوقهم. وأيضاً لما رأوه من أعمال ابن حفصون في مدينة بيانة Baena  التي كان يسكن غالبيتها اليهود إذ يقول ابن عذاري أنه في سنة (276هـ / 889م): "نقض ابن حفصون، وقصد بيَّانة، فحارب أهلها، ثم أعطاهم العهد، فلما نزلوا إليه غدرهم وقتلهم، وأخذ أموالهم، وسبى ذراريهم".

حسداى بن شبروط

وكان من المقربين من الخليفة عبد الرحمن الناصر (300 – 350 هـ / 912 – 961 م) يهودي طبيب يدعي حسداي بن إسحق وهو أول من فتح لأهل الأندلس باباً لتعلم في الفقه والتاريخ وغير ذلك، وكانوا قبل ذلك يضطرون في دراسة فقه دينهم وتاريخهم إلي الاعتماد علي يهود بغداد، فلما اتصل حسداي بالحكم أدخل تواليف اليهود إلي الأندلس، فتعلم اليهود دينهم ولم يضطروا إلي الاعتماد علي يهود بغداد  وله ترجمة لكتاب " الحشائش والنباتات، أو هيولي علاج الطب، أو كتاب الأدوية المفردة " وهو كتاب لـ دياسقوريدوس والذي تم ترجمته في بغداد أيام الخليفة المتوكل العباسي ولم يتم ترجمته بالكامل لعدم المعرفة التامة بالترجمة اليونانية وما يقابلها بالعربية، وفي عام 337 هـ وصل الكتاب إلي الأندلس في زمن عبد الرحمن بن محمد مع هدايا أخري من أرمانيوس ملك القسطنطينية Romanus، والذي بعث له أيضاً عام 340 هـ براهب يدعي نيقولا، وقام بترجمة الكتاب مرة أخري بالاشتراك مع حسداي بن شبروط.

وقد ازداد تقدير الخليفة الناصر لدين الله لحسداي، وصار يعتمد عليه في بعض سفاراته إلى الممالك الفرنجية.

وفي (عام 329 هـ / 941 م) أرسله الخليفة الناصر إلي جليقية Galicia لعقد الصلح مع رذمير الثاني وإطلاق سراح محمد بن هاشم التجيبى قائده الذي أسر في وقعة الخندق قبل عامين وتم إطلاق سراحه عام 330 هـ (941 م) وجاء إلي قرطبة بصحبة حسداي بن إسحق الإسرائيلي.

ومن الدلائل علي ثقة الخليفة الناصر في حسداي أيضاً ما ذكره ابن عذاري حين أخبرنا أنه عام 345 هـ (956 م) " قدم محمد بن حسين رسولاً كان من الناصر إلي الطاغية أردون ابن ردمير ملك جليقية، ومعه حسداي بن شبروط اليهودي، بكتابه إلي الناصر راغباً منه في الصلح، فأسعفه الناصر في ذلك علي اختبار ولده الحكم، وأشتُرط علي الطاغية شروط وانصرفت رسله بذلك "

وقد أسهم حسداي بن شبروط بدور كبير في تشجيع اليهود وجذبهم إلى سفينة الفكر والأدب التي يقودها المسلمون، معتمداً في ذلك على علاقته الحسنة بالسلطة في عهدي الناصر والحكم الثاني (المستـنصر بالله) (350 – 366 هـ / 961 – 976 م)، فقد جعله الناصر رئيساً لكل اليهود

كان يأمنه على الأندلس، وظل كذلك إلى عهد الخليفة المستنصر بالله، ومكنته الدولة من جمع ثروة كبيرة من خلال وظيفته ومهماته الدبلوماسية، فاستطاع أن يوظف ما أعطي له من جاه ومال في دعم الثقافة اليهودية، حيث أخذ يقلد الأمراء المسلمين الذين دعوا العلماء والأدباء إلى مجالسهم، وجعلوها منتديات للعلم والفكر والأدب.

نستنبط مما سبق ما كانت له من مكانة عظيمة في بلاط الخليفة الناصر وكيف إجراء الاتفاقيات والمفاوضات، وأصبح له دور مؤثر في حياة يهود الأندلس فأصبحت الأندلس من أهم سماتها في هذا العصر التسامح مع اليهود، والدليل علي ذلك المكانة التي وصل إليها حسداي الإسرائيلي.

صارت عادة الحكام الأمويين اختيار أحد اليهود من كل مدينة يوجد بها يهود ويوكلونه لجمع الجزية من أهل بلدته وتسليمها إليهم، فيروي ابن حيان أنه في عهد الخليفة الحكم المستنصر (350 – 366 هـ / 961 – 976 م) في عام (363 هـ / 973 م) " سجل الحجاج بن متوكل اليهودي علي قسامة قومة يهود اليسانة " ويدل هذا علي الثقة التي كان يحظى بها اليهود داخل دولة الأمويين فلم يجنح الأمويون إلي اختيار مسلم أهل للثقة لديهم لجمع الجزية.

إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي

وينسب إلي طرطوشة، كان يهودياً أو مسلماً من أصل يهودي، رحل إلي كثير من الأقطار الأوربية وخاصة بلاد السلاف (الصقالبة)، وخلال رحلته قابل البابا يوحنا الثاني عشر في روما (350 هـ / 961 م)، وإمبراطور ألمانيا أوتو الكبير في مدينة ماذن برج، ثم عاد إلي الأندلس عام (356 هـ / 967 م)، حيث بدأ في كتابة رحلته في العام التالي وقدم رحلته هذه إلي الخليفة الحكم الثاني وكانت له سفارة ثانية إلي ألمانيا إلي مدينة ماذن برج حيث ألتقي بالعاهل الألماني عام (354 هـ / 965 م).

وفي نهاية عصر الخلافة قام المنصور ابن أبي عامر بتعيين صانع الحرير اليهودي يعقوب بن جاو رئيساً للطوائف اليهودية في الأندلس، ومنحه الصلاحيات التي مُنحت لحسداي بن شبروط في عهد الناصر، وهناك إشارة في كتاب ابن بسام إلي قيام يهودي بتأليف كتاب عن تربيب العسل وإهدائه للمنصور ابن أبي عامر وهذا يدل علي أن مثقفي الأندلس كانوا حريصين علي التقرب من السلطة السياسية في هذا الوقت.

لقد شهد اليهود هجرة واسعة إلي الأندلس حتي نهاية عهد الخلافة، قدرها عبد الله التل بأكثر من نصف مليون نسمة، ولم يكن لليهود أن يتركوا بلادهم ويهاجروا إلي الأندلس إلا بسبب أنهم رأوا كل رعاية وإحسان من الحكام فانتعشت تجارتهم ورأي اليهود في العالم ما آل إليه أحوال اليهود في هذه الأندلس فقرروا ترك بلادهم والهجرة.

 

هبه حافظ

.....................

المصادر

1- ابن الخطيب، أعمال الأعلام، تحقيق: سيد كسروي حسن، ط 1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1424 هـ / 2003 م.

2- العذري (أحمد بن عمر بن أنس)، نصوص عن الأندلس، تحقيق: عبد العزيز الأهواني، منشورات معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، د ت.

3- المقري،    نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر بيروت، 1388 هـ / 1968 م.، م 3.

4- ابن القوطية (أبو بكر محمد بن عمر)، تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق: إبراهيم الإبياري، ط2، دار الكتاب المصري – دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، 1410 هـ -1989 م.

5- ابن عذاري المراكشي (عبد الله بن محمد)، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق: ج . س كولان ـ ليفي بروفنسال، ط2،دار الثقافة ميريت –لبنان، 1400 هـ - 1980 م. ج 2 ؛

6- ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد)، مقدمة ابن خلدون و هي الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون المسمى العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ج 1، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان، 1421 هـ / 2001 م .ج 4

7- الإدريسي (أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله)، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مكتبة الثقافة الدينية 2002 م – 1422 هـ، م 2.

8- ابن سعيد المغربي، المغرب في حلي المغرب، تحقيق شوقي ضيف، ط 4، دار المعارف ـ القاهرة، د ت، ج 1.

9- ابن صاعد الأندلسي (ابي القاسم صاعد أحمد بن صاعد)، طبقات الأمم،نشره وذيله بالحواشي: الأب لويس شيخو اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين / بيروت 1912

10- ابن جلجل (أبي داود سليمان بن حسان)، طبقات الأطباء والحكماء، تحقيق: فؤاد سيد،  ط 2، مؤسسة الرسالة، 1405 هـ / 1985 م، ص 21).

11- ابن حيان، المقتبس، جـ5، اعتنى بنشره ب.شالميتا، بالتعاون لضبطه وتحقيقه مع ف. كورنيطي و م.صبح وغيرهما، مدريد، المعهد الإسباني العربي للثقافة، 1979م.

12- ابن الحيان، المقتبس (السفر الثاني)، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط 1، 1424 هـ / 2003 م. 

13- ابن بسام الشنتريني (أبي الحسن علي)، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق: إحسان عباس، دار الثقافة بيروت لبنان،، 1417 هـ / 1997 م.

المراجع

1- خالد يونس عبد العزيز الخالدي، اليهود في الدولة العربية الإسلامية في الأندلس (92-897 هـ = 711 -1492 م)، رسالة دكتوراه من قسم التاريخ جامعة بغداد 1999، مطبعة دار الأرقم غزة –فلسطين.

2- عبد الله التل، خطر اليهودية العالمية علي الإسلام والمسيحية، دار القلم، 1384 هـ / 1964 م.

3- عبادة كحيلة،تاريخ النصارى في الأندلس، ط 1، المطبعة الإسلامية الحديثة، 1993 / 1414 هـ

4- محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس العصر الأول -القسم الأول من الفتح إلي بداية عصر الناصر، ط 4 , مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1417– 1997 م

5- حسين مؤنس، تاريخ الجغرافية والجغرافيين، ط 2، مكتبة مدبولي، 1986.

6- محمد محمد مرسي الشيخ، دولة الفرنجة وعلاقاتها بالأمويين في الأندلس حتي أواخر القرن العاشر الميلادي، مؤسسة الثقافة الجامعيه، 1401 هـ / 1981 م، ص 281.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5476 المصادف: 2021-09-02 02:18:45


Share on Myspace