 قضايا

ليلى الدسوقي: العلاقات الدولية فى الاسلام

ليلى الدسوقي(لحمتها المساواة وسداها السلام والعدل)

وضع الاسلام اسس لعلاقات المسلمين بغيرهم من الامم فى حالتى السلام والحرب وهى:

الاساس الاول الاصل هو السلام وان الحرب هى الاستثناء عند الضرورة فهى من اغواء الشيطان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ‎﴿٢٠٨﴾ سورة البقرة

الاساس الثانى الوفاء بالعهود والمعاهدات والوثائق التى تنظم علاقات المسلمين بغيرهم

الاساس الثالث النظر الى الناس جميعا على انهم امة واحدة

وعلى الرغم من اهتمام المسلمين الواضح بالعلاقات الدولية فى الاسلام فان بعض علماء التشريع وفقهاء القانون فى الغرب يعتقدون ان مبادىء القانون الدولى العام التى تنظم علاقات الدول من الافكار الحديثة التى ابتدعتها اوربا فى العصور الحديثة

ونحن نوافق هؤلاء العلماء على اعتقادهم هذا " ويلوح لنا انه غير قابل للمناقشة والجدل ما دمنا نبعد بموضوعه عن محيط التاريخ الاسلامى فالنظام الدولى فى الحقيقة لم يكن معروفا خارج هذا المحيط " لان الاسلام سبق العالم كله فى وضع تشريع قانون دولى عام تقوم على اساسه علاقات الامم والشعوب (اول مؤلف فى القانون الدولى فى العالم هو كتاب الامام محمد بن الحسن الشيبانى 189 هــ فهو قد سبق به العالم الهولندى غروسيوس 1583-1645 الذى يسمى ابا القانون الدولى بنحو ثمانية قرون و للمكانة الكبيرة التى يتبؤها الشيبانى فان علماء القانون الدولى من مختلف بلاد العالم اسسوا جمعية فى جوتنجن بالمانيا سموها جمعية الشيبانى للحقوق الدولية وكان اول رئيس لها الفقيه المصرى الكبير الدكتور عبد الحميد بدوى)

ولم يكن الاسلام معنيا بوضع مبادىء لقانون دولى عام من الناحية النظرية فحسب وانما طبق هذه المبادىء تطبيقا عمليا وراعاها مراعاة كاملة فى علاقاته الدولية مع الامم الاخرى

اما القانون الدولى العام الذى يفخر به فقهاء الغرب فانه كان فى معظم الاحيان حبرا على ورق ولم يحقق المساواة بين الشعوب فى الحقوق والواجبات لان منطلقه لم يكن اخلاقيا من ناحية ومن ناحية ثانية فهو تشريع وضعى ناقص لا يفى بحاجات الانسان ومن ناحية ثالثة فكثيرون من واضعيه من فقهاء الغرب كانت تغلب عليهم النظرة العنصرية والاستعلاء على الاخرين

الم يقل استيورات ميل باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية ؟ او لم يحدد لوريمير على وجه الارض مناطق ثلاثا تخضع كل منها لقانون مختلف فالعالم المتمدن يجب ان يتمتع فى نظره بحقوق سياسية كاملة والعالم نصف المتمدن يكفى ان يتمتع بحقوق سياسية جزئية بينما الشعوب غير المتحضرة ليس لها الا حقوق عرفية لا تحمل الزاما قانونيا وجاء ميثاق عصبة الامم بعد الحرب العالمية الاولى فاقر هذا التقسيم واكسبه سلطة القانون وجلس الحلفاء المنتصرون فى هذه الحرب حول موائد المفاوضات فى مؤتمرات الصلح ليقرروا مصير العالم بعد الحرب حسب زعمهم ولكنهم فى الواقع جلسوا ليقسموا العالم فيما بينهم الى مناطق نفوذ ولما كان اسلوب الاستعمار العسكرى القديم لم يعد مقبولا بعد الحرب لجأ الحلفاء الى ابتداع فكرة جديدة لبسط نفوذهم على الشعوب الضعيفة وهى فكرة الانتداب والحماية وكان هذا خداعا دوليا ليس له نظير فلقد ناقض الحلفاء انفسهم وضربوا بشعاراتهم التى رفعوها اثناء الحرب عن اعطاء الشعوب حق تقرير مصيرها كما جاء فى مبادى ويلسون الاربعة عشر الشهيرة عرض الحائط

المبادئ الأربعة عشر:

1- تقوم العلاقات الدولية على مواثيق سلام عامة، وتكون المعاهدات الدولية علنية وغير سرية.

2- تأمين حرية الملاحة في البحار خارج المياه الإقليمية في السلم والحرب، إلا ما ينص عليه الاتفاق الدولي خلافا لذلك.

3- إلغاء الحواجز الاقتصادية بقدر الإمكان وإيجاد مساواة بين الدول المتعاونة في المحافظة على السلام.

4- تخفيض التسلح إلى الحد الذي يكفل الأمن الداخلي.

5- وضع إدارة عادلة للمستعمرات تنفذ ما يحقق مصالح سكانها.

6- الجلاء عن الأراضي الروسية كلها والتعاون مع أي حكومة روسية يختارها الشعب.

7- الجلاء عن أراضي بلجيكا وتعميرها.

8- الجلاء عن فرنسا ورد الألزاس واللورين وتعمير ما خرب منها بسبب الحرب.

9- إعادة النظر في حدود إيطاليا بحيث تضم جميع الجنس الإيطالي.

10- منح القوميات الخاضعة للإمبراطورية النمساوية حق تقرير مصيرها.

11- الجلاء عن صربيا ورومانيا والجبل الأسود، وإعطاء صربيا منفذا إلى البحر وإقامة علاقات جديدة بين دول البلقان كافة مبنية على أسس قومية وتاريخية، وضمان حريتها السياسية والاقتصادية.

12- ضمان سيادة الأجزاء التركية وإعطاء الشعوب الأخرى غير التركية التي تخضع لها حق تقرير المصير، وحرية المرور في المضائق لجميع السفن بضمان دولي.

13- بعث الدول البولندية بحيث تضم جميع العنصر البولندي، وإعطائها منفذا إلى البحر، وضمان استقلالها السياسي والاقتصادي دوليا.

14- إنشاء عصبة الأمم وتحرير حزب شيوعي مختار

و كانت بدعة الانتداب والحماية اسوا من الاستعمار القديم فالشعوب التى وضعت تحت الانتداب والحماية لم تشعر انها تخلصت من الاستعمار بل ان بعض الشعوب ضاع استقلالها وكل حقوقها والمثل الصارخ على ذلك هو شعب فلسطين العربى فقد وضعت تحت الانتداب البريطانى وكانت مهمته هو تدريب الشعب الفلسطينى على شؤون الحكم والسياسة والادارة ثم ترد اليه بلده ليحكمها بنفسه فماذا حدث ؟ مارست بريطانيا ابشع انواع الاستعمار ولما حان رحيلها سلمت الارض الى الصهاينه الذين جمعتهم من شتات الارض وحديثا الانتداب الامريكى على ارض العراق

هذا هو فهم اوروبا لمبادىء القانون الدولى العام ثم دارت الايام واشعلت اوروبا نار الحرب العالمية الثانية وبعدها تشكلت الجمعية العامة للامم المتحدة فماذا صنعت ؟ وماذا اضافت من حلول لمشاكل العالم ؟ اليس روح التفريق وعدم المساواة لا يزال مسيطرا على عقول السادة الذين يتحكمون فى مصير الانسانية اذا كانت هذه هى نظرة علماء اوروبا وساستها الى القانون الدولى العام وحقوق الشعوب فماذا ننتظر من شعوب اوروبا نفسها ؟ التى لا زالت روح الاستعلاء والغرور تسيطر على عقول ابنائها وتجعلهم ينظرون الى الشعوب الاخرى خارج القارة الاوروبية على انها اقل منهم فى كل شىء

و لذلك لا نبالغ اذا قلنا ان كل من يريد ان يظفر بتشريع دولى ذى صبغة عالمية حقيقية وانسانية يصون حقوق جميع الشعوب على قدم المساواة فلن يجد هذا التشريع خارج دائرة التشريع الاسلامى فى مجال العلاقات الدولية فالاسلام لا يعرف التفرقة بين الشعوب جميع البشر سواسية كاسنان المشط كلهم لادم وادم من تراب (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ‎﴿١٣﴾‏  سورة الحجرات

(نتذكر ما حدث بعد قتل الأمريكى الأسود «فلويد» بواسطة شرطى أبيض منذ عدة أسابيع لم يكن سوى تطور لأزمة ضخمة تعود بداياتها إلى عقود كثيرة ماضية فى تاريخ الولايات المتحدة الى التفرقة العنصرية)

ان الشعوب التى انضوت تحت الحكم الاسلامى نعمت بنوع من الحرية والعدل والتسامح لم تعرفه طوال تاريخها وهذه شهادة مؤرخ اوروبى لا يمكن ان يتهم بانه متحيز للاسلام يقول توماس ارنولد " اما ولايات الدولة البيزنطية التى سرعان ما استولى عليها المسلمون ببسالتهم فقد وجدت انها تنعم بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة فقد سمح لهم ان يؤدوا شعائر دينهم دون ان يتعرض لهم احد "

نظرة الاسلام اذن الى العلاقات الدولية نظرة انسانية عالمية لحمتها المساواة وسداها السلام والعدل وهنا يبرر لنا الاسلام فى رعايته لعهوده ومواثيقه وحرصه على الوفاء بها حرصا لم يسبق له مثيل فى اى تشريع اخر مهما كان فى الوفاء بالعهد من اضرار مادية او معنوية تعود على المسلمين

ذلك ان الوفاء بالعهد والميثاق فى مجال العلاقات الدولية من وجهة نظر الاسلام ليس مبدا اخلاقيا فحسب بل هو واجب دينى اى عبادة يتقلاب بها الى الله سبحانه وتعالى ويثاب المسلم على فعله ويعاقب على تركه فالعهد الذى يرتبط به المسلم مع غيره لا يرتبط به مع الناس فحسب بل هو مسئول عنه امام الله والله كفيل المسلم وشهيد على عهوده ومواثيقه تجاه الاخرين

و لقد شدد القران الكريم على مبدا الوفاء بالعهد (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ‎﴿٣٤﴾سورة الاسراء

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ‎﴿٩١﴾سورة النحل 91

أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ‎﴿١٩﴾‏ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ‎﴿٢٠﴾‏ سورة الرعد 19/20

 إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‎﴿٥٥﴾‏ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ‎﴿٥٦﴾ سورة الانفال

وليست هناك حالة تبيح للمسلم نقض العهد من طرف واحد حتى ولو كان فى الاستمرار فى الوفاء به ضرر محقق يلحق المسلمين

وهل هناك ضرر اعظم من ان تتعرض فئة مسلمة لعدوان دولة اجنبية فتطلب من الدولة الاسلامية ان تعينها وتنصرها ولكن الدولة الاسلامية لا تستطيع ان تفعل ذلك اذا كانت قد ارتبطت مع هذه الدولة الاجنبية بعهد سابق فنقض العهد فى هذه الحالة محظور بتاتا على المسلمين بنص القران الكريم يقول الله تعالى وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ .... ‎﴿٧٢﴾‏سورة الانفال

و الاسلام ايضا لا يبيح الغدر حتى وهو يخشى خيانة الاخرين فلابد ان يجاهرهم بالحرب وينبذ اليهم عهدهم فى وضح النهار ولا يبيتهم بالغدر وهم منه على امان

(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ‎﴿٥٨﴾ سورة الانفال  اما اذا التزم الاعداء بالعهد مع المسلمين فيجب على المسلمين الالتزام بالعهد واتمامه الى مداه (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‎﴿٤﴾ سورة التوبة

و هناك ناحية اخرى اهتم بها الاسلام وهى احترام المبعوثين السياسيين وحاملى رسائل الاعداء اذ من المسلم به ان تبادل الرسل والرسائل امر لابد منه فى اية علاقات دولية وغنى عن القول ان وجود بعثات سياسية دائمة تقيم بصفة مستمرة لكل دولة لدى الدول الاخرى امر لم يكن معروفا فى العلاقات الدولية فى الزمان الذى نتحدث عنه

و قد مارس النبى ﷺ هذا اللون من العلاقات الدولية اى انه ﷺ ارسل من عنده رسلا كثيرين وفى مناسبات عديدة الى عدد من ملوك وامراء العالم كما استقبل فى مسجده فى المدينة العديد من الرسل والمبعوثين وحاملى الرسائل فكيف كان يعاملهم ؟ وقائع التاريخ تدلنا على ان النبى ﷺ كان يعامل رسل الاعداء والاصدقاء على حد سواء معاملة واحدة وهى الاحترام والتكريم

فقد كان ﷺ يستقبل رسل الاعداء برحابة صدر ويستمع اليهم فى اهتمام ثم يمنحهم الامن على ارواحهم ويعطيهم الحصانة التى تخولهم حتى العودة الى اوطانهم سالمين ومتى شاءوا مهما كانت خطورة الرسائل التى يحملونها

فمثلا معاملة الرسول ﷺ لرسولى كسرى ابرويز الثانى ملك الفرس فقد كان ﷺ ارسل بعد صلح الحديبية عددا من الرسائل الى ملوك ورؤساء وامراء العالم المعاصرين يدعوهم الى الاسلام وكان من بين هذه الرسائل رسالة الى كسرى ومع انها كانت عبارة عن دعوة سلمية للدخول فى الاسلام خالية من العنف او التهديد بالحرب الا ان كسرى عندما قرئت عليه استشاط غضبا واخذته العزة بالاثم ومزقها ولم يكتف بهذا بل ارسل الى باذان عامله على اليمن التى كانت تحت سلطان الفرس انذاك يامره ان يرسل الى هذا العربى يقصد النبى ﷺ من يقبض عليه ويحضره مقيدا فى السلاسل ليمثل امام كسرى ليعاقبه على جراته فى مخاطبته بهذا الشكل اذ كيف يجرؤ ويتطاول الى هذا المقام ويخاطب ملك الملوك واذعن باذان لاوامر سيده وارسل الى النبى ﷺ رسولين من عنده ليبلغه بقرار كسرى الغريب الذى يدل على الغرور والغطرسة وعماء البصيرة وحضر الرسولان الى المدينة وافضيا الى النبى ﷺ بمضمون مهمتهما فماذا حدث ؟ وماذا كان موقفه من مبعوثين جاءآه مأمورين بالقبض عليه واخذه بالقوة ليحاكم امام سيدهم ؟ هل اعتقلهما او امر بقتلهما ؟ ابدا لم يحدث شىء من هذا وانما رد عليهما ردا جميلا وفى هدوء اخبرهما ان ملكهم هذا المتجبر قد هلك وعلى يد ابنه بالذات حيث ثار عليه وقتله وكلفهما بان يحملا منه رسالة الى باذان يدعوه فيها الى الاسلام فان هو قبل واسلم فان النبى ﷺ سيقره على عمله كحاكم لليمن باسم الاسلام وقد شرح الله صدر باذان للاسلام فاسلم واصبح يحكم اليمن باسم النبى ﷺ ارايت كيف عامل النبى مبعوثى عدوه وعدو الله كسرى فاعطاهما الامان ولم يمسهما بسوء

و ايضا صنيع النبى مع مبعوثى مسيلمة الكذاب اللذين جاءاه يحملان اليه مزاعم مسيلمة بانه اشرك معه فى الرسالة فمع خطورة القضية التى جاءا من اجلها ومع شذوذ مطلبهما الا ان النبى ﷺ لم يمسهما بسوء لانهما رسولان وكان رسولا مسيلمة هما ابن النواجة وابن اثال معهما رسالة نصها كالاتى " من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله سلام عليك اما بعد فانى قد اشركت فى الامر معك وان لنا نصف الارض ولقريش نصف الارض ولكن قريشا قوم لا يعدلون " فلما سمع الرسول ﷺ نص الرسالة قال " فما تقولان انتما ؟ " قالا : نقول كما قال فقال النبى ﷺ : " اما والله لولا ان الرسل لا تقتل لضربت اعناقكما " ثم كتب الى مسيلمة رسالة هذا نصها " من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب : السلام على من اتبع الهدى اما بعد : فان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين "

هذه هى معاملة النبى ﷺ لمبعوثى اعدائه وحاملى رسائلهم واحترامه لهم وصيانة ارواحهم مهما كانت خطورة مهامهم والموضوعات التى يتباحثون من اجلها ومهما بدا منهم من شذوذ وبذاءة ومجاوزة الحدود

اما عن اعداء الاسلام فبينما كان دحية بن خليفة الكلبى عائدا من عند هرقل بعد ان سلمه رسالة النبى تعرض له بعض العرب من قبائل جذام واغاروا عليه واخذوا كل شىء ثم بلغت هذه الاعتداءات قمتها فى هذا العمل الغادر الدنىء وهو قتل الحارث بن عمير الازدى مبعوث النبى ﷺ الى امير بصرى بكتاب فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسانى فقتله ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره فاشتد ذلك على النبى ﷺ وندب الناس فاسرعوا وعسكروا بالجرف وهم ثلاثة الاف واوصاهم رسول الله ﷺ ان ياتوا مقتل الحارث بن عمير وان يدعوا من هناك الى الاسلام فان اجابوا والا استعانوا بالله وقاتلوهم فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام شرحبيل بن عمرو فجمع اكثر من مائة الف وقدم الطلائع امامه وقد نزل المسلمون معان من ارض الشام وبلغ الناس ان هرقل قد نزل ماب من ارض البلقاء فى مائة الف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام

الامر اذن ليس امر اعتداءات عفوية متفرقة على الاسلام والمسلمين وانما هو اخطر من ذلك بكثير هو تحالف ضخم بين القبائل العربية وبين الروم ضد دولة الاسلام الوليدة وضد الدعوة الاسلامية والتصدى لها ومقاومتها وهو ما لم يمكن السكوت عليه من جانب المسلمين ولذلك كانت مؤتة وكان ما تلاها من احداث وتطورات بين المسلمين والروم

لما وقعت حادثة اغتيال مبعوث النبى ﷺ الحارث بن عمير الازدى كان لابد من عقاب من قام بهذا العمل الغادر لان دماء الرسل والسفراء والمبعوثين مصانة فى كل عرف وفى كل زمان ومكان فاذا اعتدى احد على مبعوث من مبعوثى النبى بهذا الشكل الدنيىء فان هذا يعتبر اهانة بالغة للاسلام والمسلمين واذا لم يرد المسلمون على هذا العدوان فان هذا فى اقل تقدير سيطمع فيهم اعداءهم ويجرئهم على تكرار هذا الفعل مرات عديدة خصوصا فى هذه المناطق التى لا غنى للمسلمين عن المرور فيها دعاة او تجارا او مجاهدين او مبعوثين لذلك كان الرد والعقاب امرا مشروعا

هذا عن رسل ومبعوثى الاعداء اما رسل ومبعوثى الاصدقاء فان الرسول ﷺ كان يستقبلهم بود وترحيب ويقوم على خدمتهم بنفسه كما فعل مع الوفد الحبشى الذى جاءه من عند النجاشى تقديرا لحسن معاملته للمسلمين فى بلاده وكان يحرص على اهداء الوفود الهدايا ويمنحهم الخلع والعطايا وهذا من فرط سماحته وكرمه ﷺ

كلُّ القُلوبِ إلىَ الحبيبِ تَمِيْلُ وَمعَيِ بِهذَا شَاهدٌ وَدَلِيلُ أَمَّا الدَّلِيِلُ إذَا ذَكرتَ محمدًا فَتَرَى دُمُوعَ العَارِفِيْنَ تسيلُ هَذَا مَقَالِيِ فِيْكَ يَا شَرَفَ الْوَرَى وَمَدّحِي فِيْكَ يَا رسُولَ اللهِ قَلِيْلُ هَذَا رَسُولُ اللهِ هذا المُصْطَفَىَ هَذَا لِرَبِ العالمينَ رَسُـولُ إِنْ صادَفَتْنِيِ مِنْ لَدنْكَ عِنَايَةٌ لِأَزُوُرَ طَيْبَةَ والنَّخِيلَ جَمِيْلُ يَا سَيِّدَ الكَوْنينِ يَا عَلمَ الهُدىَ هَذَا المُتيَمُ فيِ حِماكَ نَزِيلُ هَذَا النبيُّ الْهَاَشِميُ مُحَمَّدٌ هَذَا لكلِّ العالمينَ رَسُولُ هَذَا الذِيِ رَدَّ العُـيونَ بِكَفِّهِ لَمَّاَ بَدَتْ فَوْقَ الخُدَودِ تَسِيلُ يَا رَبِّ إِنِّيِ قَـْد مَدَحْتُ مُحَمَّدًا فِيِهِ ثَوَابِيِ وَلِلمَدِيِحِ جَزِيلُ صَلَّىَ عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الْهُدَىَ مَاَ لَاحَ بَدْرٌ فِيِ السَّمَاَءِ دَلِيِلُ صَلَّىَ عَلَيْكَ اللهُ يَاَ عَلَمَ الهُدَىَ مَاَ حَنَّ مُشتاقٌ وَسَاَرَ جَمِيْلُ هَذَا رَسَولُ اللهِ نِبْرَاسَ الهُدَىَ هذَا لكلِّ العالمينَ رَسُولُ.

 

ليلى الدسوقي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
افكار واراء قيمة جزاك الله خير الجزاء
ذكرت التفاصيل في كتابي سماحة الاسلام وحقوق الاقليات الدينية

سعيد كاظم العذاري
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5513 المصادف: 2021-10-09 03:50:03


Share on Myspace