عصمت نصارلم يكن مجلس حسن العطار الفلسفي مجرّد منتدى للخطابة أو المناقشات الأدبية أو المسامرات الثقافية؛ بل كان أقرب إلى المؤسسات والمجامع المعنية بالتخطيط والمتابعة لأهم مشروع حضاري عُرف في مصر في العصر الحديث، ويرجع ذلك لعدّة أسباب:-

أولها: جمعه بين نخب الطبقة الوسطى من شبيبة المستنيرين الذين يمثلون الرأي العام، الواعي الجامع في معارفه بين تراث الأمة وعلوم الأغيار من جهة، ومتطلبات الواقع المصري المعيش لوقوفه على أسس ومقومات التطور والنهضة من جهة ثانية، والمنتمي في ولاءاته إلى مصر دون غيرها، والمتفاني في عمله من أجل رفعتها والزود عنها من جهة ثالثة، والمحافظ على مشخصاته الدينية والعقديّة من جهة رابعة.

وثانيها: حرصه على وحدة وتآلف المجتمع المصري بكل أطيافه وأعراقه وطبقاته الاجتماعية، وقد تأكد ذلك في تعريفه للوطنية بأنها تتجلى في العمل من أجل مصلحة مصر؛ الأمر الذي حال بين ظهور أي فتن مليّة أو طائفية أو انقسامات قبليّة أو صراعات طبقيّة.

وثالثها: إعلاءهُ من قدر القيم والمبادئ الخلقيّة، وجعلها شرطاً للتعايش والتربية والسياسة والفن، وهي مستمدة في جملتها من الجِبلّة العقديّة، والنبيل من الفضائل والعادات والتقاليد التراثية.

ورابعها: تفضيله الإصلاح الهادئ والتغيير المتأني عن أسلوب التثوير والهياج والعنف والتغير الراديكالي؛ ولا سيما في قضايا مجابهة الفساد، وكذا في تجنبه الصدام بين السلطات القائمة مثل (الباب العالي، الوالي العثماني، أصحاب السلطة المخالفة في التوجه والرأي، جمهرة العوام الرافضة والمناهضة).

وخامسها: تمكنه من فن التواصل والجدل والنقد البنّاء وتعدّد أساليبه في عرض القضايا. وقد تجلى ذلك في الحلقات التي كان يعقدها رواد هذه المدرسة مع النخب والعوام، وكذا في تحريرهم صحافة الرأي التي كانت تمتاز بالأمانة والصدق في نقل الخبر، والنصح والتوجيه في عرض القضايا والمشكلات وحلولها. وقد تبلور ذلك في حديثهم عمّا يدور من أحداث وواقعات وعوائد وافدة وأفكار مستحدثة وظواهر طارئة وقرارات مُجحفة وآراء غريبة وأوهام جاهلة، وذلك كله يهدف إلى حماية الرأي العام من تزييف وعيه وتشتيت آرائه وتهديد أمنه واستقراره.

وسادسها: جمعه بين الإصرار على بلوغ المقصد عن طريق أيسر الطرق العملية؛ الأمر الذي قَضى تماماً على الهوّة الكامنة بين التخطيط والتنفيذ، ويرجع ذلك في حقيقة الأمر إلى عدم وجود أدنى خلاف بين المنظرين والمنفذين. وقد أعرَبتْ عن ذلك سياساتهم في إدارة شئون التعليم والتنمية البشرية، والإصلاح الاجتماعي، ووحدة نهوج الوزارات المتتابعة في إدارة شئون البلاد؛ فجميعهم من تيار إصلاحي واحد.

وسابعها: تنسيقه وتعاونه مع الجماعات والاتجاهات النهضويّة في مختلف الثقافات العربية، ويشهد بذلك التوافق التام في المقاصد والغايات بينه وبين ناصيف اليازجي (ت1871م)، ورفاعة الطهطاوي (ت1873م)، وبطرس البستاني (ت1883م)، وعبدالقادر الجزائري (ت1883م)، وأحمد فارس الشدياق (ت1884م)، وخيرُ الدين التونسي (ت1890م)، وسعيد الشرتوني (ت1912م)؛ وغيرهم من قادة الفكر العربي آنذاك؛ الأمر الذي مكّنهم جميعاً من مجابهة ما نطلق عليه الغزو الفكري والحملات التغريبية، ومؤامرات الاستشراق السياسي التي عمدت إلى طمس الهُّويِّة القومية العربية، وتبديل مشخصاتها الثقافية والعقديّة.

وثامنها: نقده الأساليب العتيقة في التحصيل والتدريب والتعلم وتحديث مناهج الدراسة بالقدر الذي يتيح للرأي العام الناشئ تفهم مقاصد حركة التحديث ومرامي نهوج التجديد في مختلف نواحي البيئة المحيطة؛ الأمر الذي مكّن هذه المدرسة من كثرة تلاميذها وتتابع مؤيديها جيلاً بعد جيل وطور بعد آخر، ويبدو ذلك بوضوح في تواصل المفكرين من حسن العطار: مروراً بمحمد عبده وانتهائاً بذكي نجيب محمود؛ فجميعهم قد تأثر بمن سبقه من قادة الرأي التنويريين؛ فعلى الرغم من تباين طرائقهم ومسالكهم، فيجمع بينهم وضوح المقصد وتربط بينهم وحدة الغاية وأصالة المنهج.

وأعتقد أن هذه الخصال الثمانية أكثر ما يميز مدرسة حسن العطار ومشروعها النهضوي عن غيرها في هذه الحقبة (النصف الثاني من القرن التاسع عشر). واذا ما انتقلنا من طور تأسيس الخطاب الفلسفي والمشروع الحضاري إلى طور ممارسة التفلسف وانتشاره وتطبيق المشروع النهضوي وتحديث آلياته وتجديد مناهجه؛ فسوف نجد جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده يحتلان موقع الصدارة والريادة في هذه الحقبة، وهي الفترة الممتدة من الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى الربع الأول من القرن العشرين. وهي تلك الحُقبة التي كانت شاغلة بالحركات السياسية والتحولات الاجتماعية، واندفاع الرأي العام القائد بمحاكاة الثقافة الأوروبية، وتزايد حركة الاستشراق العقدي والسياسي، ويقظة الشعوب العربية ومجّها للخلافة العثمانية، وظهور الجمعيات السياسية في ثيابٍ اجتماعية وفلسفية، وتسلل العوائد الغربية إلى ثقافة الطبقة الأرستقراطية المصرية، ودفاع الطبقة البرجوازية المصرية عن حقها في الوجود على المسرح السياسي والاجتماعي المصري، وارتفاع صوت شبيبتها للمطالبة بالاستقلال عن أي شكل من أشكال التبعيّة للأتراك أو للخواجات الأوروبيين، وتطور صحافة الرأي واحتلال الأفكار المنطقيّة والنظريات الفلسفية بقدر غير قليل من كم الصحف المصرية والعربية؛ ولا سيما بعد ظهور المحافل الماسونية والدوريات الصهيونية والكتابات الشيوعية والمقالات العلمية والجماعات الإلحادية، ذلك فضلاً عن عشرات الكتب التي تناولت تاريخ الأديان وأقوال الفلاسفة القدماء والمحدثين في المشرق والمغرب؛ ناهيك عن تزايد الشروح المنطقية والمذكرات الأخلاقية والدعوة الصريحة لإدراج الدراسات الفلسفيّة ضمن المناهج التعليمية في الأزهر ودار العلوم، والمدارس الثانوية، والجامعة الأهلية.

وإذا ما رجعنا إلى صحافة الرأي المصرية التي ازدهرت في هذه الحقبة؛ فسوف نقف على مدى إسهامها في نشر المعارف الفلسفية ونذكر منها (المقتطف- الهلال- الجامعة - المنار- الأهرام - المجمع العلمي العربي - المقتبس- البيان- البلاغ- اللطائف- الحياة- الدستور- المؤيد- الآداب- المستقبل- الزهور- السفور- السياسة الأسبوعية - العصور- المجلة الجديدة- المعرفة - مجلتي).

ولا غرو في أن جميع هذه المجلات قد نفخت روح التفلسف في أقلام الساسة والأدباء والمصلحين وأساليبهم ونهوجهم، وبعثت فنون النقد والجدل والمطارحات الفكرية في الثقافة العربيّة؛ ذلك فضلاً عن المناظرات التي انتهجت المنهج الفلسفي في الجدل حول أصالة الحضارة الإسلامية وادعاءات غلاة المستشرقين والساسة الأوروبيين تجاه القرآن وأحاديث النبي، وطبيعة العقلية العربية، وموقف الإسلام من العلم والمدنية. ونذكر منها محاضرة "الدين الإسلامي والعلم" للمستشرق الفرنسي "أرنست رينان" (ت1892م) التي ألقاها بالسوربون يوم 29/3/1883م، تلك التي أضحت من أكبر المحاورات بعد ردِّ عشرات الباحثين على ما جاء فيها، وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني (ت1897م) في صحيفة لوديبا الجزائرية (التي تصدر باللغة الفرنسية) يوم 18/5/1883م.

ثم ردّ مسيو مسمر رئيس الإرسالية المصرية بفرنسا آنذاك في نفس العام، وقد نشره المهندس الجيولوجي "على يوسف" - وهو أحد أعضاء البعثة المصرية الذين حضروا كلمة رينان-  وذلك في مجلة الآداب عام 1917م، ورد محمد عبده على بعض ما جاء في المحاضرة على صفحات مجلة المنار 1903م .

وتجدرُ بنا الإشارة إلى المساجلة التي دارت بين قاسم أمين والدوق داركور حول كتاب الأخير (مصر والمصريون) عام 1894م، تلك المساجلة التي ردَّ فيها على مطاعن "داركور" وافتراءاته حيال طبائع المصريين وخصالهم ومعاملاتهم الاجتماعية، وأحوالهم السياسية ومعتقداتهم الدينية. ثم رد الشيخ علي يوسف (ت1913م)، ومصطفى الغلاييني (ت1944م)، وأحمد لطفي السيد (ت1963م)، وغيرهم على صفحات اللواء والمؤيد والجريدة لنقد ما جاء في كتاب "مصر الحديثة" للورد كرومر من طعن وكذب عن الإسلام.

تلك المناقشات والمحاورات والنقدات العقلية الشاغرة من القدح والشتم والتحقير من الرأي المخالف، والشاغلة بالحجج المنطقيّة والوقائع التاريخيّة والأسانيد العلميّة، هي التي مهّدت الطريق أمام شبيبة المثقفين للعمل من أجل التدريب على الأساليب الفلسفيّة في البحث والدرس والمحاججة؛ الأمر الذي دفع قادة الرأي من تلاميذ "محمد عبده" إلى التخطيط لإدراج المعارف الفلسفية ضمن البرامج الدراسية في مراحل التعليم المختلفة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصَّار

 

محمد عرفات حجازيتحلُّ اليوم ذكرى هجرة نبيّ الإسلام، محمد صلّى الله عليه وسلّم، من مكّة إلى المدينة. ويُخبرنا التّاريخ أنّه قد مرّت على هجرته 1443 سنة، ليحتفل المسلمون، في شتى بقاع الأرض، بهذه الذكرى الجليلة، بطرقٍ عديدة مُتباينة. ومع غلبة الشكليّات على احتفالاتنا، وانزواء التدّبر العميق في فعل الهجرة يلوح سؤالٌ حول الدّروس العمليّة المستفادة! وبمعنى آخر: هل اقتصر فعل الهجرة على الانتقال، زمكانيًّا، من مكّة إلى المدينة نشرًا لتعاليم الإسلام، وفرارًا بالأرواح، أم بالإمكان استخلاص العديد من الأسس التي يمكن تطبيقها في حياتنا الراهنة؟

الهجرة تعني التقاطع، والترك، والتباعد والنأي، والاعتزال، وهي ضد الوصل. وقد تكون ماديّةً أو قد تكون معنويّة..

إنّنا قد نهجر الأماكن لفساد وجُورِ حُكّامها، أو لظُلمِ أهلها، كما في قوله تعالى: "... والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنّا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًّا واجعل لنا من لدنك نصيرًا" (النساء: 75). أو لِوُعورةِ أرضها وقسوة مناخها. والهجرة هنا قد تكون داخلية، أي من منطقة لأخرى داخل نطاق الدولة، أو خارجية من دولة لأخرى، وهذه الأخيرة إما أن تكون شرعية، أو غير شرعية، أي غير قانونية بلغة السياسة الحديثة.

ويندرج تحت هجرة الأماكن اعتزالنا أماكن الفسق والفجور، أو التجمعات المشبوهة، أو الأماكن الموبوءة أو التي قد تساعد على انتشار وباء ما، أو أماكن الصراعات والحروب، أو أماكن لنا معها ذكرياتٍ مؤلمة؛ حفاظًا على النفس.

وقد نهجر الأشخاص من أهل الأهواء والبدع، نهجرهم لنفاقهم، لخديعتهم ومكرهم، لخبثهم، لدونيتهم.. قد أهجر شخصًا خوفًا من سلوكه الذي قد يضرني مباشرةً، أو قد يؤثر في سلوكياتي.. أهجره، ليس على الواقع فقط، بل كذلك في عالمنا الافتراضي؛ فمنشوراته تصيبني بالقرف، نفاقه الصارخ يجعلني أغتابه وهذا ما أخشى الوقوع فيه..

وقد نهجر الأشياء بمعنى نتركها ونغفلها، فقد روي عن عطاء بن رباح قوله: "والله لا أبيع الدين بالتين، ولا آكل التين إلا يوم الدين". وأسند البعض المقولة لمالك بن دينار. ويقول الشاعر: "وإن غلا عليّ شيء تركته.. فأرخص الأشياء ما يترك".. فنترك الأشياء الضارة، والثانوية، غير الضرورية، وهي ثقافة كثيرًا ما نفتقر إليها.

أما الهجرة المعنوية فهي دروبٌ شتى، منها هجرة القيم غير الأخلاقية، وترك القول القبيح كقول الزور والتّنابذ بالألقاب والسخرية والغيبة والنميمة وتسليط اللسان والإيقاع بين الناس، وهجرة التراخي واللا مبالاة والسلبية، واعتزال سيء الأفعال كالتجسس والتصنت والكبر والغرور ومد البصر واليد وغيرها.

ومنها هجرة العادات والتقاليد الدخيلة والتي أصبحت جزءًا من حياتنا؛ مجاراةً للآخرين، وهجرة الموروث الثقافي والفكري المتنافي مع روح الدين والمنطق، أو هجرة آلام وأوجاع الماضي وذكرياته المُرهقة.

ومنها هجرة الذنوب والمعاصي امتثالًا للنواهي الإلهية. يقول تعالى: "وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون" (الذاريات: 56)

وفي مقابل تلك الهجرات هناك وصلٌ: وصلٌ للأماكن، للأشخاص، للأشياء، للأخلاق الحميدة، لإعمال العقل والمنطق السليم، لصحيح الدين..

وإذا كنا قد حاولنا الإجابة عن سؤالنا في صدر المقال، فيبقى لنا تساؤل "لو غيرنا طريقة تفكيرنا ونمط حياتنا وفقًا للتوضيحات السابقة، هل سيتغير العالم من حولنا؟"

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

عبد الجبار العبيديان هذا التراث الضخم من التفاسير والفتاوى الذي تحتويه كتب الفقه والشريعة والتفسير القرآني من المذاهب المخترعة التي لا اصل لها في الدين.. فالمذاهب لم تكن قدراً في الاسلام حتى تحكم المسلمين.. بل أجتهادات فردية تخطأ وتصيب.. أنتهى دورها زمنياً، والمرجعيات الدينية مصطنعة لا علاقة لها بالسياسة وحقوق المواطنين.. ولا يعترف بها القرآن.. ولا يخولها حق الفتوى على الناس.. ولا يميزها بلباس معين كما يدعون..، ونظريات الجهاد استخدمت بعكس ما وردت في النص المقدس.. وماطبق منه يعد خروجهاً على عقيدة الدين وبعد ان استبعدوا حركة التغيير الاجتماعي.. وتمسكوا بنظرية أبقاء القديم على قدمه خدمة للسلطة والأجنبي الطامع بالوطن لا للمواطنين.

أنظروا ماذا عملت فتوى الجهاد الكفائي المخترعة فقهياً بالعراقيين واليوم تريد اكمال الجريمة بتطبيق تجربة الحرس الثوري الايراني عليها كما ينادي بها صالح الفياض لكي تنهي الجيش الوطني الكبير.. ونتحداهم ان جاؤنا بنص واحدد يؤيد صحة فتواها.. بل هي أرهاصات من رجال خدموا السلطة لا الدين جاءتنا بعد القرن الثاني الهجري حيث فقهاء الحركة البويهية (334 للهجرة) .. والحركة السلجوقية (447 للهجرة) وهي شكل من أشكال التحدي العلمي والفكري للمدرسة المحمدية حين ربطوا التشريع كله بهم.. لا بالنص التأويلي الصحيح.. وهنا كانت النكبة.

واليوم تظهر لنا مشاريع دينية سياسية جديدة تستغل هذا التوجه الخاطىء لأحلال ديانة عالمية جديدة بدلا من الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام.باسم مشروع المسار الابراهيمي الجديد غرضها نقل الكعبة الى آور.. وكأنه أعادة هوية الصراع بين هاجر وسارة زوجتا ابراهيم الخليل.. لتدمير مشروع الأمة ككل.. وماكان اجتماع البابا في زيارته الاخيرة للعراق مع المرجع السستاني الا لبداية مرحلة جديدة للمشروع.. الجديد في ظل الصمت الرهيب لحكومات همها المنافع الشخصية وليس الوطنية.. أنظر كتاب المسار البراهيمي للدكتورة هبة جمال الدين .فهل سيجيب السستاني على أسئلة التحليل.. لا أعتقد..

لقد اصبح المذهب غنيمة سياسية ومصلحية للسلطة والسلطان بعد ان مزق الامة ككل، ووضع النص الديني في قفص الاتهام، بدلا من ان يعطي له روح الحضارة والتقدم.. التي بها يمكنه من نهوض الأمة من كبوتها الحالية "هذه أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون، الأنبياء92" فمن اين جاؤونا بالمذهبية الباطلة والمرجعيات المستغلة للدين والانسان معاً.. والتي اضاعت التوافق بين الفلسفة والدين ووحدة المسلمين العراقيين تحت شعار الطائفية ولا نعرف اليوم كيف الخروج منها -أنها محنة زمن - لذا فان المثقفين والمجتهدين ملزمين اليوم بمضاعفة الجهد للخلاص من هذا السونامي الفقهي الفتاك الجديد القديم بالوعي الفكري املا بأعادة مفهوم الامة والدين الصحيح. لا بنقد الكاتبين .كما فعل رئيس تونس الكبير تضحية منه لوطنه المنهار تحت سلطتهم الأخوانية المذهبية الباطلة وافكارهم النصية الوهمية الجائرة.. فلا حكم بلا نص ولا نص بلا تأويل..

نتمنى لكل رئيس أو متنفذ شريف في الوطن العربي وفي العراق خاصة ان يصحى ويعي افكار الاعداء المغرضين.. ويحذو حذو التوفيق بين الفلسفة والدين في التطبيق.. وان ترفع كلمة الدين من الهوية لتحل محلها المواطنة كما في الد.ول المتقدمة.كي لا نعطي للمفرقين الطائفيين سببا ًمن نصيب.

لقد غَلِبت النصوص القرآنية المفسرة تفسيرا لغوياً وفق نظرية الترادف اللغوي في القرآن على النصوص التي لم تؤول الى الان، وهي بأمس الحاجة اليوم لتأويلها خارج نظرية الترادف اللغوي، لحاجة الناس اليها لمعرفة الحقيقة الشرعية في التصرف فيها دون الاعتماد على التفسير الفقهي المرجعي الناقص كما في الشرعيات والأوقاف وحقوق المرأة التي ضيعها فقهاء التدليس.. وحتى نتخلص من الاحكام المسبقة في الاشكاليات المختلف عليها لكي لا يضيع المقصد القرآني الاساسي فيها ومن هذه النصوص التي سوف نتطرق اليها هي:

نصوص الردة والرجم، نصوص الحرية، نصوص آيات الشورى، نصوص آحاديث الغيب، نصوص الحاكمية الدينية، نصوص حقوق المرأة، نصوص القوامة للرجال على النساء، نصوص المتعة وألاعيب نكاح النساء، نصوص الوصية والارث، الخمس والزكاة . الجنة والنار، العصمة التفضيل بين أهل البيت وعامة الناس، مواعيد الحج والعمرة، والمتعة والزواج المؤقت ووأولي الأمر منكم.. وغيرها كثير.

كل هذه النصوص البالغة الاهمية سخرت لفهم خاطىء لمصلحة السلطة ومرجعيات الدين الباطلة والتي ادى فهمها المتداخل الى حصول اشكاليات مجتمعية كبيرة، أثرت في المجتمع العربي والاسلامي تأثيرا بالغا تباعدا وتناحرأ، وولدت ما سمي بالفِرق الدينية الاسلامية تجاوزا على النص الديني.. حتى تجاوزوا عليه فقالوا سبعين فرقة في النار الا واحدة سموها بالفرقة الناجية المقدسة حتى اوصلوا الاسلام وأهله الى مرحلة الشك والرفض لكل ما طرحه الاسلام من تشريعات.. وتزعم َ اصحاب الحديث هذه الجريمة ويقف مسلم والبخاري والمجلسي في بحار الانوار ويقف فقهاء القرون الهجرية المتقدمة في.. مقدمة المخربين والمزورين..

نصوص الردة والرجم

أعتاد الناس على ان حكم المرتد عن الدين الاسلامي هو القتل، وفي الزنا هو الرجم، ولكن حين الرجوع الى الايات الكريمة واقوال المذاهب الاسلامية الخمسة، نرى الامر غير ذلك تماماً.

يذكر السيوطي في شرحه نقلا عن سنن النسائي ج7 ص104 حديثا نبوياً ما نصه: (لا يحلُ دمُ أمرىءٍ مسلمٍ الا باحدى ثلاث:رجل زنى بعد أحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، او أرتد فعليه القتل).

وحين نستعرض ايات الردة في سورة البقرة آية 109، 217/وفي سورة آل عمران أية، 100" وفي سورة المائدة أية 54 لا نجد تطابقا مع نص الحديث.ومن اكثر الايات الكريمة تحديدا ووضوحا ما جاء في آية 217 من سورة البقرة والتي تقول(.. ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون).لا نجد تطابقاً مع نص الحديث ولم تقل.. يقتل.

وفي العصمة.. كان الرسول معصوما في تبليغ الرسالة بالنص والمحتوى كما وصلته من الله لفظاً ونطقاً(يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك، وان لم تفعل فما بلغت رسلته والله يعصمك من الناس، المائدة 67). هذه هي القاعدة الاساسية في تبليغ النص، التي حولها البعض خطئا الى أية الغدير الوهمية لأستخلاف الامام علي في الخلافة - الله لا يعين الخلفاء- ولا يمكن للرسول (ص) الا ان ينطلق من استراتيجية القرآن في تبليغ النص، لان العصمة محصورة في الرسالة وليست به . فمقارنة الحديث بالايات القرآنية واقوال الفرق الاسلامية نجد هناك فرقا كبيرا في التوجه بحاجة الى بيان، مما يعطينا الاذن ان نقول بأن الحديث لم يكن ثبتاً. حين جاء متناقضا مع التوجه الالهي بخصوص المرتد عن الدين، ويتناقض مع الحرية الانسانية المقدسة لدى الله تعالى في قتل الانسان رجماً حين لم يقل.. يُرجم .

اما كلمة الرجم فلم تأتِ اصلا الا في ثلاث آيات هي سورة الشعراء اية( 116)، وسورة ياسين آية( 18)، وسورة هود آية( 9) وكلها جاءت بمقاصد اخرى وليس لها علاقة بالقصد.

أما احاديث الزنا فقد حملت اكثر من طاقتها وظلمت فيها المرأة، حين طبقت العادة والتقليد الجاهلي بدلا من التشريع وقتلت المرأة على التهمة لا على الواقع، أنظر سورة النور أية (4) وضعت للزنا معايير تعجيزية قد يستحيل على المرأ اثباتها ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فأجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا وأولئك هم الفاسقون. ان الاية الكريمة تدرك ان التعامل مع الجنس يحتاج الى غاية الحذر والحساسية في تطبيق النص.لا سيما وان العملية الجنسية لا يمكن ممارستها في العلن وتحت نظر الاخرين، فهي عملية سايكولوجية مرفوضة العلن حتى عند بعض الفصائل الحيوانية كالجمال مثلاً ترفضها في العلن، لذا فان الحديث يجانبه الصواب ولا يمكن الاخذ به .من هنا لابد من تأويل النص والخلاص من هرطة مؤسسات الدين. .فأين نحن من العادة والتقليد والعشيرة والقبيلة وزعماء الجنس.

نصوص الحرية:

الحرية في القرآن الكريم مقدسة، وهي اسمى ما في الوجود، لذا فقد منح الله سبحانه وتعالى للانسان حرية الاختيارفي الفعل والعمل الذي يريده، حين آمره بفعل الواجب ولم يجبره عليه، بل ترك الامر اختيارا لارادته، لكنه حذره من المعصية وأوعده بالعقاب والثواب، وهذا ما نراه واضحا في سورة الكهف آية 29(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، انا اعتدنا للظالمين نارا)، ولم يقل للكافرين نارا، فالاية اقامت علاقة جدلية بين الكفر والايمان، وبما ان الكفر ظلم للنفس البشرية من الناحية العقائدية، وقد يرتكب من غير الكافر ايضاً، فقد وسع القرآن العقوبة حين قال اعتدنا للظالمين نارا، لان الظلم يرتكب من الاثنين على حدٍ سواء، والقران وكلماته المقدسة لا تقبل التراف اللغوي ابدا.

اما الاية 256 من سورة البقرة، فقد جاءت عامة لكل الناس (لا اكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي) لذا فهي تتقاطع مع شعار الفتوح المعلن عند البلاذري في كتابه فتوح البلدان(أسلم تسلم لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، وان لم تسلم تدفع الجزية نظير حماية الدولة لك) لأان الفتوح كانت اجبارا وليس برضى من أهلها.

ان الاية الكريمة وضعت سنة لكل الناس دون تمييز في الحرية الدينية والمدنية دون اكراه، لان الحرية هي هبة الله الى الناس وليست هبة احد من الناس، فاذا تتبعنا آية الجزية في سورة التوبة آية 29(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر، ولا يحرمون ما حرم اله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين آوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون)، الاية الكريمة ليست عامة، بل وضعت شروطا ًدقيقة لتطبيقها عملياً حين لا يكونوا من المؤمنين بالله واليوم الاخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، كقتل النفس الانسانية بدون جرم مرتكب والغنائم وأخذ الاسرى واستباحة النساء بحجة وما ملكت أيمانهم..،، وان يبدأوا هم بقتال المسلمين بدلالة قوله سبحانه وتعالى عن يد وهم صاغرون.. بينما هم تم غزوهم جبراً من قبل المسلمين.

هذا ما تجاهلته الحركة الفقهية فهي اعتداء واضح على النص المقدس والاخرين.

الديانات المنزلة كلها تؤمن بالله واليوم الاخر، ولا تؤمن بقتل النفس الانسانية بدون سبب مبرر.. ولو قرأت الانجيل كله لا ترى فيه كلمة قتل او استباحة او أسترقاق.. لذا فأن تفسير النص يحتاج الى اعادة نظر في قراءته، وما يعزز هذا الرأي ما ورد بنص الاية الكريمة في سورتي المائدة والبقرة (169، 62) حين تذكر الاية ما نصه: (ان الذين آمنوا بالله واليوم الاخر والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحاً فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). فشرط الاية هو الايمان لا غير، وهم مؤمنون وأصحاب كتاب.هنا نلاحظ ان شعار الفتوح السابق ذكره يصح بالحوار لا بالقتال.ناهيك عن ان آية كريمة اخرى تقول: (لو شاء الله ما اشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً وما انت عليهم بوكيل -الانعام آية 107).لذا لابد من اعادة النظر في المنهج المدرسي بخصوص موضوع الفتوحات الاسلامية التي وضعت بتسرع بحجة نشر الاسلام الذي لم يامرهم بغزو الاخرين. واذا اقتضى الامر يجب الاعتذار للشعوب التي فتحها العرب وعاثوا فيها تخريباً ونهبا وفسادا واعتداءً على الأعراض.. بحجة ملك اليمين.. وهذا خطأ تاريخي ارتكبته الخلافة الاسلامية التي أمرت بالفتوح.. هذه الخلافة التي لم تترك للمسلمين غير المذهبية البغيضة والاستعلاء والحقد على الاخرين..

نصوص آيات الشورى

قد دمج القرآن، الكريم حرية الاختيار والايمان بالشورى في الممارسات المختلفة وحتى في العبادات، لذا فأن آية الشورى الاولى جاءت كشرط من شروط الايمان وهي مكية، كالصوم والصلاة والزكاة، تقول الاية الكريمة(والذين أستجابوا لربهم وأقاموا الصلواة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون -الشورى، آية 38).. فهي آية حدودية أختيارية غير ملزمة بشرط القوة .

أما الاية الكريمة الثانية تقول (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك، فأعفِ عنهم وأستغفر لهم وشاورهم في الامر، فأذا عزمت فتوكل على الله، ان الله يحب المتوكلين، آل عمران 159).

الشورى في الاية الكريمة الثانية جاءت حدية الزامية لاشراك الناس في امور الدولة وبناء مؤسساتها، لذا فهي قيمة أنسانية، لاهمية ممارسة ولاية الامر للناس ولا يجوز شرعا التفرد في ادارة الدولة كما تفعل مؤسسة الحكم في العراق اليوم.. (أخذناها وبعد ما ننطيها) ولا تبيح المحاصصة القاتلة التي تفرق بين الناس في الكفاءة والمقدرة.. فأين مرجعية الدين ان كانت هي حقا رقيبا على الدين ؟، وخاصة فيما يتعلق بالحكم والسياسة والتشريع .فالنبي لم يأمر الناس بالاحتكام اليه، لكن الناس هم الذين كانوا يحتكمون اليه بدلالة الاية الكريمة( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما( النساء آية 65 ). مرجعيات دينية صامتة عن الحق صمت القبور.. لا تستحق ولاية امر الناس.

لقد آمر النبي بمشاركة كل الناس دون تمييز بامور الدولة العامة والخاصة وبحرية تامة، لذا استعمل المشورة في اسرى معركة بدر، فأشار عليه بعض الاصحاب بقتلهم، لكن القرآن وقف موقف المعارض بدلالة الاية الكريمة(ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله الاخرة والله عزيز حكيم –الانفال 67).

على هذا الاساس قرر الاسلام أمرين هما: الاول، الايمان بالله وأقامة الصلواة والزكاة .والثاني، ممارسة يومية تتبع الحالة التاريخية التي يعيشها المجتمع مع مقتضيات الظروف وشفافية التصرف واشراك العامة في الحكم - وليس كما نراه اليوم احتكارا عليهم، فالنبي لم يسمِ أحداً من بعده وآلوا الأمر لايعني الولي أي هم المقدمون من الجماعة وليسواعلى الجماعة.. وحين التبس الأمر حلت بالمسلمبين الكارثة ولا زالت الى اليوم.. حين نادوا منا أمير ومنكم أمير وكأن الدولة ملكا لهم.. أذ يرجع الامر للمسلمين في التعبير عن الرأي وفي الحرية والعمل والايمان (ولو شاء الله ما اشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما انت عليهم بوكيل).. عصر انتهى ولم يعد للنص من قيمة في التطبيق اليوم .

لقد طبق الرسول آيات القرآن تطبيقا عمليا وامر بعدم قتل الاسرى، وأمكانية اصلاحهم وضمهم للاسلام .لكن ما تم في عهده لم يستمر من بعده، فقد اهمل دستور المدينة المكتوب في السنة الخامسة للهجرة ولازال مهملاً- لنا دراسة مستقبلية عليه-، فتركت سلطة رئيس الدولة دون تحديد مدة او مدى سلطان، فظلت السلطة والقانون والثروة والجيش بيد الخليفة دون ضوابط ثابتة ومحددة، وكل ما نقرأه عند مفكري الاسلام عائم وغامض مما ترك أثرا سيئاً في ادارة الدولة، فتح المجال للمنازعات الكثيرة التي أضعفت الدولة فيما بعد.. لا بل اسقطتها..

نصوص احاديث الغيب

كثرت أحاديث الغيب بعد وفاة الرسول(ص) وتداولتها جهات عديدة دون حصر، لكن هذه الاحاديث مرفوضة جملة وتفصيلا بدلالة الاية الكريمة التي عبرت عن قول الرسول :( لو كنت اعلن الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، الاعراف آية 188)لذا لاداعي للدخول في مناقشة حسمها القرآن الكريم .

نص الحاكمية الدينية وحركة ما سمي الخوارج خطئاً

لا احد يستطيع ان يحدد الحاكمية الدينية الا بنص قرآني محدد، لذا يجب ان ينظر اليها وفق منطوق الاية القرآنية التي وردت في سورة البقرة آية 258، حتى لا ندخل في المطلقية الشمولية دون مراعاة اسسها القويمة.

ونصوص أخرى لنا معها عودة..

نحن بحاجة اليوم الى آيديولوجية جديدة توفق بين السياسة والدين ليكون التفكير العقلي موضع الاهتمام والتطبيق.. لننهي دور الفقهاء ومؤسسة الدين ونحل بدلها القانون..

لم تحصل النقلة العلمية الاوربية الا بعد تطبيق هذا المبدأ بعد ان اصبح الاجتهاد العلمي يعتمد على العقل لدرجة ان هذا التوجه الصحيح جعل غالبية التوجهات الدينية في الغرب تقوم على مبدأ التوفيق بين الفلسفة والدين.. أي بين الأديان باعتبار كل جانب منها يكون حقيقة علمية وان أختلفت، وبالتالي فالحقيقة العلمية مجتمعة هي الاساس حتى اصبح الانسان الاوربي لا يختلف فيما يعتقد عن الاخر جوهريا. وهذا ما حاربه فقهاء الاسلام منذ البداية.

من هنا، فأن التعصب الديني هو آفة العقول التي تعميها عن رؤية الحقيقة وينهيها عن أدراك الحقيقة.. ولو تمكنت بعض الفرق الاسلامية ان ترى النور بعقائدها كما في الاسماعيلية لتمكنا من كسر حاجز التخلف في تفسير النص وما يريد.. من تحقيق هذا الطابع ولقفزنا الى ما ترغب به الحقيقة العلمية وتريد .

نحن نمر اليوم بأقصى درجات الانحدار الاخلاقي حين شجعنا العنصرية والطائفية والمرجعيات الصنمية التي تحكم ولا تنطق حتى بكلمة وبأي مناسبة ولا احدا يراها الا وهي جالسة على الحصير.. ومن يدريك ماهي.. لربما مغلفة بقناع بحاجة الى تحقيق..

لقد حللوا اموال الدولة لانفسهم دون الاخرين.. باعتبارها مالا سائبا كما في النفط والمعادن وقتل النفس والخمس والزكاة لانها تخالف ما نعتقد به ونريد.. حتى سموا أنفسهم.. باهل المعرفة والعرفان.. فأبقوا اللطم على الخدود لانسان صالح مات منذ قرون ولا ندري ما جدواه.. وحللناعلى انفسنا الاستئثار بالسلطة والقانون.. ونشرنا نظرية المهدي المنتظر لينقذنا ونحن نحكم ولا نطبق ما يريدون به من هذا الغائب الحاضر.. كفاية فقد اخترقنا كل حواجز الحق والعدل والمنطق والميزان والصراط المستقيم ولا زلنا مصرون عليها. فهل سنصحى لنعيد لأنساننا الحياة..

نعم هي الحياة هكذا.

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

رجب الشيخمن العجيب المذهل أننا نعيش الألف الثالث ومازالت بعض السلوكيات الرديئة والتصرفات الهجينة تتسيد الموقف الثقافي وتطبيق الموروث القبلي والذي يشكل عائقا في التعاملات اليومية المعتادة ضمن التركيبة المجتمعية ونقل تلك العادات والتقاليد والأعراف على سطح الواقع رغم كل ما قدمته الحداثة في عملية التغير البنيوي للمجتمعات في ظل واقع ملموس بعيدا عن وصول البعض من حملة الشهادات العلمية التي لم تستطع أن تغير ما يؤول له هذا الانفجار الكوني نحو سلوكيات خاطئة والتي تستند على العبثية والفوضى ... وكذلك عدم الإدراك في التغيير الجذري الذي حصل والتحويلات النفسية والاجتماعية والتمسك بواقع أكثر شساعة مما كانوا هم عليه ..

العجيب في الامر بأنهم يتظاهرون بالرياء والعفة والمهنية وانهم أصحاب رسالة علمية أو مهنية و مجتمعية لكنهم بعيدون جدا عن تلك التقولات المسيئة لذاتهم الانوية المستندة على أصول معروفة لدى التقاليد الواقعية، حسبما جاء في المثل الشعبي (كلمن يرجع إلى أصله) وتلك مشكلة قائمة في حد ذاتها.

كما جاء ذلك في تحليل فرويد لتلك الحالات (اللاوعي هو منطقة داخل العقل ليس بإمكان الفرد إدراكها و إن اللاوعي هو الذي يكشف عن المشاعر والعواطف والأفكار الحقيقية للفرد) ...

إذن لابد أن نبحث عن التواريخ السالفة إلتي تلقي بظلالها على الشخصية القلقة في عملية التأسيس الحقيقي ...

ملاحظة / لابد الرجوع الى الذات ومحاسبة النفس في كل ماتعتريها لوضع الأمور في نصابها قبل اعطاء الأحكام الخاطئة على الآخرين ...

 

بقلم رجب الشيخ

اسعد شريف الامارةالخوف Fear في موسوعة علم النفس والتحليل النفسي تعبير عن المخاوف الشائعة في مجتمع من المجتمعات، أو لدى أفراد هذا المجتمع، أو الخوف من هذا الشيء أو ذاك عمومًا، أما "مكدوجال" فيراه إنفعالا أوليًا نتيجة لمثير خطر، وفي هذا الصدد نتحدث عن الخوف والتفكير فيه لدى مرضى السرطان، أو لدى المصاب في فايروس كرونا، أو عند التفكير في إجراء عملية جراحية كبرى، هذا الخوف يخلق الوسواس الحقيقي، وسواس لاسع وشرس ولا يرحم حتى وإن لفوه بلغة المعتقد مثل التعاويذ أو الآيات من الكتب السماوية أو التراتيل الدينية، هو في الحقيقة جهد يتعذر أن يُذلله   الخائف المذعور، لا يجرء على التركيز في القراءة، ولا على رؤية أي وجه بوضوح، أو ينصت للاستماع أو للارشاد أو التوجيه لغرض رفع المعنويات، إن صاحبه يشعر بفراغ في دماغه، مثل حال المكتئب، إنه عاجز عن لملمة أفكاره، ففكره تملؤه الضبابية والذهول،  والذهول هنا Stupeur  هو توقف الفاعلية الجسمية والنفسية، فالوجه متجمد والنظرة كئيبة، ولا يبدي الفرد أي إستجابة تصدر عنه ولا عن الذكاء، فالجمود تام، ويحتفظ الفرد بصمت عنيد ويرفض كل طعام في بعض الاحيان كما يقول "بيير داكو" .

الخوف في هذه المقالة ليس المخاوف المرضية  Phobia   أو ما يعرف باللغة العربية الرهاب، والمعروف عن الرهاب أنه الخوف من أشياء محددة ومعلومة مثل الخوف من الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب والزواحف وهي أكثر موضوعات الرهاب شيوعا كما تقول المحللة النفسية "هيلين دويتش" ، أو الخوف من الأماكن المغلقة أو الفسيحة، أو الأماكن المرتفعه العالية. نحن هنا بصدد غريزة أو لنقل الميل أو حاجة إن صح القول لمواكبة تطور علم النفس الحديث الخوف لدى الإنسان والكائنات الحية الاخرى، وتؤكد الادبيات النفسية أن الخوف حالة نفسية وميل طبيعي موجود في أعماق نفس الإنسان يستطيع التعايش معه والتكيف معه في مختلف الظروف وفي مختلف الأوقات، لكنه يصبح منهك للطاقة النفسية ويحول إيجابية الطاقة إلى سلبية قاتمة وسوداوية.

وهنا تقودنا هذه السطور لرأي فيلسوف التحليل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" قوله التفكير العلمي ليس سوى الفكر الرمزي وقد أختزل خياليه إختزالا كليًا، لم يكن ثمة من فكر سوى الفكر الرمزي، ونستعير منه أسلوب التفكير بالشيء ونوعه أكان علميًا أم التفكير بالخوف فهو ليس إلا التفكير الرمزي بالشيء،  وهنا الشيء هو الخوف من الموت، والفناء وانتهاء الحياة كوجود، ولكن تساؤلنا يبقى يطرق الذهن مستندين في ذلك برأي "ليفي ستروس" حينما يعبر بقوله: الفعالية الرمزية: إذ تدل على فعل الرمزي في المادة الجسدية، وهو ما نحاول أن نبسطه أكثر في كيفية فعل التفكير بالخوف وإنهاك الجسد واختلال العقل وفقدان السيطرة على كل ما يتعلق بالوجود المادي، هنا يبرز الدال بالمدلول، فكر "لاكان" وهنا نضيف بقوة التفكير ودلالته الرمزية من خلال الكلمات التي لا يستطيع أن يبوح بها الفرد خجلا، أو رفضا، أو استحياءًا فيهرب إلى ميكانزم الانكار لرفض سيطرة فكرة الخوف من المجهول غير الواقعي، الخوف الذي مسك بزمام التفكير وعصف به وجعله يعكس تأثيره على الجسد، ويزودنا الفكر "اللاكاني" بفكرة مؤداها أن اللغة ليست نفسًا، أو كلامًا فحسب، نقول هي التفكير أيضًا وبالخوف بالمعنى الأدق أعني ذلك ، وترى الافكار اللاكانية برأيها: تقع الكلمات ضمن جميع الصور الجسدية التي تأسر الذات، وهي  الفعالية الرمزية وهي سلطة الكلمات، ونقول أيضا ما يصدر من سلوك غير مرئي أو معلن عن نتائج التفكير بالخوف بصورته الرمزية، إنهاك نفسي، شعور بالإنهيار، يأس في القدرة على المواجهة، إضعاف قدرة المطاولة، ومن ثم الاستسلام للموت، وفي النتيجة يكون الموت ليس بسبب المرض بقدر ما هو من مضاعفات المرض وهو التفكير بالخوف وتحقيق الموت.

 

د. اسعد الامارة - استاذ في علم النفس

عضو رابطة الفضاء الفرويدي الدولي- باريس

عضو مركز دراسات الاصباح للدراسات الحضارية - بوردو – فرنسا.

 

 

علي رسول الربيعيتدوس ترب معرفية مختلفة كاستراتيجية فلا تكمن قوتها في تنظيرها أو تعاملها مع مجال معين من البحث وحقل محدد للتفكير، إنها تتمكن من تحقيق النتائج من خلال اشتغالها في مجالات او حقول معرفية مختلفة، أنها : الفلسفة.

تأتي قوة الفلسفة من التحدث بعقلانية في كافة المجالات والقضايا التي تقع في مدار الفكر البشري. ويعلمنا تاريخها تذكر أفكار الفلاسفة من قبلنا، وباستعمال اللغة والمفاهيم والخطاب الفلسفي والتحدث فلسفيًا بطريقتنا، وفقًا لظروف عصرنا. نحاول إعادة التفكير في الفلسفة اليوم، عندما نصف، نحلل، نجادل، ننتقد، نعلم، نقترح، وما إلى ذلك. وإذا اكتشفنا خطرًا على البشرية أو على العالم أو على الفرد أو على جماعة ضعيفة نشعر من واجبنا اقتراح طريقة لمنع الشر أو الكارثة، وقد نحذر البشرية من القوى المدمرة الخفية، أو إهمال ما قد يكون كارثيًا، إلخ.

إن القوة التي تملكها الفلسفة هي هي قوة الكلمة، قوة الخطاب، كلام الفلاسفة والمختصين فيها كمعلمين، ومحاضرين، ومراجعين، وصناع رأي. قال فيلسوف عظيم في القرن العشرين: "الكلمة مملكتي ولا أخجل منها".

يحاول رجال الدين غالبا تحريم الفلسفة وربطها بالزندقة لأنها تكشف لاعقلانية أحكامهم ودوغمائية أدعائاتهم، ويحاول القادة السياسيون اقصاء الفلسفة أحيانًا ايضا؛ لانهم لايعرفون أيً قيمة ودور للفلسفة في المجتمع، ولأن ليس للفلسفة هدف تقني، ولا تساهم في زيادة إنتاج السلع المادية أو تعزيز قدرتنا التقنية. ولكن توجد اليوم علامات كثيرة على حيوية الفلسفة، ولا يزال التفكير الفلسفي يلعب دورًا هائلاً في العالم. وهكذا، إذا كانت "القوة" تعني التأثير الثقافي والسياسي، فقد أصبحت الفلسفة قوة عالمية عالمية.

 تزداد على كوكبنا الحروب والصراعات وفي هذه الأوضاع تتجلى قوة الفلسفة من خلال الدفاع عن حرية الفكر، وحرية التعبير عن القيم العظيمة، وحرية نقد الظلم، وحرية الحوار العابر للحدود الثقافية والوطنية. باختصار، تظهر الفلسفة في كل مكان كقوة للحفاظ على إرادة السلام. وربما يكون العالم مكانًا أسوأ لحياة الإنسان بدون فلسفة. يترتب على ذلك أن القوة لا تساوي بالضرورة الهيمنة على الآخرين، ولكنها يمكن أن تكون محررة، وتعطي مساحة لإمكانيات جديدة، وتفتح آفاقًا جديدة، وتكشف عن قوى وفرص خفية.

غالبًا ما ينسى المرء أن القوى الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية لا تمتلك احتكارًا للسلطة في العالم. إن الجدل والتفكير الفلسفي يشكلان قوة غير اقتصادية وغير تكنولوجية وغير عسكرية فبالكلمة الفلسفة قادرة على تحدي القوى الأخرى، وفضح الأكاذيب والخداع، واقتراح عالم أفضل كمسكن للبشرية. غالبًا ما تم تجاهل قوة الكلمة الفلسفية، عندما كان يُنظر إلى الفلسفة على أنها وصف خالص، ومرجع خالص، ومرآة بريئة تنسى نفسها وتجعلنا حاضرين امام الأشياء ( فلسفة الحضور).

 لذلك تم انتقاد فكرة الفلسفة كمرآة للطبيعة من وجهة نظر تأويلية ومن وجهة نظر براغماتية: رأى هانز جورج غادامير في كتابة" الحقيقة والمنهج" ( 1996) أنه لا يوجد وصف بدون تفسير للوضع التاريخي الذي نصفه به شيئًا ما، وأكد ريتشارد رورتي في كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة" (1979)، على التركيز على الفعل الذي يغير العالم.

قام فيلسوف أكسفورد جيه إل أوستن بإلقاء الضوء على أفعال الكلام في عام 1955، ونشرها في عام 1962 في كتيب بعنوان "كيفية فعل الأشياء بالكلمات". لقد اثبت أن القضية التي تحمل المعنى هي فعل، ووصفه بأنه فعل محدد، لقد ادعى أن لا يمكن فصل الفعل تمامًا عما يسميه فعل الكلام الذي يؤثر في حد ذاته أو يشكل الفعل المقصود الذي له قوة معينة في قول شيء ما. بعبارة أخرى، فإن الموقف الكلي الذي يصدر فيه الكلام، هو ما يسميه أوستن فعل الكلام الكلي، دائمًا ما يكون منطقيًا وتعليميًا، وبالفعل عن طريق اختيار شيء نريد قوله قد نحذف أشياء أخرى لا نعتبرها مهمة، ويكون لنا تأثير معين على أولئك الذين يقرؤون أو يسمعون ما نكتبه أو نقوله. وهكذا ، كانت الكلمة دائمًا قوة في العالم. هذا يعني أن الفلسفة ليست محايدة تمامًا. يتحمل الفلاسفة مسؤولية معرفة كيف تفعل الأشياء بالكلمات.

إذا كانت الفلسفة تتمتع بقوة تأثير الكلمة، ليست كل أنواع الفلسفة جيدة أو مفيدة للإنسانية بالضرورة. لقد تعلمنا من القرن العشرين كيف يمكن أن يكون التفكير القومي والفاشي والشمولي مدمرًا وكارثيًا للإنسانية. يمكن أن تكون مغرية للغاية لمجموعة، وتغذي رغبات لجماعي تناشد الجزء الأسوأ من أنفسنا. لا يتشكل هذا الجزء من أنفسنا من خلال دوافعنا الأنانية فقط، بل أيضًا من خلال الدوافع الأنانية لجماعة وليس للأنا الفردية فقط ، " أنانية جماعية تقسم الإنسانية حيث يعتبر كل شخص آخر أو كل أجنبي ينتمي إلى جماعة أخرى أخرى أو أمة أخرى أو ثقافة أخرى كأعداء محتملين.

لكن لا يكفي العنصر الإنشائي للغة - كما يحدده أوستن - لفهم كيف يمكن أن يكون كلامنا خيرًا وشريرًا في الوقت نفسه. لا نجد في حالة الكلام تأثير للكلمة فقط من خلال نقل معنى من شخص إلى آخر، أو من خلال إعطاء معلومات حول شيء ما لشخص ما أو عن طريق طرح سؤال، أو التماس شخص ما، أو إصدار أمر أو تقديم عذر؛ فيمكن أن يهدف فعل الكلام إلى تشكيل الآخر أيضًا، وعلى سبيل المثال من أجل الهيمنة والإخضاع والإذلال. لذلك، هناك جانب ثالث من أفعال الكلام، ذكره ج.ل.أوستن ، لكنه لم يطوره كثيرًا، وعلينا أن نوليه مزيدًا من الاهتمام. هذا هو الفعل التنبيهي ( فعل التكلم الذي هدفه فعل لكنه لايشكل الفعل في حد ذاته مثل القناع) الذي يعرفه بأنه "تحقيق تأثيرات معينة بقول شيء ما".

قد يكون هذا الفعل التنبيهي أهم نوع من أفعال الكلام التي يتعين على الفلاسفة بحثها. لكن لا أجد، في كل فلسفة اللغة التي تطورت في القرن العشرين، تحليلًا كافيًا لكيفية تحقيق اللغة لتأثيرات معينة وتواصل مع الآخر بقول شيء ما له. لقد انشغل العديد من الفلاسفة بمحاولة فهم اللغة منذ التحول اللغوي في الفلسفة الذي ساهم فيه أوستن في الخمسينيات من القرن الماضي . فقد كان هناك، على سبيل المثال، تحليلات اللغة العادية من قبل لودفيج فيتجنشتاين وآخرين، وظواهر اللغة لمارتن هايدجر، وموريس ميرلو- بونتي وآخرين، وتأملات تأويلية حول تفسير الكلام والنص من قبل غادامير وآخرين، والتأمل في الرموز الشعرية والاستعارات والروايات لبول ريكور وآخرين، ونظرية الفعل التواصلي لهابرماس ومدرسته، والعديد من أشكال الفلسفة اللغوية الأخرى، سواء في الفلسفة التحليلية أو التركيبية، داخل الثقافة الأوروبية أو خارجها.

تعلمنا أن نفهم بفضل هذا التحول اللغوي، وهذا الاهتمام الذي نوليه للغة، كيف أن الفلسفة في حد ذاتها قد لا تنير وتحرر فحسب، بل تغوي وتتلاعب أيضًا. إن تعزيز التنوير والتحرير وتجنب الإغواء والتلاعب كانت أهداف الفلسفة منذ أن وصف أفلاطون طبيعة الحديث المنطقي، أي الحديث الذي يمكننا الاتفاق عليه في حوار يكون فيه كل محاور صادقًا مع نفسه وصادقًا مع الآخرين. بالتأكيد، بالنسبة لأفلاطون ولاحقًا على وجه الخصوص سرين كيركيغارد أن كلا من الساخرية وما أسماه جاك دريدا التفلسف في الهامش يعد معقولًا. لكن الإغواء والتلاعب - حتى عندما يطلق عليهما فلسفة - اللذان ينزعان إلى اختزال الناس إلى أدوات عمياء لأيديولوجية أو قطيع لزعيم يفكر بدلًا عنهم، لا يمكن أن يجلان العقلانية.

ومع ذلك، إن سبب وجود الفلاسفة هو أنهم حراس العقل المنطقي أو العقلانية. لذلك لا يمكن أن تأتي بنتائج عكسية إلا إذا تم ممارسة الفلسفة كمخدر أو كخطاب كراهية. وإن الفيلسوف الجيد منخرط في قضيته، ويتحدث بحماس عما يؤمن به، وهو عقلاني حتى في أصعب الانتقادات. لكن حديث الكراهية الذي يستخدم الإهانة والتشهير بالآخرين، سواء من قبل كان فلاسفة أو آخرين مثل سياسيين، يحول الفلسفة إلى حرب أنانية.

فقدت الفلسفة براءتها اليوم. لا يمكننا أن نتفلسف بدون التفكير في ممارستنا اللغوية. لذلك، هناك حاجة إلى مزيد من الفهم لفعل التنبيه من أجل جعلنا أكثر وعياً حول كيفية قيامنا في كل تواصل، من الأكثر حميمية إلى أكثر المجالات السياسية،، يمكننا بالتشجيع والإيذاء تحفيز الآخرين وقمعهم.

ليس لأن الفلاسفة يتمتعون بالقوة الظاهرة للخطاب أو الكلمة فقط ، ولذلك فإن المجتمع يتحداهم لتفسير ما يفعلونه من خلالالتعليم والتثقيف في الفلسفة والتحدث في الفضاء العام، ولكن أيضًا لأنهم لا يستطيعون تفسير نشاطهم دون التفكير في قوة الكلمة بشكل عام. وبالتالي يجب أن يدركوا أن هذه القوة هائلة. لا يمكنهم شرح الدور الإعلامي والخطابي للفلسفة اليوم دون مراعاة ما نقوم به لبعضنا البعض من خلال التحدث والكتابة كأشخاص عاديين وليس فقط كمختصين في الفلسفة في عالم ربما نشكله بكلماتنا، وربما أكثر من أي وقت مضى.

أنا أعتبر هذا التفسير من أكثر المهام إلحاحًا للمختصين في الفسلفة اليوم الذين يريدون إعادة التفكير في الفلسفة والذين يريدون تطبيق قدراتهم في التحليل والنقد للمشاكل الأكثر إلحاحًا التي نواجهها في عصرنا: كيف نتجنب بكلماتنا وبخطابنا الفلسفي ما يُعرف بـ" صراع الهويات" " وصراع الأصوليات" و " صراع الحضارات"، ونعزز نظام القيم في عالم يعاني من اختلالها ودعم أخلاقيات مواجهة الأوبئة الذي يعتبر أكبر تهديد للبشرية اليوم.

يترتب على ذلك أننا نحن مجتمع ارسطو لسنا مدعوين لفهم أنفسنا وقوة خطابنا الفلسفي فقط ولكن أن نساهم أيضًا في تطوير فهم لقوة الخطاب و قوة الكلمة بشكل عام. وبصفتنا أعضاء في مملكة الخطاب نحن مسؤولون عن التدريس وشرح ما يمكن للكلمات أن تفعله بين الناس، ليس فقط في بلد واحد ولكن أيضًا بين جميع الناس في العالم الذين ينتمون إلى دول وثقافات ولغات وتقاليد وأديان مختلفة.

 

دكتور علي رسول الربيعي

 

بهجت عباسزهرة النرجس الجميلة أخذت اسمَها من الأسطورة اليونانية التي تقول إنَّ شاباً جميلاً يُدعى نرسيسوس Narcissus رفض حبَّ حوريّة البحر (إيكو)، فعاقبته إلهة الحب والجمال (إفروديت) بأنْ جعلته يُعجَبُ بذاته أو صورته أو خياله، فكان يُحدِّقَ في صورته المنعكسة في بِركة ماء صافٍ دوماً وبدون انقطاع إلى أن نحلَ جسمه وذوى فمات. وكشفقة عليه لما أصابه، حوّلته الآلهة إلى زهرة نرجس تحني رأسها على الماء.

ومن هنا أ ُطلِـقَت صفة (النرجسية) على كلِّ شخص يحب ذاته ويرى نفسه فوق كلِّ اعتبار، وتكون لديه آراء غير واقعية حول عِظَمِ نفسه وأهميّـته وصفاته وعدم احترام للآخرين.  ويقدر الخبراء نسبة النرجسيّين في العالم بـ 1% من السكان، ومن هذه يكون حظ الذكور 65%، وكثافتهم في مناطق العالم تختلف حسب منطقة نشوء الفرد وظروفه العائلية والبيئية والاجتماعية وربما الجينية.

يُعتبر حبُّ الذات في النرجسية مرضاً قد ينمو إلى الخيال الجامح لجنون العظمة مع رغبة مفرطة للإعجاب به. كما أنَّ بعض (النرجسيّـين) يوجِّه انتقاده إلى الآخرين ليتجنّبَ انتقادهم إيّاه. أما إذا انتقده أحدهم دون إساءة بالغة أو مقصودة أو بيّنَ خطأً في لغته أو أسلوبه أو فحوى مقاله، فالويل للمنتقد منه، فهو لا ينام ليلَه دون انتقام. وحتى إذا استطاع الانتقام منه مرةً فهو لا يملّ من الانتقام المتواصل، لأنَّ ذلك الانتقادَ (صَدَّع) نرجسيّـتَه، ولن (تلتئمَ) حتّى ولو وافت المنيّة ذلك البائسَ المسكين!

 

إنَّ خلل االشَّخصيَّـة النرجسيّـةNarcissistic Personality Disorder (NPD) يبدأ في الطفولة ويظهر عند البلوغ مسبِّـباً نقصاً في قدرة المصاب على إظهار شفقة أو عاطفة تجاه الآخرين. ويُعزى سببه إلى إساءة عند الطفولة أو صدمة أو أذى من الأبوين أو الأقرباء وحتى من الأصدقاء، ولم يثبت حتى الآن أنَّ له أسساً وراثية أو عرقية، رغم أنّ بعض الباحثين يفكر أنَّ ثمة جيناً أو جينات مسببة له، ولكن لم يُكتشف حتى الآن أيّ جين له، وهذا لا يعني أنْ لا جينَ مسبباً له، إذ هناك من يعتقد أنه يتوزع في أفراد العائلة الواحدة حسب قاعدة مندل المعروفة في الوراثة والأبحاث جارية في هذا المضمار. يكون مرض النرجسية أحدَ أمرين، إما عقلـيّاً (إنجازات فكرية، أكاديمية، علمية وغيرها) وإمّـا جسمية (جمال، رشاقة، قدرة جنسية وهكذا).

من هم النـرجسيّـون؟

هم أولئك الذين يضعون أنفسهم في السّـماء ويشعرون بأهميتهم الخيالية مضخّمين قابلياتهم ليوهموا الآخرين بالنظر إليهم فقط مع فقدان الواقع. فهم وحدهم الذين يرتبطون بصور (خيالات) الصفات المثالية، النجاح العظيم والقوة والجمال.

وهم مستعدون لاستغلال الآخرين لتحقيق هدفهم مقتنعين بأن لهم امتيازاً ويتوقعون من الآخرين اعتبار ذلك. يتميّزون بقلّة عاطفة وموقف متغطرس وفعل متعجرف، وعدم قدرتهم على التعاطف مع الآخرين أو فهمهم إياهم.

وقد صنّف العلماء والباحثون هؤلاء النرجسيّين حسب طبيعة نرجسيّـتهم. ربما يكون ذكرُ بعض هذه الأصناف مفيدة للقارئ الكريم لتكون لديه فكرة عمّن حواليْه في الأفق القريب أو البعيد من هذه النماذج البائسة في الواقع.

1- مريض الكذب- يكون مراوغاً ماهراً ومُقنـعاً بارعاً حيث يتجنب المحاسبة على أعماله بتلهية الآخرين بالنكتة واللف والدوران (البلف)، ويعتمد على ذاكرته في سرد الحوادث القديمة وينكر ما عمل من سيئات وقد يلجأ إلى التهديد إذا اقتضت الحاجة. في هذه الحال لا تكشف أوراقك أمامه، فقد يستغلها في الوقت المناسب ويستعملها ضدّك. وعليك أيضاً أنْ تتحقق من كلماته قبل الوثوق بما يقول، ولا تسأله أيَّ سؤال، فلا تحصل منه إلاّ على أكاذيبَ.

2- ناقض العهود – يوافق على أيِّ شيء وينكث بعهده. وقد يتّهمك بأنك الناقض الحانث. في هذه الحال أربطه باتفاق قانوني لتضمن حقك إن كان لا بدّ من التعامل معه.

3- النرجسيّ العنيف- وهو القاتل والإرهابي، الذي يستعمل الآخرين، وخصوصاً النساء والأطفال، لتنفيذ مآربه في الاعتداء والانتقام. لا يشعر بالخطيئة والإثم ولا بتأنيب الضمير، وتكون أحكامه خاطئة، إذ أنه يبنيها على أسس وقواعد ضعيفة منهارة ولا يستطيع السيطرة على نفسه. يتوقع دائماً الخيانة وتكون في رأسه صورة نبذ الآخرين له، لذا يعاقبك على لا شيء ويضطرك أن تعمل له ما يريد بأيِّ ثمن. فلا يشعر بأيّ ندم أو أيِّ حقٍّ للآخرين. عليك تجنّـبُه.

4- الرقيب أو المستغل- الذي يوقع الخصومة بين الناس ويبعد أصدقاءه أو حلفاءه عن نيل أهدافهم. يتصف بالمهارة في الحديث والدقة في الكلام أو التلاعب بالكلمات والأفعال ويكون ذا (كاريسما) وعادة ينال المرام، ويكون همّه المال. يكون قاسياً ولا يقرّ له قرار. يتظاهر بالمسكنة والحاجة إلى مساعدة، فيسرع أصدقاؤه لنجدته مادياً ومعنوياً. وبعد أن يقف على قدميه منتصباً، يقلب لهم ظهر المجنّ من حيث يعلمون أو لا يعلمون. ولكي ينال درساً لا ينساه مواجهاً عواقب أعماله، يجب على الآخرين إهماله.

5- المتفاخر بالعلاقات الجنسية وكثرة تناول الكحول وربما المخدرات أو التظاهر بكثرة ممارسة الرياضة والقوة البدنية والذي يطلب من الآخرين تبجيله لصفاته هذه، فالأحرى بالآخرين أنْ لا ينحدروا إلى مستواه وأن يبتعدوا عنه.

6- مستر هايد الذي يتظاهر بأنه دكتور جيكل- أو الذي لا يعني ما يقول أو من يظهر على عكس ما هو عليه. فهو يدّعي الشرف والأمانة والعفة والنزاهة وعلى الناس أن يثقوا به، وإلاّ فسوف يخسرون! والويل لمن يثق به، حيث يغدو بعدها حزيناً مُعذَّباً نفسيّـاً يلوم نفسه دون طائل. إنَّ هذا النرجسيَّ المتقلب يختار ضحاياه ويخدعهم، فإما يكتشفونه فيتركونه، وإلاّ سينبذهم ويختار خلقاً آخرين. فطبيعته عدم الصبر على طعام واحد، فهو طفيليّ فُـَرصٍ. الحذر منه!

7- السّاديّ- وهو الذي يُسَرّ لرؤية الأخَر مُعّـذَّباً فاقداً مالَـه أو منصبه أو يقسو عليه نفسيّـاً أو جسديّـاً. وسعادته هي اختطاف ما يملك الآخرون لجرِّهم إلى حزن عميق. إن أغلب ضحاياه نساء وأطفال وشيوخ وكلُّ من يكون فريسة باردة له. فمن المستحسن أن تنسف كل الجسور والطرق بينك وبينه، وألاّ تفكرَ أنَّه كان يو.ماً طيباً أو سيكون.

8- غاسل الدّماغ - يكون ذا هيئة جذابة محترمة (كاريزما عالية) يستغلّ الآخرين لجلب الصّيت والجاه والثروة إليه. عادة يكون من رجال السياسة والدين. وهو يستهدف السّذَّج والمغفلين من الناس أو ضعاف العقول، وأعداؤه هم المثقفون النّابهون. تجنّبهم!

9- المغامرون- وهم الذين لا يتعلمون من تجارب الماضي ويستمرون في مغامراتهم وبعين الطريق، إذ هم يتميّزون بإحساس ضعيف منفلت. فلا تركضنَّ معهم!

10- النرجسيّ الذّ ُهاني- وهو الذي يشكّ بأيِّ شيء من دون سبب، يكون خائفاً جداً عند تعرّضه لأيّ خطر ويكون ذا خطر إذا هُـدِّدَ. وبسرعة يقطع حبل الوصل مع معارفه وأصدقائه إذا (توقّع) نبذَهم إياه. لا تـُعطِه أيَّ سببٍ يستدعي الشكَّ، فقد يكون ذا عنف!

11- صانع الصور (الخيال)- يتباهى بأطفاله، بزوجته وبإنجازاته وينتظر من الآخرين الإعجاب به والتعجب من قدرته وعبقريته. ولكنه لا يقتنع أبداً. وعندما يسقط قناع التكبر والاستعلاء الزائف عن وجهه ويبين على حقيقته، يغير قناعه وينشد العطف والشفقة ويدعي بأنه أحسن أب وزوج وصديق. من الأحسن ألاّ تعيرَ إيَّ أهمية لمثل هذا السلوك الطّفولي، لأنَّ غايته (جذب) الإنتباه إليه والخداع.

 

د. بهجت عباس

.............................

* من كتاب (الجينات والعنف والأمراض – فيشون ميديا – السويد 2007)

 

 

قبلَ الحديث عن النهضة الحسينية ثورةً كانت أَم فتنةً، لابُدَّ من تحديدِ معنى الثَّورةِ والفتنة.

الثورة حالةٌ تصاعديةٌ، وحالةُ تغييرٍ شاملةٍ، رغم أَنَّ المعنى اللغوي للثورة لايحملُ هذهِ الدلالةَ فالثَّورةُ لغةً هي الهياجُ والاضطرابُ . أَمّا الفتنةُ فهي حالةٌ تراجعيَّةٌ اقرب الى الفوضى والهياج والاحتراب الداخلي.

الثَّورَةُ هي تغيير الوجوه، والانقلاب هو التغيير الجذري الشامل، والقران اشار الى هذا في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). الروم: الاية: (9). الثورة مجرد اثارة وهياج لايصل الى تغيير جذري شامل . بينما الانقلاب هو عملية تغيير جذري شامل كما في قوله تعالى:

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ). ال عمران: الاية: (144)

وهذه النظرة المقلوبة لدينا للثورة والانقلاب جاءتنا من الشيوعيين الذين سموا انقلابهم العسكري بالثورة البلشفية عام 1917 م .

الذي دعاني الى كتابة هذه المقدمة، هو وجود بعض الاقلام المأجورة التي ترى في حركةِ سيد الشهداء عليه السلام فتنةً وخروجاً على الشرعيةِ معتبرةً أَنَّ يزيدَ بن معاوية خليفةَ شرعياً تجبُ طاعتُهُ، وان الامام الحسين خرج عن حده فقتل بسيف جده .

يقول القاضي ابو بكر بن العربي في كتابه (العواصم من القواصم) الذي دافعَ فيه عن الامويين وبرأَهم عن مذبحةِ كربلاء، فقد كتب عن الامام الحسين عليه السلام: (وماخرج اليه-يعني الحسين عليه السلام- أَحد الا بتأويل ولا قاتلوه الا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل المخبر بفساد الحال المحذر من الدخول في الفتن) . وكأنَّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، لا يعرف الحسين صلوات الله عليه حينما منحه هو واخاه الحسن (ع) وسام سيدا شباب اهل الجنة . وكأنَّ سيد شبابِ اهل الجنة لا يعرف واجبه وتكليفه . الامام (ع) لم يكن في خروجه داعية فتنة بل كان داعية اصلاح: (اني لم اخرج اشراً ولابطراً ولاظالماً ولامفسداً وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي رسول الله ......) .

والشيخ الخضري في كتابه "الدولة الاموية" الذي هو مجموعة محاضرات القاها في الجامعة المصرية يتحدث عن الامام الحسين باعتباره داعية فرقة ومفرقاً لوحدة الامة . يقول الخضري:

(وعلى الجملةِ فان الحسينَ أَخطاَ خطأً عظيماً في خروجهِ هذا الذي جرَّ على الامةِ وبالَ الفرقةِ والاختلافِ، وزعزعَ عمادَ الفتها الى يومنا هذا ..... غاية الامرِ أَنَّ الرجلَ طلبَ أَمراً لم يتهيأ له ولم يعد له عدته فحيل بينه وبين مايشتهي وقتلَ دونه) . "الدولة الاموية، الخضري، ص 327، دار المعرفة، بيروت، 1418 هج" .

وكتب الدكتور احمد العسيري ف كتابه " موجز التأريخ الاسلامي " والذي نقل كلام الدكتور احمد شلبي دون ان ينسبه اليه: (وكانت هذه فتنة أَيسرُ مانقولُ عنها أَنها وَسَّعت باب الفرقة، والتهمت الالاف والملايين من المسلمين ولايزال بابُها مفتوحاً حتى كتابة هذه السطور). "موجز التاريخ الاسلامي، احمد محمود العسيري، ص 152، ط1، الدمام، 1417هج"

هذه اقلام وعاظ السلاطين الماجورة التي ترى الفتنة في الثورة والخروج على الظالمين، ولاترى ان الاستبداد السياسي والمستبدين هم اكبر فتنة تصد عن سبيل الله يجب ازالتها .

الامام الحسين عليه السلام الذي يعرف الفتنة وقد شخصها في كتاب كتبه الى معاوية الطاغية بقوله عليه السلام: (ولاأعلمُ فتنةً أَعظمُ من ولايتكَ أمرَ هذهِ الامة) .

الفتنة في نظر الطغاة هي ان يبديَ فردٌ من افرادِ الامةِ رأياً، أويهمس همسةً، أويحلم حلماً، هكذا وصف الحجاج الفتنة لعبدالملك بن مروان حين طلب منه ان يصف له الفتنة وكانه يراها، فكتب ليه الحجاج: (ان الفتنة تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، ويقوم بها الخطباءُ، وحصارها بالسيف) . اليس هؤلاء الطغاة هم الفتنة والله امرنا بقتالهم لازالة الفتنة: (قاتلوهم حتى لاتكون فتنة) .

السلام عليك يا ابا عبدالله، وعلى يومك المضمخ بعطر الشهادة، وعلى نفسك الابية الشامخة التي لم تلن ولم تتردد في مواجهة الظالمين الذين أثاروا الفتن واشعلوا الحروب ومزقوا وحدة الامة .

 

زعيم الخيرالله

 

 

احمد عزت سليمتتعدد خصائص الفضاء السيرانى على النحو التالى، وكما رصدتها نازلي شكري أستاذ العلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا:

1 ــ الوقتية واللحظية  بديلا عن الزمني التقليدي .

2 ــ  تجاوز البدنية الفيزيقية الإنسانية لقيود الجغرافيا والموقع الجغرافي.

3 ــ التغلغل واختراق الحدود والاختصاصات .

4 ــ السيولة والمرونة والسلاسة والتى قد تؤدى إلى التحولات المتنوعة والمستمرة وإعادة ترتيب العلاقات والمعانى والصور الذهنية المتداولة وبمحتوياتها المضمونية .

5 ــ المشاركة والنشاط التفاعلى الواسع الذى يقلل من الحواجز الاجتماعية والطبقية والسياسية والدينية وغيرها .

6 ــ الترابط والتعزيز بين النشطاء رغم حجب الهويات الحقيقية ارتباطا بما لديهم من خصوصيات وصفات مشتركة .

7 ــ  يتجاوز آليات المسؤولية والتى قد تفرضها عمليات المساءلة بين الفاعلين .

8 ــ  البحث بدون قيود وتجاوز المكان الجغرافى والفيزيقى للقائم بالبحث. (1)

وكأساس للفضاء السيبرانى فكما يرى ديفيد كلارك فإن طبيعة الفضاء الإلكترونى تتحدد طبقا لغرضه ووصفه بأنه تجهيز التلاعب واستغلال المعلومات، وتسهيل وزيادة التواصل بين الناس، والتفاعل بين الناس والمعلومات، وتتعدد هذه الطبيعة من طبقات الناس الذين يشاركون في الإنترنت وتجربة الذين يتواصلون والعمل مع المعلومات، واتخاذ القرارات وتنفيذ الخطط، والذين هم أنفسهم يحولون طبيعة الفضاء الإلكتروني من خلال العمل مع الخدمات المكونة لها وقدراتهم وقدرات المعلومات التي يتم تخزينها أو نقلها، وتحولت في الفضاء الإلكتروني، واللبنات المنطقية التي تشكل خدمات ودعم منصة طبيعة الفضاء الإلكتروني والأسس المادية التي تدعم العناصر المنطقية، وتشكل الطبقة المادية من الفضاء الإلكتروني الأساس في بناء الفضاء الإلكتروني، ومن الأجهزة الفعلية من التي بني عليها فالفضاء الإلكتروني هو مساحة من أجهزة الحوسبة المترابطة، وذلك عن أسس هي أجهزة الكمبيوتر والخوادم وأجهزة الكمبيوتر العملاقة وشبكات، وأجهزة الاستشعار ومحولات الطاقة، والإنترنت وغيرها من أنواع شبكات وقنوات الاتصالات، وكما تدفع عوامل تفاعل القوى المختلفة إلى تطور طبيعة الفضاء السييرانى وبتأثير قوى الابتكار ودفعه إلى طفرة سريعة، ومع استمرارية البحوث المتنوعة هندسيا معماريا واجتماعيا والتى تؤدي إلى الخدمات ذات المستوى العالي وتحدد الفضاء فى المستقبل، مثل بحوث تقديم الدعم لبنية المعلومات والدعم لإنشاء وإدارة الخدمات التي تعتمد على وظائف استخدامات الخوادم الموزعة عبر الشبكة ؛  ودعم التواصل بين العقد والمناطق  الشبكة التي ترتبط بشكل متقطع وأنظمة الشبكات المستقبلية ووظائفها وآلات التواصل والتى سيكون لها آثار كبيرة على الأمن، والمرونة، موضع السيطرة، والعمومية، ومع، ووصولا إلى خطط لامركزية للغاية والتي تسمح للمستخدمين باختيار الأسماء المحلية ومشاركتها، ومع التقدم نحو جعل العناوين في حزم تتوافق مع عناصر المعلومات، بدلا من الآلات وبما سيؤدي مباشرة إلى أساليب جديدة للنشر وفي شبكة التخزين، وفى التنافس فى نشر المعلومات والوصول إليها (2) .

ويرى مايكل بينيديكت أن الفضاء السيبرانى يشكل ممرات له أينما تدار الكهرباء مع المخابرات، وأنها غرف تتفتح أينما يتم جمع البيانات وتخزينها، ومن خلال عدد لا يحصى من الفيديوهات والأماكن البعيدة والوجوه الحقيقية وغير الحقيقة وفعلية أو تكون قد ذهبت ويمكن استدعاؤها للحضور ومن قواعد البيانات الضخمة التي تشكل ثروة الثقافة المودعة فكل المستندات المتاحة، وكل تسجيل هو قابل للعب، وعلى كل صورة للعرض ... ومعرفة أين أنت ولو فى غرف افتراضية  .. وهو كل الحياة الاجتماعية بما فيها من دخان الديزل ومن أبخرة وقود الطائرات والقمامة والطنانة وخطوط وحجز التذاكر واختناق مترو الأنفاق ... وجميع أوجه القصور، التلوث (الكيميائية والمعلوماتية)، والحسابات، والمشاعر، والأفكار، والأحلام والذكريات، وهلم جرا، والتى يتم نقلها تكنولوجيا ودون الجمود على نحو فعال دون مقاومة أو تأخير وباستخدام جميع الوسائط  من أجل تشكيل عالم افتراضى رائع يستعيد الإنسان من خلاله على سبيل المثال المدن السماوية وجنات عدن ويشكلها افتراضيا  (3) .

ويعتبر بعض الباحثين أن الفضاء السيبرانى قد يكون بمثابة نوع من مختبر التحكم عن استكشافات  "وجودي" الوجود الإنسانى ومن منطلق أن الأدوات الإلكترونية كالحواسيب وشبكات الكمبيوتر أصبحت في كل مكان وتتخلل حياتنا كحقيقة اجتماعية وجودية وذات استخدام شعبى وتتحرك فى الفضاء السيبرانى بكل معاملاتها، وبما يمكن من خلال الواقع الافتراضى والبيئات الافتراضية يصبح الفضاء السيبرانى هو مختبر ميتافيزيقي، كأداة لفحص إحساسنا جدا للواقع .

ويتشكل الإطار القانونى لأنطولوجيا الفضاء السيبرانى على النحو التالى :ــ فإن الأفكار والإجراءات والعمليات والنظم والمفاهيم وقوانين الطبيعة والمبادئ والمعلومات، والأعمال النفعية، كل هذه عادة ما تكون خارج نطاق الحماية القانونية، وليست محمية إلا محمية بحقوق النشر   وكذلك بعض الصيغ والأنماط، والأجهزة أو تجميع المعلومات المستخدمة في الأعمال والتى تعطى ميزة تنافسية وأوامر حماية المنافسين والأسرار التجارية، الأجسام والنفعية كالألات والعمليات تجتاج لحماية براءات الاختراع، وأن وضع نهج قانونى قاطع سيؤكد انطولوجيا الفضاء السيبرانى لحماية أدواته وأجهزته وأنظمته وبرمجياته وبروتوكولاته وذكائه والعلاقات بينهم (4) وكما ترى ريبكا براينت الفضاء الإلكتروني، مثلا لحيز المادي، تضم (على الأقل) أربعة مفاهيم فرعية هي: المكان والمسافة والحجم والطريق (5) .

ويؤكد بريت وليامز مدير العمليات بالقيادة السيبرانية الأمريكية أن أفضل طريقة لمقاربة الفضاء الإلكتروني على المستوى التنفيذي هو أن نفهم أن الفضاء الإلكتروني يضيف بعدا جديدا إلى كل من المنافسة الاقتصادية والصراع بدوافع سياسية، وأن المصطلح "السيبرانية" هو الأكثر فائدة كجزء من الفضاء الإلكتروني كلمة مركبة والفضاء الإلكتروني هو ببساطة المجال من صنع الإنسان المخلوق عندما ربط كافة أجهزة الكمبيوتر والمحولات والموجهات، وكابلات الألياف الضوئية، وأجهزة لاسلكية، والأقمار الصناعية وغيرها من العناصر التي  تسمح لنا نقل كميات كبيرة من البيانات بسرعات عالية جدا، كما هو الحال مع  نطاقات الأرض المادية، البحرية، الجوية، الفضاء "نحن" .. إجراء مجموعة متنوعة من الأنشطة في مجال التجارة الالكترونية لإستفادة الأفراد والكيانات التجارية والحكومات، الفرق الأساسي بين الفضاء الإلكتروني والمجالات الفيزيائية هو أن الفضاء الإلكتروني هو من صنع الإنسان ويتغير باستمرار، تقدم هذه الخاصية فرصا ومخاطر، وأنه يجب تصنيف الفضاء الإلكتروني كبعد من المشاعات العالمية، وأن عرض الفضاء الإلكتروني كجزء من المشاعات العالمية يمهد الطريق لعدد من المقارنات المفيدة التي تسهل تطوير السياسات والقوانين المحلية والدولية، وإجراءات التشغيل الآمن، والحقوق الفردية، والاستخدام التجاري، والمصالح الوطنية، وأن حقيقة الوصول إلى الفضاء الإلكتروني من أجل الخير أو الشر يمكن أن تكون رخيصة ومجهولة الهوية ... وخلافا للطبيعة الثابتة للماء والهواء، فمجال الفضاء  الإلكتروني في حد ذاته هو في حالة دائمة من التغيير، ... ولا يوجد حقيقة كيان واحد يمكنه السيطرة على ما يدور في الفضاء الإلكتروني، وأن الفرص الرخيصة، والوصول المجهول إلى الفضاء الإلكتروني يخلق بيئة جذابة لمجموعة واسعة من الأنشطة الضارة، ويشكل فرصة لخلق تأثير واسع النطاق يقوض الثقة (6) .

 

بقلم أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

...........................

المراجع والمصادر:

1ــ  Nazli Choucri ,Cyberpolitics International Relations, 2012 ,MASSACHUSETTS INSTITUTE OF TECHNOLOGY

2 ــ Characterizing,cyberspace:,past,present,and,future, David,Clark, MIT,CSAIL, Version,1.2,of,March,12,,2010.

3ــ Introduction to Cyberspace: First Steps MICHAEL BENEDIKT MIT Press, 1991

4 ــ David R Koepsell William J Rapaport , THE ONTOLOGY OF CYBERSPACE Questions and Comments , State University of New York at Buffalo

5ــ Rebecca Bryant, What Kind of Space is Cyberspace?1, Space n. the three-dimensional medium in which all physical things exist .

6 ــ Brett Williams, Cyberspace: What is it, where is it and who cares? .Armed Forces Journal, March 13, 2014

المراجع والمصادر الإضافية : ـــ

1 ــ د. مصطفى يوسف اللدودى، كلنا يحمل جاسوسا يراقبه، المعهد العربى للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 30 يناير 2014 .

 

 

 

حاتم حميد محسنيُعتبر جان بول سارتر (1905-1980) أشهر ممثل للفلسفة الوجودية. فلسفته تزعم ان الناس يعانون من استحالة الاختيار دون وجود تبريرات عليا. لا وجود هناك لإله او قوة متجاوزة اخرى تملي ما يجب ان يفعلوه في حياتهم. الناس هم وحيدون، وُلدوا بدون جوهر، اُجبروا لتعريف أنفسهم من خلال أفعالهم. طالما نحن نمتلك القوة الوحيدة لتقرير أفعالنا، نحن يمكن (ويجب) الحكم علينا بناءً على ما نختار فعله بحريتنا . نحن نعيش في معاناة ويأس لأن كل نجاح وكل فشل يستقر مباشرة على أكتافنا. ان جوهر وجودية سارتر هي ان الناس "محكوم عليهم ليكونوا احرارا".هم احرار في خياراتهم لكنهم دائما يتحملون مسؤولية نتائج أفعالهم.

أوضح سارتر ايضا ان الناس يكذبون على أنفسهم، يأملون الهروب من معاناة الاختيار الحر. هم يتظاهرون بأن اختياراتهم صُنعت لهم وبهذا هم لا سيطرة لهم عليها : "انا لا استطيع عمل ما أختار لأني لديّ عائلة، لديّ وظيفة، لدي مسؤوليات، انا يجب ان أستلم نقود..."أطلق سارتر على هذا النوع من الموقف بـ "العيش في ايمان زائف".

هو ايضا اعتقد ان الفرد هو "لا شيء آخر عدى مجموع أفعاله". اذاً ما هو مجموع أفعال سارتر؟ كيف هو اختار لتعريف وجوده؟

اولا، ككاتب، هو كتب عدد كبير من الكتب: رسائل فلسفية، روايات، مسرحيات، نصوص سينمائية، صحافة، نقد فني، دراسات سايكولوجية، وكتابة السير. كان سارتر غزير الانتاج، ماكنة كتابة لا تتوقف سعى لتقاسم أفكاره مع العالم من خلال أي وسيلة متخيلة. حتى عندما تدهورت صحته في السبعينات من القرن الماضي واصبح أعمى كليا تقريبا، استمر في انتاج مواد جديدة بمساعدة أشرطة جهاز التسجيل .

في عام 1964، مُنح جائزة نوبل في الأدب لكنه رفضها. وبالرغم من كونه أمضى كل مساره المهني كمؤلف،  قرر التخلي عن الادب لأن الكتابة وحدها لا تكفي. هو لم يستطع السماح للكلمات لتعمل كبديل لتبنّي الفعل في العالم. كوجودي، إعتقد ان الخيار الحر يتضمن مسؤولية الفعل. وهو كان ناشطا اجتماعيا دافع عن مختلف المبادئ اليسارية. كما لعب دورا بارزا في النضال ضد الحكم الاستعماري الفرنسي في الجزائر، منددا باستعمال الحكومة الفرنسية لمعسكرات الإعتقال والتعذيب. سارتر اصبح صوتا صاخبا لدرجة ان منظمة شبه عسكرية سعت لقتله. وفي أكثر من مرة، حاول المسلحون تفجير مدخل بنايته بالقنابل.

كان سارتر ايضا داعيا متحمسا للماركسية. قال ان الرأسمالية كانت فخا، ماكنة صُممت للاستحواذ على الناس وإقناعهم انهم يحتاجون لشراء السلع التجارية، ولكن في الحقيقة ان تراكم الممتلكات هو غير ضروري. انها عبء، وسبب لعدم العيش في حياة حقيقية أصيلة. احتضن سارتر الماركسية لأنه إعتقد انها سمحت للناس بعدم التركيز على النقود وزادت من حريتهم للنظر في إمكانات اخرى. هو ايضا التقى الرمز الماركسي فيدل كاسترو وتشي جيفارا. وبينما هو لم يستطع كليا مساعدة كاسترو بسبب موقف الحكومة الكوبية المناهض للمثليين، لكنه كان معجبا كثيرا بجيفارا الذي امتدحه "ليس فقط كمثقف" وانما ايضا باعتباره "الرجل الأكثر كمالا في ذلك الوقت".

وهناك ايضا المخدرات. اعتقد سارتر ان الانسان يُعرّف بأفعاله، لكن أفعال سارتر تضمنت استعمال كميات هائلة من المخدرات القوية والضعيفة، وكل شيء بينهما. في (سيرة سارتر: حياة (1987) لـ آني كوهين – سولال) يصف بأنه خلال يوم عادي، يدخّن الفيلسوف علبتين من السيجاير وعدد أخر من لفائف التبغ، وتناول أكثر من ربع قنينة من الكحول (خمر، بيرة، فودكا، ويسكي ..)، وامتصاص 200 ملغرام من امفيتامين، وعدة غرامات من حامض البريتوريك، و15 غرام من الاسبيرين بالاضافة الى القهوة والشاي . هو كان ينفجر بأفكار يتلهف جدا لتقاسمها مع العالم، لذا هو يلجأ للأقراص وشرب القهوة لزيادة تركيزه وليتمكن من الإستمرار بالكتابة بسرعة فائقة دون الحاجة للراحة. حالما ينتهي من الكتابة، كان يسرع للنوم، لذا هو يتناول حامض مسكّن ليفقد الوعي. وعندما يستيقظ في النهار القادم، يتناول الكثير من امفيتامين ليقطع ضباب النوم ولكي يستطيع مرة اخرى الكتابة بإفراط طوال النهار وحتى المساء. لكن الانتاجية ليست السبب الوحيد الذي يدفعه لتعاطي المخدرات. هو سعى عمدا ليفتح ذهنه وليكسر قيود التفكير التقليدي . أراد احتضان حرية لامحدودة للوجود، ليمارس الحياة بطريقة راديكالية مختلفة. هذا يفسر لماذا يحقن نفسه بالمسكالين، متلهفا لعمل مغامرة جديدة لاتوفرها له الحياة العادية. الشيء الجيد انه نجح، لكن الشيء السيء انه حصل على اكثر مما كان يتمنى.

كان المسكالين واحدا من أقوى المهلوسات الموجودة في الطبيعة. انها كانت قانونية في ذلك الوقت واعتُبرت نقطة دخول آمنة لعالم المخدرات، تأثيراته قد تستمر لعشر او 12 ساعة لكن سارتر سخر من فكرة البدء بجرعة قليلة كإختبار تمهيدي. هو حصل على كمية كبيرة من المسكالين بشكل سائل وحقنه مباشرة في جسده. هو استخدم أقوى مخدر يحدث في الطبيعة ثم انتظر ليرى ما يحدث له.

تجربته الجريئة تحولت بسرعة الى كابوس. المخدرات أثارت خوفه المكبوت من المخلوقات البحرية مثل السرطانات والاخطبوط. هو بدأ تصوّر ان هناك سرطانات بمخالب حادة حوله، تحيط به من كل جانب، تزحف على جسده، ليس فقط لساعات او لأيام قليلة. هو حقن المزيد من المسكالين . السرطانات البحرية تبقى معه. تتبعه في كل مكان يذهب اليه، تزحف فوق الاشياء، تزاحمه. هو أدرك انها نُسجت في خياله، ولكن في كل صباح عندما يستيقظ، كانت تنتظره هلوسة القشريات المخدرة. تدريجيا، هو أصبح معتادا على وجود تلك الاشباح. إعتقد بهم كأصدقاء، يتحدث لهم متى ما كان وحيدا. وكما قال في مقابلة عام 1971: " بعد تناولي لـ المسكالين بدأت أرى السرطانات حولي في كل الأوقات. انها تتبعني في الشوارع وفي الصف. اعتدت عليها. انا اتناول المسكالين في الصباح وأقول، "صباح الخير، اصدقائي، كيف قضيتم الليلة؟" انا أتحدث اليهم كل الوقت. اقول، "اوكي، اصدقاء، نحن ذاهبون الى الصف الآن، لذا يجب ان نكون هادئين"، هم سيكونون هناك حول طاولتي، هادئين تماما، الى اللحظة التي يرن بها الجرس". اخيرا، وبعد مضي سنه مع السرطانات البحرية، هو خاف من حدوث انهيار عصبي، وقرر استشارة طبيب نفساني. "انا بدأت الاعتقاد بأني سافقد عقلي، كنت خائفا من ان اكون وحيدا، الخوف من فقدان صداقة الجماعة الحميمة" . حالما فحص الطبيب سبب وجود تلك المخلوقات، فجأة ذهبت السرطانات البحرية بعيدا . انها كانت معه طالما هو يشعر حقا بإحساس بالخسارة عندما تختفي.

 في النهاية، السؤال هو هل نجح سارتر في تعريف نفسه من خلال كتبه، ونشاطه الاجتماعي واستعمال المخدرات؟ كان اسم سارتر مشهورا في فرنسا. عندما مات، أصبح اشهر فيلسوف في القرن العشرين، وفي جنازته تبعه 50 الف مشيّع في شوارع باريس. يبدو ان الجواب نعم .

 

حاتم حميد محسن

 

 

صلاح حزاميعتبر الاستهلاك consumption هو الغاية النهائية للانتاج، اذ لامعنى للانتاج من دون وجود طلب كافٍ لتصريف ذلك الانتاج.. والطلب هو تعبير عن الحاجة والقدرة والرغبة في شراء ذلك الانتاج..

والطلب،بافتراض توفر العقلانية لدى الفرد المستهلك، هو لغرض الاستهلاك حتماً.

وقد يكون استهلاكاً مباشراً للمُنتَج، وقد يكون طلباً على وسائل انتاج تستخدم لاحقاً في انتاح منتجات استهلاكية.

(قد يسأل البعض عن بعض مكونات الاستهلاك الحكومي وكيف يمكن ان تُعتبر استهلاكية، مثل شراء وزارة الدفاع الامريكية لدبابات وطائرات ؟الجواب انها استهلاكية تستخدم في تقديم خدمة مجتمعية هي حماية الأمن الوطني ولاتستخدم في انتاج اشياء أخرى، وهي تستخدم لغاية استهلاكها فيزيائياً او تقنياً).

والناتج المحلي الاجمالي للبلد يقسم الى الاستهلاك الخاص (عائلي وقطاع أعمال) والاستهلاك الحكومي زائداً الادخار (الذي قد يتحول الى استثمار كلاً او جزءاً) زائدا الفرق بين الصادرات والاستيرادات.

وفي علم الاقتصاد الجزئي microeconomics، توجد معادلة تسمى دالة الاستهلاك. والدالة هي المعادلة التي فيها طرف تابع dependent وطرف مستقل independent، اي ان الطرف المستقل هو الذي يتحرك ويتغيّر ويؤدي الى تغييرات معينة في الطرف التابع او المعتمد.

ودالة الاستهلاك المذكورة تشرح كيفية زيادة او نقصان الاستهلاك وكيف يتحدد مستوى الاستهلاك.

الدالة هي:

c= a+by

الرمز C يعني الاستهلاك وهو المتغيّر المعتمد او التابع .

الرمز a يعني:

قيمة الاستهلاك عندما يكون الدخل صفر.

الرمز b يعني الميل الحدي للاستهلاك (نسبة مايذهب للاستهلاك من الدخل).

ولشرح فلسفة تلك الدالّة، أذهَب الى ايضاح معنى عبارة " قيمة الاستهلاك عندما يكون الدخل صفر".

تلك العبارة تعني ان استهلاك الانسان لايمكن ان يكون صفراً بل هنالك حاجة وضرورة حتمية لحد ادنى من الاستهلاك، لأنه اذا اصبح الاستهلاك صفراً فأن ذلك يعني الموت.

حيث ان جسم الانسان يحتاج الى حد معين من السعرات الحرارية للبقاء على قيد الحياة. وبناء على ذلك فأن الانسان الذي يصل الى هذا الحد قد يبيع موجوداته او يقترض او يحصل على معونة من شخص ما وقد يضطر للسرقة او القتل او البحث في القمامة للبقاء على قيد الحياة.

خلايا جسم الانسان لاتعرف ان صاحبها الانسان عاطل وليس لديه دخل وهي لاتستطيع التوقف عن حرق الطاقة للاستمرار بالحياة. نقص الطاقة في الدماغ يسبب حالة من الخرَف وتجعل الانسان غير مسيطر على تصرفاته !!

(حدثني صديق مقيم في بريطانيا منذ عقود، ان القانون البريطاني لايُجَرّم الشخص المصاب بمرض السكري اذا ارتكب جريمة قتل نتيجة انخفاض السكر الشديد).

ولتجنب ذلك، تتبنى العديد من الحكومات برامج للضمان الاجتماعي تقدّم بموجبها الحكومة مساعدات معينة تحمي الانسان من الذهاب الى خيارات الاعتداء والتشرد ..

أما الرمز b والذي اسميته بالميل الحدي للاستهلاك، فأنه يعني نسبة مايخصص للاستهلاك من الدخل، وهي تختلف بين شخص وآخر وبين مجتمع وآخر وبين مرحلة وأخرى..

الشخص الغني تنخفض جداً نسبة مايخصص للاستهلاك من دخله لان دخله عالي ويكون قد اشبع استهلاكه ولاداعي لمزيد من الاستهلاك.

بناء على ذلك فأن الفقراء ينفقون كل او معظم دخولهم على الاستهلاك بسبب العوز وعدم اشباع حاجاتهم ...وتكون ادخاراتهم اما معدومة او قليلة جداً.

ان دالة الاستهلاك تعتبر وسيلة مهمة جداً بيد صانع القرار يستخدمها لصنع السياسة الاقتصادية وقياس آثار اجراءاته المختلفة وتصرفاته المالية والاقتصادية وكيف سوف تنعكس على حياة الناس ومستوى معيشتهم..

مسوحات دخل ونفقات الأسرة التي تنفذها معظم الدول بشكل دوري، توفر كمية مهمة من البيانات المتنوعة والتفصيلية عن دخول الأُسَر وكيفية التصرف بتلك الدخول..

تحليل ودراسة تلك البيانات واستخراج العلاقات بين المتغيرات، مهم جداً ومفيد جداً للحكومات التي تتبنى سياسات علمية في ادارة اقتصاداتها.

ذلك يفترض سلامة بناء العينة لان ذلك المسح يجري باسلوب العينة المُمَثِلة representative sample الذي يفترض ان يعكس واقع وتركيبة المجتمع بشكل واقعي. اضافة لذلك فأن وعي الجمهور الذي يقع ضمن العينة ودقة بياناته، يعتبر شرطاً جوهرياً لنجاح العمل.

اخيراً، فأن حساب الميل الحدي للاستهلاك وبالتالي الميل الحدي للادخار، هو العامل الجوهري في احتساب أثر الأنفاق الحكومي الهادف لتحفيز الاقتصاد من خلال معادلة مايُعرَف بالمُضاعِف.

لذلك نرى ان الحكومات الغربية التي لديها برامج للتحفيز تستطيع تقدير الأثر المتوقع لتلك البرامج..

 

د. صلاح حزام

 

 

مهدي الصافيالبيئة، الطبيعة الاجتماعية القبلية او العشائرية، الدين والطائفة، التراث والثقافة، الانتاج الفكري والادبي والابداع الفني، الاحداث والازمات والاوضاع الاقتصادية....الخ.

كلما نظرنا الى الماضي سواء بتصوراته الشخصية او العامة تتوارد الاحداث المهمة الى مقدمة قائمة الاستذكار او الاستعادة والاستحضار، ولعل اهم مراحلها هي فترات الدراسة الاولية، ثم تتصاعد وتزدحم شيئا فشيئا مع المراحل المتقدمة من النضج، لان فيها تداخل جانبي مؤثر سواء من قبل السلطة او المجتمع، لتظهر لنا بعد عقود على انها حزمة واسعة من العقد المصاحبة لعملية بناء شخصية الفرد او المجتمع...

كنا نرى العقد الاجتماعية في المدرسة على وجه وحركات وتصرفات المعلم، وكذلك في الشارع المليء بالمتناقضات غير المتكافئة احيانا، فتارة ترى للثقافة والاخلاق دورا كبيرا في ضبط منظومة القيم، وتارة اخرى تجد ان الشارع استولت عليه الاخلاقيات السوقية والانحطاط والانحراف والمبوقات الكثيرة، بفعل الظروف الاستثناىية التي مرت بها بلادنا (نظام شمولي متوحش، حروب وحصار اقتصادي، قروية المدن، الخ.)،

فترى زوايا ومسارات اجتماعية معقدة في البيوت والاسواق والعلاقات العامة،

لكن هل هذه الامور محددة بجغرافية وبيئة معينة، بالطبع لا فكل المجتمعات الانسانية قد تمر بظروف مشابهة وتنتج نفس الانهيارات الاجتماعية، الا انها تبقى داخل دائرة التأثر والطبيعة والنسب المتفاوتة، ففي الحضارة العلمانية الغربية هناك انحرافات اجتماعية كبيرة، على الرغم من ان الدول هناك تمثل بيئة الرفاهية الاجتماعية المتقدمة في العالم، ومع هذا لديها مشاكل وعقد اجتماعية فردية (وفئوية احيانا..كظهور الاحزاب اليمينية المتطرفة ، والجماعات العنصرية، والشذوذ والانحراف العقلي، الخ.

ليست الطبيعة الاجتماعية البدائية وليدة البناء الاسري العشائري فقط، انما البناء الاثني والطائفي يلعب دورا رئيسيا في زيادة التشوهات الثقافية الشعبية، التي يعد العنف والتشدد والحدة في التعامل اليومي بين الافراد احد دلالاتها الواضحة، اضافة الى العوامل والاسس المختلفة، التي يمكن حصرها بعدة نقاط مختصرة ، منها على سبيل المثال مايلي

اولا: عقدة النظام السياسي وطبيعة تعامله مع المجتمع

ثانيا: عقدة النمط والروتين الاداري المذل في التعامل المتبادل بين دوائر ومؤسسات الدولة من جهة وبين المواطنين، وهي اساليب متعمدة للاذلال

ثالثا: عقدة تعامل الاجهزة الامنية العنيف وغير الانساني في الشارع، وداخل اجهزة ومؤسسات الدولة الامنية مع المتهمين او المعتقلين

رابعا: عقدة التربية والتعليم وتعامل المعلمين والمدرسين مع التلاميذ او الطلبة بطريقة مزاجية فيها الكثير من الوقاحة والغلظة والعنف غير المبرر

 (كانت المدارس الاولية تعامل التلاميذ بقسوة ، وكأنها تستنسخ عصا شيخ الكتاتيب الذي كانت تصاحبه في تعليم الاولاد الصغارحفظ الايات القرانية، بل كان بعض المعلمين واساتذة طلبة الثانويات تصفع التلاميذ والطلاب على وجوههم، ولازالت صورة جريد النخل الاخضر، ثم تحولت في عهد البعث الى الكيبل او الماسورة السوداء الصلبة حاضرة في ذاكرة طلبة الاجيال السابقة)، وذلك يرجع الى اهمال الدولة والمجتمع لاهمية هذه الحقول والمجالات التربوية الرئيسية، التي منها وبها تصنع شخصية ونفسية وعلمية اجيال المستقبل

خامسا: عقدة اقتحام العادات والتقاليد والاعراف القروية او الريفية المدن، وغياب المساحة والمسافة الفاصلة بينهما، ففي العراق اصبح اهل المدن يتحاكمون عشائريا بدلا من الذهاب الى المحاكم، لضعف الدولة والسلطة القضائية الخ.

سادسا: عقدة احتقار واضطهاد المرأة، وتحجيم دورها الرئيسي في بناء وقيادة المجتمع، بل والتزاحم على المهن والاعمال والوظائف الخاصة بطبيعة المرأة وقدراتها، ففي الغرب اصبحت الوظائف الادارية العامة ان لم تكن مناصفة بين الرجل والمرأة، فهي اقرب الى مسألة تبادل الادوار والمواقع والاختصاصات، وفي معظم الاحيان تجد ان دور المرأة المدني متعلق ببناء وادارة بيت الدولة، والرجل في حقول الاشغال والاعمال الشاقة...

سابعا: عقدة الشارع المنفلت والتائه اخلاقيا وامنيا واداريا او حتى خدميا، فشوارع المدن الحديثة للعديد من دول العالم في القرن الحالي ، لم تعد عارا يلاحق من يتربى به، لان الدولة ومؤسساتها وجمعياتها الرسمية والخاصة تساهم بأنتشال من ترمي بهم الاقدار والظروف فيها، بينما لازالت العديد من شوارع المدن العربية مرتع للجريمة والانحراف وتعاطي المخدرات وممارسة الرذيلة والاغتصاب وارتكاب المخالفات والتجاوزات الاجتماعية المختلفة....

تتطلب عملية التشخيص والدراسة والتحليل لتفكيك هذه العقد المتوارثة المتزايدة بعد ثورات الربيع العربي؛جهود وطنية استثنائية، تشارك فيها الدول والفعاليات الثقافية والاجتماعية وحتى الدينية، لاعادة بناء منظومة قيمية عربية اسلامية معتدلة ومتزنة في بلداننا،

عبر التركيز على ايجاد الحلول التنموية الشاملة لحالة ومظاهر الفقر والبطالة في هذه الدول، وحل مشكلة العشوائيات، واعتماد اليات تربوية وثقافية واعلامية انسانية متطورة، يكون من اولوياتها تغيير الاساليب العقيمة المتبعة في تدمير شخصية النشئ او الاطفال والفرد عموما، والتي كانت معتمدة تربويا واجتماعيا على انها جزء من وسيلة صناعة الثقافة الابوية للاولاد (القادمة من ثقافة السيد والعبد)، ويمكننا حصر مجموعة مقترحات نعتقد انها مهمة في تفكيك هذه العقد الاجتماعية المدمرة، بعدة اشارات منها مايلي

اولا: احداث نقلة تربوية نوعية، بان تكون الدولة والمجتمع والاسرة مع الاطفال ضد اية خروقات او انتهاكات او تجاوزات ترتكب من قبل الكوادر التدريسية او ادارة المدرسة تجاه التلاميذ او الطلاب، وذلك باطلاق مجموعة تشريعات وقوانين وتعليمات تربوية تنظم اسس وثوابت العلاقة داخل البيت التربوي العام والخاص، والعمل على تطوير القطاع التربوي ، والتخلي عن نظرية التشدد والانضباط المفرط في احكام السيطرة على سلوكيات الاطفال الطبيعية، حيث تعد المراحل الدراسة الابتدائية او الاولية هي البيئة الجاذبة والمحببة الاولى للتلاميذ بالاستمرار والبقاء في المدرسة، اذ من المعروف ان اغلب حالات التسرب من المدارس وتركها تبدأ في مرحلة الابتدائية، وهذه مؤشرات خطيرة على طبيعة تعامل الدولة او الوزارات المعينة بهذه الشرائح او الاجيال المهمة

ثانيا: تشريع قوانين حماية الطفل داخل البيت وخارجه، وضمان ابعادهم عن اسواق العمل، بتوفير بيئة معاشية ملائمة لهم سواء كان داخل الاسرة او في مراكز الرعاية

ثالثا: طرح النخب المثقفة بغض النظر عن انتماءاتها وتوجهاتها او ايديولوجياتها فكرة انسنة المجتمع؛والعمل على تفكيك عقده عقلانيا وفكريا وعلميا او منطقيا، فالمجتمعات المحصورة داخل اسوار الهويات الطائفية او الاثنية او العشائرية ، لايمكنها ان تبني دولة امنة مستقرة، فهم يرون بأعينهم خراب النماذج والتجارب المشابهة او القريبة من بلدانهم، او رؤية الفرق الشاسع بينها وبين الدول المتحضرة او المتعددة الثقافات الناجحة عالميا

رابعا: الهوية الوطنية هي هوية الدولة والنظام السياسي العام، لاعلاقة لها باية هويات فئوية اثنية او طائفية او عشائرية، لان سيادة الدولة وهيبتها تعتمد كليا على جميع ابناء الوطن الواحد، سواء كان نظام الدولة جمهوري مركزي او فيدرالي اتحادي ، اما اساليب المحاصصة والتقسيم وبناء الولاءات والانتماءات الزعامات فهي اساليب ومخططات وتصرفات خاطئة هي اقرب للهدم والتخريب منها للتوافق والبناء او الردم الترقيعي المؤقت،

وهذا لايعد رجما بالغيب او مجرد تحليلات وتوقعات فوقية ، هذا هو الواقع قديما وحديثا ، النتائج تثبت فشل تلك التجارب العبثية ، ونجاح دول الامة المتماسكة...

خامسا: التداول السلمي الفكري والثقافي بين الاجيال، مثلما هناك مصطلح التداول السلمية للسلطة، والتي بالطبع تعني تسليم الجيل السابق السلطة للجيل الذي يليه

 (علما ان في السياسة قد يكون نفس الجيل يتداول السلطة لهذا لايمكن ان تتوقع الشعوب ان ترى شيئا مختلفا او فرقا كبيرا بين عقلية الاثنين)،

اي ان الاجيال القديمة (او التي تدخل مرحلة الجمود والشيخوخة)عليها اما ان تتماشى مع رغبات الاجيال الحالية الراغبة في التحرر والانعتاق من قيود الماضي ، وشروطه الاجتماعية او الفكرية، او السماح لهم بخوض غمار التجربة والبحث عن المعرفة الحديثة، هذا لايعني ان للفكر والفلسفة والثقافة شيخوخة وحد فاصل للنهاية، بقدر ماهو ايصال فكرة الفصل بين الثقافة الشعبية العامة بين الاجيال، والاهتمام بمسألة ان الحضارة التكنولوجية الفضائية تزداد ابتعادا وتقدما على التراث والثقافة والايديولوجيات السابقة او الماضية، وهي تسير بسرعة قطار فائق السرعة كما يقول خبراء الاقتصاد وعلوم التكنولوجيا.....

هناك اعتقاد سائد بان دول العالم الثالث لم تتأخر حضاريا عن العالم المتقدم الا بسبب وجود عدة عقبات عقدية تاريخية متورثة، تعطل مسار الالتحاق بالنظام العالمي الجديد، ومن اهمها الاديان والطوائف والموروثات القبلية او البدوية المتخلفة، وهذه الاعتبارات الى حد ما فيها نسبة من الصحة، ولكنهم يتجاهلون ان سقوط الامبراطوريات والحضارات العظيمة يكون مدويا على مر الازمنة وفي جميع العصور تقريبا، وبعضهم يعدها من صيرورة بناء الاقوام والامم والحضارات...

الا ان اهمية الاشارة والانفتاح الداخلي المحايد لشعوبنا على مكامن الخلل والتراجع والانحطاط، يعزز من فرص الاصلاح والنهوض بالقدرات الذاتية للمجتمعات ونخبها، بدلا من انتظار رياح الامبريالية العالمية ان تجلب معها رايات التغيير القسري، وعندها يصبح كل شيء في بلادنا مقدس، فتبدأ مرحلة الانتحار والاقتتال والتطاحن الداخلي...

 

مهدي الصافي

 

عدنان عويدالسلطة لغةً: جاء تعريف أو معنى السلطة في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي

سُلطة: (اسم). الجمع: سُلُطَاتٌ ، سُلَطٌ . والسُّلْطَةُ: التَّسَلُّطُ والسيطَرَةُ والتحكُّمُ.

السلطة اصطلاحاً:

هي التأثير برأيي على سلوك وطريقة تفكير الأفراد في المجتمع باستخدام القوّة الشرعيّة أو اللاشرعيّة، هذه القوّة التي تمنح حواملها الاجتماعيين أو السياسيين، كاريزميّة كانت أو حزبيّة أو قوى طبقيّة معينة بناءً على موقعها في هرم السلطة الإداريّة أو السياسيّة في مرحلة تاريخيّة معيوشة، إصدار القرارات القانونيّة أو التشريعيّة بغية ضبط آليّة توازن الفرد والمجتمع والدولة، وغالباً ما تكون هذه القرارات أو التشريعات مغاطاه بعباءات أيديولوجيّة معينة، دينيّة كانت أو وضعيّة.

هذا وتُعدّ السلطة غير شرعيّة في حال استخدامها تطبيق قراراتها من خلال الإجبار، والإكراه، والعنف، لأنّ أساس السلطة وجود سند شرعيّ لها يحدد طبيعته دستور الدولة الذي تحددت مضامينه السلطويّة بعقد اجتماعيّ متفق عليه، لذلك من واجب السلطة ممثلة بحواملها الاجتماعيّة، أن تحترم الحقوق الإنسانيّة الطبيعيّة والمكتسبة للأفراد، وتضمن تطبيق  العدالة على كافة المجالات الاقتصاديّة، والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة في الدولة أو المجتمع.

التكوين التاريخيّ للسلطة:

إنّ المتابع لتشكل (السلطة) عند الكتاب والمفكرين والفلاسفة سيجد الاختلاف في وجهات النظر حولها. فهي في مشروع "الحاكميّة لله" كما طرحها الخوارج وفيما بعد أبو "الأعلى المودودي" ومن تبنى فكرته سياسياً، هي السلطة التي تقر بأنّ السلطة من عند الله وحده، وما شرعه الله في هذا الاتجاه لا راد لحكمه ولا تعديل أو حذف أو مراجعة له. وبالتالي فإنّ تبني أيّة سلطة من خارج الحاكميّة مهما تكن، هي خروج على إرادة الله وشرعه، وهذه السلطة المقدسة، هي غيرها  مثلاً عند الفيلسوف الانكليزي "توماس هوبز" الذي ميّز بين حالتين يكون عليهما المجتمع الإنسانيّ وسلطاته.

الأولى: وهي الحالة الطبيعيّة للمجتمع، وتتجلى في مجمل العلاقات الإنسانيّة القائمة في هذه الحالة، حيث يتصرف الناس وفقاً لقانون (حفظ البقاء)، الذي يحق لكل فرد هنا الاستئثار بما يستطيع أن يأخذه أو يستولي عليه من الطبيعة المحيطة به، وهذا الحق في الاستئثار عند هوبس يعني القوّة أو (السلطة)، الأمر الذي ستتحول فيه العلاقات الاجتماعيّة في هذه الحالة الطبيعيّة بالضرورة إلى حالة حرب، الكل ضد الكل. بيد أنّ هذه الحرب تظل محكومة (بتنازع حفظ البقاء)، مما يدفع الناس لحفظ هذا البقاء إلى طلب السلم، وهذا بدوره يتطلب في نهاية المطاف أن يتنازل كل فرد عن قسم من حقه المطلق في تملك كل شيء، ويتم هذا التحول التاريخي في الحقوق وتالياً السلطة، من خلال انتقال المجتمع من الحالة الطبيعيّة إلى الحالة الثانية وهي:

السلطة المدنيّة: وهي التي تقوم على سلطة مركزيّة تعبر عن إرادات المجتمع ممثلة بسلطة الدولة، وهذا ما سنشير إليه بعد قليل عند حديثنا عن نظريّة "العقد الاجتماعي" عند فلاسفة عصر التنوير. (1)

أما سلطة - (الدولة) - وتشكلها عند روسو ومعظم فلاسفة عصر التنوير فتأتي في صيغتها الحديثة من خلال نظريّة «العقد الاجتماعيّ» وهي من أكثر النظريات انتشارًا عن مفهوم الدولة الحديثة، التي بنى عليها كثير من فلاسفة عصر التنوير نظرياتهم، مثل "توماس هوبس" و "جون لوك" و"جان جاك روسو"، الذي ألَّف كتابًا عام 1762 بالاسم نفسه. "العقد الاجتماعيّ" وهو صيغة عليا من التفاهم، يعتبر اتفاقاً (صريحًاً كان أو ضمنيًّاً) بين الشعوب وحكامها. إذ يتخلى الشعب وفقه عن جزء من حريته وأملاكه مقابل الحماية التي يوفرها له أو لهم الحاكم، والذي يعمل على تشريع وفرض القوانين التي تحكم بما تقتضي المصلحة العامة.

يؤكد روسو في كتابه "العقد الاجتماعيّ" أنّ أساس هذا العقد هو فكرة الإرادة الحرّة، لذا لا يمكن أن يفرض الحاكم سيطرته بالقوّة. وإنّ أي حاكم يحصل على سلطته بالقوة، سواء عن طريق غزو البلاد أو الحروب أو الغلبة بحد السيف، فهي سلطة مشكوك في شرعيتها. ولا يمكن لهذا العقد أن يستند إلى أي سلطة طبيعيّة، كسلطة الأب في الأسرة مثلًا، إذ يعتقد روسو أن سلطة الأب تتغير بعد بلوغ الأبناء سنًّاّ معينة، ويجب أن تكون توافقيّةً. كما يرفض روسو (بحكم انتمائه للحقبة التنويريّة) أيّ سلطة قائمة على أساس دينيِّ. فلا يجوز للحاكم تولي السلطة بدعوى أحقيته في حكم شعبه امتثالًا لأوامر الرب، كما كان يجري الأمر في عدد من الدول الأوروبيّة قبل قيام الثورة الفرنسيّة، إذ كان بعض الحكام يدَّعي أنّ الله منحه الحق الإلهيّ في الحكم ليتمتع بالسلطة المطلقة على شعبه. (2).

أما تشكل الدولة، أي السلطة عند انجلز، وفق المنهج الماديّ  التاريخيّ، فتأتي على أنها نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره - أي تطور قوى وعلاقات إنتاجه -. فالدولة هي إفصاح عن واقع مجتمع وقع في تناقض مع ذاتهِ بعد أن انقسمت مكوناته الى متضادات مستعصيّة هو عاجز عن حلها أو الخلاص منها، ولا يمكن حلها وفقاً للظروف الطبقيّة التي انتجت هذا التناقض، ولكي لا تقوم هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصاديّة المتنافرة بالتهام بعضها بعضاً أو إدخال المجتمع في نضال عقيم ، لهذا اقتضى الأمر وجود قوّة تقف في الظاهر فوق المجتمع وتوزعه الطبقيّ وتناقضاته، أي قوّة تلطف الاصطدام وتبقيه ضمن حدود النظام. إنّ هذه القوّة المنبثقة من المجتمع والتي تضع نفسها مع ذلك فوقهُ وتنفصل عنه أكثر فأكثر هي الدولة أو سلطة الدولة. (3).

أقسام السُلطة:

تقسم السلطة إلى قسمين رئيسيين، وهما: السلطة من حيث اتخاذ القرار، وتقسم إلى التالي:

السلطة الديمقراطّيّة: هي السلطة التي تتميز بتحقيق المشاركة بين كافة مكونات المجتمع وفق آليّة عمل مؤسساتيّ يقرها المجتمع بغية اتخاذ القرارات المهمة التي تؤثّر تأثيراً مباشراً على الفرد  والمجتمع.

السلطة الديكتاتوريّة: وهي السلطة التي تنفرد باتخاذ القرار، وتجد أنّه المناسب، بناءً على مجموعة من الآراء الخاصة بها، وترفض أيّة مشاورات وتدخلّات من أطراف أخرى قد تساهم في تغيير طبيعة القرار.

السلطة من حيث تطبيق القرارات، وتقسم إلى التالي:

السلطة التشريعيّة:

وهي السلطة التي تمتلك الحق في وضع الأحكام التشريعيّة بناءً على الصفة القانونيّة التي تمتلكها، ووفقاً للأحكام الدستوريّة داخل الدولة، أو جهة العمل.

السلطة القضائيّة:

هي السلطة التي تحرص على تطبيق كافة النصوص القانونيّة، ومتابعة حصول كل فرد على حقوقهِ، وقيامه بواجباته، وفرض العقوبات على الأفراد الذين يتجاوزن القانون.

السلطة التنفيذية:

وهي السلطة التي تُنفّذ كافة القرارات التي تمّ اتّخاذها من قبل السلطتين السابقتين بناءً على فترة زمنيّة، أو اتفاق يتم تحديده مسبقاً.

هذا وتوجد سلطات أخرى ذات مهام خاصة لا تقل أهميتها عن السلطات الأساسيّة التي جئنا عليها مثل:

السُلطة السياسيّة: وهي السلطة التي توجد بيد حكومة الدولة، والتي تقوم بموجبها بالموافقة على مجموعة من القرارات الداخليّة، التي تحكم العلاقات الاجتماعيّة داخل الدولة المعنيّة، والخارجيّة التي تهدف إلى تعزيز العلاقات مع الدول الأخرى، لذلك يرتبط تطبيق السلطة السياسيّة بوجود مجموعة من قنوات الاتصال بين كافة الأفراد المرتبطين بالسلطة السياسيّة، مثل: مجلس البرلمان، والمجالس البلديّة، وغيرهما.

السلطة الإعلاميّة: أو ما يسمى السلطة الرابعة: يُطلق مصطلح السلطة الرابعة على وسائل الإعلام عمومًا وعلى الصحافة بشكل خاص. ويستخدم المصطلح اليوم في سياق إبراز الدور المؤثر لوسائل الإعلام ليس في تعميم المعرفة والتوعية والتنوير فحسب، بل في تشكيل الرأي العام، وتوجيهه، والإفصاح عن المعلومات، التي تهم تحكم السلطة او مصالح الشعب.

السُلطة الفلسفيّة: هي من أقدم أنواع السلطة، والتي ارتبطت بالمفاهيم الفلسفيّة القديمة والحديثة منها، وترى هذه السلطة أنّ كل إنسان يمتلك سلطةً معرفيّة خاصّةً به ضمن نطاق معين، أي إنّه قادرٌ على نشر مفاهيم سلطته أو حتى تطبيقها بناءً على الصلاحيات التي حصل عليها قانونياً،(4). كأساتذة الجامعات في نشر مناهجهم ورؤاهم الفكريّة عند طلبتهم.

ملاك القول: تظل السلطة في سياقها العام تاريخيّة ونسبيّة معاً في دلالاتها ومهامها أو وظائفها، وهي نتاج المجتمع الذي يقوم بفرضها كضرورة لتحقيق التوازن بين مكونات المجتمع الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة (العرقية والطبقية) والثقافيّة، هذا ويظل العامل الطبقي هو الأكثر حضوراً في تحديد مساراتها التشريعيّة والتنفيذيّة. فالقوى الاجتماعيّة التي تصل إلى هرم السلطة، هي من يقوم بتحديد شكل ومضمون هذه السلطة وأيديولوجيتها، ديمقراطيّة كانت السلطة أو دكتاتوريّة، جمهوريّة دستوريّة كانت أو ملكيّة وراثيّة، قد تُنهب او تُستلب السلطة تاريخيّاً من قبل قوي اجتماعيّة أو فرديّة تستخدم العنف للحصول عليها أو البقاء فيها، ولكن منطق التاريخ يقف لمثل هذه السلطات وحواملها الاجتماعيّة في المرصاد. فكثيرة هي الثورات الشعبيّة التي قامت ضد سلطات الاستبداد والظلم  منذ أن ظهرت هذه السلطات حتى تاريخه.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

............................

الهوامش:

(1) - (موجز تاريخ الفلسفة – دار التقدم – ودار الفكر في دمشق – 1971- ص256).

(2) – للاستزادة في هذا الموضوع،(راجع كتاب جان توشار – تاريخ الأفكار السياسية –الجزء الثاني –  فصل فلاسفة عصر الأنوار- ترجمة ناجي الدراوشة – منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق – 1984.).

(3) – للاستزادة في هذا الموضع راجع (كتاب أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة – إصدار دار التقدم – موسكو – 1971.).

(4) – للتعرف أكثر على أشكال ومهام السلطات راجع موقع (موضوع) حول مفهوم السلطة.

 

علي المؤمنلا يزال مفهوم أعلمية مرجع التقليد هو المفهوم الموروث السائد في الحوزات العلمية، ويقصد به الأعلم في الفقه والأُصول أو الأقدر والأمهر في تطبيق القواعد الشرعية على الموضوعات في عملية الاستنباط؛ للتوصل إلى الحكم الشرعي، وهي أحكام الحلال والحرام، وقد عبّر عنها السيد الخوئي بقوله: «المراد بالأعلمية كون المجتهد أشدّ مهارة من غيره في تطبيق الكبريات على صغرياتها، وأقوى استنباطاً، وأمتن استنتاجاً للأحكام عن مبادئها وأدلّتها، وهو يتوقّف على علمه بالقواعد والكبريات، وحسن سليقته في تطبيقها على صغرياتها، ولا يكفي أحدهما ما لم ينضم إليه الآخر» (1). وخلاصته أنّ الأعلم هو «الأعرف بالقواعد والأشدّ مهارة من غيره في تطبيقها على صغرياتها» (2). ويُقصد بالكبريات هنا القواعد الفقهية والأُصولية، أما صغرياتها فيعني موضوعاتها ومصاديقها. أي أنّ هذا التعريف يستند إلى موضوعة الفتوى وقاعدة الكفاءة العلمية الفتوائية، دون غيرها من وظائف المرجع الديني وشروط تقليده.

وقد وضع الفقهاء شرط الأعلمية للمرجع؛ ليكون شرطاً ترجيحياً تدبيرياً عقلائياً يفرز مرجع التقليد من بين عشرات الفقهاء، وتزداد أهميته كلما ازداد عدد المجتهدين وعدد من يطرحون أنفسهم مراجع للتقليد. وبما أنّ طبيعة النظام الاجتماعي الديني الشيعي تستدعي وجود رأس له يتزعم الشأن العام ورئاسة الحوزة العلمية دون غيره من الفقهاء والمراجع؛ فقد اقترن هذا الموقع الرأسي بأعلمية من يشغله. ويذهب الفقهاء القائلين بشرط أعلمية مرجع التقليد، إلى أن تقليد الأعلم هو مبنى عقلائي وخيار عقلائي بالدرجة الأساس، فضلاً عن وجود بعض الإشارات الشرعية النصية غير المتفق على دلالتها.

ومع سرعة التحولات الزمانية والمكانية ومتطلباتها، وتراكم الموضوعات والحاجات المجتمعية والتنظيمية، وانحصار خيار الأُمّة بتفعيل وظائف المرجعية الأُخر؛ أخذت تبرز إشكاليات وأسئلة موضوعية حول مفهوم الأعلمية ومبنى شرطيته ومعاييره المتجددة ووسائل إحرازه، وصلته بباقي شروط المرجعية، وهي إشكاليات تنسجم مع تزايد صعوبة إنتاج الفتوى والحكم الشرعي والإدارة الاجتماعية. ونقارب هذه الإشكاليات في إطار ستة محاور:

1- الإجماع على شرط الأعلمية وشرعيته:

لا يوجد إجماع بين الفقهاء على وجود مرجّح شرعي وعقلي لتقليد الأعلم، سواء وفق التعريف التقليدي للأعلمية، واللصيق بالفتوى ومسائل الحلال والحرام، أو وفق التعريف المتجدد المنفتح على قضايا العصر ومتطلباته. كما لا يوجد إجماع بين الفقهاء على كونه مبنى عقلائياً وضرروة عقلائية، وهو خلاف ما عدّه بعض علماء السلف من وجود إجماع بديهي على شرط الأعلمية، كما ذهب السيد المرتضى (3). أمّا الإمام الخميني فإنّه يرى بأنّ الأعلمية ليس بناء عقلائياً؛ بل إنّ اشتراطه من باب حسن الاحتياط أو الاحتياط الوجوبي (4).

وبالتالي؛ فإنّ عدم الإجماع على شرط الأعلمية في التقليد، وعدم الإجماع على وجود مرجحات شرعية وعقلية عليه؛ يجعله شرطاً تدبيرياً متحركاً قابلاً للتعديل والتجديد، ويختلف عن شرطي الاجتهاد والعدالة الثابتين؛ بل إنّ من الفقهاء (5) من يربط بين مفهوم الأعلمية ومعايير الاجتهاد الجديد، ويرى بأنّ المعايير التقليدية لبلوغ الاجتهاد لم تعد وافية وكافية، ومن الأولى أن تسري هذه المعايير على شرط الأعلمية أيضاً.

2 - معايير الأعلمية ومواصفاتها:

بناءً على المفهوم السائد في الفقه الشيعي؛ فإنّ جميع الشيعة وعلمائهم ومجتهديهم يدخلون في ولاية المرجع الأعلم، أي أنّ الأعلم تكون له الولاية تلقائياً على الفتوى والحسبة والمال الشرعي والقضاء، وصولاً إلى قضايا الحكم، ولا تقتصر ولايته على الفتوى فقط. وهنا تنشأ المشكلة حين يكون هناك أكثر من مرجع يشهد أهل الخبرة بأعلميتهم، في زمان واحد ومكان واحد، كما هو الحال في قم والنجف، وحينها من سيدخل في ولاية من، ومن سيدخل في حكم من؟!

ونلاحظ على المستوى النظري أنّ الأعلمية وفق معاييرها التقليدية؛ تمنح صاحبها حق قيادة الأُمّة والتصرف في مصيرها وتولي شؤون النظام الاجتماعي الديني الشيعي بكل تفرعاته وتعقيداته. وهذه الصيرورة ـ بحد ذاتها ـ تتعارض مع المبنى العقلائي ومع معايير الاحتياط؛ إذ إنّ مبنى العقلاء ومبنى الاحتياط يقتضيان معايير أعم من معايير أعلمية الإفتاء أو الأعلمية الخاصة المتجزئة الموروثة التقليدية، وهي معايير الأعلمية الجامعة المطلوبة التي تنسجم مع الوظائف الأساسية الكثيرة والمتنوعة لمرجع التقليد، ومع المتطلبات الاجتماعية والحاجات العامة الواسعة والمتراكمة.

ولكن على المستوى العملي نرى ـ أحياناً ـ أنّ المرجع الذي يتقدم باقي المراجع في التقليد ويمسك بزمام قيادة الاجتماع الديني الشيعي، لا يكون هو الأعلم؛ بل إنّ هناك من هو أعلم منه فقهياً وفق المفهوم التقليدي للأعلمية، وحينها يدخل الأعلم في ولاية الأكفأ في الشأن العام، أو ما يعبر عنه «الأصلح». ولدينا عشرات الأمثلة التاريخية والمعاصرة التي تؤكد تنازل الأعلم أو من يرى في نفسه الأعلمية لمصلحة المرجع الأكفأ والأصلح؛ ليكون الأصلح هو المرجع الأعلى المتصدّي. فإذا كان مناط الولاية هي الأعلمية؛ فكيف يجوز شرعاً لمن يعتقد في نفسه الأعلمية التنازل عن ولايته إلى مرجع لا يرى أنّه الأعلم؟ وهنا تبرز مفارقات بين الجانب النظري والجانب العملي، تتجسد في تقديم المصلحة العامة على المعيار الفقهي البحت.

ولطالما تحدّث بعض أهل الخبرة عن ضرورة تقديم «الأصلح» على «الأعلم» للمرجعية؛ فيقول ـ مثلاً ـ بأنّ مرجعية هذا الفقيه أو ذاك المرجع فيها مصلحة للإسلام والمذهب (6). ويأخذ هذا الصنف من أهل الخبرة معايير أُخر يراها أكثر أهمية، كمستوى التقوى والورع، والوعي العام، والكفاءة القيادية والقدرة الواقعية على رعاية الاجتماع الديني الشيعي. وهذه المرجحات التي تقدم مرجعاً على آخر، تعني أنّ المرجع الأعلم الحقيقي هو المرجع الأصلح من جميع الجوانب، وليس الأعلم في الجانب العلمي الفتوائي وحسب. أي أنّ الأعلمية هنا تتسع لجميع المساحات الموضوعية للأعلمية.

3ـ إحراز الأعلمية:

تعارفت الحوزة العلمية على عدد من الوسائل الأساسية لإحراز أعلمية مرجع التقليد، منها متفق عليها وأُخر غير متفق عليها، وقد ذكر الفقهاء منها وسيلتين، الأُولى: شهادة أهل الخبرة ممثلين بمجتهدَين عادلَين مطلعَين اطلاعاً كاملاً على أحوال الفقهاء الأحياء ومستوياتهم العلمية.

والثانية: الشياع المفيد للعلم، وهو شياع العلماء تحديداً. وهناك وسائل أُخر غير متفق عليها، ولكن يتم العمل بها أحياناً، كشهادة الأعلم الميت قبل وفاته بالمرجع الأعلم من بعده، بناءً على قاعدة خبروية المجتهد، فضلاً عن أنّ هذه الشهادة ممنوحة من المرجع الأعلم قبل رحيله، فتكون حجة على من كان يقلده، وكذلك زعم عالم الدين نفسه بأنّه الأعلم، دون شهادة من أهل الخبرة؛ بل من منطلق كونه خبيراً أيضاً، ومن حقه أن يكون له رأي في تحديد الأعلم.

وهنا تثار مجموعة أسئلة على هذه الوسائل، أولها يتعلق بشهادة المرجع الأعلم قبل موته للمرجع اللاحق. هذه الشهادة ستكون مقتصرة على أبناء مدرسة المرجع المتوفى وتلاميذه أو بعض زملائه، وقد يستطيع المرجع الأعلم السابق تشخيص من هو الأعلم والأورع بين تلاميذه وزملائه، ولكنه لن يستطيع تشخيص الأعلم من تلاميذ المراجع الآخرين أو المراجع الذين لم يزاملوه في الدراسة، ولا سيما الفقهاء الموجودين في حوزات أُخر وبلدان أُخر، بل نجد في بعض الجماعات الدينية المنظمة والخطوط المرجعية الخاصة أنّ المرجع المتوفى يوصي للمرجع الذي يليه من داخل خطه حصراً، في حالةٍ شبيهةٍ بالوراثة. وبالتالي لن تكون شهادة المرجع المتوفى حجة على المكلفين؛ لأنّها ليست شهادة شمولية مستوعبة لجميع المراجع والمجتهدين الموجودين.

وينطبق هذا الأمر على شهادة خبيرين مجتهدين بأعلمية المرجع؛ فهؤلاء الخبراء أيضاً لن يستطيعوا استيعاب جميع المراجع والفقهاء في تقويماتهم ونقدهم العلمي، لاسيما وأن كثيراً منهم بات يرجِّح المرجع الأصلح والأكفأ وليس الأعلم. وهنا سيكون الاختلاف على معايير المرجع الأصلح أكبر من الاختلاف على معايير المرجع الأعلم. فإذا قصرنا الحديث على الجانب الموضوعي في الأصلحية؛ سنجد من الخبراء من يذهب إلى أن الأصلح هو الفقيه الأكثر زهداً وورعاً وتقوى، بينما يرى آخرون بأنّ الأصلح هو الأكثر وعياً بمصالح الناس، والأكثر إلماماً بالشأن العام، والأقدر على إدارة المجتمع الشيعي، وهناك من يرى بأنّ الأصلح هو الأكثر إنتاجاً من الناحية العلمية.

وبالتالي ستكون الأعلمية والأصلحية نسبية تماماً، ومعبرة عن وجهة نظر الخبير الشخصية وتوجهاته الفكرية والاجتماعية والفقهية. ومنها ـ مثلاً ـ أنّ المجتهد الذي يؤمن بولاية الفقيه العامة ربما لن يشهد بأعلمية وأصلحية مرجع التقليد الذي يؤمن بولاية الفقيه الخاصة، وأن الخبير من مدرسةٍ مرجعيةٍ بعينها، لن يشهد لمرجع من خارج مدرسته أو يعارض مدرسته، وإن كان هذا المرجع هو أعلم علماء دهره.

كما أنّ الاكتفاء بشهادتي خبيرين سيؤدي إلى التعارض المخل في آراء الخبراء، وتنازع الرأي العام الحوزوي، كما لا يزال يحدث؛ لأنّ أهل الخبرة في الحوزة العلمية، ومعهم طبقة الفضلاء (أساتذة السطوح العالية من غير المجتهدين)، هم الذين يصنعون الرأي العام الحوزوي وهم المسؤولون عن توجيهه. ونرى أنّ بعض هؤلاء الخبراء لا يعترف باجتهاد عالم دين معين، في حين يشهد خبير آخر لعالم الدين هذا بأنّه الأعلم، وليس مجتهداً وحسب. فضلاً عن أنّ هذه الشهادات الثنائية تقود إلى كثرة مراجع التقليد بصورة كبيرة. فإذا افترضنا وجود (500) مجتهد في الحوزات العلمية، يمثلون عماد الرأي العام الحوزوي، وشهد كل عشرة منهم ـ مثلاً ـ بأعلمية أحد المراجع؛ فسيكون هناك خمسون مرجع تقليد، كل منهم هو الأعلم بشهادات متعارضة من المجتهدين الخبراء.

أمّا طريقة الشياع كوسيلة لإثبات الأعلمية؛ فربما لم تعد طريقة عملية وواقعية مع وجود كل وسائل التأثير الإعلامي والمالي والسياسي وتطورها العجيب بمرور الزمان. وربما هي الطريقة الأكثر إثارة للشبهات في أجواء حراك جماعات المصالح والضغط الداخلية.

كما تثير شهادة المجتهد لنفسه بالأعلمية، إشكالات أُخر؛ إذ يطرح السؤال نفسه ابتداءً: هل تصح شهادة المجتهد لنفسه بأنّه هو الأعلم؟ بل هل تصح شهادة عالم الدين لنفسه بالاجتهاد؟ وكيف يستطيع المكلّف (الإنسان العادي) الذي لا يمتلك أدوات المعرفة العلمية ولا يمكنه التشخيص الحقيقي، أن يتوصل إلى أعلمية هذا المجتهد أو إلى اجتهاده أساساً؟ فإذا كان العقل الشرعي يقبل بهذه الطريقة، فإنّها تفتح الباب على مصراعيه على كل أنواع المزاعم والادعاءات، دون ضوابط ومعايير، خاصة إذا كان بعض مدعي الأعلمية لم يشهد له أي من المراجع والمجتهدين بالاجتهاد والفضل العلمي.

هذه الإشكاليات ربما تشير إلى صعوبة، وربما استحالة إحراز الأعلمية والتوصل إليها بالطرق السائدة. وإذا كان إحراز الأعلمية صعباً حتى في إطار التعريف الموروث؛ فكيف يمكن إحرازها ـ إذاً ـ وفق المعايير الجديدة الطموحة؟

ولكن ـ دون شك ـ فأن الإبقاء على الطرق الثلاثة التقليدية المذكورة المثبتة في المدونات الفقهية؛ يمثل حدوداً معينة مقبولة من الضبط، ووجودها أفضل بكثير من عدمها. لكنها تبقى دون مستوى الطموح الذي تمثله الشهادة الجماعية للخبراء بأعلمية وأصلحية المرجع الأعلى؛ أي من خلال طريق مجلس أهل الخبرة المنتخب من بين مجتهدي الحوزة العلمية العدول المقبولين اجتماعياً، والذي تحدثنا عنه وفصّلنا في هيكليته وأدواته فيما سبق.

ونلفت الانتباه هنا إلى أننا لا نتكلم عن براءة ذمة المكلف في تقليد هذا المرجع أو ذاك، فهذه البراءة موضوع في غاية السهولة؛ لكننا نتحدث عن موقع رئاسة الحوزة العلمية الدينية وزعامة النظام الاجتماعي الديني الشيعي وولاية المجتمع، وهي أكبر وأهم بكثير من موضوعة براءة ذمة المكلف وحصوله على الفتوى؛ لأنّه موقع يرتبط بمصير مجموع الشيعة أفراداً ومجتمعات، وحياتهم وأعراضهم وأموالهم.

4ـ الأعلمية وشرط العدالة:

إنّ الأعلمية لا تصنع فقيهاً عادلاً متقياً، ولا الاجتهاد يبني فقيهاً ورعاً. وبما أنّ الاجتهاد الفقهي هي صنعة، شأنها شأن الطب والهندسة والقانون وعلم الاجتماع؛ فإنّ الأعلمية في علوم الكلام والقرآن والحديث والفقه والأُصول والرجال هي صنعة أيضاً؛ أي أنّها أمهرية علمية في الصنعة لا أكثر، ويمكن للمسيحي والبوذي والهندوسي أن يكونوا مجتهدين في الفقه الإسلامي؛ بل يستطيع الملحد أن يكون الأعلم المطلق في الفقه والأُصول والتفسير والدراية والرجال؛ لأنّ إمكانية التدرج حتى بلوغ الأعلمية المطلقة في الحوزة العلمية متاحة لأي إنسان؛ بصرف النظر عن إيديولوجيته ومذهبه ودينه. وهو يشبه قدرة الإنسان المؤمن على أن يكون الأمهر والأعلم في الطب. أي أنّ الأعلم في الفقه والأعلم في الطب يمكن أن يكونا ملحدين أو مؤمنين أو فاسقين؛ فكلاهما صنعة.

وهنا تأتي الضوابط والمعايير الرديفة لتقيّد حركة فرز مرجع التقليد؛ كمعيار الإيمان المذهبي، أي: أن يكون إماميّاً اثني عشرياً، ومعيار العدالة، أي: أن يكون متقياً زاهداً ورعاً، فضلاً عن المعايير المتجددة، وفي مقدمتها الكفاءة والمقبولية العامة. أي أنّ شرط الأعلمية لا يمكن فصله عن الشروط الأُخر؛ بل إنّها جميعاً تمثل حزمة واحدة من الشروط.

5ـ الأعلمية وشرط الكفاءة:

إنّ توافر شرطي الأعلمية والعدالة في الفقيه لا يحوِّله إلى فقيهٍ كفء قادر على تشخيص مصلحة المجتمع والأُمّة، ووعي المصالح والمفاسد، وعلى حفظ النظام العام وإدارة الأُمور الحسبية والمال الشرعي، فضلاً عن قضايا الدولة. ولا تفرز الأعلمية والعدالة مرجعاً حكيماً شجاعاً مدبّراً عارفاً بزمانه وبمتطلبات عصره. ونشير هنا إلى أهم قضيتين تكشفان عن علاقة شرط الأعلمية بشرط الكفاءة، وأيهما يتقدم على الآخر عند تعارضهما، وهما: القدرة القيادية والوعي الكامل بمتطلبات الزمان.

والفرق بين الأعلم فتوائياً والأمهر قيادياً؛ كالفرق بين المفتي والمرجع؛ فالمفتي يبقى عمله منصباً على الجانب النظري، وينبغي أن يكون متميزاً في علمه وقدرته الفتوائية، أي أنّ مدخلية شرط الأعلمية في المفتي لها موضوعية وجوبية، في حين أنّ المرجع الديني لدى الشيعة يقود المجتمع عملياً من خلال الفتوى والحكم الشرعي، ويعزز موقعه القيادي والإرشادي والولائي من خلال الفتوى والحكم الشرعي أيضاً.

ولم يعد الواقع الشيعي كما كان قبل العام 1979؛ فمنذ ذلك التاريخ والواقع الشيعي يعيش عصر تحديات النهوض والصعود، وهو عصر يختلف تماماً عن المسار الشيعي منذ أكثر من خمسة قرون من التراجع والتهميش. وقد بات الفقهاء الذين يمثلون قيادة هذا الواقع؛ في مواجهة تطورات العلوم الطبيعية والتطبيقية، ومواجهة منظومات معقدة في العلاقات الدولية والقوانين، وباتت مسؤولية الفقيه فاعلة تلقائياً بكل وظائفها الافتائية والتحكيمية والحسبية والولائية والإرشادية. وبالتالي؛ فإنّ كفاءة الوعي والحكمة والشجاعة والقيادة ستتقدم على الأعلمية النظرية السائدة، عند الترجيح بين الفقهاء لموقع المرجعية.

6ـ الأعلمية ووظائف المرجعية:

تتوقف النظرة إلى علاقة شرط الأعلمية بوظائف المرجعية الدينية الشيعية على تعريف المرجعية، ومساحات ولايتها، والدور المطلوب منها. فالمرجعية الدينية كما توضح المدونات الفقهية الشيعية أصلها التشريعي؛ تمثل نيابة الإمام المعصوم في عصر غيبته، وأن المرجعية هي للفقيه العادل، ولهذا الفقيه ولاية من خمسة فروع: ولاية الفتوى، ولاية القضاء، ولاية الحسبة، ولاية المال الشرعي وولاية الحكم. وهناك إجماع بين الفقهاء على الفروع الأربعة الأُولى، ويختلفون في تشريع الولاية الخامسة (الحكم). وبالتالي؛ فإنّ بحثنا هنا يقتصر على الوظائف الأربع التي يجمع عليها الفقهاء، ونترك وظيفة ولاية الحكم إلى بحوث لاحقة.

هذه الولايات الأربع المجمع عليها تشير بوضوح إلى وظائف المرجع الديني وطبيعة موقعه، ولا سيما المرجع الأعلى المتصدّي، وهي وظائف تتنوع بتنوع فروع ولايته. وتؤكد هذه الفروع بما لا يقبل الشك أنّ وظيفة المرجع لا تقتصر على الإفتاء؛ بل إنّ الفتوى هي واحدة من أربع أو خمس وظائف أساسية. وهذا يعني أنّ الأعلمية لا يمكن أن تقتصر على الفتوى ومسائل الحلال والحرام؛ بل لا بدّ أن تنسجم مع كل هذه الوظائف والصلاحيات والولايات، وتلبي تنوعها، وأنّ المرجع يختلف عن المفتي اختلافاً ماهوياً. نعم، المرجع هو مفتي أيضاً؛ لكن الإفتاء يمثل 20% فقط من وظائفه. ومن خلال هذه الصلاحيات يتبين أنّ المرجع الديني عند الشيعة هو «الحاكم الشرعي» وصاحب الولاية الاجتماعية والولاية التشريعية والولاية القضائية والولاية المالية وولاية الحكم، ومنصبه لا يشبه المفتي السني، الذي هو ـ عادة ـ موظف حكومي، ولا البابا الكاثوليكي، الذي يمارس دور الأُبوة الروحية المحضة؛ بل هو منصب يمثل الإمامة الدينية والدنيوية في عصر غيبة النبي والإمام المعصوم. أي أنّ المرجع الديني هو ولي أمر المسلمين الشيعة وقائد النظام الاجتماعي الديني الشيعي. وهو ما يصفه السيد محمد باقر الصدر بقوله: بأنّ «المجتهد المطلق إذا توفرت فيه سائر الشروط الشرعية في مرجع التقليد… كانت له الولاية الشرعية العامة في شؤون المسلمين، شريطة أن يكون كفوءاً لذلك من الناحية الدينية والواقعية معاً»(7).

وحتى في الجانب العبادي الفردي والجماعي التقليدي، فإنّ كثيراً من الأحكام الشرعية بحاجة إلى أُذونات الفقيه قبل تنفيذها من قبل المكلف، ومنها أحكام الخمس والزكاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أي أنّ الفقيه يقوم بدور الولاية الشرعية المالية والحسبية والتحكيمية حتى في مجال الأحكام العبادية المحضة.

وإذا كان أغلب الفقهاء يشترطون الأعلمية في مرجع التقليد؛ فإنّهم يذهبون إلى أنّ الأعلمية لا تُشترط في وظائف الفقيه الأُخر، كالقضاء والحسبة والحكم؛ إذ إنّ شرط القيام بالوظائف المذكورة هي أن يكون الفقيه أعلماً في موضوعاتها ومتطلباتها، وأمهراً في أداء مهامها، وهو ما يلخصه الشيخ محمد حسن النجفي (صاحب كتاب جواهر الكلام) بعدم اشتراط الأعلمية في باب القضاء والأُمور الولائية (8)، بل إنّ الإمام الخميني يُسقط مفهوم الأعلمية في الموضوعات على أصل الاجتهاد، ويذهب إلى أنّ معايير الاجتهاد السائدة لم تعد كافية، وأن من يمتلك القدرة على الاستنباط في الموضوعات التقليدية لا يُعدّ مجتهداً، فضلاً عن أن يكون أعلماً؛ فيقول: «إنّ الاجتهاد المصطلح في الحوزة غير كاف؛ فإذا كان هناك شخص هو الأعلم في العلوم المعهودة في الحوزة؛ لكنه لا يستطيع تشخيص مصالح المجتمع... ويفتقد الرؤية الصحيحة وقدرة اتخاذ القرار في المجالات الاجتماعية والسياسية؛ فهذا الشخص ليس مجتهداً في المسائل الاجتماعية والسياسية، ولا يستطيع قيادة المجتمع»(9).

ويعالج بعض الفقهاء هذا الجانب بطرح مفهوم المرجع الأصلح مقابل المرجع الأعلم كما ذكرنا، ويرى بأنّ الأصلح للسفارة والأعلم للإفتاء (10)، وهو تعبير عن أنّ أعلمية المرجع تقتصر على الفتوى في الجوانب التقليدية، أمّا وظائف الفقيه الأُخر، وهي الوظائف الأكبر حجماً ونوعاً، والتي لخصها بمصطلح «السفارة»؛ فهي بحاجة إلى المرجع الأصلح. ومفهوم «الأصلحية» هنا ينسجم مع الواقع من جهة، ومع المفهوم اللغوي للأعلمية من جهة أُخرى، وفق ما ورد في سنة رسول الله وأهل بيته، وكما في قول رسول الله: «ما ولّت أُمّة قط أمرها رجلاً وفيهم أعلم منه إلّا لم یزل أمرهم یذهب سفالاً حتى يرجعوا ما تركوا» (11). ومعيار الأعلمية الذي يقصده رسول الله هنا ينسجم تماماً مع وظائف تولية الأُمّة وزعامتها، ولا يقتصر على الجانب العلمي الديني الفتوائي.

نخلص مما سبق إلى أنّ «الأصلحية» الواقعية هي تعبير دقيق عن الأعلمية الجامعة المطلوبة لمرجع التقليد، وهي الأعلمية الحقيقية التي تنسجم مع وظائف الفقيه الأربع أو الخمس المذكورة. أمّا الأعلمية المتجزئة التقليدية؛ فإنّها لم تعد تنسجم مع الواقع ومع تطورات العصر ومتطلباته وتراكم موضوعاته. ويعضِد هذا التحول المفاهيمي الواقعي؛ التغيير النوعي والكبير في النظام الاجتماعي الديني الشيعي على الصعد كافة. فالشيعة في كثير من البلدان لم يعودوا يعيشون حالة التهميش والعزلة والتغييب عن الحكم والدولة والاقتصاد والثقافة والإعلام والشأن الدولي. أي أنّ ضرورات التحول المفاهيمي الواقعي لم تعد مقتصرة على ملاحقة الفقيه لقضايا الطب والفلك والرياضيات والفيزياء؛ بل إنّ ثلاثة أرباع هموم الشيعة وموضوعاتهم هي اقتصادية وسياسية واجتماعية وفكرية وثقافية وإعلامية وعقدية، وهي موضوعات واقعية ميدانية أكثر من كونها نظرية، ولا تحتاج إلى فتاوى وتكييفات فقهية وحسب؛ بل إلى قيادة وزعامة وولاية؛ لتصحيح مسارها، وهي مهمة المرجع الأعلى حصراً. أمّا أبواب العبادات والعقود والإيقاعات والمعاملات، فتوافر أحكامها يسير جداً، ولم يكن مشكلة يوماً.

وعليه، فإنّ مفهوم الأعلمية المتجدد الذي يتطلبه الواقع، وينسجم مع وظائف المرجع، ينطوي على ثلاثة مفاهيم متفرعة، هي: «الأعلمية التقليدية»، و«الأصلحية الموضوعية»، و«الأقدرية القيادية». ويترشح عن المفهوم خمسة معايير متداخلة تكمّل بعضها:

1- أعلمية في مسائل الحلال والحرام.

2- أعلمية في الموضوعات، ولا سيما الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

3- أعلمية في فهم مقاصد الإسلام ونظامه العام.

4- أصلحية في وعي مصالح الأُمّة ومتطلبات نهوضها.

5- الأقدرية على قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

 

د. علي المؤمن

......................

الإحالات

(1) السيد أبو القاسم الخوئي، «التنقيح في شرح العروة الوثقى»، تقريرات بقلم: الشيخ علي الغروي التبريزي، ج۱، ص۲۰۳.

(2) المصدر السابق، ص204.

(3) الشريف المرتضى علم الهدی علي بن الحسين، «الذريعة إلى أُصول الشريعة»، ج٢، ص٦٣٥.

(4) الإمام الخميني، «الاجتهاد والتقليد»، تحقيق: مؤسسة تنظيم ونشر الإمام الخميني، مؤسسة العروج، ص80.

(5) وفي مقدمهم الإمام الخميني وأغلب الفقهاء من تلاميذه. أُنظر: «صحيفه إمام» (فارسي)، ج21، ص177 ـ 178.

(6) أحد الفقهاء الذين نظّروا لمفهوم «الأصلح»؛ الشيخ عبد الهادي الفضلي. يقول: «الالتزام بنظريّة الأعلم في التقليد من حيث العمل والتطبيق فيها شيء غير قليل من الوقوع في العُسر والحَرج للاختلاف في مفهوم الأعلم، وشبه استحالة المقارنة بين جميع المجتهدين المتعاصرين لتعيين مَن هو الأعلم، وتعارض البيّنات دائماً من غير وجود مرجِّح في تحديد من هو الأعلم. كما أنّ السيرة العمليّة التي كان عليها أتباع أهل البيت في الرجوع إلى الفقهاء الذين كانوا في عصرهم، والذين أمر وأرشد أئمّتُنا الأطهار بالرجوع إليهم كانوا يتفاوتون في مستوياتهم العلميّة، كذلك ما في روايات التقليد من شموليّة للأعلم وغيره». عبد الهادي الفضلي، «ماذا لو توحدت المرجعية والقيادة»، مجلة شعائر، العدد 13، أيار 2011، ص25.

(7) محمد باقر الصدر، «الفتاوى الواضحة»، ص115.

(8) الشيخ محمد حسن النجفي، «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، ج40، ص11 ـ 27.

(9) «صحيفه إمام»، ج21، ص177 – 178.

(10) المراد من السفارة هنا القيادة والإدارة وتدبير العلاقات مع الجهات خارج النظام الديني، وهو ما يقتضي الكفاءة القيادية والإدارية، وليس الأعلمية الفقهية. أمّا الإفتاء الذي يحدد مسائل الحرام والحلال، فإنّ مهمته موكولة إلى الأفقه والأعلم بالشريعة.

(11) المجلسي، «بحار الأنوار»، ج١٠، ص١٤٣.

 

(اقرأ باسم ربك الذي خلق)

بدأت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، وبها تغير قدر أمة العرب، وبها أصبح للمسلمين حضارة وشأن، وحين تخلو عنها أصبحت حضارتهم من التاريخ وشأنهم هين على أقل الشعوب شأناً وأخلاقاً.

اقرأ تغير القدر للفرد والأمة، فماذا تكون الحياة دون قراءة وماذا تكون مع القراءة؟

من أسوء الأفكار وأشدها فتكاً بالأمم الاعتقاد بأن القراءة نوع من الكماليات يمكن الاستغناء عنه، وأنه يمكن الحياة بسهولة ويسر بدونها، ويتم تداول هذه القناعة حتى في أرقى المدارس، فلا يوجد أي حرص على تنشأة جيل مثقف ومطلع، بل يكاد يكون عدد الكتب التي يقرأها أولادنا أو حتى المتقدمين في السن منا لا يتجاوز عدد كتب المنهج الدراسي، ثم يتحول الكتاب إلى شيء مقيت والأسوء إلى شيء لا وجود له أصلاً ويمكن الحياة بدونه بسهولة ويُسر.

في هذا المقال لا أروج للقراءة ولكنني أستعرض بعض نتائج القراءة ونتائج انعدام القراءة:

القراءة تجعل الفرد يحل مشاكله بسهولة ويُسر أكبر، تجعله يرى الحياة من عدة نواحي ولا يقتصر بصرة وبصيرته على أربعة جدران يضيق بها منطقه بل وحتى أخلاقه.

القراءة تمنح المرأة القدرة على إدارة بيتها بحكمة أكبر وبحلم وروية، وتجعل لها عالمها  الخاص بها منفصلاً عن الزوج والأولاد وهو ما يتيح للزوج مقدار رائع من الحرية النفسية والفكرية ويمنح الأولاد الفضاء الأوسع للإبداع لأن والدتهم لا تحاصرهم برغباتها أو بمخاوفها.

القراءة تحل مشاكل نفسية عديدة وقد تكون مستعصية فيكفي أن نعلم بأنه تم إجراء دراسات حول أطفال أيتام ومشردين أنقذتهم القراءة من الضياع في الحياة واستطاعوا بفضل القراءة أن يجدوا مستقبل وأمل، لأن القراءة تقول لكل انسان، هناك أمل، وهناك هدف ويمكن للجميع أن يركبوا في حافلة الحياة التي تسير للأمام، فحين يقرأ اليتيم أو الفقير أو المُهمش عن من هم مثله ويرى النموذج أمامه ولو بين السطور فذلك يمنحه الخيال الذي لم يمنحه إياه البشر حوله، الكتاب يرسم له طريق لمستقبل بينما من حوله يُغلقون طرق المستقبل أمامه، فيصبح الكتاب أهله الذين فقدهم، أو أهله الذين لم يتخلوا عنه، ويكون الكتاب أكثر دفئاً وقبولاً لهذا الذي نبذته الحياة.

القراءة تغير أدمغة أطفالنا، تزيد من تواصل الخلايا العصبية بعضها ببعض، وبعد سنوات قليلة يصبح هذا التواصل أقل وأصعب دون قراءة، فمن قرأ وهو صغير دماغه يختلف تماما عن من لم يقرأ، ونظرته لأمور مختلفة تماماً.

القراءة تزيد من رقة الشعور لأنها تتحدث عن الحياة، عن الألم، عن المعاناة، وعن السعادة والأمل، إنها حياة نابضة تتدفق دون توقف بين السطور. لذلك نجد أن الأدباء والمثقفين هم الأكثر احساساً بمعاناة الآخرين، والأرق لفظاً والأشد أدباً وإن لم يكونوا كذلك فهم أدباء مزيفين، ومثقفي القشور لا المضمون.

القراءة تُضيء الدماغ، فالصور المقطعية للدماغ وجدت أن القراءة تثير الخلايا العصبية وتنشطها إلى درجة أنه يصبح لها نوراً وهو ما كانوا يقولونه لنا في المدرسة أن العلم نور والجهل ظلام، فدماغ من لا يقرأ وبكل أسف هو دماغ مظلم، وهو دماغ يجتر أفكاره دون أن يُضيف إليها شيء جديد.

القراءة تجعل الصحة أفضل وتجعل الجسم أقوى، لأن كل خلايا الجسد تتفاعل مع ما نقرأ، فهي تشارك في عملية داخلية تُخرج الجسد من الروتين اليومي، وتجعله يعيش عوالم أخرى يتجول بها بكل طلاقة وحرية.

أما انعدام القراءة، فهو التخبط في المشاكل لدرجة الغرق، لذلك نجد أن مجتمعاتنا العربية ومنذ بدأ انحطاط الثقافة والاطلاع بها في دوامات من المشاكل، ولا توجد قدرة على حلها لفقدان الخيال والابداع اللذان تحفزهما القراءة؛ ومنذ عدة عقود نعيش تراكم المشاكل وتعقدها لأنه لم يتم حلها بشكل جذري، وتكاد حياتنا أن تكون على هامش حياة الشعوب.

انعدام القراءة هو تعاسة داخلية دفينة، لأنه حين يغرق الانسان بأفكاره الخاصة وبواقعه الشخصي وبمشاكله اليومية دون نافذة من الضوء تأتيه من مكانٍ آخر، يشعر بتعاسة دفينة ولا يدري ما سببها، فنحن جميعاً لدينا مشاكلنا ولكن كيف نعالجها، هل نعالجها بالحقد واللجوء للمحاكم، أم بالقتل وبالغضب المُدمر؟ انعدام القراءة لا يعطي تلك المساحة الإضافية للدماغ كي يعمل بشكل أوسع، يضيق الدماغ بتلك الأحداث المتكررة وبتلك الكلمات السلبية وبواقع كل المشاكل فيتوقف عن الإنتاج الحقيقي، يترك العنان لمشاعر الغضب والضغينة، فالدماغ هو الأمير وانعدام القراءة يُفقد هذا الأمير مكانته النبيلة وننحدر به إلى مستويات الشعور المتدنية، وفي النهاية يُضرب عن العمل ويسلم كل مقاليد السلطة لمشاعر عدوانية سوداوية بدائية.

انعدام القراءة هي شح الحب للحياة، لأن القراءة تكشف لنا عن أنواع جديدة من الجمال في الكون، فالجمال في الكون ليس فقط الشجر والأرض والسماء، الجمال في الكون هو أيضاً الفكرة والكلمة والشعور، ألا نرى ونشعر عظمة الجمال الإلهي ورقيه وبهاءه ونوره في سطور القرءان الكريم.

القراءة هي ألا تكون وحيداً حين يغادر من حولك، وأن تشتاق لخلوتك مع نفسك حين تكون مع الآخرين. إنها حديثك الذي لا ينتهي مع الذات ومع الكون، حديث صامت دافئ تجد من خلاله حكمة الحياة وتصبح أكثر قرباً من مشاعرك وتفهم ما بداخلك وما يدور بأعماق من حولك؛ إنها باختصار أن تكون أكثر إنسانية، أكثر حلماً، أكثر فهماً وأكثر تديناً لأن أول آية من آيات الله تعالى هي (اقرأ). فحين يأمرنا الله تعالى بالقراءة، فهل يحق لنا بهذا أن نجعلها شيء كمالي يمكن الاستغناء عنه!

وأخيراً، القراءة ليست شيء كمالي في الحياة، إنها مساوية لأهمية الغذاء، ولكن وللأسف أنه حين تجوع المعدة نشعر بألم الجوع، ولكن حين يجوع العقل لا نشعر بألمه وجوعه هو حرمانه من القراءة ومن العلم، فهو يتألم بصمت ولا يصرخ متضوراً من الجوع كالمعدة، ولكن ألمه الصامت يسبب تعاسة الأفراد ويدمر كيانات الأمم ويشوه حضاراتها ويقزم أحلامها.

 

د. سناء ابو شرار

 

 

علي كرزازي"لا يعرف نفسه من صحبته شهوته".

أبرز وجوه المتصوفين الذين اشتهروا بالشطح، والشطح كما عرفه السرّاج في اللمع: "عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته، وهاج بشدة غليانه وغلبته "، هو أبو يزيد طيفور بن عيسى بن شروسان البسطامي الأكبر ولد سنة 188هـ وتوفي سنة 261هـ كان جدّه مجوسيا فأسلم، نشأ في بيئة معروفة بالتقوى والورع، فأبوه كان رجلا صالحا حريصا على مرضاة الله في شؤون دينه ودنياه متحريا الحلال في مطعمه وملبسه وشرابه ومسكنه، وكذلك الشأن بالنسبة لأمّه التي انمازت حياتها بالتقوى والصلاح، وكان لها كبير أثر في توجيه ابنها وتربيته، يقول البسطامي عن علاقته بأمه:

«كنت أظن في برّي لأمي أني لا أقوم لهوى نفسي بل لتعظيم الشارع حيث أمر ببرّها، فكنت أجد في نفسي لذة عظيمة أتخيل أنها من تعظيم الحق عندي لا من موافقة نفسي». بل إن البسطامي زاد عن ذلك بأن اعتبر أن المرتبة التي حازها في مقامات التصوف، إنما هي ثمرة بره بأمّه «قيل له مرة: بم بلغت ما بلغت؟ قال: أنتم تقولون ما تقولون، وإنما أرى ذلك من رضا الأم ». وينضاف إلى برّه لأمه أنه كانت له أخوات عابدات صالحات، ولا ضير إذن أن يكون لتنشئته وبيئته إسهام كبير في تكوين شخصيته الصوفية وسمته الأخلاقي والمعرفي.

ومن أبرز مشايخه نذكر إسماعيل السدي وجعفر الصادق، اللذين روى عنهما بعد أن استظهر القرآن كله. وعن مساره التعليمي يقول البسطامي: «عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت، واختلاف العلماء رحمة إلا في التجريد» (الرسالة القشيرية).

لم يحد البسطامي عن جادة المتصوفة في زهدهم في الدنيا وانصرافهم عن ملذاتها، إيمانا منه بأن سبيل المعرفة لا يدرك إلا من خلال التقشف والزهد، قيل له: بأي شيء وصلت إلى المعرفة؟ فقال: ببطن جائع وبدن عار. غير أن للبسطامي شطحات غريبة لم تستسغها ذائقة بعض الفقهاء الذين رموه بالإلحاد والكفر والهرطقة، من قبيل قوله: "سبحاني ما أعظم شأني" و"ما في الجبة إلا الله"، "أراد موسى –عليه السلام- أن يرى الله – تعالى- وأنا ما أردت أن أرى الله، هو أراد أن يراني". "كنت لي مرآة، فصرت أنا المرآة"..الخ.

وبالمقابل حاول بعض المتصوفة قديما وبعض الباحثين حديثا، أن يجدوا مسوغات وتخريجات لمثل هذه الشطحات، فالذهبي مثلا يقول: "وهذا الشطح إن صح عنه، فقد يكون قاله في حالة سكره ". أما "السلمي" في "تاريخ الصوفية" فيقول: "ويحكى عنه في الشطح أشياء، منها ما لا يصح، أو يكون مقولا عليه، وكان يرجع إلى أحوال سنية، ثم ساق بإسناد له عن أبي يزيد قال: من نظر إلى شاهدي بعين الاضطراب، وإلى أوقاتي بعين الاغتراب وإلى أحوالي بعين الاستدراج، وإلى كلامي بعين الافتراء، وإلى عباراتي بعين الاجتراء، وإلى نفسي بعين الازدراء، فقد أخطأ النظر إلي". في حين يرى محمد الراشد في "نظرية الحب والاتحاد في التصوف الإسلامي" أن البسطامي: "رجل سيطرت عليه رؤى وهواجس حتى وصل إلى ما وصل إليه، فتجاوز جنون العظمة وسقط في رحاب سيطرة الهواجس والأهواء، لكن هذا كله لا يمنع أنه كان رجلا نقيّا تقيّا يخاف الله".

ومن الأقوال النفيسة التي تنسب للبسطامي:

-" إلهي لا تجعلني عالماً ولا زاهداً ولا متقرباً، فإن أهَّلتني فأهلني لشويء من أشيائك".

- " العابد يعبده بالحال، والعارف الواصل يعبده في الحال".

- فَحُبِكَ فرَّضٌ كَيـف لِي بِأَدَائِـه ***  ولَسْتُ لِفرضٍ مَا حييت بتاركِ

- يقول: مررت بدير فيه راهبة فقلت لها: هل هنا مكان طاهر أصلي فيه؟ فقالت: طهر قلبك وصلّ حيث شئت."  وقوله: " من عرف الله بُهت ولم يتفرغ إلي الكلام. من عرف الله فإنه يزهد في كل شيء يشغله عنه ". رحم الله متصوفنا الجليل أبا يزيد.

 

د. علي كرزازي

 

صادق السامرائيالمقدمة: مثلما يصاب الأفراد بداء الإكتئاب، تصاب الأمم والشعوب به أيضا، فدورة حياة المجتمعات البشرية كدورة حياة الأفراد، وما يصيبهم يصيب المجتمعات، أوَ ليست الأمم والشعوب حاصل تفاعل مجموع الأفراد مع بعضهم البعض وهو تفاعل شامل ومتشعب.

إن الاكتئاب من الأمراض الخطيرة، لأنه يقلب البشر إلى قوة مضادة لنفسه، ويجرده من التفاعل مع الآخر فردا أو محيطا، كما يسري في الأعماق بهدوء حتى يحيلها إلى عصف مأكول، وأعراضه تتغلغل فيها فتلوّنها بالسواد وتلغي أي لون آخر.

وكلما تأملنا حالنا في القرن العشرين، نكون أمام حالة من الإكتئاب الشعبي الشامل (mass depression) الفاعلة في أركان الأمة وعلى مدى أجيال متعاقبة، وما إستطاع جيل أن يشخص الداء ويصف الدواء، بل أن عطاءاتها كانت مشحونة بالإبداع الفكري الإكتئابي، الذي يلوِّن الحياة بالدم والدموع ويحوّلها إلى معضلة، وكأنها في نفق مظلم طويل لا نهاية له، ولا شعاع ضوء قادر على التسرب إليه.

ويبدو أن حالة الإكتئاب الشعبي قد تفاقمت وتجاوزت القنوط واليأس، وراحت تتخذ مسارات موجعة في هذا البلد أو ذاك، مما يستوجب الدراسة والنظر!!

أسباب الاكتئاب النفسي

1- الفقدان (loss) أن يفقد البشر شيئا مهما أو عزيزا

2- تفاقم المشكلات وعدم وجود منفذ للخلاص منها

3- عدم التوازن ما بين الطموح والقدرات

4- الإحساس بالتخلف أو التأخر

5- الخسائر بأنواعها

6- التوتر المزمن أو المستديم (chronic stress)

الأعراض والعلامات

1- المزاج الحزين

2- سرعة الغضب

3- فقدان الإحساس بالمتعة

4- العزلة والإنشغال بالموت

5- فقدان القيمة الذاتية

6- الشعور بالذنب والندب ونقد الذات وتقريعها وإذلالها وإحتقارها

7- فقدان الأمل واليأس

8- ضعف التركيز وتشتته

9- عدم القدرة على إتخاذ القرار وفقدان الثقة بالنفس

10- الشعور بالتعب والعجز والهياج والإنكماش

11- التوقف والحركة البطيئة والمظهر الدامع الحزين

والآن لننظر حالنا في القرن العشرين وفقا لمنظور أسباب الكآبة:

1- الفقدان:

لقد فقدنا عبر مسيرتنا الحضارية الكثير من خصائص وجودنا القيادي المؤثر، وكانت فاجعتنا الكبرى بسقوط بغداد عام 1258 ميلادي.

وعبر تأريخنا وعلى مدى ثمانية قرون متلاحقة كنا الضحية والخاسر الأول دوما، وتكررت خسائرنا في القرن العشرين وتعاظمت في جوانب متنوعة.

وبرغم أننا حققنا ربحا في مسيرتنا العامة ووجودنا مقارنة بالقرن التاسع عشر، لكن الخسائر المتلاحقة حجبت عنا رؤية رافدنا الكبير، فغرقنا في الجداول والسواقي والبرك والمستنقعات، نحسبها كل ما في هذا العالم من حياة.

2- تفاقم المشكلات:

بلداننا قاطبة قد تحولت إلى مستودع للمشاكل التي تفاقمت مع الأيام، وأجادت الأنظمة السياسية مهارات إستثمارها وتطويرها.

وهذه المشاكل مختلفة ومتنامية بأقصى سرعة ممكنة، وفي كل يوم هناك إعلان عن مشكلة جديدة عديمة الحل.

فأصبح بشرنا من المحيط إلى الخليج يتخبط في أمواج المشاكل المتعاظمة، والتي إشتدت عليه بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية.

وكانت محورا لتلك المشاكل قضية فلسطين، التي رتبت لإستنزاف طاقات وجودنا الصاعد، إضافة إلى مشاكلنا القطرية التي لا تنتهي.

3- عدم التوازن ما بين الطموحات والقدرات:

إن الأهداف التي ترددت في بلداننا كانت تدعو إلى الوحدة والحرية والتقدم والإصلاح والنهوض إلى حيث يليق بنا وبتأريخنا، وما تحقق منها شيئ يرقى إليها، بل أن جميع الأقطار إتجهت إلى ضد أهدافها وتطلعاتها.

وعلة ذلك عدم إمتلاكها القدرات السياسية الكافية، وغياب خطة العمل المتوازنة للوصول الى الأهداف، مما حقق إحباطا متراكما وشديدا في أعماق الناس، فتغلب عليهم الشعور بالأسى والخيبة الآمال وإنهيار التطلعات.

لقد أراد العرب أن يلتقوا بماضيهم المجيد الزاهر الذي يستحق الفخر والتقدير، وهو هدف مشروع وممكن لو أن الأمة أدركت وسائل الوصول إليه وعقلت المهارات اللازمة.

وبسبب غياب خارطة الطريق الواصل ما بين الإرادة والطموح، أصابها الضياع والتخبط الذي ولّد جروحا حضارية متقيحة ومتنامية، برغم توفر الإمكانات المادية والبشرية والفكرية، لكن القدرة على وعيها وإستثمارها كانت غائبة وما إمتلكنا إلا قدرات تدميرها وإتلافها.

فكنا نريد الوصول إلى مرتبة الأجداد ونحن نجهلهم تمام الجهل، ونسبغ عليهم من ظنوننا البائسة ما هو مشين وقاتل لنا ولهم.

4- الإحساس بالتخلف والتأخر:

منذ بدايات أيام اليقظة والنهضة العربية، صار العرب يقارنون بين حالهم في الماضي وواقعهم في الحاضر، فاكتسبوا إحساسا بالتخلف والتأخر عن حقيقتهم التأريخية وتأدية رسالتهم ودورهم الإنساني والحضاري.

وتم تغذية الشعور بالتخلف والتأخر بالإحتكاك المباشر مع الغرب، وتوفرت منابر فكرية عربية متنوعة لتأكيده وتعميقه والتخندق فيه إلى أبعد ما يمكن، وكأن الأمر كان مطلوبا لتحقيق العجز الحضاري والشلل المعاصر للأمة.

ولا أدري لماذا لم يتأكد هذا الشعور في أمة الصين، التي أدركت حالها في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، ونحن أدركنا أنفسنا في بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان علينا أن نكون ونتجاوز حالنا المتخلف كما توهمنا وفق أبسط الحسابات الحضارية، لكننا أمعنا في تأخير أنفسنا وشعورنا بأننا كذلك، برغم خطوات تقدمنا ونهوضنا وعلائم صيرورتنا.

5- الخسائر المتنوعة:

نحن عندما نتأمل أنفسنا نجد أننا في دوامة من الخسائر المتلاحقة، والإنهيارات المتواصلة على جميع المستويات. ولا يوجد شعور حقيقي لدينا بأننا ربحنا معركة أو دورا في الحياة، بل عندنا شعور بالإغتصاب والإنتهاب والإستعباد ومصادرة الحقوق الإنسانية والمادية، وسلطان الخوف يلاحقنا أينما نكون، فإذا نطقنا برأينا إما نموت أو نكون في ظلمات السجون، وما علينا إلا أن نذعن ونستسلم لإرادة العابثين بمصيرنا والسارقين لحقوقنا من أبناء جلدتنا.

فأبناء الأرض المبتلاة بالنفط يكابدون الفقر والجوع والمرض والخداع، وهم يعيشون على بحار من النفط الذي لا يعود عليهم إلا بالأسلحة التي تدمرهم، وتقتل أبناءهم في حروب لا مبرر لها إلا إمتصاص طاقاتهم وزرع الأحزان في بيوتهم، وهذا يولد شعورا قاسيا بالخسران عند الأب والأم والأبناء، وعند كل من يعيش على أرض تحتها نفط.

6- التوتر المزمن:

منذ الحرب العالمية الأولى وحتى يومنا هذا نحن نعيش في دوامة التوترات المتفاقمة وعلى مختلف المستويات، وما إستطاعت الأجيال التخلص من التوتر والإضطراب، بل حجم التوترات في تنامي وإتساع، والقوى الطامعة في الثروات النفطية تجد وتجتهد في تأجيج نقاط التوتر، وخلق مراكز متجددة لزيادة شدتها وكثافة الأطراف المحترقة فيها.

ولا توجد دولة واحدة من دولنا معافاة من التوترات السياسية والعرقية والإقتصادية والعسكرية.

لقد تحولت أرضنا إلى مسرح للقتل والدمار وتجريب الأسلحة، والقتال بالنيابة عن أطراف الحرب الباردة، وجربت عليها كل مبتكرات التدمير ووسائل التخريب، وتحولت فيها الحقائق إلى غرائب وأوهام، والبديهيات إلى مستحيلات، ولا زالت تخضع لأحدث فنون الحرب النفسية الموجهة بقسوة ووحشية ضدها.

إن حالات التوتر المستديمة لها مصادر داخلية وخارجية، وكلها تتفاعل وتساهم في جحيمات التفاقم للأزمات وتنمية مآسينا وتدمير قدراتنا.

بل أن طاقاتنا تبددت وتجمدت وتحولت إلى ضديد لإرادتنا، وسُخرت لقتلنا والفتك بأهدافنا وطموحاتنا، فصرنا نُقتل بما نريد، لأن الآخر يعرف كيف يوظف ما نريد لتحقيق ما يريد. وما تعلمنا كيف نصل إلى ما نريد، لإهمالنا لأهم ركن من أركان الإرادة وهو العقل، وتدثرنا بالإنفعالات الحارة المؤذية.

الأعراض والعلامات:

1- المزاج الحزين:

الطابع العام لأمزجتنا هو الحزن، أما الفرح فأنه حالة طارئة وغريبة في حياتنا كعائلة أو أمة، وهذا ينعكس في نتاجاتنا الأدبية والفكرية وأغانينا وأحاديثنا اليومية وسلوكنا العام. وبسبب ديمومة الحزن في أعماقنا، ترانا نشكو ونتأوه ونلقي بأسباب سوء الحال ورزاءة المآل على غيرنا، ونتهم الأقدار بما لم تفعل.

وفي أكثر الأحيان نتخذ من السلطات الحاكمة وشاحا نعلق عليه معاناتنا وويلاتنا وبكائياتنا، وما نفع تغيير السلطة مرارا في مداواة حزننا.

فلينظر كل واحد منا إلى نفسه وعائلته ومجتمعه، وسيرى مساحة الحزن الكبيرة في أيامه وأعماقه ومعظم أحاديثه وأحاديث الناس من حوله، وهذا يتكرر مع الأجيال بلا إنقطاع.

2- سرعة الغضب:

المعروف عنا - قادة وأفرادا وأينما كنا- سرعة الغضب وفوران دمائنا وإتلافنا لنفسنا بسبب ذلك.

ولولا نعمة الشمس التي تساعدنا على مجابهة الكآبة المستديمة فينا لساء حالنا، فالحمد لله على وجود النور الساطع في أرضنا، والبعض يعزو سرعة غضبنا إلى كثرة سطوع الشمس، وأخالفهم في ذلك لأنها أحد أسباب ديمومتنا وعلاجنا من كآبتنا.

إن السبب الحقيقي وراء غضبنا السريع هو الإكتئاب الشامل الذي يعصف في كياننا، وعندما نتخلص من كآبتنا، ستزول عنا هذه الصفة ونؤوب إلى رشدنا، ونستخدم عقولنا بكفاءة.

لقد تم إستغلالها من قبل الآخرين فحققوا مشاريعهم وطموحاتهم، وسخروها لإستنزاف طاقاتنا ومنعنا من الإمساك براية الإنطلاق الحضاري المتفق مع حقيقتنا ورسالتنا الإنسانية.

3- فقدان الإحساس بالمتعة:

إننا لا نتمتع بما نملك وبما في أوطاننا من الخيرات والشواهد والثروات ومواطن الجمال والبهجة، ولا نراها إلا شيئا جامدا ذليلا خاليا من تحقيق الشعور الإنساني الجميل.

نملك كل شيئ ولا نملك شيئا.

عندنا معظم ثروات الأرض وما عندنا شيئ.

كالجمال التي تقطع الصحارى وتعاني من الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.

"كالعيس في الصحراء يقتلها الظمأ .... والماء فوق ظهورها محمول" أي أن قول الشاعر هذا ينطبق علينا تماما.

نحن عندنا ميزة عجيبة وفريدة ملخصها، إننا لا نرى ما عندنا ونرنو إلى ما عند غيرنا، فلا نتمتع بما نملك ولا نحصل على ما لا نملك.

والأنكى من هذا، إننا نبخس ما عندنا ونثمن ما عند غيرنا، ونضفي عليه من خيالات عجبنا ما ليس فيه. كأننا نحوله إلى معشوقة نهيم بها ونتغنى بهواها ولقائها، وهذه الميزة مستفحلة في شخصيتنا ومؤثرة في سلوكنا الفردي والجمعي.

4- العزلة والإنشغال بالموت:

الإكتئاب من أهم أسباب التخندق والإنعزال في وطننا الكبير، فالعربي يفضل العزلة عن أخيه وصار يشعر بالعزلة وهو في بلده، لأنه لا يجد من يتفاعل معه ويستمع إليه، لأن كل فرد صار مستودعا متزايدا للهموم والآهات والأوجاع ولا يعرف إلا كيف يتلفظها، ويأنس لتحمل تدفقها وإنبثاقها من جميع خلاياه ووديان أعماقه الجريحة.

وهذا ينعكس على كل مواطن مما رسخ التجزئة ومزق أية قدرة على التفاعل الصحيح مع أبناء الوطن، ومع تواكب الأعوام إزددنا عزلة وصارت بلداننا خنادق حزن تضمنا وسجونا تأوينا.

كما أن الهم الأكبر تحول إلى الإنشغال بالموت وإهمال الحياة، فصرنا نسفه مفردات الحياة أمام حقائق الموت وفاعليته وسلطانه، ففقدت الحياة قيمتها وتسلطن الموت في الأعماق، فصرنا نعبر عنه في أفعالنا وأقوالنا وإبداعاتنا.

وربما تغلب الموت بأفضليته على الحياة ورحنا نردد "من الأفضل أن نموت ففي الموت حياتنا"، وهذه أفكار إكتئابية عاصفة في حياتنا ومؤثرة في دورنا الإنساني وهناك الكثير من الشواهد عليها.

5- الإحساس بفقدان القيمة:

هذا الشعور القاسي الوخيم الذي لا يخلو منه بشرنا إستفحل في حياتنا وتنامى في ديارنا. فأخذنا نقرأ ونسمع ونرى ما يدهش من الإمعان بتصغير أنفسنا، وتجريدها من أية قيمة إنسانية أو حضارية.

وإمتد تأثير الإحساس بفقدان القيمة إلى تراثنا وحاضرنا ومستقبلنا. وكل يوم نقرأ في صحفنا مقالات تؤكد التعبير عن هذا الشعور الإكتئابي المريض، وكم قرأنا مقالات تجرد لغتنا من قيمتها ودورها وتراثنا من جدواه، بل وتريد أن تلقينا في أحضان النسيان والإندثار.

6- الشعور بالذنب والندب ونقد الذات وتقريعها وإذلالها وإحتقارها:

الشعور بالذنب متفاوت في درجاته، لكنه قائم في معظم أركان حياتنا، فكل فرد منا مشحون بطاقة الشعور بالذنب والإستسلام لعذابات الضمير، ونستطيع أن نجد الدليل على ذلك في الكثير من نشاطاتنا الفكرية والثقافية.

فلدينا درجة عالية من حساب الذات وهذا يدفع إلى الندب ونقد الذات وتقريعها وإذلالها وإحتقارها. فنحن من أقسى أمم الأرض على أنفسنا، ولا تخلو صحيفة من صحفنا من مقالات تهاجم حالنا وتندب وجودنا، وتنهال علينا بما يشتهي كتابها من الصفات المشينة.

ففي كتاباتنا الفكرية هناك تقريع ذاتي وهجوم شرس على وجودنا وواقعنا وبأقلامنا.

إننا دائما نتهم أنفسنا ونبخسها وما عرفنا الكتابات الإيجابية، بل إعتدنا على إبداعات الندب والنقد البائس الحزين.

7- فقدان الأمل واليأس:

اليأس شعارنا وفقدان الأمل سلاحنا وأسلوبنا في عصرنا الدامع الحزين، وهما يلونان وجودنا ويطغيان على نشاطاتنا، ولا يوجد أوضح من ظهورهما في كتاباتنا وأحاديثنا.

فأثر اليأس على حركة الأجيال وسرق من شبابها كل همة وإندفاع نحو صيرورة متوازنة مع ما فيها من الطاقات.

إن آفة اليأس تأكل الإنسان كما تأكل "الأرضة" جذوع الأشجار فتضعف مقاومتها للرياح وتبيدها بصمت وهدوء.

نحن يائسون قانطون، وعندنا فكر السماء ومفردات الإيمان والحياة الطيبة السعيدة، ومع هذا نعيش حالة مناقضة لما عندنا، فاليأس لا يتفق مع الإيمان وإن طغى اليأس ذهب الإيمان.

8- ضعف التركيز وتشتته السريع:

نحن بطيئون في كل شيئ مقارنة بأمم الأرض الأخرى، وهذا ناجم عن ضعف التركيز وتشتته، فتجدنا نقرأ ببطء لأننا لا نستطيع التركيز، فأفكارنا مشتتة وأدمغتنا ممزقة بالمشكلات اليومية المتفاقمة.

وبسبب ضعف التركيز فقدنا القدرة على فهم أحوالنا وفهم ماضينا وإستنباط الحقائق الضرورية لتطورنا وتنامي قدراتنا، فصار تراثنا عبئا علينا وإنتهينا إلى غربة قاتلة وجهل مروع.

9- عدم القدرة على إتخاذ القرار وفقدان الثقة بالنفس:

وذلك بسبب ضياع القابلية على تجميع الأفكار وصياغتها بأسلوب علمي، ولطغيان الطاقات الإنفعالية على القدرات الفكرية وتحول العقل إلى عبد مطيع للعاطفة، وفي هذه الأجواء المشحونة بإضطراب التفكير وتلاشي التركيز، يكون القرار الصائب الصحيح غير ممكن، وأي قرار يمتلك نتائج سلبية أكبر من النتائج الإيجابية، مما يفسر سلبية القرارات وشيوع إضطرابها وإتيانها بنتائج وخيمة وتوليدها لمشكلات غير محسوبة، ويدفع بدوره إلى فقدان الثقة بالنفس. فهل نحن واثقون بأنفسنا؟

ومن أين نأتي بأسباب وعوامل تأكيد الثقة بالنفس؟

فالأكثرية منا منزوعة الثقة بنفسها، وإن هذه الصفة تنعكس على سلوكنا بمختلف مستوياته وتفرعاته، وتتأكد في سلوكنا السياسي كدول وقادة.

وقد تمكن الآخرون من ترسيخ فقدان الثقة بالنفس في جميع مفردات حياتنا، وصار الخوف والتردد والشك عوامل فاعلة في سلوكنا.

10- الشعور بالتعب والعجز والهياج والانكماش:

سمات مهيمنة على أيامنا، فطريقنا يزداد طولا وهمومنا تزداد ثقلا، وأمام كل خطوة نهم بالركون إلى قيلولة.

وصار القريب بعيدا في ديارنا، فتعلقنا بأحلام اليقظة وإستحضرنا السندباد ومصباح علاء الدين، وإذا ما نريده يصير ضبابا تبدده أنوار الحقيقة الساطعة وسقوط الأقنعة.

إننا نشعر بالتعب والعجز ولا شك في ذلك، والقارئ يرى ما تنشره صحفنا من آراء العاجزين وأقوال المتعبين، وكأننا في وادٍ مظلم ودوامة من المآسي المتزايدة.

ولا توجد أمة أشد عجزا منا في الوقت الحاضر أو إحساسا بالتعب والملل، وهذا يعني بأننا سنتبرع بما عندنا لغيرنا بسبب عجزنا على الإستمرار في إمتلاكه.

إن ما نعانيه من إضطرابات متنوعة، يؤكد درجة الهياج الإكتآبي الناجمة عن اليأس المروع العاصف في أرجاء النفس عندنا.

ويتخذ الهياج أشكالا مختلفة ومتنوعة ويعبر عنه بإنفعالات وأقوال وجرائم قد تكون بشعة جدا. لأن البشر في حالات الهياج الإكتئابي يفقد صلته بالواقع، وتضيع منه الحكمة والقدرة على إدراك نتائج ما يقوله ويفعله، مما يؤدي إلى تزايد المشكلات والمعاناة، وفي واقع أمرنا نتأرجح ما بين الهياج العارم والخمول الشديد، وفي هذا جزء كبير من مآسينا.

11- التوقف والحركة البطيئة والمظهر الدامع الحزين:

الأمة متوقفة عن المشاركة الحية والجادة في صناعة الحضارة البشرية المعاصرة - ولو أن أبناءها يساهمون في ذلك في معاقل إغترابهم- بل أن دورها غائب وكأنها نائمة ومنقطعة عن الحياة، وهي التي إبتدأت مشروع التقدم والإرتقاء منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولا زالت تتحرك كالسلحفاة، وأكثر خطواتها تجرها إلى الوراء في حين أن أمما قد بدأت في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين سبقتها في كل الميادين.

إن التوقف الحضاري علامة واضحة تؤكد شدة الإكتئاب الذي نعاني منه.

أما المظهر الحزين، فصرنا معروفين بملامحنا المرسومة بمداد الألم والآهات والخسران. ويتفاوت مظهرنا من بلد إلى بلد حسب درجة المرارة واليأس المرسومة على وجوهنا، لكن المظهر العام لنا هو الكئيب المتجهم، الذي تشع منه علامات الإنكسار والغضب والجراح. كما أن أحاديثنا بث للشكوى وبكائيات ورثائيات وندب وتأسف، ونقد مرير لوجودنا وأحوالنا المتحركة من سيئ إلى أسوأ، وعبرنا عن ذلك بوضوح في أشعارنا وأغانينا ومظهرنا العام وبما يمت بصلة إلينا.

إن الأجيال في قاموس الأزمان تكون كفرد، وأجيالنا الحاضرة فرد دامع حزين ينفث الحسرات ويضرب كفا بكف!!

الخاتمة والعلاج

تلك هي أعراض مأساتنا الحضارية وعلاماتها، وبما أن الكآبة مرض يمكن علاجه، فعلينا أن نبحث في العلاج الذي يشفينا منها.

إن الأمة لا يمكن علاجها بالأدوية والعقاقير المضادة للكآبة أو بالصدمة الكهربائية.

إن العلاج الأمثل لكآبتنا الحضارية هو بالعلاج الإدراكي COGNITIVE THERAPY

وهذا العلاج يرتكز على أن الأفكار تؤثر في المشاعر والسلوك البشري، وإذا غير البشر طريقة تفكيره فأن سلوكه ومشاعره سيتغيران.

إن التشويه الإدراكي هو أصل الإكتئاب والتغيرات العاطفية والجسمية وباقي أعراض الكآبة. أي عندما نفكر بالأمور على أنها غير ما هي عليه، وننظرها بعيون أمامها عدسات تشويه ينعكس ما نراه على سلوكنا.

فعندما نكون بلا طاقة وعدم مبالاة، يكون ذلك ناتجا عن الإحساس بالفشل وتوقعه في كل مناحي النشاط الذي نقوم به.

وكذلك الشلل الشامل يكون بسبب اليأس وفقدان الأمل.

كما أن الإحساس السلبي للذات وإدراكها على أنها وجود سالب ومقيت يدفع إلى الشعور بلا قيمة الذات، وعدم كفاءتها وحرمانها ونبذها من قبل الآخرين، وهذا بدوره يصنع إدراكا سلبيا للعالم الخارجي، ويؤسس لهزيمة الذات وعقوبتها، وإستمرار توقعاتها للصعوبات والمقاساة والفشل.

إن العلاج الإدراكي يهدف إلى تشخيص وتحديد الذهنية السلبية، والتشويهات الإدراكية المتراكمة وإستبدالها بادراكات جديدة مرنة ومفيدة، لتحقيق قدرة على التفكير الذي يحقق إنسجاما ما بين الإدراك الإيجابي والسلوك الناجم عنه فيحقق الحياة الأفضل.

والخلاصة أن المشاعر والسلوكيات تتحدد بالطريقة التي نرى فيها العالم ونركبه في أذهاننا. وهذا العلاج يصلح لنا لأننا نمتلك مستويات عالية من الإضطراب الإدراكي، ويؤهلنا للتمييز بين المشاعر والأفكار، ويمنحنا الرغبة والإمكانية لصيرورة أفضل، ويزودنا بمهارات عالية في السلوك الإيجابي.

علينا أن نحدد الأفكار التلقائية، التي هي أفكار مشوهة ومختلقة من خلال التعامل مع الأحداث والمواقف، وتعترض التفاعل ما بين الذات بإنفعالاتها وعواطفها والحدث الخارجي المحيط بها.

فقد تعتقد أن الشخص الذي لم يسلم عليك يكرهك، بينما قد يكون ذلك لأسباب أخرى منها مثلا أنه مهموم ومشغول بأمر كبير ومزعج.

إن تفحص هذه الأفكار وعدم تضخيمها والتصرف على ضوئها، وتحديد التكيفات السلوكية الخاطئة الناتجة عنها ضروري لسلامتنا الفكرية والسلوكية.

إن التفسيرات السلبية لها فعلها في حياتنا، وتؤدي إلى آثار أليمة ونتائج وخيمة، فنحن مهرة بالتعميمات وتثمير الأحداث الصغيرة، وتحويلها إلى مسلمات وثوابت فكرية وسلوكية، فنقول أن المشكلة في المجتمع والوطن بينما هي مشكلة صغيرة في بيت من بيوتات مجتمعنا، فنلصق ما يحصل في بيت من بيوت المدينة بالمدينة كلها، وعلى ما يبدو فقد علمنا الآخرين إستخدام لغة التعميم ضدنا لكي يحققوا ما يسعون إليه.

أما الإسقاطات، فأنها واضحة في سلوكياتنا بصورة عامة، فنتحدث بلغة "هو" ونجعل الآخر هو السبب الأول والأخير فيما يحصل وننفي عنا أية مسؤولية، وهذا نوع من التفكير السلبي العائر الذي يوفر لمن يرغب بنا أسلوبا لتحقيق ما يريد.

ويبدو أن من الضروري أن نمتلك القدرة على التمييز بين التفسيرات السلبية والإيجابية ونتمسك بالإيجابي منها.

وأن نسعى لكي تكون توقعاتنا ذات معاني إيجابية، ومشحونة بالأمل والتفاؤل والإيمان بأن الغد أفضل دوما.

كما أن التمسك بالواقعية والعلمية في تفسيراتنا يساعدنا على العلاج، ويوفر لنا الأرضية لحياة صحيحة طيبة.

وعلينا أن نكون معقولين وغير مضطربين بسبب إحتدام العواطف والإنفعالات في أعماقنا، مما يدفع إلى تشويه بصائرنا وإدراكاتنا وتعميم تصوراتنا. إن تنازلنا عن التعميمات وإبتعادنا عن الإسقاطات والتبريرات، ووقوفنا أمام أنفسنا بعلمية وثقة وصدق وإصرار على الصيرورة الحضارية الزاهية والدور الإنساني الواضح، يؤسس لتحقق حضاري جديد.

أما إذا بقينا نتعامل مع الأيام بعقلية إكتئابية وتأنيبية، وإمعان بالقسوة على الذات وتحجيم قيمتها، والتفتيش عن كل السلبيات والعثرات وصبها في بودقة واحدة ذات لون أسود، وتوفير ذهنية مشوهة، فأننا لن نخطو إلى أمام مثل باقي البشر، وستغلبنا السلحفاة في وصولها إلى حيث تريد.

إن إنجازنا في القرن العشرين أقل بكثير من أمم بدأت بعدنا بعقود عديدة، وهذا يؤكد ويشير إلى ما سنكون عليه في القرن الجديد.

إن المفكر العربي عليه أن يتخلص من الذهنية السلبية المشوهة، التي على ضوئها يغوص في تحليلات سلبية وينتهي إلى نتائج تصب في ميادين إحباطنا، وزيادة شدة كآبتنا وإنكماشنا وتلاشينا الحضاري.

 

د. صادق السامرائي

.............................

المصادر

1- Diagnostic Criteria from DSM- IV، APA 1996، Page 161- 163

2- Kaplan& Sadock، Psynopsis of Psychiatry، 8th edition، 1997، page 919- 924

ملاحظة: هذه الكلمات مكتوبة في تسعينيات القرن العشرين ولم تنشر في حينها، ونشرت في بعض الصحف والمواقع في بداية القرن الحادي والعشرين.

 

حاتم حميد محسنالحقائق العظمى بقايا ميتة،

متعددة السيادة.

خداع ام حكمة؟


في محاولة مواجهة غير المفهوم لدى العديد من فلاسفة القرن العشرين الانكلوامريكيين في استخدامهم للرياضيات والمنطق الشكلي، تبنّى الفلاسفة الاوربيون اتجاها اكثر وضوحا لما هو مجرد شيء غير مفهوم. المؤيد لهم دائما كان جان فرانسو ليوتار(1924-1998) الفيلسوف الفرنسي،المبشر بما بعد الحداثة. هو كتب كما لو كان ملهماً دينيا،وقد مال أتباعه للكتابة في نفس الطريقة المبهمة. فرانسو يتذكر كيف اتخذ في بداياته الاولى مختلف المسارات المهنية: مؤرخ،كاتب، فنان، وراهب دومنيكاني. كان خجلا ان لايصبح كاهنا – التصوف الدومينكاني العميق كان مناسبا له. ولكن في النهاية هو درس الفلسفة والادب رغم انه لم يتعلم ابدا فن الكتابة الجيدة او التعبير عن نفسه بوضوح.

في عام 1979 نُشر نقده للتنوير (او العصر الحديث) تحت عنوان (ظرف ما بعد الحداثة : تقرير حول المعرفة). هنا هو ادّعى بأنه منذ التنوير اتسم العصر الحديث بالايمان المضلل في "السرديات الكبرى" – نظريات مثل العلموية او الماركسية التي ادّعت تقديم حقائق شمولية حول الواقع. ذلك العصر كما يقول، قد انقضى، وان العصر الما بعد حداثي قد حل: عصر اتسم  بـ "الشكوكية نحو السرديات الكبرى".

طبقا لهذه الرؤية، لاتوجد هناك حقائق مطلقة، هناك فقط عدة طرق مختلفة لمعرفة العالم، ليس فيها تفوّق لواحدة على الاخرى. العلم ربما يدّعي العكس،لكنه خاطئ،ومغرور للقيام بهذا. بهذه الطريقة فتح فرانسو الباب على مصرعيه لكل نوع من مشعوذي العصر الجديد للادّعاء بشرعية أي ادّعاء، لايهم كم هي تلك الادّعاءات سخيفة ،لأنه لا أحد لديه احتكار للحقيقة. ما بعد الحداثة تمثل ذروة المحاولات العلمية المذهلة  - تتعدى المظهر الزائف للتعلم والمطبوعات الاكاديمية، ما بعد الحداثويون يتبنّون بقوة طريقة لتجاوز أبشع حالات الهراء والّا معنى في ما يُعتبر عمقا . يمكننا القول  اننا الآن نعيش في ما بعد ما بعد الحداثة، لكنه يبقى مجرد رأي دون ان يُفرض على احد.

 

حاتم حميد محسن

جواد غلومشاعت في صفوفنا الأدبية والفنية في عراق البلايا والرزايا والانحطاط الثقافي مؤخرا ظاهرة لم أجد أكثر منها نرجسية ومراءاة وتنميقا فارغا دون قاعدة ثقافية رصينة أو اعمال أدبية تثير الانتباه ويشار اليها بالبنان، ألا وهي انتشار شهادات التقدير وخردة الدروع المصنوعة من المعادن البخسة (مع تحفظي على تسمية الدرع وكأننا نخوض معركة قديمة تقليدية بائسة) ويتم توزيعها بالجملة إلى هذا وذاك دون أية اعتبارات إبداعية .

وصارت كل مؤسسة تسمي نفسها أدبية أو فنية تطبع عشرات أو مئات الأوراق وتلصق أسماء تشوبها العلاقات الشخصية والصداقات الفردية والمجاملات وحتى المنافع الذاتية، مثل هذه الشخوص الخالية من الثراء الفكري تظهر أمامنا وتكون رغماً عنا، سواء رضينا أم لم نرضَ، وتحسب في عداد المبدعين المتفردين الذين لهم باع طويل في الشعر أو القصّ أو الرسم والنحت وغيرها من الأعمال الإبداعية .

هذه الظاهرة الغريبة أخذت تتسع بشكل خطير  من قبل جهات نكرة معطلة لا تنتج اية ثقافة وليس لها وزن او تأثير يذكر الاّ الضحالة والهوان الفكري، ويقيني انها تآمر واضح وصريح لا يخلو من الدناءة والبذاءة على المثقفين والادباء والشعراء الحقيقيين، وكأن تلك المنظمات التي يمكن تسميتها بأنها جزء من المجتمع المدني نصّبت نفسها راعية للمبدعين وأخذت تشتري من دكاكين القرطاسية قراطيس بخسة الثمن  ويكتبون في متنها ما يشاؤون لهذا الصديق أو ذاك الكاتب المبتدئ عبارات تنمّ عن تقديرات للجهود الابداعية ولأشخاص يعدون في مصاف النكرات وغير المعروفة آثارهم الأدبية والفنية، وكأنهم مسكوا قصب السبق وصاروا بغمضة عين وحيدي زمانهم في نتاجهم الأدبي او الفني .

والأغرب أن تصاحب هذه الاحتفاءات كاميرات (الآي باد) وتلفونات الهاتف المحمول الذكية لمصاحبة المحتفى به وزمرته المصفقة له ليظهر أمامنا بأنه الشاعر الكبير المعلّى  والفنان الذي لا يضارع والألمعي ذي الأفق الواسع ولا نظير له في الخلق والإبداع والابتكار مما يذكرنا بما كان يوزعه الدكتاتور المقبور من أنواط شجاعة وشرائط على رهطه المطيع وحاشيته وعساكره وحُماته من الضباط وغير الضباط وذيول السلطة .

المضحك ان تلك الشهادات تباع برخص التراب في أسواق القرطاسية، ويزاد عليها قلائد من النحاس أو الزجاج التي يطلق عليها قلائد الإبداع؛ إضافة إلى دروع مصنوعة من الخشب أو المعادن المسماة "التنك" الرخيصة الثمن والقيمة ، إنها تباع بالجملة ليشتريها القائمون على ترتيب احتفاءات ولقاءات فنية أو أدبية وتوزع وفق الأمزجة والرغائب الشخصية لمن لايعرف طرق الإبداع ومسالكه الوعرة من دون أي اعتبار للقيم الفنية او مظاهر التميّز في النتاج الفني .

أما كان من الأجدر أن تقوم تلك الجهات التي توزع الشهادات والدروع بشكل اعتباطي وغير مدروس بطباعة نتاجات الكتّاب والشعراء المبدعين المعوزين ماديا لو كانت جادة فعلا في نشر الثقافة الثرية الرصينة، أو عرض لوحات الفنانين في معارض أو غاليريهات الفنّ ليراها المعنيون الباحثون على الجمال الفني والأدبي بدلا من إغراقنا بصور لاتغني فقيرا إلى الوعي والتثقيف ولاتروي ضامئا إلى المعرفة وملء العقل بالرواء الفكري؛ فليس بهذه الظواهر الغثّة تشاع الثقافة وترمم الأذهان وعيا وعلما وأدبا أيها الخائضون في مضمار ليس مضماركم والسالكون دروباً غير دروبكم .

بتّ أعجب وأقول كيف يجرؤ هؤلاء الذين عنيتهم على توزيع شهادات الدكتوراه الفخرية على من سفّ وابتذل في الفن والأدب ولا أغالي لو قلت انها من خزعبلات وأحابيل قليلي الحياء والأدب .

 

جواد غلوم

 

زهير الخويلديمقدمة: على الرغم من أن الأغورا agora اختراع يوناني، مرتبط ارتباطًا وثيقًا باختراع المدينة، فإنها ترتبط في الخيال المعاصر بالديمقراطية، والتي سبقتها على الرغم من أنها لم تتضمنها في كل مكان. لذلك من المستحسن النظر إلى أغورا الأصول، كما تظهر في قصائد هوميروس، ولكن أيضًا من خلال عناصر أخرى، ولا سيما العناصر الأثرية. هذه تسمح لنا بفهم تجسيد واقع إنساني في المقام الأول في الفضاء الحضري. هذه المساحة العامة هي تلك الخاصة بالأشخاص الذين تمت استشارتهم في المجتمع، وهي مساحة سياسية منظمة حيث يتم إضفاء الطابع المؤسسي على السياسة وتتطلب تشييد المباني، على حافة الساحة، للهيئات الأصغر والمجلس والمحاكم وكليات القضاة. الأغورا هو أيضًا مكان مفتوح للجمهور الآخر، جمهور السوق، مكان العروض والمسابقات، جمهور الفلاسفة - الجماهير مع ذلك المواطنين. جنبا إلى جنب مع تقلص الحياة السياسية، فإن أغورا المدن العظيمة تتضخم، مثل مساحة متماسكة ومرموقة، لكنها مغلقة على نفسها، وينتهي بها الأمر بالاختفاء مع المدينة في نهاية العصور القديمة. ومع ذلك، قد تكون بعض المحاولات لإحيائها تعمل بشكل جيد. فماهي مختلف دلالات الأغورا؟

تجمع المحاربين في الساحة العامة

في اليونانية القديمة، الاسم المؤنث أغورا agora هو اسم الفعل من الفعل اغويروageirô . تم توثيق كلمات هذه العائلة منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، على أقراص خطية لبيلوس وكنوسوس: إنها في الأساس مسألة جمع الماشية، ولكن يبدو أن المركب، a-ma-ko-to، الموجود على لوحة كنوسوس، يتضمن تجمعًا بشريًا واسع النطاق، ربما لعطلة دينية، والتي ربما تكون قد أعطت اسم أشهر. أن هناك حياة جماعية في أيام القصور، بل وحتى أماكن لها، بالتأكيد؛ ولكن يبدو أن البعد السياسي للتجمعات البشرية هو ظاهرة لاحقة. تشير الاستخدامات الأولى للأغورا، في قصائد هوميروس (بالشكل القديم)، إلى فكرة التجمع السياسي، وحتى التجمع الشعبي، المتميز عن مجلس الرؤساء. وهكذا، في الأغنية الثانية للإلياذة، استدعاء أجاممنون الأول، بالقرب من سفينة نيستور، مجلس الشيوخ ؛ هؤلاء، "الملوك الحاملون للصولجان"، يتسببون بعد ذلك في تدفق قواتهم  نحو الأغورا - والذي يجب أن يُفهم بلا شك على أنه "المربع"، ولكن، بعد ذلك بقليل، هذه الفترة التي ينفجر عند سماع كلمات أجاممنون مقارنة ببحر عاصف، وهو بالفعل حشد (هضبة) المحاربين . المعنى المكاني، الذي يتبع منطقيًا المعنى الأولي، واضح من الإلياذة: إن الأغورا ليست فقط التجميع ولكن أيضًا المكان الذي يلتقي فيه المرء، المكان - وإن كان مساحة خالية بسيطة بالقرب من سفن أخيون، أو، بالنسبة لأحصنة طروادة الذين يخيمون خارج الجدران، مكان غير ملوث بالجثث. من ناحية أخرى، فإن أغورا الفنقيين، التي وصفها نوسيكا لأوليسيس، مرصوفة بأحجار جميلة ومزودة بمقاعد، وربما شرفات، كما في بيلوس. في الإلياذة، قصيدة الحرب، يتم استدعاء شعب لاوس إلى أغورا وإلى أغورا. في الأوديسة، تكون المواقف أكثر تنوعًا - يعقد أوديسيوس تجمعًا لجميع رفاقه قبل الوصول إلى أرض السيكلوبس بسفينة واحدة؛ يتسبب إليماتشوس في استدعاء المبشرين لجبهة لشعب إيثاكا؛ يفعل ألكينوس الشيء نفسه مع الفنيقيين - لكن هؤلاء المواطنين البدائيين هم أيضًا، تقريبًا، محاربون. في قصائد هوميروس كما في المدن الوليدة، يجتمع الناس معًا لتوصيل المعلومات وتعريضهم لمسائل "المصلحة العامة". فقط القادة، الذين يستدعون (بصوت المبشرين) ويرفضون التجمع، يمكنهم التحدث بحرية وحتى العراف يتحدث فقط إذا تمت دعوته للقيام بذلك من قبل أحدهم. تستمع لاوس إلى حديث الرؤساء وتتفاعل فقط في أحسن الأحوال بشكل جماعي، بصوت عالٍ. المناقشة والمناقشة ليست في متناول الجميع على الفور، حتى بشأن مسائل "المصلحة العامة" هذه؛ لكن، المستمع والمتفرج، يُنظر إلى الناس المجتمعين على الأقل على أنهم الجمهور الذي لا غنى عنه في هذه الاجتماعات، والجمهور الذي لا يكون رأيه رسميًا فقط. قبل ظهور مفهوم المساواة بوقت طويل، كانت فكرة المجموعة الموحدة، حيث يحتل كل فرد مكانه الصحيح ولكن حيث يكون للجميع مصيرًا مترابطًا، مما يعزز هذه الممارسات، والأغورا، كتجميع، هي، في أقدم الفكر اليوناني، علامة الحضارة: العملاقون، الذين يعيشون في كهوف على قمة الجبال دون رعاية بعضهم البعض، ليس لديهم "تجمعات تداولية ولا قوانين". يمكن للمرء أن يصدق تقريبًا قراءة سياسة أرسطو، والتي، بعد أربعة قرون، ستحدد المواطن من خلال مشاركته في السلطة التداولية والقضائية. "عالم يوليسيس" لا يمكن أن تكون صورة تاريخية، مخلصة بكل الطرق لواقع المدن الوليدة، ولكن الصورة المعطاة للتجمع في قصائد هوميروس والتطور الذي يمكن ملاحظته في أدائه بين الإلياذة والإلياذة الأوديسة - مع اجتماع الجمعية بشكل أكثر انتظامًا وفي مكان محدد، ساحة عامة حقيقية - تتفق مع ما نلاحظه في مكان آخر، خاصة في اسبارتة. هناك، يُرجح أن نصًا يعود تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهو نوع من الوحي الدستوري، الخطية العظيمة، ينص على اجتماعات الجمعية بمناسبة أعياد أبولو، في مكان محدد بمعلمين، حيث يتم تقديم المقترحات. من قبل الملوك ومجلس الشيوخ، ولكن حيث يكون للناس سلطة اتخاذ القرار. إن ولادة الأماكن العامة، وحتى تخصص إحداها كمساحة سياسية مناسبة، هو في الواقع ظهور المدينة ذاته.

الفضاء العمومي والفضاء السياسي

كان لكل مدينة يونانية أغورا خاصة بها، كانت في البداية مكانًا لاجتماع الجمعية. لذلك كان هذا الفضاء العمومي، قبل كل شيء، فضاءًا سياسيًا، حيث يتم استشارة المواطنين (السياسيين) في الأمور المتعلقة بالمجتمع بأسره، والمحدودة في العصور القديمة بالسلام والحرب، أو حتى الأساس الاستعماري. إنه على وجه التحديد في المدن الاستعمارية، خاصة في غرب البحر الأبيض المتوسط، حيث تأسس أولها في الوقت الذي وُلد فيه مفهوم الدولة-المدينة في القرن الثامن. av. م، أن تعريف الفضاء العام يظهر بشكل أوضح: في أرض جديدة، حيث وصلت مجموعة صغيرة من المهاجرين على أمل حياة أفضل، كان من الممكن اختيار نمط حضري مناسب تمامًا للنموذج السياسي المستهدف، مع تحديد واضح للمساحات المختلفة، وبالتالي للأغورا. أكثر ما يميزها هو أغورا من ميغارا هيبليا، وهي مدينة تأسست على الساحل الشرقي لصقلية من قبل مستوطنين من ميغارا (بين كورينث وأثينا). يأخذ شكله النهائي حوالي منتصف القرن السابع. av. ميلادي، مع بناء الأروقة والمعابد التي تضفي عليها ملامح، ولكن من الواضح أن المساحة قد تم حجزها من الأساس، قبل قرن تقريبًا: تقع عند نقطة التقاء شبكتين حضريتين، وهي تغطي أكثر من منطقة سكنية حجب ومقاطعة تصميم شارعين ثانويين؛ لم يسبق أي بناء، حتى لو كان بدائيًا، تركيب مباني القرن السابع، مما يثبت أن هذه المنطقة قد تم تصميمها بالفعل، منذ وصول المستعمرين، كميدان عام لهم. النية والجهاز لا مثيل لهما في القرن الثامن. av. ميلادي، وأكثر من ذلك بكثير تستحضر مشاريع حضرية لاحقة، مثل إعادة بناء برييني بعد أربعة قرون. في المستوطنات "القديمة" لليونان وساحل الأناضول، كانت الأمور معقدة بسبب وجود موطن قديم، قبل الهيكلة في المدينة. في أثينا، لا يمكن تحديد أجورا إلا على وجه اليقين، شمال الأكروبوليس، منذ بداية القرن السادس قبل ميلادي، المنطقة التي استضافت المقابر في العصر الميسيني، والآبار المحلية والأنشطة الحرفية بعد ذلك. ومع ذلك يمكننا الكشف عن القرن السابع. av. م، علامات النشاط السياسي على حافة الميدان، في مبنى لا ينبغي بالتالي أن يكون "خاصًا" فقط، في نفس المكان الذي، بعد قرنين من الزمان، المكتب الدائم لـخمسمئة ممثل للشعب، المجلس الديمقراطي. كانت الساحة نفسها عبارة عن منخفض مستنقع، تم استيعابه للاجتماعات العرضية القديمة؛ تم تجفيفها وتعقيمها في النصف الثاني من القرن السادس. av. م، يمكن أن تصبح المركز السياسي والقضائي والثقافي والتجاري والإداري الحقيقي للبوليس. ومع ذلك، فإن أثينا أغورا تختلف عن المدن الأخرى بقدر ما هي، منذ بداية القرن السادس قبل ميلادي، عُقدت اجتماعات الجمعية ايكليسيا في مكان آخر، على تل بنيكس، والذي تم تصميمه للسماح لمواطني الديمقراطية الشابة، المستمعين والمتحدثين على حد سواء، بممارسة سيادتهم بشكل أكثر ملاءمة. لكن أصوات النبذ، وهي مظهر آخر من مظاهر السيادة الشعبية، استمرت في الحدوث في أغورا (بينما كانت تجمعات ديميس، الدوائر الانتخابية الأساسية للنظام السياسي الأثيني، تسمى الأغورا). في أثينا كما في أي مكان آخر، كانت الأغورا هو القلب السياسي للمدينة، وهو مكان يقع على مفترق طرق المحاور الرئيسية وتصطف على جانبيه المباني - أكثر وأكثر مع مرور الوقت - المتعلقة بإدارة الشؤون العامة، وغرفة المجلس، والمحاكم، أماكن لقاء القضاة، وأماكن العرض، والمحفوظات، ولكن أيضًا ملذات الطوائف المدنية، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنشاط السياسي، والمكان الذي يحترق فيه الموقد المشترك. مرت المواكب الدينية لمهرجانات بولياد الرئيسية، مثل باناتينيا، عبر الأغورا. علاوة على ذلك، كان الفضاء العمومي مصونًا: تخبرنا النصوص بذلك بالنسبة لأثينا: ليسياس يذكرنا بالمعصية المطلقة للطغاة الثلاثين، الذين ذهبوا إلى حد تمزيق المواطنين من الأغورا أو من الأماكن المقدسة. أما أرسطو، في دستور أثينا، فينصص على أن المتهم بارتكاب جريمة قتل قد تم استبعاده من الأماكن المقدسة اعتبارًا من الأغورا، ويجب أن يكون هذا النظام الأساسي هو نفسه في المدن الأخرى.  لقد كانت الأغورا الأثينية مكان العرض في الفترة الكلاسيكية ويمكن للمرء أن يراجع القوانين والمراسيم، وكذلك جدول أعمال اجتماعات الجمعية والمجلس، وقوائم التجنيد حسب القبيلة، والتهم المرفوعة أمام المحاكم. هذا الأخير، الذي يتكون في أثينا من مواطنين مأخوذين من بين مواطنين آخرين في كل عام، يمكن، دون أن تكون المناقشات عامة حقًا، أن يكون له جمهور أوسع، وهو ما سهله الموقع في أغورا، وربما يكون أيضًا عدم وجود سقف؛ من المعلومات الرسمية إلى المحادثات والأفكار الطائشة، وقضايا المحاكم، على أي حال، أثارت إعجاب الجمهور. لأن الأغورا لم تكن مكانًا عموميا فحسب، بل كانت أيضًا مكانًا للجمهور، وحتى للجماهير المختلفة.

مكان للجمهور

ظهرت الأغورا - وليس فقط في أثينا، ولكن أيضًا في أرغوس وكورنث وسيسيون ... - جلبت ظروف معينة بخلاف التجارب جمهورًا من المتفرجين والمستمعين. في الساحة العامة، تم تنظيم مسابقات، غنائية، رياضية أو مسرحية بمناسبة الأعياد الدينية الهامة، الباناثينا الكبرى وديونيزيا الكبرى في أثينا؛ يمكن بعد ذلك تركيب حوامل خشبية في الساحة، للسماح للجمهور بمشاهدة السباقات (تم العثور على فتحات دعامة المدرجات مثل خط البداية في الأغورا الأثينية، حيث تم توجيه المسار في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد. الشمال والجنوب، يتبع أطول وسيط للمثلث). في الأوديسة أيضًا، تجري الألعاب التي نظمها الفاشيين لأوليسيس في الأغورا، وتتدفق الحشود لحضورها . في أثينا مرة أخرى، تم تركيب أول أوركسترا على الأغورا في القرن السادس قبل الميلاد، لاستخدامها في العروض المسرحية لديونسياس العظيم (قبل بناء مسرح ديونيسوس، جنوب الأكروبوليس) وللمسابقات الغنائية لباناثينايا العظيمة، حيث يمكن للشعب الأثيني أن يسمع الرابودون وهم يغنون مقاطع من الإلياذة والأوديسة وبالتالي الوصول إلى ثقافة أرستقراطية في البداية. استمرت أوديون أجريبا في القرن الأول قبل الميلاد، هذه الوظيفة للمكان من خلال تثبيتها في الأثرية. مكان للثقافة، ولكن بالنسبة للجمهور الأكثر تقييدًا بشكل واضح، كانت الأغورا كذلك أيضًا من خلال الترحيب بكلمات الفلاسفة، كلمات سقراط على جانب كشك سيمون صانع الأحذية، أو حتى زنون دي كيتيون الذي، بعد قرن من الزمان، فضل الحافة الشمالية للميدان ورواقه الملون، الذي أعطى اسمه للرواقيين. الفضاء المفتوح، كان الأغورا اليونانية في الواقع يتردد عليها، في الغالب، من قبل المواطنين، وعلى الرغم من تنوع وبقيت بالتالي مكانًا عامًا بمعناه الأصلي، دون أن يشمل المجتمع ككل بشكل كامل. في اسبارتة، يخبرنا بلوتارك، في حياة ليكورجوس، أنه حتى أولئك الذين لم يكونوا بعد مواطنين كاملين - "لم ينزلوا أبدًا إلى الأغورا ". في أثينا، نعم، في القرن السادس قبل الميلاد، كما تشهد اللوحات على المزهريات، كانت النساء يترددن بحرية على النوافير، ولا سيما تلك الموجودة في جنوب المكان، ويبدو الفضاء العام ذكوريًا بشكل واضح اعتبارًا من القرن التالي: حتى للذهاب للتسوق في السوق هو عمل للرجال، والنساء اللواتي يدفعهن الفقر لبيع شرائطهن أو خضراواتهن مستهجن. أما بالنسبة للأجانب، فيمكنهم ممارسة الأعمال التجارية هناك، لكنهم يدفعون ضرائب خاصة. أخيرًا، يمكن للعبيد، إذا كان لديهم ثقة السيد، الذهاب إلى السوق لديهم أيضًا مكان ملجأ بالقرب من الأغورا ولكن ليس في قلبها (حيث مذبح الآلهة الاثني عشر، في الزاوية الشمالية من الساحة، له هذه الوظيفة أيضًا).

من الفضاء المفتوح إلى الفضاء المغلق

مساحة مفتوحة وواضحة، مثل الأغورا التي رآها الإغريق القدماء. في اسبرتة، تم التأكيد على التجريد المعماري من قبل العديد من المؤلفين، من ثيوسيديد وبلوتارك. حتى في أثينا، ظلت الأغورا لفترة طويلة مكانًا فارغًا، محددًا بعلامات بسيطة؛ كانت المباني العامة، الضرورية للاستخدامات المدنية المختلفة، واجتماعات المجالس، وساعات العمل، ومقاعد القضاة الآخرين، والمحفوظات، والمحاكم، والعملات المعدنية، والأروقة المختلفة التي يمكن تأجيرها للتجار والجمعيات والمحاضرين، تقع جميعها على الحافة الخارجية للفضاء محددة بعلامات الحدود، وكذلك المعابد والأضرحة؛ كان مذبحان فقط، بما في ذلك مذبح الآلهة الاثني عشر، يمثلان نقطة البداية لجميع المحاور ويستخدمان لحساب المسافات، وقاعدة الأبطال المسمى، مكان عرض المعلومات المخصصة للمواطنين، على الحدود الداخلية ولكن كان هناك ميل في كل مكان لإغلاق هذا الفضاء في الفترة الهلنستية، عندما استمرت المدن بالتأكيد في الوجود ويمكنها حتى تجربة حياة مجتمعية ديناميكية، لكنها لم تعد دول المدن ذات السيادة قبل الهيمنة المقدونية وظهور الممالك الأخرى التي ولدت من فتوحات الإسكندر. تكتسب العمارة الحضرية في التماسك والانسجام، مع محاذاة الأعمدة جيدًا حول مربع مستطيل، يمكن إعادة تشكيلها إذا لزم الأمر، على مخطط مستطيل؛ لكن المرء يغلق في نفس الوقت الذي يزين فيه، مبتعدًا عن الروح الأصلية. تصبح المساحة العامة مكانًا للتباهي، حيث يطالب المتبرعون السخاء بتقديم عروضهم بإهداء (مثل أتالوس الثاني، ملك بيرغاموم، على الرواق المقدم إلى الأثينيين في القرن الثاني قبل الميلاد) وحيث الأعيان، أصحاب السلطة السياسية المشددة، مثل عرض صورتهم المنحوتة. لم يعد للإعلان الشخصي أي علاقة بالمساحة العامة للمعلومات للمواطنين: إنها الحياة السياسية نفسها قد تغيرت بشكل عميق.

هل تمثل أغورا اليوم عودة إلى الروح الأصلية؟

في المدن اليونانية، لا تزال كلمة أغورا تشير إلى مكان اليوم: السوق، مجمع القاعات، ولكن أيضًا المكان الذي يحدث في الهواء الطلق في شارع كذا وكذا في يوم معين من أيام الأسبوع. كنشاط، إنها تجارة، معاملة. بصرف النظر عن اللغة المكتسبة التي يمكن أن تستخدم المصطلح بالمعنى الذي كان يستخدمه في العصور القديمة الكلاسيكية، فقط في اليونانية الحديثة، يشير الفعل agoreuô ومشتقاته إلى الخطاب العام. هذان المسلسلان، أحدهما عن agora مع مفهوم السوق، والآخر عن agoreuô مع مفهوم الكلام، في الواقع يوسعان التخصص الذي ظهر في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد. لكن في أماكن أخرى من العالم الغربي، خصصنا الكلمة من خلال السعي إلى إعادة خلق روح الأصول، أو ما نفكر فيه على هذا النحو. انها مساحة مفتوحة، مكان اجتماع (عرضي) ومناقشة (مرتجلة)، هذا هو الأغورا الحديث، سواء كان افتراضيًا أو رقميًا أو مبنيًا، مدرجًا في العمارة الحضرية (في نفس الوقت مركز اجتماعي، مساحة ثقافية، مكتبة وسائط، مقهى، مصمم كمكان لقاء لمختلف الجماهير من جميع الأعمار). حتى لو تم استخدام الكلمة في العديد من الدلالات وعلى العديد من العلامات، فإننا نجد بشكل عام في هذه الاستخدامات الحديثة فكرة حرية الكلام والنقاش، بالاتفاق، إن لم يكن مع التاريخ الكامل للأغورا اليونانية، والأقل مع ذلك. تجسد خاص في أثينا في الفترة الكلاسيكية. فهل يمكن أن يطور الفضاء الافتراضي اليوم الطابع المفتوح والمتجدد للأغورا الاغريقية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..............................

Bibliographie

Bartzoka A., 2015, « Comment peut-on influencer le déroulement d’un procès ? La circulation de la parole autour des tribunaux », Revue des études grecques, 128, pp. 309-329.

Baurain-Rebillard L., 1998, « Les vases “communicants” à Athènes, des offrandes de l’Acropole aux premiers banquets sur l’Agora », Ktèma, 23, pp. 125-136.

Camp J. M., 1986, The Athenian Agora. Excavations in the Heart of Classical Athens, Londres, Thames and Hudson.

Chadwick J., Baumbach L., 1963, « The Mycenaean Greek Vocabulary », Glotta, 41, pp. 157-271.

Chantraine P., 1968-1980, Dictionnaire étymologique de la langue grecque. Histoire des mots, Paris, Klincksieck, 2009.

Finley M. I., 1954, Le Monde d’Ulysse, trad. de l’anglais par C. Vernant-Blanc et M. Alexandre, Paris, Éd. Le Seuil, 2002.

Hölscher T., 1998, « Öffentliche Räume in frühen griechischen Städten », Ktèma, 23, pp. 159-170.

Martin R., 1951, Recherches sur l’agora grecque. Études d’histoire et d’architecture urbaines, Paris, De Boccard.

Taillardat J., 1984, « Une panégyrie en Crète mycénienne ? (Tablette KN Fp 14) », Revue des études grecques, 97, pp. 365-373.