رشا فاضلقَدْ يبدو الحَديث عَن النسويَّة في هذا الزَّمنِ العراقيِّ الصَّعب حديثاً غَرائبيَّاً يَميلُ لِلمُقارَبات الفلسَفيَّة الَّتي تُعنى بِتفسير تَراجع أو انعِدام وجود الحَرَكاتِ النسويَّة الفاعِلة والجَّادَّة في العراق، لكن في الحقيقة ما أودُّ أنْ استعرِضه هُنا هُو بعض الوقائع لِتجليِّات النسويَّة في العراق بشكلها الفطريِّ الأوَّل الَّذي كان متواجداً كَمُكَوُّنٍ اجتماعيٍ مقبول بِشكله البدائي، حيثُ كانت النسويَّة مُمارسة فطريَّة غَير مُعَنوَنَة بالحركات النسويَّة وَلَم يَتمُّ تَبويبها ضِمن حَركاتِ التحرُّرِ والُمساواة، فَقَدْ عايشتُ تلك النسويَّة وكنتُ شاهدة عليها وأنا ارى النساء القُرويَّات يمارسن حياتهنَّ بشكلٍ طبيعي وَفطريّ لَمْ يَكُن خاضعاً للفتاوى والتَّنظيراتِ الدينيَّة، فَقَدْ كانت رُؤية النِّساء وَهنَّ يَقْدنّ المَركَبات خُصوصاً (التراكتر) في الحُقول مَشهداً عاديَّاً ومألوفاً لا يخضعُ للانتقاداتِ الاجتماعيَّة بَلْ صِفة محمودة لِمُشارَكة المرأة للرَّجل في المسؤوليَّة حتى أنَّ مصطلح (فْحَلَة) أو (زَلاَّمة) الَّذي تُوصَف بِهِ النِّساء القويَّات المسؤولات يُعتبر مَدحاً لِلمرأة القويَّة والناجحة في أداءِ عملها، وإذا اردنا الحديث عن مظاهر حُريَّة المرأة في الحياةِ الاجتماعيَّة نَجد أنَّ مَنظَر المرأة وهي تُدخِّن السيجارة مثلاً مشهدا مألوفا يزيد مَن هَيبتها وَ لا يتعارض مع أيِّ مفهومٍ من مفاهيم الشَّرف والاحترام بَلْ عادة مُتَّبَعة وَمألوفة لَدى الكثير مِن نساءِ القُرى خُصوصاً النِّساء الكبيرات في السنّ مع اصرارهنَّ على التزيّن بـ (الدگ) وهو ما يُعرَف اليوم بـ (التاتو) أي وَشْمِ الجِلد بِرسومٍ ورُموزٍ جماليَّة معيَّنة والتَّباهي بها واعتبارها زينة لابُدَّ منها للنِّساء بِمختلف اعمارهنَّ وأوضاعهنَّ الاجتماعيَّة،

وأمَّا عَن الاختلاط بين الجِنسَين فَقَد كانَ الاختلاط بين الرِّجال والنِّساء يَحدث تلقائيَّا ضِمن مُقتضياتِ الحياةِ الاجتماعيَّة كالعمل في الحُقول وأيام الحَصاد وَفي المآتم ومشاركة الرقْصات الشَّعبيَّة الاحتفاليَّة في الاعراس خُصوصاً رَقصة (الدَّبْكَة) الَّتي تجمع في الغالب الرِّجال والنِّساء من الأقارب.

وَكانت مُصافحة المرأة للرجال امراً طبيعيَّاً، وكانت كلمة (استريح) بِمعنى التَّرحيب للدُّخول إلى المنزل للقيام بواجب الضيافة  للمُستطرقين، كَرَماً تُبادر بِهِ المرأة القُرويَّة العراقيَّة لِلقاصي والدَّاني وَهو الأمْر الَّذي يَعُدُّه الكثيرون اليوم مِن المُحرَّمات في الدَّولة العراقيَّة الحديثة الَّتي تأسَّسَت في عشرينيات القرن الماضي واتَّخذَت اليوم في هذا الوقت المتأخر من الحضارة مَساراً رَجعيَّاً  لِتشهد ردَّة حضاريَّة غير مسبوقة بفعل اعتلاء الإسلام السياسي منصَّة الحُكْم وصُعود الأحزاب الإسلاميّة ومبادئها الاصوليَّة التي كفَّرت وقيَّدت مُعظم المُمارسات الاجتماعيَّة والحياتيَّة للمرأة وعزَّزت الوصاية الابويَّة في تشريعاتها القانونيَّة واعتبرت ِضمناً  أنَّ الحَرَكات النسويَّة مُوازية للماسونيَّة وُصولاً إلى مَنع إيجاد فرعٍ للدِّراسات النسويَّة في الجامعات العراقيَّة أُسوةً بِجامعاتِ العالَم.

وَفي مَعرض الحديث عَن التَكفير لا يَفوتني أنْ اذكُر ما شَهِدته مُنذ بداية انتشار هذا التيَّار عام ٢٠٠٦ حيثُ كان أتون الحرب الطائفيَّة مُشتعلاً بَعد الاحتلالِ الأمريكيِّ للعراق فَقَدْ وضَعَتني الصُدَف في قافلةٍ ذاهبة للحجِّ مع مجموعة من الحجَّاج والَّذي صادف انَّهم مِن قرية واحدة وكانت حينها المرَّة الأُولى في حياتي الَّتي اسمع فيها بِمُفردة (مُشرِك) وكافر الَّتي ترَدَّدت اكثر من التَّسابيح في رِحلَة الحجِّ المُباركةِ تلك، حيثُ انبَرى اغلب الحجَّاج المُلتحين بجلابيبهم (الميني جوب) وكانوا شبابا في الغالب بِتوزيع صُكوكِ الجَنَّةِ والنَّارِ والكُفرِ على العالَمِين حتى انَّهم كَفَّروا المسؤول عن حَمْلة الحجِّ القائمِ بالحَملة فيما كانت النِّساء تُواصل امتعاضها منهم ولأنَّهن كُنَّ عمَّاتهم وخالاتهم وقريباتهم فَلَم يكونوا قادرين على تكفيرهن لكنَّهم كانوا يمتعضون مِن اعتراضاتهم المستمرَّة وحتى شتائمهم الَّتي كانت تُثلِج قلبي وأذكُر عندما شارَفنا على الوُصول إلى المدينة المُنوَّرة كيف انبَرَتْ النِّساء تُعَبِّرعن فرحهنَّ بالوُصول وَشغفِ مُلاقاة قَبرِ النبيِّ (ص) حتى انبَرى أحدُ المُلتحين بدِشداشته القصيرة وقال لها رادعاً: زيارة ورؤية قَبر النَّبي شرك!

وَلَمْ يكنّ منهنَّ الاَّ أنْ يَستَدرْنّ نَحوه ويَصِحنَ بوجهه كأجمل ثوريَّات في تاريخ النسويَّة: لَمْ نقطع كلَّ تلك المسافة لِنرى (لَحَاياكم)! بَلْ لنِزور قَبرهُ المُبارَك والصَّلاة عِندَه.

وَلَمْ يتجرَّأ أحدُهم على رَدِهنَّ ليس لأنَّهم اقتنعوا بِكلامها بَل لأنَّ المُحتجَّات كُنَّ عمَّاتهم وخالاتهم، ولم أكُن لأُفوِّت تلك اللَّحظة الَّتي اشفَت غليلي لأسأل احداهنَّ سُؤالاً غير بريء: أين درسوا هذه الفتاوى في أيَّة جامعة أو مدرسة؟

فأجابتني بِلهجتها القُرويَّة: علَّموهم (بالشِوارع)..

وَعندما لَمَحَ أحد المُلتَحين ضِحكتي الصَّائتة قال بصوتٍ عالٍ لَعلَّه (يَهديني) إلى طريق التَّقوى فَقَدْ كُنتُ كاشفة عن وجهي: النِّساء في زمنِ النَّبي كانوا يُغطُّون وُجوههنَّ كالغِربان..

وَدُونَ أيِّ تفكير قلتُ لَهُ الا تكفي الغربان الَّتي معنا!

لَمْ تتوقَّف النِّساء عِند قبر النبيِّ فَحَسْبْ بَل رِحْنَ يُخرجنَ صُرَّة ادعيتهنَّ الَّتي حمَلنها مِن العراق إلى الدِّيار المُقدَّسة وتباركن بالشَّجر والحَجَر.. فيما ظلَّ اصحاب اللّحى يُطلقونَ صيحاتهم التكفيريَّة حتَّى يومِنا هذا.

 

رشا فاضل – لندن

كاتبة وصحفية عراقيَّة

 

 

علي المؤمنظلت دعوات تجديد بنية قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي ومؤسسته الدينية تتكرر خلال القرن الأخير، ولا يزال يقودها علماء دين ومفكرون وباحثون يدركون حجم الحاجة إلى هذا العمل؛ لتكون بنى النظام وهيكليته وأجهزته وأنساقه، منسجمة مع اتساع مساحات النظام وصلاحيات قيادته المرجعية وحرية حركة مؤسسته الدينية. وبالطبع لا تدخل في هذا الإطار بعض الدعوات الانقلابية التي تغطي نفسها بشعارات التجديد والإصلاح؛ لكنها تعمل على ضرب أُسس النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وسلطته، ومؤسسته الدينية. وبالتالي؛ فإنّ ما يعنينا هنا الدعوات الداخلية الإصلاحية التي تستند إلى الأُسس والثوابت والمبادئ، وتستهدف المتغيرات والهياكل. ويرى هؤلاء بأنّ مبادئ الإسلام ومذهب آل البيت تضع ـ مجتمعة ـ في عنق المسلم واجب الدعوة إلى إصلاح المتغيرات وتجديد القراءات بالحكمة والموعظة الحسنة، وبما يعزز قوة النظام الاجتماعي الديني الشيعي وقيادته ومؤسسته الدينية وفاعليتها.

إنّ العوامل الجديدة التي تدخل ـ بمرور الزمن ـ في بناء الحياة، والتغيرات العامة، ولا سيما الاجتماعية والسياسية والعلمية؛ تستتبع ـ عادة ـ تحولات في المفاهيم والمصطلحات والبنى التقليدية المتحركة، لتتناسب مديات الحاجة إلى هكذا تغيير وتجديد، طردياً مع حجم التحوّل والتغيّر، مع الأخذ بنظر الاعتبار ثبات المفاهيم والبنى التي تعبّر عن هوية الأُمّة وأصالة نظامها الديني.

وربما بقيت بعض المفاهيم والبنى بمنأى عن هذا التحول، بفرض عوامل معيّنة، ربما يكون أحدها حالة القدسية الموروثة التي تتمتع بها. إلّا أنّ التفاصيل التي استنبطت في زمن معيّن، وفي ظروف معيّنة، أو رعاية لمصلحة موضوعية؛ لا يعني أنّها مقدسة، ولا يمكن مناقشة مضامينها ونظمها، والمساس بها، وعدم إخضاعها للحوار العلمي الجاد. وإذا كانت مفاهيم «المرجعية الدينية» و«نيابة الإمام المعصوم» و«ولاية الفقيه» و«الاجتهاد» و«التقليد» و«الرجوع إلى رواة الأحاديث» و«الاحتكام إلى الفقيه» في المذهب الشيعي من ثوابت عصر الغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر)، التي تقود إليها الأدلة الشرعية والعقلية؛ فإنّ هياكلها وأنساقها وتفاصيلها التقليدية الموروثة تظل دائماً من المتغيرات، والتي تفرض متطلبات الواقع والمستقبل ضرورة إعادة النظر فيها، وتعديلها وتطويرها.

والإحساس بهذه الضرورة حمل الكثير من الفقهاء المتأخرين والباحثبن المتخصصين، على إضافة مصطلحات جديدة لتوضيح مدلول المرجعية المعاصرة، ومحاولة إعادة تنظيم بنائها، ومنها «المرجعية الرشيدة» و«المرجعية الموضوعية» و«المرجعية القائدة» و«المرجعية المؤسسة». وهذا يعني أنّ منظومة المرجعية والمؤسسة الدينية، فيها كثير من المرونة والقابلية على المراجعة والتجديد والتحديث في آليات عملها.

والمقاربة التي نحن بصددها هي تصورات عامة في الطريق، أمّا الحوار العلمي التخصصي حول شكل المشروع وسبل تنفيذه؛ فهو شأن المعنيين من الفقهاء المجددين وأهل الخبرة. ويتطابق مستوى نضوج المشروع مع حجم وعي المتخصصين بمتطلبات العصر، والتي ينبغي أن لا تؤثر فيه الأجواء الانفعالية، والميول النفسية المحكومة بظرف معيّن، أو مصلحة خاصة؛ ليكون القرار بهذا الشأن على مستوى المصلحة الإسلامية العليا.

إنّ من أهم القضايا التي تطرح خلال الحديث عن بنية «المرجعية الدينية» ومؤسساتها:

1ـ مأسسة المنظومة المرجعية ومتغيرات حركتها الخاصة والعامة، وفقاً للحاجة ومتطلبات الحاضر والمستقبل، بما في ذلك آليات تحديد شروط الاجتهاد الجديد، وكيفية الكشف عن مصاديقه وشخوصه، وفرز مراجع التقليد، واختيار المرجع الأعلى.

2ـ تقنين سياقات علاقة المرجعية العليا بولاية الفقيه ومرجعيات التقليد والفقهاء في البلد نفسه والبلدان الأُخر، في إطار منظومة مرجعية واحدة.

3ـ تجديد هيكلية الحوزة العلمية ومناهجها الدراسية ومراحلها.

4ـ تنظيم الحقوق الشرعية (كالزكاة والخمس وغيرهما) والولاية عليها وحق التصرف فيها.

وقد تناولنا في الفصلين السابقين كيفية نشوء المصطلحات والمفاهيم والبنى المتغيرة في إطار النظام الاجتماعي الديني الشيعي ومرجعيته ومؤسسته الدينية، وتبين أنّ كل المفاهيم والمصطلحات والهيكليات والتطبيقات التدبيرية التي تستجيب لمتطلبات الواقع وضغوطاته، هي من المباحات؛ بل من اللوازم والضروريات العقلائية، طالما لا تتعارض مع نص شرعي ولا يعيقها كابح شرعي، ولطالما تحقق مقاصد حفظ الدين والمذهب وأتباعه، وتطوير أدوات حركتهم. وأمثلة ذلك: استحداث مصطلحات ومفاهيم ومواقع كالمرجع الأعلم أو المرجع الأعلى أو المرجع المتصدّي أو سيد الطائفة أو زعيم الحوزة؛ إنّما هي إجراءات تدبيرية تنظيمية تنطلق من إشكالية وحاجة حقيقية، تتمثل في كون جميع الفقهاء حججاً على الناس، في زمن واحد ومكان واحد، في المجالات التي حددتها أحاديث الأئمة. وتطبيقات هذه الحجية تعني ولاية لجميع الفقهاء على إدارة المجتمع الشيعي دينياً وجزائياً واجتماعياً في الزمان والمكان نفسيهما. من هنا، سيكون وضع نظم وحدود من شأنها تأكيد الحيلولة دون حصول التعارض والتزاحم اللذين يؤديان إلى تشتت كلمة الأُمّة وفرقتها؛ ستکون ضرورة عقلائية لا بد منها في كل زمن.

وبما أنّ أكثر هذه المفردات يمثّل عناصر تدبيرية مستجدة باتت الحاجة إليها تبرز بمرور الزمان، ولم يعالجها الفقه من قبل؛ فإنّها بحاجة إلى حركة اجتهادية تجديدية تدبيرية واسعة النطاق، لتبيين تفاصيل النظرية وأساليب تنفيذها. وهنا تتفاعل العملية الاجتهادية مع حركة الواقع، على اعتبار أن تلك التفاصيل خاضعة للتطور، حسب متطلبات العصر.

مجلس أهل الخبرة لاختيار المرجع الأعلى وإدارة الحوزة

إنّ افتقاد النظام الاجتماعي الديني الشيعي وقيادته المرجعية إلى مجلس شورى حقيقية لأهل الخبرة، ومؤسساتٍ للحكماء والخبراء والاختصاصيين، يقوم برسم الستراتيجيات الموحدة، ويضبط حركة النظام، ويقدم المشورة لكل مكونات النظام وتفرعاته الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية، عبر قواعد نظرية وأدوات إشراف عملية، هذا الافتقاد ظل في بعض ساحات العمل أحد أهم أسباب عدم وضوح المشروع العام وانعدام الستراتيجية الموحدة ونفوذ القرار القيادي ووحدته، وانهيار الواقع الشيعي، ومصادرة كفاحه وإنجازاته من قبل الآخر الطائفي والآخر الإيديولوجي. وليست هذه الإشكالية وليدة اليوم؛ بل هي قديمة قِدم النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وقد كانت في كثير من المفاصل التاريخية تتسبب في تجاذبات تعيق الوحدة المجتمعية. وكلما كان الواقع السياسي رخواً ومتحركاً؛ كان التفرق والشد المجتمعي يبرز بشكل أكبر.

ولا شك أنّ الأعراف في الحوزات العلمية تنفع ـ غالباً ـ في تنظيم موضوع تعدد المرجعيات ووحدة القرار العام، والمتمثل بتنازل باقي المراجع عن ولاياتهم وصلاحياتهم ووظائفهم في مجال الشأن العام لمصلحة المرجع المتصدّي، سواء تمثل ذلك في المرجعية العليا كما في النجف الأشرف، أو ولاية الفقيه في إيران، وهو الحاصل الآن حيال مرجعية السيد علي السيستاني وولاية السيد علي الخامنئي. ولكن هذا العرف لا يطبَّق دائماً، ولا يلتزم به بعض المراجع وعلماء الدين أحياناً، وهو ما يؤدي إلى زعزعة النظام العام وتشتت قراره. وهو ما ظلت تستغله الأنظمة العراقية السابقة، من أجل تمزيق الواقع الشيعي العراقي والإقليمي، كما لا تزال تستغله الأجهزة المخابراتية والسياسية للأنظمة الطائفية والاستعمارية المعادية. وبالتالي؛ سيكون لزاماً مأسسة المنظومة المرجعية للحيلولة دون حصول هذا اللون من الشقاق المجتمعي.

والعرف الحوزوي، وإن كان شفوياً وتقليدياً وينبغي تطويره، إلّا أنّه مفيد وضروري غالباً؛ لأنّه يمثل صمام الأمان في مواجهة حالات الاختراق والانفلات والمزاعم المستمرة بكل أشكالها وعناوينها، وهو الذي حفظ الكيانية الشيعية طوال ١٢٠٠ سنة. إذ لا توجد غير العرف الضاغط هذا أية سلطة أو مؤسسة أو جهة تمنع ادّعاء أيّ شخص لدرجة الاجتهاد أو المرجعية، ثم يخرج على وسائل الإعلام بصفة «المرجع الشيعي» ليشتم الحوزة والسيستاني وإيران. وبسبب عدم تطبيق المعايير العرفية أحياناً، ووجود مخططات معادية للمرجعية والحوزة أحياناً أُخر؛ فقد كثر مدّعو الاجتهاد في العراق بعد سقوط النظام البعثي في العام ٢٠٠٣.

إنّ دوافع ذلك الادّعاء ـ أحياناً ـ ذاتية، وتتمثل في الغرور، والنفس الأمّارة بالسوء، والطموح غير المشروع في رکوب الموجة للتعيّش عن هذا الطريق الحافل بالمال والمقام. ثم يأتي التدخل الخارجي ليحوِّل هذا الغرور والوهم والطموح إلى فتنة داخلية. ولا يمكن لليد الخارجية أن تتدخل لولا وجود أرضية داخلية. ولو كان هناك ورع وتقوى وعدالة تكبح جماح الغرور وطغيان الذات لدى بعض المدّعين؛ لما كانت هناك حاجة لضوابط ضاغطة لتحديد آليات فرز المجتهد والفقيه والمرجع والأعلم والأكفأ؛ لأنّ الميدان الديني المحض ينبغي أن ينطوي على كوابح ذاتية من الورع والتقوى والعدالة، وليس كالميدان السياسي والاقتصادي.

ومن هذه الآليات التي يمكن استحداثها؛ مؤسسة مرجعية استشارية عليا تحت اسم «مجلس الحكماء» أو «مجلس أهل الخبرة» أو «مجلس أهل الحل والعقد» أو «مجلس كبار العلماء»، وهم المجتهدون العدول المقبولون شعبياً، والمتفق على اجتهادهم وعدالتهم وفق معايير مؤسسية يتم تثبيتها من لجان تخصصية، ويقرها المرجع الأعلى والمراجع الآخرون؛ لتكون حجة على الجميع. وتناط بهذا المجلس خمس مهام:

1ـ اختيار المراجع الحائزين على شروط التقليد، وطرحهم للأُمّة؛ لكي يكون تقليدهم مبرءاً للذمة لمن يريد تقليد أحدهم.

2ـ اختيار المرجع الأعلى الجديد من بين المراجع الحائزين على شروط التقليد، بعد رحيل المرجع الأعلى السابق، أو فقدانه أحد شروط التقليد، ولا سيما ما يرتبط بالأعلمية أو العدالة أو كفاءة إدارة الشأن العام.

3ـ مراقبة المراجع، ولا سيما المرجع الأعلى بخصوص محافظتهم على شروط مرجعية التقليد ومرجعية التصدّي.

4ـ تقديم المشورة للمرجع الأعلى في مختلف شؤون المرجعية، لاسيما ما يرتبط بشؤون الحوزة والشأن العلمي والشأن المالي والشأن العام وغيرها.

5ـ التخطيط ورسم الستراتيجيات للنظام الاجتماعي الديني الشيعي، ومختلف فروعه ومكوناته، بالتعاون مع لجان من الاختصاصيين والخبراء والأكاديميين من غير علماء الدين.

ومن أولويات عمل مجلس أهل الخبرة وضع ضوابط دقيقة في مجال الكشف عن ملكات الاجتهاد والعدالة والأعلمية والكفاءة والمقبولية العامة، ثم القيام بتطبيقها. أي أنّ دور المجلس كاشف أولاً، وترجيحي ثانياً. وقيام مجلس أهل الخبرة بترشيح مراجع التقليد واختيار المرجع الأعلى المتصدّي للشأن العام هو ـ أساساً ـ واجب أهل الخبرة كما توضحها مسائل التقليد وسياقات معرفة المكلف بمن يرجع إليه بالتقليد. وأهل الخبرة يرجحون ويوجهون الاختيار بحسب قناعاتهم، ولكن وفق معايير ثابتة مقننة. والهدف هو توحيد الموقف الشيعي العام وعدم السماح للخطوط والجماعات الخاصة بالتمرد على هذا الموقف وتمزيق الواقع الشيعي.

وفي الوقت نفسه يبقى المجلس يراقب أداء المرجعيات، ولا سيما المرجع الأعلى، من ناحية القدرة المستمرة على الاستنباط، والعدالة والتقوى، والكفاءة القيادية، وكذلك عمل باقي مكونات وتفرعات النظام الاجتماعي الشيعي. ومن المهم الاستعانة بخبراء من غير علماء الدين في إطار لجان ومراكز دراسات تخصصية تابعة لمجلس أهل الخبرة.

وقد يتصور بعض المهتمين أنّ فقدان أحد شروط المرجعية والولاية يرتبط بتقدم المرجع في السن. والحال أنّ التقدم في السن لا يؤدي ـ غالباً ـ إلى عدم الأهلية وعدم القدرة على تأدية الواجبات المرجعية؛ إلّا إذا اقترن بفقدان بعض الحواس التي تعيق أداء الوظيفة، كفقدان الذاكرة أو فقدان السمع والخرس أو القدرة على الحركة مثلاً. وقد يحدث فقدان أحد الشروط في سن مبكر، ومن بينها شرطي العدالة والكفاءة مثلاً، وربما يبقى المرجع محتفظاً بكل الشروط حتى لحظة وفاته.

وبالتالي؛ فإنّ ملاك الولاية الممنوحة للفقيه المتصدّي (المرجع الأعلى)، والتي يكشف عنها مجلس أهل الخبرة، ويرجِّح من يمتلكها بدرجات أكبر على غيره؛ هي أربعة شروط أساسية لا تنفصل عن بعضها:

1- الاجتهاد المطلق.

2- العدالة والتقوى والورع.

3- الكفاءة القيادية والوعي بالشأن العام.

4- المقبولية العامة:

وحينها يتم ضمان عدم حصول تعارض وتزاحم بين الفقهاء، واقتصار فعلية ولاية الحسبة وحفظ النظام على المرجع الأعلى المتصدّي للشأن العام، وضبط حركة المال الشرعي، وبلورة القرارات المصيرية ذات العلاقة بإدارة الحوزة العلمية ومؤسساتها، وذات العلاقة بالشأن العام وبالدولة. وحينها كذلك يكون صدور الحكم الشرعي ذو العلاقة بالشأن العام منحصراً بالمرجع الأعلى أو الولي الفقيه. والمقصود هنا الحكم الثانوي والولائي في الشأن العام، وليس الفتوى.

إنّ الأفكار التي تدور حول المرجعية، سواء المرجعية الرشيدة، أو المرجعية الموضوعية، أو المرجعية المؤسسة؛ ينبغي بلورتها في صيغة معيّنة تستبطن في نضجها تجربة المرجعية على طول التاريخ، وتراعي الواقع بكل تفاصيله. وهذا الجانب هو من القضايا الأساسية التي تواجه النظام الاجتماعي الديني الشيعي في الوقت الحاضر. فتلك الأفكار والنظريات لا يمكن جرّها بتفاصيلها إلى واقع التطبيق؛ لأنّ الكثير من المهام الموكلة ـ في هذه النظريات ـ إلى المرجعية هي مهام المرجع الحاكم أو المرجع المتصدّي، باستثناء المسائل التخصصية المرتبطة ـ مثلاً ـ بمناهج الدراسة في الحوزة العلمية.

 

د. علي المؤمن

 

 

لكي يتمكن نموذج الديموقراطية التمثيلية من تحقيق أهدافه الموضوعية التي ينافح عنها من الناحية النظرية، لا بد من توفر أرضية راسخة تتألف من دعامات أربعة لا يمكن الاستغناء عنها. أولها وجود مجتمع مدني حقيقي قادر على التشاور بشكل جمعي لاكتشاف مكمن مصالحه والطرق المحتمل اتباعها لتحقيق تلك المصالح والحفاظ عليها، ومن ضمنها إمكانية التوافق على مرشحين محتملين عن ذلك الجزء من المجتمع المنتظم في منظومة معينة للمجتمع المدني سواء كانت نقابة أو جمعية مهنية أو رابطة فكرية أو حزباً سياسياً، ومن ثم الالتزام بدعم ذلك المرشح للوصول إلى المنصة التي يمكن من خلالها المشاركة في منظومة الديموقراطية التمثيلية سواءً بشكلها البرلماني أو على نمط الحكومات المحلية أو البلديات أو ما اصطف في ذلك النسق من التنويعات، للقيام بدوره الوظيفي كممثل لتلك الفئة المجتمعية ومنظومة المجتمع المدني الذي تصطف فيه، والتي بدورها تلتزم بواجبها الذي لا ينقطع في الرقابة على أداء ممثلها في منصة الديموقراطية التمثيلية، واستمرار تقديم الدعم والتوجيه الذي قد يحتاجه للقيام بواجبه الذي اختير من أجله، والتصدر لسحب الصفة التمثيلية عنه، وإعفائه من منصبه في منصة الديموقراطية التمثيلية إن تبدى لها انزياحه عن الالتزامات التي يفترض قيامه بها.

والعمود الثاني في بنيان الديموقراطية التمثيلية مرتبط بشرط وجود عقد اجتماعي واضح في المجتمع يتفق  أفراد المجتمع المتشاركون فيه على أنه النموذج الأصلح لضمان تعايشهم المشترك، وتنظيم وقوننة ذلك التعايش بشكل يخفف إلى الحد الأدنى إمكانيات تغول فئة على أخرى على أي من المستويات المادية أو المعنوية بمختلف تجلياتها، وهو ما يفصح عن نفسه بشكل عياني مشخص من خلال دستور واضح المعالم في المجتمع ينبثق عنه سلطة قضائية مستقلة تنظم شؤون المواطنين،وتحكم بالعدل بينهم دون أن تكون خاضعة لأي اشتراطات أو محددات لعملها تخالف جوهر العقد الاجتماعي معبراً عن نفسه دستورياً.

والمرتكز الثالث في تكوين الديموقراطية التمثيلية الذي لا غنى عنه، والذي يرتبط بشكل عضوي وجذري باشتراطات توطد بنى ومؤسسات المجتمع المدني في المجتمع، وإمكانية عيوشيتها بشكل فاعل قادر على التآثر والتأثير في نسق اجتهاد المجتمع لتحسين ظروف حياة أفراده ورفاهم وإحساسهم بقيمة وجودهم المعنوية كأفراد في ذلك المجتمع. وههنا تبرر حرية التعبير ممثلة في صحافة حرة تمثل مميز المجتمع المدني الحر القادر على تحقيق رؤية فكرية تحليلية يجتهد فيها عديد من الأشخاص القادرين على الاستقصاء والتحليل والتنظير وإيجاد مكامن العيوب والنواقص والعوار في الشبكات والنظم الاجتماعية التي ينتسبون إليها، بالتوازي مع تمويل عملهم وجهودهم بشكل تشاركي على نفقة المجتمع المدني سواء من خلال التبرعات أو المال العام والجبايات الضريبية العامة، لكون عملهم يمثل خدمة عمومية لا بد منها لصلاح ورفاهية أي مجتمع، كما هو الحال بالنسبة اشتراطات تقديم الرعاية الصحية والتعليم الوافي على نفقة المجتمع إذا كان يراد لذلك المجتمع الحفاظ على أبنائه وحيواتهم وقدرتهم على العمل والعطاء فيه، وإعادة إنتاجه بصورة أفضل تقوم بترقية نفسها بجهود الأفراد المتشاركين فيه.

والعنصر الرابع في مربع المرتكزات الواجبة التوفر لتحقيق أي نجاح لمفهوم الديموقراطية التمثيلية، يفصح عن نفسه بمأسسة الوعي والمعرفة والاستنارة والرشاد في المجتمع بشكل يتجاوز حالة المعرفة المحدودة النمطية المرتبطة بنتاج التعليم في المدارس بكل مستوياتها وحتى الجامعات، ليصل إلى درجة اتفاق المجتمع ككل على إعلاء أهمية الثقافة و تأصيل شغف المعرفة كجزأين جوهريين من متطلبات ترقي المجتمع نفسه في السلم الحضري، والانتقال به من حيز الصراعات الداخلية فيه المرتبطة باختلاف رؤى مواطنيه حول هوياتهم الضيقة، سواء كانت دينية أو مذهبية أو قبلية أو مناطقية أو حتى طبقية إلى اعتبار تلك الاختلافات حقاً طبيعياً لكل إنسان، دون أن يعني ذلك بأي شكل كان الإقلال من الأهمية الجوهرية للبحث عن نقاط الاتفاق التي يشترك فيها كل المواطنين، والمتعلقة بطموحهم الفطري لحياة آمنة كريمة تتيح لهم الانعتاق من كوابيس المرض والجوع والتشرد، وليس من طريق لتحقيق ذلك سوى اتفاق المجتمع كوحدة جامعة من خلال اتفاق أفراده ومؤسسات المجتمع المدني التي ينضوون فيها على أن الاستنارة والرشاد هما الوسيلتان الوحيدتان لإيجاد نقاط الاتفاق تلك، وتَكَشُّف الأدوات الملائمة التي يتراضون جمعياً حول كفاءتها في تحقيق ذلك، دون اضطرارهم لتذويب أو إخفاء أي هويات شخصية أو جمعية أو رؤى عقيدية يقتنعون بها، ثم إيجاد حل لدرء تشويشها على نقاط الاتفاق الجمعية التي تمثل الأهداف المشتركة الأساسية التي لا بد من المجتمع تحقيقها لضمان استمراريته كمجتمع دون انزلاقه إلى أن يكون تجمعاً لقطيع من الأفراد الذين لا يربطهم فيما بينهم سوى تواجدهم في نفس المكان والزمان. وتحقق تلك الدعائم الأربعة بشكل قائم بالفعل شرط تأسيسي لا يمكن الاستغناء عن أي من أركانه لأجل نجاح نهج الديموقراطية التمثيلية سواء في عالم صناعي متقدم أو في عالم مفقر نامٍ.

وفيما يتعلق بالمحور الأول المرتبط بتأصل المجتمع المدني ومؤسساته في المجتمع لا يغيب على أي مراقب مدقق تآكل كل بنى المجتمع المدني في العالم الغربي جراء الهجمة الشعواء لرواد الليبرالية المتوحشة التي بدأت في العالم الغربي مع حقبتي مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في الولايات المتحدة في ثمانينات القرن المنصرم، والتي تمحورت حول الشعار السياسي الإيدلوجي للمجتمعات الصناعية الذي أعلنته تاتشر نفسها والذي منطوقه الحرفي «لا وجود لأي شيء اسمه مجتمع وإنما فقط لأفراد»، وهم «الأفراد» الذين تم تحويلهم إلى أعضاء في «قطعان المستهلكين» الشكل الأسمى للمواطنين المسالمين المستسلمين لإرادات ساستهم الملهمين والمنشغلين فقط في اللهاث الذي لا ينقطع لتلبية نزوعاتهم الاستهلاكية التي تم تخليقها بقوة الإعلام والإبهار لخلق حاجات جديدة مستجدة على البشر أنفسهم، صاروا يعتبرونها بعد حين جزءاً محورياً من حيواتهم التي لا يمكن أن تستقيم دونها -كما هو الحال في الهواتف الجوالة كمثال مبسط -على الرغم من عيشهم دهوراً قبل أن تكون موجودة بين أياديهم. ونموذج تآكل المجتمع المدني في الغرب يفصح عن نفسه بشكل صارخ من خلال تراجع حجم وقوة تأثير النقابات والاتحادات الحرفية في حقبة الليبرالية المتوحشة بشكلها العولمي المعاصر، وتراجع أعداد المنتسبين لها، وتآكل الأنشطة والفعاليات التي تقوم بها، حتى لم تعد تجد فعلياً أي صحيفة لها عديد فعلي من القراء تتبع بشكل مباشر بنقابة أو اتحاد مهني. والحال لا يختلف كثيراً في التمظهرات الأخرى لمؤسسات المجتمع المدني من قبيل المنظمات والجمعيات التطوعية الخيرية التي تكاد تصبح هشيماً كما هو الحال في الحطام الذي آلت إليه بنى المجتمعات المدنية في الغرب جراء القصف المهول الذي تعرضت ولا زالت تتعرض له في سياق مفاعيل هيمنة الليبرالية العولمية المتوحشة. وعلى صعيد العالم العربي قد يكون من المستحيل تلمس أي شكل، حتى لو كان جنينياً، لأي ما قد يرقى لأن يكون هيكلاً عظمياً لمجتمع مدني قد يقيض له في قابل الأيام إعادة إحياء نفسه، بعد أن تغولت عليه مفاعيل الدولة الأمنية والاستبداد وأكلته لحماً وتلمظت بعظامه التي أصبحت كأنها هباء منثور مضيع بين السراديب القمعية وهراوات الجلادين، وعيون البصاصين، ومخالب وأنياب العسس، وأقرانهم المنمقين من وعاظ السلاطين.

وعلى مستوى العقد الاجتماعي غربياً في العالم المتقدم، فإن هناك تآكلاً غير مسبوق لذلك العقد ومفاعيله، جراء تصنيع و تصعيد الفئات الحاكمة الفعلية في المجتمع ممثلة بشركات تلك المجتمعات العابرة للقارات لنماذج من السياسيين الخلبيين الذين هم في أحسن الأحوال «أبواق متحذلقة للدعاية السوداء»، والذين لم يكن لهم من طريق للصعود إلى سدة الحكم سوى إذكاء نوع من الخطاب الشعبوي المهول، الذي لا يختلف في جوهره وآليات صياغته عن نماذج الخطابات الشعبوية الفاشية التي كان يدلي بها موسوليني إبان الحرب العالمية الثانية؛ وهو الخطاب الشعبوي نفسه الذي مكن أولئك الساسة من تجاهل اشتراطات العقد الاجتماعي، المعبر عن نفسه دستورياً في غير مرة وموضع من الخارطة السياسية الغربية، بشكل ما فتئ يتزايد في حدته وأمده الزمني ومساحة فعله، حتى أصبح من السهل على أي من أولئك الساسة التبجح بإعلان حالة الطوارئ هنا وهنا، وتعليق كل الحريات الأساسية والحقوق القانونية للأفراد التي تشكل جزءاً جوهرياً من هيكل العقد الاجتماعي الذي لا يستقيم وجودياً دونها، ولأسباب واهية لما تكن تقنع أي مواطن في سالف الأيام، وأصبحت مسلمة في الواقع الراهن بعد تعملق الخطاب الشعبوي المستند على إذكاء النزعات الهمجية البدائية في المجتمع، كالرهاب الجمعي من بعبع الإرهاب الذي يترقب افتراس الأخضر واليابس في كل زاوية وحين، والرعب من طوفان الغزاة المهاجرين القادمين ليجتاحوا حواري وأزقة العالم المتقدم بأجسادهم المدنفة وثيابهم الرثة وأرواحهم المنهكة بعد أن لم تترك لهم مفاعيل الليبرالية العولمية المتوحشة، ونواطيرها من الطغاة في العالم المنهوب المفقر سوى البحث عن سبيل للحياة في غير أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم. وعلى المستوى العربي فإن حالة الطوارئ السرمدية أصبحت الحال الطبيعية التي تعايش معها المواطنون المظلومون، والتي تعبر ببساطة على عقم أي دساتير عربية لا قيمة لها في الحقل المجتمعي تزيد عن قيمة الورق والحبر المستخدمين في اجتراحها كجزء ضروري من تزويق الاستبداد بدساتير خلبية لا تغني ولا تسمن الفقراء المهمشين في كل من أرجاء العالم العربي المضنى.

وفي ميدان حرية التعبير والصحافة الحرة، فإن هناك تآكلاً كونياً لتلك الحريات التي لا زالت مضمونة من الناحية النظرية واللفظية فقط في العالم الغربي، حيث أن المؤسسات الإعلامية العولمية المتسيدة، ممثلة بالصحف العالمية الكبرى، ووكالات الأنباء الرئيسية، ووسائل الإعلام المرئي الأساسية، جميعها إما مملوك من الشركات العولمية العابرة للقارات الحاكم الفعلي في العالم الغربي، أو معتمد في عيوشيته على الإعلانات التي تغدقها تلك الشركات نفسها، ودونها يستحيل استمرار تلك المؤسسة وقدرتها على المنافسة في واقع اقتصاد السوق المتوحش الذي لم يبقي إلا القليل من المؤسسات الإعلامية العمومية، و التي تحصل على تمويلها من دافعي الضرائب في الغرب. وهو ما يعني أن حرية التعبير متاحة من الناحية النظرية فقط في العالم الغربي، حيث أن أي رأي يخالف مصالح تلك الشركات العولمية العابرة للقارات لن يستطيع النفوذ من شقوق الغربالات التحريرية المتطبقة في تلك المؤسسات، التي تدرك بشكل عميق اشتراطات لعبة «الإعلام الحر» في العالم الغربي، ولا ترغب بإقلاقها حفاظاً على مورد رزقها كحد أدنى، أو لأن الدعة والاستسلام خيار أسهل من المواجهة الدون كيشوتية لأي صحفي حر يرغب بتجريب عضلات عقله وقلمه الحر لاختراق تلك الغربالات الوظيفية، والتي في غالب الأحيان تنتهي بلفظه إلى فئة العاطلين عن العمل، وهم كثر في العالم الغربي.

وعربياً فإن الحديث عن حرية التعبير والصحافة الحرة، ضرب من الغرائبية الخيالية الحالمة التي لا ترتبط بالواقع بأي خيط مهما كان واهياً، إذ أن جل الوسائل الإعلامية بأشكالها المختلفة منخرط بشكل عضوي في شبكة الإفساد والإفساد التي تمثل الهيكل الأساسي لمنظومة الدول الأمنية العربية، وكثير منها إدارته منتدبة من الأجهزة الأمنية المسيطرة، أو يعود لها في كل صغيرة وكبيرة لنظم خطاه وهديه إلى سواء السبيل ومصلحة الوطن الحطام. و لا بد في سياق توصيف هشيم حرية التعبير الموؤودة كليانياً في العالم العربي تذكر الأعداد المهولة من الصحفيين والمفكرين والكُتَّاب المغيبين في غياهب السجون الأمنية، والذين لم يعد يعرف عنهم أحد شيئاً، بعد محاكمتهم، إن حصلوا على أي محاكمة في سالف الأيام، في محاكم استثنائية وعسكرية في غالب الأحيان، وبتهم لا تفترق عن التهم التي كانت تقذفها محاكم التفتيش في العصور الظلامية في أوربا، من قبيل النيل من هيبة الدولة، وشتم رأس الدولة، ومقاومة النظام الاشتراكي، وإقلاق السلم الأهلي، وإضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني، والاستقواء بالخارج، والتخابر مع جهات أجنبية؛ وكأن كل الفاسدين المفسدين في العالم العربي ليسوا عملاء ونواطير لأولياء أمرهم «الأغراب الأجانب» عن مجتمعاتهم التي يستبيحونها نهباً ونخراً عمقاً وسطحاً وعمودياً وأفقياً وبكرةً وعشياً، وكيفما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

أما الحديث عن تأصيل الوعي المنفتح الحر والاستنارة والرشاد في المجتمع، يصطدم في الواقع الغربي العياني المشخص، بذلك التهميش والتسطيح المتعمد للإنسان خلال مروره بكل المراحل التعليمية، وفي كل الأنشطة المجتمعية التي يوفرها المجتمع له، وهو ناتج للجهد المنظم الذي قامت به الفئات المهيمنة في المجتمع ممثلة بالشركات العولمية العابرة للقارات وكوادرها، منذ مرحلة ما قبل تحولها إلى شكلها السرطاني العولمي الراهن في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى اللحظة الراهنة، في تحويل العملية التعليمية إلى نموذج للتنميط العقائدي، ووأد الرغبة في الاستكشاف، وخفض سقف الطموح العلمي، للغالبية العظمى من أفراد «طوفان الفئات الشعبية المسحوقة» التي يكفيها نموذج من التعليم المختزل الكافي لتوفير الأدوات الأساسية لها للعمل كعمال على شكل مسامير وعزقات ضرورية في آلة الإنتاج الغربي، مع ترك فسحة التعليم الحقيقي، وتأهيل مهارات الاستكشاف والعقل الحر المجتهد لاكتشاف المعرفة واستنتاج الخلاصات بنفسه بدل أن يتم تقديمها جاهزة له لاستشرابها دون التفكر بها، لأبناء علية القوم، الذين ينضوي جلهم في عداد أهل الحل والعقد، وأصحاب مفاتيح صناعة السياسات في كوادر الشركات العابرة للقارات الحاكم الفعلي في تلك المجتمعات، ومن انضوى تحت أجنحتها من كوادر وظيفية لا بد منها لتحقيق سياساتها من فئة النخب القادرة على القيام بذلك من قبيل الساسة المصطفين، والإعلاميين الرواد بقوة التكرار والتسويق المستمر، وسواهم من سدنة نظام الهيمنة المزوق بهيكل ديموقراطي تمثيلي شكلي، وهم الوحيدون المؤهلون للقبول في مؤسسات التعليم الخاصة النخبوية التي تدير أنظمتها الانتقائية المخاتلة تحت يافطات متعددة لا تغير من جوهرها الوظيفي شيئاً، والتي لا تتيح في المآل الأخير لأبناء «جماهير المفقرين المنهوبين» التسرب منها، والذين يكفيهم ما تقدمه المؤسسات التعليمية النمطية العمومية، التي لا زالت ممولة «بالقطارة» من أموال دافعي الضرائب الذين جلهم من عديد أولئك المفقرين المنهوبين أنفسهم.

 وحتى على صعيد إمكانيات الانخراط في ما قد يدعى «مدرسة الحياة» لأولئك الذين لم تحالفهم الشروط الموضوعية لوجودهم الاجتماعي للحصول على مستوى ملائم من التعليم والاستنارة والرشاد والعقلانية التي يفترض كونها أجزاء محورية من أهداف أي عملية تعليمية ذات جدوى على المستوى الإنساني الفردي والمجتمعي، فإن ذلك يبدو شبه مستحيل وفق محددات اقتصاد السوق والليبرالية المتوحشة في اقتصادات العالم الغربي، حيث أن كل ما قد يرتبط ويحتمل أن يصبح «مدرسة للحياة» من قبيل النوادي الفكرية، والملتقيات الثقافية، والجمعيات التنويرية، أسوة بتلك التي تواجدت في العالم الغربي إبان عصر الأنوار فيه، أصبحت كيانات مهددة بالانقراض وفق نهج «الداروينية الاجتماعية» التي يفترضها اقتصاد السوق الوحشي الذي البقاء فيه حصراً للكيانات الأكثر ربحية وقدرة على التكيف مع اشتراطات أن أي عمل لا يقدم مردوداً مادياً من البنى التحتية التي يستثمرها من قبيل المكان والكوادر البشرية وغيرها من الخدمات التي يحتاجها للبقاء، يتجاوز الحد الوسطي المتوقع منه وفق قوانين اقتصاد السوق، سوف يصبح عاجزاً عن البقاء لعلة طرده من المكان الذي يقيم فيه، وانصراف الكوادر التي يشغلها عنه، وعدم تطوع أي جهة لتقديم أي خدمة مجانية له، حيث أن القيمة المعنوية لأي عمل تطوعي تتضاءل إلى درجة تقارب الصفر المطلق في نسق اقتصاد السوق المتوحش والبشر اللاهثين للحفاظ على بقائهم من الاندثار وفق مفاعيله. وذلك الواقع المحزن تعزز في العقدين الأخيرين في سياق تراجع قيمة ناتج أي ما قد تستطيع تقديمه المؤسسات المنضوية تحت مظلة «مدارس الحياة»، حيث أن ثورة الاتصالات قدمت بديلاً لذلك من خلال المعلم «غوغل»، ومن كان على شاكلته الذي يقدم المعارف ويعلِّم كل راغب بالمعرفة بشكل يتلاءم مع ميوله وأهدافه التي قام بتحليلها عبر التجسس المنظم على كل خصوصيات ذلك الشخص، بغض النظر عن مصداقية أو فائدة أو عقلانية أو صلاحية تلك المعرفة التي يقدمها ذاك «المعلم الخلبي و الخبيث في آن معاً»، والتي قد تكون في كثير من الأحيان عبارة عن ما يسميه الخبراء «مقالاً إعلانياً» يهدف إلى تسويق منتج أو فكرة ما بغض النظر عن صحة ما ينطوي في تلافيفه من معارف، وبحيث يتم تحويل الإنسان في نهاية المطاف إلى نموذج من الإنسان الاستهلاكي المنفعل والفرداني المغيب عن المعرفة الحقة، والغارق في لج من المعارف المزيفة التي يراد له الظن بصحتها.

وعلى المستوى العربي فإن مهمة تأصيل الاستنارة والرشاد والعقلانية تبدو مهمة شبه مستحيلة في ضوء انشغال كل أولئك المناط بهم القيام بتلك المهمة سواء في حقل التعليم بمختلف مستوياته، أو حقل إنتاج المعرفة والثقافة والفكر، بالهم الجمعي لكل حبيسي السجون الكبيرة التي يسميها الطغاة أوطاناً بالقوة والعسف، والمشخص في محاولتهم الجاهدة للبقاء على قيد الحياة، وتفادي الآلة الهمجية للفساد والإفساد التي تطحن كل من قد تسول له نفسه محاولة الانعتاق من شروط الإذعان للاستبداد وأدواته التنفيذية مشخصة بمفاعيل الدولة الأمنية و غيلانها على الطريقة العربية.

وبشكل أكثر تشخيصاً فإن المشروع النهضوي العربي مشخصاً باجتهادات المنورين الأوائل في مطلع القرن العشرين من قبيل عبد الرحمن الكواكبي، وشبلي الشميل، وفرح أنطون، ونجيب عازوري، ورفاعة الطهطاوي، وغيرهم، تم وأده بقوة الحديد والنار للمستعمرين، والذي استمر بعد رحيل أولئك الأخيرين، وتركهم للطغاة والمستبدين العرب كنواطير مكلفين بالقيام بشؤون «المفوض السامي» بالنيابة عن أولياء أمرهم المستعمرون نفسهم الذين لم يرحلوا إلا شكلاً عن المجتمعات العربية.

وواقع الاستبداد والفساد والإفساد والهيمنة على كل مفاصل المجتمعات العربية من قبل الطغم المتحكمة بمقاليد أمورها أفرز نموذجاً تعليمياً عقيماً قائماً على نموذج أقرب لتعليم الكتاتيب في عصور النكوص العربي في فترة حكم المماليك والعثمانيين، هدفه الأساسي التنميط العقائدي للفرد، واستشرابه بأن واقع الاستبداد الذي يعيش فيه وأهله وسوف تعيش في كنفه البائس ذريته لاحقاً هو من طبائع الأمور وأحوالها، والذي لا بد من التكيف معه بأي شكل كان سواء عبر الاقتناع به، أو إظهار ذلك تصنعاً أو تَقِيَّة، أو التحول إلى كائن انتهازي منخرط في جوقة الفساد والإفساد كوسيلة شبه وحيدة لتعزيز فرص البقاء في مطحنة المجتمعات المنهوبة والمهشمة عمقاً وسطحاً. وعلى شاكلة النسق الذي أدى إلى تآكل احتمالات تكوين «مدارس الحياة» في العالم الغربي، وخاصة في حقبة اقتصاد السوق والليبرالية المتوحشة، فإن كل تلك الاحتمالات لم تجد أي فرص لتحققها بأي شكل حتى لو كان مجهرياً في العالم العربي نظراً لتغول مفاعيل الدولة الأمنية عليها، وإدماجها في بنيانها الوظيفي الذي أفقدها كل قدرة على الفعل التنويري المناط بها لتأصيل العقلانية والرشاد.

وخلاصة القول هي أنه دون توافر وتضافر العناصر الأربعة الضرورية اللازمة لتشكيل أرضية يحتمل بالبناء عليها تحقيق الأهداف النظرية لمفهوم الديموقراطية التمثيلية بالشكل المتعارف عليه راهناً، سوف يكون من الصعب إطلاق حكم تحليلي ذي قيمة على نماذج سياسية أو اجتماعية تعرف نفسها بأنها النموذج الأكثر صدقية لتلك الديموقراطية التمثيلية، وهي في جوهرها لا ترقى عن كونها نموذجاً مسخاً لديموقراطية شكلية تزويقية جوهرها إخفاء هيمنة فئة على فئة اجتماعية أخرى، واستئثارها بالثروة والمعرفة والقدرة على صناعة القمع وممارسة العنف الممنهج في تلك المجتمعات لضمان دوام تلك الهيمنة التي لا تتصل بأي ديموقراطية حقيقية تقترب من مفهوم الديموقراطية بكونه «حكم الشعب».

 

مصعب قاسم عزاوي

 

عبد الجبار نوريمقدمة قصيرة للتذكير فقط:{تعرض النظام الأقتصادي العالمي إلى ثلاث هزات مؤثرة أخذت مخرجاتها وتداعياتها السلبية أبعاداً شمولية في جغرافية القارة الأوربية والكثير من بلدان الشرق العربي والأفريقي التي هي:

- حرب الخليج الثانية

- هجمات الحادي عشر من سبتمبر

- تفشي فايروس كورونا

صندوق النقد الدولي IMF-International Monetray Fund، أعلنت أكثر من مئة منظمة دولية منها (هيو من رايتس ووتش) في بيان نُشر في بداية العام الحالي: {إنهُ ينبغي أن يعيد صندوق النقد الدولي النظر في شروطه في زمن الكورونا}، ولأنها أصبحت ثقيلة على الدول النامية والفقيرة التي يصعب عليها حتى شراء لقاحات الفايروس، ولكون شروطها لها علاقة صميمية في رسم المشهدين الأجتماعي والأقتصادي في التخفيف من مفاقمة الفقر وعدم المساواة في الحقوق الأجتماعية والأقتصادية لتلك الشعوب ومنها الشعب العراقي الذي أنا في صدد ذكر مآلاته الأجتماعية والأقتصادية في هذه المقالة، وأذكر أن أل IMF هو إحد أشرس المؤسسات الأقتصادية على مستوى العالم الذي يتقاطع مع تطبيق السياسات اللبرالية الجديدة بأستغلاله مرور الدول في أزمات أقتصادية ليقرضها أموالا للأنقاذ بشرط تطبيق أملاءات صندوق النقد الدولي المجحفة والمتعسفة، ولكن مع هذا وذاك يمكن أعتبار صندوق النقد الدولي (مسكنات آنيّة لتفاقم الأزمات) .

وهنا أستذكر المثل الشعبي (مالذي يدفعك إلى المر غير الأمر منه) وهو اللجوء إلى بيع النفط الخام ومخرجاته المستقبلية السلبية في تحويل العراق إلى دولة ريعية ذات الأقتصاد الأحادي، والخضوع إلى مقدرات أسعار النفط الخاضع لتقلبات سوق الأوبك وهوس السعودية وروسيا وهما المصدران الرئيسيان في العالم فتتحول إلى كوابيس تقلق الموازنات في العراق بالذات فيندفع إلى الصندوق النقد الدولي أو قل: الصندوق الأسود الدولي !!!؟؟؟.

ولا تزال أعادة أعمار البلاد بعد عام 2003 جسيمة زادت صعوباتها بسبب التوجهات الطائفية وأعمال العنف التي أمتدت لفترات طويلة، ولم تكن أعادة أعمار العراق تتطلب أعادة أنشاء بنيته التحتية وحسب، وإنما تطلبت أيضاً أعادة بناء مؤسساته الأقتصادية والأجتماعية وتهيئة مناخ للأعمال من شأنهِ جذب رؤوس الأموال مع التكنلوجية والمهارات الحديثة لها حتى يتسنى تحديث هذا الأقتصاد الآيل إلى الأفلاس، وكان بمقدور العراق أن يرمم بيتهُ الأقتصادي لولا الهجمات الأرهابية وأنفلات السلاح وتعدد دكاكين الأحزاب والتي بعضها مرتبط بأجندات أقليمية ودولية !؟، تشير التقديرات على أمتلاك العراق ثاني أكبرأحتياطات نفطية في العالم، وتشير رقم التقديرات ب (143) مليار برميل وفقا لمسوح جيولوجية حديثة، فكانت سنين السبعينات من القرن الماضي سنين رخاء أقتصادي في بنى تحتية حديثة ونظم جيدة في التعليم والصحة، غير أن العراق خاض ثلاثة حروب عبثية مدمرة وخضوعهِ لعقوبات دولية والحصار أقتصادي ظالم ومدمر وخانق دفع الشعب العراقي فاتورته الثقيلة خسر فيها منظومته الأقتصادية وحتى الأخلاقية فعطلت تقدمها (مقتطفات من مذكرة برنامجية صادرة من المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي 2010) .

وهنا الكارثة المرعبة عندما يضطر العراق إلى صندوق النقد الدولي أو عفواً (الصندوق الأسود) في أرتهان أجيال المستقبل لديون ثقيلة بسبب العجز المالي الذي قُدر بـ(130) مليار دولار .

ثم أنّ العراق يفتقد (الصندوق السيادي) وهو صندوق توفير تمتلكه الدولة كعنصرأستدامة في توفير السيولة النقدية وهي من فوائض الدولة من أجل الأستثمار، فهو صندوق ليس بجديد بل تستعمله بعض دول الخليج مثل قطر والكويت، فهذا الصندوق يؤمن حاضر ومستقبل الشعوب، وأتساءل: كيف يكون عندنا مثل الظاهرة الأيجابية والنفعية ؟! والمال الفائض عرضة للسرقة والنهب !!، وحينما تصل الحكومة اليوم عاجزة عن دفع رواتب الموظفين كان بأمكانها تأسيس الصندوق السيادي وينهي بها ظاهرة الفساد المستشري في جميع مفاصل المؤسسات الحكومية .

نرجع إلى صندوق النقد الدولي هو وكالة متخصصة من وكالات منظومة الأمم المتحدة، أنشيء بموجب معاهدة دولية عام 1944 للعمل على تعزيز سلامة الأقتصاد العالمي، ويقع مقر الصندوق في واشنطن العاصمة، ويديرهُ أعضاؤهُ الذين يمثلون جميع بلدان العالم تقريباً بعددهم البالغ 189 بلد، وأهداف الصندوق -(المفترض)- يشمل تشجيع التعاون الدولي في الميدان النقدي وتيسير التجارة الدولية والعمل على أستقرار سعر الصرف وتدعيم الثقة بين المصارف العالمية، ومصادر أمواله من أشتراكات تلك الدول بشكل حصص نفعية ربحية من نسب الفوائد المضافة على القروض الدولية (الموقع الرسمي لصندوق النقد الدولي - بالعربية بتصرف) .

العراق في أحضان هذا الصندوق الأسود/كان أجتماع خبراء بعثات صندوق النقد الدولي والسلطات العراقية في العاصمة الأردنية عمان في 17 إلى 21 تشرين الثاني 2017 وكان الهدف من هذه الأجتماعات الحوارية لأكثر من أسبوع للوصول إلى ما يسمى دوليا (بالأستعداد الأئتماني) الذي أعطى للحكومة دفعة في التهيؤ لأعداد موازنة 2018 لتكون متوازية ومتماشية مع الأستعداد الأئتماني الذي هو مفتاح رضا صندوق النقد الدولي، ورفض صندوق النقد الدولي للموازنة المالية الأتحادية للعام 2018 والتي صوّت عليها مجلس النواب العراقي في تمريرها مؤخراً، وكانت ردود الصندوق حول الرفض هي:

1-يلزم العراق بتنفيذ مجموعة من الشروط منها ألغاء الوظائف، وعدم أضافة أعباء مالية على الموازنة .

2- رفض الصندوق تضمين الحكومة للموازنة بقرارات تثبيت العقود وأعادة المفسوخة عقودهم، ومن تداعيات عبودية قساوة الشروط الأستلابية للصندوق هو تدخلهُ السافر ببعض الأمور السيادة بممارسة ضغط دولي ولا تعجب أن تكون الضغوط ربما من أمريكا أو من بريطانيا، كما تبين قبيل كتابة مسودة مشروع الموازنة للعام 2018 أشترطت على الحكومة دفع 10 ترليون دينار لحكومة الأقليم لفك ضائقتها المالية وتفكيك مظاهرات الشارع الكردي المطالبين لحقوقهم في رواتبهم الشهرية والمقطوعة منذ مدة طويلة بحجة الأدخار الأجباري .

الشروط التعسفية لصنوق النقد الدولي؟!

والعجز في الميزانية هو الذي دفع العراق لأحضان صندوق النقد الدولي والرضوخ لشروطها التعسفية والموجعة بحجة أنخفاض سعر البرميل من النفط الخام إلى أقل من 40 دولار منذ 2011 والسنوات اللاحقة وافق الصندوق على أقراض العراق 4-5 ملياردولار وعلى مدى ثلاث سنوات وبهذه الشروط:

-تسديد كل المستحقات المتاخرة لشركات النفط الأجنبية العاملة في العراق منذ 2016 .2- مدة القرض على مدى ثلاث سنوات .

- وتشمل شروط الأصلاحات الأقتصادية في العراق، التي تشمل زيادة في الضرائب والرسوم الكمركية ورسوم الكهرباء والرقابة المصرفية في مكافحة الفساد الأداري والمالي وغسيل الأموال .

 –وضعت الحكومة تحت ضغط من هذه الشروط التعسفية فتنحو إلى التقشف وفرض الضرائب التي تلهب الأسعار والتي تقود إلى الفوضى والأرباك المجتمعي والأقتصادي .

- خفض دعم السلع التي كانت مدعومة بنسب كبيرة والذي كان من تداعيات هذا الشرط هو التحرش بخبز المواطن فرفع الدعم عن المخابز حيث وصل إلى 100% بدل أن كان يأخذ اربع صمونات بالألف دينارعراقي اخذ يحصل على صمونتين فقط (في 2018). 7- تحرير أسعار الوقود بأنواعه البنزين والنفط الأبيض والأسود والغاز السائل . 8- زيادة أسعار الخدمات المدنية في مقدمتها المياه والكهرباء والأتصالات تمهيداُ لتحريرها بالكامل، وبيع أصول الدولة وتطبيق برنامج الخصخصة في أغلب المجالات الخدمية كخصخصة الكهرباء والماء ومجاري الصرف الصحي .9- فرض ضريبة قيمة مضافة 15% على أسعار السلع والخدمات . 10- الضغط على قانون الخدمة المدنية الذي يتم من خلاله الأستغناء عن مئات الآلاف من العاملين بالجهاز الأداري للدولة .

- تعويم العملة المحلية*: بدل أن تنصح في معالجة الأسباب التي أدت إلى حدوث العجز في الميزانية فهو يلجأ إلى أخبث الطرق الذي هو تعويم العملة المحلية، أو معالجة الأقتصاد الأحادي الريعي المعتمد على بيع النفط بنسبة 97% ودون أن يقدم دراسة مستفيضة أو يشجع على طلب تلك الدراسات التنموية في النهوض بالقطاعات الأقتصادية كالزراعة والصناعة والسياحة، ولم نجد خطة صادقة لدى صندوق النقد الدولي لزيادة أنتاج صادرات البلاد التي تعاني من مشاكل وأزمات مالية وأقتصادية وتحسب أيرادات البلاد من النقد الأجنبي، ولم نلمس خطة في محاربة الفساد والفقر والبطالة، ولم نسمع من أصحاب قرار الصندوق عن خطورة عدم فصل موازنة الدولة والموازنات الشخصية المصرفية في البنوك الخارجية، ولا تطرقت إلى كوارث وألاعيب البنك المركزي في عملية " مزاد بيع العملة " المفضوحة من تحت عباءة أصحاب المصارف الأهلية وبعض من الحكومة في تبييض المليارات بشكلٍ علني وأخراج العملة الصعبة ولو على حساب غطائها النقدي لموجودات البنك المركزي .

وأن هذا العجز وهدر المال العام والعشوائية في البرامج الأقتصادية لا يمكن أن نعلقها على شماعة الصندوق الدولي بقدر ما تفرض الضرورة المكاشفة الواقعية والحقيقية في السياسات الحكومية الخاطئة وسوء الأدارة هي التي دفعت الحكومة إلى لجوئها لصندوق النقد الدولي، والحرب الداعشية حتماً تبدو حرباً أستنزافية أحرقت اليابس والأخضر بأرقام مليارية مرعبة، وكان لسنة 2011 و2013 وأنخفاض سعر البرميل إلى أقل من 40 دولار، وحتماً يرجع السبب إلى نكوصات الحكومة في سوء الأدارة المالية وغياب التخطيط ولا ننسى أن الذي سيدفع فاتورة هذه العثرات هو المواطن، والكارثة أن الخروج من أخطبوط الشبكات والمتاهات الملتوية لسطوة الصندوق الدولي ليس سهلاً بل سيستغرق سنواتٍ طويلة وعجاف .

أسباب العجز والأستدانة:

الأرتهان للأستيراد، الأقتصاد الريعي، التلاعب بمصير الأحتياط النقدي، غياب الضوابط المركزية الضريبية والكمركية على البضائع المستوردة، عدم خضوع المنافذ الحدودية و بعض المطارات إلى سلطة الحكومة، قلة مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي في عملية التنمية، ربما تكون نسبة مساهمة الصناعة 1% والزراعة 3%، غياب العامل الأستثماري في البلاد عموماُ، البيروقراطية والمحسوبية والمنسوبية والفساد الأداري والمالي، أرتفاع مؤشرات التضخم النقدي بسبب الكساد الأقتصادي والبطالة والفقر، الأرث الثقيل من النظام البائد في أقتصاد منهك غارق في حروب عبثية ومديونيات ثقيلة للجارة الكويت مما أوقع العراق تحت البند السابع ذلك الثقب الأسود الذي أبتلع المليارات من أموال الشعب العراقي الذي لا ناقة له ولا جمل، وغياب الولاء الوطني وتجيرهُ للولاء الكتلوي والفئوي والحزبي الذي كان ضحيته الأقتصاد العراقي الذي يشكل ديمومة من الأزمات على المواطن العراقي .

وصف " موجز " للحالة المزرية للأقتصاد العراقي لعقد ونيّف لسنواتٍ عجاف؟!

-وصول نسبة الأغراق في نظام السوق ل95% التي أصابت الصناعات الداخلية بالشلل التام للقطاعين الخاص والعام، كما وأدت سياسة السوق المفتوحة إلى أغراق العراق بسلع رخيصة ومبتذلة كمالية وربما الطامة الكبرى تكون مسرطنة وملوّثة، طالما يفتقد المستهلك ثقافة السوق وأتباعه هوساً شرائيا .

- أنخفاض النقد الأجنبي لموجودات البنك المركزي الذي يعتبر غطاءاً للعملة المحلية .

- ان البلاد دولة ريعية وتبقى رهينة الريع الطبيعي، وتختفي فيها الأنشطة الأقتصادية المساهمة في مداخيل الميزانية، ومن عيوب الأقتصاد الريعي أمتلاك الدولة فوائض من رأس المال تحاول البيروقراطية الأقتصادية أن تجعل أساليب الأنفاق العام تحت هذه الظروف الملتوية، وبالتالي تؤدي إلى نتائج عكسية تعوق عملية تقدم وتطور النظام الأقتصادي والأجتماعي،ومن سلبيات الأقتصاد الريعي أنه يضخُ الأموال الطائلة وتستعملها الحكومة (كمخدر) لأمتصاص غضب الشارع، بينما وجههُ الآخر يؤدي إلى تشجيع الأستيراد وطرد العملة الصعبة التي حصلت عليها الحكومات من النفط، وتتعرض الدولة الريعية ألى أضطرابات أقتصادية ما دامت متصلة مشيمياً بالسوق العالمية، وخير مثال: هبوط سعر البرميل من النفط الخام عالمياً من 110 دولار للبرميل الواحد إلى أقل من 41 دولار، ولم يكن سلبيات الأقتصاد الأحادي سياسية وأقتصادية وأجتماعية بل شملت (أخلاقيات) العمل في أنتشار الأتكالية وتضخم الجهاز الأداري المؤطر بالبيروقراطية وعلى الأغلب تولي دكتاتوريات وراثية كمتا هو الحال في دول اخليج للسيطرة الأسرية على الثروة .

- ظاهرة غسيل الأموال Mony Laudering الشائعة واليومية في مزاد العملة للبنك المركزي، أن الأصطلاح عصري بديل للأقتصاد الخفي أو الأقتصاديات السوداء أو أقتصاديات الظل، فهذه الأموال الغير مشروعة المكتسبة من الرشوة والأختلاس والغش التجاري وتزوير النقود ومكافئات أنشطة الجاسوسية والسرقة ونهب المال العام وتسهيل الدعارة وتهريب المخدرات وتهريب النفط وتهريب الآثار وتهريب الأطفال والأتجار بالأعضاء البشرية وريعية نوادي القمار وتصنيع النباتات المخدرة وأختطاف وأحتجاز الأشخاص، تخلط بأموال مشروعة لأخفاء مصدرها الحرام والخروج من المساءلة القانونية بعد تظليل الجهات الأمنية .

أخيرا/ليس هناك حل حقيقي أو عصاً سحرية في معالجة مشكلة هذا الأقتصاد المريض سريرياً لأنها بمجملهِا قضية أخلاقية

وللأسف الشديد أن هذه المنظومة الأخلاقية قد خربها المحتل الأمريكي المتغطرس والعدواني، ويجب عدم الأستهانة بهذه الظواهر الأقتصادية المجتمعية والمهزوزة والخاضعة اليوم إلى نظام الكتروني رقمي فائق السرعة في أتصال تلك المافيات العراقية والأقليمية والدولية ضمن شبكة عنكبوتية بمساعدة الديمقراطية الأمريكية العرجاء، وأستغفر الله لي ولكم حين أقول: أن هذه المافيات المليارية المرعبة محمية من قبل(بعض) اصحاب القرار السياسي او ما يسمون بجحوش السلطة ----!!!؟؟؟، ومخرجاتها الكارثية (العشوائية الأقتصادية والتخطيط الغير مدروس والغير مبرمج) .

وأن تطوير الأقتصاد العراقي بكافة قطاعاته الأنتاجية والخدمية مرهونٌ بتفكيك الأقتصاد الأحادي أو الريعي، وأشاعة ثقافة الولاء للوطن لا للأنتماء الفئوي والكتلوي أضافة إلى الرقابة والحوكمة!؟-- ثم ثمة خاطرة مؤلمة تحزُ في نفسي منذ مقاعد الدراسة الأبتدائية هو: أهمال جميع الحكومات التي حكمت العراق منذ تأسيسها في 1921 وحتى حكومات اليوم في أهمال (الغاز الطبيعي) وتركه يحترق كالنار الأزلية ولم يتحرك لهم ضمير في أستثماره حينها لمعالجة ألأقتصاد الأحادي وتغيير حال العباد وهنا اعلن البنك الدولي في تموز 2021

{العراق أسوأ دولة في حرق الغاز الطبيعي في العالم بعد روسيا}!؟.

 

عبد الجبار نوري

.......................

* تعويم النقد المحلي: هو جعل سعر الصرف محرراً بالكا عن سلطة الدولة والبنك المركزي، ويتم أقراره تلقائياً في سوق العملات من خلال ألية العرض والطلب، وهو ألعن شرط مأساوي حين يكون النقد تحت رحمة حيتان المضاربين الجشعين والذي سوف يؤثر سلباً على قيمة الموجودات النقدية في البنك المركزي والنتيجة الكارثية الفقر والبطالة والغلاء الفاحش .

مراجع البحث

سمير شعبان/جريمة تبييض الأموال 2016/

كتاب صندوق النقد الدولي قوّة عظيمة في الساحة العالمية/ للمؤلف الألماني " آرنست فولف" – من النت

محاضرة الدكتور عبدالمنعم سيد علي – الجامعة المستنصرية سنة 1979

محاضرة للدكتور أبراهيم كبة – الجامعة المستنصرية سنة 1976

تموز/2021

 

محمد بغداديما تعريف الإدارة الإلكترونية؟ وما أهميتها؟ وما نتائج تطبيقها بالقطاع المصرفي؟ لاشك أن الإدارة الإلكترونية تكمن أهميتها فى الاهداف التى يمكن ان تحققها اذا تم وضعها فى مقارنة مع الادارة العاديةفي ظل وجود شبكة الانترنت وشيوعها وازدياد مستخدميها، وفي ظل التطور الهائل في تقنيات الحوسبة والاتصال التي حققت تبادلا سريعا وشاملا للمعلومات ضمن سياسة وخطط الانسياب السلس للبيانات ومفهوم المعلومة على الخط، وترافق ذلك مع استثمار الانترنت في ميدان النشاط التجاري الإلكتروني ضمن مفاهيم الاعمال الالكترونية والتجارة الالكترونية، ومع الاعتماد المتزايد على نظم الحوسبة في ادارة الانشطة وازدياد القيمة الاقتصادية للمعلومات ككيان معنوي امسى هو المحدد الاستراتيجي للنجاح في قطاعات الاعمال والمال والاستثمار المالي، في ظل ذلك كله، تطور مفهوم الخدمات المالية على الخط، لتتحول الفكرة من مجرد تنفيذ اعمال عبر خط خاص ومن خلال برمجيات نظام كمبيوتر العميل، الى بنك له وجود كامل على الشبكة ويحتوى موقعه كافة البرمجيات اللازمة للاعمال المصرفية، وفوق ذلك تطور مفهوم العمل المصرفي من اداء خدمات مالية خاصة بحسابات العميل الى القيام بخدمات المال والاستشارة المالية وخدمات الاستثمار والتجارة والادارة المالية وغيرها إن علم الإدارة يبتكر منهج التطوير والإبداع في إحداث تحولات جذرية في مفهوم العمل الإداري والتحول من الإدارة التقليدية إلى إدارة التغيير، وإدارة المعرفة بالاعتماد على التطوير المؤسسي.

فالإدارة الإلكترونية هي منظومة إلكترونية متكاملة تهدف إلى تحويل العمل الإداري العادي من إدارة يدوية إلى إدارة باستخدام الحاسب وذلك بالاعتماد على نظم معلوماتية قوية تساعد في اتخاذ القرار الإداري بأسرع وقت وبأقل التكاليف. الإدارة الالكترونية يمكن أن تشمل كلا من الاتصالات الداخلية والخارجية لأي منظمة. والهدف من ذلك هو إدخال الشفافية الكاملة والمساءلة مما يؤدي إلى تحسين الإدارة الالكترونية داخل أي منظمة. في ألمانيا، هذه المبادرة التي تستهدف بصورة خاصة المنظمات الحكومية، حيث المساءلة العامة والتي تثير قلقاً خاصاً. عمليات مماثلة يجري تطويرها في العديد من الشركات الأميركية للمساعدة على الامتثال للقانون ساربانيس أوكسلي.

إن المحك الأساسي في بقاء واستمرار أي منظمة هو المركز الذي نشغله هذه المنظمة وسط بيئة عمل تنافسية وفى مواجهة النمو المستمر والتحديات المستقبلية. وما يجعل أداء المنظمة جيداً هو مرونة هيكلها بمعنى أنه يميل نحو اللامركزية والمرونة وسرعة الاستجابة للمتغيرات، ولكن في حالة استمرار المشكلات وتعقيدها ومقاومتها للحلول المبدئية هنا يأتي دور القيادة الأعلى حيث يتيح تدخلها مساحة أكبر من التحرك واتخاذ القرار، والتحدي هنا هو تحديد الأسلوب المناسب الذي بلائم كل منظمة. وعلى ذلك، فإن التطوير المؤسسي يعنى بهيكل المنظمة والثقافة التنظيمية بداخلها كما يعنى أيضاً بمجموعات العمل لأن الانجاز المحقق هو نتاج جهود هذه المجموعات.

ومما لا شك فيه أن التطور السريع للتطوير المؤسسي ساهم ويساهم في تعزيز قدرة البنوك المصرية على الإبتكار عبر إدخال تحسينات أساسية على سير الأعمال والاستراتيجيات الإدارية، وما تتيحه من تطبيقات تمكن من الإستفادة من المعارف المتاحة وإدارتها لصالح البنوك. ويعتبر ظهور وانتشار الحاسوب الشخصي والشبكات المحلية في النصف الثاني من الثمانينيات تحولاً نوعياً في طبيعة العلاقة بين تكنولوجيا المعلومات والمستخدم.

ويكمن جوهر وفلسفة الإدارة الإلكترونية في تغيير نمط وأسلوب تعامل وتفاعل العاملين والعملاء على اختلاف توجهاتها وأنواعها وأحجامها معاً داخل البنوك المصرية. وتحتم الإدارة الإلكترونية ضرورة تنظيم المعاملات والخدمات المختلفة داخل البنوك المصرية خاصة بعد ثورة 25 من يناير وما تبعها من قرارات اقتصادية كان لها بالغ الأثر، وإعادة هيكلتها إلكترونياً للتخلص من الروتين والبيروقراطية الشائعة في الأعمال والمهام العامة لترتبط بإحتياجات الزبائن والعملاء ومؤسسات المجتمع المختلفة من خلال الإدارة الإلكترونية المتقدمة التي أصبحت متاحة وتعمل على توفيرها خطط تمهيد البنية الأساسية في الدول المختلفة.

 

كتب / محمد بغدادي

باحث دكتوراة- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية

 

 

محمد كريم ابراهيممعرفة طبيعة الانسان يساعدنا في التنبؤ بمستقبل الحضارة والامور التي تخرج منها. كما قلت سابقاً كل شيء في الكون عبارة عن نظام وتنظيم الاشياء حوله على طريقة نظامه، فطبيعة الانسان عبارة عن محاولة تنظيم البيئة على هيئة انسان او لصالح خدمته ولضمان بقائه. غرائز البقاء على قيد الحياة هي في الحقيقة مجرد اداة لتبقية نظام الانسان على ذاته ومنع البيئة من تدميره، والتكاثر كذلك هو عبارة عن تكثير من نظام الانسان عن طريق تكوين انسان اخر من المواد الغير المنتظمة (الغذاء والماء)، النظام الاجتماعي كذلك عبارة عن هندسة الناس لنظام معين. التخلص من الطاقة الزائدة يعني التخلص من الانظمة الغير المرغوبة والسيئة على نظام الانسان أو على الانظمة التي تساعد الانسان، هذه الانظمة السيئة تكون عادة في بيئة الانسان تتربص به لتدمير نظامه وتحويله الى نظام خاص به، او قد تنخلق من رحم نظام الانسان عندما يحدث طفرة في جيناته (كنظام مرض السرطان) أو تأتي كتأثرات جانبية من عمل نظام الانسان (كإخفاق في نبضات القلب). هذه هي النظرة العامة لطبيعة الانسان، ولقد شرحت سابقاً بعض من حاجات الانسان ورغباته التي تنبع من طبيعة جيناته.

هنا نستطيع أن نلحق لتلك النظرات العامة بعض الجوانب المحددة لنتمكن من شرح تأثير طبيعة الانسان على حضارته. مثلاً يمكننا تقسيم طبيعة دماغ الانسان الى ثلاثة اقسام:

1- الطبيعة الجينية للدماغ: وهي التي تسيطر على اغلب فعاليات الدماغ ولا يمكن تغييرها بسهولة الا بالهندسة الوراثية والتعديل على الجينات البشرية والتي هي غير ممكنة حتى هذه اللحظة. المثال عليها هي رغبة الانسان في الاكل والسعي وراءه.

2- الطبيعة المتعلمة من البيئة: الذكريات والتجارب والحكم والتحليلات التي استنتجت من المواقف في الماضي تكون دليلاً لتدليل الدماغ على التصرف بما هو نافع للفرد ولنظامه. والمثال عليها هي عندما يتعلم الانسان بأن لا يثق بكل أحد أو بكل الكلمات التي تخرج من شخص معين. وهذه الطبيعة تعلم الانسان كيف يتصرف ويكون ردة فعله للمواقف الشبيهة بالمواقف السابقة. من الصعب لكن ليست مستحيلة ازالة تلك الطبيعة المكتسبة.

3- الطبيعة المتجاوبة للبيئة: تستجيب وتتغير للحالات الجديدة وكذلك بعض الاحيان القديمة، وتؤثر هذه الطبيعة ايضا على الطبيعة المتعلمة.

معظم معالم الحضارة البشرية وانتاجاتها آتية من طبيعة دماغها الجينية؛ مثلاً، المزارع والحقول تعكس مدى تأثير شهية الانسان لشكل الحضارة وكذلك الاسواق وتحرك الحضارة نحو الغذاء والماء تظهر لنا إن أغلب ما يتكون منها الحضارة هي قائمة من جينات اهل الحضارة وغريزتهم البشرية.

الطبيعة المتعلمة هي بطيئة في التأثير على الحضارة وعادة تموت مع موت بعض من الاعلام والشخصيات الذين تعلموا من تجاربهم الخاصة أو حتى المجتمعات التي اخذت دروساً وعبر من ماضيها تنساها مع انقلاب جيل جديد من اهل الحضارة قد نسوا ما اكتسبته اجدادهم من معلومات وافكار (ما دامت تلك المعلومات مدونة في ادمغتهم ولا يمكن تعليمها لشخص اخر الا بخوضه لنفس التجارب). بعض من التطورات تعتمد على هذه الطبيعة للدماغ منها التطورات العلمية والتقنية في الحضارة البشرية. الطبيعة المتعلمة في الطفولة تكون غاية في المرونة ويمكنها امتصاص المعلومات بسهولة كالصفائح البيضاء التي تحضن الحبر، وعندما يبدأ بعض الافراد وحتى المجتمعات بمعلومات خلفية خاطئة أو ايمان غير متزامن أو التشبث بمفاهيم خاطئة في هذا النوع من طبيعة الدماغ، فكل التحاليل التي تأتي من دماغ هذا الفرد الكاسب لهذه المعلومات الخاطئة تكون منطقية وصحيحة بالنسبة له. مهما كانت تلك النتائج والتحاليل غير منطقية بالنسبة للإنسان العادي، فهو منطقي جدا لهذا الرجل المتربي على المعلومات الخاطئة، لان تلك الاستنتاجات والتحاليل مشتقة من تلك المعلومات الخاطئة، وكل معلومة مستمدة من الطبيعة يجد الشخص مكان له ليضعه ليدعم ايمانه الخاطئ او فلسفته الخاطئة عن الحياة. افعال واقوال هذا الفرد او المجتمع يكون منطقي بالنسبة لهم (استنادا الى معلوماتهم الخاطئة). لهذا من المهم البدأ بترسيخ مبادئ صحيحة وحقيقية بدلا من الايمان الخاطئ والفلسفة الخاطئة، فالعقل بحاجة الى العلم الصحيح.

والطبيعة المستجابة للدماغ هي التي تحدد مدى مرونة اهل الحضارة للتغيرات التي تطرأ على الحضارة ومدى قدرتهم على التكيف في شتى الظروف.

 

والدستور الذي يتحكم في طبيعة الدماغ وفي قوانين الافكار هو المشاعر (وهي الابتعاد عن الالم والاقتراب من المتعة). المشاعر هي التي ترسل الدماغ الى الطريق الحسن والنافع، وهي تأتي مع الطبيعة الجينية وتشرف على الغايات من الافكار والتصرفات التي تخرج من الطبيعة المتعلمة (مثلاً لو كانت الافكار والتصرفات تؤدي الى المشاعر الممتعة والنشوية ام الى المشاعر السيئة والمؤلمة).

ممكن ان تقسم طبيعة البشر ايضاً الى ثلاثة اجزاء من حيث العمر: طبيعة صغار العمر، طبيعة البشر في اعمار متوسطة، وطبيعة كبار العمر. الغرض من ذلك التقسيم هو للتفرقة بين رغبات وحاجات الفئات العمرية. مثلاً، صغار العمر ليست لديهم حوافز جنسية والرغبة في التكاثر، مما يجعل النمو الحافز الرئيسي عندهم. وكذلك كبار العمر حيث يقل فيهم ذلك الحافز الجنسي، هذا ما يدفع الحضارة الى اخذ منحنى اخر في معالمها وتفاعلاتها.

نولد جميعاً بطبيعتنا الجينية فقط مع الكثير من الطبيعة المتجاوبة ولكن من دون الطبيعة المتعلمة، أي نولد جميعاً وحوش على معيار الحضارات المتقدمة والمجتمعات المتطورة، لا نعرف الثقافات ولا العادات ولا القوانين ولا المعلومات الضرورية للعيش داخل الحضارة المتطورة. لذلك نقول ان الانسان المولود الجديد يصعب عليه العيش في مجتمعه حالي لسببين: الاول انه يجب عليه اتباع غرائزه وطبيعته الجينية فوق المتعلمة. ثانياً: غالب دساتير وقوانين البشرية في اغلب الحضارات تتناقض مع الطبيعة الجينية للانسان، فمن الصعب عليه الاندماج داخل مجتمع يتبع تلك القوانين.

بعض الافراد تتأخر فيهم طبيعة المتجاوبة في البداية، فبتالي يكون تعلمهم صعباً، اما الاخرون فيكون بكيراً، مما يجعلهم يظهرون اذكياء، والآخرون العباقرة التي تستمر فيهم الطبيعة المتجاوبة طوال اعمارهم ثابتة.

اما بالنسبة لطبيعة النساء، فهناك ملاحظة يجب ذكرها غفل وما زال يجهلها الكثير من الحضارات والمجتمعات: الاناث البشر لا يشعرون برغبة جنسية، وحتى لو شعروا بذلك، فهي ضئيلة جدا لا تؤدي الى اي تصرفات او افعال وافكار كمثل الذكور، وهذه الطبيعة ربما عائدة إلى عدم المنفعة من ذلك الشعور لدى المرأة (ما عند الرجل من رغبات جنسية تكفي للتكاثر البشري)، وهي لا تحتاجها لتنجب اطفالاً. التفسير الثاني يعود الى كون المرأة حافظة للجينات الجيدة ومانعة للسيئة، فهي تعمل كصمام أمان تمنع الجينات السيئة من الظهور في المجتمع، فالذكور يختارون المرأة الجميلة والذكية على حسب جيناتها، اما المرأة التي فيها عيوب وراثية وخلقية والتي هي قبيحة لا تتكاثر بسهولة، لهذا السبب تكون المرأة حافظة للجينات وهي ليست عليها ان تبحث عن الجينات الجيدة والجديدة (اي لا تهمها كثيراً الرجل الجميل وذات جينات جيدة، بل هذه ضغوطات اجتماعية على دماغها لتختارها أي انها ليست اتية من رغباتها الغريزية، وهي إن كانت تبحث عن رجل، فهي تبحث عن رجل غريب ومميز ونادر الجينات).

اما الرجل فيكون جيناته باحث للتغيير والتميز والتجدد; أي إن جينات الذكر مهما كانت متغيرة ومختلفة عن جينات المجتمع فما دامت تفعل الوظائف البشرية والجسدية بصورة جيدة أو بصورة أحسن وبطريقة أفضل، فلن يكون هناك تأثير سلبي على تكاثر المجتمع.

وبهذا يمكن للمجتمع ككل التقدم للأمام عن طريق الرجال ومنع الرجوع للوراء عن طريق النساء، وربما هذا هو السبب من كون جنس البشر مكون من ذكر وانثى (أو حتى جميع الكائنات التي فيها ذكور واناث). هذه الطبيعة الجنسية لدى رجال لها تأثير عظيم للحضارة، فيها ايجابيات وسلبيات: من الايجابيات هي التقدم الفكري والابداع، زيادة اعداد اهل الحضارة، ومن سلبياتها هي الفوضى في الحضارة من الجرائم الجنسية.

يجدر الذكر أن التميز الذي يظهر في الرجال والذي اتحدث عنه اعني به طفرات جينية و وراثية وليست التميز عن الاخرين التي هي في افكار جميع اعضاء المجتمع والتي هي حيلة للسعي وراء الرتبة الاجتماعية، وهو التميز الحسن الذي يطمع إليه الإنسان لتغير عن الآخرين، والعناد هو جزء من هذا التميز. فرع من جذور هذا التميز هو الصراع الجنسي، والفرع الثاني هو صراع للسيطرة والسلطة او القيادة.

يعتبر هذا التميز أحد أسباب وجود العنف داخل مجتمع حضاري الذي يؤدي الى انقسامه وتشتته نتيجة رغبة الأول بالتميز عن الثاني. فإذا كان احدنُا أفضل من عندنا حسدناه على هذا التميز، وإن كان الآخر بمستوانا بغضناه وجحدنا حقوقه للتميز عنه أو انحطاطه إلى أدني من مستوانا، وإن كان أحد اقل من مستوانا شفعنا وشفقنا عليه. هذا الصراع للتميز عن الآخرين يؤذي صاحبه أيضاً، فيقدم على عمل أشياء خطيرة خارجة عن طبيعة الإنسان فقط ليثبت للمجتمع ولنفسه بأنه مختلف ونادر (في الحقيقة هو جزء منهم والفروقات طفيفة جداً). وعادة تظهر تلك الرغبة منذ الطفولة، ويظهر معه الحسد للأقران والأصدقاء.

الروابط التي تربط افراد اهل الحضارة البشرية يمكننا أن نقسمها إلى خمس:

1- الروابط الحاجاتية: وهي تلك الروابط التي تربط الأشخاص الذي يحتاجون لبعضهم البعض ولا يمكنهم حرفياً العيش من دون الآخر. يمكننا التفكير في الرابط الذي يربط بين المزارع والطبيب كرابط حاجاتي، لأن أحداهما لا يمكنه العيش من دون الآخر. بشكل عام، يتجمع البشر ليكون مجموعات من اجل الاعتماد على بعضهم البعض من اجل الزيادة من فرصة البقاء، وهذا يندرج تحت رابط حاجاتي، فالفرد يحتاج إلى المجتمع لكي يعيش والعزلة تزيد من احتمالية الموت. وينكسر الرابط في حالة واحدة عندما ينتهي الحاجة إلى الآخر ويكون المصادر كافية واحتمالية الموت بعزلة ضئيلة. يعتبر الرابط الحاجاتي من اقوى الروابط التي تربط اهل الحضارة معًا.

2- الروابط الرغباتية: الجنس، الرغبة في مصاحبة الأصدقاء، الرغبة في الحُكم والسيطرة على الناس، جميع تلك الأمثلة تعد من الروابط الرغباتية وهي ثاني اقوى رابط بعد الحاجاتية، لأنها التي تربط العائلة والأصدقاء والاقرباء. لكن من الصعب تكسير هذا الرابط لأنها مبني على أساس المشاعر والاحاسيس التي لا تنفذ مع زيادة المصادر أو الأصدقاء أو المزيد من الجنس، وقد تستمر لسنين طويلة.

3- الرابط المولود: بعدما يولد الإنسان، يبرز في باطنه رابط يجذبه إلى أمه وأبيه وكذلك العكس. هذا الرابط قصير نسبياً حيث يستمر على الغالب إلى فترة المراهقة ويذبل منها تدريجياً.

4- روابط للأهداف المشتركة: رابط قصير أيضاً، فيه يجتمع الناس لتحقيق هدف معين مثل الزملاء في العمل.

5- الروابط الوهمية: روابط مليئة بالمشاعر الفارغة يعملها أشخاص مخادعين من أجل مكاسب لهم.

الحاجة والرغبة هما أمران مهمان يجب أخذهما دائماً بنظر الاعتبار. نحن في عصرنا الحالي قد اجتاز الكثير منا حاجاته الأساسية من الغذاء والشراب والأمان والحرارة المعتدلة، نحو رغباتنا الثانوية من المسكرات والمخدرات والفنون المختلفة والاشياء التي نمتلكها لكي يتعجب بنا الاخرين ويرفع من مستوانا الاجتماعي. بمجرد أن ضمنا حاجاتنا، بدأ وعينا بالتفكير في المشاعر الصغيرة التي صعدت نحو السطح بعد اشباع المشاعر الكبيرة من الجوع والخوف والبرد. بدأنا بالنظر بداخلنا وتأمل ماضينا والتخطيط لمستقبلنا، كلها فقط لتسلية دوائرنا العصبية. لا أعلم إن كانت هذه العملية أيضاً جارية في الكائنات الأخرى، أعني عندما يشبعون حاجاتهم، هل يبدأون بالتفكير برغباتهم ومشاعرهم المتنوعة، أم إن هذه الميزة الإدراكية مميزة للإنسان فقط. من المرجح إن الأمر نفسه يحدث لهم.

وليس فقط لهم، بل في طبيعة أي نظام حينما يتخلص من فوضاه الكبيرة ويحولها إلى نظامه وانتظامه، يبدأ بالنظر إلى الفوضويات الضئيلة وتحويل ذلك إلى انتظامه المعين. وهذا يعني إن الحضارات البشرية بين حضارة لم تشبع حاجاتها وحضارة لم تشبع رغباتها.

يمكننا التحدث عن الطبيعة الفضولية عند البشر أيضاً وتأثيرها على مسار الحضارة في المستقبل. حيث تنقسم إلى قسمين:

1- الفضولية الاحترازية: وفيها يستكشف الإنسان أشياء مجهولة ويرغب في معرفتها للوقاية من شرها. وهي تشكل غالبية فضوليتنا التي يجبرنا على أن نعرف معلومات أكثر عن الشيء الغامض لإخماد الشك في مضرتها علينا.

2- الفضولية التميُزية: يحاول الفرد المستكشف الباحث عن المجهول أن يتميز عن أقرانه ومجتمعه بالذهاب إلى ما وراء الحدود الذي هم فيه.

3- الفضولية التعلُمية: وهي الفضول لمعرفة ما يفعله الاخرون من اجل التقليد.

يأتي الخوف من الموت عند الإنسان من طبيعة دماغه الجينية. حيث يخاف الشخص من الموت لأنه:

1- خائف من الألم (المشاعر السلبية): غالباً يصاحب الموت ألم ما في منطقة ما من الجسد.

2- خائف من فقدان المتعة (خسارة المشاعر الإيجابية): يمر لحظات حياته الممتعة أمامه ويدرك فعلاً إنه لن يتمكن من الإحساس بتلك المشاعر مرةً ثانية.

فقط من هو مريض نفسي لا يخاف من الموت في الحالات الطبيعية. لكن إن تخلصنا من الألم ومن الذاكرة، لأصبحنا قادرين على تجرع الموت بشكل أسهل. وهو هدف يصله فقط الحضارات المتقدمة للعناية بأهلها اثناء مفارقة الحياة.

طبيعة الكائن في اغلبية الكائنات التي نعرفها تحتفظ بمعلومات الكائن (وبمعلومات المجتمع ايضاً) عن طريق توارثها من جيل إلى آخر. وهذا ما يحدث عند الإنسان، بالإضافة الى كون ذاكرتنا تحتفظ وتنقل المعلومات ايضاً كجيناتنا، لكي يتم تداول التصرف الصحيح من الاب الى الابن، وهذه الميزة رفعت من قيمتنا بالمقارنة مع الكثير من الكائنات الأخرى. حيث تمكنا من صناعة الأدوات وتطويرها عن طريق الاعتماد على ذاكرتنا ومشاركتها مع الأجيال المستقبلية. إلا إنها كانت قصيرة أيضاً في نقل المعلومات.

مع مرور جيلين او أكثر على المعلومة المتعلمة من قبل الأجداد، ينسى الاحفاد ما تعلمه اباءهم واجدادهم، وينسون ماضي البشرية بأكملها الا قليل منهم، وليس هناك أي عقل بشري عظيم يمكنه تحليل وحفظ كل تلك المعلومات الماضية بالسرعة المطلوبة. لذلك اضطر الأجيال الجديدة التي نست معلومات ضرورية اُكتشفت من قبل اجدادهم إلى اكتشاف المعلومات من جديد، إلى إعادة اختراع العجلة واكتشاف قوانين الرياضيات. مما يعيد من تكرار الأخطاء، ويؤخر من عملية انتظام الصحيح للنظام وخروجه من فوضى البيئة المحيطة به سالماً.

الكتابة، التي هي واحدة من احدى طرق حفظ المعلومات ونقلها الى المستقبل، كانت خطوة ثورية بالنسبة لنا، حيث جعلنا نحتفظ بأكبر قدر من المعلومات عن الماضي ولفترة طويلة لغرض العيش بشكل أفضل في المستقبل. نستطيع في الحقيقة الرجوع الى شرارة هذه الثورة والتي كانت هي اللغة والمفردات التي تعلمها الانسان وتمكن من تسمية الأشياء الواقعية والتجريدية والحيوية والجامدة من أجل مشاركة معلومات جديدة ومستكشفة حديثاً عن تلك الأشياء مع الاخرين، إلا إنها كانت ثورة صغيرة جداً لا يعتبر قفزة عظيمة لفصل الانسان عن عالم الحيوانات. من خلال الكتابة، استطعنا ان نطور ما اكتسبناه من معلومات سابقة في أوقات اجدادنا، وبالتالي بُنيت حضارتنا على غرارها، وأصبحت تصب في مصلحتنا ولغاية نظامنا وكل هذه بفضل المعلومات التي اكتسبناها سابقاً والتي سيكتسبها الأجيال القادمة لاحقاً.

قوانين الحضارات التي نحن فيها بعيدة كل البعد عن طبيعة الإنسان، يجب علينا ان نربطهم معاً لبناء حضارة اقوى، وان نفصل تلك السياسات التي تتصل بزمن محدد او بمكان معين او بشريحة معينة من المجتمع. مثل دستور الذي يشرح كيف يمكن حكم وتنظيم مصادر غذاء، مصادر اقامة، مصادر الطبيعة.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

 

منذر الغزاليإنَّ الأصول الأولى لفكرة حقوق الإنسان بدأت في مُنذ بداية تكوين حياة مشتركة لمجموعات البَشر، ومنذ ذلك الحين، تطوَّرت هذه الفكرة باختلاف العصور، والمجتمعات لتظهر لنا كما هي اليوم، وفيما يلي ذِكرٌ لمحطاتٍ مختلفة لتاريخ حقوق الإنسان، والتطوُّر الذي حدث لها.

أولا: حقوق الإنسان في العصور القديمة

حقوق الانسان في الحضارة الفرعونية

الدولة الفرعونية القديمة

كان نظام الحكم قائما على ألوهية الملك، لقد تميزت حكومة الملك الفرعون بأنها ضمنت حق العبودية من قبل جميع طبقات المجتمع المصري للملك الذي نصب نفسه إلها وفي ذات الوقت لم تعط أولئك العبيد النصيب الاكبر من الحقوق فعلى صعيد الملكية الفردية ، كانت الأرض ملكاً للفرعون ولا يحق لاحد ان تكون له ملكية خاصة الا بموافقة الفرعون على ان الملكية لن تتضمن حق التصرف فما زال الفرعون هو المالك الشرعي للأرض ومن عليها  ولم يخرج الكهان ومعابدهم عن ملكية الفرعون ، بل كان العديد من الفراعنة من كبار الكهان الذين مهدوا لقيام فكرة الوهية البشر. ولا يمكن تخيّل أي حقوق على المستوى الإنساني.

وفي حقبة الدولة الفرعونية الوسطى (2200 ق.م)

 برز الى الواقع فكر جديد اتجه نحو الاصلاح وتنصل عن فكرة الوهية الملوك " الفراعنة " فقد كان "إخناتون" أول ملك فى تاريخ الإنسانية نادى بالتوحيد ، وظهرت بوادر عهد جديد يتجه نحو محاولة تقنين سلطة المعبد والكهان ، وظهر الملك الذي يقيم العدل بين الناس ويخفف من وطأة التقسيم الطبقي بين المصريين .

 وقام هذا الإتجاه ايضا بتحقيق المساواة بين ابناء المجتمع كما تنازل عن فكرة ملك ارض مصر بمن عليها من قبل الفرعون ، وهنا شهدت الحقوق المدنية تطورا في التطبيق, فحرية العقيدة قد كفلت ، على ان يكون الحكم للاسرة الفرعونية حصرا فالملك وحده وليس بمعية الكاهن من يتخذ القرارات الهامة ويمارس الحكم بين الناس .

اما المرأة فقد تمتعت بشخصية قانونية كاملة ابتدأت بالاسرة الفرعونية فقد حكمت النساء الدولة لفتره من الزمن ، ومن أشـهـر ملـكات هذه الأسرة عـلى سبـيـل المـثـال المـلـكـة " تى" بنت الشعب وزوجة امنحوتب الثالث وأم إخناتون ، والملكة " نفرتيتى" زوجة " إخناتون" والملكة العظيمة "حتشبسوت" التي حكمت مصر قرابة عشرين عاما وبلغت مصر فى عهدها أعلى قمة فى الحضارة والعمارة والتجارة الدولية .

الدولة الحديثة

تبدأ من طرد الهكسوس على يد أحمس العام 1571 ق. م وهي فترة امتازت بالاستخدام المبالغ فيه لقوة الجيش الفرعوني المسلح بأحدث السلحة في حينه. وتراجع بالحقوق الإنسانية، وعودة الملك – الإله وعادت معها سلطة الكهنة.

قوانين ماعت

أطلق المصريون القدماء كلمة ماعت على جوهر النظام والعدالة للكون والملك والمجتمع والفرد، ولخصت هذه الكلمة الفلسفة الروحية العميقة للأخلاق والقيم والعدل والمثالية.

في أحد كتابات الباحث التاريخي جلال شلتوت، أوضح أن حضارة مصر الفرعونية القديمة كانت الأقدم بين الشعوب في تحديد وإقرار مبادئ حقوق الإنسان التي أقرها العالم حديثاً، وكذلك وضع قانون ونظام يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكومين بالإضافة للعلاقة بين المحكومين وبعضهم البعض، وهو ما يطلق عليه نظام “ماعت”، وأسست مصر عليه نظامها السياسي والإداري والديني والاجتماعي فيما بعد.

حقوق الانسان في حضارات ما بين النهرين

بتطور الحياة، تطوَّر ضمان حقوق الإنسان من القواعد العُرفيّة إلى ضمانها وِفق نصوص قانونيّة تُقدِّمها الدَّولة

في الألفية الرابعة  قبل الميلاد ظهرت المُدن الكبيرة في العراق القديم، وبدأت معها نشأة القوانين التي تُعَدُّ أساساً لضمان الحقوق، ومنها حقوق الإنسان، ويُعتبَر العراق أوَّل من وضع القانون؛ حيث كان في البداية على شكل قواعد عُرفيّة، ثمّ تطوَّرت لتُصبح قواعد قانونيّة، ومن القوانين التي أقرَّت حقوق الإنسان في تلك الفترة:

قانون أورنامو:

 وهو قانون أصدره الملك السومريّ (أور نمو) في الفترة (2003-2111ق.م)، وقد اعتُبِر بذلك أقدم القوانين المكتوبة ، وتضمَّن القانون إقراراً لحقوق الإنسان؛ فذُكِرت في مُقدِّمته مواضيع عن توطيد العدالة، والحرّية في البلاد، وإزالة العداوة، والبغضاء، والظلم، بالإضافة إلى تحريم المَساس بجسم الإنسان، وقد اقتُبِست من هذا القانون العديد من النصوص لمبادئ حقوق الإنسان، والتي أُقِرَّت في الإقرار العالَميّ لحقوق الإنسان.

قانون لبيث عشتار:

 وهو قانون يعود إلى بداية العَهد البابليّ القديم، حيث أصدره الملك (لبيث عشتار)، وقد تمّ العثور عليه في بداية القرن العشرين بواسطة تنقيبات أجرتها جامعة بنسلفانيا، ويتضمَّن هذا القانون نصوص مُشابهة لمُقدِّمة قانون أورنامو، وبعض الموادّ القانونيّة الأُخرى؛ حيث دعا إلى نَشر العدل في البلاد، والقضاء على العداوة، والبغضاء، وجَلْب الرفاهيّة للأكديّين، والسومريّين، بالإضافة إلى حماية طبقة العبيد، وإنصافهم، ومَنْع الإساءة إليهم، وأيضاً مَنع التعذيب، والمَساس بجسم الحيوان.

شريعة حمورابي:

 أو قوانين حمورابي هي مجموعة قوانين بابلية يبلغ عددها 282 مادة قانونية سجلها الملك حمورابي سادس ملوك بابل (حكم من سنة 1792 قبل الميلاد إلى سنة 1750 قبل الميلاد)

ويُعتبَر هذا القانون من أكثر القوانين اهتماماً بحقوق الإنسان؛ حيث تضمَّن يعض حقوق الإنسان التي وَردت في القوانين السابقة له، التي تتَّفق مع روح العصرالذي يعيش فيه، وأضاف حمورابي بعض الموادّ القانونيّة الأُخرى، كمبدأ القَصاص، وتحديد عقوبة الموت، كما حدَّد مسؤوليّة حاكم المدينة، والمُتمثِّلة بتحقيق الاستقرار، والأمن، وحماية أموال الشعب، وتمثَّل ذلك بتحقيق نظام قضائيّ مُتطوِّر.

غير أن عيوب ونواقص كثيرة قد ظهرت ولا تـزال تظهر في هـذا القانون، حيث أنه لم يصل كاملا، وإنما وصلت منه قطع غير مترابطة

حقوق الإنسان في الحضارة اليونانية القديمة

في إطار المراجعة التاريخية، نجد أن الحضارة اليونانية قد شرعت على الصعيد الاجتماعي نظام الرق العام، والرق الخاص أو تسنيد العبيد في خدمة البيوت والأمراء... فكان للهياكل في اسيا الصغرى أرقاؤها الموقوفون لها وكانت عليهم واجبات الخدمة والحراسة ولم يكن من حقهم ولاية اعمال الكهانة  والعبادة العامة. وميز معظم فلاسفة اليونان، امثال ارسطو بين القانون الطبيعي والقوانين الوضعية.

أرسطو

أعتبر ارسطو أن مبدأ المساواة من المبادئ الأساسية التي تنضوي تحت لوائه جميع الحقوق والحريات المعترف بها للأثينين، وبهذا فأن مبدأ المساواة هذا يحتم معاملة جميع الناس بشكل متساو سواء أمام القانون، أو حتى فيما يتعلق بحقوقهم السياسية والوظيفية وممارسة الحق في الرأي وحرية التعبير. ووفقا لمفهوم أرسطو، فإن الله خلق فئتين من الناس، اليونانيون الذين يمتازون بالفعل والارادة، والبربر ذوي الطاقات البدنية التي تهيئهم لأن يكونوا عبيدا.

أفلاطون

ويقضي أفلاطون في جمهوريته الفاضلة

بحرمان العبيد من حق المواطنة، وإجبارهم على الطاعة والخضوع للأحرار من سادتهم أو من السادة الغرباء، ومن تطاول منهم مع سيد غريب، اسلمته الدولة ليقض منه كما يشاء.

مدرسة الكلبيين والرواقيين

المدرسة الكلبية جاءت لتخفف من حدة التطرف الفكري والفلسفي اليوناني تجاه مسألة حقوق الإنسان، والتي تبعت خطاها المدرسة الرواقية (430 – 490 ق. م) والتي كان من أهم مبادئها على الإطلاق، مبدأ الأخوة والذي يقضي بأن جميع البشر أخوان، وألغت ظاهرة العبودية والسيد والعبد، إذ تنظر هذه المدرسة أن جميع البشر أخوة مهما تباينت أصولهم وأجناسهم ولغاتهم، وذلك بإخضاعهم إلى قانون واحد هو القانون الطبيعي الذي لا يجوز أن يخالف من قبل نصوص القانون الوضعي.

حقوق الإنسان والحضارة الرومانية:

لم يكن الحال عند الرومان بأفضل منه عند اليونان، فقد انتشر الاسترقاق بينهم من غير تفريق بين ما كـان رومانيا أو أجنبيا فكانـوا يملكونهم إما بحرب أو شراء أو بإختطاف. وتعتبر الألواح الاثني عشر من أقدم أثار القانون الروماني، وقد وَضعت في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد، وقد عكست هذه القوانين التمايز الطبقي والاجتماعي في نسيج المجتمع الروماني القديم، على أساس الملكية وتطور نظام الرق ونشوء دولة مالكي العبيد، وكتبت القوانين على أثني عشر لوحا.

ولقد تجاوزت فظائع انتهاكات حقوق الإنسان في العصر الروماني كل أشكال الظلم والقهر التي شهدها الانسان في الحضارات الاخري. فقد كان الرقيق في العهد الروماني شيئا لا بشرا، فلا حقوق لهم، وكان القانون الروماني يقسم الناس إلى وطنين وأجانب، والأخيرون في الأصل أعداء، وكان مبدأ استباحة الأخرين هو أهم المبادئ التي قامت عليه عناصر القوة الرومانية في التعامل مع الأخرين من شعوب هذه الأرض، ومن ثم كان القانون الروماني يقسم العالم إلى ثلاث ديار هي دار الوطنين، ودار الأعداء ودار المعاهدين والمحالفين.

ثانياً: حقوق الإنسان في العصور الوسطى

حقوق الإنسان عند العرب قبل الإسلام:

على الرغم مما شاع في أوساط المجتمع العربي من استغلال وعادات سيئة كالثأر ووأد البنات والرق والاستغلال والربا، إلا أنه كانت في مجتمعاتهم ما يؤكد على تمسكهم بحماية الضعيف، ومنع الاستغلال، وإنصاف المظلوم.

لقد كانت الأحلاف هي القناة والأداة لحفظ الحقوق واستقرار الأوضاع، ومن أشهر هذه الأحلاف ( حلف الفضول )، حيث تعاقدوا وتعاهدوا فيه على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد إليه مظلمته.

وهذا الحلف يعد فريدا من نوعه في تاريخ البشرية، ويعد حلف الفضول بالمعنى المتقدم حلفا إنسانيا يتضمن قيما أخلاقية أصيلة أساسه العدل والانتصار للمظلوم ضد الظالم.

حقوق الإنسان والحضارة الإسلامية:

كانت رسالة السماء مجسدة في القرآن الكريم واضحة كل الوضوح على صعيد أحترام حقوق الإنسان، حيث نادت بضرورة تحرير الإنسان من العبودية والرق والاستعباد واقرت بمبادئ العدالة والمساواة وتحريم التميز.

الحضارة الإسلامية لعبت دورا مهما في تطور وإنضاج وعي الإنسان بحقوقه وحرياته الأساسية، وذلك من خلال إقراره بمبادئ هامة تعد ركيزة لأي نظام اجتماعي قانوني بشري.

 ويجمع ذلك قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، ويؤسس هذا الحق العدل الواجب ومبدأ تكريم الإنسان

يتفق المؤرخون بصفة عامة على أنّ ما دعا إليه نبي الإسلام محمد ضد ما رآه من شرور اجتماعية آنذاك و الإصلاحات الإسلامية الاجتماعية في مجالات عدة كالأمن الاجتماعي وكيان الأسرة والعبودية وحقوق المرأة والأقليات العرقية تحسّنت مما كانت عليه في المجتمع العربي المتواجد في ذلك الوقت.

ويؤمن برنارد لويس بأن طبيعة المساواة في الإسلام "تمثّل تقدماً ملحوظاً على الممارسات اليونانية الرومانية وعالم الفرس القدماء".[ و أيضاً، دمج محمد قوانين العرب والموسوية وعادات ذلك الوقت إلى الوحي الإلهي.

ميثاق المدينة

 وضعه رسول الإسلام في العام 622م، تم إقراره بموجب اتفاقية رسمية بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين كل القبائل والعوائل المؤثرة في يثرب (سميت لاحقاً المدينة المنورة) شملت هذه الاتفاقية المسلمين واليهود والوثنيين.

أقرت هذه الوثيقة لهدف محدد وذلك لوضع حد للعداء والقتال القبلي الشديد بين قبيلتي الأوس والخزرج في المدينة المنورة .ونتيجة لذلك تم إقرار بعض الحقوق والواجبات لجميع فصائل المدينة من المسلمين واليهود والوثنيين لدمجهم ضمن جماعة واحدة في مجتمع واحد  يسمى الأمة

 يذكر برنارد  لويس أن الإسلام أدخل تغييرين رئيسيين في نظام الرق القديم كان لهما تأثيرات كبيرة، أحدهما افتراض الحرية في الفرد والآخر منع استعباد الناس الأحرار إلا في ظروف محددة ومقيدة جداً. يقول لويس ان الموقف العربي من الرق "تحسن كثيراً" فالرقيق العربي لم يعد "متاعاً بل هو إنسان ذا حقوق الوضع القانوني في الحضارات الأخرى، بما فيها الغرب، حتى قرون متأخرة. يوضح قاموس اكسفورد الإسلامي بأن التطورات العامة في وضع المرأة العربية تضمّنت تحريم وأد الإناث والاعتراف بالمرأة كشخص كامل "أُعطيت النساء حق الميراث في مجتمع ذكوري كان يذهب فيه الميراث للأقارب من الذكور فقط."

 ثالثاً: حقوق الإنسان في عصر النهضة الأوروبية

الماجنا كارتا والشريعة العامة:

مع بداية عصر النهضة في القرن الثالث عشر الميلادي، صدرت في إنكلترا الوثيقة الكبرى (الماجنا كارتا) في عام 1215، على أثر ثورة عارمة معادية لطغيان الملك، ونصت (الماجنا كارتا) محاكمة الناس على أيدي محلفين، وعدم سجن أي شخص أو القبض عليه بغير سند قانوني

ودعا (توما الأكويني) (1225- 1274) إلى التأكيد على فكرة الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة، بمعنى التزام المالك بأن يدفع بملكيته مجتمعة الذي ينتمي إليه، وارتأى الأكويني، أن أهداف الحكومة (أي حكومة) هو تأمين الخير العام.

وتعتبر مساهمات (جون لوك) و (فولتير) و (مونتسكيو) بارزة في مجال تمهيد الطريق أمام الاعتراف بحقوق الإنسان،

رابعاً: بداية العصر الحديث وعهد التنوير

أسفر غزو الأمريكيتين في القرنين الخامس عشر و السادس عشر من قبل أسبانيا في عصر الاكتشاف عن مناقشات شديدة لحقوق الإنسان في المستعمرة الأسبانية الأمريكية. أدى ذلك إلى اعتماد قانون بورجوس والذي كتبه" فرناندو الكاثلوكي" بالنيابة عن ابنته" خوانا الأولى ملكة قشتالة".

قام العديد من فلاسفة القرن السابع و الثامن عشر ميلاديه بتطوير مفهوم الحقوق الطبيعة ومن أبرزهم جون لوك ، ذلك المفهوم يقوم على فكرة أنّ الناس بطبيعتهم أحرار ومتساوون. وقريب من ذلك الوقت وبالتحديد  في عام 1689 صدرت وثيقة الحقوق الإنجليزية.

ثورتان اساسيتان حدثتا في اثناء القرن الثامن عشر، في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776م وفي فرنسا عام 1789م.

كان إعلان فرجينيا للحقوق في عام 1776 م، تم فيه وضع عدد من الحريات والحقوق الأساسية. ولحقه إعلان الاستقلال الأمريكي، الذي تضمن مفاهيم الحقوق الطبيعية

وعلى نفس الطريقة، الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن وضعت مجموعة من حقوق الأفراد والجماعات. وتلك الحقوق كما نصت عليها الوثيقة عُقدت لتكون عامة ليس للمواطنين الفرنسيين فقط بل لعامة الناس بدون استثناء .

الثورة الفرنسية والأمريكية:

 لقد مرت المسيرة البشرية نحو تأكيد حقوق الإنسان بمراحل كثيرة حتى وصل إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1949، ومن الإنصاف القول أن هذه المواثيق بما فيها قانون حمورابي أو الماجنا كارتا والثورة الأمريكية والثورة الفرنسية وغيرها قد شكلت علامات في تلك المسيرة، وعكست تطلعات الإنسان لاستكمال حريته، والحد من غائلة الظلم والاستعباد.

كما أسهمت حركات التحرر بدور فعال في تطوير حقوق الإنسان من خلال المطالبة بتثبيت حقوق الإنسان وحرياته في مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ولعل أهم ما حققته الثورات والانتفاضات الخيرة في مجرى تاريخ الإنسانية، إنما هو إعلان حقوق الإنسان، اعترافا منها وتقديسا لواجب صيانتها وبذل الأرواح والجهود في سبيل الدفاع عنها وإذاعتها. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية لعبتا دورا بالغ الأهمية في تطوير نظرية حقوق الإنسان وبالتالي حركات حماية حقوق الإنسان في كافة مناطق العالم،

 وفي السادس والعشرين من عام 1789 نشرت الجمعية التأسيسية المنبثقة أبان الثورة الفرنسية (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) الذي جاء نتاجا لتلك الثورة التي اقترنت كلمتا الحرية المساواة بها، كما عززت عام 1793 كلمات الدستور، القانون، حقوق الإنسان، المواطن، وغيرها من الكلمات التي أسهمت في التمسك بالثورة والدفاع عنه.

من القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى

تمكنت العديد من المجموعات والحركات من إنجاز تغييرات عميقة على مدى القرن التاسع عشر تحت مسمى حقوق الإنسان . وجّهت نقابة العمال في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية - أو حزب العمال - إلى قوانين تنصّ على منح العمال حقهم في الإضراب، ووضعت شروطاً للحد الأدنى من العمل ومنعت أو نظمت عمل الأطفال. نجحت حركة حقوق المرأة في منح العديد من النساء حقهن في الاقتراع - أو التصويت، والانتخاب.

 

حركات التحرير الوطني في دول عديدة نجحت في طرد السلطات الاستعمارية. كانت حركة المهاتما غاندي لتحرير وطنه الهند من الحكم البريطاني من أكثرالحركات تأثيراً.

مؤسسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر،

قانون ليبرال1846 م

وأول اتفاقيات جنيف عام 1846 م. وضعوا الأسس للقانون الإنساني الدولي لكي يواكب الأحداث بعد الحربين العالميتين.

اتفاقية جنيف:

الاتفاقية الأولى: أجري أول تطبيق في عام 1864م وآخر تعديل في عام 1949م .

اتفاقية جنيف الثانية: أول  تطبيق في عام 1949م كأحد نتائج اتفاقية لاهاي الأولى.

اتفاقية جنيف الثالثة: أول تطبيق في عام 1929 م وآخر تعديل في 1949م..

اتفاقية جنيف الرابعة:

 أول تطبيق عام 1949م ومبنية على بعض أجزاء اتفاقية لاهاي

بالإضافة إلى أن هناك ثلاث بروتوكلات لتعديل اتفاقية جنيف:

والجدير بالذكر أن منظمة الصليب الأحمر هي المنظمة المسؤولة عن إدارة اتفاقيات جنيف.

خامساً: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

هو إعلان غير ملزم تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة  في عام 1948م، كرد جزئي على وحشية الحرب العالمية الثانية، يدعو الإعلان أعضاء الأمم المتحدة لتعزيز مجموعة من الحقوق الإنسانية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، مؤكداً على أن هذه الحقوق تُعد جزء من "تأسيس الحرية والعدالة والسلام في العالم".

" ... الإقرار بأن الكرامة الفطرية والحقوق الثابتة والمتساوية لكل بني آدم هي أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم "

الخاتمة

من خلال مراجعة تاريخ حقوق الإنسان، نرى أن السلطة المهيمنة هي التي تخرق حقوق الإنسان, وأن السياسة بالذات، هي التي أساءت للقانون، رغم أن السياسة هي التي استوجبت وجود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بعد المصائب الفظيعة التي عانتها شعوب ومجموعات إثنية أو دينية، في أوروبا بعد الحرب العالمية، ومن خلال معايشتنا المعاصرة للخرق الشنيع لحقوق الإنسان، في أوطاننا، الذي لم يشهد التاريخ مثيلا له، نلاحظ أن من يعيق تحقيق العدالة الإنسانية هي القوى السياسية وتناقضاتها في مجلس الأمن الدولي الذي يهيمن على القرار العالمي من خلال حق النقض، الفيتو.

لذا علينا، في كل الجمعيات والهيئات التي تعمل لأجل حقوق الإنسان والسلام العالمي، المطالبة بإيجاد وسيلة قانونية تملك القوة  لملاحقة مجرمي الحروب والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإرهاب، بعيدا عن مجلس الأمن الدولي الذي يتحكم في قراراته مصالح الدول السياسية، ما يؤدي إلى ضياع الحقوق لشعوب كثيرة، واستغلال قضايا حقوق الإنسان في المساومات السياسية؛ والمطالبة أيضا باستقلال محكمة العدل الدولية عن صراعات السياسة في مجلس الأمن، وان يصبح مجلس الأمن سلطة لتنفيذ احكام المحاكم الدولية، لا أن تظلّ قضايا حقوق الإنسان ذراعا أخرى من أذرع الدول المهيمنة مثلها مثل الحروب، أو الضغط الاقتصادي.

وليكن نضالنا القادم، نضال جمعيات حقوق الإنسان في كل مكان من أصغرها إلى أعظمها، هو الضغط على حكومات الدول لتصحيح القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة بحيث تصبح محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية،  والمحاكم المختصة بحقوق الإنسان في كل الدول، مستقلةً تماماً عن قرارات مجلس الأمن، وأن تصبح آلية تحريك القضايا والدعاوى فيها مباشرةً، دون المرور بمجلس الأمن الذي هو نفسه يفتقر إلى العدل، بإعطائه دولاً خمساً الحق في رسم مصير العالم بأكمله، وترتيب السياسة الدولية ومصائر شعوب بكاملها وفق مصالح تلك الدول.

 

منذر فالح الغزالي

بون في 30/ يوليو/ 2021

 

 

"أتمتع بحساسية غريبة، مايخدش الآخرين يمزقني"..فلوبير

التقمص هو عملية تلجأ النفس فيها الى ان تدمج داخل ذاتها دوافع واتجاهات وسمات خاصة بشخص اخر، لكي تصبح أصيلة في الفرد تقود بجذورها في أساس بناءه النفسي وهو عملية سيكولوجية يقلد (يتقمص) من خلالها الفرد جانبا معينا او سمة اوخاصية او سلوكا او حتى طريقة الكلام واللكنة لدى شخص اخر ثم يبدأ بالتحول تدريجيا ليكون نسخة ونموذجا من الشخص الاخر اي انه يصبح شبيها بالاخر الى حد كبير، ويحدث التقمص بين كل شرائح المجتمع ابتداءا من الاسرة التي تعتبر المادة الاولى التي يجري من خلالها تقمص الطفل لاحد الوالدين نتيجة تعلقه الشديد به وهذا التقمص الذي يسمى (التقمص العاطفي) لايعني ابدا انتقال الصفات من الابوين الى الطفل بحكم التعلم وهي ظاهرة طبيعية الغرض منها انتقال العادات والقيم كاللغة والسلوكيات العامة والخاصة، لكن الموضوع ياخذ أبعادا اخرى عندما يعشق الطفل احد ابويه او اي فرد من افراد الاسرة فيتقمصه بكل جوارحه ليكون إنموذجا مصغرا يشعره بالفخر لذلك وهذا مايطلق عليه في علم النفس بـ(التقمص الاولي).

ثم هناك تقمصا من نوع اخر وهو (التقمص النرجسي) وهو صورة من صور التقمص تقوم على اساس الهجر او الفقد الذي يجعل الفرد يتعلق بمقتنيات الشخص المفقود كارتداء ملابسه ومقتنياته وتقليد حركاته والنبش بتاريخه للحصول على اي معلومة او صورة او سلوك يرتديه المتقمص ليشعر بالراحة التامة لانه خلّد من يحب كنوع من العرفان والحب ويقول الفيلسوف" لاكان" ان ان الانا تتأسس في داخل أساسها من خلال مجموعة من التقمصات المغتربة.

اما (التقمص الجزئي) فهو يقوم على ميزة او سمة معينة في الشخص الاخر تكون نموذجا لموقف او حالة معينة يحتذى بها كأن تكون هذه الشخصية قيادية ونحن نتحدث عن الحياة بصورة عامة والافراد عموما وهذه الشخصية التي نطلق عليها (القدوة) قد تكون داخل الاسرة او احد المعارف او الجيران او المعلم في المدرسة او بين الازواج او اية شخصية عندها خصيصة متميزة تجعل منها موضعا للتقمص وهذا التقمص يعتبر شائعا وقد تمر به الاغلبية من الناس خصوصا اذا كان تقمصا ايجابيا لحالة ايجابية.

فالتقمص اذن هو لبس القميص، وقميص الروح هو الجسد اي ان التقمص يمثل عملية نسخ الروح من جسد لاخر!

 وهناك نوعا اخرا من التقمص يطلق عليه (التقمص الوجداني) وهو القدرة على فهم مشاعر الاخرين والاندماج معهم بمشاركتهم الفاعلة حزنا او فرحا، اي ان يضع الشخص نفسه مكان شخص اخر.

ويشمل التقمص الوجداني مجموعة واسعة من الحالات العاطفية والقابلية الجادة والفاعلة على مشاركة الاشخاص مشاعرهم واحاسيسهم وعواطفهم وافكارهم والفهم المسبق للسلوكيات وادراكها حسيا والذي يتضمن كلمات مواساة او كلمات تهنئة حسب الموقف.

ومن اسم التقمص نعرف باننا نتقمص الحالة ونستشعرها وكأن الموقف قد حصل معنا فنتعامل معه على هذا الاساس من خلال تفعيل سلوكيات عقلية تنتج سلوكا مشابها ينتقل الى حيز التنفيذ كنوع من الاستجابة العاطفية التي تعتمد على فلسفة العقل.

ومنذ اكتشاف النظام العصبي المرآتي اجريت دراسات عديدة لاختبار دور هذا النظام في فهم الفعل والشعور وغيره من الوظائف الاجتماعية.

وتشمل تعاريف التقمص الوجداني مجموعة واسعة من الحالات العاطفية بما في ذلك الرغبة بالاعتناء بالاشخاص ومساعدتهم واختبار عواطف وانفعالات مشابهة ومتطابقة لعواطف الاخر اي طمس التمييز بين تعريف الذات والاخر!

ويرى العالم النفسي هوفمان "ان البشر يمتلكون القدرة على التقمص الوجداني، مثل الشفقة والتعاطف"، وينقسم التقمص الوجداني الى نوعين:

-التقمص الوجداني العاطفي:وهو القدرة على الاستجابة بالشعور المناسب لحالة الاخر العقلية والتي تعتمد على عدوى المشاعر اي التأثر العاطفي والانفعالي .

-التقمص الوجداني المعرفي: وهو القدرة على فهم منظور الشخص الاخر وحالته الذهنية كنظرية العقل والتعقل.

 وبصورة عامة فان التقمص الوجداني يعتمد اساسا على التعاطف المفرط تجاه شخص بذاته والذي يتطلب الخروج من الذات والدخول والاندماج في الذات المقابلة ايا كانت وان تحل محلها وتشعر بشعورها، فالتعاطف بحد ذاته حالة صحية انسانية الهدف منها المساعدة والمواساة ولها دور كبير في رفع القيم المعنوية للشخص المتعاطف معه الذي قد يكون مريضا او فقد عزيزا او اصيب باي عارض او نكبة او حالة مؤسفة، لكن كل مايزيد عن حده ينقلب ضده، فالمغالاة والمبالغة تنتج امراضا نفسية واجتماعية تنعكس سلبا على الشخصية المبالغة والمفرطة بالتعامل، وهذا ينطبق على التقمص الوجداني المفرط الذي يجعل الانسان يتخلى عن حقه في الحياة ليرتدي قميصا لايناسبه ويعيش حالة من البؤس والاسى تجعله عاجزا عن التخلص منها، وهذا مايحدث غالبا مع الشخصية الحساسة او المفرطة الحساسية او الشخصية المضطهدة او المظطربة التي سرعان ماتجد شبيها لها فتتعاطف معها وبقوة، وتتقمص الدورالذي يصبح عصيا وصعب الانتزاع، والحقيقة ان خير الامور اوسطها والتطرف باي موضوع ياتي بعكسه، لذا علينا ان نتحلى بعاطفة صحية خالية من الامراض لننعم بحياة افضل.

واخيرا اقول: إن التعاطف مع الاخرين يشعرك بالرضا، لكن التعاطف المفرط يشعرك بالاسى.

 

مريم لطفي

 

 

لبنى بطاهرمنذ زمن طويل والمرأة في صراع  مع الوجود، من أجل الحفاظ على كينونتها، إذ تم تجريدها مما هو حق مشترك، وجعلها قابعة في بئر، تناجي خالقها لإنقاذها، ليطرح إشكال عميق: أليست المرأة إنسانا مكرما لا كائنا مثل الحيوانات الزاحفة على الأرض؟ سيكون الجواب ب "نعم"، لقد أصبحت مثقفة، معلمة، محامية، طبيبة، مهندسة، امرأة سياسة...، تنافس الرجل في كل المجالات، لها وزن ثقيل، بالمقارنة بما كانت عليه سالفا، لكن هذا التطور والنمو الذي لحقها، لم تنف تلك النظرة الدونية والسلطوية من طرف الرجل، فعليها أن تكون تابعة له، وخاضعة لقراراته، وفي هذا الموضوع الشاغل بين المرأة والرجل، حديث مستفيض الرؤى والتأويلات اللامتناهية، فما يثير البلبلة الصاخبة في خوالج الذات والدهشة العجيبة هو فصل المرأة عن المرأة، وحدوث تعال للمرأة المتمدنة عن المرأة القروية، مما أدى إلى خلق ذلك الشعور المأساوي لهذه الأخيرة، وترفّع الأولى عليها.

لقد كتب القدر على المرأة في المناطق المهمشة بأن تحمل العبء كله على ظهرها، أي أن ترفع الصخرة السيزيفية نحو القمة، تربي، تعمل داخل البيت وفي الحقل كأنه واجب عليها دون أن تنال أي جزاء، ماديا كان أو معنويا. فالشقاء مكتوب على جبينها منذ ولادتها إلى أن تعود إلى بارئها كأنها لم تولد من الأصل، مادامت محرومة من اقتطاف ثمار محصولها، لتظل تحت لواء الرجل الذي يمثل في هذه الحالة السيّد المستبدّ.هذا هو المصير الذي كرسته المؤسسات المدنية، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كأن النساء القرويات متسولات داخل التراب الوطني، ينلن كلمات الشفقة والعطف، وينتظرن يد المساعدة في حالة يرثى لها، أ حق هذا؟ أعدل هذا القضاء؟ ألسنا نسير في ضلال؟ فأين الحقيقة والصواب في كلّ هذا؟

الغريب في الأمر، أن وسط تلك الهشاشة قوةُ المجتمع، وهي المحرك لنقل البلاد من عالم التخلف إلى عالم التقدم، فتلك النسوة اللائي تعشن في الصحراء والجبل، رغم معاناتهن وعلمهن بأنهن ولدن ليشقين، أملهن في فلذات أكبادهن، إذ تضحّين بالغالي والنفيس، من أجل إنقاذها من الجحيم اليومي ، فرأين بأن لا سبيل إلى النجاة سوى تعليمها، ذلك بإرسال أولادهن إلى المدينة ، لعلهم يكونون سفينة نجاة لهن.

سأقف هنا وقفة تأمل، فالأبناء المهاجرون من القرية إلى المدينة، حاملين معهم ذكريات طفولتهم البسيطة، ومعاناة أسرهم في بواطنهم، جلّهم، بل معظمهم يجتهدون ويكافحون ويناضلون بكل ما تحمله طبيعتهم من خير للبلاد، بغية تحقيق عيش كريم بشروط مشروعة موضوعية. لنخلص في نهاية المطاف إلى أن المرأة في البوادي أول عامل في إنتاج مجتمع قوي البنى البشرية، فكما قال أحدهم: " المرأة البدوية هي من أنجبت المقاومين والجنود والمهاجرين الذين ينفقون أموالهم الآن في المدينة... الأصل هو البادية "، مع ثقتنا الكاملة في المرأة المتمدنة المتحضّرة وإسهامها الكبير في تحريك عجلة التنمية، كما لاننكر بأن المرأة المتمدنة في الواجهة، لكنها شبيهة ب"النظام المركزي" للدولة،

تتمركز في مجال المهن والتنظيم العام، ولا تستطيع أن ترى معاناة نساء الهوامش، لهذا عليها أن تضع ممثلين لها بالمناطق اللامركزية، وتدافع عن حقوقها وإزالة القهر الذي لفها لسنوات طوال،بمنحها حريتها وكرامتها ومساواتها في العيش الكريم،مثل أختها (=المرأة المتمدنة )، باعتبار هذه الأخيرة تعرف حقوقها، كما أنها تتميز بنوع من الاستقلالية عن الرجل.

و لذلك، يجب اعتبار ربة البيت موظفة في سلك الوظيفة العمومية، ولها راتب يليق بها، ومحاولة الرقي بها في الواجهة، حيث سنقع في معضلة شائكة، وهي: كيف لربة بيت جاهلة بأمور السياسة والإدارة، أن تكون امرأة سياسية قيادية؟! هذه الإشكالية تنزلنا من برجنا العاجي، لنتساءل: هل كل السياسيين منظرون في السياسة؟! وهل هم علماء في السياسة؟! أليس معظمهم امتهنها كصنعة وعمل روتيني؟!! إذن: لنبدأ معها من الصفر، وننشئ مؤسسات تقدم دروسا في القيادة والسياسة والتسيير والإدارة لنساء الهوامش باللغة التي تفهمها، سواء باللغة العربية أو اللغة الأمازيغية أو اللهجة المغربية، لنخلق فيها الوعي بالقضايا السياسية، ولتكن هذه المهمة على يد المرأة المتمدنة، التي تعلمت وتخرجت من الجامعة، أعرف أنني ربما أحلم وأهلوس!!! لكن، هذه هي الطريقة السريعة في إحداث الفرق وإعادة الموازين والمكانة للمرأة القروية، واللحاق بالتجربة الغربية المتقدمة.

عموما، لا انتفاضة ولا نهضة اجتماعية إلا بالانطلاق من المرأة القروية كذات فاعلة لا مستهلكة، لإزالة الغبن والقهر وذاك الإحساس بالنقص من قلبها، بجعلها واعية ومساهمة بالأمور والقضايا الاجتماعية والسياسية....، ومشاركتها في القيادة والإدارة، بعد مد العون من شقيقتها المرأة التي تلقنت تعليما أكاديميا، فهي تظل أمها التي أنجبتها ولولاها لما كانت، لرد الاعتبار إليها، وهذا أقل ما يمكن فعله لأجلها، لا اعترافا وإنما حقها وواجبنا كنساء تجاهها.

عندما أنظر إلى النساء المتقدمات الحرائر، وهن جالسات على كراسي التعليم والمناصب الإدارية، وأنا بمثابة طالبة علم تتقصى الحقائق المتغيرة في الزمكان معهم، ينتابني سؤال محير: لم لا نعود للقاء والتواصل مع النساء في البوادي داخل بيوت الطين والجلوس على الحصير وسماع آهاتهم ومعاناتهم، وإيصالها إلى الساسة؟ اكتفينا من التنظيرات والكلمات الرنانة من طرف تلك النسوة اللواتي تدعين أنفسهن ذوات مناصب،غافلات عن حجم معاناة أخواتهن البدويات اللائي تجلبن الماء وتجمعن الحطب وتطبخن في أفران تقليدية. إن المتمدّنات لا يطالبن بحقوقهن، بل يستغللنهن بطريقة بشعة معنويا، فتستنزفن طاقتها وخيراتها، من أجل مصالح ذاتية وخاصة لا غير.

سأختم بالقول: إن تلك المرأة التي تنتمي إلى النخبة السياسية، مثلها مثل النظام المركزي الضيق، تحتاج إلى تفويض من مهامها إلى نساء داخل النظام اللامركزي الواسع، لعلنا نقترب رويدا رويدا نحو التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلاد.

 

بقلم: لبنى بطاهر

 

حاتم حميد محسناشتهر عمانوئيل كانط (1724-1804) بفلسفته الأخلاقية في الأخلاق المطلقة categorical imperative(1). في منطق دقيق وصارم يجادل كانط باننا يجب ان نعامل الناس كغاية بذاتهم وليسوا وسيلة لغاية . هو يبني على هذا ليقول اننا لدينا واجبات معينة تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين يجب أدائها بصرف النظر عن خطورة الظروف المحيطة. أبرز هذه الواجبات هي عدم الكذب(2) وعدم الانتحار(3). هذه يمكن النظر اليها كواجبات للحفاظ على الفرد الأخلاقي المفكر، والمخلوق الانساني الطبيعي.

يبدو من الواضح ان كانط لو كان بيننا سيوافق على إرتداء قناع الوجه في ظروف الوباء الحالي.

اولا، القيام بهذا سيحافظ على الوجود الطبيعي للمرء.

ثانيا، ارتداء القناع سوف يساعد في حماية الوجود الطبيعي للآخرين، بالاضافة الى إحترام الآخرين كافراد أخلاقين مفكرين يعترفون بنفس الإلتزام تجاهك.

اخيراً، إعترافك بالإلتزامين الأول والثاني وإنجازهما سيكون شكل من إحترامك كانسان أخلاقي وكائن مفكر. ولكن ماعدى هذه الحالات، هل هناك أشياء اخرى نستطيع الحصول عليها من كانط فيما يتعلق بهذه القضية؟

بعض الناس، مثل الناشط ضد الحكومة الامريكي امون بوندي يدّعي ان القواعد التي تتطلب ارتداء القناع هي شكل من الدكتاتورية. إدراك كانط المتميز للأخلاق والحرية يمكن ان يساعد في بيان لماذا هذا الإلتباس السيء.

الأخلاق مقابل القانون

يفهم كانط الأخلاق في اطار الواجبات التي نلتزم بها تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين، حين ندرك متى يتطلب الواجب منا استخدام العقل لفهم القانون الأخلاقي المرشد لأفعالنا . فمثلا، نحن نتّبع الواجب بعدم الكذب ليس لأننا نخشى من العقوبة وانما نحن نستخدم عقلنا لكي نكتشف اننا لو لم تكن هناك قيود ضد الكذب، فسوف لا نعرف ابدا متى يتم قول الحقيقة. السماح باستثناءات لهذا الواجب يمكن ان يخلق منحدرا زلقا يصبح فيه ادّعاء الحقيقة مستحيلا.

ان إستعمال العقل، بالنسبة لكانط، هو طريقة في التقرير الفردي لما يجب ان نقوم به بالإرتكاز على قوانين أخلاقية ضرورية وصحيحة عالميا. في الحقيقة، ان الفهم العقلاني للقانون الأخلاقي ، ستصبح معه القواعد القانونية والتقليدية زائدة عن الحاجة. لو كنا نفهم عقلانيا أهمية مساعدة اولئك المحتاجين لمساعدة طبية عاجلة، فسوف لا نحتاج لقوانين لمتطوعي الانقاذ. وبالعكس، نحن عادة نجد حتى عندما توجد هناك تعليمات قانونية، فان اولئك الملتزمين بها قد لا يفهمون سبب لوجودها، ولهذا العديد من الناس يتّبعونها فقط بدافع الخوف من العقوبة.

اذاً كيف يمكن ان يساعدنا تصوّر الأخلاق والعقل في الحكم على الخلاف العام حول ارتداء الاقنعة؟

كل فريق يتحدث عن "الحرية"

المعارضون لقوانين لبس القناع يميلون للقول ان حقوق الافراد ليست عرضة للقيود الإكراهية والغير ضرورية. فلاسفة السياسة يسمون هذا الحق "حرية سلبية". معارضو القناع يدّعون ان متطلبات لبس القناع يقيّد حرية الافراد. احدى المشاكل مع مفهوم الحرية السلبية هي انه لا يساعدنا في تقرير الغاية التي توجد لأجلها حريتنا. هذا النقص يميل لإختزال الحرية لدوافع تافهة تتصل بالأفضليات والرغبات. هنا مطلوب منا الكثير من العمل لإستنتاج الغايات التي تفيد كل من الفرد والآخرين. للتعويض عن هذا النقص، يمكن للمرء إضافة شرط واحد: وهو ان حرية الفعل يجب ان يُسمح بها فقط بالمقدار الذي لا تؤذي به الآخرين. هل اولئك الذين يصرّون على حقهم بعدم ارتداء القناع يأخذون هذا الشرط على محمل الجد ؟.

وبالمقابل، نحن لاحظنا ان كانط يفهم ماذا يعني ان يكون المرء انسانا من حيث قدرته على التفكير وبهذا نعترف بالتزامات معينة تجاه أنفسنا والآخرين.

هذا السياق مهم جدا للكيفية التي يتصور بها كانط الحرية. هو لا يعتبر غياب القيود على الفعل جوهر الحرية، لأن مثل هذه الحرية يمكن ان تتعارض مع مقدرتنا على التفكير. فمثلا، نحن نتيجة لتأثيرات غير واضحة، ربما نتصرف بحرية بطرق تسبب لنا الأذى كما في حالة الفعل المتهور المتحفز بالشهوة . بدلا من ذلك، يتصور كانط الحرية كفعل طبقا لما هو اما ضروري عقلانيا(بالنسبة للواجبات) او مرخص به (في غياب الواجب). وبينما تبدو هذه الرؤية مقيّدة في مستوى واحد – لأنها تتضمن ادراك اننا يجب ان نتصرف بطريقة واحدة وليست باخرى- انها تفترض ان الحرية تتأسس ليس على الفعل الفردي وحده وانما على الفرد من حيث علاقته مع الآخرين الذين يشتركون بالقدرة على التفكير. اذاً في ظل هذا السياق أين نضع الرؤية التي ترفض إرتداء القناع؟

اذا كنا دقيقين في توصيف الفلسفة الأخلاقية لكانط، فان اولئك الذين يقولون ان فرض لبس القناع هو استبداد هم يقعون في التباس حول معنى ان تكون انسانا قادرا. انه يعني كونك قادرا على التفكير حول الكيفية التي يجب ان نتصرف بها تجاه الآخرين. ان غاية فكرة كانط للحرية هي إحترام كل الكائنات العقلانية. بالمقابل، الرؤية السلبية للحرية، تفتقر لهذا المعنى وغايتها عمليا هي التمركز حول الذات.

 

حاتم حميد محسن

.......................

Philosophy Now, Aug/Sep2021

الهوامش

(1) هي مفهوم فلسفي مركزي في فلسفة كانط الاخلاقية. يمكن تعريفها كطريقة لتقييم حوافز الفعل. طبقا لكانط، الكائنات الواعية تشغل مكانا خاصا في الخلق، وان الاخلاق يمكن تلخيصها بأوامر العقل الإلزامية العليا، منها تُشتق جميع الواجبات والالتزامات. هو يعرّف الـ imperative كأي افتراض يصرح بضرورة فعل او عدم فعل معين . ان الالتزامات الافتراضية hypothetical imperatives تتصل بالرغبات وتنطبق على أي شخص يرغب بتحقيق غايات معينة كما في "انا يجب ان ادرس لكي انجح في الامتحان"او "لا أسرق لكي اكون محبوبا".

اما الالتزامات الإلزامية categorical imperative فهي تشير الى المتطلبات المطلقة وغير المشروطة التي يجب ان يطيعها الناس في كل الظروف وتُبرّر كغايات في ذاتها. هذه الاساسيات المطلقة يمكن التعبير عنها بصيغة: إعمل فقط طبقا للمبدأ الذي بواسطته انت تستطيع في نفس الوقت، ترغب بان يصبح قانونا عالميا.

(2) يرى كانط ان الكذب دائما خاطئ أخلاقيا. هو يجادل بان كل الافراد وُلدوا ومعهم "قيمة جوهرية" أطلق عليها الكرامة الانسانية. هذه الكرامة تُشتق من حقيقة ان الناس هم كائنات عقلانية متفردة، قادرين على العمل الحر في اتخاذ القرارات، وتعيين الأهداف، ووضع أفعالهم تحت اشراف العقل. لكي تكون انسانا، يقول كانط، ان تمتلك قوة عقلانية للاختيار الحر، ولكي تكون أخلاقيا، يعني ان تحترم تلك القوة فيك وفي الآخرين. الكذب خاطئ اخلاقيا لسببين: اولا، الكذب يفسد أهم خاصية في الانسان وهي القدرة على عمل خيارات عقلانية حرة. كل كذب أقوله يتعارض مع ذلك الجزء مني الذي يمنحني القيمة الأخلاقية. ثانيا، الكذب يسرق من الآخرين حريتهم في الاختيار العقلاني. عندما الكذب يقود الناس ليقرروا خلاف ما لو كانوا عرفوا الحقيقة، فسوف يلحق الضرر بكرامتهم الانسانية، وبهذا يكون ضرر الكذب مزدوجا، ضرر في منْ يكذب وضرر على من يُكذب عليهم. اعتقد كانط لكي نقيّم انفسنا والآخرين كغاية وليست وسيلة، فنحن لدينا واجبات تامة بدون استثناء لنتجنب الإضرار او التدخل في او سوء استخدام القدرة على صنع قرارات حرة، بكلمة اخرى ان لا نكذب.

(3) في رفضه للانتحار إعتمد كانط على خطين من التفكير. اولا ان الانتحار ينتهك رغبة الله، لأن الرغبة في الموت تسلب حق الله في تقرير فترة وجودنا ، واننا كملكية لله غير مخولين لأنهاء حياتنا عمدا. والحجة الثانية هي ان الانتحار غير منسجم مع نظام الغايات المقصودة المتصورة قياسا بنظام الطبيعة، وبهذا فان الانتحار لايمكن ان يُرغب بشكل متماسك كمبدأ عالمي عملي.

 

 

عصمت نصارإنّ من يتابع حركة تطور الثقافة الغربية إبّان عصر النهضة سوف يجد معظم متفلسفيها قد انتهجوا الشك في المعارف الموروثة والمعتقدات التي سَلَّمت الأذهان بصحتها دون فحص أو نقد، شأنهم في ذلك شأن معظم علماء الحضارة العربية الإسلاميّة في عصرها الذهبي. وقد عبر فرانسيس بيكون (ت1626م) وديكارت (ت1650م) عن أهمية نقد المعارف وتحليلها ومراجعتها قبل قبولها أو التسليم بصحتها شأنهم في ذلك شأن أخوان الصفا والغزالي اللذين رفضوا التبعيّة في ميدان العلم والتعلم وحثوا على تخليص الذهن من الخرافة وأوهام الماضي والأخبار الكاذبة، وفرقوا بين الظن والبرهان في الحكم على كل ما يعرض على العقل.

ولاريب في أن قادة الفكر العربي الحديث، ولاسيما في مصر ثم بلاد الشام وتونس والعراق، قد سلكوا نفس المسلك وساروا على عين الدرب في أخريات القرن الثامن عشر حيث المجالس الثقافية والحلقات الأدبية. ويخطئ من يعتقد أن الدراسات الفلسفية والأبحاث المنطقية والكتابات الأخلاقية لم تظهر في مصر إلا عقب الحملة الفرنسية أو على يد الإرساليات الأجنبية كما حدث في بلاد الشام، أو بتوجيه من بعض المثقفين الأوروبيين الذين نزحوا إلى مصر واستوطنوا الإسكندرية ودمياط وطنطا والمنصورة؛ فتعد المجالس العلمية التي كانت تعقد في بعض دور الوجهاء، ونفر من شيوخ الأزهر- الراغبين عن المقررات الدراسية الأزهرية التي كانت تعتمد على أسلوب التلقين في التحصيل- وحوانيت الورّاقين والنسّاخ وتجار الكتب، بالإضافة إلى المقاهي العامة التي ازدهرت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكانت تجمع بين كل شرائح الطبقة الوسطي بالإضافة إلى بعض الوجهاء من المماليك أو العثمانيين أو التجار الوافدين من الهند أو إيطاليا أو اليونان أو فرنسا - تعدُّ من أهم الروافد المعرفية الفلسفيّة؛ إذْ كانت تدور معظم أحاديث روادها حول أحدث الكتب التي حملها التجار إلى مصر، أو بعض قضايا اللغة والأدب وأخبار الصوفيّة، والمستطرف من العلوم الحديثة من رياضيات وطب وفلك وجغرافيا، والمستظرف من أخبار المشعوذين والسحرة، وكتب الجنس التي ذاعت آنذاك، ذلك فضلاً عن عقدهم جلسات نقديّة شهرية حول أحدث الكتب المقتناة أو المؤلفة.

أمّا المقاهي؛ فكان يغلب مجالسها موضوعات الأدب الشعبي، حيث إنصات العوام للشاعر المغني السارد لسيرة أبي زيد الهلالي، أو عنترة بن شداد، أو مغامرات أحد شطار المصريين، أو نوادر حجا، أو أقاصيص الرحالة، وكان القليل من رواد هذه المقاهي يستأجرون أحد طلاب الأزهر؛ ليقرأ لهم بعض الكتب الأدبية أو التاريخية أو الجنسية.

أمّا المجالس الفلسفية، المتخصصة فلم تظهر في هذه الآونة، ويمكن التماس إرهاصاتها في مجلس الشيخ حسن الجبرتي (ت1774م)، ومكتبة أحمد بن محمد الشرايبني (ت1759م)، ومجلس عبد الرحمن بن عمر العرايشي (ت1779م)، ومجلس الوفائية الذي أسسه محمد بن يوسف بن عبد الوهاب الوفائي- المُكنى بأبي الأنوار السادات (ت1783م)، مجلس الحكيم الهندي وقد أسسه الشيخ حسام الدين الهندي (ت1782م)، وكانت تطالع فيه كتب أبي حيان التوحيدي، وابن مسكويه، وابن حزم الأندلسي، وابن سينا، والغزالي، وابن تيمية، وابن عربي، وابن خلدون، والشّعراني.

ويعدُّ مجلس حسن العطار (ت1835م) من أهم المجالس التي أدرجت في مناهجها العلوم العقليّة؛ إذْ كانت تناقش فيه مسائل علم الكلام وفِرَقَهُ، وقضاياه، وعلى رأسها قضية الخلافة عند الفرق الإسلامية - وتصنيف العلوم اللسانية والعقليّة والنقليّة. ويعتبر حسن العطار من أوائل المصنفين المصريين الذين ناقشوا أبعاد هذه القضية من حيث طبيعة الإمام وشروط تنصيبه، ومصدر السلطات في الدول الإسلامية ودور أهل الحل والعقد في السياسة الإسلامية، ذلك فضلاً عن مناقشته لآراء الفقهاء والفلاسفة ومذاهبهم، والصوفية وطرقهم، والعلماء وتصنيفهم.

وقد لعبت دوائر الاستشراق التجاري والسياسي دوراً لا يمكن إغفاله في هذا السياق، وحمل العديد من المستشرقين الفرنسيين والإيطاليين بعض الكتب الفلسفيّة الغربية، نذكر منها كتاب الأمير نيكولو دي مكيا فيلّي ‏‏(1469 - 1527) الذي قيل إنه تُرجم على يد "رفائيل أنطوان زاخور" مدرس اللغة العربية بمدرسة بولاق عام 1822م، ذلك بالإضافة إلى العديد من كتابات "فولتير" و"منتسكيو" التي أحضرها طلاب مدارس الإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية بعد عودتهم من أوروبا.

وقد ازدهرت تجارة الكتب على يد دوائر الاستشراق العقدي الذين نقلوا مئات المخطوطات الشيعية والفاطمية والصوفية في مصر إلى مكتبات أوروبا، وذلك منذ العقد الأول من القرن التاسع عشر، أمّا عن دورهم في نشر المعارف الفلسفية، فكان محصوراً في المدارس اليونانية والأرمانية والفرنسية والإيطالية التي أنشئت لتعليم أبناء الجاليات في مصر وطلاب طائفتي الكاثوليك والبروتستانت من المصريين، ولا نكاد نلمح كتابات فلسفية مترجمة في هذه الآونة، ويعني ذلك: أن المعارف الفلسفية كانت تدرس في هذه المدراس بلغاتها الأصلية.

وإذا ما انتقلنا من طور "الترجمة" إلى طور التصنيف والتأليف، فسوف نجد أن رفاعة الطهطاوي (ت1873م) في طليعة الكتُاب المصريين الذين ذكروا بعض المعارف الفلسفيّة في كتاباتهم نذكر منها "أرجوزة في علم الكلام "، وقد وضعها خلال دراسته بالأزهر، وكتاب "القول السديد في الاجتهاد والتقليد"، وهو بحث ألفه لطلاب مدارس الألسن ونشره بعد ذلك في مجلة روضة المدارس؛ ليرغب تلاميذه في إعادة فتح باب الاجتهاد لتجديد الفكر الديني، وكتاب "قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر"، وهو مصنّف معرّب عن الفرنسية للأديب جورج باريز، أو "الديوان النفيس بإيوان باريس"، وقد ظهر في (1834م)، وكتاب "مناهج الألباب المصريّة في مباهج الآداب العصرية"، طبع في مصر سنة (1869م) وهو من أوائل الكتابات التي عمدت إلى توفيق بين الأصالة والمعاصرة والمنقول والمعقول في الدعوة إلى المدنية والتقدّم وتحديث آليات النهضة المصريّة، وكتاب "موقع الأفلاك في وقائع تليماك"، وهو تعريب لكتاب "مغامرات تليماك"، للكاتب الفرنسي فنلون، وقد ظهر في مصر سنة 1867م عقب طبعه في سوريا، وكتاب "قدماء الفلاسفة" وطبع بمصر سنة 1836م. وهو أقرب إلى التلخيص والتصيف منه التأليف، وكتاب "دروس في المنطق" لطلاب المدارس، وذلك عوضاً عن كتب الشروح التي كانت تدرس في الأزهر، وكتاب "نبذة في تاريخ الإسكندر الأكبر"، وكتاب "نبذة في الميثولوجيا.. جاهلية اليونان وخرافتهم"، وكتاب "بداية القدماء ونهاية الحكماء"، لعبد لله أبو السعود ومحمود عبدالرازق (ت1838م).

وقد أشرف رفاعة على ترجمته وقدّم له، وهو من أوائل الكتب التي تناولت جانباً من تاريخ الفلسفة اليونانية والمسيحية والإسلامية، وقد أدرج ضمن الكتب الدراسية للمدارس التجهيزية عام (1838م)، وكتاب "قرة النفوس والعيون، بسير ما توسط من القرون"، وهو مُترجم عن الفرنسية، وقام بتعريبه مصطفى أفندي الزرابي، وقد أشرف على تعربيه الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي أضاف على متنه العديد من الوقائع التاريخية في الحضارة الإسلامية.

ويجدر بنا الإشارة إلى جهود المُعربين الشوام في نشر المعارف الفلسفية في مصر، الذين زودوا المكتبة العربية بالعشرات من الكتب المترجمة عن الفرنسية والإنجليزية، والملخصات عن الموسوعات الأوروبية، ذلك فضلاً عن المؤلفات الموجزة عن الفلاسفة العرب، والتحقيقات العلمية المبكرة لكتاباتهم.

وحريٌّ بنا أن نتسأل: هل كان لمدرسة حسن العطار خطاباً فلسفياً أم مشروعاً عملياً نهضوياً؟ الحق أن لحسن العطار مشروعاً فلسفياً وخطة عملية لا يمكن إنكارها أو تجاهلها أو بخس فضلها ومجهوداتها في إعادة بعث الدراسات الفلسفية للثقافة المصرية من جهة، وإعادة تشكيل عقل جمعي من شبيبة المثقفين الأزهريين لحمل راية التجديد والوعي والحرية والإصلاح من جهة أخرى. فقد نجح حسن العطار كذلك في إقناع الرأي العام القائد بأهمية دراسة العلوم العقلية لتثقيف الرأي العام وإعداد نخبة من قادة الرأي للتخطيط لمشروع النهضة المصرية المزمع القيام بها.

وقد نجح في ذلك عن طريقين أولهما : عقد مقارنة بين كتابي مكيافيلّي ومقدمة ابن خلدون، وتفهيمهما لمحمد على الكبير ثم إقناع ابنه إبراهيم باشا بالخطة التنويرية التي وضعها لتوعية الرأي العام التابع في مصر والشام.

ثم عكف بعد ذلك على تحييد شيوخ الأزهر الذين لم يتحمسوا لمشروعه في تطوير البنية المعرفية للمقررات الدراسية الأزهرية، وذلك عن طريق تشجيعهم على مجابهة التيار السلفي الوهابي والتيار الشيعي الإيراني والمهدي، وكذا الدفاع عن علم التصوف السُّني والفقه الأشعري، ودراسة المنطق الأصولي ونشر روح التسامح في الروح الجمعي المصري.

وثانيهما: عقد برنامج لأولى البعثات العلمية إلى فرنسا مع صديقه (مسيو جومار) وإشراك أحد تلاميذه في أولى هذه البعثات ثم إقناع إبراهيم باشا بزيادة حظ الطلاب المصريين من هذه البعثات عوضاً عن غيرهم. ذلك فضلاً عن إعداده الجيد لصفوة من الدارسين المصريين لحمل راية التعليم الحديث في المدارس التي خطط لها مع تلميذه رفاعة الطهطاوي، ثم على مبارك، وكلاهما كان خير خلف لأفضل سلف. فقد أسس رفاعة مدرسة الألسن ثم ديوان المدارس، ووضع الخطوط الرئيسة لصحافة الرأي في مجلة روضة المدارس، وراح ينشر مقومات النهضة في الرأي العام لكتاباته عن التجديد والإصلاح، وأكمل مشروع أستاذه في تصنيف العلوم وألقى بعض الضوء على أهمية الدراسات العقلية والتأليف بين الأصالة والمعاصرة، والنقل والعقل.

ذلك فضلاً عن انتهاجه للمنهج الجدلي في التناظر والتساجل العقلي خلال رده على غلاة المستشرقين وطعونهم في سيرة النبي، صلوات وسلامه عليه، وذلك خلال كتابه نهاية الإيجاز.

ويمضي المشروع متواصلاً دون أدنى نكوص أو جنوح مع "على مبارك" الذي أنشأ دار العلوم لتحقيق مقصد المدرسة من التأليف بين التراث التليد والعلم الأوروبي الجديد، ويتضح ذلك جلياً في قصته "علم الدين" التي كتبها لتوعية الرأي العام التابع.

تلك كانت أهم ملامح مشروع النهضة المصرية التي جعلت من الفلسفة آلية فعالة لإعادة تشكيل العقل المصري الحديث وتأهيله للإلحاق بمن سبقه من الأمم الغربية دون أدنى تفريط في مشخصاته التي اجتهد في ترسيخها وعقيدته الدينية التي ما برح يدافع عنها ضد الفكر الوافد المتطرف بغض النظر عن مصدره.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

علي المؤمنمن خلال استقراء ما يُكتب ويُنشر من تعليقات ونقود وقراءات حول كتابات ومحاضرات بعض الباحثين والكتّاب، وأنا أحدهم، وخاصة التي نتناول فيها قضايا الاجتماع المذهبي والسياسي، أو نكشف خلالها عن مظاهر ومعضلات المشكلة الطائفية؛ وجدت ثلاث فئات تتهمنا بأن خطابنا طائفياً، وهي: فئة الغافلين وفئة المستغفَلين وفئة الطائفيين. الغافلون والمستغفَلون هم من الأنا المذهبية غالباً، أي من الشيعة، أما الطائفيون فهم من الآخر المذهبي، وليس كل الآخر المذهبي بالطبع؛ بل الطائفيين منهم فقط، من حملة العقل الطائفي التمييزي، بتكوينه المركّب العجيب: العثماني القومي البعثي السلفي الوهابي، وإرثه وتجلياته وخطابه.

وتختلف دوافع الطائفيين عن دوافع الغافلين اختلافاً جذرياً؛ فالغافلون حين يتهمون بعض أبناء جلدتهم بالطائفية؛ فإن دوافعهم ـــ أحياناً ــ هو الحرص على درء الانقسام في مسارات الدولة والمجتمع، وعلى تسيير عجلتها كيفما كانت، وعلى كل علّاتها كما يعتقدون، وهو دافع واهم تماماً، ومبني على عدم معرفة بحقائق المشكلة الطائفية وتراكماتها ومآلاتها، أو أنه مبني على قصر نظر في الرؤية والتحليل. وربما نكون دوافع الغافلين - أحياناً أخرى- ناشئة عن هزيمتهم النفسية وفشلهم الذاتي في قيادة عمليات التغيير والبناء الموضوعي الجديد، وعجزهم عن مواجهة تحدياتها، أو تتلخص دوافعهم ـــ أحياناً ثالثة ـــ في تحقيق مصالح فئوية وشخصية، دون الالتفات الى خطورة التضحية بالواقع من أجل المواقع، وهي ربما غفلة شيطانية؛ لكنها غالباً ما تصل الى مستوى الخيانة للدين والوطن والمجتمع.

أما فئة المستغفَلين؛ فهي متماهية بخطاب الطائفيين، وواقعة تحت تأثير الضخ الإعلامي الطائفي أو السلوكيات الموروثة من العهد البعثي. ويدخل في فئة المستغفَلين أيضاً؛ العناصر المرتبطة بأجندات خارجية، سواء غربية أو خليجية، وهو موضوع لانحتاج للتدليل عليه الى أدلة مضنية. ولذلك؛ فإن أغلب المستغفَلين هم ضحايا الإعلام المضاد أو عدم المعرفة بعمق المشكلة الطائفية وطرق علاجها، ويتصورون أن حلّها يكمن في الشعارات الفضفاضة العامة وتبويس اللحى والهتاف باسم الوطن والوطنية والقومية أو العلمانية والمدنية، وهي شعارات لن تحل المشكلة حتى قيام الساعة.

وسيكون حديثي هنا مقتصراً عن الفئة الثالثة فقط، أي الطائفيين، وسأخصص مقالين آخرين عن فئتي الغافلين والمستغفَلين.

يرمينا الطائفيون بدائهم الطائفي لسببين:

الأول: إيماننا العميق بأن القضاء على الطائفية ومظاهرها المتجذرة؛ لايتم بالشعارات الفضفاضة وخطاب التعويم والتسطيح والاستغفال، وإنما يتم بالخطاب الحفري المركّز الذي يفضي الى كشف مظاهرها ورموزها وعلاجاتها؛ لأن الطائفية ومظاهرها في واقعنا ليست قضية هامشية وسطحية وآنية؛ بل هي قضية تراكمية معقدة جداً، وإحدى أوجه البنية المذهبية والسياسية والقانونية لدول المسلمين، وإحدى أوجه الثقافة النفسية والمجتمعية للحكام ومشايخهم، منذ ١٣٥٠ عاماً وحتى هذه اللحظة، ولاتزال أحد أخطر مشاكل أمتنا ومجتمعاتنا المسلمة ومنطقتنا ووطننا.

الثاني: خطابنا الواقعي ونظرتنا الحفرية للطائفية ومظاهرها، ولكل مشاكل المجتمع والدين والتاريخ، وهو خطاب ونظرة ينسجمان مع حقائق السبب الأول آنف الذكر، وهما يفرضان تسمية الأشياء بأسمائها، دون لف ودوران، ودون براقع وشعارات فارغة، والكشف عن جذور الواقع الطائفي وتعرية مظاهره وخطابه ورموزه. ونحن نؤمن بأن هذا الخطاب والعلاجات والحلول التي نهدف الى تقديمها لأصحاب الاختصاص في الدولة والمؤسسات الدينية والسياسية والاجتماعية، وعموم أصحاب الرأي والقواعد الاجتماعية؛ من شأنها القضاء على الطائفية ومظاهرها بنسبة كبيرة.

ولذلك؛ فإن إيماننا بخطورة المشكلة الطائفية، وعمقها، ولابدية تفكيكها وحلها حلاً جذرياً، وخطابنا الحفري ونظرتنا الواقعية لها؛ هي عوامل تستفز الطائفيين في الصميم، وتجعلهم يرموننا بدائهم؛ انطلاقاً من رفضهم القضاء على طائفية الدولة ومظاهرها؛ لأن خطابنا يعري هذا المظاهر ويفضحها، كما يعري سلوكياتهم وخطابهم، وهو ما يؤدي الى تحقيق مبدأ رفع الظلم التاريخي والقائم عن مذهب آل البيت وأتباعه، ويجعل هذا الآخر على وعي كامل باستحقاقاته المذهبية والسياسية والمعيشية والقانونية، وهو مايرفضه الطائفيون رفضاً قاطعاً، كما كانت ترفضه أجيالهم السابقة، من عثمانيين وقوميين وبعثيين ووهابيين؛ فنجدهم حريصين على الإبقاء على التمييز الطائفي والطبقية الطائفية والرموز الطائفية في مفاصل الأمة والدولة والمجتمع، بنسختها العثمانية، وكما غذّتها الحكومات الملكية في العراق، وأعاد إنتاجها نظام البعث بفاعلية أكبر، وكما تقاتل من أجلها الجماعات والانظمة الطائفية القائمة.

أي أن دافع هؤلاء الطائفيين لاتهامنا بالطائفية؛ يتلخص في حرصهم الشديد على المحافظة على الإرث العثماني القومي البعثي الطائفي، ومعادلاته ومظاهره في الدولة وسلطاتها، ورمزياتها وقوانيها وثقافتها السياسية ومناهجها الدراسية وسلوكيات حكامها ومسؤوليها، وضرب كل من يعمل على القضاء على هذا الإرث. وهو ما يغفل أو يتغافل عنه الشريك الشيعي في السلطة؛ أما جهلاً بخطورة هذا الواقع على حاضر العراق والمنطقة ومستقبلهما، أو سكوتاً من أجل مصالح وشراكات فئوية وشخصية.

وحيال مبدأ لابدية حل المشكلة الطائفية جذرياً؛ أقول بأن الباحث المتخصص الناصح، ينبغي أن يكون لصيقاً بالتشخيص الواقعي العميق ولا يتجاهل حقائقه، وبخلاف ذلك؛ فهو باحثٌ سطحي أو محاب أو مخرب، وليس وطنياً حقيقياً وناصحاً وعميقاً؛ بل سيكون كأي واحد من أصحاب الشعارات الفارغة والمصطلحات الرنانة الوهمية، أو كأي منهزم ومرعوب ومستسلم، أو كأي خائف على منصبه ومصالحه، أو كأي خائن لمجتمعه وانتمائه، وحينها سيفشل في المساهمة في معالجة أمراض الوطن والمجتمع ومشاكلهما.

وأرى أن الباحث المتخصص الناصح، كالطبيب الجراح الحاذق، يفحص المريض بعناية، ويشخّص المرض دون مجاملة المريض، ثم يقدم التوصيات والنصائح، ويصف العلاج، وعادة ما يكون العلاج مزعجاً للمريض كثيراً، ويعطل حياته الإعتيادية، ويكلفه مالياً ومعنوياً، وربما فيه مضاعفات جانبية، بل تستدعي الأمراض المزمنة والمستعصية والمستفحلة عمليات جراحية، يؤدي بعضها الى الاستئصال والبتر، للحيلولة دون انهيار المريض وموته.

ولذلك؛ لايعنينا إطلاقاً أن يتهمنا الغافلون والمستغفلون والطائفيون بالطائفية؛ لأننا وكل حواضننا الاجتماعية أكتوينا بنار التمييز الطائفي منذ الولادة، وكنا ضحاياه على طول التاريخ. لذلك؛ سنبقى نحارب الطائفية ومظاهرها بكل ما نستطيع، ولن نكف، حتى ترجع الروح الى بارئها.

 

د. علي المؤمن

 

محمد العباسيفي خضم المعاناة والويلات التي اجتاحت العالم من أقصاه إلى أدناه في الفترة الممتدة من بداية العام الفائت 2020 حتى يومنا هذا بسبب تفشي جائحة الـ "كوفيد 19"، اتخذت الكثير من الأمم إجراءات ومحاولات للحد من والسيطرة على تفشي الوباء، سواء عن طريق اللقاحات أو سن شروط الوقاية عبر منع الكثير من الأنشطة المجتمعية والسفر والتجمعات بكافة أشكالها سواء كانت عامة أو حتى عائلية، وفرض الالتزام بالتباعد الاجتماعي وارتداء الأقنعة الواقية.. وقد كُتِب في هذا الموضوع الكثير، منها التقارير والملاحظات السلبية والإيجابية، ومنها الإشادات والانتقادات النابعة من تأثير كل تلك الخطوات المتُخذة أصلاً لحماية المجتمعات من مصابها الجلل.. وهنا، عبر هذا المنبر الحر أود أن ألتفت إلى بعض الجوانب التي ربما لم تحظى كفايتها من التعليق.

لقد تبين لنا ونحن نعايش الحجر الصحي بسبب جائحة "الكورونا" (كوفيد 19) وتوابعها بأننا كنا نحرم الأمهات من القيام بواجباتهن الأمومية بفرضنا عليهن التواجد الدائم في أماكن العمل دون الحاجة الضرورية لتواجدهن الفعلي في كثير من أماكن العمل.. واكتشفنا بأنهن يمكنهن القيام بكثير من المهام الوظيفة من بيوتهن بشكل فعال ودون نقصان في الأداء والعطاء.. فهل حان الأوان أن ننظر لعمل المرأة بشكل عام من منظور جديد يواكب القدرة على التواصل والإنجاز عبر الشبكات العنكبوتية ونعيد للمرأة دورها الأهم في بناء المجتمع والأسرة ورعاية الأبناء إلى جانب عطائها في المجالات الوظيفة سواء كانت تلك نتيجة لرغبتها أو لحاجتها المادية لمساندة أسرتها في عصر المتطلبات الحياتية الحديثة؟

فلكم أن تتخيلوا معي النسبة المئوية التي ستوفرها المجتمعات في كافة مناحي دورة الحياة اليومية في حال بقاء أغلب النساء في بيوتهن والعمل عن بعد عبر الوسائل التقنية الحديثة المتاحة.. فمثلاً، يمكننا توفير حوالي 50% من المكاتب في أماكن العمل، ومن الحجرات والطاولات والأدوات المكتبية والمباني ومواقف السيارات، بل وحتى من الطاقات المهدورة من التكييف والإضاءة وفواتير الهواتف واستهلاك المياه والمشروبات الأخرى.. كل هذا ومن دون الإضرار بعطائهن وواجباتهن الوظيفية الروتينية اليومية.. في حين سنجد المرأة العاملة بشكل عام تقوم بواجباتها الأخرى نحو عائلتها وأبنائها إن كانت متزوجة وأم، بحيث سيكون عطائها مضاعفاً ودورها عظيماً في مجال الرعاية والحنان الذي ربما قضت سنوات طوال من حياتها العملية محرومة منها ومن حق أسرتها عليها.

تخيلوا معي كم سنوفر جميعاً من تخفيف زحمة الطرقات عند تقليص عدد السيارات كل صباح ومساء، وتوفير كميات الطاقة المهدرة من بنزين وتخفيض كميات التلوث بسبب عوادم السيارات، وعدد الحوادث والمخالفات والاختناقات المرورية، بل وحتى نسبة تخفيض الضغوط النفسية الناتجة عن القيادة اليومية لأماكن العمل والبحث عن المواقف عند أماكن العمل المزدحمة.. بل قد أتمادى قليلاً في تصور أن بقاء المرأة العاملة في منزلها سيؤدي بالضرورة إلى إنعاش الروح الأسرية وتنقية كثير من أجواء العلاقات التي ربما كانت تعانيها بسبب غياب المرأة عن بيتها طوال ساعات العمل، ومن ثم عودتها مرهقة، لتجد أنه متوقع منها الكثير في مجتمعاتنا التي لا تزال تطالب النساء بالقيام بواجباتها المنزلية دون نقصان، وفي أغلب الحالات دون تعاون مجدي من الأزواج، إلا في حالات نادرة!!

وطبعاً هذا الوضع ينطبق أيضاً على الكثير من المهام التي يؤديها الرجال، فكثير منهم يؤدون خدمات قد لا تحتاج بالضرورة التواجد الدائم في أماكن العمل.. وبالطبع نتوقع ذات النتائج الإيجابية والتوفيرية التي طرحناها في شأن المرأة.. لكنني أميل إلى صف الأمهات العاملات بشكل عام لأهمية دورهن العظيم في الدورة الحياتية والأسرية.

رغم أن تجربة العمل من المنزل صارت واقعاً في الظروف الراهنة، غير أن هنالك جوانب ربما لم تفلح الجهات المعنية في دراستها وتقييمها وممارستها بالشكل التام، حيث نجد بعض التخبط في تنفيذ التجربة بين جهة وأخرى.. فهنالك أفراد من النساء والرجال ممن قاموا بوظائفهم من منازلهم وعبر الشبكات العنكبوتية ووسائل التواصل الأخرى، غير أن هذه العملية قد تكون نتائجها عكسية في بعض الحالات.. فبعض ممن مارسوا هذه التجربة باتوا ينفرون الآن من فكرة انتهاء الحاجة للعمل عن بعد وفكرة العودة لأماكن العمل بدوام رسمي ويومي كالسابق.. وربما أيضاً أصاب نوع من الكسل والتكاسل الكثير منهم حتى أنهم باتوا يمارسون أدوارهم في أوقات غير مناسبة لتنفيذ مهامهم مما له أثر سلبي على تقديم بعض الخدمات في أوانها وبشكل يتناغم مع أقرانهم ممن يتواجدون في أماكن العمل كالمعتاد.. أي أنهم قد يكونون سبباً في ربكة ولخبطة في أداء الوظائف وتقديم الخدمات في سياقها المناسب.. أجل، إنها تجربة جديدة على الجميع، ومع كل جديد تنشأ معضلات جديدة لا بد من مواجهتها وتحليلها ودراستها وتقييمها على النحو الأمثل حتى تستقيم الأمور وتصبح ناجعة.

وفكرة الدراسة عن بعد أيضاً تبدو للوهلة الأولى في عصر الإنترنت جيدة وممكنة، ولكن هذه العملية وضعتنا نحن التربويين في خضم أزمة أخلاقية مقلقة.. فالشاهد من الوقائع أن الكثير من الطلبة في كافة المراحل الدراسية صاروا يستغلون الوضع بشكل سلبي وغير طبيعي.. فمثلاً، باتت الأمهات هن من تقمن بالواجبات الدراسية بدلاً من أطفالهن، من خلف شاشات التواصل.. بل وحتى الاختبارات والمهام الدراسية الأخرى صارت من صنع الأمهات وأحياناً من قبل أفراد الأسرة الأكبر سناً، حتى لم نعد نؤمن بأي من الواجبات الدراسية ولا العملية التعليمية بشكل عام!

والغريب في الأمر فرح الأهل بالنتائج المتحصل عليها وهي نتاج للغش والدلس وسوء الاستغلال.. فهل نثق بعد كل هذا في جيل كامل من الأبناء ممن لم يتعلموا بحق ولم تعد نتائجهم الدراسية وتحصيلهم العلمي تعكس الواقع؟   ربما المنفعة الأهم من العمل والدراسة عن بعد هي حماية المجتمع من ويلات وباء الجائحة "المقيتة"، وربما عمل المرأة عن بعد جعلها متواجدة مع أفراد أسرتها وبالأخص مع الصغار، وربما هنالك أمور إيجابية شتى كما أسلفنا، غير أن هنالك ممارسات غير صحية كثيرة قد تنتج من رحم هذه التجربة الجديدة على مجتمعاتنا التقليدية التي تفتقر للوعي السليم والمسئولية المتوقعة من مثل هذه الممارسات الحضارية في عالم الانفتاح الحضاري الراقي.

أجل، أنا مع الاحتكام لاستغلال الوسائط المتوفرة للتعلم عن بعد والعمل عبر شبكات التواصل المتوفرة من حيث المبدأ، لكنني أتوجس كثيراً عند النظر لبعض المخرجات السلبية النابعة من افتقار مجتمعاتنا لمستوى الوعي الحضاري المناسب للتعامل الأنسب مع هكذا تدابير.. ربما مثل هذه الإجراءات هي ضرورية لحماية المجتمعات من تفشي الأوبئة، ولكن سوء التعامل وعدم الالتزام الفعلي من قبل بعض الأفراد قد يؤديان لخلق الكثير من المشاكل الأخرى والنتائج العكسية والسلبية نتيجة لعدم الاستيعاب السليم لحاجتنا لمثل هذه الإجراءات الضرورية في غياب بدائل أخرى جاهزة ومدروسة.. ربما سيعلق البعض بأن العالم أجمع من شرقه إلى غربه لم يكن جاهزاً، وهذا واقع تكّشَف لنا دون مواربة، رغم أن العالم قد مر وعاني مراراً من تفشي الجوائح المميتة سابقاً.. فالجوائح كما الحروب، ويلات تكشف لنا أن البشرية لا تتعلم من تاريخها ومصائبها كما نتوقع ونرجو.. فهل ستتعلم الأجيال اللاحقة من تجاربنا اليوم وكوارثنا المتوالية عبر التاريخ ولا تنتظر وقوع الفأس بالرأس حتى تتخذ من الإجراءات قبل وقوع الشدائد؟   والأدهى حينما تكشف لنا الوقائع أن أغلب هذه الكوارث هي في الأساس من صنع البشر!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

قاسم جمعةافرادها من ورق تحسبهم، الا انهم ابطال. تعوم بيوتاتهم على صفيح كالقبور المسورة، لكنهم فرحى يلمهم عبق الطيب، وتحد تضاريس ارضهم كتل من البؤس. لكنهم يأتمرون بأمرالعشق فيطيعوا كائنهم الذي خلقوه!.

يستحيوا من الضيف حتى وان اقتضى الامر.. ابتلاع الحصى لكي يشبعوه. فهم بلا منازع كرماء في اي شي  تطلبه ايادي السؤال.حتى في الموت. مدينة الحطب اختلاف في اختلاف وتسمح به، لا اريد ان احول مدينتكم، لأسطورة، فكل ما هنالك اني اسكن بالقرب منهم، اسمع كل يوم حكاية لا يطيق سردها أمهر المؤرخين، كان منهم الصديق والقريب والاخ، لا اريد ان اطول بالحديث عنهم ادخل هناك واكتشف،

فمدينة الحطب يسرقها كل يوم سارق بأسم الله والعمائم تحرس كسر الخبز الحافي.

امي علمتني كثيرا، لكنها اهملت شيئا، لم اعرفه الا لحظة فراقها، ان الموت آت، والعوز يزيح الذاكرة فلا ذكريات وانت جائع ولا نجوى وانت خائف ولا امل بالساسة.

هكذا مرة سمعت (ام جاسم) تقول لي ...

يمة هذولة ما بيهم خير مدام اجو وياهم هذولاك! ..

فلم  تستدعى الانتخابات البرلمانية؟ ألكي تدشن عصر جديد،  يرفل حركة الشارع السياسي بدم اخر او  لربما يكرر ما هو سائد. ام انها ستفرز نفسا مغايرا لعفريت آخر يقبض ارواح الناس وهم فرحى !.

وهل تطمح الناس من وراء (تلطيخ) ايديهم باللون البنفسجي القاتم الى امل ينعش واقعهم البائس؟.

لكننا في مدينة الحطب غالبا ما نكون مصدر هذه النار (الديمقراطية) وكأن ابناء هذه (المدينة) سرقوا النار من يد المارد وبقى يلاحقهم،  لانهم قرروا ان يلوكو.. بوجعهم الحلم بالتغير. اللعنة ام التغيير الاحمق.! كلاهما يسيران بنا الى حطب موقد هناك.لمن هذه الدماء تسأل انت يا  ايها الشاكي،  ولم هذه الدموع فانتم حطب لي لكي تكوى اجسامكم بعد ما كنتم تسمعون عنها في التراتيل المقدسة، .

هكذا يمكن ان يغير نيتشه من مطرقة كتاباته ويسلخ ماركس جلد البيان الشيوعي لكي يفهمونا ما تريده مدينة الحطب. برومثيوس ازعل الاله عندما سرق منه النار، لكي ينقلنا نحن الى الحضارة ونكون منعمين بجذوة الدفء وحنين التقارب وتصار المدن وينعم بها الناس على اختلافهم ..ايكون التغيير مرتبطا بلعنة !

لا دين يفرق ولا سياسة تنتهك الحب ولا مرتزقة تقتل بنشوة التشفي.ولا النساء ولا الرجال ينتابهم الفزع من كائن يتربص الزمن لكي يشتت حلم التقارب وحفلة عرس الدم ..

العيد تحول في مدينة الحطب الى طقس عنيف والضحايا قرابين لترضي اله احمق يسكن بعيدا، تلاحمت الأجساد وصارت اضحية موحدة للهويات ...

الموت لا ينتعش الا بقتل الأبرياء. ولا يدوم الا بحرق مدينة الحطب ...

مدينة الحطب يتسمى بها طورا الطغاة، وتفرح المدن الأخرى لحزنهم، اليس غريبا ان يكونوا مصدرا للنار ومن بينهم يسكن من يحب الغريب ويهون عليه السهر على راحته وهم فوق ذلك يملؤهم الحزن.اليس غريبا ان من  يملك هويتهم لا يملك سوى الاكتناز وحب السير حافيا في ارض الخراب . لكن اليس مقبولا بعرف القتلة ان تكون الاضاحي، الا من مدينة الحطب .فهم منذ عرفت مع غاليلوا انها تدور!.. اكتشفت انها لابد ان تدور حول الموت، فلا مدينة بلا حطب، ولا حطب بدون موقد يديم دورتها.! أيمكن للمدن او للحضارات ان تقام بلا حطب ؟.والحرب لماذا تقام في المدن؟. لأننا يا صديقي لم نعد نملك المدن، وكل الحكايات المسروقة عنها، باتت تفضح ذاكرتنا الثقافية.عليكم ان تحرسوا بوابات المدينة،  فالعفريت لا يزال طليقا.

ان تترك خير لك من ان تبقى مراوحا، لان بين الحب والكره اقل من ثانية للتوحش. ضجر ناسها تفرق وصار همهم ميسي هل سيعتزل اللعب!.

ومن يتقن اللعب في مدينة الحطب سيبقى حاملا لراية الامتثال. فلا دار تسكنها ولا مكان يداوي وجعك والأفواه اكلتها الارانب!.عليك ان تكون في قافلة الموتى لان اليوم اعلن عرسهم.وما دام الذي هناك يملأ كرشه الانتخابي، بأصابع بنفسجية، فكل منكم سيرد حوض الكذب وسفن  النفاق، لكني سأراقب الفجر، عله يطيح بظلام تأبد.. وسأعلم اولاد المدينة،  ان يرموا كتاب الجمهورية لأفلاطون، في اقرب محرقة وعلى سكانها الا يكونوا دمى  في اتون مدينة الحطب وخطابات موقدي الحطب.

 

د. قاسم جمعة

 

 

سامي عبد العاللعلَّنا نُلاحظ أنَّ أمريكا (كقارةٍ من السياسة والثقافة والصراعات) قد سعتْ إلى امتلاكِ ميراث اللوغوس اليوناني (أي ميراث الكلمة والقانون الحاكم لكلِّ الاشياء) مُروراً بصياغة أوروبا اليهودية والمسيحية له. أمريكا دولة كانت ومازالت تحاول استعارته من التاريخ، ليتخطى مياه المحيط الأطلسي(واضعةً إياه) بجوار تمثال الحرية وحول برجي التجارة العالمية (وحافظةً له) بجانب أكثر ترسانات العالم الحربية تدميراً، (وممارسةً لدلالته) عبر العيون الإلكترونية التي تُراقب كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من خريطةِ العالم. ذلك ليُحلّق بدوره مع الأقمار الصناعية وليستكشفَ مجهول الأكوان والطبيعة وليمرُق مع الحملات العسكرية والهيئات الدولية التي تهيمن عليها أمريكا.

وَجهُ الطرافة أنَّ الميراث ليس يمتثل فلسفياً لأصحابه الجدُد في غالب الأحيان إلاَّ بضروبٍ من السخرية الماكرة. لأنَّ الفلسفة في هذا الاتجاه بمثابة القدرة الفكرية الفذة على كشف التناقضات بين الموروثات واعادة تشغيلها في واقعٍ آخر، وهي التي تمهد لأفكارٍ من قبيل كيف نرث المفاهيم وبأي معنى سيكون وضعها الثقافي من الحياة والتاريخ. والسخرية المشار إليها ستعري جوانب استعمال الموروثات من جهة الطرائق والأشكال المختلفة عما كانت عليه. فهل يمكن تنشيط اللوغوس بدلالاته الفلسفية واللاهوتية والسياسية ضمن مساحةٍ معاصرة من الحياة؟ هل سيتحول اللوغوسُ إلى أداة قوة وهيمنة على نطاق عام بعدما كان صورةً للحكمة والقداسة؟ هل ثمة دلالة للوغوس سيأخذها سياسياً حين أصبح برجماتياً كما في الثقافة الأمريكية؟

ميراث اللوغوس

دون ريبٍ تعد المعطيات الحضارية الراهنة جديدةً، بل وغريبة على اللوغوس (اليوناني والوسيط)، دوماً أمريكا كانت تعتبر نفسها أرض اللوغوس العجيبة حتى غدت مسكونة به طوال الوقت. وتاريخياً كانت تجلب إليها كإمبراطورية من الأحلام كبار الفلاسفة ( يورجين هابرماس،  جورج جادامر، حنا أرندت، هربرت ماركيوز، نيقولاي هارتمان، فرانسو ليوتار، جان بودريار، جوليا كريستيفا، جاك دريدا، لاكو لابارت، بول فيريليو...)، هؤلاء جميعاً ابناء اللوغوس الفلسفي وكذلك جلبت إليها كبار العلماء (ألبرت أينشتين وروزرفورد وجيمس جينز وماكس بلانك وأرثر إدنجتون وستيقن هوكنج...) وهم ابناء اللوغوس العلمي. وبخلاف هؤلاء وأولئك سعت أمريكا إلى الاحتفاظ بالنصوص الأولى وحتى النسخ المشوهة والأوليةdrafts  والمدونات الأساسية scripts للكتاب والأدباء والمثقفين الكبار في العالم كله. وامريكا بذلك تؤكد أنها (ذاكرة لوغوسية كونية) من نوع قاري عولمي يوازي قدرات اللوغوس الذي كان يحكم الكل ويعطيه تراتبه قي تاريخ العالم القديم والحديث.

ولم تكتف أمريكا بذلك، بل أرادت أنْ تكون دولةَ الاستثناء والأحلام الأولى في التاريخ وأنْ تغدو صانعةً لهذا الميراث لا مجرد فاعل مشارك في أحداثه. ومع اللوغوس أرادت أمريكا أخذ اشباح وأطياف الامبراطوريات الكبرى في التاريخ الغربي والشرقي على السواء. فليس هناك من ميراث للوغوس لا يمر بمحاولات الهيمنة السياسية التي شغلت القادة والدول والمجتمعات منذ قديم الزمان (من الإسكندر الأكبر حتى هتلر مروراً بجنكيز خان والحملات الصليبية وجيوش الفتوحات الإسلامية).

لنرجع الآن حفرياً إلى معنى اللوغوسLogos ، ثم لنعرف ماذا حدث عندما تم أمركته Americanization وجرى تعميده في اللاهوت السياسي المعاصر. اللوغوس (مثلما سبقت الإشارة) لفظ يوناني يعني الكلمة أو العقل أو القانون، أي القانون الذي يعيش الكل وفقاً لوجوده ودلالته، هو درجة التناغم الكوني البشري الذي يحقق الإتساق والمعنى للأشياء والأفعال. فهو عند أفلاطون وأرسطو قانون الوجود وأحد المبادئ المنطقية الأساسية. وكان هيراقليطس Heraclitus أبرز من استخدم مفهوم اللوغوس في الفلسفة اليونانية بصدد (التغير والصيرورة). جعل من اللوغوس المُنظمَ لكل الأشياء والأساس والمبدأ الذي تتم به عملية التغير والسيلان؛ اللوغوس عند هيراقليطس هو القانون العام الذي يسير عليه الوجود في تغيره من ضد إلى ضد، وهو الشيء الوحيد الثابت في هذا الوجود الدائم السيلان والتغير وهو النار. وحد هيراقليطس بين اللوغوس ومبدأ الوجود (النار)، فالنار كما اللوغوس هي القانون والتغير وتعدد الأشياء في هذا العالم. يقول هرقليطس:" كل القوانين الإنسانية تتغذى من قانون إلهي واحد: لأن هذا يسود كل من يريد، ويكفي للكل، ويسيطر على الكل".

سارَ الرواقيون في الاتجاه نفسه، فذهبوا إلى أنَّ العالم جسم حي له نفس حارة هي نفس عاقلة تربط أجزاءه وتؤلف بينها، فالنار هي المبدأ الفاعل الذي سبق وجوده وجود أي شيء ومنه توالدت جميع الموجودات، فحرارة النار انتشرت في الماء مولدة بذرة مركزية، وهذه البذرة هي قانون "لوغوس" أي أنها تحوي جميع الأشياء وجميع بذور الأحياء، وقد كانت هذه البذور كامنة داخل بعضها بعضاً داخل اللوغوس، انبثقت منه دفعة واحدة ثم أخذت تخرج من بعضها شيئاً فشيئاً وتُكون الموجودات في العالم، وماتزال تخرج بقانون ضروري ليس فيه مجال للمصادفة، فنظام الطبيعة يدل على أنها ليست وليدة الاتفاق ولا الضرورة العمياء بل الضرورة العاقلة، وكل ما يحدث هو مطابق للطبيعة الكلية، والعالم إلهي بالنار التي هي العلة الأولى والوحيدة في وجوده، فهي عقل كلي وقانون عام وضرورة وقدر، فهي اللوغوس الذي يحفظ النظام والعناية في العالم، والعقل الكلي الذي يدبر العالم ويحركه.

ثمَّ ظهر معنى اللوغوس بنوع من الاختلاف في اليهودية عند فيلون السكندري (أو إيديدا كما ورد إسمه باللغة العبرية) الذي عَدَّه أول القوى الصادرة عن الله، وأنَّه محل الصور والأشكال والرسوم، والنموذج الأول لكل الأشياء. اللوغوس قوة باطنة تحيي الأشياء وتربط بينها. وهو يتدخل في تكوين العالم، لكنه ليس خالقاً بمعناه الإلهي. فقط بمثابة الوسيط بين الله والناس، وهو الذي يرشد بني الإنسان ويمكنهم من الارتفاع إلى رؤية الله. ولكن دوره هو دائماً دور الوسيط.

أمَّا في المسيحية، فمن بين اسفار الكتاب المقدس، هناك " سفر الحكمة لسليمان" حيث يصف فيه صاحبه الحكمة بأنها بالقرب من الله أو عند الله تشاركه عرشه الإلهي وأنها صادرة عن مجده، وتساعده في عملية الخلق، وتسري في كل الأشياء وتحقق وحدة العالم. ويمكن أن تتصل بمن من البشر مستعدين لتلقيها، لتقدس أرواحهم وتؤمّن لها الخلود عند الله: وهذه الحكمة تسمى في عدة مواضع باسم " اللوغوس"، وهذا اللوغوس (الكلمة) الذي فيه جعل إله إسرائيل، رب الرحمة، جميع الأشياء. وبه نجى شعب إسرائيل وسينجّي كل النفوس التي تتلقاه.

بينما يستهل يوحنا (الإنجيل الرابع) المنسوب إليه، بالحديث عن (الكلمة Logos): "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، والله هو الكلمة، به كل شيء كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان". وجاء في خاتمة رسالته الأولى وفي الرؤيا المنسوبة إليه أيضاً أن هذا اللوغوس أو الكلمة، هو الذي كان قبل خلق الكون، كان عند الله، وهو هو الله، وهذا اللوغوس أو الكلمة، تجسد، أي اتخذ جسداً، وحلّ بين الناس، فكشف لهم حقيقة النجاة (الخلاص) وبث فيهم الحياة الخالدة، مُمكنا لهم من أن يصيروا أبناء الله. وبالجملة: أنه يسوع المسيح ابن الرب. وهذا اللوغوس، عند القديس يوحنا، لا يماثل تماماً الحكمة في سفر الحكمة، ولا اللوغوس عند فيلون والأفلاطونية المحدثة، لأنَّه عند يوحنا هو الله نفسه، وليس قوة تابعةً لله كما هي الحال عند فيلون اليهودي.

أبرز التحولات

قبل أنْ يعبر اللوغوس إلى عصورنا الراهنة أخضعه التحديث الأوروبي لعمليات تصفية وغربلة متعددة الجوانب:

أولاً: تصفية فلسفية: حيث نُزع الطابع اللاهوتي عن اللوغوس ليتم إدماجه في رؤى الحياة والعالم. وهو ما يعني كيفية تحويله (إنْ صح التعبير) إلى لوغوس علماني secular logos لا يسند الكل إلى قوى فوق طبيعية، لكنه يعطي الإنسان أولوية الحياة والفكر. ولا يهدف إلى إلحاق الاشياء والبشر والمفاهيم بأصول ميتافيزيقية بقدر ما يجعلها مألوفة وقابلة للتشكيل الإنساني الدنيوي. وهو ما يعرف بإقامة الحياة الإنسانية على أسس فهم الطبيعة كما هي وإقامة مجتمع حر ومستقل يجمع المواطنين على صعيد واحد من العدالة والمساوة.

ثانياً: تصفية معرفية: ذهبت الحداثة إلى نزع الأسطرة عن العالم والكائنات وجرى اعتبارها مجرد سياقات معرفية يمكن سبر اغوارها واكتشاف قوانين علمية وطبيعية تفسر الظواهر الناجمة عنها. وكان العلم ومناهجة أكبر الأطر التي جعلّت من اللوغوس نظاماً معرفياً قابلاً للتجريب وإعادة صياغة دلالته في صور تجريبيةٍ وتقنيةٍ لم تكم معروفة.

ثالثاً: تصفية سياسية: وهي عملية غربلة لكل ما يعود بالمجتمعات إلى عصور الاستبداد والانحطاط، لان مفهوم اللوغوس مفهوم هيمنة وتحكم، ولذلك كان رد الفعل تأسيس مفاهيم الدولة والإرادة العامة والحرية والليبرالية. ولم يكن السياسي ليتحكم في أي شيء بقدر ما تخول له الحرية بالنسبة للمواطنين جميعاً ذلك الأمر. علما بأنه يأتي أيضاً كسياسي بناء على الممارسة العامة المُتاحة للجميع دون تفرقةٍ.

رابعاً: تصفية لاهوتية: نزع تملك الدين من فكرة الكل باسم حاكمٍ أو مؤسسة أو كهنوت أو رجال دين أو مرجعيةٍ، لكي يكون مرهونا بالإيمان الحر. وغدا التدين مما يليق بالإنسان أو لا يليق به بحسب التكوين الثقافي للمجتمعات. فليس مُمكناً استعمال اللوغوس بظلاله اللاهوتية في المجتمعات الليبرالية على سبيل المثال دون أنْ يتعارض مع قيم الحرية  وتنوعها.

جميع هذه التصفيات عبرت خلال مياه المحيط الأطلسي إلى القارة الأمريكية، لكنها اختلطب بطابع ثقافتها البرجماتية العملية. فلقد غدا اللوغوس لوغوساً سياسياً برجماتياً pragmatic political logos قيد التوظيف والاستثمار، أي لم يكن إلا لوغوساً(انتهازياً – عملياً- اقتصادياً رأسمالياً). فالسياسة لدى الفكر الأمريكي وسيلة لتحقيق المنافع والمصالح وتوسيع دائرة الخطط المستقبلية. وليس التحول هنا داخل المجتمع بأكثر منه بالنسبة للسياسات الأمريكية في العالم الخارجي. والناس يعتقدون أن تكويناً سياسياً بعينه هو عصر زائل إلى غير رجعة، وهذا غير صحيح بالمرة. فإذا كان اللوغوس اليوناني بنيةَ تجميع للأشياء ونداء صامتاً حول الكل، فلدى السياسة الأمريكية يغدو بذرة تفريق وتشتيت وفوضى خلاقة كما حدث بالعراق وبدول الربيع العربي.

وأحياناً أخرى كان اللوغوس الأمريكي  American logos لوغوس سياسة في المقام الأول بمعناها المفتوح والمرن والقابل للتغير والتحول والتقلب والتوليف. وكانت تلك الخطوة من الخطورة بمكان لدرجة أنها أمست بمثابة الانحراف الأبرز في اللوغوس اليوناني الأوروبي بجذوره الوجودية الميتافيزيقية. وكانَ مطلُّوباً من كل رئيس أمريكي إيجاد الصيغة التركيبية التي تتحدد على أثرها إدارة الحياة وعلاقات دولته الامبراطورية بالعالم. من ثمَّ لجأت امريكا في إدارة الأحداث المحلية والدولية إلى تفكيك وتركيب العناصر وفقاً لمصالحها وأهدافها.

أمريكا طوال تاريخها تتهرب من ماضٍ ليس يبعد عنها إلاَّ بضع خطوات، ماضي التكوين الفيروسي والاستعماري القائم على فرض الأمر الواقع والاستباق إلى النتائج. ولذلك كان التحسب من القادم في تاريخها أكبر من جميع الأزمنة الماضية. وهذا طابع المخاطرة دوماً التي تعيشها أمريكا من مرحلة لأخرى: أنها تفتح المجتمعات على مجهول يحمله رأس رئيس ملفوف بالغموض. ولا يعرف الرأس (حاكم البيت الأبيض ومعاونوه) كيف يدير القوة الأكثر سطوة وهيمنة في العالم. ولذلك تنتشر المؤسسات السياسية والبحثية وبيوتات الخبرة وصناعة الوعي هنا أو هناك في جميع جوانب الدولة الأمريكية. وعادةً ما يعيد الرئيس الجديد حالة المخاطرة إلى نقطة الصفر. لأنَّ الأوضاع السياسية تحتاج خبرةً قد لا تعالجها الأيام والسنون.

الكاوبوي- اللوغوس

تاريخياً يتجسد معنى الكاوبوي في صور سياسية رمزية، سواء أكانت أشخاصاً أم أفعالاً أم سياسات معينة. على سبيل المثال كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجسيداً حياً لتلك الحالة. لقد كان انفراد ترامب بالسلطة والإدارة الأمريكية انفراداً بلعبة المراهنات على الاحتمال البعيد لهذا المعنى. وهو احتمال كشف كل التحورات التي طرأت على اللوغوس عندما دخل الثقافة الأمريكية بجميع تعقيداتها العملية. وفي حياة الأمم وبخاصة أمريكا (القارة – الأسطورة)، أحياناً تصبح أبسطُ العمليات السياسية مثل " الانتخابات الرئاسية " أعمق تأثيراً مما نتوقَّع.

لأنَّها تحددُ الآفاق المتصارعة للعلاقات والأفكار والأشخاص على المدى البعيد. ولربما تؤكد هذه العملية اختيارات معينة يترقبها المتابعون، حيث تتبلور يومياً كأنَّها عملية سياسية في مواجهة شاملة مع كل عمليات وقضايا سواها. ورغم أنَّ الاختيارات الانتخابية مجرد بدائل في سلسلة من الممارسات العامة، لكنها تتسابق على تقريب إحساسنا بالخطر النيتشوي، أي " العيش في خطر" دائم حتى اللحظة الفاصلة. لا لشيء إلاَّ لأنَّها تخنق صور الواقع لدينا، تعرضها للتهديد إذ تقتحم ما نمتلكه من أشياء مألوفةٍ في الحياة المشتركة.

كان يثار التساؤل التالي بصدد ترشح دونالد ترامب أمام هيلاري كلينتون: ماذا لوكان الاختيار الفائز هو الأخطر؟ ومن أين ينبع الخطر في حالة ترامب لو كان هو الفائز كما حدث؟ ولئن كان الأمر كذلك إجمالاً، فلماذا تأتي الصدمة ذات طابع تاريخي نتيجة اختيارٍ سياسي ما؟ إن طبيعة الاختيار ترتبط بالاحتمال غير المتوقع متى عمدنا إلى استبعاده. ذلك بالضبط ما راهن الاعلام والسياسيون عليه في الانتخابات الأمريكية التي كان ترامب أحد أطرافها. عندما توقعوا فوز المرشحة هيلاري كلينتون آنذاك. لكن بقدر رمي التوقعات في اتجاه ما بقدر ما كانت المفاجأة الآتية من الاتجاه المستبعد أكثر دلالةً.

دلالتها أنها تستند إلى معطيات برجماتية خاصة بتكوين الثقافة الأمريكية لم يدرك طبيعتها معظم الناس. وإذا أقصيت في حالة أو أخرى، فسرعان ما تتجلى خلال حالة غائبةٍ قد كسبت الرهان. وربما جاء نمط الرئيس (الرأسمالي الكاوبوي capitalist   cowboy) المنتخب هو الأقرب إليها. لأنَّ نمط الرئيس لم يكن نمطاً اقتصادياً فقط، بل كان بنية خفية قابلة للتحول وراء الوقائع والظواهر الطافية على السطح. وقد كان ترامب كذلك بالفعل هو الصورة الأخيرة لا النهائية لبطل من الكاوبوي السياسي باسم اللوغوس في حقبته الأمريكية.

من هنا لم يكن فوز دونالد ترامب (الرئيس الكارثة كما قيل في حينه!!) عملاً اجرائياً، لكنه كان حالة خلخلت المجتمع الأمريكي واتسقت بالوقت نفسه مع تاريخه الذي لم يُرد احدهم الاعتراف به. حيث طّفحت رواسب الثقافة العميقة الخاصة بالبرجماتية فوق سطح الأحداث السياسية. أشار المُعلقون إلى أنَّ المجتمع لن يستطيع تفادى تلك النتيجة الخطيرة: خروج القرارات والأفكار مغلفةً بالانتهازية والخفة واللامسئولية. كان السؤال المُلّح حينذاك: كيف سيجري الوضع عقب تعرية وتسليخ وتفتيت الصورة العاكسة للسياسة والنظام الاجتماعي لأمريكا؟! فالرئيس الأمريكي المنتخب ظهر كرجل الغاب الذي دخل قصراً من المرايا العاكسة والقوارير والانتيكات ودمى أعياد الميلاد والديكورات الرقيقة والرفيعة.

ماذا سيفعل الرئيس الكاوبوي عندئذ غير التكسير والتحطيم والتهشيم واحداث الفوضى؟ لقد كان ترمب في مناظراته(كما رأينا في فوزه الأول أمام هيلاري كلينتون وخسارته الثانية أمام جو بايدن) قناصاً انتهازياً للفرص المتاحة وغير المتاحة. وأحدث برسائله شروخاً أعمق مما أراد بين الفرقاء السياسيين، لأن خطاباته العامة كم ضربت الأوتار والأعصبة الحية للأعراق والقوميات المغطاة بغطاء ثقافي يومي ما.

لدرجة أنه بعد اعلان النتيجة أمام هيلاري كلينتون أُطلقت صيحات الأمل لرتق الانقسام بين الناخبين والمشاركين السياسيين وهو ما تكرر بعد هزيمته أمام جو بايدن. وحاول المحللون ورجال السياسة اعتبار ترامب مرحلة عابرة، ثم سرعان ما ستعود الأمور إلى أمسها القريب. ولكن اتساقاً مع فكرة اللوغوس، يبدو أنَّ التاريخ أشباحٌ لا تفتأ تختفي حتى تظهر على التتابع. لأول وهلة قد يستدير التاريخ ماثلاً أمام المجتمع الذي أنتجه وكان ثقافة حاكمة للوعي بالحقائق والحياة. وهنا ليست المفاجأة في كون ترامباً هو القادم فقط حين تم انتخابه، لكن كيف جاء رئيس بمواصفات ثقافية تلخص تاريخاً أمريكياً دون زيادة ولا نقصان؟!

إنَّ فوزاً لرجل بمواصفات دونالد ترامب يستطيع تفجير القشور التي يتغطى بها أي مجتمع. وبإمكانه إحياء ذاكرة قديمة مرتبطة بتشكل قارة المغامرات والصراع والحروب. والمدهش أن نفس القوة التي أسهمت في صياغة الحياة الأمريكية كانت هي الخيول الجديدة التي وصل بها ترامب إلى البيت الأبيض. أقصد قوة الرأسمال الطلق والمفتوح بلا حدود ولا قيود ولا قيم ولا محاذير. ألم يكن ترامب نموذجاً لملياردير كاوبوي متنوع الثروات والشركات والعقارات؟! وكان هو القادر أيضاً على حسم الصفقات السياسية كما يحسم صفقات تجارية مربحة؟ لكن مع أي طرف كان يعقد ترامب الصفقات السياسية؟  لقد عقدها هذه المرة مع ماهية أمريكا ذاتها على حساب كل أشكال الديمقراطية!!

فإذا كان الكاوبوي القديم يسابق الريح ويقتل الأعداء ممتطياً الأحصنة وقطارات الفحم ومدمراً الأبنية والمركبات، فالرئيس جاء بالوسيلة عينها. رأسمالية الكاو بوي هي المفاجأة التي كانت مطرقة الدهشة وراء انتصاره الذي مثل المفاجأة. ذلك بكل ما يرتبط بالرأسمال من مظاهر ثقافية طاحنة للمنافسين وكاشفة لطبيعة العلاقات واستعراضية الافعال لاعبةً على طبائع الشعوب وغرائزها وأسواقها. الكابوي المعاصر هو الذي تغير فقط ليُحلِّق في الفضاء ويعبر البحار والمحيطات ويطارد هنود العالم الجدد في كل مكان. هذا معناه أنه أينما يخطو (الكاوبوي اللوغوس) كان يصنع هنوده الملاحقين عن قصد هنا أو هناك.

تردد أثناء حقبة دونالد ترامب أن هناك تهديدات للمسلمين وبعض المهاجرين الشرقيين في أمريكا. تشمل بعض التهديدات دعوة مبطنة لمغادرتهم البلاد تاركين تاريخهم القديم. وتشمل أيضاً تصفية الكيانات المهاجرة إذ ليس لهم (الحق) في التمتع بامتيازات الدولة الأمريكية. ونحن نعرف أن الوجه المقلوب للدعوة هو أولوية الرجل الأبيض ومركزية مصالحه على كافة المصالح الأخرى. والتطهير العرقي الذي مازال سارياً بين التشققات الاجتماعية ومظاهر الأجساد واختلافات الأصول. كما أن ثمة أصلاً ما في أمريكا كان يُراد له الغلبة، وأنَّ ثمة انحيازاً  لنمطٍ معين من الوجود دون سواه.

هل كان سيتحول الفضاء الأمريكي إلى عمليات كر وفر عرقي وديني مرة أخرى؟ لقد نجح ترامب ليس فقط أمام الرأي العام العالمي بأكثر الديمقراطيات انفتاحاً، لكنه كان مثالاً لاستنفار ثقافي ولوغوسي من نوعٍ ما. وهو يعيد إلى الأذهان صراعاً تاريخياً بين الرجل الأبيض الأوروبي والسكان الأصليين. فاللوغوس الأوروبي كان هو أصل الرجل الأبيض، إنه اللوغوس العرقي الغارق في الأصول اليونانية المسيحية، وقد تحول إلى وسيلة استثمارية تجرها الرأسمالية العابرة للقارات.

السكان الأصليون مصطلح ينسحب على سكان القارة الأمريكية وعلى سكان قارات العولمة بالمثل. ففي الجانبين هناك لاعب يستفرد بمجموعات من البشر تتلاعب بهم إرادة غامضة اسمها النظام الأمريكي بكل عتاده الإقتصادي والعسكري. وهاهم من حين لآخر يشعرون بضيق الآفاق وصراعها حتى النهاية. ليس مصادفة القول بأن أمريكا آخر الحضارات العظيمة كما كان يروج فرنسيس فوكوياما وصمويل هنتنجيتون. الأول في كتابه "نهاية التاريخ وخاتم البشر" والثاني كتابه " صدام الحضارات". وأنه لن يبلغ أمريكا مجتمع آخر مهما استطاع من احراز قصب السبق والتحضر. وهذه الحضارة – كما يُزعم- هي المرحلة الناضجة نتيجة البذرة الأولى للآباء المؤسسيين للأمة الأمريكية. وما الرأسمالية العالمية التي يستنكرها البعض إلاَّ نوع من اكتمال ماهيتها عملياً من خلال القوة الاقتصادية الجبارة لتلك الحضارة!!

بناء على ذلك فإن الأسواق ليست مرحلة، لكنها الطاقة الاستهلاكية القصوى لجميع الامكانيات. إن الاقتصاد السياسي الذي يبنى عليها يمثل ظاهرة التضخم إلى حد الانفجار في وجه كل ما يقابله. وللأسف لن يوجد انفجار بلا خسائر. فرأس المال دوماً يجعل الآخرين بجميع صورهم وقوداً لاحتراقه. وذلك أنه لا ينتج مزيداً من نفوذه إلاَّ بهذا الإحراق السياسي والإنساني للرغبات. سواء أكانت مشبعة أم جائعة للمزيد والمزيد. لهذا لو كان اللوغوس الأمريكي حاضراً بقوته فهو بائع اقتصادي عابر للحدود والقارات. لقد دخل اللوغوس الكاوبوي في الأطعمة والماركات التي تنتجها الصناعة الأمريكية ثقافياً وتجارياً.

إن أمريكا هي البلد الوحيد تقريباً الذي يعيش على هذه الحافة نحو الصعود أو الانهيار. لأنها تمتطي مغامرة وجود أنْ تكون أو لا تكون. وهي استراتيجية دونالد ترامب (مثلما يفعل أي رئيس أمريكي) في خوضه لأدنى ممارسة سياسية نجح بها. وجميع رؤساء أمريكا كانوا على ذات الدرب الممتد وراء الجبال والسهوب والبراري والشركات والهيئات الدولية والأساطيل والمؤامرات والصراعات الحربية. حيث ساحات المطاردة لأشباح الأعداء واللصوص والشياطين. أمريكا الدولة الوحيدة أيضاً في العالم وربما في التاريخ التي تعتبر أن عملية (خلق العدو والاستثمار فيها) أهم من عمليات الانتاج. لأنَّ الأولى هي التي تفتح لها مخازن ومناجم وآبار الانتاج بكل صنوفها. وهي التي ستحقق حالة الاتحاد للأمة الأمريكية وستجددها في مواجهة الأغيار مهما يكونوا. حالة كانت ومازالت تحتاج دوماً إلى عدو خارج ذاتها. لكن ماذا لو جاء العدو من داخلها بالصيغة التي سهرت على تكوينها؟

بالنسبة لقارة أمريكا كانت تربتها الثقافية مزرعة تاريخية لصنف من البشر لا يعبأ بالمشكلات الإثنية والعقائدية. لأن القضاء عليها (إذا كانت هناك إرادة مخلصة لذلك) سيفترض أن يأتي من الجذور بحسم المعارك الوجودية بين البشر. فإما أن يتم ترك المكان فارغاً للأوروبي القادم وإما فالمصير هو قتالٌّ حتى آخر نقطة دم. وهناك الملايين من السكان الأصليين وقعوا ضحايا هذا التصور. هل ينشّط رؤساء أخر الزمان الأمريكي هذا التطهير الوجودي؟

طبعاً طالما وُجدَ نموذج كان سائداً في الثقافة الأمريكية، فلم يكن ليغب تأثيره عن أكبر الاستعراضات عمومية. فأمريكا بلد الاستعراض العولمي للرجل الأبيض على خريطة العالم. فأحيانا تتحول إلى مساحة جيوسياسة ضيقة جداً كقبر سياسي للعالم، وأحياناً أخرى تشغلها جميع الاتجاهات والآراء والعرقيات بآفاق بالغةِ التنوع والاختلاف. ليس فقط في إدارة شؤونها الداخلية، إنما إزاء العالم كله بالأساس. كان ذلك هو السبب وراء اسقاط مفهوم القارة الأمريكية على قارات العالم. فرئيس أمريكا (جورج بوش الإبن وباراك أوباما ودونالد ترامب) أكثر من مرة قد أعلن أنه سيحارب الإرهاب والدول المارقة بمنطق الكاوبوي أيضاً. وعادة ما سيكون رأس المال سلاحاً مزدوجاً سينال من الأعداء في ديارهم وسيجلب الأرباح الطائلة إلى دياره. ووفوق هذا وذاك سيقلص تنوع العولمة في قرارات ومنظمات يقبع فيها الكاوبوي اللوغوس الجديد بصيغةٍ من الصيغ الماكرة.

 

سامي عبد العال

 

 

علي المؤمنالحوزة العلمية في النجف الأشرف

الحوزة العلمية النجفية هي العاصمة العلمية الدينية التاريخية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي العالمي، منذ (1000) عامٍ تقريباً؛ فقد أخذت موقعها هذا بعد العام 448ه )1038م( على يد زعيم الشيعة في وقته الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة، وبقيت تمارس دورها العلمي والفكري والديني والتبليغي والإعلامي والأدبي والاجتماعي والسياسي دون توقف حتى اللحظة الراهنة.

وكان اختيار الشيخ الطوسي للنجف، متزامناً مع احتلال السلاجقة الأتراك الطائفيين لبغداد، وإشعال الفتنة الطائفية فيها، والتي تسببت في إحراق بيت الشيخ الطوسي وتدمير الحوزة العلمية الشيعية فيها. وكان أمام الشيخ الطوسي عدد من الخيارات البديلة؛ لكنه اختار النجف الأشرف لبعدها النسبي عن بغداد، وكونها قصبة شيعية صرفة، وتمتعها بحماية المحيط العشائري الشيعي، ووجود حوزة علمية قائمة فيها، ووجود مرقد الإمام علي بن أبي طالب. ولذلك انتقل إليها مع مئات من تلامذته وأتباعه، وحوّلها إلى مركز دائم لزعامة النظام الاجتماعي الديني الشيعي (1).

وبرغم أنّ الحوزة العلمية النجفية هي الحوزة الشيعية الوحيدة التي لم تنقطع فيها الدراسة والإنتاج العلمي وتخريج الفقهاء والعلماء منذ تأسيسها وحتى الآن، ولم تشهد أيّ أُفول في أيّ مرحلة من مراحل تاريخها المتخم بالأحداث؛ إلّا أنّها مرت بفترات محدودة من فقدان مركزيتها؛ بسبب انتقال الزعامة الشيعية منها إلى مدن عراقية أُخر أو إيرانية أو لبنانية.

ولا تزال طريقة اختيار المرجع الأعلى في النجف الأشرف تقليدية ومتوارثة منذ مئات السنين، وتتمثل في الإجماع النسبي للوجوه الدينية والعلمية الأبرز في الحوزة على شخصية معينة بعد رحيل المرجع الأعلى السابق. ويسمون في العرف الحوزوي بـ «أهل الخبرة»، وهم أساتذة البحث الخارج وبعض أساتذة السطوح العالية. وهناك فاعلون في هذا المجال من (حواشي) مكتب المرجع الأعلى وبيوتات مراجع الصف الأول، يطلق عليهم المراقبون «جماعات الضغط» أو «جماعات المصالح»؛ لوجود أفراد بينهم ليسوا من أهل الخبرة. ولكن يبقى دور جماعات المصالح تكميلياً وترجيحياً وليس أساسياً.

وتلعب مجموعة من العوامل دوراً في خلق هذا الإجماع النسبي؛ إلّا أنّ العامل الأبرز الذي يؤكد عليه أهل الخبرة هو عامل الأعلمية الفقهية والأُصولية، إضافة إلى شرط العدالة، وهو تعبير عن اعتقاد تلك الجماعات بأنّ الشخصية المرشحة هو أعلم الفقهاء الشيعة الأحياء؛ بصرف النظر عن الشروط الشخصية ذات العلاقة بالكفاءة الإدارية والقيادية مثلاً، وهي الأساس في إدارة الشأن العام؛ لأنّهم لا يعتبرون الكفاءة محل ابتلاء في الواقع الشيعي عامة، والشيعي العراقي خاصة، ولا سيما في ظل الأنظمة السياسية العراقية القمعية السابقة التي لا تسمح للمرجع الديني بممارسة واجب التصدّي للشأن العام؛ برغم أنّ الكفاءة القيادية هي الأساس في إدارة الشأن العام.

الحوزة النجفية في ظل العراق الجديد

شهدت الحوزة العلمية في النجف الأشرف نهضة نوعية وكمية بعد سقوط النظام البعثي في العام 2003. ولعل ما وصلت إليه منذ ذلك التاريخ وحتى الآن يُعدّ إنجازاً كبيراً؛ إذ استعادت النجف الأشرف جزءاً أساسياً من عافيتها، بعد حرب شاملة استمرت (35) عاماً، شنّها ضدها نظام البعث، الذي اعتقل وقتل وشرّد واضطهد أغلب منتسبيها. فقد كان عدد منتسبي حوزة النجف يبلغ في العام 1967حوالي (16) ألف طالب وأُستاذ(2)، وانخفض هذا العدد إلى (500) فقط في العام 1991، أي أنّ نظام البعث قضى على أكثر من 90% من وجود الحوزة النجفية خلال 24 سنة. ولو كانت الأُمور تسير بشكل طبيعي ولم تتعرض النجف لحرب الاجتثاث؛ لارتفع عدد منتسبي حوزتها من (16) ألف في العام 1967الى (50) ألف منتسب في العام 2020.

وقد بلغ عدد منتسبي الحوزة العلمية في النجف الأشرف في العام 2020، حوالي (15) ألف طالب وأُستاذ، يتوزعون على مراحل الدراسة الثلاث: المقدمات، والسطوح، والبحث الخارج، فضلاً عن وجود علماء ومراجع دين متفرغين للشأن العام أو البحث والتحقيق والتأليف والتبليغ. ويتواجد في النجف الأشرف حوالي (40) مجتهداً أو ممن يرى في نفسه ملكة الاجتهاد، ويقدم (20) منهم تقريباً دروس البحث الخارج. أما مراجع الدين الذين لديهم رسالة عملية للتقليد فيزيدون على عشرة مراجع (3)؛ إلّا أنّ العرف الحوزوي النجفي حصر المرجعيات الأساسية في أربعة مراجع فقط بعد العام 2003، وهم السيد علي الحسيني السيستاني (من أُصول إيرانية)، والسيد محمدسعيد الطباطبائي الحكيم (عراقي)، والشيخ بشير حسين النجفي (من أُصول باكستانية)، والشيخ إسحاق الفياض (من أُصول أفغانستانية). ويتصدرهم السيد علي السيستاني بوصفه المرجع الأعلى. وتعود جذور هذا الحصر إلى أواخر عقد التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً بعد وفاة المراجع السيد أبوالقاسم الخوئي في العام 1992 والسيد عبدالأعلى السبزواري في العام 1993 والسيد محمد الصدر في العام 1999، وتم تقريره عرفياً بعد العام 2003، أي أنّ اختيار هؤلاء الأربعة بات عرفاً حوزوياً وليس قراراً مؤسساتياً أو إجراء مبنياً على معايير إحصائية.

وإضافة إلى منتسبي الحوزة العلمية المركزية في النجف؛ هناك ما يقرب من ثلاثة آلاف منتسب في الحوزات العلمية في كربلاء والكاظمية ومدن عراقية أُخر. كما توجد خمسة صفوف للبحث الخارج أيضاً في كربلاء والكاظمية.

وفي إطار النهوض الجديد للحوزة النجفية بعد العام 2003، إستعادت المرجعية العليا دورها وثقلها المعنويين في الشأن الاجتماعي والسياسي العام، وعادت جميع مدارس الحوزة ومؤسساتها ومكتباتها العامة إلى فاعليتها، وتمت إضافة مدارس ومؤسسات جديدة، فضلاً عن نشوء النهضة البحثية المتمثلة في المجلات العلمية ومراكز البحوث والتحقيق.

وقد ظلت الحوزة العلمية النجفية ومرجعياتها، منذ عهود الاحتلال العثماني ثم الاحتلال الانجليزي ثم النظام الملكي والجمهوري والبعثي، تعاني من الحرب الطائفية والعنصرية والعزلة والاضطهاد، تبعاً للسياسات الطائفية التي كانت تمارسها الحكومات العثمانية والعراقية ضد الأكثرية السكانية الشيعية. ثم تحولت هذه الحرب إلى عملية استئصال واجتثاث منظمة في زمن النظام البعثي؛ فكان مراجع النجف يساقون إلى المعتقلات وغرف الإعدام، أو يتعرضون إلى التهجير، فضلاً عن إغلاق مدارسهم ومنعهم من التدريس وصلاة الجماعة وطباعة كتبهم. أمّا المراجع الذين يتحاشون أي نوع من التدخل في الشأن السياسي والشأن العام؛ فإنّهم لم يسلموا من ضغوطات النظام وقمعه أيضاً؛ حتى وصل الوضع بعد اغتيال ثلاثة من مراجع النجف الكبار: الشيخ علي الغروي، والشيخ مرتضى البروجردي والسيد محمد الصدر؛ أن ينعزل المراجع في بيوتهم، ولا يخرجون حتى لأداء صلاة الجماعة وإلقاء دروسهم وزيارة مرقد الإمام علي. واستمرت سياسة النظام البعثي في عزل الحوزة والمراجع حتى سقوطه في العام 2003.

ولكن، بعد سقوط النظام البعثي الطائفي وتأسيس النظام السياسي الجديد الذي حقق للمكون الشيعي العراقي جزءاً مهماً من حقوقه المذهبية والسياسية، بوصفه يمثل الأكثرية السكانية، وبات مشاركاً أساسياً في قيادة الدولة؛ فقد تغيرت علاقة الحوزة العلمية والمرجعية الدينية النجفية بقضايا الشأن العام والدولة العراقية تغييراً جذرياً. فقد بدأت المرجعية العليا تمارس دورها الطبيعي في الرعاية الدينية الاجتماعية، وتشخيص المفاسد والمصالح العامة. وأخذ السيد السيستاني الذي يعتقد بولاية الفقيه الخاصة، يمارس دوره الإرشادي والتوجيهي لحركة المجتمع والدولة من باب ولاية الفقيه على الأُمور الحسبية، وهو الدور الشرعي الذي يقضي بتوجيه حركة الدولة وإرشادها عندما يتطلب الأمر ذلك. وبذلك فإنّ الموقع الذي حظي به السيد السيستاني؛ لم يحظ به سابقاً أي مرجع في العراق، بمن فيهم الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي، الذين كانت لهم سطوتهم العامة وحضورهم شبه الرسمي في عهد الحكم البويهي الشيعي في بغداد.

وفضلاً عن تأثيرات سقوط النظام البعثي ومشاركة الأحزاب الإسلامية الشيعية في حكم العراق؛ فإنّ الفضل الحسي الأهم في بقاء الحوزة النجفية ونهوضها وممارستها دورها الجديد، يعود إلى أداء استثنائي لثلاث مرجعيات دينية كبيرة، يمكن تلخيصه بما يلي:

1-  صبر السيد أبو القاسم الخوئي، حتى وفاته في العام 1992.

2- حراك السيد محمد الصدر، حتى استشهاده في العام 1999.

3- حكمة السيد علي السيستاني، وخاصة في أدائه بعد العام 2003.

ولم يعد مراجع النجف معزولين مكانياً كما كانوا قبل العام 2003؛ بل باتوا يلتقون يومياً بعشرات الناس والمسؤولين، بمن فيهم عامة الناس، ويعملون ويتحركون بفاعلية وفق ما يسمح به وضعهم الصحي والأمني.

الحوزة العلمية في قم

تعود جذور الحوزة العلمية القمية في إيران إلى زمن هجرة قبيلة الأشعريين الكوفية العراقية إلى قم في أواخر القرن الأول الهجري (القرن السابع الميلادي)، والذين أسسوا مدينة قم الحالية وحوزتها العلمية. وبذلك تُعدّ قم، إلى جانب الكوفة وبغداد، أحد أقدم ثلاث حوزات علمية شيعية في التاريخ. إلّا أنّ مرحلة تألق الحوزة العلمية في قم كان خلال القرن الرابع الهجري (القرن التاسع الميلادي) في عهد مرجعية زعيم الشيعة في وقته الشيخ محمد بن علي بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق (4).

ثم ضعفت حوزة قم بالتدريج، بفعل عوامل ضاغطة؛ حتى انتقل إليها المرجع الديني الشيخ عبدالكريم الحائري في العام 1919، والذي سبق أن تخرج في حوزة النجف الأشرف؛ ليعيد إلى قم مجدها العلمي الديني التبليغي. ثم أصبحت مركزاً للزعامة الشيعية لمرتين خلال القرن الميلادي العشرين، الأُولى في عصر مرجعية السيد حسين الطباطبائي البروجردي في خمسينات القرن الميلادي الماضي، بعد وفاة مرجع النجف السيد أبوالحسن الموسوي الإصفهاني، والثانية في عصر مرجعية السيد محمدرضا الموسوي الگلپايگاني بعد العام 1982، إثر وفاة السيد الخوئي.

وتحوّلت الحوزة العلمية في قم بالتدريج إلى مؤسسة علمية منظمة كبرى، بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران في العام 1979، وحملة الاجتثاث البعثي للحوزة النجفية؛ ما أعطى دفعاً قوياً للحوزة القمّية، وأُرسيت فيها نهضة نوعية وكمية شاملة، وباتت تضم مئات الجامعات والمدارس الدينية ومراكز البحوث والتبليغ والإعلام والمكتبات العامة وقاعات المؤتمرات والمؤسسات الخدمية، وباتت قريبة من الهيكليات والأنساق الأكاديمية، مع احتفاظها بنكهة الدرس المسجدي التقليدي. وهي في مضمونها تشبه أُطروحة السيد محمدباقر الصدر في «المرجعية الرشيدة» (5).

ومن أبرز السياقات الجديدة التي تم فرضها هي الامتحانات الدورية والسنوية العامة للطلبة، وعدد سنوات كل مرحلة من مراحل الدراسة، وشهادات التخرج، والاختصاصات الفرعية، والدروس التكميلية، كاللغات الأجنبية والعلوم الاجتماعية والكمبيوتر. وقد تبلور هذا التحول التنظيمي الكبير في حوزة قم بعد العام 1994، عبر خارطة طريق نفّذتها جماعة مدرسي الحوزة العلمية وغيرها، بتوجيه مباشر من السيد علي الخامنئي؛ حتى أضحت قم أكبر مؤسسة علمية دينية منتجة في العالم، ليس على مستوى العالم الإسلامي وحسب؛ بل على مستوى الأديان كافة.

وبلغ عدد منتسبي الحوزة العلمية في قم في العام 2020 حوالي (140) ألف طالب و(10) آلاف أُستاذ تقريباً. كما بلغ عدد المجتهدين فيها وحدها حوالي (250) مجتهداً أو ممن يرى في نفسه ملكة الاجتهاد، بينهم ما يقرب من (100) مجتهد يدرِّسون البحث الخارج (الدراسات العليا)؛ أي أنّ هناك (100) صف للبحث الخارج تقريباً في قم وحدها. ومن بين الأجانب الــ (350) ألف الذين يسكنون في قم، هناك (50) ألف شخص ينتسبون إلى الحوزة العلمية (6).

وقد حققت الحوزة العلمية في قم هذه الطفرة النوعية والكمية الفارقة بعد العام 1979؛ أي بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية؛ إذ دعم النظام السياسي الجديد مرجعيتها ونظامها الحوزوي في قم دعماً غير محدود، فضلاً عن أنّ الأجواء الدينية العامة كانت تدفع باتجاه الزحف الكبير نحو الدراسة في الحوزة العلمية. وقد ساعد على ذلك هجرة مئات الطلبة والأساتذة من الحوزة العلمية النجفية إلى قم، وكذلك انتساب آلاف الطلبة الجدد من العراق وأفغانستان، فضلاً عن المنتسبين الوافدين من لبنان والبلدان الخليجية والهند وباكستان وغيرها. فبعد أن كان عدد طلبة حوزة قم في العام 1978 حوالي (20) ألف، وفي باقي مدن إيران (20) ألفاً آخرين تقريباً، فإنّه قفز خلال عشر سنوات فقط إلى أكثر من عشرين ضعفاً. وهذا لا يعني أنّ نمو حوزة قم بهذه الكيفية وراءه دوافع سياسية؛ بل إنّ الظرف السياسي كان مساعداً بشكل تلقائي، كما حصل في النجف بعد سقوط نظام البعث في العام 2003 وانتهاء الحصار والقمع السياسي للحوزة.

وفضلاً عن المؤسسات الحوزوية الخاصة في قم؛ فإنّ هناك أربعة إدارات رأسية مركزية، تدير جميع مدارس الحوزة القمّية وجامعاتها ومؤسساتها وفروعها، هي:

1ـ مجلس إدارة الحوزة العلمية في قم، ويشرف على الدارسين الإيرانيين.

2ـ جامعة المصطفى العالمية، وهي خاصة بالدارسين غير الإيرانيين.

3ـ مركز مديرية الحوزة العلمية النسائية، وهي خاصة بالنساء.

4ـ مجلس إدارة الحوزات العلمية في إيران، ويشرف على الحوزات العلمية المتوسطة والصغيرة في أنحاء إيران كافة.

وعمل هذه الإدارات الأربعة تنظيمي فقط؛ لأنّ الطلبة والأساتذة الإيرانيين وغير الإيرانيين يدرسون ويقدمون محاضراتهم في مؤسسات وصفوف مشتركة، ولا سيما طلبة وأساتذة البحث الخارج، باستثناء صفوف النساء المنفصلة.

وإضافة إلى الحوزة العلمية في قم؛ هناك ثلاث حوزات علمية كبيرة في مشهد وإصفهان وطهران، يصل عدد منتسبيها إلى (90) ألف طالب وأُستاذ. وكذلك توجد (650) حوزة متوسطة وصغيرة، تضم (2000) مدرسة دينية في (650) مدينة إيرانية، يبلغ عدد منتسبيها (60) ألف شخص. وهناك حوالي (30) صفاً للبحث الخارج في حوزات مشهد وطهران واصفهان والأهواز وشيراز وتبريز. وبذلك يصل العدد الإجمالي لمنتسبي الحوزات العلمية الإيرانية، بما فيها حوزة قم، ما يقرب من (300) ألف طالب وأُستاذ (7). ويعتقد الإيرانيون أنّ هذا العدد قليل ولا يتناسب مع حاجة (70) مليون شيعي في إيران وحدها، وعشرات ملايين الشيعة في العالم، فضلاً عن حاجة الدولة المتزايدة إلى الدراسات الفقهية لقضاياها المتشعبة (8).

ومن مجموع منتسبي الحوزات العلمية الإيرانية؛ يوجد ما يقرب من (80) ألف منتسب غير إيراني ينتمون إلى حوالي (136) جنسية، غالبيتهم من العراق وأفغانستان وباكستان والهند ولبنان والبحرين والسعودية وآذربيجان، وبينهم (60) ألف طالب يدرسون في «جامعة ‌المصطفی العالمية» الدينية، و(20) ألف طالب في المدارس والجامعات الحوزوية الأُخر. كما أنّ لجامعة المصطفى ما يقرب من (50) ألف طالب يدرسون في فروع الجامعة المنتشرة في (70) دولة من دول العالم (9).

وما يميز الحوزات العلمية في إيران عن غيرها من الحوزات العلمية الشيعية الأُخر، أنّها تضم أعداداً كبيرة من الطلبة السنّة الإيرانيين وغير الإيرانيين، يصل عددهم إلى ما يقرب من (10) آلاف طالب سنّي، بينهم ثمانية آلاف طالب في حوزة قم وجامعة المصطفى العالمية (10)، وحوالي (2000) طالب سنّي في الحوزة العلمية في مشهد.

والميزة الأُخرى للحوزات العلمية في إيران هو معادلة المراحل الدراسية الحوزوية فيها من وزارة التعليم العالي الإيرانية، وذلك لأغراض العمل والتعيين الوظيفي وإكمال الدراسة في الجامعات الأكاديمية في الفروع الإنسانية؛ إذ تعادل نهاية مرحلة السطوح شهادة البكالوريوس، وتعادل أربع سنوات من البحث الخارج شهادة الماجستير، وتعادل عشر سنوات من البحث الخارج شهادة الدكتوراه، على أن يقدم الطالب في المراحل الثلاث رسالة تخرج علمية أكاديمية تتناسب وكل مرحلة (11).

وهناك ما يقرب من (150) ألف طالب في داخل إيران ودول العالم المختلفة، يدرسون عبر النوافد الإلكترونية، بينهم (45) ألف إمرأة. وتتمركز أغلب الحوزات والجامعات الدينية الناشطة في العالم الافتراضي في مدينة قم وتتبع حوزة قم، وجامعة المصطفی. ولذلك، تحظى دراساتها بالاعتراف؛ لأنّها تخضع للمناهج والضوابط المعمول بها في الحوزة نفسها.

كما أنّ هناك أكثر من (50) ألف منتسبة من النساء في الحوزات العلمية الإيرانية، بينهنّ مجتهدات وعالمات دين وأُستاذات وباحثات وخطيبات معروفات، ويصل عدد الأُستاذات النساء إلى (1500) أُستاذة تقريباً، يمارسن دراساتهن ونشاطاتهن الدينية في إطار (500) مدرسة وجامعة خاصة بالنساء، بينما يصل عدد الطالبات غير الإيرانيات إلى حوالي خمسة آلاف طالبة، إضافة إلى (250) أُستاذة غير إيرانية.

والى جانب المدارس التقليدية، هناك (23) جامعة حوزوية أكاديمية تعطي شهادات أكاديمية في العلوم الإسلامية، بدءاً بالبكالوريوس وانتهاءً بالدكتوراه، وتحتوي على (37) اختصاصاً دقيقاً في القرآن والحديث واللغة العربية والفقه والأُصول والكلام والفلسفة والقانون والتاريخ وغيرها. وأغلبها يتمركز في مدينة قم (12).

وتضم حوزة قم أيضاً أكثر من (150) مركز تبليغ وبحوث ودراسات وتحقيق ونشر وطباعة، وحوالي (50) مجلة علمية تخصصية باللغتين الفارسية والعربية، وعشرات المكتبات العامة، وأكثر من (250) مركزاً علمياً وبحثياً وتحقيقياً.

الحوزة القمية في ظل الجمهورية الإسلامية

يبلغ عدد المجتهدين الأحياء في حوزة قم ممن نشروا رسالة تقليد عملية، وطرحوا مرجعياتهم بصورة فعلية، ما يقرب من (40) مجتهداً، أغلبهم من الإيرانيين، إضافة إلى عدد من العراقيين والأفغانستانيين والباكستانيين. ولكن مراجع التقليد الذين سبق لجماعة المدرسين في قم وغيرها من الحوزات والمؤسسات العلمية أن طرحت أسماءهم على دفعات، بعد وفاة المراجع الأربعة الكبار (الإمام الخميني في العام 1989 والإمام الخوئي في العام 1992 والسيد محمدرضا الموسوي الگلپايگاني في العام 1993 والشيخ محمدعلي الأراكي في العام 1994)، هم تسعة مراجع، ومن لا يزال منهم على قيد الحياة ستة فقط، أربعة منهم في قم: الشيخ حسين الوحيد الخراساني، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي، والسيد موسى الشبيري الزنجاني، والشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني ، وواحد في طهران: السيد علي الحسيني الخامنئي، وواحد في النجف الأشرف: السيد علي الحسيني السيستاني. ولعل الشيخ ناصر مكارم الشيرازي هو المرجع القمي الأكثر تقليداً ونفوذاً دينياً في إيران من بين مراجع قم الآخرين، بعد السيد علي الخامنئي.

ويُعدّ مكتبا السيد علي الخامنئي والسيد علي السيستاني أهم مكتبين من بين مکاتب باقي المراجع في قم. ويعمل المكتب المرجعي للسيد الخامنئي بشكل مستقل إدارياً ومالياً ووظيفياً عن مكتبه الحكومي الرسمي في طهران؛ إذ إنّ مكتب قم هو مكتب مرجعي حوزوي، ويمارس شأناً دينياً علمياً محضاً، ويشرف على عمل المدارس والجامعات والمؤسسات العلمية الدينية التابعة له، وشؤون الوكلاء والمعتمدين المرجعيين داخل إيران وخارجها، في الوقت الذي لا يزال السيد الخامنئي يقدم دروسه في البحث الخارج في حسينية الإمام الخميني في طهران، ويحضرها ما يقرب من (700) عالم دين.

أمّا مكتب السيد علي السيستاني في قم؛ فلعله أنشط مكتب مرجعي في العالم وأكثرها تنظيماً وتقديماً للرعاية العلمية والتبليغية والخيرية، ويشرف على المؤسسات والمكاتب الفرعية لمرجعية السيد السيستاني داخل إيران وكثير من دول العالم.

وعلى صعيد سياقات اختيار مراجع التقليد، فإنّ سياقات حوزة قم لا تختلف عن سياقات حوزة النجف؛ لكنها تحاول منذ ثلاثة عقود تقريباً مأسسة هذه السياقات، وتقنين عمل جماعات أهل الخبرة وجماعات الضغط، أي تحويلها إلى جماعات علنية تمارس دورها بشفافية. وباتت هذه الجماعات تنتظم في مؤسسات علمية دينية تضم عدداً كبيراَ من المجتهدين، وتأخذ على عاتقها ترشيح المراجع الجدد الذين تراهم يتمتعون بشروط مرجعية التقليد بعد وفاة المرجع الأعلى. ولا ترشح هذه المؤسسات عادة مرجعاً معيناً واحداً؛ بل أكثر من مرجع، ولعلهم في مستوی واحد أو متقاربين علمياً، وتترك الخيار للناس (المكلفين) لاختيار من يرونه مناسباً بالتشاور مع علماء دين آخرين.

وأهم ثلاث مؤسسات وجماعات حوزوية قمية تتدخل في ترشيح مراجع التقليد: جماعة مدرسي الحوزة العلمية، ومجلس شورى الحوزة العلمية، ومجلس شورى الحوزات العلمية في إيران. وتنبع أهمية هذه المؤسسات من كونها منظمة تنظيماً مؤسَّسياً إدارياً، وتستقطب أغلبية أساتذة الحوزات العلمية وأئمة الجمعة والجماعات في البلاد، وعلماء الدين والمبلغين في المناطق، إضافة إلى علاقاتها الواسعة والقوية مع علماء الدين الشيعة في خارج إيران.

وعلاقة الحوزة العلمية في قم بالدولة الإيرانية بعد تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية هي علاقة تخادم ودعم متبادل وحماية مشتركة، وليست علاقة تبعية؛ إذ ظلت الحوزة محافظة على استقلاليتها عن الدولة، بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية؛ بالرغم من نفوذ الحوزة القوي في مفاصل الدولة. وحتى قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية؛ فإنّ العلاقة بين الدولة والحوزة كانت علاقة تفاهم غالباً؛ لأنّ الحوزة كانت تنظر إلى الدولة الإيرانية كونها دولة شيعية وتحمي المذهب؛ بل كان لفقهاء الشيعة في النجف وقم وطهران دور مهم في إقرار حكم المشروطة (الملكية الدستورية) بعد العام 1906 (13)، لكن حالة التفاهم هذه، لم تكن تمنع علماء الدين في إيران من توجيه النقد الشديد إلى الدولة، ولكن لم يفكر أيّاً من المراجع يوماً بإسقاطها. ولم يكسر هذه القاعدة سوى الإمام الخميني، الذي أعلن عن عدم شرعية النظام الملكي الوراثي، وفساد الحكومات الشاهنشاهية، ثم أسقطها وأقام نظام الجمهورية الإسلامية القائم على مبدأ «ولاية الفقيه العامة».

بين حوزة قم وحوزة النجف

ليس من الضروري أن تكون تجربة التنظيم في حوزة قم مفيدةً للنجف، وليس من الضروري أن تكون تجربة حوزة النجف المفتوحة مفيدةً لقم؛ فلكل حوزة ظروفها وبيئتها وتراثها وخبراتها التراكمية. ولكن يرى حكماء الحوزتين أنّ من المفيد جداً أن تتبادل التجربتان خبراتهما في المساحات المشتركة التي تثري البعد العلمي والتبليغي للمذهب؛ بما يليق بالحوزة النجفية الكبرى ذات الألف عام، والحوزة القمية الفتية العائدة بقوة منذ تسعين عاماً.

لقد تألقت حوزة قم العلمية في عهد مرجعية الشيخ الصدوق (ت381هـ /991م) بعد أفول حوزة الكوفة في الربع الثاني من القرن الرابع الهجري (القرن التاسع الميلادي)، ثم أفِلت حوزة قم بعد ظهور الحوزة العلمية في بغداد في أواسط القرن الخامس الهجري مع مرجعية الشريف المرتضى ومرجعية الشيخ المفيد، ثم أفلت حوزة بغداد بعد انتقال زعيم الشيعة الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف وتأسيس حوزتها من جديد. بعدها انتقل مركز المرجعية من حوزة النجف إلى الحوزة العلمية في الحلة بظهور الشيخ ابن إدريس الحلي أبو جعفر محمد بن منصور (ت598ه/1202م) في أواسط القرن السابع الهجري.

وبرزت الحوزة العلمية في جبل عامل بلبنان مع مرجعية الشيخ محمد بن مكي العاملي (ت786هـ/1385م) المعروف بالشهيد الأول، في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري (القرن الرابع عشر الميلادي). ثم عاد مركز المرجعية إلى النجف الأشرف بعد ظهور الشيخ أحمد بن محمد المقدس الأردبيلي (ت933هـ/1527م) في القرن العاشر الهجري (القرن السادس عشر الميلادي). وخلال قرنين تقريباً؛ بقي مركز المرجعية يتنقّل بين النجف وكربلاء؛ فكان آخر مرجع كربلائي هو الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني (ت1206هـ/1792م)، وبعده استقرت المرجعية العليا نهائياً في النجف منذ نهايات القرن الثامن عشر الميلادي على يد السيد محمد مهدي بحر العلوم (ت1212هـ/1797م)، ثم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت1228هـ/1813م)، وحتى الآن.

بيد أنّ الحوزة العلمية النجفية تعرّضت إلى التدمير التدريجي الشامل بدءاً من العام 1968، بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في العراق، وبلغ ذروته بعد العام 1979. وخلال هذا العام دخلت حوزة قم مرحلة نمو نوعي وكمي غير مسبوق، مع عودة الإمام الخميني وتأسيس الجمهورية الإسلامية، والهجرة الواسعة لعلماء الدين وطلبة العلوم الدينية من حوزة النجف الأشرف وباقي مدن العراق إلى قم، وتوافد أعداد هائلة أُخرى عليها من بلدان العالم الأُخر، ولا سيما لبنان والبحرين والسعودية والهند وباكستان وأفغانستان وآذربيجان وتركيا وإفريقية وشرق آسيا.

وإذا كانت حوزة النجف تختلف عن حوزة قم في الجوانب الشكلية ذات العلاقة بالهيكلية والتنظيم وحجم الإنتاج العلمي؛ فإنّهما تتشابهان إلى حد التطابق في المضامين والمحتوى، ولا سيما في مراحل الدراسة الثلاثة: المقدمات والسطوح والبحث الخارج، والمناهج الدراسية في المراحل الثلاث، ومصادر البحث والرواية والاستدلال، وشروط الاجتهاد وأساليب الوصول إليه، وشروط المرجعية، ولا سيما الأعلمية والعدالة، وأساليب إدارة المدارس الدينية التقليدية، وغيرها.

الذي تختلف فيه حوزة النجف عن غيرها من الحوزات العلمية الكبرى في الكوفة وقم وبغداد وجبل عامل والحلة وكربلاء؛ أنّها لم تأفل ولم تضمحل خلال ألف عام، أي منذ أسسها الشيخ الطوسي؛ إذ بقيت قائمة بمدراسها العلمية الفاعلة وإنتاجها العلمي؛ وإن انتقلت مركزية المرجعية العليا منها إلى حوزات أُخر. بينما اختفت حوزات الكوفة منذ أوائل القرن الرابع الهجري، وقم وبغداد في أواسط القرن الخامس الهجري، والحلة في القرن العاشر الهجري، وسامراء في القرن الثالث عشر الهجري، كما أفِلت حوزات جبل عامل وكربلاء والكاظمية في فترات كثيرة. وبالتالي؛ يمكن القول إنّ جميع الحوزات كانت موسمية غالباً، عدا حوزة النجف.

والاختلاف الثاني، هو أنّ النجف خلال ألف عام متواصلة، لم تخل يوماً من مراجع الصفين الأول والثاني، عندما كان مركز المرجعية العليا ينتقل إلى حوزات أُخر في فترات زمنية محدودة، كما حصل في الحلة في زمان ابن إدريس والعلامة الحلي والمحقق الحلي، وجبل عامل في زمان الشهيد الأول والشهيد الثاني، وكربلاء في عصر الشيخ الوحيد البهبهاني، وسامراء في زمن السيد الميرزا الشيرازي، وقم في زمن السيد حسين البروجردي. ولذلك فإنّ 80% من المرجعيات العليا في التاريخ الشيعي، كان مركزها النجف الأشرف.

أمّا الاختلاف الثالث، هو أنّ أغلب الإنتاج العلمي الديني الشيعي، التفسيري والحديثي والكلامي والفقهي والأُصولي والرجالي، كتبه علماء النجف. أي أنّ الموروث العلمي الديني الشيعي هو موروث نجفي في غالبيته؛ دون بخس حوزات بغداد وقم وكربلاء والحلة وجبل عامل نتاجها وتراثها العلمي الديني المهم.

والاختلاف الرابع هو في تعاطي الحوزتين مع الشأن السياسي؛ فحوزة النجف ظلت مئات السنين تعاني من سياسات العزل والتهديد والاضطهاد التي تمارسها الحكومات الطائفية في بغداد؛ لأنّها تقع في جغرافيا تحكمها سلطات سياسية طائفية، منذ الحكمين الأُموي والعباسي، والاحتلال السلجوقي، مروراً بالاحتلالين المغولي والتركي العثماني، ثم الاحتلال الانجليزي، وصولاً إلى الدولة العراقية بعد العام 1921 وحتى العام 2003، والتي تميزت بطائفيتها وعنصريتها. وحين سقطت هذه الدولة؛ سقطت معها إيديولوجيتها العنصرية الطائفية. أي أنّ الحوزة النجفية لم تشهد يوماً أوضاعاً سياسية هادئة ومنسجمة محيطة قبل العام 2003؛ الأمر الذي كان يضطرها إلى الانكفاء السياسي غالباً، والتحفظ على محاولات الإصلاح والنهوض في الشأن العام، وخاصة ما يتعلق بالدولة، وذلك حفاظاً على كيانها من ردود الفعل العنيفة للأنظمة الطائفية العراقية، والتي تهدد علماء الدين الإيرانيين والأجانب دائماً بإسقاط الإقامة والتسفير، فيما تهدد علماء الدين العراقيين بالحرمان من أبسط الحقوق وبالاعتقال والإعدام (14). والنموذج الأبرز في هذا المجال ممارسات النظام البعثي القمعية طوال (35) عاماً.

أمّا الحوزة العلمية في قم والحوزات العلمية في إيران عموماً؛ فقد ظلت منذ قيام الدولة الشيعية البويهية في العام 322 هـ (933م) تعيش أوضاعاً طبيعية غالباً، بعيداً عن القمع والتهميش؛ لأنّها تقع في جغرافيا شيعية وفي ظل دولة شيعية، سواء كان النظام ملكياً أو جمهورياً إسلامياً، ولم تتعرض إلى ما تعرضت له حوزة النجف، باستثناء فترات من حكم الشاه محمدرضا بهلوي. أي أنّ الحوزات العلمية في إيران ظلت منفتحة سياسياً، ولا تخشى سياسات الدولة الإيرانية غالباً؛ كونها دولة شيعية؛ بل كانت الدولة تقرب إليها علماء الدين الشيعة وتدعمهم.

 

د. علي المؤمن

....................

الإحالات

(1) الشيخ عدنان فرحان آل قاسم، «تاريخ الحوزات العلمية عند الشيعة الإمامية، ج3 ف 1.

(2) علي المؤمن، «سنوات الجمر»، ص189.

(3) راجع الفصل الخامس.

(4) الشيخ عدنان فرحان آل قاسم، «تاريخ الحوزات العلمية عند الشيعة الإمامية»، ج6 ف 1.

(5) حول أُطروحة المرجعية الرشيدة، أُنظر: السيد كاظم الحائري، مقدمة مباحث الأُصول، ج1.

(6) الشيخ غلام رضا الأعرافي، مدير الحوزات العلمية في إيران في حديثه إلى المركز الوطني الإيراني للإحصاء، في 25 / 10 / 2019، وكالة انباء الحوزة.

https: //www. hawzahnews. com/news/869070/

(7) المصدر السابق

(8) أبرز القائلين بهذا الرأي قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي. أُنظر: حديثه في مجلس شورى الحوزة العلمية في قم حول إصلاح الحوزة، في 2 / 3 / 1991.

(9) الشيخ غلام رضا الأعرافي، مدير الحوزات العلمية في إيران، وكالة أنباء الحوزة (مصدر سابق).

https: //www. hawzahnews. com/news/869070/

(10) المصدر السابق.

(12) المصدر السابق.

(13) أُنظر: علي المؤمن، الفقه والدستور، ص128 ـ 132.

(14) لم يكن هذا الانكفاء السياسي يفلح غالباً، ولا سيما في ظل النظام البعثي؛ لأنّ هذا النظام كان يهدف إلى اجتثاث الحوزة العلمية، أو الإبقاء عليها شكلاً فقط بعد إفراغها من محتواها الإنساني، ومضمونها العلمي، وهو ما حدث بالتدريج بعد العام 1979، إذ اعتقل وقتل وأبعد الآلاف من علماء الدين ممن لم يكونوا يمارسون أي عمل سياسي، ولا يتحدثون في السياسة، ولا ينتقدون النظام الحاكم.

 

عدنان عويدالعقل الجمعي، طريقة أو أسلوب في التفكير، غير منظمة في سياقها العام..  تسيطر على أذهان الأفراد، فتسلب الفرد القدرة على التفكير المنطقيّ المنّظم، وتوقعه بسهولة تحت تأثير أفكار منتشرة هلاميّة تسيطر عليه حتى يبدأ يؤمن بها، نتيجة إيمان من حوله بها، وهو – أي العقل الجمعي - في حالة أشبه ما تكون بالوباء العقليّ إذا ما أخضعناها للتشريح والنقدي العقليين.

هذا ويعتبر مفهوم العقل الجمعي أحد المفاهيم الأساس عند المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي "دوركايم"، الذي استطاع من خلال هذا العقل الجمعي أن يقوم بتفسير مجموعة من الظواهر والمشكلات الاجتماعيّة، فالعقل الجمعيّ بالنسبة له يوجد خارج عقول الأفراد، وهو يمارس نوعاً من الهيمنة أو السلطة عليهم من خلال العادات والتقاليد والأعراف و أنماط العيش و التفاعل و التواصل بين أفراد المجتمع. وهذا العقل الجمعيّ في المحصلة يتشكل وفق آليّة نشاط اجتماعي لها سيرورتها وصيروتها المركبة والمتداخلة في سياق تاريخي خارج عن إرادة الأفراد. على اعتبار أنّ الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم إلا أنهم لا يصنعونه على هواهم.

الاجتماع العام والعقل الجمعي:

تتوزع المجموعات البشريّة في أي مجتمع من المجتمعات، أو أيّة دولة من الدول، بناء على انتساب كل مجموعة من هذه المجموعات وفقاً لطبيعة عملها ووظائفها واهتماماتها ومرجعياتها الدينيّة والعرقيّة أو الحزبيّة .. الخ. وإذا كان للأسرة والعشيرة والقبيلة، وكذلك للدين وتفريعاته من طوائف ومذاهب من خصوصيات تفرضها طبيعة هذا الانتساب إلى حد ما، فإن التجمعات التي تنتمي للمدرسة والمنظمة والمهنة والحزب والدولة، فغالباً ما تحدد نشاطات هذه المؤسسات طبيعة المجموعات المنتميّة إليها، كأن نجد تجمعات حرفيّة أو صناعيّة أو زراعيّة أو ثقافيّة أو صحيّة أو فنيّة أو سياسيّة.. الخ، وكل مجموعة من هذه المجموعات تنضوي تحت مظلة منظمة أو تجمع خاص بها. مع تأكيدنا بأن كل مجموعة من هذه المجموعات المتأتى عليها، لها عقلها الجمعي الذي يميزها عن غيرها، وأن هذا العقل (الجمعي/المؤسساتي) يميل عموماً إلى التنظيم والمنطق، كونه عقلاً أقرب إلى العقل الأداتي منه إلى العقل الهلاميّ الذي يحكم آليّة عمل وتفكير كل هذه التجمعات في مضمار المجتمع الواحد، وهذا هو موضوع بحثنا.

أهم سمات وخصائص العقل الجمعي في صيغته الهلاميّة القطيعيّة:

1- هو عقل مجال حقله الحياة اليوميّة المباشرة. أي جملة العلاقات التي ينشط فيها هذا التجمع الاجتماعيّ أو ذاك، أثناء إنتاجهم لخيراتهم الماديّة، وما يترتب أو يقوم على هذه العلاقات من قيم فكريّة وروحيّة ممثلة بالعادات والتقاليد والأعراف والمصالح الأنانيّة الضيقة المشبعة غالباً، أو إلى حد كبير بالتناقض والكذب والنفاق والرياء والتزلف والنميمة والوعي الدينيّ النفعيّ المؤسس على قصص وحكايات لصحابة أو مشايخ قد دخلوا في سلوكياتهم الفكريّة والعمليّة عالم الأسطرة والمثاليّة المطلقة في تفكيرها وسلوكها، والتي لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها، الأمر الذي ساهم في إشاعة عالم من الكرامات والأساطير وحتى الخرافات في هذا العقل الجمعيّ. ومع ذلك لا بد لنا من تأكيد مسألة هنا على درجة عالية من الأهمية وهي: إن العقل الجمعيّ تاريخيّ بامتياز، وهو يختلف في تكوينه باختلاف الثقافات. فعلى سبيل المثال، إن الأشخاص في الثقافات الجماعيّة لـ (المجتمعات المتخلفة)، يتوافقون مع العقل الجمعي أكثر من أولئك الذين يتواجدون في الثقافات الفرديّة كـ (المجتمعات الغربيّة) التي تركز على الفردانيّة..

2- هو عقل يميل إلى التمسك كثيراً بقيم الماضي. وذلك بسبب ركود طبيعة العلاقات الاجتماعيّة السائدة، وخاصة في المجتمعات المتخلّفة، بحيث يساهم هذا الركود في خمول العقل الجمعيّ  وترهله، وبالتالي رفضه لكل جديد يمكن أن يهدد ما اعتاد عليه الناس من قيم فكريّة أو سلوكيّة، فتأتي مقولة (هكذا وجدنا أباءنا يفعلون)، أو الحلم بالعودة إلى الفردوس المفقود، حاضرة بكل فاعليتها وحيويتها. الأمر الذي  يُمَكِنَنَا من القول بأنه عقل يعتمد كثيراً على النقل والامتثال أو الاستسلام لقيم الماضي والتغني والوثوق  به.

3- هو عقل غير منظم، أي هو أقرب إلى سلوك القطيع، الذي يشتغل على الاحساس المباشر والعواطف والوجدانيات، وشكليات الظواهر الاجتماعيّة. أي يشتغل بعيداً عن قيم ومناهج العقل النقديّ، الذي يقوم بتفكيك الظواهر وتحليلها وتبيان آليّة عملها، وفرز ما هو سلبي أو إيجابي فيها، ومدى التأثير الذي تحدثه هذه الظواهر في حياة الناس ومستقبلهم. وفي المحصلة نستطيع القول في هذا الاتجاه:  إنّ العقل غير المنظم، هو عقل يحفز على استخدام الموقف الجمعي من الحياة الذي تغلب عليه روح التقليد، عندما يعتقد الفرد نفسه على أنه شخص مشابه للأشخاص الآخرين من حوله،  لذلك هو بالتالي يفضل أن يتبنى ويفهم التصرفات الجاريّة عند هؤلاء الناس.

4- هو عقل سلطويّ. أي هو عقل يفرض قوته وهيمنته ممثلة هنا بتلك القناعات والمفاهيم والرؤى التي جئنا عليها أعلاه، على أفراد المجتمع بقوة العادة والعرف والمقدس والتقليد، وبالتالي فإن أي خروج من قبل أي شخص عن سلطة هذا العقل (الهلاميّ)، هو تمرّد على المألوف الذي سَيُعًرِضُ صاحبه للتعزير أو العقوبة. فالمنكر هنا هو الخروج عن مكونات هذا العقل القيميّة بكل سماتها وخصائصها، بحيث يحق لكل فرد أن يشير أو حتى يواجه أو يحاسب مرتكب هذا المنكر، وذلك انطلاقاً من وجود سند يبرر هذه المواجهة والمحاسبة، إن كان من قبل المجتمع ذاته ممثلاً بأعرافه وتقاليده، أو من قبل النص الديني كما هو الحال في الديانة الإسلاميّة : (من شاهد منكم منكراً فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان).

وظائف العقل الجمعيّ في صيغته الهلاميّة:

لا شك أن أهم وظيفة للعقل الجمعيّ في صيغته التي جئنا عليها في هذا المقال، أنه قادر على خلق أحاسيس ومشاعر مشتركة لدى أفراد المجتمع، تظهر بكل وضوح في تقاسم أو تشارك الأفراح والأحزان التي تهم قضايا المجتمع الجمعيّ، بحيث تتحول هذه الأحزان والأفراح إلى جزء من التركيب النفسيّ والخلقيّ للأفراد، يعبرون عنها بعفويّة في المناسبات الوطنيّة والأعياد والطقوس والشعائر الدينيّة، بل نراها تظهر حتى على مستوى الفن، فكم من أغنية شعبيّة تهز كيان المجموع وتجعلهم دون إرادتهم يرددونها ويتفاعلون معها كل التفاعل حزناً كان أو فرحاً.

ملاك القول:

أمام هذه المعطيات التي قدمناها هنا حول المجتمع القطيعيّ الهلاميّ، تأتي أهمية العمل بكل ما نملك من الوسائل المتاحة الماديّة منها والمعنويّة لدى الفرد ومؤسسات المجتمع ودولته، لتجاوز معوقات تنمية روح وعقل الفرد في المجتمع الجمعيّ الهلاميّ.. أي مجتمع القطيع، مجتمع اللاعقل الحر أوالمبدع. وخلق كل السبل والوسائل التي تمكّن الفرد أن ينسلخ عن هذا المجتمع القطيعيّ ليدخل عالم مجتمع العقل النقديّ والمنطق، علم حريّة الإرادة الإنساتيّة وتحقيق مصير الإنسانيّة ذاته، وفقاً لمعطيات العصر وقضايا الإنسان فيه، وهذا لن يتحقق إلا من خلال وجود قوى سياسيّة وابداعيّة مؤمنة بشعوبها وقضاياها المصيريّة ومصالحها الآنيّة والمستقبليّة تحت مظلة مجتمع ودولة مدنيين أهم أسسهما المواطنة ودولة القانون.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة.

 

 

تحويل الأفكار الثقافية إلى ظواهر اجتماعية يتطلَّب إزالة الحدود بين الشعور والوَعْي، وفتحهما على تاريخ الوجود الإنساني بكل تفاصيله. والغايةُ من هذه العملية تكوين أساس منطقي للمجتمع، باعتباره نظامًا للمعاني الرمزية في سُلوكيات الفرد واتِّجاهات الجماعة، ومنظومةً للتجارب الوجدانية والتغيرات المادية. ولا يُمكن للمجتمع أن يجد هُويته الشخصية ومَعناه الوجودي وماهِيَّته التاريخية إلا إذا انفتحَ على نَفْسِه، وفَكَّ العُزلةَ عن أنساقه الداخلية، وكَسَرَ الحواجزَ بين دَلالات الوَعْي وتطبيقاته. والإشكاليةُ المركزية في بُنية العلاقات الاجتماعية لَيست شُعور الفرد بالغُربة، وإنما اغتراب المجتمع عن ذاته، بسبب غرقه في متاهة النظام الاستهلاكي المُغلَق، وهذا يُشعِر الفردَ بأنه مُنفصل عن الفاعلية الشعورية والتفاعلِ الاجتماعي، وأنَّه يَدُور في حَلْقة مُفرَغة، وعاجز عن إيجاد مكان له في سِياق عملية الاتِّصال بين أجزاء المجتمع. وإذا وَجَدَ الفردُ نَفْسَه خارج عملية الاتِّصال الاجتماعي، فقد القُدرةَ على التواصل مع العناصر الثقافية والمُكوِّنات اللغوية. وهكذا تتكرَّس القطيعةُ المعرفية بين التَّصَوُّرات الذهنية المُجرَّدة والتطبيقات الاجتماعية المحسوسة.

2

القطيعةُ المعرفية لَيست حركةً ميكانيكيةً في الزمان والمكان، وإنَّما هي عَجْزُ الفرد عن إسقاط المعنى الإنساني على طبيعة العلاقات الاجتماعية، وعَجْزُ المجتمع عن تأويل الفِعل الاجتماعي بما يَضمن تحقيق مصلحة الجُزء والكُل. والغايةُ من الفِعل الاجتماعي هي حماية الفرد مِن نَفْسِه، وحماية الإبداع الفردي من ضغط العقل الجمعي. وهذه الحمايةُ المُزْدَوَجَة مِن شأنها إنتاج خِطاب عقلاني يَحفظ التوازنَ بين الشعور والوَعْي، ويُولِّد علاقات اجتماعية جوهرية تملك القُدرةَ على التفسير والتغيير، ويَصنع عوالم معرفية تُحوِّل المفاهيمَ الفكرية إلى طاقة رمزية، وهذا يضمن تطوُّرَ العلاقات الاجتماعية في السياق المعرفي شكلًا وموضوعًا، وبالتالي، يَكتسب تاريخُ الوجود الإنساني شرعيةً فكريةً، ودَلالةً منطقيةً، وفلسفةً منهجيةً. وهذه الأسلحةُ المعنوية تَقُود إلى الوَعْي بالذات لإعادة صناعة الذات.

3

إذا تكرَّسَ الشعورُ كبُنية لغوية رمزية، وتجذَّرَ الوَعْي كصياغة معرفية تعبيرية، فإنَّ كُل فِكرة ثقافية سَتَؤُول إلى ظاهرة اجتماعية، لأن الشعور والوَعْي يُكوِّنان خصائصَ المنهجِ الاجتماعي، المحكومِ بالآلِيَّات الفكرية، والحاكمِ على الأدوات الوظيفية، وهذا المنهجُ قادر على تأسيسِ العناصر الثقافية على قاعدة الدَّلالة المنطقية، وتوليدِ التراكيب الاجتماعية من أجل تغيير الواقع. وهذه القدرة الذاتية للمنهج تعمل على تحويل الفِكرة الثقافية إلى ظاهرة اجتماعية تدريجيًّا. وبشكل عام، لا يُمكن تحويل الفِكرة إلى ظاهرة إلا في ظِل وُجود منهج عقلاني يُولِّد الأنساقَ التاريخية لتوظيفها في المجتمع من أجل نقله من الآلِيَّة الميكانيكية إلى الشعور الإنساني، ومِن الغَيبوبة إلى الوَعْي، ومِن التلقائية إلى القَصْدِيَّة، ومِن الحاضر إلى المُستقبل.

4

رحلةُ البحث عن معنى لكِيان الإنسان وجوهر الوجود، لها محطات فلسفية لا يُمكن الالتفاف حَولها أو القفز فَوقها، وهي: الشعور، والوَعْي، والمنهج، والفِكرة الثقافية، والظاهرة الاجتماعية. ومحطاتُ رحلة البحث عن معنى هي معالم طريق الإنسان نَحْو ذاته وذات المجتمع. وتحرُّكُ الإنسان في المجتمع هو - في حقيقة الأمر - تحرُّك الإنسان باتجاه ذاته لاكتشافها من جديد، وإعادة تركيبها على قواعد المنهج العِلْمي المُستمدة من ذات المجتمع القائمة على الوَعْي الروحي والوَعْي المادي. وحركةُ الإنسان في داخل المجتمع هي مسار وجودي في داخل الإنسان، لأن الإنسان لا يستطيع التحركَ في طبيعة العلاقات الاجتماعية بمعزل عن شُعوره الشخصي ووَعْيه الذاتي. والمنهجُ هو البناء العقلاني الذي يجعل مسارَ الإنسان في داخله وداخل المجتمع مُتَّصِلًا بلا فجوات ولا عقبات. والفكرةُ والظاهرةُ هُما الإطار العام لخريطة طريق الإنسان إلى اكتشاف ماهِيَّته، وتحليلِ طبيعة المجتمع.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

يسري عبد الغنيسعى السياسي والمؤرخ أمير البيان شكيب أرسلان لقراءة الأسباب التي أدت إلى تعاظم الفجوة الحضارية والمعرفية التي تفصل العالم الإسلامي عن العالم الغربي الذي جال في بلدانه.

وفي كتابه “لماذا تأخَّرَ المسلمون؟ ولماذا تقدَّم غيرهم”، أضاء أرسلان على النقاط التَّالية في واقع حال المسلمين في السابق وفي عهده، قائلاً:

إن أسباب ارتقاء المسلمين في الماضي كانت في مجملها إلى الدِّيانة الإسلامية التي كانت قد ظهرت جديداً في الجزيرة العربية، فدان بها قبائل العرب، وتحولوا بهدايتها من الفُرقةِ إلى الوِحْدَة، ومن الجاهلية إلى المدنية، ومن القسوةِ إلى الرَّحْمَة، ومن عبادة الأصنامِ إلى عبادة الواحِد الأحد، وتبدلوا بأرواحهم الأولى أرواحاً جديدة، صيَّرتهُم إلى ما صاروا إليه من عِزَّة وَمَنَعَةٍ، ومجدٍ وعِرفانٍ وثروة.

حالة المسلمين الحاضرة ولاسيما مسلمي القرن الرَّابع عشر للهجرة أو العشرين للمسيح، لا تُرضي أشدَّ النَّاسَ تحمُّسَاً بالإسلام وفرحاً بحزبه، فضلاً عن غير الأحمسي من أهله.

فلمَّا كان المسلمون قد غيَّروا ما بأنفسهم كان من العجَبِ ألَّا يغيِّرَ الله ما بِهِم، وأن لا يبدلهم الذِّل والضِّعة، من ذلك العِزِّ وتلكَ الرِّفعَة، بل كان ذلك يُعدُّ منافياً للعدل الإلهي، والله عزَّ وجَلّ هو العَدْل المَحْض.

تصوَّر أمَّةً لله عندها مئة، وهي تؤدِّي من المئة خمسةٍ فقط، أتعدَّ نفسها قد أدت ما عليها وهي تطمع أن يكافئها الله كما كان يكافئ أجدادها الذين كانوا يؤدُّون المئة المئة؟

إنَّنا نراهُم (المسلمين) قد محوا رسوم الأوقاف والمؤسسات الخيرية التي تركها آباؤهم، فضلاً عن كونهم لا يتبرعون بالأموال الخاصَّة، ولا يجرون مع الأوروبيين في ميدان من جهة التبرُّعِ لأجل المشروعات العامة، فكيف يطمعُ المسلمون أن تكون لهم منزلة الأوروبيين في البسْطَةِ والقوَّة والسُّلطان، وهم مُقصِّرون عنهم بمراحلِ في الإيثار والتضحية؟

يقولون: لماذا سادت الأمة الإنجليزية هذه السِّيادة كلها في العالم؟ نجيبهم: إنها سادت بالأخلاق وبالمبادئ الوطنية العالية.

وإذا سألتَ هؤلاء المسلمين الممالئين للعدو على أخوانهم؛ كيف تفعلون مثل هذا وأنتم تعلمون أنَّه مخالفٌ للدِّين والشَّرفِ وللفتوَّة وللمروءةِ وللمصلحة وللسياسة؟ أجابوك: كيف نصنع فإن الأجانب انتدبونا، ولو لم نفعل لبطشوا بنا، فاضطُرِرنا إلى القتال في صفوفهم.

ومن أعظم أسباب تأخُّر المسلمين فساد الاخلاق؛ بفقد الفضائل التي حثَّ عليها القُرآن، والعزائم التي حمل عليها سلفُ هذه الأُمَّة وبها أدركوا ما أدركوا من الفلاح، والأخلاق تكون في تكوين الأُمم فوق المعارف.

ومن أكبر عوامل تقهقر المسلمين فساد أخلاق أُمرائهم بنوعٍ خاصٍ، وظنَّ هؤلاء – إلَّا من رَحِمَ ربك- أن الأُمَّة خُلِقَت لهم أن يفعلوا بها ما يشاؤون، وقد رسَخَ فيهم هذا الفكر حتى إذا حاول محاول أن يقيمهم على الجادَّةِ بطشوا به، عِبرةً لغيره.

من أكبر عوامل انحطاط المسلمين الجمود على القديم، فكما أنَّ آفة الإسلام هي الفئة التي تريدُ أن تلغي كلَّ شيءٍ قديم، بدون نظرٍ فيما هو ضارٌ منه أو نافع؛ كذلك آفة الإسلام هي الفئة الجامدة التي تريد أن لا تغيِّرَ شيئاً، ولا ترضى بإدخال أقل تعديلِ على أصول التعليم الإسلامي؛ ظنَّاً منهم بأن الاقتداء بالكُفَّارِ كُفْرٌ، وأن نظام التعليم الحديث من وضْع الكُفَّار.

من أعظم أسباب تأخُّر المسلمين العِلْمَ النَّاقِص، الذي هوَ أشدُّ خَطَرَاً من الجهل البسيط، لأنَّ الجاهِلَ إذا قيَّضَ الله لهُ مُرشِداً عالماً أطاعهُ ولم يتفلسف عليه، وأمَّا صاحبُ العِلم النَّاقِصِ فهو لا يدري ولا يقتنع بأنَّه لا يدري.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

حيدر جواد السهلانيالمقدمة: في وقتنا الحاضر عندما يطرح موضوع السلام، لا بد من ذكر رجل السلام، الرجل الملهم للشعوب والإنسانية الرجل الذي واجهة السيئة بالحسنة، رجل معلم للتسامح، وبعد رحيله لا يزال يلهم العالم من خلال المثال الذي جسده في الشجاعة والرحمة، والتزامه بالعدالة الاجتماعية وثقافة الحرية والسلام، وهو رمز في عالم النضال والكفاح من أجل الحرية والعدل والمساواة، فقد سطر هذا الرجل العظيم اسمه بأحرف من ذهب في كتب التاريخ والسجلات، بعد أن كرس مانديلا حياته للنضال ضد سياسة التمييز العنصري في بلاده جنوب افريقيا، وبقي في السجن 28 عاما، من أجل الحرية والعدل، إلى أن تحقق مبتغاه، ويعتبر مانديلا، من الزعماء القلائل الذين دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه، حيث طافت سمعتهم البلاد شرقاً وغرباً، وحظي بلقاء أهم قادة ورؤساء العالم، وقد حمل مانديلا على ظهره تاريخ شعب جنوب إفريقيا، من النضال إلى الحرية، ومن الفصل العنصري إلى المساواة بين أبناء البلد الواحد، إذ يعد رمزاً لمكافحة التمييز العنصري في العالم، وقد ناضل لسنين دفاعاً عن مبادئه وقيمه وحقوق شعبه المضطهد في جنوب إفريقيا، وأصبح أيقونة للنضال في العالم،واستطاع خلال فترة نضاله من تحقيق ما كان يصبو اليه السكان الاصليين في جنوب افريقيا منذ وقت طويل، فتخلص من نظام الابارتيد بتوليه الحكم، بل حقق ما هو أبعد من ذلك، فقد ساعد في تحقيق ما عجز عنه قادة أخرين في بلادهم، حيث ساعد على تحقيق شكل من اشكال الاندماج الوطني، وإزالة المشاحنات والضغينة والعنف المتراكم لدى السود اتجاه البيض، فهو القائل "لا أحد يولد وهو يكره شخصاً آخر بسبب لون بشرته، أو خلفيته، أو دينه، إذ لا بد أن هؤلاء الناس تعلموا الكراهية، وإذا كان في مقدورهم تعلم الكراهية، فهذا يعني أن بإمكانهم تعلم الحب، فالحب أقرب إلى فطرة الإنسان من نقيضه."  أن مانديلا رمز وقصة بطولية حقق إنجاز عظيم وهو توحيد الشعب، وهذا فعله هو فعل العظماء، وللأسف عند النظر إلى الحكام العرب الذين في غالبيتهم مسلمون لن نجد حاكم عربي يحبه الشعب أو استطاع توحيد الشعب بالحب والديمقراطية، ممكن نجد بلاد عربية مستقرة، لكن استقرارها بالعنف والدكتاتورية وتكميم الأفواه وزرع الفتنة والتفرقة، وهذا ما تشهده بلادنا العربية، فقد دمروا الشعوب بتجبرهم وعدم مسامحتهم والتي كان الرسول (ص) وأصحابه والأئمة الاطهار يوصون بالتسامح، وقصص التسامح عن أهل البيت كثيرة جداً، لم نتعض بهذا التاريخ الكبير المشرف ولم تشهد الأمة العربية سياسي عربي في وقتنا الحاضر أو الذي سبقه رجل يكرس مبدأ التسامح والعفو وينشر السلام، كما فعل مانديلا.

مانديلا سيرة وفكر:

ولد نيلسون مانديلا بتاريخ 18 تموز/ يوليو 1918 في بلدة مفيزو على ضفاف نهر مباش في ولاية ترانسكاي بجنوب أفريقيا. أُطلق عليه عند ولادته اسم روليهلالا مانديلا، ويعني في اللغة العربية (سحب فرع من الشجرة)، أو (المشاكس) حسب اللغة العامية في مدينته، كان والده مستشاراً لزعماء القبائل في المنطقة، لذا كان من المتوقع أن يصبح زعيماً، ولكن خلافاً نشب بينه وبين الحاكم المحلي التابع للاستعمار أدى إلى تجريده من لقبه وثروته كلها وبذلك انتقل الأب مع عائلته إلى قرية صغيرة تقع شمالاً بالقرب من واد عشبي ضيق، حيث لا توجد أي طرق سوى ممرات قليلة يمكن السير عليها، وأقامت العائلة ضمن أكواخ صغيرة، واعتمدت في معيشتها على المحاصيل المحلية، أما مانديلا فشارك أقرانه في ألعابهم المختلفة، وقد اقترح أحد الأصدقاء على والده أن يقوم بتعميده، وهذا ما حصل فعلاً في الكنيسة الميثودية، وهكذا أصبح مانديلا أول شخص في عائلته يذهب إلى المدرسة، وهناك طلب منه المعلم وفقاً للعرف السائد، أو بالأحرى التحيز الحاصل آنذاك ضمن النظام التعليمي البريطاني في جنوب إفريقيا، أن يغير اسمه ليصبح فيما بعد نيلسون مانديلا. توفي والد مانديلا عندما كان عمره 9 سنوات، مما أدى إلى حدوث تغيير كبير في حياته، فقد تولى رعايته أحد أفراد الأسرة الحاكمة لقبيلة ثيمبو، فسافر إلى مقر الحاكم وتكيف سريعا مع البيئة الجديدة، ولكنه طبعا لم ينسى قريته الحبيبة، ثم عكف مانديلا خلال تلك الفترة على دراسة الجغرافية واللغة الإنجليزية والتاريخ، واهتم خصوصاً بالتاريخ الإفريقي، ولاسيما حين سنحت له الفرصة للاستماع إلى زعماء القبائل المختلفة عندما كانوا يأتون إلى القصر الكبير في المناسبات الرسمية، كانت أحاديثهم مليئة بالقصص والحكايات التي تروي كيف عاش الأفارقة في سلام وأخوة قبل مجيء البيض إلى أراضيهم، وبثهم الخلافات فيما بينهم، كذلك استمع إلى القصص التي تحكي كيف تشارك الأفارقة الأرض والهواء والماء مع البيض، الذين احتكروا كل شيء لأنفسهم، ثم عيِن مانديلا مستشاراً للعائلة الحاكمة، وتلقى تعليمه الثانوي في مدرسة كلاركيبوري الداخلية. وقد قال في إحدى المرات إن تفوقه الأكاديمي كان ثمرة الجهد الشاق الذي بذله أيام الدراسة، كذلك كان مانديلا متفوقاً في الرياضة، وتحديداً في الجري والملاكمة، إلا أنه نال قسطًا وافراً من سخرية زملائه نظراً لأصله الريفي، ولكنه في نهاية المطاف نجح في عقد صداقات مع العديد من الطلاب، بما في ذلك ماثونا، أولى صديقاته الإناث، وفي سنواته الأولى هيمنت على حياته العادات والطقوس والمحرمات، وقد تزوج مانديلا ثلاث مرات، وأنجب ستة أبناء، وله 17 حفيدا، و زواج مانديلا الأول كان من إيفلين نتوكو ماس، والتي كانت هي أيضا من ترانسكاي، التقيا في جوهانسبرغ قبل أن يتزوجا في أكتوبر 1944، و انتهى هذا الزواج في عام 1957 بعد 13 سنة، نتج عن هذا الزواج ابنان، ماديبا (1946-1969) وماكجاثو مانديلا (1950-2005)، وابنتان، كلاهما سميتا مكازيوي مانديلا (المعروفة باسم ماكي، من مواليد 1947 و 1953). ماتت الابنة الأولى بعمر تسعة أشهر، وسموا الابنة الثانية باسمها للذكرى و توفيت في عام 2004. زوجة مانديلا الثانية، ويني، أيضا من منطقة ترانسكاي، والتقيا أيضا في جوهانسبرغ، حيث كانت ويني أول أخصائية اجتماعية سوداء في المدينة. رزقا بابنتين، زيناني من مواليد 4 فبراير 1958 وزيندزيسوا من مواليد عام 1960. أما الزوجة الثالثة في عيد ميلاده ال80 في عام 1998، وتزوج غراسا ماشيل.

درس القانون في جامعة ويتواترسراند، وكان مانديلا الأفريقي الأصل الوحيد في الكلية، فواجه العنصرية وصادق الليبراليين والشيوعيين والأوروبيين واليهود والطلاب الهنود، ثم بدأ مانديلا عمله السياسي عام 1942م، عندما انضم لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وبدأ معارضته لسياسة التمييز العنصري، وقد نشط الحزب في حملة عرفت بحملة التحدي، وتنقل مانديلا خلالها في البلاد مشجعاً على مقاومة التمييز العنصري ومناهضة الاستعمار، و بعد وصول الأفريكان القوميين من الحزب الوطني إلى السلطة في عام 1948 وبدأ تنفيذ سياسة الفصل العنصري، برز على الساحة في عام 1952 في حملة تحد من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وانتخب رئيس لفرع حزب المؤتمر الوطني بترانسفال وأشرف على الكونغرس الشعبي لعام 1955، وعمل كمحامي وألقي القبض عليه مراراً وتكراراً لأنشطة مثيرة، وحوكم مع قيادة حزب المؤتمر في محاكمة الخيانة 1956-1961 وتمت براءته فيما بعد، وكان مانديلا يحث في البداية على احتجاج غير عنيف، وبالتعاون مع الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا وشارك في تأسيس منظمة رمح الأمة المتشددة، وفي عام 1961، ألقي القبض عليه واتهم بالاعتداء على أهداف حكومية، وفي عام 1962 أدين بالتخريب والتآمر لقلب نظام الحكم، وحكمت عليه محكمة ريفونيا بالسجن مدى الحياة، وفي 5 أغسطس 1962، اعتقلت الشرطة مانديلا، وسجن في سجن مارشال سكوار بجوهانسبرغ، وفي عام 1963، تم إدانة مانديلا بالتحريض على إضرابات العمال والتخريب والتآمر للإطاحة بالحكومة، ونقل مانديلا إلى بريتوريا، وفي زنزانته بدأ في دراسة بالمراسلات للتحضير لليسانس الحقوق (بكالوريوس في القانون) من جامعة لندن، ثم نقل مانديلا وزملائه المتهمون من بريتوريا إلى سجن في جزيرة روبن آيلاند، حيث بقوا هناك لمدة 18 سنة معزولين عن السجناء الغير سياسيين في القسم B، وسجن مانديلا في زنزانة رطبة بمقاس 8 أقدام في 7 أقدام، ويوجد فيها حصيرة من القش للنوم عليها، و لم يسلم من المضايقات الجسدية واللفظية من العديد من حراس السجن البيض، وكان سجناء محاكمة ريفونيا يقضون يومهم في كسر الصخور في المحاجر، وقد منع مانديلا من ارتداء النظارات، مما تسبب في أضرار دائمة في بصره بسبب الجير،، ومنعت عنه الصحف، وكان قد حبس انفراديا في عدة مناسبات لحيازته قصاصات أخبار مهربة، وتم تصنيفه كسجين بأدنى درجة مراقبة (الدرجة D)، وسمح له بزيارة واحدة ورسالة واحدة كل ستة أشهر، وفي ظل رقابة صارمة على كل بريده شارك السجناء السياسيون في الإضرابات عن العمل وعن الطعام،والتي اعتبرها مانديلا لاحقا بغير الفعالة إلى حد كبير لتحسين أوضاع السجون، ونظر إليها كصورة مصغرة من النضال ضد الفصل العنصري، وانتخبه سجناء حزب المؤتمر عضوا في الجهاز العالي، وشارك في مجموعة تمثل جميع السجناء السياسيين في الجزيرة، وفي أبريل 1982، تم نقل مانديلا إلى سجن بولسمور في توكاي (كيب تاون) مع كبار قادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وكانت الأوضاع في بولسمور أفضل مما كانت عليه في جزيرة روبن، إلا أن مانديلا افتقد الصداقة وأجواء الجزيرة، ومع وجود العلاقات الجيدة مع الضابط الآمر ببولسمور، العميد مونرو، سمح لمانديلا بإنشاء حديقة على السطح،  والقراءة بنهم والتراسل على نطاق واسع، فسمح له بـ 52 رسالة في السنة، وفي ديسمبر 1988، نقل مانديلا إلى سجن فيكتور فيرستر بالقرب من بارل، وهناك وجد راحة نسبية في منزل الحراس مع طباخ شخصي، وسمح للكثير بزيارته، وقد أجرى مانديلا من خلالها اتصالات سرية مع زعيم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي المنفي أوليفر تامبو، وفي عام 1989 عانى بوتا من جلطة دماغية، فتنحى لصالح المحافظ دي كليرك، واعتقد الرئيس الجديد بأن نظام الفصل العنصري غير قابل للاستمرار، فأطلق سراح جميع سجناء حزب المؤتمر الوطني الأفريقي دون قيد أو شرط باستثناء مانديلا، وبعد سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989، دعا دي كليرك مكتبه للاجتماع ومناقشة تقنين حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وتحرير مانديلا، لكن البعض كانوا معارضين بشدة لخططه، ثم التقى دي كليرك مع مانديلا في ديسمبر لمناقشة الوضع، واللقاء اعتبره الطرفان بالودي، وقبل دي كليرك الإفراج عن مانديلا دون قيد أو شرط وإضفاء الشرعية على كل الأحزاب السياسية المحظورة سابقاً، وقد ترك مانديلا سجن فيكتور فيرستر في 11 فبراير، وقابل الحشود التي اجتمعت والصحافة وهو ممسك بيد زوجته ويني، وقد بث الحدث على الهواء مباشرة على جميع أنحاء العالم  وانتقل إلى مقر بلدية كيب تاون وسط الحشود، حيث ألقى خطابا أعلن فيه عن التزامه بالسلام والمصالحة مع الأقلية البيضاء، كما أوضح أن الكفاح المسلح لحزب مؤتمر الوطني الأفريقي لم ينته بعد، وأنه سيستمر، كإجراء دفاعي ضد عنف نظام الفصل العنصري، وأعرب عن أمله أن توافق الحكومة على المفاوضات، بحيث لا تكون هناك أي ضرورة للكفاح المسلح، وأصر على إحلال السلام لغالبية السود وإعطاؤهم الحق في التصويت في الانتخابات الوطنية والمحلية، وفي يوليو 1991، أثناء المؤتمر الوطني للحزب في ديربان، اعترف مانديلا بأخطاء الحزب وأعلن عن هدفه في بناء (فريق مهام قوي ومؤهل) لتأمين حكم الأغلبية، وفي المؤتمر انتخب مانديلا رئيساً لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ليحل محل تامبو المريض، كما تم انتخاب 50 عضوا تنفيذيا من أعراق وأجناس متعددة، واصبح لمانديلا مكتب في المقر الجديد لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في شل هاوس، وسط جوهانسبرغ، وفي انتخابات 27 أبريل 1994 أعد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي حملة انتخابية فتح خلالها 100 مكتب، و كانت حملة حزب المؤتمر قد قامت حول برنامج لإعادة الإعمار والتنمية لبناء مليون منزل في ضرف خمس سنوات، وإدراج التعليم المجاني الشامل وتوسيع نطاق الحصول على المياه والكهرباء. و كان شعار الحزب (حياة أفضل للجميع) وكرس مانديلا الكثير من الوقت لجمع التبرعات لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي وهو يطوف أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا ساعيا ملاقاة المتبرعين الأثرياء ومن ضمنهم أنصار نظام الفصل العنصري،و ظهر في الانتخابات دي كليرك ومانديلا كقادة للحزبين الرئيسيين، في مناظرة على التلفزيون، ورغم اعتبار دي كليرك أحسن متكلم في هذا الحدث لدى الاغلبية من المشاهدين، لكن عرض مانديلا يده لمصافحته مفاجئة له، مما دفع ببعض المعلقين لاعتبار ذلك انتصارا لمانديلا، وأدلى مانديلا بصوته في مدرسة ثانوية في ديربان، وقد فاز حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في 7 محافظات من أصل 9،و نيله 62٪ من الأصوات على المستوى الوطني، وهنا اقترب حزب المؤتمر الوطني الأفريقي كثيراً من نسبة الثلثين التي تمنحه الأغلبية اللازمة لتغيير الدستور، وتم تنصيب مانديلا في بريتوريا في 10 مايو 1994، وتابع المراسيم عبر نقل تلفزيوني مليار مشاهد حول العالم، وحضر هذا الحدث 4000 ضيف، من بينهم قادة العالم من خلفيات متباينة، وأصبح مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا ورئيسا لحكومة الوحدة الوطنية التي هيمن عليها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ولم تكن له أي تجربة في الحكم، وضمت الحكومة أيضا نوابا من الحزب الوطني وأصبح دي كليرك نائبا أولا للرئيس، في حين تم اختيار ثابو مبيكي نائبا ثانيا، وبالرغم من أن مبيكي لم يكن الاختيار الأول لهذا المنصب، إلا أن مانديلا أراده أن ينمو ليعتمد عليه بشكل كبير خلال فترة رئاسته، والسماح له بتنظيم تفاصيل السياسة، واستمر في الحكم من عام 1994 حتى عام1999،ثم قاد مانديلا مجموعة من المفاوضين ضمن محادثات رسمية مع الحكومة، وكان هدف المفاوضات وضع دستور خاص بجنوب أفريقيا يمنح السود حق المواطنة وحق الانتخاب .

في فبراير 2011، أدخل مانديلا المستشفى بسبب عدوى أصابت الجهاز التنفسي، وجذب ذلك اهتماما دوليا  قبل إعادته للمستشفى بسبب إصابة في الرئة وإزالة حصوة في ديسمبر 2012،و بعد إجراء طبي ناجح في أوائل شهر مارس عام 2013،  تكررت إصابة رئته، واستضيف في مستشفى بريتوريا لفترة وجيزة، وفي يوم 8 يونيو 2013، تفاقمت إصابة رئته، وأعيد إلى مستشفى بريتوريا وهو في حالة خطيرة، وفي 22 يونيو 2013، ذكرت شبكة سي بي اس نيوز أنه لم يفتح عينيه لعدة أيام، وفي 23 يونيو 2013، أصدر الرئيس جاكوب زوما بيانا قال فيه بأن حالة مانديلا أصبحت حرجة، وفي 25 يونيو، زار ثابو ماكجوبا (مطران كيب تاون) مانديلا في المستشفى وصلى مع غراسا ماشيل مانديلا في هذا الوقت الصعب، وفي اليوم التالي زار زوما مانديلا في المستشفى وألغى زيارة مقررة في اليوم التالي إلى موزمبيق، وفي يوم 5 ديسمبر 2013 توفي مانديلا، وكان محاطًا بعائلته في منزله بجوهانسبرغ متأثرا بعدوى في الرئتين عانى منها طويلا، وقد فارق مانديلا الحياة حوالي الساعة 20:50 بتوقيت المحلي وأعلن عن وفاته الرئيس الجنوب أفريقي جاكوب زوما، من خلال بيان قال فيه " بني وطني جنوب إفريقيا، لقد وحدنا مانديلا وسوف نودعه موحدين." وأعلن الحداد في البلد لمدة 10 أيام، وقد حظي مانديلا بجنازة رسمية حضرها 90 ممثلا رسميا لعدة دول ومنظمات في تجمع مهيب تداول فيه عدد زعماء على المنصة لرثاء الفقيد، والمراسم جرت في 10 ديسمبر 2013 في ملعب سوكر سيتي في جوهانسبيرغ، هذا الملعب الذي شهد آخر إطلالة جماهيرية لمانديلا أثناء بطولة كأس العالم لكرة القدم 2010، في حين أقيمت مراسم الدفن بكونو (مسقط رأسه) بحضور أفراد من عائلته وقادة البلاد.

الجوائز والتكريمات:

أحب الناس تكريم عمل مانديلا من أجل الحرية وحقوق الإنسان، كما لو أن 695 جائزة لم تكن كافية، فقد سميت أكثر من 25 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية باسمه، وما لا يقل عن 19 منحة دراسية ومؤسسة تحمل اسمه، كما صنع أكثر من 95 منحوتة وتمثال وقطعة فنية عنه، أو كرست له، وقد حملت الكثير من شوارع مدن العالم اسم مانديلا، إلا أن أغرب ما يحمل اسمه هو طائر من فصيلة نقار الخشب، أطلق العلماء عليه اسم مانديلا، بجانب إطلاق علماء من جامعة ليدز على جزء نووي اسم جزء مانديلا، واستغلت صورة مانديلا عند الناس تجارياً، فتم تسويق وبيع أقمصة تحمل صورته إضافة إلى حوالي خمسمائة كتاب منشور عنه، ومنها أيضا الأشياء ذات الصلة بمؤسسته التي تحارب الفقر والإيدز، والعديد من الفنانين كرسوا أغاني لمانديلا كان أشهرها أغنية الحرية لنيلسون مانديلا في عام 1983، وصور مانديلا في السينما والتلفزيون في مناسبات متعددة، منها فيلم مانديلا ودي كليرك لعام 1997، وفي نوفمبر 2009، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم عيد ميلاده، 18 تموز  بـ يوم مانديلا، كيوم احتفال وطني اعترافاً بإسهاماته في النضال من أجل الحرية والمساواة، ويعتبر مانديلا في جنوب أفريقيا على نطاق واسع بـ (أب الأمة) و(الأب المؤسس للديمقراطية)، كما ينظر له كـ (محرر وطني ومخلص)، وفي عام 2004، منحت جوهانسبرغ مانديلا (حرية المدينة)، وأعيد تسمية ساحة مركز تسوق ساندتون باسم (ساحة نيلسون مانديلا)، ونصب تمثال لمانديلا فيها، وفي عام 2008، ازيح الستار عن تمثال آخر لمانديلا في سجن فيكتور فيرستر سابقا، بالقرب من كيب تاون، ويقف في المكان الذي أطلق سراح مانديلا فيه من السجن، ومن الجوائز التي حصل عليها: الحكم الرشيد في إفريقيا (2007)، ميدالية موتا جوزيبي   (2006)، جائزة سفير الضمير المرموقة (2006)، وسام القديس يوحنا  (2004)، جائزة غاندي للسلام (2000)، وسام أستراليا من رتبة وصيف مشرف (1999)،  وفي عام 1992 حصل على جائزة أتاتورك للسلام من تركي، لكنه رفض الجائزة، مبررا ذلك بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها تركيا في ذلك الوقت، وقبل لاحقا الجائزة في عام 1999، وسام الحرية الرئاسي  (1999)، وسام صليب القديس أولاف من رتبة فارس أعظم   (1998)، وسام سيرافيم  (1997)، وسام فرسان الفيل (1996)، نيشان الاستحقاق    (1995)، الوسام الأولمبي الذهبي (1994)، جائزة نوبل للسلام  (1993)،  الدكتوراه الفخرية من الجامعة الحرة في بروكسل   (1993)، جائزة فولبرايت (1993)، جائزة أميرة أشتوريس للتعاون الدولي (1992)، الدكتوراه الفخرية من جامعة بكين   (1992)، جائزة فيليكس هوفويت بواني للسلام  (1991)، الدكتوراه الفخرية من جامعة كمبلوتنسي بمدريد  (1991)، نيشان خوسيه مارتي (1991)، جائزة لينين للسلام  (1990)، نيشان الصداقة (1988)، جائزة سخاروف لحرية الفكر  (1988)، جائزة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان (1988)، و منحته الملكة اليزابيث الثانية الصليب الكبير من وسام القديس جون ووسام الاستحقاق، الدكتوراه الفخرية من جامعة هونغ كونغ،جائزة برونو كرايسكي لحقوق الإنسان، وسام الحرية فيلادلفيا، جائزة الحريات الأربع ميدالية الحرية، الدكتوراة الفخرية من جامعة برشلونة المستقلة، الجنسية الكندية الفخرية، الدكتوراه الفخرية من جامعة كلكتا، نيشان مالي الوطني من رتبة صليب أعظم، الصليب الأعظم لنيشان رهبانية القديس يوحنا من رتبة حاجب، وسام الصداقة الروسي، نيشان أغوستينيو نيتو، نيشان نجمة غانا، جائزة القذافي لحقوق الإنسان، نيشان رفاق أوليفر تامبو، ميدالية الكونغرس الذهبية، جائزة دلتا للتفاهم الدولي، وسام الإبتسامة، نيشان الجبل القديم، نيشان جامايكا، نيشان باكستان، وسام بلايا خيرون الوطني.

جنوب افريقيا:

جمهورية جنوب أفريقيا، هي دولة تقع في أقصى جنوب قارة افريقيا، ويحدها كل من ناميبيا، بوتسوانا، زيمبابوي، موزمبيق واسواتيني. كما أن اقتصادها هو الأكبر والأكثر تطورا بين كل الدول الأفريقية، والبنية التحتية الحديثة موجودة في كل أنحاء البلاد تقريباً، ويوجد في جنوب أفريقيا أكبر عدد سكان ذوي أصول الأوروبية في أفريقيا، وأكبر تجمع سكاني هندي خارج آسيا، وأكبر مجتمع ملون في أفريقيا، مما يجعلها من أكثر الدول تنوعاً في السكان في القارة الأفريقية، وتعد جنوب أفريقيا من الدول الأفريقية القليلة التي لم تشهد انقلاباً على الحكم، كما يتم تنظيم الانتخابات الحرة والنزيهة منذ عام 1994، مما يجعل للبلاد قوة مؤثرة في المنطقة، بل واحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في القارة الأفريقية.

في القرن السابع عشر كان يتنافس الهولنديون والإنجليز، بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح عام 1488، من قبل برتو لومور، على استعمار جنوب أفريقيا، وأقاموا مستوطنات الهولنديون وجاءوا بالمزارعين الذين اطلق عليهم البوير، ثم تطور المصطلح ليطلق على المستوطنين الاوربيين، ثم بدأ الاضطهاد بالسود، وجلب اسيويين للعمل واستعبادهم، ووصل طريقة الاستعباد للسود، بأنهم اصبحوا يعاشرون نساء السود بدون ضوابط الزواج، ونتيجة لهذه العلاقة، ظهرت جماعة أخرى هي الملونين، وتسمى في جنوب أفريقيا (جريكاي) وينظر إليهم البعض كما ينظرون للسود والآسيويين، ثم حدث خلاف بين الهولنديون والانجليز، ادى إلى نهاية المطاف مصالحة وقيام نظام برلماني سياسي دستوري يقتصر على البيض فقط، ومنذ عام 1948، بدأت السلطة تطبق نظام التمييز العنصري، مما أدى إلى ظهور حركات ومظاهرات من قبل السود، ولكنها تم ردعها بمذابح واستمر هذا التميز إلى وصول دي كليرك إلى رئاسة الحكم، و كان السبب الأساسي الذي جعل دي كليرك ينهي السياسة العنصرية في البلاد، إدراكه أن العداء العرقي والعنف المتزايد سيقودان جنوب إفريقيا إلى حرب أهلية عرقية جديدة، لكن هذه المرة لن يكون بمقدور البيض الصمود أمامها، فتفاوض الرئيس مع الرجل الذي استحوذ على قلوب وعقول الجميع مانديلا، و في 11أيلول 1990أطلق سراح مانديلا من السجن ودعى أنصاره إلى التوقف عن الكفاح المسلح، وتم انتخاب مانديلا رئيساً للمؤتمر الوطني الأفريقي سنة 1991، وتفاوض مع رئيس البلاد آنذاك، دي كليرك، على إجراء أول انتخابات متعددة الأعراق في البلاد، وفي عام 1992، أعلنت الحكومة أنه سيكون بمقدور السود الادلاء بأصواتهم،  وفي عام 1993، حاز مانديلا وكليرك جائزة نوبل للسلام نظير عملهما المشترك لإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وهكذا أُجريت أول انتخابات ديمقراطية في البلاد بتاريخ 27 نيسان 1994، وفي 9 أيار 1994، عقد أول برلمان متعدد الاعراق في جنوب افريقيا وانتخب مانديلا كأول رئيس أسود لجنوب أفريقيا.

الأبارتيد

الأبارتيد هو نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من عام 1948 وحتى تم إلغاء النظام بين الأعوام 1990 – 1993،  وأعقب ذلك انتخابات ديموقراطية عام 1994. يهدف نظام الأبارتيد إلى خلق إطار قانوني يحافظ على الهيمنة الاقتصادية والسياسية للأقلية ذات الأصول الأوروبية،  وأول استعمال لكلمة الأبارتيد كان عام 1917 خلال خطاب ألقاه جان كريستيان سماتس، الذي أصبح لاحقا رئيس وزراء جنوب أفريقيا عام 1919، ومع أن نشأة الفصل العنصري عادة تنسب إلى الحكومة المهيمنة على الحكم في الفترة 1948-1994 إلا أنه جزئيا هو تركة الاستعمار البريطاني الذي أدخل نظام إصدار القوانين في مستعمرة الكاب ومستعمرة ناتال خلال القرن التاسع عشر، وقد رفضت كافة لغات العالم استقبال هذه الكلمة بترجمتها، وبقيت كما هي الأبارتيد تعبر عن حالة متفردة من العنصرية الرسمية الصريحة، وقد بدأ الحزب الوطني بإدخال سياسة الفصل العنصري منذ1948 وهو الحزب نفسه الذي بدأ تفكيك هذه السياسة عام 1990،بعد صراع طويل مع الأغلبية السوداء ومجموعات مناهضة للعنصرية من البيض والهنود، وبدأ تطبيق سياسة الأبارتيد أي التفرقة العنصرية بشكل رسمي حيث لم يكن مسموحاً للسود بالعمل إلا في أعمال محددة ومنعوا من حق الانتخاب وحق الملكية إضافة إلى انعدام المساواة بينهم وبين البيض في تقاضي الأجور إضافة إلى عزلهم في المساكن وأماكن العمل والمدارس، وتم توسيع سياسة التمييز العنصري في البلاد، فحكم الأربعة ملايين من العناصر البيضاء بقية السكان من غير البيض والذين قدر عددهم بحوالي 29 مليون، وسلكت الحكومة البيضاء سياسة عزل الأفارقة السود في مناطق خاصة بهم، وتوفير الخدمات العامة لهم كالتعليم والصحة بمعزل عن البيض، وقد أصدرت هيئة الأمم المتحدة عدة قرارات لمقاطعة اتحاد جنوب أفريقيا في سنة 1962 والسنوات التالية لها استنكاراً لهذه السياسة، كما قاطعت دول العالم الثالث اتحاد جنوب أفريقيا، وقد قسم الأبارتيد السكان إلى أربع مجموعات عرقية حسب القوانين التي كان يعمل بها منذ 1948 إلى 1991، وتلك المجموعات هي السود والبيض و الملونون و الآسيويون، ومنذ ثمانينيات القرن العشرين بدأ بعض البيض يطالبون بمنح السود حق التصويت، وضرورة إلغاء سياسة التفرقة العنصرية، وبعد أن تخلت حكومة جنوب إفريقيا عن سياسة التمييز العنصري، استأنفت معظم الدول علاقاتها التجارية معها، كما سمح لها بالاشتراك في المنافسات الرياضية العالمية، وفي عام 1992م شارك رياضيو جنوب إفريقيا في الألعاب الأوليمبية لأول مرة منذ 1960، وفي عام 1992 صوت البيض في استفتاء عام بالإيجاب طالبين بذلك من الحكومة المضي قدما في تبني ديمقراطية غير عنصرية، وفي العام التالي ألغت الأمم المتحدة كافة القيود التجارية مع جنوب إفريقيا، وفي عام 1994 أجريت بجنوب إفريقيا أول انتخابات ديمقراطية اختارت حكومة غير عنصرية.

السياسة والتسامح:

عندما أصبح مانديلا أول رئيس منتخب ديمقراطياً في تاريخ جنوب أفريقيا في العام 1994، بدا العالم حينذاك مكاناً مختلفاً تماماً، كان انتخابه رمزاً لميلاد جديد للحرية حول العالم، وكان سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة قد أديا إلى استنهاض ثورة ديمقراطية ليس في جنوب إفريقيا فحسب وإنما في جميع أنحاء العالم، وبين بداية التسعينيات والعام 2011، ازداد عدد الديمقراطيات على الكوكب من حوالي ثلث دول العالم إلى ما يقرب من النصف، ولم يكن مانديلا نفسه رمزاً عالمياً للديمقراطية فحسب، وإنما كان رمزاً للتعددية أيضاً، وبدأ انتصاره مثل إيذان بنهاية حقبة الاستبداد والقومية العرقية، وهكذا كان مانديلا زعيماً للحقوق المدنية في جنوب أفريقيا ومحارباً ضد الفصل العنصري، وهو نظام يتم فيه فصل المواطنين البيض وغير البيض عن بعضهم مع عدم إعطائهم نفس الحقوق بالتساو، وقد قضى مانديلا جزءاً كبيراً من حياته في السجن احتجاجاً على ذلك، ولكنه صار رمزاً لشعبه وأصبح رئيساً لجنوب إفريقيا في وقت لاحق، وقد جسد مانديلا طوال حياته أرقى قيم ومبادئ فكرة اتحاد الامم، وقد ظل معتقلاً لعقود من الزمان بسبب معتقداته، ومع ذلك حافظ على إيمان ثابت بالعدالة والمساواة الإنسانية، وعند إطلاق سراحه، تصالح مع أولئك الذين اضطهدوا، ثم قاد الطريق نحو تحقيق جمهورية جنوب أفريقيا الديموقراطية متعددة الأعراق، وقد عمل بلا كلل من أجل السلام والكرامة الإنسانية للشعوب في كل مكان، كما أن اشتراكه في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) قد فتح آفاقا جديدة، مما ساعد على التخلص من أولئك الذين يعانون من هذا المرض، ولقد كان نموذجاً للمواطن الديمقراطي الذي يتفق مع الجميع ويتعايش مع الجميع و يمكن أن يستمر مثاله في توجيهنا في عملنا لبناء عالم أفضل للجميع، و ترأس مانديلا الانتقال من حكم الأقلية بنظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية متعددة الثقافات، ورأى في المصالحة الوطنية بأنها المهمة الأساسية في فترة رئاسته، بعد أن شاهد كيف تضرر الاقتصاد الأفريقي برحيل النخب البيضاء، وعمل مانديلا على طمأنة السكان البيض في جنوب أفريقيا بأنهم لهم كافة الحقوق في جنوب أفريقيا، و حاول مانديلا تكوين أوسع تحالف ممكن في مكتبه، مع دي كليرك،فقد آمن مانديلا كثيراً بالديمقراطية والالتزام بقرارات الأغلبية، ورسخ لديه الاعتقاد بأن الشمولية والمساءلة وحرية التعبير من أسس الديمقراطية، وكان يؤمن بالحقوق الطبيعية والبشرية، و كان يعارض علنا الرأسمالية والملكية الخاصة للأراضي وسلطة المال الكبيرة متأثرا بالماركسية، ونادى مانديلا أثناء الثورة بالاشتراكية العلمية،  ولكنه نفى أن يكون شيوعيا أثناء محاكمته بالخيانة، وقد استغل مانديلا حب الشعب وحماسه نحو الرياضة في تعزيز المصالحة بين البيض والسود، وكذلك عمل مانديلا على حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار، ووضع خطة لإعادة إعمار البلاد وتنميتها، وفي عام 1996، وقع مانديلا على مرسوم تشريع دستور جديد للبلاد، وأنشأ حكومة مركزية قوية تقوم على حكم الأغلبية، مع ضمان حقوق الأقليات وحرية التعبير، وأنشئ  جهاز قضائي وسياسي لقيادة المصالحة، وكان ناجحاً فيها بحيث أصبح نموذج المصالحة والمسامحة في التاريخ، وأسهم في القضاء على الأحقاد ووضع البلد في طريق التعايش، وعمل على تفكيك أي شيء له علاقة بالفصل العنصري، والتصدي للعنصرية في الشركات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وحارب الفقر وحاول تحقيق مبدأ العدالة مع الأفارقة الذين حرموا من حقهم، وتعزيز المصالحة سياسياً، وعندما حان موعد الانتخابات العامة سنة 1999، أعلن مانديلا عزوفه عن الترشح، ورغبته في ترك العمل السياسي، ولكنه استمر في نشاطاته الرامية إلى جمع الأموال اللازمة لتشييد المدارس والمراكز الصحية في المناطق الريفية من جنوب أفريقيا، وعمل أيضًا على نشر عدد من الكتب التي تروي معاناته وكفاحه، نذكر منها: (رحلتي الطويلة من أجل الحرية)، وقد آمن مانديلا بفكرة التسامح والغفران بنزع فتيل الإشكال،وتميزت كل خطاباته بعد ذلك بروح العقل والتآخي بين بني قومه، بحيث أن هؤلاء البيض أصبحوا جزءً من الوطن بينما جذورهم انتهت عن بريطانيا، ووصل بشعبه إلى بر الأمان، فكان يهدف إلى أن يحقق الحرية والعدالة والرخاء والأمان والتعايش السلمي، ويقول مانديلا "عندما خرجت من السجن كانت مهمتي تتمثل في تحرير الظالم والمظلوم معا، فأن حاجة الظالم إلى  الحرية أكثر من حاجة المظلوم، فالذي يسلب إنسان حريته يصبح هو نفسه أسير للكراهية والحقد، ويعيش وراء قضبان التعصب وضيق الأفق، فالظلم يسلب كل من الظالم والمظلوم حريته، والحرية ليست مجرد فك الأغلال، ولكن الحرية أن تعيش حياة تحترم فيها حرية الآخرين وتعززها." لذلك أصر مانديلا  أن المصالحة يجب أن تتم خلال فترة حكمه فجعلها هدفه الرئيسي خلال هذه الفترة، وأعلن أن الشعب الشجاع لا يخشى المسامحة من أجل السلام، وهذا الذي جعل مانديلا يحقق المصالحة والمسامحة بين البيض والسود رغم كل الانتقادات الشديدة التي وجهت له من قبل السود المتشددين.

المواقف السياسية بعد التقاعد:

في سنة 1999 قرر التقاعد فلم يترشح لفترة رئاسية ثانية، واشتغل بالأعمال الخيرية من خلال مؤسسة مانديلا الخيرية، وبعد تقاعده عاش مانديلا حياة عائلية هادئة، يتنقل بين جوهانسبرغ وكونو، لكنه وجد صعوبة في البقاء في العزلة، فعاد إلى الحياة العامة مع برنامج يومي للمهام، تضمن اجتماعات مع قادة العالم والمشاهير، وعمل في جوهانسبرغ مع مؤسسة مانديلا، التي تأسست في عام 1999 بغية مكافحة انتشار الإيدز والتنمية الريفية وبناء المدارس، وفي عام 2003 تم إنشاء (مؤسسة مانديلا رودس) في بيت رودس بجامعة أكسفورد، لتوفير منح في الدراسات العليا للطلبة الأفارقة، وبدأ مانديلا يرفع صوته علناً منتقداً القوى الغربية، فعارض بشدة تدخل حلف شمال الأطلسي في حرب كوسوفو سنة 1999، واصفا الأمر بمحاولة من جانب الدول القوية لأداء دور شرطي على العالم كله، ولعب مانديلا دور الوسيط في بوروندي في فبراير 2000، وفي نوفمبر 2001، قدم مانديلا تعازيه في أعقاب هجمات 11 سبتمبر ودعم العمليات في أفغانستان، و في يوليو 2002، منحه الرئيس جورج دبليو بوش وسام الحرية الرئاسي، واصفا إياه بـ(رجل الدولة الأكثر احتراما في عصرنا)، وفي عام 1999، وخلال زيارة إلى إسرائيل وقطاع غزة، طلب مانديلا من إسرائيل الانسحاب من الأراضي المحتلة، وعلى الدول العربية أن تعترف بحق إسرائيل في الوجود ضمن حدود آمنة، و دافع عن علاقته مع ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، الذين دعموا تاريخياً دائماً حزب المؤتمر الأفريقي، وقال أن منظمته في نفس صف منظمة التحرير الفلسطينية، لأنهما تحاربان من أجل تقرير المصير ولكن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي لم يشكك أبداً في حق دولة إسرائيل في الوجود، ولكن خارج الأراضي المحتلة، ودعى إلى وضع حد للحصار على قطاع غزة، مشيراً إلى أن نصف سكان غزة البالغ عددهم مليون ونصف المليون نسمة هم تحت 18 سنة وأن هذا الحصار (غير قانوني وغير مفيد)،وطلب مانديلا من إسرائيل ترك الأراضي الفلسطينية ووقف العنف، وكذلك الانسحاب من أي احتلال لها في الدول العربية، وفي عام 2003 عارض خطة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لشن الحرب على العراق، واصفا إياها بـ المأساة موبخا الرئيس الأمريكي بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير لتقويضهم دور الأمم المتحدة واتهم بوش برغبته في إغراق العالم في هولوكوست، كما اتهمه أيضا بالغطرسة وغياب الرؤية والذكاء، واعتقد أن هذا الإجراء سوف يقلل من تأثير الأمم المتحدة، وشجع الشعب الأمريكي على التظاهر ضد الحرب، وكذلك الدول التي تملك حق النقض في مجلس الأمن على استعماله، واتهم مانديلا بوش بالذهاب إلى العراق من أجل النفط فقط، ولمح إلى أن سياسة بوش وتوني بلير،تجاهلت توصيات الأمين العام كوفي عنان لها بدوافع عنصرية، و هاجم الولايات المتحدة على انتهاكاتها السابقة لحقوق الإنسان وإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي خلال الحرب العالمية الثانية.

وحب مانديلا للرياضة وإيمانه بأنها توحد الشعوب خاض حملة منذ عام 2004  ناجحة لاستضافة جنوب أفريقيا لنهائيات كأس العالم لكرة القدم معلنا أنها ستكون (أفضل الهدايا القليلة لدينا في هذا العام) وظهر مانديلا في حفل الختام، وحظي بـاستقبال حافل، وفي 18 يوليو 2007، وبمبادرة من الملياردير ريتشارد برانسون والموسيقي بيتر غابرييل، نظم مانديلا و غراسا ماشيل وديزموند توتو في جوهانسبرغ اجتماعا لزعماء العالم المؤثرين الذين يريدون المساهمة بخبراتهم وحكمتهم في حل المشاكل الأكثر أهمية في العالم وأعلن مانديلا عن تشكيل (مجلس حكماء العالم) في كلمة له خلال عيد ميلاده التاسع والثمانين، وضم المجلس العديد من الاشخاص المؤثرين في العالم من ضمنهم كوفي عنان، ويعمل هذا المجلس على  تشجيع التفاوض حيث يدور الصراع، وإعطاء الأمل حيث ينتشر اليأس، ونشر السلام في العالم، وتحقيق المساواة بين الجنسين، ودعم المبادرات الرامية إلى التصدي للأزمات الإنسانية، فضلًا عن تعزيز الديمقراطية.

 

حيدر جواد السهلاني

................

الهوامش:

1- ينظر نيلسون مانديلا: رحلتي الطويلة من أجل الحرية، ترجمة عاشور الشامس، جمعية نشر اللغة العربية.

2- ينظر مسعود الخوند، الموسوعة التاريخية الجغرافية، ج7، مؤسسة هانياد، لبنان، ص317-380.