حمزة بلحاج صالحأقوم الان بالحفر العميق والمتأني في بيئة ابن تيمية ونشأته ودراسته ومساره العلمي وتاليفه وكتبه وسلمه وحربه وسجنه وحريته...

بين يدي نحو خمس مراجع تاركا المصادر الأساسية التي تتعلق بتاليفه لاحقا أو خلال مسار البحث اللاحق منها ما هو أمامي ومنها ما أعود اليه ...

أقرأ كتاب محمد أبو زهرة حول ابن تيمية وهو كتاب مختصر دقيق وثمين وشيق ...

وقفت على معلومات هامة لفتت انتباهي ...

عائلة تقي الدين ابن تيمية كانت عائلة علم ديني تعرف بعائلة ابن تيمية وولد في661 هجري بحران مهد الفلسفة وو الصابئة من قديم ....

لما هاجم التتار المدينة حران وهو في السابعة من عمره تركت عائلته حران فارة حاملة ما استطاعت من تاليف وكتب العلم لابيه وعائلته وجميعهم علماء...

شاهد ابن تيمية اعتداء التتار وظلمهم المسلط على عائلته في حران وخلال الإنتقال والفرار إلى دمشق ومشقة الرحيل...رسخت تلك في ذاكرته...

بقي يكافح قتالا التتار في دمشق كلما وجدهم حيث يعتبرهم بغاة رغم اعتناقهم الاسلام ...

و هي شدة وحدة نادرة وغريبة خاصة وأن القوم اعتنقوا الإسلام وأصبحوا طائفة من طوائفه...

لا يعرف في التاريخ لوالد وأم ابن تيمية تاريخا ولا لعائلته أنهم ينتسبون لقبائل العرب ولعله كما يقول محمد ابو زهرة كردي الاصل...

ترى هل ابحث في التراث بحث من يمكثون به ويلتصقون على مساحاته غير مميزين بين المظلم منه والمنير وما يجب ان يستخلص ويحين وما يجب ان يهمل ...

كلا ..كلا ...

إنني أجمع مؤشرات هامة تتعلق بنسبه بكرهه للتار رغم اعتناقهم الإسلام وقتاله لهم وبحدته وشدته وبعائلته التي كانت صاحبة تاليف وكتب تنسب الى جده وهو صاحب كتب في الفقه الحنبلي ومن أئمته وله كتاب موسوم " المنتقى في الأحكام " ( وهذا مهم جدا) ..

كما أن والد ابن تيمية شهاب الدين كان له كرسي للدراسة والتعليم والوعظ والارشاد بجامع دمشق الاعظم وتولى مشيخة دار الحديث السكرية وبها كان سكنه وتربى ولده تقي الدين ...

و عمه فخر الدين كان خطيبا وعالما ومفسرا له تفسيرللقران وقد تخرج على ابن الجوزي وخلفه في التدريس...الخ

الخلاصة

أولا / نزعته الحادة التكفيرية القتالية للمسلمين

إذا كان ابن تيمية صاحب حدة وشدة بلغت حد استباحة دم التتار وقتالهم (وهذا مؤشر سأتوسع فيه واعمق فيه البحث لتبقى هذه الملاحظات فقط مثالا عابرا عرضته عليكم) ...

إذا كان ذلك قد صح فهذا يعني أن نزعة ابن تيمية التكفيرية ومقاتلة المسلمين لبغيهم هي نزعة اصيلة وتبرر فتاواه وما جاء في كتبه تبعا لذلك السياق طبعا ...

حيث لا يمكن احالتها الى دس في كتبه خلال الطبع ربما بما عرف عن النساخ واهل الطباعة من تحريف وتدليس ودس لحاجات في نفس يعقوب منها دس الغريب العجيب لبيع كتبهم...

لكنني سأبقي على احتمال الدس وتزوير الوقائع التاريخية التي سردتها وسأبحث فيما أورده الشيخ ابو زهرة من حادثة مقاتلة التتار لأقف على الرواية ومختلف رواتها والإطار الذي جاءت فيه وطبيعة تلك البيئة وما عرفت به من صراعات سياسية وأيديولوجية لها أيضا نصيبها إن ثبت وجودها وتأثيرها...

ثانيا / قيام امكانيات اختلاط كتبه بكتب عائلته منهم أبوه وعمه وجده او غيرهم وغموض نسبه...

لم ينسب تقي الدين ابن تيمية ولا أبوه ولا جده ولا عمه ولا عائلته الى قبيلة من القبائل العربية وليس هذا من عادات العرب ...

وتم الاكتفاء بتسمية وذكر عائلته بما عرفت به من لقب هو " عائلة ابن تيمية " ويقال " الحراني " نسبة الى حران موطنه الأم...

و هنا تساؤل هام لم عرف تقي الدين بالحراني ..أليس كافيا لقب العائلة التي عرفت بابن تيمية ..هل يوجد غيره من الكتاب من غير حران عرف بابن تيمية فخشي الإلتباس فأضيف نسبه الى حران وهو ما لم يحصل مع عائلته وحصل مع تقي الدين كما أظن (ولا زلت ابحث لعل عائلته ايضا عرفت بهذا النسب وعندها يبقى دائما التساؤل ليعمم على العائلة كلها) ثم تواصل النسب لكن بالدمشقي لما انتقل الى دمشق تماما كما عرف ابن كثير بالدمشقي ولعل الامر لا يعدو انه متعلق بالموطن وتعود عليه العرب وطلاب العلم القادمون من مختلف الجهات...

حتى ذهب بعض من تناول تاريخه وسيرته ومنهم محمد أبو زهرة نظرا لنزعته الحادة الشديدة الى رد نسبه الى الاكراد أبا وأما ...

فقد عرف الاكراد بمواقفهم الشديدة والحادة عموما وتخصيصا ضد الصليبيين ودفاعهم عن الاسلام والمسلمين في القرنين السادس والسابع الهجري...

ثالثا / وجوب الاطلاع والدراسة واخضاع النصوص الى فحص نقدي للوثائق المخطوطة والمطبوعة نقدا لغويا تقنيا أسلوبيا موضوعاتيا وبلاغيا ولفظيا وفقهيا لكتابات عائلته وكتاباته هو فكلهم يعرفون بابن تيمية ويعرف الواحد منهم بالحراني أو كلهم (للتحقيق) من أهل التأليف...

رابعا / تفكيك وتحليل مناخ الكتابة والسياق السياسي والصراعات الأيديولوجية والسياسية وبنية السلطة وموقف ابن تيمية منها في كل مراحل التأليف قربا وبعدا نزاعا وو وئاما في علاقة ابن تيمية وعائلته من السلطة الحاكمة...

خامسا / حران كانت مهد الفلسفة والفلاسفة والصابئة والصابئين..

ترى ما مدى تأثير ذلك المناخ ومدى السجال والجدال والاسئلة المطروحة انذاك وموضوعانها وطبيعة السجال الدائر الذي عرف انذاك وحظ عائلة ابن تيمية منه لأن تقي الدين ابن تيمية الطفل كان صغيرا دون السابعة من عمره.. وما مدى تأثر ابن تيمية لاحقا به....

سادسا / كان جده من أئمة الفقه الحنبلي وأبوه عالما شهيرا وهذا مؤشر دال ترى كيف كان عرضه للفقه ومختلف موضوعاته....

وكيف كانت وضعية المذهب الحنبلي يومذاك وعلاقته بالسلطة والخارطة المذهبية الفقهية والسياسية والأيديولوجية في مختلف المراحل بحران ودمشق خاصة ... " (يتبع)

 

حمزة بلحاج صالح

 

 

حاتم حميد محسنالاقتصاد عموما اعتُبر كعلم اجتماعي يدور حول العلاقة بين الفرد والمجتمع، لكن بعض النقاد يجادلون بأن الاقتصاد لا يرقى الى تعريف العلم وذلك لعدة اسباب، من بينها عدم وجود فرضيات قابلة للاختبار، وعدم توفر إجماع.

فهم الاقتصاد

يهتم الاقتصاد بالطريقة التي يعمل بها اقتصاد البلد والكيفية التي يتصرف بها المشاركون فيه. الاقتصاد يدرس الكيفية التي تُنتج بها السلع والخدمات وكيف تُوزّع في عموم الاقتصاد،وتُستهلك من جانب الافراد والاعمال. هو ايضا يهتم بكيفية تخصيص الموارد من جانب الحكومات والشركات لإشباع حاجات المستهلكين.

أحد المسائل الهامة التي يركز عليها الاقتصاد هي دراسة الفاعلية في الانتاج وتبادل السلع كنتيجة للحوافز والسياسات المُصممة لتعظيم الفاعلية.

ينقسم الاقتصاد اساسا الى صنفين، الاول يسمى الاقتصاد الكلي  ويتعلق بالاقتصاد التراكمي. والثاني اقتصاد جزئي يهتم بالمستهلكين من الأفراد والشركات.

الاقتصاد الكلي macroeconomics

ويركز على الكيفية التي يعمل بها نظام السوق والاقتصاد ككل. انه يدرس الظروف المالية والاقتصادية التي تؤثر على جميع القطاعات الاقتصادية . بعض المقاييس التي تُدرس في ظل الاقتصاد الكمي تتضمن التضخم او قياس الارتفاع في اسعار جميع السلع النهائية المنتجة في البلاد. الاقتصاد الكلي يدرس خصيصا نسبة النمو في اقتصاد البلد وكيف يمكن ان يؤثر ذلك النمو على الاستخدام او البطالة، وعلى متوسط مستوى المعيشة، بالاضافة الى الجدوى المالية للشركات او الصناعات. الاقتصاد الكمي يطور نماذج لتحليل الكيفية التي تؤثر بها مختلف القطاعات الاقتصادية على بعضها البعض، وكيف تؤثر سياسة الحكومة على الاقتصاد. السياسات النقدية والمالية تُدرس وتوضع لها النماذج لتقرير مدى تأثيرها على معيشة الناس المقيمين ضمن الاقتصاد.

الاقتصاد الجزئي microeconomics

يدرس الاقتصاد الجزئي تأثير السلوك الانساني والافعال بالاضافة الى الكيفية التي تؤثر بها قرارات الافراد على توزيع الموارد في الاقتصاد. الاقتصاد الجزئي يركز على طريقة عمل اختيارات الافراد وخاصة عندما تتغير عوامل معينة، مثل ارتفاع الاسعار. نماذج الاقتصاد الجزئي تتضمن تحليلات العرض والطلب لتقرر كمية الموارد في الاقتصاد وكيف يؤثر ذلك العرض والطلب على انماط الشراء لدى المستهلك بالاضافة الى اسعار تلك السلع. الاقتصاد الجزئي يركز ايضا،جزئيا، على كيفية تحقيق المنفعة لدى المستهلكين،والتي هي أعظم كمية من السعادة المشتقة من إستهلاك السلع والخدمات.

كل من الاقتصادين الجزئي والكلي يُعتبران من العلوم الاجتماعية. العلوم الاجتماعية تعمل على توضيح الكيفية التي يعمل بها المجتمع وهي مظلة تدمج ضمنها عدة حقول من الدراسة بما فيها الاقتصاد.

العلوم الاجتماعية

وتتضمن حقولا مثل علم الاجتماع والانثربولوجي والاركولوجي، لكنها تختلف عن العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء. العلوم الاجتماعية تدور حول العلاقات بين الافراد والمجتمعات، بالاضافة الى تطور عمليات المجتمعات. وعلى عكس معظم العلوم الطبيعية، تعتمد العلوم الاجتماعية بكثافة على التفسيرات ومنهجيات البحث النوعي. غير ان العلوم الاجتماعية تستعمل ايضا عددا من الادوات الكمية المستعملة في العلوم الطبيعية لرسم وفهم الميول. فمثلا، الاقتصاديون يستعملون الاحصاء والرياضيات لإختبار فرضيات والتنبؤ بالميول، وهي العملية التي تعرف بـ الايكونوميترك او الاقتصاد القياسي. كذلك،العديد من العلوم الاجتماعية تستعمل الاستبيانات ومناهج بحث صارمة لتقرير الميول وتوضيح ممارسات المستقبل.

من بين العلوم الاجتماعية، كان الاقتصاد رائداً في تبنّيه المبكر والواسع للرياضيات في تطوره النظري وفي الطرق الاحصائية وتطبيقات الحاسوب الكمي في اتجاهه التجريبي في مجال البحوث التطبيقية. ان زيادة الاعتماد على النماذج الرياضية في دراسة الاقتصاد بدأ مع الاقتصاد الكلاسيكي الجديد في أواخر القرن التاسع عشر وبقي عنصرا اساسيا للاقتصاد النظري والتطبيقي.

عدم التأكد في الاقتصاد

احدى الحجج الاساسية ضد تصنيف الاقتصاد كعلم هي فقدان الفرضيات القابلة للاختبار. من أهم التحديات في حقل الاقتصاد هي ان الاقتصاديين لايستطيعون القيام بتجارب يمكن السيطرة عليها في المختبر. في الكيمياء،مثلا، الكيميائيون لديهم القدرة لإختبار الفرضيات وتقييم النتائج. الاقتصاديون غالبا ما يحللون البيانات التاريخية اما على اساس قومي او وفق المناطق الجغرافية. عدم المقدرة على اختبار الفرضيات في بيئة تحت السيطرة ومنع التأثيرات الخارجية التي قد تؤثر على النتائج قاد البعض للاعتقاد ان الاقتصاد لا يجب اعتباره علما. غير ان نفس هذا الانتقاد ينطبق على كل العلوم الاجتماعية، وحتى فروع العلوم الطبيعية مثل الفيزياء فيها نظريات لم يتم التثبت منها بعد، لكن المجتمع مع ذلك،يقبل فرع الفيزياء كعلم.

كذلك،تكرار ظهور العوامل غير القابلة للقياس في الاقتصاد يسمح للنظريات المنافسة والمتناقضة احيانا لتتواجد مع بعضها جنبا الى جنب بدون ان يثبت احداها عدم صلاحية الآخرى.

واذا كان الاقتصاد يستعمل باستمرار طرقا علمية ورياضية لتعقّب الميول والتنبؤ بها ،فان النماذج المتنافسة والنظريات والنتائج عادة تمنع الاقتصاد من الوصول الى إجماع راسخ مثلما يحصل في العديد من العلوم الطبيعية. غير ان هذه التباينات والصراعات هي متأصلة في أي علم اجتماعي – كل منها يتطلب عنصرا من التفسير نادرا ما يوجد في العلوم الطبيعية. ان حقل الاقتصاد يحتوي على عناصر كمية ونوعية شائعة في كل العلوم الاجتماعية، وطالما توجد العلوم الاجتماعية كصنف من العلوم، فان الاقتصاد يتناسب مع هذا الصنف.

 

حاتم حميد محسن

 

 

"والفجر. وليالٍ عشر".. الفجر

ان الله جل وعلا وضع بين ايدينا الدلائل والبراهين على شكل ايات مرتبة حفظها القران الكريم لتكون الحجة والبرهان على خلق الله.

واذا تاملنا سورة الفجر المباركة واسرارطاقة الفجر العظيمة لوجدنا ان الله جل وعلا قد اقسم بالفجر"وانه لقسم لو تعلمون عظيم" ذلك لان الفجر هو ولادة يوم جديد وبه ترتبط الاحكام الشرعية للصلاة والصوم فاول صلاة هي صلاة الفجر وفيه يمسك الصائم عن الاكل.

والحقيقة ان ضعف الادراك الحسي بين الانسان وقوى الطبيعة يؤدي الى كم هائل من المشاكل الحياتية نتيجة الافتقار لذلك الادراك الذي يتناغم مع ايقاع الحياة، واذا ماوصل الانسان الى نقطة القناعة بان كل شئ يقوم على حساب دقيق عندها يكون قد ادرك حقيقته المرتبطة بالكون، فكل عجلة تحرك الاخرى كعجلات الساعة التي اذا ما تلكأت احداها فانها تؤدي الى اختلال جميع العجلات وتوقفها، فحياة الانسان هي نتاج ايقاعات معينة بين الانسان والكون، وعليه فالانسان ليس وجودا منفردا، وكل مايعانيه الان هو نتيجة فقدانه الوعي بالموجودات الكونية، فمثلا استبدال الليل بالنهار عند بعض الناس لسبب او لاخر قد سبب اضطرابا بفطرة الانسان التي انفطر عليها، وهذاالخلل سيؤدي الى اختلالات وعلل اخرى.

وفي علم الطاقة فان اضافة او جمع طاقة مع اخرى لايساوي طاقتين بل عشر طاقات او اكثر وهذه الطاقات بمجموعها تولد طاقة عظيمة اذا مااستثمر ريعها بصورة صحيحة ونحن نتحدث عن الطاقة الايجابية طبعا وذلك يتجسد بصلاة الجماعة فهل تسائلنا يوما لماذا نصلي جماعة؟ و الجامع من الجماعة فهو اذن جامع للطاقة الايجابية متجسدا بالخير الذي ينتج عن الطاقة الهائلة للمصلين فتوحد مسارات الطاقة باتجاه واحد ينتج عنه طاقة هائلة يكون ريعها استجابة الدعاء اذا اخذنا بالحسبان ان الطاقة تسير بخطوط مستقيمة وباتجاه واحد وان اي تشويش او خلل بالاداء يؤدي الى انكسارها وتراجعها وهذا مايفسر عند البعض عدم استجابة الدعاء.

هناك طاقة عظيمة تنزل من السماء وتهبط الى الارض بعد اذان الفجر وتدخل من خلال نقرة الانسان، وهي المكان المقعر كالمرآة المقعرة والتي تستقطب وتركز الضوء والنور وتجمعها وهذه النقرة موجودة عند التقاء الرأس مع العنق خلفا وتعتبر هذه النقرة هي مصدر استقبال الطاقة الداخلة من الكون الى جسم الانسان"وتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر"سبحان الله فهذا المسار الطاقي الذي يعتبر كالحبل السري الذي يمد الانسان بالطاقة يكون على أوجّهُ عند الفجر فعندما يكون الانسان صاحٍ فانه يستمتع بدخول هذه الطاقة التي تنعش روحه وجسده بنبضات ايجابية تجدد فيه الحياة وتنشط خلاياه وتبعث فيه الروح المتجددة المحبة للخير والعمل الصالح، بينما اذاكان الانسان نائما فهو يحرم من هذه الطاقة لان الانسان النائم لانفس له قال تعالى"الله يتوفى الانفس حين موتها" وعليه فانه يحرم من هذه النعمة ولذلك فان صلاة الفجر لها اسرار عظيمة تتجسد بالطاقات الهائلة التي تمد الانسان "ان قران الفجر كان مشهودا"وان الله انعم على عباده بهذه النعمة لتكون بداية يوم جديد ملئ بالحيوية والبركة، واذا تأملنا حياة اباؤنا واجدادنا للمسنا ذلك جليا فقد كان الانسان يحرص ايما حرص على النهوض عند الفجرلاداء الصلاة، وقد كان ينام على سطح الدار صيفا فيكون بتماس مباشر مع الاجرام السماوية التي تعج بالطاقة الكونية والتي سخرها الله لخدمته، فلاتستبعد ايها القارئ الكريم ان يكون هناك نجم لكل واحد منا مسؤول عن امداده بالطاقة، و من اروع انواع الطاقة هي طاقة الفجر، هذه الطاقة النورانية التي امرنا الله ان نحافظ عليها ونستثمرها متجسدة بصلاة الفجر وقد خصها جل وعلا في سورة كاملة"سورة الفجر"ثم ورد ذكر الفجر في اجمل واقوى سور القران الاوهي سورة القدر"سلام هي حتى مطلع الفجر" فهل تأملت ايها القارئ الكريم حجم السلام الذي يسود تلك الليلة المباركة والذي يسبق الفجر؟

وفي آية اخرى يقول جل وعلا"والصبح إذا تنفس" وقد ثبت ذلك علميا بان التنفس هو مصدر انتاج وتحريرالطاقة عند الانسان، وقد اثبت العلماء من خلال ابحاثهم ان احتراق جزئ من الاوكسجين (الذي يدخل الى جسم الانسان عن طريق التنفس) ينتج ستة وثلاثين جزيئا من جزيئات الطاقة، وهذه اشارة عظيمة على تنفس الصبح والطاقة التي تتولد في الفجر، ولذلك دعانا الله لصلاة الفجر لما فيها من طاقة وروحانية عالية يستفتح بها الانسان يومه وقد سماها الله قرانا (وقران الفجر ان قران الفجر كان مشهودا).

فصلاة الفجر لها منزلة عالية ابتداءا من النهوض والاستعداد والوضوء والسعي لادائها والبركة التي تنزل من خلالها والتي تتسم بالرزق المادي والمعنوي قال رسولنا الكريم"اللهم بارك لامتي في بكورها".

 

واذا تاملنا سورة الفلق والتي تعتبر من سور الطاقة باعتبار ان الله هو اعلى طاقة بالكون ومنه تستمد جميع المخلوقات طاقتها فنحن نستعيذ بالله وهو رب الفلق وهو الطاقة العظيمة"قل اعوذ برب الفلق" فالله تعالى يدعونا للاستعانة بطاقته من شر الطاقات الاخرى وهي طاقات هدامة مدمرة للانسان.

فهل فكرت وتدبرت ايها الانسان كيف يفلق الله الصبح وماالذي ينتج عن ذلك الفلق العظيم، من توزيع للارزاق وتقسيم للنعم على اسس محددة اقرها الله لعباده، منها الرزق المادي والمعنوي والرضا والقناعة مما يجعل الانسان يحيا حياة هانئة، وقد جاء في الحديث الشريف "اللهم فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا، إقض عني الدين واغنني من الفقر وامتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك"، فهل تأملت ايها القارئ الكريم ان الغنى قد اقترن بالفلق وماينتج عنه من السعي للرزق، وقد جاء الغنى هنا بكل وجوهه التي تشمل الرزق والصحة وقضاء الدين وكل تلك الوجوه اقترنت بطاقة الفلق والتي تتمثل بطاقة الفجر"سبحان الله".

ومن الناحية العلمية فقد اثبت العلماء وخلال عشرات التجارب ان القمح يتبرعم وينبت في وقت ثابت ومعلوم وهو نهاية الفجر وبداية فلق الصبح، فهل لفلق القمح علاقة بفلق الصبح؟ قال تعالى" ان الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون".

ان لصلاة الفجر ايقاعا في الروح والجسد فاستيقاظ الانسان باكرا يجعل امكانياته الذهنية والعضلية والنفسية في اعلى مستوياتها، فلاتحرم نفسك هذه النعمة الربانية التي يقدمها الله اليك على طبق من ذهب، وبما ان جسم الانسان يمتلك ساعة بيولوجية وهي عبارة عن مجموعة من الخلايا العصبية (حوالي عشرون الف خلية) مركزة في منطقة الدماغ وهي مسؤولة عن برمجة كافة وظائف الجسم، ومن نعم الله مخالفته بين اية الليل واية النهاروقد قدر ذلك بحساب دقيق فجعل النهار مبصرا ابتغاءا للرزق وجعل الليل مظلما لكي يهدا الانسان وتسكن جوارحه ويخلد الى النوم استعدادا لليوم التالي وقد سخّر الارض لهذه المهمة فهل تعلم ايها الانسان كم اكرمك الله وكم سخر لك الكون بمارحب قال تعالى"وجعلنا آية الليل والنهارآيتين فمحونا، آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرةً لتبتغوا فضلًا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئٍ فصلناه تفصيلاً".

ومن هنا نستنتج ان النمط الصحيح للحياة هو الذي يتماشى مع آياته وان اي خلل او اضطراب يؤدي الى اضطراب بالنظام الحياتي للانسان الذي حسبه الله له حسابا دقيقا لينعم بحياة سليمة خالية من الامراض العضوية والنفسية والاجتماعية فهل شكرت الله على نعمائه التي لاتعد ولاتحصى وهل شعرت بالامتنان لهذه النعم قال تعالى"وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها".

 

مريم لطفي

 

 

حسن الحضريمن أهم مقوِّمات البحث العلمي الصحيح: دقَّة المعلومة، وصحَّتها، وتوثيقها؛ لأن ذلك يساعد الباحث على الاستقراء الناجح، الذي يَنتُج عنه استنباطٌ صحيحٌ، يؤدي إلى التعامل البنَّاء مع موضوع البحث، فيخرج الباحث في النهاية بعمل جيد يمكن الإفادة منه في بناء نظريات صحيحة تنطلق بالمنظومة العلمية خطواتٍ في طريق التَّقدُّم.

وقد أفادت وسائل التقنية الحديثة، ابتداء من عصر الطباعة، في توافر المصادر والمراجع العلمية، التي من شأنها تيسير عملية البحث العلمي، وجعْلها أكثر إحاطة بعناصر موضوع البحث، لكن في الوقت نفسه ساعدت هذه الوسائل على ظهور جماعات من المخرِّبين، اندفعوا إلى العمل في مجال البحث العلمي والتحقيق دون أن تتوافر لديهم أدوات ذلك العمل، التي في مقدمتها سعة الاطلاع، والقدرة على الفهم والتحليل والاستنباط، فاكتظَّت المكتبات بمصنَّفات لا قيمة لها، ولا طائل من ورائها إلا التدليس والتزييف.

وفي عصر العولمة والانفتاح المعرفي الذي يعيشه العالم منذ سنوات؛ أتيحث وسائل علميَّة ومعرفيَّة لم تكن متاحة من قبل، كان من شأنها لو تمَّ التعامل معها بطريقة صحيحة، أن تؤثر بطريقة إيجابية ملموسة، على عملية البحث العلمي في شتى المجالات؛ حيث أصبح من السهل جدًّا تحليل المعلومة، واستقراء الشواهد والقرائن التي تساعد في إصدار حكمٍ صحيحٍ بشأنها، لكن نجد أن بعض الباحثين يطرحون كل ذلك جانبًا، ويتعاملون مع المعلومة بما يوافق أهواءهم، فلا نجد شيئًا جديدًا لديهم سوى المزيد من المغالطات، والنُّقول المرتبكة، والتوثيق العشوائي الذي يتَّكئون عليه بعد شيء غير قليل من التحريف الذي يدلِّسون به معلوماتهم بقصدٍ أو بغير قصد، والأدهى من ذلك أن بعضهم يخوضون في موضوعات لا عِلم لهم بها، ولا يعرفون شيئًا عن ماهيَّتها أو منهجيَّتها التي تمكِّنهم من سَبْرِ أغوارها، فيخرجون في النهاية بمُنتجات عبثيَّة تستنزف وقت وجهد المختصِّين في نقدها وكشفِ عوارها.

وبذلك أصبحت عملية البحث العلمي الآن تواجه تحدِّيات أشدَّ خطرًا منها في عصر ما قبل التكنولوجيا؛ حيث يقوم بعض المخرِّبين بممارسة هوايتهم التي تتمثل في الدفع بكميات ضخمة من المعلومات المغلوطة، التي تتضمَّنها بحوث علمية ضعيفة أو تحقيقات سيئة لكتب التراث، أو مبالغات في تقريظ كتب رديئة، ومبالغات أخرى في الحطِّ من شأن كتب جيدة، أو مؤلفات نقدية قائمة على تنظيراتٍ هدَّامة، وذلك كله في إطار عاملٍ رئيسٍ هو الجهل، وهدف وحيدٍ هو التضليل؛ ولا يمكن القول بأن هذا (العبث البحثي) لم يكن موجودًا قبل عصر التكنولوجيا؛ لكن يمكن التأكيد على شيوعه في العصر الحاضر بحيث يُعَدُّ ظاهرة يجب التصدي لها؛ فذلك (العبث) كان في العصور السابقة محدود الانتشار والأثر، بخلاف عصرنا الحالي الذي توافرت فيه عوامل الذُّيوع والانتشار.

فهذا العصر الذي أتيحث فيه وسائل التمحيص والتدقيق؛ اختلطت فيه بعض الأمور لدى العامَّة، وظهرت كيانات من العابثين، أقحموا أنفسهم في مجالات شتى، بعضها يفوق قدراتهم وقدرات المؤسسات التي يعملون لحسابها، ومِن بين تلك المجالات التي أصبحت فريسة لتطفُّلهم مجال البحث العلمي وتقنية المعلومات؛ حيث أصبح يخوض في هذا المجال بعض من لا معرفة لهم بطبيعته أو أدواته أو طرقه المنهجية أو نحو ذلك من أسس وقواعد البحث العلمي.

وبعض الباحثين يتلقَّفون «قُشور الكلام»، أو ينساقون خلف لفظ مصحَّف أو معنى محرَّف، ثم يحاولون تأصيله باعتباره صحيحًا، ويؤسِّسون عليه نظريات أو مصطلحات واهية، وينسبونها زورًا إلى غير قائليها، دون تدقيقٍ للنظر أو إِعمالٍ للفكر، ولا يعنيهم سوى نظرة سطحية لمعلومةٍ هنا أو هناك، يتشبَّثون بها في دعم أبحاثهم الضعيفة، دون اهتمام بمدار الكلام أو دلالة اللفظ أو سياق التعبير، فنَتَج عن ذلك كمٌّ من المؤلفات التي تدور في حلقات مفرغة لا تصطدم فيها بمعلومة ذات قيمة، وقد ساعد على انتشار هذه الظاهرة وجود أعداد كثيرة من دور النشر والمؤسسات البحثية التي لا خبرة لها بهذا المجال، إضافة إلى اعتمادها على أناسٍ غير مؤهلين لهذا العمل، الذي يتطلب القدرات العقلية والفكرية، والحسَّ النقدي المرهف القادر على التعامل مع المعلومة وفْق قواعد العلم الذي يندرج تحته موضوع البحث، ولا تكفي كثرة الممارسة لإتقان العمل البحثي؛ لأن العلم هبة من الله تعالى، وقد بيَّن الله ذلك في مواضِع عديدة من القرآن؛ منها قوله تعالى: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) [النحل: 27]، وقد وردت هذه الجملة في تسع آيات من القرآن الكريم، كما ورد معناها بألفاظ مختلفة في آيات أخرى؛ والاستعداد العقلي لفهم المسائل العلمية والتعامل معها هو أمرٌ ملازمٌ لصاحبه منذ صِغَره؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما بعثَ اللهُ عزَّ وجلَّ نبيًّا إلا وهو شابٌّ، ولا أُوتِيَ عالمٌ عِلمًا إلا وهو شابٌّ» [أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (6/ 283/ 6421)].

وقد وقعت مؤلفات كثيرة ما بين تراثية ومعاصرة، ضحية لهذا العبث الذي تعيشه المنظومة البحثية على أيدي أولئك الدُّخلاء، الذين تعرَّضوا لهذه المصنَّفات فأفسدوها بجهلهم، كما وُلِدَت على أيديهم مصطلحات ومفاهيم ونظريات لا معنى لها، فأصبح على الباحثين الجادِّين تنقيح المصنَّفات الجيدة وتهذيبها مما لحق بها، إضافة إلى الكشف عن مثالب المصنفات الضعيفة التي يضرُّ وجودها بالمنظومة العلمية.

ولن يكون الأمر صعبًا إذا تمَّ التعامل مع المعلومة بطريقة منهجية شمولية صحيحة، بحسب القواعد العامة للعمل البحثي، والقواعد الخاصة بكلِّ علمٍ، مع مراعاة الالتزام بالحيادية والموضوعية، وتقديم القواعد على الرأي، وترك التقليد في الأمور التي يتسع فيها المجال للاجتهاد وفق آليَّاته الصحيحة.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

علي رسول الربيعيتتمثل إحدى الطرق الجيدة لفهم النزاع حول الاتحاد الكندي هي إلقاء نظرة على الميثاق الكندي للحقوق لعام 1982 الذي تبلورت حوله المواقف المختلفة للكبيكيين والكنديين الإنجليز. ينص الميثاق الكندي، من الناحية القانونية، على عدد من الحقوق الفردية بطريقة مشابهة لدستور الولايات المتحدة. توفر هذه الحقوق الحماية للأفراد من تعدي الحكومة (وغيرها من المنظمات) وينص على إجراء مراجعة قضائية للتشريعات على جميع مستويات الحكومة. تكمن مشكلة الكيبيكين (والشعوب الأصلية عموما) في تعارض هذه الحقوق الفردية أحيانًا مع التدابير التي تعتبر ضرورية لبقائهم كمجموعة ثقافية مستقلة أو متميزة. على سبيل المثال، أصدرت كيبيك العديد من القوانين بهدف السعي لضمان الحفاظ على اللغة الفرنسية التي تعتبر ضرورية للثقافة المميزة للكيبيكين الفرنسيين. وتشمل هذه القيود على من يمكن تعليمه في مدارس اللغة الإنجليزية؛ شرط أن تستخدم الشركات ذات الحجم المعين الفرنسية؛ وحظر اللافتات التجارية بأي لغة غير الفرنسية. هذه القيود لها ما يبررها من حيث الصالح الجماعي لبقاء اللغة الفرنسية. لكن تتعارض جميعها مع ميثاق 1982.

أدت المحاولة المشتركة لاستيعاب مطالب اهل الكيبك إلى صياغة اتفاق  يعترف بكيبك كـ "مجتمع مستقل" داخل كندا. كان من شأن ذلك أن يسمح بتفسير الميثاق في كيبيك بشكل مختلف عن باقي أجزاء الدولة. لكن هذا كان غير مقبول من قبل الكنديين الأنجليز، لأنه قوض مبرر وجود الميثاق بأكمله الذي كان يضمن حقوقًا متساوية لجميع الكنديين. يتعاطف تايلور مع الكيبكيين  وتطلعهم لحماية اللغة الفرنسية. ويتفق مع المدافعين عن الميثاق على أنه من المهم حماية الحقوق الأساسية، لكنه يؤكد أيضًا أن شيئًا ما قد حدث خطأً "في الحديث عن الحقوق الأساسية لأشياء مثل اللافتات التجارية باللغة التي يختارها المرء".[1] إن المفهوم الواسع للحقوق الفردية التي تعتبر دائمًا لها الأسبقية على الأهداف الجماعية سوف يستبعد بالضرورة حل المشكلة الكندية.

إن محاولة جعل الليبرالية الإجرائية أساس الوحدة الكندية غير شرعية ومحكوم عليها بالفشل من وجهة نظر تايلور. لأنه يمثل فرض نموذج مجتمع ما على مجتمع آخر، فلا يمكن أن ينجح هذا للديمقراطية الكندية في ظروف اواخر القرن العشرين.[2] لذلك، يجب إيجاد أساس آخر للتوفيق بين المجتمعين. يعتقد تايلور أن بقاء الاتحاد الكندي يعتمد على الاعتراف بالتنوع العميق في جوهره ؛ تنوع يتجاوز تنوع المستوى الأول للاختلافات الفردية.

إن طريقة أن تكون كنديًا بالنسبة إلى اهل الكيبيك، ولمعظم الكنديين الفرنسيين، (وبالنسبة لأولئك الذين ما زالوا يريدون أن يكونوا) هي من خلال انتمائهم إلى عنصر مكون في كندا، أو لأمة كيبيكين، أو كندي فرنسي. هناك شيء مشابه ينطبق على مجتمعات السكان الأصليين في هذا البلد؛ طريقتهم في أن تكون كنديًا لا يتم استيعابها من خلال الغوص من المستوى الأول .... لبناء بلد للجميع، سيتعين على كندا أن تسمح بالتباعد من المستوى الثاني أو `` العميق ''، حيث سيكون تعدد طرق الانتماء أيضًا أقرت وقبلت.[3]

يجب أن تكون هوية كندا فسيفساء، تجمع بين التنوع العميق - الاعتراف القانوني بالاختلافات الثقافية - مع الشعور بالانتماء إلى المجتمع نفسه. ما لم يحدث ذلك، فإن صنع القرار الديمقراطي الحقيقي أمر مستحيل لأن جزءًا واحدًا من البلاد سيستمر في الشعور بأنه مستبعد مما يربط الباقي معًا. ومع ذلك، فإن هذه الرؤية الخاصة بالاتحاد الكندي كمجتمع يعترف بالتنوع العميق في قلبه والذي يتم فيه التعرف على كيبيك على أنها `` مجتمع مستقل ''، حتى على المستوى النظري، أكثر إشكالية مما يجيزه تايلور او تعالجه طروحاته . السؤال الذي يصبح ملحاً هو: ما الذي يبقى كأساس محتمل لأي وحدة كندية؟ لقد أكد تيلور على ضرورة أن يرى الأفراد أنفسهم كأعضاء في شعب إذا كان للقرارات الديمقراطية أن تكون ملزمة. كما رفض الليبرالية الإجرائية كأساس مناسب لهذه الوحدة.

يقر تايلور بأن هذا "سؤال وثيق الصلة بالموضوع".[4] ومع ذلك، فإن محاولته للإجابة عليه غير مرضية. يستحضر تاريخًا مشتركًا وهوية وطنية مشتركة.

بالنسبة لعدد غير محدد ولكن كبير من الكنديين من كلتا المجموعتين اللغويتين، أصبح تاريخ ارتباطهم بأشخاص من اللغة الأخرى جزءًا من إحساسهم بهويتهم الوطنية. بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، سيكون هذا بمثابة خيط واحد من شعور متعدد الجذور بالوحدة الكندية. لكنها أساسية. إذا كان هذا سيصل إلى حد الانقسام - كما حدث بالتأكيد للعديد من الكنديين - فلن يكون أي من الآخرين كافياً للحفاظ على تماسك البلاد. [5]

ومع ذلك، من الواضح أن الجملة الأخيرة تقوض الاتجاه العام لادعاءات تايلور. قد يكون محقًا في القول بأن "الطلب على السمات أو الأهداف أو الأغراض المشتركة".[6] يضعف بشكل فعال الوحدة الكندية لكنه لم يقدم أي مؤشر حقيقي عما يمكن وضعه في مكانهما. علاوة على ذلك، نتيجة لحجج تايلور الخاصة، نرى أنه يجب أن يكون هناك شيء ما - بعض الصالح العام - مما يجعلهم شعبًا إذا كان على كندا أن تعيش وتزدهر ككيان سياسي ديمقراطي.

يقدم تايلور سببين رئيسيين لرفضه أن يكون متشائماً بهذا الخصوص. أولاً،" يدعي أن التنوع العميق هو الصيغة الوحيدة التي يمكن من خلالها إعادة بناء كندا الفيدرالية الموحدة، بمجرد أن نتذكر الأسباب التي تجعلنا جميعًا بحاجة إلى كندا - وهي بالتحديد، من أجل القانون والنظا، والتوفير أو التجهيزالجماعي للحاجات، والمساواة في الإقليم، والمساعدة المتبادلة".[7]  من غير الواضح في الواقع أن كل هذه الأمور ستكون مستحيلة بدون كندا الفيدرالية، ولكن هناك مشكلة نظرية أعمق. إذا كانت الهوية الأساسية للأشخاص، على سبيل المثال، كاهل الكيبك، حتى لو كانوا بحاجة إلى الانضمام إلى الكنديين الآخرين لتحقيق هذه الخيرات، فإن أساس هذه العلاقة يبدو مريبًا. لقد جادل تايلور نفسه بوضوح في أن تأمين الخيرات المشتركة بهذا المعنى لا يكفي لجعلهم شعبًا واحدًا بدلاً من تحالف من اجل مصلحةلوقت مناسب.

ثانيًا، يشير تيلور إلى أن الوضع الكندي يتكرر، بدرجة أكبر أو أقل ومع اختلافات محلية، في عدد كبير من المجتمعات. لذلك، فإن نموذج المواطنة الموحدة غير مناسب على نطاق واسع. على الرغم من أن العالم قد يحتاج بالفعل إلى نماذج أخرى من المواطنة، إلا أن هذا في حد ذاته لا يكفي لإظهار أن التنوع العميق هو مفهوم بديل عملي للمواطنة الديمقراطية. إن إشارة تايلور إلى تجربة الاتحاد الأوروبي، حيث يدعي أنه رغم ما تم من  منح "مساحة تنفس" أكبر للمجتمعات الإقليمية مثل البريتون والباسك والكتالو،  الأً أنه هي أقل من تكون مطمئنة.[8] حتى أفضل أصدقاء الاتحاد الأوروبي لن يدعوا أن المساءلة الديمقراطية لمؤسساتها هي إحدى نقاط قوتها. وحتى إذا تم تحقيق قدر أكبر من الحرية للمجتمعات الإقليمية داخل الاتحاد الأوروبي، فانه هذا الادعاء  معرض للتشكيك، قد تم تحقيقه من خلال المراسيم البيروقراطية وعبر العمليات والمؤسسات الديمقراطية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

[1] Taylor, Reconciling the Solitudes, p. 176.

[2] Taylor, Reconciling the Solitudes, pp. 178-9.

[3] Taylor, Reconciling the Solitudes pp. 182-3.

[4] Taylor, 'Reply and rearticulation', p. 255.

[5] Taylor, 'Reply and rearticulation', p. 255.

[6] Taylor, 'Reply and articulation', p. 255.

[7] Taylor, Reconciling the Solitudes, p. 183.

[8] Taylor, Reconciling the Solitudes, p. 184.

 

 

علي المؤمنهناك جهتان نفعيتان داخلية وخارجية ظلتا تحاولان، ولا تزالان، خلق مرجعية أو رمزية دينية شيعية تنسجم مع إرادتها وتحقق مصالحها، وهما:

1ـ جماعات الضغط والمصالح داخل الحوزة العلمية.

2ـ الأنظمة السياسية المحلية والدولية، ولا سيما بريطانيا والنظامين الشاهنشاهي الإيراني والبعثي العراقي. ثم دخلت أنظمة السعودية وأمريكا والإمارات وإسرائيل على خط التدخل في الشأن الحوزوي والشيعي بعد سقوط النظام البعثي في العام 2003، وباتت أجهزة مخابراتها تتولى مهمة خلق الخلافات في الحوزة والواقع الشيعي، ومحاولة خلق رمزية شيعية تابعة لها.

وتستخدم هاتان الجهتان وسائل تأثير مهمة، أبرزها:

1ـ الدعاية والترويج والإعلام؛ لمصلحة الشخص الذي يريدون إيصاله إلى مستوى المرجعية والرمزية، وضد من يريدون تسقيطهم من الأشخاص المنافسين أو الذين يحولون دون ضرب سياقات الحوزة.

2ـ المال؛ لدعم الشخص الذي يريدون إيصاله، دعماً مباشراً أو غير مباشر، وشراء الذمم بمختلف الوسائل ، ومحاولة تسقيط الآخرين.

3ـ الضغوط الاجتماعية والسياسية والمخابراتية.

ودون شك؛ لا تستطيع الدول الأجنبية تحقيق أيّ هدف لها في هذا المجال دون وجود جماعات ضغط داخلية متعاونة. وبالتالي؛ فإنّ الخطر الأساس يكمن في جماعات الضغط الداخلية المتعاونة مع دول خارجية، لتحقيق هدف مشترك؛ لأنّ خطرها مركب. وأُنموذجها الجماعات التي كانت تعمل مع النظام الشاهنشاهي الإيراني والنظام البعثي العراقي، أو لا تزال تعمل بشكل مشترك مع بريطانيا وأمريكا والسعودية، وهي ظاهرة جديدة لم تعرفها الحوزة العلمية من قبل القرن العشرين الميلادي.

أمّا جماعات الضغط الداخلية التي تعمل بمفردها، ولأهداف حوزوية أو مصلحية صرفة، ولا ينطوي حراكها على أهداف سياسية وارتباطات بالخارج؛ فهي موجودة منذ نشوء الحوزة، وضررها أقل بكثير؛ بل لا يتسبب بعضها بضرر؛ لأنه يعمل بنية الحرص على الحوزة غالباً. وهذه الجماعات هي أكثر قدرة على تحقيق أهدافها من جماعات الضغط المتعاونة مع دول أجنبية؛ لأنّ جماعات الضغط المستقلة أكبر عدداً وأكثر تأثيراً، وتستخدم وسائل تقليدية متعارفة، فضلاً عن أنّ أغلب أفرادها من أصحاب العمق الاجتماعي الديني في الحوزة.

وإلى جانب جماعات الضغط الداخلية المستقلة؛ هناك جماعات ضغط خاصة، تعمل لمصلحة جماعة أُخرى أكبر أو رمزية أو مرجعية معينة، كما ذكرنا سابقاً. هذه الجماعات تكون ـ غالباً ـ مكشوفة وتعمل بوسائل تتعارض مع الرأي العام الحوزوي. ولذلك يكون تأثيرها محدوداً، وإن حظيت بأدوات دعاية وميزانيات مالية كبيرة.

هذا الحجم الهائل من محاولات الاختراق التي تقوم بها الدول الأجنبية والخصوم السياسيين والإيديولوجيين الخارجيين، بالتعاون مع عناصر داخلية؛ يفرض السؤال التالي: هل حققت هذه المحاولات أهدافها في خلق مرجعيات دينية أو رمزيات حوزوية عبر الدعاية والمال والضغوطات؟

من خلال البحث في الوقائع التاريخية، والتقصي الميداني للحاضر القائم، يمكن الجزم بأنّ عناصر الدعاية والمال والعمل المخابراتي والضغوطات السياسية لم تنجح خلال المئة وعشرين عاماً الأخيرة في خلق مرجعية دينية أو رمزية حوزوية شيعية موالية لها إطلاقاً، وإنّ كل المحاولات كانت تفشل بمرور الزمن أو تموت في المهد. هذا من جهة محاولات الدول الأحنبية وجماعات الضغط المرتبطة بها.

أمّا من جهة جماعات الضغط الداخلية المصلحية التي تعمل بمفردها، سواء العامة أو الخاصة؛ فإنّها لا تستطيع تغيير المعادلات المرجعية والحوزوية، إلّا بمساحات محدودة. وكل ما يقال في هذا المجال إنّما هو حكايات وسرديات لا واقع لها، أو وقائع انتقائية جزئية لا تؤثر في الخط العام للمرجعية.

لقد بذلت السعودية ـ مثلاً ـ بعد العام 2003 مساعٍ كبيرة وبذلت أموالاً طائلة لخلق مرجعيات ورمزيات دينية شيعية عراقية وإيرانية ولبنانية؛ لكنها فشلت فشلاً ذريعاً، وتحوّل الأشخاص الذين تعاونوا معها وحصلوا على دعمها إلى أدوات مكشوفة للتخريب فقط، دون أن يكون لهم حضور ديني حقيقي. قد تستطيع حكومات السعودية وبريطانيا وأمريكا خلق وتحريك عشرات المعممين وبعض الخطباء ونجوم الإعلام الديني؛ لكنها لا تستطيع خلق رمزية دينية أو مرجعية معترف بها حوزوياً في العراق أو إيران أو أيّ بلد آخر، حتى لو أنفقت مليارات الدولارات، وخصصت ألف قناة فضائية ومؤسسة إعلامية.

وهو الحال نفسه مع جماعات الضغط الخاصة التابعة لجهة أو مرجعية غير مصنّفة وفق السياقات الحوزوية المتعارفة؛ فهي تفشل ـ عادة ـ في تحقيق أهدافها النهائية. نعم، ربما تحقق أهدافاً مقطعية مقبولة حوزوياً؛ لكنها لن تستطيع إيصال مرجعها ورمزيتها إلى موقع المرجعية العليا مهما بذلت من جهود. مثلاً؛ في الأعوام 1999 إلى 2001 كان اثنان من مراجع الدين في خارج العراق تصلهم أموال شرعية وتبرعات كبيرة من أنصارهم، ولديهم مؤسسات وأوقاف واسعة، تُعدّ ضمن المؤسسات الأكثر ثراءً على مستوى العالم الشيعي. وفي الوقت نفسه يمتلكان إعلاماً منظماً واسعاً، ويعيشان فضاءً منفتحاً وحراً، ويحظيان بدعم تيارات منظمة. بينما كان السيد علي السيستاني في النجف يعاني حصاراً وعزلة على يد النظام البعثي العراقي، وليس لديه فضائيات ولا وسائل إعلام ولا حرية حركة؛ لكن السياقات والأعراف الحوزوية أخذت مجاريها الطبيعية، وبرز السيد السيستاني مرجعاً أعلى دون أن يكون للمال والإعلام تأثير في فرزه، بل ولم يكن لجماعات الضغط الداخلية تأثير أساسي. نعم؛ كان لهذه الجماعات تأثير في الترويج لمرجعيته، وهو أمر طبيعي؛ إلّا أنّ دور أهل الخبرة والعرف العام الحوزوي كانا هما الأساس في تثبيت مكانة السيد السيستاني.

ولا تقتصر هذه الممانعة على الحوزتين المركزيتين في النجف وقم؛ بل تسري على كل الحوزات العلمية الأُخر. فعلى مستوى الحوزة والمرجعية في إيران؛ فإنّ اختراق السياقات والأعراف الحوزوية بات شبه مستحيل بعد العام 1980، مع عملية المأسسة والضبط والتوسع. أمّا حوزة النجف؛ فبرغم ما قد يلاحظ عليها من بساطة التنظيم والضبط؛ إلّا أنّ هذه البساطة تخفي وراءها نظاماً في غاية التعقيد والضبط، وهو نظام يتمتع بسياقات وأعراف موروثة متراكمة حادة، تحول دون تمكن أية جهة أجنبية أو جماعة داخلية من تغيير معادلاتها وحرف مسارها. لذلك؛ فإنّ الكلام عن أنّ المرجعية العليا تصنعها الأموال والدعاية والأنظمة؛ إنّما هو كلام مبني على كثير من الوهم والخصومة، وقليل من التفاصيل التي تفتقد إلى الدلالة.

مفهوم (الحواشي) في مؤسسة المرجعية

 يُطلق مصطلح (الحاشية) في الحوزة العلمية على الفريق الخاص بالمرجع الديني ومستشاريه والحلقة الخاصة الملازمة له، وهو يشابه مفهوم حاشية الرئيس وحاشية الزعيم وحاشية أيّ متصدٍ بارزٍ لشأن مهم من شؤون الحياة. ولا يقتصر المصطلح على الحاشية الخاصة بالمرجع؛ بل يتسع أيضاً للمجموعات المحيطة بالكيان المرجعي للمرجع، والعاملة داخله. ومن شروط الحاشية: الملازَمة والحضور الشخصي والمعنوي في صلب هذا الكيان المرجعي، وخاصة في مكتبه أو ما يسمی بـ (البرّاني)، وليس بالضرورة أن تكون ملازِمة لشخص المرجع، فضلاً عن الالتزام بحفظ مصالح هذا الكيان والترويج له والدفاع عنه.

ويشكل أعضاء منظومة الحاشية بمجموعهم فريق العمل المرجعي، وبينهم مستشارون في المجال الفقهي والعلمي، وآخرون في الشأن المالي، أو في شؤون الوكلاء والمعتمدين أو في شؤون الحوزة العلمية أو الشأن العام. ويعود حسن تنظيم عمل الحاشية وحجم تأثيرها في القرار إلى طبيعة شخصية المرجع نفسه، ووعيه وقدرته على الإدارة والتدبير؛ فكلما ضعفت هذه القدرة ازداد نفوذ الحاشية نفوذاً سلبياً.

ويختلف دور الحاشية ومهامها وتأثيرها وفق مراحل صعود المرجع وعمره البايولوجي والمرجعي؛ ففي بداية عهد الفقيه بالمرجعية يكون دور الحاشية تنفيذياً وترويجياً غالباً، وتحظى برقابة المرجع نفسه واهتمامه. ولكن بتقدم المرجع في العمر واتساع حجم مرجعيته؛ تنتقل هذه المسؤولية تدريجياً إلى أبناء المرجع، ولا سيما الابن الأكبر الفاعل الذي يقود مكتب إدارة المرجعية.

ووجود الحاشية كفريق عمل ملازم للمرجعية الدينية منذ نشاتها؛ أمرٌ طبيعي وضروري. إلّا أنّ تبلور عمل الحاشية واختصاصاتها بدأ مع ثورة المشروطة في إيران وارتداداتها في العراق. لذلك برزت الحواشي شبه المنظمة مع مرجعية السيد محمدكاظم اليزدي ومرجعية الشيخ الآخوند محمدكاظم الخراساني وقيادة السيد عبدالله البهبهاني الغريفي. ثم شهدت تطوراً ملحوظاً في زمان مرجعيتي السيد حسين البروجردي والسيد محسن الحكيم ثم الإمام الخميني. فمنذ عقد الخمسينات في القرن الماضي؛ توسع حجم الحواشي وانتظمت مهامها وتوصيفاتها الوظيفية؛ أي مع تضخم بيت المال الشرعي بالواردات الانفجارية من تجار أسواق طهران وإصفهان ومشهد وتبريز المرکزية، ثم تجار بغداد والكويت ودبي، وهي نماذج مدن أثرياء الشيعة المتدينين.

وكانت حاشية السيد محسن الحكيم وحاشية الإمام الخميني من أكثر الحواشي تنظيماً وفاعلية وحجماً في وقتيهما، وهما أول من أدخل الاختصاصيين من غير علماء الدين ضمن صفوفهما؛ بل إنّ شؤون الثورة والدولة؛ كرست حضور غير علماء الدين في حاشية الإمام الخميني بعد العام 1979.

وتُعدّ محاولة السيد الشهيد محمدباقر الصدر لمأسسة عمل الحاشية رائدة في مجالها؛ فقد نظّر لتحويلها إلى لجان مؤسساتية أو مديريات متخصصة ترتبط بها دوائر وفروع، وترتبط جميعها بلجنة عليا يترأسها أو يشرف عليها المرجع نفسه. وتقوم هذه اللجان بضبط أعمال المرجعية على كل الصعد، العلمية والإدارية والمالية والاجتماعية والسياسية؛ للحيلولة دون استفحال قوة جماعات الضغط والمصالح. وهذه المحاولة الرائدة كانت جزءاً من نظريته: (المرجعية الرشيدة)، التي طرحها بعد العام 1975، وأعلن عنها في العام 1979، وبدأ العمل بها بشكل مبدئي.

ولا شك أنّ تطور عمل المرجعية وكثرة عدد المقلدين واتساع مساحة الشأن العام؛ أدى تلقائياً أيضاً إلى تطور عمل مكاتب المراجع الإدارية، وبلوغها مستويات نسبية من المأسسة. فقد كان مكتب المرجع يسمى «البرّاني»، مقابل «الدخلاني» الخاص بالعائلة. و«البرّاني» هو الجزء الخارجي من بيت المرجع، ويمارس المرجع من خلاله عمله المرجعي ويستقبل ضيوفه. ويدلّ «البرّاني» على معنيين، الأول دلالة على المكان، والثاني دلالة على الاختصاص، أي أنّه بمثابة المكتب المركزي للمرجع. ولا يزال «البرّاني» يُستخدم كمصطلح يدل على المكان، بينما بات أغلب المراجع يستخدمون مصطلح المكتب للدلالة على الاختصاص. كما بات مصطلح «البيت» متداولاً في الوسط الحوزوي للدلالة على مكتب المرجع أيضاً.

وقد تطور شكل الحاشية أيضاً بمرور الزمن، وباتت فيها مراتب، على أُسس البعد والقرب من المرجع، والمستوى العلمي، والاختصاص:

1-  أُسرة المرجع: وهم عادة أولاده وأصهاره وإخوته من علماء الدين. ويكون الفاعل الأساس بينهم الابن الأكبر للمرجع عادة، أو الابن الأكثر فاعلية وتدبيراً وثقة عند أبية، والذي يكون في الوقت نفسه مسؤولاً عن الشؤون الخاصة بالمرجع، وعن المكتب (بيت المرجعية الخارجي أو ما كان يعرف بالبرّاني)، والرابط بين المرجع والحاشية والوكلاء ومسؤولي الدولة. وهو موضوع يتصل بالثقة التي يحظى بها الابن، والخصوصيات المتصلة ببعض مفاصل العمل المرجعي. وهذا التقليد في المنظومة الدينية الاجتماعية الشيعية ظل متوارثاً منذ بداية غيبة الإمام المهدي، أي منذ عهد السفراء الأربعة قبل 1250 عاماً تقريباً؛ فقد كان الشيخ محمد ابن الشيخ عثمان العمري الأقرب إلى أبيه السفير الأول، ثم أصبح السفير الثاني من بعده. وهكذا الشيخ حسن ابن الشيخ أبي جعفر الطوسي، والذي كان يسمى «المفيد الثاني»، ولا يزال هذا التقليد متبعاً حتى الآن.

ولعل من أكثر القضايا حساسية في مؤسسة المرجعية هي حركة أولاد المراجع وأصهارهم؛ فهي تحت المجهر والأضواء على الدوام، ويتم التفتيش عنها، ولا سيما من الخصوم النوعيين أو الفكريين؛ لتضخيم الأخطاء والمبالغة في الروايات، وتعميمها على شخص المرجع وكيان المرجعية والحوزة. وهذه الحساسية تجعل كثيراً من الناس (البسطاء منهم والمغرضون) تتلقى هذا اللون من الدعاية كمسلمات، وترددها دون تفحص.

2-  حاشية المرجع الخاصة: وهم فريقه الخاص الذي يتكون غالباً من عدد محدود من كبار تلاميذه القدماء الثقات المقربين، ويُطلق عليهم أيضاً «الخواص» أو «الطبقة الأُولى»، وهم عادة مجتهدون وأساتذة بحث خارج وعلماء دين مرموقون، ويتميزون بتقدم السن، وقدم العلاقة بشخص المرجع، والخبروية العلمية والاجتماعية. ويكون أولاد المرجع وأصهاره وإخوته من علماء الدين المرموقين ضمن الحاشية الخاصة عادة. ويتواصل «الخواص» مع المرجع بشكل مباشر ويحضرون مجلسه التداولي الخاص. وتدور مداولاتهم ـ عادة ـ حول أوضاع الحوزة والشيعة ومستحدثات المسائل الفقهية والرؤى العلمية الجديدة. وليس من الضروري أن يعمل جميع أعضاء هذا الفريق الخاص في مكتب المرجع؛ بل يكون لبعضهم كياناتهم الخاصة. أمّا من يعمل منهم في المكتب فهم ـ عادة ـ المسؤولون عن لجان الاستفتاءات والأموال الشرعية وشؤون الحوزة والوكلاء وقضايا الشأن العام، وهي مسؤوليات ليست وظيفية؛ بل ترتبط بالجانب العلمي والاستشاري والتدبيري.

3- حاشية المرجع العامة: وهم الفريق العام الذي يضم عدداً أكبر من الفريق الخاص، ويتكون من أبرز مسؤولي مكتب المرجع وأعضاء اللجان، وكذلك تلاميذ المرجع من الشباب أو الأدنى في المستوى العلمي؛ أي أساتذة السطوح العالية (المكاسب والكفاية)، ويسمّون: «الفضلاء»، وهؤلاء يحضرون المجلس العام للمرجع، وهم «الطبقة الثانية» من الحاشية، وهم الأقل تأثيراً في قرار المرجعية من الحاشية الخاصة؛ لكنهم أكثر عدداً وفاعلية في صناعة الرأي العام الحوزوي.

4- حاشية الحاشية: وهم حاشية ابن المرجع (المسؤول عن المكتب) وفريقه، أو حواشي خواص المرجع، وهم «الطبقة الثالثة». وبرغم انعدام تأثير هؤلاء في القرار المرجعي؛ إلّا أنّهم الأعلى صوتاً في الأوساط الاجتماعية الحوزوية وفي المساهمة في صناعة الرأي العام الحوزوي. وهي تتألف غالباً من الفضلاء في المستوى الحوزوي (أساتذة السطوح).

وبين طيات الحواشي؛ تعمل جماعات الضغط والمصالح على مد نفوذها للتأثير في الرأي العام الحوزوي. وهي جماعات ينطلق بعضها مما تعتقده فهماً عميقاً لمصالح الحوزة والمرجعية والواقع الشيعي، وتعتقد أنّها تقوم بواجبها الشرعي حفاظاً على مصالح المذهب، أي أنّ منطلقاتها ليست لمصالح ذاتية خاصة بالفعل، بينما تعمل أُخرى لمصالحها الخاصة، وإن غلّفتها بمسوغات ترتبط بالمصلحة العامة.

  وتتحمل الحاشية المسؤولية عن سمعة المرجعية وصورتها أمام الناس والعالم؛ فهي بأفعالها وتصرفاتها يمكن أن تتسبب في تشويه صورة المرجعية والحوزة، أو أنّها تحافظ على نقاء صورة المرجعية ولمعانها؛ لأنّ هذه الطبقة هي الفاعلة ميدانياً والنشطة في إطار كيان المرجعية، وتكون عادة على تماس مباشر مع الناس ومع السياسيين والحكومات والتجار.

وثمة مشكلة أساسية تختلقها بعض الحواشي من الطبقتين الثانية والثالثة، وهي أنّها تحوِّل الخلاف في الرأي الفقهي والسياسي والاجتماعي والفكري بين المراجع إلى خلاف مقدس وخلاف في صلب الدين، وليس في فهمه. ولذلك؛ فإنّ الخلافات بين حواشي المراجع أو بينها وبين الآخرين من أفراد وجماعات ثقافية وسياسية واجتماعية ومالية؛ إنّما هي خلافات شخصية أو مصلحية، ولا تعبر بالضرورة عن مواقف المراجع أنفسهم؛ وإن حاولت بعض جماعات المصالح والضغط نسبتها إلى المراجع أنفسهم؛ للوصول إلى أهداف نفعية؛ بل لعل المرجع لا يعلم بها أساساً. ومن هذا المنطلق؛ يؤكد حكماء الحوزة دائماً على ضرورة عدم الخلط بين رؤية الخط المرجع والخط المرجعي العام، وبين سلوك الحواشي أو خطاب جماعات المصالح. وبالتالي؛ فإنّ ضبط سلوك الحواشي والخطوط الخاصة وجماعات الضغط لا يتيسّر إلّا بمأسسة الحوزة العلمية ومنظومة المرجعية.

وكما ذكرنا سابقاً، ينبغي عدم الخلط بين الحواشي وجماعات الضغط التابعة للمرجعيات من جهة، وجماعات الضغط والمصالح المرتبطة بأجندات معادية للحوزة وللواقع الشيعي. ولعل الخطاب الأخطر الذي تروّج له جماعات المصالح والضغط المرتبطة بمخططات خارجية معادية، عمل فجوة بين المرجعية العامة والحوزة في النجف من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران وحوزة قم والحركات الإسلامية الشيعية في العراق ولبنان والبحرين وغيرها من جهة أُخرى، من خلال اختلاق الخلافات وتضخيم الوقائع وانتقاء التفاصيل، من أجل تحقيق أهداف مشتركة مع البلدان المتخاصمة مع الشيعة، وتحديداً أمريكا وبريطانيا وإسرائيل والسعودية. وفي مقدمة هذه الأهداف الاستفراد بالمرجعية النجفية والواقع الشيعي العراقي، وتمزيق النظام الاجتماعي الديني الشيعي ومكوناته من داخله.

 

د. علي المؤمن

 

 

نبيل عودةمراجعاتي للفكر الماركسي ليست نفيا لعظمة ماركس، بل مراجعات نقدية لفهم أسباب انهيار تجربة إنسانية عظيمة.

يمكن الإشارة الى تيارين أساسيين في الفكر الماركسي في مسيرته التاريخية والفكرية، شكلا الوزن النوعي للفكر الماركسي على المستوى العالمي. وهما الأول: التيار السوفييتي والثاني: التيار الماركسي الغربي. طبعا لا أرى ماركسية إطلاقا بالتيار الصيني الماوي، الذي طرحه أنصار ماو تسي تونغ كفكر مكمل للماركسية اللينينية بإضافتهم الماوية (الماركسية اللينينية الماوية، على نسق إضافة الستالينية في فترة عبادة ستالين في الفكر الشيوعي السوفييتي) ولكنه تيار ولد في رحم الأوهام الماوية، عبر فكرة الدولة العظمى والشوفينية الصينية التي نمتها الماوية من منطلق الشعب الأكثر تعددية في العالم، ونظريات محلية بعضها تكرير مشوه لنظريات تروتسكية، وبعضها فكر مغامر (الاستعمار نمر من كرتون) وبعضها فكر ثقافي بوهم إعادة تشكيل المجتمع برأي ثقافي وفكري واحد، كل من يحيد عنه يستحق إعادة التربية في معسكرات هي إهانة للعقل ابشري.

 لا أرى علاقة تربط الماوية بفلسفة ماركس، نتيجته الماوية كانت الثورة الثقافية في الصين (الأصح ثورة تدمير الثقافة واختصارها عبلا عبادة شخصية ماو تسي تونغ وافكاره، والتي شهدت دمارا ثقافيا وحضاريا، رسخ في الذاكرة منه مهرجانات حرق كتب لا تتمشى مع الفكر الماوي، واضطهاد المفكرين وأصحاب الرأي والاعتداء على المواطنين بحجج واهية مضحكة تتهمهم بعدم الامتثال للفكر الماوي. وتثقيف مشوه للجماهير لم يسفر عنه إلا تحول الصين عن الشيوعية إلى دولة شبه رأسمالية في اقتصادها (اقتصاد السوق) تحت ستار شيوعي مهلهل ومتفكك بانقطاع كامل عن الفكر الماركسي. ولا بد من إشارة إلى أن ستالين أيضا مارس “ثورة ثقافية” تعرف باسم وزير الثقافة في وقته “جدانوف” بالتضييق على الفكر الإبداعي بفرض شروط متزمتة على الأدب وممارسة الإرهاب الفكري ضد الأدباء والمفكرين لتقييدهم بسجن فكري ثقافي، للأسف استمرت هذه الظاهرة بشكل أقل فظاظة، بعد ستالين أيضا.

يمكن القول بدون تردد ان الماركسية كان شعارا لم يطبق، لا في النظام السوفييتي ودول المجموعة الاشتراكية، ولا في النظام الصيني.

وهنا لا بد من ملاحظة أني في طرحي للماركسية لا اربطها بالفكر اللينيني، الذي أرى به فكرا ثوريا روسيا بالأساس، ولست في باب مراجعة العلاقة بين الفكر الماركسي والفكر اللينيني والتماثل والتعارض بينهما في قضايا جوهرية.

إذن يمكن التلخيص أن الماركسية عرفت بتيارين مركزيين. وبالتالي الكثيرين من دارسي الماركسية في فترة الاتحاد السوفييتي الذهبية، وجدوا أنفسهم في مواجهة صدامية بين جبهتين نظريتين. ويمكن الإشارة ان ما يعرف ب “الشيوعية الأوروبية” (الشيوعية الحرة) كان نتاج ذلك الصراع.

الجبهة الأولى: الفهم الستاليني (السوفييتي) رغم غياب ستالين ونقده، ظلت الستالينية نهجا تنظيميا للحزب والدولة وتميز بقمع حرية التفكير ونفي حق التعددية، والرقابة على الأدب (عندما فاز الكاتب الروسي باسترناك بجائزة نوبل عن روايته “دكتور زيفاغو” منعه خروتشوف من قبولها، وواجه باسترناك حملة تشهير بسبب روايته) وسجن المعارضين، ومنهم أدباء ومفكرين وعلماء ، بل واستمرار نهج اقتصادي ستاليني لم يتغير إلا بشكل طفيف، وكل مجهودات رئيس الحكومة السوفييتي الكسي كوسيجين لإقرار إصلاح اقتصادي عميق في الزراعة والصناعة، ووجه بالرفض من المكتب السياسي “خوفا” من اتهام الاتحاد السوفييتي بالتخلي عن الاشتراكية.

هنا نرى انطلاقة فكر السيادة المطلقة للدولة العظمى البيروقراطية للاشتراكية السوفييتية، حيث شكل الحزب جهازا من أجهزة الدولة بدل أن تكون الدولة أداة لتنفيذ الفكر الحزبي الماركسي بكل جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدولية. أي أن دور الحزب تقلص إلى دور ثانوي ملحق بجهاز السلطة الاستبدادي (ربما يصح تسميته جهاز أمني هائل تحكم بكل الوظائف تقريبا، وبكل وسائل الإعلام والفنون والثقافة والإدارة والرقابة) .

من هنا يمكن القول بلا تردد، أن النظرية الماركسية جمدت وشوهت، واعتبر كل نشاط إبداعي في إطار الماركسية، انحرافا وخيانة للماركسية السوفييتية. وحتى مؤتمرات الأحزاب الشيوعية لتطوير النظرية والتطبيق لم تخرج في النهاية عن الحدود التي يسمح بها جهاز الدولة البيروقراطية السوفييتية.

الجبهة الثانية: هي جبهة مفكرين ماركسيين رفضوا فكر السيادة المطلقة للدولة السوفييتية، وانطلقوا بنضال عنيد من أجل “ماركسية صحيحة” ثورية إنسانية جوهرية، ضد كل التشويهات التي شهدتها الماركسية في الشرق والغرب. وبرز خلال سنوات العديد من المفكرين الماركسيين، أمثال جيورغ لوكاتش (هنغاري) وكارل كورش (ألماني) وانطونيو غرامشي (ايطالي) وارنست بلوخ (ألماني) وروجي غاروديه (فرنسي) وغيرهم.

هذا التيار قدم للفكر الماركسي إبداعات هامة كان يمكن ان تعمق حيوية الماركسية وتطور العديد من مقولاتها، وثري ما تختزنه من قدرات فكرية وثقافية، وعرف هذا التيار باسم “المدرسة الماركسية الغربية”، ربما بسبب رفضها الخضوع للمدرسة الفكرية للماركسية السوفييتية، رغم أن بعض مفكريها جاءوا من داخل الكتلة السوفييتية مثل الهنغاري لوكاتش الذي انضم للحزب الشيوعي الهنغاري عام 1918 . بعد إقامة النظام الاشتراكي أصبح عضوا في البرلمان، وكان عالما ومفكرا، وقد انتقده الحزب الشيوعي الهنغاري بشدة، بسبب شكوكه بموضوع “الواقعية الاشتراكية” في الأدب (ليون تروتسكي أيضا طرح في كتابة ” الأدب والثورة” نقدا لموضوع خلق أدب بروليتاري طبقي عرف بصيغة “الواقعية الاشتراكية” واليوم يثبت أن موقف تروتسكي كان الموقف الماركسي الصحيح وصاحب الرؤية السليمة من الموضوع بتأكيده استحالة خلق تيار أدبي طبقي جديد بقرار فوقي وعدم ضرورته أصلا في مجتمع اشتراكي جاء لإلغاء الطبقية) وعوقب لوكاتش بإبعاده تماما من الحياة السياسية ونفي إلى رومانيا، وصدر كتاب ينتقد فكره الإصلاحي ويرفض تنظيراته، ثم عاد إلى هنغاريا ، بعد أن صفحت عنه الحكومة، وعاد إلى عضوية الحزب الشيوعي حتى توفي عام 1971. وتعتبر تنظيراته من أبرز التنظيرات في الفكر الغربي للماركسية، رغم انه منظر من داخل المعسكر الاشتراكي.

التعددية ضرورة تاريخية لتطور الماركسية

من أبرز الطروحات المميزة لهذا الاتجاه الفهم ان التعددية هي ضرورة تاريخية لن تتطور الماركسية ولن تصمد بدونها. وأكد ممثلو هذا التيار انه من الأهمية أن تُقر التعددية كمسالة أساسية وأولى متفق عليها بدون تردد، وذلك في إطار الاشتراكية النظرية والاشتراكية التطبيقية (أي في نهج البناء الاجتماعي والقانوني للمجتمع الاشتراكي) سواء بسواء.

للأسف لم تحظى التعددية بأي نصيب، وعومل كل دعاتها كأعداء، ومن طالته يد الكومنترن أو السلطة السوفيتية أعدم أو نفي أو القي به في السجون السيبيرية الرهيبة، وبأحسن الحالات أنهى حياته في الصمت والعزل.

من المواضيع التي طرحها تيار ”الماركسية الصحيحة” أو “التيار الماركسي الغربي” كما يعرف في الدراسات الأكاديمية، كان مفهوم “الثورة”.

إن الفهم لموضوع “الثورة” لدى النهج السوفيتي، ويشاركهم في هذا الفهم التيار الإصلاحي للاشتراكية الديمقراطية، هو أن الثورة هي مفهوم ينبع من التفسير الصحيح للفكر الماركسي. ولكن الفهم الماركسي “الصحيح” يمتد باتساع بدءا من الفهم الذي يقول أن الثورة هي عمل بروليتاري ثوري عبر إقامة وحدة بين الطبقة العاملة (البروليتاريا) مع طبقات أخرى، حتى مفهوم الثورة كحرب ضد أعداء العصرنة، وأعداء الثقافة الحديثة العصرية والإنسانية. والفهم هنا يمكن تلخيصه انه لا يوجد انتقال فوري من الهمجية إلى المدنية، تماما كما لا يمكن الانتقال من الحرب بالمقلاع إلى الحرب بالقنابل النووية بشكل فوري. إنما عبر تطور يمر بمراحل متعددة.

مراجعة أدبيات الفكر الماركسي الغربي، نجد مفاهيم أو تفسيرات مختلفة، تمتد من النضال الثوري البروليتاري في طرحه الماركسي التقليدي، إلى فهم أهمية التحالف بين الطبقة العاملة وطبقات أخرى كما يطرح ذلك المفكر الايطالي انطونيو غرامشي، حتى مفاهيم الثورة التي تعني تصدير ثقافي عميق للإنسان المعاصر بروح إنسانية، أي بدون عنف، كما طرح ذلك المفكر الماركسي الفرنسي روجيه غاروديه.

من الواضح أيضا أن مفهوم الثورة الماركسي الرسمي المرتبط بنظرية ماركس التاريخية، الحتمية التاريخية، أي حتمية التحول إلى الاشتراكية والشيوعية، نرى أن التطور الحاصل أسقط هذه النظرية، التي لم تصمد في امتحان التاريخ، رغم أن جوانب هامة منها تعتبر فتحا فكريا فلسفيا لفهم تطور التاريخ. مثلا موضوع الثورة التي تعني استبدال تشكيلة اقتصادية اجتماعية (رأسمالية مثلا) بتشكيلة أخرى (اشتراكية مثلا)، أرقى وأفضل وأكثر عدالة، حسب المفهوم الثوري الماركسي، تحطم القديم الاستغلالي، وتبني الجديد العادل الديمقراطي وتحدث قفزة للمجتمع والإنسان .. النظرية بخير والتطبيق سقط بالأخطاء والانحرافات والفساد، والنظرية كانت في واد والتطبيق في واد آخر !!

بالطبع نظرية الثورة تتحدث أيضا عن تحرير العلاقات الإنتاجية من قيود تمنع تطور القوى المنتجة (البروليتاريا في النظام الرأسمالي – غني عن القول أن مفهوم البروليتاريا ظل مفهوما أوروبيا، ويمكن استعمال صيغة طبقة العمال أو الشغيلة للدقة، رغم ان التطور تجاوز كل التعريفات السابقة للتيارات الماركسية، خاصة ان مفعوم الطبقة العاملة تجاوز ما كان سائدا حتى اواسط القرن العشرين. خاصة في الدول المتقدمة اقتصاديا وعلميا.

التطور التاريخي والاقتصادي نفى نظرية ماركس عن الثورة والتغيير. الثورات لم تقد إلى التغيير المنشود. إلا إذا اعتبرنا فقدان الحرية، والإفقار والخضوع لشبه حكم استعماري ابتزازي (حالة مجموعة الدول الاشتراكية تحت السيطرة السوفييتية بعد الحرب العالمية الثانية) هو تغيير ماركسي!!

وهنا لا بد من توضيح، بأن النظام السوفييتي ابتز مليارات الدولارات من دول المجموعة الاشتراكية رغم أوضاعها الاقتصادية الصعبة بعد الحرب. وقد عانت الشعوب في هذه الدول من فاقة وفقر وبطء في التطور والرفاه الاجتماعي بالمقارنة مع الغرب استمر الفقر والعوز والقمع حتى سقوط الأنظمة (مثلا المانيا الشرقية والمانيا الغربية كنموذج).

وشهد المعسكر الشرقي تبعا لذلك، ثورات في المجر وتشيكوسلوفاكيا، وابتعاد يوغوسلافيا عن المعسكر السوفييتي. ونظام روماني استبدادي ابتعد تدريجيا عن الاتحاد السوفييتي، ثم حركة نقابية ثورية في بولونيا، وعمليا بدأ انهيار المعسكر الاشتراكي.

قد نجد تفسيرات وتبريرات حول الأسلوب السوفيتي في التطبيق… لا خلاف في ذلك، ولكننا أمام ظاهرة أفلاطونية حيث تحول الحزب نفسه إلى طبقة مسيطرة، سيرا على طريق “جمهورية أفلاطون”، حيث الحكماء والفلاسفة (اقرأ زعامة الحزب الشيوعي والدولة) يشكلون طبقة الحكام، وقوى الأمن هم طبقة حراس النظام، والطبقة الأخيرة هم الصناع (العبيد). للأسف هذه هي الصورة التي سادت النظام الاشتراكي. صورة نقيضة لرؤية ماركس الفلسفية والنظرية عن المجتمع الاشتراكي العادل، بدلا منه مجتمع استبدادي.

النتائج في الصراع الاجتماعي والاقتصادي لم تكن لصالح النظام الاشتراكي. ما السبب؟ ماذا يهم الآن؟ النظام الرأسمالي تجاوز النظام الاشتراكي بحقوق الإنسان، بالديمقراطية، بالتطور الاجتماعي والاقتصادي، بمستوى الرفاه الاجتماعي بمستوى الخدمات، بالحقوق المدنية، بالتعددية الفكرية وبمختلف أشكال الضمانات الاجتماعية.

لا اكتب دفاعا عن النظام الرأسمالي وشروره. ولكن المقارنة للأسف ليست لصالح النظام الاشتراكي. وهذا أضحى واضحا اليوم.

أكتب ألما لضياع تجربة إنسانية عظيمة نتيجة انحرافات وتجاوزات لفكر عظيم في النظرية والتطبيق، ولا اعتقد أن الصواب والخطأ في النظرية هو السبب، إنما غياب التعددية الفكرية وحرية التفكير والنقد مما جرد الفكر الماركسي من عناصر قوته التجديدية، وحول الدولة والحزب إلى جهاز مغلق لمجموعة منتفعين، أفسدوا جهاز الدولة والحزب والمجتمع نفسه!!

إذن، هل بالصدفة سقوط الاتحاد السوفيتي، لدرجة أن جيشه ” الجيش الأحمر العقائدي” الخاضع للقيادات الحزبية العليا، لم يحرك ساكنا للدفاع عن دولته ونظامه وحزبه؟!

 

بقلم: نبيل عودة

 

محمد الربيعي بصراحة الوضع الحالي للتعليم في العراق لا يمكن وصفه بافضل من كونه وضع بائس. انحدر نظامنا التعليمي مع مرور الزمن ومنذ الربع الاخير من القرن الماضي. التعليم يبدو وكانه قادم من فترة مظلمة ساحقة او عصر من عصور الجهالة. لا تزال جامعاتنا ملتصقة بنمط تعليمي قديم لا يهتم بالنوعية ولا بالتميز. عيوب هذا النمط بارزة وتبدو طبيعية ومقبولة في الاوساط السياسية والاجتماعية ولهاذا انحسرت الدعوات الجدية لاحداث تغيير جذري في النظام التعليمي بسبب ان قواعد هذا التغيير اصبحت مجهولة لضعف الخبرة والمعرفة بما يحدث في العالم ولكون فلسفة التعليم تختلف عما هي في العالم المتطور.

يعد انخفاض معدل الإلمام بالقراءة والكتابة وضعف جودة التعليم وانتشار الامية المقنعة من العوائق الرئيسية للنظام التعليمي في العراق. يتأثر نظام التعليم لدينا بعدد من العوامل. بعضها أكثر بروزا، مثل انخفاض معدل الالتحاق وارتفاع معدل التسرب في المرحلة الابتدائية والثانوية، ومعايير التعليم القديمة، وانخفاض مخصصات ميزانية قطاع التعليم، والتدخل السياسي والفساد، وتدني جودة المناهج والكتب المدرسية، وازدياد معدلات الفقر والبطالة وضعف جودة المعلمين والمدرسين، والاهتمام بالتلقين والحفظ على ظهر قلب على حساب التفكير الناقد، ونظام الامتحانات والتقييم المتدني. على الرغم من أن الوزارتين تدعي اتخاذ بعض الخطوات الجريئة للتغلب على هذه المشاكل، لم تظهر اية بوادر للتحسين.

من ناحية أخرى، لا يلعب الطلاب أي دور نشط في اكتساب المعرفة. تعليمهم كله سلبي وميكانيكي. نظامنا التعليمي يقوم فقط بحشو رأس الطالب بالكثير من الحقائق المفككة التي تُسكب في رأسه وكأنها سلة فارغة، ليتم إفراغها مرة أخرى في قاعة الامتحان، ويتم إعادة ملئ السلة الفارغة مرة أخرى وهلم جرا. هذا هو السبب في أن الطالب الذي ينجح بشكل جيد في الامتحان الخاص به يفشل فشلاً ذريعا في امتحان الحياة والمواهب والمهارات. الطلاب ليس لديهم حب الحكمة، ولا تعطش للمعرفة، ولكن فقط الرغبة في الحصول على الشهادات للعثور على وظائف معقولة.

هناك العديد من الشكاوى حول المدارس خصوصا حول رداءة التعليم الموجود فيها. أحد الشواغل الرئيسية هو الافتقار إلى التدريس المناسب وتدريب المعلمين وتحفيزهم. المعلمون ليسوا محترفين لدرجة كافية وليس لهم اهتمام كافي بمهنة التدريس، وهم يضرون بالنظام بأكمله.

في ضوء هذه العيوب، فإن نظامنا التعليمي يصرخ بالحاجة إلى التغيير. من أولى المهام وأهمها أنه يتعين علينا تحسين أجهزتنا التعليمية. علينا أن نطور خططا تعليمية حتى يمكن ان يكون التحسين ممكنا.

وبعدها يمكننا تحسين نظامنا التعليمي إذا اعتمدنا طرقا حديثة في التدريس. يجب التخلص من الفساد الوظيفي والاداري والمالي وأن يكون هناك التزام من المعلمين بمهنتهم وأن تلعب المؤسسات التعليمية الخاصة بدورها الفعال. يجب تنفيذ السياسات التعليمية مع التحقق من تكاملها وتوازنها.

يجب أن لا يوفر نظام التعليم مجرد متعلمين وباحثين عن عمل، بل مواطنين أذكياء.

 

أ.د. محمد الربيعي

 

 

سامي عبد العالتعبر العملات النقدية عن كم التحولات التي طرأت على فكرة المُقدَّس في أذهان البشر. لقد امتصت بعضُ العملات كماً من (التقديس الدنيوي) في كيانها الورقي كأنَّها مكتوبةٌ ومدموغةٌ عبر طقوسٍ غير معروفةٍ. وهي كذلك بالفعل (مثل أوراق الدولار واليورو) في جميع تفاصيل إخراجها إلى العالم، من مرحلة صناعتها إلى سكها ورواجها ثم تداولها، لدرجة أنَّه يكاد يتشممها البشرُ ويتحسونها ذوقاً وحسَّاً من وقتٍ لآخر، كأنّها تجلب إليهم السعادةَ كل السعادةِ. وقد حرصت الدول بهذه الصناعة النقدية على استخدام (أوراق خاصة وعبارات وأختام وخطوط وعلامات ورموز وأيقونات) تدل على هكذا معنى، وإلاَّ فلماذا تحتل هذه العملات مكانةً ليست بالقليلةِ لدى متداوليها؟! وعلى خلفية (سك) العملات ظهرت كلمات مثل: الأصل والقيمة والقوة والقدرة والحقيقة والثقة والمكانة والتراتب ... وهي مصطلحات تختلط وتغيمُ فيها نبرات (الميتافيزيقا والاقتصاد).

شعار واعتراف

"نحن نثق في الله"  In God We Trustشعارٌ واعتراف (ميتافيزيقيّن) تحملهما ورقة الدولار. هي كلمات تنقل معنى سيقصد لاوعي المتلقي أثناء تداول العملة النقدية الأمريكية. فهي شعار من حيث كونها ترسل رسالة حيال قوة النقود والتصرف بها في الأسواق، واعتراف من زاوية أنَّ هناك قوةً أكبر يمكن ايجادها بهذه الورقة المحدودة (فئة الدولار الواحد). كأنَّ معنى المقدس (عطية عولمية) تُزيد مخزونَّه الافتراضي نتيجة التداول الرائج. ليست دوراتُّ النقود الاقتصاديةُ داخل أقبية البنوك والبورصات سوى (وُعود وآمال وتراتيل) لأشباح خلال ممارساتنا اليومية. كل عُملة نقدية تحمل شبحاً لمقدَّسٍ ما بحسب (طبيعة دلالتها) في الثقافة الأم.

2653 الدولار

هكذا ستكشف العملة النقدية: كيف ينتج معنى المقدس نفسه عائداً من بابٍ خلفيٍّ. أي ظهور أطياف الدين في نسختها الدنيوية والأرضية. فالدولار تاريخ لوشم كتابيِّ يماثل أساليب تدوين الأوراق المقدسة والسرية في غابر الأزمان. لقد شَرَّعَ الدولار عبر العولمة لاهوتاً (لاقتصادٍ دينيٍّ- سياسيٍّ) دون إلهٍ رغم (الاعتراف السابق بالثقة والايمان بالله). على الأقل تطرح العولمة سؤال الإله وصوره من جديد في تعاملات الناس اليومية. فقد ترسم العملاتُ النقديةُ آفاق الإنسان الراهن ورؤاه الحياتية والكونية، وقد تحدد ماذا عليه أن يفعل، وماذا عليه أن يخطط لمستقبله، وكيف يرى الآخر، حيث كانت تلك العمليات وظيفةَ المقدس والأساطير وأنظمة المعرفة قديماً.

لكن امبراطورية أمريكا تؤكدها بأظافر الآلة العسكرية والتوحش التقني ونهم الأسواق العابرة للقارات. وطبقاً لاحتياجه العولمي، عادة ما يحقق الدولارُ فائضاً ربحياً قبل الحصول عليه. لأنَّ رأسمالاً يُتداول بلا حدودٍ لهو دعوة لصفقات غير بريئة باسمه. مثل تجارة السلع الافتراضية ومافيا السلاح وتجارة البشر واستثمار حروب الأديان وتمويل الجماعات الارهابية واقتصاديات الأرض الموعودة. مما يدعونا للتساؤل: بأيِّ صيغةٍ ينكتب المقدسُ على أوراقٍ ماليةٍ؟ هل يأخذ المقدسُ قوةَ النقدِ أم أنَّ نقداً سيأخذ سلطة القداسة؟

الأسئلةُ السابقةُ تجر معها أسئلة أُخرى: هل دلالة الإله حقاً موضعُ ثقةٍ فوق ورقة متداولةٍ (نحن نعرف كيف تستعمل وتجلب أرباحاً)؟ كيف سيبقى الإله كرصيدٍ اقتصاديٍّ خلف كل عمليةٍ؟ هل هناك ثقةٌ مجانيةٌ (بضمان ميتافيزيقي) في أيَّة عملة نقديةٍ؟ وهل يمثل الله رغبة اقتصادية كنوع من التطهر السياسي لدولةٍ هي الأشرس؟ بأي معنى ينشأ مصطلحُ "الثقة" في مستنقع العولمة؟ وإذا كنَّا في الله نثق، فهل المجاعات والحروب القذرة التي يحركها الدولار تمثل أيضاً ثقةً في الله؟!

هنا سنقرأ عبارةَ الدولار (نحن نثق في الله) ككتابةٍ لمقدس دنيويٍّ جديدٍ. إنَّها ظاهرة غير دينية، لكنها توظّف كلَّ دين وأيَّة ذخيرة ميتافيزيقية لتحقيق المآرب والمصالح. ذلك يعرفنا ماهية الثقة العابرة للحدود والقوميات المتعلقة بالعملات النقدية. وما إذا كانت ثقةً مطلقةً بخلاف القيمة التي يحتلها الدولار أم لا؟!

الإيمان النقدي

في أحد جوانبه يعدُّ المقدسُ اقتصاداً ميتافيزيقياً يخضعُ للتداول في ورقةٍ هي الأشهر. ولئن قصدت منحَ الثقة لله، فالثقة ليست ذاهبةً إلى كائن متعالٍّ. الأسواق تعتبرها صفقةَ استثمارٍ طويل الأمد في ثرواته الاعتقادية. كل تجارة يتوسطها الدولار بهذه الثقة لهي بيع وشراء بضمان أشبه بالمراهنات. فأمريكا التي تحدد معنى الإله برجماتياً هي التي تطلب من البشر المراهنة عليه بشكلٍّ غير برجماتي. فالورقة تكتبه ضمنياً مع دلالة قبضه ومنحه (القبض والبسط) بالثقة والإيمان الإقتصاديين في مناطق العالم. وبخاصة أنَّ (المقدس) لا يتجنب إمكانية الطرح كسلعةٍ هذه المرة. لدرجة أنَّه قد ينتقلُ لطرفٍ من أطراف التجارة استناداً إلى سلطةٍ خفيةٍ. ذلك بنفس الضمان الميتافيزيقي لمتنه التاريخي كموضوعٍ يُفتّرض أنَّه خارج التلاعب به. لكن المفاجأةَ: أنَّه حينما يتابع المستثمرون تلك السلطة، لن يجدوا غير صندوق أسودعنوانه أمريكا بكل تاريخها الرمزي والاستعماري أيضاً.

2653 2 الدولار

البرجماتية تترجمُ المقدسَ في لعبة تداولية تعصف بأيِّ شيءٍّ أمامها. فإذا كانت الديانات تعتبر المقدس محظوراً، فالدولار يطرحه على مائدة الصفقات المشروعة والقذرة معاً. الإله المقصود ليس إلاَّ ربحاً ضمن الأرباح المحتملة، هو أحد مكاسب الصفقة ومن ضمن حزمة التداول. فالعلاقة المتعالية معه غدت علاقة طافيةً، لم تعد رأسية (إلى أعلى)، لكنها مرنة، مسطحة إلى أبعد مدى. وأحياناً تكون مشبعةً بالألعاب البهلوانية التي تقوم بها امبراطورية أمريكا في السياسة والاقتصاد. كأنَّها تهتف: انظروا هكذا نُصنِّع لكم القداسة يومياً في المتاجر والملاهي والحروب والصراعات. لقد تحوّل معنى الاله إلى خبز يوميٍّ (لنأكل خبزاً معاً: أي الربح وكسب النقود)، فيدخل من حينه كمادةٍ في الرق والمخدرات والجنس والاغتيالات والعمليات المخابراتية. فالدولار حاضر غائب كحال أمريكا بطول العالم وعرضه: هذا القناص العولمي الخفي - المتجلي، البعيد - القريب، الخيّر - الشرير، الوديع - الشرس. أليس ذلك دأبها المراوغ في أحداث الشرق والغرب على السواء؟

التقاطع بارز بين تسييس الإيمان إزاء المقدس ولو كان دنيوياً إلى درجة السياسة وبين قوة تتوحش تقنياتها المدنسة اقتصادياً. لتغدو على أثره سياسات أمريكا معبرة عن ألوهية مختلفة.  إن أمريكا في أحداث بعينها مرت بالعالم تدعى الألوهية فوق رؤوس الشعوب وتحدد قدراتها ضمن التناول الاعلامي ووسائط الصراع. كانت الثقة - كما سنرى- نقشاً للاهوت العولمة بجميع طاقاتها المعرفية والعسكرية والاقتصادية. والفلسفة بصدد هذا لا تحدد مقدارَ القوة المفترضة أو المزعومة، لكنها تحلل مواقف تضخمها إزاء سياق التفكير في النسبي والدنيوي. فكيف تشتغل دلالة الله داخل امبراطورية الشر كما يُقال على جسد ورقة خضراء؟ وأيَّة رغبةٍ تلك التي تلوي أعناق جميع الحقائق لتفعل ضد ما تزعم؟

ورقةُ الدولار هي اشكالية الشر باسم المقدسات ضمن الآفاق السائدة في المجال الدولي. أمريكا أكبر قوة أصابتها لوثة التَّوحُش الأسطوري خلال تاريخنا المعاصر. فغدت مؤثرةً بوصفها رصيداً غير مادي (وإنْ كانت كذلك) وراء مكانة الدول والمجتمعات. الورقة المالية تعدُّ حلقةً في سلسلة امبراطوريات السيطرة على العالم. لم يكُّن ممكناً التوقيع باسم الله دونما احتلال مكانته في العالم. وأمريكا ترتبط بالتقديس السياسي المتجدِّد في تاريخ المجتمعات البشرية. فإذا كانت الديمقراطية شكلاً من أشكال " فلترة "filterization  المقدس (أي تنقية معناه وتحويله)، فإنَّها تسمح بإعادة هضمه ولو في إطار إنساني. أي هي تحاول انسنته في إجراءات وخطط تعطي المبادرة للفعل البشري.

ونحن أحياناً لا نفهم قداسةً مزعومةً في أغلفةٍ خارج نطاقها التقليدي. فالدولار يُواصل ممارسة طقوس الاعتراف والاقرار لكل من يعطيه ولاءه عولمياً. ومضمار الدين عادة مضمار يحمل آثار العنف من قبل المهيمنين عليه. والورقة النقدية امتداد لآثار المقدس كما نوهت. ولا سيما أنَّ الله، المعنى المطلق، الغاية، ... أشياء تأخذها السلطة قصداً دون سواها. وإلاَّ ما الذي يدفع قوة عولمية لجعل الله مصدراً لثقة هي تطلبها (حصرياً) من الآخرين قبلما تمنحهم إياها جزئياً؟!

عولمة الإله

الإيمان المطروح على ورقة دولار هو موت نيتشوي آخر للإله. في مطلع الحقبة المعاصرة ردَّدَ نيتشه: " الإله قد مات " ليجئ الدولار معولِّماً المقولة على نطاق جيو سياسيٍّ. ولتصبح مقولة نافذة في اشعال الفتن وإزكاء الصراعات وبالوقت ذاته جني الأرباح. وليس كيان المقدس، غموضه، سلطته، أشياء تخبُو من أول وهلةٍ. لكنها تتراجع في مقابل هيمنة القوة الأمريكية على مقاليد الأحداث. وعبر الحيز الاقتصادي نفسه الذي تملأه عملات نقدية مختلفة، تستولي المرجعية الدولارية على خلفياتِ مشهدها كاملةً.

الثقةُ النقدية نوع من تسليع لفكرة اليقين، تحويلها إلى تبادل ليس لأطرفها إلاَّ امتلاك مؤقت تجاه قوة أكبر. بحيث عندما نثق في شيء، يصبح متاحاً بضمان القوة الأكبر التي تسيطر على التجارة والأسواق والبنوك. بدليل أن  الدولار- الحامل للثقة في الله- قد أصبح معياراً للتحويلات المالية. وفي مجتمعات نامية يأكلها (الصدأ التراثي يومياً) تعتبر ورقة الدولار عملةً سحريةً تتحكم في مفاصل الدول. لا توجد أية أرصدةٌ وأصول مالية ثابتةُ إلاَّ باسمه خصيصاً. فأيُّ إله هذا الذي يقصده الدولار رأساً؟ أهو إله يخترق (كالفيروسات الإلكترونية) جميع أنظمة التعاملات الاقتصادية؟

يبدو أنَّ أمريكا تدرك الصدود من المجتماعات والدول أمام سياساتها المراوغة، فمررت ورقة تدخل أية مجتمعاتٍ مهما يكُّن تناقضاتها. والمماثلة هنا واضحة تمام الوضوح: إذا كان (اللهُ الماورائي) المعروف يهيمن على العالم بحسب الاعتقاد الديني، فلِمَ لا تمارس القوةُ الأمريكية دوراً كهذا في ربوع العالم؟! لكن المدهشَ هذه المرة هو التسلُّل على جناح الدولار حيث لا يتوقع أحدٌ.

والفكرةُ السابقة لا تخرج عن عدة احتمالات:

- تؤكد الورقةُ الدولارية الشكل الإلهي السياسي للتأثير الاقتصادي على نطاقٍ أوسع.

- يرسخ الدولار نمطاً من اقتصاد السوق المسعور لمزيد من الأرباح والأطماع والمكاسب.

- يربط التداول الدولاري جوانب المجتمعات (المستعمرة عن بعد) بمرجعيةعليا (البورصات والهيئات النقدية الدولية) ليست متواجدةً في سياقها المحلي.

- ينقل الدولار المسؤولية إلى أمريكا فيما يجري باسم العولمة والتحديث والتنمية والمعرفة.

- يشحن الشعار (كالمولِّدgenerator ) أصحاب الدولار لاجتياح العالم اقتصادياً وسياسياً.

- الاستحواذ على دلالة الله في صناعة ثقيلة تشبه الصواريخ العابرة للقارات وتوازي القنابل البيولوجية والنووية.

- إذا كان  معنى الله أكبر (حادثة ميتافيزيقية) في تاريخ البشر، حتى إنكاره، فهو أضخم إنكار نتيجة غيابه الأعظم، فإنَّ ثمة احلالاً وتبديلاً بآلهة أخرى تنبت وتتسلق في ذات المكانة على الأوراق النقدية.

- يبرر الدولار وسعاره سلفاً ما سيحدث في العالم بأصابع أمريكيةٍ. والدولار بهذا يرسم خريطةَ المصالح التي تلتهم المسافات والحدود بين الدول والمجتمعات.

النقطة الأخيرة تتضح في مقولة "ليبارك الرب أمريكا" كما يردد رؤساؤها أمام الجماهير. المباركة ليست حفظاً ضد الأعداء ولا بكونها دولة طائعةً للرب وإن قصد بعض أتباعها كذلك. لكنها مباركة استراتيجيةٌ ذات أبعاد ميتافيزيقية كنوع من الهيمنة الاستباقية على العالم. الدولار مباركة مجانية تمثل رصيداً إلهياً لا ينضب في إخضاع الشعوب الفقيرة لها. إنَّها تأتي بأقاصي العالم ليصب في مجري الاقتصاد الأمريكي. وأيّة مباركةٍ للإله غير إخضاعه دول العالم لقوة عولمية تقف بها بمنأى عن الأخطار. وبهذا حتى لو رأى البعض اغتصاب القوة الأمريكية لمكانة الله، فهو شيء مقبول منه فيما يبدو، بل سيحبذه الله لدولة هي المباركة دوماً.

لعلَّنا نتذكر تقسيم جورج بوش الابن خريطة العالم إلى (محور الخير ومحور الشر). وبالطبع لا يعقل لدولة تثق في الله إلاَّ أنْ تقف مع الخير دائماً. فالشر بالنسبة إليها سيكون غدراً، خلسةً، سيتم بليلٍّ كما حدث في الحادي عشر من سبتمبر. وبالشعار السابق عندئذ، لو اعتدت قوةٌ شريرةٌ على أمريكا، فإنَّها ستعادي الله مباشرةً. وبموجب الثقة والإيمان المبذولين من قبل الـ" نحن" الأمريكي واتباعه، فإنَّها ستتشبث بقهرها آجلاً أم عاجلاً.

2653 3 الدولار

لقد جَّهَز بوش الابن جيشاً يثق في الله لتحصيل أرباح الثقة الميتافيزيقية المكتوبةِ، فاحتل العراق بحثاً عن النتائج والغنائم. لقد دمر مجتمعاً عربياً باسم هذه الثقة الممنوحة. فكان تدميراً ساحقاً كحال التداول المالي العولمي الكاسح. ابرز النتائج اخراج خريطة الخير والشر الأمريكية إلى حيز الوجود. وبالتالي فأيُّ طرفٍ يقف في جانب الشر، سيكون ضد الله وضد الخير وضد أمريكاً في آنٍ واحدٍ. لأنَّ نحن كضمير للمتكلم بقي مجهلَّاً ليحتوي على أكبرَ قدرٍ من القوة ومن البشر جمعاً لا فرداً.

أسطورة الثقة

الدولار قوة ناعمة soft power تتسلل بأريحيةٍ بين مؤيديه ومعارضيه. ثمة قضيةٌ دينية: ما إذا كان الإله فاعلاً إزاء الشيطان أم لا؟ هل كان صراع الخير والشر بلغة بوش الابن سيحدد مسار الأحداث. كلٌّ دين به عقيدة حول هذا الموضوع. لدى الاسلام أنَّ التدافع بين البشر أساسُ الحياة (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض). ولولاه لهُدمّت صوامع وبيع يُذكر فيها اسم الله كثيراً. بينما ترى المسيحية في الخطيئة عقاباً كان صلبُ المسيح ضرورياً على أثره لخلاص المخطئين. فالرب ضحى بنفسه في صورة الإبن لإمداد هؤلاء البشر بأسباب الحياة الخيّرة.

الدولار يطرح القضيتين في " صليب مالي " جديد هو الصراع الشرس باسم الخير، بدلالة الثقة في الله التي تضمن ورقة مالية لا تنتهي مآربها. وهي عندما تحملُ معنى اللهَ والايمان به، فهي خلاصٌ لاهوتيٌّ دنيويٌّ كما يبدو (الدين مقلوباً). إنَّها تصوغ اسطورة ورقيةً تصبحُ عفريتاً خفياً بموجب القوة الشرائية يحقق كلَّ شيءٍّ في غمضة عينٍ. الدولار أشبه بمصباح علاء الدين في التراث العربي الذي يتم حك جانبه لإحضار العفريت. وبالتالي ما على صاحب الحظ السعيد إلاَّ فركُّه ليخرج العفريت واضعاً ما يتمناه بين يديه. كل شيء: ثروات، أسلحة، مؤامرات، قلب أنظمة الحكم، حقوق إنسان، ديمقراطية، نفايات نووية، قطع غيار بشرية، صناعة الارهاب ومؤسسات مدنية بأغراضٍ سياسية أخرى.

2653 4 الدولار

لكن هل هذا الشبح الأمريكي شيطان أم إله؟! الاسلاميون يعتبرونه شيطاناً رجيماً. ثمة تعبير كان ابن لادن يعتبره ملائماً لأمريكا " الشيطان الأكبر" ، كما  كانت العبارة نفسها تستعملها الأحزاب الدينيةُ مثل حزب الله بلبنان. ومن قبلهما كان الايرانيون يسمونها شيطان الشر والحرب. وتلك الخطابات التي تشيطِّن أمريكا كانت مدفوعةً بالهوس الأيديولوجي نفسه للشر. فمن يقفُ بجانبها (أي أمريكا) هم الصالحون الأخيار بينما الأخرون هم الفجار، الأشرار.

مصدر الطرافة: أنَّ الإله على ورقة الدولار يتحول إلى شيطان. فتغدو أرصدة الثقة الممنوحة له جحيماً لا يُطاق. ولأنَّ الاثنين (الاسلاميون بجماعاتهم) و(أمريكا بقوتها) يلعبان اللعبة نفسها، فهما الأقدر على صناعة الشيطان دون غيرهم. كما أنَّ الطرفين كقوتين يعرفان بعضهما البعض جيداً كما لو لم يُعرفا من قبل. كلُّ (شيطان سياسي هو تأويل اقتصادي لإله خرجَ من أيدينا. حتى العولمة التي نراها لاهوتاً كونياً يقلد وظائف الدين من حيث كونها تخضعُ لألعابٍ صراعية خارج السيطرة. فالميدان أوسع على اتساع صورة العالم، واللا معايير متوافرة، والقدرة شبه مطلقة، والحقائق غائية ولا توجد قوى أخرى غير أمريكا وحلفائها يمكن أن تجاريها. إذن بناء على أيِّ شيطانٍ أنْ يُقدِّر الأقوى سياسياً وعسكرياً مصالحه باسم الله.

الأوراق الماليةُ تشرِّع هذا الأمر مبكراً من فورها. فهي مسكوكة لتبادل المصالح والأغراض، فكيف إذن ستحقق الثقةَ المعلقة على كائن مفارق؟ المصالح تلاقى، المصالح تتصالح كما يُقال، لكنها تتصارع بذات الدرجة القصوى. وهي تحمل التناقض في انقلابها الأسطوري من الألوهية الموثوق بها إلى الشيطنة خارج إنسانيتنا. وهذا ما يُردَّد في كواليس السياسة الأمريكية ولاسيما خلال عهد المحافظين الجدد سابقاً، حتى قيل إنَّهم كانوا يشكلون صقوراً بمرتبة مجلس حرب دائم الانعقاد.

إنَّ اتخاذ الدولار كعملةٍ خارج المنافسة يُنشئ أسطورةَ إلهٍ لا يملك شيئاً. ومع ذلك يتعلق به كلُّ شيءٍّ آخر أو هكذا سيذهب ضمنياً إلى حيث يريد. إنَّه فراغ القدرة المفقودة في كل دولةٍ على المنافسة الاقتصادية المفترض أن تكون. فلا تجد بداً من الخضوع إلى الأسُهم المرتفعة للثقة في إله الدولار. فطالما أنَّ الثقة معلقةٌ بالمقدس فستترك وراءها شكاً بملء العالم. وهذا اعتقادٌ تبني عليه السياسةُ الأمريكيةُ استراتيجياتها في منطقة الشرق الأوسط على سبيل المثال. لذلك لاتترك أمريكا أية منطقةً دون التدخل عن قرب أو عن بعد أو بالإنابة أو بقفازاتٍ غير مرئية مثل المنظمات والاحلاف والمؤسسات الدولية بأصنافها الأممية والأمنية والعسكرية والإقتصادية والحقوقية.

2653 5 الدولار

كلُّ شيءٍّ يجري بموجب أساطير هذه الثقة التي تتحدث بها أمريكا. لأنَّها تجري في العراء الكوني للعولمة بلا نهايةٍ وبلا حدودٍ. والتفسير غير الوارد هنا لكنة محتمل في كل الأحوال: طالما أنَّ الثقة محصورةٌ في الله، فلن تُبْذَل ذاتُ الثقة لأي كائن آخر. وهذه هي الخطورة التي ترد من باب الدين. فكلُّ الدجمائيين (دينياً وسياسياً) حينما يضعون ثقتهم في الله برجماتياً بلا ضمان لمن يتلقاها من البشر، فإنها ستنقلب إلى يقينٍ مفترسٍ. أي: أنَّها ستكون ممنوحة النتائج والثمار أخيراً لمن يضعها بنفسه من هؤلاء البرجماتيين في الله. سيكون اللهَ هو (حلقةُ الوصل) التي سترُدَّها إلى صاحبها كاملةَ الأرباح والفوائد والسخرية من مداوليها. وكأنَّ أمريكا حينما تتداول " نحن نثق في الله" تقول أيضاً: نحن نثق في أنفسنا ولا شيء غير أنفسنا عبر هذا العالم الواسع. وأنَّ هذه الثقة التي نمنحها لمن نشاء قد سقطت علينا كالهبة من السماء. نحن نعطيه (أي الله) إياها لتعود إلينا أضعافاً مضاعفة بكل المكاسب والقوة.

لذلك تتقمص أمريكا دائماً دور (الدولة الأسطورة) بعبارة ارنست كاسيرر. لأنَّ الثقة تهبط بمطلق الألوهية (أي بصيغة العولمة) على هذه الامبراطورية العسكرية خارج حدودها. وليس التفاف هذه الثقة عبر السماء إلاَّ لكي تتنزل بهذا الإطلاق الميتافيزيقي كما بدأت.

 

د. سامي عبد العال

 

 

اسعد شريف الامارةمن سيجموند فرويد "النمساوي" مؤسس التحليل النفسي إلى جاك لاكان "الفرنسي" رحلة عمق الفكر الفرويدي وتأصيله في العلاج والتدريس وتحليل الظواهر النفسية باسرها، كتب "مصطفى زيور" رحمه الله وهو أول من أسس لفكر التحليل النفسي العربي في مصر والوطن العربي نقلا عن "سيجموند فرويد" في رسالته إلى "فليس" أن البحث في ميدان التحليل النفسي يتميز بصفة لا مثيل لها في ميادين البحث الأخرى، فالبحث في أحوال النفس يقتضي من الباحث فحصًا ونضالًا فوق فحصه ونضاله مع الوقائع موضوع البحث، يقتضي منه فحصًا لذات الباحث ومغالبة للنفس حتى يغلب عزوفها عن الحق والمعرفة ذلك أن البحث في أعماق شخصية الإنسان يتصل اتصالًا وثيقًا بشخصية الباحث نفسه ويرتد في النهاية إليه، فكأن موقفه أشبه بموقف الرجل أمام المرآة لا يكاد ينظر فيها حتى يرى نفسه.

ثم جاء الفرنسي "جاك لاكان" ويحق لنا أن نسميه فيلسوف التحليل النفسي اضاف الكثير لهذه المدرسة العريقة التي وضعت أسس علم النفس الحديث، علم نفس الأعماق أن تمتد لجميع معارف الحياة وعلومها، أستطاع أن يؤسس منحى عميق في رؤيته للتحليل النفسي فهو الذي عرض رؤيته عن علاقة ثنائية بين أنا وأنا آخر، وقوله قد يكمن بالنسبة للذات في موقعة التكاثر الخيالي، ودراسته المعمقة عن اللاشعور برؤى مختلفه وَعد أن للاشعور لغة خاصة، وكان يعتقد "لاكان" أن للغة فلسفة خاصة لاسيما أنه تعمق في اللسانيات ودرس المعطيات اللسانية بطريقة نفسية تحليلية، وقوله: إن الكلمة هي حضور الشيء الذي تدل عليه وغيابه في آن معًا، وهي تطرحه في ذاته، في نظامه الواقعي، ومن ثم يترتب عن فعل الدلالة "هذا" نظامان منفصلان رغم أنهما إحاليان: أي الواقعي واللغة.

نحن في رابطة الفضاء الفرويدي الدولي نعرض ونتحاور ونناقش أراء علماء التحليل النفسي بجميع اتجاهاته والاضافات التي تواكب الظواهر النفسية وما كتب عنها وتم معالجتها، وأساليب العلاج النفسي التحليلي.

 تضم هذه الرابطة أعضاء من كل دول العالم والدول العربية ممن تخصص في التحليل النفسي ودرسه ومارسه في العلاج والتدريس ونشر أفكاره في كل مجالات المعرفة من المسرح والفن والسينما والعلاج بالسيكودراما ونذكر في ذلك العلامة الدكتور حسين عبد القادر الذي تخصص في العلاج النفسي التحليلي الفرويدي بالمسرح وطبق فكرة علاج الفصام من خلال المسرح النفسي، فقد عرض في رسالته للماجستير "الفصام : بحث في العلاقة بالموضوع كما تظهر في السيكودراما" أبان عن أن السيكودراما ليست غير تنويعه وكوكبة من بين تشكيلة التباينات التي يمكن أن يتخذها النمط الكيفي الواحد لكل العلاجات النفسية، فضلا عن الرواية والقصة والفنون الاخرى في هذا الفضاء الفرويدي الدولي، تكون أمام معرفة ليس لها مثيل في أن تبحر بفكر التحليل النفسي من سيجموند فرويد النمساوي إلى فكر مصطفى زيور العربي المصري مؤسس مدرسة عين شمس في القاهرة ومصطفى صفوان، وفرج أحمد فرج، وصلاح مخيمر، ومحمد شعلان، وفرج طه، إلى عدنان حب الله اللبناني، إلى ميلاني كلاين وهيلين دويتش وأنا فرويد ثم " جاك لاكان" في عمقه من اللغة إلى اللاشعور والخيال العميق ثم الرمز في كل مجالات الحياة، أنه يعبر بك لربط العلاقة بين الدال والمدلول، أنه يسبر غور النفس الإنسانية في السواء واللاسواء، في الذهانات والاوديب، ولا ننسى بصمات العلامة المصري العربي الشهير مصطفى صفوان وما تركه من عمق في الفكر الإنساني عالميًا من خلال قراءاته المعمقة عن النفس والاوديب والسلطة والإنسان العربي. أننا في رابطة الفضاء الفرويدي الدولي نستمتع بعبق النفس الإنسانية ونسبر أغوارها مع معالجين تخصصوا في التحليل النفسي من فرنسا يشاركون الكل في لقاءاتهم بمحاضرات قيمه عن تطبيقات الفكر الفرويدي الإنساني عن الطفوله كما أدلت به المحللة النفسية المعاصرة الفرنسية " جيزلين ديبوس كورتي" في محاضراتها على منصات التواصل عن العلاج النفسي للأطفال وكانت بعنوان خلق الصور النفسية وإعادة تنشيطها أثناء العلاج في لحظات إعادة إيقاظ حلم اليقظة. وكذلك "أوريليا ميستر" المحللة النفسية والفيلسوفة والمدرسة بجامعات باريس 7، 13، 1 . وتعرض ما قدمته الحركة الاكلانية "فكر جاك لاكان" للتحليل النفسي.

 تتناول رابطة الفضاء الفرويدي الدولي في باريس موضوعات مثل الرؤية اللاكانية للنسيان الفرويدي من "فرويد إلى لاكان" حيث يديرها من تخصص في العلاج النفسي التحليلي ويمارس عمله العلاجي في باريس وهو الدكتور محمد درويش المصري الذي يمسك زمام الفكر الفرويدي التحليلي بكل فروعه، رغم أنه أجاد في الفكر الفرويدي الكلاسيكي بمدرسة مصطفى زيور في عين شمس إلا أنه غَرف من الفكر التحليلي اللاكاني ممارسة وتطبيقا للعلاج النفسي التحليلي والتعليم والتطبيقات الميدانية.

تعود بنا هذه الرابطة الدولية للفضاء الفرويدي بقوة طروحاتها على الفرد ذاته كمتخصص وإنسان عشق التخصص في التحليل النفسي ومارسه بصدق وعمق، حيث تكشف لنا هذه الرابطة بلقاءاتها المنتظمة وبمشاركة ممن تخصصوا بالتحليل النفسي بكل مجالات العلوم النفسية وآمنوا بالتحليل النفسي فكرا ومبدءًا وطريقة للعلاج من مختلف الدول العربية، من مصر وسورية والاردن والعراق ودول أوروبية اخرى، ويستمر عطاء هؤلاء الناس ممن تخصصوا في العلاج النفسي التحليلي والتدريس في الجامعات العربية والأوربية والتحليل النفسي للفن والأدب والشعر والرواية والقصة، حيث يمارس المحلل أعلى درجات التخصص في علم النفس، شفاء الموجود الإنساني، شفاء في الأعماق، وتحليل للأعمال الفنية، التحليل الأعمق والأروع والاصعب كما يقول "بيير داكو" وخلاصة قولنا أن المحلل النفسي هو جراح للنفس.

 

الدكتور أسعد شريف الامارة - * استاذ في علم النفس

عضو رابطة الفضاء الفرويدي الدولي- باريس

 

محمود محمد علي

إن العلاقة بين رجل الأدب ورجل السياسة، أو بين المثقف والسلطان، هي دون شك معتادة منذ قديم الزمان، ولنا في علاقة "بيديا" الفيلسوف بالملك الهندي "دبشليم" خير شاهد على ذلك، غير أن ما يلفت النظر في هذه الظاهرة، هو تمييز بعض العلاقات ببعد أغوارها، وعمق خلفياتها، ودقة أسرارها، كتلك التي جمعت بين "أبي الطيب المتنبي" والأمير "سيف الدين الحمداني"، أو بين "أبي حيان التوحيدي" والوزير البويهي "ابن سعدان".

بيد أنه ليس سهلاً الدخول في موضوع المثقف والسلطان، خاصة عندما ينتابنا الشوق والحنين، وشعور بالغربة مرير حين نطالع مجدنا التليد، والذي كشف كيف أن علماءنا الأفذاذ كانوا يعتبرون أنفسهم "ورثة الأنبياء"، حماة الشريعة، ومالكي الحقيقة والمعرفة الدينيتين، مما كان يمكنهم من التمتع بسلطة روحية نافذة، لا يجادل في أمرها أحد، ولكن ذلك يجلب لهم التقدير والطاعة.

ولعل ما يعمق هذه المشاعر ذلك الفارق الشاسع بين الأمس واليوم، فاليوم؛ وبالأخص عقب ثورات الربيع العربي رأينا جمهرة كبيرة من كتابنا ومثقفينا الذين ينشرون أوراقهم وأبحاثهم ومقالاتهم علي صفحات الجرائد وأغلب المؤتمرات يمالئون القاري والمثقف العربي أيا كان اتجاه، ومهما كانت صفاته، ومهما كانت ايديولوجيته طمعاً في تحقيق مغانم الشهرة. فهو يمتدح حينا الفكر الحنبلي، وتارة الفكر الإخواني، أو الفكر السلفي، وربما الفكر الشيعي .. إلخ.

بل وأحيانا قد يبدون مظاهر الولاء للفكر الماركسي أو الفكر الغربي بكافة أشكاله حسب تقلب أهواء المثقفين، ويقفوا يوماً في كتاباتهم وأبحاثهم مع القومية العربية، ويوما آخر ضدها، ويظهرون يوما أقصى التشدد مع إسرائيل، ويبدون يوما آخر أكثر استعداداً إليها وهكذا.

هذا النوع من الكتاب معروف ومشهور، وهو ممن تجده، بدرجات مختلفة في البلاد العربية التي سقطت أنظمتها السلطوية، حيث اتجاهات الحكم أكثر تقلباً، والرأي العام أقل يقظة، والمغانم الشخصية التي يمكن تحقيقها عن طريق التقرب إلى السلطة أكبر وأوسع.

كما أن النوع أيضا يكمن في قدرته على تشكيك المثقفين في البديهيات وقلبه للحقائق التي لا يتفاوت الذكي والغبي في سرعة إدراكها.. فالمثقف صاحب الذائقة الفطرية الجميلة يفقد الثقة في نفسه ويتهم ذائقته عندما يرى المدائح والموشحات توجه لشخص لا يتجاوز ديوانه مرحلة تراكيب الجمل البسيطة ويكاد يخلو من صورة فنية جديدة أو جملة بيانية فريدة وإن وُجد فببركة الانتحال والسطو تحت ذريعة توافق الخواطر ووقوع الحافر على الحافر!

ولكن هناك أيضاً طراز آخر من الكُتاب أقل شيوعاً بكثير، وهو طراز " المعارض الأبدي " . وهو يضم كتاباً يبدون أحياناً وكأنهم غير قادرين على غير المعارضة، غاضبون على الجميع، وكان لا شيء يعجبهم، ولا شيء يمكن أن يرضيهم . وهو طراز قال عنه الدكتور جلال أمين أقل شيوعاً بالضرورة لأن مغانمه الشخصية، المادية علي الأقل، معدومة .

من بين هذا النوع الأخير من الكتاب طراز تأتي معاضتهم الأبدية للسلطة من أنبل الدوافع وارفعها شأنا . ذلك أنهم يتميزون أولا باعتزاز شديد بالنفس، وبرغبة حقيقية في تحقيق مصلحة الوطن، ثم إن لديهم من الذكاء ما يمكنهم من تمييز الخط الفاصل بين الحق والباطل في أكبر الأمور وأصغرها علي السواء، ومن الشجاعة ما يجعلهم يصرون على الجهل بالحق ومعارضة الباطل .

هذا النوع من الكتاب تجده لا يكاد يقترب من السلطة حتى يبتعد عنها، إذ إنه حتى في أكثر العهود صلاحاً وإخلاصاً، يزعج السلطان بذلك الاعتداد الغريب بالنفس، وتلك الجرأة الغريبة علي الجهر بالحق . فالسلطان، أياً كانت قوة ميله إلى جانب الحق، لم يظفر بالسلطان، في أغلب الأحوال، إلا بسبب ميل طبيعي لديه في الوقت نفسه إلي الاستبداد بالرأي، ولم ينجح في الاحتفاظ بالسلطان، إلا بدرجة أو بأخرى من القهر.

والسلطان حتي إذا كان يحمل تقديراً دفيناً لهذا الطراز الفريد من الناس، طراز " المعارض الأبدي"، ولا يجد من الحكمة أن يعترف بالخطأ، وعلي الأخص علي مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إن للسلطان مصلحة محققة في أن يُظهر هذا الكاتب بمظهر المحق دائماً، الذي لا يخطئ أبداً، ولا يجد من الحكمة دائما أن ينصر المجاهر بالحق على أهل الباطل، إذ إن في ذلك تشجيعاً غير مرغوب فيه على انتشار الكُتاب المعارضين .

لهذا نجد أن العلاقة بين هذا الكاتب المعارض الأبدي والسلطان، حتى في أزهى العهود وأقربها إلى قلبه، قصيرة العمر . إن لم تفُتر بسبب زهد الكاتب المعارض الأبدي نفسه في علاقة تطلب منه السكوت أكثر مما تطلب منه الكلام والتعبير عن موقف، فإنها تفتر لضيق صدر صاحب السلطان به ؛ لما يسببه له من متاعب مستمرة بسبب كونه دائما على حق.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............

أنظر ما كتبة جلال أمين: فتحي رضوان أو السياسة كأخلاق، ضمن كتابه شخصيات لها تاريخ، دار الشروق، القاهرة، 2007، ص 17-18 

 

صالح الفهديلا قيمة لأمَّةٍ تنشدُ التحضُّرَ والتقدم دون العلم، ولا قيمة للعلم إن فَقَدَ مفهومه الوجودي العميق في تنمية القدرات الإنسانية، ووضع الإنسان في طريق الحضارة. وليس لنا أملٌ كأمم عربيَّة في التخلِّص من الإشكاليات الحضارية التي نعانيها والتي أعاقتنا عن السير على خُطى الدولِ المتقدِّمةِ علمياً إلاَّ بالعلم فهو أساسُ كل نهضة كما كان شأنُ الدول التي انتشلت نفسها من مستنقعات التخلف والرجعية وأخصُّ بالذكر سنغافورة وفنلندا.

وحيثُ أننا إزاءَ إشكالية عويصة تتمثَّلُ في ديدانٍ تصيبُ شجرةَ العلمِ فتفسدُ ثمره، فإنَّنا لا يمكنُ أن نعالج المشكلة -كما نفعل للأسفِ في معالجةِ كل مشكلةٍ نواجهها- بقطفِ الثمر الفاسد، وإلقائه بعيداً ثم انتظار فسادِ ثمرٍ آخر لنتَّبع الخطوات ذاتها..! هذا ما فعله ملتقى خليجي يبحثُ في ظاهرة الشهادات العلميِّةِ المزوَّرة والوهمية حيثُ اقتصر الأمر على الإجراءات التي تتخذها الدول الخليجية لمحاسبة المزورين، والحاصلين على الشهادات الوهمية، بينما القضيّةُ في نظري أعمقُ من ذلك، وقد بيَّنتُ ذلك في مداخلةٍ لي أثناء انعقاد الملتقى قلتُ فيها: إنَّ المشكلةَ لا يمكنُ علاجها بمجرَّدِ قطفُ الثمرَ الفاسدَ والتَّخلصِ منه، وإنَّما بمعالجةِ الأسبابِ العميقة، واستطردتُ قائلاً: أنَّ الإشكالية تكمنُ في مفهوم التعليم من أساسهِ، وهو ما يسوِّغ لأولياءِ الأمورِ أن يقوموا هم بحلِّ واجباتِ أبنائهم المدرسية وإنجاز المشاريع التي تطلبُ منهم أو على الأقل يكونوا لهم يدٌ فيها، وحين تلتحق هذه الشريحة بالكليات والجامعة لا يجدون غضاضة من استئجار عمل البحوث..!.

لقد قصدتُ في مداخلتي عن إشكالية مفهوم التعليم أن السَّائد المترسِّخ في عقول المتعلمين هو أنهم يتعلَّمون من أجلِ الحصولِ على شهادةٍ لا على معرفة، وأنهم يتعلَّمون من أجلِ الحصول على وظيفة لا من أجل تنمية قدراتهم العقلية، وتوسعة إدراكاتهم الذهنية، وتطوير مواهبهم وإمكاناتهم بما يساعدهم على التفكيرِ الإبداعي، والنقد البنَّاءِ، والعطاءِ المتجدد. 

إنَّ الإشكالية التي تواجهها أمتنا هي وجود جهلة في أرديةِ متعلِّمين، فالتزويرُ قد يسهلُ اكتشافه والتقليل منه، والشهادات الوهمية قد يتيسَّر فضح أصحابها، إنَّما هناك أمرٌ من الصعبِ الكشف عنه وهو قيام بعض الجهلةِ الذين لا ضميرَ لهم باستئجارِ (مقاولين) يقومون بعملِ كل شيءٍ بالإنابةِ عنهم حتى حصولهم على الشهادات الصحيحة الموثقةِ من جامعاتٍ معتمدة..!!

هؤلاءِ كالديدان تنخر جذع شجرةِ التعليم التي تظلل الأمَّةَ، وتطعمها بثمرها، يقول الكاتب عبدالله بير في مقاربة وصفية وردت في مقالةٍ له بعنوان "لا تدع الديدان تقترب":"إذن الديدان سبب كل مشاكلنا، انها سبب مشاكل كل البستان، إنها تنخر في كل شيء، لا يهمها سوى الشبع، إنها كائناتٌ قذرةٌ، طفيليةٌ، تأتي في لحظات الضعف، أجل إنها كائنات مستغِلة، لا بد من قطع السبل عليها كي لا ندعها تقترب منا، إنها تسرق منا لحظاتنا الجميلة في حياتنا، لابد من القضاء عليها، ستصبح الحياة أحلى وأجمل بدونها".

ماذا ترانا فاعلون إزاءَ هذه العلَّةِ التي سبَّبتها هذه الديدان، في وقتٍ نراهنُ فيه على العلم كأعظمِ وسيلةٍ نتقدَّمُ وننمو بها..؟! يخبرني أحد الأكاديميين المعروفين قائلاً: يتقدَّمُ إلينا بعض حملة الشهادات العليا للتدريس في الجامعةِ، فيفشلون في الإختبارات التي نُجريها لهم لتقييمهم، ثم نفاجأ بأنهم لا يحملونَ شيئاً من علمٍ، فيطلبونَ منَّا أن (نسترُ عليهم)..!! يُريدون بهذا السِّتر الذي يستجدونه الإستمرار في الخداعِ والمناورة من مؤسسة تعليمية إلى أُخرى، حتى يجدون تلك المؤسسات التي تتعاملُ مع التعليم كسلعةٍ لا يهمَّها أن يكونَ المحاضرَ فيها مزوراً أو جاهلاً..!

يقول أحد الطلاَّب الملتحقين في إحدى الكليات: إنَّ لدينا محاضراً لا يفعلُ أكثر من نقلِ أفكارِ الكتابِ في سبورةِ الفصل، وعدا ذلك فإنَّه لا يفعلُ شيئاً..!! 

إننا بالفعلِ أمامَ إشكاليةٍ عميقةٍ لا يدركُ أثرها إلاَّ من يفكِّرُ في عواقبها خلال الأعوام القادمةِ حين يطغى الجهل المقنَّعُ، ويختلطُ الحابلُ والنابل وقد بدأت المشكلة قبل اليوم، وبدأها للأسف بعضُ من أُنيطت على كواهلهم مسؤولياتٌ وطنية..! يخبرني أحد الوجهاء أن مسؤولاً ذهب إلى بلدٍ معيَّنٍ لدورةٍ من الدورات، وحين جاءَ سأله صاحبه عن أحوالِ سفره فقال له ذلك المسؤول: لقد عُرض علي هناك أن أحصلَ على شهادة الدكتوراة..! فقال له الوجيه: أترضى لنفسك أن يُسخرَ منك على ذلك؟ نصيحتي لك أن تبقى على حالك وأن لا تقبل هذا العرض التجاري، فوافقه المسؤول على نصيحته. لكن في المقابل كم قَبِلَ غيرهُ هذه العروض التجارية لمجرَّدِ الوجاهةِ، ومواكبة (الموضة) التي سببتها علَّة المظاهر في مجتمعاتنا حتى أصابت أعزَّ ما تملكه الأمَّة وهو التعليم..؟! 

كتبَ لي أحد الأكاديميين ساخطاً يقول: حصلتُ على شهادة الدكتوراة في سبعِ سنواتٍ، ويأتِ أحدهم ليحصل عليها في سبعةِ أيَّام..!! وأزيدُ على ذلك بأنَّ منهم من لم يحضر أبداً لا في كليَّةٍ ولا في جامعةٍ ويحصلُ على الشهادات المرموقة..! ما هذا المرض الخطير الذي تفشَّى بيننا؟ وأينَ نحنُ من عواقبِ ظاهرةِ الديدان، هل نأسفُ على العلمِ أم على الأوطان التي تنتشرُ فيها مثل هذه الديدان التي لا همَّها أن تشبع نفسها بغضِّ النظر عن سقوط شجرةِ العلم، وتأخِّر الأوطان؟! 

على مؤسسات التعليم أن تقوِّم مفاهيم التعليم من أساسهِ بحيثُ يكون العلم لتنمية الذات الإنسانية، وفاعلية العقل في إبداعهِ، وحرية تفكيره، ونقده، ورؤاه، وتدبِّره لا أن يكون العلم للشهادة أو الوظيفة وهو المفهوم الذي أضرَّ بالتعليم أيَّما ضرر، وأصاب العلمَ في مقتل.

أقولُ لمؤسسات التعليم: إن الأوطان أمانة على عواتقكم، فإن لم تصلحوا مفاهيم التعليم فلن تقوم للأوطانِ من قائمة في سبيل التحضُّر والحضور التاريخي الفاعل، وإن لم تسعوا جاهدين لوقف ديدان التعليم فليس من المجدي أن تخططوا للتنمية لأن الخطط ستكون في أيدي هذه الديدان..!

 

د. صالح الفهدي

 

محمود محمد عليبين ضجيج السائد من الأفكار وصخب جوقة الأغنيات، تبدو الموسيقى الآلية مفردة نخبوية لا تستسيغها الذائقة الفنية للفكر العربي الجمعي، ربما بسبب ارتباط العاطفة العربية بالنص المكتوب والشعر، وعدم اهتمام الموسيقيين العرب بالتأليف الموسيقي الآلي، وإن كانت بعض محاولات عمد الموسيقى العربية قد حققت نجاحا مهما من المفترض أنه قد أفسح الجال لأسلافهم لاتخاذ خطوة؛ كذلك فإن الذوق العام يميل دائم إلي المباشرة في الطرح بعيدا عن التعقيد فالموسيقى تُمَثِّل انعكاس الفكر المركب الذي يخلق بالضرورة عاطفة متطورة ترى الأشياء بشكل مختلف بعيداً عن أي تأويلات مسبقة، وهذا ما يستبني في السيمفونية الخامسة للعظيم بيتهوفن، عندما استطاع أن يلملم أجزاء الحكاية ليثير انفعالات مدهشة تتراقص داخل النفس، وليرسم صوراً مكتملة العناصر. لقد قولب بيتهوفن الموسيقى في إطار فلسفي مُثير يفقد المرء شعوره بالتوازن، كأنه يقرأ رواية لجوته أو يستمتع بقصيدة جلون كيتس (1).

ولما كان ليس بوسعنا أن تضمن هذه المحاولة المتعلقة بمقاربة علاقة الفلسفة بالموسيقا قدراً من الطرافة، وبعضاً من الجدة، إلا إذا ما قلبنا النظر فيها على غير الوجه الذي تواترت به في تاريخ الفلسفة، حيث الاستغراق الفلسفي لهذا الضرب من الفن ضمن الأفق الأستاطيقي أين يتنزل موضوعاً للجماليات، شأنه في ذلك شأن غيره من الفنون، سعياً إلي الإطاحة بمعقوليته الجمالية، وذلك من جهة اضطلاعه بتجسد الحقيقة كما حددت الفلسفة معالمها وشروط إمكانها قبلياً، ولا يتسنى لنا ذلك، إلا لمعاينة الطابع الحدثي لهذه العلاقة، حيث يكف فن الموسيقا، بمقتضى ذلك، عن أن يكون مجرد مجال من المجالات الممكنة للانشغال الفلسفي ليصبح نَمُوذَجًا يؤسس شروط إمكان التفلسف علي نحو آخر، وبذلك تكون علاقة فن الموسيقا بالفلسفة، فى تقدير بعض الباحثين، حدثا بالمعني الذي نشهد فيه قطيعة فكرية، وانعطافاً تاريخياً (2).

وقد كان أستاذنا الدكتور "فؤاد زكريا" نموذجاً للمفكر العربي الذي استطاع مزج الفلسفة بالموسيقي في اسلوب حداثي، وذلك من خلال ثلاثة كتب مهمة له فى الموسيقى؛ الأول صدر فى سلسلة المكتبة الثقافية سنة 1971 ميلادية عنوانه «التعبير الموسيقى»، والثاني «ريتشارد فاجنر» وقد صدر فى السلسلة نفسها، والثالث عنوانه «مع الموسيقى: ذكريات ودراسات»، وقد صدرت طبعته الأولى سنة 2000 ميلادية، كما ترجم إلى العربية كتاب «الفيلسوف وفن الموسيقى» لجوليوس بورنوي؛ ففي هذه الكتب كشف لنا أستاذنا فؤاد زكريا علي ليس أستاذا أكاديميا هاويا في عشق الموسيقى، بل كان محترفا في خصوصية الصلة بين الموسيقا والفلسفة .

علاوة علي أن فؤاد زكريا (مع حفظ الألقاب) ينتمي إلى فئة من المفكرين يثيرون في النفس إعجابا ممزوجاً بالحسد؛ فهم مقربون من الموسيقي: يتقنون لغتها التي أجهلها وينالون من عطاياها – وهي –كثيرة – ما تضن به على . ومن هؤلاء السعداء فلاسفة سير إليهم أستاذنا فؤاد زكريا، مثل: فيثاغورث، أفلاطون، وشوبنهور، وللموسيقى كما يقول فؤاد زكريا مكانه خاصة أدى المفكرين والفلاسفة؛ من أمثال: نيتشه الذي كان (يجيد العزف علي البيانو، وله مؤلفات موسيقية )، وأبو نصر الفارابي الذي يقال أنه كان (موسيقيا ماهراً،وله عدة مؤلفات في الموسيقى)، وتيدور أدرنو في القرن العشرين (درس الموسيقي دراسة تخصص وله فيها كتابات نظرية مهمة) (3) .

وكان فؤاد زكريا يرى أن لدينا موسيقى ناقصة، منفردة وليست متعددة الأصوات، وأغلبها مصاحب للكلام المغنَّى، حيث ليس لدينا الموسيقى البحتة أو المجردة أو الخالصة مثل الموسيقى العالمية، والتي- مع الأسف- ليست جزءا أصيلا من ثقافتنا، وعلينا أن نبحث كيفية تطوير موسيقانا، التي لن تتقدم إذا لم يتقدم المستمعون إليها، ويتغير ذوقهم، وطريقة تلقيهم لها، وللثقافة بشكل عام (4) .

لقد شكّل اهتمام فؤاد زكريا بالموسيقى واحداً من محاور تكوينه الشخصي والفكري. فهو لم يكن مفكراً أو كاتباً أو قارئاً متذوقاً للفلسفة فحسب، وإنما كتب أيضا عن علم الآثار الموسيقية وعن الموسيقى الشعبية (5)؛ وأتصور أن أفلاطون كفيلسوف كبير قد أثر في فؤاد زكريا، وكان سبباً لاهتمامه بالموسيقى، حيث كان يستشهد أستاذنا فؤاد زكريا بقول أفلاطون القائل: "الموسيقى هي القانون الأخلاقي، تعطى الكون روحًا، وتعطى العقل أجنحة، وتجعلك تحلق برحلة إلى الخيال، إنها تمنح الحياة لكل شئ".. كما كان يستشهد أيضاً بقوله:" "عندما تترك الكلمات تبدأ الموسيقى. الحقيقة هي العنصر الأكثر أهمية بكل ما تفعله فى الموسيقى. الموسيقى هي الفن، وحالماً تصبح فناناً عليك أن تتعلم كيف تتقبل النقد. لو لم أكن فيزيائيا من المحتمل أن أصبح موسيقيا.. غالباً ما أفكر بالموسيقى.. أحلام اليقظة لدىّ موسيقى وأنظر إلى حياتي بدلالة الموسيقى، أجمل أوقاتي هي تلك التي أقضيها بالعزف على الكمان. يجب أن تشعل الموسيقى النار في قلوب الرجال وتجعل عيون النساء تدمع. مثل الموسيقى والفن.. حب الطبيعة هي لغة مشتركة يمكن أن تتجاوز الحدود السياسية أو الاجتماعية" (6) .

وكان فؤاد زكريا يعتبر أن وجوده في نيويورك لفترة، منذ عام 1950 وحتى عام 1962، أهم وأخصب فترات حياته، ويذكر العديد من أعلام الموسيقى الأميركية؛ كتب فؤاد زكريا رأيه بوضوح في الموسيقى الشرقية ورموزها الكبار في القرن الماضي، أمثال: زكريا أحمد، محمد القصبجي، رياض السنباطي. كما أشار إلى تجربة الموسيقار محمد عبد الوهاب إذ وعلى الرغم من اقتباساته من الموسيقى الغربية، اعتبره المجدد الأساسي في الموسيقى الشرقية (7) .

وإذا كان أستاذنا فؤاد زكريا قد قال:"ليسَ لَدَيْنا في الشرقِ فنٌّ موسيقى بالمَعْنى اَلصَّحِيح! "..، إلا أنه لا يُمكِنُ للدكتور "فؤاد زكريا" — وهو الفيلسوف الْمُفَكِّر- أنْ يَنْعزلَ عن مجتمعِه؛ فهو الذي يُناقشُ مشاكِلَه، وَيُحَلِّل حاضرَه، ويَسعى لخَلْقِ مستقبلٍ أفضلَ له، ولا ينسى ضِمْنَ ذلكَ كُلّه ولَعَهُ بالموسيقى؛ خاصَّةً حينَما تكونُ جزءًا من مشروعِه الفكري، فيَطرَحُ سؤالَ الحداثةِ والأصالة، وكيف أنَّ الموسيقى الشرقيةَ قد أفْلسَت وَتَخَلَّفْت عن الموسيقى الغربيَّة. وعلي الرغمِ من حاجةِ الموسيقى إلى التطويرِ، فَإِنَّ حالةً مِنَ الجدلِ ما زالَتْ قائمةً بينَنا في الشرقِ حولَ العلاقةِ بينَ اَلْفَنّ وغايتِه، وَهَلْ للفنانِ مُطلَقُ الحريةِ في إبداعِه، أمْ أَنَّهُ خاضِعٌ لأهدافٍ اِجْتِمَاعِيَّة؟

وهنا نجد فؤاد زكريا يتحدث مقرراً أن الموسيقى الشرقية لم تصل بعد إلى حد الاكتفاء الذاتي، فـ"لازالت فنا للأغاني"، وهو طور “تجاوزته الموسيقى الغربية منذ أربعة قرون"، أما الدلالة التي يستخرجها زكريا، فهي أن الموسيقى الشرقية بذلك لا تستمد المعنى من ذاتها بل من الكلمات، لتخلو الموسيقى نفسها من أي معنى (8) .

يأبى صاحب “التفكير العلمي” المغرم بالموسيقى الغربية أن تتمايز نظيرتها الشرقية بأية ميزة، فهو يرفض أن يكون تعدد السلالم في الثانية موضع تفاخر على الأولى، بما أنها لا تضم غير سلمين رئيسيين: الكبير والصغير، فالعبرة لديه بالمقطوعات المؤلفة لا بكثرة السلالم، التي هي برأيه في مقام حروف أي لغة، لا يعني تعددها وكتابتها بخط جميل تفوق آدابها على آداب اللغات الأخرى (9).

ويرى الدكتور فؤاد أن الإيقاع الشرقي "ظاهر صريح" بينما الغربي “ضمني باطن”، أما لماذا اعتبر فيلسوفنا صفة البروز أو بتعبيره "استقلال الإيقاع الشرقي بمعنى ما عن اللحن" (وإن تماهى معه) نقصا؟

لأن تطور الموسيقى بصفة عامة انطلق من تسيد الإيقاع، كما في الموسيقى الإفريقية البدائية، بل كان منها ما هو إيقاع صرف، ثم تطورت الموسيقى نحو مزيد من إدماج الإيقاع ضمن بقية العناصر الموسيقية، مثلما هو عليه الحال في الموسيقى الغربية، حيث لا يحتاج الموسيقار للتنبيه إلى الإيقاع، ومعظم الضربات الإيقاعية تكون خافتة، لا تستطيع الأذن تمييزها بسهولة، لـ" تُترك مهمة الكشف عن الوزن الإيقاعي إلى الحن ذاته في مساراته وانعطافاته" (10)... فتحية طيبة لأستاذنا فؤاد زكريا الغائب الحاضر..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.......................

1- خليل الحاسي: الموسيقى بين التجريد وعمق الفلسفة، مجلة تفكر، جامعة بنغازي، العدد الأول، 2015، ص 12.

2-المنصف لوسلاتي: الفلسفى والموسيقى، يتفكرون، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، العدد التاسع، 2016، ص218.

3- عبدالرشيد الصادق محمودي: فؤاد زكريا وحب الموسيقى، أوراق فلسفية، أوراق فلسفية، العدد 30، 2010، ص 93.

4-لوتس عبد الكريم: فؤاد زكريا الفيلسوف حين يذهب إلى الموسيقى (2) .. مقال منسور بالمصري اليوم بتاريخ الخميس 22-12-2016 21:22.

5-عبدالإله عبد القادر: الموسيقي فؤاد زكريا، صحيفة البيان، وقد نشر في 24 أبريل 2015.

6- لوتس عبد الكريم: المرجع نفسه، ص 219.

7- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

8- محمد السيد الطناوي وأحمد بيكا: فؤاد زكريا.. موسيقي لم يكتشفه أحد، مقال منشور بتاريخ سبتمبر 2, 2020.

9- المرجع نفسه.

10- المرجع نفسه.

 

 

اياد الزهيريأعتقد نحن أكثر شعوب الأرض التي لم تتعض من التاريخ، فالتاريخ في نظرنا عبارة عن قصة للهو والسمر، في حين أن التاريخ يمثل تجارب حياة سبقتنا ينبغي دراستها ومعرفة أيجابياتها وسلبياتها لكي نتجنب ما يمكن أن يصيبنا من ضرر، فنحن في وضعنا الحالي نمر بمرحلة شبيه بمرحلة بني أسرائيل بعد موسى، صراعات، وفتن، وفوضى فكرية، وتشتت بالأنتماءات، وانقسام بالولاءات، فكان بني أسرائيل منقسمين، منهم من يتودد آنذاك لملوك سوريا، وهناك من يتزلف لملوك مصر، وهناك من يولي وجهه الى شطر آشور، كانوا غير مخلصين في انتماءهم العقائدي، فتراهم شكلياً مع دين موسى وقلبياً يعبدون الاله بعل اله الكنعانيين، كل ذلك أضعفهم وكان السبب في سقوط مملكتهم الشماليه أسرائيل على يد الآشوريين عام 722 ق م، حينئذ قال لهم نبيهم أشيعا كلمته (قوتكم في أيمانكم المطمئن)، أننا وفي صريح العباره، لم نركن الى ركن ركين، فلم نركن الا لنوازعنا الذاتية وعواطفنا الأنانية، نأبى التجمع، ونهوى التفرق، ولا يجمعنا جامع، فقد أصاب بني أسرائيل الضياع في صحراء التيه أربعون عام، وسقطت دولتاهم اسرائيل ويهوذا، وذُبحوا وشُردوا الى كل أصقاع الأرض، وذِلوا أيما أذلال نتيجة لأخلاقهم وعظيم معصيتهم وفساد نواياهم، فقد طرِدوا من كل أرض سكنوها، وعاشوا في الصحاري وقرب الجبال، وفي المدن في الغيتوهات منبوذين محتقرين، وها نحن ومنذ تسعينات القرن الماضي في هجرة وتشتت، حتى أصبح العراقيون ينتشرون على كل الجهات الأربعة للعالم، ولازلنا في صراع يشتد أواره وتحتمي ناره، لم يربطنا وطن، ولم يجمعنا دين، ولم يوحدنا مذهب، ولم يشد وزرنا ظلم لحق بنا جميعاً من نظام دكتاتوري، نحن بلاشك سيكون مصيرنا أسوء من مصير بني أسرائيل، والسبب أنهم عالجوا مشكلتهم بأن أستفادوا من تاريخهم، وهم أكثر شعوب الأرض ممن رسخوا الدراسات التاريخية وأكدوا على موضوعها، حتى أنه هيمن على مسارهم الأجتماعي والسياسي، وظهر من بينهم مؤرخين عظام فلسفوا التاريخ ووظفوه لترسيخ وجودهم وتجنب كل مسببات ضياعهم، وخرج من بينهم مفكرون أخلصوا لأمتهم من أمثال (موسى مندلسون 1729-1786 م) الذي دافع عن شعبه وحررهم من غيتوهاتهم وطالب بحقوقهم التي سلبها منهم الأوربيون أنذاك، وترجم أسفارهم الى الألمانية لكي ينشر ثقافتهم ويعيد لهم ثقتهم بنفسهم، في حين أن مثقفينا يعملون جاهدين الى تمزيق دينهم ونعته بأسوء النعوت وتحميله كل مما حصل من مأسي من دون أن يؤشروا الى الأسباب الحقيقية لمأساتنا، وبذلك فأنهم يسعون من حيث يعلمون او لا يعلمون في تفتيت مجتمعهم لانهم يساهموا في ضياع هوية شعبهم وتفتيت وحدته وبالتالي ضياع عروته الوثقى، وهم يعلمون أن الافكار اليسارية والقومية فشلت في توحيدهم وأن الدعوه لليبرالية السائله لم يزد بالطين الا بله، وهنا يساهم مثقفينا مساهمة لا تقل عن عدونا في تفتيت جمعنا وتهوين حالنا . أنا أرى اليوم أكثر من أي وقت مضى أن لأساتذة التاريخ دور مهم وتاريخي في نشر الوعي التاريخي وأستنباط العِبر منه لتصحيح المسار المتخبط الذي يسير عليه العراقيون اليوم، فقد كان للدكتور الراحل جاسب الموسوي رحمه الله مشروع رائد في الترويج لثقافة تاريخيه واعيه ولكن للأسف خطفه الموت مبكراً فخسرنا علماً ورائدا تاريخيياً كان من المؤمل أن يؤسس لكتابة تاريخ يضع فيه النقاط على الحروف، لأن تاريخنا الحالي هو سبب معظم مأساتنا وآلامنا لأنه مصنع ضخم لكل المفخخات التي أنفجرت علينا والتي ستنفجر في قادم الأيام والسنين، فأنا أهيب بالمتخصصين المخلصين من المؤرخين لأنشاء وعي تاريخي يساهم بعملية بناء شخصية عراقيه فاعلة وخالية من عقد التاريخ المزيف، وتأسيس مركز بحوث للتاريخ لكي نؤسس لتاريخ حقيقي، يساهم في بناء جيل يقدر الحياة ويحوله الى شعب مبدع يناضل من أجل وجود خلاق ومبدع وصامد بوجه التحديات، ويكون مساهماً في صناعة الحضارة الحديثة.

 

اياد الزهيري

 

 

اسعد شريف الامارةماذا يترتب على ذلك نفسيًا وعقليًا؟

يرى علماء النفس أن حياة الإنسان هي عدة مراحل، "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي وعلم النفس الحديث حددها بخمسة مراحل واريكسون جعلها ثمانية مراحل والكل أتفق بأنها تكون من الولادة ولكن أختلف علماء النفس والتربية في عدد المراحل فالبعض جعلها حتى سن السادسة، والبعض إلى البلوغ أي سن الثامنة عشرة، ولكن اريكسون جعلها إلى عمر (55) سنة بثمانية مراحل.

وحديثنا في هذا المجال سيكون من منطلق التحليل النفسي، علم نفس الاعماق، ترى "أنا فرويد" ابنة "سيجموند فرويد" مؤسس مدرسة التحليل النفسي والتي خطت طريق والدها في كل نظرياته حيث بينت "أنا فرويد" كيف يتفاعل الطفل – خصوصا في الخمس سنوات الأولى التي تهتم بها مدرسة التحليل النفسي كل الأهتمام – مع مختلف العوامل التي تحوطه وأهمها والداه (والأم أكثر أهمية من أي عامل آخر في بدء الحياة) تفاعلا يترك في نفسه أثرًا عميقًا يلازمه بقية حياته، إنها حقيقة لابد للإذعان لها بأن الأم هي الحاضن الأول في حياة الطفل منذ الولادة حتى سن السادسة.  

تقول "أنا فرويد" المحللة النفسية التي تخصصت بالتحليل النفسي للأطفال قولها: دعونا نفترض أن الطفل ينشأ غير يدي أمه، بل يعهد بتربيته إلى هذا البيت زمنًا، وذاك البيت زمنًا آخر، أو أنه ينشأ في مؤسسة تحت إشراف مربيات غير مكترثات على العموم، ودائمات التغير، أما يجدر بنا أن نعتقد أن فقدان هذه الرابطة الوجدانية الطبيعية الأولى سيكون لها أعظم الأثر في حياته كلها بعد ذلك؟ أو دعونا نفترض أن الوالد الذي يرى الطفل فيه مثله الأعلى، والذي يعمل على أن يحذو حذوه، رجل سكير أو مجرم، أو مدمن مخدرات، إن الجهد الذي يبذله الطفل كيما يتشبه بأبيه، وهو في الظروف العادية من أعظم العوامل المساعدة على تنشئته، سيؤدي به في مثل هذه الأحوال إلى دمار مباشر، وإذا ما كان الوالدان منفصلين متباعدين يعمل كل منهما على كسب الطفل إلى جانبه، ويصور الآخر بصورة المخطئ المذنب، ففي هذه الحالة يتغير النمو العاطفي الكلي للطفل. وتضيف "أنا فرويد" يمكننا القول أن نمو الطفل الطبيعي يتعثر ويقف، ويستجيب لهذه الظروف الشاذة بشكل شاذ من السلوك.

سأتناول الاضطرابات النفسية والعقلية في الاطفال الناجمة عن قرار التوحش، ومصادرة براءة الطفل.. من خلال قرار منح حق ضم الأب للطفل من عمر ثلاثة سنوات. نقول ونحن المتخصصين في التحليل النفسي وجزء من دراستنا الاساس هو مرحلة الطفولة وتكوين الشخصية ونشأة الاضطرابات العقلية والنفسية.

يؤكد التحليل النفسي أن هذه الستة سنوات هي سنوات المحك في البناء النفسي والفكري والمعنوي للطفل، وبناء الشخصية، يرى استاذنا استاذ الطب النفسي المتخصص في الاضطرابات النفسية في الاطفال اذا اردنا تطبيق ذلك في الاسرة لأفترضنا أن الكيانين المعنيين – أي الاسرة في مقابل الطفل غير متكافئين اذًا أن أحدهما يعتمد على الآخر، الا أن هناك فرقا بين الاعتمادية المبنية على واقع وهو واقع يشمل التكوين النفسي للطفل وبين الاعتمادية المرضية التي لا تخدم غرض التكيف، إنما تعبر عن احتياجات طفلية وغير مشبعة لاحد الطرفين أو كليهما، وقولنا أن الطفل يبقى اعتماديا على الأم حتى الخامسة من العمر أي في مرحلة الأوديب، ويكون في بعض الاحيان بعد الخامسة أي سن السادسة من العمر .

عادة يكون الاب أو بديل الاب، حينما يستشهد الأب أو يحدث الطلاق كأن يكون الجد هو البديل، أو الخال أو العم هو من يرعى الطفل ويقوم بتربيته، اما اذا حدث غير ذلك فما سنشرحه بعد هذه السطور يبين كيف تحدث الاختلالات النفسية التي تفضي إلى الاضطرابات النفسية حتمًا.

كلما تعرض الطفل إلى مشكلات من الولادة إلى السنة الاولى فإن نشأته بالكبر ستكون شخصية ذهانية اعني اضطرابات عقلية مثل الفصام "الشيزوفرينيا"، أو الاكتئاب العقلي، أو البرانويا بشقيها العظمة أو الاضطهاد، أو الهوس بانواعه وأختلالات عقلية اخرى عديدة لا مجال لذكرها، أما السنة الثانية فهي التي تجمع الاضطرابات النفسية مثل الوساوس القهرية "حواز القهر" أو الفوبيا "المخاوف المرضية"، أو حالات الهستيريا" منها الشلل الهستيري وعيوب الكلام، والشراهه( عدم الاشباع النفسي) وتتحول بمرور الوقت إلى الرغبات السادية.

عادة تنشأ لدى الأطفال في هذه المرحلة الشره العصابي ونجده في الشخصيات الهستيرية في البلوغ وعند الكبار من النساء والرجال ويرى التحليل النفسي أن السبب هو تعبير عن رغية لاشعورية قُدر عليها أن تبقى بلا أشباع بسبب الحرمان من الامومة معا.

تؤكد "أنا فرويد" قولها ساعدت كشوف التحليل النفسي في توجيه انتباه الناس بوجه عام إلى أهمية ما يحدث في السنوات المبكرة من الطفولة.

السواء والإضطراب في تشكيل سلوك الطفل:

الصراع بين الابوين ..

ان صراع الاب مع الام هي نتيجة طبيعية في نشأة الاضطراب لدى الطفل، وهنا الطفل يكون الضحية الأولى في هذه العلاقة، وهي بذلك تمارس الحد الأدنى من النمو والتكيف في الحياة الأسرية، إذًا هذه الأسرة في حالة صراع، هذا الصراع كما ترى نظرية التحليل النفسي صراع بين غرائز الوجود والاستقرار والأنا الأعلى، وبين الغرائز وبعضها، أي أن الغرائز في حالة عدم اندماج، وسوف تنعزل هذه الأسرة عن باقي المجتمع لأنها منشغلة بصراعاتها الداخلية، فهي تبتعد عن التكيف، تبتعد عن التفاهم، تبتعد عن الإنسجام، تمارس الانعزال فلا توجد علاقات حقيقية أو حميمة بينهم، ومن ناحية الطفل فهم يهملونه إهمالا تاما فيتركونه بدون رعاية أساسية، أو حماية.

ان ما يترتب على هذا الصراع عند الطفل شخصية تفشل في تكوين صداقات مع الاقران والزملاء مع قلق وعزلة أو غضب لاتفه الاسباب، فضلا عن بروز نوايا عدوانية تتدرج إلى العدوان الفعلي المباشر في البلوغ، أو تتكون لديه رغبة في الانتقام تجاه من أعاق وسبب له الاحباط.

ويرى بعض علماء النفس ان من النتائج السلبية للاحباط ايضا اللامبالاة والكسل والسلبية.

يرى "هوير" أن استجابة الطفل لهذا الحال أقصد فصله عن أمه هي استجابة معارضة، استجابة نقطة انطلاق لانواع من الشعور بالنقص أو مظاهر العصاب " الاضطرابات النفسية"، وتظهر لدى الطفل أفعال كالهرب المؤقت والكره المكتوم والمعلن والتهديدات الخفية والمعلنة، ومن المؤكد أن انواع الكبت هنا ستتكون وتكون شديدة الخطر ويرى علماء النفس أن الكبت يعوق كل تفريغ منقذ ويولد مع مرور الزمن اضطرابات نفسية خطيرة جدا في السلوك. ومن المظاهر السلوكية الاخرى هو هروب الطفل إلى تصورات خيالية تقوم مقام التعويض عن حرمان الأم بالنسبة إليه إذا كانت الأسرة تمثل خطرًا بالنسبة إليه واقعًا صعب الاحتمال كما يقول"بيير داكو".

ظل الأب والأم:

من المسؤول عن استمرار العلاقة هل الاب أم الأم؟ لا احد فالمربون هم من صنعت منهم الظروف، وهم أيضًا لهم مشكلاتهم الداخلية واوضاعهم النفسية القاسية وشدة الاختلاف الذي صنع الكراهية بينهما والقلق والخوف وفقدان الحب بينهما، أو حب مزيف بينهما أدى إلى الانفصال وترك الابن لوحده تتعمق ألامه ومعاناته، ويقول "بيير داكو" ينبغي أن لا ننسى أن الطفل ضرب من "الطفيلي"، فهو يعيش على حساب أمه لكي يبدأ. هل نعتقد أن حبل السرة ينقطع منذ الولادة؟ نعم من الناحية الجسمية، أما من الناحية النفسية فالأمر على خلاف ذلك! والرابط الأساس الذي يوثق هذا التواصل هو حضن الأم، ومهما كانت الصلة مع الأب خلال هذه السنوات الأولى من حياة الطفل لا تكافئ قيمة قوة التواصل مع الأم، أنه يرى أمه في الحلم ويلجأ إليها في أول حالة صحو واستيقاظ، لا يذهب إلى الأب يطلب منه العطف والحنان، نقول ليس بالجانب النظري فحسب، وإنما بالجانب الواقعي الميداني التطبيقي، حتى امهات الحيوانات الثدييه وجدت التجارب بأنها تدرك أمها منذ الولادة وأفضل تجربة كانت تجربة مدرسة الجشطالت على قرد الغوريلا وفصله بعد ولادته مباشرة عن أمه وكيف حدث له حالة نفسية، وكان هدف التجربة هو قياس الإدراك لدى الطفل الحيواني حديث الولادة، كاد طفل الغوريلا أن يصاب بلوثة عقلية بسبب ابعاده عن أمه، وهناك العديد من التجارب التي على أجريت على أطفال أثناء الحرب وابتعاد أمهاتهم عنهم بسبب الوفاة أثناء العمليات الحربية، فاضطرت المنظمات الخاصة بالاطفال نقلهم إلى معسكرات خاصة بهم ورصدوا حالات نفسية عجيبة مثل الانطواء والانعزال والذهول وفقدان السمع المتعمد والحيرة وعدم التركيز في النظر فضلا عن التلعثم ورفض النطق واحتباس الكلمات أو خروجها مشوهة غير مفهومة.

 

الدكتور اسعد شريف الامارة

 

 

حاتم حميد محسنفي الدراسات الدينية الحديثة وخاصة في مناهج التعليم الثانوي، هناك مدخل في فلسفة الدين يتضمن حججا في الاستدلال على وجود الله وهي ثلاث حجج: حجة التصميم او المصمم الذكي، وحجة التجربة الدينية، والحجة الأخلاقية، سنتطرق لهذه الحجج تباعا مع عرض نقاط القوة والضعف في كل منها.

1- حجة التصميم The design argument

هذه الحجة في وجود الله تشير الى ان العالم يعمل جيدا، بمعنى انه صُمم بطريقة معينة. وتضيف الحجة بان العالم اذا كان مصمما بهذه الطريقة، فان شيء ما يجب ان يكون هو الذي صمّمه. هناك عدة أمثلة عن الكيفية التي صُمم بها العالم:

1- الأشجار تأخذ ثاني اوكسيد الكاربون وتعطي الاوكسجين.

2- الأرض وُضعت بشكل متميز وملائم في النظام الشمسي وبما يساعد على الحياة. فهي لا قريبة جدا للشمس لنحترق، ولابعيدة جدا بحيث نتجمد.

ان حجة التصميم ترفض فكرة اننا خُلقنا عشوائيا بالصدفة او اننا وُجدنا بسبب الانفجار العظيم (النظرية العلمية بان الكون بدأ بانفجار هائل قبل 13.7 بليون سنة).

قارن وليم بالي (1743-1805) تصميم الكون بعملية العثور على ساعة. هو يقول لو كنت تمشي في حقل أخضر ووجدت ساعة وسط العشب ولاحظت كم هي كانت معقدة فأنك ستفترض ان احد ما هو الذي صنعها. جميع الأجزاء في الساعة من سبرنكات ولفائف ورقاصات وحركات كلها تعمل مجتمعة من أجل قياس الوقت. كل منْ ينظر في الساعة سيؤمن جازما ان الساعة صُممت لغرض قياس الوقت. بالي قارن هذا بتصميم الكون واستنتج انه مثلما هناك مصمم للساعة، هناك ايضا مصمم للكون.

العالم اسحق نيوتن (1642-1727) استخدم بصمة الابهام كدليل على وجود الله لأن كل شخص له بصمة ابهام متفردة. هذا يشير الى وجود مصمم بدلا من مجرد صدفة عشوائية. (في غياب أي برهان آخر، فان بصمة الابهام وحدها تقنعني بوجود الله – اسحق نيوتن).

كذلك ان جسم الانسان مليء بالأمثلة عن الطريقة المتفردة التي خُلقنا بها – مثلا، تصميم العين يسمح لنا بالتقاط عدة ألوان وأشكال. وكل هذا يشير الى وجود مصمم.

غير ان هناك الكثير من الأشياء التي لا تعمل جيدا في هذا العالم بما يجعل من الصعب الاعتقاد بفكرة المصمم . فمثلا، قشرة الارض صُنعت من صفائح لا تتلائم مع بعضها بشكل صحيح، وهو ما يؤدي في بعض الاحيان الى ان تتدافع نحو بعضها مسببة الزلازل والبراكين.

الفيلسوف ديفد هيوم (1711- 1776) رفض فكرة المصمم الذكي، مستندا على ثلاثة مرتكزات:

1- لا توجد لدينا تجربة او خبرة في صنع العالم. هيوم يؤكد حقيقة ان كل شيء ندّعي معرفة سببه، انما نشتق استنتاجاتنا من التجارب السابقة عن اشياء مشابهة مصنوعة او صنعناها بانفسنا. في مثال الساعة نحن نعلم انها صُنعت بواسطة صانع الساعة لأننا نستطيع ملاحظة انها صُنعت ونقارنها بساعات او اشياء مصنوعة مشابهة لها فنستنتج بالنهاية انها لها سبب مشابه في الصنع. هو يقول اننا ليس لنا تجربة بخلق الكون لكي نستطيع مقارنة الكون بها، ولذلك سيكون من غير المنطقي الاستدلال بان كوننا خُلق بنفس الطريقة التي صُنعت بها الساعة.

2- لا يوجد شبه كافي بين الكون والساعة. فمثلا، الكون صُنع من مواد طبيعية عضوية، اما الساعة صُنعت من مواد ميكانيكية مصطنعة.

3- حجة التصميم لا تعطي دليل على قدرة الله الكلية. الساعة او الماكنة عادة تُصمم من قبل مجموعة من الميكانيكيين والمهندسين وليس شخصا واحدا، وعند المقارنة مع خالق الكون سيكون هناك مجموعة من الآلهة وليس الها واحدا. كذلك، الساعة قبل صنعها تمر بسلسلة من التجربة والخطأ وتُجرى عليها عدة تحسينات قبل الصنع النهائي، اما في حالة خالق الكون فلا نستطيع الافتراض ان الله قام بعدة تجارب من الصح والخطأ قبل صنع الكون لأن ذلك يعني انه ليس قادرا على كل شيء.

نقاط قوة حجة التصميم

1- الحجة تتماشى مع الاحتمالات. ولذلك فانها تستمر مع ظهور اكتشافات جديدة في العلوم.

2- الدليل ينسجم جيدا مع قصص الخلق في الانجيل سواءً فُهمت حرفيا او رمزيا.

3- بعض التطورات في الحجة مثل (المبدأ الانثروبي) anthropic principle(اطروحة تؤكد ان الكون حتمي لأن معادلاته وقوانينه ملائمة لظهور الحياة. حيث لو كانت الجسيمات الاولية مثل الالكترون والبروتين ليست بصفاتها الموجودة ولا ضمن القوانين التي تحكمها لكان من غير الممكن نشأة الحياة) – توفر طرقا تكون فيها أفكار التطور والايمان بوجود الله يعملان جنبا الى جنب.

نقاط الضعف

1- التعقيدية لا تعني بالضرورة وجود مصمم

2- حتى لو قبلنا ان العالم مصمم، لايمكننا الافتراض ان المصمم له هو الله. واذا كان صُمم من الله فان وجود الشر والمعاناة في العالم تشير الى ان الايمان بالله لا ينطوي على الخيرية الكاملة .

3- نظرية التطور التي وضعها دارون تبيّن لنا طريقة لفهم الكيفية التي تتطور بها الكائنات الحية بدون الاشارة الى مصمم.

2- حجة التجربة الدينية

التجربة الدينية هي عندما يشعر شخص ما انه يمتلك تجربة مباشرة في الله. قيل لو ان شخصا ما لديه شعور بالله، هذا سيكون البرهان الأقوى إقناعا على وجود الله لأنه مارس او شعر شخصيا بالله. انه جدال غير مرتكز على المنطق او العقل. التجربة الدينية يمكن ان تكون حلما او رؤية فيها يتكلم الله للفرد، وقد تكون معجزة شفاء. التجربة الذاتية هي مقنعة تماما لذلك الفرد. فمثلا لو ان شخصا ما يخبرك ان الشوكولاته ذات مذاق حقا جيد، او انها ناعمة الملمس، لكنك فقط عندما تجرّب بنفسك الشوكولاته ستكون مقتنعا بذلك. ونفس الشيء ينطبق على الله.

هذه الحجة تكتسب مصداقية كبيرة عندما تتغير دراماتيكيا حياة الفرد الذي له اتصال بالله . كما في حالة لو ان الشخص تتغير حياته بفعل تجربته مع الله بعد ان كان في السابق تعيسا.

كل شيء في الذهن

يمكن الجدال ان التجربة الدينية هي ذهنية خالصة. نحن لم نفهم تماما تعقيدية الذهن الانساني وربما يلعب الخداع دورا فينا، يجعلنا نعتقد اننا في تجربة مع الله. التجارب الدينية التي تحدث اثناء المرض، كما في حالة شفاء شخص ما يمكن توضيحها لو ان الفرد يستخدم دواءً يسبّب الهلوسة.

المصادفة

يمكن القول ايضا ان التجارب الدينية هي مجرد مصادفات، او ان الفرد يبحث عن تجربة دينية ولذلك يخلق واحدة في ذهنه. فمثلا، شخص ما يسعى لإتخاذ قرار مهم سيشاهد سلسلة من الإعلانات التي تساعده في اتخاذ ذلك القرار- هو قد يجادل ان الله وضع تلك الإعلانات له. ولكن هل هذا الفرد حقا يخلق تجربة دينية؟

مظاهر قوة الحجة

1- الحجة تدعم بعض الاشياء التي يؤمن بها المؤمنون سلفا. فمثلا، الانجيل يخبر الناس منْ الذين امتلكوا تجربة في الله.

2- الانجيل يعطي نصيحة عن كيفية تحديد ما اذا كان الشخص يتكلم حقا ام انه مخدوع. فمثلا، النبي ارميا (Jeremiah) قال "اما بالنسبة للنبي الذي يتنبأ بالسلام، ثم تتحقق كلمة ذلك النبي عندئذ سيُعرف ان الله حقا أرسل ذلك النبي"Jeremiah 28:9

3- مع ان بعض التجارب الدينية مضللة لكنها ليست كلها كذلك.

4- البحوث التي اجريت في جامعة نوتنكهام في التسعينات استنتجت ان اكثر من 60% من الناس الذين قوبلوا ادّعوا انهم امتلكوا نوعا من التجربة الدينية المهمة. بعض الناس الذين أعلنوا تلك الادّعاءات كانوا محترمين جدا مثل مارتن لوثر كنك.

مظاهر ضعف الحجة

1- من المستحيل إثبات صحة تلك التجارب الدينية

2- في مرحلة ما ربما يستطيع العلم توضيح هذه التجارب دون الاشارة الى لله.

3- الحجة الأخلاقية

هذه الحجة في وجود الله توجد في عدد من الكتابات لمؤلفين وثيولوجيين مثل CS.Lewis(1898-1963).

تقوم الحجة الاخلاقية على اساس ان كل الناس لديهم إحساس فطري بالصحيح والخطأ. حتى القبائل البدائية المنعزلة في اماكن بعيدة والتي يصعب اتصالها بالعالم الخارجي ايضا لديها احساس اخلاقي.

الحجة تدّعي انه بسبب كون كل الناس لديهم هذا الاحساس بالصح والخطأ، فان مثل هذا الاحساس يجب ان يأتي من مصدر خارج انفسنا. ومع ان الاخلاق يمكن تعلّمها من الوالدين، لكننا يجب ان نعترف بان الناس الاوائل كان يجب عليهم اكتساب هذا الاحساس من مصدر خارج ذواتهم وهو الله.

لويس يدّعي ان الطبيعة لايمكن ان تزوّد الأساس بالأخلاق، خاصة اذا كنت تعتقد ان الطبيعة هي حدث عشوائي – بمعنى جاءت من الانفجار العظيم (البغ بانغ) . الاقتراح باننا نحصل على دليلنا الاخلاقي من مصدر أعلى يتطلب الايمان بالله.

قوة الحجة

الحجة تدعم بعض الاشياء التي يؤمن بها المؤمن سلفا. الانجيل يقول ان الله خيّر، ويتوقع مستوى معين من السلوك يحكم الناس وايضا سوف يعفو عنهم عندما يعترفون بعمل الخطأ. المؤمن يريد بالطبع ان يتعقب أصل الاخلاق رجوعا الى الله.

ضعف الحجة

1- اولئك الذين يرفضون هذه الحجة يدّعون ان الاخلاق هي عرف اجتماعي يتم تعلّمها من خلال التجربة والتربية.

2- الدليل ضد الشفرة الاخلاقية العالمية هو ان بعض الناس مثل المجرم او المغتصب ليس لديهم احساس بالاخلاق. ولذلك، لا معنى في ان يكون لكل الناس شفرة اخلاقية. كذلك، في بعض اجزاء العالم تكون الرشوة والفساد مقبولين، بينما في أجزاء اخرى ليسوا كذلك، وهو ما يشير الى عدم وجود اتفاق عام حول ما هو مقبول وما هو غير مقبول.

3- هناك عدة توضيحات اخرى للاخلاق ليس لها علاقة بالله. فمثلا، الضمير ربما نتاج كلي للدماغ. اذا كان الضمير هو صوت الله، عندئذ لماذا تلك الاختلافات في الآراء حول قضايا مثل الاجهاض والقتل الرحيم؟

4- حتى الاشخاص الذين لا يؤمنون بالله او الاّادريين ايضا يتفهمون الفرق بين الصحيح والخطأ وكيفية العيش بحياة جيدة.

5- الحجة الاخلاقية قد تشير الى وجود نوع من مانح القوانين لكنها لا تستطيع إثبات وجود الله كما يُفهم تقليديا.

 

حاتم حميد محسن

 

 

يُمثِّل التجانسُ في العلاقات الاجتماعية نظامًا ثقافيًّا مركزيًّا، وقيمةً أخلاقية مُرتبطة بطبيعة السلوك الإنساني. والتجانسُ لا يعني التطابق التام، أو التقليد الأعمى، أو اعتماد سياسة القطيع. وإنما يعني التوافق في المبادئ الأساسية، والاتفاق على الأفكار العامَّة، والوصول إلى نقطة مشتركة في مُنتصف الطريق، واعتماد الحُلول الوسط، التي تضمن تحقيق مصالح الجميع بلا إقصاء ولا تمييز. لذلك كان التجانسُ بناءً عقلانيًّا قبل أن يكون بناءً اجتماعيًّا، ومنظومةً فكرية تُساهم في صناعة العقل الجمعي من أجل تحقيق التكامل لا التماثل.

2

الإشكاليةُ في فلسفة البناء الاجتماعي هي أن البعض يعتقد ضرورة تحويل الناس إلى نُسَخ مُتشابهة لتحقيق التوافق، ويؤمن بحتمية صَهر جميع الهُوِيَّات والثقافات في بَوتقة واحدة لتحقيق التجانس، ويَتمسَّك بأهمية إزالة الاختلافات في الآراء ووُجهات النظر لتحقيق الوَحدة. وهذه الأفكارُ تُمثِّل خطرًا حقيقيًّا على طبيعة النسيج الاجتماعي، لأن كُل إنسان يمتلك بصمته الحياتية الخاصَّة، ويُمثِّل نظامًا وجوديًّا قائمًا بذاته، ويُشكِّل منظومةً فكرية مُستقلة، ويُجسِّد هُوِيَّةً عقلية مُختلفة. وكُل إنسانٍ نُسخةٌ أصلية، ولا يُمكن تحويله إلى نُسخة مُقلَّدة، والأصل لا يَكون فَرْعًا. وهُنا تكمن قُوَّة الإنسان باعتباره الجِنس المُفكِّر الأرقى والنَّوع الحياتي الأسْمَى. ومِن هذه القُوَّة يَستمد الإنسانُ شرعيةَ وُجوده في عَالَم التحولات الاجتماعية، وفضاءِ التغيرات الثقافية. والقُوَّةُ المُنضبطة بالأحكام العقلانية هي مصدرُ الشَّرعية الأخلاقية، والشَّرعية الأخلاقية هي مَاهِيَّة الوجود الإنساني الحقيقي. وكُلُّ إنسان يَمتلك هُويته الشخصية وثقافته الخاصَّة، ويُكوِّن آراءه وأفكاره وَفق قناعاته ومصالحه. ولا أحد يترك مصلحته لتحقيق مصالح الآخرين، ولا أحد يتخلَّى عن وجهه لارتداء أقنعة الآخرين. والتاريخُ يتَّسع لجميع الناس بكُل اختلافاتهم، ولكن المُهم أن لا يتحوَّل الاختلاف إلى خِلاف. وهذا يستلزم إيجاد منظومة إنسانية يَحدُث فيها التفاعلُ الاجتماعي، الذي يُحوِّل الاختلافات بين الناس إلى مصدر قُوَّة روحية ونهضة عقلية وثراء فكري، لأن الاختلافات هي تعدُّد للقِيَم والثقافات والعادات والتقاليد وزوايا الرؤية، مِمَّا يؤدِّي إلى الوصول إلى حقيقة المعاني وجوهر الأشياء. ولا يُمكن الوصول إلى مَغزى الحياة إلا مِن خلال رؤيتها من كُل الزوايا والاتجاهات. وكُل رؤية أُحادية نُقْطة ضعف، وكُل ثقافة قائمة على الإقصاء والتهميش هي كُتلة من الشظايا الوهمية،وكُل وُجهة نظر تُمثِّل رأيًا شخصيًّا نِسبيًّا، ولا يُمكن اعتباره حقيقة مُطْلَقَة. والأشخاصُ الذين يَزعُمون امتلاكَ سُلطة الحقيقة المُطْلَقَة مُصابون بخَوف عميق،ويُعانون من انهيار داخلي، ولا يَثِقُون بذواتهم وثقافاتهم،لذلك يُحاولون الهُروب إلى الأمام لحماية أنفسهم وتحريرها من الخَوف والانهيار، ولا يُدركون أنَّ حماية النَّفْس إنما تكون بفحص الآراء وتدقيق الأفكار، ولَيس بإضفاء العِصمة والقداسة عليها. ولا يَعرفون أن التحرر من الخوف إنما يكون باقتحامه، وإزالة آثار الانهيار إنما تكون بإعادة البناء على أساس صُلب. والهروبُ مِن النَّفْس البشرية يعني موت الإنسان ونهاية التاريخ.

3

التكاملُ الإنساني (المعنوي والمادي) الذي يقوم على مبدأ التجانس في العلاقات الاجتماعية، يستطيع كشفَ الصراعات الشخصية التي يُعاني منها الأفرادُ حِين يُحاولون الانتماءَ إلى أفكار مُتنافرة وبيئات مُضطربة، كما يستطيع التمييزَ بين سُقوط المُجتمعات في التاريخ، وسُقوطِ المُجتمعات من التاريخ. وإذا أدركَ الإنسانُ طبيعةَ دَوْر التاريخ في بناء الوقائع النَّفْسِيَّة، وتشكيلِ السلوك الاجتماعي، وتكوينِ الظواهر الثقافية، فإنَّه يستطيع توظيف التاريخ لتحليل التراكيب الداخلية في المجتمعات، وإزالةِ الصراعات الشخصية، وتخفيفِ ضغط العناصر الفكرية على المسار الاجتماعي فرديًّا وجماعيًّا، الأمر الذي يَقُود إلى تحرير الفرد والمجتمع مِن العُزلة الوجدانية، والانكماش الأخلاقي، والانكسار الحضاري. وهذا يعني حماية التاريخ من الانقسامات الاجتماعية، وحماية المجتمع من ظواهر التغيُّر التاريخي الذي لا يمكن إيقافه.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

عدنان عويدنؤكد منذ البداية، أنّ الديمقراطيّة والعلمانيّة ليستا مطلقتين في دلالاتهما، وبالتالي هما في حالة إطلاقهما ليستا أيضاً صيغتين صالحتين لكل زمان ومكان، لذلك نقول: إنّ حالة صلاحيتهما في بناء الدولة والمجتمع، تأتي هذه الحالة من خلال الاقرار بصحة تطورهما وتبدلهما شكلاً ومضموناً، وفقاً للمرحلة التاريخيّة التي يعيشها هذا المجتمع أو ذاك، أو حتى المجتمع الواحد ذاته في كل مرحلة من مراحل تطوره وتبدله. وعلى هذا الأساس قد نجد مجتمعا ما أو دولة ما، تتبنى قياداتها أو حكوماتها وفقاً لظروف سياسيّة طارئة لم تُستكمل فيها بعد التحولات الموضوعيّة والذاتيّة بكل مستوياتها الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، صيغاً من الديمقراطيّة أو العلمانيّة أعلى في مستوى تطورها من مستوى الوجود الاجتماعي الذي تنوجد فيه، وهذا ما يؤدي بالضرورة إلى زيادة تخلف العلاقات المنضويّة تحت مظلة هذا المجتمع أو الدولة، بسبب دخول مكوناتهما الاجتماعيّة في مهاترات سياسيّة باسم الديمقراطيّة والعلمانيّة على حساب القضايا الأساسيّة الملحة والضروريّة لتقدم وتنمية الدولة والمجتمع، وهذا ما حدث في مصر مع وصول الاخوان إلى السلطة، وكذلك في تونس، الأمر الذي أدى إلى قيام شبه انقلابات عسكريّة أعادت العسكر إلى الواجهة ليتحملوا مسؤوليّة إعادة الأمن والاستقرار، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت.

بيد أن هذا الفشل في التطبيق، لا يعني أن نبتعد عن توضيح معنى دلالات وأهمية الديمقراطيّة والعلمانيّة في بناء الفرد والدولة والمجتمع من جهة، وضرورة السعي الدؤوب من قبل القوى السياسيّة التي تصل إلى سدّة الحكم إلى تطبيقهما بصيغ تناسب حالات التطور التي يعشها كل من الدولة والمجتمع معاً.

نقول: إنّ الديمقراطيّة والعلمانيّة مشروعان نهضويان مترابطان بعلاقة جدليّة ذات تأثير متبادل، ويعتبران من أهم الروافع النهضويّة المساعدة على تحقيق تقدم الشعوب المتخلفة وتنميتها، والوصول بها إلى إقامة الدولة المدنيّة. وإذا كانت الديمقراطيّة هي النسق الأهم المشتق مباشرة من الحريّة، والمعبرة – أي الديمقراطيّة - بالضرورة عن حريّة الفرد والمجتمع في حياتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، والهادفة في جوهرها - على اعتبارها مشروعاً نهضويّاً - إلى تحقيق العدالة والمساواة بين مكونات المجتمع، وتجسيد المشاركة لكل هذه المكونات فيما يحقق استقرارها وتنميتها حاضراً ومستقبلاً إذا ما استخدمت هذه الديمقراطيّة أو طبقت على وجهها الصحيح. فإن العلمانيّة هي أيضاً الوجه النهضويّ الآخر للديمقراطيّة، كونها الوسيلة الأكثر فعاليّة بجعل المجتمع قادراً على تجاوز الكثير من مكوناته التقليديّة التي تساهم في تخلف الفرد والمجتمع معاً، مثل العشائريّة والقبليّة والطائفيّة والمذهبيّة، وذلك على اعتبارها أي العلمانيّة - تجسيداً للدولة المدنيّة في جوهرها، أي دولة المواطنة والقانون والمؤسسات والمشاركة، واحترام الرأي والرأي الآخر، وتداول السلطة، واعتبار الشعب هو المرجع الأساس للتشريع، وأن الدولة بكل مكوناتها يعود أمر تكونها المنطقيّ للعقد الاجتماعيّ الذي يقره ويريده الشعب نفسه. والعلمانيّة بهذا الفهم هي الوسيلة الأكثر قدرة على التحالف مع الديمقراطيّة وتجسيدها فكراً وممارسة، والعكس صحيح.

إذن، إنّ الديمقراطيّة والعلمانيّة وجهان لقضية واحدة، هدفهما حريّة الإنسان في أي مجتمع من المجتمعات وعدالته وكرامته وأمنه واستقراره ومشاركته في صنع القرارات التي تهم مصالحه ومصالح الأجيال القادمة. وإنّ كل محاولة لفصل الديمقراطيّة عن العلمانيّة هي محاولة لتشويههما، وافراغهما  من مضمونهما الحقيقي، لتحقيق مصالح أنانيّة ضيقة شخصيّة أو فئويّة أو حزبيّة على حساب مصالح الشعب بعمومه.

نعم.. إن تطبيق الديمقراطيّة بدون علمانيّة، هي الفسح في المجال واسعاً أمام تحرك المصالح الأنانيّة الضيقة المأزومة في حضورها، أو الموجودة في حالة كمون، طائفيّة كانت أو عشائريّة أو قبليّة أو حزبيّة أو كاريزميّة أو غيرها، وهذا يؤكد عندنا أنّ الديمقراطّيّة عندما تفقد الظروف الموضوعيّة والذاتيّة لتطبيقها ستتحول إلى وسيلة لخلق الفوضى باسمها وباسم الحريّة معاً، وستعمل بالضرورة على تحطيم الدولة والمجتمع بدل نهضتهما وتقدمهما، وهذا ما جرى في ما سمي بثورات الربيع العربيّة.

أما تطبيقنا للعلمانيّة بعيداً عن الديمقراطيّة، فسوف يحول العلمانيّة عند السلطات الاستبداديّة الحاكمة التي تدعي العلمانيّة إلى أداة أو وسيلة لصنع ديمقراطيات مزيفة على مقاسها هي، غالباً ما تتبع فيها تسويات اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافية، ليس الهدف منها – أي التسويات – خدمة المجتمع واستقراره وتنميته، وإنما هدفها ترويض مكونات المجتمع تحت شعارات وأوهام  ديمقراطيّة براقة، أعلى درجات تطبيقها هو البحث عن شخصيات موالية للسلطة الاستبداديّة من هذه المكونات، ووضعها في مناصب هامشيّة فاقدة للقرار الحاسم في قيادة الدولة والمجتمع، وبالتالي ستصب نتائج هذه التسويات في مصلحة القوى الحاكمة وليس في مصلحة الشعب بعموم مكوناته.

ملاك القول: إنّ إقصاء العلمانيّة والديمقراطيّة عن فضائهما العمليّ داخل الدولة والمجتمع، وتحويلهما إلى شعارات فاقدة لمضمونها العقلانيّ، سيخلق لا محال دولة الوصايّة، التي تجعل من القوى الحاكمة أو من يمثلها، هم من يفكرون ويقررون في النتيجة عن الشعب، وهم من يختار له الطريق الذي يجب أن يسير عليه سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّا.

إن غياب التطبيق العقلاني للعلمانيّة والديمقراطيّة عن ساحة أي دولة أو مجتمع، سياسهم حتماً بخلق أنظمة دكتاتوريّة استبداديّة تقوم على وضعيّة سلطويّة هرميّة غالباً ما تجسد روحاً سلاليّةً عند بعضها، أو تطمح لتطبيق هذه الروح عند بعضهم الآخر. وهي في المحصلة سلطة ذاتيّة شخصانيّة لا تقر إلا بأوامر رأس الهرم السلطوي كحاكم بأمر الله، أو من يمنح هذا الرأس من المقربين له بعض السلطات، أما أدواتها فهم مجموعة من الشخصيات الثانويّة التي يتم اختيارها وفق معايير تخدم استمراريّة السلطة القائمة، وغالباً ما تقوم الأجهزة الأمنيّة بتقويمهم وتبيان صلاحيتهم لممارسة المهام التي سيكلفون بها أم لا. مع تأكيدنا أنّ هذه الشخصيات معرضة في أي لحظة للعزل وربما للسجن والقتل إذا انحرفت عن الخط المرسوم لها من قبل الهرم السلطوي ومن يمثله. وهذا التوجه في طبيعة الأنظمة الحاكمة بأمر الله يذكرنا بمقولة ابن حنبل، يجب: (السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر ومن وليّ الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين.) (1).

 

د. عدنان عويد

كاتب وباحث من سورية

..................................

(1) - راجع موقع -  جامع حلقات شيخ الإسلام ابن تيمية – بحث السمع والطاعة للأئمة.

 

 

عصمت نصارلم يقطع "العقاد" بخلو مصر من الفلاسفة - في عصورها القديمة - بل قصد تميز العقلية المصرية ونهجها العملي في التفكير وربطها بين المجرد والمحسوس والروحاني والمادي والنظري والتطبيقي دون خلط أو مزج أو تضاد وتنافر، وعزوفها عن الثنائية التي أعيت الفلاسفة فيما بعد.

ويبدو ذلك في جُل القضايا التي طرحها حكمائها على مر تاريخهم - الذي مازلنا نتعرف عليه ولم نفرغ منه بعد - فقد نظروا للوجود وما فيه من موجودات على أنه نعمة ومنة وقدرة إبداعية للخالق الواحد المتجلي بنوره وجماله وكماله في العالم المرئي بالحواس، والعالم الآخر الذي تدركه العقول والمشاعر ويبرهن على وجوده العقل الفعال المتصل دوماً بالفيوضات الإلهية والإلهامات العلويّة التي تدركها الأذهان الراقية والنفوس الصافية؛ وذلك بالتأمل المعرفي والعرفاني والحدس الذوقي الجواني.

تلك الفلسفة التي أدركت أن العلم قدرة وإمكانية (الهيولي) وطاقة بشرية منحها الإله للناس كافة غير أنها تحتاج إلى جهد إنساني لتفعيل آليات تحصيله (حس، عقل، حدس)؛ وذلك تبعاً لطبيعة المعارف المُراد إدراكها ثم استيعابها ونقدها وتطويرها وتحديثها وفق احتياجاته العملية.

نعم! فلسفةٌ جامعة بين الإيمان والعلم؛ فانبثقت مبادئها الأخلاقية تعبر عن جوهرها الخير الذي وُجد على الأرض قبساً إلهيّاً نقيّاً في سرائر البشر؛ فأينعت طيبة وتسامحاً وحباً للإله وجميع مخلوقاته. لم يفرق المصري في فلسفته بين مبحث الوجود والمعرفة والأخلاق، ولا بين النظر والعمل، ولا بين الجميل والجليل، ولا بين النافع والصالح، ولا بين العدل والحق، ولا بين ما ينبغي أن يكون، وما هو واجب فعله، واعتقد أن تلك البنيّة الفخمة الرائعة هي الجوهر المركزي الذي مكّن الإنسان المصري من هضم واستيعاب وتطويع الوافد من شتى أنحاء الدنيا وتوظيفه وفق مقاصد هذه الفلسفة التي لا تسعى إلا إلى تحقيق الاستقرار وإخضاع الكون؛ لتحقيق السعادة على الأرض وتهذيب النفوس وتطهير القلوب وتذويد العقول بكل الآليات التي تمكنها من اقتلاع الشر والعنف والحسد والبغضاء الذي يحول بينها وبين السعادة الأبدية في الرحلتين الدنيا والآخرة.

تلك القراءة الصوفيّة أو إن شئت قل الرؤية المحافظة للفلسفة المصرية التي أنبثق عنها النسق الفلسفي الذي نعيشه مع إخفاقنا في تمحيصه والتعبير عنه أو التنظير له.

أجل! تلك الرؤية التي يمكن الاستعانة بها لتفسير وتوضيح وتأويل وتبرير العديد من الحقائق والأحداث، وصياغة الإجابات عن عشرات الأسئلة حول علة الطبائع والسلوكيات اعتماداً على النهج الأركيولوجي (Archaeology) أو التحفير في بنية النفس حتى الوصول إلى النواة.

فمن تأمل السياق الأسطوري في التراث الفرعوني؛ فسوف يدرك خلوّه من الخرافة والعبثية والعنف والصراع غير المبرر ذلك في ضوء (علم الأساطير المقارن)، ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلى أن جُل الأساطير المصرية قد صيغت بحِرَفيّة عبر الأحقاب التاريخية، وذلك لإدراجها في النسق التربوي لتنشئة النشء على الثوابت الفطرية التي يجب تدعيمها في الروح الجمعي للمجتمع.

فمن النادر أو الشاذ وجود أسطورة مصريّة تحرض على العنف أو التمرد أو تبرير الدنس والخيانة أو اللصوصية والفجور أو الاستبداد والجحود أو الظلم أو الكفر أو الصراع الاجتماعي والسياسي أو الغدر أو السّطو على الأغيار الآمنين. (وحسبي أن أهمس في الأذان وأنبه الأذهان أن جحود بعضنا في كل الأشكال الأدبية والفنية التي تقترب من نقيض تلك البنية الفطريّة يُعدُّ إفساداً للفلسفة المصريّة أو إلصاقاً بها ما سوف تلفظه وتقذف به في آتون السفالة والانحطاط بعد إفاقتها من دور الانحدار).

وإذا ما فحصنا البنية العقدية المصرية القديمة؛ فسوف يتبيّن لنا أن فكرة "التوحيد" أكثر أصالة وأعمق رسوخ في الفكر الديني المصري من فكرة الكثرة الألوهية أو التعدد أو الثنائية، ويكشف عن ذلك بوضوح علم مقارنة الأديان - وقد أثبتنا ذلك بشيء من الاستفاضة فيما كتبناه في هذا الحقل المعرفي استناداً على أحدث الاكتشافات الأثرية وأكثر الدراسات الأكاديمية دقة وموضوعية-؛ الأمر الذي يُفسّر لنا وحدة النسق العقدي في العبادة المصرية، ورفض العقل الجمعي للمعبودات الشاذة التي وفدت على مصر سواء عن طريق الاحتكاك الثقافي أو الاحتلال العسكري. كما أنه يبرر احتضان مصر قديماً للديانة اليهودية ثم المسيحية ثم الإسلام؛ وذلك للتشابه الواضح بين صلب هذه الديانات والنسق الإلهي المصري. وتبدو أصالة الجوهر الفطري الذي تحدثنا عنه في نجاحه في تطويع العديد من الشعائر والطقوس والعادات والتقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية؛ ليتناسب مع الروح الجمعي المصري ذلك مع عدم إنكار تأثر البنية الثقافية المصرية بالأفكار الدينية الوافدة في الفروع، وليس في الأصول. ذلك كله من جهة، وجحد ونقد العقل الجمعي المصري لكل أشكال الوثنية وتقديس البشر (مع تعظيم وتجليل الأبطال) والمعتقدات الشركيّة والصفات المادية والتجسيدية أو الصفات التي تحط من شأن سمو ورفعة وكمال وجمال الإله من جهة أخري.

وقد ترتب على سلامة هذا النسق الديني رفض المصريين لكل أشكال التعصب المِلّيِّ وكل أنماط الغلّو والتشيع وكل نهوج الإجتراء والإلحاد على مر تاريخهم، ويمكننا مراجعة ذلك في عشرات الدراسات التي تناولت التاريخ العقدي المصري.

ولعلنا نستفيد من ذلك في تبرير مج المصريين وعزوفهم عن الانتصار أو الانتماء أو الترويج للعقيدة الباطنيّة و الدرزية والبابية والبهائية والقضيانية والوهابية والمهدية والمحافل ذات الصلة مثل الماسونية وعبدة الشيطان والروحيّة الحديثة والإخوان المسلمين والقاعدة وداعش.

ومن الطريف أن نجد "إسماعيل مظهر" يؤكد على صفحات مجلة (العصور) عام (1928م) على أنه من العسير؛ بل المستحيل تبديل هويّة المصريين ومشخصاتهم وطبائعهم العقدية وميلهم الفطري للإصلاح، وليس الإفساد والطمع في غفران الله ورحمته وستره رغم اعترافهم بعثراتهم وكبواتهم، وأن معارف الفراعين العلميّة لم تدفعهم يوماً لجحد أخلاقياتهم تجاه الطبيعة، والبيئة، والحيوان؛ بل كانت تدفعهم دوماً إلى اقتحام المستحيل، والتأكيد على منطق التحايل ومنهجية الإمكان، كما أن قوتهم وشجاعتهم لم تدفعهم إلى تقديم الحرب على الحب أو النرجسية والعنصريّة على لين الجانب والمعايشة ومَدِّ يد العون للأغيار.

ويرجع ذلك في رأي "مظهر" إلى تلك الفلسفة التي نحتها المصريون القدماء في جبلتهم بعد تأمل عميق للوجود بأسره بنظرة استكشافية فاحصه ليس بالحواس فحسب؛ بل بالقريحة والأريحيّة والعقلية التجريبية الناقدة الشاغلة بالبحث عن الحقيقة من جهة، ورؤية ناقضة ساخرة ضاحكة ممّا يدور حولهم من أحداث وواقعات من جهة أخرى.

وينتهي "مظهر" من شرح أهمية الفلسفة إلى توضيح أنها المسؤول الأول عن تحديد ما هو ثابت وما هو متغير لثقافة العصر، وما ينبغي تأصيله في برامجنا التربويّة، وما يجب تجديده وتحديثه في مناهجنا التعليميّة.

وضروريٌّ علينا مراجعته كلما اقتضى الأمر من الشائع في آدابنا وفنوننا وأحاديثنا اليومية، وذلك للأثر الأكبر الذي تخلّفه الأذواق على تأملاتنا العقلية وتصرفاتنا الأخلاقية ومعتقداتنا الدينيّة.

ويعني ذلك أن "مظهر" في هذا الوقت المُبكر كان مدركاً لأهمية تأهيل المجتمع بمختلف طبقاته لقبول التفكير الفلسفي باعتباره هو الغربال أو الوعاء الناقض الذي يجب الاحتكام إليه في اختيار وانتقاء اللبنات التي نستعين بها في تجديد بنيتنا الشخصية والحضارية. ويقول في ذلك أن المجتمع الذي يسير وفق بنيته الفلسفية المُعبرة عن أصالة مشخصاته (أنها تحظر فعل ما هو خطأ وتبيح فعل ما هو صواب وتشجع عليه، كذلك هي التي ترغب في الأشياء الجميلة وتنفر من القبيحة. أما تقييم الجمال والقبح؛ فله أثر كبير في تكوين مظهر ذي شأن من مظاهر البيئة الاجتماعية. وهذا ما يسمى بمظهر الجمال).

ويجمل وظيفة التأمل الفلسفي في حياتنا. ويقول: "كما أن النظامات التي تتبلور فيها هذه النتائج العقليّة، فذلك ما نسميه "العلوم"، وهذا ما نسميه بالمظهر العلمي للبيئة الاجتماعية على أن هذا المظهر قد لعب الدور الأكبر في حياة الإنسان على طول الدهور وكر العصور".

ويضيف "مظهر" :"أن التأمل الفلسفي في أظهر مظاهره هو القدرة على أن تسأل وتجيب، وأن تستعرض مشكلات وتحاول حلها، وأن تنظر إلى المستقبل وتختط للسلوك خطة ما. هو أن يكون فيك قدرة على استطلاع الحقائق التي ينطوي عليها وجودك ويحتوي عليها المحيط الذي تعيش فيه... وعلى الجملة نقول بأن ’التأمل’ يتطلب منا، باعتبار أنه مثلاً أعلى، أجوبة ثابته لكل الأسئلة التي يمكن أن تقوم في العقل، كما يتطلّب ترابطاً منطقياً يصل بين كل الأجوبة التي يتسنى لنا الوصول إليها؛ بل نقول تعميماً بانه يرمي إلى معرفة الكون من طريق نظرة شاملة فيها ألفة تامة، بحيث لا ينقص تلك النظرة شيء من كمال الأسلوب ولا حسن النظام، الذي يقصد به تتابع النسق التدليلي وترابط وجوهه وعدم تنافر أجزائه بحال من الأحوال".

وخليقاً بنا أن نبيّن أن الدعوة للتفلسف في حياتنا الثقافية كانت من الأمور سيئة السمعة عند الجمهور؛ الأمر الذي حال بين ظهور الفلاسفة أو المتفلسفة. فقد خلط العوام والجامدين من شيوخ الأزهر بين الفلسفة والسفسطة؛ فأدعى بعضهم أنها مدخل لجحود المقدسات وما جبلنا عليه من موروثات، كما أنها تُحرّض كل من يقرأ في كتُبها على الإجتراء والمجون والشطط، وذلك عقب إلغاء العلوم النظريّة والعقلية من مناهج التعليم في الأزهر بعد تسلل الفكر الوهابي إلى الثقافة المصريّة وتكفير الخلفاء العثمانيين للفلاسفة وتقبيح كتبهم.

وقد جاهد "حسن العطار" ورفاقه في مقاومة هذه الدعوة وإثبات أن المباحث الفلسفية شأنها شأن سائر المعارف الإنسانية؛ لأنها تحوي بين دفتيها كل ما ينتجه العقل من أفكار، ومن ثمّ فمن الخطأ الحكم على الكل استناداً على الاعتقاد في فساد الجزء، وأن ما لا يدرج جُله لا يترك كُله. وسوف نوضح فيما بعد قصة بعث المعارف الفلسفية ثانية في الثقافة المصرية. أمّا ما جاء في حديث "إسماعيل مظهر"؛ فهو لا يعدو أن يكون إحدى محاولات بعث المباحث الفلسفية في الرأي العام.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

 

قاسم محمد الياسريللأسف كثيرا ما نلاحظ هذه الايام في مجتمعنا ظاهرة ارتفاع نسبة شتم الذات العراقية في صورة سلبية من صور بخس الذات وعدم تقبل الآخرين وبعضنا وصل به الأمر الى كره الذات واحتقارها في نظرة سلبية للذات وهذا التدني في احتقارالذات الشائع السلبي التشائمي الذي يعم مجتمعنا اليوم هو واحد من نتائج المعاناة التي تسمى (اضطرابات الشخصية المازوخية) أو إضطراب الشخصية المحبطة للذات او اضطراب الشخصية المهزومه ذاتيا ذات الأفكارالغريبة المكبوتة والتي ترتقي لتكون شاذة وهذا هو إنحراف نفسي وتشوه حيث يتميز المصاب بهذا المرض بالخضوع والاستمتاع بالاضطهاد والاذلال والإهانات مصحوبا بالألم النفسي ويصل الامرالى الإستمتاع بالألم الجسدي والذي قد يؤدي بالفرد الى الموت أحيانا .فالذات الانسانية يمكن تقسيمها الى قسمين وهي الذات المزيفة السلبية التي نمارسها في علاقاتنا اليومية بالاخرين بالنفاق والتزييف والخضوع والخنوع والذلة لكل مايطلبه منا المتسلط سواء كان رب السرة او رئيس الدائرة المستبد او رئيس الجماعة او رئيس الحزب او الدولة اما الثانية التي تمثل صورة الأنا الداخلية التي ترافق الاحاسيس والمشاعر الصادقة من الطموحات وهاتان الصورتان في النفس دائمتا الصراع بينهما.. ففي المجتمعات المقهورة يساهم وينظم رجل الدين ورجل السياسة لمجموعة المتسلطين في خلق انسان مستلب مقهور ينظر الى ذاته نظرة تشائمية تحت يافطة مايراه من شعارات مزيفة شكلية وفق سلوك مايريده فيتحول احيانا الى عدواني نتيجة معاناته الداخلية او شتم ذاته وبهذا سلوك الشتم يمكنه التغلب على انانيته او ذاته الداخلية وثقته بنفسه تتحول الى الاضطراب فينتج مجتمع مقهورمضطرب أفراده يستلذون بتعذيب أنفسهم ويقدسون جلاديهم .يقول عالم النفس الأمريكي تيموثي جاي في كتابه الشتم رغم ان الشتم حالة سلبية وخصوصا عندما تهدف للإستهانة بالاخرين إلا أنها تلعب دوراً مهماً في تخفيف الضغوط النفسية ونوبات الغضب والقلق وبعكسه سيلجأ المرء الى الاعتداء والعدوانية واستعمال العنف والايذاء الجسدي ومن يعتاد إستخدام الشتم في سلوكه هي إشارة لوجود مشكلة تجذب الإنتباه نتيجة لمعاناة الفرد من الإضطرابات لم تظهر في سلوكه سابقا مما يجلب انتباه الآخرين نحوه وهذا الشتم يعني نوع من اللغة المستخدمة للتعبير أو إنعكاس للمعانات والمشاعر الداخلية المكبوتة في نفسية الأفراد .. ومن خلال ما يتعرض له الناس في مجتمعنا من ظغوط واضطهاد وترهيب وهذا السلوك هو واحد من الاسباب التي تسببت بارتفاع نسبة شتم الذات في مجتمعنا نتيجة لمعانات المجتمع من المتسلطين المرضى في الاسرة والمجتمع .. فنحن اليوم في وطن فوق قبورمجتمعه تبرم الصفقات وأسفل أقدام المتحكمين بمصيره يموت الفقراء المقهورين السذج..  فاصبح اضطهاد المجتمع وسيلة لديمومة التسلط والتحكم بمجتمعنا وفق مبدأ المدرسة الصهيونية الثابت (الدين كوسيلة فعالة للسيطرة على الشعوب)..  لذالك فقد المجتمع الثقة حتى بدينه وفقد التمييزالأهم بين إنقاذ نفسه وتنفيذ العدالة ومن هنا يتضح سلوك المتسلط بالدفع الى التخلف الاجتماعي وايصال المجتمع الى تحقير وبخس ذاته والشعورالاضطهادي الذي يفتش عن المخطئ كي يحمله وزرعدوانيتة المتراكمة داخله وكي يوصل الانسان المضطهد الى مرحلة لا يستطيع ان يكتفي بادانة الوطن وذاته وشتمها فقط وتشيرالدراسات إلى أن المتسلط يحرص ويسعى على أن يغرس في نفسية المجتمع مشاعر الإثم والدونية كي يوصله الى التخلف والى الخجل من ذاته ويفضل الهرب من مواجهة ذاته وبعدة وسائل فينحرف بعض الافراد ويتحول البعض الى العدواني او تعاطي المخدرات التي يساعد في نشرها المتسلط  او يتجه البعض الى ان يلوم نفسه ويكيل النعوت السيئة لنفسه متهما نفسه بالتقصير والتخاذل والجبن وينهاراحترامه لذاته ومن ثم يضخم تقديره العالي للمتسلط ويرى فيه نوعا من الإنسان الرائع الذي له حق مقدس في السيادة والتمتع بكل الامتيازات وهذه هي علاقة الرضوخ من خلال التبعية للمتسلط في العائلة او المجتمع لفرض تسلطه ومن هنا تبرز حالة الاستلاب والتقرب من المتسلط سواء كان رب او ربة الاسرة أو مسؤولا او رئيس دائرة او زعيم جماعة او رئيس عشيرة .. فتنغرس وتترسخ في ذهن الفرد أفكارا بأنه لا مناص من الخروج من هذا المأزق الوجودي سوى التقرب من المتسلط المسؤل او رئيس الدائرة المتسلط  او رب الاسرة المتنمر والتنكر الشامل لانتماءات الذات الاجتماعية والتاريخية مما يولد حالة من الرضوخ السوداوي للقدرالمكتوب واتخاذ الدفاعية ضد التغيير.. فتعم المجتمع النظرة التشائمية لذاتهم فتجعل الفرد تابع مسلوب الارادة فاقد لإرادته وهذا الأمر لا يختلف إذا انتقلنا للحديث عن علاقة المقهوربرب الدائرة المتسلط او برب العمل او رب الاسرة او برب الجماعة إنها علاقة تبني على الطاعة المطلقة وأمام كل هذا الاستعباد فإن الإنسان المقهور ينتقم من ذاته أما بالكسل واللامبالات أوالتخريب وتعاطي المخدرات أوالسخرية من نفسه وشتمها وشتم الوطن ما يخلق ازدواجية في العلاقات المجتمعية  ورضوخا ظاهريا في حين هناك عدوانية خفية في الإنسان المقهورفيلجأ هذا الذي يبخس ذاته الى مخاطبة المتسلط بلغته نفسها من الكذب والخداع والتضليل اي بنفس لغة المتسلط من الوعود المعسولة والتضليل تحت شعارات مخادعة بالوعود الإصلاحية والخطط الإنمائية كلها هراء وغش اعتادعليها المجتمع الذي بدوره انتهج نفس الخداع والتضليل حين يدعي الولاء ويتظاهر بالتبعية لهذا المتسلط إن حياة الإنسان المقهور حسب الدراسات لا تخلو من عقدة النقص والعار مع اضطراب واصطباغ التجربة الوجودية بالسوداوية وهذه جميعها تدفع الإنسان المقهور نحو الاتكالية والنكوص والاستسلام للقدر وطغيان الخرافة على تفكيره فعوضا من تحكيم العقل والتفكير السليم والعمل على تغيير وضعيته يلجأ المقهور إلى التحايل ويستمتع بحياة العبودية وتجسد الإدارة نموذجا لعلاقة الإنسان المقهور بالمتسلط .. فالموظف يتعالى على من هم دونه ويقابلهم أحيانا بالصد والتعالي والنبذ الصريح وهذا ما ورد أيضا في بعض الدراسات لعلاقة المقهور بالإدارة فالموظف ما أن يقم بعمل للمقهور فإنه يعتبر ذلك منة علية لأنه صاحب حاجة وليس واجب الموظف الذي تمليه عليه وظيفته وامانته وهو في ذلك يكرر موقف رئيس الدائرة منه وهذا الاخير يكرر موقف المسؤول الأعلى منه وهكذا ليتخذ الأمر في النهاية علاقة استعلائية استعبادية وليست علاقة تراتبية تحكمها الواجبات والحقوق وتضمن الحقوق لكل المواطنين..

 

د. قاسم محمد الياسري