منير لطفيفي زمن تكالبت فيه المادّة وأصيب الناس بسعارها، حتى بات الولَع بالدنيا ومباهجها عنوانا لإنسان العصر اللاهث وراء الحاجيات والكماليات بشتّى صنوفها؛ بات الحديث عن مقامات السالكين ومنازل الترقِّي لازما لزوم المكابح لسيارة تندفع بعنفوان على الطريق السريع، ولزوم الدرع لمقاتل يتصدّر الصفوف في ميدان الجهاد، إذ بدونهما تحدث كوارث لا يعلمها إلّا الله، ونخسر الروح والجسد معا.

والحديث هنا عن ورَع نعته النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري في صحيحه الجامع بأنه خير الدين، ولكنّ الناس -وا أسفاه- نسوه أو تناسوه في جملة ما نسوه وتناسوه من شريف الشريعة وكلّ ما فيها شريف، حتى بات الحديث عنه أشبه بالأساطير والأعاجيب، وكأنّه ما خُلق لنا ولا خُلقنا له، في دلالة على سقوط الهمّة وخور الإيمان..

فما معنى هذا الورَع، وما الفرق بينه وبين الزهد، وما العلاقة بينهما، وما عاقبته؟

ليس بخافٍ أنّ المرء طوال رحلته المقدَّرة في الحياة، تعرض أمامه أمور ثلاث لا رابع لها، محرَّمات ومنكَرات حذّر منها الشرع الكريم بوحييْه القرآن والسنّة كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وحلال ومباحات لا ضير منها ولا ملامة فيها كالميراث والتحلّي بالذهب للنساء وارتداء ما دون الحرير للرجال، وشبهات تقع بين هذا وذاك كمنزلة بين المنزلتين ومرتبة بين المرتبتين ممّا اختلف العلماء حوله بين محلِّل ومحرِّم ومتوقِّف.. وإزاء هذه العوارض يتمايز الموحّدون المؤمنون إلى أقسام ثلاث: مؤمن صالح، يجتنب ما حرّمه الله ونهى عنه من منكَرات. ومؤمن ورِع، يجتنب الشبهات إضافة إلى المحرّمات. ومؤمن زاهد يحمل نفسه على اجتناب جزء قلّ أو كثُر من المباحات والحلال، إضافة إلى المحرَّم والمشبوه.

وقد اختصر إمام المالكية وتلميذ سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام، وهو الإمام القَرافي، معنى الورع في اجتناب ما لا بأس به مخافة ممّا به البأس. وفرّق شيخ الإسلام الثاني، الإمام ابن القيّم، بينه وبينه الزهد بقوله: الزهد اجتناب ما لا ينفع في الآخرة والورع اجتناب ما يُخشى ضرره في الآخرة. بمعنى أنّ الورَع دون الزهد في المرتبة، وكلّ زاهد ورِع وليس كلّ ورِع زاهد، وكما قال الإمام الداراني في بيان العلاقة الوثيقة بينهما: الورع مقدّمة للزهد كما القناعة مقدّمة للرضا.

ولِتتّضح المنزلة السامقة لأهل الورع وأهل الزهد، يكفينا معرفة كونهما جلساء الله في الغد القريب، حين تقوم الساعة وتُنصب الموازين وتُوفَّى كلّ نفس بما كسبت، وذلك على حدّ قول الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.

وإذا ذُكر الورع ذُكرت طُلَعَة من الصحابة والتابعين كانت التقوى منهجهم والورع سلوكهم وصفتهم، وفي القلب منهم الفاروق عمر بن الخطاب الذي أَتعب مَن بعده بما وصل إليه من رتبة عالية في هذا السبيل؛  فقد مرض يوما، ووصفوا له العسل دواء، ومع وجود العسل في بيت المال جرّاء جلبه من بعض البلاد المفتوحة، إلّا أنه تورّع عن التداوي به، حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذنهم فيه، فأذنوا له وبكوا إشفاقا عليه!

ومِن جملة ما نبّه عليه العلماء لكي يبقى للورع مشروعيته وكماله؛ ضرورة اقترانه بالعلم حتى لا يفسد، وحضوره في الخلَوات كما الجلَسات، ولا تفوته جارحة إلّا وتلبّس بها؛ على اعتبار أن الإيمان وما يتشعّب عنه من مقامات لا ينفك العلم فيه عن العمل ولا الحال عن المقال ولا الظاهر عن الباطن. مع لزوم الفصل التام بين الورع وبين والواجبات والمستحَبّات التي لا تمت بصلة إلى زهد أو ورع. ويمكن التمثيل لهكذا ورع فاسد فارغ، بما حدث من أهل العراق، حين سألوا الصحابي الجليل ابن عمر عن مُحرِم قتل بعوضة، هل في حقّه فدية أم لا؟ فأجاب: يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين! وبما كان من ذاك الفاسق الذى زنى بامرأة وأَحْبَلها، فلمّا قيل له: لِمَ لَمْ تعزل حتى لا تحمل المرأة؟ فقال: بلغني أنّ العزل مكروه!

***

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب - مصر

 

محمود محمد عليفي المقالات السابقة بينا كيف برهن أحمد زويل في كتابه عن حوار الحضارات علي أن الخلل في النظام العالمي المعاصر، إنما ناجم جزئياً عن الجهل بالحضارات، أو التذكر الانتقائي للماضي، والافتقار إلي رؤية الأشياء وفقاً لعلاقاتها الصحيحة، وجزئيا عن البؤس الاقتصادي والظلم السياسي الذين يعاني منهما " عالم الذين لا يملكون"، والذين يشكلون نحو 80 % من سكان العالم في كل القارات ومختلف الثقافات، وفيما يتعلق بالعلاقات الدولية مثلا، يقول زويل: "فإني لا أفهم جيداً، السبب الذي يدفع بحضارة معينة، إلى اكتساب قوتها على حساب حضارات أخري عبر الإمبريالية ؛ وذلك لأنه بعكسان الثقافات والحضارات، أن تصل إلى أوج الاكتمال، في إطار تعايش متناغم ومنسجم بين بعضها البعض، بل وفي إطار تكامل فيما بينها . وتشكل الولايات المتحدة واليابان والأمم الأوربية، أمثلة لهذا التعايش الصحي، الذي تم إرساؤه عن طريق مد جسور اقتصادية وثقافية ؛ ويتجسد الحل للوصول إلي هذا الوضع، في إرساء نظام حكامة governance عالمي، يمثل ويرعى حرية البشر والعدالة، وتفرض قراراته وتطبق بطريقة ملائمة . أكيد أن نظاما من هذا القبيل، صعب إرساؤه ؛ إلا أنه في اعتقادي، يمكن لزعيم متبصر أن ينجح في هذا المشروه علي امتداد مدة زمنية معينة" (24).

ثالثا: ماذا عن دينامية الثقافات؟ إن الثقافات لا تتسم بكونها متوازنة بل إنها تتغير جميعها مع الزمن ؛ ودرجة هذا التغيير تتحكم فيها، في جزئها الأكبر، قوى السياسة والعلوم الاقتصادية؛ ولنعتبر علي سبيل المثال بلدي الأصلي ؛ فالحضارة المصرية قد تطورت بشكل مبكر في ظل تاريخ البشرية، وهيمنت علي العالم لمدة آلاف السنين ؛ لكن مؤخرا، أضحت مصر بلدا سائرا في طريق النمو، وهذا لا يعني أنها فقدت حضارتها، بل يعني أنها، على غرار حضارات أخرى، قد تغيرت مع الزمن، وذلك بالنظر للعديد من القوى الداخلية والخارجية ؛ إذ أن وضعها الراهن، ليس مرده إلى عامل وراثي أو إلى قيم ثقافية أساسية (25).

وفيما يخص رؤية "أحمد زويل" لما حدث بين العالم العربي والغرب وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية في عقب ما حدث في‏11‏ سبتمبر في نيويورك وواشنطن‏،‏ وزيادة التركيز علي تغبير صدام الحضارات وأن هناك ازمة بين العرب والغرب؟

يقول" زويل": في تقديري أن هناك نفعاً واحتياجا إلي رؤية أوسع وأكبر علي الجانبين‏..11‏ سبتمبر كان حادثا مهولاً أثر علي صورة أمريكا في العالم‏..‏ كما أثر علي فخرها باعتبارها القوة الأعظم في العالم‏..‏ كما ينبغي ان تعلم أن برجي مركز التجارة العالمي يمثلان هما ونيويورك بشكل عام - رمزاً للحضارة الأمريكية‏،‏ ومن ثم فإن الهجوم عليهما، مثل توابع الزلازل أدت إلي توليد شعور بأن هذا صراع حضارات، أو بتغبير آخر صراع مع الإسلام وهو الخطأ الكبير الذي حدث بعد‏11‏ سبتمبر‏،‏ وقد حاول الرئيس الأمريكي "جورج بوش" توضيح أكثر من مرة أن هذا ليس صراعا مع الإسلام‏ (26).

ويستطرد" زويل" قائلاً:" لكن رجل الشارع الأمريكي لا يعرف عن الإسلام إلا قليلا - حتي مع وجود حوالي ‏ست ملايين مسلم في الولايات المتحدة ـ ومن ثم عندما تظهر له وسائل الإعلام الأمريكية‏:‏ الصحف وقنوات التليفزيون‏،‏ صور المتهمين في حادث مركز التجارة العالمية وتكشف انهم مسلمون وعرب تحدث إدانة فورية من جانب الرأي العام الأمريكي للمسلمين والعرب‏،‏ ولكن يصبح هذا خطأ كبيرا عندما يشاع أن الإسلام والحضارة الإسلامية هما ارهاب‏،‏ وأضرب دائماً امثلة بالاستعانة بمصادر التنوير في الحضارة الغربية والتي هي الحضارة الإسلامية جذور الحضارة الإسلامية في أسبانيا واستمرارها حتي بزوغ عصر النهضة (الرينيسانس) في أوروبا‏ (27). ‏

هذا بالإضافة إلي أن القرآن والدين الإسلامي كما يري "زويل":" لا يدعوان إلي العنف علي الإطلاق وإنما إلي التسامح‏،‏ والدليل على أن التطرف ليس إسلامياً حادث "أوكلاهوما‏"،‏ وكان مرتكبه مسيحياًَ وليس مسلماً‏ًً،‏ كذلك ما فعله هتلر من تدمير في قلب أوروبا، وهو لم يكن مسلماً‏،‏ وما حدث في يوغسلافيا، وفي حرب البوسنة والهرسك، هي إذن نظر "زويل" خاطئة من الغرب إذا فهم ما حدث باعتباره إرهابا إسلاميا"‏ (28).

وفي نفس الوقت يؤكد "زويل" بأن العرب والمسلمين ركزوا علي هذه القضية باعتبارها حديث الساعة في مصر‏،‏ علي سبيل المثال إنني لا يتوقف فيها الجدل حول ما يسمي صراع الحضارات واعتمد الجدل علي كتاب "صمويل هنتنجتون" صراع الحضارات الذي قسم العالم إلي‏ خمس‏ حضارات، لكني أري خطأ أن يحدث هذا التقسيم لأنه مثلاً عند تطبيق هذه الفرضية علي شخص مثلي‏..‏ بماذا أسمي نفسي؟ مصرياً، فرعونياً، قبطياً‏،‏ مسلماً‏،‏ عربياً، إفريقيا، أم أمريكيا لقد عشت كل هذه الحضارات وتعاملت معها (29)‏.

وهنا يخلص قائلا: لذا لا أري سبباً أو مبرراً لهذه الضجة الإعلامية الكبيرة‏،‏ والأهم من ذلك أن تستبعد من العقل العربي الخضوع لهذا المفهوم صراع الحضارات، وأن نتحاور مع مثل هذه المفاهيم من منطلقات إيجابية من ناحية التفسيرات‏،‏ ومن ناحية توصيل المعلومة للعقل الغربي‏،‏ فليس كافياً علي الإطلاق استخدام منهج الاحالة إلي التاريخ‏،‏ وإلي ما قاله الرواة بشأن الإسلام‏..‏ لا بد من توصيل المعلومات للعقل الغربي بطريقة واضحة وسلسة (30) .

وحول موقف "زويل" من صراع حضارات، فيقول:" اعتقد لأني دائماً أسأل عدة أسئلة فيما يتعلق بهذه القضية وهي‏:‏ هل ولا بد أن تكون الحضارة القائمة في حالة تصادم مع حضارات أخري ليست بالضرورة القائمة فهناك‏:‏ اليابان‏:‏ قوة عظمي‏،‏ وأوروبا قوة عظمي‏،‏ والولايات المتحدة قوة عظمي، وليس هناك صراع فيما بينها‏،‏ بل بالعكس هناك ما يمكن أن نسميه حوار الحضارات وليس صراع الحضارات؛ فالثقافة اليابانية عن سبيل المثال تختلف تماما عن الثقافة الأمريكية، وبالرغم من ذلك، هناك تعاون فيما بينهما‏، ‏فهذا المفهوم صراع الحضارات غير واضح تماماً لأنك إذا نظرت للحضارة المصرية سوف تجد أنها حضارة سادت العالم‏،‏ وكذلك الحضارة الفينيقية‏..‏ وغيرهما‏ (31).

فمصر كما يري "زويل" قد ازدهرت في عصور الأسرات الفرعونية، وفي العصور الإسلامية‏،‏ لكنها تحولت من دولة متقدمة إلى دولة نامية حالياً،،‏ فهل هذا أدعى لإلغاء صفة الحضارة عن مصر‏،‏ والادعاء انها لا تمتلك لا ثقافة ولا حضارة‏!‏ بالطبع لا‏، لأن هناك أسباب سياسية عالمية وأسباباً سياسية داخلية‏، وظروفاً تاريخية قام فيها الاستعمار باستغلال موارد مصر ‏(32) .

ومن هذا المنطلق نزع زويل إلى القول بأن الحديث عن صدام الحضارات ما ذكره "هنتنجتون" من أنه إذا نزعت أمريكا صفة الانجلوساكسونية وصفة المسيحية عنها فسوف تصبح في خطر‏،‏ وزويل يرى العكس‏،‏ لأنه يري أن ما يجعل أمريكا قوية أنها تحصل على أفضل عقول في العالم‏،‏ ومن ثقافات مختلفة‏،‏ ومن حضارات مختلفة‏،‏ وتمزج فيما بينهما لكي يعيشوا في إطار نظام‏،‏ ومن ثم أمريكا أصبحت قوة عظمي نتيجة التفاعل مع الحضارات والثقافات والتسامح معها‏ (33).‏‏

ونعود إلي نفس السؤال فنسأل "زويل": هل هناك بالفعل صدام بين العرب والغرب؟

ويجيبنا زويل فيقول:" أي دولة في العالم تنظيف الشارع لا بد أن أقوم أنا أولاً بتنظيف البيت من الداخل‏،‏ وأنا أرى أن العالم العربي في حالة متدهورة‏،‏ واستخدام نظرية المؤامرة لن يخرجه من حالة التدهور الحالية التي يعيش فيه، وعلى المستوي الشخصي عندما حضرت للولايات المتحدة، كانت أمامي صعاب كثيرة‏:‏ صعاب سياسية‏،‏ صعاب خاصة بالثقافة‏:‏ اختلاف اللغة والعادات الغربية والأمريكية وعوائق علمية (34).

وماذا بعد حوار الحضارات في نظر زويل ؟

اعتقد أن هناك قضية هامة ومحورية تأتي بعد حوار الحضارات في "زويل" ؛ ألا وهي قضية الإصلاح، فهو في نظر "زويل" ضرورى في العالم العربى، وهذا الإصلاح ينبثق من الداخل، ولا يمكن أن يأتي من الخارج؛ وأول عمليات الإصلاح، هي حرية العقل وبناؤه فهما السبيل لصناعة شعوب متقدمة تغزو المستقبل في نظر زويل؛ يقول "زويل":" إن الاصلاح هو الاصلاح وعالمنا العربي يحتاج إلى إصلاح فعلي من داخلنا دون أن نعير الخارج أي اهتمام ".. موضحا أننا كعرب يجب أن نبدأ بالاصلاح بأنفسنا ونجعل العالم يرى كيفية اصلاحنا لذاتنا" (35).

وأوضح "زويل" أنه لا توجد دولة بالعالم تساعد دولة أخرى على الاصلاح وتعطي مساعدات مادية بلا غرض او هدف، واستعان بالآية القرآنية "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"- صدق الله العظيم، .. مشيراً إلى أنه بالنظر إلى تاريخنا وحضارتنا كعرب وما وصلنا إليه الآن نشعر جميعاَ كعرب في الداخل والخارج بآسي شديد (36).

وقال " زويل" أن المجتمع الدولي يعاني حالياً من عدم وجود رؤية سياسية عادلة .. مشيراً إلى أنه لا يمكن أن تسيطر دولة واحدة على مقدرات العالم والشعوب، بل يجب إيجاد توازن وعدل، وإيجاد حل للمنظومة المختلة من دول عظمى ثرية ودول فقيرة، موضحاً أن ما يقال عن صراع الحضارات ليس له أساس من الصحة، لأن المشكلة في العدل والتوازن والحديث عن صراع الحضارات مضيعة للوقت ... مشيراً إلى أن اليهود حينما واجهوا العذاب في الماضي كانوا في أوروبا ولم يكونوا في الشرق الأوسط، أو عند العرب، بل على العكس كان العرب والمسلمون يعاملونهم بصورة جيدة جداً وفي تعاون واضح (37).

وأوضح "زويل" أننا سنستطيع عبر هذا المشروع القومي بناء شراكة مع ابنائنا لمساعدتهم بدون بيروقراطية أو روتين جامد يعوق مسيرة التقدم، والوصول معهم إلى نجاحات تعود بالإيجاب على مؤسساتهم العلمية وجامعاتهم (38).

وقال " زويل" أن المشروع القومي لنهضة مصر العلمية قادر على النجاح لما لدى الشعب المصري من استعداد للعمل بجهد بالإضافة إلى المساعدات الأولية التي ستقدم من المسؤولين بمصر، الأمر الذي يتماشى مع مسيرة الاصلاحات المصرية ليجعل مصر كعهدها دائماً في الريادة ويصل منها إلى باقي الدول العربية (39).

وحول المشكلات التي تواجه " زويل" في إنشاء الجامعة العلمية في مصر وإنشائها في قطر، قال زويل أن الأصل في هذا الموضوع هو مساعدة الدول العربية على النهوض مما هي فيه الآن ومجاراة العالم في تقدمه، والأمر لا يرتبط بدولة غنية ودولة فقيرة.. مشيرا إلى أنه من المقرر أن يقوم بزيارة اليوم إلى السودان، حيث يلتقي بالرئيس السوداني حسن البشير (المخلوع) لبحث امكانيات التنمية في السودان وهو الأمر الذي سيقوم به في العديد من الدول العربية الاخرى (40).

وتطرق " زويل" الى التحديات المستقبلية للعلم خلال الخمسين عاما المقبلة موضحا أن أي تقدم ثقافي وسياسي واقتصادي لا يأتي إلا عبر المعرفة ؛ خاصة وأن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعرفة وتطور العقل الذى يؤدي إلى اكتشافات وثورة للمعلومات مما يؤثر على حياتنا ومستقبلنا في كافة المجالات (41)؛ وقال "زويل" أن التحدي الأول هو أن العلماء استطاعوا فك الشفرة الجينية للإنسان واستطاعوا أن يحللوا مواده واكتشفوا أن الانسان يتكون في أغلبه من مواد "كربونية"... موضحا أن هناك أبحاثاً حالياً لابتكار نوع من التناغم والالتحام بين الانسان بتكوينه الكربوني والإلكترونيات السليكونية التي تتكون منها أجهزة الكومبيوتر الحديثة، مما قد يوجد في اعتقادهم آلة قادرة على التفكير والإحساس والتفاعل والوعي والمحاكاة (42)؛ وأوضح أن هذه الثورة التكنولوجية لن تقف عند هذا التحدي، بل تحاول ايجاد حلول للأمراض المستعصية التي تصيب الانسان عبر إعادة ترتيب جزيئاته الجينية بواسطة تكنولوجيا الالتحام الكربونية السليكونية وابتكار ما يسمى "النانو روبرتس" أو إنسان آلي متناهي الصغر يدخل داخل الشفرة الجينية ويصلح ما بها من عطب (43).

وقال " زويل" أن التحدي الثاني هو قدرة الانسان على التحكم في جيناته عبر "الهندسة الجينية"، وضرب العديد من الامثلة، من خلال ذلك لعلاج بعض أعضاء الإنسان والتحكم في شكل وصفات المواليد، بالإضافة إلى التأثير في حجم ونوع الأطعمة والمحاصيل الزراعية (44)؛ وأشار إلى أن حرب المستقبل لن تكون باستخدام أعتى الاسلحة وحجم تدميرها، لكنها قد تستخدم هذا الاكتشاف بشكل سيىء وخطير، فعبر مجموعة من الفيروسات، أو البكتريا يمكن تغيير الصفات الجينية لشعوب وتحويلهم إلى ما أشبه "بالمسوخ" أو ضعفاء البنية والتفكير! (45)؛ وأضاف أن التحدي الثالث في "التعليم" والذي سيختلف تماماً عن المتعارف عليه .. موضحاً أن "الطفل خلال مرحلته العمرية المبكرة "خمس سنوات " تنمو خلالها خلايا مخه بصورة متكاملة ويستطيع وقتها استيعاب، وتعلم أي شيء لنهم هذه المرحلة العمرية بالمعلومات والمعرفة والتجربة" (46).

كما أشار زويل إلى أن 70 %  من "الأطفال الصغار الذين يصابون بالشلل يتم شفاؤهم من المرض بعد عدة سنوات لقدرة المخ وقتها على إعادة ترتيب الشبكة الداخلية على عكس المتقدمين في العمر الذين يصابون بالمرض ولا يمكن شفاؤهم" (47)؛ وقال أن:"التعليم الجيد يأتي عبر التفاعل والبيئة المناسبة، خاصة وأن العلماء وجدوا علاقة بين الحركة الذهنية المستمرة للانسان ونشاطه البدني، فمن يعمل بدون خمول ويستمع للموسيقى ويقرأ ويدرس باستمرار لا تصيبه أمراض الشيخوخة عكس الخامل السلبي الذي لا يؤدي أى نشاط" (48).

وشدد "زويل" على أن "وحدة الاسرة والترابط العائلي والتقليل من اعتماد الإنسان على الآلة وتكنولوجيا الحوائط المعلوماتية سيؤثر على تقدم الإنسان في عالمنا العربي، والحل يأتي عبر محادثة العقل وتنمية قدراته وترتيب أولوياته والتفاعل مع الغير بروح عمل الفريق" (49). وقال زويل أن "قوة العلم خلال الخمسين سنة القادمة ستكون بلا حدود ولم تراها البشرية من قبل وللمرة الأولى ينكمش الزمان والمكان أمام العلم من الفينتو ثانية إلى قدرة على معرفة المكان ورؤية المادة خلال هذا الزمن، وهو البحث الجديد الذي يجري عليه أبحاثه، والتي تتطلع بالأخص في مجال العلوم الطبية" (50).

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

..........

مراجع المقال وهوامشه

(24) أحمد زويل: حوار الحضارات، المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

(25) المصدر نفسه، ص 188.

(26) جمال زايدة: أحمد زويل لـ الأهرام‏:‏ الحوار مع الغرب بديلا عن صدام الحضارات.

(27) المرجع نفسه.

(28) المرجع نفسه.

(29) المرجع نفسه.

(30) المرجع نفسه.

(31) المرجع نفسه.

(32) المرجع نفسه.

(33) المرجع نفسه.

(34) أحمد زويل (حوار): الاصلاح ضروري في العالم العربي ولا يمكن أن يأتي من الخارج، جريدة الدستور، تم نشره في السبت 10 نيسان / أبريل 2004. 03:00 مـساءً.

(35) المرجع نفسه.

(36) المرجع نفسه.

(37) المرجع نفسه.

(38) المرجع نفسه.

(39) المرجع نفسه.

(40) المرجع نفسه.

(41) المرجع نفسه.

(42) المرجع نفسه.

(43) المرجع نفسه.

(44) المرجع نفسه.

(45) المرجع نفسه.

(46) المرجع نفسه.

(47) المرجع نفسه.

(48) المرجع نفسه.

(49) المرجع نفسه.

(50) المرجع نفسه.

 

 

عدنان عويدإن من يتابع السيرة الفكريّة والسياسيّة للأحزاب القوميّة العربيّة، يجد أنها قد اشتغلت براغماتيا على مستوى الخطاب الديني عندما ربطت برؤية توفيقيّة/ تلفيقيّه ما بين العروبة والإسلام، لاعتقادها بأنها قادرة بهذا الربط أن تُكسب مشروعها السياسيّ مشروعيته أمام الجماهير التي يغطي الوعي الدينيَّ حيزاً كبيراً من ذهنيتها أولاً، ولمنافسة الأحزاب الدينيّة، وبخاصة الإخوان الذين ربطوا الدين بالسياسة أيضاً عبر طرحهم مشروع الحاكميّة لله ثانياً، ثم منافسة الأحزاب اليساريّة (الشيوعيّة) التي تشاركها الشعارات النهضويّة والتقدميّة وإظهارها معادية للدين أمام الجماهير ثالثاً. هذا دون أخذها بالاعتبار أنها بربطها بين العروبة والإسلام كانت تعمل على تعميق أزمة خطابها السياسيّ كون الدين بشكل عام والإسلاميّ منه بشكل خاص في المحصلة هو حطاب أيديولوجيّ ذو بعد أمميّ يرفض الفكرة القوميّة، كما يرفض فكرة المواطنة وكل ما يتعلق بمفاهيم الحداثة والعلمانيّة التي تتبناها هذه الأحزاب في خطابها الأيديولوجي، وهو في المحصلة خطاب أيديولوجييّ غيبيّ لا يؤمن بوجود قوانين موضوعيّة تتحكم بأليّة عمل الظواهر الطبيعيّة والاجتماعيّة، كما لا يؤمن أيضاً بوجود أية قوى اجتماعيّة قادرة على التشريع لحل قضايا الناس بعيدا عن التشريع الذي وضعه الله وأقره السلف الصالح. وهذه المسألة يقرها خطاب الإخوان وكل القوى السلفيّة المعاصرة في خطابها السياسيّ، الذي يكفر كل من يخرج عن فكرة الحاكميّة كما جاء في كتاب سيد قطب (معالم في الطريق) امتكئ على رؤية أب الأعاى المودودي للحاكميّة، أو أدبيات الحركة الوهابيّة التي أسست لفكر القاعدة وفروعها مثل داعش والنصرة ومن يلتقي معها، وما تقوم به هذه القوى الأصوليّة اليوم في ثورات الربيع العربي يؤكد ذلك.

إن مسألة الاشتغال على الخطاب الديني لتحقيق مصالح سياسيّة لقوى اجتماعيّة أو سياسيّة محددة، يبقى لها مخاطرها ومحاذيرها إذا ما اشتغلت عليه الأحزاب التقدميّة، وذلك كون الدين إذا ما تجذر ايديولوجيا في عقل لإنسان لم يعد من السهل بمكان توجيه عقله وتفكيره خارج توجهات هذا الدين وبخاصة لفكرة الانتماء للمواطنة أو الوطن أو الانتماء القومي، هذه الانتماءات التي تتنافى مع مسألة الانتماء الأممي للدين، وهذا ما أكده الكثير من رجال لدين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشيخ الإمام "محمد عبده" حيث يقول: (لأن جرثومة الدين متأهلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة، والقلوب مطمئنة إليه... فلا يحتاج القائم بإحياء الأمّة (قصده الأمّة الإسلامية) إلا إلى نفحة واحدة يسري نفثها في جميع الأرواح... ومن طلب إصلاح أمّة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه، فقد ركب شططاً وجعل النهاية بداية.). (1). ثم يقول أيضاً: ( إن الأجناس قامت على العصبيّة القوميّة. لأن أفرادها تلاحموا حفاظاً لحقوقهم من جور حاكم من جنس آخر، أما الوضع فيختلف بين المسلمين. وأضاف: وهذا هو السر في إعراض المسلمين إلى اختلاف أقطارهم عن اعتبار الجنسيات، ورفضهم أي نوع من أنواع العصبيات ما عدا عصبتهم الإسلاميّة. فإن المتدين بالدين الإسلامي  متى رسخ فيه اعتقاده يلهو عن جنسه وشعبه ويلتفت عن الرابطة الخاصة إلى العلاقة العامة.) (2). ثم أن الأحزاب التي تربط بين العروبة والإسلام سيؤدي هذا الربط بها إلى تجاهل وجود وتاريخ ومكانة مكونات دينيّة أخرى في مجتمعات هذه الأحزاب ويعتبرها رعيّة، بل إن التجاهل سينال حتى بنية هذه الأحزاب التنظيميّة ذاتها، كالمكوّن المسيحي وغيره من المكونات الدينيّة التي لها انتماءاتها الدينيّة الخاصة بها من جهة، والتقليل من أهمية انتماءاتها القوميّة والوطنيّة وإيمانها بدولة القانون واعتبار نفسها جزءاً أساسيّاً من نسيج الوطن لها حقوق وعليها واجبات، وأن المواطنة بالنسبة لها هي المخرج الوحيد لخروجها من مازق الأقليات أو أهل الذمّة الذي يتبناه دعاة المشروع الإسلامي السياسي الرافض للآخر من جهة ثانية. وما جرى ويجري اليوم تحت مظلة ما سمي بثورات الربيع العربي من ممارسة مشينة من قبل الإسلاميين المتزمتين (السلفيين) بحق الأقليات الدينيّة يثبت ذلك.

وهذه الدعوة السياسية التي كانت تنادي بربط الدين بالسياسة (الدولة) مع نهاية القرن التاسع عشر، كان عبد الرحمن الكواكبي أكثر قدرة آنذاك على فهم مسألة الدين وخطورة اللعب على وتره، وخاصة في المجتمعات المتعددة الديانات والطوائف والمذاهب من فهم بعض النخب الإسلاميّة والقوميّة التي كانت تطالب بالربط ما بين العروبة والإسلام، متناسية مكوّن هام من مكونات المجتمع وهو الأقليات الدينيّة، حيث يقول عبد الرحمن الكواكبي عن خطورة اللعب على الدين، ومحاولة ربط الدين بالدولة (السياسة) في المجتمع السوري الذي ينتمي إليه: (دعونا يا هؤلاء ندبر شأننا بالفصحى ونتفاهم بالإخاء ونتواسى بالضراء ونتساوى في السراء، دعونا نتدبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط . دعونا نجتمع على كلمة سواء ألا وهي فلتحيا الأمّة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء. ).(3). . أما ساطع الحصري المفكر القوميّ الأصيل الذي يعتبر المنظر الأكثر اهتماماً وعمقاً في الفكر القومي على الساحة العربيّة في القرن العشرين فيقول حول مسألة ربط العروبة بالإسلام: ( إن الأبحاث التي نشرتها في مؤلفاتي المختلفة، أظهرت إلى العيان وبأجلى المظاهر وأجلها، الدور العظيم المنقطع النظير الذي قام به ظهور الدين الإسلامي في تكوين الأمّة العربيّة وتوسيع نطاق العروبة، وترسيخ كيان بنيانها، وتشديد مقاومتها للتجزئة التي عصفت بها، ومع ذلك لم تر تلك الأبحاث مجالاً ولا لزوماً لاعتبار الدين من المقومات الأساسيّة للقوميّة العربيّة.). (4). هذا في الوقت الذي نجد فيه مفكراً إسلاميّاً مرموقاً في سورية وله حضوته ومكانته في الدولة السوريّة، وهو الشيخ "محمد سعيد رمضان البوطي"، يقف ضد العلمانيّة بعد مئة عام من مقولة الكواكبي السوريّ حول هذه العلمانيّة في كتابه (العقيدة الإسلاميّة والفكر المعاصر)، وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق: حيث يقول البوطي: (أما الدين الإسلامي فيحوي في أصله إلى جانب مبادئ الاعتقاد، والأحكام التي تضبط  شؤون الدولة وتتكفل بإقامة أنظمتها وقوانينها، فإن حجزه عن ممارسة صلاحياته ومسؤولياته، ففي ذلك تغيير لجوهره وإبطال لكثير من مضمونه...). (5). ثم يتابع ناعتاً من يؤمنون بالعلمانيّة ضمناً، ويتقربون إلى الإسلام قولاً، قائلاً: (إن التظاهر بالخضوع له – أي الدين -  بعد ذلك كذب عليه ومخادعة له ولمشرعه.) (6)، بل هو لم يتوان أمام اعتبار الإسلام بداية ونهاية كل شيء، ويدفعه هذا الاعتقاد إلى نزع الأخلاق عن العرب قبل الإسلام وعن العروبيين المعاصرين كما ذكر في إحدى حلقاته التي تبث على قنوات التلفاز السوري وهي بعنوان، (لا يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)  حيث يقول: (إن العرب ليس لديهم أخلاق قبل الإسلام، وإن القوميين العرب الذين يقولون بأن العرب كان لديهم أخلاق قبل الإسلام هم كذابون.).

ملاحظة: تأتي برأيي أهمية الربط بين العروبة والإسلام كحالة حضاريّة في حالة واحدة وهي: الرد على بعض القوى الشعوبيّة التي تريد تجريد العرب من دورهم في الحضارة العربيّة الإسلاميّة بشكل عام، ومن أن الرسول وذريته لا ينتمون إلى العرب بشكل خاص.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

..................................

1- (أميل توما – الحركات الاجتماعية في الإسلام- ص154- مرجع سابق).

2- (المرجع نفسه- ص154).

3- ( المرجع ذاته ص 155).

4- (زهير توفيق- أديب اسحق مثقف نهضوي مختلف- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت -2003 – ص153).

5- د. محمد سعيد رمضان البوطي.(العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر) . وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق. ص 248

6- د. محمد سعيد رمضان البوطي.(العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر) . المرجع نفسه. ص 248

 

سامي عبد العالكثيرةٌ هي الشعارات التي رفعتها الجماعات والتنظيمات الدينية وبعض الأحزاب والكتل السياسية ذات التوجهات الإسلامية، مثل (الإسلام هو الحل) و(تطبيق الشريعة) و(مجتمع الحرية والعدالة)، بل أطلقوا على بعض البرامج والأحزاب السياسية أحياناً (النهضة والتنمية). ولو نلاحظ بدقة، سنجد أن الأوصفات تستحضر أفاق الحداثة وتغازل عصرّنة الحياة السياسية وتغري بالانخراط في التطورات الراهنة للأنظمة والدول والمجتمعات. والشعار في إطار الأيديولوجيا اللاهوتية المسيّسة ليس عبارة لغوية، ولكنه (كيان حي بحسب اعتقاد أصحابه) ينمو ويسعى ويتوالد داخل الإحساس والوجدان والعقول خالعين عليه صفات القداسة والعلو.

ولذلك يأتي التساؤل الطافح بالمفاجأة: كيف يسير هذا الشعار الإسلامي المؤدلج أوذاك وسط معطيات حداثية حتى النخاع؟! فمفاهيم الدولة الراهنة وآلياتها ومؤسساتها التشريعية والضبطية والقضائية هي نتاج الحداثة، وتفترض بنيتها أنها لا تتعامل مع الإنسان إلاَّ بمعناه الحديث (ذات وجسد وإرادة حرة - أي مواطن)، ولذلك يصعب قبول هذا النتاج (محض قبول) دون قبول (تراثه التنويري الحديث) بالتبعية أوعلى الأقل مراوغته والاشتباك معه فكرياً وحياتياً. وأنَّ الإنسان لن يمر سياسياً ليكون مواطناً (في الدولة) إلاَّ بمروره سلفاً بهذا (الغربال الحديث) الذي سيجهزه وسيصقل وجوده الفاعل للمشاركة والعمل.

بمعنى أن الاسلاميين قد يدخلوا إلى مؤسسة سياسية معينة وقد يتعاملون مع آلياتها الخاصة، ولكنهم لن يدركون أنها تبتلع مواقفهم وتعاملهم على أساس (خلفياتها السياسية والفكرية هي) لا تمشياً مع (أفكارهم هم). وأنه من الصعوبة بمكان (أسلمتها Islamization) كأننا نتعامل مع كائن بشري سيغير قناعاته ومواقفه. وبالتالي لم يجد الإسلاميون بدا من التوفيق بين الحداثة وبين ما يعتقدون، وقد خاضوا معارك الفكر بين شد وجذب لإقامة نظام سياسي تحت عنوان (التنوير الاسلامي) كنوع من الموائمة مع العصر وتطوراته. أي الخروج (بنسخة معدَّلةmodified copy ) تقلل من غلواء العداء والكراهية تجاه منتجات الغرب الحديثة، لكنها في حقيقة الأمر هي نسخة غير واضحة المعالم (كائن غريب). كما أنها مفروضة عليهم بحكم الواقع الطاغي لسيادة الحضارة الغربية. ولذلك كانت تلك الفكرة بارزة الخلط بصدد (العلمانية) التي أرادوا (أسلمتها وإعادة تشغيلها) على صعيد الأيديولوجيا السياسية. فلم يعترفوا بالعلمانية كإطار عام ولم يعترفوا بكامل التنوير (لأنهما يتعارضان مع منطلقاتهم). ولكنهم  أخذوا (النصف من هنا والنصف من هناك) كما تظهر بعض الشعارات الدينية الحداثية، حتى جاء الوليد السياسي (كائناً مسخاً) تحت قهر الواقع.

العلمانية المؤمنة

زحف التنوير المزيّف إلى (عقول الإسلاميين) من باب السياسة والإقتصاد ومواقف الحياة العامة والتقنيات ووسائط التواصل في (شكل هجين ومشوّه). وبتنا نسمع مقولات أيديولوجية مرحليةً من قبيل: أننا نسعى إلى (دولة علمانيّة) أو (دولة مدنيّة) أو (دولة المواطنة) في إطار إسلامي. أي الجمع بين العلمانية بإحالتها إلى (الدنيا والحياة المشتركة وتجنب الإنتماء الديني) وبين التدين السياسي وإحياء المرجعية الأخلاقية العنيفة للإسلام السياسي. وهنا لا يعوزنا الفهم المباشر لرؤية الخلط بين المقدس والدنيوي، بين النسبي والمطلق، بين الكلي والجزئي، بين الثابت والمتحول دون أدنى مشكلةٍ. بل.. وكأنَّه لا توجد أيّة مشكلات فكرية أصلاً، فالعبارات اللغوية المؤدلجة ستحل الإحراج المنطقي بين الحدود، وستغطي فجوات السياسة التي توظف الشعارات النفعية مهما تكن واضحة التمزُق.

لأول وهلةٍ سترتدي العلمانية في شرقنا العربي الإسلامي (جلباباً وعباءة فضفاضة) وتطلق لحيتها وتلبس حذاءً شرقياً تخلعه عند كل صلاةٍ وتنظفه عند أية مناسبة مقدسةٍ وتحمل سبحة واضعةً سواكاً لتخليل الأسنان في نصف جيب الجلباب المخصص لهذا الغرض وتمشي غاضةَ البصرِ ومثقلةً بالأعباء الدعوية وكيف تصبح (سمةً برانيةً ظاهرية) مع حياة المسلمين وأحزابهم السياسية وشركاتهم المالية والتجارية وعلاقاتهم مع أهل الأديان الأخرى. وعندما تتحدث هذه (العلمانية المتدينة) أمام الجماهير، سترصّع كلماتها بعبارات ونصوص وآيات وأحاديث لتثبت ما تقول بحسب القرآن والسنة وسير السلف الصالح وما إتفق عليه إجماع الأمة.

والأغرب أنْ تأتي هذه (الخلطة العجيبة) من قبل الإسلاميين بمآرب الاستحواذ على الحكم والهيمنة اللاهوتية والعملية إزاء المجتمعات وإدعاء معرفة الرُشد والصلاح والهداية لكل البشر. إذن هو الزحف (التوظيفي) لصياغة العلمانية المتدينة أو كما يُفترض أنْ تكون هي  العلمانية الشرعية (المستأنسة والمؤدبة والخجُولة والمؤمنة) في ثوبٍ عصري قشيب. بكلمات واضحةٍ، يتم التعامل مع السياسة على قاعدة(أسلمة العلمانية Islamization of Secularism) هذه المرة، وإعادة تدويرها كأحد العناصر النشطة ضمن السرديات الدينية، وإدخالها – رغم ذلك- في طور من التكوين غير مأمون العواقب إزاء المنطلقات (الفكرية والثقافية للأديان والسياسة معاً).

المهم لدى الإسلاميين خلال هذه المرحلة الراهنة كان هو (الشعور شبه المريح) بكونهم يعيشوا بجميع الأقنعة مع (مظاهر العلمانية) دون كراهيةٍ، تمهيداً للإنقضاض عليها في مرحلة لاحقة. وأنه مهما بلغت درجات التطبيع معها ومع مرجعيتها، فهناك مرحلة لن تفلت العلمانية من (الأسلمة الجزئية وإعلان دولة الخلافة أو تديينها) كما حدث مع إخوان مصر في الكواليس ومع إخوان تونس في العلن، أو أن تدخل الدولة المعلمنة بيت الطاعة تحت عصمة أمير المؤمنين(داعش العراق والشام). وتصبح هي (العلمانية المنقبة كالمرأة المنقبة) التي تسمع فتعي وتؤمر فتطيع بعدما كانت شمطاءً لعوباً تغوي المؤمنين الغافلين (الوهابية السياسية). وبالإجمال من تلك الزاوية، ليس أمام العلمانية إلاّ أنْ تنصت لصوت الشرع (سواء بالمداهنة أم بالسمع والطاعة أم بالحروب والصراعات).

بالفعل لجأ الإسلاميون إلى ذلك (النموذج العلماني- الإسلامي) تحت ضغوط الحياة الكونية الراهنة التي أنتجها الغرب وباتت واسعة الإنتشار في أرجاء المعمورة وأمست مطبقة سياسياً خارج بيئتها الخاصة. وتم ذلك أيضا بفضل إخفاق الإسلاميين في التعايش مع الأحداث السياسية بمنطقها التاريخي، لا نتيجة تطور تلقائي للنموذج العلماني المتدين ولا بفضل جهود إبداعية ومنتجة في فهم العالم وتطوير المعارف والحياة والإنسان.

يمكن تأكيد أبرز الأفكار وراء هذا النموذج كالتالي:

أولاً: ظهر الإسلاميون متأخرين عن الحياة الراهنة منذ قرون (كأنهم قد حطوا رحالهم الآن من عصور ماضوية غابرة). وضُح ذلك جلياً عندما جلسوا على كراسي السلطة بعد أحداث الربيع العربي. كانوا غرباء إلى حد الوضوح، لا يدركون كيف تعمل أجهزة السلطة. ليس لقصور في المعرفة فقط، بل لأنَّ (جنس المعرفة نفسه) مختلف تماماً، وأنَّ السلطة التي وصلوا إليها تستند إلى آليات ومفاهيم علمانية لم يكن ليبلغوها دون تلك المفاهيم وكيفية إدارتها في الواقع.

ثانياً: عجز الإسلاميون عن فهم خطابات الجماهير الغفيرة والمتباينة أشد التباين. وهذا ليس راجعاً بالمثل لقلة الحيلة ولا إلى اختفاء اللغة المشتركة بينهم، ولكن لأنَّ نظام الجماهير الحُرة والقابلة للمواطنة ينتسب إلى نظام جذري (مختلف برمته) عن لاهوت السلطة لدى الإسلاميون. ولذلك عندما كانت الجماهير تطالب بحقوق سياسيةٍ، كانوا يستحضرون تراث السياسة المدنية وممارسة الثورة من باب سد الذرائع ليس أكثر. وذلك إجمالاً لا محل له من الإعراب في ذهنية الحاكم كأمير لهذه الجماعة أو تلك.

ثالثاً: أدرك الإسلاميون أنهم مكتوفو الأيدي أمام (ترسانة الدولة الوطنية) التي ورثوها مع تولي مقاليد الحكم (كما حدث مع إخوان مصر وأخوان تونس)، وأنها ترسانة عصية على الإحتواء والتفكك (أطلقوا على كيانها الغريب الدولة العميقة). وهي عميقة لكونها تحمل أفكاراً ومعطيات تاريخية لا تنقلب بين ليلة وضحاها (ويستحيل أسلمتها) بمجرد تولي السلطة.

رابعاً: فجأة إكتشف الإسلاميون وجود حالاتٍ من التعددية الدينية والتنوع الثقافي في المجتمعات العربية الإسلامية، ولم يعروفوا ماذا هم فاعلون بصددها؟ كيف يسمحون للآخر بالتعبير عن نفسه، في الوقت الذي ارتفعت فيه الأصوات للمطالبة بتحديد الموقف من أهل الأديان الأخرى وحقوق المواطنة والتعايش وتداول السلطة والديمقراطية.

خامساً: جاءت عبارة العلمانية المتدينة (دولة علمانية في إطار إسلامي) كنوعٍ من تهدئة الهواجس لدى الإسلاميين أنفسهم قبل غيرهم أحياناً. فهي عبارة من قبيل العبارات المعسولة (والمحلاة بمذاق العصر) لإبتلاع (الدواء السياسي المُر)، وهي كذلك محاولة للتعايش (على مضض) مع مفردات الحضارة والسياسات المدنية التي أنتجتها. وبالمثل قبلوا العلمانية، لكي يكونوا متسقين أمام أتباعهم على المقاعد الوثيرة وأمام القاعدة العامة من مواطني الدول.

سادساً: أُطلقت عبارة (العلمانية المؤمنة) لتحسين (لتجميل) صورة الإسلام السياسي أمام العالم الخارجي وأنَّ جماعاته تستطيع تولي السلطة (هذا الغول والبعبع التاريخي المخيف) في دول إقليميلة وبآليات الأنظمة السياسية الموجودة في العالم الحر. مع التأكيد على أنهم لا يعلمون تاريخ هذه السلطة ولا صورة العالم الخارجي وتطوراته. فهم غالباً ما يزجُّوا بأنفسهم في هكذا مواقع تاركين الأحوال تجري على أعنتها حتى ولو إلى غير مآل.

تراث الصراع

مع العلم بأنَّ الاسلاميين تاريخياً كانوا يميزون بين (العلمانية السياسية والحكم الإسلامي) بموجب أنهما طرفان متنافران تنافر الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية التي عبر عنها  كل طرف تجاه الآخر وأثبتتها الأيام والأحداث. تاريخياً، لم تكن هناك علاقة إبتداء بين (الدول العلمانية والأنظمة الإسلامية) قبل العصور الحديثة، لكونها كانت واضحة الصراع والتشوهات والحروب، سواء أكانت الحروب الصليبية أم حروب الدولة الإسلامية تجاه بعض القوى الغربية بشعارات الجهاد.

ولم يكن سؤال الإلتقاء بين الشرق والغرب مطروحاً من الأساس، نظراً لتمايز الثقافتين تمايزاً جغرافياً (الشرق – الغرب) وتاريخياً (التراث الاسلامي والتراث اليهودي المسيحي) وفكرياً في ظل وجود نظامين فكريين وثقافيين حول العالم والحياة (نمط الحياة الشرقية – نمط الحياة الغربية).  ولعل ذلك كان وراداً في المقولة الشهيرة للشاعر الإنجليزي روديارد كبلنج  Rudyard Kipling(الغرب غرب.. والشرق شرق.. ولن يلتقيا أبداً). وقد ثمّن الاسلاميون هذه المقولة البارزة في كل الأدبيات والخطابات الجماهيرية والخاصة تحت بند (وشهد شاهدٌ من أهلها)... ولسان حالهم يردد: أفلم نقل لكم أيها المسلمين ذلك مراراً وتكراراً؟! وألم يكن ذلك توجهنا منذ أمد بعيد وهاهي المقولة تثبت الفكرة؟!

وحالما تمَّ إعلان سقوط الخلافة العثمانية في بداية القرن العشرين، حضرت الثقافة الأوربية إلى معاقل الإسلام في الشرق عن طريق الإستعمار وتم اجتياح الدول الشرقية ونهب ثرواتها. ولقد حدثت صدمات حضارية كبيرة، ولأول سابقة تقريباً في العصر الراهن جرى رؤية العلمانيين الأوروبيين (الجنود والقيادات وعلماء الحملات العسكرية) مترجلين وجهاً لوجه وكيف يعيشون وما لديهم من تقنيات حربية وعلمية متقدمة في مقابل الأدوات البدائية للشرقيين أثناء مقاومة جيوش الدول الإستعمارية (انجلترا وفرنسا تحديداً) كما جرى بمصر شمال أفريقيا. ولذلك سعت الدول الغربية مثل فرنسا إلى فك الشفرات الحضارية للتاريخ المصري وتوغلت في دراسة الجوانب الاجتماعية والفنون والعادات والتقاليد (كتاب وصف مصر).

ثم كان تأسيس الدول الوطنية- بعد إجلاء الإستعمار- إيذانا بدخول الصراع بين الدول العلمانية والدولة الإسلامية حلبة الصراع القائم على (لعبة المؤامرات والإقصاء). بمعنى أنَّ الإسلاميين كانوا يؤرخوا لهذه المرحلة عن كثب، ليس بمنطق التحرر الوطني والدفاع عن الإنسان وبناء المجتمعات، بل لكون (كيان الدولة state entity) قد انحرف عن طريق الخلافة، وأنّها لم تكن دولة وطنية بالمرة طالما لم تعد إسلامية. فعلى الرغم من إجلاء الاستعمار إلاَّ أن أنظمة الدول الإسلامية باتت خاضعة لدول الغرب وأخذت تبحث عن موضع لأقدامها الحائرة تحت مظلتها في العالم. وأنَّ تحديث المجتمعات العربية التي رفعتها (الثورات الوطنية والقومية) إنما جلبت نماذج لأنظمة علمانية منحرفة عن جادة الشريعة ومنبتة الصلة عن تراث الخلافة الإسلامية.

ولذلك حرص الإسلاميون تباعاً على محاربة أنظمة الدول القومية باعتبارها (دولة إستعمار) من نوع آخر، الاستعمار المحلي الذي يمارس الألعاب والحاكمية المادية المنحرفة عن توحيد الربوبية والألوهية(أي الشريعة والدين). وليس هذا فقط، لكنهم أتهموا كيان الدولة نفسه بالمؤامرات على الإسلام معتبربن أنَّها جاءت لتنفذ أجندات أجنبية ولتحل محل الغرب في قيادة المسلمين إلى أهدافها الخبيثة. وتنامت لدى الإسلاميين كراهية كل ما يأتي من الغرب، سواء أكان من جهة العلوم والمعارف والتقنيات وبرامج المؤسسات أم حتى من زاوية خبراء العسكرية والحروب الذين تولوا تدريب وإعداد بعض الجيوش العربية (روسيا مع سوريا ومصر).

بالمقابل أخذت أنظمة الدول القومية في رفع (شعارات شعبوية) مثل نعرات التحرر والإنتاج والنهوض ونفي التبعية، وأخذت تلك الأنظمة تلاحق الإسلاميين  بوصفهم خطراً على كيان الدولة وباتت المؤامرات والمؤامرات المضادة هي اللغة السائدة، الأنظمة تتأمر على الإسلام بينما الإسلاميون يتأمرون على الأنظمة. وفي غير حالة حدث ملاحقات ومطاردات بين الطرفين في السجون وفي الساحات العامة. وكذلك باتت (العلمانية ومرجعياتها) هي ردهة الصراعات الخلفية والأمامية على السواء. وكان الإقصاء هو مصير الجماعات الدينية التي أخذت طريقها السياسي قرباً أو بعداً من الأنظمة المتعاقية على الدول العربية تبعاً للمواقف من العلمانية.

ونظراً لأنَّ الاسلاميين لم يجدوا مكاناً سياسيا لهم طوال القرن العشرين، فقد أوغلوا في لغة التكفير المعاصر وإراقة الدماء وأصدروا خطابات الأستحلال للدولة والآخر الديني، وبخاصة مع ظهور جماعات العنف الديني المادي (التكفير والهجرة والناجون من النار وجماعة الجهاد والقاعدة وداعش والسلفية الجهادية). وفي الأثناء أطلق منظرو الإسلام السياسي مصطلح (العلمانية الملحدة  atheistic secularism) على حالة السياسات المعاصرة. واعتبر تنظيم الدواعش والسلفية الجهادية أنَّ الدولة العربية(ناهيك عن الدولة الغربية) هي تجسيد للعلمانية غير المؤمنة الفاجرة. وليس هذا وحسب، بل أعلنت  تلك العلمانية الحرب الضروس على الإسلام. وبالتالي صدرت الفتاوي بمحاربة العلمانية المتدثرة بعباءة الدولة ووجودها المادي(الجيش والشرطة والمؤسات السيادية).

وهنا تمَّ خلط (مساحة الدولة) التي يجب أن تكون (هي المحايدة) بفكرة التكفير، وكان الأخيرُ هو السلاح الرمزي المشّهر إزاء كل الأنظمة السياسية. فالحل الوحيد من وجهة نظر هؤلاء الإسلاميين أو أولئك كان هو التخلص من العلمانية بالتكفير، كما طرحت جماعات الاسلام السياسي في منتصف القرن الماضي حتى وقت قريب. وانتشر الإرهاب والتفجيرات المدمرة في مجتمعات علمانية وإسلامية، وكذلك رأينا تخليق ظاهرة التكفير في هيئة دولة الدواعش معممة بالخلافة ومحصنة بالمجاهدين من كل حدب وصوب.

ولكن عندما نجح بعض الاسلاميين في الوصول إلى الحكم (إخوان مصر)، إنقلب التكفير إلى تطويق العلمانية وإعتبارها جزء من الحياة المكره عليها الإسلامي، وأن الضرورات (غلبة العلمانية مع الخوف من فشل الحكم الوليد لتوّه) تبيح المحظورات (التعايش مع الآخر اللاديني أو الآخر الديني: الملحد والكافر).

لقد تم غمس العلمانية في بئر التوظيف الأيديولوجي للإسلاميين، فخرجت من فورها علمانية طائعة تسمع الآذان في المؤسسات التشريعية (حالة السلفيين في البرلمان المصري) دون أدنى تذمر. وتقبل أن يرتدي المسئولون جلباباً شعبياً متخلين عن الزي الرسمي لإدارة المؤسسة أو لإدارة المنصب العمومي دون ململة. وحل الإسلاميون مكان العلمانيين في مواقع الحكم مستخدمين أدوات علمانية مثل البرلمان والديمقراطية والتصويت ودراسة الجدوى من غير الرجوع إلى أولى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتم رسم خطط مستقبلية دون حساسية من التحدث عن الغيب السياسي وماذا سيجري في الغد.

 

سامي عبد العال

 

محمود محمد عليفي عام 2007 أصيب "زويل" بورم سرطاني في النخاع الشوكي وتوفي في الثاني من أغسطس عام 2016 عن عمر ناهز السبعين عاماً وأوصي زوجة بأن ينقل جثمانه إلى مصر، وأن يوارى الثرى فيها وأقيمت له جنازة عسكرية، وتقدم السيد الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" وأسرة زويل المشيعين في ساحة مسجد المشير "طنطاوي" بمنطقة "التجمع الخامس" في شرق القاهرة  (13).

وكتاب "حوار الحضارات" آخر ما كتب الدكتور "أحمد زويل"، وهو عبارة عن نص محاضرة بعنوان "حوار الحضارات كيف نصنع التاريخ بفضل رؤية جديدة للعالم"، وفيه يؤكد علي فرضية مهمة وهي أن : العلم هو العمود الفقرى للحضارات وهو الذى يحدد مصير الشعوب إما للخلود أو للفناء، والتاريخ يذكر أنه قد تم فى مصر منذ فجر التاريخ أول تجربة لتحديد عمر الزمن لتكوين أول حضارة في العالم تخرج من التقويم القمرى إلى التقويم الشمسي، وعرفوا بشكل دقيق أن السنة ٣٦٥ يوماً، عرفوا ذلك من متابعة فيضان النيل، وأن تحتمس هو أول من صنع ساعة عرفها العالم، وهى موجودة في متحف برلين.. وفي حياة الشعوب لحظات انكسار، وفي هذه اللحظة لا نستطيع الانطلاق علمياً، ولكن علينا أن نحاول التحرك ولو بخطوة طفل، وهذا أفضل من الانتظار بالقاع، وهذه الخطوة في رأيي هي إنشاء مراكز مضيئة علميا وأدبية (14).

وكتاب "حوار الحضارات" هو عبارة عن محاضرة كان قد ألقاها "زويل" في باريس أمام منظمة اليونسكو، خلال الكتاب قدم حلولا تهدف للوصول لحوار حقيقي بين الحضارات، وقال: أعتقد أن الأبعاد المتواجدة فيما وراء العلم، أي وجودنا الإنساني في خضم الحضارات والثقافات، التي يمكنها أن تتسم أو لا تتسم بالصراع فيما بينها . وبحكم وضعي باحثاً علمياً، فإني أري هذه المسائل معقدة، إلا أن هذا التعقيد بالتحديد، هو الذي يستلزم في إطار بحثنا المتواصل من أجل فهم الإنسان، مقاربة جديدة لا دوغمائية ومعقولة. أكيد أن هنالك من جهة، بحثنا عن الحقيقة وعن معارف جديدة بوساطة العلم ؛ غير أن هنالك من جهة أخري أيضا، فهمنا لدلالة وقيمة الحياة من خلال الإيمان. وفي الواقع، فإن أفكاري وتأملاتي موجهة إلى يومنا هذا، من قبل تجربتي من خلال ثلاث حضارات، المصرية والعربية الإسلامية والأمريكية (15).

ويستطرد "زويل" فيقول: لقد قام بعض المثقفين، من خلال ملاحظتهم للعالم، كما تراءي  لهم فجر هذا القرن الجديد، بتشكيل مفاهيم تشاؤمية ومحزنة ؛ وهكذا ظهرت في واجهة الساحة الجيوسياسية إنتاجات فكرية، مثل صدام الحضارات (صمويل هنتنغتون) Samuel Huntington، ونهاية التاريخ (فرانسيس فوكوياما  Francis Fukuyama، غير أنه إذا كان هذان المؤلفان، يدافعان عن نظريتيهما بقناعة، فإن أفكارهما تتواجد دوماً محط انتقاد ومناقشة . وبوصفي باحثاً علمياً، فإني لا أدري أي " فيزياء أساسية" لهذه المفاهيم ؛ وبعبارة أخرى، فإن مبدأ حضارياً أساسياً ليس هو ما سيترتب عنه، وضع هذه المفاهيم في حالة صراع فيما بينها، أو وضع حد للتاريخ، من خلال تمكين نظام معين من سحق كافة الأيديولوجيات الأخرى (16).

ثم يؤكد قائلاً: "بالفعل، فأنا أشاطر الطرح الذي يفيد بأن الفوضى التي يعيشها العالم حالياً، ناتجة في جزء منها عن الجهل بالحضارات،أى عن اللاوعي، أو الذاكرة الانتقائية للماضي، أو انعدام الأفق بالنسبة للمستقبل؛ وفي جزء آخر منها عن البؤس الاقتصادي والحيف السياسي الذي يعيشه الفقراء، والذين يشكلون حوالي 80 % من ساكنة المعمور، المنتشرة حول كوكب الأرض، وتحيي في قلب حضارات مختلفة . وتشكل هاتان النقطتان، الحواجز الرئيسية أمام تطور النظام العاملي ؛ وإذا أمكن أن نتجاوزهما يوما ما، فإننا سنصل إلى مستوى أمثل، ألا وهو إرساء حوار بين الحضارات (17) .

وحول سؤال أثاره "أحمد زويل" فيما يخص : حوار أم صدام؟

فقال "زويل" : يدل لفظ " حضارة" تبعا للقاموس، علي وضع متقدم للمجتمع البشري، وهو وضع تم فيه بلوغ مستويات ثقافية، وعلمية، وصناعية، وحكومية عالية . ونحن، بصفة فردية، متحضرون عندما نصل إلى وضع متقدم من القدرة علي التواصل مع الآخرين واحترامهم، بعاداتهم وثقافاتهم ودياناتهم الخاصة ؛ أما بصفة جماعية، فإننا نتحدث عن العولمة كوسيلة لتحقيق الرفاهية في العالم. ومع ذلك، فإن العولمة لا يمكنها أن تشكل مفهوماً عملياً، إذا كانت هنالك شقاقات فيما بين الحضارات . وتاريخياً، هناك العديد من الأمثلة المتعلقة بحضارات، تعايشت فيما بينها دون أن تعرف صراعات تذكر (18).

وتتجسد الحجة المزرية لأطروحة "هنتنغتون" في كون أهم الاختلافات الملاحظة بين الشعوب، في ظل حقبة ما بعد الحرب الباردة، ليست ذات طايع إيديولوجي، أو سياسي، أو اقتصادي، وإنما هي اختلافات ذات طابع ثقافي. وتركز هذه الحجة علي كون الناس يحددون "هنتنجتون" العالم إلى ثماني حضارات رئيسية، وهي : الحضارة الغربية، الأورثودوكسية، الصينية، اليابانية، المسلمة، الهندية، الأمريكية، اللاتينية، والإفريقية (19) .

إن هذا التحليل يطرح في نظر "زويل" إشكالا علي مستويات مختلفة ؛ ولعل الأسئلة والتعليقات الموالية، قد يكون باستطاعتها أن توضح موقف زويل من هذا التحليل، وذلك علي النحو التالي كما يقول زويل :

أولاً : ما هو أساس هذه التقسيمات علي مستوى الحضارات؟. إن الشعوب تنتمي لثقافات مختلفة ؛ ولقد مارست الأمم وقاربت ثقافات مختلفة وما زالت دائبة على ذلك؛ وبإمكان أمم تنتمي لنفس القارة، أن تخضع لتأثير حضارات مختلفة . بالنسبة لي، بإمكاني، منذ ميلادي إلى غاية اليوم، أن أستمد هويتي في الآن نفسه كمصري، وعربي، ومسلم، وإفريقي، وأسيوي، ومشرقي، ومتوسطي، وأمريكي. وبالملاحظة عن كثب، ولو لواحدة من هذه الحضارات، فإنني ألاحظ أن المصريين أنفسهم ينتمون لحضارة ديناميكية مكللة بهالة من الإرث المتعدد الثقافات : فرعونية وقبطية وإسلامية، دونما حاجة لذكر التأثيرات الفارسية والهيلينية والرومانية والعثمانية (20) .

والقول نفسه كما يقول "زويل" :"يسري علي الحضارتين الأوربية والأمريكية، وحضارات أخرى غالبة في مختلف القارات . إن ثقافات غرب أوربا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، هي أبعد من أن تكون متسقة ومتجانسة . وبالنظر لعدد الثقافات المتواحدة بأوربا والولايات المتحدة الأمريكية، علينا أن نتوقع إذن، صراع حضارات داخل واحدة من بينها، دونما حاجة لملاحظة الحضارات السبع الأخرى ؛ غير أنه يلزم الملاحظة بأن الطاقات التي تجمع بين الثقافات والحضارات، ليست نتيجة لمجرد تقسيمات" (21) .

ثانياً: هل من الأساسي أن تولد اختلافات الثقافات صراعات بالضرورة ؟ يصرح "هنتنجتون" أنه إذا ما فقدت الولايات المتحدة الأمريكية موروثها الأوروبي، أي اللغة الإنجليزية، والديانة المسيحية، والأخلاقيات البروتستانية، ومصداقيتها السياسية، كالحرية والمساواة علي سبيل المثال، فإن مستقبلها سيكون محفوفاً بالمخاطر . وبالنسبة لي، فإني أصل إلى الخلاصة النقيضة ؛ إذ من وجهة نظر شخصية، لم أكن أتكلم اللغة الإنجليزية إبان وصولي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولست مسيحياً، ولم أتعلم الأخلاقيات البروتستانية ؛ ومع ذلك، فقد اندمجت في ثقافتي الأمريكية الجديدة، مع الحفاظ علي ثقافتي أو ثقافتي الأصلية ؛ وأنا مقتنع أن ثقافتي، الشرقية والغربية، قد استفادتا من هذا الإلتقاء، وبدون أن يولد ذلك أي صدام (22) .

وفي أفق أوسع، فقد تجسدت قوة أمريكا تاريخيا بوثقة الإنصهار أو الإندماج ؛ إذ أن هذا البلد كما يري زويل قد اغتنى وما يزال، بالتعددية الإثنية والثقافات المختلفة لسكانه. ونتيجة لذلك، فإن التسامح اتجاه الديانات والثقافات المختلفة، قد أصبح جزءً لا يتجزأ من الحضارة الأمريكية . إن الشعب، طالما بإمكانه أن يعيش في ظل نظام سليم دستوريا، على مستويي الحرية والمساواة، فإن الصدامات الدولية لن تكون ذات أهمية بقدر ما تكون عليه بعكس ذلك، مشاكل أخرى هي كذلك بالفعل (23)... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

..............

مراجع المقال وهوامشه

(13) أحمد زويل : ويكبيديا.

(14) زينب عبد الرزاق: المرجع نفسه.

(15) أحمد زويل: حوار الحضارات : كيف نصنع التاريخ بفضل رؤية جديدة للعالم، مجلة عالم التربية، نشر عبدالكريم غريب، ع 1 17، 2007، ص 185.

(16) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

(17) المصدر نفسه، ص 186.

(18) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

(19) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

(20) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

(21) المصدر نفسه، والصفحة نفسها، ص 187.

(22) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

(23) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

 

احمد الكنانيهكذا تكلم زرادشت او ابن عربي او الحلاَج او ايّ شخص يقع موضوعاً لمثل هذه العناوين لا يكون الا نافذة يطل من خلالها المؤلف ليَرى ويُري متلقيه أفكار زرادشت او ابن عربي او الحلاج، او غيرهم ممن تشكل أفكاره رؤىً جديدة قد يراها المؤلف جديرة بالاهتمام.. احياناً يكون رمزا خياليا يلعب دور البطل في رواية، او نصا يُضئ لمراحل سوداء، او رمزاً للمعاناة والوفاء والتضحية .

بعض من هؤلاء شكّل منعطفاً فكرياً ومرحلة من مراحل رقيً المجتمع وهو زرادشت حينما اختاره نيتشيه بطلاَ لملحمته الأدبية الفلسفية " هكذا تكلم زرادشت " حيث اعلن موت الاله وبداية الانسان المتفوق في سلسلة تطوره كباقٍ وراسخ مادام اقوى واصلح ومتكرر تكرار ابدي وقائم مقام الله .

وهناك من غادر العقل وارتمى في حضن الروح الدافئ كما فعل نصر حامد أبو زيد مع محي الدين بن عربي .

وهناك من قارن بين تضحية الحسين بن علي والحسين الحلاج كما جسًمها قاسم محمد عباس …

هكذا تكلموا ...

رغم سير نصرحامد أبو زيد على خطى نيتشيه في كتابه " هكذا تكلم ابن عربي " او قاسم عباس في "هكذا تكلم الحلاج" الا ان الفارق كبير جدا بينهم ولا يجمعهم سوى العنوان فقط وكأنها تسمية لا اكثر، ولا دخل لها في المنهجية والمضمون، لان زرادشت لا يمثل عند نيتشيه سوى بطل للرواية وشخصية جرت أفكاره الفلسفية من خلاله وعلى لسانه ومن بُنى مخياله، كما ان الخطب والمواقف في رواية نيتشيه مثّلتها تأملات زرادشت كشخصية مستوحاة من مؤسس الديانة الزرادشتية، لكن الامر مختلف عند البقية الباقية حيث كانت قراءات ودراسات في أفكارهم ونهجهم .

براعة الاستهلال والبداية ستكون بنيتشه، وختامها بأبي زيد، ووقوف تأمل عند قاسم عباس لسبب ما يتعلق بالراحل بعيدا كطائر يمضي ولا يترك من وراءه اثر .

حوار زرادشت ...

يتكلم نيتشه عن بطل القصة زرادشت ورحلته وهو في سن الثلاثين إلى الجبل للتأمل حيث وجد ضالته في عزلته عن الشمس، فارتقت روحه واصبح كنحلة امتلأ جوفها عسلا، فقرر النزول من الجبل بعد عشرة أعوام ليروى العطاشى من شرابه المصفى، نزل ليحدث الناس عما توصل اليه رغم علمه بسخريتهم منه وسيلهون عنه بالمهرج البهلوان، لكن ذلك لن يثنيه عن عزيمته، نزل ليحدث الشمس حديث معاتبٍ:

" ايّتها الشمس، إذا لم يكن هناك من يأخذ الدفء من نورك فما هي سعادتك ؟ .. عشر سنوات انرت فيها كهفي، ولولاي … لأصابك الملل من هذه الرحلة، وها أنا الآن أصابني الملل من حكمتي، مثل نحلة جمعت الكثير من العسل، احتاج لمن يمد يده ويأخذ مني ... "

الانسان كما يراه نيتشه هو من يعطي الأشياء جمالها والشمس حتى الشمس لولا الانسان لما كان لنورها معنى ...

حوار زرادشت مع الشمس فيه من العمق الشئ الكثير، محور الحوارية الانسان ذو القيمة العليا، وهو من يمنح الجمال للشمس، وهو من يعطي القدسية لدين او كتاب، وتصور لو ان الاناجيل او القران لم يجدوا من يقرأهم فأي قدسية سيتصفون بها .

في سن الأربعين ارتأى زرادشت النزول من كهفه ويشارك البشر حكمته، وان الوقت قد حان .

رفع رأسه مخاطباً الشمس:

" علي أن أهبط إلى أسفل، مثلما تفعلين أنت عندما تغربين وراء البحار .. علي أن أنير للبشر ظلمتهم .. هذه الكأس تريد أن تفرغ"

نزل ليقول:

" انكم تنظرون إلى ما فوقكم عندما تتشوقون إلى الاعتلاء، أما أنا فقد علوت حتى أصبحت اتطلع إلى ما تحت أقدامى، فهل فيكم من يمكنه أن يضحك وهو واقف على الذُرى "

اختيار نيتشه لزرادشت بطلاً لروايته اختياراً موفقاً وفي محله وهو نبي للدين الذي اعلن عن نهاية فصوله او لنقل ان المجتمع الأوربي تغافل عنه شيئاً فشيئاً فاندثر … لان زرادشت الفيلسوف كان منبعاً للتعاليم السماوية تأثيراً وتأثراً في حضارات المشرق، ونيتشه في كتابه مبشراً بكتاب جديد يتخذ من العقل والانسان محوراً له كما هو زرادشت … مع المبالغة في الانسان عند نيتشه وجعله في قمة سامقة يجلس بدلاً من الاله .

حوار ابن عربي

نصر حامد أبو زيد كان يلتجئ لابن عربي ليستضئ بروحانيته في الظلام الحالك، المرة الأولى كانت في رسالة الدكتوراه وتأويل ابن عربي للقرآن حينما حاول أبو زيد قراءة التراث العربي والاسلامي فكانت الروحانية ملجأ له، كان هذا في السبعينيات،  ثم عاد اليه في كتابه " هكذا تكلم ابن عربي في مطلع الالفية الثانية للجواب عن سؤال لِمَ لا نغادر العقل ونذهب الى الروح؟

كان ذلك في خضم صراع الحضارات والقطيعة بين الإسلام والغرب وما تلتها من احداث ١١ سبتمبر …وكأن أبا زيد يتنبأ بما ستؤول اليه الاحداث، وغلبة الديناميكية المحركة في التراث الإسلامي على التفكير الواعي، وحيث لا مناص من الخلاص من تلك السطوة يأتي الجانب الروحي وخطاب الحب ليقابل خطاب الكراهية وهو ما تفوح به نصوص ابن عربي عطرا وعلى السواء شعره ونثره .

وكان يعود اليه ثالثة ورابعة في محاضراته كلما اصطاد فرصة الارتماء الى حضن الروح هروباً من واقع إسلامي مرير، يغفو تارة ويصحو أخرى، يخفت مرة ويعلو مرات، والملجأ هو الملجأ والمبلس الصوفي الخشن هو الحصن المنيع ولا شي سواه .

لقد أصاب الحقيقة وأجاب عن تساؤل كان يراوده طوال حياته ... لقد غادر العقل الى الروح بالفعل، وتخطى فجوة هائلة في الدين، حفرة من نار اكتوى بنارها العرفاء ممن عاش التجربة، ظهرت جلية في قصائد جلال الدين الرومي، ونصوص ابن عربي والحلاج، وما تركه لنا نصر حامد أبو زيد من اثار أواخر أيامه ...

حوار الحلاج

" لولا ان الله تعالى قال: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لكنت ابصق في النار حتى تصير ريحاناَ على أهلها . "

" يمكنني ان أتكلم بمثل هذا القرآن " ...

هكذا تكلم الحلاج ... هي النافذة التي اتخذها قاسم عباس ليطل من خلالها عشاق الفكر الصوفي على ديوان الحلاج وتفسيره للقرآن، ولتكون مقدمة لتحقيق ما وقع بيديه من نصوص الحلاج في التفسير والشعر وغيرها، لان المتعارف عند القراء هو شعر الحلاج ومن خلاله تستنبط أفكاره في الاتحاد والحلول ووحدة الوجود والموجود، ولم يكن تفسيره معروفا على مدى بعيد وهو على غاية في الأهمية لا تقل عن ديوانه، تلك النصوص وضعها قاسم عباس محققة ومصححة ومترجمة عن الفارسية في بعض النصوص في جهد كبير بذله الراحل وابتدأه بعبارة:

سلام للطير يمضي ولا يترك أثرا وراءه

وكأنه ينعى نفسه حيث رحل بهدوء تاركا وراءه تراث المتصوفة بعد سنين قضاها في جمعه ودراسته وتحقيقه دون ان يثر غبارا ...

هكذا تكلم الحلاج مهد له قاسم بمقدمة قارب فيها بين الامام الحسين بن علي والحسين الحلاج وفهمهما للحياة والموت .

يبدو الموت للحلاج وكأنه يمنح الحياة معناها وهو حديث الفلاسفة أيضا وسبينوزا تحديدا، الا ان الحلاج لا يفرق بين الحياة والموت الا في الاطار الذي يسمح بتسمية الحياة بالحرية في مقابل السجن الذي هو نموذج الحياة.

اقتلوني يا ثقـــــــــاتي

ان في قتلي حيـــــاتي

 

ومماتي في حيـــــــــاتي

وحياتي في ممــــــــاتي

***

احمد الكناني

.................

- فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل

- قاسم محمد عباس، هكذا تكلم الحلاج، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق

- مجموعة محاضرات نصر حامد أبو زيد حول ابن عربي على اليوتيوب

 

 

علي المؤمنخلال فترة الإعداد لكتابي "الاجتماع الديني الشيعي" وتدوينه، والتي استمرت أكثر من ثلاث سنوات؛ توافرت لي فرصة دراسة بيئات تدوين علوم ومعارف المدرسة الشيعية، منذ عهد الإمام محمد الباقر وحتى الآن، وتحديداً في مجالات العقيدة والحديث والتفسير والفقه، ومساراتها التراكمية، ورموزها المحدثين والمتكلمين والفقهاء الموصولين جيلياً ببعض، ومنها ما تم تدوينه في مرحلة الدولة الصفوية وما قبلها وبعدها؛ فإني لم أعثر على شيء اسمه "التشيع الصفوي" إطلاقاً، ولا نشوء أي تشيع آخر يتمايز عن تشيع علي بن أبي طالب وأئمة أهل البيت؛ إلّا إذا عُدّ تمايز المذاهب الشيعية الأخرى عن المذهب الإمامي الإثني عشري، كالزيدية والاسماعيلية، بأنه تشيع مفارِق لمسار التشيع الإثني عشري عقدياً وفقهياً وقواعدياً وتاريخياً. أما المدارس الحديثية والفقهية والأصولية التي تتنوع في قراءتها لأصول التشيع وأدوات هذه القراءة؛ كالإخبارية والأصولية وغيرهما؛ فلا يمكن فرزها كتشيّعات جديدة متعارضة أو متضادة، وإعطاءها تسميات انشقاقية؛ لأن الخلافات بينها خلافات علمية طبيعية غالباً، ولاتصل الى مستوى الإنشقاق المذهبي إطلاقاً.

وإذا كان المتهم بتأسيس التشيع الصفوي، هم ملوك الصفويين؛ فإن هؤلاء الملوك وذويهم لم يكونوا فقهاء ومحدثين ومتكلمين، لكي يؤسسوا مدرسة عقدية وفقهية شيعية جديدة تتعارض مع تشيع أهل البيت؛ بل كانوا يأخذون شرعيتهم في الحكم وفتاواهم من مراجع وفقهاء عصرهم، وكان الفقهاء العرب من لبنان والبحرين والعراق، كالشيخ الكركي والشيخ البهائي وحسن بن زين الدين العاملي والشيخ الحر العاملي والشيخ الجباعي والسيد نعمة الله الجزائري؛ هم أصحاب الفتوى ومروجي عقيدة أهل البيت وفقههم وحديثهم في جغرافيا الدولة الصفوية، ولم يكن للأسرة الصفوية الحاكمة أية دالة وسطوة على هؤلاء الفقهاء، بل العكس هو الصحيح، وهو خلاف ما كان يحدث في الدولة العثمانية؛ حيث كان المشايخ والمفتون مجرد موظفين عند السلطان العثماني.

وبالتالي؛ كان يستحيل على الأسرة الصفوية إيجاد تشيع جديد ومذهب فقهي جديد، غير مذهب الإمام الصادق، وغير فقه الصدوق والمرتضى والمفيد والطوسي وابن إدريس والحلي والشهيدين العامليين، وخاصة في ظل وجود الفقهاء العرب في العاصمة الصفوية إصفهان، والقابضين بإحكام على الوضع الديني في البلاط وجميع مفاصل الدولة، فضلاً عن يقظة فقهاء النجف وكربلاء وجبل عامل، وأغلبهم كان يراقب حراكات الدولة الصفوية ويمضيها.

نعم؛ أسس الصفويون لمدرسة مذهبية جديدة في سلوكيات الحكم، لم تكن مألوفة في الدول الشيعية التي سبقتها، وتتمثل في الاهتمام رسمياً بتعظيم شعائر أهل البيت وذكرهم وسيرتهم وفضائلهم، وخاصة ذكرى استشهاد الإمام الحسين، وفي فتح البلدان وتأسيس الممالك باسم أهل البيت، وبهدف تبليغ سيرتهم وتعاليمهم، وفي دعم الحوزات العلمية والعلماء، ونشر المبلغين في كل جغرافيا الدولة، بإشراف مباشر من المرجعية الدينية.

كما مثلت المدرسة الصفوية في الحكم والسلوك السياسي، تحولاً في التاريخ الشيعي؛ لأنها كانت، عبر استخدام خطاب الاستنهاض المذهبي الشيعي، تواجه المحاولات العثمانية في اجتثاث الشيعة، وما فعلته من فظائع وأهوال بشيعة تركيا وسوريا ولبنان والقوقاز. كما كان خطاب الاستنهاض الصفوي يفعل فعله في عملية تعزيز روح المقاومة والعنفوان والإقدام لدى الإنسان الشيعي، والدفاع عن وجوده ومجتمعه، وهي في حقيقتها عودة الى السلوك السياسي للمختار الثقفي؛ لأن الصفويين كانوا ــ كالمختار ــ أصحاب مشروع ديني شيعي، وليسوا مجرد حكام شيعة، أي أنهم يختلفون في نهجهم السياسي المذهبي عن الأسر الشيعية الحاكمة الأخرى، كالإدريسية والبويهية والحمدانية والفاطمية، ولذلك اندثرت آثار هذه الدول، خلال سنوات معدودات بعد سقوطها؛ بل تعرّض مواطنوها الشيعة الى أبشع ألوان الاجتثاث والتحويل المذهبي على يد صلاح الدين الأيوبي والمماليك والعثمانيين، وماتت هذه الدول دون تحقيق إنجاز على الأرض، أو دون القدرة على المحافظة على إنجازاتها؛ بينما لايزال النهج النهضوي السياسي المذهبي للدولة الصفوية قائماً، ولاتزال انجازاتها المذهبية حاضرة، من جنوب لبنان وحتى أقاصي الهند، وهو ما يجعل الدولة الصفوية أكثر الدول الشيعية في التاريخ تعرضاً للكراهية والتشويه من الطائفيين والمعارضين؛ لأنها كانت صاحبة نهضة شيعية شاملة، كما ذكرنا.

وسواء كان السلوك الصفوي يتم بدوافع سياسية مصلحية وسلطوية، أو بدوافع دينية، أو خليط من الإثنين؛ فإنه كان يجري لمصلحة الشيعة في النتيجة، بمن فيهم الشيعة العرب، ويحافظ على كيانيتهم وأرواحهم ومعتقداتهم وشعائرهم من حملات الاجتثاث المستمرة، وحينها لايعني الشيعي البحث والتنقيب عن دوافع الشيعي الآخر الذي يدعمه ويحميه ويدفعه الى الإمام، من أجل تحقيق أهدافه الدينية والدنيوية؛ لأن ما يجمع الطرفين هي المصلحة المذهبية المشتركة العليا، والتي ظلت تتعرض للمخاطر من الآخر الطائفي أو المستعمر على مر الزمن.

ولذلك؛ كانت سلوكيات المدرسة الصفوية في الحكم ممضية من فقهاء الشيعة في ايران والعراق ولبنان آنذاك، وتلقى دعماً وتشجيعاً من الحوزات العلمية؛ رغم أن في بعض هذه السلوكيات مبالغة أو خروجاً على المتعارف. ولكنه لم يكن سوى سلوك، ولايمثل عقيدة جديدة أو فقهاً جديداً بأي نحو كان.

أما إذا كان المقصود بالتشيع الصفوي هو التشيع الذي أوجده فقهاء العصر الصفوي؛ فهذا الكلام يدل على الجهل بمسارات الحراك العلمي الشيعي وانسيابيته وتوارثه من جيل لآخر دون انقطاع، من عصر الأئمة وحتى الآن. وتؤكد سلسلة توالي الفقهاء الشيعة عدم حدوث أي انقطاع ولو للحظة واحدة، بما في ذلك مرحلة العصر الصفوي وما قبلها وبعدها.

وأقول بكل وضوح، إن ما يقصده الطائفيون والعلمانيون والمغفلون بمصطلح التشيع الصفوي هو إنجاز الدولة الصفوية في إحداث نهضة شيعية علمية وسياسية وعسكرية وتبليغية عالمية، كان من مظاهرها توسيع رقعة مذهب اهل البيت في كل ايران وشبه القارة الهندية وشرق آسيا والقوقاز، وحماية الشيعة العرب في العراق وسوريا ولبنان والواحات الخليجية من حروب الإبادة التي كانت تشنها الدولة العثمانية وغيرها من دول النصب والطائفية، ودفع المجتمعات الشيعية للنهوض والتصدي؛ هذه الإنجازات تجعل الطائفي يكره الدولة الصفوية بالفطرة، ويصف كل شيعي ناهض ومدافع عن حقه بأنه صفوي، ولايريد للشيعي العربي أن يحظى بالحماية والظهير؛ بل يبقى مكشوف الظهر؛ ليفعل به صلاح الدين الأيوبي وسليم الأول وآل سعود وصدام وأمريكا وإسرائيل والقاعدة وداعش ما يشاؤون من فنون الاضطهاد والقتل والتشريد والحصار.

وأزعم أنني مطلع على أغلب ما كتب وقيل حول مزاعم وجود تشيع صفوي، سواء من كتّاب أجانب وإيرانيين وعرب أو علماء دين ومفكرين، ولم أجد إطلاقاً - كما ذكرت في بداية المقال- أي دليل على وجود هويتين عقديتين وفقهيتين مختلفتين، واحدة تمثل التشيع العلوي والأخرى تمثل التشيع الصفوي؛ بل كل الكلام الذي يدور هو عن سلوكيات الحكم الصفوي، السياسية والمذهبية، إضافة الى التعكز على تبني بعض ملوك الصفوية المتأخرين للمدرسة الإخبارية خلال فترة المماحكات بين الإخباريين والأصوليين، وبعض أحاديث كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي، وغيرها من الأدلة المتهافتة.

ولعل من أكثر الكتابات التي أساءت للشيعة، وساهمت في تحريف الوعي تجاه التشيع، وفتحت أبواب الدعاية الطائفية والعلمانية المضادة لمدرسة أهل البيت؛ لتنكل بالشيعة وتبتزهم وتتهمهم بكل أنواع التهم الظالمة؛ هو كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"، الذي كتبه علي شريعتي، في إطار مناكفاته مع الفقهاء والحوزة، وحالة الإستعلاء والجبروت الثقافي التي كان ينطلق منها، وهو الشاب الثلاثيني المندفع العائد تواً من فرنسا، بعد أن تخرج على أستاذه المستشرق "ماسينيون"، مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية والموجه الروحي للبعثات التبشيرية المسيحية في مصر. ويتماهى كتاب شريعتي المذكور في روحه ومضامينه مع كتابات العلماني المتحول أحمد كسروي، ولاسيما كتابه "أسرار ألف عام" بشكل خاص، ومع الدعاية العثمانية الطائفية الموروثة، والتي كانت تستخدمها ضد الشيعة، بغطاء محاربة الدولة الصفوية.

لذلك؛ تجد أن هناك تشجيعاً من الأوساط السياسية الطائفية وبعض المغفلين؛ باقتناء كتاب "التشيع الصفوي" وقراءته، وكذا تشجيع قراءة كتب أحمد كسروي؛ برغم أن الأخير لم يكن يخفي إلحاده، لكن تنشيط حركة ترجمة كتبه وتوزيعها بالمجان؛ إنما هي نكاية بالشيعة. وبناء على المقولات الإنشائية والمصطلحات المتهافتة لشريعتي في كتابه المذكور؛ يردد الطائفيون والعلمانيون مصطلح التشيع الصفوي والتشيع العلوي، أو التشيع الفارسي والتشيع العربي، دون أدنى معرفة بتاريخ مدرسة أهل البيت ومسارات تدوين علوم هذه المدرسة ورموزها، في الحديث والكلام والتفسير والفقه والأصول، وإنما هو مجرد ترديد كلام للمناكفات الدعائية والتصعيد الطائفي والتخوين.

ختاما؛ أضع الأسئلة التالية أمام من يدعي وجود أنواع التشيع المذكورة المختلفة، بمن فيهم الذين كتبوا ونظّروا وتكلموا في هذا المجال، وأطالبه بالإجابة على الأسئلة بمنهج علمي، بعيداً عن المهاترات والكلام الإنشائي والإسقاطات الطائفية:

1- كيف ومتى تأسس التشيع الصفوي المزعوم والتشيع الفارسي الخيالي؟

2- من هم سلسلة فقهاء ومتكلمي ومحدثي التشيع الفارسي والتشيع الصفوي، ومن يقابلهم في عصرهم من فقهاء ومحدثي ومتكلمي التشيع العلوي والتشيع العربي؟

3- ماهي المدونات الحديثية والفقهية والكلامية لكل من التشيعين العلوي والصفوي؟

4- ماهي الفوارق العقدية والحديثية والفقهية بين التشيعين العلوي والصفوي، بناء على المدونات المعتبرة؛ بحيث يمكن القول انهما يمثلان مدرستان متعارضتان؟

5- هل اندثر التشيع الصفوي أم لايزال قائماً؟ وإذا كان قائماً؛ فمن هم رموز التشيع العلوي والعربي والتشيع الصفوي والفارسي في الوقت الحاضر، وماهي الفوارق العقدية والفقهية بينهما؟

 

د. علي المؤمن

 

قاسم جمعةمن اللافت للنظر اللجوء إلى الكذب لكي ننعم بخيرات السياسة وهو ما يحيل الذهن الى ان السياسة والكذب صنوان لا يفرق الناظر بينهما، على اعتبار ان جوهر السياسة كذب، لكن نلمس تحولا مخيفا امسى اخطر من ذلك بتحول الكذب غاية الاستراتيجيات السياسية والبرامج المعدة للتنمية والنهضة المتخيلة. ويصح القول ان القضية اخذت مسارات وتوجيه اخلاقي خطير. فانت سياسي إذن عليك ان تنظم الى قافلة الآليات المرسومة لتقنية اخراج الكذب بصورة الحق. وعليه توجه الخطابات وتسن القرارات وتصبح الاكاذيب حقائق . وهو ما نوهت عنه حنة ارندت في كتابها السياسة والحقيقة . فالتلاعب والكذب يشكلان صلب الخطاب المؤسساتي للدولة.

فسياسة الاكاذيب يعيش بكنفها كل واحد منا سياسيا كان ام سائق لتكتوك .. وربما اكون مجانبا للصواب لكنني المس ذلك وانا اتجول بعيني وحواسي السبعة!. وقد اكون كاذبا هنا، لكني اتمنى يوميا الا اكذب. مع شعور بأنني سأخرج منتصرا على ضعفي. متمسك على مضض بقيمة الصدق وفائدته وعدمية الكذب وخسارته. رغم ذلك قد يكون للكذب فائدته!.

وينقل عن الفيلسوف الفرنسي مونتاني قوله: لو كان للكذب كما هو الشأن بالنسبة للحقيقة، وجه واحد. لكانت العلاقات بيننا احسن مما عليه، فيكفي ان نحمل على محمل الصدق، نقيض ما ينطق به الكاذب منا، الا ان نقيض الحقيقة له مائة ألف وجه ولا يمكن الالمام كليا، بالحقل الذي يشغله.. ترى كم يحمل ساستنا من أوجه او اقنعة الكذب. وهل ما يقولوه كذب. وهل ما نقوله يدفعنا الى الاعتقاد، ان كل وجودنا ما عاد يسير وفق المنطق العقلاني والاوهام، التي نذر العلم والفلسفة الى تبديدهما؟. حتى الدين اذا اراد تحقيق اثر ما في ذهن المتلقي، يذهب إلى القول انني اروم اصلاح ما غرسته الاكاذيب وما حصدته الأوهام . مع علمنا انه اخرج لنا افظع الأوهام وتسطرت على ايدي كتبته، أكاذيب مؤسسة.

فهل نحن بحاجة للأوهام والاكاذيب؟ ام ان علينا محاربتها على اعتبار انها اباطيل وأساليب تنمي الكذب وتعطل ملكة الحقيقة وتتلون على اثره حياتنا المقيته بصنف لوني لا يمكن حتى لسيزان العظيم كنه سر لونه! ولنسال ماذا اراد كل من نقرأ لهم الان وغدا، سوى محاربة الكذب وتسيس الاوهام لكي تتحول وتضحى حقائق!..

فرنسيس بيكون وديكارت ومن قبلهم ومن بعدهم، لم يستطع كل منهم تجاوزثقافة الوهم وتأسيس ثقافة العلم، لأننا نعيش باثر منها ونتلذذ باوهامها المنعشة للحلول البائسة.

والحال يسري أيضا على انبياء الشك نيتشه فرويد ماركس، فكل واحد منهم، اراد ان يحمل فإسه ليهم بضرب الوهم الغارس بأنيابه في تلابيب الوجود البشري . فوهم الوعي انتصر للاوعي ووهم التاريخ إنحاز للاغنياء، ووهم القيم صارت مفاتيحه بيد من يملك الابواب الموصدة بوجه الضعفاء... فكيف اذا غدا كل شي موجه من غرف الكذب اقصد الاعلام، ليسن لنا قوانين السير المحبوك بمعامل التصنيع والتعليب الكاذب / الواقعي . فلا يمكن بحال من الاحوال القضاء على الوهم ولكن يمكن التقليل من حضوره المتحكم. يبقى القول معلقا اذا لم نحسم جدليا امر الكذب وعلاقته بالوهم. اذ يبدو ان الوهم يتغذى على الاكاذيب فمثلا وهم الحرية يعتاش على سبك الكذب ليظن الانسان انه كائن حر . فانت حر مادامك تطيع والطاعة على خلاف مع الحرية. والكذب يموت متى ما صارت اوهامه خاوية. فيولي ادباره خلف الأقنعة لا يرغب سوى بالتخفي عبر اقنعة الصدق.

يربط دريدا الكذب بخاصية مهمة وهي فعل الكذب والقصد الموجه للفعل وانا اعتقد انه اذا اجتمعت شروط خداع الاخرين او الناس فالساسة برعوا بهذا الشأن. ولا يباريهم احد في ذلك . حتى ان احد يعرفها انها فن الكذب. هناك اوجه للكذب كما ذكرنا لكن هذه الاوجه خطورتها انها ستكون حقائق لا تمس!. ويصح العكس فكل ما نعرفه كحقائق يجري تحويله الى زيف وبدائل ضاغطة وفق الحاجة فأصبح على غرار ذلك الشأن كل ما يهم وجودك كحقيقي معاش مزيف ووهمي وتخيل، ينبغي قصه وترتيبه ذهنيا، أي اصبحت الحياة المعاصرة كما يشير زيجمونت باومان. سياسة خوف وجعله شانا عاما يدخل كل المفاصل الحيوية . والأدهى من كل ما ذكرنا ان كل شى ما عاد يتطلب التأني والتدقيق ما دام هناك من يسهر على اخافتنا. فالخوف يصهر الارادة.

الفلسفة والعلم وخطابات كل منهم، حارت امام هول الاوهام الجميلة، فما هو مرغوب به فعلا لاينشد العكس. والناس تستأهل الاكاذيب وتمرر الاوهام للأجيال المتعاقبة، فمن هنا يقف كل منا مندهشا امام سياسة الخوف ورعب الوهم، خوفا من نفسه لئلا تنزلق معرفيا نحو ثقافة الوهم والكذب. ولكننا الان بأمس الحاجة لمثقف يفهم سلطة الوهم وتكوينه وشروط انتشاره.

فكم منا وقف تجاهه وانتصر وبقى يبرر انتصاره الكاذب. ! ومن منا فعلا ينقدها صباحا ويمارسها تخفيا، وهل حقق كل واحد منا خلاصه من وهمه وصار طليقا، بدون وهم يسيره او كذبة تنعش جيوب ذاكرته. الخوف يتلبس ثنايا كلامي عندما اقف امام ظواهر لا تلمس الا مجهريا عند قناعاتي . ولكني اكون فرحا لانتصار خطابي المؤدلج . أليست هذه اوهامنا المعاصرة !الطائفية الحزبية وانتصار الجماعوية.. نحن لسنا ضحايا اوهام بل صناع مبدعين للاكاذيب.

 

قاسم جمعة

 

 

محمود محمد عليعندما يترنح الحوار وتغيب ثقافته فلا محل لقبول الآخر آياً كان، فيوماً بعد يوم، وفي منطقتنا العربية والإسلامية تتكاثر أفكار جماعات التخلف، والانغلاق، واقصاء الآخر، ورفض التحاور، زادها المتاجرة بالدين، لإعمال آلة القتل داخل الديار وخارج الأوطان.. تصدع مخزوننا الفكري وتطلخ دما وأضحت الصورة القاتمة بعبعاً مخيفا لأمم لم يصلها من الإسلام سوي أشلاء حضارة، أو مسخاً حضارياً ذميم، في ظل هذا علا صوت العقل داعياً إلى استئناف حضارتنا الميتة سريرياً منذ أمد بعيد أملاً في الالتحاق بركب الحضارات من جديد.. قراءات تري أن ما نشهده ساحتنا من حراك ومن ارهاصات وعي متجدداً كفيلان ببلوغ المرام، وبوقوف حضارتنا علي الأقدام، وأخري تجزم أن في أعناق النخب المشرئبة لتفعيل حوار الحضارات وللفعل فيه بإرادة لا تلين.. بشري بآمال واستعادة بريق ثقافة وحضارة ولو بعد حين ؛ وأخص بالذكر هنا حضاراتنا المصرية القديمة.

فلا أحد يدرك الزمن.. رحابة وضيفاَ مثلما يدركه المصريون، ولا أحد يحمل التاريخ علي كاهله ويمضي مثلما يفعل المصريون، وملايين المصريين يدركون أن حضارة بلادهم عمرها سبعة آلاف عام.. والمصريون لديهم قناعة واسعة بأن مصر هي العالم، لدرجة أنهم يطلقون عليها " أم الدنيا".. سطعت نجوم في القرن التاسع عشر وأخرى في القرن العشرين، فمن "رفاعة الطهطاوي"، إلى "جمال حمدان".. ومن "أحمد عرابي" إلى "النحاس".. ومن "الخديوي إسماعيل" إلى "أنور السادات".. توالت أفكار وسياسات . وفي الطريق ذاته مرت قامة بحجم الإمام "محمد عبده" وثانية بوزن طه حسين، وثالثة بضخامة نجيب محفوظ.. ولكن التحديد الديني الذي بدأه "محمد عبده"، والتجديد الفكري الذي أطلقه "طه حسين" والنقلة الإبداعية التي حققها "نجيب محفوظ" انتهت كلها إلي مشهد مأساوي بائس؛ فقد جاء عقد التسعينات ليشهد غياب "توفيق الحكيم"، و"زكي نجيب محمود"، و"يوسف إدريس"، ومن حولهم.. ثم ساد ظلام كان يقطعه بين حين وآخر صوت العنف والإرهاب؛ كالرعد وطالت يد الإرهاب المفكرين!! (1).

وهنا سطعت شمس العالم " أحمد زويل "، جاء ليملآ المسرح بأكمله.. وعاد المصريون إلى سابق ثقتهم بأنفسهم (2)؛ ففي الوقت الذي يرى فيه أهل الرؤية التاريخية والمستقبلية أن ما نعيشه حاضراً من تقد عملي وتكنولوجيا راقية هو مجرد بوادر لما سوف يعيشه الإنسان من أحداث كبار خلال القرن القادم، وكثير منها أحداث بيولوجية تعتمد على التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية – فإن الاكتشاف العلمي : " كاميرا الفيمتو ثانية"، الذي حصل به العالم المصري أحمد وزيل علي جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999م، ومن قبله "أبو الهول"، والوثائق المصرية الممثلة في البرديات، كلها تشهد على الدور الرائد للمصر في مجال التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية (3).

و"زويل" قد حفر اسمه بأحرف من نور أضاء به الظلام... رفع سقف طموحات الشباب إلى أبعد مدى ليصبح رمزاً من رموز العلم في مصر والعالم كله؛ وقد وصفه الدكتور "مصطفي الفقي" بأنه :" رحمه الله : "كان ومضة ضوء في حياتنا القاتمة، إذ فاز عالم مصرى الأصل والمولد بجائزة "نوبل" فى العلوم، وتلك الجائزة قفزة كبيرة ينال منها التعليم المصرى والبحث العلمى معًا، خصوصًا أن الجائزة فى الفرع الذى حصل فيه "زويل" هي جائزة مستحقة بكل المعانى لا تخضع لاعتبارات سياسية ولا أهواء قومية، فلا بد أن يأتي العالم الذي يحصل على"نوبل" فى العلوم بجديد يخدم البشرية ويمثل قفزة لها إلى الأمام، فهي ليست مثل "نوبل" في الأدب التي تخضع للتوزيع الجغرافى بين الحضارات المختلفة، وليست هي جائزة "نوبل" في السلام التى تخضع للمواقف السياسية ولا تبرأ من شبهة الإنحياز عند الاختيار" (4).

وقد لفت نظرنا فيلسوف العلم الأمريكي الشهير "توماس كون" في كتابه الذائع الصيت "بنية الثورات العلمية" أن بعض الاكتشافات العلمية تعد ثورة علمية لأنها - بحكم تفردها - تغير ممارسة العلم نظرية وممارسة. وهكذا اعتبر انجاز "جاليليو" ثورة علمية، وكذلك نظرية النسبية التي صاغها "ألبرت أينشتين"، ويضاف إليهم أحمد زويل الذى اكتشف لأول مرة في تاريخ الإنسانية زمناً جديداً هو "الفمتو ثانية". وقد قرر ذلك بكل وضوح البروفيسور بنجنت نوردن رئيس لجنة جائزة نوبل للكيمياء بالأكاديمية السويدية للعلوم في عبارة بالغة الدلالة "أن استخدام زويل لتقنية الليزر فائقة السرعة "فمتوسكوب" يمكن وضعه في سياقه التاريخي جنباً إلى جنب مع استخدام جاليليو للتليسكوب. الذى صوبه شطر كل شئ مضئ فى القبة السماوية الزرقاء. أما زويل فقد صوب ليزر الفيمتوثانية على كل شئ يتحرك في عالم الجزئيات. لقد انتقل زويل بتيلسكوبه هذا إلى آفاق العلم. ويمكننا الآن أن ندرس التحركات الحقيقية للذرات في الجزئيات، ويمكننا أن نتحدث عنها في الزمان والمكان بنفس الطريقة التي نتصور بها تلك الذرات والجزئيات.. فلم تعد الجسيمات أشياء غير مرئية". وأضاف "روبرت برادوسكي" مؤرخ العلوم والأستاذ بمعهد روشستر للتكنولوجيا "وباختراع هذه الطرق العلمية أصبح زويل كريستوفر كولمبس لعالم الفمتو وأول شاهد عيان للأحداث الكيميائية التي تقع في جزء من مليون بليون جزء من الثانية" (5).

ولهذا السبب قيل عن زويل بأنه ذلك العالم الذي استطاع أن يمتطى الزمن، وأن يكشف حركته السرية الخفية، وأن يصور ويسجل ما يحدث في واحد على بليون من البليون من الثانية،،حقا كما يقال عنه أنه" يمتلئ بالفكرة.. امتلاء الإناء بالسائل" (6).

واحتفلت المؤسسات الثقافية والسياسية في مصر احتفالاً مهيباً بالدكتور " أحمد زويل" عند حصوله على جائزة نوبل في علم الليزر، تقديراً لأبحاث أجراها في الولايات المتحدة الأمريكية، ووصل فيها إلى نتائج جديدة التي ذهب إليها مبعوثاً واستقر فيها، وأشار الكثيرون إلى حقيقة أن " قدرات" العلمية تطورت عندما عاش في بيئة ملائمة تقدر العلم، بل تقدسه، ولا تفرض عليه أية قيود، والأكثر من ذلك تخصص له الدولة والمشروعات الصناعية الكبرى ميزانيات سخية تتزايد كل عام، بل ويجرى تنظيم الحياة الاجتماعية عامة علي أسس علمية، وحين يخرج الباحث إلى الحياة خارج الأكاديمية يحصل على أجر ملائم، ولا يكون مضطراً للهاث وراء لقمة العيش وتبديد طاقته العصبية والذهنية (5)؛ ولذلك يقول "زويل" عبر كتابه "الغربيون عباقرة.. ونحن لسنا أغبياء.. لكن الغرب يساعد الفاشل حتى ينجح.. ونحن نحارب الناجح حتى يفشل" (7). هكذا وصّف " زويل" واقعنا العربي المتردي، الذي يدفع الشباب فيه ضريبته الأكبر، وهو توصيف يحمل في جوهره مقارنة ثقافية عميقة بين عقليتين متناقضتين في التفكير والتخطيط والتنفيذ، واحدة مبتكرة وبناءة، وأخرى مثبطة وهدامة (8).

وكان " زويل" يعيش في سان مارينو بولاية كاليفورنيا، وهو أستاذ كرسي لينوس باولينج في الكيمياء الفيزيائية، وأستاذ الفيزياء في كالتيك. وتم تعيينه أخيراً مبعوثاً علمياً للولايات المتحدة لدى دول الشرق الأوسط؛ نظرا لما يتمتع به من موهبة تساعده في إيصال المعلومات للآخرين (9).

ولد "أحمد حسن زويل" في 26 فبراير 1946 بمدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، ثم إنتقل مع أسرته إلى مدينة دسوق بكفر الشيخ. إلتحق بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية وحصل على بكالوريوس العلوم في الكيمياء عام 1967 بدرجة إمتياز مع مرتبة الشرف، وعمل معيدا بالكلية، ثم حصل على درجة الماجستير عن بحث في علم الضوء. سافر "زويل" بعد ذلك إلى الولايات المتحدة في منحة دراسية وحصل على درجة الدكتوراه من "جامعة بنسلفانيا" في علوم الليزر، ثم عمل باحثاً في جامعة كاليفورنيا خلال الفترة بين عامي 1974 و1976م، قبل أن ينتقل إلى العمل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك) (10).

تدرج "زويل" في المناصب العلمية الدراسية داخل جامعة (كالتك) إلى أن أصبح أستاذاً رئيسياً لعلم الكيمياء بها وقف أمام ملك السويد في قلب مدينة "ستكهولم" عام 1999 ليمنحه جائزة نوبل في الكيمياء، عن أبحاثه في مجال "كيمياء الفيمتو"، وهي تكنولوجيا لتصوير التفاعلات بين الجزيئات باستخدام أشعة الليزر، ليصبح أول عالم مصري وعربي يفوز بجائزة نوبل في الكيمياء. وفي نفس العام، منحه الرئيس الأسبق حسني مبارك قلادة النيل، وهي أرفع وسام مصري (11).

مسيرة وأهداف "زويل" العملية لم تنته بحصوله على نوبل فدائمًا ما كان يقول أن "نوبل نقطة في بحر العلم"، ليستمر في مسيرته العلمية، لينجح بعدها في إختراع ميكروسكوب رباعي الأبعاد الذي لا يوجد في العالم منه سوى جهازين، " إحداهما في أمريكا بالجامعة التي عمل بها، والآخر في مصر بمدينة زويل، ورد اسمه في قائمة الشرف بالولايات المتحدة التى تضم أهم الشخصيات التى ساهمت فى النهضة الأمريكية، وجاء اسمه رقم 9 من بين 29 شخصية بارزة بإعتباره أهم علماء الليزر فى الولايات المتحدة، وفى أبريل 2009، أعلن البيت الأبيض عن إختيار زويل ضمن مجلس مستشارى الرئيس الأمريكي للعلوم والتكنولوجيا، والذي يضم 20 عالمًا مرموقًا في عدد من المجالات. وفي نوفمبر من العام نفسه، عين كأول مبعوث علمي للولايات المتحدة إلى دول الشرق الأوسط ودعا زويل إلى تكوين قاعدة علمية متكاملة في مصر لتطوير البحث العملي والتعليم، وأطلق مشروع المدينة التكنولوجية التي تحمل اسمه.

نشر "زويل" أكثر من 350 بحثًا علميًا فى المجلات العلمية العالمية المتخصصة و16 كتاباً، من بينها "رحلة عبر الزمن.. الطريق إلى نوبل"، و"عصر العلم" عام 2005، و"حوار الحضارات"، وانتخبته الأكاديمية البابوية، ليصبح عضوا بها، وقد حصل على وسامها الذهبي سنة 2000. كما حصل على جائزة وزارة الطاقة الأميركية السنوية في الكيمياء. وجائزة كارس من جامعة زيورخ، في الكيمياء والطبيعة، وهي أكبر جائزة علمية سويسرية. وانتخب بالإجماع عضواً بالأكاديمية الأميركية للعلوم. كما وضع اسمه في قائمة الشرف في الولايات المتحدة. وقد كرمته مصر، وحصل على عدة جوائز منها، أبرزها قلادة النيل العظمى وهي أعلى وسام مصري، وأطلق اسمه على بعض الشوارع والميادين (12).. وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

..............

مراجع المقال وهوامشه

(1) مجلة الاقتصاد والمحاسبة. قسم التحقيقات الصحفية(معد): أحمد زويل.. درة في جبين مصر، الاقتصاد والمحاسبة، نادي التجارة، ع 616، 2006، ص 14.

(2) المرجع نفسه.

(3) المرجع نفسه.

(4) المرجع نفسه.

(5) السيد يسن: أحمد زويل عالما وفيلسوفا، جريدة الأهرام الصادر بتاريخ الخميس 8 من ذي القعدة 1437 هــ 11 أغسطس 2016 السنة 141 العدد 47365.

(6) زينب عبد الرزاق: حوار نادر بين زويل ونجيب محفوظ منذ ١٦ عاما، الأهرام بتاريخ الخميس 1 من ذي القعدة 1437 هــ 4 أغسطس 2016 السنة 140 العدد 47358.

(7) أحمد البهنساوى : أحمد زويل.. ذكرى ميلاد عالم مصري تحول إلى أيقونة علمية رغم رحيله، 06:31 ص | الأربعاء 26 فبراير 2020.

(8) أحمد المسلماني : عشرون عامًا مع الدكتور أحمد زويل.. ما قبل نوبل وما بعدها، مقال منشور بتاريخ 6 أغسطس 2016.

(9) أحمد زويل : ويكبيديا.

(10) المرجع نفسه.

(11) المرجع نفسه.

(12) المرجع نفسه.

 

 

قاسم حسين صالحتحليل سوسيوسيكولوجي

تناولت الحلقة الاولى تاريخ ركضة طويريج ونتائج استطلاع بخصوص تظاهرتها في ( 30 آب  2020 و 19 آب 2021) وتحديها لأوامر الحكومة وتوجيهات المرجعية المحذرة من وباء كورنا.. ونخصص هذه الحلقة لتحليل الظاهرة من منظور علم النفس والاجتماع.

تنـويـــه

يودّ الكاتب التنويه الى انه ليس معنيا هنا بالاسباب أو الدوافع الدينية، فتلك من اختصاص رجال الدين وهي محترمة ولا يحق لأحد المساس بها لكونها تتعلق بحرية الدين والمعتقد، انما الذي يعنينا هو دور الطقوس الدينية في التحكم بسلوك ومشاعر الجموع الغفيرة من الناس، وتفكيك تركيبتها السيكولوجية من حيث تكرارها وقواعدها ودلالات رموزها.

لنبدأ التحليل بتحديد معنى مفردة (الطقس) ليكون لنا فهم مشترك.. فهي تعني وفقا للـ(المعجم الوسيط) الكيفية التي يتمّ بها أداء الأنشطة المقدّسة وتنظيمها في إطار احتفالي. وتعني من  حيث اصلها اللغوي في اللاتينية: "الأنشطة والأفعال المنظمة التي تتخذها جماعة ما خلال احتفالاتها"، فيما تعني باللغة الانجليزية Ritual  الشعيرة الدينية وفقا لقاموس المورد، وفي المعنى ذاته باللغة العربية ايضا.

وما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي للطقوس الدينية، من حيث "قواعدها" التي تنظم الممارسات المقدسة للأفراد، ودلالات رموزها، وقدرتها على التحكم في السلوك، وسيطرتها على اللاوعي الجمعي للجموع باعتمادها ايقاعا واحدا وتقاليد موحدة من قبيل ارتداء المشاركين ملابس معينة، وقيامهم بحركات او افعال مشتركة، بكاء، لطم، اهازيج، اشعار،  تلطيخ الوجه والرأس والملابس بالطين او التراب وخاصة النساء.. ،  تثير لدى المشاركين انفعالات تتصاعد احيانا الى حالة جيشان مصحوبة باتقاد المشاعر الجماعية وهيجانها في احياء ذكرى اوتمجيد صاحبه، مشحونة بانفعالات توحّد الجموع وتضبط أداءها كما يضبط قائد الاوركستيرا أداء العازفين والمنشدين.

تساؤلات خطيرة

تثير الطقوس الدينية التي تظم جموعا غفيرة متنوعة، تساؤلات نراها نحن السيكولوجيين خطيرة من حيث انعاكاستها على الفرد والمجتمع والوطن، نوجزها بالآتي:

* هل تعمل الطقوس الدينية على تعبئة الجموع وشحن الوجدان وتجييش الوعي الجمعي بما ينسجم مع متطلبات العصر أم ضدها؟

* هل تنسجم الطقوس الدينية الجماهيرية مع القيم الديمقراطية ام تعارضها؟

* هل ينجح السياسييون في توظيف الطقوس الدينية لصالح بقائهم في السلطة ام ان الطقوس الدينية يمكنها ان تطيح بالسياسي الذي يستغلها لمصلحته الشخصية ؟

* هل تعمل الطقوس الدينية على اضفاء الشرعية على سلطة غير عادلة ام تعمل على سحبها منها؟

* وثمة اشكالية جدلية تخص ما اذا كانت جميع ممارسات الناس في الطقوس الدينية، عقلانية ام غير عقلانية، صحية نفسيا ام غير صحية نفسيا؟

لقد راجعنا كتابات أهم السيكولوجيين والاجتماعيين والمفكرين الذي كتبوا في الطقوس الدينية وسيكولوجيا الجموع (اميل دروكاييم، فولتير، ارك فروم، ميرسيا إلياد، فولتير، روبار ميرتون، رولان بارت، يونغ..) فوجدنا انهم ركزوا على ثلاث عمليات مصاحبة للفعل الطقسي هي: (الشحن الرمزي والتقعيّد والتكرار).. تعمل بشكل تفاعلي على تثبيت قواعد لأحياء واقعة مضت تشحن بالقداسة،  وتسرتجع احداثها برموز تلهم الذاكرة الجمعية بدلالات ومعاني لها قيم عليا، تمكّن الممارسين لها ان يعيشوا زمنين في آن:  زمن متخيل لواقعة حدثت في الماضي، وآخر حقيقي في الحاضر.. يحصل لحظة التقائهما ان الزمن المتخيل يوقف الزمن الفعلي، وعند "وقوفه " تنشط آلية التكرار والاسترجاع المميزة للطقس".

كان تنبؤ "دوركايم" صحيحا يوم قال: (سيأتي يوم تعرف فيه مجتمعاتنا لحظات من الفوران الخلاّقة، تنبثق من خلالها أفكار جديدة وتتبلور صيغ صالحة -خلال الزمن- لتكون موجّها للإنسانية.. وتثبت أنّ في عمق الذات الفردية ذات جماعية كامنة تجعل هذه الممارسات الطقوسية الخلاّقة تستفيق).. فيما اوضح "جلبار دوران" آلية التكرار المصاحبة للطقوس في علاقتها بالزمن بقوله: (اننا حين نكرر ونعيد الأفعال الطقوسية، بحسب القواعد المتعارف عليها، يعني أننا نحيي زمنا ماضيا ونقاوم تجدد زمن حاضر).

وفي المعنى ذاته توصل "بيار بورديو" الى ان (تكرار الإتيان بشعائر الطقوس الدينية بحسب توقيتات زمنية، أسبوعية، سنويّة.. ، يعمل على ترسيخ المعتقد في "تطبع" الذهن والجسد، لأن الاستعدادات (dispositions) والطباع تترسّخ تباعا عبر عمليات التكرار والتطويع، لاسيما تلك المصحوبة بالشحنات الروحية والوجدانية).وهذا يعني ان تكرار الطقس بعمليات الشحن الروحي والنفسي الاجتماعي يؤدي الى انتقال قواعدها عبر الاجيال بعمليات تنشئة واكتساب ثقافي، يفضي الى ترسيخ المعتقدات والقناعات والميول في الجسد والذهن معا.

ويرى الأنثربولوجيون وعلماء الاجتماع الذين انشغلوا بتحليل الطقوس، ان السبب الرئيس في صيرورتها ظاهرة يعود الى (الاختلال) الناجم عن التغير السريع في الحياة الاجتماعية للناس، وان ممارسات الطقوس تأتي ردّا لردم هذا الخلل وسدّ ما ينجم عن التغيرات من اختلالات. وبتعبيرنا نحن السيكولوجيين، انها تعمل على اعادة توازن نفسي تمّكن الفرد من التوافق الحياتي والاجتماعي وخفض الخوف الناجم من قلق وجودي في عالم متغير.

وهذا ما تفعله الطقوس الدينية في المجتمع العراقي بخاصة، أنها تنشّط اللاوعي الجمعي لدى جماهيره في الوسط والجنوب بشكل خاص،  لمعالجة الحرمان والأغتراب والشعور باليأس من خلال استحضار الماضي والشكوى لأشخاص قضوا نحبهم والتوسل بهم لحل مشاكلهم والتخفيف عن معاناتهم.. وهذا ما اثبتناه في دراسات ميدانية.

وثمة تساؤل افتراضي يجيب عن التساؤلات في اعلاه: لو ان الانسان يعيش حاضرا يمنحه حياة كريمة ويؤمن احتاجاته المادية ويحرره من الخوف وقلق المستقبل، فهل تبقى الطقوس الدينية بهذه الجموع الغفيرة؟.

يقدم عراق 1959 اجابة عملية، ففي ذلك العام كانت الحكومة قريبة من الشعب، وفيه منح العراقيون عبد الكريم قاسم لقب (ابو الفقراء).. لأنه بنى مدينة الثورة لساكني الصرائف في منطقة الشاكرية، واكثر من 400 مدينة جديدة وعشرات المشاريع الاروائية، بفضل اختياره لوزراء وفقا لمعايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، ولأن الرجل، بشهادة حتى خصومه،  كان يمثل انموذج الحاكم القدوة من حيث نزاهته. والذي حصل عندها ان الناس توحدوا سيكولوجيا بحاضرهم وما عادت بهم حاجة لأن يستحظروا الماضي ويتوسلوا باشخاص قضوا نحبهم.. ولهذا ما كانت هنالك طقوس دينية بهذه الجموع الغفيرة، بل كانت مناسبات احياء ذكرى لرموز دينية عظيمة تجري خالصة لأصحابها لتشبع فيهم محبتهم وتقديرهم اللامحدود لتلك الرموز الخالدة.

والمفارقة، ان العراقيين في الزمن الديمقراطي الذي يفترض فيه ان يحقق لهم حياة كريمة، صاروا يتوسلون بمن يقصدون زيارته في جموعهم، تحقيق مطالب حياتية وخدمات تخص الحكومة، كنا وثقنا احداها في (2007) بطلبهم من الأمام الكاظم توفير الماء والكهرباء!، وما يزالون الى (2021) يعرضون مظالمهم على الرموز الدينية دون ان يتحقق منها شيئا.وطبيعي ان لا شأن للامام في ذلك، بل ان أي امام (شيعي او سنّي) لو خرج الآن ودعا المتخاصمين من السياسيين إلى المصالحة لما أطاعوه، ولو أنه حظر اجتماعا واحدا للاحزاب والكتل السياسية لراعه أن يجد المسؤولين فيها على هذا المستوى من خيانة الذمة وتردي الأخلاق.

والحقيقة السيكولوجية الخفية هي ان العقل الشعبي المشحون بانفعال الطقس الديني، لن يتحرر إلا بذهاب سياسيين خبثاء يوظفون الطقوس الدينية للبقاء في السلطة،  ومجيء حكومة تؤمن لهم حياة كريمة آمنة، وعندها سوف لن تكون غاية الطقوس الدينية تفريغ هموم، او متعة سيكولوجية في استحضار الماضي هربا من الحاضر، او عرض مظالم على اشخاص قضوا نحبهم.. بل اشباع حاجات روحية آخروية وتعبير عن مشاعر حب وتقدير خالصين لرمز ديني يعدّ انموذجا للقيم الدينية والأخلاقية.. وتلك هي مهمة العقل التنويري في العراق.. علمانيا كان ام دينيا.. لم ينتبه لها بعد!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

 

"ان التواصل مع مشاعر وعواطف وافكار الطفولة من شانه ان يعزز فهمنا لانفسنا" كارل يونغ

يطلق مصطلح الطفل الداخلي في علم النفس على مرحلة الطفولة من الشخصية والذي يحمل التجارب والخبرات التي نمر بها وحتى مرحلة البلوغ متاثرا بعملية الكبت والكبت القسري الذي نحاول من خلالها ان نثبت للاخرين باننا قادرين بل وبالغين بما فيه الكفاية للاستغناء عن الرغبات والسمات الطفولية ، الامر الذي يتسبب بجرح الطفل الداخلي ونتيجة هذا الجرح تتحدد الخطوط العريضة لحياتنا.

ويعود الفضل باكتشاف مفهوم الطفل الداخلي الى كارل يونغ حيث طبق فكرة الطفل الداخلي على نفسه ليكتشف تاثير استعادة الطفولة على العواطف والمشاعر، كما اشار الى ذلك المفهوم فرويد حيث قال"ان معظم الاضطرابات العقلية وانماط السلوك المدمرة ترتبط الى حد ما بهذا الجزء اللاواعي من انفسنا- الطفل الداخلي- .

فهو اذن طفلنا الذي يعيش بداخلنا يغذينا ونغذيه بكل تفاصيل الحياة، وهو البصمة التي تركت فينا خطوطها الواضحة سلبا او ايجابا، وهوتعبير عن مخزون الذكريات والتجارب الطفولية التي اثرت ولازالت تؤثر علينا كبالغين، ومن الجدير بالذكران الكثير من ارباب السوابق والمجرمين ومدمني الكحول والمخدرات وممن يعانون من امراض نفسية متنوعة لديهم مشاكل وخيمة مع الطفل الداخلي.

وفي الغالب نحن نعيش ونستضيف ونضيف طفلنا الداخلي داخل جسدنا البالغ ومهما كبرنا يبقى ذلك الطفل الصغير بكل شقاوته مشاكله ومشاكساته، سلبياته وايجابياته هو الدينمو الذي يحركنا نحو الحياة وتفاصيلها التي تتضمن طريقة الاختيار ونوع الحياة والعمل، وعلاقتنا مع الله والاخرين، روابطنا الاسرية اذا كانت حميمية او مفككة، كل هذا واكثر اذاكان الطفل الداخلي قد عانى من الاهمال او فرط الاهتمام وهما وجهان لعملة واحدة يكون ريعها التمرد، اضف الى ذلك الشعور بالنقص، الفوبيا، التشرد، الاحتياج والفراغ العاطفي، الوحدة، الازدراء، التهميش، ويتعدى ذلك الى امراض نفسية فتاكة كالسادية والماسوخية والسايكوباثية والنرجسية المرضية، هذه الامور وغيرها ممايصعب على الانسان ان يتخلص منها لانها الحجر الاساس الذي تقوم عليه الحياة، وعليه فنحن نسبح اما في نهر رائق اومستنقع آسن فيه كل افكارنا ومعتقداتنا، مشاعرنا، مشاعر الخزي والفشل، المزاجية، الحدود واللاحدود، المنطقية وغير المنطقية، الوساوس، هذه الجراحات المفتوحة التي لم تطبب في حينها بقيت مفتوحة وعلى مر السنين ومر الفصول.

وككل بداية نبدأ بالاسرة، الناس المهمون في حياتنا، الاحداث المفرحة، المحزنة، التصدعات النفسية التي تعرضنا لها، القدوة، المثال السئ، الذكريات بمجملها والتي تبدأ منذ سن الولادة بل منذ كان الطفل جنينا فهو يتحسس الاصوات الوادعة من النشاز تبعا لاحاسيس امه وقد يخزن ذلك الصوت في ذاكرته وما ان يصادفه حتى يتفاعل معه سلبا اوايجابا كردة فعل للحدث، ويستمر الخزن حتى السادسة من العمر مبدئيا ولحد المراهقة ثم البلوغ، لكن السنين الخمس او الست الاولى هي التي تبلور شخصية الطفل، ويتم ذلك عن طريق العقل الباطن الذي يسجل كل صغيرة وكبيرة، كلنا تأثرنا ومنذ ان كنا اطفالاللحزن، للفرح، للهدوء، للغبطة، للماساة، للتشرذم، لمشاعر محزنة اومخجلة نتهيب البوح بها، نحن نتذكر كل شئ وكل التفاصيل بل ربما حتى السنة واليوم والساعة التي حدث فيها الحدث الذي ترك اثره بليغا في انفسنا ومع تراكم الاحداث في عقلنا الباطن الذي يبدو انه يتحمل اكثر من طاقته الاستعابية بكثيرفي وقت اننا في سن لايسمح لنا بمناقشة اي امر خارج نطاق المألوف او الحد الادنى من الطاقة الاستيعابية لثقافة الاسرة او المحيط.

نحن نبحر في عالم الطفولة الوديع/ الصاخب الملئ بالاحداث ومن خلال ابحارنا سنقف عند هذه الاسئلة:

- هل تعرضت بطفولتك لتشرذم الهوية لان الظروف اضطرتك لان تعيش هنا اوهناك مع الاهل تارة ومع الاقارب اخرى مع الجار يوما ومع الصديق آخر تبعا لظروف الحياة التي اضطرتك لتعدد الولاءات!

- هل تعرضت للتعنيف الجسدي والمعنوي في سن مبكرة وترك ذلك التعنيف وشوما وشروخا في نفسك!

- هل تعرضت للامبالاة والاهمال من قبل الوالدين لسبب اولاخر!

- هل كنت تشمئز من تصرف معين ولاتستطيع مواجهته!

- هل كنت موضع سخرية وتنابز بالالقاب من قبل الاخرين!

- هل جربت الوحدة والانعزال وكنت وحيدا راغبا اوراهبا!

- هل نشات في اسرة مفككة وعانيت ماعانيت من المشاكل الابوية التي لاتنتهي وتمنيت ان تحيا واو ليوم واحد بهدوء!

- هل كتمت فرحك من اجل ارضاء الاخرين، بل الاقسى هل كتمت حزنك وفضحتك دموعك، وكيف تتمكن من كتما ن دموعك! وذلك الاقسى من اي مشاعر!!

- هل تمنيت الصراخ باعلى صوتك للتعبير عن حالة نفسية اعترتك!

- هل اضطررت للاعتذار عن خطأ لم ترتكبه، بل وحملت وزرا لم تقترفه!

- هل رغبت بتكسير الاشياء لتنفس عن غضبك!

- هل كرهت نفسك يوما لسبب اولاخر!

- هل عشت مع زوج ام عنيف او زوجة اب قاسية!

- هل راودتك فكرة الهروب من المنزل بسبب الانتهاكات النفسية

التي تتعرض لها!

- هل تعرضت للتفرقة الاسرية بين الاخوة تحت اي بند وبقيت تلك التفرقة تنغص عليك!

- هل نلت حظك من السعادة ام انتزعت منك عنوة لسبب اولاخر!

- هل ساورتك فكرة الانتقام من احد الوالدين او اي فرد من افراد الاسرة او صديق اومعلم المدرسة بعد تعرضك للازدراء!

- هل استمعت لبكاء طفلك ونحيبه، ام انك ايضا اضطهدته وساهمت في قمعه!

- هل لازلت تقتني الالعاب والدمى واي مقتنيات لم تحصل عليها في حينها مبررا لنفسك وللاخرين اي تبريرمقنع!

هذه الامور وغيرها كل واحد منا مر بها اوباحدها فانعكست سلبا على حياته وتسببت بايلام طفلنا الداخلي الذي عانى ماعانى بسبب اضطهاد الاخرين له وبسبب مشاركتنا نحن ايضا باضطهاده وقمعه لسبب اولاخر وذلك هو التعسف الذاتي.

فاذا كنت ممن عانى من هذه الامور اوجزء منها او واحدة على الاقل لازالت تقظ مضجعك وتؤلمك فان لديك مشكلة مع طفلك الداخلي.

ان الاجحاف بحق الطفل الداخلي هو التعسف الذي نمارسه مع ذواتنا من دون شعور وينتج عن ذلك القمع مشاكلا وامراضا نفسية لاحصر لها تساهم في هدم او كسر الشخصية مهما كبرت ومهما حصدت من نجاحات فسيبقى شئ ما ينغص عليها متعة الحياة.

واذا نظرنا واقعيا الى اعراض اصابة الطفل الداخلي او الطفل الداخلي المجروح ان صح التعبير سنجد الاتي:

- الشعور الدائم بخلل ما او نقص ما ان صح التعبير ولكل شخصية نقص محدد تعاني منه تبعا لالية الحرمان التي تعرضت له.

- الشعور بالاختلاف مع الاخرين الامر الذي يتسبب بانخفاض الهوية او الشعور بالدونية ان صح التعبير.

- الشعور بان الحياة عبارة عن دوامة كبيرة والتعثر للوصول الى بداية السلم مع كثرة التشويش الذي يؤدي الى الاحباط.

- صعوبة التخلص من العلاقات المسيئة والسامة.

- الانتقاد الذاتي الجائر او "جلد الذات"بمعنى اصح مع الشعور بضعف الاداء.

- الخجل الدائم الذي يؤدي الى ضياع الكثير من الفرص والقرارات المهمة .

- صعوبة المواجهة خصوصا مع المتنمرين والذين يصطادون بالماء العكر.

- الانقياد القسري الذي يتولاه اي شريك اوقريب او صديق بل يتعدى الامر الى ان يكون الانسان منقادا لابنه ومستغلا بصورة مرضية وسهولة الانقياد مرض نفسي يسببه الاضطهاد والقمع في الطفولة.

- صعوبة ادارة المواقف وصعوبة الخوض في حوارات ومناقشات لابسبب الجهل بل بسبب التردد والخوف من المواجهة.

فهل فكرت يوما ايها القارئ الكريم كيف تربت على كتفي طفلك الداخلي وتضمد جراحه وتنقذه مما هو فيه!

ان كنت فكرت بذلك فانك على الطريق الصحيح وقد اتخذت اولى خطواتك في سبيل العلاج الذاتي .

ولانك انت المسؤول الاول عن طفلك الذي لازال يقودك بكل عقده التي باتت حملا ثقيلا عليك، فهل جربت الوصول الى مرحلة الفطام منه !وانه اصبح ناضجا بما فيه الكفاية لترويضه واحتواءه وتهدئته ومحاولة ايجاد اجوبة لكل الاسئلة التي كانت تشغله والتي نغصت عليكما متعة الحياة.

ولنقف على بعض الخطوات التي نتمكن من خلالها من علاج الطفل الداخلي والتي تتمثل بما ياتي:

- الاعتراف اولا بوجود الطفل الداخلي كجزء لايتجزء من الشخصية والسعي للوصول الى مرحلة البلوغ.

- العودة الى ذكريات الطفولة لاعادة استكشاف الاشياء التي كانت تمنحك السعادة والطمانينة وكذلك الاشياء المؤلمة والتي تجعلك حزينا، هذا التقييم من شانه ان يعيد اكتشاف الامور ووضعها في نصابها الحقيقي والتي بقيت عالقة متارجحة بين الطفولة والبلوغ.

- اشباع الرغبات على المستوى المادي والمعنوي لعلاج الحرمان الذي لازال ينغص عليك الحياة.

- تحديد انماط التخريب والهدم الذاتي كالغضب والانفعالات والابتزاز العاطفي والخوف والانطواء والتعامل معها عن طريق ضخ مفردات مغايرة.

- انت بحاجة لشخص مخلص تعتمد عليه ليخلصك من تلك الرواسب وهذاالشخص لابد ان يكون انت ولاباس من استشارة طبيب نفسي ان لزم الامر.

- انقاذ طفلك يترتب عليه ان تتصالح معه اولا وتحتويه لتستطيع ملأ الفراغ العاطفي الذي يعاني منه كلاكما، عن طريق تقمص دور الاب، اي ان تكون أبا لنفسك!

- خصص مكانا هادئا للاعتناء بنفسك حيث يمكنك ان تتواصل مع طفلك الداخلي بصوت محب وهادئ، اخبره انك تحبه وانه مهماً جدا عندك ومقدرا من قبل الاخرين.

- أعد الثقة اليه عن طريق التودد اليه واخباره بان عليه التوقف عن دفع "الديّة" عن اخطاء عفا عنها الزمن وبانه ليس مدينا لاحد باي شئ فوق طاقته.

- عليك اقناعه بانه كان في مكان لايصلح له وهو الان بغير مكان وهو كبيرا بما يكفي لحماية نفسه من اي موقف غير لائق، وهوالان يستطيع ان يقول "لا"بملئ فيهِ وتلك هي الانا الصحية التي يجب ان يتحلى بها.

ان محاولة طمس معالم الصورة الطفولية من شخصيتنا هي محاولة يائسة للاصرار على محو سمات –الطفل الداخلي- لانه حاضرا وواع بما يكفي موجودا وبقوة في العقل اللاواعي ويؤثر بقوة على العقل الواعي من خلال التصرفات والسلوكيات وانماط الحياة وان اي محاولة لاسكاته هي محاولة لذر الملح على الجرح، بل ان التواصل معه والتحدث اليه كطفل حقيقي باحترام ومحبة والسعي لعلاجه هو السبيل الوحيد للتصالح معه وهو اولى الخطوات للتصالح مع الذات.

واخيرا اقول:

كنت أصمت لتسير حياتي كما يشاء الاخرين، ليتني أفصحت عما بداخلي ولو مرة واحدة!!

 

مريم لطفي

 

علي المؤمنتؤثر البنية السيكولوجية للشخصية تلقائياً في قراراتها، أياً كان موقعها، وأنّ تكوينها النفسي والأُسري والاجتماعي يؤثر تأثيراً مباشراً في هذه القرارات. وتزداد حساسية التكوين السيكولوجي وخطورته لدى الفقيه أكثر من غيره من الشخصيات العامة؛ لأنّها تتحول تلقائياً إلى مساهم في صناعة الخطاب الديني، سواء في الفتاوى أو في أحكام الحسبة والشأن السياسي؛ أي أنّ ذاتيات الفقيه تؤثر تأثيراً مباشراً في إنشاء قرار الفتوى قبل النظر في الأدلة الشرعية، وتحديداً في قضايا الشأن العام، ثم يسخِّر الفقيه الأدلة الشرعية لتسويغ فتواه أو رؤيته الشجاعة أو الجبانة أو الحكيمة أو الجريئة أو المحافظة. والخطورة هنا تكمن في أنّ نوازع الفقيه الذاتية ستتحول عبر الفتوى والحكم الشرعي إلى خطاب شرعي، أي إلى دين، بينما تتضاءل هذه الخطورة في قرار الزعيم السياسي، والقائد العسكري والوجيه الاجتماعي.

وعناصر التكوين السايكولوجي والسوسيولوجي للفقيه لا يتم استحضارها وصناعتها؛ بل هي حاضرة ومؤثرة تلقائياً. أي أنّ الفقيه خلال عملية الاستنباط واتخاذ القرار يتأثر تلقائياً بسمات شخصيته؛ لأنّها جزء أساس من تكوينه النفسي وأساليب تفكيره وميولاته الذاتية.

وهناك مداخل علمية كثيرة يمكن من خلالها دراسة العناصر الخارجية المؤثرة في إنشاء الفقيه للفتوى والحكم الشرعي، أهمها علم نفس الشخصية (1). وليس المقصود هنا مصادر الاستنباط وأدلته وعناصره الداخلية، وليست الموضوعات أو عناصر تشخيصها؛ بل العناصر التي تساهم في التوجيه النفسي للفقيه خلال عملية الاستنباط أو اتخاذ القرار العام، والتي تشكل «شخصية الفقيه». وأهم ثلاثة عناصر مكونة لهذه الشخصية:

1ـ التكوين النفسي للفقيه، والذي تصنعه صفاته الوراثية البيولوجية وتربيته الأسرية.

2ـ التكوين الاجتماعي للفقيه، والذي تصنعه بيئته الاجتماعية وزمانه ومكانه.

3ـ القبليات المعرفية الأساسية، والتي تعبر عن النزعات الإدراكية الذاتية.

وفي شخصية الفقيه تتمظهر السمات الخاصة التي تميز كل فقيه عن غيره من الفقهاء، وانعكاس هذا التميز على فتوى كل منهم، أو بكلمة أُخرى: الصفات والاتجاهات والميول والمهارات والخبرات والاستجابات الثابتة في الشخصية، وأخلاقها وسلوكها الخارجي ومزاجها، والمؤثرات النفسية والعاطفية والوجدانية في أساليب تفكيرها (2)، والتي تساهم بمجموعها في توجيه الفقيه ذاتياً نحو مضمون الخطاب الشرعي والقرار الاجتماعي والسياسي.

كما ينعكس تغير الزمان والمكان على وعي الفقيه بالموضوع، ويستتبع ذلك تغييراً في فتواه حيال الموضوع نفسه. أي أنّ تغير وعي الفقيه بالموضوع من خلال تغير الزمان والمكان سيؤدي إلى تغيير الفتوى والحكم الشرعي لزاماً، وهو ما يمكن تسميته بـ «بيئة الفتوى» أو «ظرف الفتوى».

وأهم فروع علم النفس التي تدرس تأثير العناصر المكونة لشخصية الفقيه: علم نفس الشخصية وعلم النفس التربوي وعلم النفس المعرفي أو الإدراكي. كما يدرس علم الاجتماع التكوين الاجتماعي للشخصية وتأثير سماتها الاجتماعية على قراراتها وميولها (3). ومن المخرجات الموضوعية لهذه المداخل العلمية، ما يمكن أن نصطلح عليه «ذاتيات الفقيه»، أو «سيكولوجيا الفقيه» و«سوسيولوجيا الفتوى»، أو «علم نفس الفقيه» و«علم اجتماع الفتوى». أما موضوعنا هنا فينحصر في مدخلية علم النفس، أو ما أصطلحنا عليه «سيكولوجيا الفقيه».

فحين يبلغ الإنسان مرحلة الشباب تكون شخصيته قد اكتملت تقريباً من الناحية النفسية والتربوية والاجتماعية. أي أنّ الشخص الذي يدخل الحوزة بعد سن الثامنة عشرة؛ فإنّه يكون حاملاً لسمات شخصيته النهائية تقريباً. لذلك؛ لا يمكن تغيير البنية النفسية للشخصية وسماتها الأساسية داخل الحوزة من جديد، إلّا بالحدود الدنيا. أي أنّ طالب الحوزة العلمية لا يختلف عن أي إنسان آخر في توصيفات سمات الشخصية وأساليب تكوينها وتمظهراتها. فمن الممكن أن يكون الطالب الحوزوي قوي الشخصية أو يكون ضعيف الشخصية أساساً، وقد يتمتع بشخصية جاذبة آسرة أو شخصية منفِّرة طاردة، وقد يكون فعالاً منظماً أو لا مبالياً، منفتحاً حيوياً أو انطوائياً منعزلاً متحفظاً، حساساً قلقاً أو مطمئناً واثقاً، نبيهاً فطناً أو بسيط التفكير ساذجاً، حكيماً عاقلاً متزناً كيساً أو أرعناً أحمقاً متسرعاً، كريماً جواداً أو بخيلاً، شجاعاً جريئاً أو جباناً متردداً، مديراً مدبِّراً ذا نزوع قيادي أو فاقداً لملكة التدبير والإدارة والقيادة، يتمتع بالوعي العام والذكاء الاجتماعي أو غبياً اجتماعياً، حسوداً حقوداً لئيماً فضاً غليظاً أو طيب القلب كريم النفس جميل الأخلاق، مستبداً برأيه ومتعصباً أو يؤمن بالمشورة ومتسامحاً، حسن الظن بالآخرين أو شكاكاً سيء الظن، معافى من أي مرض نفسي أو يعاني من التوتر والعُصَاب والكآبة وغيرها.

هذه الملكات والمهارات والخصوصيات الشخصية والنفسية للإنسان، لا علاقة لها بالموقع الاجتماعي والسياسي أو القدرة المالية أو المستوى العلمي، ولا يمكن للموقع، أياً كان، أن يعيد تركيب الملكات الشخصية والنفسية، إلّا ما ندر، فقد يبلغ الإنسان أعلى مراتب العلم والمعرفة، لكنه لا يتمتع بالوعي والذكاء الاجتماعي، ولا يكون كريماً، ولا شجاعاً، ولا حكيماً، ولا يمتلك القدرة على الإدارة والتدبير والزعامة، ولا يكون قوي الشخصية.

وتزداد أهمية هذه الملكات ومدخليتها وخطورتها، كلما اقترب الشخص من المناصب ذات العلاقة بالشأن العام، كمنصب رئيس الدولة أو الزعيم الديني والسياسي والحزبي والاجتماعي. وبالتالي، تنعكس الملكات الشخصية على أحكامه وقراراته وسلوكه، وتجعل من نجاحه نجاحاً للجميع، ومن فشله انتكاسة للجميع.

ويدخل موقع الفقيه، وتحديداً الفقيه المتصدّي والولي الفقيه والمرجع الأعلى ضمن هذه المواقع التي تلعب الملكات الشخصية والتكوين النفسي لمن يشغلها، دوراً أساسياً في صناعة الواقع العام؛ لأنّ المرجع ليس مجرد مفتي يقدم الحلول الشرعية النظرية المحضة للأفراد في مجال العبادات والعقود والإيقاعات والمعاملات؛ بل هو زعيم ديني اجتماعي، يمتلك الولاية على الحسبة العامة والنظام المجتمعي.

وينعكس التكوين الشخصي والنفسي للفقيه ـ بشكل وآخر ـ على مسارات توصله إلى الفتوى والحكم الشرعي والقرار ذي العلاقة بالشأن العام. ولا نقول إنّه العنصر الأساس؛ بل هو أحد العناصر الدافعة باتجاه مضمون الفتوى والحكم الشرعي. ولهذه الفتوى أو الحكم أو القرار ـ كما أسلفنا ـ علاقة مباشرة بمصير مجموع المكلفين وأعراضهم ودمائهم وأموالهم؛ بل بمصير الأُمّة. أي أنّ خطورة سايكولوجيا الفقيه تتكرّس في القرارات ذات العلاقة بقضايا الأُمّة والمجتمعات الشيعية في مختلف البلدان وأُمور الحسبة العامة، كأساليب مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، والتعامل مع التحديات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والمعيشية وغيرها. أما انعكاساتها على جوانب العبادات والمعاملات الفردية وعموم الشؤون الشخصية للمكلفين؛ فإنّه ليس بالأمر المهم أو المصيري.

 ولا يقتصر تأثير سمات شخصية الفقيه وسيكولوجيته على الفتوى وتسخير الأدلة الشرعية لتوجيه مسار استنباط الفتوى وتسويغ قرار الفتوى السابق على النظر في الأدلة وحسب؛ بل يمتد التأثير إلى ميزان عدالة الفقيه وتقواه أيضاً؛ إذ إنّ سيكولوجيا الفقيه وسمات شخصيته هما اللتان تفرزان تلقائيا مستوى العدالة والتقوى، وحجم القدرة الإدارية والقيادية، ومستوى الوعي والحكمة والكاريزما. ومن الصعوبة اجتماع ملكة العدالة مع صفات مثل الجبن والاستبداد وضيق الصدر والبخل والحسد والتعصب والتهور، أو التسامح المفرط والسذاجة وقلة التدبير وضعف الشخصية؛ إذ تكون العدالة في هذه الحالة مجرد مفهوم فضفاض لا يكبح جماح التأثيرات النفسية والشخصية للفقيه وانعكاساتها على عدالة الفتوى. وبالتالي؛ فإنّ الفقاهة والأعلمية لا تخلقان عند الفقيه ملكة التقوى ولا نزعة العدالة، كما أنّ الأعلمية والتقوى لا تخلقان عنده قوة الشخصية وحسن الإدارة والتدبير والحكمة.

أمّا إذا كان الفقيه شجاعاً مجبولاً بشكل ذاتي على مجابهة التحديات العامة؛ فإنّ تعاطيه مع القواعد والأدلة الشرعية، يتجه ـ عادة ـ نحو إنتاج فتوى شجاعة؛ أي أنّه يكون ميالاً تلقائياً وفي عقله الباطن نحو الأدلة التي تنتج هذا اللون من الفتوى؛ فيسخِّرها في خدمة الفتوى التي يستبطنها عقله الباطن، وإذا اتصف الفقيه بالحكمة ورجاحة العقل والاتزان؛ أُضيفت إلى الفتوى الشجاعة جرعات أساسية من الحكمة والعقلانية والتوازن، وإذا كان هذا الفقيه يتمتع أيضاً بالوعي الدقيق بالمحيط الاجتماعي وبالفهم العميق بالوضع العام والقدرة على تشخيص المصالح والمفاسد؛ فستكون الفتوى الشجاعة الحكيمة مستوعبةً لمصالح المذهب والمجتمع والبلاد بدقة، وإذا كان الفقيه المتصدّي يتمتع بكل تلك الصفات، إضافة إلى صفة التدبير والقيادة؛ فستتحول الفتوى الشجاعة الحكيمة الواعية المستوعبة للمصلحة العامة إلى خارطة طريق عملية يشرف المرجع الديني على حسن تنفيذها. وتصل الفتوى في الشأن العام إلى ذروة تمتعها بعناصر الصحة والانطباق مع مقاصد الشريعة ومصالح الناس، عندما يكون الفقيه مؤمناً باستشارة أهل الاختصاص الحقيقيين في موضوع الفتوى.

 

د. علي المؤمن

......................

الإحالات

(1) أُنظر: لورانس أ برافين، «علم الشخصية». د. حلمي المليجي، «علم نفس الشخصية». كامل محمد عويضة، «علم نفس الشخصية».

(2) المصادر السابقة.

(3) أُنظر: انتوني غدنز، «علم الاجتماع»، ترجمة د. فايز الصباغ. محمد حامد يوسف، «علم الاجتماع: النشأة والمجالات». د. عبدالباسط عبدالمعطي، «اتجاهات نظرية في علم الاجتماع»، ميشيل مان، «موسوعة العلوم الاجتماعية»، ترجمة: عادل الهواري وسعد مصلوح.

 

 

عبد الجبار العبيديهناك دين واحد عند الله هو الاسلام لكل الناس دون تفريق (الدين عند الله الاسلام آل عمران (19) بدأ بنوح (ع) وتنامى متطورا ومتراكماً على يد النذر والنبوات والرسالات، الى ان أختتم بمحمد (ص) لقول الحق: (أنا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوحٍ والنبيين من بعده.. النساء 163). وهو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو منظومة المثل العليا، وهو العروة الوثقى، وهو السراط المستقيم (وان هذا صراطي مستقيماً فلا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، الانعام 153).. ألم تكن المذاهب الفقهية المستحدثة من النص والمختلفة في لرأي والتطبيق سبلا للتفريق بين المسلمين.. ؟ ان انتصار التفسير الفقهي المخترع للنص يستتبع رفض مفهوم التاريخ، لذا كان اختراعه أجتهاديا وفردياً لمصلحة السلطة لا الدين حين أبعد التآويل الحقيقي لمعنى النص الآلهي فأحدث التفرقة المذهبية بين المِلل. حتى اصبح الاسلام موضع جدل اليوم من قبل حتى المسلمين أانفسهم.. ولكن.. ماذا بعد؟

الاسلام فطرة، والأيمان تكليف، الاسلام يتقدم على الايمان (ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحزاب، آية 35)، أذ لا أيمان دون أسلام يسبقه ويأتي قبله. المسلمون هم معظم أهل الارض، أما المؤمنون فهم أتباع محمد (ص). فأبراهيم (ع) أبو المسلمين ومحمد أبو المؤمنين، يقول الحق: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، الأنعام 79). لذا فان التآويل ما هو الا اداة تحضير للأنعتاق من الوهم وأحلال المعرفة الحقيقية في تطبيق الشريعة والألتزام بما ورد فيها معرفياً لتحقيق الأنعتاق.

من هذا التوجه العلمي الصحيح نستطيع ان نفهم مفهوم النص الديني كممارسة اخلاقية وليست أوامر مرجعية، أما مفهوم التدين فهو نظريات شخصية ليكون التدين طاعة وعدل وحقوق وليس مظهرية.. ويبقى مفهوم الدين كسلطة تراقب التنفيذ.. هنا نستطيع ان نفهم الفرق بين تعاليم الاسلام وتكاليف الأيمان، بدلالة الفرق بين الكتاب والفريضة، والموعظة، فالكتاب يحمل معاني الموت والحياة والارزاق والاعمال اي رسائل ضمن آيات المصحف وليس كل المصحف.. بينما الفريضة تعني معنى العطاء والمنح، كقوله تعالى: "فأتوهن أجورهن فريضة، 24 من سورة النساء، والفريضة كانت مخرجاً من مأزق يقع فيه الانسان بعد فعلٍ أقسم ان لا يفعله، ثم قام بفعله وكانت الاية ": يا أيها النبي لمَ تُحرم ما أحل الله لك.. "التحريم أية (1) حلا لها. فالنص القرآني ليس نصا ادبيا يمكن التلاعب فيه كما تلاعب فيه فلاسفة المذاهب.. وكيفما أتفق.

أما الموعظة، فهي التخويف والانذار، وهي التذكير بالخير وما يرق له القلب يقول الحق: "أدعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.. . أنظر الاية (125) من سورة النحل". لذا فالموعظة جاءت شمولية لحلول كثيرة، يقول الحق: وأذ قال لقمان لأبنه وهويعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم، الاية (13) سورة لقمان) وهذا هو الحل الأمثل للمعضلة لكنها غير ملزمة، بينما هناك الوصية الملزمة يقول الحق: " "كتب عليكم اذا حضرَ احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين البقرة 180" والتي كانت حلا واضحا وعادلا لما ترتب عليها فهم جديد لقوانين الارث وأنصبته العديدة. فهل فهم المسلمون ما أنزل عليهم أمرأ وتطبيقاً، أم أتخذوه قراءةً وتجويداً. ، اعتقد ان الراي الثاني هو الذي فهموه.. لذا وقعنا في المعضلة التي لا حل لها الا الاعتراف بحقيقتها.. ولكن كيف.. ؟ بالقواعد.. المنصوصة وليس بأجتهادات فردية تسعف السلطان..

من هذه القواعد، دلالة الفرق بين العباد والعبيد، فالعباد هم العصاة والمطيعين الرافضين والخاضعين على حد سواء للنص الديني، يقول الحق: " قال الذين أستكبروا انا كلُ فيها ان الله قد حكمَ بين العبادغافر 48" أي حكم بقواعد العدل. اما العبيد، فالعبد هو عبد الله وهو الانسان المخير في الطاعة والمعصية "وما خلقتُ الجن والآنس الا ليعبدون: الذاريات 56". لذا تبقى العبادات أختيارية لكنها ملزمة بالقواعد.

لقد انتهى الباحثون في الشريعة الاسلامية الى ان التنزيل الحكيم لم يعترف بالرق أطلاقاً ولم يُجزه، وان أختلفت الاراء في التقييم، كوضع قائم موجود.. وأن ملك اليمين لا يعني الرق البتة لأنه حالة جديدة متأخرة بدأت منذ العصر الأنبياء.. ولم يعطى له تآويلاً الى اليوم وأنما تحذيرا لأنهائه لمتطلبات أنسانية الأنسان.. والبحث فيهما يطول. فأين الفقهاء من هذه المصطلحات القرآنية؟ لمَ لم يتطرقوا اليها.. لأنهم لم يفهموها ولم يعرفوا تاريخها وتآويلها وحتى تفسيرها لكنهم أجتهدوا في أذلال المرأة وتعدد الزيجات لأرتباطهم بالجنس.. فظلت ترد عندهم على الحدس والتخمين والتجهيل.

أما العلاقة بين الله والناس علاقة عبادية حرة، وليست علاقة عبودية أستبدادية كما يعتقدون خطئاً، لان العبادات تتجلى في كل حقول الحياة. ولا زالت الدراسات الفقهية بعيدة عن اعطاء الحلول الواضحة او التفسير العلمي لحالات الرق والعبودية وملك اليمين والمتهم فيها الاسلام بخرق حقوق الانسان عند الغربيين والعلمانيين، دون تبرير شرعي لها من الفقهاء سوى التحجج بقدسية النص والقبول به وعدم أختراقه، وهذا غير كافٍ للحجة والاقناع.. بل يجب ان نعترف انه ظلم للمرأة يجب وضع تخريج له والااعتبر تجاوزا على الحقوق.

أما تعريفات الكفر والشرك والاجرام والالحاد ما زالت تعريفات مبهمة لم تعرف سوى تعريفاً لغويا أحاديا وترادفياً، لعدم قدرة الفقهاء على ادراك المعنى لذا ظلت ناقصة الحل.. فالاسلام توحيد ومثل أنسانية عليا غير قابل للتسييس، وان محاولة البعض تسييس الاسلام، والبعض الاخر أسلمة السياسة، اضاعوا السياسة والاسلام معاً.. وتتحمل مرجعيات الدين الملفوفة بالغموض وغير المخولة شرعا بالأفتاء كل تبعيات هذا التقصير.. لذا فالقرآن لا يعترف بها ولا يخولهاحق الفتوى على الناس ولا يميزها بلباس معين اضافت عليها الهيبة من اصحابها دون الزام ديني معين.

هنا فالنص بحاجة لوضعه على المشرحة لاستخراج القوانين الملائمة للحل نتيجة التطور الحضاري وتبدل الظرف والزمن وهم لا يؤمنون بصيرورته. فالفقهاء هم الذين لم يفهموه على حقيقته، فأخضعوه لأهوائهم القاصرة.. وليس هوالنص القرآني الصحيح، لذا سيبقى الاسلام متهما في الحل مالم يتوفر له من يقدم الدليل على صحة ما يقول "الحجة بالدليل". وهذا غير ممكن الان لسيطرة التيار الفكري الديني المتزمت على التيار الفكري الحر.. ولأستبعادهم النص"لكم دينكم ولي دين".

ان الذين قبلوا بنظرية الاختيار هم الذين استطاعوا ان يشقوا غبار التاريخ حيث التنفيذ والتطبيق لسيادة عنصر التحكم الفلسفي الصحيح لا الاستبدادي الطوبائي المبهم، لان الفلسفة الواقعية، غالبية معتنقيها تقبل بالرأي والرأي الاخر.. حتى أقتنعوا فدونوا الدساتير التي تعترف بالحقوق وبقينا نحن الى الوراء در.. ؟

وحين نزلت شرائع السماء التي بدأت بنوح كانت شرائع لتنظيم حياة البشر وتحقيق الحقوق والواجبات بينهم، يقول الحق: (انا ارسلنا نوحاً الى قومه ان أنذر قومك قبل ان ياتيهم عذاب اليم، نوح 1) والانذار هنا الارشاد والتوعية، والعذاب الاليم العقاب نتيجة ممارسة الخطأ. لكن دعاء نوح لم يزدهم الا اصرارا على الخطأ والاعوجاج لعدم تمكنهم من استيعاب حركة الاصلاح والتغييرلجهلهم بمفاهيم الحياة والقيم العليا وتغير الظروف، حتى قال القرآن على لسان نوح: (فلم يزدهم دعائي الا فرارا، نوح6). وهكذا تواردت شرائع السماء ل24 نبياً ورسولا كما أكد لنا القرآن الكريم.. فكانت الخاتمة بثلاثة منهم هم موسى وعيسى ومحمد كل واحد منهم يكمل الاخرولا فرق بينهم بالمطلق سوى فترة الزمن البعيد وأنتهاء النبوة.. حين حملوا للبشرية مجموعة القيم الانسانية التي تولدت منها قوانين البشرالصالحة للتطبيق.. لكن العداء والتخاصم ظل قائما بين تابعيهم.. لماذا.. ؟ لأدعاء البعض بالتفضيل..

ان من الخطأ ان نسمي الناس من نوح الى محمد بالكافرين، انهم كلهم من المسلمين بدلالة الاية الكريمة (ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات... أعد الله لهم مغفرة وأجرأ عظيماً، الاحزاب 35). من هذه الاية نفهم أمرين، الاول ان المسلمين والمسلمات شيء والمؤمنين والمؤمنات شيء اخر، لذا فأن الاسلام يتقدم على الايمان ويسبقه في تنفيذ الشريعة الربانية. اي منذ مجيء آدم وبداية التجريد الانساني، حيث بدا الايمان يرافق الاسلام خدمة في التطبيق، والالزام بضرورة عدم التجاوز على النص.

لقد اقامت كتب الاصول والادبيات الاسلامية اركاناً خمسة للاسلام الشهادة والصلاة والزكاة والصوم وحج البيت من استطاع اليه سبيلا. هي اركان مبتكرة منهم اي من الفقهاء وليست من الاسلام، فوقعوا في الخطأ مثلما وقع الماركسين بنفس الخطأ، . فالاسلام مفتوح الاركان وليس محصورا بخمسة فقط، فأركانه كثيره، هي التوحيد والتصديق برسالة محمد والاخلاق والمساواة والوفاء بالعهود والقسم والشورى والجهاد في سبيل تحقيق مفاهيم العدالة في التطبيق.. وليس فتوح بلدان الاخرين بالقوة والأكره وسلبهم وما يملكون كما صوروها لنا خطئأً، "فلا أكراه في الدين". ، لذا حين حصروها بالخمسة اماتوا ما جاء فيها من تطبيق ليسود الحاكم ورجل الدين ومن هنا بدا الاستغلال بالقانون الديني العظيم حتى جعلوه سرابا لا يفهم منه الا الحدس والتخمين وما هم فيه راغبون.. فكل ما يطبقوه اليوم يجانبه الصواب.

ان الاسلام فطرة، والفطرة تعني الايحاء الفكري للبشرجميعاً بضرورة التدبر في الحياة بالتعاون الجماعي وتطبيق العدالة لتسود المجتمعات الامن والامان والاطمئنان على النفس والمال والعرض، هنا الفطرة احتاجت الى رسالة سماوية لافهامها للناس بكل حرية، ولم يعطِ الله لرجال الدين صلاحية التصرف بالبشر كما نلاحظه اليوم حتى اماتوا الدين والبشر معاً. فالاسلام لا يعطيهم حق الافضلية، ولا يمنحهم حق الجهاد القتالي المنوع كما يدعون.. جهاد كفائي وجهاد فرض عين.. وانما الواجب الاسلامي الاساس العدل المطلق في التكليف الجهادي في حالة الاعتداء على المسلمين.. والنصوص واضحة في ذلك لا تحتاج الى برهان.

كما شرع الاسلام كخلاصة للشرائع التي سبقته باعتبار خاتمة الاديان بالعمل الصالح والاحسان بين الناس واماتة الاستغلال والتصرف الكيفي في حقوق الناس يقول الحق: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي آوحينا اليك وما وصينا به أبراهيم وموسى وعيسى ان أقيموا الدين ولا تتفرقوا.. ، أنظر الاية 13 من سورة الشورى) فأين نحن اليوم من هذا النص المكين.

علينا ان نعترف ان بعض آيات القرآن متشابهة من قوانين الحضارات السابقة مثل: "العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص"، التي وضعها قانون حمورابي والتي جاءت على سبيل العضة والاعتبار" أنظر القانون في باب الحقوق الأنسانية نسخة متحف اللوفر الفرنسية. لذا جاءت الآيات الحدية القرآنية الأمرية الملزمة وخاصة في الحقوق والواجبات لتطبيق مبدأ العدل المطلق التي غفل عنها الحاكم المسلم.. وبين الحدودية في واجبية التنفيذ التي تمثل القدرة والاستطاعة كما في قوله: ".. ومن يرتد عن دينه فيمت وهو كافر.. البقرة 216) ولم يقل يقتل كما يدعي الفقه الاسلامي اليوم.

أما آيات النصح والارشاد والترغيب "كتب ربكم على نفسه الرحمة.. قال "عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون..، الاعراف 156)، تقديرا منه تعالى لمن يستحق الرحمة او العذاب.

ومالم تغير المناهج الدراسية التي كتبها المتطرفون سنبقى في جهل مطبق من شرائع السماء الثلاث.. ولكن من يغيرها والمصالح الشخصية قائمة حتى في مؤسسة الدين.

كلها قوانين ربانية لم يحسن الفقهاء شرحها للناس وفرز ما هو واجب ملزم وما هو حث على التنفيذ، فأضاعوا القيم الالهية بعد ان دمجوا الغث بالسمين من اجل مصلحة الحاكم ومصالحهم حين كونوا لانفسهم هالة دينية مقدسة لا تخترق الا بالقانون، والقرأن يرفض التقديس يقول الحق: "ان الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم الا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، (البقرة 174). وهم في الاصل تجاوزوا على التشريع.. فمن اين جاؤا بالتقديس لانفسهم.. كما يقولون "قدس سره".. فأي اسرار هذا يملكها العاجز عن التأويل.. ؟.

فأين المرجعيات من معالجة مسألة التبني وملك اليمن سوى كلمة (حرام) التي تتصدر كل فكر ظلامي منغلق، فالتبني عملية انسانية ليس فيها ضيرأ شرط ان يتم التبني قبل سن الفصال اي قبل دخول الطفل دائرة الوعي لتحقيق الحرمة ويكتمل مفهوم رضا الوالدين، وخاصة التبني اللقطاء المحرومين من العطف الابوي او اليتامى في الحروب والنوازل او ابناء الارامل، كلها جوانب انسانية يجب البت بها ورفع كلمة حرام من قاموس العمل الانساني الرفيع. اما غيرنا من المستشرقين فقد أسهبوا في الصح والخطأ حتى كونوا لنا دائرة معارف فكرية في هذا المجال مطروحة للمناقشة والحوار، فلماذا نحن بعيدون؟.

هنا نحتاج لحاكم متفتح جريءيؤمن ويقول وينفذ، وهذا الحاكم الجريء لم يظهر فينا الى اليوم. بينما هم وجد عندهم هذا الحاكم ا المنفتح والمنفذ لكل رأي صحيح.

فما هو الاصلح ان نترك الايتام يتسكعون في الشوارع لبيع الاوراق الورقية وبلا تعليم.. تستغلهم جماعات العفن واللاأخلقية والفساد ودور المواخير التي تتلقفهم الجريمة ام نأواهم لنصلحهم لانفسم والاخرين والحاكم وأولاده في أعلى عليين أم أصلاحهم؟.. واليوم نحن نملك الالاف الذي قذف بهم الزمن في آتون الخطأ ولا يدرون ما يفعلون، لكننا شطار في ترديد كلمة (خطية).. وسرقة أموالهم.. هذا هو اسلامهم الذي يريدونا ان نؤمن به دون أعتراض من يقين..

هناك امورا كثيرة بحاجة الى تعريف كالفريضة والوصية والموعظة والذنب والسيئة والعبد والعبيد والمواثيق وقوانين الزواج والطلاق وضرورة ايجاد فقه موحد عند المسلمين وترك خرافة المذهبية والتفريق في الاراء والمعتقدات والمحاكم الشرعية المختلفة في النص والآوقاف المتشعبة التي ما وجدت الا لأستغلال اموال المواطنين كما هي اليوم في عراق الجريمة والتفرقة واللاقانون. لكننا شطار في الفتاوى والتخريف.

واخيرا نقول ان الاسلام دين عالمي انساني لقوله تعالى (فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام، الانعام 125). اما رفض المثل العليا وعم تطبيقها بالحق والعدل تطبق عليه الاية (ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا كانما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، تتمة الاية السابقة). وهنا منتهى حرية الرأي والعمل دون أكراه لكن اكثرهم لا يفقهون.. او قل لا يؤمنون..

نحن بحاجة ماسة الى تصحيح المفاهيم وخاصة ما يتعلق بالعقيدة ونزعها من المحتكرين (في مؤسسة الدين) الذين اماتوا عقولنا وافكارنا وجعلوها مقفلة لا ترى النور، ومن يقرأ ويتمعن يرى ان لادولة اسلامية ولا دولة علمانية، ولا حزب اسلامي، ، بل دولة الحق والقانون. كما في دول التحرر التي يسمونها بالكافرة وهم اليها يحجون ويتوسلون ليقيمون ويستغلون اموال سرقاتهم من دماء فقراء المسلمين.. أعتقاد لا يتوافق والنص الديني القويم.

وهذا هو الاسلام الذي جاء به محمد (ص) ولا من مجيب، ولا مذهب من مذاهبهم الباطلة ادى الامانة التي أقرها دستورالاسلام العتيد المغيب اليوم عمداً، ونحن ندعوا للكشف عنه، وهم الذين يستميتون من اجل عدم تطبيقه أو أظهاره للناس أجمعين، لانه بأظهاره هم ينتهون.. فهل من حاكم عربي مسلم يتبنى نظرية الاسلام الصحيح لينقذه من برائن الطارئين، لمَ لا تكون لنا سابقة المجددين المصلحين.. ام نبقى نتمشدق بما قاله السابقين، أو بخلاف الصادق وابوحنيفة الوهمي.. وندعي نحن من المؤمنين؟ كذبوا كلهم بما جاء بكتب رب العالمين..

نحن مدعوون وملزمون الى وضع منهج جديد في أصول التشريع الاسلامي القائم على البينات المادية واجماع أكثرية الناس، وان حرية التعبير عن الراي وحرية الاختيار، هما أساس الحياة الانسانية في الاسلام. وهذا ليست مِنَة من أحد، بل واجب مقدس ملزم بحدود الايات القرآنية الحدية ملزمة التنفيذ. يقول الحق: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، الفتح 28).

والعاقبة للمتقين.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

نبيل عودةيدعي بعض المثقفين ومدعي الثقافة التفوق في كل ما يطرحونه، والويل لمن يعترض على رؤيتهم أو يطرح ما يعارض تفكيرهم. الموضوع يرتبط برغبة تصل لدرجة الهوس لفرض السيطرة على الآخرين وعلى مجمل الحياة الثقافية، من رؤيتهم النرجسية الواهمة لمكانتهم المميزة في مجتمعاتهم. يظنون أنهم هم أصحاب الرأي الذي لا رأي قبله ولا بعده، هم المشكلون للرأي الاجتماعي العام ولمسيرة الثقافة، هم الناطقون باسم مجموعاتهم السكانية والمعبرون بشكل عام عن تطلعات مجتمعاتهم المستقبلية بكل امتداداتها الإنسانية. المنطق السليم يفترض أن يساند الأدباء بعضهم بعضًا للسير بالأدب ورفع مستواه الإبداعي ليعبر عن تطلعاتنا في الحياة الحرة الكريمة، إن النظرة الدونية للآخرين نمت على قاعدة لا تختلف كثيرا عن الفكر القبلي، حتى لو سمي ذلك الفكر بتنظيم سياسي.

التنظيمات السياسية في ثقافتنا مارست نهجا لا يمكن ربطه بالمفاهيم الإنسانية للثقافة. نمت لدى البعض الأوهام بالتميز وعمقتها، من رؤيتها أن ذلك يقوي مكانتها داخل مجتمعها ويعزز مكانتها في المنافسة على الأصوات الانتخابية. ربما في مرحلة ما كان يمكن تبرير هذا التصرف، لكن مع انتشار الثقافة والوعي وانتشار التعليم وإمكانيات النشر أضحى هذا النهج نهجا سلبيا مثيرا للسخرية، بتمسك البعض بأوهام التميز، وهم بكل تفكيرهم وإبداعهم ما دون المتوسط. هذه الظاهرة تجاهلت العديد من المبدعين، الأمر الذي يوجب إعادة تقييم مسيرتنا الثقافية بالتجرد من ربطها بالتنظيمات السياسية والترويج الإعلامي الذي مارسته. قال أحد القادة السياسيين (وهو بنفس الوقت أديب بارز) في محاضرة له أمام طلاب جامعة: أن الشعراء لدينا هم أربعة (من الواضح انه يعني أربعة شعراء المقاومة من أعضاء حزبه) لم يذكر غيرهم، وعندما سأله أحد الطلاب "ألا يوجد غيرهم؟" قال "بالنسبة لنا لا يوجد سوى هؤلاء الأربعة"!!

المثقفون، الذين تباروا لكسب ود ذلك التنظيم حتى يجعلهم "أدباء مرموقين" (رغم أن بعضهم ما دون المتوسط) بما يوفره لهم من إعلام ووسائل نشر وتوزيع كانت لفترة طويلة مرجعا وحيدا للثقافة العربية داخل إسرائيل، تصرفوا بعقلية لا تختلف عن عقلية القائد السياسي إياه، الذي لا يرى إلا من كان تابعا لحزبه، ويشغل فكره حساب بسيط، مكانته الخاصة، ولتذهب القيم كلها إلى الجحيم. عشنا هذه المرحلة بكل ما تحمله من نرجسيات تركت لنا واقعا ثقافيا وسياسيا فاسدا. ادعوا أنهم أصحاب المعرفة الأبرز والإبداع الأرقى ويجب تقييم كل "خربشاتهم" بصفتها أفضل ما يمكن أن ينتجه المرء من ثقافة أو مواقف فكرية، وكل مثقف لا ينتمي لتيارهم، أو ينتقده، توجب مقاطعته وتجاهله وشطبه من الثقافة، هذا مع الأسف ساد ثقافتنا في مرحلة تاريخية مبكرة من تطورها وآثاره السلبية تشكل اليوم حالة شاذة يجب علاجها وشطبها من واقعنا الثقافي. ولا بد أن أشير أني كنت منضويا في نفس التنظيم، عندما كان منارة حقيقة بنيت ثقافتنا على قاعدتها، لكن التطور تجاوز منطقه العتيق، ولم يستوعب ذلك التنظيم التغييرات العميقة في المجال الإعلامي واتساع مساحة النشر،إلى جانب أن إعلامه لم يعد مميزا، بل يتخلف وراء الإعلام الالكتروني العاصف، وطبعا فقدانه السيطرة على الجيل الجديد من المثقفين الأكاديميين، الذين تجاوزوا فكره الذي بات عائقا أمام انفتاحه وتحرره من جموده العقائدي.

لا اكتب ذلك كتقييم، إنما كمثقف عاش تلك المرحلة وكان ناشطا بإطار سياسي لعب دورا مركزيا بفرض رؤيته والترويج لمثقفيه والسيطرة على وسائل النشر والإبراز لأسماء دون غيرها، ليس على قاعدة ثقافية تنويرية، بل حسب مصالح تخدم في النهاية فكر وتنظيم سياسي، مع كل تقييمنا لدوره الايجابي في مرحلة تاريخية ما، إلا انه مع الوقت أضحى عاملا سلبيا مسيئا للواقع الثقافي وتطوره، طبعا التاريخ لا يتوقف عند رغبات البعض لذا بات من الضرورة إعادة تقييم واقعنا الثقافي بعقلانية.

بالطبع هناك مجموعة من المثقفين غير دارجة اسمائهم للأسف الشديد بشكل بارز في ثقافتنا العربية. ربما نتيجة الواقع العربي وعلاقة المثقف مع سلطة تعدُّ عليه حتى أنفاسه. هناك مثقف مختلف نوعياً، وجوده نادر في مجتمعاتنا، يحدثنا عنه الفيلسوف الايطالي انطونيو غرامشي، انه "المثقف العضوي"، أي المرتبط، أو المنغمس بقضايا الجماهير التي كرس نفسه لخدمتها، وليس بإطار حزبي ضيق يحدد متطلباته من مثقفيه. كان لطرح غرامشي فهما حزبيا ضيقا.  المثقف كما طرحه غرامشي على استعداد لدخول السجون، النفي، المعتقلات ولن يتراجع عن إخلاصه لقضية الجماهير التي كرس حياته بقناعة صلبة من أجل خدمتها. ما عدا فئة المثقفين التنويريين، الذين يحملون دمائهم على أكفهم لا نجد داخل ثقافتنا العربية التي عانت وما تزال تعاني نسبيا من حصار ثقافي، هنا وفي العالم العربي، إلا قلة من أمثالهم... واضح أن الكثير من المثقفين يضطرهم الزمن العربي الأسود للهجرة إلى الدول الغربية، حيث يمارسون نشاطهم الثقافي والفكري والنقدي بحرية لا تتوفر لهم في أوطانهم.

إن وضع الحريات للمثقف العربي في تراجع منذ عهد الطهطاوي في منتصف القرن التاسع عشر... وما أحدثته الثورات العربية القومية، لا أجد له انعكاساً اليوم على الساحة الثقافية. بل أجد اختلالاً بالموازين القديمة وتراجعاً شاملاً على المستوى التنويري. من المؤكد أن إلغاء الحريات السياسية في الدول العربية قد أضر بالحالة الثقافية، وخلق مثقفين سلطويين تركوا آثارهم السلبية على مسيرة الثقافة والتنوير العربي.

هل بالصدفة أن الثقافة العربية في المهجر أضحت في طليعة الثقافة العربية؟ وهل من ضرورة لنثبت أن مساحة الحرية والتعددية الثقافية والفكرية وحرية النشر هي القاعدة التي جعلت ثقافة المهجر منارة ثقافية راسخة نحلم أن تنعكس بكل ثرائها في واقعنا الثقافي؟

الأدب هو شكل من أشكال النشاط الجمالي والإبداعي للإنسان، والأهم انه شكل من أشكال الوعي الاجتماعي للواقع الذي يعيشه الإنسان بكل امتداده، معبرا عنه بالتخيل أو بالدمج بين الخيال والواقع. لا أدب خارج المجتمع البشري وخارج الواقع الاجتماعي. لا أدب بدون مجتمع بشري يعي حقوقه ويجعل أدبه جزءا من نضاله التحرري، أو لخدمة قضية صادقة وإنسانية. ولا بد من التأكيد أن للأدب دورا جماليا، فكريا، تربويا، فلسفيا وسياسيا بالغ الأهمية في حياة المجتمعات البشرية وصيرورتها. لذلك تجاهل أسماء مبدعين لا يخدم تطوير ثقافتنا، بل يدخلنا بصراعات مختلفة لا تخدم ثقافتنا، بل تنظيمات نفعية وبعض الانتهازيين!!

 

نبيل عودة

 

علاء اللاميملاحظات ومشاهدات حول الحجاب الديني في فرنسا وغيرها: خضع موضوع الحجاب الديني الذي ترتديه النساء المسلمات المتدينات للكثير من الجدل والمزايدات السياسية والاجتماعية؛ وتحول في بعض البلدان الى ميدان لممارسات وسنِّ قوانين فُسِّر بعضها على أنه يفوح بالتمييز العنصري والديني ضد المسلمين، وهو تفسير لا يخلو من الصحة بكل تأكيد، وقد كتبت عن دلالاته ومغازيه في مناسبات سابقة/ رابطان. ولكي نأخذ فكرة متوازنة وغنية بالتفاصيل والمعطيات عن الموضوع أدرج أدناه بعض الملاحظات الرصدية والمعلومات من مشاهدتي وقراءاتي الشخصية حول الموضوع:

1- لم يكن الحجاب الديني الإسلامي أو العلامات الدينية لجميع الأديان ممنوعة في الدول الغربية إلا منذ بضعة عقود حين نشأت وتصاعدت ظاهرة صعود السلفية الإسلامية بجميع أنواعها. ففي فرنسا مثلا جرى تفعيل قانون قديم صدر في سنة 1905 بهذا الخصوص، وهو قانون يمنع في منطوقه حمل أو ارتداء ما يسمونه العلامات التفاخرية (Signes Ostentatoires) والتي تعني في ما تعني العلامات التي تظهر الأفكار الدينية وتدعو إليها كالملابس الدينية وبعض الأدوات "الأكسسوارات" في المؤسسات الحكومية والتعليمية وفي بعض الأماكن العامة كالمسابح المغطاة وشواطئ البحر. وإذا ما وضعنا جانبا منع ارتداء النقاب الكامل فهو ممنوع في جميع الأحوال والميادين لأسباب بعضها أمني وآخر اجتماعي، فإن القانون المذكور ينطبق على كافة العلامات الدينية لجميع الأديان فحتى اليهود والمسيحيون والهندوس وغيرهم ممنوعون من حمل العلامات الدينية أو الملابس التي تتضمنها مثل الكيبة "القبعة اليهودية الصغيرة على الرأس" والعمامة الهندوسية والصليب المسيحي...إلخ في المؤسسات الرسمية.

في الدول الاسكندنافية والإنكلوساكسونية حيث توجد نسخة معتدلة من العلمانية "اللائكية" لا يوجد تشدد في منع هذه المظاهر الدينية غالبا أما في فرنسا ودول أخرى فإن هناك تقييدا وتشددا في التطبيق في بعض المحافظات واعتدال ومرونة في أخرى، وذلك لأن الدولة - خصوصا الفرنسية - أناطت تطبيق القانون وتفاصيله بالمحافظين ورؤساء البلديات وأحيانا برؤساء وأساتذة الجامعات والمدارس.

2- فعلى سبيل المثال والشهادة، يُمنع على شواطئ فرنسا وفي المسابح المغطاة ارتداء البوركيني هو نوع من مايوه السباحة الذي ترتديه بعض المسلمات المتدينات ويغطي الجسد كله تقريبا عدا الوجه والكفين والقدمين، وتُمنع النساء اللائي يرتدينه من السباحة به وقد شاهدت بعيني قبل عامين تقريبا على شواطئ مدينة مرسيليا أحد المراقبين "المنقذين" ينادي على سيدة ترتدي البوركيني بالخروج من البحر ويذكر لها رقم القانون الخاص بذلك ومبلغ الغرامة في حالة الرفض والتي تبلغ 490 يورو، فخرجت مكسورة ومقهورة!". أما على شواطئ مدينة صغيرة تقع على مسافة تقل عن خمسين كيلو مترا  غرب مرسيليا فقد شاهدت امرأة محجبة ترتدي البوركيني تسبح مع زوجها بشكل طبيعي ولم يتدخل المراقبون ويمنعوها. 

3- في المؤسسات التعليمية من المدارس الابتدائية وحتى الجامعات يمنع ارتداء الحجاب النسوي الإسلامي في فرنسا ولكنه في دول أخرى غير ممنوع وفي دول ثالثة لا يمنع في المدارس الثانوية والابتدائية بل في الجامعات ... والأمر ذاته يقال عن الدوائر والمؤسسات الحكومية.

4- غير أن الأمر في فرنسا ذاتها معقد بعض الشيء حيث شهدت جدالا ونقاشا عاما حول الجامعات وهل هي مؤسسات تعليمية كالمدارس أم لا وانتهى النقاش الى إقرار أنها ليست مؤسسات تعليمية لأن التعليم الإلزامي الرسمي ينتهي في سن 16 عاما، بل هي مؤسسات علمية مستقلة، وعليه فإن قانون "العلامات الافتخارية" لا يشملها. ولكن الدولة التفت على هذا القرار أو الإقرار فأناطت قرار تطبيق القانون برؤساء وأساتذة الجامعات وكان غالبيتهم مع التطبيق والمنع.

5- في المدارس الخاصة الأهلية التي تشكل نسبة 17% من المدارس في فرنسا وبعضها مدارس دينية مسيحية ويهودية وإسلامية ومن هذه المدارس ثمة ما نسبته 97 بالمائة هي متعاقدة مع الدولة وتستلم منها مساعدات مادية ولهذا تلتزم بقوانين الدولة العلمانية. أما نسبة الثلاثة بالمائة المتبقية من هذه المدارس الخاصة فهي مستقلة تماما، ولا تأخذ أية مساعدات من الدولة ولا تتعاقد معها، وهذه المدارس الحرة هي مدارس رافضة للتعليم الحكومي تماما، وبعضها مدارس ليبرالية وتقدمية تأخذ بأساليب تعليمية "بيداغوجية" جديدة وحديثة ترفض التعليم الحكومي الذي تعتبره متخلفا وأخرى دينية وهي قليلة جدا. وفي جميع هذه المدارس الأهلية في التعليم الخاص ترك اتخاذ القرار لإدارة وأساتذة هذه المدارس للتعامل مع موضوع الحجاب والعلامات الدينية منعا وإباحة، مع حق المواطنين ومنظمات المجتمع المدني بالرفض والقبول والاحتجاج، وقد رُفعت عشرات القضايا والشكاوى من قبل مسلمين وغير مسلمين من ضحايا المنع إلى القضاء.

6- ومن الطريف والباعث على التفكير في هذا الخصوص أن بعض المسلمات المتدينات المحجبات لجأن لارتداء القبعات والكاسكيتات ذات الحواف التي تغطي شعر الرأس لتفادي منع الحجاب ولكنهن جوبهن بالرفض أيضا إذ أن نزع القبعات في دور العلم والعبادة وحتى في المساكن تقليد غربي سائد، والطريف أن هذا التقليد ذو جذور دينية كاثوليكية تلزم الداخل للكنيسة بنزع قبعته أو غطاء رأسه، هذا ما يفعل عكسه اليهود الذين يلزمون الداخل الى كُنسهم بوضع الكيبة "القبعة" الصغيرة على رؤوسهم.

5-في الأماكن العامة تُمنع التظاهرات الدينية وأداء الصلاة وغيرها لجميع الأديان وعلى هذا منع المسلمون من أداء الصلاة في الشوارع في حال اكتظاظ الجوامع بالمصلين. وحين زار بابا الفاتيكان فرنسا سنة 1997 وأقام صلاة عامة حضرها أكثر من مليون شخص وقد حُدد ملعب كبير لإقامة الصلاة، ولكن مئات الآلاف من المصلين بقوا خارجه وهنا احتج علمانيون فرنسيون على إقامة هذه الصلاة ورفعوا دعوى قضائية ضد من أجروا ووافقوا على إجراء الصلاة في مكان عام وقد قبل القاضي الدعوة ولكن الموضوع تمت "طمطمته" لاحقا بتدخل من الجهات الرسمية وسُكِتَ عنه. وفي سنة 2011 وبإحدى دوائر باريس المؤلفة من 20 دائرة وهي الدائرة 18 سمح المجلس البلدي الذي يسيطر عليه الشيوعيون والاشتراكيون والخضر للمسلمين بأداء صلاتهم في الشوارع المحيطة بجامعهم في حالة الاكتظاظ وهنا أيضا رفع مواطنون دعوى قضائية إدارية ضد رئيس البلدية اليساري دانيال فايون ولكن القضاء الإداري لم يحكم لمصلحة المشتكين "المدعين" وترك الأمر ليأخذ مجراه عمليا واستمر المصلون يصلون في شوارع بلديتهم طالما كانت البلدية هي المسؤولة فعليا عن إدارة البلدية وشوارعها.

6- من التطبيقات القانونية في فرنسا وبعض الدول الغربية والتي تمتُ بصلة لهذا الموضوع أن القانون الفرنسي والسويسري مثلا يمنع النساء من تعرية صدورهن والأجزاء الحساسة من أجسادهن على الشاطئ أو في المسابح ولكن تطبيق هذا القانون يتم غض النظر عنه غالبا.

وحتى الرجال في فرنسا ممنوعون من تعرية صدورهم بعيدا عن موضع السباحة؛ يروي لي صديق أنه خرج من الشاطئ ذات مرة وذهب ليجلب شيئا من سيارته الواقفة على مسافة كيلو متر تقريبا من الشاطئ فاعترضه شرطي وأبلغه بأن سيره عاري الصدر في الشارع ممنوع وعليه أن يعود الى الشاطئ!

7- خلاصات: من المفيد لنا جميعا أن نقارب هذا الموضوع بعد الإلمام بثناياه وتفاصيله الدقيقة وليس انطلاقا من منطلق "نحن وهم"؛ نحن المسلمون وهم الكفار أو غير المسلمين، فالمشكلة أكثر تعقيدا واتساعا من ذلك كما لاحظنا. أما القناعة التي أؤمن بها عميقا فهي أن الإجبار في موضوع الحجاب والسفور أمر مرفوض ولا إنساني، ويجب أن يكون مرفوضا قانونيا أيضا وليس كوجهة نظر فقط، فمَن يجبر المرأة على ارتداء الحجاب هو كمن يجبرها على السفور أو التعري لأسباب تخصه هو وليس هي، وعلى هذا يجب أن يُترك هذا الأمر للمرأة نفسها فهي التي تقرر بكامل حريتها وإرادتها إنْ كانت تريد أن تتحجب أو أن تكون سافرة.

غير أن هناك أمرا آخر، وهو دور البيئة الاجتماعية التي تمارس غالبا دور المتعسِّف والممارِس غير المرئي للإجبار بفعل صعود وهيمنة الأحزاب أو المليشيات السياسية الإسلامية والتي تخلق جوا عاما من العسف والقسر والهيمنة ما يجعل المرأة مهددة ومنقادة وخاضعة لهذا الجو القسري ولما يترتب عليه من قهر واضطرارات تقوم بها المرأة للحفاظ على سلامتها وتفادي التحرش والتنمر وحتى الاعتداء البدني عليها من قبل أنصار وأعضاء مليشيات وجهات وشخصيات دينية وطائفية، وهذا موضوع آخر يتعلق بجملة أسباب وأوضاع ذات علاقة بطبيعة الدولة والإعلام والتراث والبيئة الاجتماعية وحقوق الإنسان والتعليم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية والتي يعيش فترة انتقالية -امتدت لأكثر من قرن-  من مرحلة تكريس التبعية والتقليدية والمحافظَة إلى مرحلة  التحرر والتجديد والاستنارة من أخرى... وهذا موضوع آخر يحتاج إلى وقفات كثيرة وليس إلى وقفة سريعة وخفيفة وتعريفية كهذه. 

 

علاء اللامي

.......................

* حول الإسلام والمسلمين في فرنسا، أدرج أدناه رابطين لمقالتين نشرتهما قبل أشهر قليلة:

1- مقاربات ماكرون السياسية للشأن الديني وإهدار السياق التاريخي

https://al-adab.com/article/%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%A7%D9%83%D8%B1%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%88%D8%A5%D9%87%D8%AF%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A

2- ما المشكلة في مقاربات ماكرون للشأن الإسلامي؟

https://al-akhbar.com/Opinion/296635/%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%A7%D9%83%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A

 

صلاح حزامهناك نقاش لا يتوقف حول اهداف عملية التعليم، وهل هي استجابة لحاجة وحق انساني في التعلّم والُرقي الفكري، ام هي من أجل إعداد الناس لتلبية حاجات سوق العمل للمهارات؟

والموضوع يلقي بظلاله على صياغة أهداف التعليم عموماً والتعليم العالي بشكل خاصٍ .

منهج التنمية البشرية المستدامة، وهو منهج حديث للتنمية، يضع الانسان في صُلبِ اهدافه (تنمية الانسان من اجل الانسان وبواسطة الانسان)، يقول ان التعليم حق طبيعي وشرط للارتقاء بالانسان ليس فقط ليكون مناسباً لحاجات سوق العمل، بل للارتقاء بقدراته ومستوى وعيه لكي يقوم بواجباته كأنسان في مجتمعه.

قد يكون الشخص، رجلاً او امرأة، ثرياً ولايحتاج الى البحث عن وظيفة في سوق العمل، لكنه يحتاج التعلّم ليكون شخصاً افضل سواء كرب أسرة او كأمرأة تستطيع تربية اطفالها بشكل افضل.. وبعكس ذلك فأن ابناء الاثرياء من اصحاب الملايين يفترض ان لايذهبوا الى اي جامعة ويكونوا أميين لأنهم لايحتاجون للبحث عن وظيفة.

(لقد اكتشفت شخصياً ومن خلال الاحصاءات، في أحد تقارير التنمية البشرية الوطنية التي قمتُ بكتابتها، ان وفيات الاطفال تتناسب عكسياً مع تعليم المراة الأم. اذ لاحظتُ انه كلما ارتفع مستوى التعليم للأم، انخفض معدل وفيات الاطفال).

بهذا المعنى وبهذا الفهم للتعليم، يصبح التعليم حق وضرورة يجب ان يحصل عليه الشخص بغض النظر عن وضعه الاجتماعي والاقتصادي .

كذلك فأن بعض الناس يتلقى نوعاً من التعليم لانه يحبه ويرغب بأن يتلقّاه، لكنه يحصّل رزقه من مهنة لاعلاقة لها بذلك التعليم.

بعض النساء تحمل شهادة الماجستير في الكيمياء ولكنها تعمل عارضة ازياء.

حصل معي ذات مرة وقد كنت في لندن، ان دعاني احد الاصدقاء لأحد المطاعم الفاخرة واخبرني ان هناك مفاجأة. بعد قليل جاء النادل ليأخذ الطلبات وكان يتكلم اللهجة العراقية بطلاقة، قال لي صديقي هذا هو النادل الدكتور فلان فضحكنا مستغربين .

قال لي انه دكتور مهندس عراقي، لكنه ترك العمل في احدى الجامعات البريطانية وفضّل العمل كنادل!!

سألته لماذا فعلتَ ذلك؟

قال لي: انا اشبعتُ رغبتي بالدراسة واثبتُّ نجاحي العلمي وحصلتُ على هذه الشهادة، لكني اكتشفتُ ان دخلي كنادل لمدة اسبوع يعادل راتبي الشهري كأستاذ جامعي!!

وبما ان المهم هو رفاه عائلتي، وبما اني لا اكترث بالسمعة والمهنة، وبما ان المجتمع لا ينظر بازدراء الى مهنة النادل، فلقد قررت العمل كنادل !!

بالمقابل، هناك رأي يقول ان التعليم واختيار فرع التعليم يجب ان يستهدف اشباع حاجات سوق العمل للاختصاصات المختلفة والّا فلا جدوى من دراسة موضوع لا يوجد طلب على مخرجاته، وأن البطالة ستكون مصير خريجيه..

كذلك فأن البعض يريد العمل فقط بشهادته ولا يكترث بكونه يحب ذلك الفرع أم لا، ولذلك تراه لايرغب بدراسة بعض الفروع كالفلسفة مثلاً، لانه لاتوجد وظيفة فيلسوف او مساعد فيلسوف !!!

ويسخرون من دراسة هكذا فروع !!ولكن ماذا لو أن الشخص يحب الفلسفة يريد دراستها؟

ماذا لو كان يحب الموسيقى او الرسم؟

اليست هذه حاجة جديرة بالتلبية ؟

سيقال له ان هذه الفروع لا تؤمن العيش!!

انا ممن يؤمنون بكون التعليم حق طبيعي ولا ينبغي الربط الحتمي بين الدراسة والوظيفة .

الأمر شخصي وللشخص ان يقرر ماذا يدرس وان تتاح له الفرصة لفعل ذلك.

 

د. صلاح حزام

 

 

محمود محمد عليلم ينكر أي مجتمع في تاريخ البشرية على نفسه الحق في الرقص، والموسيقى، والترويح عن النفس، فمنذ بداية تدوين التاريخ على جدران الكهوف، دونت الرقصات التي اعتبرت نوعاً، فإنه بلا شك لم يكن يخلو من البهجة والمتعة؛ إذ تصاحبه الموسيقى، أو الغناء، أو كليهما؛   كما كان الرقص في جوهره، فن من أرقى الفنون الإنسانية عبر التاريخ، يهدف عبر الموسيقى إلى تواصل الروح مع حركات الجسد، لتعبر الروح عما يجتابها من مشاعر.. ألم.. حب.. سعادة.. حزن، ويكون في حالات أخرى محاولة لهروب الروح من أعباء الجسد المادي العالقة به.

وفيما يتعلق بتاريخ الرقص الشرقي، هناك أكثر من دليل على انطلاقه من هذه المنطقة من العالم، وينتشر هذا الرقص بشكل خاص في مصر، تركيا، لبنان. ويسمى الرقص الشرقي باللغة الإنجليزية البريطانية بيللي دانس (Belly Dance)‏، أو أورينتال دانس (oriental dance)،‏ ويسمى باللهجة الأمريكية ميدل إيسترن دانس (Middleastern Dance)‏. كانت أولى دلالة للرقص العربي في اللغة الإنجليزية عام 1899. بعد أن أخذت من الاسم الفرنسي للرقص الشرقي (danse du ventre)‏. فالكثير من الآثار في مصر والشام واليمن وإيران تشير إلى أن النساء كن يمارسن الرقص الشرقي كطقس احترافي وتقليدي مهم.

فمثلاً تمتلئ المقابر الفرعونية برسومات لفتيات يؤدين حركات الرقص الشرقي مع بعض الفروقات بالتأكيد عن الرقص الشرقي المعاصر، وكذلك توجد رسومات مشابهة في آثار العصر الساساني في إيران، بالإضافة إلى النقوش على الفضيات القديمة لفتيات بزي يشبه الزي المعاصر، يمارسن فيه حركات الرقص المعروفة. ورغم ندرة الشواهد الأثرية في الجزيرة العربية، فقد عثر في معبد الإله “ذو المقمة”، في مدينة سمهرم، وقد كانت إحدى مدن حضرموت القديمة، على تمثال برونزي لراقصة ترتدي حزاما حول خصرها له أهداب تذكر ببدلة الرقص الحديث.

بيد أن البعض عندما يتكلم أحدهم عن الرقص الشرقي في مجتمعاتنا العربية الحالية، ينتابنا شعورٌ إلي بالإشمئزاز، بالكاد يكون ملموساً، من هذه المهنه، ونتخيل صوره امراه غريبه اختطفت وأجبرت علي التعري من دون مراعاة حقها في التعبير. قد لا يكون الجميع مدركًا هذه الدلالات، ولكن علي الرغم من ذلك، تم وضع هذا الرقص في خانه الطقوس الجنسيه التي حافظت علي القليل من قيمتها الثقافية. والأمر الأكثر إحباطًا، هو الطريقه التي ينظر بها إلي الرقص الشرقي في المكان الذي نشا فيه وازدهر.

والسؤال الآن: هل الرقص الشرقي فن له تاريخ أم قلة أدب؟

قد تكون الإجابة الطاغية لدى العامة أنه قلة أدب، ولا تمارسه بنات الأصول والعائلات المحترمة، ويشار إلى الراقصات أنهن نسوان "مش متربيه"...هذا الانطباع يأتي لأن العادات والتقاليد المحافظة في المجتمعات العربية تضع النساء في خانة معينة، ولا تريد أن تراها إلا في اطار المحارم... كالأم والزوجة والأخت والبنت، التي تعمل في دوائر الحكومة وغالباً مدرسات وإداريات في مدارس البنات، وأي أمر آخر يرفضه ويرجمه المجتمع ويطلق عليه رصاصة.. الرأي الرافض له!

ويعتقد الكثير من متابعي الغناء والفن الشعبي في مصر بأن الأغنية الشعبية والرومانسية هي فقط التي تعبر عن الفن بجميع أنواعه وأشكاله، ولكن تكون النظرة للرقص الشرقي نظرة مختلفة وسيئة، ليس فقط للفن بذاته، ولكن لمن يمارس تلك الفنون، والرقص الشرقي، هو فن من أنواع الفنون التي تميز مصر عن العالم، ويهتم بهذا الشكل من الفن جميع الاعمار ومختلف الجنسيات والأنواع حتي وإن كانت من تمارس تلك المهنة ليست بمصرية.

وقد تاتي هذه النظره للرقص الشرقي من الحكايات والأساطير التي جري إثباتها كحكايات الراقصات الجواري في قصور ملوك السلطنه العثمانيه أو عودهً بالتاريخ إلي ايام مصر واليونان والهند حيث استعمل هذا الرقص لعباده الآلهة والمساعده علي زياده الخصوبه. وللمزيد من الغموض حول الرقص الشرقي جعلت الغجريات الأسبانيات من هدفه أمرًا غامضًا، فمن جههٍ يمكن تأديته للاثاره الجنسيه، ومن جهة أخري يمكن أن يكون جزءً من الطقوس الدينيه. لم تبق هاتان النظرتان المتناقضتان للرقص الشرقي بعيدتين إحداهما عن الاخري بل اجتمعتا لتلدا فنًا جميلًا.

ويتحدث الراحل "إدوارد سعيد" في مقالٍ بعنوان  Homage to a Belly Dancer، عن الرقص الشرقي بأكثر أشكاله أصالهً، عندما يستذكر حياة أحد أهم الراقصات الشرقيات وأكثرهن شهره، الراقصة المصرية "تحيه كاريوكا"؛ فكاريوكا ، وسامية جمال ، شاهدتان علي زمنٍ تطور فيه هذا الرقص الشعبي، ليصبح أكثر خصوصيهً ورسميهً. إعتادت راقصات الغوازي الرقص في حانات شوارع مصر لكسب عيشهن، إلّا أن الراقصات اللواتي تدرّبن علي أيدي عرّابه الرقص الشرقي بديعه مصابني، رقصن في الشوارع ذات الحانات المحترفه والخاضعه للضوابط. فمع مصابني استطاعت الطبقه الراقيه في المجتمع المصري الاستمتاع بمشاهده راقصات محترفات، خلافاً لما كان عليه الحال لدي راقصات الشوارع. فالموسيقي التي رقصت عليها تلميذات مصابني بطيئه وغير منتظمه النغمات، علي عكس الموسيقي الشعبيه المعروفه بالبلدي، التي رقصت علي انغامها الغوازي.

ويسلط إدوارد سعيد في مقالته الضوء علي ميزه خاصه للرقص الشرقي، غالباً ما تجاهلها معاصروه، هي "عدم الاكثار من الحركات تماماً كما في مصارعه الثيران، وهنا يكمن جوهر الرقص الشرقي". يضيف سعيد في مقالته ان "المبتدئات والمقلدات البائسات من اليونان والأمريكان فقط هن من لجان إلي الالتواء المثير والقفز، بهدف الإثاره الجنسيه تماماً عكس ما فعلته كاريوكا". ويتذكر سعيد يوماً شاهد فيه كاريوكا ترقص عندما كانت مراهقه، ويقول إنّها "لم تقفز أبداً ولم تمايل ثدييها ولم تهتز حتي، بل كانت براعتها تكمن في أداء كلاسيكي عظيم".

ولذلك نجد عبر التاريخ الاجتماعي في البلاد العربية إرتبط الرقص الشرقي بالسمعة السيئة، ووسيلة لإثارة الغرائز، لكن بتجريده من كل ما لحق به من تشويه على مدار تاريخه، نجد أن دوره كان أكبر من الفكرة التي لدينا، فهو بدأ عبادة في الحضارات القديمة وطقس ديني له مناسباته وأجواؤه الروحانية العالية، ولدى الطرق الصوفية هو خلاص الروح من عبء الجسد.

وقد يسألني بعض القراء قائلاً: لماذا الرقصُ الشرقى الآن؟ هل انتهت كل القضايا الجادة لكى نفتح ملفَّ الرقص الشرقى علي صفحات المثقف الزاهرة ؟

والإجابة.. أنه لا توجد مناسبة اجتماعية سارَّة فى حياتنا، وعلى رأسها حفلات الزفاف، إلّا وفقرة الرقص الشرقى موجودة فيها، سواء بحضور راقصة شهيرة وإذا لم توجد الراقصة تتكفل بنات العائلة بهذا الدور، والأهم من ذلك أنه فى كل الأفراح الآن لا بُدّ أن يشارك العروسان الرقص مع الراقصة أو مع المعازيم، حتى فى المناسبات القومية يُعبّر الناسُ عن فرحتهم بأداء وصلات من الرقص الشرقى تعبيرًا عن فرحتهم، بل كنا نلاحظ فى الانتصارات التى يحققها المنتخب الكروى المصرى انطلاقَ الآلاف فى الشوارع يرقصون فرحًا بهذه الانتصارات.

باختصار شديد؛ الرقص الشرقى فى مصر ليس ظاهرة حديثة، لكنه تاريخ طويل يعود لأيام الفراعنة، وقد سجّلت النقوش الفرعونية ملامح لهذا الرقص وفى كل العصور والأزمنة كان الرقص موجودًا وتطوَّر بمرور الأيام، حتى إنه احتل مكانة مهمة فى كتابات ومؤلفات الأدباء والمفكرين، بل والدراسات الأكاديمية، كذلك اختلط الرقصُ بالسياسة؛ حيث إن هناك أكثر من راقصة مشهورة لعبن أدوارًا سياسية مهمة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنالاختلاف الرئيسي بين المساواة والعدالة هي ان المساواة تعني امتلاك كل شخص لموقع متساوي بينما العدالة تعني صفة ان تكون عادلا او فاضلا او منصفا في أي مظهر. المساواة والعدالة كلمتان شائعتان في المجتمع، لكنهما يُستعملان في عدة مواقف من جانب الناس بشكل غير متناسب. المساواة تعني تعامل متساوي للافراد. اما العدالة فهي ترتبط كثيرا بالنظام القانوني في البلد.

معنى المساواة equality

المساواة تعني إعطاء كل شخص وضع او تعامل متساوي من جانب المجتمع. ولذلك ولكي يتم التعامل مع كل شخص بشكل متساوي فان، الطبقة، نوع الجنس، الدين او القومية لا تؤخذ بعين الاعتبار. ولذلك، فان المساواة هي القبول المتساوي للأشياء في جميع المظاهر. بكلمة اخرى، المساواة تشير الى خاصية ان يكون الافراد ذات الشيء في الكمية او القيمة او المكانة. وبالتالي، لا أحد يتلقى معاملة سيئة او يُهمّش نتيجة اختلافات معينة ضمن النظام الاجتماعي. وهكذا، في مجتمع معين، تكون المساواة هي مبدأ يؤكد على القبول المتساوي لأي شخص.

اما بالنسبة للناس ذوي التعددية الثقافية ضمن الجالية، فهؤلاء بالاضافة للاختلافات الثقافية، ستكون هناك تقسيمات مرتكزة على الثروة، او اختلافات دينية وغيرها. مع ذلك، اذا تمت المحافظة على المساواة في تلك الجالية المعينة، فان كل شخص سيعتبر الآخر مساوي له وسوف يقبل بمنزلة متساوية مع الآخرين رغم كل الاختلافات. في هذا الاسلوب، هم سوف يتعاملون باعتزاز ويقبلون كل شخص كمساوي وفي نفس منزلة الآخرين، لأنهم يعتبرون كل شخص له نفس التاريخ.

معنى العدالة Justice

تشير العدالة الى خاصية ان تكون عادلا ومنصفا او صالحا في جميع المظاهر. لذلك، تؤكد العدالة على "صيانة وادارة ما هو عادل خاصة عبر التسويات المنصفة للحقوق المتضادة او منح المكافئات المستحقة او فرض العقوبات". لذلك، العدالة تدمج عدة مظاهر مثل المساواة و السلوك الاخلاقي والتعامل المنصف. انها تتعامل مباشرة مع الحقوق القانونية والقواعد المتعلقة بمجتمع معين. ونفس الشيء، اذا كان هناك تعامل غير منصف لعدد معين من الناس، او لو ان احدا اصبح ضحية لبعض الانتهاكات، او ينتهك القواعد والقوانين التي وُضعت للمحافظة على النزاهة في المجتمع، عندئذ، فان العدالة ستتأكد بمعاقبة المخالفين وان النظام يعود الى وضعه الصحيح.

العدالة ايضا تعني "الإمتثال للحقيقة او العقل". وطبقا لذلك، ترتبط العدالة مباشرة بالنظام القانوني للمجتمع. لنفرض مثلا ان شخصا اسيء التعامل معه او خُدع من جانب طرف آخريعمل بطريقة غير قانونية. في هذا الموقف، فان العدالة تضمن ان الجناة يُعاقبون، وان الضحايا تتم حمايتهم في المستقبل.

العلاقة بين المساواة والعدالة

1- العدالة تقرر مدى استمرارية المساواة لكي تحفظ مجتمعا عادلا.

2- المساواة هي عنصر جوهري في العدالة

الاختلافات بين المساواة والعدالة

التعريف

تشير المساواة الى قبول وإعطاء كل شخص موقع متساوي او تعامل من جانب المجتمع اما العدالة تشير الى سمة ان تكون عادلا، ومنصفا او فاضلا في جميع المظاهر.

الإستعمال

اختلاف آخر بين العدالة والمساواة هو ان كلمة مساواة يمكن استخدامها بمعنى عام اما كلمة عدالة ترتبط كثيرا بالتفسيرات القانونية.

المفهوم

المساواة ترتبط كثيرا بمفهوم اجتماعي بينما العدالة ترتبط بمفهوم قانوني.

المظاهر

المساواة تؤكد على مكانة متساوية او متشابهة لكل شخص بينما العدالة تؤكد على التعامل النزيه والمنصف لكل شخص طبقا لسلوك اخلاقي منصف ومقبول.

 الخلاصة

العدالة والمساواة مصطلحان يحملان معنى متبادلا مع وجود اختلافات بينهما. المساواة مفهوم اجتماعي، اما العدالة تتولى ضمان التطبيق الصحيح للمساواة في مجتمع معين. كذلك، تؤكد العدالة على التعامل المنصف مع كل فرد، ولذلك، حينما يتم التعامل بشكل سيء مع اي طرف، فان العدالة تفرض عقوبات للمحافظة على النظام العادل في المجتمع.

 

حاتم حميد محسن

 

 

عصمت نصاريخطئ من يجحد دور جمال الدين الأفغاني في إيقاظ شبيبة المصريين وتحريضهم على النقد الثوري في شتى الميادين ولا سيما كيفية التعرف على الأغيار وفضح مؤامراتهم وتحديث ميدان التثاقف والرد على ادعاءات غلاة المبشرين والمستشرقين وأرباب الفلسفات المادية والدهريين ونقد قادة الرأي في العالم الإسلامي الموالين للاحتلال الأوروبي. ذلك فضلاً عن نحاجه في حشد الكثيرين من أصحاب الأقلام ونقد الوضع السياسي في مصر ومعظم ولايات الدولة العثمانية، واستطاع من خلال الجمعية الوطنية المصرية (الحزب الوطني الحر السّري) عام 1879م - التي شكلها عقب انصرافه عن المحفل الماسوني وإدراكه أن شعارات الماسونيين عن الحرية والعدالة والمساواة قد خدعته ورفاقه، وأن مقصدهم هو إضعاف الجامعة الإسلامية ونهب ثروات العرب وإحلال الديانات الوضعية عوضاً عن العقيدة الإسلامية - من إيقاظ الرأي العام وتوجيهه نحو نقد السياسة القائمة والإصلاح الاجتماعي.

ثم أسس جمعية العروة الوثقى السرية عام 1885م وكان لها فروع في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وذلك لتصفية من أعتبرهم عملاء الاحتلال الأجنبي وحلفاء الباشوات الأثرياء المغتصبين لحقوق الفقراء والمعدومين وأعداء الجامعة الإسلامية.

 وحسبنا أن نتوقف قليلاً عند خطاب جمال الدين الأفغاني أو إن شئت قل مشروعه الثوري الراديكالي؛ فعلى الرغم من دعوته إلى النظر العقلي وتحديث نهوج الأزهريين وانتصاره لفكر ابن رشد ومحاربته للبدع والخرافات التي لحقت بالتصوف وتمييزه بين الدعوة لعالمية الإسلام ومشروع الماسونيين للكوكبة والعولمة أو العلمانية وتفرقته بين الدعوة الوهابية والرابطة الإسلامية الشاملة إلا أننا نجد خطابه لا يخلو من المتناقضات. ولقد رفع شعار مصر للمصريين وجمع بين أعضاء جمعيته بين السوريين واللبنانيين والفارسيين والتونسيين والجزائريين؛ ليشجع على الكفاح السري المسلح، وأدخل النظام الماسوني العنقودي على الجماعات التي كان يشكلها، وربط بين عملها وفرضية الجهاد، وحمّس العوام لاتباع سنة الشطار في مجابهة ظلم الباشوات والإقطاعيين.

وصرح لتلاميذه عقد الاجتماعات وحلقات الدرس لمناقشة أحوال البلاد وحثهم على الجهاد المسلح والعمل السري في ظل فساد الحكام ومطامع الغرباء، وقدم تحريض للثورة الشاملة على الدعوة للهداية والنصح والإرشاد, وأقنع الكثيرين من المسيحيين واليهود بأن الدرس المستفاد من الماسونية هو الاجتماع على وحدانية وجود الله بغض النظر عن التفاصيل - التي تثير الشقاق الملّي- الأمر الذي يستوجب توحيد الصفوف ضد الغاصبين.

غير أن "محمد عبده" قد أدرك أن خطاب الأفغاني ومشروعه التثويري يتعارض مع النسق الفلسفي والنهج التربوي والمقصد الإصلاحي الذي تأسست عليه مدرسة حسن العطار، ومن ثم صرح لأستاذه الأفغاني بما يجيش في صدره ويدور في عقله موضحاً أن القوة والعنف لن تقود البلاد إلى الإصلاح والتقدم كما أنها لم تنقذ الأذهان من ظلمة الجهل والتعصب، ولن تحمي الإسلام من طعون المشككين واجتراءات المجدفين والملحدين، ولن تعيد فتح باب الاجتهاد، ولن تجدد الدين، ولن تثقف القادة والمعلمين، ولن تهذب الأنفس وترقي الأذواق وتهدي المجتمع إلى خير السبيل.

واذا كان هذا على المستوى العام؛ فإن الجماعات السرية وعصابات الاغتيال سوف تعطل مشروع النهضة، ولن تقود مصلحين إلا للسجن أو النفي أو اليأس من الإصلاح والانغماس قهراً أو طواعية في دهاليز السياسة أو التغريب.

وقد انتهى الأمر بعودة "محمد عبده" إلى مصر عام 1889م، وسرعان ما اجتمع حوله رفقائه في مدرسة الأفغاني وتلاميذه من الأزهريين الذين رغبوا عن نهج الجمعيات السرية في الإصلاح. ولعل الحلقات التي كان يعقدها في منزله وفي مكتبه بدار الإفتاء وفي مقر الجمعية الخيرية الإسلامية التي أسسها عام 1893م كانت الباعث الأول للتصريح بوجهته الإصلاحية، وشرح أبعاد مشروعه الحضاري الذي تأثر به معظم المثقفين وقادة الرأي في مصر والجزائر وبلاد الشام ثم انتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وقُبل باستحسان من رؤساء الكنيسة بطوائفها الثلاث وأحبار اليهود المصريين، ولم يمجه كذلك شبيبة العلمانيين المنتصرين للعلم الأوروبي والمتحمسين للمدنية الحديثة وما تنادي به من حريات في التفكير والعقيدة.

وقد تواترت الكتابات التي روت حلم "محمد عبده" الذي أفصح به عن علة انفصاله عن أستاذه وصديقه جمال الدين الأفغاني. ذلك الذي جاء فيه (قال الإمام محمد عبده لأستاذه الأفغاني: أرى أن نترك السياسة ونذهب إلى مجهل من مجاهل الأرض، لا يعرفنا فيه أحد، نختار من أهله عشرة غلمان أو أكثر من الأذكياء، سليمي الفطرة، فنربيهم على منهجنا ونوجه وجوههم إلى مقصدنا، فإذا أُتيح لكل واحد منهم تربية 10 آخرين لا تمضي بضع سنين أخرى، إلا ولدينا 100 قائد من قادة الجهاد في سبيل الإصلاح، ومن أمثال هؤلاء يرجى الفلاح).

ورد جمال الدين الأفغاني قائلاً: إنّما أنت مثبط نحن قد شرعنا في العمل، ولابد من المضي فيه، ما دمنا نرى منفذا). وحسبنا أن نلقي بعض الضوء على أصول منهج "محمد عبده" الفلسفي وأسس مشروعه الحضاري, مبينين مدى توافقه وتواصله مع ما انتهى إليه "حسن العطار" وتلاميذه؛ وذلك يؤكد ما زعمناه أن المسئول الأول عن الاتجاه العقلاني في الثقافة المصرية، ووضع قواعد المشروع النهضوي الحضاري في مصر والعالم الإسلامي هو الاتجاه المحافظ المستنير، وها هي أهم القواعد والمبادئ التي قام بتطويرها "محمد عبده" وتلاميذه من بعده:

أولها: أن العقل هو سبيل الهداية وأن مطالبة الباري الإنسان بالنظر (اقرأ) يعني أن العلم والاستنارة هما سبيل الإيمان الحق والتطبيق الأرشد لشرعة الله، والنهج الأقوم لتهذيب الأنفس، والضرب الأصوب لإصلاح حياتنا، ولكل مشكلاتنا والقضايا التي تحتاج للتفكر منا، وهما أيضاً الطريق الذي يجب أن نسلكه لتقويم أصولنا وتجديد مناهجنا وتحديث معارفنا وتثقيف دروسنا والتخطيط لمستقبلنا، ونقد الوافد من الأغيار، وغربلة ما فيه من خير لأتباعه وما فيه من شر لاجتنابه، وتنقية الأذهان والقلوب من الحقد والتطرف والعنف، وتربيتها على التحلية والتخلية حتى لا تنحرف الغايات وتضل المقاصد.

وثانيها: نقض الغلو والتطرف والبدع والجمود المذهبي والتعصب الملّي، والتقليد بلا تمحيص، والسير على سنة القدماء تقديساً للموروث وتعظيم من شأن الأوائل. وتوضيح أن المطالبة لتحرير الذهن من قيد التقليد، والشك في المعارف التي تناقض صريح المعقول ويتعذر البرهنة على صحتها هي القاعدة التي انطلق منها منهج النهضويين والتنويريين وطلاب الحقيقة قديماً وحديثاً في المشرق أو المغرب، وهي من الأمور التي يحث عليها الدين ويصدق بها الإيمان؛ فالنبي لم يكن مقلداً لنسايره في تقليده؛ بل كان يحث على التفكر والتدبر والتعقل في الآيات القرآنية التي كان يبلغها، وفي الأحاديث النبوية التي كان يبصر الناس بها, كما أمر سفراءه من الدعاة الأوائل بالاجتهاد واستنباط الحكمة الشرعية اذا ما وقف أمامه إحدى قضايا المجتمع أو قضايا تحتاج إلى الحسم, أما الانتحال والكذب والتحريف والتجديف والتزيّد الذي أصاب الأصول الإسلامية لم ينجم إلا عن التقليد والتشيع لغريب الآراء عند ظهور الخلاف في حين أن أهل الرأي من الصحابة والتابعين كانوا يؤكدون أن آراءهم هي أحسن ما انتهت إليه عقولهم؛ فمن استحسن ما هو أفضل من ما اجتهدوا فيه مادام لا يتعارض مع قطعي الثبوت والدلالة فليفعل.

 وثالثها : العودة بالدين إلى سذاجته الأولى (أي بساطته وفطرته)، ويعني ذلك الفصل بين الوقائع والأحداث التي تقيد التفسير والتأويل، وتحول بين المجتهد والتواصل مع الفتوحات الربانية للوقوف على المقاصد الشرعية الثابتة التي لا تتبدل حقيقتها، وإنْ تغيرت معانيها ودلالاتها في كل عصر، وذلك لا يصدق بالطبع على قطعي الثبوت والدلالة بل هو ينصب على المتشابهات من الآيات والمدركات الظنية من التفاسير والمفاهيم التي أهتدى إليها الصحابة والتابعين والأئمة الكبار في عهدهم. وتلك الدعوة تتفق مع حثنا على فتح باب الاجتهاد لإبداء الرأي في المستحدثات من الأمور الحياتية، والفصل بين الثابت والمتحول في أصول الملة والتجديد في الوسائل والنظم على النحو الذي يتفق مع المقاصد الشرعية من جهة واحتياجات العصر من جهة أخرى.

 ورابعها: إصلاح حال اللغة العربية، وذلك عن طريق تهذيب اللغة المكتوبة والمنطوقة؛ لتصبح أكثر وضوحاً وسهولة في الفهم وجمع الغريب والمتقعر والنادر من الألفاظ في معاجم لدراسة الفكر الموروث وتجديد علوم اللغة وتيسير قواعد النحو؛ لتغذية أراءها وألفاظها لاستيعاب المستجدات من العلوم والمعارف والنظم والفلسفات، وذلك عن طريق النحت والاشتقاق والتعريب، وتقويم لغة الأدب والفن والتقريب بين العامية والفصيحة على نحو معتدل لا تطمس فيه لغة الضاد أو تهجر ولا تنمى فيه اللهجات العامية، وتزكى فيه لغة السوق وتؤلف في ذلك كله معاجم وموسوعات حديثة، على أن يعهد هذا الأمر وغيره من نهوج التحقيق العلمي وأساليب الترجمة والتعليم إلى مجامع متخصصة على شاكلة المجمع اللغوي الفرنسي 1635م. ولعلّ المجمع البكري 1892م والمثاقفات والمناظرات التي تصدّت للهجمة الشرسة من قبل المستشرقين ضد اللغة العربية والترويج للهجات المحلية واللغات العتيقة لبعض الشعوب العربية خيرُ مثال لهذه النهضة والإرهاصات الأولى للفكر الفلسفي تجاه اللغة العربية.

أضف إلى ذلك جمعيات التحقيق والترجمة والتأليف التي تعهّد بها تلاميذ الأستاذ الإمام مثل جمعية لجنة التأليف والترجمة والنشر عام 1914م، ثم لجنة ترجمة وتحقيق دائرة المعارف الإسلامية عام 1933م. ومجمع اللغة العربية في مصر الذي أنشأ عام 1932م، والموسوعات التي أصدرها الأزهر من ثمار نهوض مشروع الأمام وتلاميذه.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

محمود محمد عليكان ايان فليمنج مشهورٌ بكتابة سلسلة روايات التجسس التى ابتكر فيها شخصية جيمس بوند، وكانت رواية جيمس بوند مليئة بالمغامرات المثيرة والسيارات السريعة والنساء الجميلات، ولم يستطع القراء الاكتفاء منها ومن حكاياتها الرائعة، وهذا ما جعل جيمس بوند واحدًا من أنجح أبطال الرواية الشعبية فى القرن العشرين، وبعد تجربته المثيرة للغاية فى الحرب، كانت دافعا لكتابة روايات فى مجال التجسس، حيث نشر رواية "Casino Royale" عام 1953 والتى تدور حول عميل سرى بريطانى هو جيمس بوند، والمعروف أيضًا برقم كوده 007 والذى كان قائدًا فى المحمية البحرية الملكية، وقد أثبتت الرواية نجاحها.

وظهر العميل البريطانى 007 على الشاشة الفضية فى عام 1962 عندما لعب الممثل شون كونرى دور الشخصية فى فيلم "دكتور نو"، مما دفع البعض للاشتباه فى أن الجواسيس البريطانيين ربما كانوا يطلقون نكتة على نظرائهم البولنديين، ولطالما أكد الكاتب إيان فليمينج مؤلف السلسلة، وهو نفسه عميل سرى بريطانى سابق، أنه استوحى اسم بطل قصته من عالم الطيور الأمريكى جيمس بوند الذى كان يملك كتابا عن طيور الكاريبي، لكن هناك عميلا بريطانيا يحمل اسم "جيمس بوند" حقا؟، كشفت وثائق سرية أن بولندا كانت أول بلد ظهر العميل السرى الفعلى جيميس بوند على أراضيها، وأظهرت وثائق نشرها مؤخرا المعهد البولندى للذاكرة الوطنية، أن عميل سرى بريطانى يحمل اسم جيمس بوند أرسل إلى ماوراء الستار الحديدى بعد سنتين على طرح أول أفلام العميل 007، وقد وصل جيمس ألبرت بوند فى 18 فبراير 1964 إلى وارسو ليشغل رسميا منصب حافظ أرشيف فى السفارة البريطانية، على ما أظهرت وثائق صادرة عن الجهاز الشيوعى للتجسس المضاد وذلك حسب قول الأستاذ محمد عبد الرحمن في مقاله بعنوان إيان فليمنج... من أين استوحى شخصية جيمس بوند؟

وبحسب "الهيئات الشيوعية"، كما يقول الأستاذ محمد عبد الرحمن لم يكن بوند المولود في 1928 يشبه نظيره المتخيل الذى يحمل الاسم عينه على الشاشة الكبيرة والمعروف خصوصا بنزواته النسائية ونمط حياته الباذخ، وأشار المعهد البولندى إلى أن جيمس بوند الفعلى "كان مهتما بالنساء" لكنه كان "شديد الحذر" ولم يتواصل البتة مع مواطنين بولنديين، وفق ما ورد فى الوثائق المنشورة هذا الأسبوع عبر وسائل التواصل الاجتماعى.

والسؤال الان: هل جيمس بوند بطل حُلُميٌّ، جاءت به ذاكرة صحافي يعاقر الخمر سعيداً في جزيرة جامايكا، أم إنّه بطل واقعي واضح الملامح والهدف؟ إنّه بطل حُلُميّ وواقعي في آن. فهو البطل - الحلم الذي ينشدّ إليه جمهور واسع من مختلف الجنسيات وفي جميع الأمكنة، لا يهبط من طائرة إلاّ ليركب طائرة أخرى، كأنّ العالم بيته، ولا ينتصر على عدو إلاّ ليهزم عدواً جديداً، فلا وقت للضجر والساعات الخاملة، ولا يفارق أنثى جميلة شقراء إلاّ ليكون في صحبة سمراء أكثر جمالاً، ولا يقابل أنثى عدوة له إلاّ وتؤمن بقضيته بعد قليل، كما لو كان ترويض نساء الأعداء إعلاناً مبكّراً عن ترويض الصعوبات اللاحقة. بيد أنّ البهاء كلّه يصدر عن ضمان الانتصار، الذي يحوّل المخاطر جميعاً إلى لعبة لذيذة لا مخاطر فيها. ولهذا يذوق بوند المتع جميعاً ويظل في بيته، طالما أنّ الطمأنينة موزّعة على المغامرة والبيت معاً. ومع أنّ بوند يبدو بطلاً - حلماً تنجذب إليه «الجماهير» كلّها، من مواقع الأرض المختلفة، فإنّه بطل غربي وبطل من الغرب، وبطل للغرب وحده، لا بسبب شراب يستهلكه، بل بسبب الموضوع الذي يخاطر من أجله والوسائل التي يركن إليها وهو في قلب المغامرة. فهو في قلب المعركة لفك شيفرة ذات صلة باكتشاف علمي، أو لتدمير قاعدة عسكرية - علمية تديرها دوائر الشر، أو لمنع الأشرار من امتلاك سلاح جديد لا يجوز لغير الغرب امتلاكه... وهو في حركته الواسعة، الممتدة من كوريا إلى كوبا، يتوسّل الطائرة والسفينة والغوّاصة والصاروخ... وهو في الحالات جميعاً يمثّل الغرب الذي يترجم القوّة إلى معرفة والمعرفة إلى قوّة، مؤكداً أنّ معرفة الغرب فضيلة، وأنّ امتلاك "الآخر" للمعرفة يعارض الفضيلة ويهدّد قوانين الطبيعة. ولهذا يكون بوند تعبيراً نموذجياً عن الغربي النموذجي، المؤمن بإمبراطورية، تسهر على حمايتها الدوائر البريطانية القديمة والمراجع الأمريكية الممثلة بوكالة الاستخبارات المركزية (30).

وهنا يجيبنا فبصل دراج فيقول يتكشّف الغرب في شخصية بوند إرادةً وقوّة ومعرفة وتنظيماً، وتاريخاً كونياً مسيطراً، منذ القرن الثامن عشر حتّى اليوم. بيد أنّ أسطورة بوند لا تأتي من المقولات المتراصفة، فقد امتلك الاتحاد السوفياتي السابق هذه الصفات، أو معظمها ذات مرّة، إنّما تأتي من صورة "العميل السري" الفاتنة، التي صاغتها أجهزة الإعلام وأحسنت صوغها. صورة جذّابة غاوية جميلة، تكاد في جمالها الطاغي أن تمسح الفروق السياسية والأيديولوجية والدينية، حتّى يبدو بوند بطلاً للإنسانية جميعها أو يكاد. فمع أنّ الرئيس الأمريكي الراحل جون كندي أعلن عن إعجابه بروايات إيان فليمنغ، كما نُشر بعضها في مجلة "بلاي بوي" الذائعة الانتشار، فإنّ أسطورة بوند جاءت من السينما، ابتداء من عام 1962، أي منذ خمس وأربعين سنة. بل إنّ هذه الأسطورة لم تكن ممكنة من دون الفن السابع، الذي يبيع الأحلام ويجذب البسطاء الحالمين. حشدت السينما، وهي تصنع بطلاً جماهيرياً كونياً، أكثر الرجال رشاقة وأكثر النساء فتنة، وجعلت من الجنس امتداداً للمغامرة، ومن الشبق جسراً إلى الفضيلة. جاءت أسطورة بوند من قوّة الصورة، وجاءت قوّة الصورة من «ذكاء السوق»، التي حوّلت البطل إلى سلعة جميلة عالمية، وعيّنته بطلاً من أبطال المجتمع الاستهلاكي في الغرب (31).

وسلسلة أفلام جيمس بوند ناجحة تجاريا بشكل فريد، حيث تحمل أبعاداً سياسية تخدم أمريكا رغم أن جنسية "بوند" الأصلية هى البريطانية، فقد بدأت السلسلة أفلامها بمحاربة الشر "الخفى"، الذى تمثل فى الاتحاد السوفييتى الند القوى للولايات المتحدة أثناء فترة الحرب الباردة، لينتقل "بوند" بعد ذلك فى أجزاء لاحقة لمحاربة كل قوى تظهر فى العالم وتهدد الكيان الأمريكى، ومنها الصين ، ثم كوبا، كما تناول جزء شخصية الشرير الذى يحاربه «بوند» من دولة فى أمريكا الجنوبية، وذلك فى فترة إعلان عداء واشنطن لدولة كوبا وحاكمها كاسترو.. ورغم ثوابت السلسلة، سواء فى شخصية الشرير ، أو الفتاة الحسناء التى تحبه، فإن السلسلة ناجحة فى كل أجزاءها، وهذا ضد طبيعة النجاح التجارى، الذى يحتاج إلى التجديد دائماً، وحتى اختيار الممثل الذى يلعب دور "بوند" كان يخضع لمواصفات خاصة جسمانية وشكلية ونفسية، فقد بدأ السلسلة الممثل شون كونرى، ثم جورج لازنبى، ثم روجور مور، ثم تيموثى دالتون، ثم بيرس بروسنان ثم دانيال كريج (32).

وقد أثارت سلسلة أفلام بوند إعجاب محبي أفلام الجاسوسية و"الأكشن" والمغامرات، حيث يتضمن كل فيلم قصة مثيرة تخطف الأنفاس منذ المشهد الأول، بطل يتمتع بالجاذبية والإثارة، ولا تخلو شخصيته من حس الدعابة حتى عند خوض غمار أشد المعارك مع أعدائه. السحر التكنولوجي المتمثل في أشهر المعدات التي تظهر في الأفلام كالمسدسات والسيارات والقوارب المبتكرة التي من الصعب مقاومتها، وأخيرا حسناوات بوند اللواتي يتم اختيارهن بعناية من بين نجمات العالم الأكثر إثارة حيث ينتزعن إعجاب النقاد والجمهور؛ وقد ساهمت كل هذه العوامل في زيادة شعبية أفلام العميل السري، إذ حققت أرقاما فلكية في شباك التذاكر بمجموع ما يفوق 7 مليارات دولار وفق أرقام "فوربس"، خاصة فيلم "سقوط السماء" (Skyfall) الذي حقق لوحده مليار دولار وحاز على أوسكار «أحسن أغنية» أدتها الفنانة الأمريكية «أديل»، وهو ما يجعله من أكثر الأفلام تحقيقا للإيرادات في "البوكس أوفيس" العالمي في تاريخ السلسلة، حيث أصبحت من المشاريع السينمائية التجارية التي تُذر على استوديوهات وشركات الإنتاج مداخيل ضخمة (33).

ومن إصدار فلم دكتور نو (1962) وحتى إصدار فلم من أجل عينيك فقط (1981)، وُزعت الأفلام فقط من قبل يونايتد آرتيست. عندما امتصت شركة مترو غولدوين ماير شركة يونايتد آرتيست في عام 1981، شُكلت شركة إم جي إم/ يو إيه إنترتينمت ووزعت الأفلام حتى عام 1995. وزعت إم جي إم لوحدها ثلاثة أفلام من عام 1997 إلى عام 2002 بعد توقف عمل يونايتد أرتيستس كاستوديو عام. من عام 2006 ، وإلى عام 2015، تشاركت "إم جي إم وكولومبيا بيكتشرز" في توزيع سلسلة الأفلام، بعد استحواذ 2004 على "إم جي إم" من قبل اتحاد بقيادة "سوني بيكتشرز" الشركة الأم لكولومبيا. في نوفمبر 2010، أشهرت "إم جي إم" إفلاسها. أصبحت كولومبيا بعد خروجها من الإعسار شريكًا في الإنتاج للسلسة مع ايون. انتهت صلاحية حقوق توزيع سوني للسلسلة في أواخر عام 2015 مع إصدار فلم طيف. في عام 2017، عرضت "إم جي إم" و"أيون" عقدًا لفيلم واحد من أجل المشاركة في تمويل وتوزيع الفيلم الخامس والعشرين القادم في جميع أنحاء العالم، وأُعلن في 25 مايو 2018 فوز يونيفرسال بيكشرز به. سيكون الفيلم الخامس والعشرون القادم، وعنوانه الرسمي نو تايم تو داي، هو أول فيلم في السلسلة يُوزع من قبل يونايتد أرتيستس منذ فلم الغد لا يموت؛ وكان هناك ثلاث إنتاجات إضافية تحتوي شخصية جيمس بوند بصورة مستقلة عن سلسلة ايون: العرض التلفزيوني الأمريكي المقتبس عن الرواية، كازينو رويال (1954)، وأنتجته سي بي سي، الفيلم الساخر، كازينو رويال (1967)، من إنتاج تشارلز ك. فيلدمان، وإعادة صنع لفيلم كرة الرعد بعنوان لا تقل أبدًا مرة اخرى (1983)، من إنتاج جاك شوارتزمان، الذي حصل على حقوق الفيلم من مكلوري (34).

وأرجو أن أكون قدمت عرضا وافيا لفكرة الحفر الأركيولوجي والإبستمولوجي لسلسلة أعمال جيمس بوند ، تلك السلسلة التي كشفت لنا، أنها تحمل بريقاً بريقاً حتي اليوم، وذلك لكونها تحمل الدهشة، والإثارة لكل المشاهدين في الشرق والغرب .

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

(30) فيصل درّاج: المرجع نفسه.

(31) المرجع نفسه.

(32) رامي عبد الرازق: جيمس بوند» 22 فيلماً فى 46 عاماً والنجاح مستمر.. الأربعاء 12-11-2008 00:00.

(33) زكرياء بلعباس: المرجع نفسه.

(34) جيمس بوند في الأفلام: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.. المرجع نفسه.