جواد بشارةتعدد الأكوان فرضية مستمدة من عدة نماذج لفيزياء الكموم أو الكوانتوم، كما إن فرضية الأكوان المتعددة تسبب الدوار والذهول، فالكون المرئي من الكبر والشساعة بمكان بحيث لا يمكن للمرء أن يتخيله أو يدركه فما بالك لو كان الأمر يخص كوناً مطلقاً كلي يحتوي على عدد لامتناهي من الأكوان على غرار كوننا المرئي؟ من الواضح أن الفرضية الفيزيائية الفلكية للكون المتعدد حديثة جدًا في تاريخ العلم، فهي مشتقة أو مستمدة جزئيا من المفاهيم التي مهدت الأرضية لازدهار فكري. في العصور الوسطى وفي العصر الكلاسيكي، ظهرت فكرة العوالم المتعددة. ففي بداية القرن الخامس عشر • نيكولاس دي كوي Nicolas de Cues - معاصر لإعادة اكتشاف أعمال الشاعر اللاتيني لوكريس Lucrèce – كان من أوائل من تخيل تعدد العوالم التي يتميز سكانها بشخصيتهم الخاصة. يستحضر جيوردانو برونوGiordano Bruno، في نصوص جريئة جدًا بالنسبة لعصره، "العوالم اللامتناهية الكبيرة والواسعة". فرانسوا رابليه François Rabelais، تخيل عوالم متعايشة، تعايش سحري أو صوفي غامض، ومستوحاة من مائة وثلاثة وثمانين عالماً للفيلسوف ما بعد سقراط بيترون هيميرPetron d’Himère. وبمعنى مختلف تمامًا، في القرن السابع عشر، فكر الفيلسوف ليبنيز Leibniz في عوالم متعددة جعلت من الممكن فهم عالمنا على أنه "الأفضل" وإدخال شكل من أشكال الطوارئ أو الحالات الطارئة في قلب تعريف الاحتمالات الممكنة.

هل نتحدث حقاً عن تعدد الأكوان؟

ولكن في عام 1957 كان هيوغ إيفريت يصيغ نظرية عوالم متعددة كتفسير لميكانيكا الكموم الكوانتوم mécanique quantique. كانت تلك الفكرة صاعقة وساحقة ومثير للاضطراب لأنها صيغة تحدي، تضع موضع تساؤل ومراجعة وتشكيك لوحدة وفرادة أو تفرد الكون. تذكر أن كلمة "الكون" تعني معرفياً ومن الناحية اللغوية "تحول نحو الواحد"، والذي يقدم كمفارقة فكرة الكون المتعدد بصيغة الجمع. ومع ذلك، فإن هذا هو ما تفترضه هذه النظرية، أي وجود أكوان متعددة أو الكون "المتعدد"multiples univers. لفهم الأكوان المتعددة multivers، يجب على المرء أن يتخيل كونًا منسحبًا أو متداخلاً gigogne، "أكوان متعددة" تتطور عن طريق التضخم الأبدي وتتكون من عدد كبير جدًا من الأكوان الفقاعية univers-Bulles التي تقدم كل منها قوانينها الفيزيائية الخاصة بها وتحتوي على ما لا نهاية من الأكوان. لن تصف نظرية الأوتار الفائقة كوننا، بل الأكوان المتعددة، أي أن كل الأكوان ربما تكون قد ولدت من خلال عملية التضخم. ولدت هذه النظرية من ملاحظتين غامضتين لغزيتين: 1) أولاً، أن الكون متجانس على النطاق الواسع أو الكبير. عندما نحلل الخلفية الكونية الميكروية المنتشرة، ندرك أن درجة حرارتها هي نفسها في كل مكان، وفي جميع الاتجاهات. لكي تكون درجة حرارة البيئة متساوية الحرارة، يجب أن يكون لدى جميع الأطراف وقت للتفاعل مع بعضها البعض (توزيع الطاقة)، بنفس الطريقة التي يستغرقها كوب من الماء بعض الوقت لاعتماد درجة حرارة الغرفة. ومع ذلك، فإن الفترة التي فصلت "الانفجار الأعظم" عن تحرر الخلفية الكونية الميكروية، التي يبلغ طولها 380.000 سنة، هو وقت قصيرة جدًا بالنسبة لجميع مناطق الكون التي كان لديها الوقت اللازم للتفاعل، مع مراعاة حقيقة أن سرعة الضوء محدودة لا تتجاوز الــ 300000كم/ثانية. السؤال الواضح إذن هو التالي: كيف يمكن أن يكون هذا الإشعاع (الخلفية الكونية الميكروية) متجانساً؟ ثم يتحول الكون إلى سطح مستو. في البداية، يمكن أن يكون انحناءه إيجابيًا أو سلبيًا أو صفرًا بالضبط. إنها بالضبط صفر. في الكون، اثنان 2) ثم يتحول الكون إلى سطح مستو. في البداية، يمكن أن يكون انحناءه إيجابيًا أو سلبيًا أو صفرًا بالضبط. إنها بالضبط صفر. في الكون، لا يجتمع خطان متوازيان أبدًا؛ وبالتالي فإن مقياسه إقليدي. مصادفة غريبة. نحن نعلم أن الانحناء المكاني للكون يتحدد بكثافة المادة والطاقة التي يحتويها. إذًا كيف يتوافق متوسط كثافتها مع انحناء صفري هندسي؟ (هذه الكثافة تسمى "الكثافة الحرجة" وتتوافق مع كثافة الطاقة التي يجب أن يكون عليها الكون المتجانس والمتناحي إيزوتروب isotrope وفي حالة متوسع لكي يكون انحنائه المكاني صفرًا. وهو يختلف عن النماذج "المغلقة" - مع انحناء مكاني إيجابي - يولد كونًا كرويًا ونماذج

"مفتوحة" - مع انحناء مكاني سلبي - خالقاً كوناً كروي على نحو مغالى به قطعي أو متسم بالغلو hyperbolique. بحيث تتساوى كثافته مع الكثافة الحرجة ويحتوي على انحناءة مكانية صفرية أو معدومة، أي أن قواعد الهندسة الإقليدية المعتادة صالحة هناك على نطاق واسع) لماذا تساوي الصفر بدلاً من أي قيمة أخرى؟ إنها ألغاز "تسطح الكون واستوائه" (أو على الأقل من الفضاء على هذا النحو). ‘نها فرضية كوزمولوجية طورها آلان غوث وأليكسي ستاروبينسكي في عام 1981 لحل هذا اللغز ألا وهي: نظرية التضخم الكوني. خلال هذه المرحلة، تضاعفت المسافات في الكون بعامل من رتبة 1050 في 10 -32 ثانية (في حين أنه في العشرة مليار سنة الأخيرة من الكون، تم ضرب المسافات داخله بعامل 104). إنه هذا التضخم هو ما يفسر تجانس الكون واستواءه. التجانس الحراري: قبل أن تبدأ آلية التضخم، كان الجزء المقابل للجزء المرئي حاليًا صغيرًا بشكل استثنائي، حوالي 1054 أصغر من المادة الصلبة تجاه اليوم (وبالتالي أصغر من نواة ذرة)، لذلك يمر الضوء بسهولة من خلال هذا الجزء، حتى مع فقط10 -32 ثانية تحت تصرفه. الأجزاء التي يمكن ملاحظتها الآن (وهي جزء صغير من الكون) كانت مرتبطة ارتباطًا سببيًا قبل التضخم. تم الوصول إلى التوازن الحراري قبل التضخم الذي حدث أن نشر هذا التوازن الحراري من خلال توزيع نصف قطر متجانس في المناطق التي تبدو لنا أقل أهمية أو مستقلة، بنفس طريقة البالون المنتفخ، إذا كان منحنيًا جيدًا على نطاق واسع، يبدو شبه مسطح إذا نظرنا إليه بواسطة جزء صغير من الواجهة. باختصار، خلال 10 -32 ثانية، لم يكن الكون قد نشر بما يكفي حتى يظهر الانحناء، لذا بدا مستوياً. لا تزال فرضية التضخم في انتظار تأكيد تجريبي أو مشاهدة رصدية ( يسعى على وجه الخصوص إلى قياس الاستقطاب المحتمل للفوتونات من الخلفية الميكروية الكونية المنتشرة عن طريق الهزات الكمومية الزمكانية الناتجة عن التضخم) لكنه فرض نفسه تدريجيًا ضمن النموذج الكوني في متغيرات متعددة، بما في ذلك التالي: في منتصف العام  في أواسط سنوات ثمانينيات القرن العشرين، أظهر أندريه ليند وأليكس فيلينكين أنه لو حدثت عملية التضخم، لكانت قد ولدت خلقًا دائمًا للكون، ما يسمى "التضخم الأبدي"، لدرجة أنه `` ستواجه العديد من مناطق الفضاء دائمًا مرحلة توسع متسارع، مما يؤدي باستمرار إلى ظهور أكوان فقاعية جديدة (كلها مختلفة، مع معلمات أو بيانات فيزيائية أخرى). باختصار، وفقا لنموذج منتشر للغاية، فإن كل أنواع الكون ستكون ممكنة وفعالة في مكان ما، بعيدًا عن كوننا. ما علاقة هذا بالكون المتعدد؟ حسنًا، عندما ندرج فرضية هذا التضخم الأبدي في إطار نظرية الأوتار الفائقة، نحصل على نظرية الأكوان المتعددة! هناك عدد هائل من الاختلافات في هذه النظرية (مع كل كون معين، مجموعة الثوابت الأساسية الخاصة به). هل هذا خداع نظري؟ لا أحد يعرف. يعتبر البعض فرضية العمل هذه ضرورية، والبعض الآخر يحكم عليها بأنها تشكل خطراً من الناحية المعرفية لأنها ميتافيزيقية تقريبًا وعلى أية حال هي ليست أولوية، والهدف هو أولاً أن يصفوا كوننا قبل الأكوان الافتراضية الأخرى. ما وراء المسار هناك "نظرية الأوتار + التضخم الكوني"، ما يوضع في إطار نظرية الثقالة أو الجاذبية الكمومية الحلقية (مسار كمي كبير آخر تمت دراسته) صاغه لي سمولينLee Smolin- المنظر الرئيسي للجاذبية أو الثقالة الكمومية الحلقية - في عام 1992 والتي تناولها باستفاضة في كتابه حياة الكون La vie du Cosmos في عام 1997، والفكرة هي أن عملية مماثلة للانتقاء أو الانتخاب البيولوجي الطبيعي تنطبق على الكون: فانهيار الثقوب السوداء يخلق أكوانًا جديدة حيث إن الثوابت الأساسية الجوهرية يمكن أن تختلف عن ثوابت الثقوب السوداء الأصل. لذلك يولد كل كون عدد من الأكوان أكبر من العدد الممكن لما فيه من ثقوب سوداء. بدون ثوابت كونية كافية، يمكن أن تموت بعض الأكوان وهو المسمى الموت الحراري قبل أن يقوم بتوليد "أحفاد". تتناول النظرية الموضوعات التطورية لتكاثر الأكوان وتحولها وفق صيغة الانتخاب أو الانتقاء الطبيعي البيولوجية والبقاء للأصلح. أكثر الأكوان خصوبة هي تلك الغنية بالكربون والأكسجين (أيضًا تلك التي من المحتمل أن تأوي الحياة). ويضيف العالم أورليان بارو Aurélien Barrau أن تضيف: "هذا يؤدي إلى استبدال الفرادات في قلب الثقوب السوداء بـ" الارتدادات "التي تسمح لنا بتخيل كل ثقب أسود كمخترع ومولد لكون جديد. يتسبب عنف الارتداد في اختلاف طفيف في القوانين ويمكن بعد ذلك افتراض آلية "داروينية" لخلق الكون. تطور الانتقاء الطبيعي قوانين الفيزياء نحو الحالة الفائقة القصوى، l’état maximisant وبالتالي تعظيم وتعميم خلق الثقوب السوداء في كل كون. "

هل هي نظرية ميتافيزيقية؟

كما يلاحظ أورليان بارو Aurélien Barrau، "تتيح لنا الأكوان المتعددة أن نحل بشكل طبيعي واحدة من المشكلات المزعجة للفيزياء النظرية: وهي مشكلة الطبيعة naturalité. كيف نفهم أن معظم الثوابت الأساسية - من بينها الثابت الكوني الشهير الذي يتسبب في تسريع توسع كوننا – تتبنى غالبا قيم محددة للغاية ومناسبة بشكل خاص لوجود التعقيد؟ تتيح الأكوان المتعددة الهروب من الاجابة اللاهوتية – الغيبية. تسمح لك نظرية الأكوان المتعددة باكتساب ارتفاع الرؤية وعلو أو سمو التفكير لجعل الأمر غير المحتمل لا يمكن إلا أن يبدو محتملاً فقط. كما يقول ماكس تيغمارك، في الفضاء اللانهائي، حتى الأحداث الأكثر عدم احتمالية، يجب أن تحدث في مكان ما، ومن سمات ومميزات وأفضال هذه النظرية أنها تخرجنا أفقنا الأنثروبوسنتريك anthropocentrée الإنسي وتأكيد الطارئ contingence لمقارعة فكرة ضرورة ظهور الإنسان والحياة بشكل عام. بعبارة أخرى لهذه النظرية ميزة كبيرة في إخراجنا من منظورنا المتمركز حول الإنسان وإعادة التأكيد على الاحتمالية لموازنة الأشياء التي يمكن أن تتغير، والتي ليست ذات أهمية قصوى. مع ما لا نهاية من الأكوان لكل منها إعدادات مختلفة، فمن المحتمل أن يكون لدى واحد منها على الأقل قوانين تسمح بالحياة، بنفس الطريقة التي يعتبرها الفائز باللوتو أن فوزه غير محتمل في حين أنه لا بد لشخص ما أن يربح. بروح نقدية حادة قليلاً، يتساءل البعض عن الطابع العلمي لهذه النظرية. يجب أن نتذكر أن أحدث نظريات الكموم الكوانتية المتطورة هي بذاتها بعيدة عن أي رسو تجريبي حتى الآن، غارقة كما هي تحت طوفان من المعادلات الرياضياتية المجردة والشكليات التجريدية، وهنا مع هذه النظرية نحن أبعد من ذلك. الأكوان المتعددة هي امتداد لنظرية الكموم الكوانتوم التي يبدو أنها لا علاقة لها بالواقع، في الحقيقة، ليس لدينا أي يقين حاليًا حول الطبيعة المحدودة أو اللانهائية المحتملة للكون لأننا توصلنا فقط إلى رصد جزء من الكون المرئي. فكيف يمكننا إذن اختبار هذه النظرية تجريبيا؟ لا يمكننا ذلك، وهذا ما يجعل العديد من المعلقين يشككون، حتى بين العلماء أنفسهم. خلافا للاعتقاد الشائع، مهما كانت النظرية بعيدة المنال، فإن نظرية الأكوان المتعددة ليست للجميع أن الفرضية "الميتافيزيقية" بسيطة، وفقًا لعالم الفيزياء الفلكية أوريليان بارو: إذا كان من الواضح أنه لا يمكن الوصول إلى أكوان الفقاعة هذه، فإن النظرية في حد ذاتها "قابلة للدحض"، وبالتالي فهي علمية تمامًا بالمعنى البوبري، وذلك لأن الأكوان المتعددة ليست في حد ذاتها نموذجًا. ولكن نتيجة واحدة، من بين أمور أخرى، لنماذج فيزياء الكموم التي يمكن اختبارها: "إذا كنا نعرف التوزيع الاحتمالي للأنواع المختلفة من الأكوان التي تنبأت بها النظرية ويمكننا - توقيت احتمالية ظهور المراقبين في هذا النوع من الكون، من الممكن تقدير ما إذا كان وجودنا داخل كوننا يؤيد (إلى درجة معينة من الثقة) هذه النظرية. هذا النهج غير ممكن من الناحية التقنية اليوم - خاصة وأن تعريف القياس في الأكوان المتعددة يمثل مشكلة معقدة للغاية - لكن النهج علمي للغاية بالمعنى التقليدي للكلمة. " في العلوم، عندما يتم تحديد مجال تأديبي، يكاد يكون من المستحيل على الممارس الخروج من التعريف. في بعض الأحيان يتم رفض نظرية "الأكوان المتعددة" ليس بسبب عدم الاهتمام المحتمل بحافز العقل (تنوع الأكوان ليس شاذًا من الناحية المفاهيمية، حتى لو كان ذلك في حد ذاته يتعارض مع مصطلح "الكون")، ولكن تحت العنوان qt، "يتم استخراجه من تعريف العلم لأن اختبار نظرية غير متجانسة في أحسن الأحوال محتملاً، وفي أسوأ الأحوال مستحيلاً ...

"قابلية إعادة التغلب" على بوبر

مفهوم مهم في نظرية المعرفة المعاصرة والذي ينص على أن النظرية التي تدعي أنها علمية يجب أن تكون، لا يمكن التحقق منها، ولكن يمكن دحضها (قابلة للتزوير). يقال إن النظرية العلمية يمكن دحضها إذا كان من الممكن تسجيل ملاحظة أو إجراء تجربة من شأنها، إذا كانت إيجابية، أن تتعارض مع هذه النظرية. مثال: حقيقة عدم ملاحظة البجعة التي ليست بيضاء لا تثبت صدق العبارة "كل البجعات بيضاء"، وهذا يزيد فقط من احتمال صحتها. من ناحية أخرى، يكفي بجعة سوداء واحدة لدحضها. هذه أطروحة مركزية لفيلسوف العلم كارل بوبر: عدم التماثل بين الخطأ والحقيقة. لذلك، يمكن أن يتعلق اليقين العلمي فقط بعمليات الطعن. من المستحيل إثبات النظرية بشكل قاطع، ولكن مع استبعاد النظريات المتنافسة، يزداد احتمال النظرية التي تقاوم. كل محاولة فاشلة لدحض نظرية تساهم في زيادة "صلاحيتها" من خلال توسيع مجالات تطبيقها.

 

د. جواد بشارة

.....................

المراجع الببليوغرافية

- جايلز سبارو، 50 مفتاحًا لفهم الكون، إصدارات Dunod

 

جواد بشارةعن موقع أنا أثق بالعلم باللغتين الفرنسية والانجليزية

إعداد واختيار وترجمة: د. جواد بشارة

 وقع ستيفن هوكينغ، قبل وفاته، مع 32 من كبار الفيزيائيين خطابًا بشأن الجدل حول أصل الكون. لقد كنا نتساءل كيف بدأ الكون طيلة قرون عديدة ولم نصل إلى ‘جابة ناجعة وقاطعة ومثبتة علمياً. لقد تم إحياء هذا الجدل مؤخرًا، لأن 33 من أشهر علماء الفيزياء في العالم قد نشروا رسالة مفتوحة تدافع عن إحدى الفرضيات الرئيسية حول أصل الكون، ألا وهي: نظرية التضخم الكوني. هذه الرسالة هي في الواقع استجابة مباشرة ورد نقدي على مقال نُشر في مجلة أمريكان ساينتفيك Scientific American في فبراير 2017، انتقد فيه ثلاثة فيزيائيين بشدة نظرية التضخم: تفترض هذه النظرية أن الكون تطور مثل البالون، بعد فترة طويلة من الانفجار العظيم. وذهب المقال إلى حد الادعاء بأن النموذج الكوني التضخمي "لا يمكن تقييمه باستخدام المنهج العلمي" - وهو المعادل الأكاديمي للادعاء بأنه ليس علمًا حقيقيًا.

نُشرت الرسالة المفتوحة من قبل 33 عالمًا فيزيائيًا مشهورًا عالميًا، بما في ذلك ستيفن هوكينغ وليزا راندال وليونارد سوسكيند، في مجلة Scientific American. في الأساس: ليعبروا عن غضبهم الشديد تجاه زملائهم الثلاثة.

1720  بشارة 1

تم اقتراح نظرية التضخم الكوني من قبل عالم الكونيات آلان غوث في عام 1979. هذا النموذج الكوني (الملائم في نموذج الانفجار الكبير والضروري لمقبوليته)، مبني على فكرة أنه في جزء من الثانية بعد الانفجار العظيم، كان الكون قد عرف مرحلة من التوسع السريع والعنيف للغاية والذي كان من شأنه أن يسمح له بالنمو بعامل كبير. في السنوات التي تلت ذلك، تم تحسين فكرة غوث الأصلية وتحديثها من قبل علماء الفيزياء في جامعة ستانفورد، ولا سيما أندريه ليند، الذين كرسوا حياتهم المهنية منذ ذلك الحين لتحسين هذا النموذج من التضخم الكوني، والذي أصبح النظرية الرئيسية المتعلقة بميلاد الكون.

لهذا السبب، ذهب غوث وليند، بالإضافة إلى عالِمَي الكونيات ديفيد كايزر وياسونوري نومورا، لتجنيد 31 موقعًا آخرين على الرسالة المفتوحة. هناك حقيقة مثيرة للاهتمام وهي أن أحد زملاء غوث وليند السابقين ليس سوى الفيزيائي بول شتاينهاردت، وهو من بين الثلاثة الذين يحتشدون ضدهم ونشروا الرسالة العلمية التي تدحض صلاحية نموذج التضخم الكوني. في الواقع، شارك كل من غوث وليند وشتاينهارت في جائزة ديراك المرموقة "لتطوير مفهوم التضخم في علم الكونيات" في عام 2002.

ولكن، في السنوات التي تلت ذلك، إنقلب شتاينهارد وأصبح شديد النقد للنظرية التضخمية التي عمل عليها طيلة سنوات. كان أحد مؤلفي مقال Scientific American إلى جانب عالمة الفيزياء في جامعة برينستون آنا إيجاس وعالم الفلك بجامعة هارفارد أبراهام لوب.

ركزت هذه المقالة على الأبحاث الحديثة حول الخلفية الكونية الميكروية المنتشرة، والتي لا تتطابق مع توقعات النظرية التضخمية حزب زعمهم. انتقد المقال أيضًا أن التضخم كان سيولد موجات ثقالية بدائية، والتي لم يتم تحديدها مطلقًا. "تشير البيانات إلى أنه يجب على علماء الكونيات إعادة تقييم هذا النموذج المميز والنظر في الأفكار الجديدة حول كيفية بدء الكون"، كما أوضحوا في المقالة.

لكن هذا النقد في حد ذاته ليس هو المشكلة، فهذه الحجج سليمة في العالم العلمي. ما أزعج غوث وليند والموقعين الـ 31 الآخرين هو الاقتراح بأن نظرية التضخم الكوني لا يمكن اختبارها، وبالتالي فهي ليست علمية حقًا. "لقد قدموا هذا الادعاء الاستثنائي بأن علم الكونيات التضخمية" لا يمكن تقييمه باستخدام الطريقة العلمية التجريبية «وادعوا أن بعض العلماء الذين يقبلون التضخم قد اقترحوا " رفض إحدى الخصائص المحددة العلم كشرط مسبق أي: "القابلية للاختبار التجريبي"، وبالتالي فإن فكرة أو فرضية التضخم الفوري الهائل هي "نوع من العلم غير التجريبي «، كما يشرح الفيزيائيون في رسالتهم المفتوحة.

ليس لدينا أي فكرة عن العلماء الذين يشيرون إليهم. نحن نختلف مع عدد من العبارات الواردة في مقالتهم، ولكن في هذه الرسالة سوف نركز على اختلافنا القاطع مع هذه العبارات حول قابلية اختبار التضخم "، يضيف العلماء المنددين بزملائهم الثلاثة المعترضين في رسالتهم قائلين:" تعتمد نظرية التضخم الكوني بالفعل على العديد من النماذج. على مدار الـ 37 عامًا الماضية، ولقد جعلت بعض هذه النماذج من الممكن عمل تنبؤات صحيحة وقابلة للتحقق: بما في ذلك على وجه الخصوص فيما يتعلق بمتوسط كثافة الكتلة للكون وكذلك شكله. ومع ذلك، لم يتم حل العديد من هذه النماذج. لكن على أي حال، فإن النموذج الأخير قابل للاختبار، أي نعم، هذا علم، ويمكن إثباته أو دحضه بناءً على أي دليل سيتم العثور عليه في المستقبل.

علق شون كارول، أحد الفيزيائيين الذين وقعوا الرسالة: "نحن نحكم على النظريات من خلال ما تتوقعونه ويمكن اختباره، وليس تلك التي لا يمكن اختبارها. من الصحيح تمامًا أن هناك أسئلة مهمة لم تتم الإجابة عليها فيما يتعلق بالنموذج التضخمي. لكن الإجابة الصحيحة في هذا الموقف هي إما العمل لمحاولة الإجابة على هذه الأسئلة أو التركيز على شيء آخر (وهو خيار محترم تمامًا). يجب ألا ندعي أن الأسئلة، من حيث المبدأ، بدون إجابة، وبالتالي فهي تركت مجال العلم أو باتت خارج العلم".

منذ ذلك الحين، استجاب مؤلفو المقال الأول أيضًا، بنوع من الأسئلة الشائعة المتعلقة بالمناقشة. وهم يحافظون على موقفهم بأن التضخم كان يمكن التحقق منه ذات يوم، لكن "ما بدأ في الثمانينيات كنظرية بدا أنها تقدم تنبؤات نهائية قد تطور إلى نظرية لا تقدم تنبؤات محددة".

لسوء الحظ، لا يوجد حل لهذه المناقشة حتى الآن وكلا الجانبين حازم للغاية. الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الطرفان هو أن نظرية التضخم ليست مثالية. لذلك يجب علينا جميعًا أن نكون منفتحين بشأن ما حدث حقًا عند ولادة الكون، حيث تتوفر بيانات جديدة. أو، كما يقول غوث عندما سئل عما سيحدث بعد ذلك، "أعتقد أننا سنواصل بحثنا فقط."

يمكن قراءة مقال Scientific American المنشور في فبراير 2017 وهي رسالة مفتوحة للرد، الذي نُشر أيضًا في Scientific American ومتوفر على موقع المجلة.

2- أكوان أخرى محتملة:

في سياق البحث عن تداعيات التضخم الكوني المفاجيء والدائم والتوسع الكوني المتسارع، ربما يكون العلماء قد حددوا دليلاً على وجود أكوان أخرى قبل كوننا.

يقول العلماء إنهم حددوا أدلة محتملة تظهر وجود أكوان أخرى قبل كوننا. تستند استنتاجات الدراسة إلى ملاحظات أدلة منبهة في سماء الليل، أي "بقايا الثقب الأسود" من كون سابق.

لفهم ما يقوم عليه هذا الاكتشاف، دعونا نبدأ بتقديم مفهوم "علم الكون الدوري cosmologie cyclique «، أو "الأكوان الدورية المتعاقبة d’univers cycliques «. تستند فكرة الأكوان الدورية على نموذج علم الكون الدوري المطابق cosmologie cyclique conforme (CCC). وهي النظرية التي وفقًا لها أن كوننا يمر عبر دورات ثابتة بما في ذلك الانفجارات الكبيرة والضغط الكوني، على عكس النموذج القياسي لعلم الكونيات، حيث كان هناك بداية واحدة فقط ونفس البداية (الانفجار العظيم).

بينما سيتم تدمير معظم مكونات السابق الكون من دورة إلى أخرى، يقول فريق الباحثين إن بعض الإشعاع الكهرومغناطيسي يمكن أن ينجو من عملية "التجديد". تم نشر نتائجهم على خادم arXiv. قال روجر بنروز، أحد أقطاب هذه النظرية، وهو عالم الفيزياء الرياضية بجامعة أكسفورد، لمجلة نيو ساينتست: "ما ندعي رؤيته هو آخر بقايا بعد أن تبخر ثقب أسود في الكون السابق". بنروز هو أيضًا مؤلف مشارك للدراسة ومؤلف مشارك لنظرية CCC.

ويأتي "الإثبات" على شكل "نقاط هوكينغ points Hawking «، التي سميت على اسم الراحل ستيفن هوكينغ. افترض الفيزيائي الشهير أن الثقوب السوداء ستصدر إشعاعًا يعرف باسم إشعاع هوكينغ rayonnement de Hawking. يقترح بنروز وزملاؤه أن مثل هذا الإشعاع سيكون قادرًا على الانتقال من كون إلى آخر.

وفقًا لهم، يمكن أن تظهر نقاط هوكينغ في الحرارة المتبقية من الانفجار العظيم، والمعروفة باسم الخلفية الكونية الميكروية المنتشرة (CMB). تبدو نقاط هوكينغ مثل دوائر الضوء على خريطة CMB، تسمى modes B "أوضاع B". في السابق، كان يُعتقد أن هذه "النقاط الشاذة" (الأنماط B) في الإشعاع الخلفي الميكروي المنتشر CMB ناتجة عن موجات الجاذبية أو الموجات الثقالية للغبار ما بين النجمي. لكن بنروز وزملائه يزعمون أن نظريتهم يمكن أن تقدم إجابة مثيرة للاهتمام. علاوة على ذلك، وكجزء من مشروع BICEP2 ، الذي يهدف إلى رسم خريطة CMB كاملة، ربما اكتشف الباحثون بالفعل نقطة هوكينغ. المشاركة في علم الكون الدوري المطابق (CCC) "، كتب الفريق في ورقتهم. "على الرغم من أن درجة الحرارة عند الانبعاث منخفضة للغاية، إلا أن هذا الإشعاع في CCC يتركز بشكل كبير، بسبب الضغط المطابق للثقب الأسود بأكمله، مما يؤدي إلى نقطة واحدة في عصرنا الحالي (العصر الكوني)، كما أضاف الباحثين.

لا تخلو نظرية الكون الدوري من الجدل. تشير معظم حججنا الحالية إلى أن توسع الكون يتسارع، لأن الكون ليس كثيفًا بدرجة كافية للضغط في نقطة واحدة والتوسع مرة أخرى (إشارة إلى نظرية الارتداد الكبير). The Big Bounce (أو Univers phénix) ، هو نموذج كوني دوري يتضمن تطورًا للكون يؤدي إلى التناوب بين انفجار عظيم Big Bang و Big Crunch وانكماش عظيم (تليها مباشرة انفجار كبير) وهكذا.

لذلك، في الوقت الحالي، لا يوجد حتى الآن أي دليل كوني حقيقي على إشعاع هوكينغ، ناهيك عن حقيقة أن نقاط هوكينغ التي ذكرها المؤلفون لم يتم التحقق منها بعد (بعيدًا عن ذلك). لذا في حين أن هذه نظرية مثيرة للاهتمام، لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه قبل أن يدعي أي شخص الوجود النهائي لكون سابق.

المصادر: arXiv.org، عالم جديد

3- التضخم الأبدي: لماذا لا تصطدم الأكوان في الكون المتعدد؟:

تنشأ فرضية الكون المتعدد بشكل طبيعي من العديد من النظريات الكونية الحالية مثل نظرية الأوتار أو نظرية التضخم الأبدي. وهي بدأت كفرضية خاصة، ثم ارتقت إلى مرتبة النظرية العلمية أو النتيجة المباشرة لهذه النظريات والآن ينظر إليها بجدية من قبل المجتمع العلمي. ولكن إذا كان كوننا يتطور مع الآخرين داخل كون متعدد، وهم يتوسعون، فكيف لم يتلامسوا أبدًا أو يتصادموا؟

ظهرت فكرة الكون المتعدد في اليونان القديمة من قلم الفيلسوف أناكسيماندر Anaximandre. ولم تغادر هذه الفكرة أذهان العلماء أبدًا، على الرغم من أن المفهوم قد اتخذ أشكالًا عديدة على مر القرون. تشكلت فرضية الأكوان المتعددة مع ظهور ميكانيكا الكموم أو الكوانتوم والبحث عن حلول لمشكلة القياس.

في عام 1950، اقترح الفيزيائي هيوغ إيفريت Hugh Everett حلاً لهذه المشكلة من خلال اقتراح أن الحالات الكمومية التي لا يتم اختيارها من خلال قياس الجسيم لا تختفي، ولكنها تحدث في الأكوان الكامنة وراء كوننا المرئي؛ هذه "الأكوان الفرعية" غير موجودة مسبقًا، ولكنها تظهر أثناء القياس ثم يتعذر الوصول إليها بمجرد إجراء القياس. يسمى هذا الحل "نظرية العوالم المتعددة حسب إيفريت".

في عام 1982، في ظل زخم الأعمال المختلفة المتعلقة بالتضخم الكوني، اقترح الفيزيائي الروسي الأمريكي أندريه ليند Andreï Linde ظاهرة التضخم الأبدي، أي التضخم الكوني الذي سيتوقف في مناطق معينة من العالم. "الكون المرئي"، والذي سيستمر إلى الأبد في الأكوان الأخرى. عندما ينتهي التضخم، ترى المناطق المتأثرة انحناءها المكاني قريبًا من شكل كروي، مما يؤدي إلى ظهور "الفقاعات الكونية bulles d’univers "، أو الفقاعات-الأكوان.

في عام 1983، قام الفيزيائي بول شتاينهاردت Paul Steinhardt بتعميق وصقل فرضية ليند، قبل أن ينقلب عليها، من خلال إظهار أنه في حالة توقف التضخم، يتم تحويل الطاقة جيدًا إلى مادة وإشعاع. سيتم دعم هذا العمل من قبل ألكسندر فيلينكين Alexander Vilenkin. في عام 1986، نشر ليند دراسة تعرض الشكل النهائي للتضخم الأبدي. يتم الآن دراسة هذا السيناريو بدقة من قبل علماء الكونيات ويتناسب بشكل جيد نسبيًا مع النموذج الكوني القياسي.

التضخم الأبدي والفقاعات الكونية:

التضخم ظاهرة تفسر المبدأ الكوني، وهذا هو سبب كون الكون متجانسًا homogène وإيزوتروب isotrope (مشكلة الأفق الكوني problème de l’horizon) ، ولماذا يكون مسطحًا مكانيًا (مشكلة التسطيح الكوني problème de la platitude).

يقدم النموذج التضخمي العديد من التنبؤات: خاصية طيف القدرة المميزة لتقلبات الكثافة البدائية fluctuations primordiales de densité، ودرجة حرارة حرجة وصلت إلى ذروتها بعد لحظات من الانفجار العظيم، ووجود تقلبات fluctuations على نطاقات أكبر من الأفق الكوني، وطيف معين في تقلبات في موجات الجاذبية أو الموجات الثقالية des ondes gravitationnelles. وقد لوحظ كل شيء باستثناء هذه الأخيرة، ولقد تم رصد ما يشبهها مؤخراً في مسرع ومصادم الهدرونات الكبير LHC.

التضخم هو وقت في الكون المبكر عندما تهيمن عليه طاقة الزمكان نفسه l’espace-temps. في هذه العملية، نظرًا لأن الطاقة الكامنة في الزمكان تهيمن على التوسع، كان معدل التوسع أسيًا، مما يؤدي إلى توسيع الفضاء بسرعة كبيرة وبشكل حاد في جميع الأبعاد الزمكانية. العديد من الملاحظات، ولا سيما تلك الخاصة بتقلبات الكثافة (تباين الخواص) داخل الخلفية الكونية المنتشرة، جزئياً بفضل مهمة التلسكوب الفضائي بلانك، جعلت من الممكن تأكيد تنبؤات النموذج التضخمي. لذلك، وعلى نطاق صغير جدًا، فإن أية منطقة غير مسطحة من الفضاء تحتوي على مادة، لن يكون ممكناً تمييزها عن المنطقة المسطحة، وسيتم دفع جميع جسيمات المادة بعيدًا عن طريق التمدد، دون أن يلتقي اثنان منها.

بعد بضع أجزاء من الثانية، يتوقف التضخم، وتتحول الطاقة الكامنة في الزمكان إلى مادة وإشعاع. طريقة واحدة لفهم هذه الظاهرة، وتصور التضخم على أنه رصاصة على قمة التل. طالما ظلت الكرة في القمة، يستمر التضخم وتوسعها الأسي expansion exponentielle.

لكي ينتهي التضخم، بغض النظر عن المجال الكمومي أو الكوانتي le champ quantique الذي يسببه، يجب أن ينتقل من حالة طاقة عالية إلى حالة ثابتة ذات طاقة أقل. هذا الانتقال من أعلى التل إلى أسفله هو شرط لوقف التضخم.

يحتوي الحقل المسؤول عن التضخم على طاقة عالية في أعلى التل. ولكن عندما ينزل من التل، تقل طاقته حتى تصل إلى حالة الأرض. ثم يتم تحويل الطاقة إلى جسيمات وإشعاع.

ومع ذلك، فإن هذا التشبيه صحيح فقط في حالة الحقل أو المجال الكلاسيكي. والحال، فإن التضخم يأخذ شكل مجال كمومي. ومثل أي كائن كمومي، يتم وصف المجال الكمومي بواسطة دالة موجية fonction d’onde تحتوي على احتمالات تحقيق حالاتها الكمومية. وبالتالي، من بين هذه الاحتمالات المختلفة، يمكن أن يتسبب البعض في فقدان المجال الكمومي للطاقة والاستقرار في حالة طاقة أقل، بينما يمكن للآخرين أن يتسببوا في تجاوز حالة التوازن هذه والاستمرار فيما يتعدى ذلك.

هذا يعني أن التضخم لا يتوقف بشكل متزامن في كل مكان في الكون، ولكنه يتوقف في بعض المناطق ويستمر في مناطق أخرى بمعدل أسي. ستشهد بعض مناطق الكون استقرار مجالها الكمومي في قاع التل، وسيستمر المجال الكمومي في مناطق أخرى بنسب واتجاهات مختلفة. هذه هي الآلية التي تشرح نظرية التضخم الأبدي وظهور الكون المتعدد.

1720  بشارة 2  

1720  بشارة 3

فقاعات الكون المنفصلة سببيًا بسبب التضخم الأبدي، وحيث يتوقف التضخم، ينشأ انفجار كبير ثم ينشأ الكون. وحول هذه المناطق، يستمر التضخم ويستمر التوسع بشكل كبير. يؤدي هذا إلى إبعاد الأكوان المختلفة التي تشكلت بسرعة أعلى تكون فيها هذه الأكوان في "تمدد داخلي". يتسبب هذا الاغتراب في الانفصال السببي عن جميع الأكوان، على الرغم من حدوث انفجارات كبيرة جديدة وظهور أكوان جديدة في كل ثانية.

1720  بشارة 4

إذا تم تمثيل الكون المتعدد كمحيط، يمكن اعتبار المناطق التي تظهر فيها الانفجارات الكبرى والأكوان على أنها فقاعات صغيرة داخلها.

1720  بشارة 5

مثل فقاعات الهواء الحقيقية في الماء، تتوسع هذه الفقاعات بمرور الوقت. ولكن على عكس جسم الماء في المحيط، فإن "محيط الأكوان المتعددة" يتمدد بشكل أسرع بكثير من توسع الفقاعات نفسها. وطالما استمرت المساحة بينهما في التوسع، أي إلى الأبد، لن تلتقي فقاعتان أبدًا. إذا لوحظ أي دليل على تصادم كوننا في الأكوان المتعددة، فسيشكل ذلك دليلًا قويًا يتعارض مع النظرية التضخمية وأغلبية نماذج علم الكونيات الكمومية. إن التصادم بين فقاعتين سيترك بالضرورة بصمة في الخلفية الكونية المنتشرة. ومع ذلك، فقد تمت دراسة هذه الأخيرة بالتفصيل في السنوات الأخيرة، ولم يتم الكشف عن أي دليل على مثل هذا التصادم، مما يدعم نموذج التضخم.

4 - المادة المظلمة أو السوداء La matière noire والطاقة المظلمة أو المعتمة l’énergie noire: متى تم إنشاءهما؟

المادة السوداء أو المظلمة والطاقة الداكنة والمعتمة أو المظلمة هما من أهم الألغاز في علم الكونيات الحديث. يهيمن هذان المكونان الكونيان على الكون، ولا يزالان يفلتان عن  سيطرة العلماء. في حين أن بعض هؤلاء العلماء يشككون في طبيعتها وماهيتها، فإن أصلها هو أيضًا موضوع بحث نشط.

قدرت بعثات المراقبة المختلفة التي تم تنفيذها في السنوات الأخيرة أن المادة السوداء أو المظلمة تمثل حوالي 27٪ من إجمالي كثافة الطاقة في الكون المرئي، والطاقة السوداء أو المعتمة أو المظلمة تمثل حوالي 68٪. ومع ذلك، فإن هذين المكونين الكونيين يظلان افتراضيين ولا يزالان بعيدًا عن أدوات العلماء. في حين أن السؤال عن طبيعتهما وماهيتهما تحتل مقدمة الاهتمامات، فإن أصلهما ضروري أيضًا.

على الرغم من أنه لا يزال هناك القليل جدًا من المعلومات حول هذين العنصرين المراوغين، فإن هذا لا يعني أن علماء الكونيات يجهلونهما تمامًا. تُظهر النماذج النظرية، التي تكملها بعض الملاحظات، على سبيل المثال أن تأثير الطاقة السوداء أو المظلمة على توسع الكون بدأ فقط في الظهور منذ 6 إلى 9 مليارات سنة.

يبدو أن الطاقة المظلمة تؤثر على التمدد والتوسع الكوني في جميع الاتجاهات، وتمتلك كثافة طاقة ثابتة ومتجانسة. بدون فرضية الطاقة السوداء أو المظلمة، يبدو الآن من الصعب تفسير تسارع تمدد وتوسع الكون الذي لوحظ في عام 1998.

من ناحية أخرى، يبدو أن المادة السوداء أو المظلمة تظهر آثارها منذ 13.8 مليار سنة. أي منذ نشأة الكون المرئي، تتطلب البنية الكونية التي تشكلها وفرة أكبر بخمس مرات من المادة الباريونية المعروفة حالياً في الكون المرئي.

على عكس الطاقة السوداء أو المظلمة، تتفاعل المادة السوداء أو المظلمة مع الجاذبية وتلعب دورًا في تكوين الكوازارات والمجرات والسحب الغازية الكبيرة التي تسكن الكون. وفقًا للنموذج القياسي لعلم الكونيات (نموذج L-CDM)، سيكون موجودًا في شكل هالات وخيوط مجرية. يمكن ملاحظة بصمات الجاذبية البدائية للمادة السوداء أو المظلمة في بنية الخلفية الكونية المنتشرة.

على الرغم من أنه يمكن العثور على آثار وأدلة لهذين المكونين على مدار تاريخ الكون، فإن هذا لا يعني أنهما نشأتا بالضرورة خلال الانفجار العظيم. إن العثور على الأصل الدقيق للمادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المعتمة أو المظلمة هو أمر أكثر صعوبة لأنه في أوقات معينة في الكون، قد تكون آثارهما محجوبة بسبب ظواهر أخرى ذات كثافة أكبر.

هناك طاقة سوداء أو مظلمة ثابتة Une énergie noire constante ولكنها ضئيلة في الكون الشاب: هذا ينطبق بشكل خاص على الطاقة السوداء أو المظلمة. عندما يتمدد الكون تحت تأثير التوسع، يزداد حجمه ولكن يظل عدد الجسيمات ثابتًا؛ وبالتالي فإن كثافة المادة الباريونية والمادة السوداء أو المظلمة تتناقص تدريجياً، وتخفف بالتوسع. أما بالنسبة للإشعاع، فإن كثافته تنخفض بشكل أسرع لأن الطول الموجي للفوتونات يتمدد بسبب تمدد الفضاء (الانزياح الأحمر redshift). تظل كثافة الطاقة المظلمة ثابتة.

اليوم تهيمن الطاقة السوداء أو المظلمة على الكون. لكن في الماضي، كان الكون أصغر وأكثر كثافة، لذلك كانت كثافة المادة والإشعاع أكبر. منذ حوالي 6 مليارات سنة، كانت كثافة المادة والطاقة المظلمة هي نفسها.

بالعودة إلى الوراء، منذ حوالي 9 مليارات سنة، فإن مساهمة الطاقة السوداء أو المظلمة في كثافة الطاقة في الكون صغيرة جدًا ، وتأثيراتها لا تذكر ، وبالتالي يصبح من الصعب إعادة بناء ديناميكياتها.

تكشف الملاحظات والمشاهدات الرصدية الحالية عن كثافة طاقة سوداء أو مظلمة ثابتة تمامًا. تُظهر معادلة الطاقة المظلمة للحالة، المقيدة بملاحظة التذبذب الصوتي للباريونات، أن الكمية المرتبطة بالطاقة السوداء أو المظلمة ثابتة. ومع ذلك، هذا لا يعني أن كثافة الطاقة هذه كانت دائمًا ثابتة. ربما تكون قد تغيرت بمرور الوقت، لأن هذا التعديل حدث مع اختلاف المعلمات والبيانات أو المعطيات الكونية الأخرى des autres paramètres cosmologiques..

وهكذا يمكن أن توجد الطاقة المظلمة أو السوداء منذ فترة التضخم التي حدثت بعد لحظات من الانفجار العظيم، في نهاية زمن بلانك. هذه هي الفرضية التي اقترحها النموذج الجوهري.

لكن الطاقة المظلمة ربما لم تظهر إلا في وقت لاحق من تاريخ الكون المرئي. حاليًا، لا توجد ملاحظة للحكم على وجود أو عدم وجود الطاقة السوداء أو المظلمة خلال أول 4 مليارات سنة من الكون.

1720  بشارة 6

الرسم البياني أعلاه يوضح تطور كثافة الطاقة السوداء أو المظلمة خلال الزمن. رغم إن النموذج الكوني الحالي يعتبر الطاقة السوداء أو المظلمة كثابت حقيقي كما يرمز لذل الخط الأزرق الداكن، إلا أن المنطقة التركوازية أو الفيروزية اللون في الرسم البياني تمثل اللادقة واللايقين بشأن ديناميكية هذه الكثافة.

المادة السوداءالمظلمة موجودة طوال تاريخ الكون المرئي:

لكن فترة ظهور المادة السوداء أو المظلمة مقيدة بشكل أفضل. يعد نمط التقلبات المرصودة في الخلفية الكونية الميكروية المنتشرة أقدم مؤشر على وجود المادة السوداء أو المظلمة، بعد 380.000 سنة من الانفجار العظيم. السعة الزاوية لهذه التقلبات تظهر نسبة 5: 1 لصالح المادة المظلمة على المادة العادية. في نموذج L-CDM، تشكل المادة المظلمة الأسمنت الكوني الذي يسمح بتكوين هياكل كبيرة من الكون الشاب.

ومع ذلك، فإن هذا مرة أخرى لا يشير بالضرورة إلى تكوين مادة سوداء أو مظلمة في وقت الانفجار العظيم عكس المادة المضادة التي وجدت في نفس زمن ظهور المادة البايرونية العادية. توجد العديد من فرضيات ما بعد الانفجار العظيم حول هذا الموضوع. يمكن أن يكون قد تم إنشاؤه من خلال التفاعلات عالية الطاقة les interactions de très haute énergie  التي تلت التضخم؛ عن طريق اضمحلال الجسيمات فائقة الطاقة particules ultra-énergétiques في إطار نظرية التوحيد الكبرى (GUT)؛ من خلال الانهيار التلقائي لأي تناظر symétrie على النحو الذي اقترحه نموذج Peccei-Quinn ؛ من خلال تذبذب النيوترينوات الضخمة العقيمة.

إن عدم معرفة الطبيعة الدقيقة والماهية الحقيقية للمادة السوداء أو المظلمة يجعل من المستحيل تحديد أصلها على وجه اليقين. ومع ذلك، تظهر العديد من الملاحظات أنها موجود منذ اللحظات الأولى للكون على الأقل.

ربما ظهرت الطاقة المعتمة أو السوداء أو المظلمة في نفس الوقت أو بعده. تشير بعض الفرضيات إلى أن الطاقة السوداء أو المظلمة تظهر فقط عندما تكون الهياكل الكونية الكبيرة قد تشكلت بالفعل ، بما في ذلك ظهورها ما بعد المادة السوداء أو المظلمة émergence post-matière noire.

لذلك تُعتبر المادة السوداء أو المظلمة موجودة وتعمل منذ اللحظات الأولى للكون المرئي، إن لم يكن أثناء الانفجار العظيم نفسه. بينما يُعتقد أيضًا أن الطاقة السوداء أو المظلمة موجودة منذ البداية ، إلا أنها بدأت تظهر آثارها لاحقًا في تاريخ الكون المرئي. في كلتا الحالتين، ستكون هذه الأسئلة هي التحديات الكبيرة التالية في علم الكونيات.

1720  بشارة 7

يقال إن هناك موجة من المادة السوداء أو المظلمة تجتاح النظام الشمسي:

تمثل المادة السوداء أو المظلمة، كما قلنا، حوالي 27٪ من كثافة الطاقة في الكون، وهي مادة افتراضية مدمجة في النموذج القياسي الكوني، مما يساعد على تفسير منحنيات دوران المجرة وتشكيل الهياكل الكونية الكبيرة. بصرف النظر عن هالات المجرات والخيوط بين العناقيد المجرية، يمكن للمادة السوداء أو المظلمة أيضًا أن تتحرك في موجات حقيقية من المادة السوداء أو المظلمة. ووفقًا لعلماء الفيزياء الفلكية، تخترق إحدى هذه الموجات النظام الشمسي بسرعة حوالي 500 كم / ثانية.

تم تقديم المادة السوداء أو المظلمة في عام 1933 من قبل عالم الفيزياء الفلكية السويسري فريتز زويكي Fritz Zwicky ، ثم تم دمجها في السبعينيات من قبل عالمة الفيزياء الفلكية الأمريكية فيرا روبن Vera Rubin ، ومنذ ذلك الحين تم دمج المادة السوداء أو المظلمة في النموذج القياسي لعلم الكونيات - نموذج Λ-CDM (للمادة السوداء أو المظلمة الباردة cold dark matter ou matière noire froide) - لشرح بعض الملاحظات ، مثل منحنى دوران المجرات أو التقلبات في الخلفية الكونية المنتشرة. كما يقدم شرحًا لتكوين الهياكل العظيمة للكون والحفاظ على سلامتها.

على الرغم من عدم اكتشافها أو رصدها على نحو مباشر بعد، فإن الأدلة على وجود المادة السوداء أو المظلمة متعددة الجوانب. تتفق القراءات الأخيرة من بعثتي تلسكوبي دبليو ماب WMAP وبلانك Planck مع وجود كتلة مفقودة masse manquante. وكذلك دراسات المجرات من خلال تأثيرات عدسات الجاذبية lentilles gravitationnelles التي تسببها؛ في هذه الحالة، الكتلة المرئية للمجرة وحدها لا تبرر إنتاج عدسة الجاذبية.

تيار نجمي ذو مسار غير عادي:

كيف إذن يعرف علماء الفيزياء الفلكية أن عاصفة مادة سوداء أو مظلمة تضرب النظام الشمسي؟ الجواب يكمن في حركة النجوم. بتحليل البيانات من مهمة تلسكوب Gaia التي صدرت العام الماضي، اكتشف الباحثون عدة تيارات نجمية حول مجرة درب التبانة. التيار النجمي هو مجموعة من النجوم تدور حول مجرة وينتج عن تدمير مجرة قزمة قديمة.

مجرة درب التبانة مزقت مجرة قزمة كروية (مجرة قزمة تأخذ نجومها توزيعًا مكانيًا كرويًا) والتي شكلت نجومها المتبقية - حوالي 30000 - تيارًا نجميًا يسمى S1. ومع ذلك، فإن الأخير خاص جدًا، لأن مساره يمر بالقرب من النظام الشمسي. على الرغم من عدم وجود خطر الاصطدام على الإطلاق، فإن مثل هذا المسار غير المعتاد يكشف مع ذلك أن المادة السوداء أو المظلمة تتحرك مع تيار S1، وفقًا للدراسة التي نُشرت في مجلة فيزيكال رفيو Physical Review D.

1720  بشارة 8

رسم بياني يوضح النجم الحالي S1 في مستوى المجرة. تمثل الكرة الرمادية بصلة المجرة. تمثل الأسهم الرمادية سرعات نجوم S1. يتم تمثيل الشمس وحركتها بنجم وسهم أرجواني.

حاول عالم الفيزياء النظرية سياران أوهار Ciaran O’Hare من جامعة سرقسطة Saragosse في إسبانيا فهم تأثير S1 على المادة السوداء أو المظلمة أثناء مرورها بالقرب من النظام الشمسي. قام هو وزملاؤه بفحص الأنماط المختلفة للكثافة وتوزيع المادة السوداء أو المظلمة المصاحبة للتيار النجمي، ثم توقعوا إشارات المادة السوداء أو المظلمة التي يمكن اكتشافها بواسطة الأجهزة الأرضية.

رصد جسيمات المادة السوداء أو المظلمة من الأرض: تأتي إحدى هذه التواقيع المحتملة أو الكامنة، من جسيمات افتراضية particules hypothétiques تسمى WIMP (الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل Weakly Interacting Massive Particles). تتفاعل هذه الجسيمات المرشحة للمادة السوداء أو المظلمة بشكل ضعيف جدًا مع المادة العادية ولها كتلة مماثلة لتلك الموجودة في النواة الذرية.

إذا كانت جسيمات WIMPs موجودة، فيجب أن تكون قابلة للاكتشاف من خلال اصطدامها بالإلكترونات أو النوى الذرية، مما يتسبب في ارتداد الجسيمات المشحونة وإنتاج الضوء الذي يمكن التقاطه بواسطة الإكزينون السائل xénon liquide أو أجهزة الكشف البلورية الكريستالية cristaux. بناءً على حساباتهم، قرر الباحثون أنه من غير المحتمل أن تتمكن هذه الأدوات من اكتشاف WIMPs الافتراضية التي تشكل تيار S1.

من المرجح أن تكتشفها أجهزة كشف الأكسيون Les détecteurs d’axions - مثل تلك الموجودة في تجربة المادة السوداء أو الأكسيون في المادة السوداء أو المظلمة l’expérience Axion Dark Matter Experiment . تمامًا مثل WIMPs، فإن الأكسيونات هي أيضًا افتراضية. إذا كانت موجودة، فهي خفيفة بشكل لا يصدق، أخف بحوالي 500 مليون مرة من الإلكترون. الأكسيونات، التي أدخلها الفيزيائيان روبرتو بيتشي Roberto Peccei وهيلين كوين Helen Quinn عام 1977، هي حل لمشكلة انتهاك CP، وهي مرشحة للمادة السوداء أو المظلمة.

وفقًا لحسابات الفيزيائي النظري بيير سيكيفي Pierre Sikivie، الخبير في علم الكونيات في جامعة فلوريدا ومخترع منظار الأكسيون l’haloscope à axions، يمكن تحويل هذه الجسيمات الخفيفة إلى فوتونات في وجود مجال مغناطيسي قوي. سيحدث هذا التحويل الفوتوني المحوري خلال تأثير بريماكوف l’effet Primakoff، الذي يصف الإنتاج الرنان للميزونات المحايدة من خلال تفاعل الفوتونات عالية الطاقة مع النواة الذرية.

أوضح الباحثون أن "هالوسكوبات أكسيون لديها القدرة الأكبر على الحساسية لتدفق S1 إذا كان مكون المادة السوداء أو المظلمة باردًا بدرجة كافية". "بمجرد عزل كتلة المحاور، يمكن بسهولة استخلاص توزيع السرعة المتميز لـ S1 من طيف طاقة المحاور."

تستدعي هذه التجربة تساؤلات حول البيانات التي تدعم وجود المادة السوداء أوالمظلمة:

المادة السوداء أو المظلمة هي مكون افتراضي للكون المرئي، مدرج في النموذج الكوني القياسي أو المعياري، والذي يشرح منحنى دوران المجرات، وتشكيل الهياكل الكبيرة وتقلبات الكثافة التي لوحظت في طيف الخلفية الكونية المنتشر. على الرغم من عدم وجود دليل قاطع على وجودها، كشف تعاون DArk MAtter (DAMA) قبل بضع سنوات أنه حدد إشارة إيجابية لوجودها. ومع ذلك، يبدو أن تجربة COSINE-100 تشكك بجدية في هذه النتيجة.

تشير القرائن الفيزيائية الفلكية إلى أن الكون المرئي يحتوي على كمية كبيرة من المادة السوداء أو المظلمة، ولكن لم يتم رصد إشارة دقيقة لها على الرغم من الجهود المتضافرة للعديد من بعثات المراقبة. يعد الادعاء المثير للجدل لتعاون DArk MAtter (DAMA)، الذي أبلغ عن ملاحظات أو مشاهدات رصدية إيجابية للمادة السوداء أو المظلمة في مجموعة أجهزة كشف يوديد الصوديوم، استثناء لهذه القاعدة.

لقد ادعى تعاون DAMA في الواقع أنه أظهر وجود نموذج إيجابي مستقل في بياناته التي تم الحصول عليها على مدى 7 دورات سنوية، من 1995 إلى 2002. هذا النموذج متوافق مع مجموعة كاملة من السيناريوهات التي تتضمن المرشحين المحتملين لـ المادة السوداء أو المظلمة مثل النيوترونات والنيوترينوات المعقمة أو العقيمة. أتاح التحليل الدقيق للبروتوكول التجريبي والنتائج إمكانية استبعاد أي تحيز في القياس وأي مصدر لخطأ منهجي. بدأت تجربة COSINE-100 الجديدة، التي تستند إلى كاشف المادة السوداء أو المظلمة تحت الأرض في مختبر يانغ يانغ Yangyang تحت الأرض في كوريا الجنوبية، في استكشاف البيانات الصادرة عن DAMA. هذه أول تجربة حساسة بدرجة كافية لاختبار نتائج DAMA واستخدام نفس المادة المستهدفة من يوديد الصوديوم. يسجل COSINE-100 البيانات منذ عام 2016 ولديها الآن نتائج أولية تتحدى نتائج داما. تم نشر هذه النتائج في مجلة Nature. تقول رينا ماروياما Reina Maruyama، أستاذة الفيزياء في جامعة ييل، والمتحدثة باسم COSINE-100 والمؤلفة المشاركة للدراسة الجديدة: "لأول مرة منذ 20 عامًا، لدينا فرصة لحل لغز DAMA". تتعقب المرحلة الأولى من عمل COSINE-100 المادة السوداء أو المظلمة من خلال البحث عن إشارة زائدة على الخلفية المتوقعة للكاشف، مع الطاقة المناسبة والخصائص المناسبة. في هذه الدراسة الأولى، لم يجد الباحثون أي إشارة زائدة في بياناته، مما جعل إشارة التعديل السنوية لـ DAMA تتعارض مع نتائج التجارب الأخرى.

أشار علماء COSINE-100 إلى أن الأمر سيستغرق عدة سنوات من البيانات لتأكيد أو رفض نتائج DAMA تمامًا. تستخدم تجربة COSINE-100 ثماني بلورات يوديد الصوديوم ذات الخلفية المنخفضة مخدرة بالثاليوم مرتبة في مصفوفة 4 تقسيم 2 matrice 4-sur-2، مما ينتج عنه كتلة إجمالية مستهدفة تبلغ 106 كغم. تقترن كل بلورة بجهازين للكشف عن الضوء لقياس كمية الطاقة المودعة في البلورة.

يتم غمر مجموعات بلورات يوديد الصوديوم في 2200 لتر من السائل الباعث للضوء، مما يسمح بتحديد الخلفية المشعة التي تلاحظها البلورات وتقليلها لاحقًا. يوجد الكاشف في ترتيب متشابك من مكونات الحماية من النحاس والرصاص والبلاستيك لتقليل مساهمة الخلفية للإشعاع الخارجي، وكذلك ميونات الأشعة الكونية.

حددت النتائج الأولية جزءًا جيدًا من منطقة بحث المادة السوداء أو المظلمة المحتملة التي رسمتها إشارة DAMA. بعبارة أخرى، لا يوجد مجال كبير لهذا الادعاء أن يأتي من تفاعل المادة السوداء أو المظلمة، ما لم يتغير نموذج هذه المادة بشكل كبير "، كما يخلص هيون سو لي Hyun Su Lee ، المشارك الآخر -متحدث باسم COSINE-100 ، ومدير مشارك لمركز الفيزياء الجوفية في IBS.

المصدر: مجلة الطبيعة Nature و: Physical Review D

5- قد يفسر التضخم الثاني كمية المادة المظلمة الموجودة في الكون:

قد تكون لعملية التضخم الفوري الهائل (التوسع السريع والعنيف للكون في لحظاته الأولى)، وهي ظاهرة لم تستمر أكثر من بضعة أجزاء من الثانية لشرح مفارقات نظرية الانفجار العظيم، توأماً. في الواقع، طرحت دراسة نظرية فكرة تضخم ثانٍ، والذي قد يفسر سبب تخفيف المادة السوداء أو المظلمة اليوم في الكون. ومع ذلك، فإن التجارب المستقبلية التي يتم إجراؤها باستخدام مسرعات الجسيمات الكبيرة فقط ستكون قادرة على تأكيد أو نفي هذه الفرضية الجديدة.

هل تخطت النظرية القياسية لتطور الكون المرئي خطوة أو مرحلة؟ يبدو الأمر كذلك، على الأقل وفقًا لنتائج دراسة أجراها علماء الفيزياء في مختبر بروكهفن Brookhaven الوطني. تم قبول مقالة فريق البحث للنشر في مجلة Physical Review Letters والمؤلف الرئيسي للميزات هومان دافودياس Hooman Davoudias. يقدم المقال المعني نظرية لما يسمى بالتضخم الثانوي: عملية مشابهة للتضخم الأول، لكنها أقصر من تلك المقبولة عمومًا من قبل المجتمع العلمي لشرح تطور الكون.

التضخم هو التوسع السريع والعنيف للغاية الذي حدث في غضون أجزاء من الثانية بعد بداية الكون (10-32 ثانية). تم تصورها لأول مرة في أوائل الثمانينيات من قبل الفيزيائي السوفيتي أليكسي ستاروبنسكي Alexei Starobinsky، وفي الوقت نفسه الأمريكي آلان غوث، وهي تحل مفارقات نظرية الانفجار العظيم. ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنظرية التضخم، ومع ذلك، هناك مشكلة رئيسية أخرى في علم الكونيات اكتسبت الكثير من الاهتمام وأسالت الكثير من الحبر مؤخرًا ألا وهي: المادة السوداء أو المظلمة. المادة السوداء أو المظلمة هي نوع من المادة لا يمكن اكتشافها باستخدام أدوات الرصد والمراقبة العادية، ولكنها "ضرورية" للنظريات الحالية. فبدونها، ستظل، ديناميكيات المجرات وكذلك الظواهر مثل تأثير عدسة الجاذبية (انحراف أشعة الضوء التي تنشأ من الكون العميق بواسطة أجسام ضخمة جدًا موجودة في المقدمة مقارنة بالملاحظة) ، ستظل غير مفسرة إلى حد كبير.

من بين المرشحين المحتملين الذين قد يشكلون المادة السوداء أو المظلمة، هناك جسيمات WIMPs (جزيئات ضخمة متفاعلة بشكل ضعيف Weakly interacting massive particles) أو "الجسيمات ذات التفاعل الضعيف" باللغة الفرنسية particules à interaction faible، والتي تصطدم مع بعضها البعض عن طريق إبادة بعضها البعض. للقيام بذلك، يجب أن تكون كثافة هذه الجسيمات عالية بما يكفي، وهو ما يفسر سبب إنشاء العلاقة بين التضخم والمادة السوداء أو المظلمة في المراحل الأولى من حياة الكون المرئي. عندما تتجاوز درجات الحرارة مليار درجة في مساحة صغيرة نسبيًا من الفضاء، يمكن أن تتصادم جسيمات المادة المظلمة مع بعضها البعض. ولكن مع استمرار الكون في التمدد والتبريد، اصطدمت جسيمات المادة السوداء أو المظلمة بتردد متناقص. لذلك، فإن معدل الإفناء، اعتمادًا على هذا التردد، لم يستطع مواكبة التوسع.

يوضح هومان دافودياس: "تذكر أن المادة السوداء أو المظلمة تتفاعل بشكل ضعيف جدًا: وبالتالي ، فإن معدل الإبادة المرتفع لا يمكن أن يستمر لفترة أطول في درجات الحرارة المنخفضة". "الإبادة الذاتية للمادة السوداء أو المظلمة أصبحت غير فعالة بسرعة كبيرة. لذا تجمدت كمية المادة السوداء أو المظلمة مرة واحدة وإلى الأبد ".

ما هي كمية المادة السوداء أو المظلمة التي يحتويها الكون؟

من الصعب إعطاء قيمة مطلقة، لكن التجارب في السنوات الأخيرة وضعت قيودًا صارمة بشكل متزايد على شدة تفاعل المادة السوداء أو المظلمة. استنتج أن بعض النظريات الحالية تبالغ في تقدير كمية هذا النوع من المواد.

لكن يجب أن تعلم أن ما جعل من الممكن في البداية إنشاء تقدير أولي لكمية المادة السوداء أو المظلمة في كوننا المرئي لم يكن مجرد نظريات. في الواقع، يعود الفضل جزئيًا إلى ملاحظات القمر الصناعي بلانك واستغلال بياناته في إنشاء النموذج الجديد لتوزيع كثافة الطاقة في الكون. وتبين من المشاهدات الرصدية التي سجلها التلسكوب الفضائي بلانك أن المادة السوداء أو المظلمة هي أحد المكونات الرئيسية للكون المرئي وذلك على نحو قاطع ومؤكد. وسيتم اختبار هذه النظرية قريبا بواسطة التجارب المخبرية.1720  بشارة 9

توزيع كثافة الطاقة في الكون بعد استغلال البيانات الأولى من تلسكوب بلانك الفضائي.

السؤال الذي تم تناوله في الفقرة السابقة هو أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الباحثين في Brookhaven لتأسيس فرضية المرحلة المتوسطة خلال المراحل الأولى من تطور الكون، والتي، كما نتذكر، يمكن تلخيصها في التوسع أقصر وأكثر محدودية من "التضخم الكبير". كان من الممكن أن يحدث بعد ذلك مباشرة، في درجات حرارة عالية. كان هذا من شأنه أن يسمح لعدد كبير من جسيمات المادة السوداء أو المظلمة بالتصادم مع بعضها البعض وبالتالي التسبب في فنائها. قد يفسر "التضخم الثاني" لماذا تبدو المادة السوداء أو المظلمة الآن مخففة للغاية داخل الكون. أصبحت القطعة المفقودة من اللغز الآن تأكيدًا تجريبيًا، علاوة على ذلك، لن يكون من السهل الحصول عليها.

"إذا حدثت بالفعل، فمن المحتمل أن تكون هذه المرحلة الثانية من التضخم تتميز بالطاقات التي كانت جزءًا من مجال الدراسة الذي تم التوصل إليه من خلال التجارب التي يمكن إجراؤها بفضل مسرعات الجسيمات مثل RHIC (مصادم الأيونات الثقيل النسبي) في Brookhaven وبالطبع أيضًا بواسطة LHC (مصادم هادرون كبير) في CERN في جنيف.»، كما يختتم هومان دافودياس .

بالنظر إلى كل هذه العناصر، من نافلة القول إن التجارب التي تجريها هذه المسرعات فقط هي التي ستكون قادرة على إعطاء المؤشرات والمكملات اللازمة لمعرفة المزيد عن هذه النظرية الجديدة للتضخم الثاني وبالتالي تحقيق استنتاجات أكثر دقة. هل سيتم المصادقة عليها رسميًا يومًا ما؟

6- نظرية جديدة توحد المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المعتمة أو المظلمة

في النموذج الكوني القياسي أو المعياري le modèle cosmologique standard ، نموذج lambda-CDM ، تساعد المادة السوداء أو المظلمة في تفسير منحنيات دوران المجرات بالإضافة إلى تكوين هياكل كونية كبيرة ، بينما يتم تطوير الطاقة السوداء أو المظلمة لشرح وتفسير تسارع المجرات وتباعدها أي التوسع الكوني. ومع ذلك، لا يزال هذان المكونان افتراضيّان حاليًا. يقترح أحد علماء الكونيات في أكسفورد نظرية جديدة توحد هذين العنصرين.

ربما يكون أحد علماء الفيزياء في جامعة أكسفورد قد حلَّ أحد أكبر الأسئلة في الفيزياء الحديثة، في دراسة جديدة توحد المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة في ظاهرة واحدة: سائل له كتلة سلبية un fluide qui possède une masse négative. يمكن أن تؤكد هذه النظرية الجديدة المدهشة أيضًا التنبؤ الذي قدمه أينشتاين قبل 100 عام.

هذا النموذج الجديد، الذي نُشر في مجلة علم الفلك والفيزياء الفلكية، بقلم جيمي فارنز Jamie Farnes، عالم الكونيات في مركز أكسفورد للأبحاث الإلكترونية، يقدم تفسيرًا جديدًا لفرضيات المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة. "نحن نعتقد الآن أنه يمكن توحيد المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة في سائل يمتلك نوعًا من" الجاذبية السلبية "، ويطرد كل شيء من حولهما. على الرغم من أن هذه المادة غريبة علينا، إلا أنها تشير إلى أن كوننا متماثل symétrique، في كل من خصائصه الإيجابية والسلبية "، كما يشرح جيمي فارنز.

تم استبعاد وجود المادة السلبية سابقًا، حيث اعتقد العلماء أنها ستصبح أقل كثافة مع تمدد الكون، مما أدى إلى هزيمة الملاحظات التي تشير إلى أن الطاقة السوداء أو المظلمة تحتفظ بكثافتها بمرور الوقت. ومع ذلك، يطبق بحث فارنز "موتر الخلق tenseur de création «، والذي يسمح بتكوين كتل سلبية بشكل دائم.

لقد أوضح أنه عندما يتم إنتاج المزيد والمزيد من الكتل السلبية مرارًا وتكرارًا، فإن هذا السائل الكتلي السالب لا يخفف أثناء توسع الكون: في الواقع، يبدو أن السائل هو نفسه الطاقة السوداء أو المظلمة. توفر نظرية فارنز أيضًا أول تنبؤات صحيحة لسلوك هالات المادة السوداء أو المظلمة halos de matière noire. يشير منحنى دوران المجرات إلى ضرورة وجود كتلة غير مرئية بالإضافة إلى الكتلة المضيئة. يقدم البحث الجديد، الذي صدر في 5 كانون الأول (ديسمبر2019) ، محاكاة حاسوبية لخصائص الكتلة السلبية التي تتنبأ بتكوين هالات المادة السوداء أو المظلمة ، على غرار تلك المستخلصة من الملاحظات التي تم إجراؤها باستخدام التلسكوبات الراديوية الحديثة.

قدم ألبرت أينشتاين أول لمحة عن الكون المظلم l’univers sombre قبل 100 عام بالضبط، عندما اكتشف في معادلاته paramètre معلمة تسمى "الثابت الكوني"، والتي يربطها الباحثون اليوم بالطاقة السوداء أو المظلمة.

وقد أعتبر أينشتاين أن الثابت الكوني كان "أكبر خطأ ارتكبته"، على الرغم من أن الملاحظات الفيزيائية الفلكية الحديثة تثبت أنها ظاهرة حقيقية. في ملاحظات من عام 1918، وصف أينشتاين ثابته الكوني من خلال كتابته "أن تعديل النظرية النسبية ضروري، مثل أن" الفضاء الفارغ "يعمل ككتل جاذبة سالبة موزعة في جميع أنحاء الفضاء بين النجوم.». لذلك من الممكن أن يكون أينشتاين نفسه قد تنبأ بكون مليء بالكتلة السالبة.

حاولت المناهج السابقة للجمع بين الطاقة السوداء أو المظلمة والمادة السوداء أو المظلمة، تعديل نظرية النسبية العامة لأينشتاين، والتي أثبتت صعوبة بالغة. يأخذ هذا النهج الجديد فكرتين قديمتين معروفتين بتوافقهما مع نظرية أينشتاين - الكتل السلبية وخلق المادة - ويجمعهما، "كما يشير فارنز Farnes.

"تبدو النتيجة جميلة إلى حد ما: يمكن توحيد الطاقة السوداء أو المظلمة والمادة السوداء أو المظلمة في مادة واحدة، ويمكن تفسير كلا التأثيرين ببساطة على أنهما مادة كتلة موجبة تمتطي بحرًا من الكتل السلبية." ستخضع نظرية فارنز للاختبار في اختبارات باستخدام تلسكوب لاسلكي، مصفوفة الكيلومتر المربع (SKA)، وهو مشروع دولي لبناء أكبر تلسكوب في العالم تتعاون فيه جامعة أكسفورد.

"لا يزال هناك الكثير من المشكلات النظرية وعمليات المحاكاة الحاسوبية للتعامل معها، ونموذج lambda-CDM يقترب من 30 عامًا تقريبًا، لكن العلماء حريصون على معرفة ما إذا كانت هذه النسخة الموسعة الجديدة من النموذج يمكن أن تتطابق بدقة مع البيانات الأخرى في المستقبل. 'الملاحظة. إذا كان الأمر كذلك، فإنه يشير إلى أن 95٪ من الكون مايزال مجهولاً لديهم حل جمالي: لقد نسينا تضمين علامة ناقص بسيطة، "يستنتج فارنز.

تشير الأدلة التجريبية الجديدة إلى، وتقترح وجود جسيم طالما نظّر إليه، مرتبط بالمادة السوداء أو المظلمة تم اقتراحه كحل في عام 1977 لمشكلة تناظر CP في الديناميكا اللونية الكمومية، الأكسيونات les axions  عبارة عن جسيمات افتراضية محايدة ذات كتلة منخفضة جدًا، وتعتبر اليوم مرشحة محتملة للمادة السوداء أو المظلمة. بينما تهدف العديد من التجارب إلى اكتشاف هذه الجسيمات، حيث اكتشف فريق من علماء الفيزياء مؤخرًا أدلة تظهر أن الأكسيونات يمكن أن توجد بالفعل. على الرغم من أن هذه النتائج لا تثبت بشكل مباشر وجود الأكسيونات، إلا أنها خطوة مهمة في البحث عن الجسيمات.

وجد الفيزيائيون أدلة على وجود الأكسيون، وهو جسيم مراوغ نادرًا ما يتفاعل مع المادة الطبيعية. تم توقع الأكسيون لأول مرة منذ أكثر من 40 عامًا، ولكن لم يتم رصده أبدًا حتى الآن. اقترح علماء الفيزياء أن المادة السوداء أو المظلمة يمكن أن تتكون من الأكسيونات. ولكن بدلاً من البحث عن الأكسيونات في الفضاء، اكتشفوا التواقيع الرياضياتية للأكسيون في مادة معينة هنا على الأرض. نُشرت النتائج في مجلة Nature.

إن الأكسيون المكتشف حديثًا ليس جسيمًا نموذجيًا تمامًا: إنه يعمل كموجة من الإلكترونات في مادة فائقة التبريد تسمى شبه معدنية أو نصف معدنية semi-métal. يمكن أن يساعد هذا الجسيم الغريب أيضًا في حل لغز مادي طويل الأمد يُعرف باسم مشكلة CP القوية. لسبب ما، يبدو أن قوانين الفيزياء تعمل بنفس الطريقة على الجسيمات وشركائها من المادة المضادة antimatière ، حتى عندما تنعكس إحداثياتها المكانية.

تُعرف هذه الظاهرة باسم تناظر الشحنة symétrie charge-parité، لكن النموذج القياسي أو المعياري لا يذكر شيئًا عن أصل هذا التناظر. يمكن تفسير التماثل غير المتوقع من خلال وجود مجال خاص (مجال أكسيوني champ axionique)؛ إن اكتشاف المحاور سيثبت وجود هذا المجال، وبالتالي حل هذا اللغز.

7 - البحث عن الأكسيونات les axions في شكل أشباه جسيمات quasi-particules  في المادة المكثفة la matière condensée:

نظرًا لأن علماء الفيزياء يعتقدون أن جسيم الأكسيون بالكاد يتفاعل مع المادة العادية، فقد توقعوا أنه سيكون من الصعب اكتشافه باستخدام التلسكوبات الفضائية الحالية. لذلك تحول الباحثون إلى المادة المكثفة.

تم استخدام تجارب المادة المكثفة، مثل تلك التي أجريت هنا، للكشف عن جسيمات متوقعة بعيدة المنال في العديد من الحالات المعروفة، بما في ذلك حالة فيرميون ماجوراناfermion majorana.

لا يتم اكتشاف الجسيمات بالمعنى المعتاد، ولكنها توجد على شكل اهتزازات جماعية في المواد التي تتصرف وتستجيب تمامًا كما يفعل الجسيم. وبالتالي فهذه هي شبه جسيمات.

عمل فريق البحث باستخدام مادة Weyl شبه المعدنية (TaSe4) I ، وهي مادة خاصة تتصرف فيها الإلكترونات كما لو كانت بلا كتلة ولا تتفاعل ، وتنقسم إلى نوعين: أعسر وأيمن.

خاصية كونك أعسر أو أيمن تسمى chirality- chiralité ؛ تم حفظ chirality - chiralité في شبه معدن Weyl ، مما يعني أن هناك عددًا متساويًا من الإلكترونات اليمنى واليسرى. سمح تبريد شبه المعدن إلى 11 درجة مئوية تحت الصفر بالتفاعل والتكثف للإلكترونات لتشكيل بلورة خاصة بها.

خطوة مهمة نحو الكشف المباشر المحتمل عن الأكسيونات:

تسمى موجات الاهتزازات التي تنتشر عبر البلورات بالفونونات phonons. نظرًا لأن القوانين الغريبة لميكانيكا الكموم الكوانتوم تملي أن الجسيمات يمكن أن تتصرف أيضًا على شكل موجات، فإن بعض الفونونات لها نفس خصائص الجسيمات الكمومية الكلاسيكية، مثل الإلكترونات والفوتونات.

راقب غوث Gooth وزملاؤه الفونونات في البلورة الإلكترونية، والتي تستجيب للحقول الكهربائية والمغناطيسية تمامًا كما هو متوقع بالنسبة للأكسيونات.

علاوة على ذلك، لم يكن لأشباه الجسيمات هذه عدد متساوٍ من الجسيمات اليمنى واليسرى (توقع الفيزيائيون أيضًا أن المحاور ستكسر الحفاظ على عدم التناظر).

اقترح فرانك ويلتشيك Frank Wilczek (الحائز على جائزة نوبل للفيزياء)، الذي لم يشارك في الدراسة الحالية، أنه يمكن استخدام مادة مثل شبه معدن ويل في يوم من الأيام كنوع من "الهوائي" للكشف عن المحاور الأساسية، أو المحاور التي توجد بطريقتها الخاصة كجسيمات في الكون، وليس كاهتزازات جماعية.

بينما سيستمر البحث عن المحور كجسيم منفرد ومستقل، تساعد تجارب كهذه تجارب الكشف الأكثر تقليدية من خلال توفير حدود وتقديرات لخصائص الجسيم، مثل الكتلة. هذا يعطي المجربين الآخرين فكرة أفضل عن مكان البحث عن هذه الجسيمات. كما يوضح بشكل مقنع أن وجود المساواة بين الجسيمات ممكن.

1720  بشارة 10

أظهر سلوك الإلكترونات في شبه فلز ويل ديناميكيًا مطابقًا لتلك المتنبأ بها للأكسيونات.

وأخيراً، تختبر بيانات شاندرا "نظرية كل شيء". في عام 1977، وجد الفيزيائيان روبرتو بيتشي Roberto Peccei وهيلين كوين Helen Quinn  حلاً لمشكلة انتهاك تناظر CP في سياق الديناميكا اللونية الكمومية. يتضمن هذا الحل وجود جسيم افتراضي من المفترض أن يكون مستقرًا ومحايدًا وذو كتلة منخفضة للغاية. اليوم، هذا الجسيم، الذي تنبأت به العديد من نماذج نظرية الأوتار الفائقة la théorie des supercordes، هو مرشح للمادة السوداء أو المظلمة. قام الباحثون في الآونة الأخيرة، بتحليل البيانات من مرصد شاندرا للمحاور الافتراضية. سمحت لهم النتائج بتحسين قيود الكتلة والطاقة على هذه الجسيمات.

بالنظر إلى مجموعات وحشودات المجرات، وهي أكبر الهياكل في الكون التي تحتفظ بها الجاذبية، تمكن الباحثون من البحث عن جسيم معين تنبأت به العديد من نماذج نظرية الأوتار الفائقة. على الرغم من أن عدم اكتشاف هذا الجسيم لا يعني عدم صلاحية أو بطلان نظرية الأوتار الفائقة، إلا أنه مع ذلك يسمح بقيود إضافية على وجود هذه الجسيمات. وقد نُشرت الدراسة في مجلة الفيزياء الفلكية.

"حتى وقت قريب، لم أكن أعرف إلى أي مدى يمكن لعلماء الفلك بالأشعة السينية المساهمة في نظرية الأوتار، ولكن يمكننا لعب دور رئيسي. كما يقول كريستوفر رينولدز Christopher Reynolds  من جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة: "إذا تم اكتشاف هذه الجسيمات أخيرًا ، فسوف تغير الفيزياء إلى الأبد".

تحويل الأكسيون إلى الفوتون وبالعكس في وجود المجالات المغناطيسية:

يسمى الجسيم الذي كان يبحث عنه رينولدز وزملاؤه "أكسيون". يجب أن تحتوي هذه الجسيمات غير المكتشفة على كتل منخفضة للغاية. لا يعرف الفيزيائيون المدى الدقيق للكتلة، لكن العديد من النظريات تظهر كتلًا محورية تتراوح من حوالي واحد في المليون من كتلة الإلكترون إلى صفر كتلة. يعتقد بعض علماء الفيزياء أن الأكسيونات يمكن أن تفسر لغز المادة السوداء أو المظلمة.

من الخصائص غير العادية لهذه الجسيمات ذات الكتلة المنخفضة جدًا أنها يمكن أن تتحول أحيانًا إلى فوتونات أثناء مرورها عبر الحقول المغناطيسية. يمكن أن يكون العكس أيضًا صحيحًا: يمكن أيضًا تحويل الفوتونات إلى أكسيونات في ظل ظروف معينة. يعتمد عدد مرات حدوث هذا التغيير على مدى سهولة إجراء هذا التحويل - بعبارة أخرى، "قابلية التحويل".

ابحث عن جسيمات الأكسيون أو الأكسيونات في الأشعة السينية:

اقترح الفيزيائيون وجود فئة أكبر من الجسيمات ذات الكتلة المنخفضة للغاية بخصائص مشابهة للأكسيونات. سيكون للأكسيونات قيمة تحويل فريدة عند كل كتلة، لكن الجسيمات الشبيهة بالأكسونات سيكون لها نطاق قابلية للتحويل عند نفس الكتلة.

"أثناء البحث عن جسيمات صغيرة مثل الأكسيونات في الهياكل العملاقة مثل عناقيد المجرات قد يبدو ذلك أمراً غريبًا، فهذه في الواقع أماكن جيدة للعثور عليها. تحتوي مجموعات المجرات على مجالات مغناطيسية على مسافات مثيرة للإعجاب، وغالبًا ما تحتوي أيضًا على مصادر ضوئية للأشعة السينية. وتزيد هذه الخصائص مجتمعة من فرص اكتشاف تحويل الجسيمات الشبيهة بالأكسيون "، كما يقول ديفيد مارشDavid Marsh  من جامعة ستوكهولم، السويد.

للبحث عن علامات التحويل الأكسيوني، أمضى فريق علماء الفلك خمسة أيام في فحص بيانات الأشعة السينية لشاندرا من المواد التي تسقط باتجاه الثقب الأسود الهائل في مركز مجموعة بيرسيوس l’amas de Persée. درسوا طيف شاندرا (أو كمية انبعاث الأشعة السينية الملحوظة عند الطاقات المختلفة) لهذا المصدر.

عدم وجود آثار للأكسيونات في نطاقات الكتلة المدروسة:

أنتجت الملاحظة الطويلة ومصدر ضوء الأشعة السينية طيفًا ذا حساسية كافية لإظهار التشوهات التي توقعها الفيزيائيون في حالة وجود جزيئات تشبه الأكسيون. سمح الفشل في اكتشاف مثل هذه التشوهات للباحثين باستبعاد وجود معظم أنواع الجسيمات الشبيهة بالأكسيون في النطاق الكتلي الذي كانت ملاحظاتهم حساسة له، أقل من واحد من المليون من المليار من الكتلة الإلكترون. بحثنا لا يستبعد وجود هذه الجسيمات، لكنه لا يسير في اتجاهها. تندرج هذه القيود ضمن نطاق الخصائص التي اقترحتها نظرية الأوتار الفائقة، ويمكن أن تساعد منظري الأوتار في سبر نظرياتهم، "كما تقول هيلين راسل Helen Russell من جامعة نوتنغهام في المملكة المتحدة.

1720  بشارة 11

القيود على كتلة الأكسيونات (الدراسة الحالية والدراسات السابقة). تمثل المساحة الزرقاء الفاتحة القيم المستبعدة، وتمثل المساحة البيضاء القيم الممكنة. تشير النقطة الحمراء إلى قيمة الكتلة الأكثر احتمالا.

صقل القيود المفروضة على الكتلة وقابلية تحويل الأكسيونات:

كانت النتيجة الأخيرة أكثر حساسية بثلاث إلى أربع مرات من أفضل بحث سابق عن الجسيمات الشبيهة بالأكسيون، والذي جاء من ملاحظات تشاندرا للثقب الأسود فائق الكتلة في M87. هذه الدراسة التي أجريت في Persée هي أيضًا أقوى بحوالي مائة مرة من القياسات الحالية التي يمكن إجراؤها في المختبرات هنا على الأرض، بالنسبة لمجموعة الكتل التي اعتبروها.

أحد التفسيرات المحتملة لهذا العمل هو أن الجسيمات الشبيهة بالأكسون غير موجودة. تفسير آخر هو أن الجسيمات لها قيم لها قابلية للتحويل أقل حتى من حد الكشف لهذه الملاحظة، وأقل مما توقعه بعض علماء فيزياء الجسيمات. يمكن أن يكون لديهم أيضًا كتل أعلى من تلك التي تم فحصها ببيانات شاندرا. المصادر: مجلة الفيزياء الفلكية

خاتمة:

تم اكتشاف مجرة شبيهة بمجرتنا درب التبانة أو الطريق اللبني في الكون البدائي إسمها: SPT0418-47. تبعد حوالي 12.4 مليار سنة ضوئية، وتظهر لنا اليوم عندما كان عمر الكون 1.4 مليار سنة فقط. هذه المجرة مثيرة للاهتمام للغاية للعلماء، لأنها تبدو بعيدة جدًا عن "التطور" لمثل هذه المجرة الفتية. بالإضافة إلى ذلك، لديها العديد من أوجه التشابه مع مجرتنا درب التبانة ...

مثل أي مجرة حلزونية، تأخذ شكل قرص مسطح دوار مع بصيلة مجرية bulbe galactique في مركزها - وهي منطقة كثيفة بشكل خاص غنية بالنجوم. من ناحية أخرى، ليس لديها أذرع منحنية. يقدر الخبراء أن كتلتها يمكن مقارنتها بكتلة مجرتنا.

مجرة شابة جيدة الترتيب بشكل خاص:

تم اكتشاف أقدم المجرات ذات القرص دوار من قبل، ولكن هذا هو الأول من نوعه الذي يحتوي على بصلة مجرية. ونتيجة لذلك، فهي أبعد نقطة شبيهة لمجرتنا درب التبانة في الكون المرئي. تضيف هذه التفاصيل إلى العديد من العلامات التي لاحظها العلماء، مما يدل على أن المجرات تولد وتتطور في النهاية بشكل مختلف تمامًا عما توقعوه وليست على نفس النسق. وقالت عالمة الفيزياء الفلكية فرانشيسكا ريزو Francesca Rizzo ، من معهد ماكس بلانك ، التي قادت الدراسة: "كانت الهياكل التي نلاحظها في المجرات الحلزونية القريبة وفي مجرة درب التبانة موجودة بالفعل منذ 12 مليار سنة". وهي التي قادت هذه الدراسة حول الموضوع ونشرتها.

من حسن الحظ أن هذه المجرة قد تم اكتشافها ورصدها، فهي هادئة نسبيًا ومنخفضة الإضاءة وبالتالي ليس من السهل مراقبتها. لكن الصدفة أحيانًا تفعل الأشياء بشكل جيد: مجرة ثانية، تقع بيننا وبين SPT0418-47 ، لعبت دور عدسة الجاذبية. في الواقع، فإن قوة الجاذبية التي تمارسها هذه المجرة الأمامية تشوه وتثني الضوء القادم من المجرة البعيدة. تشكل حركة الضوء على هذا المسار المنحني نسخة مكبرة من SPT0418-47.

وأخيراً، كانت مصفوفة أتاكاما الكبيرة المليمترية / المليمترية الصغيرة (ALMA) التابعة لـمرصد ESO، الواقع في تشيلي، هي التي التقطت إشعاعها.

في الأيام الأولى للكون، كان كل شيء أكثر فوضوية. كانت المجرات حارة وغير مستقرة، وكانت نجومها في مدارات فوضوية نسبيًا - ربما لأنها اصطدمت مع بعضها البعض وفقًا لعلماء الفيزياء الفلكية. يوضح مؤلفو دراسة Nature: "من المتوقع أن تؤدي التأثيرات القوية [للظروف القاسية للكون المبكر] المرتبطة بدمج المجرات وانفجارات المستعر الأعظم إلى مجرات شابة شديدة الحرارة وفوضوية وغير مستقرة للغاية".

في حين توقع علماء الفيزياء الفلكية أن يلاحظوا شيئًا فوضويًا إلى حد ما، وخالٍ من البنية المميزة، فإن مجرة SPT0418-47 عبارة عن قرص دوار بارد ديناميكيًا غني بالنجوم. تعكس ALMA صورة حلقة كاملة من الضوء تقريبًا مقابل سماء مظلمة. حتى من خلال إعادة بناء الشكل الحقيقي للمجرة وحركة غازها، فإنها تظل منظمة بشكل جيد، كما يتضح من هذه الصورة (أعاد فريق الباحثين تشكيلها، من خلال تطبيق عنصر جديد تقنية النمذجة الحاسوبية): نماذج التطور المجري للمراجعة ...

1720  بشارة 12

"ما وجدناه محير للغاية؛ على الرغم من أنها تشكل نجومًا بمعدل مرتفع وهي مركز عمليات عالية النشاط، فإن مجرة SPT0418-47 هي أفضل قرص مجري مرتب لوحظ حتى الآن في الكون المبكر "، تتساءل سيمونا فيجيتي Simona Vegetti ، من معهد ماكس بلانك، المؤلفة المشاركة في الدراسة. اكتشاف غير متوقع يدعو إلى التساؤل عن النظريات التي تم تأسيسها حتى الآن حول تطور المجرات.

على الرغم من أنها يحتوي بالفعل على بعض الخصائص، يعتقد الخبراء أنه من غير المرجح أن تستمر مجرة SPT0418-47 في التطور إلى مجرة حلزونية. في الواقع، من المؤكد أنها ستتبنى شكل مجرة إهليلجية بدلاً من ذلك. هذا النوع من المجرات شائع جدًا في الكون. فهي أنعم وأكثر تقريبًا من المجرات الحلزونية.

حقيقة أن هذه المجرة قد تشكلت بالفعل بشكل جيد، منذ فترة طويلة (عندما كان الكون بالكاد 10٪ من عمره الحالي!)، دليل على أن العمليات التي أدت إلى تكوين المجرات في بدايته، لم يستغرق الكون الوقت الذي اقترحته النماذج النظرية حتى الآن. ربما لم يكن الكون بهذه الفوضى عند ولادته، ففي السنوات الأخيرة اكتشف علماء الفيزياء الفلكية مجرات أشباه وأضخم وفائقة الكتلة في بدايات الكون أكثر مما كانوا سيحصلون عليه في أي وقت مضى. يعتقد أنه بات الآن ممكناً رصدها. الآن لديهم دليل على وجود عدد من المجرات جيدة التكوين أيضًا. كل هذا يشير إلى أنه كان هناك في النهاية الكثير مما كان يحدث في الأيام الأولى للكون أكثر مما كان يدركه أي شخص. يتفق الخبراء على أن نماذجهم الخاصة بتطور المجرات قد تحتاج إلى مراجعة ...

لحسن الحظ، فإن الدراسات المستقبلية التي ستستخدم تلسكوبات أكثر قوة - ولا سيما التلسكوب الكبير للغاية التابع لـ ESO - ستجعل من الممكن بلا شك اكتشاف أدلة جديدة ومعرفة المزيد حول بدايات الفوضى في الكون البدئي إلى حد ما.

المصادر: ESO and Nature، F. Rizzo et al.

 

 

هنالك رؤيتين متباينتين كلياً عن الأصل الذي أوجد كوننا المرئي أو المنظور، الأولى علمية والثانية ثيولوجية. الأولى عقلانية دنيوية بشرية تقبل الخطأ والصواب وقابلة للتطور، وتستند على معطيات علمية ونظريات ومعادلات رياضياتية وعمليات رصد ومشاهدات فلكية وتجارب مختبرية وبالرغم من ذلك فهي ليست قاطعة ومطلقة. والثانية تستند على مسلمة الإيمان، وهي غيبية ماورائية تدعي أنها منزلة من السماء في نصوص إلهية مقدسة لا تقبل الطعن أو النقاش أو المراجعة والتمحيص، لأنها إلهية المصدر نقلها الأنبياء والرسل عن الله، وهي قاطعة ونهائية ومطلقة وثابتة لا تتغير و لا تتطور. الأولى تقول أن الأصل هو مادة مكونة من جسيمات أولية لا متناهية في الصغر تتحرك وتتفاعل وتتجمع في تركيبات متنوعة لتخلق هيئات أكبر فأكبر وتخضع لقوانين فيزيائية جوهرية كالجاذبية الكونية أو الثقالة الكونية والقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة والقوة النووية الضعيفة. والثانية تقول بأن الأصل نشأ عن إرادة ربانية أردت أن تخلق الكون " من العدم؟" بطريقة " كن فيكون" ومع ذلك استغرق الله ستة أيام لخلق الكون بما فيه من سماء وأرض وشمس وقمر وليل ونهار وكائنات حية وجماد ونبات وحيوان وبشر، وقبلهم ملائكة وجن، كما ورد في الكتب المقدسة أو المنزلة وهي العهد القديم أو البابيل أو التوارة، والعهد الجديد أو الأناجيل، والقرآن. يقول رجال الدين والمؤسسات الدينية في كل مكان على الأرض، أن الرؤية الثانية هي الصحيحة، وهم لا يؤكدون ذلك فحسب، بل يفرضونه بالقوة تحت التهديد والترغيب والتلويح بالعذاب الدنيوي" كمحاكم التفتيش السيئة الصيت" والوعيد بالعقاب الآخروي والتهديد بعذاب جهنم والنار الخالدة والجحيم لمن لايؤمن بذلك.

ووفق طرح الثيولوجيين بمختلف مشاربهم، لم يكن العالم موجوداً منذ الأزل، الله وحده هو الأزلي وكان موجوداً وحده و لا شيء غيره، فهو الوجود الكلي المطلق. وفي لحظة ما قرر الله أن يخلق الكون، ويعتقد هؤلاء الثيولوجيين أن الله خلقه " من العدم" وهذا يعني ضمناً أن هناك شيء إسمه" العدم" كان موجوداً إلى جانب وجود الله، ولا ندري هل هو من خلقه أيضاً أم لا، أي هل العدم جزء من ملكوت الله أو مستقلاً عنه؟ والحال أننا نعرف، علمياً، أنه لا يوجد شيء إسمه " العدم" إلا في صيغ ومفاهيم فلسفية. وبالتالي لا يمكن لله أن يأخذ شيئاً من شيء غير موجود. والتفسير الوحيد الممكن والمقبول، من وجهة نظر ثيولوجية ودينية بالطبع، هو أن الله أخذ جزءاً من ذاته وصنع منه الكون.

من جهة أخرى يقول الثيولوجيون أن الله يتصف بالكمال والتمامية والكلية، وما يؤخذ منه كجزء لا بد أن يكون ذا صفة كلية تامة وكاملة وتتصف بالكمال، على غرار الكل الأصلي، والحال أن رجال الدين والمؤسسات الدينية تعترف بأن العالم المادي الظاهر لا يتصف بالكمال والتمامية بل يشوبه القصور والنقص. ويقولون أيضاً أن الله خلق بحرية وبكامل إرادته هذا الكون بما فيه وبما يحتويه، وبالتالي فهو مسئولاً عنه وعن النتيجة والهيئة التي ظهر بها هذا الكون المرئي، أي هو مسئول عن خلقه، وإذا كان هناك ثمة نقص فالمسؤولية تقع على عاتق الصانع أو الخالق. مثلما يقولون أن الله خلق للإنسان العقل لكي يختار ولكن إذا أخطأ العقل في اختياره فمن المسئول عن ذلك الاختيار؟ العقل أم من خلق العقل؟. يؤكد رجال الدين أن الشر مصدر الشيطان أو إبليس وأتباعه، لكنهم يتجاهلون حقيقة أن الشيطان أو إبليس وأتباعه هم مخلوقات خلقها الله بنفسه، لكنهم تمردوا عليه وعصوا أوامره مما جعلهم يعيثون فساداً في الكون الذي خلقه الله وتضليل مخلوقاته وبعلمه " لأنه يعلم كل شيء" كما يقول الفقهاء ورجال الدين، فمن غير المعقول أن الله لا يعرف سلفاً بنوايا جزء من ملائكته، وعلى رأسهم إبليس، وبالتالي يحصل الإغواء الشيطاني للبشر بموافقة ضمنية من الله لأنه قادر على منعهم عن ممارسة الشرور ضد البشر لو شاء ذلك، ولو لم يكن موافق ضمنياً لما أتاح لهم ذلك ومنحهم القدرات الخارقة لإتيان الأعمال الشريرة وجر البشر للعصيان والكفر وممارسة الشر. فإما أن يكون الله لم يرد منع الشر أو إنه لم يستطع ذلك وعجز عن منع ظهور الشر، ففي الحالة الأولى يكون مسؤولاً عن الشر، وفي الحالة الثانية تنتفي عنه صفة الكمال والكلية والقدرة اللامحدودة، وهذا ما يرفضه الثيولوجيين ويتهمون من يقول به بالكفر والزندقة. ولقد ورد في الإنجيل أن الله لم يمنع وقوع الشر. :" قال الملك"يسوع" لمن على يمينه، تعالوا أيها المباركون من أبي خذوا المملكة التي أعدت لكم منذ بدء الخليقة، وقال لمن كان على يساره، إبتعدوا عني أيها الملعونون في نار جهنم الخالدة التي أعدت للشيطان ومن تبعه من الملائكة ". فمنذ خلق العالم يكون الله قد خلق السماء وفيها الجحيم أي أن المهندس الأول الخالق يعرف مسبقاً كما يقول الثيولجيين، أن هناك من بين مخلوقاته " من بين أبنائه" من سيتمرد عليه ويعصيه، من ملائكة وبشر وحدد سلفاً من سيذهب للنار ومن سيذهب إلى الجنة ولم يفعل شيئاً لمنع العصاة والمتمردين، لكن ذلك جعل نتاج خلقه ناقص وغير متقن، وإنه أعد النار الخالدة منذ البدء للذين دنسوا عملية خلقه، وهم من مخلوقاته في نهاية المطاف. وعندما يواجه رجال الدين والمؤسسات الدينية بهذه المفارقة يردون بكلمة" هذا سر الله الغامض أو هذا لغز لا يعرف جوابه إلا الله. ومن أهم الألغاز التي يعجز الثيولوجيون الإجابة عنها أو شرحها وتفسيرها وتبريرها هو وجود الشر وتغلغله في ثنايا الوجود الإنساني والبشري وقد يتعدى التبرير حدود الأسطورة، فلا يمكن لرجال الدين إنكار وجود الشر لكنهم حائرون في البوح عمن خلقه ولماذا، فالله خلق النفس الأمارة بالسوء ومنح الشيطان القدرة على الهيمنة على البشر ونشر الشرور بينهم. وقد يحتج البعض أن الله خلق العقل وحباه بالذكاء وملكة التفكير وحرية الاختيار، حسناً وماذا لو اختار العقل الذي خلقه الله طريقاً مغايراً لما أراده الله ورسله وأنبيائه؟ فمن المسؤول هل هو العقل أم الله؟ فالعقل لم يخلق نفسه بنفسه كي يكون مسؤولاً عن اختياراته بل هو من صنع الله . وهل نجح آلاف الأنبياء والرسل في صناعة جنس بشري عاقل يستطيع التمييز بين الخير والشر؟. فماذا يقولون عن مئات الألوف من الحروب بل لعلها ملايين منذ ظهور النوع الإنساني وحتى بعد تحوله لحالة البشر العاقل الواعي؟ وماذا عن جرائم القتل والذبح والتمثيل بالجثث واكل الموتى في المجاعات وغيرها؟ هل ينكر المؤرخون أن البشر اعتادوا على أكل البشر في الكثير من حقب التاريخ البشري والفتك بشعوب كاملة وإبادتها بإسم الله والدين؟

النصوص الأسطورية والحقائق العلمية:  

كلما حقق العلم تقدماً وإنجازاً في عالم المعرفة والبحث عن حقيقة الكون، كلما تبين أن ذلك يتعارض ويختلف كلياً مع ما جاءت به الأديان السماوية والوضعية، وروته من قصص عن موضوع خلق الكون والكائنات، ولتفادي هذه الهوة وتهدئة ذوي العقول المضطربة والحائرة تقد بعض رجال الدين وأنصاف العلماء بموضوعة الإعجاز العلمي المقحم في القرآن وأبرزوا الآية التي تقول أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ(الانبياء 30) فما هي العلاقة أو الصلة بين نظرية الإنفجار العظيم والرتق والفتق بين الأرض والسماء؟ السماء بنظر الكثير من الفقهاء ورجال الدين هي القبة أو الغطاء الفوقي الذي يغطي الأرض والحال لا توجد سماء بل يوجد فضاء في كل مكان بين المجرات والنجوم والكواكب، وفوق الأرض وتحتها وعلى جانبيها، شرقها وغربها، شمالها وجنوبها. هل كان محمد وصحابته قبل 1500 سنة تقريباً يعرفون أن الكون المرئي نشأ عن انفجار نقطة لامتناهية في الصغر عرفت بالفرادة الكونية، وصاغوا هذه المعلومة بآية وفسرها المفسرون على أنها عبارة عن فصل بين السماء والأرض وتقسيم السماء إلى سبع سموات، وكذلك الأرض. الحقيقة العلمية تقول أنه لم يكن هناك سماء و لا أرض عند حدوث الإنفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة وليس خمسة أو سبعة آلاف سنة. بينما يذكر النص الديني أن الفتق حصل لكينونتين موجودتين أصلاً ومندمجتين ببعضهما أي كانتا بمثابة " كتلة" واحدة وتم الفصل بينهما ورفع السماء وأبعدها عن الأرض {اللَّه الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَات بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا الرعد 2}، ومن ثم يستطرد النص القرآني في وصف ما طرأ على السماء والأرض من تغيرات وتطورات وتعديلات لا علاقة لها بما نعرفه عنهما من الناحية العلمية، أَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (النازعات 31) ولكن في أية أخرى تناقضها يقول فيها النص القرآني إن الله خلق الأرض وأكمل أقواتها ثم استوي إلى السماء وهي مجرد دخان فسواها سبع سماوات (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " سورة البقرة 29)

أحتاج تكون الأرض إلى 4 مليار سنة أو أكثر وتقول الآية أن الله خلق الأرض في يومين من ألأيام الستة التي احتاجها الله لخلق الكون برمته:" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ(فصلت 12) أي انه خلق الأرض وأكمل التعديلات عليها في أربعة أيام ثم استوي إلى السماء وسواها ورفع سمكها وهذا يناقض الآية الأولى (النازعات 31) التي تذكر انه عدل السماء ثم رجع يعدل الأرض (والأرض بعد ذلك دحاها)ويناقض أيضا آية (الأنبياء 30) في كونهما مخلوقتان ثم فصلهما كما يقول ! بمعنى انه خلق السماء والأرض ثم قام بالتعديل (الفتق) رغم انه في موضع آخر هنالك تسلسل في الخلق والتعديل (الأرض ثم التعديل (الأقوات) ثم السماء ثم التعديل (رفع السمك) حسب تسلسل آية فصلت 12. أما التوراة فقد سبق القرآن بهذه الأطروحة الخرافية عن نشأة الكون والإنسان من خلال سلسلة من الأسفار الأسطورية لا سيما سفر التكوين الذي يتحدث عن الخليقة وكيف خلق الله العالم والإنسان في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع ففي :" ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻷﻭﻝ : ﺧﻠﻖ ﺍﻴﺎﻩ ﻭﺍﻟﻨﻮﺭ ﻭﺍﻟﻈﻠﻤﺔ ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍﻷﺭﺽ وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎ:ﹶ ﺧﻠﻖ ﺍﹶﻠد ﻟﻴﻔﺼﻞ ﺑ المياه وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻴﺎﺑﺴﺔ والنباتات وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ: ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﺍﻟﻘﻤﺮ والنجوم وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﺎﻣﺲ: خلق ﺍﻴﻮﺍﻧﺎﺕ وفي   ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ: خلق ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ وفي   ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ: ﺍﺳﺘﺮﺍﺣﺔ الله، كما جاء في كتاب الباحث في التاريخ القديم الدكتور خزعل الماجدي تحت عنوان " أنبياء سومريون : كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟. ولقد فصل الدكتور الماجدي مقتبساً نصه من التوراة، في عرض عملية الخلق كما وردت في العهد القديم : في البدء خلق الله السماوات والأرض . وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله: ليكن نور، فكان نور . ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً، وكان صباح يوماً واحداً وهكذا يستمر الله في عملية الخلق وبعد الانتهاء من خلق النباتات والفصل بين الليل والنهار ثم خلق الحيوانات، يقرر خلق الإنسان في اليوم السادس، والذي خلقه على صورته ليسود على باقي الكائنات الموجودة على الأرض وسماه آدم ومن ضلعه خلق له زوجة أنثى سماها حواء ثم يروي لنا باقي الأسطورة عن الجنة والثعبان وإغرائه لحواء بأكل الثمرة المحرمة من شجرة المعرفة أو شجرة الشر والخير، فطردهما الله من الجنة بسبب هذه " الخطيئة " قبل أن يأكلا من شجرة الحياة ويحصلا على الخلود فعاقبهما الله وطردهما من الجنة، التي لا ندري أين توجد هل في السماء أم على الأرض"، وجعلهما على الأرض ليكدحا فيها من تعبهما. عاقب الله آدم وحواء والحية التي قال لها :" لأنك فعلت هذا أنت ملعونة من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية . على بطنك تسعين وتراباً تأكلين كل أيام حياتك" لماذا الحية وليس أي حيوان آخر؟ وكيف تسللت إلى الجنة بدون علم الله؟ وبأي لغة تحدثت مع حواء لتغريها؟ وهل هو الشيطان تنكر بهيئة الحية ليغوي حواء، وإذا كان هذا ما حصل فما ذنب الحية لكي تعاقب؟ هذه هي صورة الخلق الرباني التي لا يمكن للعلم أن يقبلها وللعقل أن يتبناها ويصدقها.

نظرية الانفجار ليست قاطعة لكنها أفضل ما تقدم به العلم عن هذا الموضوع لحد الآن، وبالإمكان نقدها وتفنيدها بالأدلة العلمية ومن الممكن أن يكتشف العلماء نظريات أخرى في تفسير خلق الكون فماذا سيكون موقف القرآن حينئذ؟ هل سيتشبث بصحة النظرية لأن "الإعجاز العلمي للقرآن" أقرها؟ لا بد من إعادة النظر وتمحيص مصداقية ما روته الأديان وكتبها المقدسة من قصص وأخبار وأطروحات أحاطتها بنوع من الهالة المقدسة والغموض المتعمد والرهبة من مناقشتها أو محاولة دحضها أو التشكيك بها تحت طائلة التكفير. والحال أن أغلب تلك النصوص الدينية مأخوذة، إن لم نقل مسروقة، من نصوص قديمة سبقتها بآلاف السنين أنتجتها حضارات قديمة كالسومرية والأكدية والآشورية الكلدانية والبابلية في بلاد ما بين النهرين والفرعونية المصرية وهي نصوص وثنية أفرزتها أديان لحضارات سبقت التوحيد، ما يعني أن النصوص الدينية المقدسة ليست منزلة بل موضوعة ومؤلفة من قبل بشر.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

في كل الحقب نعود ونسأل: ماهو الزمن؟ ماهي طبيعته؟ هل له ماهية؟ هل هو موجود بذاته؟ هل هو ذلك الذي وصفه لنا الفلاسفة الإغريق؟ أم هو زمن نيوتن المطلق الثابت؟ أم زمن آينشتين القابل للتمدد والتقلص والاستطالة والانحناء والتسارع والتباطؤ ؟ هل هو زمن اللامتناهي في الكبر الماكروسكوبي، أم زمن اللامتناهي في الصغر مادون الذري أو الكمومي ــ الكوانتي؟ مما لاجدال فيه أن " الزمن" يحتل قلب لغز غامض وغريب لا يستطيع أحد فك طلاسمه. لكن العلم لم يستسلم وبقي يتحدى الزمن ويحاول أن يسبر أغواره. واثبت العلم أن الزمن لا يسير بسرعة واحدة ثابتة بل بسرعات مختلفة حسب المكان والحركة والسرعة ودرجة الحرارة . هل هناك نظرية للزمن يمكنها وصفه؟ نعم هناك نظرية متداولة لكنها صعبة ومعقدة سأحاول أن ألخصها هنا. منطلقين من مسلمة " تباطؤ الزمن مع السرعة" التي صاغتها النظرية النسبية لآينشتين فكلما أسرع جسم ما تباطأ الزمن بالنسبة لهذا الجسم بينما يبقى يسير في إيقاع ثابت مع الأجسام الأخرى من هنا نشأت مفارقة " التؤأم" وإمكانية السفر عبر الزمن وبالأخص الذهاب نحو المستقبل.

تطورت الفيزياء وعلم الفلك حسب توجيه الفيلسوف والعالم الإغريقي آناكسيماندر Anaximandre لفهم كيف يجري الزمن وماهو نظامه وكيف تحدث الظواهر وفق النظام الزمني فعل الفلك القديم وصف حركات النجوم والكواكب في إطار الزمن وداخله. المعادلات الفيزيائية تصف كيف تتغير الأشياء داخل الزمن. من معادلات نيوتن التي أسست لديناميكية مروراً بمعادلات ماكسويل التي وصفت الظواهر الكهرومغناطيسية، ومعادلة شرودينغر التي أوضحت كيف تتطور الظواهر الكمومية أو الكوانتية إلى نظرية الحقول الكمومية التي تصف ديناميكية الجسيمات الأولية مادون الذرية وبالطبع معادلات آينشتين ومفهومه الثوري للزمان واندماجه بالمكان في وحدة منسوجة سماها " الزمكان"، ما يعني أن جميع الأشياء تجري وتتطور وتتغير ضمن ووفق نظام الزمن. فهناك زمن مختلف في كل نقطة في الفضاء الكوني فلا يوجد زمن واحد بل عدد لامتناهي من الأزمان. وإن الزمن الذي تشير إليه ساعتك أو ساعة الحائط في بيتك يسمه الفيزيائيون بالزمن الذاتي أو الزمن الخاص temps propre، ولقد اكتشف آينشتين ذلك وعلمنا كيف نكتب معادلات تصف تطور هذا الزمن الخاص أو الذاتي بالنسبة لزمن الآخرين وعلمنا كيف نحسب الاختلاف والفرق بين زمنين. تهشمت الخاصية التفردية للكون وتركت المجال لتعددية زمنية شبكة العنكبوت الكونية . فنحن في الحقيقة لا نصف تطور الأشياء داخل الزمن بل نصف تطور الأشياء داخل أزمان محلية ذاتية خاصة وعلاقة بعضها بالبعض الآخر كعلاقة وتشابك خيوط العنكبوت . فنسبية آينشتين العامة لاتحثنا عن زمن واحد مطلق ثابت الاتجاه بل عن أزمان لا تعد ولا تحصى فبين حدثين لا توجد مدة زمنية وحيدة بل مديات متباينة حسب السرعة والاتجاه والحركة والمسافة، وتتمايز أشياء العالم وفق إيقاعات مختلفة للأزمان الخاصة المحلية أو الذاتية المتفاعلة مع بعضها البعض. ماذا يترتب على ذلك؟ أهم حصيلة إستنتاجية نخرج بها هو أن " الحاضر" غير موجود، وسنرى بعد قليل أن الماضي والمستقبل لا معنى لهما هما أيضاً . لقد أدرك آينشتين أن الكتل تعمل على تباطؤ الزمن وكذلك السرعة وهذا ما حطم إدراكنا وفهمنا واستيعابنا المألوف والكلاسيكي للزمن. فالزمن " الحاضر" بالنسبة لشخص واقف على سطح الأرض ليس هو نفس الزمن " الحاضر " لشقيقه التؤأم الذي غادره قبل ثواني على متن مركبة تسير بسرعة تقرب من سرعة الضوء. فحاضر الشقيق المسافر يغدو بالنسبة للشقيق الواقف على الأرض مستقبلاً فلو أمضى الشقيق المسافر ساعة في رحلته بسرعة 290000 كلم في الثانية وعاد لشقيقه الذي ينتظره على الأرض يكون حاضر الشقيق الأرضي قد تحول إلى ماضي ومر عليه أكثر من عشر سنوات وهو ينتظر عودة شقيقه المسافر الذي لم يمر عليه سوى ساعة واحدة فقط. فالمدة الزمنية للشقيقين تختلف من واحد لآخر بسبب السرعة فالذي يتحرك يشيخ على نحو أبطأ بكثير من الذي يقف منتظراً، وكذلك المدة الزمنية لرجل يعيش فوق قمة جبل تقل عن المدة الزمنية لشخص يعيش في سفح الجبل.

ماذا يحدث " الآن" في مكان قاصي بعيد؟ فلو كان الشقيق المسافر في لحظة " الآن الأرضية متواجد على كوكب ب بروكسيما تابع لنجم بروكسيما الذي يبعد عن شمسنا أربع سنوات ضوئية ونصف، السؤال في هذه الحالة لا معنى له. فلو كان الشقيق متواجد آنياً في لحظة " الحاضر" بجانب شقيقه على الأرض لكان الحاضر مشتركاً بينهما وله معنى فهو ينظر له أو يهاتفه لو تواجد في مكان قريب جداً منه، ولكن لو نظر الشقيق الواقف على الأرض إلى شقيقه على كوكب بروكسيما ب في اللحظة الراهنة " الحاضر الأرضي" فإنه يتلقى ضوءاً قادماً من شقيقه على الكوكب البعيد استغرق أربع سنوات ونصف السنة لكي يصل إليه فالضوء رغم سرعته الهائلة، 300000 كلم/ثانية، إلا أنه يحتاج للوقت لكي يسافر وينتقل من نقطة إلى أخرى في المكان أو الفضاء الكوني لذلك الشقيق الأرضي لايرى " حاضر" شقيقه على الكوكب بروكسيما ب بل ما كان عليه قبل أربع سنوات ونصف السنة عندما انطلق الضوء منه راحلاً إلى شقيقه على الأرض وهكذا.

ماذا يحدث عندما لا يحدث شيء؟ كم من الوقت لازم لــ " دائماً" تسأل آليس في بلاد العجائب ويجيبها الأرنب: ربما ثانية أو اقل وربما الدهر كله" فهناك أحلام تستغرق بضعة لحظات وأخرى تبدو متجمدة في الأبدية " الزمن مطاطي قابل للتمدد ففي بعض الأحيان تجري الساعات الطويلة كأنها ثواني معدودات والعكس صحيح تبدو الثواني والدقائق كأنها قرون. ومع ذلك نعتقد أن الزمن يجري حسب إيقاع ثابت وبسرعة ثابتة، بعد أن قسمناه إلى قرون وسنوات وأشهر وأسابيع وأيام وساعات ودقائق وثواني. فكلمة زمن حسب أصلها الهندو – أوروبي تعني " التقسيم " لكن الساعات بين الشروق والغروب تختلف حسب الموسم والمكان والموقع على سطح الكرة الأرضية . هناك في الماضي تفسيرين لــ " متى" حسب الأحداث المقصودة كما قال آرسطو أو نيوتن الذي اعتبر الزمن بمثابة كينونة تجري بمعزل عن الأشياء حتى عندما لايحدث شيء، وهذا ينطبق على المكان أيضاً حسب رؤيتهما المتباينتين. فنيوتن يصف المكان الآرسطي بأنه نسبي ظاهر وعادي مبتذل وهو تحديد لما يوجد حول شيء ما . بينما يصف نيوتن المكان بذاته بأنه مطلق وحقيقي ورياضي بمعزل عن الأشياء التي فيه فهو موجود حتى عندما لا يوجد شيء. فنيوتن يعتقد أن هناك فضاء فارغ بين شيئين، في حين يعتقد آرسطو أن المكان الفارغ أمر عبثي لأن المكان ليس سوى نظام للأشياء يوجد بفضلها وبالنسبة لها أي وفق نظام الأشياء فلو لم توجد اشياء تتحرك وتتمدد وتنتقل وتتفاعل فيما بينها وتتصاب بعضها البعض ، لما وجد المكان بينما يرى نيوتن أن الأشياء تتموضع داخل فضاء أو مكان مستمر في وجوده حتى لو كان خالياً من الأشياء أي فارغ. ومن ثم جاء آينشتين ونسف هاتين الرؤيتين بمفهومه للـ " الزمكان" .

مكونات الزمن الأولية أو الأساسية:

إلى جانب اللوحة الغريبة لفيزياء النسبية، تغدو الحالة أكثر تعقيداً وغموضاً وغرابة عندما يتعلق الأمر بالوحدات الكمومية أو الكوانتية ونأخذ في الاعتبار الخصائص الكمومية أو الكوانتية للزمكان. أما المجال التخصصي الذي يقوم بدراسة ذلك فهو " الثقالة الكمومية " أو " الجاذبية الكوانتية " gravité quantique، لا توجد في الوقت الحاضر نظرية متكاملة ومعترف بها ومثبتة بالتجارب المختبرية وبالمشاهدات الرصدية ومطبقة في الوسط العلمي بهذا الإسم ولكن هناك محاولات نظرية عرفت بإسم الثقالة الكمومية الحلقية أوالجاذبية الكوانتية الحلقية gravité quantique à boucles، أو نظرية الحلقات التعاقبية théorie des boucles. وكل اتجاه يتبع مساراً مختلفاً فمسار هذا الاتجاه يختلف عن مسار نظرية الأوتار مثلاً، وهناك تنافس شرس، إن لم نقل حرب غير معلنة، بين مختلف المسارات والنظريات الفيزيائية المعاصرة والعلم يتقدم بفضل هذه النقاشات الشديدة وفي المستقبل سوف يتضح من كان على صواب ومن كان على خطأ.

لا يوجد تعريف لماهية وطبيعة الزمن، ويعرف فقط بأنه " خطي" ومتصل أو متواصل ومستمرcontinu، ولكن عندما نكمم الزمن quantisé يأخذ قيماً مختلفة ويغدو كما لو إنه بات " محبباً granulaire. فالتحبب la granularité هو إحدى خصائص الميكانيك الكمومي أو الكوانتي mécanique quantique، والمقصود بذلك الحبيبات الأولية اللامتناهية في الصغر أو مكونات الجسيمات الأولية. وهناك مستويات تسمى في الفيزياء " النطاقات" لكافة الظواهر فعلى سبيل المثال للحقل الكمومي يسمى المستوى أو النطاق بــ " نطاق أو مستوى بلانك échelle de Planck" والزمن الأدنى الذي لا يوجد زمن أقصر أو أصغر منه يسمى " زمن بلانك temps de Planck" والمكان الأصغر الذي يمكن قياسه هو مكان أو طول بلانك longeur de Planck وقيمته التقديرية صغيرة جداً وهي 33- 10، أماقيمة زمن بلانك، على سبيل المثال فتقدر بــ 44-10 من الثانية وفي هذا الزمن تظهر التأثيرات الكوانتية أو الكمومية على الزمن. فعلى هذا النطاق يتوقف مفهوم الزمن الكلاسيكي المألوف . وهناك ندخل عالم " كمكمة أ تكميم الزمن quantisation du temps ولم تعد هناك قيمة رقمية t للزمن في المعادلات الرياضياتية .

الخصائص الأخرى للميكانيك الكمومي أو الكوانتي هي اللاحتمية indétermination واللادقة incertitude     والإحتمالية probabilité، والتذبذب أو التقلب fluctuation والتراكب superposition، فلايمكن تحديد موقع وسرعة إلكترون بدقة متناهية في نفس الوقت. فبين ظهور للإلكترون وظهور آخر له لا يوجد له موقع محدد كما لو إنه منتشر في سحابة الإحتمالية أي هو في حالة تراكب في المواقع . فنحن لانستطيع أن نعرف أي يتواجد إلا عندما نقوم بعملية رصد أو حساب mesure للإلكترون أو في حالة تفاعله مع غيره من الجسيمات الأولية، فالتفاعل interaction يقوم بنشر حالة اللادقة واللاحتمية.

لو أمعنا النظر علمياً في مفهوم الزمن لتبين لنا أنه لا يوجد " حاضر" فماذا يعني مفهوم " الآن" إذن؟

لم تفلح فيزياء القرن العشرين في وصف الواقع بدقة من خلال " الوقت الحاضر présentisme" والمقصود به زمن حاضر شامل ووضعي مستقل وهو غير موجود في حقيقة الأمر. يمكننا الحديث عن " حاضر نسبي" بالنسبة لمراقب في حالة حركة، وهذا يعني أن ما هو " حاضر بالنسبة لي ليس بالضرورة حاضر بالنسبة لك، حسب حركتك وموقعك وسرعتك، وما هو واقع بالنسبة لي يختلف عما هو واقع بالنسبة لك، في حين أننا نستخدم نفس المصطلح للتعبير عن حالة موضوعية قدر الإمكان. يترتب على ذلك ضرورة التخلي عن مفهوم " الأبدية éternalisme" التي تقول أن الماضي والحاضر والمستقبل هي أزمنة واقعية موجودة، وإن الزمكان برمته موجود أيضاً ككينونة مستقلة عن الأشياء، فلا شيء يتغير و لا شيء يجري حقاً. ومن يدافعون عن هذا المفهوم " أي الأبدية" يستشهدون بآينشتين الذي كتب رسالة عزاء لوفاة صديقه الحميم ميشيل بيسو Michel Besso وشريكه في الفكر والتأمل والنقاش منذ أيام دراستهما في جامعة زيورخ، والتي أرسلها لذويه وبالأخص لشقيقة ميشيل، ومات بعده بأشهر قليلة، قال فيها :" هكذا سبقني مرة أخرى بقليل بمغادرته هذه العالم الغريب. وهذا لا يعني شيئاً . فبالنسبة لمن يعتقد من بيننا بالفيزياء، فإن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى وهم مستمر على نحو عنود وملح". ولقد عرفت هذه الفكرة في أوساط العلماء بــ " الكون الكتلة univers bloc" أي يتعين التفكير بقصة الكون بمجملها وبكليتها كأنها كتلة واحدة وفريدة فكل شيء فيها حقيقي وواقعي وإن المرور من لحظة زمنية إلى لحظة زمنية أخرى ليس سوى شيء وهمي . وهذه قطعاً ليست الطريقة الوحيدة الباقية لدينا للتفكير بالعالم، فطريقة تفكيرنا التقليدية التي ترى الكون عبارة عن حقب زمنية متعاقبة لا يعني أن لا شيء يتغير، بل يعني أن التغييرات ليست مرتبة على نحو خلافة تعاقبية ثابتة ومنظمة ووحيدة une unique succession ordonnée، فالبنية الزمنية للعالم هي أكثر تعقيداً من مجرد تعاقب خطي للحظات، ولكن في نفس الوقت هذا لا يعني أن هذه البنية الزمانية غير موجودة أو وهمية. فالتمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس وهمياً لكنه نسبي. أي أن البنية الزمانية للعالم ليست " آنية حاضرة présentisme " فالعلاقات الزمنية بين الأحداث أكثر تعقيداً مما نعتقد، لكن لا يعني هذا أنها غير موجودة. فمفاهيم " الواقع" و " الآن " و " موجود " و " وجود" غامضه ولغزية ولها آلاف المعاني، وفعل " وجد" ومشتقاته لديه ملايين، بل مليارات، المعاني والتفسيرات والتأويلات، والأمر مرتبط بكيفية استخدامنا للفعل والصفة، ولا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء المطلقة. فهذه المفاهيم تختلف بالنسبة لمن يسكنون على الجزء العلوي للكرة الأرضية أو الجزء السفلي للكرة الأرضية وما حول الكرة الأرضية. فالعالم الذي نعيش فيه غير عادي وغير بسيط بل غاية في الغموض والتعقيد وهو غير مألوف لكنه ليس عالماً يفتقد للمعنى. فلو حسبنا الزمن الضروري لكي ينفجر فيه ثقب أسود " نظرياً ورياضياتياً بالطبع " بمروره بالمرحلة الكمومية أو الكوانتية، سوف نستنتج أنه، خلال هذه المرحلة، في داخل الثقب الأسود وجواره القريب، لا يوجد هناك " زمكان " وحيد ومحدد، بل مجرد حالة تراكب كمومية أو كوانتية لشبة من السبينات spin، أي الدورانات الذاتي المغزلية كحالة الإلكترون الضائع في غمامة أو سحابة من الاحتمالات، بين اللحظة التي بعث فيها واللحظة التي يصل فيها إلى شاشة القياس في تجربة يونغ ولوحه ذو الشقين المزدوجين، حيث يمر بعدة أماكن محتملة قبل بلوغه الشاشة، نفس الشيء بالنسبة للتفكك أو التحلل الكمومي أو الكوانتي quantique désintégration للثقب الأسود حيث يخترق مرحلة يمر فيها الزمن بحالة تقلب كمومي fluctuation quantique عنيفة حيث تحصل عملية تراكب كمومية أو كوانتية quantique superposition لأزمنة مختلفة، قبل عودته للحالة الحتمية بعد الإنفجار. فهناك ما يعرف بالزمن الحراري temps thermique،فالطاقة هي التي تتحكم بالتطور داخل الزمن في الحالة الماكروسكوبية ــ أي النطاق ما فوق الذري ــ فالحالة الماكروسكوبية، التي تتجاهل التفاصيل الدقيقة في اللامتناهي في الصغر ومادون الذري، تعمل على تفرد singularise متغير رياضي خاص يمتلك بعض مزايا وخصائص الزمن الذي نعرفه. فالزمن تحكمه نوع من الضبابية والغموض والشواش واللاتحديد والاهتزاز والتردد والتخبط flou، وكان العالم بولتزمان Boltzmann قد استوعب أن سلوك الحرارة يمكن فهمه على أنه نوع من الــ flou بالمعاني المدرجة أعلاه، ففي كأس من الماء يوجد عدد لامتناهي من المتغيرات الميكروسكوبية مادون الذرية التي لانراها والأنتروبي هو عبارة عن عدد من الإعدادات الميكروسكوبية الممكنة للماء، وإن هذا الــ flou يقوم بتحديد وفرض متغير رياضي آخر هو الزمن. فالزمن الذي تحدده حالة ماكروسكوبية هو الذي يسمى بالزمن الحراري temps thermique، لكنه ليس زمن كوني شموالي بل محدد بحالة ماكروسكوبية، أي بــ "الــ flou" أي بــ لاتكاملية incomplitude في الوصف. وهناك الزمن الكمومي أو الكوانتي temps quantique. وهو الذي يحصل إبان التفاعلات الكمومية أو الكوانتية. فالاحتمية الكمومية أو الكوانتية كضفة ذاتي للأشياء، تنتج الــ flou على غرار شواش بولتزمان الذي ينطوي على أن عدم القدرة على التنبؤ imprévisibilité في العالم تكون مثابرة ومستمرة حتى لو تمكنا من قياس كل ما هو قابل للقياس والحساب. فالصفة الزمانية مرتبطة بــ " الــ flou" والذي يعني أننا نجهل التفاصيل الميكروسكوبية ما دون الذرية للعالم. فلو أردنا أن نقيس فقاع صابون طائرة فسوف نلمس أن سرعة واتجاه هذه الفقاعة ليست ثابتة بل تعتمد على متغيرات variables متنوعة مثل درجة الحرارة والضغط الجوي وتيار الهواء وقوة الريح الخ.. وبالتالي من الصيغ صياغة معادلة رياضياتية تسمح لنا بإجراء عملية الحساب للنقطة المضبوطة التي ستتواجد فيها الفقاعة في وقت معين . في حين لو كانت سرعتها موحدة وثابتة واتجاهها محدد ومعروف فسيكون من السهل حساب إدخال عامل الزمن في العملية الرياضياتية وحساب النقطة التي تتواجد فيها الفقاعة بعد عشر ثواني من انطلاقتها مثلاً. فهناك إحداثيات للطول والعرض والارتفاع وللبعد الرابع الزمن حسب نسبية آينشتين. فالفقاعة في علم الكونيات وعلم الفلك لدى الفيزيائيين تستبدل بالنجوم وتوابعها من الكواكب وتجمعاتها في مجرات وتجمع هذه الأخيرة في حشود وأكداس وسدم كلها في حالة حركة وبسرعات معينة، وهذه تنطبق كذلك على البروتونات والإلكترونات في لذرة والفوتونات في العالم الذري ومادون الذري. فهناك معادلات رياضياتية لمثل تلك الحسابات وأبعاد أربعة حيث وصف الزمكان الآينشتيني بأنه فضاء بأربعة أبعاد. فتنقل الفقاعة في عالمنا الواقعي يفترض به ألا يغير من حجم الوعاء المكاني الذي تتنقل فيه الفقاعة وهو مكان إقليدي ذو ثلاثة أبعاد سواء كان مسطح أو كوري أو إهليجي . فحسب المعادلة التي وضعها آينشتين فإن الحجم لجسم متحرك يتنقل، يتغير ويتعدل ويتكيف صعودا ونزولاً، زيادة ونقصان، في أبعاده المكانية، ولكن هل ينطبق ذلك على البعد الرابع أي الزمن؟ يعتمد ذلك على تعريفنا للزمن وفهمنا لماهيته وطبيعته وجوهره وهو هو فقط مجر حساب لعملية التنقل والحركة لحجم مكاني معطى داخل حجم مكاني آخر؟ فلو حسبنا انتقال الفقاعة بعد عشر ثواني ربما يكون عقرب الثواني في الساعة تحرك عشر ملليمتر ولكن في نفس هذا الوقت تحركت الأرض 30 كيلومتر مضروب بعشرة في حركتها الدائرية حول الشمس فإحداثيات الزمن يعبر عنها بالضرورة على شكل علاقة السرعة بالزمن vitesse – temps   أو vt، وهذا ما أثرى مخيلة كتاب الخيال العلمي بشأن إمكانية خلود الإنسان إذا ما انطلق بسرعة تقارب الضوء في الفضاء الخارجي " لأن الزمن اندمج مع المكان أبدياً، فهل سيغوص الإنسان في المستقبل داخل اللانهاية حتى لن يشيخ ابداً ؟ هذه الفرضية عرفت بــ " رحالة أو مسافر لانجفان voyageur dd Langevin، على إسم عالم الفيزياء الفرنسي بول لانجفان التي صاغها سنة 1920، بخصوص السفر عبر الزمن بسرعات فائقة تقرب من سرعة الضوء في الفضاء ما بين النجمي . ووفقاً لمبدأ تباطؤ الزمن مع السرعة في نسبية آينشتين تحدث لانجفان عن مسافره في الفضاء الخارجي الذي ترك الأرض بسرعة قريبة من سرعة الضوء لمدة سنة ذهاب وسنة غياب أي ازداد عمره سنتين فقط وعند عودته إلى الأرض وجد أنها مر عليها قرنين من الزمن حيث اختفى جيله الذي تركه على الأرض وحل محله أجيال أخرى " وقد أثار هذا الموضوع سجالاً واسعاً بين العلماء في سنوات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي بالرغم من سلامة الطرح اللانجفاني رياضياتياً . سنعود لاحقاً لتفاصيل هذا الموضع في دراسات قادمة .

 

د. جواد بشارة

 

جواد بشارةمعضلة الأصل والبداية للكون المرئي:

التمعن مرة أخرى في مسألة أصل الكون المرئي: أو على مشارف الإدراك والاستيعاب البشري.

مفهوم الأصل بالأساس موضوع لا ينبغي التفكير فيه والسبب لأنه معطى يصعب التعاطي معه بالنسبة للإدراك البشري وقدرة الاستيعاب لدى البشر. فمع موضوع أصل الكون نكون قد توغلنا وتورطنا في التطرق إلى موضوع أعمق بكثير وهو أصل كافة الأصول وبالتالي حدود فهمنا وإدراكنا واستيعابنا المحدود جداً، فهل نحن حقاً قادرون على التفكير جدياً وبعلمية في الأصل الكوني؟ وهل معرفة ذلك تعتمد فقط على العلم؟ وماذا لو بقي هذا الموضوع مغلقاً وعصياً إلى الأبد وغير قابل للحل؟

الانفجار العظيم، كما يعلم الجميع، هو أصل كوننا. بيد أن النظرية معقدة للغاية، لدرجة أن فريد هويل، في عام 1949، في مقابلة مع إذاعة الـ بي بي سي كان يستهزئ بالنظرية ويصفها " الانفجار الكبير grand boom " للسخرية منها لكنه خسر وبات هذا التعبير متجذراً في العقليات والأذهان لعقود طويلة. فقد اتضح أن هذه الفكرة "الانفجار الكبير" لطيفة جدا. وهي تريحنا وتثبتنا نفسياً من خلال تزويدنا بفكرة رائعة لملء ثغرات أو ثقوب جبنة الغرويير في عبثية الوجود. لأولئك الذين يشعرون بالدوار ويتساءلون عن أصل كل شيء، هاهي الإثارة: الانفجار الكبير! ثم كل الباقي مما أعقبه عن طريق الاستنتاج يخلق إشكالاً. المشكلة، وهي هائلة، هي أنه عندما لا نشكك في أصل شيء ما، بل بفكرة أصله ... يتضاعف الدوار في الرأس، كما سنختبر ذلك لاحقاً، حتى قبل الخوض في أصل الكون، دعنا نأخذ منعطفًا صحيًا لفكرة الأصل.

تأتي فكرة أصل الأصل من الكلمة اللاتينية "ori go" التي تعني "المصدر" وتشكل اللحظة الأولى لظهور الشيء. يمكننا بالفعل أن نشير إلى أن "الأصل" دائمًا ما يكون تقليديًا، إنه راحة غير واعية للغة لأن الرغبة في الوصول إلى الأصل الخالص لشيء ما أو لظاهرة هي، بالنسبة لكائن محدود كالإنسان، فنتازيا أو مخيلة الفكر. إن "الأصل" المفترض هو دائمًا بناء تعسفي للذاتية البشرية، لأنه، بقدر ما هو كائن منتهي يتمتع بفهم محدود ومعرفته محدودة بشكل ثابت، فإن الإنسان لم يمتلك منفذاً للولوج إلى أصل الأشياء.. ومن ثم الوصول إلى أصل الأشياء. أي مفهوم أصلي يدعي أنه نقي لا ينشأ من الفيزياء ولا يرتبط بالفيزياء، ولكن بالتحديد يعتبر من الميتافيزيقيا، وبالتالي من ذلك الذي يتجاوز العالم المعقول (إذا كان هذا الشيء موجودًا، فهو الخلاف الكامل حول الميتافيزيقيا). في العالم البشري، أصل الشيء، إذن، تقليدي دائمًا؛ إنها مسألة إيقاف سلسلة سببية من خلال اعتبار أنها تتعلق بالأصل ولكن هذا الاعتبار "منطقي" وليس "وجودي"، أي أنه يتعلق باللغة، وليس من الواقع في حد ذاته. مما لا شك فيه أنه من الأساسي، من أجل تنظيم عالم اجتماعي، أن نفترض، على سبيل المثال، أن الزمن صفر TO وذلك بطريقة مجردة، بطريقة بنائية وتعسفية، أو أصلًا لتنظيم عالم أو حدث. لا يمكن للإنسان أن يعيش في ظروف من عدم اليقين، وهذا علاوة على ذلك سبب اختلاق أساطير إضفاء الشرعية منذ فجر التاريخ. يعرف المؤرخون هذه المشكلة: لبدء ظاهرة تاريخية، فإن الميل، التيار العام، في زمن إكس Tx، يرقى إلى إيقاف سلسلة سببية بشكل تعسفي. بما أنه لا يمكن تفسير الوجود إلا بالوجود، فإن أي "أصل" لشيء ما، هو في نفس الوقت نهاية العملية التي أدت إلى حدوثه، وبالتالي فإن أي أصل هو أيضًا نهاية. دعونا نأخذ بعض الأمثلة المعبرة: التكهنات حول أصول اللغة. لطالما كانت اللغة منذ القرن الثامن عشر فصاعدًا موضوعاً لبحث الأصل، لدرجة أنه في عام 1866، قررت الجمعية اللغوية الباريسية Société de Linguistique de Paris حظر جميع المنشورات حول موضوع أصل اللغة في المادة 2: "لا تقبل الجمعية أي اتصال يتعلق إما بأصل اللغة، أو إنشاء لغة عالمية. علاوة على ذلك، ومن المفارقات، أن جميع اللغويين تقريبًا ما زالوا خارج دراسات أصل اللغة. يوضح مثال النهر لنا ذلك أيضًا: من أين يبدأ النهر؟ متى يستحق النيل أن يسمى "نهراً"؟ في الوقت الذي يوجد فيه بالفعل العديد من الروافد والمصبات. يكفي دراسة ما يسمى في الجغرافيا "مخاريط الاستقبال"cônes de réception. عندما تصعد مجرى نهر مقابل عندما يصعد المرء مجرى النهر في الاتجاه الخاطئ للعثور على مصدره، في لحظة معينة، تتقاطع عدة تيارات من المياه. لذلك كل الأنهار هي مجموعات من الأنهار. طبعا يمكننا أن نقول: "هنا يأخذ النيل منبعه!»)) ولكن مثل كل ما هو "مرسوم"، نحن في المجال المنطقي وليس الأنطولوجي، لأن شبكة المياه المتدفقة في غابة نيونغوي، في رواندا تثير الحيرة كيف نصفها، هل هي نهر؟ في مارس 2006، قامت مجموعة من المستكشفين النيوزيلنديين والبريطانيين، بعد صعودهم النيل من الإسكندرية، هكذا من نهر كاجيرا، المنبع الرئيسي لبحيرة فيكتوريا، أكتشفوا "، في قلب غابة نيونغوي في رواندا، أبعد منبع معروف لنهر النيل حتى اليوم. وبالتالي، فإن الأصل النقي للنهر غير موجود؛ ينتصر الواقع دائمًا على تمثيلاته. وينطبق الشيء نفسه على شيء مجرد مثل الفلسفة، كالمسلمة التي تقول: ليس هناك من أصل خالص. يشير هذا إلى فئة فلسفية مهمة تسمى "دائمًا معقدة بالفعل". وبالتالي فإن الأصل الخالص هو خيال. دالمبرت D’Alembert، الذي كان بلا شك أفضل مروج ومبسط لغوياً لفلسفة التنوير، لا يزال بإمكانه أن يقول في عصره: "كل معارفنا مقسمة إلى بسيطة ومركبة أو معقدة ". لكن الفيزياء النظرية اليوم تُظهر أن الذرات في الواقع قابلة للكسر وتتكون من جسيمات أولية، وحتى لو كانت الجسيمات الأولية هي في الوقت الحالي أصغر أجزاء الواقع التي نعرفها، في كل مرة نفكر فيها بعد أن وصلنا إلى الجسيم المسؤول عن كل الجسيمات الأخرى، فإنه لا يزال ينقسم إلى جسيمات أصغر من الكواركات كالأوتار. بالنسبة لدالمبرت، يتكون الواقع بالكامل من إعادة توحيد العناصر البسيطة، وهو موقع معرفي متفائل متجذر في عصره ويشير إلى تقليد الديكارتي الآلي الذي يقول بأنه لا يوجد سوى المادة والحركة. إن فانتازيا الأصل الخالص مرضية جدًا للمعرفة لأنها مريحة، كما أنه من المرغوب فيه أنثروبولوجيًا بلا شك إيجاد تماسك للعالم، ولكن من أصل صراعات الهوية أيضًا معرفة ما إذا كانت مدينة نانت تقع في مقاطعة بريتاني، أو إذا كان جبل سان ميشيل يقع في نورماندي أو بريتون ، إلخ. وفي اللحظة الثانية التي ينتهي فيها النضال لمعرفة ما إذا كانت كورسيكا الأصلية تنبع من باستيا أم من أجاكسيو باتفاق ملائم، سيكون هناك صوت يؤكد أنها ولدت في بونيفاسيو. خصوصية التخيل أنه لا يتوقف. لم نجد في الحقيقة ما يتوافق مع الخيال، وهذا ما تم توضيحه بشكل مأساوي من خلال الأسطورة اليونانية Procruste عن إحداث التجانس بالعنف والخروج من المأزق. هذا هو السبب في أننا يجب أن نفرق بين حقيقة "التمييز" التي هي عملية مفاهيمية للعقل وحقيقة "الفصل" التي هي عملية قطع إلى الواقع.

أصل الكون والتصور المنطقي:

دعونا نأتي الآن إلى الكون نفسه. هنا نصل إلى حدود قدرتنا على الفهم. هذه الإشكالية، صاغها كانط في القرن الثامن عشر في كتابه "نقد العقل المحض" (1781)، باعتباره "التناقض الأول" للعقل. ومحدودية العالم. وهكذا كما يشرح العلم الفيزيائي الفرنسي إتيان كلاين بخصوص القول بأن لــ "الكون له أصل" هو حديث متناقض مع الذات. ففي اللحظة التي تقول فيها أن للكون منشأ أولي من الشيء البدائي X في نفس الوقت ينفي ذلك وجود أصل للكون. إليكم السبب: إما الشيء البدائي X (الله، الثقب الأسود، الفراغ الكمي ...)  يكون موجوداً دائماً ومن ثم لم يكن له أبدًا بداية إذن لا يوجد له أصل، وإما أن الشيء البدائي لم يكن X  لكنه كان دائمًا موجودًا، وبالتالي كان مسبوقًا سببيًا بشيء ولّده ومن ثم فهو ليس الأصل! إنها أبوريا منطقية aporie logique. إنها نفس المشكلة المنطقية التي تتعلق بــ "الله،" والتي اعتبرها الميتافيزيقيون الكلاسيكيون "سببًا فريدًا أو سبباً في ذاته لذاته" (causa sui – cause de soi) الموجود لذاته وبذاته لا يحتاج لموجد، أي لا يحتاج لسبب لوجوده. الآن، كما أشار العديد من الفلاسفة وبالأخص نيتشه إن فكرة سبب ذاته، هي وحش التناقض المنطقي. يمكننا الخروج من المأزق من خلال حل وسطي بتخيلنا أن الكون خرج من العدم، أو فكرة أن الوجود قد نشأ من لا شيء ويظهر كيف أصبح غياب كل شيء (العدم) أول شيء. هنا نقع على الفور في أبوريا جديدة أو تناقض جديد. حقًا، إذا كان العدم يحتوي في حد ذاته على الخصائص التي تجعل من الممكن ظهور الوجود، فإنه ليس العدم الذي نعرفه أو ندركه بعقولنا القاصرة. ومع ذلك، لفهم الانتقال بين العدم والوجود يجب أن ينسب إلى العدم خاصية القدرة على التوقف عن العدمية، أو التوقف عن كونه عدم، وهو أمر مستحيل. العدم القادر على التوقف عن الوجود ليس العدم. لا يمكن تصور العدم لأنه بمجرد التفكير فيه، يتجسد ويتوقف عن الوجود. بمجرد أن نحاول التفكير في الأمر، فإننا نفعل شيئًا من لا شيء، شيء لا يمكن أن يكون بحكم التعريف لاشيء. العدم هو فكرة "التدمير الذاتي". الفيزياء تشرح فقط الوجود من خلال الوجود. لا يمكننا تفسير ظهور شيء ما إلا من خلال استحضار شيء آخر لأننا نفكر من خلال سلسلة سببية. بما أننا ضمن ثقافة تروج أن الكون له أصل، كان هناك خلط بين مسلمات علماء اللاهوت ومسلمات علماء الانفجار العظيم أي الفيزيائيين، ومن هنا جاءت العبارة من يوحنا بولس الثاني إلى ستيفن هوكينغ: " خذ أنت ما بعد الانفجار العظيم، واترك لنا ما قبل الانفجار العظيم Big bang ". السؤال الذي يجب طرحه هو: هل أصل الكون هو جزء من الكون؟ هذه إشكالية ميتافيزيقية عصية على الحل. هل أصل الشيء جزء من الشيء ذاته؟ إن أصل الذرات في الكون البدائي ناجم عن تفاعل النيوترونات مع البروتونات التي تشكل الذرات الخفيفة كما في غاز الهوليوم، ومن ثم تتشكل الذرات الأثقل في النجوم، إلخ. نحن نعرف عملية التخليق النووي، لكن ما نسميه تحديدًا "أصل الذرات" ليس البداية بقدر ما هو نهاية عملية تكتل الجسيمات الأولية الموجودة مسبقًا. أصل الذرات هو مجموعة العمليات الفيزيائية التي يكون نهايتها ظهور الذرات. في عملية سببية، والتي تقول إن الأصل يقول أيضًا اكتمال الشيء الذي ولده. يمكن للمرء فقط التذرع بوجود كيان مادي من خلال استدعاء كيان مادي آخر. إذن فإن وصف أصل الكون هو وصف العملية التي ظهر بها الكون والتي سبقته بالضرورة. ضمن هذا الإطار، مماذا يمكن أن يكون الكون مكتملاً؟ الانحدار إلى اللانهاية. هذا هو السبب في أننا في جميع قصص التكوين والخلق الوثنية، في رؤية جوهرية، نبدأ من وجود كيان موجود بالفعل في العالم، يتدفق منه كل الآخرين، دون التشكيك في أصله. في هذا السياق، فإن أصل الشيء هو جزء من الشيء. كسرت عقيدة التوحيد الإبراهيمية هذا التقليد واقترحت أصلًا متعاليًا، أي كائناً ربانياً أو إلهياً خارج العالم. وفي هذه الحالة فإن أصل الشيء ليس جزءاً من الشيء. بين أن ذلك لا يحل شيئاً لأننا لا نتساءل ولا نشكك بأصل الله الخالق.

ترابط الكون ومكوناته؟ إشكالية ميتافيزيقية غير قابلة للذوبان. هل أصل الشيء جزء من ذاته؟ أصل الذرات في بدايات الكون كما قلنا هو نتاج النيوترونات والبروتونات التي تشكل ذرات الضوء الفوتونات وذرات غاز مثل الهيليوم، ثم هل أصل الشيء جزء من ذاته؟

إذا كان الكون المرئي تشكل من تأثير ميكانيزم أو آلية القوانين الفيزيائية، فمن أين أتت تلك القوانين؟ هل هي موجودة قبل نشأة الكون وقامت بخلقه؟ فمسألة أصل الكون تطرح فوراً سؤالاً عن وضع وماهية وأصل القوانين الفيزيائية. وهو تساؤل ميتافيزيقي بامتياز. هل القوانين الفيزيائية الموجودة في الكون نابعة منه أم سابقة عليه ومتعاليه ومتسامية؟ في كتابه Le Timée الطيماوس يضع أفلاطون في الحسبان نصف إله أو شبيه إله Démiurge خالق الكون المادي الذي بإمكانه الوصول إلى عالم الأفكار intelligible الجلي الواضح والمفهوم والمدرك بالعقل فقط  والذي يكون قد خلق أشكالاً في الــ chora   ــ المادة ــ للعالم المحسوس في محاولة لتقليد الأفكار الصافية  المحضة للعالم  الجلي المفهوم والمدرك بالعقل ، خالقاً بذلك نسخاً حساسة غير متقنة وغير تامة أو مكتملة للأفكار المحضة  المتقنة  أو الكاملة. وفي هذا الأفق فإن العالم المدرك عقلياً هو عالم التشريع للقوانين الفيزيائية والعالم الحساس هو عالم تطبيق القوانين الفيزيائية. القوانين الفيزيائية ستكون متسامية ومتعالية بالنسبة للعالم المحسوس. لكن في العالم المعاصر اختفى كائن أفلاطون شبه الإله الخالق للعالم المادي الملموس والمحسوس لذلك بات من المستحيل على الاطلاق توضيح موقع وحقيقة القوانين الفيزيائية التي من المفترض أنها تسبق أصل الكون المادي. والحال هناك استحالة وصف أصل مفترض محتمل لـ "كون" بدون التطرق إلى القوانين الفيزيائية. إذن هل القوانين الفيزيائية سابقة لوجود أو لظهور الكون؟ وهل هي قادرة على ولادة كون مطيع وخاضع لها. لو تخيلنا كون له أصل (وهو أمر لم يثبت بعد) يظهر المكان أو الفضاء ومن ثم أول إلكترونين، وبما أن لديهما نفس الشحنة الكهربائية السالبة سوف يتنافران بموجب قانون كولومب La loi de Coulombe  وهو القانون الجوهري للإلكترونات الساكنة. بيد أنهما لم يطلعا على قانون كولومب لأنهما متحركان فكيف يعرفان أن عليهما أن يتباعدا ويتنافرا؟ هل هذا القانون متجذر أو تم ترميزه وتشفيره في كينونتهما أم أنه مبرمجengrammée  في بنية الكون التي تحتويه؟ هل ستكون القوانين الفيزيائية متجاوزة للإحصاءات الكهرومغناطيسية والتفاعلان النووية الضعيفة والشديدة أو القوية؟ لا يمكن لأحد الإجابة على ذلك وإن الفيزيائيين الذين يتعاطون مع موضوع أصل الكون يقومون بذلك انطلاقاً من قوانين لا يناقشون وضعها وماهيتها وموقعها فلسفياً أو يبحثون فيها من الناحية الفلسفية وليس العلمية. هل العدم قابل للتفكير والتصور؟ عندما يكون «السؤال المطروح هكذا، يمكننا أن نخمن بشكل أفضل صعوبة تصور أو إدراك فكرة العدم، والتي يمكن أن تكون في جزء كبير منها راجعة إلى حقيقة أن فكرة العدم، تعني الغياب. غياب كل شيء، لا شيء، مطلق، لا يمكن أن تكون إلا فكرة ليس من السهل العثور عليها وأن لها أيضًا وضع شامل. إن هذه المفردة في الواقع فكرة "هدامة" مدمرة  لنفسها، بمعنى أنه وبمجرد أن يأتي مفهوم العدم إلى أذهاننا، فإن حركة تفكيرنا تحوله إلى شيء آخر مختلف عن حقيقته، تجعل منه شيئاً خاصاً، نوع من الفراغ نعزي وننسب إليه خلسة جسماً مجهول الماهية، نوع من الجوهر لا يمكن للعدم أن يمتلكه دون أن يدخل في تناقض مع ذاته، وهكذا، بدلاً من حرمانه من أقل صفة شبيهة بالكينونة، فإن الحراك العقلي يسقطه فوراً في الأنطولوجيا وهذا النوع من التأمل الانعكاسي يخونه كما قال العالم إتيان كلاين في كتابه خطاب حول أصل الكون. وغالبًا ما يتم تمثيل أصل الكون على أنه صخب في صخب حيث تختلط المادة والمكان والزمن، وكل ذلك بدون ضوء. وإن هذا العالم السابق الغارق في الظلام يخونه الجناس الناقص أو إعادة ترتيب المكونات الأولية  anagramme المثيرة للاهتمام: إن أصل الكون يعطي "فراغًا أسودًا شديدًا". وهكذا دخلنا  في شرنقة ومتاهة الأصل وخرجنا منها بلا أصل وسنظل نبحث عنه بلا طائلا وبدون جدوى.

 

د. جواد بشارة

 

جواد بشارةهل للكون المرئي حدود؟ سؤال محير وليس له جواب قاطع وحاسم. هل الكون المرئي منتهي الأبعاد والحدود أم لا؟ المشاهدات لا تسمح لنا أن نقرر. لكن أحدث البيانات تشير إلى أنه يمكن أن يكون كرويًا وبلا حدود. ولا تستبعد وجود أكوان أخرى ... غير محدودة!

مهما كانت الإجابة، فإنها تجعلك تشعر بالدوار. نعم "؟ ها نحن هنا في وسط مفارقة، كما سبق أن أشار أرشيتاس تارانتو Archytas de Tarente اليوناني في القرن الرابع قبل الميلاد. لأنه إذا وصلنا عند الحد الأقصى، فماذا يوجد بعد، إن لم يكن الكون الكلي؟ الجواب مبهم " هذا يعني أن الكون قد يكون لانهائي. لكن إذا كان هذا المفهوم أساسيًا في الرياضيات، فإن له صدى غريبًا في الفيزياء. "عندما تؤدي نظرية فيزيائية إلى ما لا نهاية، يمكن للمرء أن يعتقد أنه لم يعد قادرًا على وصف العالم، كما يلخص جان فيليب أوزان، مدير الأبحاث في علم الكونيات في معهد الفيزياء الفلكية في باريس. الميكانيكا التي تخيلها غاليليو، يمكن أن تكون السرعة لانهائية. منذ أينشتاين، نعلم أنه لا يمكننا بأي حال تجاوز سرعة الضوء البالغة 300000 كلم/ثانية"

تخيل الكون المرئي جسيم صغير بين عدد لامتناهي من الجسيمات / الأكوان تدور في داخل كون كلي مطلق لامتناهي، ليس له بداية وأصل ولانهاية. بافتراض أن ركننا الصغير يمثل الكون المرئي الذي يمكننا رصده وقياسه ودراسته ومشاهدته وإجراء الحسابات عليه، إنه شيء مثير للغاية ومسبب للدوار، ولنبدأ بأفكارنا في رحلة نحو حدود الكون. بعد عشرات المليارات من السنين الضوئية، وصلنا إلى حد الكون المرئي الذي يمكننا مراقبته ورصده، ويتكون من كل النجوم التي وصلنا ضوءها منذ الانفجار العظيم، قبل 13.8 مليار سنة. إنها كرة نشغل مركزها ونصف قطرها حوالي 46 مليار سنة ضوئية، منذ أن تمدد الكون بشكل مستمر منذ ولادته. يستمر هذا المجال في النمو، لكنه انتهى بالفعل. أبعد من ذلك، لا يمكن لأي معلومات أن تصل إلينا، لأنه سيتعين عليها السفر بسرعة تفوق سرعة الضوء. ومع ذلك، من الممكن تخيل شكل الكون المرئي من خلال افتراض أن خصائص ركننا الصغير من الزمكان تمثل خصائص الكل الكبير أي الكون الكلي المطلق.

يوضح جان فيليب أوزان Jean-Philippe Uzan أن "محدودية الكون تعتمد بشكل خاص على انحناءه. إذا كانت الانحناءة موجبة، فإن الكون يكون كرويًا، وحجمه محدود بالضرورة. وإذا كان الانحناء سالبًا، فهو قطعي. إذا كان كذلك فارغ، إقليدي وبالتالي مسطح. هاتان الحالتان الأخيرتان يمكن أن تتوافقا مع كون لا نهائي ". يعتمد هذا الانحناء على كمية المادة الباريونية (الكلاسيكية العادية) والمادة السوداء أو المظلمة (التي لم تُلاحظ ولم ترصد أبدًا على نحو مباشر، فقط كتلتها معروفة) الموجودة في الكون، والتي تُنحت، بطريقة ما، الزمكان، كما هو موصوف في نظرية النسبية العامة. يجب علينا أيضًا أن نأخذ في الاعتبار الثابت الكوني، الذي تم إدخاله في معادلات النسبية من أجل حساب التسارع الحالي للتوسع الكوني. يمكن استنتاج هذه المعلومات من خصائص الخلفية الكونية المكروية المنتشرة، وهي أول ضوء ينبعث من الكون، بعد 380.000 سنة من الانفجار العظيم. تم رسم الخرائط بدقة كبيرة بواسطة القمر الصناعي بلانك في عام 2013، مما جعل من الممكن تحديد قيمة الانحناء. أول حكم أو استنتاج؟ إنه قريب جدًا من الصفر، في غضون بضعة آلاف، أكثر أو أقل، بسبب هامش الخطأ ... وبعبارة أخرى، موجب أو سلبي قليلاً.

ومع ذلك، فإن دراسة نُشرت في مجلة Nature في نوفمبر 2019، واستناداً إلى تفسير جديد لبيانات بلانك، تشير هذه المرة إلى انحناء إيجابي "باحتمال 99٪". "هذه النتيجة تستحق التأكيد، كما يؤكد جان فيليب أوزان. لكن فكرة الكون الكروي ليست مستبعدة. في أي حال، وفق نظرية التضخم، التي تصف الزيادة الأسية في الحجم من الكون في وقت الانفجار العظيم، ويعني ذلك أنه على مقياس الكون المرئي، يجب أن يكون الانحناء صغيرًا جدًا. تمامًا كما هو الحال على الكرة المتسعة لدرجة أن سطحها، يبدو في الأفق مسطحًا ".

المسافر الذي يمضي قدمًا مباشرة سيعود في النهاية إلى الأرض بعد الدوران حول الكون!

افترض أن الكون كروي، وبالتالي محدود. ألا نواجه إذن مفارقة "حافة" الكون؟ لا. إذا كان للكون انحناء إيجابي، فهو محدود، لكن ليس له حافة. إنه عبارة عن 3 كرات أو كرة فائقة hypersphère. الكرة هي السطح ثنائي الأبعاد للكرة ثلاثية الأبعاد. بالقياس، فإن الكرة الفائقة هي جسم ثلاثي الأبعاد يحيط بكرة رباعية الأبعاد ... من المستحيل تخيله! لكن يجب أن تدرك أنه على كرة عالية كما هو الحال في كرة: أي رحلة في خط مستقيم تؤدي حتماً إلى نقطة البداية. المسافر الذي يمضي قدمًا مباشرة سيعود في النهاية إلى الأرض ... بعد الدوران حول الكون!

لكن الكرة الفائقة لا يروي القصة كاملة. لأن كل نوع من أنواع الانحناء يتوافق مع عدة فئات طوبولوجية، وأشكال متعددة بطريقة ما. ثنائي الأبعاد، الكرة تنتمي إلى نفس الفئة مثل أي شكل بيضاوي. وبالمثل، يمكن أن يكون للجزء الفائق أشكال مختلفة، وكلها بلا حدود، وبأحجام مختلفة. لذلك حتى الانحناء الإيجابي يترك أسئلة كبيرة حول مدى وسرعة كوننا. ناهيك عن أن الكون الكروي الفائق hyperbolique يظل ممكنًا. كيف نحسم؟ "في الوقت الحالي، هذا مستحيل، كما يذكرنا جان فيليب أوزان. باستخدام أدواتنا وأجهزتنا الحالية، لا يمكننا الوصول إلا إلى الكون المرئي. ويكفي أن يكون الكون الكلي أكبر بنسبة 15٪ فقط من هذا الكون المرئي المرصود حتى لا نتمكن من التمييز بين الفضاء المحدود (والكبير جدًا) والكون اللامتناهي. ومع ذلك، فإن أحدث البيانات، التي حصل عليها القمر الصناعي بلانك، تشير إلى كون أكبر بنسبة 92٪ على الأقل مما نراه ونرصده من كوننا المرئي... "

ومع ذلك، حتى لو كان الكون المرئي منتهياً، فإن هذا الكون يمكن أن يشمل ... أكواناً أخرى، وما المانع ألا تكون لانهائية! "وُلد مفهوم الأكوان المتعددة في ثمانينيات القرن الماضي، عندما حاول بعض علماء الفيزياء الفلكية تفسير ظاهرة التضخم، كما يوضح إميليان دوداس Emilian Dudas ، مدير الأبحاث في معهد البوليتكنيك في باريس. وأحد النماذج هو أنه قارن التضخم بمرحلة انتقالية، مثلما يحدث عند غليان الماء، حيث تتشكل فقاعات مجهرية من البخار في السائل وتتجمع فجأة لتشكل فقاعات أكبر. هكذا فسرنا النماذج الأولى للتضخم: فقاعات الزمكان الصغيرة تنمو تحت تأثير الثابت الكوني، وعندما تلتقي، تنفجر الظاهرة وتؤدي إلى فقاعة كبيرة جدًا: أي كوننا. لكن يمكننا أن نتخيل أن الفقاعات الصغيرة تتشكل في مكان آخر، خارج الكون المرئي، وتلتقي بدورها لتجعل كوناً آخر ينبض أو ينبثق... "لذلك لم نعد هنا مع كون واحد، بل مع عدة أكوان، ندفع هنا وهناك مثل الزوائد أو الزيادات des excroissances. وهذه، هل ستكون محدودة أم لانهائية؟

يأخذ هذا السؤال منعطفًا خاصًا إذا نظرنا إليه من وجهة نظر نظرية الأوتار la théorie des cordes، التي تهدف إلى التوفيق والمصالحة بين بين العالم الكمومي أو الكوانتي، الذي يصف اللامتناهي في الصغر l’infiniment petit للجسيمات الأولية، مع نظرية النسبية العامة، التي تتعامل مع الزمكان على نطاق واسع. في هذا النهج أو وفق هذه المقاربة، لم يعد يُنظر إلى الجسيمات على أنها كائنات نقطية (بلا أبعاد)، بل باعتبارها أوتارًا أحادية البعد، تهتز مثل تلك الموجودة في الغيتار. تستمد خصائصها (الكتلة، الشحنة، إلخ) من أنماط اهتزاز مختلفة في عشرة أبعاد من الفضاء، وليس ثلاثة أبعاد مكانية فقط، والأبعاد الإضافية مطوية على نفسها وبالتالي لا يمكن الوصول إليها على نطاقنا. لكنها يمكن أن تتخذ أشكالًا، أو طوبولوجيا مختلفة، تنبثق منها القوانين الفيزيائية للكون.

كل طوبولوجيا مرتبطة بمرجع أساسي أو معطى جوهري donnée fondamentale: كثافة طاقة الفراغ. وطاقة الفراغ، كما يوحي الاسم، هي طاقة الزمكان في غياب المادة. ستكون مصدر الإبادة المتبادلة للجسيمات الافتراضية التي بالكاد تخرج من العدم. على نطاق صغير جدًا، يمكن بالتالي النظر إلى فراغ الفضاء على أنه فقاعات من الجسيمات الشبحية     particules fantomatiques المتولدة من طاقة الفراغ. علاوة على ذلك، سيكون هذا هو أصل القوة البغيضة أو الطاردة force répulsive التي من شأنها أن تساعد في توسيع الكون. لذلك تتواجد، إلى جانب الطاقة المظلمة الغامضة التي من شأنها أن تشكل أكثر من ثلثي الكون، كمرشح لإعطاء تفسير فيزيائي للثابت الكوني الكوسمولوجي  la constante cosmologique.

10500 عشرة أس 500 كون ممكن، معظمها خالي من المادة:

"أحد أهداف نظرية الأوتار هو إيجاد كثافة طاقة الفراغ المطابقة لكوننا، كما يتابع إميليان دوداس. لقد أدركنا أن هناك العديد من الحلول الممكنة، كل منها يتوافق مع طبولوجيا مختلفة، لأنه يجب أخذ العديد من المعلمات أو الاعدادات paramètres والبيانات في الاعتبار. قد يؤدي هذا إلى 10500 كون محتمل! "ها هو الدوار مرة أخرى فلا يمكن تصور أو تخيل ذلك. لأن لكل من هذه الأكوان خصائص مختلفة، قوانين فيزيائية خاصة بها، على الرغم من أن معظمها سيكون خاليًا من المادة، لأن الذرات لا يمكن أن تتشكل. وفي الواقع، سيكون أي اختلاف بسيط في الثوابت الأساسية (سرعة الضوء، ثابت الجاذبية، إلخ) كافياً للتسبب في اختفاء المادة في كوننا. لذلك، ليس هناك بداهة العديد من التركيبات الفائزة للثوابت الأساسية أو الجوهرية الكونية ...

لذلك يحاول منظرو الأوتار إيجاد التكوين الصحيح، والذي سيكون نجاحًا مدويًا لنموذجهم ... لكن كيف يمكننا أن نفرز 10500 من الحلول أو النتائج الناجمة؟ يعتقد بعض الباحثين، مثل كمرون فافاCumrun Vafa من جامعة هارفارد (الولايات المتحدة الأمريكية)، أن الأمر قد يكون أسهل من المتوقع لأنه لا يبدو أن أيًا من هذه الحلول يفسر الثابت الكوني. ووفقا له، يجب استبدال "الثابت" بكثافة طاقة فراغ متغيرة variable. بمعنى آخر، لن يكون الثابت ثابتًا بعد الآن. "هذه ما نسميه نماذج من النوع" الجوهري des modèles du type “quintessence”"، كما يتابع إميليان دوداس شارحاً. إنها فكرة جذابة، لكنها تتضمن جزيئات خفيفة جدًا لم يتم ملاحظتها من قبل. آمل أن يكون هناك بعض من بين هذه الحلول البالغ عددها 10500 أو أحدها سيجد تفسيراً للثابت الكوني ".

لذلك، من المستحيل الاستنتاج، خاصة أنه يجب علينا أيضًا أن نأخذ في الاعتبار التضخم الكوني. وهكذا يمكن أن يكون لدينا كون محدود، يتضخم إلى ما لا نهاية ... يمكننا أن نحلم بالمفارقات التي تتولد من كونًا لا نهاية له. يخلص جان فيليب أوزان إلى أن "كلمة لانهائية l’infini هي كلمة مستحيلة يمكنها أن تجعل كل أنواع الأشياء ممكنة. على سبيل المثال، كل التركيبات للذرات ممكنة في كون لانهائي. وبالتالي يمكننا حساب أنه سيكون هناك نسخة كربونية copie conforme من أي إنسان على بعد 1010 عشرة أس 10 أس 28 مترًا من هنا ... ". هذا يثير الغثيان، ...

 أسرع من الضوء؟

ذكر أينشتاين في نظريته النسبية الخاصة أنه لا شيء يمكن أن يكون أسرع من الضوء. إذن كيف حدث هذا التضخم بسرعة تفوق سرعة الضوء؟، تلك اللحظة التي شهدت تضخم الزمكان بمعامل 1026 (وفقًا للنموذج القياسي أو المعياري) في جزء من الثانية أثناء الانفجار العظيم؟ أوضح أينشتاين أن هذا الحد صالح لأي جسم ضخم. والحال إن الزمكان هو في حد ذاته ليس فقط نسيج الكون la trame de l’Univers. إنه فارغ بطبيعته من أي جسم وأي معلومات. الخلاصة: لا شيء يمنعه من التوسع بسرعة تفوق سرعة الضوء أو أسرع من الضوء. العودة إلى الأرض.. كيف يمكن أن تعبر الإلكترونات، في برك المفاعلات النووية، جدار سرعة الضوء؟ بكل بساطة لأن الفوتونات في الماء تتحرك "في حركة بطيئة" بنسبة 75٪ من سرعتها في الفراغ. لذلك يمكن للإلكترونات أن تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الفوتونات، وبالتالي أسرع من سرعة الضوء. ثم ينتج عنه نوع من الانفجار المضيء المزرق يسمى تأثير تشرنيكوف   Cherenkov effet.

الذكاء الاصطناعي للتغلب على اللانهايات:

في فيزياء الجسيمات كما في علم الكونيات، يجب على الباحثين معالجة كتل هائلة من البيانات، وأمامهم حل واحد: التعلم العميق Deep Learning. يمكن أن يكون التعلم الآلي مفيدًا جدًا لأولئك الذين يفحصون الموجات الكبيرة بلا حدود، وخاصة موجات الجاذبية.

مختبر اللانهائيتين Laboratoire des deux infinis (L2IT) ولد في تولوز وبنيت عليه طموحات كبيرة: للدراسة بطريقة "ذكية" كلاً من فيزياء الجسيمات الصغيرة للغاية أي اللامتناهي في الصغر، واللامتناهي في الكبر أي ما فوق الذري وفي آن واحد، أي علم الكونيات، الكوسمولوجيا! واليوم، تولد التجارب الضخمة المنفذة في المجالين بالفعل كميات كبيرة من البيانات والمعطيات الجديدة. ومن هنا جاء نهج هذا المختبر الجديد: استخدام الذكاء الاصطناعي (AI). على وجه الخصوص، التعلم العميق، القائم على الشبكات العصبية الاصطناعية (شبكات المعادلات الرياضياتية التي تحاكي خصائص معينة من الخلايا العصبية البشرية). تسمح هذه التقنية، على سبيل المثال، للخوارزميات algorithmes بالتعرف على الصور وتصنيفها بموثوقية تصل إلى 95٪.

وهذه بمثابة هبة من السماء لعلماء فيزياء الجسيمات. في عام 2012، في LHC، مسرع الجسيمات العملاق التابع لـ CERN الواقع تحت الحدود الفرنسية السويسرية، اكتشفوا بوزون هيغز. هذا هو الجسيم الذي كان مفقودًا من "النموذج القياسي المعياري لفيزياء الجسيمات"، وهو صرح بني طوال القرن العشرين لوصف ما لا نهاية له من الصغر، والذي يتضمن اثني عشر جسيمًا من المادة (كواركات وليبتونات) وثلاث قوى (تفاعلات نووية قوية وضعيفة والكهرومغناطيسية). يقول يان ستارك Jan Stark، مدير L2IT: "منذ ذلك الحين، سعينا إلى دراسة خصائص بوزون هيغز، بما في ذلك بعض التفاعلات النادرة جدًا مع الجسيمات الأخرى. لنستفز بعضها، فإن معدل تصادمات الجسيمات الذي تم في مسرع CERN سيضرب بخمسة في عام 2027. " هذه الأحداث، على سبيل المثال، هي "اقتران" (تفاعل) بوزون هيغز مع جسيم آخر، أو تحللها إلى زوج من الميونات (جسيمات سالبة الشحنة مثل الإلكترون ولكنها أثقل بكثير). أخيرًا، يرغب الباحثون في الحصول على إثبات لظاهرة خاصة جدًا، وهي "الاقتران الثلاثي الخطي "couplage trilinéaire" ": بوزون هيغز يؤدي إلى ... أو يولد  بوزون هيغز آخر، كما يوضح يان ستارك: "تم توقعه بواسطة النموذج القياسي أو المعياري، بخصائص دقيقة للغاية. وإن أدنى انحراف في القياسات عن هذا التوقع سيكون تحديًا كبيرًا للنموذج المعياري للجسيمات الأولية".

في مصادم الهادرونات الكبير LHC، تم بالفعل تسجيل مليارات الاصطدامات بين البروتونات. الجسيمات المتولدة، سريعة الزوال، تتفكك إلى جسيمات أخرى تمر عبر الكاشفات، كل منها يترك سلسلة من الإشارات النقطية. ثم يتعلق الأمر بإعادة تشكيل المسارات للعودة إلى الجسيمات المتولدة. "أوقات الحوسبة هائلة بالفعل: تم تعبئة ما يقرب من مليون نواة معالج processeurs لمعالجة بيانات CERN»، كما يؤكد يان ستارك. كيف نتعامل مع الزيادة المتوقعة في عدد الاصطدامات؟ "أحد السبل الواعدة هو استخدام الشبكات العصبية الرسومية [أو GNN] les réseaux de neurones graphiques ، والتي تأخذ العلاقات السببية في الاعتبار. وتستخدمها Google لمعرفة من يتحدث إلى من على الشبكات الاجتماعية. نحن نكيفها لربط الإشارات معًا. على نحو دقيق للغاية "، كما يشرح هذا العالم الفيزيائي. الأمواج التي نتجت في اللحظات الأولى من الكون:

يمكن أن يكون التعلم الآلي مفيدًا أيضًا لأولئك الذين يدققون في اللامتناهي في الكبر. في 14 سبتمبر 2015، اكتشفت تجربة Ligo انحرافًا بسيطًا في أشعة الليزر لمقياسين تداخل يقعان على بعد أكثر من 3000 كيلومتر في الولايات المتحدة. هذا هو الدليل المباشر الذي طال انتظاره على وجود موجات الجاذبية أو الموجات الثقالية les ondes gravitationnelles، والتي تجعل الزمكان يتأرجح مثل الموجات على سطح الماء. اليوم، تم اكتشاف ما يقرب من 40 حدثًا بواسطة مرصدي Ligo و Virgo، وهي المعادل لــ LHC في أوروبا. تُعزى جميع تلك الموجات الثقالية المكتشفة إلى اندماج نوعين من النجوم: النجوم النيوترونية والثقوب السوداء. لكن الباحثين يريدون الذهاب إلى أبعد من ذلك: العثور على موجات الجاذبية المنبعثة من النجوم النابضة les pulsars (النجوم التي تدور بسرعة) والمستعرات الأعظم les supernovæ وتلك الموجودة في "الخلفية العشوائية" fond stochastique، وهي مزيج من موجات الجاذبية أو الموجات الثقالية من أصول سماوية مختلفة والتي يجب أن تغمر الكون الذي يسبح فيها بشكل دائم. في هذه الخلفية يمكن أن تختفي موجات الجاذبية أو الموجات الثقالية للحظات الأولى من الكون. سيكون لاكتشافهم تأثير كبير، لأن الطفولة المبكرة في الكون يتعذر الوصول إليها إلى اليوم.

"إن اكتشاف موجة الجاذبية أو موجة ثقالية هو التعرف على إشارة في ضوضاء كبيرة ، يلخص دامير بوسكوليتش  Damir Buskulic ، من مختبر أنسي لفيزياء الجسيمات (LAPP) ، عضو تعاون مع مختبر فيرغو: فمن الضروري أولاً القضاء على الاضطرابات الخارجية القادرة على التأثير على أشعة الليزر لمقاييس التداخل interféromètres ، مثل مرور الأجسام القريبة أو النشاط الزلزالي. ومن ثم يجب رصد القفزات أو الدفقات، داخل المعطيات، في اضطرابات النظام والتي لا علاقة لها البتة مع الموجات الثقالية أو موجات الجاذبية. " ثبت أن تحديد وتصنيف هذه الدفقات أمر صعب ويستغرق وقتًا في الحوسبة باستخدام طرق الكمبيوتر التقليدية. كما يقول دامير بوسكوليتش، "أحد الحلول هو التعلم الآلي من خلال التعلم العميق" deep learning .

ولكن يجب تدريب الشبكات العصبية، وذلك بفضل البيانات التي تم جمعها، ولكن أيضًا من خلال برنامج علمي تشاركي أطلقه تعاون Ligo: Gravity Spy، والذي يدعو مستخدمي الإنترنت إلى تصنيف الدفقات وفقًا لتشكلهم. إنها إذن مسألة تحديد إشارات موجات الجاذبية. "سنصنع نماذج من الموجات المتوقعة للنجوم النابضة، والمستعر الأعظم ... وندرب الخوارزميات معهم"، يتابع دامير بوسكوليتش. لا يتمتع Ligo و Virgo بعد بالحساسية للوصول إلى الخلفية العشوائية. سيكون هذا، في أحسن الأحوال ، لدورات المراقبة التالية ، أو للأجهزة التي لا تزال قيد الدراسة: تلسكوب أينشتاينEinstein Télescope   ومهمة ليزا la mission Lisa ، والتي ستذهب لمراقبة موجات الجاذبية في الفضاء بعد عام  2035.

الكون البعيد في مكعبات صغيرة:

تشكلت النجوم الأولى بعد 300 مليون سنة من الانفجار العظيم. وكانت أكبر بألف مرة من الشمس، فهي تشع بقوة وتؤين ionisent الغاز المحيط، وتشكل فقاعات عملاقة حولها. هذا هو "إعادة التأين" ré ionisation، الذي يحدث خلال المليار سنة الأولى من عمر الكون. لم يتم ملاحظة أو رصد تلك الحقبة من قبل: "لقد بنينا نموذجًا رقميًا يحاكي إعادة التأين، مما يجعل من الممكن تحديد الظروف الفيزيائية للغاز في نهاية العملية. أنتج هذا الغاز الجيل الثاني من المجرات، ونحن قادرون على مراقبتها. بإمكاننا رصدها ومراقبتها. وبالتالي يمكننا تحسين النموذج "، كما يشرح جوناثان شاردان Jonathan Chardin، من مرصد ستراسبورغ الفلكي.

من أجل هذه المحاكاة، يمثل الباحثون الكون على شكل مكعب بحجم 100 ميغا بيرسك mégaparsecs (1 بيرسك = 3.26 سنة ضوئية)، وهو نفسه مكون من مليار مكعب صغير. في كل منها، أدخل الباحثون "المادة المظلمة (المادة غير المرئية التي تشكل 27٪ من الكون)، والغاز، لإعادة إنتاج تأثيرات الجاذبية. تتشكل النجوم والإشعاع المنبعث منها يؤين الغاز المحيط. قال جوناثان تشاردين إن: "محاكاة 700 مليون سنة من التطور أمر هائل. علينا استخدام أكبر الحواسيب العملاقة في العالم" les plus grands supercalculateurs au monde. إذ تعتبر خطوة نقل الإشعاع مكثفة للغاية من الناحية الحسابية. لهذا السبب أنشأ الباحثون Cradle (إعادة التأين الكوني والتعلم العميق) Cosmological Reionisation and Deep Learning، وهي شبكة من الخلايا العصبية جعلت من الممكن تقسيم مدتها على 100. الهدف التالي: محاكاة إعادة التأين بأكملها. وهذا، قبل الجيل التالي من الأدوات في الفضاء (تلسكوب جيمس ويب) le télescope James Webb وعلى الأرض (تلسكوبات Lofar وSka الراديوية) يقدمون الملاحظات الأولى لهذه العصور البعيدة.

معظم المعلومات العلمية في هذا الفصل مستمدة من مجلة العلوم والمستقبل"" Sciences et Avenir رقم 202، المخصص لموضوع "اللانهاية"، بتاريخ يوليو إلى سبتمبر 2020.

 

د. جواد بشارة

 

جواد بشارةالكون المرئي ثورة جديدة في الفيزياء

تعتق نظرية الانفجار العظيم وتجاوز الزمن والعلم لها:

استخدم، وأكاد أقول استهلك، علماء العالم نموذج نظرية الانفجار العظيم، البغ بانغ Big Bang على مدى عقود طويلة استمرت لأكثر من قرن، لشرح أصل وتطور الكون المرئي. وبالرغم من صحة النموذج ومصداقية الكثير من خصائصه وهو معاصر وحديث بالمعايير العلمية، لكنه بات عجوزاً. فهو يعود لسنوات العشرينات من القرن العشرين المنصرم ووصف قدر الإمكان قصة الكون المرئي ونشأته وتطوره فهل نجح في ذلك تماماً؟ أ أنن بحاجة لنموذج آخر أو تحديث هذا النموذج وفقاً لآخر الاكتشافات والمشاهدات والتجارب والنظريات العلمية في مجال علم الكونيات الكوسمولوجيا؟

نجح العلماء في صياغة قصة عظيمة للكون عمرها 13.8 مليار سنة. فريدة من نوعها، أصلية، لم يسبق لها مثيل، استثنائية، خارقة للتصور، وأحدثت قطيعة مع كافة الحكايات والنصوص الكونية التقليدية، والمقصود بها قصص الخلق الأسطوري للكون والتي أسماها غاستون باشلارد "تأملات أسلافنا القدماء" بغية صياغة نموذج للكون باعتباره نظاماً فيزيائياً في مجال علم الفك، وكانوا بذلك يعتمدون على نظرية النسبية العامة لأينشتاين، التي صيغت في عام 1915. عندما اكتشفها الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان في عام 1922، كان أول من أدرك حقيقة أن هذه النظرية تسمح بدراسة بنية الكون ككل. ومنذ العام 1922، ثم في عام 1924 ، وصف تطور الكون في الزمن والذي ينطوي ضمنا على وجود الفرادة الأولية أو الأساسية. توصل في عام 1927 إلى نفس النتيجة، الراهب والفلكي والفيزيائي البلجيكي جورج لوميتر الذي أعلن أن انحسار وابتعاد أو هروب السدم والمجرات الحلزونية التي لاحظها عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل عام 1929 ما دعاه لاستنتاج فرضية توسع الكون. هذا التوسع ينطوي على بداية. لوصف ذلك، تخيل جورج لوميترLemaître في الثلاثينيات أن المادة والزمان قد ولدا من "ذرة" بدائية واحدة، وهو نموذج يبشر بالنظرية المعروفة الآن تحت اسم "الانفجار الكبير أو البغ بانغ"، وهو التعبير الذي أطلقه عليه فريد هويل ، في محطة بي بي سي، في عام 1949 تهكماً. كان هويل من المؤيدين لنموذج كون ثابت لن يكون له بداية ولا نهاية، وكان يعتقد أنه بهذه التسمية يسخر من نظرية منافسة من خلال صياغة تعبير أصبح "نجمًا" للمفردات الفلكية. يشير التعبير اليوم إلى نظرية مقبولة من الجميع، لأنها تشرح ثلاث سلاسل من الملاحظات المستقلة، وكلها لا جدال ولا اعتراض عليها: أولاً، يبدو أن المجرات البعيدة تبتعد بسرعة أكبر عن الراصد كلما كانت أبعد: في بدايته، كان الكون أكثر كثافة وسخونة، مثل غاز يسخن عند ضغطه. ثم، في كل مكان في الكون، توجد نفس نسبة الهيليوم (8٪ من عدد ذرات هذا العنصر)، مما يعني أن الكون قد مر بمرحلة تكون فيها الكثافة ودرجة الحرارة عالية ومرتفعة بدرجة كافية للسماح بتوليف هذا العنصر. وأخيرًا، يشهد الإشعاع الخلفي الأحفوري الميكروي المنتشر المكتشف في نطاق الموجات المكروية كشاهد على المرحلة الكثيفة والساخنة التي مر بها الكون في بدايته. مبنية على هذه الركائز الثلاث، تفترض نظرية الانفجار الكبير أيضًا فرضيتين: عالمية أو شمولية قوانين الفيزياء، وحقيقة أن الكون متجانس (بكثافة متساوية) وعلى مستوى واسع جدًا (هو ليس له مركز). وهكذا، تنشأ نظرية الانفجار الكبير من اللقاء بين نظريتين فيزيائيتين: النسبية العامة (آينشتاين) وتمدد الكون (فريدمان / لوميتر / غامو / هابل): لنعرض بالمعكوس " فيلم "عن تمدد الكون مع معادلات أينشتاين في النسبية العامة، وكلما توغلنا في الماضي، كلما تناقصت أبعاد الكون المرئي، زادت درجة الحرارة، وزادت كثافة زيادة المادة. عندما نحل المعادلات إلى أقصى حد ممكن على المستوى النظري، نصل إلى عالم نقطة ponctuel وبالتالي من حجم صفر، وبالتالي فرادة ترتبط به درجة حرارة لا نهائية، وكثافة لا نهائية وحجم صفري: "الانفجار الكبير" (التفرد الأولي أو الفرادة الأولية الأساسية). هذا نموذج من الخمسينيات، عندما ظهر علم الكونيات العلمي بعد اكتشاف النسبية العامة لأينشتاين، مما جعل من الممكن اعتبار الكون كجسم مادي حقيقي - لأول مرة - مع خصائص عالمية (انحناء الزمكان). لكن هذا الاستقراء النظري الذي يقوم فقط على معادلات النسبية العامة، يأخذ في الاعتبار الجاذبية أو الثقالة فقط وليس التفاعلات والقوى الأساسية الجوهرية الثلاثة الأخرى. ثم يكون الحساب صحيحًا رياضياتيًا، لكنه خاطئ ماديًا لأنه يؤدي إلى الفرادة دون وصف حركات الجسيمات عالية الطاقة (لأنه يتجاهل القوى الثلاث الأخرى). الزمن الذي تصبح فيه معادلات أينشتاين خاطئة مادياً ومعطلة يسمى "جدار بلانك". يتوافق جدار بلانك، في تاريخ الكون، مع اللحظة الأصلية لتشابك ظواهر الكموم والجاذبية. لتجاوزه (نظريًا)، نحتاج إلى شكليات موحدة قادرة على دمج كل من ميكانيكا الكموم أو الكوانتوم والنسبية العامة، وهو ما ينقصنا حاليًا، لأن الشكلين يعتمدان على مبادئ متناقضة (الاختلاف في هندسة الزمكان من نموذج لآخر). هل استوعبنا المشكلة؟ إن نظرية الانفجار العظيم التي تصف تاريخ الكون في عملية توسعه التدريجي صحيحة تمامًا.. حتى نقطة معينة في تاريخ الكون. ومع ذلك، فإن نموذج الانفجار العظيم يتنبأ بوجود لحظة صفرية عندما يكون للكون درجة حرارة وكثافة لا نهائية، قبل جدار بلانك. بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع النماذج النظرية المعاصرة المستخدمة على نحو تجريدي، تعمل لمحاولة التغلب على جدار بلانك (نظرية الأوتار الفائقة، الجاذبية الكمومية الحلقية أو العروية، نظرية الفراغ الكمومي، نظرية الكون المتعدد أو تعدد الأكوان أو الأكوان الموازية، علم الأكوان_ الأغشية أو البرانات الكونيات، وكلها تشترك في شيء واحد: إبطال فكرة التفرد أو الفرادة الأولية. بعبارة أخرى، وفقًا لكل هذه النماذج، لم تكن درجة الحرارة في الكون أبدًا لانهائية، الأمر الذي يتعارض مع الوجود الافتراضي للانفجار العظيم الذي يعتقد أنه " اللحظة 0 ". وبعبارة أخرى، ليس لدينا دليل علمي على أن الكون له أصل، وليس لدينا دليل على أنه ليس له أصل. هذا السؤال المطروح باستمرار على أنه مغلق هو في الواقع مفتوح. لكن بما أننا في ثقافة تعزز أن للكون المرئي أصلًا وبداية، كان هناك اندماج بين توهج اللاهوتيين اللاذعين والانفجار الكبير للفيزيائيين ("ما بعد الانفجار الكبير لك، وما قبل الانفجار الكبير لنا"، كما قال البابا جون بول الثاني لستيفن هوكينغ).

 جدار بلانك :

يوجد في الفيزياء ما أصطلح على تسميته بالثوابت الكونية constantes universelles التي تنظم القوانين الأساسية، وبالتالي النظريات. من بينها: ثابت نيوتن للجاذبية (G)، سرعة أينشتاين للضوء (c)، ثابت بلانك (h). يتوافق جدار بلانك مع لحظة تداخل الظواهر الكوانتية أو الكمومية مع والجاذبية أو الثقالة. لذلك يجب أن يتضمن وصفها هذه الثوابت الأساسية والجوهرية الثلاثة.

في الكون المبكر، لم يكن هناك سوى الجسيمات الأولية فقط (الكواركات والنيوترينوات والفوتونات إلخ) مسجونة في حيز ذو حجم صغير، لكنه يتمتع بطاقة عالية جدًا وتتفاعل مع بعضها البعض. وبالتالي، فقد شكلت المحتوى المادي للكون بالكامل، ومع توسع الكون وتبريده، فقد جزءًا متزايدًا من طاقتها وانخفاض درجة هيجانها تدريجيا. عندما تصل درجة الحرارة إلى قيمة منخفضة بما فيه الكفاية، فإن الكواركات، الحساسة للتفاعل النووي الشديد أو القوي، باتت قادرة على الاندماج لتكوين أنواع كثيرة من الجسيمات المركبة (الهدرونات) التي صنفها الفيزيائيون. في هذا الوقت، اجتمعت التفاعلات الكهرومغناطيسية والتفاعلات النووية الضعيفة، رغم اختلافها الشديد عن بعضها البعض، لتشكيل القوة الكهروضعيفة، والتي انقسمت بسرعة إلى قوتين مختلفتين. يشير "جدار بلانك" إلى مرور الفترة في تاريخ الكون التي كانت خلالها التفاعلات الأساسية الأربعة موحدة ومطبقة في نفس الوقت، وبالتالي في نفس الشكلية. كما أنه يشير إلى اللحظة التي تتوقف فيها معادلاتنا والتناقض بين الشكلين الفيزيائيين الفلكيين العظيمين (النسبية العامة والفيزياء الكمومية). العلم قادر حاليًا على وصف تاريخ الكون الذي يفصلنا عن جدار بلانك الذي دام 13.78 مليار سنة. العلماء دقيقون للغاية من اللحظة التي قام فيها التمدد بتبريد الجسيمات بما فيه الكفاية بحيث تكون طاقتهم من طاقة البعوض أثناء الطيران (السرعة القصوى التي يمكن استنساخها مع LHC مصادم ومسرع الجسيمات في سيرن). من الطاقة التي طورتها البعوضة أثناء الطيران إلى تلك التي طورتها القطارات السريعة TGV بأقصى سرعة (تقابل بضعة أجزاء من الثانية مما يتيح الوصول إلى جدار بلانك)، لا يمتلك العلماء حاليًا قياسات تجريبية دقيقة.. لذلك، فإنهم ملزمون بالرضا عن النماذج النظرية والأفكار والنظريات الفيزيائية، للتظاهر بتصور هذه المرحلة. ولكن في الجزء العلوي من جدار بلانك نفسه، لا يمكن قول أي شيء.. لذلك من السخف الحديث عن فرادة مبدئية، أو أصل للكون أو لحظة O. القوانين المعروفة في الفيزياء تتوقف عن العمل أمام جدار بلانك. نشك ببساطة في بأن مفاهيم الزمن والمكان لم يعد لها معنى. قبل تحليل النظريات

الكمومية أو الكوانتية، دعنا نعود للحظة إلى النسبية العامة وحدودها: وصف أينشتاين التركيب المنحنى للزمكان في النطاق الماكروسكوبي  بواسطة النسبية العامة ولكن لا تسطيع أية نظرية وصف بنية الزمكان في المستوى أو النطاق المكروسكوبي لأن ذلك يتطلب نظرية موحدة، تسمى "نظرية كل شيء" ، أي تصف  القوى الجوهرية الأربعة في الكون البدئي. فجدار بلانك يمثل اللحظة الذي لم تعد فيه فيزياء آينشتاين صالحة، لأنح وحسب النسبية العامة، إن التفاعل الثقالي هو الذي يخلق الزمكان. ولكن في هذا النموذج، لم تعد الجاذبية قوة تمارس في الكون، ولكن الخاصية الهندسية للزمكان نفسه، هي التي تولد انحناءه). ومع ذلك، فإن الجاذبية هي في الواقع القوة الضخمة واسعة النطاق بين القوى الأساسية الأربع العاملة في الكون، لكنها ليست الوحيدة. وبالعكس، هي أيضًا القوة الأقل فعالية على المستوى الذري وما دون الذري. 

لذا فإن النسبية العامة هي نظرية تحمل اسمها السيئ، فهي نسبية وليست كلية شمولية، لأنها خاصة بالجاذبية أو الثقالة، وبالتالي فهي ليست عامة. للعودة إلى الفرادة الأولية أو الأساسية (الانفجار الكبير)، من الضروري أن نأخذ في الاعتبار أن الكون، بالإضافة إلى الجاذبية، يواجه ظروفًا فيزيائية تتوافق مع المواقف التي يكون فيها للجسيمات طاقة أكثر بكثير من الكون الحالي و يخضع كل شيء لقوى التفاعل في نفس الوقت. من أجل وصف الكون البدائي، من الضروري تطوير نظرية قادرة على وصف قوى التفاعل الأساسية الأربعة في وقت واحد. الآن، كما فهمت، يتم وصف الجاذبية في الوقت الحالي فقط على المقياس الماكروسكوبي من خلال معادلات النسبية العامة لـآينشتاين، وهي شكلية معينة تأخذ فقط في الاعتبار الجاذبية كجسم مادي بينما يتم وصف القوى الأساسية الثلاثة الأخرى فقط، على نطاق مجهري أو مادون مجهري، بواسطة فيزياء الكموم أو الكوانتوم (بتعبير أدق، نظرية المجالات أو الحقول théories des champs) التي تقوم على شكليات أخرى. وبتعبير آخر، يحاول علماء الفيزياء الفلكية الجمع بين النسبية العامة (التي تصف الللامتناهي في الكبر ، وبالتالي الكون على نطاق ماكروسكوبي) مع فيزياء الكموم أو الكوانتوم (التي تصف التفاعل النووي الضعيف والتفاعل النووي القوي والكهرومغناطيسية مجتمعة في النطاق الميكروسكوبي أو اللامتناهي في الصغر. ومع ذلك، تستند فيزياء الكموم على مباديء متناقضة مقارنة بالنسبية العامة، لأن النموذجين لا يعتمدان على نفس الزمكان! مثلا في فيزياء الكموم، الزمكان جامد ومسطح (بدون انحناءات) وغير منفصل تمامًا عن المادة التي يحتوي عليها. إنه أيضًا الزمكان في النسبية الخاصة، أي زمكان بوانكاريه_مينكوفسكي Poinca -Minkowski. الذي هو مختلفة تمامًا عن الزمكان في النسبية العامة التي تتسم بالمرونة والديناميكية، وتعترف بالانحناءات في الزمكان عن طريق الجاذبية أو الثقالة وتتفاعل بشكل مستمر مع المادة والطاقة الموجودة في داخله. لعبور "جدار بلانك"، يجب أن نتفق على الزمكان الذي نختاره لتوحيد القوى الأربع، لأنه لا يمكننا الاعتماد على مكانين مختلفين (مسطح / منحنى) في نفس الوقت. ومع ذلك، فشلت جميع المحاولات لتوحيد الشكليات. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذين الشكلين، على اختلافهما، قد تم تأكيدهما تجريبيا. تم تأكيد النموذج القياسي المعياري  لفيزياء الكموم في عام 2012 مع اكتشاف بوزونات هيغز Higgs Boson ، وتم تأكيد النسبية العامة مرة أخرى في عام 2016 مع اكتشاف موجات الجاذبية. باختصار، النموذجان فعالان بشكل كبير وصالحان، ومع ذلك غير متوافقين!

مسارات الكم:

من الواضح أننا نحاول مع ذلك عبور "جدار بلانك "من الناحية النظرية. في الوقت الحاضر فإن النهج الأكثر شيوعًا هو نظرية الأوتار الفائقة. تم وضع أسسها النظرية الأولى في السبعينيات من قبل غابرييل فينيزيانو Gabriel Veneziano، وجويل شيرك Joel Scherk، وبرنارد جوليا Bernard Julia، وجون شوارز John Schwarz، ومايكل غرينMichael Green. تستبدل النظرية جميع الجسيمات التي نعرفها بجسم واحد ممتد، الوتر الفائق، الذي يهتز في زمكان مع 6 أو 7 أو 22 بعدًا أكثر من الزمكان العادي. في الواقع، في السبعينيات، تم إثبات أنه لا يمكن للمرء أن يأمل في توحيد الجاذبية والقوى الأساسية الثلاثة الأخرى في الزمكان رباعي الأبعاد. هذا هو السبب في أننا نستخدم اليوم نماذج تقبل أبعادًا أكثر. سيتم طي هذه الأبعاد الإضافية على نفسها عند حجم صغير جدًا الحيز المجهري، بحيث تكون غير محسوسة. تتوافق أوضاع الاهتزازات المختلفة للوتر الفائق مع الجسيمات المحتملة المختلفة (يتوافق وضع واحد مع الإلكترون ، وآخر مع النيوترينو، والثالث مع الكوارك..). لذلك تبدأ النظرية من افتراض أن الجسيمات الأولية ليست كائنات مادية نقطية ذات حجم صفري (نقاط)، ولكنها سلاسل اهتزازية يمكن فتحها (بنهايتين مختلفتين) أو حلقات (مع نهايتين مجتمعتين منغلقتين) حيث السينماتيكا cinématique محكومة بالنسبية الخاصة، ودينامياتها تحكمها فيزياء الكموم. إن نظرية النسبية العامة لا تظهر في صلب فرضية النظرية، مما يعني أنها "تبدأ" دون ملاحظة وجود الجاذبية. وبالتالي، لا تستدعي النظرية الثقالة، ومع ذلك، من المبادئ التي لا تحتوي على الجاذبية، على مقياس مسافة معينة، تصنع معادلات أينشتاين للجاذبية. لذلك تتوقع نظرية الأوتار الفائقة الجاذبية كقوة ضرورية وهي نتيجة التطابق الذي وضع العلماء على طريق "نظرية كل شيء" التي ماتزال متذبذبة. مثل الجنية، تنبثق نظرية النسبية العامة من الحاجة إلى وجود جسيم له جميع خصائص جسيم الجاذبية أو الثقالة المعروف باسم الغرافيتون، من المفترض أن يكون الوسيط الحامل والناقل للجاذبية. يظهر هذا الغرافيتون في الحسابات كحالة اهتزاز معينة لوتر مغلق وبالتالي لحلقة، وهو نفس الـ"نسق المعين لأوتار مفتوحة الذي يتوافق تمامًا مع الفوتون، وهو الجسيم الوسيط للتفاعل الكهرومغناطيسي. يمكننا أن نقول عن نظرية الأوتار الفائقة أنها تغطي نظرية الكموم للكهرومغناطيسية التي نسميها"الكهروديناميكا الكمومية، انطلاقاً من إطار شكلي تحكمه الفيزياء الكوانتية أو الكمومية ونظرية النسبية الخاصة ولايشملان الثقالة أو الجاذبية تقودنا مباديء نظرية الأوتار الفائقة الى معادلات النسبية العامة. ما يسمح لنا بالقول إن هذه النظرية الجديدة هي نظرية كمومية أصيلة للثقالة أو الجاذبية.  يقولون إن هذه النظرية الجديدة هي نظرية كمية حقيقية للجاذبية. تؤدي نظرية الأوتار الفائقة بشكل خاص إلى "نظرية المجال الكمومي"، والتي تنتج عن التزاوج بين فيزياء الكموم ونظرية النسبية الخاصة وتشكل الشكلية على أساس النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات. نظرًا لأن نظرية الأوتار الفائقة تتخلص من فكرة التفرد الأولي أو الفرادة الأولية، فإن بعض النماذج المعروفة باسم ما قبل "الانفجار الأعظم" تحل محل الانفجار الأعظم بمرحلة كثيفة للغاية يمكن أن تكون بمثابة "جسر كمومي" بين كوننا المتوسع و آخر كان سيسبقه (في الواقع هو نفسه، ولكن في حالة الانكماش العظيم). تم اقتراح إصدارات مختلفة من هذه النماذج  من بينها وأبرزها نموذج  غابرييل فينزيانو، أحد مؤسسي نظرية الأوتار الفائقة. كان الكون قد شهد قبل الانفجار العظيم تطورًا متناظرًا لما كان عليه بعد الانفجار العظيم و خلال هذه المرحلة الوسيطة ،فإن كثافة المادة ، بدلاً من التناقص كما هو الحال في الكون الحالي، تكون مرتفعة أكثر فأكثرفي حين تناقص أبعاد الكون حتى تبلغ كثافة الطاقة  ودرجة الحرارة القيم القصوى الحرجة التي تسمح بها نظرية الأوتار الفائقة . في هذه اللحظة يرتد الكون على نفسه وبدلاً من تقلصه سوف يتمدد  وكل القيم التي تزداد سوف تتناقص بين المرحلتين المتميزيتن وهكذا فإن الكون السابق للانفجار العظيم يمكن أن يلاحظ وكأنه انعكاس لصورة في مرآة للكون اللاحق  أي ما بعد الانفجار العظيم والذي هو بدوره ليس سوى مرحلة انتقالية بين مرحلتين متمايزتين لنفس الكون فبدلاً من التقلص، يكون توسع وكل المقادير التي ازدادت تنمو. هكذا الكون السابق. هناك متغيرات أخرى، مثل علم الكونيات البراني كون الأغشية والنظرية الثقالية الكمومية الحلقية أو العروية أو نظرية الفراغ الكمومي ، نظرية الجاذبية الكمومية المهم هو أن كل هذه النماذج النظرية تتعارض مع فكرة اللحظة O التي تشير إلى بدء الكون وأصله.

تجدر الإشارة إلى إن عبارة "الانفجار الكبير" كانتذات معنى انتقاصي أو تحقيري في البدء، ولكن بالنسبة للكثير من الأمور كانت غير اللائقة: لا يعرض الانفجار الكبير فكرة تشتت المواد في جميع الاتجاهات لملء مساحة فارغة مسبقًا، كما يوحي التعبير. إنه الفضاء نفسه الذي يتوسع بمرور الوقت، وبالتالي زيادة المسافات بين الأشياء التي تنطوي عليها في توسعها.

ما هي النظرية المثبتة؟

قد يتساءل المرء بشكل شرعي كيف يمكن إثبات نظرية الانفجار العظيم إذا كانت في النهاية ... غير مثبتة. من المهم أن نفهم كيف يعمل العلم: كتذكير، لا توجد نظرية مثبتة حقًا. يقين العلم لا يمكن إلا أن يتعلق بالدحض. هذا ما فهمه فيلسوف العلوم كارل بوبر: من المستحيل إثبات صحة النظرية العلمية بشكل قاطع. يسأل الناس أحيانًا بسذاجة: هل هذه النظرية مثبتة؟ لا توجد نظرية مثبتة - وهذا هو السبب في أن الحجة الإعلانية "المثبتة علميا" هي انحراف معرفي. لإثبات (بشكل نهائي) نظرية ما، سيحتاج المرء إلى تأمين مزدوج: إجراء عدد لا حصر له من التجارب التي تجعل من الممكن وضع المقياس على المحك، وهذا بدقة غير محدودة، وهو أمر مستحيل بشكل مضاعف. كل نظرية إطارية تكون دائمًا "خاطئة" في الاتجاه بقدر ما هي صحيحة للحظات فقط، كما يوضح تاريخ العلم.

 

د. جواد بشارة

 

 

جواد بشارةالكون المرئي ثورة جديدة في الفيزياء

الجذور الخرافية لولادة الكون المرئي: تروي الأساطير كيف ظهر شيء ما، سواء تعلق ذلك بالكون أو بالإنسان أو بكل هذه الأنواع الحيوانية أو البنى الاجتماعية. لكن لأن خلق العالم يسبق كل الآخرين، فإن الكون يتمتع بمكانة خاصة. تعمل الأسطورة الكونية كنموذج لجميع الأساطير الأصلية. إن خلق الحيوانات أو النباتات أو الإنسان يفترض بالفعل وجود عالم سابق لوجودها. حتى في الحالات التي لا توجد فيها أسطورة كونية بالمعنى الدقيق للكلمة (كما هو الحال في أستراليا)، لا تزال هناك أسطورة مركزية تخبر عن بدايات العالم، ما حدث من قبل كينونات مثل "الله، أو حيوان أو شخصية أسطورية، يغطس هذا الكائن الخارق في قاع المحيط الأولي ويرسل القليل من GLAISE أنفاسه» لكي يصبح كما هو اليوم. "لذلك نجد دائمًا تاريخًا أساسيًا، وهذا التاريخ له بداية: الأسطورة الكونية أو الأسطورة التي تقدم لنا الحالة الأولى، اليرقية أو الجرثومية،»، يشير عالم الأساطير والأديان ميرسيا إلياد. إلى أن الأسطورة الكونية تشكل نموذجًا لجميع أنواع "الإبداعات" والتصورات الروحانية. علاوة على ذلك، تلعب الأسطورة دورًا رئيسيًا في طقوس التجديد الدوري للكون، وبالتالي، في تطوير الفكرة الأسطورية للزمن الدائري. إن عددًا كبيرًا من الأساليب العلاجية والمرضية مستمدة بالفعل من اليقين بأن المرء يمكن أن يكرر الكون، أنه يمكن للمرء أن يعاود خلق العالم.

وبالمثل، فإن التكهنات الأولى حول أصل الكائنات والأشياء، وبشكل عام، ظهور الميتافيزيقيا الشرقية العظيمة، أصبحت ممكنة بفضل حقيقة أنه لآلاف السنين، يعتقد البشر أنهم يعرفون كيف يجعلون الأفكار متطورة من بداية العالم وإلى الآن. باختصار، إن الأنظمة الكونية التي طورها الفلاسفة الأوائل هي جزء من تقليد سحيق مارسه البشر "البدائيون". ويضيف ميرسيا إلياد: "من المهم أن نشير إلى هذا التفكير فلسفيًا، إذ لم يتم التفكير في الواقع النهائي انطلاقاً من فضول عقلاني لمعرفة الأسباب الجذرية، ولكن من "الألفة الطقسية" مع بدايات العالم، من اليقين الذي استهلك الزمن، بين لحظة الخلق واللحظة الحالية، وهذه المسلمة لا تشكل عقبة لا يمكن التغلب عليها، لأن هذه المدة يمكن إلغاؤها أو تجاوزها. كان ذلك لأننا اعتقدنا أننا وصلنا بالفعل، في البداية، إلى بداية العالم الذي بدأنا فيه منذ لحظة معينة في التفكير المنهجي، في هيكل الأشياء، في غموض الجزيرة- العالم، كما هو باعتباره الهيكل الأول، هيكل هذه الحالة الأولى من الأشياء، في محاولة لاختراق سر الوجود تحت شخصية العالم كما كشفت عن نفسها للمرة الأولى. "

المتغيرات الكبيرة:

هناك عدد لا بأس به من موضوعات ومتغيرات كوسموجونية تتعلق بالخلق والحياة وخلق الإنسان والكون والحياة ولكن، وفقًا لعلم الأساطير، يمكن تصنيف أهمها إلى أربع فئات: أولاً ، ظاهرة الخلق العقلي. الخرافات التي تصف خلق العالم عن طريق الفكر والكلمة ( كن فيكون) أو دور السلطة الإلهية("الفعل") أو "الإحماءات أو الاستعدادات الربانية من قبل جزء من "إله أو إله ثانوي أو شبه إله ... هذا هو الحال كائنات الهنود الحمر وينيباغو Winnebago وأوماها Omahas الذين كان خلقهم للعالم بالفكر لأن جميع المخلوقات هي أرواح ، مثلما عند البولينيزيين. كما تم العثور على الخلق من خلال الحماوة أو الاستعداد الإلهي في التقاليد الفيدية védiques والبراهمانية الهندية حيث البيضة الذهبية هي نتيجة "الحماسة" وقساوة المياه البدائية. العنصر المشترك لجميع هذه الحكاية الكوسموجينية هو فكرة أن العالم مستمد مباشرة من الخالق: من أحلامه، من فكره، (أو من قلبه)، من فعله، من عرقه ("الاحماء") من جوهره. ثم ما يسمى "الغوص الكوني الكوسموجيني". الخرافات من بطولة "الغطس" الكوني: الله، كينونة على شكل حيوان أو شخصية أسطورية يغوص في قاع المحيط البدائي ويجلب قليل من الطين، والذي منه تتكون الأرض. هذه هي الحالة بين السكان الأصليين في الهند حيث يكون حيوان الغوص خنزيرًا برياً، يُنظر إليه أحيانًا على أنه صورة رمزية لفيشنوVishnu. في أساطير هنود أمريكا الشمالية، فإن حيوانات الغوص هي طيور مائية أو أسماك. في سيبيريا وآسيا الوسطى، تم دمج أسطورة الغمر هذه في الكون المزدوج أو الثنوية الكونية حيث يصبح الشيطان، الرفيق هو العدو، الخصم الذي يبحث عن الأرض ليحتفظ بها لنفسه بمفرده أو يحاول تدمير الخلق المكتمل. إدخال الشر في العالم، هو عدو الله والبشر. هذه النسخة المزدوجة من الغوص الكوني يمكن أن تكون ثمرة الاجتماع بين موضوعي "المياه البدائية" في الهند والمواضيعية الثنائية من أصل إيراني.أختبرت هذه النسخة  على الحدود الشرقية لسيبيريا (Samoyed ، Chukchi ، Yukagir) في حين انتشرت الأسطورة "الثنائية" الكونية على نطاق واسع في وسط وشمال آسيا ، بين الأتراك (التاتار التايكيين Tartars altaiques) وبين المغول. كما أنها وجدت كذلك مع الشعوب الأوغرينيه ougriens لروسيا الأوروبية (Ostyaks وVogouls وTcheremiss وMordvins) واندماجها في الفولكلور المسيحي في أوكرانيا وبولندا بين دول البلطيق والفنلنديين والرومانيين والبلغاريين. ومن ثم، فكرة تقسيم المادة البدائية، أي أن الكوزموجونات التي تفسر الخلق برؤية مادة بدائية منقسمة وغير متمايزة. هناك على الأقل ثلاث متغيرات مهمة: تلك الخاصة بـ "آباء العالم" حيث تمثل الوحدة البدائية زوجين السماء والأرض المتعانقين بإحكام والذين يكون فصلهم معادلاً للفعل الكوني. الزخرفة الكونية للزوجين البدائيين الأرض-السماء موجودة في العديد من الأساطير. وجدت بين الإغريق في نظرية الخلق الأسطورية théogonie مع الزوجين غايا - أورانوس Gaïa / Ouranos أو بين الماوري Maoris مع المعارضة رانجي Rangi (الجنة أو السماء) / الأب (الأرض). أسطورة "آباء العالم" منتشرة للغاية في جنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا Océanie، من إندونيسيا إلى ميكرونيزيا Micronésie. في تاهيتي، على سبيل المثال، يعتقد أن هذا الفصل تم من قبل نبات والذي، من خلال النمو ، رفع السماء. تم العثور على موضوع "آباء العالم" أيضا في أفريقيا والأمريكتين. إنها بالتأكيد فكرة قديمة. وفقا للتقاليد السومرية، في البداية

 كانت السماء ممتزجة بالأرض وفصل بينهما الإله إنليل Enlil وقد لوحظ وجود أسطورة مماثلة في مصر: كانت الأرض والسماء متعانقتين بإحكام، الإله جيب Geb تحت الإلهة نوت Nout. والدهم، تشو Chou، فصلهما، من خلال رفع الإلهة التي وضعها فوق رأسه والتي أصبحت القبة السماوية. يجمع الشكل الثاني بين رمز الفوضى Choas. توصف الحالة الأصلية بأنها كتلة غير متبلورة، الفوضى. في العديد من الأساطير، يتم تقديم الحالة الأصلية على أنها فراغ، هاوية بدائية، متفاعلة داخل الظلمات ومحاطة بالظلام. هذا هو الحال في التقليد الفينيقي، في التقليد الاسكندنافي أو في الكون اليوناني حيث الفوضى هي الكيان الأساسي قبل ولادة غايا Gaia وإيروس Eros. المتغير الثالث ينقل فكرة البيضة الكونية أو الوحدة البدائية التي يتم تصورها على أنها بيضة تشمل أو تتضمن المجمل الكوني، أو بيضة تطفو في المحيط البدائي. يبدأ الخلق بتقسيم البيضة. هذا هو الحال في الأساطير اليابانية حيث لا يتم فصل السماء (Izanagi) والأرض (Izanami)، ولكنها تشكل فوضى على شكل بيضة تنقسم لكسر الوحدة البدائية. تم العثور على قصة الفوضى هذه على شكل بيضة حيث يتم الجمع بين السماء والأرض في عدد كبير من الأساطير في الصين، الهند، إندونيسيا، بولينيزيا، إفريقيا، إلخ.). في الهند الفيدية védique، الجنين الذهبي ، هو الشكل البدائي للإله الذي يحوم فوق المياه. في الأساطير السيبيرية والإندونيسية، فإن الكائن الأسمى هو، على شكل طائر، يترسب في المياه البدائية على هيئة البيضة التي سيولد منها العالم لاحقًا. يروي آخر نوع رئيسي من الأساطير القصة التي تروي تمزيق عملاق أو وحش. لذا، فإن علم الكونيات هو نتيجة لتفكيك / تجزئة عملاق مجسم أو وحش بحري أوفيدي ophidien. يمكن تقديم التضحية. يأتي المثال الكلاسيكي من الأساطير الفيدية. يتم إنشاء كل الحياة من قبل التضحية ببوروشا Purusha (الرجل الكوني)، عملاق بدائي ضحت به الآلهة. رأسه يعطي الشمس، قدميه الأرض، ضميره القمر ونسيمه الريح. تأتي الطبقات الأربعة أيضًا من جسده. نجد هذا النوع من القصص في التقاليد الصينية مع تضحية بانغو pangu، الذي يتحول جسمه إلى كوزموس؛ عيناه تعطيان الشمس والقمر، والدهون تعطي الأنهار والبحار، والشعر يعطي النباتات. في الأساطير الاسكندنافية، الآلهة آسيس Ases تضحي بــ  وتمزق العملاق يمير Ymir. من جمجمته يصنعون القبو السماوي، من لحمه الأرض، من عرقه البحر، من عظامه الجبال، من شعره الأشجار. نجد نفس القصة في إيران، مدمجة في اللاهوت المزدكيMazdéenne حيث يبدأ الكون في جسد آهورا مازدا Ahura Mazda. عندما لا يتم تقديم التضحية أو القربان، فهي ثمرة معركة الله المنتصرة ضد وحش البحر، تليها تجزئته. المثال الكلاسيكي الذي قدمته إينوما إيليش Enuma Elish الملحمة البابلية لخلق العالم. من خلال هزيمة وحش البحر تيامات، قام الإله مردوخ بتقطيعه إلى نصفين لتشكيل السماء والأرض. لم يعد الأمر هجوما وافق عليه وحش، بل نتيجة معركة أسطورية حقيقية بين المبادئ المتعارضة. يعد هذا الكون جزءًا من أيديولوجية سياسية تهدف إلى جعل مردوخ الإله الأعلى. تشهد على ذلك أسطورة القتال بين إله بطل ووحش في الشرق الأدنى واليونان والهند. تختلف معانيها عن تلك التي تتحدث عنإينوما إيليش Enuma-elish بينما تبقى متحدة بشكل أساسي. لم يعد قتالًا كونيًا، بل معركة جرت لإنقاذ العالم من تهديد المياه الخارجية أو من الانحدار إلى الفوضى، على التوالي: الإله السومري نينورتا Ninurta ضد الوحش آساج Asag ، زيوس Zeus ضد تيفونTyphon أو إندرا  indra   ضد فريتراVritra.

المثال اليوناني:

عند هيسيود Hésiode ، في البداية لم تكن الكلمة ، كما في إنجيل يوحنا ، بل الفوضى أو الكاووس Le Chaos. إذا كان هيسيود Hesiod لا يمتد على طبيعة الفوضى، يجعل أوفيد Ovide في تحولاته كتلة مشوشة وغير متجانسة لم تكن سوى كتلة خاملة، وهي تتكدس في نفس الجراثيم المتباينة لعناصر الأشياء: لا يوجد رابط بينهما. " الأرض لم تكن موجودة بعد. لاحظ أن: قصة خلق هيسيود  Hesiod لا يتعني و لا تنطوي على أن شيئًا تم خلقه من لا شيء؛ كانت هناك مادة (فوضى) ، لكنها كانت بدون شكل حقيقي. عند القدماء، إن مفهوم الخلق، من لا شيء، غير موجود. يظهر هذا المفهوم مع الديانات التوحيدية.

يقول الفيلسوف لوك فيري: "إنه ليس شخصًا، ولا حتى شخصية". تخيل أن هذا اللاهوت البدائي ليس له شيء بشري: لا جسد ولا وجه ولا سمات شخصية. لقول الحقيقة، إنها هوة، ثقب أسود أو حفرة سوداء، لا يوجد فيها كائن يمكن تحديده. والحقيقة إنه الظلام المطلق الذي يسود ما هو في الأساس لا شيء غير الفوضى. علاوة على ذلك، في بداية هذه القصة، لا يوجد حتى الآن أحد يرى أي شيء: لا حيوانات، ولابشر، ولا حتى آلهة. ليس فقط لا توجد كائنات حية، متحركة، ولكن لا توجد أيضًا سماء أو شمس أو جبل أو بحر أو أنهار أو زهور أو غابات... باختصار، في هذه الفتحة الفاصلة، هي الظلام التام. كل شيء مرتبك، فوضوي. "بدون أن نعرف حقًا السبب، إلوهية ثانية ستخرج أو تنبثق من هذه الفوضى. إنها Gaïa غايا، أمنا الأرض. أخيرا ظهرت المادة للتو. Gaïa ، والتي تعني "الأرض" في اليونانية، هي الأرض الصلبة التي فوقها سوف تتطور الحياة الذهني العقلانية ستتساءل بلا شك كيف مكن لشيء أن ينبثق بنفسه من قلب الفوضى؟ إنه نوع من المعجزة، حدث أولي تأسيسي مثل هيسيود، أول شاعر يروي لنا هذه الحكاية الفكرة الأصلية للعالم هي التي تحدد كل الآخرين بواجهة أمامية. منذ زمن بعيد، في القرن السابع قبل الميلاد، يروي لنا هيسيود لكنه لايشرح و لا يفسر ولسبب وجيه أنه هو نفسه لايمتلك أي تفسيرأو لم يكن هناك أي تفسير متاح أمامه . ولتوضيح هذه المفارقة المنطقية الظاهرة، ظهرت الآلهة الثالثة، إيروس، آلهة الحب،  والرغبة على وجه أدق إذا جاز التعبير( ومثل الكاووس الفوضى، إنها في الواقع آلهة ولكن ليس شخصاً أو كينونة بل طاقة تفيض تقوم بتنمية وإخراج الكائنات إلى الوجود. يمكننا القول إنها مبدأ الحياة، قوة حيوية، على حد تعبير لوك فيري. تتمثل مهمة إيروس الأساسية أو الرئيسية هي عبور واجتياز كل الآلهة القادمة من الظلمات إلى النور. حسب أربعة الأنماط الأسطورية الرئيسية لخلق العالم.

 

د. جواد بشارة

...........................

المراجع الببليوغرافية

شكل وأصل الكون

Aurélien Barrau و Daniel Parrochia، Editions Dunod

الكوسمولوجيا الأثرية والنماذج المتنافسة:

 

 

رهانات الأصل والمآل، الصدفة والنظام، اللانهاية والحدود، النسبية والإطلاق، الزمان والمكان اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر.

 

1 ــ

منذ أن ظهر الوعي وملكة التفكير والتأمل، التي ميزت الإنسان عن غيره من الكائنات، والبشر يفكرون ويطلقون العنان لمخيلتهم، ويعبرون عنها فلسفياً ودينياً وعلمياً. تبلورت التساؤلات الوجودية حول أربع مفردات جوهرية هي: كيف ولماذا وأين ومتى؟ . وهي ترتبط بالوجود وما فيه من موجودات، مادية وغير مادية، ظاهرة وخفية، واقعية ووهمية، حقيقية ومتخيلة.

لماذا نحن موجودون وما الغاية من وجودنا؟ ما علة وجود الكون الذي نعيش فيه وهل هناك شيء ما وراءه؟هذا في حالة كونه محدود ونهائي. ولكن هل له أصل وبداية ومصير ونهاية؟ أم هو أزلي وأبدي أو سرمدي؟ هل هو مخلوق أم موجود بلا بداية ولا نهاية؟ هل للصدفة وجود فاعل ومؤثر أم كل شيء خاضع لنظام دقيق للغاية؟ هل سيفنى الوجود أم هو خالد؟ لماذا يوجد شيء ما بدلا من لاشيء؟ ولماذا يكون الكون على ما هو عليه وكما يبدو لنا ظاهرياً وليس على نحو مختلف؟ من أين جاء الكون وكيف ومتى ولماذا؟

هناك إجابات نسبية، وأخرى تدعي الإطلاق. وهناك نظريات وفرضيات علمية عديدة، ومعتقدات ثيولوجية وخرافات وأساطير، مشاهدات وحقائق نسبية وأوهام كثيرة, وهناك قوانين علمية كونية جوهرية وأديان ومعتقدات مختلفة، تصدت كلها لتقديم إجابات على هذه التساؤلات التي أقلقت مضجع البشرية على الأرض، وربما أيضاً مخلوقات ذكية وعاقلة أخرى تجوب الفضاء الكوني تبحث هي الأخرى عن سر وجودها وربما سبر أغوار سر الوجود نفسه.   وها هو الانسان أمام معضلة اللانهاية الكونية وعليه أن يقرأ ويفهم ويفك طلاسم ما يمكن أن نسميه "الأسس الجوهرية للمقاربة الكونية عند العامة من البشر كما عند العلماء والمتخصصين".

منذ فجر الإنسانية وتشكل المجتمعات، سواء البدائية منها أو المتحضرة، نجد فيها وفي الأديان التي حكمتها أموراً وقصصاً وحكايات ونصوص تتعلق بالكون. وفي الماضي السحيق كان الموضوع مرتبط بالسلطة الكهنوتية والوحي الذي تمليه وترسله الآلهة أو الإله الواحد، فالسماء في حقب تاريخية كثيرة كانت في نظر البشر مليئة بالآلهة والأبطال الأسطوريين المنحدرين من تلك الآلهة ومعهم كم هائل من العفاريت والوحوش الهائلة والكائنات الخارقة وبالتالي أعتقد البشر آنذاك أن العالم والكون وطريقة سيره ما هو إلا نتيجة مباشرة لقوى خارقة للطبيعة. فكانت بعض الشعوب في الصين على سبيل المثال يؤمنون بوجود وحش كبير ومرعب يبتلع الشمس ليفسروا عملية الكسوف وكانوا يقيمون احتفالات ويحثون ضوضاء كبيرة وضجة عالية لإرعاب الوحش وإخافته كي لا يبتلع الشمس إلى الأبد وعندما تشرق الشمس ثانية يعتقدون أنهم نجحوا في طقسهم هذا ولم يكن معروفا لديهم بالطبع أن الكسوف مرتبط بدوران القمر حول الأرض ودوران الإثنين حول الشمس. وكان أكثر ما يثير حيرة البشر وخوفهم على مر العصور هو المجهول والموت وما بعد الموت والحياة وسرها والأصل والمصير واللانهاية.

 

ما هي اللانهاية؟

قال الفيلسوف والشاعر الألماني العظيم غوته : "يجب أن نحلم بالمستحيل لتحقيق كل ما هو ممكن".أما غاليلو غاليله فقد قال: إن كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات ويقصد بالطبيعة هنا الفيزياء الكونية.

بين الأعوام 1623 و1662 عاش الفيلسوف الفرنسي باسكال وقال جملته الشهيرة:" إن الصمت الأبدي لهذه الفضاءات الممتدة إلى اللانهاية يرعبني".

فالإنسان ضائع بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. فأصغر جسيم في الكون هو الوتر وهو أصغر بكثير من الكوارك وقياسه هو 10-33 من الملليمتر أي إن الإنسان في هذا الكون المرئي هو بمثابة اللاشيء أو هو أقرب إلى العدم منه إلى الوجود، فما بالك لو قارنته بالكون المطلق الحي اللانهائي الأبعاد، الذي يعتبر كوننا المرئي، بما يحتويه من مئات آلاف المليارات من المجرات والحشود المجرية والنجوم والكواكب والغازات والسدم والعناقيد المجرية، ليس أكبر من مجرد جسيم صغير غير مرئي هو أقرب إلى اللاشيء منه إلى الكينونة. في هذا الإطار وحده يمكننا أن نتحدث عن اللانهاية المتعددة الوجوه .

بين الأعوام 1878 و1955 التي عاش فيها عالم الرياضيات إدوارد كسنر، زار مدرسة إبن أخيه الابتدائية وكتب على السبورة رقم واحد ويليه مائة صفر ملأت السبورة وطلب من التلاميذ إعطاء إسم لهذا الرقم فلم يتردد الطفل ذو التسعة أعوام أن يقول إنه الغوغول، وهو الإسم الذي استوحاه مصممو محرك البحث الشهير غوغل للدلالة على لا نهائية المعلومات التي يمكنه أن يختزنها في الشبكة العنكبوتية. ثم ابتكر عالم الرياضيات نفسه رقما مهولاً آخر هو عشرة أس عشرة أس مائة 10100 10، ولو وضعنا في كل نصف سنتمتر صفر أمام الواحد فسوف نحتاج إلى مسافة تفوق نصف قطر الكون المرئي وسماه العالم الغوغولبليكس Googlplex، وهذه المسافة بالمقاييس الفيزيائية هي ما يعادل الــ 47 مليار سنة ضوئية، أي ما يقطعه الضوء بسرعة 300000 كلم في الثانية الواحدة خلال 47 سنة وهناك ما هو أكبر من هذا العدد بكثير يستمر إلى اللانهاية لذلك يقول علماء الرياضيات أن المجموع: 1+2+3+4+... "يتباعد" حتى اللانهاية. ولو وضعناها في كلمات فضفاضة أكثر، نقول أن هذا المجموع للأرقام المتتالية "يساوي" اللانهاية.

ومن هنا يمكننا القول أن اللانهاية هي كينونة رياضية لايمكن للبشر تصورها أو إدراكها أو استيعاب حقيقتها. ولقد دخل مفهوم اللانهاية الرياضياتية إلى الوعي البشري بفضل الفلاسفة الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد، وتجدر الإشارة إلى أن التفكير الرياضي كان موجوداً قبل ذلك بزمن طويل في الحضارات الهندية والصينية والبابلية والمصرية، حيث كانوا يستخدمون الرياضيات لغايات عملية تطبيقية وحسابات نفعية كما كان الحال في إنشاء الإهرامات على سبيل المثال. لكنهم لم يتطرقوا من قبل لهذا المفهوم التجريدي، أي اللانهاية. ومن البديهي القول أن مفهوم اللانهاية ينطوي على الكثير من المفارقات التي أشار إليها الفيلسوف الإغريقي زينون في الأعوام 495 و435 ما قبل الميلاد وهو تلميذ الفيلسوف الإغريقي الفذ بارمينيدس الذي عاش في الأعوام 495 و440 قبل الميلاد الذي كان ينادي بفلسفة الديمومة ويرفض مفهوم التطور، فالعالم من وجهة نظره موجود منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد وهو لا نهائي فلا بداية له ولا نهاية وأي تغيير يحدث ما هو إلا وهم.

الكون المرئي هو المكان الأنصع الذي يتجلى فيه مفهوم اللانهاية . فلو كان الكون لانهائياً في مساحته وأبعاده سوف نواجه معضلة العودة السرمدية حيث لكل واحد منا على وجه الوجود سيكون له عدد لامتناهي من النسخ أو الأشباه وفق مبدأ التكرار الدائم وحسب أطروحة تعدد الأكوان والأكوان المتوازية. وكان التقدم التكنولوجي والعلمي الذي تحقق في العقود الأخيرة قد أضفى معنى جديد على مفردة اللانهاية فلم يعد الأمر يقتصر على كون واحد هو كوننا المرئي الذي نعيش فيه ونعرفه، بل على عدد لامتناهي من الأكوان المتوازية والمتداخلة والمتجاورة والتي تتواجد في حيز لامحدود ومذهل هو الكون المطلق السرمدي الأزلي والأبدي الذي لابداية له ولا نهاية، الكون الحي الدائم التطور. فالتفاعل الحاصل بين النهائي واللانهائي يفرز حتماً، نظرياً ورياضياً على الأقل، تناسخ الموجودات، لاسيما عندما نجهل الشكل الهندسي للكون المرئي الذي يبدو مسطحاً وممتداً غلى اللانهاية في حين تقول لنا نظرية النسبية لآينشتين أن الكون محدب أو منحني وبالتالي لانعرف هل لهذا الكون المرئي أو المنظور أطراف وحدود ونهايات معلومة. للخروج من هذا المأزق التنظيري اقترح العلماء أن يكون كوننا المرئي محدوداً كروي الشكل كأنه فقاعة وسط عدد لامتناهي من الفقاعات ــ الأكوان أو الفقاعات الكونية تتداخل وتتفاعل وتتجاور فيما بينها داخل حيز كوني مطلق لامتناهي ومن تصادمات تلك الفقاعات تنشأ باستمرار أكوان جديدة وانفجارات عظيمة جديدة ومتكررة على غرار الانفجار العظيم البغ بانغ الذي أولد كوننا المرئي أو المنظور، كما تخبرنا بذلك مباديء الفيزياء الجوهرية وقوانين الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والفيزياء النسبوية اللتان تتعاطيان مع اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. وهناك محاولات علمية محمومة للتوفيق والتوحيد بين النظريتين، الكمومية والنسبية، للوصول إلى النظرية الموحدة الشاملة .

 

الصدفة أم التنظيم الفائق؟:

أما الصدفة فهي مفهوم مجرد وذو معاني متعددة. فهي موجودة في حياتنا اليومية ونعزو لها الكثير من الأحداث، ولكن هل للصدفة وجود حقيقي في هذا السيناريو الكبير لكوننا المرئي بعد مرور 13.825 مليار سنة من الانفجار العظيم وما زلنا نطرح هذا السؤال؟.

من الذرة وما دونها إلى النجوم وما فوقها، نجد أن الواقع الذي يحوطنا ما هو إلا لغز مهول كما قال ذلك آينشتين سنة 1954 لصديقه العالم بيسو. والحال أن هذا الكون المرئي يقوم بكل ما في وسعه لكي يدفع جزء من مكوناته العاقلة والذكية الحية، أي البشرية، لكي تفهمه وتفك طلاسمه عبر كم من الرسائل المشفرة والألغاز والأحاجي والقوانين الظاهرة والمضمرة والثوابت الكونية الدقيقة، وكل ما تمكن منه الإنسان هو أن يتساءل : هل كل ما هو موجود يعتمد على الصدفة المحضة أم يخضع لنظام دقيق وعميق لا نعرف كنهه لحد الآن؟ . هناك بالفعل تناسق وتصميم عظيم ومذهل وشامل وهارمونية مدهشة تتجلى في تصميم الإنسان نفسه من أصغر خلية فيه إلى أعقد جزء من تركيبته ألا وهو الدماغ مما يدل على نظام غاية في الدقة والتحكم، وهذه هي الذريعة التي يتمسك بها أتباع نظرية الخلق الإلهي المباشر les créationnistes لا سيما في الأديان السماوية الثلاث الرئيسية. هناك الصدفة العادية التي نصادفها في حياتنا في كل يوم وهذه لاتحدث أي تأثير على مجريات الكون المرئي ولا تغير شيئاً في مجراه ومصيره أو ديمومته. فالصدفة النسبية قد تؤثر وقد لا تؤثر في حياة الإنسان . فلو عثر أحدكم صدفة على قطعة نقد بقيمة يورو فسوف لن تحدث تأثيرا عميقاً على مصيره إلا في حالات استثنائية جداً وكل مايمكنه أن يفعله بها هو شراء رغيف خبز إذا كان جائعاً ولكن لو عثر على علبة تحتوي على مليون يور فبالتأكيد سيكون لذلك المبلغ الكبير شأن مهم ومؤثر على قادم الأيام بالنسبة للشخص الذي يعثر عليه وسيغير حياته ومشاريعه كلياً. أما الصدفة على المستوى الكوني فلا وجود لها وإن وجدت ظاهرياً فهي في حقيقة الأمر نتاج لعملية معقد من الحسابات والقوانين المتضافرة التي أدت إلى حدوثها على نحو حتمي في مكان وزمان معينين. بمعنى آخر أن الكون المرئي والكون المطلق والوجود برمته لم يوجدوا بمحض الصدفة.

 

معضلة الزمن:

كان العلماء، ولغاية بداية القرن العشرين وظهور نظرية النسبية لاينشتين، يعتقدون أن الزمن كينونة مستقلة ومكون جوهري للوجود مستقل ولا يؤثر عليه شيء. وبقي لغزاً محيراً لاسيما فيما يتعلق بمجراه وصيرورته، فهو ينطلق باتجاه واحد لا يمكن عكسه كما كانوا يعتقدون. إلا أن النسبية أوضحت لنا ماهية أخرى للزمن وتفاعله في وحدة كونية واحدة أسماها آينشتين " الزمكان" ما يعني أنهما شيء واحد بطبيعتين متميزتين يمكن أن يتحول أحدهما للآخر فيما لو توفرت شروط معينة . وإن اتجاه الزمن لايظهر أو يبدو واضحاً للإدراك إلا بتواجد الحرارة. فالحرارة ماهي إلا ترددات إحصائية لشيء ما بما في ذلك " الزمكان الآينشتيني" في حين نجد أنه لاوجود للزمن في النظرية الثقالية الكمومية أو الكوانتية الحلقية أو التعاقبية la gravité quantique à boucles .. وبالتالي يطرح التساؤل ذاته عبر العصور، ماهو الزمن وما هو مجراه؟

كانت هذه الإشكالية مطروحة في الفيزياء الكلاسيكية وتعاطت معها الفلسفات والأديان خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأصبحت مسألة عويصة وحادة في الفيزياء المعاصرة في القرن الواحد والعشرين. فالفيزياء تصف العالم بطريقة الصيغ الرياضية والمعادلات التي تقول لنا كيف تتنوع الأشياء وفق تنوع عامل الزمن . وبالإمكان كتابة صيغ تصف تنوعات الأشياء حسب تنوع موقعها أو تنوعات الذوق والطعم. لماذا يبدو الزمن بالنسبة لنا وكأنه يجري بمعزل عنا وبالرغم منا؟ وبالتالي ماذا يعني " الحاضر " بالنسبة لنا والماضي والمستقبل كذلك؟

لا يوجد في الفيزياء شيء يتعلق بفكرة " الآن" . ولنقارن " الآن" بــ " هنا" فهذه الأخيرة أي الــ " هنا" تصف مكان أو موضع يتواجد فيه المتكلم . وبالنسبة لشخصين مختلفين فإن كلمة " هنا" تشير إلى مكانين مختلفين . لهذا فإن مفردة " هنا" يعتمد معناها على الموقع الذي تلفظ فيه حيث يتواجد من ينطقها. أما مفردة " الآن" فتشير للزمن الذي يتواجد فيه من يتكلم، بمعنى آخر بالنسبة لحالتين مختلفتين فإن " الآن" تشير إلى زمنين مختلفين، ومن هناك نعتقد أن التشابه بين " الآن" و" هنا " كبير. ولكن نحن نقول أن الأشياء الموجود هي تلك التي توجد " هنا" لأننا نراها ونلمسها وندرك وجودها بحواسنا. فماضيها لم يعد موجوداً من الناحية المادية ومستقبلها لم يحن بعد، في حين لايوجد من يقول أن الأشياء " هنا" موجودة والأشياء التي ليست " هنا" غير موجودة. ففي مدينة بوردو لايوجد برج إيفل وهذا لايعني أننا يمكن أن نستنتج أن البرج غير موجود. لماذا إذن يحق لنا أن نقول أن الأشياء التي هي " الآن" موجودة وليس غيرها؟ فهل الحاضر أمر موضوعي، أو شيء يجري، ويجعل الأشياء موجودة الواحدة بعد الأخرى، أم هو فقط أمر ذاتي مثل الــ " هنا" ؟

الفيزياء الحديثة تناولت هذه الإشكالية بجدية لأنها باتت ملحة لأن نظرية النسبية أثبتت لنا أن مفهوم " الحاضر" مفهوم ذاتي هو الآخر . فعلماء الفيزياء والفلاسفة المعاصرون توصلوا إلى استنتاج أن فكرة " حاضر معلوم في كل الكون" ما هي إلا وهم، وإن الجريان العام للزمن هو تعميم تعسفي. ولقد كتب آينشتين في تأبين أحد أصدقائه المقربين وهو ميشيل بيسو قائلاً " لقد غادر ميشيل هذا العالم الغريب قليلاً قبلي. وهذا لا يعني شيئاً، فالناس العاديين الذين يعتقدون بصحة الفيزياء والعلم يعلمون أن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس شيء آخر سوى وهم متأصل فينا". وبالرغم من هذا التشخيص من قبل هذا العقل العبقري فلايوجد ما يوضح أو يشرح لنا حقيقة أن الزمن بالنسبة لنا نحن الناس العاديين " يجري" أو " يمضي" وهو أمر بديهي بالنسبة للشخص فأفكارنا وأقوالنا موجودة في الزمن وبنية لغتنا تنطوي على جوهرية عامل الزمن وضرورته فالشيء بالنسبة لنا إما " كان" أو هو " كائن الآن " أو " سيكون" . يمكننا تخيل عالم بدون ألوان أو بدون مادة بل وربما بدون مكان ولكن من الصعب جداً تخيل عالم بدون زمن. ولقد أشار الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر إلى أننا " نسكن الزمن" . هل يمكن أن يكون جريان الزمن الذي قصده هيدغر وقدمه كأولوية، يكون غائباً في الوصف الجوهري للعالم؟ بعض الفلاسفة، ومنهم أتباع هيدغر، استنتجوا أن الفيزياء عاجزة عن وصف الجوانب والملامح الأكثر جوهرية للواقع وجردوها من هذه القابلية، بصفتها طريقة معرفة خادعة. ولكن مع مرور الوقت أدركنا أن توقعاتنا الآنية وحدسنا كانا غير دقيقين ولو بقينا معتمدين عليهما لبقينا إلى اليوم نعتقد أن الأرض مسطحة وأن الشمس هي التي تدور حولها . فحدسنا ناجم عن تجربتنا المحدودة . ولو نظرنا إلى أبعد قليلاً لاكتشفنا أن العالم ليس هو كما يبدو لنا ظاهرياً . فالأرض كروية وأن الناس التي تعيش في استراليا أقدامها إلى الأعلى ورؤوسها إلى الأسفل بالنسبة لنا، وهم لايشعرون بذلك . فليس من الحكمة الركون للحدس الآني أكثر من النتائج الناجمة عن الاختبار الجماعي والعقلاني الدقيق والذكي . فمن أين جاءنا هذا الإحساس بمرور وجريان الزمن؟ قدم لنا العلم بداية لتقفي الأثر بغية التوصل لإجابات علمية مقنعة وذلك عن طريق الربط بين " الزمن والحرارة" حيث لا يحدث اختلاف وتميز بين الماضي والمستقبل إلا في حالة وجود تدفق حراري، وذلك بسبب أن الحرارة مرتبطة بالاحتمالات في الفيزياء وهذه مرتبطة هي الأخرى بدورها بحقيقة أن تفاعلاتنا مع باقي مكونات العالم لا تميز التفاصيل الدقيقة للواقع، الذي هو أعقد بكثير مما يبدو لنا في الظاهر.

فجريان الزمن أمر فيزيائي ولكن ليس في إطار الوصف الدقيق لحالة الأشياء، بل في الإطار الإحصائي والترموديناميك، أي الديناميك الحراري. وبالتالي فإن الترموديناميك هو المفتاح للغز الزمن. فالحاضر لا يوجد على نحو موضوعي بقدر عدم وجود " هنا" موضوعي. فالتفاعلات، على المستوى الميكروسكوبي، للعالم تؤدي إلى انبثاق ظواهر زمنية لنظام ما " نحن على سبيل المثال"، لا تتفاعل إلا مع" ربوات" أومع كم من المتغيرات.

فذاكرتنا ووعينا يتم تطويرهما على هذه الظواهر الإحصائية. وبالنسبة لذهنية متقدة تنظر عميقاً وترى مجمل الأحداث والظواهر، لا يوجد زمن " يجري" وإن الكون ليس سوى كتلة واحدة من الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد. ولكن هذه النظرة الثاقبة التي ترى كل شيء في نفس الوقت هل هي ممنوعة،كما يعلمنا الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، حيث ليس عبر التفاعلات تتجلى الأشياء؟ فنحن الكائنات الذكية الواعية والمفكرة نسكن الزمن لأننا نرى فقط صورة ملطفة للعالم. ومن ضبابية رؤيتنا للعالم يأتي إحساسنا بمرور وجريان الزمن ليس إلا. وماذا بعد؟ لم تتضح الفكرة كما ينبغي.

قام العالم الفيزيائي البريطاني الفذ ستيفن هاوكينغ بحسابات مضنية وصعبة ومعقدة في هذا المجال مستنداً إلى معطيات ومعادلات ورياضيات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي ونجح في أن يظهر يثبت لنا أن الثقوب السوداء دائماً " ساخنة" وتبث حرارة على غرار مدفأة البيت الحرارية هذا هو المؤشر الأول للمكان أو الفضاء الساخن رغم أنه لايوجد شخص راقب أو رصد هذه الحرارة لأنها ضعيفة جداً في الثقوب السوداء الحقيقية التي نرصدها في الفضاء بيد أن حسابات هاوكينغ مقنعة جداً، وتمت مراجعتها وتدقيقها عدة مرات وبمختلف السبل حتى صارت حرارة الثقوب السوداء حقيقة علمية معترف بها من قبل العلماء. والحال أن حرارة الثقوب السوداء ما هي إلا تأثير كمومي أو كوانتي effet quantique على شيء أو على الثقب الأسود الذي هو ذو طبيعة ثقالية . إن الكمومات أو الكوانتات الفردية للفضاء، أي الحبيبات الأولية للمكان أو الفضاء اللامتناهية في الصغر، أو " ذرات الفضاء أو المكان" التي، بترددها، تقوم بتسخين واجهة الثقب الأسود. وهذه الظاهرة تتضمن في آن واحد الميكانيك الساكن الإحصائي والنسبية العامة وعلم الحرارة. وإذا بدأنا نفهم شيئاً ما بخصوص الثقالة الكمومية أو الكوانتية التي تجمع بين عدة قطع من اللغز فإننا لا نمتلك بعد أية مسودة لنظرية قادرة على الربط بين القطع الثلاث لمعرفتنا الجوهرية عن العالم ألا وهي الكم أو الكوانتا، والثقالة أو الجاذبية، والترموديناميك، ومازلنا لا نفهم كيف ولماذا تحدث هذه الظاهرة . فحرارة الثقب الأسود قد تكون حجر الأساس لصياغة نهائية من ثلاث مكونات كونية جوهرية وهي: الكونتا أو الكم والجاذبية أو الثقالة والترموديناميك بانتظار فك شفرتها أو ترميزها لكي تخبرنا عن حقيقة جريان الزمن وكيف ولماذا.

بعد هذه المقدمة يتعين علينا الآن إلقاء نظرة أولية عن حقيقة الكون المرئي ومفهوم تعدد الأكوان:

بنيت المقاربة البشرية للوجود على الهرم المعرفي الذي يستند على ثلاث دعامات منذ ظهور الوعي البشري إلى يوم الناس هذا. وهذه الدعامات هي العلم والفلسفة والثيولوجيا، ولكل منها تفرعاتها. فالفلسفة هي التأمل والتساؤل حول المسائل الوجودية والغوص في المطارحات الفكرية على مر التاريخ ولها رجالاتها وتاريخها ومدارسها الفلسفية للوصول إلى حقيقة ما، والثيولوجيا نعني بها كافة الأديان السماوية والوضعية والمعتقدات الواقعية والماورائية أو الغيبية، وهي الأخرى لها تاريخها وأساطيرها وأبطالها وأنبياءها ورسلها ومؤسساتها التي حكمت وما تزال تحكم البشرية وتدعي أنها وحدها التي تملك الحقيقة المطلقة، وتمتلك سر الحياة والموت وما بعد الموت، لأنها مرتبطة بالسماء وبالخالق الأعظم، أما العلم فله فروعه المتعددة، كالرياضيات والبيولوجيا والكيمياء والفيزياء، وهذا الأخير، أي علم الفيزياء هو الذي سنركز عليه لأنه هو الأداة التي تعاطت مع المقاربة الكونية لدى البشر ودخلت في صراعات عنيفة مع الدعامتين الأخريين المشار إليهما أعلاه أي الفلسفة والثيولوجيا فيما يتعلق بمفهوم الوجود والكون.

 

فما هو الكون؟

تعني مفردة "الكون" (univers) كل ما هو موجود، فهي تشمل المكان والزمان الماديين، وهذا الأمر يفرض علينا سؤالًا مضمونه هل هناك شيء ما خارج الكون؟ أي هل يمكن أن يكون هناك أكثر من كون؟. من المؤكد أن كل كون آخر يجب أن يكون جزءًا من كل ما هو موجود أي جزء من كينونة مطلقة، وبالتالي، لا بد أن ينتمي إلى "الكون الأشمل أو المطلق.

 

الكون الذي نعيش فيه هو الكون المرئي:

في البداية، لنلق نظرة على ما نعتبره "كوننا" وهو الكون المرئي الذي نعيش فيه وندرسه ونتعامل مع قوانينه المادية الجوهرية. يعتقد العلماء وباختصار شديد أن بداية كوننا المرئي كانت في "الانفجار العظيم" (Big Bang) وذلك قبل حوالي 13.8 مليار سنة. في ذلك الوقت، كان الكون يتمتع بدرجة حرارة وكثافة مرتفعتين للغاية، وعندما بدأ الكون يبرد بعد الانفجار العظيم، بدأت المادة بالتشكل، وانتهى بها المطاف أن تتجمع مكونةً الكواكب، والنجوم، والمجرات التي نراها اليوم.

لا يمكننا رؤية الكون المنظور والمرصود كله، وذلك لأن الضوء يستغرق وقتاً في سفره عبر الفضاء قادماً من المجرات أو النجوم البعيدة، بسرعة ثابتة هي 300000 كلم في الثانية، حتى إن بعض هذا الضوء لم يتسن له الوقت الكافي ليصل إلينا بعد. يتكوّن "الكون المرئي" من جميع مناطق الكون التي يمكن للضوء أن يصل منها، وذلك منذ حدوث الانفجار العظيم حتى اليوم. وهذا هو الجزء من الكون الذي يمكننا رؤيته بشكل أساسي إذا كانت لدينا المُعدّات المثالية اللازمة لرصد ذلك الضوء.

تبلغ المسافة بيننا وبين حافة الكون المرئي في هذه اللحظة حوالي 41.4 مليار سنة ضوئية. قد يبدو الأمر غريباً في البداية، فإذا كان عمر الكون 13.8 مليار سنة ضوئية، فيجب أن تكون المسافة الممتدة حتى حافة الكون المرئي هي نفسها المسافة التي يستطيع الضوء أن يقطعها خلال 13.8 مليار سنة (والتي تبلغ بالطبع 13.8 مليار سنة ضوئية). ولكن الحقيقة هي أن الكون في توسع، حيث تتحرك النجوم والمجرات مبتعدة عن بعضها البعض، وقد كان إدوين هابل (Edwin Hubble) أول من لاحظ هذا التوسع في عشرينيات القرن الماضي، كما أظهرت الأرصاد التي أجريت في تسعينيات القرن العشرين أن المعدل الذي يتوسع به الكون في تسارع، وبسبب هذا التوسع، فإن المسافة القصوى التي يمكن للضوء أن يكون قد قطعها منذ الانفجار العظيم تتجاوز 13.8 مليار سنة ضوئية، قدرتها الحسابات الفلكية بــ 41.4 مليار سنة ضوئية تقريباً.

ما الذي يوجد وراء حافة الكون المرئي؟ وماذا حدث قبل الانفجار العظيم؟. من المحتمل أن الكون كان موجوداً قبل الانفجار العظيم، وربما كان في حالة انكماش وقتئذٍ، بدلاً من حالة التوسع. كما أننا لا نعلم ما هو الشكل الكلي للكون.

قد يكون امتداد الكون غير نهائي، كما أنه قد يكون منتهياً، ولا تعني الحالة الأخيرة هذه أن للكون حافةً، فهذا سيكون غريباً؛ ﻷنه لو كانت هناك حافة، فيتوجب أن يوجد مكانٌ ما بعد هذه الحافة، وهذا المكان يجب أن يكون بالتأكيد جزءاً من الكون، لكن الأمر المحتمل هو إمكانية أن يكون الكون المرئي منتهي الامتداد دون أن تكون له حافة، ويشبه ذلك سطح الكرة الذي يمتلك مساحةً منتهيةً (يمكنك طلاؤها بكمية منتهية من الطلاء)، ولكنك لن تقع أبداً عن حافةٍ ما بينما تتجول على هذا السطح.

 

أكوان أخرى:

ماذا نعني إذاً بالأكوان "الأخرى"؟ هناك فكرتان رئيسيتان يجدر ذكرهما هنا. أولهما هي عن "الأكوان المتعددة" (multivers). ﻷسباب مختلفة، فإن من المنطقي أن نعتبر الكون مؤلفًا من مناطقَ مختلفة كلٌ منها معزول عن الآخر، ولكن تحكمها قوانين فيزيائية مختلفة، وفي هذه الحالة، يكون كوننا مجرد منطقة واحدة من هذه المناطق، وهو يكبر كما تكبر فقاعة في حوضٍ من فقاعات الصابون.

أما الفكرة الأخرى فهي عن "الأكوان المتوازية" (univers parallèle)، وهي مستوحاة من نظرية ميكانيكا الكم. وتقترح هذه النظرية ببساطة أن الأشياء قد تكون في حالتين وفي مكانين أو أكثر في نفس الوقت، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون الإلكترون في أماكن متعددة في نفس الوقت، ويمكن أن تكون الذرة المشعّة متخامدة وغير متخامدة في نفس الوقت. والسؤال المطروح في هذه الحالة، لماذا لا نرى هذه التراكب في حياتنا أبدًا؟

قد يكون من الممكن الإجابة على هذا السؤال بالشكل الآتي: كلما تم رصد واحدة من هذه المنظومات الكونية المتراكبة على بعضها البعض من قبل شخصٍ ما، أو ربما أداة رصد ما، فإن الكون ينقسم إلى فروع متعددة. تكون المنظومة الكونية الموجودةُ في كل فرع موجودةً في إحدى الحالات التي كانت متواجدةً مع بعضها بشكل متزامن. ويحتوي كل فرع منها على الواقع كاملًا، ويمكن اعتباره بشكلٍ ما على أنه كون مستقل بذاته. وهو أمر يصعب إدراكه

 

كيف سيعرف البشر إن كانوا يعيشون في أكوانٍ متعددة؟

يدّعي بعض الفيزيائيين النظريين بوجود فكرة الأكوان المتعددة، التي تفترض وجود نسخ متطابقة تقريباً عن الكون المعروف والموجود. لكن إذا كانت مثل هذه الأكوان المتعددة موجودة، فكيف سيعرف البشر بوجودها، وماذا ستعني لنا وللإنسانية؟

وفقاً لـلعالم Brian Greene، وهو فيزيائي نظري ومؤلف من جامعة كولومبيا في نيويورك، فقد يكون هناك طريقة من أجل معرفة إن كان الكون المرئي هو واحدا من أكوان متعددة.

يقول Greene في إحدى مقابلاته الصحفية ‘‘إن افتراض صحة بعض النسخ من الأكوان المتعددة قد تكون صحيحة وأكثر عرضةً للتأكيد‘‘. ويواصل حديثه قائلاً من الممكن مستقبلاً اكتشاف كون متعدد كما أنه من الممكن أن يُوجد الكون المرئي فوق غشاءٍ عملاق ثلاثي الأبعاد، بينما تقول نظرية الأوتار بأنّ الكون مؤلف في مكوناته الأولية، من أوتار أحادية البعد، وهي النظرية التي اُقترحت فكرة الأكوان المتعددة بالاعتماد عليها.

يقول Greene عن عالم كهذا: ‘‘إذا كان الكون هندسياً على شكل رغيف خبز، فإنَّ كل شيء نعرفه عنه يقع في جانبٍ واحد‘‘. فوفقاً لـ Greene، فإنه يمكن تصور أن حطاما ناتجا عن تصادمات أدى إلى هجرة جانبنا إلى كونٍ أوسع ليترك ورائه بصمات طاقة مفقودة، يمكن لمسرعات الجسيمات مثل المصادم الهادروني الكبير في سيرن أن يكون قادراً على كشفها.

تقترح بعض نظريات التضخم-و هي الفكرة التي تقول بأن الكون توسع بشكلٍ سريع جداً خلال الأجزاء الأولى من الثانية التي تلت الانفجار العظيم- نوعاً آخر من الأكوان المتعددة. إذ يُمكن أن يكون الانفجار العظيم واحداً من بين العديد من الانفجارات العظيمة، التي أدى كل منها إلى ولادة كونه الخاص –أي أن كوننا مجرد فقاعة كونية ضمن بحرٍ من فقاعاتٍ أخرى، كما ذكرت قبل قليل.

في مثل هذا السيناريو، قد يتصادم الكون المعروف مع كونٍ آخر، مما يمكن أن يترك وراءه بصمةً في الخلفية الكونية الميكروية، وهي الإشارة الأولى التي تركها خلفه الانفجار العظيم وفقاً لـ Greene.

يؤكد Greene بأنّ كل هذه الأفكار تستمر بالتضارب بشكلٍ كبير، ويقول: ‘‘إن لهذه هذه الأفكار ما يدعمها مما يجعلنا نفكر فيها بجدية، إلا أنها بعيدة عن الحقيقة العلمية المثبتة الآن‘‘.

يقول Greene بأنه إذا وُجدت الأكوان المتعددة، فإنه يمكن أن تؤدي إلى بعض العواقب الغريبة. فعالم مكون من عدد لانهائي من الأكوان سيؤكد افتراضياً أن الشروط الموجودة في كونٍ ما ستتكرر في آخر. وبصيغة أخرى، فإنه في الغالب سيكون هناك نسخة أخرى منك تقوم بحضور هذه المحاضرة التي يلقيها نسخة أخرى مني!

في مثل هذه الأكوان المتعددة، قد تقرر قراءة كتاب في كون ولا تقرأه في آخر. فماذا سيعني هذا الأمر بالنسبة للإرادة الحرة؟

ربما هي نقطة خلافية. إذ يعتقد Greene:‘‘ أن الإرادة الحرة تحطمت قبل نظرية الأكوان المتعددة بكثير‘‘.

وفقاً لـ Greene تصف المعادلات العلمية الجسيمات التي تُكون المادة، بما في ذلك الإنسان. في الوقت الذي تظهر فيه بنى معقدة أكثر، ولا تمتلك علاقة بجسيم مفرد –على سبيل المثال: درجة الحرارة – فإن كل شيء لا يزال يتمتع بـ "دعم فيزيائي ميكروي أساسي".

 

رحلة الكون المرئي من الفرادة الأساسية إلى حجمه الحالي:

اتضح للعلماء من خلال دراسة وتحليل وتطبيق معادلات النسبية العامة أن الكون في حالة اتساع وإن قياس أو حساب هذا التوسع يتم من خلال تجربة بسيطة تتلخص في مراقبة طيف الضوء الذي تبثه النجوم وغازات المجرات البعيدة. فلقد لاحظ العلماء أن طول الموجة المرصودة للضوء أكبر من طول موجة الضوء المبثوث عند انطلاقه من المصدر، أي النجوم والمجرات، وهو ينزاح نحو اللون الأحمر بسبب التوسع وهو ما يعرف فيزيائيا بــ redshift   أو تأثير دوبلر ويرمز له بــ (z) وإن هذا الاختلاف في أطوال الموجات الذي يعطيه المعيار أو الثابت (z) هو الذي يعلمنا بالعلاقة بين معدل أو ثابت المستوى   paramètre d’échelle   للكون المرئي الآن وماكان عليه الكون في لحظة انطلاق الضوء منه.

وما نشاهده ما هو إلا تفاعل الفوتونات الضوئية التي تبثها المجرة مع حقل أو مجال الثقالة أو الجاذبية الكونية. فلو كان الــ redshift أو (z) صغيراً يمكننا القول أن المقصود هنا هو تأثير دوبلر effet Doppler المألوف في حياتنا اليومية من خلال تلقينا لنوعية الأصوات الصادرة عن القطارات أو السيارات في حالة اقترابها منا أو ابتعادها عنا وهي الظاهرة التي تحدث مع كل أنواع الموجات الصوتية منها أو الضوئية، فكل مجرة أو أي كائن فيها، يرى أن باقي المجرات تبتعد عنه أو تقترب منه حسب الطيف الضوئي الذي يتلقاه منها. فنحن لسنا في مركز الكون بل احد المراكز التي لا تعد ولا تحصى للكون المرئي لأن كل نقطة فيه تبدو كما لو كانت هي المركز للتوسع.

كان العالم هابل Hubble هو الذي اكتشف التوسع الكوني ووضع له قانوناً مع العالم Humason   هيوماسون في نهاية سنة 1920 والذي تختصره المعادلة التالية v=Ho.D   وبموجبه تحدد قياسات المسافات والسرعات وبالتالي بموجبه فإن كل نقطة هي مركز للتوسع. وبتطبيق معادلات فريدمان ـ لوميتر بهذا الخصوص والمتعلقة بتطبيقات معادلات آينشتين ذاتها يثبت لنا أن المادة تكبح توسع الكون بينما الطاقة السوداء أو الداكنة أو المعتمة هي التي تسهم في توسعه.

كشفت لنا الكوسمولوجيا الحديثة العلاقة العضوية المترابطة بين الزمان والمكان والتي حددها آينشتين بمفهوم الزمكان، أن الضوء يسير بسرعة محددة وثابتة هي 300000 كلم في الثانية وهي أقصى سرعة يمكن إن تبلغها المادة في تنقلها وترحالها مما يعني أننا كلما نظرنا في البعد العميق للكون المرئي كلما رأينا ماضي هذا الكون. إن محدودية سرعة الضوء تمنعنا من الوصول إلى الفضاءات البعيدة للكون المرئي في حين تسمح لنا بمعرفة الماضي السحيق للكون المرئي وهي مفارقة جميلة فلو سار الضوء بسرعة لا متناهية فسوف لن يكون بوسعنا أن نشاهد على نحو مباشر ماضي الكون، إلى جانب ما يمكن أن تقوم به السرعة اللامتناهية للضوء من تأثيرات وتبعات وعواقب على باقي قوانين الفيزياء.

وبفضل هذه الهندسة المكانية للكون المرئي، فإننا كلما نظرنا للمجرات البعيدة جداً والواقعة على تخوم الكون المرئي، كلما اقتربنا من ماضي الكون وعلى نحو أدق، كلما اتجهنا نحو لحظة الفرادة الأولية الأساسية أو التأسيسية singularité initiale في اللحظة صفر t=0 وهذا الحد هو المعروف فيزيائيا بالأفق الكوني L’horizon cosmique، كلما اقتربنا من لغز الأصل، الذي لم يفك رموزه أحد بعد. ومن المؤكد أن ما وراء هذا الأفق الكوني هناك مجرات لامتناهية العدد لكنها عصية على المشاهدة والرصد لأن الضوء الصدر عنها ليس لديه الوقت الكافي لكي يصل إلينا، بل وربما توجد أكوان أخرى على غرار كوننا المرئي أو تختلف عنه. وفي كل الأحوال مهما توغلنا في الماضي الكوني فلن نصل أبداً مع الإشعاعات الكهرومغناطيسية لكي نشاهد اللحظة صفر t=0 لأننا سنصطدم بالحاجز الذي يفصل بين اللحظة التي أصبح فيها الكون شفافاً واللحظة التي كان فيها معتما وغاية في الكثافة والسخونة والعماء أو الشواش بحيث لايمكن لأي ضوء أن ينفذ منه.

وهكذا نستطيع القول أن الكون محدود بالنسبة لنا وإن حدوده لا تتعدى الخمسة عشر مليار سنة وهي التي تضعه في إطار وصف هندسي مكاني وكذلك في ظرف تاريخي محصور بين نقطتين هما: الأولى وتتعلق بأصله في لحظة الصفر t=0 المعروفة بالفرادة الكونية singularité cosmologique   والثانية وتتعلق بمصيره ومستقبله . وهناك بالطبع ماقبل الفرادة أي قبل البغ بانغ أي الانفجار العظيم، وما بعد الحد النهائي للمستقبل المفترض للكون وهي مفاهيم تعالجها الفيزياء الحديثة الثورية التي تتجاوز نسبية آينشتين وميكانيك الكموم الكوانتوم، ويسميها بعض العلماء بالميتافيزيقيا العلمية. ولكي نصف الكون في حالته البدئية لا بد من اللجوء إلى قوانين نيوتن وآينشتين في الثقالة أو الجاذبية الكونية والحال أنها تغدو معطلة، هي وباقي القوانين الفيزيائية الجوهرية الثلاثة الأخرى، في لحظة الصفر أو الفرادة، وبالتالي سنحتاج لنظرية جديدة في الثقالة الكمومية أو نظرية كوانتية أو كمومية للجاذبية أو الثقالة théorie quantique de la gravitation والتي لم نتوصل إليها بعد.

تبدأ معلوماتنا العلمية الدقيقة عن الكون المرئي بعد زمن بلانك وهو 10-43 من الثانية بعد لحظة الفرادة الأولية والأساسية والتي تدور حولها تساؤلات عويصة وعلامات استفهام كثيرة. ثم يجري الزمن وتأتي لحظة التضخم المفاجيء في 10 -35 من الثانية بعد البغ بانغ، الانفجار العظيم، وفي الدقيقة الثالثة من عمر الكون المرئي تنتج التفاعلات النووية الأولية ويتكون الدوتريوم والهليوم 3 والهليوم 4 والليثيوم 7 وذلك من بروتونات ونيوترونات موجود في ذلك الحساء الساخن. وفي الــ 3000 الثلاثة آلاف سنة التالية لم تعد الإشعاعات هي الطاغية على كثافة طاقة الكون بل المادة التي تتحرك بسرعة أقل بكثير من سرعة الضوء. وفي الــ 300000 الثلاثمائة سنة التالية من عمر الكون أصبح الكون شفافاً بعد أن كان معتماً. وكان شعاع الخلفية الكونية الماكروية المنتشر le fond diffus cosmique هو آخر ضوء غير مرئي يبثه الكون بعد ولادته مباشرة بعد ان اجتزنا مرحلة يسميها العلماء العمر المعتم أو الداكن للكون بدون أية إشعاعات أو نور أو ضوء، وبعدها تحدث عملية القدح للكون عند انهيار الغاز الكوني على نفسه مؤدياً إلى ولادة أول النجوم بعد بضعة عشرات الملايين من السنين من حدوث الانفجار العظيم البغ بانغ. ومن ثم تشكلت المجرات من تجمعات النجوم والكوازارات أو السدم أو حشود المجرات والحشود الفائقة من المجرات amas et super-amas des galaxies حتى وقتنا الحاضر.

علماء الفيزياء النظرية بحاجة لفرضية التضخم لتفسير حالة الاتساق والتناسب أو التجانس القصوى homogénéité وحالة تساوي الخواص في جميع الجهات isotropie وشبه التسطح في شكل الكون. ولقد اعتقد العلماء أننا نعيش في كون منظم ومنتظم نسبياً والتي قادت بعض التخلخلات واللاانتظام فيه إلى ولادة مجرات يمكننا رصدها. واقترض العلماء أن أي قطعة من الكون، لا على التحديد، متصلة سببياً بالكون البدئي الأولي Univers primordiale   حيث تكون كل الجسيمات الأولية فيها قد تبادلت المعلومات فيما بينها ومن ثم دخلت في حالة توسع مفاجيء وسريع هائل سمي بالتضخم حيث تمدد الكون بنسبة 1030، أي مائة مليار المليار المليار مرة في جزء من مليار من الثانية.

وكانت الانتفاخة الناجمة عن التضخم متجانسة لأن كل المناطق متصلة سببياً منذ البداية أما التخلخلات الميكروسكوبية في الكثافة الناتجة بفعل الظواهر الفيزيائية الكوانتية أو الكمومية المسماة التقلبات الكوانتية fluctuations quantiques، فقد تمددت إلى أحجام ماكروسكوبية وانهارت على نفسها تحت وطأة ثقالتها مؤدية إلى ولادة المجرات . فالتضخم يتيح في آن واحد، تفسير الانتظام الشامل للكون والخلل واللاانتظام الموضعي. ومن ثم أعقب التضخم حالة من التوسع المنتظم وغير المتسارع. بقي أن نعرف ما هي الآلية المسؤولة عن هذا التضخم الهائل والمفاجيء للكون البدئي. علماء الفلك وعلماء الكونيات وعلماء فيزياء الجسيمات يتحدثون عن ظاهرة سميت بــ " الفراغ الزائف faux vide " ناجمة عن وجود حقل مادي خاص جداً، من خصائصه أن لديه ضغط سلبي، فالمكان يدفع المكان وكلما دفع المكان المكان كلما تكون مكان أكبر أو المزيد من المكان لذلك كان التضخم. وبعد التضخم حصل فراغ حقيقي حيث كان الضغط إيجابياً لكنه مهمل وتم كبح التضخم بفعل تواجد المادة. لذلك أعتبر التضخم inflation مفهوم قبل أن يكون نظرية متكاملة ومتينة ولقد تم اختبار صحة هذا المفهوم بفضل المشاهدات الفلكية بواسطة التلسكوبات الفضائية المتقدمة من نوعية تلسكوب بلانك .

إن التساؤلات بشأن الألغاز الكونية لا تنتهي، فالعلماء يركزون على الــ " الكيف" ويتفادون الخوص في الــ " لماذا" . فمن أين جاء الحساء الكوني الأولي ولماذا كان موجوداً؟ لا أحد يعرف. من الممكن افتراضياً أن الكون قبل التضخم نتج عن ترجرج أو تقلب الفراغ الكمومي أو الكوانتي fluctuations du vide quantique حيث أن نظرية الكموم أو الكوانتا تقوم على نظرية المصفوفات التي جوهرها الاحتمال وليس اليقين، ولكن يبقى السؤال من الذي أحدث هذا التقلب والترجرج الكوانتي ولماذا؟ في مستوى بلانك، حيث مازلنا نحتاج ونبحث عن نظرية كمومية أو كوانتية للثقالة أو الجاذبية، يدار الكون البدئي وفق قوانين الميكانيك الكمومي، ويمكن وصف تلك الحالة بأنها بمثابة رغوة أو مجاج للزمكان قبل تشكله المادي المعروف، وبفعل الظواهر الكمومية أو الكوانتية، تظهر أكوان طفولية حديثة الولادة تسمى البي بي أكوان bébé-Univers تنبثق من هذا المجاج وتبدأ مرحلة التوسع ومن ثم، بسبب غامض لدينا، يحدث لها تضخم مذهل ومفاجيء وفي لمح البصر. تساءل الفيلسوف الألماني الكبير لابنيزLeibniz :" لماذا يوجد شيء ما بدلاً من لا شيء؟" لم يتمكن أحد من الإجابة على سؤاله لأن اللاشيء غير قابل للتفكير ولا معنى له في حين إن الفراغ الكمومي أو الكوانتي ليس اللاشيء ولا العدم بل هو كينونة تسيرها القوانين الكمومية أو الكوانتية ويمكن تصوره أو التفكير فيه وهو غير مستقر ويمكن أن يؤدي إلى ولادة أكوان طفولية تواصل تطورها كأي كائن حي. من هنا أعتقد بعض العلماء أن ماضي وحاضر ومستقبل الكون المرئي ثبتت من خلال معرفة المعايير والثوابت الكوسمولوجية ولم يبق أمام علماء الفلك والكونيات سوى اكتشاف وقياس أو حساب تلك المعايير والثوابت والضوابط paramètres وبفضلها بوسعنا أن نعرف معلومات عامة عن محتوى الكون المرئي على مستوى اللامتناهي في الكبر. الحسابات الحديثة عن الكون تطرح علينا ثلاث تساؤلات أساسية: 1- أين هي البايرونات المادية الداكنة أو المعتمة أو السوداء، أو بعبارة أخرى المادة السوداء، إذ توجد كميات من المادة العادية أو الطبيعية المعروفة أكثر بكثير مما يوجد من نجوم منظورة ومرصودة من خلال ما تبثه لنا من ضوء؟ ماهي طبيعة أو ماهية المادة السوداء غير البايرونية حيث تبلغ النسبة الكلية 30% من الكثافة في حين أن المادة العادية لا تسهم سوى بنسبة 3% ؟ ربما المقصود بذلك ان هناك نوع من الجسيمات توقعتها أو تكهنت بها نظريات توحيد المادة، أي نوع من الجسيمات الأولية التي ظلت على شكل حفريات أو شاهد على المراحل الأولى من عمر الكون المرئي، والتي تشكل حالياً المادة الطاغية في الكون، وهناك حسابات أخرى تتعلق بالثابت الكوني الذي تخلى عنه آينشتين في بدايات القرن الماضي وأظهرت الحسابات الرياضية ضرورة وجوده لمعالجة معضلة التوسع الكوني حيث يعمل بطريقة الضغط السالب المعاكس للجاذبية أو الثقالة أي قوة نابذة وطاردة لا أحد يعرف مصدرها ولا طبيعتها أو ماهيتها أو خصائصها إلى جانب مشكلة حقيقة هيكيلية وهندسة وشكل الكون المرئي، ولماذا توجد أشكال محدودة جداً للمجرات مما يستوجب العودة إلى الوراء، إلى فترة تشكل المجرات وما قبلها.   فالعلماء يسبرون بشكل أعمق الحالة الغريبة للكون عند ولادته وتمكنوا، عن طريق جمع البيانات المأخوذة من اثنين من مسرعات الطاقة العالية، من استخلاص قياسات لخاصية استثنائية لأحد المراحل الغريبة في نشأة كوننا المرئي تعرف باسم البلازما (كوارك - غلوون) quark-gluon plasma. ولقد أظهرت النتائج سمات جديدة لهذا "السائل المثالي" فائق الحرارة، والذي سيوضح لنا حالة الكون المرئي المبكرة بعد حدوث الانفجار العظيم مباشرة عندما كان عمره جزء من مليون من الثانية فقط. ورد ذلك في مقال علمي بهذا الخصوص بعنوان   المادة الغريبة: نظرة عن قرب للسائل المثالي تلقي الضوء على ما حدث في جزء من مليون من الثانية من عمر الكون بعد الانفجار العظيم Matière exotique: Le regard profond sur la fluide parfait jette la lumière sur ce qui s'est passé en un fragment de seconde après le Big Bang. وسيظل العلماء يبحثون ويضعون الفرضيات والنظريات ويقومون بالمشاهدات وعمليات الرصد والتجارب المختبرية خاصة في مصادمات الجسيمات التي تحتاج إلى طاقات هائلة، للاقتراب من الظروف التي كانت سائدة عند لحظة الفرادة الكونية وقبل الولادة المفترضة للكون المرئي.

 

د. جواد بشارة

 

جواد بشارةيتمحور تقدير العلماء لعمر الكون المرئي حول الرقم 13.8 مليار سنة أو ما يقارب الــ 14 مليار سنة وهو عمر أول شعاع ضوئي وصلنا منذ نشأة الكون بعد الانفجار العظيم، أي بعد مرور 380000 سنة على ولادته، وقد يكون أقدم من ذلك بكثير. واليوم، ونحن في نهاية الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين، نتساءل، أما آن الأوان لإعادة النظر، وإعادة تأهيل دعامتي الفيزياء المعاصرة، ألا وهما نسبية آينشتاين والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم؟ فالنسبية صحيحة وصالحة رغم مضي أكثر من قرن على صياغتها لكنها تقف عاجزة عن العمل والتطبيق في النطاق ما دون الذري أو الكمومي أو الكوانتي، وميكانيك الكموم صحيح وصالح لكنه يتوقف عن العمل عند تطبيقه على النطاق الكوسمولوجي الكوني، والعلماء يبحثون منذ عقود طويلة عن الجاذبية الكمومية أو الثقالة الكوانتية بلا طائل. وأمام الجميع تحديات عصية لأنه ما يعرف عن الكون المرئي لا يتجاوز نسبة الــ 5% وما هو مجهول يقارب الــ 95% وهناك الألغاز الدائمة التي تتطلب الحلول و تتعلق بالثقوب السوداء وما يجري في داخلها، وبالثقوب البيضاء المعاكسة لها، وبالثقوب الدودية وهل هي حقاً تأخذنا إلى عوالم أو أكوان أخرى، وهناك المادة السوداء أو المظلمة وكشف طبيعتها وماهيتها، ونفس الشيء بخصوص الطاقة المظلمة أو المعتمة أو السوداء ومعرفة أصلها وتكوينها وماهيتها، وهل الكون محدود أم لانهائي، وماذا وراء الأفق الكوني لكوننا المرئي، و أخيراً وليس آخراً، هناك ما يعرف بلغز ما قبل الانفجار العظيم البغ بانغ وماذا كان يوجد قبل حدوثه. وبدون توحيد هاتين الدعامتين الأساسيتين لا يمكن للفيزياء أن تتقدم.

هناك فريقي بحث من علماء الفيزياء في المملكة المتحدة يحاولان بث حياة جديد لفكرة تجربة   قد تقود في نهاية المطاف إلى توحيد مجالي الميكانيك الكمومي أو الكوانتي la mécanique quantique والنسبية العامة la relativité générale، المجال الأول هو فرع الفيزياء الذي يقوم بدراسة ووصف الظواهر الجوهرية التي تحدث في الأنظمة الفيزيائية وبشكل خاص على المستوى الذري أو النطاق ما دون الذري، وبموجبها تتحقق نمذجة الجسيمات الأولية والمبنية على مبدأ الاحتمالية، والتي لا توجد لها قيم ثابتة طالما لم نقم بعمل قياسات وحسابات لها. ليس لأن الفيزياء الكمومية أو الكوانتية فضفاضة، فبعد أكثر من قرن من التجارب جعلت منها أحد النظريات العلمية الأكثر صلادة ورسوخاً. والمجال الثاني هو نظرية النسبية العامة التي تصف الثقالة أو الجاذبية التي تحدث تأثيراً على نسيج ممتد ومتصل ومتسق أو متجانس يعرف باسم الزمكان l’espace-temps، وهي كذلك النظرية الأكثر صلاحية وصحة من كل النظريات التي ظهرت في مجال علم الفيزياء لغاية الآن والتي بفضلها يمكننا توقع حركة الأجسام على المستوى أو النطاق الكوني وبدقة بالغة. لكنهما رغم نجاحهما المدوي في وصف الكون المرئي بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، إلا أنهما لا يعملان معاً، خاصة عندما تدخل الجاذبية أو الثقالة، وهي إحدى القوى الجوهرية الأربعة للكون، في موضع الدراسة في النطاق الذري وما دون الذري نظراً للضعف الكبير للتفاعلات الثقالية مقارنة بتفاعلات القوى الجوهرية الأخرى للطبيعة كالكهرومغناطيسية، والقوة النووية الشديدة أو القوية، والقوة النووية الضعيفة.

في سنة 1957 ابتكر العالم الفيزيائي الأمريكي الشهير ريشارد فينمان Richard Feynman نموذج تجريبي حيث تخيل كتلة صغيرة موجودة فعلياً في مكان معلوم ومحدد في حالة وجود قياس أو حساب بشأنها، لكنها لا توجد على نحو مغاير في أي مكان آخر معلوم أو محدد، أو توجد في حالة تراكب superposé، وعند وضعها في مجال أو حقل ثقالي ينبغي أن ترتبط الكتلة بالسمات أو الخصائص الكمومية أو الكوانتية للثقالة عن طريق ما صار يعرف بالتشابك الكمومي أو الكوانتي intrication . ومن أجل أن نرى فيما إذا كان المجال أو الحقل المذكور قد كمم quantifié في الطبيعة، اقترح ريشارد فينمان البحث عن علامات تداخل بين الموضعين الممكنين، قبل حساب الموضع الحقيقي. فلو تفاعل الموضعان الممكنان قبل انفصالهما عن المجال أو الحقل، عندها سيكون للثقالة طبيعة كمومية أو كوانتية يمكن دراستها. هذه هي الفكرة التجريبية الأساسية التي اقترحها ريشارد فينمان كأساس. ولكن، وحسب أبحاث الفريقين المذكورين أعلاه، فإن أحد الجسيمات الأولية في حالة تراكب يمكن أن يتفاعل مع نفسه، حتى داخل مجال أو حقل ثقالي كلاسيكي متواصل، ما لا يدع مجالاً للشك. ففريقي بحث جامعة أكسفورد أظهرا أن أي زوج من الأنظمة الكمومية أو الكوانتية يمكن أن يتداخلا في نظام ثالث، ولكن فقط في حالة أكممة quantifié هذا النظام الثالث، وهذا يترك المجال للافتراض أن من الممكن لزوج من الكتل، كل واحد في حالة تراكب، يتزاوجان على نحو منفصل بتداخلهما في صيغة كمومية أو كوانتية لمجال أو حقل ثقالي، وإذا لم تكن الثقالة كمومية أو كوانتية، عندها لن يكون هناك تشابك كمومي أو كوانتي.

ربما حان الوقت للعثور على نظريات جديدة للزمكان:

لم يدحض أحد لحد الآن نظرية النسبية العامة لآينشتاين لكنها تعرف حدودها. وهناك محاولات لتجاوزها أو تطويرها من قبل نظرية الأوتار الفائقة le théorie des supercordes ونظرية الثقالة الكمومية الحلقية أو العروية la théorie de la gravité quantique à boucle

المتنافستان. فالنسبية العامة لم تتمكن من وصف ما يحدث داخل الثقب الأسود ولا وصف جزء من مليار المليار من الثانية الأولى للكون قبل زمن بلانك. والميكانيك الكمومي أو الكوانتي لم يتمكن من وصف الثقالة على المستوى أو النطاق الفائق، إلا أنه يفترض أن انتقال الطاقة يتم على شكل حزم من الكموم وعلى نحو غير متصل discontinue عكس ما تدعيه النسبية العامة التي تقول أنه يتم على نحو متصل continu وبالتالي لا بد من إيجاد نظرية جديدة في الجاذبية أو الثقالة الكمومية gravité quantique .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

جواد بشارةهل يستمر الزمن الكوني في حال توقف ساعات الأرض عن العمل؟ وهل الزمن الذي يمر على الأرض هو نفس الزمن الذي يمر على باقي الكواكب والنجوم والمجرات في الكون؟ الجواب هو بالنفي بالرغم من تعريف نيوتن للزمن الكوني بأنه زمن مطلق يتدفق بانتظام دون أن تكون له، علاقة أو يتأثر، بأي شيء خارجي على الإطلاق، فهو ثابت وغير قابل للارتداد والانعكاس والعودة إلى الوراء. في حين أكد آينشتين منذ عام 1905 في نظريته النسبية عدم وجود زمن كلي مطلق بل نسبي، وهو مرتبط بالحركة والثقالة، والشيء المطلق الوحيد في الكون المرئي هو سرعة الضوء التي تقدر بــ 300000 كلم/ثانية، وإن الزمن يتمدد ومتغير ومرتبط عضوياً بالمكان في وحدة لا تنفصم سماها الزمكان وإن الثقالة أو الجاذبية تؤثر في انحناء وتحدب المكان والزمان معاً . فالثقالة تقوم بتبطيء الزمن وكلما كانت الثقالة كبيرة كان التأثير كبيراً على الزمن كما لاحظ العلماء وأثبتوا ذلك مختبرياً وتجريبياً، وإن أكثر مكان يتأثر فيه الزمن هو بالقرب من الثقب الأسود حيث يبدو الزمن متوقفاً مقارنة بالزمن الذي يمر على مناطق بعيدة عن الثقب الأسود. وبهذا الصدد كتب آينشتين بعد وفاة صديقة ميشيل بيسو: " أننا معشر العلماء نعتقد أن الزمن وهم وإن الفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل وهم أيضاً وإن كان وهماً مقنعاً ". و لا يوجد في نظرية آينشتين ما يمنع التفكير في إمكانية السفر عبر الزمن خاصة إلى المستقبل. بمعنى أن هناك اتجاه ملموس للزمن يسمى بسهم الزمن وهو عادة من الماضي إلى المستقبل مروراً بالحاضر . قال العالم جون ويلر ذات مرة مازحاً:" إذا سألت الذرة عن سهم الزمن فسوف تضحك عليك وتسخر منك" وهذا ينطبق على الكون المرئي برمته. وفي لحظة الانفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة، كان الأنتوربي entropieــ وهو مقياس الفوضى في نظام ــ منخفض جداً ومع توسع الكون وتمدده وتضخمه زاد الأنتروبي باضطراد كما يخبرنا قانون الترموديناميك الثاني، ومن هنا نشأ الشعور بسهم الزمن. و لا أحد يعرف على وجه الدقة ما إذا كان الزمن قد بدأ بالفعل مع نشوء الكون، أي إن الانفجار العظيم هو الأصل والحد الأقصى للزمن، ومن البديهي القول أن ليس هناك أحد يعرف ما إذا كان هناك زمن قبل ذلك الزمن الذي بدأ للتو مع ولادة الكون المرئي وعلى وجه الدقة في 10-32 من الثانية الأولى بعد حدث الانفجار العظيم البغ بانغ، بتعبير آخر هل كان هناك زمن قبل الانفجار العظيم البغ بانغ. ولكن على مستوى مادون الذري أي في نطاق اللامتناهي في الصغر في عالم الكموم أو الكوانتوم، تم التعاطي مع الزمن من منظور نيوتن وليس آينشتين، وهنا مكمن صعوبة الجمع والتوحيد بين النظريتين الكوانتية أو الكمومية والنسبية، والحال أن معضلة الزمن تسببت بمشاكل عويصة حتى داخل النظرية الكوانتية أو الكمومية وخلقت الكثير من التشوش والغموض، وفي حالة تطبيق نظرية الكم أو الكوانتوم على الكون الواسع أي اللامتناهي في الكبر يختفي عامل الزمن من المعادلات الرياضياتية، وأعتبر البعض أن الزمن غير موجود وهو مجرد وهم عكس ما يصر عليه العالم لي سمولن ويعتبره موجوداً ومستقلاً. وإن الزمكان الآينشتيني ما هو إلا حالة ناشئة خاصة بالكون المرئي نجمت عن الانفجار العظيم . لذا يبقى السؤال قائماً: هل الزمن واقعي وحقيقي، أي كينونة حقيقية كونية موجودة، أي جزء من المادة، أم هو وهم مختلق ومفهوم بشري ؟ وما تأثير ذلك على صورة وحقيقة وطبيعة وماهية الكون؟ ما هي المعاني الحقيقية لمفاهيم القبل والبعد، الماضي والحاضر والمستقبل، و الآن وفيما بعد؟

يخبرنا القانون الثاني للترموديناميك ، أو الديناميكا الحرارية، أنه في إطار مراحل زمنية قصيرة هناك فرص في أن يكون التغيير في الأنتروبي إيجابياً أو منعدماً في أسوء الأحوال. فلو بدأنا إعدادات خارج التوازن فهذا يعني أننا بدأنا ترتيباً أو إعداداً configuration ضعيفاً للاحتمالية، أي أنتروبي ضعيف وما سينتج على نحو محتمل من جراء هذا الإعداد هو أنه سيكون عشوائياً بفعل تصادم الذرات مما سوف يزيد من درجة الاحتمالية لهذا الإعداد وبالتالي يزداد الأنتروبي نسبياً.

وعلى ضوء ذلك فإنه إذا كان الكون في حالة توازن فهو لا يمكن إلا أن يكون معقداً ومركباً وليس بسيطاً لأن العمليات العشوائية التي تقوده للتوازن تدمر أي حالة تنظيم ولكن ذلك لا يعني أن التعقيد يمكن قياسه بغياب الأنتروبي لذلك نحن بحاجة إلى مفاهيم تتجاوز ترموديناميك أنظمة التوازن.

لو تناولنا موضوع علم الكون أو الكوسمولوجيا من منظور ترموديناميكي، وتساءلنا لماذا يبدو الكون جذاباً ويحظى باهتمامنا سيكون التعاطي أكثر حيرة ومدعاة للفضول intriguant . فمن زاوية المنظومة النيوتنية أو المفهوم والنموذج النيوتني paradigme فإن الكون يحكمه حل أو قانون solution ومعادلات لقانون ما. ويمكن مقاربة مثل هذا القانون بالجمع بين النسبية العامة ونموذج معياري لفيزياء الجسيمات، و لا أهمية للتفاصيل الأخرى. والحل أو المعطى الذي يحكم الكون ويسيره منتقى من بين عدد لامتناهي من الحلول أو القوانين أو المعطيات، ويمكن تحديده باختيار للشروط أو الظروف الأساسية الأولية التي كانت موجودة في لحظة، أو بجوار لحظة،الانفجار العظيم.

ما يخبرنا به الترموديناميك هو أنه، " كل حل solution تقريباً من قوانين الفيزياء يصف كوناً يكون في حالة توازن، لأن التوازن بحكم تعريفه وبطبيعته، مكون من الإعدادات والترتيبات configurations الأكثر احتمالية". كما أن هناك علاقة تضمينية للتوازن تقول أن حلاً نموذجياً أو نمطياً solution typique لقوانين، هو بالضرورة تناظري مع الزمن، بمعنى ــ أن أية تقلبات وتخلخلات fluctuations موضعية محلية نحو حالة أكثر انتظاماً تكون محتملة بقدر احتمالية تقلبات أو تخلخلات نحو حالة أقل انتظاماً ــ لو عرضنا فيلم النظام بالمعكوس فهو سيعطينا تاريخاً محتملاً ومتناظراً من ناحية الزمن يتيح لنا القول على نحو إجمالي، بعدم وجود سهم للزمن. والحال أن كوننا لايشبه بأي حال هذه القوانين والحلول النمطية من القوانين. واليوم، وبعد مضي 13.8 مليار سنة على حدث الانفجار العظيم، لا يوجد كوننا في حالة توازن. والحل أو القانون الذي يصف كوننا هو لا متناظر من ناحية الزمن، وخصائصه غير محتملة، فيما لو أختير القانون أو الحل على نحو عشوائي أو بالمصادفة par hasard. كان أول معلم من معالم تعشق تروس الزمن في آلة الكون هو ما تم الكشف عنه مؤخراً وهو قانون النطاق loi d’échelle الذي قاد الطاقة الأولية البدئية للكون الوليد لكي تغدو بلازما من الجسيمات الأولية وهي التي بدورها أدت إلى ظهور واقعنا الذي نعيشه الآن ومن ذلك نرى كيف أن سهم الزمن لم يفحص وغيب في مخاضات نفس القانون ألا وهو قانون الترموديناميك . ولكن إذا أدركنا كيف يجري الزمن فهذا لايعني أننا نعرف طبيعته وكنهه وماهيته، والسؤال الذي يتردد هو : هل يدعم الترموديناميك ويأخذ على عاتقه كامل مفهوم الزمن ؟ لا أحد يشك بصلاحية هذه الفرضية أو النظرية وأغلب العلماء والفيزيائيين يتفقون على أنها الوحيدة التي تصيغ بوضوح مقولة الزمن الذي نعرفه وندركه، مهما كان المستوى أو النطاق، وفي كل لحظة، فإن المادة تتحول بدون انعكاس، فالأجسام تشيخ والمادة تتبعثر والكون يتوازن . وما أن ندرك ما يشبه تجربتنا بالزمن، أي التمييز بين الماضي والمستقبل، تتدخل الحرارة في عملية الإدراك. ولكن هل هذا الزمن الحراري temps thermique هو الزمن الحقيقي؟ هل هو حقاً المفهوم الكوني الشمولي والنهائي الذي يطبق منذ بداية الكون إلى نهايته وعلى كافة المستويات والنطاقات؟ لأن جوهر الترموديناميك ــ بما أننا ننطلق من نظرية للغازات ـ يصف لنا سهم زمن محلي في نظام معزول ومتجانس أو متسق، والحال أن الكون في حالة توسع وتمدد لانهائي ومليء بأنظمة دنيا فرعية غير متجانسة . فالترموديناميك يعمل بصور جيدة في أنظمة مغلقة وقريبة من التوازن الحراري . إلا أن سلوك نظام شمولي مثل الكون في حالة تمدد وتوسع دائم، أمر مختلف تماماً . وعندما يتم تعميم هذا الزمن الحراري على الكون برمته يواجه الفيزيائيون عقبة : فالترموديناميك يفترض أنه هذا النوع من الزمن بدأ جريانه مع حد أدنى من الأنتروبي، ومع إعداد أو ترتيب في غاية اللانمطية للمادة، ومع فرادة غير قابلة للتفسير. فمن جهة هناك المبدأ الثاني للترموديناميك الذي يقول أن كل نظام يتطور طبيعياً نحو حالة نموذجية أو نمطية هي الأكثر احتمالاً، وفي نفس الوقت نفترض أن الكون بدأ في حالة في غاية اللانمطية، أي شاذة وغير قياسية وغير محتملة. والمعروف أن العلماء والفيزيائيين لايحبون الفرادات المتطرفة ما يدفعهم للاعتقاد أن الطبيعة والماهية الحقيقية للزمن ما تزال خفية، وإن الزمن الحراري ليس سوى حالة خاصة، مجرد تجلي يتوافق مع مستوى إدراكنا، وبالتالي لابد من العمل على اكتشاف الجوهر الحقيقي والماهية الحقيقية للطبيعة. والحال لو وضعنا الترموديناميك جانباً، لا توجد أية نظرية أخرى للتفكير بالزمن أو تتعاطى مع الزمن penser le temps، فكل قوانين الفيزياء الجوهرية الأخرى التي تسير الكون والمادة خالية من مفهوم اللاإنعكاسية أو فكرة اللارجعة notion d’irréversibilité، هذا هو المفهوم الأساسي، المفتاح الذي يقود ظاهرة لكي تحدث في اتجاه ما وليس في إتجاه آخر، والتمييز بين الماضي والمستقبل. وكان هذا هو واقع الحال من الصياغات الرياضياتية الشكلية الأولى التي قدمها إسحق نيوتن في القرن السابع عشر حيث نعثر على مؤشر حقيقي لتطور الظواهر في الزمن ولكن لا وجود لسهم الزمن، سواء في قانون حركة الأجسام الذي أدخله نيوتن في المعادلات التي تصف انتشار الموجات الكهرومغناطيسية لماكسويل أو في غيرها من معادلاته، فالزمن متناظر على نحو غريب وكل شيء قابل للعودة والرجوع . فكل تلك الأشياء الرياضياتية تتسامى بالزمن على حد تعبير العالم الفيزيائي لي سمولن Lee Smolin. المثير للاضطراب والحيرة أكثر هو مفهوم " الحاضر " و " الآن " الكوني الذي نفهمه وندركه ونتشاركه جميعاً والذي تبخر منذ أن أعاد آينشتين صياغة ميكانيك نيوتن داخل نظريته النسبية منذ أول أبحاثة المنشورة في هذا المجال سنة 1905 حيث اختفى مفهوم التزامن simultanéité. فلا وجود لساعة كونية تشير إلى وقت وزمن واحد وموحد نسترشد به ونرجع إليه في جميع أرجاء الكون أياً كان موقعنا في الفضاء . فالتزامن وتوحيد التوقيتات يتطلب اتاصل والحال أنه لا يوجد اتصال أسرع من الضوء، ونحن نعرف أن سرعة الضوء محددة ومحدودة بــ 300000 كلم/ثانية من هنا حطم آينشتين وألغى إطلاقية الزمن مثبتاً أن قياساً للزمن يعتمد على سرعتنا في الفضاء، والزمن يختلف من مكان لآخر حسب السرعة والثقالة . فهندسة التحدب والإنحناء للفضاء تستند إلى توزع المادة وكتلتها. وكما قال آينشتين الوقت يمر أسرع فوق الجبال مما هو على الأرض المسطحة أو فوق سطح البحر حيث يغدو الفضاء ديناميك . وحتى في نظرية الكموم أو الكوانتوم، حيث يجب البحث عن الأجوبة في قلب أصغر المكونات المادية . فالكوانتوم la quantique أو الكم يؤسس الترموديناميك الذي يتحكم بالزمن الماكروسكوبي . فهناك عالم متسق متجانس، ومع ذلك فإن إحدى معادلاته الجوهرية الأساسية، وهي معادلة شرودينغر، هي تماثلية وتناظرية كما هو الحال عند نيوتن وآينشتين . أما المعادلات الكمومية أو الكوانتية الأخرى فتوحي بضرورة البحث في شكل آخر من التزامنية لوصف الظواهر، وهي المعروفة بالتشابك الكمومي أو الكوانتي intrication الذي يتحدى الزمكان الآينشتيني ويقول بوسع جسيمين أن يرتبطا ببعض لحظياً أو آنياً مهما كانت المسافة المكانية التي تفصل بينهما.أغلب العلماء يلتزم الصمت فيما يخص معضلة الزمن . فالفيزياء لا تصف ولا تشرح كيف تتطور الأشياء في الزمن بل كيف تتطور في زمنها هي فلكل شيء زمنه الخاص، وكيف تتطور تلك الأزمنة بعضها بالنسبة للبعض الآخر، كما قال العالم كارلو روفيللي في كتابه المكرس للزمن. لذلك يضطر العلماء للمغامرة خارج حدود النظريات السائدة ومحاولة استكشاف أرضيات جديدة وغير مؤكدة . فهناك من يشدد على البحث في أعماق العالم الكمومي أو الكوانتي، فصفة العكوسية أو قابلية الرجوع للعالم الميكروسكوبي ليست حالة ظاهرية، والشكلانية الكمومية أو الكوانتية تنم عن مبدأ ذا نظام عميق بوسعه توليد الزمن . البعض الآخر يقول بضرورة البحث في أسرار الثقالة والبحث عن طريق ثالث بين نيوتن وآينشتين. فالنظرية الكمومية تصف جيداً أنظمة مصغرة لكن تعميمها على النطاق الكوسمولوجي ليس بالأمر البديهي كما يقول العالم لي سمولن والحال أن القانون المهمين في المستوى الكوسمولوجي هو الثقالة وإن الزمن يختفي وراء ذلك المجهول الكبير الذي يمنع توحيد الفيزياء الكمومية أو الكوانتية مع الفيزياء النسبية الكلاسيكية والترموديناميك من هنا يمكننا القول إن أكبر تحدي أمام علماء الفيزياء في القرن الواحد والعشرين هو إعادة التفكير بمفهوم الزمن لأنه المفتاح الذي سيفتح لنا آفاقاً جديدة وجريئة على حد تعبير لي سمولن في كتابه " إنبعاث أو ولادة الزمن ثانية la renaissance du temps" والذي يصيغ نظرية تقول إن الفضاء أو المكان ولد من الزمن فهذا الأخير هو الأصل. أتباع التيار الأول وعلى رأسهم آلان كون Alain Connes و كارلو روفيللي Carlo Rovelli يقولون بأن الحقيقة الحقة في الكون لا تتمثل بمرور الزمن بل في ما يسمى بالمصادفة الكوانتية أو الكمومية aléa quantique، وهي بمثابة ضربة النرد أي المخاطرة الكمومية ويصيغون آلية متقنة رياضياتياً لإثبات أن الزمن ينبثق من المعرفة الجزئية للنظام الكمومي أو الكوانتي ما يعني أن جهلنا بتفاصيل العالم الكمومي أو الكوانتي الملازم للنظرية هو الذي يفرض علينا شكل من أشكال النظام أي الزمن. وإن هذا الزمن الكوانتي أو الكمومي ناجم عن خاصية من الخواص الكمومية أو الكوانتية المرصودة وهو غير قابل للتبدل فقياس السرعة والموقع بهذا التعاقب لجسيم أولي لا يعطي نفس النتيجة فيما لو قسنا أو حسبنا العملية بالتعاقب المعكوس أي الموقع ثم السرعة وإن الخاصية غير التبديلية هي التي تؤدي إلى ولادة الزمن الترموديناميكي عبر معادلة كوبو-مارتن-شوينغر Kubo-Martin-Schwinger علماً أن الزمن الكمومي أو الكوانتي والزمن الترموديناميكي مترابطان على نحو وثيق. فيما يقول العالم كارلو روفيللي إن النظرية الجوهرية للطبيعة يمكن أن تصاغ دون حاجة لاستخدام المبدأ المتعارف عليه للزمن في إطار نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية العروية أو الحلقية la gravitation quantique à boucles في سياق مساعي توحيد النسبية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي في الفيزياء، ويعتقد أن إدراكنا للزمن ناجم عن جهلنا الكلي لطبيعته وماهيته الحقيقية لذلك فهو، أي الزمن الحقيقي، غير موجود . وبالمقابل يشدد العالم لي سمولن على أن الزمن هو الشيء الجوهري الوحيد في الطبيعة، وهو المؤشر الأفضل لدينا عن الواقع والشيء الوحيد الواقعي في الطبيعة لذا يجب إعادة النظر كلياً في الفيزياء، وبالخصوص في النظرية الكمومية أو الكوانتية بغية جعلها قابلية للتطبيق على مستوى الكون كله أي تطبيقها في مجال علم الكونيات الكوسمولوجيا وهو يضع الزمن في مكانة قصوى فهو موجود وفي قلب كوننا وسر أسراره أما المكان، خاصة في النطاق الكمومي أو الكوانتي وما دون الذري، في اللامتناهي في الصغر، فهو ليس معطى أو مفهوم جوهري وهو الذي ينبثق عن الزمن، أي زمكان ذو هندسة كمومية متجانسة لا يظهر إلا في النماذج التي تفترض حقيقة وجود الزمن وواقعيته وبالتالي فهو يعتقد أن قوانين الطبيعة خاضعة للزمن ومأمورة ومقيدة بالزمن ويمكنها أن تتطور في أحضانه .

 

د. جواد بشارة

 

جواد بشارةلنتطرق الآن إلى أهم مسألة، والأكثر غموضاً ولغزية في كوننا المرئي، ألا وهي: لماذا جاء كوننا المرئي قابلاً لاحتضان الحياة العاقلة ؟ الإجابة الصحيحة تتعلق بمعرفتنا بطبيعة وماهية الزمن وهل هو حقيقي واقعي مطلق أم افتراضي نسبي.

متى بدأ الزمن؟

ينبغي أولاً الحديث عن نشأة الكون في الأساطير المختلفة، حيث كان ثابتًا لا يتغير، وأن العديد من العلماء والفلاسفة اعتقدوا أن الكون كان مطلقًا بلا بداية أو نهاية، إلى أن قدّم العالم العبقري آلبرت آينشتاين نظريته النسبية عام 1915،والتي أثبت فيها وبشكلٍ واضح أن الزمان والمكان لم يكونا مطلقين أبدًا. بل ولم يكونا موجودين بهيئتهما الحالية قبل ظهور الكون المرئي للوجود.

كانت الكميات الديناميكية التي تشكلت من خلال المادة والطاقة تم تحديدها داخل الكون، لذا لم يكن من المنطقي أن نتحدث عن وقت قبل بدء الكون.

هناك الكثير من النظريات التي فسرت نشأة الكون، وأنه كون متغير عندما لاحظ إدوين هابل في العام 1920 المجرات من خلال تلسكوب صغير (100 بوصة) على جبل ويلسون. لم تكن ملاحظة هابل أن هناك مجرات أخرى وأن الكون متغير فحسب، بل حدد اتجاه تحرك مجراته من خلال تحليل الضوء الصادر منها، ليفاجأ أن المجرات آخذة في التباعد؛ أي أن الكون في اتساع دائم.

كما شرحت النظريات الفيزيائية لماذا الكون آخذ في الاتساع؟ وما الاحتمالات التي ستحدث لو كان الكون ثابتًا؟ والسؤال الذي يطرح نفسه هو ويتعلق بالزمن :

ما الذي كان موجوداً قبل الانفجار العظيم؟

تأتي الإجابة بأن السؤال ليس له معنى، لأنه لا يوجد مفهوم زمني متاح للإشارة إليه، ولأن مفهوم الوقت أو الزمن وجد فقط في عالمنا، بعد نشأة الكون. ولكن هل الزمن الكوني حقيقي أم وواقعي موجود بذاته أم وهم مرتبط بعوامل أخرى تحدد سماته؟

إذا كان الزمن حقاً واقعي وحقيقي، فلابد من وجود خصائص للكون المرئي لا يمكن شرحها إلا إذا اعتبرنا الزمن عاملاً جوهرياً، وإلا ستبدو غامضة وعارضة إذا افترضنا العكس ـ إن الزمن أمر طارئ ومنبثق. إن مثل تلك الخصائص موجودة فعلاً حيث دلت نتائج مشاهدتنا ورصدنا للكون المرئي أنه يمتلك تاريخاً تطورياً من البسيط إلى المركب، وهذا يضفي على الزمن مسحة توجهية أو اتجاهية معروفة بمسلمة تقول أن للزمن سهم واتجاه، والاتجاهية غير محتملة في عالم لا يكون فيه الزمن أساسياً وجوهرياً ويكون نسبي منبثق.

ولو نظرنا للكون لوجدناه في غاية الترتيب والانتظام والتعقيد . والتعقيد ليس محتملاً فهو يتطلب شرحاً . فلا شيء يمكنه القفز من تنظيم بسيط إلى تنظيم معقد جداً . فالتعقيد الكبير يستدعي سلسلة من الحقب أو المراحل القصيرة. فهو يتولد على شاكلة مشهد أو فصل وبالتالي ينطوي على تنظيم وترتيب قوي للأحداث داخل الزمن. فكل التفسيرات والشروحات العلمية للتعقيد تتطلب قصة تنبثق خلالها مستويات التعقيد ببطء من خلال الزيادات . لذا يتوجب أن يكون للكون قصة أو حكاية أو تاريخ داخل حيز زمني وبالتالي لابد من نظام وتتابع سببي من أجل شرح وتفسير لماذا أصبح الكون على ماهو عليه الآن.

فحسب فيزيائيو القرن التاسع عشر، وبعض علماء الكونيات المعاصرين ممن يتبنون الرؤية اللازمنية، فإن التعقيد الذي نحن بصدده هو عارض وبالتالي بالضرورة وقتي زائل، ومن وجهة نظرهم، فإن مصير الكون هو أن ينتهي إلى حالة من التوازن، وهي المعروفة " بالموت الحراري للكون la mort thermique de l’univers حيث تتوزع المادة والطاقة على نحو متشابه ومتسق في الكون ولا شيء يحدث عدا بعض التقلبات العشوائية النادرة التي تختفي فور ظهورها و لا تنتج شيئاً. لهذا فإن كونناً ذا التعقيدية المتنامية، هو حتمي لامفر منه . وهكذا يمتد أمامنا طريقان مختلفان يقودان إلى رؤيتين متباينتين كلياً عن مستقبل الكون المرئي. في الأولى لا يوجد مستقبل لأنه لا يوجد زمن، فالزمن وفق هذه الرؤية مجرد وهم وهو لا يعدو كونه وحدة قياس للتغيير، وبالتالي فهو وهم مآله الاضمحلال عند اختفاء التغيير. أما الرؤية المرتبط بالزمن باعتباره حقيقة ملموسة وكينونة موجودة فعلياً وذات كيان منفصل، فإن الكون هو عبارة عن سيرورة تسمح بخلق ظواهر جديدة وحالات تنظيم تتجدد بلا توقف وهو في طريقه للتطور نحو حالات متفوقة دوماً من التعقيد والتنظيم .

المعطيات الرصدية تعلمنا بلا لبس بأن الكون يصبح أكثر أهمية كلما مر عليه الزمن . ففي البدء كان مليئاً بــــ بلازما في حالة توازن . ومن تلك البداية البسيطة يخلق تعقيداً هائلاً على مختلف المستويات، من تحشد المجرات أو آماسات المجرات إلى الجزيئة البيولوجية. أي من اللامتناهي في الكبر إلى اللامتناهي في الصغر.

إن هذا الاستعصاء والثبات والمثابرة والمواصلة لتطور هذه البنية التعقيدية يثير الحيرة، لأنه يلغي التفسير الأبسط المفضل لدى الوسط العلمي بخصوص البنية التي نلاحظها أو نرصدها والموجودة منذ مليارات السنين والتي تزايدت تعقيداتها مع مرور الزمن .

فالتنبؤ بالموت الحراري للكون المرئي هو مرحلة أخرى إضافية لانتزاع الزمن من الفيزياء والكوسمولوجيا بغية التوافق مع أفكار قديمة تقول أن الحالة الطبيعية للكون المرئي هي حالة خالية من التغيير. فالاتجاه القديم للتفكير الكوسمولوجي هو أن الحالة الطبيعية للكون المرئي في حالة توازن، أي، بما أن كل شيء موجود في مكانه، فلا وجود أو دفع نحو التنظيم وهذا هو جوهر كوسمولوجيا آرسطوطاليس . في حين يوجد لدى الفيزياء المعاصرة مفهومها الخاص للتوازن المرتبط بقوانين الثرمودينامكا، أو الديناميكا الحرارية، المطبقة على الفيزياء المعلبة أو الجاهزة للاستعمال. فالظرف بالنسبة لقوانين الديناميكا الحرارية هو عبارة عن نظام منعزل لا تتبادل فيه، لا الطاقة، ولا المواد، و لا تتفاعل مع المحيط. فالتوازن عند القدماء، آرسطوطاليس ونيوتن، ناجم عن توازن القوى، في حين أن مفهوم التوازن في الديناميكا الحرارية مختلف جداً وهو يطبق على أنظمة تحتوي على عدد كبير جداً من الجسيمات الأولية ويتعاطى إلى حد ما مع مفاهيم الاحتمالية.

ولو عدنا إلى الوراء، إلى طفولة الكون، وإلى الــ 32- 10 من الثانية الأولى بعد الانفجار العظيم البغ بانغ كان هناك زمكان بحالة غريبة، جامد بلا ماضي و لا مستقبل، وبدون سهم زمن واتجاه زمني. وفجأة بدأ يتحلحل ويتقلب محولاً الطاقة البدائية الأولية إلى بلازما من الكواركات والغليونات، ومن ثم إثر تفاعلات، تكونت ذرات ومنها تكونت النجوم والكواكب. ولقد نجح العلماء في مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين من إعادة إنتاج هذه العملية في مختبر. في البدء لم يكن هناك قبل وبعد. وقبل مضي 13.8 مليار سني من الانفجار العظيم انبثق الكون المرئي من " فرادة" أو متفردة singularité ولم يتحقق أي حدث، ومن ثم بدأ الفضاء بالتمدد والتضخم ولم تكن هناك جسيمات أولية و لا ضوء، وكل ما كان موجوداً هو ماهية غير واضحة المعالم ولا شيء قابل للانعكاس كما لو أن الزمن لم يبدأ مساره ويفرض بصماته لأنه لم تكن هناك حركة. لم يتململ الكون البدئي ألا بفعل زبدة أو رغوة كمومية أو كوانتية وهي حال غريبة بين المادة والطاقة التي تتقلب بطريقة غير قابلة للانعكاس. وبفعل التقلبات الكمومية fluctuations quantiques بدأت الجسيمات الأولية بالتصادم والتفاعل ووجدت الحركة العشوائية، فنشأ الزمن وتولدت البروتونات والنيوترونات والتي تطورت في تفاعلات إلى ذرات وجزيئات وبنيات أكثر تعقيداً وتولدت حالة من التوازن ومع توالي الأحداث الكمومية أو الكوانتية بدأت مسيرة الزمن وولد الزمن الحراري المعاصر واستمر في سريانه خلال مليارات السنين.

لم يكن الانفجار العظيم انفجارًا في الفضاء كما يوحي اسم النظرية، بل كان ظهور الفضاء في كلّ مكانٍ في الكون المرئي. ووفقًا لنظرية الانفجار العظيم فإن بداية الكون كانت من نقطةٍ واحدةٍ في الفضاء ذات كثافةٍ وحرارةٍ شديدتين جدًّا هي التي أسميت بالفرادة. لم يكن علماء الفلك على يقينٍ مما حصل قبل هذه اللحظة، ولكنهم مع بعثات الفضاء المتطورة والتلسكوبات الأرضية والحسابات المعقدة ما زالوا يعملون على رسم صورةٍ أوضح لبداية الكون وتشكله. ويأتي الدور الأساسي في هذه الاكتشافات إلى عمليات رصد إشعاع الخلفية الكونية الميكروية، والذي يحتوي وهج الضوء الأول والإشعاع المتبقي من الانفجار العظيم. تسود بقايا الانفجار العظيم الكون، وهي مرئيةٌ لأجهزة كشف الموجات الدقيقة، فتسمح للعلماء بربط أدلة بداية الكون مع بعضها البعض. أطلقت ناسا في عام 2001 مهمة مسبار ويلكنسون للأمواج الميكروية متعدد الخواص Wilkinson Microwave Anisotropy Probe (WMAP) لدراسة الشروط والظروف الأولية كما وُجِدَت في بداية الكون عبر قياس الإشعاعات الصادرة عن الخلفية الميكروية، ومن خلال الكثير من الاكتشافات، استطاعت بعثة WMAP ومن بعدها بعثة بلانك Planck من تحديد عمر الكون بـ 13.8 مليار سنةٍ. ومن ثم حدثت طفرة نمو الكون الأولى عندما كان الكون حديثًا جدًّا وعمره مئة جزءٍ من مليارٍ من تريليون من تريليون من الثانية حيث تعرض الكون الوليد لطفرةٍ ولاديةٍ مذهلةٍ، وخلال الانفجار المتمدد هذا (والذي يُعرَفُ بالتضخم infgation) كبُرَ الكون بشكلٍ هائلٍ وتضاعف حجمه 90 مرةً على الأقل. يقول ديفيد سبيرغل David Spergel عالم الفيزياء الفلكية النظرية في جامعة برنستون في نيوجيرسي "كان الكون يتمدد، وبتمدده بدأ يبرد ويصبح أقل كثافةً". استمر الكون في النمو بعد التضخم ولكن بمعدلٍ أبطأ، وبينما توسع الفضاء برد الكون وتشكلت المادة. كان أشد حرارةً من أن يشع ويطلق ضوءاً،وقد نشأت العناصر الكيميائية الخفيفة خلال الدقائق الثلاث الأولى من تشكل الكون، وبتمدد الكون انخفضت درجة الحرارة، واصطدمت البروتونات بالنترونات لتولد الديتيريوم وهو نظيرٌ مشعٌ للهيدروجين، ثم اتحد الكثير من الديتيريوم ليُشكل الهيليوم. وبعد مرور 380 ألف سنة بعد الانفجار العظيم جعلت حرارة تشكل الكون الشديدة الجو حارًا جدًّا بحيث لا يسمح للضوء بأن يشع، واصطدمت الذرات ببعضها بقوةٍ كافيةٍ لتتجزأ إلى بلازما كثيفةٍ ومبهمةٍ من البروتونات والنترونات والإلكترونات التي بعثرت الضوء كالضباب. ومن ثم كان النور بعد نحو 380 ألف سنةٍ من الانفجار العظيم عندما تبرّدت المادة بشكلٍ كافٍ لكي تتحد الإلكترونات بالنوى وتشكل الذرات المتعادلة كهربائيًا. تُعرَفُ هذه المرحلة بـ "إعادة التجميع"، حيث سبّب امتصاص الإلكترونات الحرة شفافية الكون. ويمكن الكشف عن هذا الضوء المتحرر اليوم على شكل إشعاع الخلفية الكونية الميكروية. ولكن، تلا عصر إعادة التجميع فترة ظلامٍ قبل تشكل النجوم والأجرام المضيئة الأخرى. وبعد ذلك حدث الانبثاق من عصر الظلمات الكوني بعد 400 مليون سنةٍ تقريبًا بعد الانفجار العظيم، عندما بدأ الكون بالخروج من عصر ظلماته، حيث تُسمّى هذه المرحلة من تطور الكون بـ "عصر إعادة التأين". يُعتقد أن هذه الفترة النشيطة استمرت أكثر من نصف مليار سنةٍ، ولكن وفقًا لعمليات رصدٍ حديثةٍ يعتقد العلماء أن إعادة التأين ربما حدثت بسرعةٍ أكبر مما اعتُقِد في السابق. وفي هذه الأثناء، تداعت كتل الغاز حتى شكلت المجرات والنجوم الأولى، وقد أزال ضوء الأشعة فوق البنفسجية المنبعث من هذه الأحداث الطاقوية معظم غاز الهيدروجين المحيط المتعادل كهربائيًا وخرّبه. نتج عن عملية إعادة التأين وإزالة غاز الهيدروجين الضبابي أن أصبح الكون شفافًا لضوء الأشعة فوق البنفسجية للمرة الأولى. وتولى تشكل النجوم والمجرات كما نقّب علماء الكونيات باحثين عن أبعد المجرات وأقدمها لمساعدتهم على فهم خصائص الكون المبكر، وبشكلٍ مماثلٍ يستطيع الفلكيون الآن العمل بالرجوع بالوقت لربط الأحداث التي حدثت مسبقًا ببعضها، وذلك عبر دراسة خلفية الإشعاع الكوني الميكروية. إذ تساعد بياناتٌ من بعثاتٍ أقدم مثل بعثة WMAP، ومستكشف الخلفية الكونية COBE الذي أُطلِقَ عام 1989، وبعثاتٍ أخرى لا تزال قيد التنفيذ، العلماءَ على محاولة حلّ الألغاز وفك الأسرار المستمرة والإجابة عن أكثر الأسئلة المطروحة جدلًا في علم الكون. وفي سياق التطور الكوني كانت ولادة نظامنا الشمسي حيث يُقدّر زمن ولادة نظامنا الشمسي بـ 9 مليارات سنةٍ بعد الانفجار العظيم، ما يجعل عمره 4.6 مليار سنةٍ. ووفقًا للتقديرات الحالية، تُعتبر الشمس واحدةً من 100 إلى 200 مليار نجمٍ أو أكثر في مجرتنا درب التبانة لوحدها، وتدور على بعد 25 ألف سنةٍ ضوئيةٍ عن مركز المجرة. يعتقد العديد من العلماء أن الشمس وبقية نظامنا الشمسي تشكلوا من غيمةٍ عملاقةٍ ودوارةٍ مكونةٍ من الغبار والغاز، تُعرف أيضًا بالسديم الشمسي، وحين سببت الجاذبية انهيار السديم، بدأ يدور بشكلٍ أسرع وتسطح ليأخذ شكل قرصٍ. سُحبت في هذه المرحلة معظم المواد نحو المركز لتشكل الشمس. هناك الكثير من مواد الكون غير مرئية. و في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بدأ العلماء بالاعتقاد بأن هناك مواد في الكون أكثر مما هو مرئيٌّ، حيث إن عالمة الفلك في معهد كارنيجي في واشنطن (فيرا روبن Vera Rubin) راقبت سرعات النجوم في مواقع مختلفةٍ من المجرات. تنص الفيزياء النيوتونية الأساسية على أن النجوم التي تقع على أطراف المجرة تدور بسرعةٍ أقل من سرعة النجوم في المركز، لكن روبن لم تجد فرقًا في سرعات النجوم الأبعد، حتى أنها في الحقيقة اكتشفت أن كلّ نجوم المجرة تدور حول المركز بالسرعة ذاتها مع فروقاتٍ بسيطةٍ. أصبحت تُعرَفُ هذه المادة الغامضة وغير المرئية بالمادة المظلمة أو السوداء، وعُرفت المادة المظلمة بالاستدلال بسبب الجذب الثقالي الذي تمارسه على المادة النظامية العادية المعروفة. وتفترض إحدى الفرضيات أن المواد الغامضة (المادة المظلمة) ربما تشكلت من جزيئاتٍ غريبةٍ لا تتفاعل مع الضوء أو المادة الطبيعية، ولهذا السبب صعُبَ الكشف عنها. كما يُعتقد أن المادة المظلمة أو السوداء تشكل 23 بالمائة من الكون، بينما تشكل المادة الطبيعية 4 بالمائة فقط من الكون وهي تشمل النجوم، والكواكب، والبشر. الكون ليس ثابت ومستقر بل هو كون متمدد ومتسارع وقد أنجز عالم الفلك إدوين هابل في عشرينيات القرن الماضي اكتشافًا ثوريًّا يتعلق بالكون، وذلك باستخدام تلسكوب حديث البناء على مرصد جبل ويلسون في لوس أنجلوس، حيث أثبت هابل أن الكون ليس ثابتًا وإنما متمدد. بعد ذلك بعقودٍ، وفي عام 1998، درس التلسكوب الفضائي ذو النتائج الغزيرة والمُسمّى على اسم العالم الشهير (تلسكوب هابل الفضائي) مستعراتٍ عظمى بعيدةً (السوبرنوفا)، ووجد أن الكون منذ زمنٍ طويلٍ كان يتمدد بشكلٍ أبطأ مما يفعل الآن، وهذا الاكتشاف كان مفاجِئًا فالمعتقد ولوقتٍ طويلٍ بأن جاذبية مادة الكون ستُبطِئ من تمدده أو حتى تسبب تقلصه. يُعتقد أن الطاقة المظلمة هي القوة الغريبة التي تزيد في تباعد مكونات الكون عن بعضها بسرعاتٍ متزايدةٍ باستمرارٍ لكنها تبقى غير محددةٍ ويكتنفها الغموض ومجهولة المهاية. إن وجود هذه الطاقة بعيدة المنال، التي يُعتقد أنها تشكل 73 بالمائة من الكون، هو واحدٌ من أكثر مواضيع النقاش الساخنة جدلًا في علم الكون حالياً. وما زلنا بحاجةٍ لمعرفة المزيد بكلّ ما اكتُشِفَ عن بداية الكون وتطوره، وتبقى هناك أسئلةٌ مستمرةٌ تبحث عن أجوبةً عنها، حيث تبقى المادة المظلمة والطاقة المظلمة من أكثر الأسرار المتبقية غموضًا، لكن لا يزال علماء الكون يسبرون الكون على أمل فهمٍ أفضل عن كيفية بدايته. وهي بالضبط مهمة فريق البحث العلمي الكوسمولوجي في جامعة هيدلبيرغ Heidelberg حيث يعمل فريق من علماء الفيزياء على اكتشاف جوهري حققوه مؤخراً ولكن دون إحداث ضجة إعلامية حوله. ولم يكن هذا الفريق العلمي يصدق نفسه عما حققه من نتائج وما توصل إليه من استنتاجات وتحليلات نظرية وعلمية مختبرية وتأكيدات تجريبية مختبرية :" لقد رصدنا شيئاً مهولاً يمكن أن يشكل فاتحة لما حصل بالفعل بعد عملية التضخم الكوني المفاجيء والشامل للكون المرئي بعد لحظة ولادته. كما صرح العالم الفيزيائي توماس غاسينزر Thomas Gasenzer، و اضاف زميلة العالم يورغن بيرجيس المتخصص بمادة الطاقات الفائقة Jurgen Berges:" المقصود هنا هو ظاهرة كونية جديدة حيث تمت بنجاح محاكاة حدث مذهل " حيث وضع فريق العمل وأثبت مختبرياً قانوناً يشرح تطور مادة ذات ماهية غريبة لكنها من مكونات الكون المرئي الأساسية والتي تواجدت بعد الانفجار العظيم مباشرة حيث لم يصل أحد غيرهم من قبل إلى تلك الفترة الحرجة من عمر الكون . وسوف يقدم هذا الفريق البحثي الفيزيائي وصفاً علمياً دقيقاً سيكون الأول من نوعه لديناميكية بلازما الكواركات والغليونات التي كانت تملأ الكون المرئي بعد ولادته مباشرة. والحال إن هذا القانون يتيح تشخيص لحظة مفصلية بمثابة مفتاح، في تاريخ كوننا وهي اللحظة التي بدأ فيها كل شئ وظهر فيها سهم الزمن وانطلقت فيها معمعة التطور الكوني الحقيقي الأصلي والذي قام بتحويل الطاقة المتكثفة جداً في اللحظة البدئية إلى عالم جديد مليء بالجسيمات الأولية ومن بعدها بالنجوم والمجرات والكواكب وبالكائنات الحية التي تشعر وتعي بأن شيئاً ما يحدث وإن الزمن يجري . ويعترف العالم ماركو شيرو Marco Schiro المتخصص بالفيزياء الكمومية أو الكوانتية غير المألوفة في مفوضية الطاقة النووية وفي لجنة الطاقات البديلة، بأن:" هذا الاكتشاف مدهش لأن فهم ديناميكية الطاقة بشكلها الكمومي أو الكوانتي الأكثر جوهرية ويسمح بتوضيح وشرح وتفسير ظواهر الكون البدائي بقدر توضيحه لأحد التساؤلات الجوهرية المتعلقة بالترموديناميك أو الديناميك الحراري الكمومي أو الكوانتي وهو لماذا لايمكننا على الإطلاق الإفلات من الترموية thermalisation والتطور غير القابل للانعكاس أو الارتداد".

كان هناك نشاز أو تنافر وعدم انسجام وتناغم ضئيل لا يعتد به وسط محيط كمومي أو كوانتي شاسع . فقبل هذه الظاهرة لم يكن هناك قبل و لا بعد كما قلنا، أي لم يكن هناك تاريخ قد بدأ ولم يحدث شيء . لكن هذا لا يعني أن الكون لم يكن موجوداً فلقد نشأ زمكان بمواصفات غامضة من الفرادة التي نجم عنها الانفجار العظيم . لكن الحدث الأول والأهم هو جر الزمكان إلى توسع مهول ومفاجىء الذي عرف بإسم " التضخم" والذي نفخ حجم الكون إلى أبعاد مذهلة مضاعفاً حجمه بمقدار 1026 في جزء من الثانية لكن ذلك الزمن الذي بدأ للتو ليس هو الزمن الذي نعرفه . فالطاقة المكونة للكون البدئي رافقت حركة التضخم وكان بالإمكان أن تظل هكذا إلى ما لا نهاية دون أن يتغير شيء، في حين إن المكان أو الفضاء موجود لكن الزمن بدا متوقفاً ومتجمداً لا يجري، أي زمن بدون سهم متجه أو بدون اتجاه . لا أحد يعرف المدة التي استغرقها هذا الزمن المتوقف وتقدر بين 10-32 و 10-6 من الثانية وفجأة حدث شيء، نوع من التأرجحات في الطاقة البدائية التي كانت المكون الأساس للكون البدئي الأولي، نوع من الطفرة التي بدأت عملية التغيير في الوضع فارضة على الطاقة البدئية اتجاهاً، وفجأة صار هناك " ماضي" و " حاضر " و "مستقبل" وبدأ الزمن يجرف معه كل شيء وبدأت الطاقة الأولية تتحول إلى جسيمات وبفعل الثقالة الكونية والتفاعلات والتصادمات تكونت الذرات التي كونت بدورها النجوم والمجرات كما نشاهدها ونرصدها اليوم. يعمل العلم على معرفة سبب وآلية هذا التعاقب الزمني ويرتكز على مسلمة نقل الحرارة . وكان العقل العبقري لودفيغ بولتزمان Ludwig Boltzmann قد درس وأحصى حركة الجسيمات الأولية في الكون وقال أنها تقودنا حتماً إلى نوع من التوازن الحراري، فكل شيء ينحو نحو حالة التوازن الخاصة به، الثرموية، وهي أساس القانون أو المبدأ الثاني للثرموديناميك أو الديناميكا الحرارية، وهي المعادلة الفيزيائية التي تتوائم مع الإدراك الحدسي للزمن ومروره دائماً من الماضي نحو المستقبل.

هل هناك حالة أخرى غير معروفة للمادة؟

المشكلة التي واجهت فرق البحث هي أن المادة موجودة في حالة خاصة لا تطبق فيها قوانين الثرموديناميك المعتادة . فلا توجد أية ذرات ولا حتى من نوعية ذرات الهيدروجين البسيطة التي ظهرت بعد مرور 379000 سنة بعد الانفجار العظيم. إذ أن الكون البدئي آنذاك كان عبارة عن محيط كمومي أو كوانتي وقوانين الميكانيك والحرارة عمياء لا ترى شيء، أي أن الكون البدئي كان في وضع خارج حالة التوازن. ومن تقصي نظري للحالات " خارج التوازن" وبعيداً عن أساسيات الفيزياء المعتادة والمتبعة، ومع الوقت جاءت الاختراقة الأولى بصحبة عمليات النمذجة والحسابات، نجح فيزيائيو جامعة هيدلبيرغ في صياغة معادلة قادرة على وصف تطور تلك الحالة الغريبة أو الشاذة من المادة الأولية التأسيسية واكتشفوا أن طاقة ذلك المحيط الكمومي أو الكوانتي تنتشر وفق قانون على نطاق كوني في المكان وفي الزمان . صيغت المعادلة شكلياً على هيئة دالة تستخلص قيمها في كل نقطة من المكان مع كل خطوة زمنية حيث يعاد في كل مرة ترتيب المعايير والإعدادات reparamétrant عبر عوامل المستوى والنطاق المحدد بثابتين، بعبارة أخرى فإن الديناميك كسوري fractale . لو تتبعنا مع مرور الزمن، هذه الحركة الكمومية أو الكوانتية بمساعدة مكروسكوب وتراجعنا بزوم تقهقري وفق إيقاع عوامل النطاق المشار إليها أعلاه، سيتولد لدينا شعور بأن كل شيء جامد وثابت وإن لا شيء يتغير على غرار الهندسية الكسورية التي تتكرر إلى ما لا نهاية .

تظهر الحسابات أن هذه الديناميكية الكسورية تنحو نحو نقطة ثابتة لا حرارية point fixe non thermal تتساوق أو تتطابق مع حالة " اللاتطور" و " اللازمن" . فهناك حركة في المحيط الكمومي أو الكوانتي، إلا أن كثافة الطاقة تظل دائماً، وفي كافة نقاط المكان والزمان، هي نفسها في حالة انتشار منبسط تماماً. بيد أن قانون النطاق ينطوي على ألا تبلغ حالة الكون تلك النقطة الثابتة، فهو يحيد عنها قليلاً دائماً . فبنيته الكسورية تنحل ببطء إلى أن تغير الطاقة حالتها، وهذه الديناميكية مؤقتة . فبعد أن أدارته الديناميكا الكسورية، غير الكون حالته وغدا نوعاً من بلازما الكواركات والغليونات . إن تغير المرحلة changement de phase هو بعينه الدافع الأساسي l'impulsion primordiale حيث يفلت الكون من العودة الأبدية . وكما يقول العالم توماس غاسينزر:" نعم، إن انتشار الجسيمات يمكن أن يؤدي إلى تشكل وتطور بنيات داخل حقل الطاقة. ويمكن أن يؤثر على تشكل الجسيمات والجسيمات المضادة وتوزعها، وفي نهاية المطاف يولد بلازما الكواركات والغليونات" وهذه أول مرة يقدم فيها علماء سسيناريو عن ولادة بلازما الكواركات والغليونات والتي بدورها، بعد جزء من الثانية، أدت إلى انبثاق البروتونات والنيوترونات، ومن ثم النوى أو النواتات الأولى الذرية . فإذا كان الكون قد سلك مسار المادة التي وضعتها الثقالة والعمليات الثرموديناميكية، في حالة حركة، فذلك بفضل قانون النطاق الذي اقترحه فريق جامعة هيدلبيرغ وهو شذوذ ضئيل جداً في خضم التموجات الكونية لتي تنتشر ببطء والتي سوف تتوافق باتجاه إيقاع آخر يؤدي لولادة حالة أخرى للمادة ألا وهي الجسيمات الأولية.

إن مفتاح فهم الثرموديناميك المعاصر هو أنه ينطوي على مستويين من الوصف : مستوى ميكروسكوبي microscopique وهو يعطي وصفاً دقيقاً لمواقع وحركات كافة الذرات في أي نظام خاص، وهو المعروف بالميكرو – حالة micro-état . ومستوى ماكروسكوبي macroscopique أو ماكرو – حالة macro-état للنظام، وهو وصف تقريبي بعملية مسح واسعة بواسطة عدد صغير من المتغيرات variables كالحرارة وضغط الغاز. فدراسة ثرموديناميك نظام ما يترتب عليه إقامة علاقات بين مستويي الوصف هذين.والمفهوم الذي يحدد العلاقة بين المستويين يسمى الأنتروبي l’entropie أو اللاإنتظام أو حساب عدد الطرق والإمكانيات المختلفة لتجميع عناصر النظام لتحقيق وتنفيذ التصميم المزمع، وبالتالي فالأنتروبي هو عكس المعلومة الدقيقة . وفي حالة نظام فيزيائي، لنتصور وعاء كوني محتوي مليء بغاز مكون من عدد كبير جداً من الجزيئات . الوصف الجوهري هو ميكروسكوبي ويخبرنا بمكان كل جزيء وكيف ينتقل بحيث تتوفر لدينا كمية هائلة من المعلومات . ومن ثم هناك الوصف الماكروسكوبي الذي يوصف فيه الغاز بمفاهيم الكثافة والحرارة والضغط. . علما إن تحديد الكثافة والحرارة يتطلب كمية أقل من المعلومات مما يحتاجه تحديد تواجد كل ذرة بدقة. من السهل توضيح وترجمة تتجه من الوصف الميكروسكوبي إلى الوصف الماكروسكوبي وليس العكس. فلو عرفنا موضع كل جزيء حينها سنعرف الكثافة ودرجة الحرارة التي هي متوسط طاقة الحركة لكن الذهاب بالاتجاه المعاكس شبه مستحيل لأن هناك عدد لامتناهي لترتيب وتنظيم ورصف الذرات المفردة في المستوى الميكروسكوبي للحصول على نفس الكثافة ودرجة الحرارة. وبعدها ينبغي ربط الأنتروبي بالاحتمالات وذلك من خلال فرضية أن كل الميكرو – حالات محتملة وهذه مسلمة فيزيائية تؤكدها حقيقة أن كل الذرات في غاز ما هي في حالة حركة عشوائية مضطربة فوضوية chaotique تحطم الاتجاهات وتجعلها عشوائية. ومع ذلك تسمى بالحالة التوازنية l’état d’équilibre والتوازن هنا هو الحالة التي يوجد فيها أكبر أنتروبي ممكن.

يتبع

 

د. جواد بشارة