 تنوير وإصلاح

ماجد الغرباوي: الحاجة للإمام المهدي

majed algharbawi1إن حاجة الشيعة للإمام نابعة من صميم عقيدتهم بوجود 12 إماما، كانوا يمثلون القيادتين الدينية والسياسية، رغم تفاوت أدوارهم حتى آلت الأمور إلى إمامة شكلية في زمن علي الهادي. وبشكل أوضح في حياة الحسن العسكري، عندما أحال على الفقهاء للإجابة على أسئلتهم الشرعية. فانقلبت حاجة الشيعة للإمامة من حاجة حقيقة إلى حاجة رمزية ساعدت على تقبل فكرة غيابه مع وجود وسطاء أو سفراء بينه وبينهم، رغم قوة الزلزال. فالشيعة لم يخسروا بغيبته سوى القيادة الفعلية، التي راحت تذوي في حياة الإمامين الآخيرين، حتى تفوقت الحاجة الرمزية على الحاجة الحقيقة لوجود الإمام. وبالفعل كانت رمزيته وما تزال وهو غائب أقوى وأثرى للخيال الشيعي، يؤكد هذا ما نشاهده عند مواليه وشيعته. فالحاجة إليه باتت ضرورة نفسية، تنعش أمل الشيعة، وتطفئ قلقهم. ولو كانت هناك حاجة حقيقية للإمام، أو توقفت بعض القضايا الدينية والقيادية لتمرد الشيعة ضد عقيدة الانتظار، بل وربما كفروا بالتشيع وعقيدته، لكنه لا توجد حاجة حقيقية بل هناك حاجة نفسية لرمزيته، وستبقى مهما طالت غيبته.

أحيانا تَحط ُّ المعاصرة من قيمة الرمز وقدسيته، بينما تزدهر في غيابه حداً تُلهب رمزيته الخيال الميثيولوجي، فيجرّده من بشريته ويحلّق به في مدارات الأسطرة واللامعقول، ليُعيد انتاجه باستمرار في إطار ضروراته العقيدية والآيديولوجية. وهذا أمر طبيعي في غياب أي حبيب، فإنك تُسقط عليه كل الخصال الحميدة. وتتجسد أكثر رمزية الإمام في غيابه عندما يعلّق الشيعة آمالا واسعة على دولته المعهودة، وهي آمال لازمتهم على امتداد تاريخ الأئمة، فكانت سلوى وملهاة تداعب أحلامهم، وكان الأئمة يجدون في المهدي ودولته مفرا من المأزق العقائدي، الديني، فيدارون مشاعرهم بكلام يداعب أحلامهم حدَ الهوس بالمهدي ومستقبل دولته، ليتخلصوا من السؤال المرير: متى يظهر المهدي؟.

أما المعاصرة فعلى العكس، حيث عانى الأئمة من معاصريهم، وتخلى عنهم الناس في أحلك الظروف، كما فعلوا مع الإمام الحسن بن علي، والإمام جعفر الصادق، وشككوا بإمامة موسى الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، وهكذا بالنسبة لعلي الهادي والحسن العسكري، بل الأخير واجه سيلا من التشكيك أضرّ بمصداقيته، بينما يزخر المهدي الغائب برمزية هائلة، لأنه لم يعاصر أحدا، ولم يحتك بالوسط الاجتماعي، سواء كان له وجود حقيقي أم لا، لكن غيابه شحنة رمزية عالية تنعش طموحات التشيع. فتجد الشيعة اليوم يعلّقون آمالا عريضة على ظهوره.

إن صورة المهدي في الخيال الشيعي تتجدد وتتضخم حداً يختلط فيها الوهم بالحقيقة، خاصة لدى من يدعي مشاهدته ولقاءه.

لقد تطوّرت صورة المهدي في الخيال الشيعي من الرمزية إلى الأسطورة، والأسطورة تقاس بقوة رمزيتها وإيحاءاتها وقدرتها على الاستجابة، لا بمقدار صدقيتها ومطابقتها للواقع، لذا لا أحد يثيره طول عمر المهدي، بل أن طول عمره الخرافي يعزز أسطرته، ويلهب الخيال حد الهوس والتفنن في اجتراح حكايات أسطورية حوله. ويتجسد هذا الأمر في مناجاته وهو غائب، حيث يذوب فؤاد المناجي شوقا، وترق دموعه، ويبدأ بمغازلته والتودد إليه حتى يرتوي ضمأ روحه الهائمة، وتهجع مطمئنة على أمل لقاء جديد.

المهدي لعبة الخيال الشيعي، وآمله المتجدد، وأفقه نحو المستقبل والآخرة، وطموحه إثر إخفاقات الحياة ومتاعبها. إنه رمز الإنسان الكامل. به تسمو أرواح المؤمنين، وتنتعش آمالهم وأحلامهم. ويبقى طيفه يداعب خيالهم، فعيونهم ولهى تطارد كل خيال لعله المهدي، فتشرق ابتسامة الشوق قبل حرارة اللقاء. 2345 مدارات عقائدية ساخنة

 

ماجد الغرباوي

...................

* مقطع من كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، مؤسسة المثقف ودار أمل، الطبعة الثانية، ص، 165 – 167

للاطلاع على الكتاب

https://www.almothaqaf.com/k/majed-al-gharbawi-s-books

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا الموضوع المهم المتعلق بالمهدي المنتظر.
في الحقيقة ان فكرة المهدي والمعصومين هي افكار خيالية واساطير لا توجد لها اسس قرآنية وكذلك ان العقل البشري يرفضها بشكل مطلق. ان الله وضع كل امور الغيب تحت سيطرته فقط وان الرسول لا يعلم بالغيب اطلاقاً.
الاعراف 188
قل لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ما شاء الله ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ان انا الا نذير وبشير لقوم يؤمنون
الاعراف 101
وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم
والايات اعلاه توضح ان الرسول لا يعرف ما في الغيب وكذلك لا يعرف من حوله من المنافقين من الاعراب فكيف عرف سوف يظهر المهدي ويحقق العدالة؟؟؟؟.
ان العملية كلها ضحك على ذقون الساذجين من امثالنا. ان المعممين للاسف الشديد لا يحترمون عقول الناس ونحن في القرن الواحد والعشرين والتطور في كل مجالات الحياة. كان والدي رحمه الله يقول لنا سوف يظهر الامام المهدي (عج)!! ويحقق العدل منذ سنين ولكنه توفي ولم يشاهد المهدي!!
العدالة لا يحققها المهدي ولكن يحققها الانسان المؤمن بالعدالة والتي هي ارادة السماء. تحقيق العدالة يحققها الانسان المؤمن بها وهي تكون مرضاة الى ربه. هذه هي رسالة السماء.
لدي سؤوال الى الاخ الغرباوي والرجاء منه ان يوضح لنا الخمس في الاسلام وماهي المذاهب التي تقره. بحثت عنه في القرآن فلم اجد الاّ آية واحدة وهي الانفال 41. والانفال تعني "غنائم الحرب" وهذه الاية لها بعدان زماني ومكاني وكانت سائدة في زمن الرسول. فلماذا تستوفي الامول من الناس حالياً؟؟؟. ان رجال الدين اصبحوا من جمع هذه الاموال من الفقراء تحت يافطة الدين اغنياء بشكل كبير ؛ سوبر رج ( Super Rich ).
ادرج الاية التي تتعلق بالخمس وكذلك الايات التي قبلها:
الانفال 39
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فان انتهوا فان الله بما يعملون بصير
الانفال 40
وان تولوا فاعلموا ان الله مولاكم نعم المولى ونعم النص
الانفال 41
واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم امنتم بالله وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدي
ان الاية اعلاه واضحة وضوح الشمس من تتعلق بغنائم الحرب؟؟.
وشكراً مرة اخرى. ومزيداً من المقالات التنويرية.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر والتقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتفاعلك اخي العزيز المسألة العقائدية معقدة، لا يكفي معها سرد الآيات. اجدد احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

موضوع مهم وحيوي. تحية إلى أخي الباحث القدير الأستاذ ماجد الغرباوي على هذه الإحاطة العميقة. أتمنى لك موفور الصحة ومزيدا من العطاء المتميز.

هاتف جنابي
This comment was minimized by the moderator on the site

سعيد بحضورك واشادتك بالمقال الاخ الاستاذ الشاعر المبدع الدكتور هاتف جنابي، كما سعدت جدا بقصيدتك (رسالة إلى بقية الله الأعظم) التي جاءت في سياق الموضوع، وهي التفاتة ذكية، جاءت غب الوفت المناسب من جنابك الكريم. اكرر احترامي وتقديري.

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5321 المصادف: 2021-03-31 01:04:49


Share on Myspace