3236 لاكسميسري بانيرجيالشاعرة الهندية لاكسميسري بانيرجي

ترجمة: نزار سرطاوي

منذ بزوغ الفجر حتى ساعة الغسق مشيت

على امتداد الشاطئ

في قلب الضباب البهيّ

وقد اجتاحتني نشوةٌ غمرتها ضياء الشمس والدموع بالنور

وأنا أجمع حصواتي 

الكريمة وأحصيها واحدةً واحدةً  

حصواتي تلك التي لن أفترق عنها ما حييت

آه كم أعتز بامتلاكها 

وأغلق باب قلبي عليها

كما الجواهر التي تُستخرج من

رحم الأرض... 

حصواتٌ ذات ألوان زاهية

 تعلوها مسحاتٌ من غبار الفضة والذهب

لاهيةٌ عن ألوان السماء التي

سريعًا ما يعتريها التغير

حتى غروب الشمس ...

 

في العتمة اجتاحتي العاصفة الثلجية والأمواج

وجرفتني إلى البحر الهادر

فيما راحت الأمواج العاتية تدفعني إلى الوراء

وضاعت حصواتي الكريمة في البحر

الملاح الوحيد ناداني 

آن الأوان لنمضي

إلى ما وراء العدم...

 

مرّ جيلٌ بعد جيل

البحر يتدحرج عائدًا

وأرى بصماتي على الشواطئ الرملية

والأطفال يلعبون بحصواتي المتلألئة

المَطليّة المُلوّنة

وأيديهم الرقيقة المُكوّرة

تقدمها  قرابينَ للخلود ...

...........................

Pebbles

Laksmisree Banerjee

from dawn to dusk I walked

along the shore-line

in glorious haze

in sunlit and tear-lit trance

collecting, counting

my precious pebbles

those I would never part with

possessed proudly

and closeted in my heart

like gems scooped out of

the earthly womb…

pebbles of alluring hues

smeared with silver and gold dust

unmindful of the fast changing colours of the sky

till sundown…

in darkness the blizzard and billows

swept me into the rumbling deep

as the fierce waves threw me back

my rich pebbles lost in the sea

the lone boatman called me out

it was time for me to go

beyond the Void......

after generations have gone by

the sea rolls back

as I see my seal on the sandy shores

the children playing with my glittering pebbles

glazed and multihued in

their balmy cupped palms

offerings for Eternity…

***

.............................

تعدُّ الدكتورة لاكسميسري بانيرجي واحدة من الأصوات الشعرية البارزة في الهند. وهي أستاذة جامعية وكاتبة وناقدة أدبية ومحررة وتربوية ومغنية. تولت سابقًا منصب نائب العميد، وتُدّرس اللغة الإنجليزية والدراسات الثقافة. وقد صدرت لها ثمانية كتب شعرية وحوالي 160 بحثًا وكتابًا أكاديميًا حول مجالات متنوعة في الأدب والفن والثقافة، وفازت بالعديد من الجوائز.

والدكتورة بانيرجي خبيرة على المستوى المحليّ والدولي في برنامجيْ فولبرايت والكومنولث، حيث تقوم بتدريس الشعر والموسيقى وإلقاء المحاضرات، علاوةً على قراءة الشعر في الجامعات والمهرجانات في العديد من دول العالم. تؤمن باستخدام قلمها وصوتها من أجل التغيير الاجتماعي.

يُذكر أن الدكتور بانيرجي هي المرشح الهندي لرئيس الدولة في مجالس إدارة الجامعات المركزية.

 

محمد عبد الكريم يوسفبقلم: سارة تيسديل

نقل معانيها إلى العربية:

محمد عبد الكريم يوسف


 جاء الملوك من الجنوب

يرتدون فراء جميلا؛

حملوا له ذهبا وعقيقيا،

وهدايا من النبيذ الثمين.

 

جاء الرعاة من الشمال.

كانت معاطفهم بنية وقديمة.

لقد أحضروا له الحملان المولودة حديثًا

لم يكن لديهم أي ذهب.

 

جاء الحكماء من الشرق.

يلفهم البياض .

اهتدوا بالنجم طوال الطريق

لقد مجدوا الليل.

 

جاءت الملائكة من السماء في الأعالي،

وكانوا لهم أجنحة.

و قد أحضروا أغنية بهيجة

يرنمها ضيوف السماء.

 

قرع الملوك على الأبواب،

دخل الحكماء،

وتبعهم الرعاة

لسماع الأغنية تبدأ.

 

رنمت الملائكة طوال الليل

حتى شروق الشمس

لكن يسوع الصغير نام

قبل أن يتم الانتهاء من الأغنية.

 ***

....................

النص الأصلي:

Christmas Carol

By Sara Teasdale

 

 

عبد الوهاب البراهميبقلم: فكتور هيجو

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي


 يغمر الشتاء ببياضه الطريق الوعر

أيامك مرعى للأشرار

يَعَضُّ الشتاء يدك الناعمة؛

ينفخ الكره في فرحك

 

يملئ الثلج  الأخدود الأسود

الضوء خافت...

أقفل  بابك على ريح الشمال

أغلق نافذتك على الغيمة الحالكة

 

ثمّ اترك قلبك مفتوحا!

فقلبك نافذة مقدّسة.

الشمس ملبّدة بالغيوم

لكن ربّما يشعّ الله بنوره!

 

ارْتَب في السعادة ، ثمرة  فانية

ارتب في الإنسان مثقلا بالرغبة

ارتب في  الكاهن والمذبح،

ولكن آمن بالحبّ، يا حياتي!

 

آمن بالحبّ ، دائما كلّه،

لامعا دوما تحت كلّ الحجب!

بالحبّ جمرة المدفأة !

بالحبّ ، شعاع النجوم!

 

أَحِبَّ ولا تيأس .

في روحك ، حيث أمرّ أحيانا،

حيث تهمس أشعاري،

دع كلّ شيء مكانه.

 

الوفاء بلا ملل،

سلام القيم الرفيعة،

والتسامح مع الآخرين،

تخلّص من أخطاءك البريئة.

 

في فكرك حيث كلّ شيء جميل

لا تدع شيئا يسقط أو يتراجع.

اجعل من حبّك شعلتك.

فنحن لا نضيء إلا بما يحرق.

 

لشياطين العداوة

قابلهم بلُطفك الهادئ،

وصبّ عليهم شفقة

كلّ ما ألقوه  عليك من كره.

 

الكره، شتاء القلب.

أشفق عليهم! لكن حافظ على شجاعتك.

حافظ على ابتسامتك القاهرة؛

قوس قزح جميل، أخْرُج من العاصفة!

 

حافظ على حبّك الأبديّ.

الشتاء، هل يطفئ النجم شعلته؟

لا ينزع الله شيئا من السّماء؛

فلا تنزع شيئا من روحك!

***

فكتور هيجو.

.........................

المصدر:

https://www.poetica.fr/poeme-275/victor-hugo-il-fait-froid/

 

عبد الستار نورعليللشاعر توماس ترانسترومر

ترجمة: عبد الستار نورعلي


 1

شيخان، الحما وصهره،  ليزت وفاغنر(1)، يقيمان عند القنال الكبير

سويةً مع المرأة المضطربة المتزوجة من الملك ميداس

الذي يُحوِّل كلَّ شيءٍ يلمسه الى فاغنر.

برودة البحر تتسرّب منْ أرضية القصر.

فاغنر بارز، الصورة الجانبية الشهيرة لكاسبر(2) متعبة أكثر من السابق

الوجهُ رايةٌ بيضاء.

الجندول مُثقَل بحِمل حياتهم، رحلتان: واحدة ذهاباً وإياباً، والثانية ذهاباً.

 

11

نافذة في القصر تحلِّق عالياً، وأثناءها تبرز ملامحُ رجلٍ يُكشّر فجأة

في الخارج يبرز الجندولُ فوق الماء واثنان من قطاع الطرق يجذفانه، كلٌّ بمجذاف.

ليزت قد كتب عدة اتفاقيات تسوية كانت ثقيلةً لدرجة أنَّ عليها أنْ تُرسَل

الى معهد علم المعادن في پادوفا (3) للتحليل.

شُهُب!

كانت ثقيلةً لدرجة أنَّ عليها أنْ تستريح، يمكنها أنْ تنخفض وتنخفض لتغرقَ خلال المستقبل حتى القاع

الى سنوات القمصان البنية.

الجندول ثقيل بحِمل كومةٍ منْ صخور المستقبل.

 

111

ثقوب على 1990

 

25 مارس. اضطرابات تسود ليتوانيا.  

حلمتُ بأنّني زرتُ مشفىً كبيراً.

لا يوجد موظفون. كان الكلُّ مرضى.

 

في نفس الحلم مولودة جديدة

تكلمتْ بلغة سليمة.

 

V1

بجانب الصهر يظهر رجل الزمان ليزت وكأنّه سيد إقطاعيٌّ كبير متآكل

إنّه قناع

العمقُ الذي جرّب أقنعة مختلفة ورفضها اختار له هذا القناع

العمق الذي يتغلغلُ في نفوس الناس دون أنْ يُظهرَ وجهه.

 

V

آبه ليزت معتاد أنْ يحمل حقيبة سفره بنفسه خلال تساقط الثلج وفي ضوء القمر

وعندما يموت لنْ يستقبل جثمانَه أحدٌ في المحطة.

نسيمٌ عليل من كونياك فاخر ألقاه بعيداً وسط مهمة خاصة.

لديه مهمات دائماً.

ألفا رسالة في السنة!

التلميذ الذي أخطأ املائياً كتابة الكلمة يُعيد كتابتها مئةَ مرة قبل أنْ يحقَّ له الذهاب الى البيت.

الجندول مُثقَل بحِمل الحياة، بسيط وأسود.

 

1V

العودة الى 1990 .

 

حلمتُ بأنّي سُقْتُ عشرين ميلاً دون جدوى.

حينها كبُر كلُّ شيء. البلابلُ كبيرة بحجم الدجاج

غنّتْ عالياً لدرجة أنّها أصمّتْ أذنيَّ.

 

حلمتُ بأنّي رسمتُ أزرار بيانو

على مائدة الطعام. عزفتُ عليها، بصمت.

دخل الجيران ليستمعوا.

 

11V

النوطة الموسيقية التي صمتت خلال بارسيفال (4) كلّها (لكنها أصغتْ)

جاز لها أخيراً أنْ تقول شيئاً.

تنهُّدات... مقطوعة موسيقية...

عندما يعزف ليزت الليلة يضغط على دوّاسة البحر الى الأسفل

لدرجة أنّ القوة الخضراء للبحر تنطلق الى الأعلى من خلال الأرض مع الصخور لتغمر البناء كلّه.

مساء الخير ايتها الأعماق الجميلة!

الجندول مُثقَل بالحياة، بسيط وأسود.

 

111V

حلمتُ بأنّي سأبدأ الدراسةَ لكنّني تأخّرتُ.

كلُّ الذين في الفصل يضعون أقنعة على وجوههم.

مَن هو المعلّم لا يمكن التكهُّن.

***

ترجمة: عبد الستار نورعلي

تشرين الأول 2021

.....................

تعليق:

في دورة عام 1882/1883 زار ليزت ابنته (كوسيما) وزوجها (ريتشارد فاغنر) في مدينة فينيسيا. بعدها بأشهر توفي فاغنر. في هذه الفترة ألّف ليزت مؤلفَين موسيقيين اثنين على البيانو أسماهما "الجندول الحزين".

هوامش المترجم

*)  (Sorgegondolen Nr.2  قصيدة منْ مجموعة (Sorgegondolen ) الصادرة 1996، للشاعر السويدي  Tomas Tranströmer)، 1931- 2015) الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2011

1ـ ليزت: هو الموسيقار الهنغاري فرانز ليزت (Franz Liszt ، 1811ـ 1886)

(فاغنر): الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر ( Richard Wagner 1813ـ1883) تزوج من ابنة ليزت (كوسيما)

2ـ كاسبر ( Kasper): أحد الحكماء (أو الملوك) المجوس الثلاثة الذين جاؤوا من بلاد فارس مع هدايا لمباركة المولود الجديد: المسيح عيسى بن مريم.

3ـ پادوفا (Padova) مدينة ايطالية، كانت مسرحاً لأغلب أحداث رواية شكسبير (ترويض النمرة)

4 ـ پارسيفال (Parsifal) : أوبرا من تأليف فاغنر 1882  

 

3178 ماري إليزابيث فريمن الادب العالمي

بقلم: ماري إليزابيث فري

ترجمة: سوران محمد


 لا تقف عند قبري وتبكي

أنا لست هناك، أنا لم أنم.

أنا الرياح التي تهب.

أنا الماس الذي يلمع على الثلج.

أنا أشعة الشمس على الحبوب الناضجة.

أنا المطر الخريفي الناعم.

عندما تستيقظ في صمت الصباح

أنا الاندفاع السريع

رافعة الطيور الهادئة في رحلة دائرية.

أنا النجوم الناعمة التي تلمع في الليل.

لا تقف عند قبري وتبكي.

أنا لست موجودا هناك، لم أمت

***

.........................

النص بالانجليزي:

Do not stand at my grave and weep

I am not there. I do not sleep.

I am a thousand winds that blow.

I am the diamond glints on snow.

I am the sunlight on ripened grain.

I am the gentle autumn rain.

When you awaken in the morning's hush

I am the swift uplifting rush

Of quiet birds in circled flight.

I am the soft stars that shine at night.

Do not stand at my grave and cry;

I am not there. I did not die.

***

* نبذة عن الشاعرة:

ولدت ماري إليزابيث كلارك عام 1905، وتيتمت وهي في الثالثة من عمرها. في عام 1927 تزوجت من كلود فري، و توفيت عام 2005 عن عمر ناهزت 100عام.

كانت الشاعرة ربة منزل وبائعة الزهور، تعتبر هذه القصيدة من أهم قصائدها والتي كتبتها في عام 1932.

لم تكن هوية مؤلفة القصيدة معروفة حتى أواخر التسعينيات ، عندما كشفت فراي أنها قد كتبت هذه القصيدة. حيث أثبتت شاعريتها للجميع لاحقا.

وقد تم استخدام قصيدتها أيضًا في احدى المناسبات النرويجية تعبيرا عن التعازي لضحايا النرويج الدموي عام 2011 على يد متطرف يميني.

المصدر:

poemhunter.com/poem/do-not-stand-at-my-grave-and-weep

 

 

3161 هيلين هانت جاكسنبقلم: هيلين هانت جاكسن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 صبيحة العام الجديد

ما هي الا ليلة واحدة بين القديم والجديد!

ليلة واحدة فقط وقد حدث الكثير!

اصبح قلب العام القديم منهكا،

الا انه قال: "لقد جلب العام الجديد راحة."

سجّى قلبُ العام القديم آماله

كما في قبر؛ الا انه قال:

"براعم اكليل العام الجديد

تتفتح من رماد الأموات."

كان قلب العام القديم مليئا بالجشع؛

كان يتوق ويتحرق شوقا بأنانية،

ويصرخ: "لا املك نصف ما احتاج.

ضمأي شديد ولا ينطفئ.

ولكن الى يد العام الجديد الكريمة

كل الهدايا سوف تغدق؛

المحبة الحقيقية سيفهمها؛

ومن جميع اخفاقاتي سوف يتعلم.

كنت انا متهورا؛

سيكون هو ذا حياة هادئة وساكنة ونقية.

كنت عبدا؛ سيذهب حرا،

ويجد سلاما جميلا حيث تركت صراعا."

ما هي الا ليلة بين القديم والجديد!

لم تجلب ليلة غيرها تغيرات كهذه قط.

العام القديم لديه عمل لينجزه؛

ما من معجزات تحدث في العام الجديد.

 

دائما هي ليلة بين القديم والجديد!

ليل وبلسم النوم الشافي!

كل صباح هو صباح عام جديد متحقق،

صباح لاقامة مهرجان.

كل الليالي تصبح مقدسة

من اجل الاعتراف وعقد النية والصلاة؛

كل الأيام مقدسة لنستيقظ فيها

فرحا جديدا في الجو المشمس.

ما هي الا ليلة بين القديم والجديد؛

ما هي الا اغفاءة بين الليل والصباح.

ما الجديد الا القديم متحققا؛

كل شروق شمس يشهد ولادة عام جديد.

***

................................

هيلين هانت جاكسن (1830-1885) شاعرة وكاتبة أميركية من مواليد آمهيرست بولاية مساتشوستس. اشتهرت بمناصرتها لقضية سكان أميركا الأصليين فكتبت تاريخا لاضطهادهم ونشرته تحت عنوان (قرن من العار) ورواية تصف معاناتهم تحت عنوان (رامونا). نشرت جاكسن خمس مجموعات شعرية منها (أشعار) 1870 و(أجراس عيد الفصح) 1884.

 

 

سوران محمدمن الأدب العالمي

بقلم: أوكتافيو باث

ترجمة: سوران محمد


 وجه جميل

مثل وردة أقحوان تفتح بتلاتها للشمس

وهكذا أنتي

تفتحين وجهك لي عندما أقلب الصفحة.

.

ابتسامة ساحرة

ستأسرين الرجال بسحرك،

آه، يا جمال المجلة.

.

كم من القصائد كتبت لك؟

كم دانتي كتبوا لكي، بياتريس؟

لوهمك الموسوس

لك يا مصنع الخيال.

.

لكن اليوم لن أكتب كليشيهات أخرى

اكتب هذه القصيدة لك.

لا، لا مزيد من الكليشيهات.

.

هذه القصيدة مخصصة لتلك النسوان

اللاتي تكمن الجمال في سحرهن،

في ذكائهن،

في شخصياتهن،

ليست لمظاهرهن المصطنعة.

.

هذه القصيدة لك يا أيتها النسوة

اللواتي  تحبن أن يستيقظ  شهرزاد

يروي  قصة جديدة كل يوم،

قصة تغني للتغيير

تصاحبها تمنيات المعارك:

معارك من أجل حب الجسد الموحد

معارك للعواطف أثارتها يوم جديد

معركة من أجل الحقوق المهملة

أو معارك من أجل البقاء ليلة أخرى

.

نعم، لكي يا  نساء من ألم حول العالم

لك، نجمة مشرقة تضيء دوما في الكون

لك ، يا أيتها المقاتلة  لواحد وألف معارك

لك يا صديقة قلبي.

.

من الآن فصاعدًا، لن ينحني رأسي للنظر إلى المجلة

بدلا من ذلك، يتأمل في الليل

ونجومه المشرقة،

وهكذا، لا مزيد من الكليشيهات.

***

…..................

هوامش:

- بياتريس: (١٢٦٥ – ١٢٩٠) امرأة إيطالية عُرفت عمومًا على  انها كانت مصدر الإلهام الرئيسي للشاعر الايطالي المشهور دانتي أليغيري (١٢٦٥-١٣٢١).

- المصدر: Poemhunter.com

.................................

No More Clichés

Beautiful face

That like a daisy opens its petals to the sun

So do you

Open your face to me as I turn the page.

 

Enchanting smile

Any man would be under your spell,

Oh, beauty of a magazine.

 

How many poems have been written to you?

How many Dantes have written to you, Beatrice?

To your obsessive illusion

To you manufacture fantasy.

 

But today I won't make one more Cliché

And write this poem to you.

No, no more clichés.

 

This poem is dedicated to those women

Whose beauty is in their charm,

In their intelligence,

In their character,

Not on their fabricated looks.

 

This poem is to you women,

That like a Shahrazade wake up

Everyday with a new story to tell,

A story that sings for change

That hopes for battles:

Battles for the love of the united flesh

Battles for passions aroused by a new day

Battle for the neglected rights

Or just battles to survive one more night.

 

Yes, to you women in a world of pain

To you, bright star in this ever-spending universe

To you, fighter of a thousand-and-one fights

To you, friend of my heart.

 

From now on, my head won't look down to a magazine

Rather, it will contemplate the night

And its bright stars,

And so, no more clichés.

Octavio Paz

***

النص الشعري لأوكتافيو باث بالانجليزية: لا مزيد من الكليشيهات، النص الاشهر لباث حسب الموقع الشعري (بووم هنتر)

المصدر/

www.poemhunter.com/poem/no-more-clich-s/

.........................

من هو أوكتافيو باث؟

١٩١٤-١٩٩٨

ولد الشاعر في مكسيك  عام ١٩١٤ في مدينة مكسيكو، ودرس في جامعة المكسيك الوطنية، لكنه غادر الی منطقة نائية في عام 1936 لإنشاء مدرسة لمساعدة الأطفال الفقراء في ولاية يوكاتان الريفية. في عام 1937 قاتل في الحرب الأهلية الإسبانية في لواء جمهوري بقيادة ديفيد سيكروس. کما عمل فيما بعد كصحفي يساري ودبلوماسي مكسيكي 1946-1951، کان صديقا لبابلو نيرودا و التقی بأندرية بريتون في باريس..

وهو كاتب ومفكر سياسي معا. تعكس أعماله أوجه عدة؛ بما في ذلك الماركسية والسريالية وأساطير الأزتك. يستخدم في قصيدته الطويلة  Piedra del sol / Sun Stone 1957(حجر الشمس) صورًا متناقضة، يتركز فيها على حجر التقويم الذي يمثل عالم الأزتك، تارة يستخدمه الشاعر رمزا للشعور بالوحدة لدى الأفراد وبحثهم عن الوحدة مع الآخرين. کما حصل الشاعرعلى جائزة نوبل للآداب في عام 1990.

في عام 1962 تم تعيينه سفيرًا مكسيكيًا للهند، لكنه استقال عام 1968 احتجاجًا على مقتل 200 من الطلاب المتظاهرين عشية الألعاب الأولمبية. في عام 1971 أسس المجلة الشهرية ( Pluralبلورال) والتي سميت فيما بعد (فويلتا)، والتي استخدمها لتحليل الاشتراكية والليبرالية، وحث فيها المكسيكيين على أن يجعلوا بلدهم مستقلا عن التأثيرات الشيوعية والكتلة الغربية الأمريكية.

ولد باث في مدينة مكسيكو، ودرس في جامعة المكسيك الوطنية، لكنه غادر الی منطقة نائية في عام 1936 لإنشاء مدرسة لمساعدة الأطفال الفقراء في ولاية يوكاتان الريفية. في عام 1937 قاتل في الحرب الأهلية الإسبانية في لواء جمهوري بقيادة ديفيد سيكروس. کما عمل فيما بعد كصحفي يساري ودبلوماسي مكسيكي 1946-1951، کان صديقا لبابلو نيرودا و التقی بأندرية بريتون في باريس..

 

3142 caraبقلم: كارا بلو أدامز

ترجمة: صالح الرزوق


عملت هي وأختها معا بصمت. لم تكن توجد حاجة للكلام. وركزتا تفكيرهما على الكلب، وكانتا تتعاملان معه كأنه فراش. كان نصف كولي، ونصف ألماني، ونصف كلب رعاة، ويبلغ وزنه ثمانين رطلا. وكانتا تتعاونان معا على جر قدميه الأماميتين على السلالم كي يصعد إلى الطابق الثاني من البيت. وخلالها ينوح بهدوء كلما رفعتا ساقه ليتمطى باتجاه السماء.

وضعت طبق طعام الكلب قرب فمه. السابع. هذا سابع يوم لم يتمكن من تناول الطعام بشكل مناسب، وبلعومه امتنع عن أداء عمله، وتوجب عليها وعلى أختها أن تمسكا به بطريقة تساعد الجاذبية على إلقاء الطعام في بلعومه ليستقر في بطنه. وهكذا لا يتضور من الجوع إلا بالتدريج. انتشرت رائحة لحوم قوية من الطبق الذي وضعته قرب أنفه. ونبح الكلب بضعف بالغ، ثم نقر الأرض بقوائمه، وكشر لها. لو تركت له الحق بالاختيار لتوقف عن الطعام منذ أيام، ولسمح لضعفه أن يتحكم به، ولغاب عن عينيها في مكان لا تعرفه: الغياب عن الوعي ثم الموت. الموت: يمكنها أن تذكره، لكنه لا يعرف كيف ينطق، وتساءلت، لفترة قصيرة، كيف امتلكت هذا الكلب لتقاوم به زوجها السابق، حتى الموت، ولذلك لن تتخلى عنه ولو حاولت الطبيعة أن تعدمه بطريقتها المسالمة. قال لها البيطري في إحدى المرات: الكلب لا يشعر بالألم مثلنا. وبالتأكيد هو يعني أن الكلب لا  يتأمل نفسه، ولا يتساءل كيف سيتصرف إذا تطفل عليه غريب، وبمن سيضحي - بحياتها، أم بزوجها السابق، أم بابنتهما، أم بحياته - ومن سيكون الثاني والثالث والرابع ومن سيحل في المرتبة الأخيرة - إن الاستلقاء والذهن متيقظ وتدور فيه هذه الأفكار ليس مصدرا للألم عند الكلاب. والكلب لا يمكنه أن يعتاد على الألم، ولا يستطيع أن يرى أنه ضيف محتمل ومحترم. وكلما أطعمت الكلب بهذه الطريقة، كانت تؤلمه مع أنها تبذل جهدها لجره بلطف من صدره العظمي النحيل على السلالم المكسوة بالسجاد، وحتى لو تركته قريبا من أحضانها، كان ينظر إليها بعينيه البراقتين نظرة تقول: لم أتوقع كل هذا منك.

بعد أن انتهى الكلب من الطعام، شعر بالتعب بخلاف أمس وهذا الصباح - وأراح مقدمة فمه على الطبق، وترك نصف المحتويات من الطعام المهروس مكوما تحت أنفه - ثم تعاونت مع أختها لحمله على السلالم. عرج نحو النافذة، ودار حول نفسه ثلاث مرات، ثم انهار مع تنهيدة على الغطاء القديم الذي فرشته من أجله. تحامل الكلب على نفسه بكرامة ولكن دون اعتزاز، واستلقى كما لو أنه يتخذ وضعا لنفسه فوق البقعة التي سيرتاح عليها للمرة الأخيرة. كانت تفكر باستعمال لحافها القطني - فهو على الأقل يستحقه - لكن لم يكن بمقدورها شراء آخر جديد، والكلب لا يعرف الفرق بين نعومة غطاء ولحاف. نقلت ثقلها من وركها الأيمن المتورم لوركها الأيسر، وهي تمعن بالتفكير. وفي الخارج كانت شجرة البتولا تخشخش وتلمع بألوانها الخريفية. تحرك خيال فوق ذيل الكلب ثم تراجع. ورسمت الشمس شكل حدوة حصان على شعره الغزير. يمكنها تأجيل موته ليوم آخر لو أرادت أو يومين. ولها الحق بالاختيار. غير أنه عليها أن تسرع باختيارها، إنما لا توجد لديها فرصة مع القدر، بل مع الوقت فقط. وحينما غادرت أختها، ومعها البنتان لتناول كوكتيل الحليب ثم النوم. طبعت كل منهما قبلة على رأس الكلب، وثانية، والشعر الطويل والأسود يلامس الغطاء. ثم عانقتاه وربتتا على أقدامه. وأخيرا حل الهدوء على البيت. فاستدعت البيطري للبيت. وجاء فعلا في وقت متأخر من تلك الأمسية. 

من هذا المطبخ، سمعت صوت شاحنته تدوس على الممر المفروش بالحصى. هو رجل كبير ووسيم. وقفت قرب النافذة بعيدا عن الأنظار تراقب قدومه. كان فمه مطبقا كأنها تهم بتقبيله، وكلما اقترب، كانت تسمع صفيره. تسلق السلالم الخشبية التي جهزها زوجها السابق ولكنه تردد عليها قليلا، وتراجع، وتوقف، وفحص المواضع الضعيفة. كانت قد انتبهت لبداية تعفنات، واستعارت كتابا من المكتبة العامة يشرح صيانة المنازل. وهي تحتفظ بهذا المشروع لوقت آخر. حينما لا يجافيها النوم. وهي لا تثق بنفسها والمنشار الكهربائي بيدها. وصلت إلى الباب قبل أن يقرعه.

قالت: ”شكرا لأنك أتيت، ولا سيما أنه يوم أحد”.

كانت تعيش على أطراف طريق ترابي، وبعيد عن العيادة. وكان يعمل ويسكن في عيادته. فشقته فوقها في الطابق الثاني.

ابتسم البيطري. هز منكبيه. وقال:”لم أكن مشغولا. أمرر الوقت فقط”.

قادته لغرفة المعيشة.

سألها:”هنا أم في الخارج؟”.

قالت:”هنا”. سألها إن كانت تفضل أن تكون مع الكلب فقالت: ”نعم”. جلست القرفصاء. وشعر الكلب بألمها فاضطرب. لحس وجهها بغيظ. وفك البيطري علبة أدواته، وعبس بالإبرة التي جهزها حتى يستقر السائل في الأنبوب. واستعمل الكلب قائمتيه الأماميتين ليجر جسمه نحو الأمام حتى أصبح نصفه في أحضانها.

قالت: ”وداعا”. وربتت على أذنتيه الناعمتين، وتحسست مفاصله وهي تجر أذنيه للخلف بالطريقة التي يحبها، بمحاولة لترافق هذا المخلوق، وهو يغادر وعيه الرقيق دون أن يفقد الطمأنينة المعتادة التي تشعر بها دائما بسهولة. ولكنها فشلت. ولم تكن تفكر إلا بنفسها. وجد البيطري شرايينه، نبح الكلب، وتوتر، ثم تراخى، وبقيت عيناه مثبتتين عليها بقلق. كأنه لا يزال يسأل: ما هذا؟. ماذا يقلقك؟.

وطبعا كانت تعرف أن البيطري سيحمل معه جثمان الكلب بعيدا كما طلبت منه. وحينما سألها: ”جاهزة؟”. لم تفهم ماذا يقصد. هزت رأسها بكل الأحوال، واستوعبت الموضوع حينما رفع الكلب بين ذراعيه بحركة واحدة. وبعد أن وقفت، حرك البيطري الكلب بيده ليخفف من ثقله. وبدل جثمان الكلب موضعه بخمود كأنه كيس يضم ترابا مفككا.

قالت: ”شكرا”. لم تكن متيقنة لمن توجه شكرها. ولماذا.

فتحت الباب الأمامي للبيطري.

قال البيطري موجها كلامه للكلب: ”حان الوقت لتعود إلى بيتك أيها الرجل الطاعن بالسن”. ثم قال لها: ”سأرسل لك الفاتورة”.

قالت مجددا: ”شكرا”.

راقبت البيطري يحمل الكلب إلى شاحنته، وآمنت أن الأسوأ قد انتهى، هذه الأمسية على الأقل. ولكن البيطري توقف فجأة، وفتح الكلب فمه، وانسكب منه على الأرض سائل أبيض. ولاحظت اسوداد التراب. وانتظر البيطري حتى انتهى التقيؤ ثم تابع مع الكلب بقية الطريق إلى شاحنته. وألقى الجثة في الخلف.

نادت من الباب: ”انتظر”.

وأسرعت على السلالم، ثم عادت ومعها اللحاف. حملته إلى الشاحنة، وهي تقول لنفسها: أنا امرأة حمقاء.

سألته: ”هل هناك مانع؟”. نفض البيطري رأسه. وتراجع، وسمح لها أن تغطي الكلب باللحاف. كانت أقدامه متناثرة بطريقة غير ودودة كأنه ينام على أرض رطبة. وكان جسمه قد تصلب. وبعد أن لفت بإحكام أطراف اللحاف حول خصره، لم تستسلم لها مؤخرته. قالت لنفسها أيضا: أقدم كل شيء في الوقت غير المناسب.  وللشخص غير المناسب. في الغد، حينما تأتي البنتان، ستخبرهما أن الكلب رحل. وستغضبان لأنها لم تخبرهما من قبل لتتمكنا من توديعه. وستقضم الكبرى شعرها، وستضربها الصغرى كما حصل حينما أخبرتهما أنهما لن تلتقيا بأبيهما لبعض الوقـت. وسألتاها: بماذا أخطأت معه؟. ولكن لا يزال أمامها وقت حتى الغد. الآن هي وحدها. وعليها أن تدع الدجاجة المتجمدة أن تذوب لتحضير الغداء، وأن تغسل اللحاف القديم الذي استلقى عليه الكلب قبل ساعة عندما زحف الظلام على البيت، وجر وراءه برد الليل، غير أنها بالتأكيد ستكون آمنة.

سلحت جهاز الإنذار بإضافة الرمز السري بضربات من أصابعها. وغسلت طبق الكلب في المغسلة. وتركت الماء ينسكب حتى ارتفعت حرارته، ووضعت يديها تحته. وأشعلت النور وهي تدخل إلى الغرفة. وأطفأته وهي تغادرها. وأغلقت الستائر بوجه الظلمات.كارا بلو أدامز CARA BLUE ADAMS: كاتبة أمريكية مولودة في هامبشير الجديدة. عملت بتدريس فن الرواية في جامعة أريزونا. تعيش حاليا في لويزيانا. أصدرت أول كتاب لها بعنوان “لن تستعيدها أبدا” في نهاية عام 2021 وحازت به على جائزة جون سيمونز للقصة القصيرة. 

 

 

خيري حمدانبقلم: كالويان خريستوف

ترجمة: خيري حمدان


разговор

حديث

عندما يتوقّفُ المطر

يظهرُ الحمامُ للعيان.

نادرًا ما يلحظه أحد

لكنّ الحمامَ لا يفتأ يذكّرُ بحضوره.

وأنا أريدُ مثله

أن أتربّع بين غصونِ الصمت،

المغطّاة بماءِ المطر

لأذكّرك بين الحين والآخر

أهميّة الاستماعِ لصوتك.

وأذكّرك أن الوقتَ ما بعدَ المطر

حين يملأ الدفْء الأنحاءَ ثانية

بطيفٍ من خيوطِ الذكريات،

لن يكرّرَ المشهد ذاته

إذا لم يتماهى صوتك مع رحابةِ الفضاء

**

دعنا نتحدّث. 

Церква

كنيسة

تُقرعُ الأجراسُ عندَ اكتمالِ الساعة.

رائحة البخّور،

رائحة الفتيل المنطفئ.

تُضاءُ الشموعُ

تلمعُ الأعينُ الرطبة.

الأبسطةُ المغبرّة ترحّبُ

بخطواتِ المصلّين.

شخصٌ ما يقف في المدخل الخارجي

في العتمة.

يتردّد، هل يدخلُ الكنيسة؟

تُقرعُ الأجراسُ عند اكتمالِ الساعة.

**

съвпадения

مصادفات

تصادفتْ خطواتهم

في طرق عديدة

توقّفت أنظارُهُم

في أماكنَ واحدةٍ

متماثلة.

لكنّ حواسهم

لم تلتقِ

أبدًا. 

**

Крепост

حصن

غصنانِ منكسران

حجارةٌ متساقطة

رأسُ مالٍ مهدور.

وهناك عند المدخلِ

ما بين الحجارةِ المرصوفة

انبثقتْ شجرةُ جوزِ هند

بلغَ جذرُها القرنَ الرابعِ الميلادي

وأوراقها تبثُّ

فيلمًا تاريخيًا

في ظلال المدخل.

**

Гара

محطّة

انطلقَ رصيفُ المحطّة

وبقي القطار.

ابتعدت باقةُ الورد

ولم تظهر اليدان.

وسكّةُ الحديد تراقب صدأها الكامن

بخجل.

***

.....................

* ولد الشاعر كالويان خريستوف عام 1997، أنهى دراسته الثانوية في مدينة غابروفو في قسم اللغة البلغارية والآداب. درس الأدب البلغاري في جامعة صوفيا "القديس كليمنت أوخريدسكي" ويعدّ أحد مؤسّسي الموقع الأدبي “Tetradkata.com”. نشرت قصائده في "الصحيفة الأدبية"، مجلة "الشعر الاجتماعي"، "عالم الأدب"، المناخ "زورنيتسا" وغيرها. كتب القصائد المغنّاة. صدر له ديوان "مبارزات ودّيّة" عام 2018، "مصادفات" عام 2018، "جزيئات مالحة" عام 2020. فاز بالجائزة الوطنية "نيكولا فابتساروف" عام 2019.   

 

رضوان ضاويبقلم: يوهانس لبيوس

ترجمة عن اللغة الألمانية: رضوان ضاوي


 نشرت الليلة الكالحة المرصعة بالنجوم،

هدوءً فوق العالم المتعب،

هنا أذن المؤذن لصلاة العشاء،

 من فوق المئذنة الشاهقة،

وقد وقف كل مسلم خاشعا:

"لا إله إلا الله،

محمد رسوله ".

يكاد ضوء الصباح الأول يلوّن

الوجه النعسان،

فيرتقي المؤذن المئذنة مبكّراً،

من أجل صلاة الصبح،

وقد تأمل كلّ مؤمن ودعا ربّه:

"لا اله إلا الله،

وآدم صفي الله ! "

وحين تلفح حرارة منتصف النهار المرتفعة،

فإن المساجد وحدها تستأثر بالظل،

حيث يركع المسلم ويصلي.

ويقف المؤذن من أعلى،

ليؤذّن، وقد احمرّ من فرط حرارة الشمس الحارقة،

" لا اله إلا الله،

وإبراهيم خليل الله".

 

مالت الشمس عميقاً،

وسرى مفعول الصوت الطويل،

من المئذنة الشاهقة،

وأذن المؤذن لصلاة الظهر.

وفوق التراب يدعو الجميع:

"لا اله إلا الله

وموسى كليم الله".

 

ثم يجنّ الليل المظلم بسرعة.

بعدها احمرت االشمس بشدة

 وهي تشرق !

ويؤذن المؤذن للصلاة

ملقيا نظرة خاطفة من المئذنة الشاهقة

نحو نجمة مجهولة.

"لا اله إلا الله،

وعيسى هو روح الله".

*** 

......................

* يوهانس لبيوس: ولد عام 1858 في برلين، وتوفي في 1926. وهو رجل دين بروتستاني ومستشرق ألماني، وكان يمثل النزعة الإنسية في تلك الفترة.

* المصدر:

القصيدة نشرها صديقي الباحث الألماني في الدراسات القرآنية Serdan Aslan  على صفحته في الفايسبوك بهذا التوثيق:

In: Ex Orient Lux. Jahrbuch der Deutschen Orient-Mission. Hg. Johannes Lepsius. Berlin: Deutsche Orient-Mission, 1903. S. 82-83.

 

 

3126 نانا ماوسكوريWeiße Rosen aus Athen

ورود بيضاء من أثينا 

غـنّـتها المغنية اليونانية نانا ماوسكوري في مهرجان الأفلام العالمية في برلين (حزيران/ تموز 1961)

 ترجمة: بهجت عباس


 الترجمة شعراً (ببعض من التصرف مع الحفاظ على روح النصّ)

وورودٌ هـــــــي بيضـاءُ نَـمَـتْ فـــي أثِـنـا

تَنشِدُ العــودةَ فـــــوراً دون تحقيق المُنــى

فوداعاً يا حبيباً هجرَ البيتَ وعافَ الوطنا

**

كلّمــا يستيقـظ اليــومُ  مُـنــاراً بالسّـنــــــا

كلّما  تُشرق شمسُ الكونِ في هذي الدُّنى

مرّةً أخرى يعـود البَـيـْنُ فـيـمــــــا بينـنـا

**

قاربٌ تُبحِــر فيه بين ريــحٍ وعُـبابِ

مَعْ تحايا وطنٍ لم تحظَ فيه بالرِّغابِ

**

وورودٌ هــي بيضـــــــاءُ نَـمَـتْ فـــي أثِـنـا

تَنشِدُ العــودةَ فـــــوراً دون تحقيق المُنــى

فوداعاً يا حبيباً هجرَ البيتَ وعافَ الوطنا

**

وعلى قاربك الهائـم فــي البُعدِ السّحيقِ

يُزهِــرُ الوردُ بحسنٍ وافتتانٍ ورحيــقِ

لك دون الناس طرّاً لا ولا أيِّ رفيـــقِ

**

عندما تهبط بعد الجهد أرضَ الاغترابِ

لا ترى أيَّ انتظارٍ لك أو أيَّ اصطحابِ

وتُرى الأنجمُ  ليلاً ليس في ذاك الإهابِ

وتَرى الدنيـا اغترابـاً باعثـاً للارتيـابِ

ووحيدٌ أنت فيها غارقٌ فــي الاكتئـابِ

ولذا تصحبك اليـومَ زهــورُ الانتسابِ

**

وورودٌ هــي بيضـاءُ نَـمَـتْ فــــــــي أثِـنـا

تَنشِدُ العــودةَ فــوراً دون تحقيق المُنـــــى

فوداعاً يا حبيباً هجرَ البيتَ وعافَ الوطنا

 

فوداعاً! ووداعاً! ووداعاً!

***

18 كانون الأول 2021

الأغنية

https://www.youtube.com/watch?v=-Yw9BNUwrsA

بهجت عباسالترجمة  نثراً كما في النصّ الأصلي

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

تقول لك "عد فوراً"

تقول لكَ وداعاً

ورود بيضاء من أثينا

**

يستيقظ اليومُ،

والشمسُ، تُشرق مرّة أخرى،

والآن يعود الفراق أيضاً 

إليْـنا، نحن الاثنين.

**

أقلعتْ سفينـتُـك الآن

مع الريح والأمواج.

ولكنْ ثمّة تحايا

معك من الوطن.

 **

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

تقول لك "عُـدْ فوراً "

تقول لكَ وداعاً

ورودٌ بيضاءُ من أثينا.

**

ورودٌ بيضاءُ تُزهر على متن الزورق

في البعد، البعد المترامي

تُزهر بجمالٍ آخّاذٍ لكَ وحدَكَ

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

**

في الأرض البعيدة

حيث لا أحدٌ ينتظرك

حيث النجومُ تبدو في الليل

مختلفة  تماماً

هناك الدنيا جِدُّ غريبةٍ

وأنت وحيد فيها

لذا تصحبك هذا اليومَ

أزهارٌ مِنْ البيت.

 **

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

تقول لكَ "عُدْ فوراً "

تقول لكَ وداعاً 

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

وداعاً! وداعاً! وداعاً!

***

 الأغنية

https://www.youtube.com/watch?v=-Yw9BNUwrsA

 

Weiße Rosen aus Athen3126 نانا ماوسكوري

sagen Dir: "Komm recht bald wieder"

Sagen Dir: "Auf Wiederseh'n",

weiße Rosen aus Athen.

**

Der Tag erwacht,

Die Sonne, sie kommt wieder

Und wieder kommt nun auch

Der Abschied für uns zwei.

**

Nun fährt dein Schiff

Hinaus mit Wind und Wogen

Doch es sind Grüße

Aus der Heimat mit dabei.

**

Weiße Rosen aus Athen

sagen Dir: "Komm recht bald wieder"

Sagen Dir: "Auf Wiederseh'n",

weiße Rosen aus Athen

**

Weiße Rosen blüh'n an Bord

in der weiten, weiten Ferne

Blüh'n für Dich allein so schön

Weiße Rosen aus Athen.

**

Im fernen Land,

Wo keiner auf Dich wartet,

Da seh'n die Sterne in der Nacht

Ganz anders aus.

Dort ist die Welt so fremd,

Und Du bist einsam

Darum begleiten Dich heut'

Blumen von zuhaus'.

**

Weiße Rosen aus Athen

sagen Dir: "Komm recht bald wieder"

Sagen Dir: "Auf Wiederseh'n",

weiße Rosen aus Athen

 

Auf Wiederseh'n! Auf Wiederseh'n! Auf Wiederseh'n!

 

 

 

 نزار سرطاويقصيدة: أعمال منزلية

للشاعرة مها العتوم

ترجمة: نزار سرطاوي


Household Chores

Maha Alautoom

Translated by Nizar Sartawi

  

So scared you are of the morning light

and gossip of the night        

afraid that your heart

may stop between them

like a wall clock

 

With a song

you walk the day

With modern poetry about love

your household chores

move at a faster pace

your singing grows louder

the dishes and your backache

all sink in your song

and longing floats

 

You don’t ascend up to the river

 

I wear a long dress

I need to stretch myself within you

and be drenched

 

Your voice is coming out from the hearts

of all the women who have piled up inside you

Some eyes are windows

but the meaning lies in the glances

 

The day hammers its nails into your hands

You wait for a messenger

to pull the gravity out

of a body that has turned into a land

At night when all ha slept 

it flies

becoming

a heaven for a soul and a female

***

3115 مها العتومأعمال منزلية

الشاعرة مها العتوم

 

تخافين ضوء الصباح

وثرثرة الليل

تخشين أن يتوقف قلبك بينهما

مثل ساعة حائط

 

بأغنية

تذرعين النهار

بشعر حديث عن الحب

تعلو وتيرة أعمالك المنزلية

يعلو غناؤك

تغرق فيه الصحون

وآلام ظهرك

والشوق يطفو

 

ولا تصعدين إلى النهر

 

ثوبي طويل

واحتاج أن أتمدد فيك

وابتلّ

 

صوتك يخرج من جوف

كل النساء اللواتي تراكمن فيك

بعض العيون نوافذ

لكنها النظرات الدليل

 

يدق النهار مساميره في يديك

وتنتظرين رسولًا

لينتزع الجاذبية

من جسد صار أرضًا

وفي الليل حين ينام الجميعُ

يطير

يصير

سماءٌ لروح وأنثى

***

 د. مها العتوم - شاعرة وأكاديمية أردنية

 

نزار سرطاويترجمة انكليزية لقصيدة:

سيدة المستحيل الاولى

للشاعر المصري عزت الطيري


The First Lady of the Impossible 

Egyptian poet Ezzat Al-Tairi

Translated by Nizar Sartawi

 

“Does she eat fava beans with oil, like me

and drink tea

stronger than night sorrows?

“Does she wake up in the morning,

go to the toilet,

and do what other women do?

“Does she get tired for a few days

during the lunar month?

“Does she ever sweat?

“And when she pours a few sweat drops

like pearls and crystals,

how do they taste?

“Do they have

musk’s savor mixed with roses’ longing?

“And if she fell into a river of pure milk,

would it turn murky?

“And if she killed someone

would the judge try her,

or would he refer the victim to forensic medicine and prove

that he was a coward,

a member of the Brotherhood... who had blasphemed,

release her

on bail of her cheek roses,

and pay her in return

for her tender feet?”

 

Said the crazy poet-boy

when he saw her

***

 3088 عزت الطيريسيدة المستحيل  الاولى

الشاعر المصري عزت الطيري

 

هل تأكل مثلى فولا بالزيت

وتشرب شايا أثقل من حزن الليلِ

وهل تصحو فى الصبح

وتذهب  للمرحاضِ

وتفعل ماتفعله النسوةُ

هل تتعب اياما فى الشهرِ العربىِّ

وهل تعرقُ

حتى لو  عرقت قطرات كاللؤلؤ والبللور

فما طعم العرقِ

وهل

يجمع مابين المسكِ و بين حنين الورد

وهل ان سقطت فى نهر حليبٍ صافٍ

هل يتعكر لون النهر

وهل ان قتلت احدا

سيحاكمها القاضى

ام سيحيل المقتول إلى الطب الشرعى  ويثبت

أن المقتول جبانٌ

عضوٌ  فى تنظيم الآخوان... يسب الدينَ

ويفرج عنها

بكفالةٍ ورد الخدين...ويمنحها مالا أجرا  لحنان خطاها

**

قال الولد المجنون الشاعرُ

حين رآها

 

3072 روبرت بلايبقلم: روبرت بلاي

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 حديث مع الروح

قالت الروح: "هاتني شيئا انظر اليه."

فأعطيتها مزرعة. قالت:

"انها اكبر مما يلزم." فأعطيتها حقلا.

جلسنا كلانا.

 

أحيانا اعشق بحيرة او كوز صنوبر.

لكنها أكثر ما يروق لي.

كانت تعرف ذلك.

وتقول: "واصل الكتابة."

 

ففعلت.

كلما كان الثلج يسقط مجددا، كنا نتزوج ثانية.

كان الموتى المقدسون يجلسون جنب فراشنا.

استمر ذلك لسنين.

 

قالت: "هذا الحقل يصبح اصغر مما يلزم،

الا تعرف أحدا آخر

كي تعشقه؟"

ماذا كنت انت ستقول لها؟

***

..................

روبرت بلاي: شاعر وكاتب وناشط أميركي من مواليد ولاية منيسوتا عام 1926 لوالدين من أصول نرويجية. تلقى تعليمه في كلية القديس اولاف وجامعة هارفرد ثم بجامعة ايوا. حصل على منحة فلبرايت للسفر إلى النرويج لغرض ترجمة الشعر النرويجي إلى الانكليزية فاطلع على شعراء عالميين لم يكونوا معروفين في الولايات المتحدة حينها مما دفعه لتأسيس مجلة لترجمة الشعر العالمي وتقديمه للجمهور الأميركي. ارتبط اسم بلاي بـ (حركة الشعراء الأسطوريين الرجالية) التي بدأها مع مجموعة من الشعراء بعد نشره عام 1990 أهم مجموعاته الشعرية وأوسعها انتشارا (جون الحديدي: كتاب عن الرجال). كما أسس عام 1965 جمعية (شعراء أميركيين ضد حرب فيتنام). نشر العديد من المجموعات الشعرية نذكر في أدناه بضع عناوين منها: (صمت في الحقول الثلجية)1962؛ (الضوء حول الجسد) 1967 (حازت على جائزة الكتاب الوطني)؛ (عجوز يفرك عينيه) 1974؛ (الوقوع في غرام امرأة في عالمين) 1986؛ (تأملات في الروح النهمة) 1994؛ (تناول عسل الكلمات: قصائد جديدة ومختارة) 1999؛ (دافع السفر لمسافات طويلة) 2005 و (التحدث في أذن حمار: قصائد) 2011.

 

 

3073 Melanie Márquez Adamsبقلم: ميلاني ماركيز أدامز

ترجمة: صالح الرزوق


 دون أي علامة تدل على الدهشة وبطريقة روتينية سألتني: “ما اسمك الحقيقي؟”. كانت تتحرى عن اسمي غير الزائف.

أجبت بصوت يشوبه الخوف: ”لم أفهم مغزى السؤال”. حينما كنت في الجامعة كانت القوانين تتجدد باستمرار لضبط النشاط الجامعي على الأرض الأمريكية.

ابتسمت. وظهر صف من الأسنان الحليبية في فمها والتي غطى عليها لونها الأبيض الشبيه بلون مصاص دماء. ثم قالت:”خلاصة الموضوع.. أن الطلاب الأجانب ينتقون بالعادة اسما أمريكيا لأنه.. حسنا، كما تعلمين، الأسماء الحقيقية يصعب لفظها”. ابتسمت بالمثل. لم تكن هذه أول مرة لي أقابل فيها شخصا لا يترك لديك انطباعا أنه يشبه ميلاني. ولن تكون آخر مرة.

قلت: “معك حق. هذا تفسير معقول”. وأومأت بالموافقة، ربما بكثير من التعاطف. وتابعت:”لكن في حالتي هذا هو اسمي الفعلي”. وأشرت للبطاقة الموشكة على السقوط من باب غرفة النوم: وكانت عاصفة من الفراشات الزرق تحيط بالاسم المكتوب.

قالت: “بالواقع حينما كنت شابة، لم يكن بعض الشباب في بلدي يعرفون كيف يلفظون اسمي”.

غطت فمها بيمناها وهي تضحك وقالت:”آه. غريب. حقا”. واهتز كتفاها، وأضافت ذقنها المدببة لمسة شريرة على مظهرها. حينما كنت أدور في أرجاء مطبخك الضيق، منهكة القوى، والجوع ينهش مني بعد الحصة المسائية، غادرت سيندي غرفة نومها وهي جاهزة لتقديم الكعك والحلوى، وهذه أشياء ضرورية وتوجد دائما في طبق من البلاستيك يشكل مركز حياتنا. سألتني كل أنواع الأسئلة عن بلدي الأصلي. وكانت تريد أن تعلم كل شيء عن الطقس والطعام والموسيقا. وكانت تريد أن تسمع أخبار الناس الذين يعيشون في تلك الزاوية من العالم. كيف هو شكلهم. ماذا يفعلون. “لا بد أن الحياة أكثر مدعاة للإثارة هناك”. وكان بريق عينيها وأنا أكلمها عن الإكوادور مثل ما تراه لدى طفل يكتشف للتو سلسلة أفلام كرتونية بالتلفزيون.

لم تغادر سيندي بلدها أبدا. ولم تبتعد لمسافة تزيد على الولايات المجاورة لتينيسي. وكان افتتانها بالغرباء قد بدأ في مدرسة ريفية صغيرة، وهناك زاملت الطلاب أعضاء بعثات التبادل سواء هم من إفريقيا أو آسيا. وتعلقت بهم منذ تلك الفترة. وكلما تكلمت عن أولاد البعثات، يغطي عينيها الضباب، وتسبح غيوم على صفحة وجهها كما تطير الغيوم في السماء الزرقاء. وقد تأثرت في أول مرة بهذه التعابير التي تدل على الألم الواضح وسألتها هل توفي أحدهم لا سمح الله. مسحت الزوايا الداخلية لعينيها بأصابع وردية وقالت:”لا. لم يحصل. ينتابني الحزن فعلا كلما تكلمت عنهم. فهم طيبون جدا”.

وذكرتني بفتاة صغيرة شاهدتها في فيلم في إحدى المناسبات، وهي تبكي بشدة بسبب جراء صغيرة ووسيمة أرادت أن تحتفظ بها. ولكن للأسف أبعدوها عنها بعد فترة قصيرة، حينما بدأت تشعر نحوها بغرام حقيقي.

لم أكن قد قابلت الكثير من الناس، ولذلك أنفقت معظم وقتي مع سيندي. كنا نذهب للتسوق في المجمع الوحيد في المدينة أو في وولمارت. وأحيانا نتجول بالسيارة دون اتجاه، ونتحرى الجبال بحثا عن منطقة مناسبة للتسلق. في مساء ربيعي بارد تمشينا تحت ظل الصنوبريات والقيقب المتشابكة حولنا مثل أصدقاء. وأطربني قفزات السناجب في كل مكان، وسألت سيندي أن تتخيل أننا وسط مسرحية سحرية: السناجب الصاخبة تتحول إلى إغوانا طويلة وجميلة وتستلقي في الشمس عوضا عن أن تركض حولنا مثل المجانين.  وقلت لها: “هل يمكن أن تتخيليها يا سندي؟”. هزت رأسها وتوقعت أنها تتخيل ذلك بتفاصيله. تابعت:”حسنا. أنت الآن في مدينتي: غواياكويل”. واتسعت حدقتاها بشكل بالون أزرق منفوخ. لم يكن من السهل أن أترك تأثيرا بواسطة الحكايات على أحد.

دعتني إلى الكنيسة يوم الأربعاء. قلت لها دون أي اعتبار لدواعي التهذيب: إنني لا أستطيع تحمل الطقوس ما عدا يوم الأحد. وأضفت: حسنا. ليس كل يوم أحد. بل أحيانا. وامتنعت عن إخبارها بمخاوف بسيطة تنتابني: أنني أفكر حينما أكون في الكنيسة الإصلاحية بمعجنات التوت البري والكعك المحشو بالجيلي، وأتخيل أنه في داخل تجويفها الطري أجهزة إنذار، الغاية منها الكشف عن الكاثوليك الدخلاء. وفي الدقيقة التي أدخل بها من الباب، تنطلق صفارة إنذار، ويضيء بوجهي ضوء مبهر، وسرعان ما يأتي قس من المقصورة ليرافقني لخارج البناء. وما أن نصبح في الخارج يخبرني أن صورتي - وروحي المتلهفة، لن ينعما بالجنة أبدا.

وتصر قائلة:”ولكن الليلة الكنيسة محجوزة للجامعة. ولن تعقد أية طقوس. وستشعرين بالمرح والتسلية”. لم أكن أعتقد أن الكنيسة تبعث في الإنسان المرح، ومع ذلك لم أتمكن من أن أقول لها كلا، وعلنيا، أمام وجهها الحزين والرقيق الشبيه بوجوه القطط الصغيرة. تقدمنا عبر مدرج واسع، مليء بالمراهقين بأعمار عشرين عاما تقريبا. وكان على الخشبة، شابان ليسا أكبر بالعمر من المشاهدين، ويعاركان كل أنواع الأدوات والأسلاك. وقبل أن أسأل هل نحن في الكنيسة أم في مسرح موسيقا، خيم الظلام علينا: واشتعلت أضواء النيون على الخشبة واندلعت أصوات موسيقا عالية ورنات غيتار كهربائي. ارتفعت الأيدي وأغمضت الأعين، وكانت سيندي تتمايل ببطء على نغمات معزوفة “كيف هو يحبنا”. كانت النغمات آسرة والكلمات بسيطة وتقول: أستسلم للأصوات الشابة المبتهجة. والمغمورة بروح مسكرة، وخصري يتراقص بمرح وسعادة.

كنا نلتقي على الغداء يوميا تقريبا في مركز الطلبة، ونملأ الصواني بأطعمة جنوبية مشبعة بالدهون لم يكن يتوجب علي تناولها ونحن ندور حول الطاولات بحثا عن طلبة أجانب وسيمين. من بين الموجودين، سرق قلب سيندي شاب بعينه - ببشرة زيتونية وشعر أسود، ونعم، عينين سوداوين أيضا!.

وقبيل عطلة الربيع فاجأتها. تكلمت مع الوسيم الأسمر الذي أغرمت به في غرفة المحادثة بالإنكليزية. كان اسمه خافير وهو من المكسيك.

غردت تقول:”كنت أعلم أنه لاتيني. يجب أن أقابله لو سمحت”. كان يبدو أنها متلبكة ولا تعرف كيف تقرر ماذا تفعل بيديها. ودخلت في سلسلة طويلة من الكلام وخلالها عقدت يديها وأخفت بهما وجهها وأخبرتني كيف أنها كانت دائما تريد صديقا لاتينيا. سألتها بفضول وتحير:”لماذا يا سيندي؟”.

عضت شفتها الرقيقة وقالت: ”هم مثيرون للغاية ورومانتيكيون”. وصمتت تفكر ماذا تقول لاحقا. ثم أضافت: ”لا يوجد تفسير لذلك. لا أعلم السبب بالضبط... الشباب البيض مضجرون!. أريد شيئا مختلفا، هل تفهمينني؟. أبحث عن عاطفة!”. ولمعت الموجات الفيروزية في عينين ممتلئيتين بالاحتمالات.  وحينما كنت أتلصص على صورها المنشورة في الفيس بوك بعد سبع سنوات، لاحظت أن سيندي مخطوبة لشاب هو نسخة من أخيها. وأفترض أن فانتازيا الصديق اللاتيني لم تجد نهايتها السعيدة. وكذلك صداقتنا. فقد أنهكتها الاحتكاكات نتيجة الاشتراك بشقة واحدة. وربما هو الفارق بالعمر أو ربما أن بعض الصداقات يجب أن تنتهي مع آخر يوم دوام في المدرسة.

غالبا كنت أفكر بتلك الأيام البسيطة التي أنفقتها برفقة سيندي، ونحن نتجول بين الجبال والغابات لاكتشاف محيطنا الجديد. وأعتقد أنها أخبرت أصدقاءها عن صديق أجنبي شاركته المسكن: صديق جاء من مكان غريب وبعيد. كانت عيناها تلمعان بلون البحيرات التي تسكن بين هذه التلال الهادئة التي لا أسميها بلدي. ثم خيم عليهما لون ذهبي متورد مثل مغيب الشمس: من جراء ذكرياتنا عن السناجب والغوانا والأصدقاء اللاتينيين.

***

 

............................

ميلاني ماركيز أدامز Melanie Márquez Adams كاتبة أمريكية من الإكوادور.

 

 

سوران محمدبقلم: إميلي ديكنسون

ترجمة: سوران محمد


  منع قلب من انكسار

لو أستطيع منع قلب من انكسار،

لن أعيش خسرانا؛

ولو أخفف من أوجاع  الحياة لأحد،

أو أزيل الألم عن شخص،

أو أساعد ‘أبو الحن’ المغمى عليه

وأضعه في عشه من جديد،

اذاً لن أعيش  دون جدوى.

**

 ٢

قصيرة

في هذه الحياة القصيرة التي لا تدوم سوى ساعة

كم – كم  هو قليل –  ما  في  وسعنا

 ٣

الأمل

الأمل  هو  شيء لە ريش –

يجثم في الروح –

ويغني الألحان بدون كلمات –

ولا يتوقف أبدًا – على الإطلاق –

أحلى – أن يسمع في – الريح –

والوجع يأتي أثناء العاصفة –

هذا ما يحير الطائر الصغير

الذي أبقى الكثير من الدفء –

لقد سمعته علی أبرد الأرض –

وفوق أغرب البحر –

حتى في  أشد الحال ،

لن يسألني فتات خبز.

**

 ٤

فرصة لن تتكرر

لن ترجع مرة أخرى

هذا ما يجعل الحياة حلوة جدا.

تصديق ما لا نؤمن به

لن يسعدنا.

.

لو كان الامر كذلك ، فسيكون في أحسن الحال

وضع استئصال –

هذا ما يفتح الشهية

اذاً كان العكس تماما.

***

…………

* تحليل: لأن هذا النص فيه الايجاز والاختزال والقفز من موضوع لآخر في الابيات، لذا أود توضيحه باختصار: هنا في المقطع الاول تلمح الشاعرة إلی قصر الحياة و هي ذات قيمة لأنها لن تتكرر مرة أخرى، لذا من المفضل أن نتفاءل بعد القيام بدورنا بأحسن وجه و بذل الجهود لبلوغ المرام فيها، وان التصديق على شيء لا نٶمن به لن يفيدنا.. وفي المقطع الثاني تشجع الشاعرة من لا يٶمن بالحياة الاخرى باستئصال الشكوك من جوفه كالذي يستأصل مرضا من جسمه من أجل علاج الباقي، وهكذا الإيمان بالآخرة يفتح الشهية ويملأ النفس صبرا وسلوانا وشوقا وبهجة للحياة السرمدية، لأن الروح لن تموت، بل تنتقل من وضع إلى آخر وهكذا نتخلص من خداع النفس كذلك. (المترجم)

*  ولدت إميلي ديكنسون عام ١٨٣٠، وهي واحدة من أشهر الشعراء الأمريكيين في كل العصور. ومع ذلك ، لم تبلغ شهرتها العامة ذروتها إلا بعد وفاتها في عام ١٨٨٦. حيث نشرت بعد وفاتها مجموعتان من أعمالها في عامي ١٨٩٠و ١٩٥٠.

 **  لم تضع الشاعرة في حياتها أي عنوان لقصائدها، لذا قام البعض بوضع السطر الأول کعنوان لها، لكنني عصرت زبيب المعنى وجعلت عناوين النصوص كلمات قلائل. (سوران)

*** المصادر/

1-The Complete Poems of Emily Dickinson by Emily Dickinson, Thomas H. Johnson.

2- Emily Dickinson – Wikipedia

 ...........................

1

If I can stop one heart from breaking,

I shall not live in vain;

If I can ease one life the aching,

Or cool one pain,

Or help one fainting robin

Unto his nest again,

I shall not live in vain.

***

2

In this short Life that only lasts an hour

How much – how little – is within our power

***

3

That it will never come again

Is what makes life so sweet.

Believing what we don’t believe

Does not exhilarate.

That if it be, it be at best

An ablative estate —

This instigates an appetite

Precisely opposite.

***

4

Hope” is the thing with feathers –

That perches in the soul –

And sings the tune without the words –

And never stops – at all –

And sweetest – in the Gale – is heard –

And sore must be the storm –

That could abash the little Bird

That kept so many warm –

I’ve heard it in the chillest land –

And on the strangest Sea –

Yet – never – in Extremity,

It asked a crumb – of me

 

 

بهجت عباسإغنية ألمانية مُترجمة شعراً مُقفّى

ترجمة: د. بهجت عباس

....................

(أيّامٌ خلت)

كان ذلك عام 1962 عندما حصل على زمالة من خدمة التبادل الجامعي الألماني

  Deutscher Akademischer Austausch Dienst (DAAD)  فكانت نقطة التحول في حياته.

وطئت قدماه أرض ألمانيا أول مرة قبل 47 سنة قادماً من بلد يختلف تماماً . ذهل وأخذه الطرب، فقد كانت هذه الأمنية تعيش في ذهنه اعواماً . كان أول ما سمعه في أماكن الطرب أغنيتين أعجبتاه، كانتا ذواتيْ لحن جميل وكانتا أغنيتيْ العام 1962. أولاهما :

Heisser Sand und ein verlorenes Land

Und ein Leben in Gefahr.

رمل حارّ وأرض ضائعة

وحياة في خطر!

وثانيتهما :

Eine Rose aus Santa Monika

وردة من سانتا مونيكا*

...................

الأغنية نثراً

 وردة من سانتا مونيكا

أخذها بحار معه بعيداً في البحر المترامي الأطراف

وردة من سانتا مونيكا

كلَّ يوم تقول له عـدْ إلى البيت  رجاءً .

*

أحبّـها كثيراً وحملتْ خاتمَـه،

فلـقَـدْ جعلتـه سعيداً،

كانت فاتنةً ذات جسد ممتلئ حيوية،

ولكن الفراق جاء بين عشيّة وضحاها.

*

 وردة من سانتا مونيكا

أخذها بحار معه بعيداً في البحر المترامي الأطراف

وردة من سانتا مونيكا

كلَّ يوم تقول له عـدْ إلى البيت  رجاءّ .

*

أخذت تفرّط أوراق وردة وتقول في الوقت ذاته ؛

سأنتظرك، سأبقى وفيّـة لك .

*

  وردة من سانتا مونيكا

أخذها بحار معه بعيداً في البحر المترامي الأطراف

وردة من سانتا مونيكا

كلَّ يوم تقول له عـدْ إلى البيت  رجاءّ .

***

أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2009

......................

الأغنية في شعر مقفّى:

وردةٌ مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

هام بحّار بهـــا فـي البحـر يُزجـي الفُلُكــا

وردة مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

كلَّ يومٍ ترتجيه: عُدْ إلى البيتِ وإنّي معكا

*

حملتْ خاتِمَــهُ الناطــقَ بالحبِّ الجـزيـــلِ

أسعدَتْ عاشقَها الولهانَ بالخصر النحيــلِ

فلقــدْ كانت بقـدٍّ فاتــنٍ لا مِــنْ مَــثــيـــــلِ

لكنِ الفُرقـــةُ نادتْ بعـد لـيــلٍ بالرَّحــيــلِ

*

وردةٌ مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

هام بحّار بهـــا فـي البحـر يُزجـي الفُلُكــا

وردة مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

كلَّ يومٍ ترتجيه: عُدْ إلى البيتِ وإنّي معكا

*

وردةٌ تـنـثـرُهــا قـائـلـــةً  دون اصطـبــارِ

سوف أبقــى بوفــاءٍ لكَ، إنّــي في انتظـارِ

*

وردةٌ مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

هام بحّار بهـــا فـي البحـر يُزجـي الفُلُكــا

وردة مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

كلَّ يومٍ ترتجيه: عُدْ إلى البيتِ وإنّي معكا

***

أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2021 

.....................

Eine Rose aus Santa Monica

Carmela Corren

Eine Rose aus Santa Monica

Nahm ein Matrose mit auf's weite Meer hinaus.

Eine Rose aus Santa Monica

Sagt ihm tagtäglich: "Bitte komm nach Haus."

*

Er liebte sie sehr, und sie trug seinen Ring,

Denn sie hatte ihn glücklich gemacht.

Sie war wunderschön und ein blutjunges Ding,

Doch der Abschied, der kam über Nacht.

*

Eine Rose aus Santa Monica

Nahm ein Matrose mit auf's weite Meer hinaus.

Eine Rose aus Santa Monica

Sagt ihm tagtäglich: "Bitte komm nach Haus."

*

 

Sie brach eine Rose und sagte dabei:

"Ich will auf Dich warten, ich bleibe Dir treu!"

*

Eine Rose aus Santa Monica

Nahm ein Matrose mit auf's weite Meer hinaus.

Eine Rose aus Santa Monica

Sagt ihm tagtäglich: "Bitte komm nach Haus."

***

* تقع سانتا مونيكا في أقصى الغرب، في كاليفورنيا! هذا خيال، بل محال إنْ ظنَّ أنه سيراها، هكذا قال في نفسه، ولماذا يزورها؟ ولماذا يحلم بها؟ التساؤلات كانت تدور في ذهنه، ففي الحياة ما هـو أهمّ وأجمل.3060 بهجت عباس

ساحل سانتا مونيكا – ديسمبر 2009

شغله لحن الأغنية وموسيقاها والصوت الجميل الذي تبيّـن له بعد مدة أّنّه صوت إسرائيلي لمغنية قدمت إلى ألمانيا من إسرائيل واندمجت في شعبها وغنت بلغتهم، وهي المغنية والممثلة الإسرائيلية كارميلا كورين المولودة في تل أبيب باسم (ني بيزمان) عام 1938. هذه المغنية كسبت قلوب الألمان بصوتها ولكنتها، واليهود بارعون في أساليب كسب محبة الآخرين بالتمثيل و الغناء والرقص والفنون والعلوم، فلماذا ليس العرب؟ كانت أمنيتها أن تكون راقصة ولكن حادثاً أصابها فأعاقها عن الرقص فاتجهت إلى الغناء . وبعد أن كسبت شهرة في ألمانيا وأدت مهمتها ذهبت إلى أمريكا لتعيش في ميامي (فلوريدا). الأغنية ذكرت وردة من سانتا مونيكا، فتساءل أين تقع هذه المدينة ذات الاسم الساحر؟ ولمّا بحث عنها وجدهاا تقع على خليج سانتا مونيكا في كاليفورنيا غرب مدينة لوس أنجليس التي تحيطها من ثلاث جهات، فكان حلماً أن ينعم بزيارتها لبعدها عن ألمانيا وعن وطنه الأم، العراق، ولقصوره المادّي . ولكن، وبعد مرور 47 سنة على سماع الأغنية وجد نفسه  في  هذه المدينة الجميلة التي تقع على البحر الباسيفيك، يتجول في شوارعها ومخازنها ويتناول الغداء في أحد مطاعمها ويشاهد الناس تسبح  في البحر وهم في شهر كانون الأول - ديسمبر! أمّا كيف حدث هذا ؟ فلذا قصة أخرى .

* لسماع الأغنية يرجى النقر على هذا الرابط:

Carmela Corren - Eine Rose aus Santa Monica 1962 - YouTube

  

3024 كريستينا بيراشيوبقلم: كريستينا بيراشيو

ترجمة: صالح الرزوق

معظم مقتنياته، الآن، محزومة بعلب، ومكومة في غرفة المعيشة مثل قلعة، ولم يتبق بحاجة للتوضيب غير زوايا قليلة من الشقة. ولم تكن تتوقع أن الطاولتين الجانبيتين في غرف النوم ستكونان مشكلة. قالت منهكة وبنفور لأنه رفع صوته:”ولكنهما مجموعة متكاملة”. وأشارت بيدها لواحدة ثم للأخرى، ثم عقدت يديها فوق رأسها مع تنهيدة عميقة. وأطبقت شفتيها. قال وإحدى يديه على خصره والثانية تلهو بخصلة من شعر رأسه:”لماذا لا يمكنني الحصول على طاولتي؟. أنا متمسك بها.”.  كان صوته مرتفعا لكنه هادئ ومستقر كأنه يخاطب طفلا أوشك على الانهيار. وقاطعته بصوتها المتقشف:”لا يوجد أي حكمة بتقسيم الطاولتين”. ولدغته بعينيها. وكما لو أنه خرج صفر اليدين قال:”أريد أي شيء. أي شيء من هنا أحمله معي”.تصورته في غرفته الضيقة الجديدة مع صديقة بالسرير، ونظرت للطاولة الطحلبية اللون. ربما ستلقي تلك الصديقة جزدانها على هذه الطاولة، وتسترق النظر من الأدراج حينما يكون في الحمام، ثم تسجل له رقم هاتفها في المفكرة التي يتركها دائما في آخر درج، وتكتب له:”شكرا على الليلة الطيبة”. ثم توقع باسمها تيفاني أو كانديس أو أمبير، دون أي كنية.

قالت:”يا ليسوع المسيح. أنت تتصرف كأنك لن تلتقي بي مرة أخرى. سنعيش في نفس المحلة، وسنشترك بنفس الأصدقاء”. وتحاشت النظر إليه وانحنت لالتقاط بعض حبيبات الغبار المتجمعة على أطراف الفراش. كان الحوار من النوع الذي ستندم على نصف ما خرج من فمها. حينما كانت تعمل في مكتب المحاماة، كان عليها طباعة اتفاقيات توزيع الممتلكات المنزلية. كانت تبدو لها غريبة وخاصة جدا. الزوجة تحصل على كراسي غرفة الطعام، وأثاث الاستجمام (باستثناء الأرجوحة)، وخزانة الخزف ولكن ليس الخزف. أما الزوج فيحصل على الكنبة الطويلة، وقاعة الاستجمام (باستثناء التلفزيون)، وثلاجة القبو بما تحتويه. أما بخصوص العتاد، الكراسي المطوية للضيوف، ومجموعة الشراب أو أواني الحلويات، وكراسي الجلد المتدحرجة، وكؤوس شاي الجدات، وزينة عيد الميلاد وطاولات السباحة ومكانس الهواء.

قال كأنه كان يفكر بذلك:”أليست هذه مسألة سهلة؟.نحن لدينا اثنتان منها؟”. ربما لقنه أحد الأصدقاء هذه الفكرة. ورغبت لو تلطمه. والتقطت نفسا عميقا وكان يبدو كأنها تريد أن تعلمه كيف يعقد رباط حذائه أو يجهز قطعة خبز مع الزبدة، كذبت تقول:”إن قسمناها بيننا، سيكون لون الطلاء متنافرا”. ورفعت حاجبيها للأعلى، وهمدت، وضمت فمها بشكل مستدير. وطرفت أمامه وهزت رأسها لأنه لم يكن يفهمها. وأضافت:”إذا سأحصل على قطعة أثاث خضراء محمرة مع مجموعة إكيا حتى لو لم يكن لذلك معنى على الإطلاق”.

وترك صوتها يحوم في الفراغ الفاصل بينهما مثل سحابة ضباب. وحك جسر أنفه بقفا يده ليخفي بداية ابتسامة محيرة.

*

سيذهب بعطلة نهاية الأسبوع، وينتقل إلى بيته الجديد.  وحينما تعود، لن يكون موجودا، وستكون رائحة الشقة مخضبة بعبير معجون الحلاقة وبالرطوبة، كما لو أنه يستحم. وستكون الأطباق في المغسلة وسينتابها الجوع وستأمل بوجود بقايا طعام. في إحدى المرات غادر البيت بعد عراك بسبب شخص لا تعرف كنيته. وحزم حقيبة أودع فيها بعض القمصان، وكتابا أو اثنين، وفرشاة أسنانه، وماكينة الألعاب “البلاي ستايشن”، وقد ضحكت بسببها رغم ما يجري. والآن رف الكتب فارغ تماما، وقد ترك ذلك شعورا بالحنين المرضي. لم تفكر أنها ستصل لهذه الدرجة. كان الرف ملكها، ولكن معظم الكتب له: نابوكوف وغوغول ودستويفسكي. كتب أثقلت الرف وضغطت على مقتنياتها الرقيقة وجعلتها تبدو تافهة. استقلت في النهاية برف صغير في الزاوية، وقد أضافه من أجلها دون أن تطلب منه ذلك.  وأعجبها اهتمامه بها وهو يرتب كتبها وفق النوع، ثم حسب الأحرف الهجائية. مررت أصابعها على أطراف الكتب التي تركها وراءه والمجللة بالغبار. فقد توقفا عن تنظيف الشقة منذ أسبوعين بعد الاتفاق على الانفصال. والآن قد غادر ومعه نصف مقتنياته، مخلفا وراءه فراغا قاتلا لم يبق حكمة في التنظيف؟. ودفعها ذلك للإحساس باليأس لكن بطريقة إيجابية. لم تبدل من شكل أثاث والدتها القديم بتزيينات مضافة، وكانت بقع النبيذ الأحمر تتجمع بشكل يشبه ميكي ماوس. وسمحت لبعض الطحالب الزهرية بالنمو في الحمام، وبالزحف حول المصرف وعلى الستائر. وكانت تلتصق شعرات شاربيه في المغسلة فوق معجون تنظيف الأسنان. ألقت عليها بعض الماء الحار ورشته بيدها وهي تنظف أسنانها. وكان هو يترك وراءه خطا أسود على أرض المطبخ. وحاولت أن تركع على ركبتيها ويديها ولكنها أقلعت عن ذلك وأهملته لينتشر في كل الأرجاء ويلتصق بالأرض. وأنّ رف الكتب وهي تحاول تحريكه بعيدا عن الجدار لتحمل بعض العناوين المهملة التي سقطت وراء الرف. كان عليها أن تتصرف بالنهاية. ومشطت الأدراج، وفي أعماق السقيفة، وتحت مقاعد قرب النوافذ كأنها تبحث عن القمل في رأس طفل. وبعد ذلك كان هو يدس نفسه في خزانتها، وينثر الأشياء حوله من صندوق الزينة، وأخيرا انتشر الضباب على مرآة الحمام وغطاها. وأهمل كلاهما مجموعة التسجيلات لنفس السبب. لم يكن يبدو من المناسب تحديد من يجب أن يحصل على روبيرت جونسون أو إلفيس صان. لا أحد يذكر من اشترى هذا أو ذاك. ولا من قدم هذا هدية لذاك. وما هي المقتنيات المشتركة للبيت. وتمنت لو تقرر التسجيلات مصيرها تلقائيا، وتخيلت “التعاطف مع الشيطان” و“قفي مع رجلك” تخرج من آلة التسجيل وتدخل في حقيبتها مثل ديدان زاحفة. وفي ليلة من الليالي، بعد ابتلاع عدة كؤوس نبيذ، وكيس من البوشار، وقرصين من بورغير “القلعة البيضاء” تناولتهما وهي قرب المغسلة، جلست على طرف سريرها، تتأمل طاولته الجانبية. شاهدت في الرف السفلي المفتوح كومة من الجوارب غير النظيفة، ومجلة ممزقة، ودفتر ملاحظات له لولب معدني وحواف بالية، ومصباحا يدويا مكسورا، وكيس رقائق بطاطا مفتوحا. ثم الدرج. أخذت رشفة ثانية. وحكت بقفا يدها شفتها المطلية. لوثت قشرة من الجلد المصبوغ بالأحمر القاني عقد أصابعها. لمست لسانها بطرف اصبعها وكشطت قليلا منه وألقته على الأرض. رشفة إضافية. ثم فتحت الدرج. كانت قد بحثت فيه من قبل. سواء بوجوده في الغرفة أو بغيابه. ولكن الآن كأنها تبحث في أشياء شخص غريب. اعتادت التلصص على أدراج طاولات والديها وعلى أدراج طاولة زينة أمها في فترات مبكرة من حياتها حينما كانت صغيرة، واعتقدت أنها لم تشب عن الطوق، و لا تزال هذه العادة ملازمة لها. وفي الأعلى وجدت رسالتين بخط يدها كما لو أن أحدا قرأهما للتو، وكانتا مطويتين طيات صغيرة، وهما رسالة اعتذار ورسالة مطالبة بالاعتذار. وتحتهما بطاقات عمل بالية. بعضها تعرفت عليها وبعضها لم تعرفها. وبعضها تحمل ملاحظات مكتوبة على قفاها، وغالبا هي عناوين صفحات انترنت أو كتابات سريعة، بخط  يده الرقيقة والطويلة. وبعضها بخط  لم تتعرف عليه. حينما كانا معا كانت تختلس النظر، بطريقة غريبة، وتأمل أن تشاهد رقم هاتف وبجانبه إشارات تدل على الحب والشوق. كانت الوالدة تفضل اختلاس النظر، حتى لو كشف لها ذلك شيئا. وكانت تقول: هذه هي أفضل طريقة لحماية ذاتك، ثم تنفخ الدخان وحاجباها مرفوعان مع ابتسامة مرسومة على شفتين مطبقتين. دليل على أنها امرأة صلبة وعنيدة. وبينما كانت تبحث بين فواتير الشواء وزجاجات البيرة، وبطاقات مشتريات لوازم رياضية وألعاب، لم تجد شيئا يجرمه. كان هناك كوب شخصي صغير اعتقدت أنها فقدته، ونصف سيجارة حشيش وبعض الولاعات الصغيرة التي تحصل عليها من محطات الوقود. وهناك كذلك حفنة من الواقيات الملونة المدسوسة وراء الدرج وتحمل تاريخا يرجح أنها تعود لمركز الجامعة الطبي. ومعها زجاجة تدليك للسفر. ثم صورة عارية التقطتها لنفسها وأضافتها لأشياء عيد ميلاده في إحدى السنوات.  وفكرت أن تتلف الصورة، فقد سمعت قصصا مرعبة عن أصدقاء سابقين ينشرون الصور لتشويه السمعة في مواقع إنترنت التعري. وعوضا عن ذلك طوتها نصفين ووضعتها في المعجم تحت صفحة تبدأ بكلمة “حق” فقد فتحت المعجم هكذا واعتقدت أنها كلمة مناسبة حقا. لو أراد أن يحتفظ بطاولته اللعينة، ستكون على ما يرام لأن صورتها العارية تحت هذه الكلمة. وبعد أن مسحت الزاوية بأصابعها، تقشر بعض الطلاء الطحلبي المخضر. كانت قشرة الطلاء بحجم قرش وبشكل زهرة اللبن، ضغطت عليها براحتها مستعينة بأصبعها السبابة فتبعثرت. ثم نفخت الغبار من راحتها. في السقيفة وجدت ثلاث علب طلاء صغيرة من القصدير، النوع الذي تحصل عليه من مخازن المستلزمات الثقيلة لاختبار اللون. لم يسبق لهما أن قاما بطلاء شيء. فقد كانا يأملان بالانتقال لمكان أفضل. كان لون الطلاء كريميا وترابيا وأزرق بلون مياه الخليج. وتوجد أكثر من فرشاة قاسية وإناء طلاء، ولم تجد ورق زجاج، ولكن ربما هذا ينفعها. وضعت محتويات درجها في حقيبة ظهره وجرت الطاولة إلى الصالة. في نهاية السلالم ودت لو تركل كل شيء ركلة قوية. وتراقبها وهي تهوي على السلالم وتتحطم لأجزاء صغيرة وترضي غرورها. ولكنها رفعت الطاولة بركبتها وهي تدمدم، ودفعتها نحو الممر. اللون الترابي داكن لا يسمح بظهور اللون الأخضر من تحته، ولذلك اختارته. غمست أكبر فرشاة في العلبة، وبدأ الطلاء يقطر من شعرات الفرشاة القاسية، وذكرها بطريقة تحضير حلوى التفاح. جف بسرعة وأعادت كل شيء كما كان. ألقت جوربه القذر فوق كومة من الفواتير غير المفتوحة. وبعثرت الواقيات الذكرية في الخلف وتركت عددا منها خلف الدرج وكان هناك عدد قليل منها أساسا. وألقت كمية من الخيوط المطاطية على الطاولة، وقلما بغطاء ممضوغ، وكوب الماء. وقلبت في مفكرته حتى بلغت صورة هرم مظلل وعنوان قائمة الواجبات. ومنحها اهتمامها بهذه التفاصيل إحساسا بالاعتزاز والكمال ولكنها كانت تعلم أن ما يجري مجرد جنون.

وحينما جاء كانت في السرير، جلست وتظاهرت أنها تقرأ. تخلت عن نظارتها وقالت بصوت مبحوح:”أنا هنا”. تعثر وهو يتخلص من حذائه، واعتقدت أنه مخمور. استلقى على الكنبة وسمعت صوته يبحث عن جهاز التحكم. نادت تقول:”هو بين الكنبة والأريكة”. قال شكرا. كانت قد سنت قاعدة: أن لا يوجه أحدهما أسئلة للآخر - من، ماذا، أين - ولذلك كان البدء بحوار مهمة صعبة من غير مقدمات. وهذا هو الحال في معظم الأمسيات الآن، فهما معا لكن كل منهما بغرفة مستقلة ينظر للسقف بمفرده ويثرثر مثل طفل في مخيم. وراهنا على العبارات الفجائية التي يمكن أن تتكرر على الأسماع. قال من غرفة المعيشة:”اليوم كانت الظروف أفضل. أحتاج للمزيد لأحصل على النقود”. وتابع الكلام:”لو هذا القدر، فهو القدر”. وأضاف:”حصل أن التقينا في وقت مبكر”. وبدأ يتململ بحثا عن الاسترخاء على الكنبة. ثم قال:”هذه ليلتي الأخيرة. ويمكنني الانتقال للبيت الجديد غدا”. ولم يكن من المفروض أن يصدمها كلامه لكنها شعرت به. غادرت السرير وتوجهت إلى الباب. قالت:”يمكنك أن تنام معي إن أردت. حتى لو أنها آخر ليلة لك”. نظر إليها كأنه يسأل لماذا؟. قالت:”فقط للنوم. هذا قصدي. احصل على كفايتك من النوم قبل أن تحمل أشياءك غدا”. وأرادت أن توضح ولكن انطبقت شفتاها بإحكام. انتظر دقيقة ثم تبعها إلى غرفة النوم. واحتل طرفه المعروف، وتخلى عن سروال الجينز، واستلقى بجانبها. كان حذرا، مثل تلك الإعلانات التي يظهر فيها كوب من النبيذ على الفراش. وبعد أن استقر، لف الملاءات حوله بإحكام. وابتعد عنها ولزم الهدوء وهو يحدق بالطاولة الجانبية. كان الطلاء قد جف وأصبح بلون برتقالي محمر عميق ومحروق. لون يمكن أن تجده في بيت صحراوي أو على بعض الأحجار المتكسرة بسبب اللبلاب في توسكاني.

سألها بصوت حاد:”ماذا فعلت؟”. وذكرها بصوت والدها حينما اكتشف أنها صبغت شعرها بلون قرمزي واستعملت عصير “كول إيد”.

قالت:“قمت بطلائها”. ولم يرد واكتفى بالنظر لها، كأنه يقول للم أسأل عن ذلك. تابعت:”والآن، هما غير متشابهتين ويمكن أن تحملها لبيتك الثاني. هذا لا يهمني. يمكن أن تحصل عليها”. ولم يرد. فأضافت:”لا توجد مشكلة بذلك”.

مرر يده على وجه الطاولة كأنه يريد أن يتأكد أنها هي ذاتها. وقال:”شكرا”. بصوت ناعم وبطريقة طفل يشكرك بذهول بعد تلقيه الأوامر. وتابعا الاستلقاء كل منهما بجانب الآخر. دون كلام، وأحيانا كانت تلمسه بقدمها في سمانته من تحت الغطاء. وشعرت بثقله ودفئه في السرير بجانبها واستولى عليها ذلك الشعور بالحنين مجددا.

قال والعتمة الهادئة تخيم على غرفة النوم:”أحب اللون الأخضر”.

***

 

........................

كريستينا بيراشيو Cristina Perachio: كاتبة أمريكية معاصرة شابة. حصلت على درجة الماجستير من جامعة ساذيرن مينز. تعيش مع زوجها وابنتهما في ساوث فيلادلفيا.

 

 

3020 تشارلز سيميكبقلم: تشارلز سيميك

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


  الشوكة

لا بد ان هذا الشيء الغريب قد خرج

زاحفا من الجحيم.

انه يشبه قدم طير

يرتديه آكل لحوم بشر حول عنقه.

 

وانت اذ تمسكه بيدك،

وتطعن به قطعة لحم،

يمكن تخيل بقية الطير:

رأسه الذي يشبه قبضتك

كبير، اصلع، بلا منقار، وأعمى.

***

 

......................

تشارلز سيميك: شاعر ومترجم وكاتب مقالات أميركي من أصل صربي ولد عام 1938 في مدينة بلغراد بيوغوسلافيا السابقة. عاش سنين الكارثة التي حلت بأوربا خلال الحرب العالمية الثانية وهاجر بعدها في سني مراهقته إلى أميركا ليصبح واحدا من أبرز شعرائها المعاصرين. نشأ في شيكاغو وتلقى تعليمه في جامعة نيويورك ويعمل حاليا أستاذا للأدب الأميركي والكتابة الإبداعية في جامعة نيوهامبشير، ومحررا لمجلة (باريس ريفيو) بالاشتراك مع الكاتبة والشاعرة ميغان أورورك. نشر سيميك أولى قصائده عام 1959 ولكنه بدأ مسيرته الأدبية مع أول مجموعة ظهرت له عام 1967 بعنوان (ما يقوله العشب) وسرعان ما جذب المزيد من الاهتمام النقدي وخصوصا عند نشره قصائد له بالانكليزية وترجمات شعرية لشعراء يوغسلاف. نال شعره جوائز عديدة منها جائزة البوليتزر لعام 1990 عن ديوانه (العالم لا ينتهي: قصائد نثر) وجائزة والاس ستيفنز عام 2007. وانتخب لمنصب شاعر الولايات المتحدة عام 2007. من عناوين مجموعاته الشعرية: (تعرية الصمت) 1971، (مدرسة لأفكار سوداء) 1978، (أغاني بلوز لا تنتهي) 1986، (أرق الفنادق) 1992، (عرس في الجحيم) 1994، (اصطحاب القطة السوداء)) 1996، (نزهة ليلية) 2001، و(ستون قصيدة) 2008.

 

3007 pelevinبقلم: فكتور بيلفين

ترجمة: صالح الرزوق


 كان الشارع العريض والبيوت الواقفة على طرفيه مثل الفك السفلي لبلشفي عجوز تقدم بالعمر، وعاش حتى عاش في ظل الديمقراطية. كانت البيوت القديمة من العهد الستاليني - عالية على شاكلة ضرس العقل الذي يغطيه القلح، نتاج عدد طويل من السنوات المتتالية وتدخين تبغ رديء وخشن. هذه البيوت، رغم كل حسناتها تبدو ميتة ومستسلمة، ويمكن القول إنها فقدت عاطفتها بسبب محتوياتها السامة. والأماكن التي تعرضت فيها بيوت العهد السابق للهدم كانت تحمل الآن بقايا ناتئة ومضرة بالبصر تخلفت عن تكديس شقق من ثماني طوابق. باختصار هي مشهد كئيب. والبقعة المضيئة الوحيدة التي تعاند هذه الخلفيات المزعجة هي مركز تجاري بناه الأتراك، وقد جعله شكله الهرمي مع أضواء النيون البراقة يشبه نابا ذهبيا عملاقا تغطيه نقاط من دماء طازجة. وفي السماء كان القمر المنير مشرقا وساطعا ويشبه ضوء طبيب أسنان مرفوع فوق حامل طويل يلقي كل نوره على فم المريض.

سأل بيوتر بيتروفتش وهو ينظر لزميله الصامت:”بمن تثق، بمن تثق؟ أنا حاليا رجل بسيط، وربما مغفل. سطحي وساذج. كما تعلم أصدق كل شيء أقرأه في الصحف”.

رد صديقه بصوت منخفض:”الصحيفة؟”. وعدل من وضع القبعة السوداء التي تغطي رأسه.

قال بيوتر بيتروفتش:”نعم. الصحيفة. أي صحيفة. ولا يهم اسمها. أكون على متن قطار الأنفاق، وأجد بجانبي رجلا جالسا ويقرأ، فأميل قليلا، وأسترق النظر، وفورا أومن بما أقرأ”.

“تؤمن بما تقرأ؟”.

“نعم. مهما كان. ربما باستثناء الإيمان بالله. تأخر الوقت لأومن بالرب. وإن آمنت به فجأة سيبدو الأمر كأنه نفاق. طوال عمري أنكرت الله، وحينما اقتربت من الخمسين بدأت أشعر به على نحو من الأنحاء؟. من أجل أي هدف أنا أعيش إذا؟. ولكن وجدت الحل بالإيمان بـ “هيربا لايف”* (*شركة منتجات غذائية) أو بالسلطات المختصة”.

سأله زميله:”لماذا؟”.

فكر بيوتر بتروفتش:”يا له من ذل. إنه لا يتكلم لكنه ينق. لماذا أنا صريح ومنفتح معه؟. حتى أنني لا أعرفه”.   وتابعا المسير بصمت لبعض الوقت، أحدهما وراء الآخر، بخطوات خفيفة، وأحد اليدين تتحسس الجدار طوال الوقت. أخيرا قال بيوتر بتروفيتش:”سأخبرك لماذا. كما لو هناك شيء يحتفظ بك على متن الحافلة. ولا يهم ما هو ما دمت لا أسقط منها. هذا يشبه قول الشاعر: - أن تتابع التقدم في الليل البهيم، تنظر بأمل من ثقب أسود في النافذة -. وها أنت، ربما تنظر لي وتقدح زناد أفكارك وتقول: أنت رومنسي ضمنيا وقلبيا، هل أنت كذلك يا صاحبي، حتى لو أن هذا لا يبدو عليك بوضوح في الظاهر - حسنا، أنت منهم، أليس كذلك؟”.  

اختفى شريكه في أول منعطف وغاب عن بصره. وشعر بيوتر بتروفيتش أن أحدا قاطعه في منتصف عبارة هامة، فأسرع ليلحق به. وحينما أصبح الأحدب الأسود في مجال نظره مجددا، شعر بالطمأنينة وفكر دون أي سبب أن القبعة المدببة جعلت منظر شريكه شبيها بكنيسة محترقة.

همهم الأسود بهدوء:”كم أنت رومنسي رقيق يا صاحبي”.

واعترض بيوتر بيتروفتش بحرارة:”أنا لست رومنسيا. بالحقيقة يمكن أن تصفني بصفة معاكسة تماما. أنا رجل عملي جدا. لا أهتم إلا بالعمل. ونادرا ما أتذكر لماذا أنا أعيش. بالتأكيد ليس من أجل هذا العمل، اللعنة عليه - ليس من أجله، ولكن هكذا”.

“هكذا؟”.“ربما هكذا يمكنني أن أخرج في المساء وأتنفس الهواء بعمق وأشعر أنني جزء من الكون، ورقة أعشاب مغمورة بالإسمنت، يمكنك أن تقول ذلك - ومن المؤسف أنني لا أرى الجوهر الفعلي في هذه الأيام. ربما بسبب ذلك هناك”. 

رفع يده وأشار للقمر الهائل الملتهب في السماء، ثم أدرك أن شريكه يمشي أمامه ولا يمكنه رؤية إشاراته. ولكن لا بد أن لدى شريكه شيئا ما مثل عين في خلف رأسه، لأنه قلد إشارة بيوتر بتروفيتش بنفس الوقت تقريبا، ومد ذراعه بنفس الطريقة تماما.

قال بيوتر بتروفيتش:”في وقت مثل هذا أسأل نفسي ماذا أفعل في كل ما تبقى من وقت في حياتي. ولماذا نادرا ما أشاهد كل شيء بنفس الطريقة إذا؟. ولماذا أتمسك بنفس الخيار، وأجلس في غرفتي وأنظر بأحلك الزوايا؟”.

ومنحت بيوتر بتروفيتش هذه الدقة المبالغ بها في كلماته الأخيرة طمأنية مريرة. ولكنه تعثر، فلوح بذراعيه فوق رأسه في الفراغ، وغاب موضوع الحوار من رأسه. احتفظ بتوازنه بطريقة القرد حينما يدور حول نفسه، واستند على الجدار بيد واحدة، بينما طرقت يده الأخرى زجاج نافذة قريبة منه وربما كسرته. من الجهة المقابلة للنافذة توجد غرفة صغيرة يضيئها النور الأحمر الذي نستعمله ليلا. ولذلك كانت تبدو كأنها شقة اجتماعات - فالأثاث يتضمن ثلاجة، ونصف سرير مخبأ بخزانة، ولا يمكن رؤية النائم باستثناء الساقين العاريتين الرفيعتين. حدق بيوتر بتروفيتش بالجدار الذي يعلو الضوء الليلي، والمغطى بعدد كبير من الصور. بينها صور عائلية، صور أطفال ويافعين ورجال مسنين، وعجائز، وكلاب. وفي المنتصف تماما صورة لحفل تخرج من أحد المعاهد، ويحيط بالوجوه أشكال إهليلجية بيض، لتبدو اللوحة كلها مثل علبة بيض مقسومة نصفين. نظر بيوتر بيتروفيتش لأحد النصفين، وشاهد في الشكل البيضاوي رجلا يبتسم له. لكنه كان بوجه أصفر بسبب مرور الوقت. كانت كل الصور قديمة، وتنشر رائحة قوية تدل على حياة منتهية، فشعر بيوتر بيتروفتش بالغثيان. وفورا ابتعد عن المكان وتابع مسيره.

قال بعد عدة خطوات:”نعم، نعم. أعلم ماذا تريد أن تقول: من الأفضل أن تلزم الهدوء. بالضبط. هذا درس نتعلمه من الحياة. ببساطة نحن نفقد القدرة على رؤية أي شيء آخر يدور حولنا باستثناء صور الماضي المجلل بالغبار المعلق بالفضاء. نحن ننظر إليها بعمق وتركيز. ثم نتساءل لماذا تحول العالم المحيط بنا إلى كومة نفايات. ولاحقا حينما يسطع القمر، تفهم فجأة أن العالم غير ملوم، بل أنت من تبدل، ولا تعلم متى ولا لماذا”.

خيم الصمت. وتأثر بيوتر بيتروفيتش كثيرا بما شاهد في الغرفة، ولا سيما الوجوه المصفرة المتخثرة. واستغل الظلام وعدم ملاحظة أحد له، ومد لسانه من فمه وقطب وجهه حتى جحظت عيناه، وتحول وجهه لما يشبه قناعا إفريقيا - وأنقذه هذا التصرف للحظات قليلة من ملله المفاجئ. وتلاشت الرغبة بالكلام فورا - والأسوأ من ذلك، كان الأمر كما لو أن الحوار الطويل أضاءه فقط النور الأحمر الخامد الصادر عن المصباح الليلي، وبدا أنه غبي ولا ضرورة له. نظر بيوتر بيتروفيتش لزميله، معتقدا أنه محروم من الذكاء وبمقتبل شبابه.

قال بنبرة بالغة التهذيب:”لا أفهم تماما عما نتكلم الآن”.

لم يرد شريكه. اقترح بيوتر بيتروفيتش:”ربما من الأفضل أن نلزم الهدوء لبعض الوقت؟”.

همهم زميله:”لنلتزم الصمت”.

2

كلما ابتعد بيوتر بيتروفيتش وشريكه، كلما زاد جمال وغموض العالم المحيط بهما. لم يكن هناك حاجة للكلام مطلقا. وكان الطريق الضيق تحت أقدامهما يلمع بضوء القمر. والجدار الذي لا يكف عن تبديل لونه رسم أحيانا خيال كتفيهما، أحيانا الكتف الأيسر، وكانت النوافذ التي يمرون بقربها معتمة، تماما مثل النوافذ التي ورد ذكرها في قصيدة بيوتر بتروفيتش. وفي بعض الأوقات كان عليهما الصعود على سفح التلال، وفي أوقات أخرى العكس تماما. الهبوط على السفوح. وباتفاق غير مكتوب كانا يتوقفان فجأة وينتظران بالمكان لفترة طويلة، وعيونهما تنظر لمنظر رائع. كانت الأضواء البعيدة، على وجه الخصوص، جميلة تماما. وفي عدة أوقات توقفا لينظرا لتلك المشاهد، وفي كل مرة تطول النظرات، عشر دقائق أو أكثر. وكان بيوتر بتروفيتش يفكر بأمور غامضة، تقريبا لا يمكن التعبير عنها بالكلمات. ولم يكن يبدو أن للأضواء أي علاقة خاصة بالكائنات البشرية، بل هي جزء من الطبيعة - إما تعود لمرحلة من مراحل تعفن جذور الأشجار، أو لنجوم سقطت من السماء. بكل الحالات كان الليل قاتما حقا، وقد حددت البقع الصفر والحمر، التي تنطبع على الأفق، لحد ما أبعاد العالم المحيط بهما - ولولاها لن يجدا طريقة لمعرفة اتجاه تطور الحياة، أو إن كانت الحياة موجودة أصلا. وفي كل مرة كان يخرج من أفكاره لدى سماع صوت خطوات شريكه. وكلما تابع شريكه التقدم على الطريق، يستيقظ بيوتر بتروفيتش من تأملاته ويسرع خلفه. وحالا ينسى الصور التي رآها من النافذة، ويتناقص وزن قلبه وتغمره السعادة، ولكن الصمت يقلقه. فكر بيوتر بتروفيتش:”هناك شيء آخر. أنا لا أعرف اسمه. يجب أن أسأل”. وانتظر لحظة ثم سأله بتهذيب:” هممم. جاءت بذهني فكرة. نحن معا، نمشي كل هذا الوقت ونتبادل الكلام، ولكن لم يقدم أحدنا نفسه للآخر”.

لم يرد زميله.

قال بيوتر بتروفيتش بنبرة مصالحة حينما مر وقت كاف ليتأكد أنه لن يحصل على إجابة:”ولكن طبعا، ما هو الاسم. إنه. مجرد صوت لا معنى له - بالنهاية إن كانت المعرفة متبادلة بين اثنين، لن يكون هناك شيء لتتكلما عنه. وستواصل التساؤل كيف يفكر بك، وماذا يقول عنك. ولكن إن كنت لا تعرف مع من تتكلم، يمكنك أن تقول أي شيء. الفرامل لا تعمل. كم مضى علينا ونحن نثرثر، حوالي ساعتين، أليس كذلك؟. وانظر، أنا من أحرك لساني كل الوقت. لكن بالعادة أميل للصمت، والآن أشعر كأن السد انهار. وربما لا أبدو بناظريك ذكيا، مع ذلك أنا أصغي لنفسي كل الوقت، ولا سيما قرب التماثيل، هل تذكر؟. حينما كنت أتكلم عن الحب - وحينما أصغي لنفسي تصيبني الدهشة. هل حقا أنا خبير بالحياة كل هذا القدر؟”.

رفع بيوتر بتروفيتش وجهه نحو النجوم وتنهد بعمق، وبدا أن وجهه مغطى بخيال جناح غير مرئي يأتي من ابتسامة غير واقعية طارت من قربهما. وفجأة لمح حركة غير محسوسة تقريبا على يساره، واهتزت ثم خمدت.

نادى زميله همسا:”هيي. توقف. اهدأ. أنت تخيفه. أعتقد أنه قط - نعم، هو هناك. هل تراه؟”.

استدار بقبعته نحو اليسار، ولكن رغم كل جهوده فشل بيوتر بتروفيتش مجددا ولم يشاهد وجه رفيقه الذي نظر كما يبدو بالاتجاه الخاطئ.

همس بيوتر بتروفيتش بيأس:”هناك. انظر. حيث توجد القارورة؟. نصف ياردة نحو اليسار، لا يزال يحرك ذيله. لنعد حتى ثلاثة. استدر لليسار. وأنا سأذهب لليمين. مثل المرة الماضية”.

هز زميله كتفيه بلا اهتمام، ثم أومأ مضطرا.

عد بيوتر بتروفيتش:” واحد. اثنان. ثلاثة”. وألقى ساقيه فوق الحاجز الحديدي المنخفض الذي يلتمع ببلادة في ضوء القمر. وتبعه زميله مباشرة، وانطلقا للأمام. والله يعلم كم مرة شعر بيوتر بتروفيتش بالسعادة في تلك الليلة. والآن غمرته السعادة أيضا، وهو يركض تحت السماء السوداء، حرا من كل الحسابات ومصادر العذاب، واختفت فجأة كل المشاكل التي حولت حياته لجحيم قبل يوم أو يومين، وحتى لو رغب أن يتذكرها لن يجد شيئا في منها في ذهنه. عبرت ثلاثة ظلال على سطح أسود تحت قدميه - أحدها داكن وقصير، وألقاه القمر، والآخران، غير ثابتين ولا منتظمين، ورسمتهما منابع ضوء مختلفة، ربما كانت تنسكب من النوافذ. وحينما ذهب بيوتر بتروفيتش يسارا زميله يعدو يمينا. وحينما أصبح القط بينهما في مكان ما، التفت نحوه وأسرع من خطواته. أما الشخص المعتمر بقبعة سوداء فقد قام فورا بمناورة مماثلة - وأصبحت حركاتهما متزامنة جدا وشعر بيوتر بتروفيتش بخبطة من شيء غامض معلق، ولكن لم يكن لديه وقت للاهتمام به. كان القط يجلس بنفس المكان، وهذا شيء غريب، لأنهما بالعادة لا يسمحان لأحد بالاقتراب لهذه الدرجة. مثلا آخر قط، القط الذي طارداه قبل أربعين دقيقة، حتى ابتعد عن التماثيل، لم يسمح لهما بالاقتراب لمسافة عشر ياردات. وشعر بيوتر بتروفيتش بخدعة ما، فأبطأ بمشيه. ثم توقف عن التقدم تماما. واحتفظ بمسافة تقدر بعدة خطوات من القط. وكرر شريكه كل حركاته وتوقف بمكانه تقريبا بنفس اللحظة، على مبعدة ثلاث ياردات. ومن هذه المسافة، تبين لبيوتر بتروفيتش أن ما حسبه قطا، هو في الحقيقة حقيبة بلاستيكية رمادية لها يد ممزقة وكانت تتأرجح مع الريح - وهو ما خيل له خطأ أنه ذنب. ووقف شريك بيوتر بتروفيتش بمواجهته، ولكن بقي وجهه الحقيقي مخفيا - فالقمر كان يسكب نوره في عيني بيوتر بتروفيتش، وكل ما تمكن من رؤيته هو الخيال المدبب الداكن المألوف. مال بيوتر بتروفيتش للأمام (وانحنى شريكه للأسفل بنفس اللحظة، وتقريبا ارتطم رأساهما) وجر الحقيبة من زاويتها (أما شريكه فقد جر الزاوية المقابلة). وتأرجحت الحقيبة بينهما، وسقط منها شيء طري وتكوم على الإسفلت. وكان عبارة عن جثة قطة ميتة نصف متعفنة. قال بيوتر بتروفيتش وهو يلتفت بعيدا:”إع. يا لها من نفايات متعفنة. كان علينا أن نخمن”.

وردد شريكه:”كان علينا أن نخمن”.

قال بيوتر بتروفيتش:”دعنا نبتعد”. وأسرع باتجاه الحدود القصديرية المحيطة بالحقل المسود.

3

تابعا المشي صامتين لعدة دقائق. وكان الظهر الداكن يتأرجح أمام وجه بيوتر بتروفيتش مجددا. والآن فقط أمكنه أن يتأكد أنه ظهره، وليس صدره. وليساعده بتجميع أفكاره، أغلق عينيه بنصف إغماضة ونظر للأسفل. وكل ما شاهده مجرد خط من الفضة يمتد تحت قدميه. وهدأه مرآه ونومه مغناطيسيا لحد ما. وبالتدريج غمر وعيه وضوح غير تام، وبدأت أفكاره تتسارع في ذهنه تلقائيا - أو على الأرجح، كانت فكرة منفردة متكررة عن الزمن الماضي الذي اعتدى عليه وأحكم قبضته على خناقه.

وتساءل بيوتر بتروفيتش:”لماذا يكرر دائما حركاتي؟. وكل شيء يقوله هو صدى لآخر عبارة نطقت بها. هو يتصرف بالضبط مثل خيال منعكس. ولكن حولنا الكثير من النوافذ!. ربما هو مجرد وهم بصري، ولأنني منفعل قليلا، يبدو لي أنه يوجد اثنان منا؟. في النهاية العديد من الأمور التي آمن الناس بها في بعض الأوقات يمكن تفسيرها بالوهم البصري. وتقريبا هذا ينطبق على كل شيء في الحقيقة”. وأسعدت هذه الفكرة على نحو غير متوقع بيوتر بتروفيتش وعززته بالثقة. وفكر سرا:” إنه ضياء القمر. انعكاس الضوء من نافذة على أخرى بالإضافة لتلك الرائحة الزهرية المعطرة - ويجب أن لا ننسى أننا الآن في تموز - الزهور يمكنها أن تخلق هذا التأثير. كلامه هو مجرد صدى بسيط، صدى ساكن وهادئ. وطبعا هذا يفسر كل شيء!. هو دائما يكررالكلمات التي نطقت بها للتو”. 

ألقى بيوتر بتروفيتش نظرة على قفا الشخص الذي يتأرجح بانتظام أمامه.  وتابع سيل أفكاره:”أضف لذلك أنني قرأت بعدة أماكن إن ضغط عليك شخص أو أحرجك بطريقة من الطرق، لن يكون على الأغلب شخصا منفصلا عنك، ولكن هذا تجريد نفسي. وحينما تهدأ بمكانك أو تقوم بتكرار أي شيء، مثلا أفعال متشابهة ليس لها معنى محدد كالمشي أو التفكير، فإن انعكاس خيالك يبدو دائما مثل تصرف مستقل. يمكن أن يكون في البداية مثل خطوة صغيرة، ولكنك لا تلاحظ. ويمكنه أن يقوم بحركات لا تعرف عنها شيئا - وطبعا شريطة أنها ليست أشياء جوهرية. وفي النهاية يمكنه أن يتمرد عليك فعلا وتعتقد أنه شيء موجود حقا، ثم ينقلب ضدك. وكما أتذكر توجد طريقة واحدة فقط للتأكد إن كان انعكاسا لخيال أم لا - عليك أن تقوم بحركة فجائية وغير غامضة أبدا، وهكذا يكررها الخيال بوضوح تام، لأنها لا تزال انعكاسا وعليه أن يطيع قوانين الطبيعة، أو على الأقل بعضها. هكذا ببساطة. يجب أن أحول انتباهه بالكلام ثم أقوم بشيء فجائي وغير متوقع وألاحظ ما يجري. يمكنني أن أتطرق لأي شيء، ما دمت لم أفكر به مسبقا”.

نظف حنجرته وقال: “شيء جيد أن تحتفظ بشفتيك مطبقتين. الاستماع فن. وأن تدفع الآخرين لكشف أنفسهم بمتابعة الكلام... يقال: الصامتون هم أفضل الأصدقاء. هل تعلم بماذا أفكر الآن؟”.

وانتظر بيوتر بتروفيتش لحظة ليسمع الرد. ولكن لم يطرق سمعه شيء، فتابع يقول:”عن أسباب حبي لليالي الصيف كثيرا. طبعا لأنها سوداء وهادئة. جميل. ولكن ليس هذا هو أفضل ما فيها. أحيانا يبدو لي أن جزءا من روحي نام فترة طويلة واستيقظ لعدة ثوان في ليالي الصيف ليتأكد كيف تتطور الأشياء بعد تبدل المكان والوقت - السماء الزرقاء المعتمة.. مع النجوم... يعني الإبهام”.

4

وسريعا أصبح من المؤكد أن متابعة المشي احتمال صعب. فقد وجدا بعد الانعطاف حول زاوية أخرى، أنهما في الجانب المعتم، حيث القمر يختفي وراء بيت مرتفع أمامهما. وغمر بيوتر بتروفيتش فورا التعب والتردد. وتابع الحديث، مع أن لفظ الكلمات أصبح متعبا. وبدا أن شريكه يعاني من نفس المشكلة أيضا، لأنه امتنع عن المشاركة حتى بالردود الموجزة - وكان أحيانا يهمهم بكلام غير مفهوم. وأصبحت خطواتهما أقصر وتبعث على مزيد من الحذر. وبين وقت وآخر كان شريكه الذي يتقدمه يتوقف ليتأكد من الاتجاه - كان هو من يتخذ القرار، وكل ما توجب على بيوتر بتروفيتش أن يتبعه. سقط مثلث مشرق من ضوء القمر على جدار أمامهما، بعد أن مر من بين فجوة تفصل بيتين في الطرف الآخر. رفع بيوتر بتروفيتش عينيه مجددا عن الطريق الفضي الباهت الذي كان تحت قدميه، وشاهد في ضوء المثلث قطعة غليظة من سلك كهربائي تتدلى على الجدار. ووضع ذهنه فورا خطة بدت له طبيعية تماما، ومرحة. وفكر:”آها. هذا ما يمكنني القيام به. بوسعي القبض على ذلك الشيء ووضع قدمي على الجدار ثم جره بعيدا عنه. لو أنه خيال أو ظل حقا، لا بد أن يكشف نفسه. وعليه أن يحذو حذوي ولكن باتجاه معاكس. هذا مؤكد - لماذا لم أفكر بذلك من قبل؟. يمكنني أن أعبئه كساعة، لو تأرجحت بقوة. ولو أن هذا اللعين مجرد انعكاس لخيال...”.

ولم يستكمل بيوتر بتروفيتش التخطيط لبقية الأمر، ولكن كان من الواضح أن هذا الأسلوب يمكنه من نفي أو تأكيد الشبهات التي تعذبه. وفكر:”أهم شيء بالموضوع هو المفاجأة. يجب أن أباغته”. قال وهو يبدل موضوع الحوار الذي أصبح وراءهما وبالتدريج:”على كل حال المياه تجري بطريقها، ولكن المدهش أنه حتى في المدينة يمكنك التقرب من عالم الطبيعة، وعليك أن تبعد نفسك قليلا عن التعقيدات. طبعا ليس من المحتمل أن نحسن تدبير الأمر - فنحن محافظون جدا. إنما أؤكد لك أن الأولاد يقومون بذلك يوميا..”.

وتوقف بيوتر بتروفيتش ليمنح شريكه فرصة ليقول شيئا، ولكن مجددا لزم الصمت، فتابع بيوتر بتروفيتش كلامه:” أنا أقصد لهوهم. طبعا هم غالبا فوضويون ومشاكسون، وأحيانا يتركون عند الانطباع أنهم ينبعون من النفايات وأنهم أبناء المجاعة ويكبرون ويتطورون في هذه الأيام. مع ذلك أعتقد أن المجاعة ليس لها علاقة. هذا ليس لأنهم لا يمتلكون ثمن دراجات نارية أو زلاقات. مثلا هم مغرمون بما يسمى أرجوحة طرزان. هل سمعت بها؟”.

دمدم زميله:”سمعت بها”.

تابع بيوتر بتروفيتش كلامه قائلا:”هي حبل مربوط بشجرة، بغصن قوي، كلما كان أعلى أفضل”. ونظر للمثلث المضيء من نور القمر وفكر إنهما بحاجة لأقل من دقيقة ليصلا إليه. ثم أردف:”وبالأخص إذا كانت الشجرة على أطراف منحدر خطر. أهم شيء أن يكون منحدرا شديدا. على أطراف الماء، ثم يمكنك أن تغطس. أما طرزان فهو شخص. يوجد فيلم بهذا العنوان، وفيه ينفق شاب اسمه طرزان كل وقته وهو يتأرجح بحبال أشجار الليانا. شيء بسيط. تمسك بالحبل، وتندفع بقدميك، وتتأرجح لمسافة طويلة، بقوس واسع، وإن أحببت يمكن أن تفلته وتقفز إلى الأمام برأسك أولا ثم تسقط بالماء. بصدق لم أجرب من قبل أرجوحة طرزان بهذه الطريقة، ولكن بسهولة أتصور تأثير تلك اللحظة المدهشة وأنا أرتطم بالسطح، ثم أغوص ببطء في صمت وسلام رائعين - آه، فقط لو أعلم أين يطير أولئك الأولاد باستعمال أرجوحاتهم الخاصة”. 

دخل شريكه في الفضاء المغمور بضوء القمر. واجتاز بيوتر بتروفيتش حدود دائرة الضوء وراءه. وتابع بهوس وهو يقيس بعينيه المسافة التي تفصله عن السلك يقول:”هل تعلم لماذا بإمكاني تخيله؟. لسبب بسيط. أتذكر كيف في إحدى المرات في طفولتي قفزت في بركة للسباحة من أعلى برج مرتفع. طبعا ألحقت الضرر ببطني في الماء، ولكن في تلك اللحظة تلقيت درسا هاما - هاما جدا وذلك حينما صعدت للسطح كررت سرا وعدة مرات عبارة: ’ لا تنس، لا تنس’. وحينما خرحت من الماء، لم أكن أتذكر غير تلك الكلمات ’ لا تنس’”.

 في هذه اللحظة أصبح بيوتر بتروفيتش أمام السلك. مد يده وتمسك به ليتأكد أنه مربوط بإحكام. وقال وهو يستعد للقفز وبصوت هادئ وصادق:”حتى الآن أهوى القفز بطريقة من الطرق. طبعا هذا غباء وشيء غير نافع ولكنني أشعر أنه بمقدوري تحقيق شيء أو تذكر شيء. فلننطلق بعد إذنك”.

قال بيوتر بتروفيتش ذلك وقام بعدة خطوات سريعة، واندفع بقوة، وطار في الفضاء الحار المعتم. ولم يستمر طيرانه (لو أمكننا أن نسميه كذلك) إلا لغمضة عين. تأرجح مبتعدا عن الجدار مسافة يارد أو اثنين. والتف حول نفسه وهو يندفع قدما، وارتطم بالجدار قرب شريكه الذي قفز للخلف خائفا. فقد بيوتر بتروفيتش توازنه وتوجب عليه أن يمسكه من كتفيه، وبالتأكيد أكد له ذلك بوضوح أنه ليس انعكاسا أو ظلا. كان الأمر كله غريبا، وتخلله الكثير من اللهاث والطبطبات. ونجم من شريك بيوتر بتروفيتش بعد الصدمة ردة فعل عصبية جدا: تخلص من يد بيوتر بتروفيتش. وكانت على كتفه. ابتعد للوراء. وتخلى عن غطاء رأسه وصاح بحنق:” ماذا فعلت برأيك؟”.

قال بيوتر بتروفيتش وهو يشعر أنه يحمر:” آسف جدا. لم أقصد ذلك..” - وأسعده أن الليل حالك.

وقاطعه شريكه بقوله:”هل تذكر ماذا قلت. إنك هادئ وسلس، وأنك غير عنيف، وأنك ببساطة وحيد ولا يوجد لديك من تكلمه؟. هل هذا ما أخبرتني به بالضبط؟”.

همس بيوتر بتروفيتش وهو يخفض وجهه ويستره بين يديه:”نعم. قلت ذلك. لا يمكنني أن أنسى. ولكن تملكتني أفكار غريبة، أنك لست أنت حقا، ولكنك انعكاس لظلي على النوافذ أو أنك خيالي. شيء غريب أليس كذلك؟”.قال شريكه:”لا أعتقد أن هذا مضحك. الآن على الأقل تذكرت من أكون”.

قال بيوتر بتروفيتش وهو يقوم بحركات غريبة برأسه:”نعم”. كان يحني رأسه أو يدفنه بين كتفيه.

“شكرا لك يا رب. ولذلك قررت أن تدفعني لأقفز لتتأكد إن كنت خيالا، أليس كذلك؟. واختلقت قصة عن أرجوحة طرزان لتشتت انتباهي”.

صاح بيوتر بتروفيتش، وهو يبتعد بإحدى يديه عن السللك الكهربائي ويضغط بها على صدره:”لا. طبعا لا. يمكن أن تقول في البداية كنت أحاول أن أشتت انتباهك، ولكن في البداية فقط. إنما ما أن شرعت بالكلام ركزت على أشياء كانت تزعزع حياتي كلها. أشياء أشعر بها من أعماق قلبي”.

قال شريكه:”أنت تقول أشياء مبهمة. بدأت أشك بسلامة عقلك. فكر بذلك فقط - تسير معي لساعتين، وتبادلني الكلام، ثم تفكر بجدية أن الشخص الذي برفقتك هو انعكاس خيالك. هل تعتقد أن هذا النوع من التفكير يخطر بذهن إنسان طبيعي؟”.

وفكر بيوتر بتروفيتش بالموضوع. وقال:” كلااااا. لا يمكن. ويبدو بالظاهر حماقة. خيال متكلم، يسير وظهره أمامك - أرجوحة طرزان... لكنك تعلم، أن هذا يبدو لي منطقيا لو أخبرتك بتسلسل أفكاري، لن تشعر بالدهشة أبدا”.

نظر إلى الأعلى. كان القمر على السطح المقابل مختبئا وراء سحابة طويلة ذات أطراف مدببة. ولسبب ما فسر ذلك على أنه إشارة شؤم. وأردف يقول:”نعم. إذا حللت دوافع ما تحت الشعور المتحكمة بتصرفاتي، يبدو كما لو أني ببساطة أبحث عن لحظة من لحظات المجد..”.

قاطعه شريكه بصوت أعلى:”أستطيع أن أفهم الظل. ولكن الشيء الغريب هو الهراء عن أرجوحة طرزان. حول الإقلاع بالهواء واستنتاج شيء أو آخر منه. ماذا كنت تعني بالضبط؟”.

نظر بيوتر بتروفيتش إلى عيني شريكه ثم نقل نظرته فورا إلى رأسه الحليق. وقال:”كيف أعبر لك؟. لا أرتاح للغة الحقائق التافهة”.

سأله شريكه وهو يعتمر بقبعته مجددا:”أي حقيقة؟. عنك، عن الناس، عن العالم؟. لدينا أنواع متعددة من الحقائق”.

فكر بيوتر بتروفيتش بذلك. وقال:”أفترض عني. أو بالأحرى عن الحياة. عن نفسي في هذه الحياة. طبعا”.

سأله زميله:”تريد أن أخبرك عن هذا إذا؟”.

قال له بيوتر بتروفيتش بعدائية مفاجئة:”إن كان لديك علم بها، تفضل”.

سأله زميله بعدائية مماثلة وهو يشير للجهة التي جاءا منها:”ألا تخشى أن تكون هذه الحقيقة غير ذات نفع لك كأنها جثة قطة ميتة”.

قال بيوتر بتروفيتش لنفسه:”هو يعني ضمنا شيئا ما. يسخر مني. يطبق علي ضغطا نفسيا. ولكنه سيرى أنني لست كما يتصور. ولكن ما غايته من هذه السادية؟. كل ما فعلته أنني دفعته من كتفه. واعتذرت لاحقا”.

قال وهو يشد من كتفيه وينظر بتركيز لعيني زميله:”كلا. لست خائفا. فلنتابع”.

“حسنا. هل كلمة ’أبله” تعني لك شيئا؟”.

“أبله؟. ماذا، الذين لا ينامون ليلا ويتسكعون أمام بوابات الأبنية؟ أنا أعلم... آه يا إلهي!”.

5

أشرق ذهنه بطريقة تشبه القفز في ماء بارد وهو ما حاول بيوتر بتروفيتش أن يحذر منه زميله المتكبر- وهذا ليس فقط لأنه انتبه كيف يكون الليل القارس البرودة. نظر بيوتر بتروفيتش لقدميه ولاحظ أن الطريق الضيق الفضي الذي كان يتبعه لفترة طويلة هو في الواقع زخرفة بالقصدير وقد انحنى بشدة تحت وزنه.

سأل زميله:”حسنا؟”.

نظر إليه بيوتر بتروفيتش - بحذر، ولم يشاهد الهوة تحت قدميه للحظة من الوقت.

قال بهدوء ولكن بإلحاح:”توقف. من فضلك توقف. سأسقط”.

رد زميله بتنهيدة:”كيف يمكنني أن أتوقف؟ هذا يحدث لك وليس لي”.

وأدرك بيوتر بتروفيتش أن زميله محق، ولكن بعد لحظة أدرك شيئا آخر، شيئا غمره بالخجل. وصاح وهو مقتنع بما يقول:”هذه عنجهية وشذوذ. يمكنك أن تفعل ذلك بأي إنسان. تخبره أنه أبله يتمختر على أطراف فراغ لا يراه!. على إفريز... لماذا، مضت لحظة وأنت... والآن...”.

أومأ شريكه برأسه وقال:”هذا صحيح. ليس لديك فكرة كم أحسنت بالتعبير”.

“لماذا تفعل ذلك بي؟”.

“لا يمكنني أن أخبرك بما تريد. أولا امتلأ رأسك بشيء، ثم بشيء آخر. والآن أنت تفكر إلى أين يمكن أن تطير باستعمال أرجوحة طرزان. بصراحة هذا شيء مؤثر حقا. ثم أنت تريد الاستماع للحقيقة. وبالمناسبة إنها ليست الحقيقة النهائية”.

“إذا ماذايجب أن أفعل الآن؟”.

“أنت؟. لا ضرورة لتفعل أي شيء. ستتطور الأمور تلقائيا”. قال شريكه، ولاحظ بيوتر بتروفيتش فجأة أنه لا يقبض على أي شيء وهو يقف على ما يشبه زاوية”.

همس بيوتر بتروفيتش:”هل تسخر مني؟”.

“أبدا”. قال بيوتر بتروفيتش بصوت مهزوز:”أيها الوقح. أنت مجرم. لقد قتلتني. ها أنا أسقط”.

قال شريكه:”لقد بدأنا. إهانة، وحقد. الشيء التالي أن تهاجمني مجددا أو تبصق علي، كما يفعل غيرك. سأنصرف”.

واستدار وبدأ بتمهل بالابتعاد. صاح بيوتر بتروفيتش:”هيي!. هيي. انتظر. من فضلك”.

ولكن زميله لم يتوقف - ولوح يده بوداع فاتر وبيد باهتة تبزغ من كم عباءته أو معطفه. وبعد عدة خطوات قليلة انعطف من حول الزاوية واختفى. أغلق بيوتر بتروفيتش عينيه مجددا وضغط بجبهته المبلولة على الجدار.

6

وفكر:”حسنا. هذا كل شيء. هذه هي النهاية الآن. أنا انتهيت. طوال حياتي كنت أتساءل كيف ستكون. وها هي النتيجة أمامك. سأتأرجح قليلا، وأرمي ذراعي بالهواء، و- تماسك يا بيوتر تماسك - أتساءل إن كنت سأرفع صوتي وأصيح؟. تماسك الآن يا بيوتر - لا تفكر بذلك. فكر بأي شيء آخر، لكن ليس هذا. من فضلك. أهم شيء أن تحتفظ بهدوئك، مهما كانت الأحوال. الخوف يعني الموت. تذكر شيئا يسعدك ويسرك. ولكن ماذا يوجد هناك لتتذكر؟. ماذا أسعدك اليوم، على سبيل المثال؟. باستثناء الحوار قرب التماثيل، حينما كنت أكلم الشاب ذا الرأس الحليق عن الحب. آه يا إلهي. ها أنا أتذكره مجددا الآن. يا لي من أحمق. لماذا لم أتابع المشي، والاستمتاع بالحياة وما يحيط بي من مشاهد. ولكن لا، يجب أن أتساءل عن هويته، وهل هو خيال أو انعكاس ظل. لقد كسبت ما استحق. هذا مقابل قراءة كل أنواع النفايات. ولكن حقا من هو؟. اللعنة، أتذكر ذلك الآن. كلا. لم أتذكر. بل هو من أخبرني بلسانه - من أين جاء؟”. فتح بيوتر بتروفيتش عينيه لدقيقة عابرة وشاهد أن الجدار المجاور لوجهه أصفر وساطع - وقد أشرق القمر من وراء الغيوم. غيوم. وهذا ما جعله يشعر أنه أفضل قليلا. وفكر:”حسنا. أين قابلته؟. قبل التماثيل، هذا مؤكد. حينما برزت التماثيل، كان موجودا تقريبا. وطاردنا أول هرة أمام التماثيل أيضا. هذا مؤكد، لم يرغب بذلك في البداية، مهما حاولت إقناعه. ثم بدأت أكلمه عن الطبيعة، والحب - أعلم أنه يجب أن لا أفعل: وأن أتكتم على هذه الأشياء حتى لا أتلقى إهانات من أحد - كيف عبر الإنجيل عنها - ’لا تعرض ما لديم من لآلئ على خنازير، لأنهم سيدوسون عليها’. أليس كذلك؟. يا لها من حياة!. حتى لو أحببت شيئا، ربما بالطريقة التي يشع بها القمر على التماثيل، يجب أن تكتفي بالنظر إليها بهدوء. يجب أن تلزم الصمت كل الوقت، ولو فتحت فمك ستندم. شيء غريب، حسنا. أدركت ذلك قبيل وقت طويل، ولكن كنت أعاني بسبب طبيعتي البسيطة. أنتظر كل الوقت ليكيلوا لي الإهانات - وهذا، يا له من خنزير ضار - خنزير حقيقي، خنزير، خنزير. لقد أخبرني أن كل شيء سيتحسن. يا له من إنسان واضح - اللعنة عليه بكل حال، ها أنا أفكر به لساعة من الوقت، مع أن القمر قد يغيب في أية لحظة. إنه لا يستحق هذا العناء مني!”.

التفت بيوتر بتروفيتش وابتعد عن الجدار، ونظر إلى الأعلى، وابتسم بضعف بالغ. كان القمر يشع من فراغ مستدير غير منتظم تخلل سحابة، ولذلك ظهر كأنه خيال منعكس في فجوة في نهر متجلد متخيل وغير موجود فعلا. وكانت المدينة في الأسفل هادئة، والهواء ساكنا ومشحونا بعبير خفيف ينتشر من البراعم النباتية التي لا يعرف أسماءها. ومن نافذة بعيدة بدأ “ستنغ” يغني بنبرة غليظة كأنه قرصان - فعلا نبرة عالية جدا بالنسبة للتوقيت. فقد كان الليل مخيما. كانت الأغنية هي “القمر فوق شارع بوربون”. أغنية يتذكرها بيوتر بتروفيتش بقلب يحن لأيام صباه. ونسي كل شيء. وتفرغ للإصغاء. وفي نقطة ما طرفت عيناه بسرعة وهو يتذكر شيئا كان طي النسيان منذ عهد بعيد. وبالتدريج تناسى ألمه وشعوره بالضرر والسقوط. وبمرور كل لحظة كانت صدفة تعرفه على زميله تبدو أقل أهمية، حتى لم يعد يفهم أخيرا لماذا كان مضطربا من ذلك قبل دقائق قليلة.

وعندما خفت صوت “ستنغ” أبعد بيوتر بتروفيتش يده عن الجدار ولوح بأصابعه في وقت تزامن مع الكلمات الإنكليزية اليائسة، بإشارة وداع:

ولن تري وجهي أبدا

أو تسمعي صوت خطواتي

حينما يكون القمر ساطعا على شارع بوربون.

توقفت الأغنية أخيرا. وتنهد بيوتر بتروفيتش وهز رأسه ليجمع أفكاره. استدار إلى الوراء، ودار حول المنعطف، وقفز برشاقة مقدار ياردين، وهناك كان المشي أيسر. كان الليل صامتا مثل لغز وكان رقيقا، ولم يشعر بالرغبة في الابتعاد عنه، وكان صباحه التالي حافلا. ويجب أن ينام قليلا على الأقل. نظر حوله لمرة أخيرة، ثم نظر إلى الأعلى لفترة وجيزة، وابتسم، ثم تابع ببطء على امتداد الشريط البراق الفضي، وكانت النسمات تلفح وجهه كما لو أنه يقبلّها، وفكر كم هو بشكل أساسي إنسان سعيد.

 ***

............................

* الترجمة عن الروسية: أندرو برومفيلد - من المجموعة القصصية “مشكلة مستذئب في وسط روسيا وقصص أخرى” الصادرة عن دار الاتجاهات الحديثة في نيويورك عام 1998.

فكتور بيليفين  Victor Pelevin روائي وقاص روسي. من مواليد موسكو عام 1962.