عادل صالح الزبيديجيريكو براون

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 الفيروس

لأنهم يلقبونني بغير القابل للكشف، فإنني لا استطيع

 ان اقتل الناس الذين تلمسهم،

ولا استطيع ان أسلبك وضوح رؤيتك

لأزهار البنفسج التي زرعتها

خارج النافذة، يعني أنني

لا استطيع ان اقتل أزهار البنفسج، لكنني أريد ذلك.

أريدها ان تموت، وأريد

ان أقوم بالقتل. أريدك

ان تنتبه الى أنني لازلت هنا

تحت جلدك تماما

وفي كل عضو

مثلما يسكن الغضب في إنسان

يدرس تاريخ أمته.

ان لم استطع أن أتركك ميتا،

فسأجعلك تتميز غيظا.

اسمع. اسمع  ثانية:

أرني لون

أزهارك الآن.

***

 

................

جيريكو براون: شاعر أميركي من مواليد مدينة شريفربورت بولاية لويزيانا لعام 1976. تلقى تعليمه في جامعة ديلارد ونيو اورلينز ثم جامعة هيوستن حيث نال شهادة الدكتوراه ومارس التدريس فيها وفي جامعات أخرى. نشر قصائده في ابرز الصحف والمجلات الأميركية واصدر أول كتاب له وهو مجموعة من الشعر والنثر بعنوان (رجاءً) لينال جائزة الكتاب الأميركي لعام  2008، فاز كتابه الشعري الثاني المعنون (العهد الجديد) بجائزة آنيسفيلد-وولف للكتب في عام 2015،  وفازت مجموعته الثالثة المعنونة (التراث) الصادرة في عام 2019 بجائزة البوليتزر.

 

 

عامر كامل السامرائي

للكاتب المجري: زولتان توري

ترجمها عن اللغة المجرية: عامر كامل السامرائي


 

طُرِقَ باب المرسم على الطريقة المجرية، بحیث كسَرَتْ برجمة الطارق الواقف في عتبة الباب لوحها الرقیق. نظر الرسام الى الباب باكتراث مرتعدا بسبب الطرق، وأشار بیده للفتاة الجالسة أمامه كموديل وقال:

- أش. آملاً في أن یستمر الضیف واقفاً حتى یصیبه الیأس ویذهب، ولكن یبدو ان للذي یطرق بهذا الشكل قصد حازم في الدخول، فقد تكرر الطرق، وبقوة أكبر هذه المرة. 

وضع الرسام الفرشاة ولوحة الألوان باكتراث وهز كتفه قليلا، وأومأ للفتاة، فقامت وربطت حول خصرها شریط تنورتها، وفي اللحظة التي ركضت فیها في المرسم لتختبئ خلف الستارة، فُتِح الباب، وراحت نظرات الذي وقف في العتبة تلاحق الفتاة، وقد تسمر في مكانه فاغر الفم مذهولاً، وببطءٍ شدید تحول ذهوله الى سخط، وراح یهز رأسه ویعاود النظر باتجاه الستارة وكأنه یرید التأكد تماماً من أنه رأى تلك الفتاة نصف العاریة التي اختفت وراء الستارة ام لا.

اندفعت ذراع مكورة بیضاء جميلة من خلف الستارة لانتشال بعض الملابس الداخلية وضعت على كرسي. في هذه اللحظة غمد الضيف رأسه في الهواء مثلما تغمد الملعقة في صحن الحساء، وهز رأسه طويلا، وكأنه تأكد الآن من كل شيء، ودخل الى المرسم كئيباً صارماً.

كان الرسام شاباً نحیف البنية، أشقر الشعر، وقد تخطى الى الخلف وكأنه أحس بأنه ینبغي علیه الخوف من الانتقاد بسبب هذا المنظر. كان المرسم مبعثراً تماماً. في جانب ما من المرسم طست فیها ماء مُصَّبن قذر، وفي الزاوية وضع فوق منضدة المكتب حذاء ملمع ومشط مع فرشاة شعر، وكُمّ مع یاقة قمیص، وقد وضعت الفتاة قبعتها الى جانب هذه الأشیاء. وعلى المقعد حیث كانت الفتاة الممشوقة القامة ذات المنكبين العریضین انطرحت كومة من الملابس البيضاء النظيفة.

اندفع الرسام لِنفض التراب عن أحد الكراسي، وبِتكرم متكلِّف دعا ضيفه للجلوس، وحاول التعبير عن سروره، فأشاح بیده، لكنه لم یفلح بذلك، فقد بدت حركته خرقاء مصطنعة، وقال بابتهاج:

- مائة عام مضى، لم أرك خلالها یاعمي اشتفان! ما الذي جاء بك إلى هنا؟ إنها لفرصة سعیدة حقا- وأضاف بتأوه – ما كنت سأصدق لو قالوا لي ان العم اشتفان سیصل الیوم. تفضل بالجلوس یا عمي ...

لكن الضيف ظلَّ واقفاً یُحدقُ بالستارة بشكل كئيب فیه شيء من الحزن یدل على الشؤوم والإذلال جعل الرسام یتكور، وكأنه أصابته القشعريرة، وبادر قائلا:

- ألا تطرد هذه من هنا، حتى عندما یزورك شخصٌ وقُورٌ محترم من عائلتك؟

وعاود النظر إلى الستارة بصرامة أكثر، وهو لا یزال واقفاً، دافعاً إحدى ساقیه إلى الأمام وكأنه تمثال.

قال الرسام بحماس:

-  وكیف لا… هذا الیوم سأُخصِصه لك یاعمي اشتفان.

وقال للفتاة:

- ارتدي ملابسك یا إیلونا، فالیوم لست بحاجة الیك.

یبدو ان الفتاة سمعت حديثهما لأنها اجابت باكية:

- حاضر، ولكن "ستياني" غیر موجود هنا

- أین هو؟

- في مكان ما في المرسم. ماذا تظن؟ انا أيضا انسانة محترمة، فما الضیر في أن أحصل على لقمة عیشي بهذه الطريقة؟ فإلى جانب ذلك أيضا یستطیع الإنسان الحفاظ على شرفه. ابحث عن "ستياني" خلف صفيحة الخشب. لیس شرفي اسوأ من غیره...

قال الرسام: اوه، یا إیلونا، لا تأخذي هذه الأقاويل مأخذ الجد، فالسَید لم یقصد بذلك أي شيء.

استمع الضیف ببرود، الى شهقات الفتاة وبكاؤها وعويلها المتقطع، وأضاف هازئاً:

- أواه، یا للمسكينة، ولم لا یا قطتي الصغيرة.

وعندما ذهبت آخر الأمر تفرسها من قمة رأسها الى أخمص قدمیها، وصفع الهواء بیده بعدما غلقت الباب خلفها. عندئذٍ جلس، وبادر بالكلام بعد صمت طویل هازاً رأسه، متأوهاً، ناظراً في عیني الرسام الذي جلس أمامه متكوراً على السجادة.

- أسمع یا أخ، حقاً أن والدك مات في الوقت المناسب. فلو كان ینبغي علیه مشاهدة مثل هذه المناظر. لكان الأجل قد وافاه بسبب العار. فقد رعى أبناؤه وأحسن تربيتهم، وما كان باستطاعته تحمل أن يرى أصغر اولاده یجول في مستنقع الفساد.

- أنا؟ ولكن لماذا یا عمي اشتفان؟

لم ینفد صبر الشیخ الجلیل لسذاجة الرسام، فاستطرد بهدوء وتعقل، ولم يكن في صوته شيء یدل على اللوم أكثر منه دلالة على شعور بالأسى العميق على حیاة ضائعة. وكانت عیناه تجولان في آفاق المستقبل البعید، وكأنهما تبحثان عن نهاية الفسوق هذا. فأغمضهما وكأنه رأى صورة رهيبة، فدفع ظهره بقوة الى مسند الكرسي وكأنه یحاول انقاذ نفسه من هذا العالم الملوث.

- اسمع، نحن أيضا ساورنا الشك بوضعك. فقد بكت أمك بمرارة بسببك. كما بكت بسببك فتاة اخرى، وأنت تعرف من التي أقصدها. تلك التي حدثتها بكلام جمیل، والتي لایبدو انها قد تمكنت من التأثير علیك. الجنس اللطيف یتراكض هنا في وضح النهار یاعدیم الحیاء!

تملك الرسام النفور، لكنه استطاع ضبط نفسه.

ولكن هذا هو مجال عملي یاعمي اشتفان، فأنا بحاجة الى الجنس اللطيف، لأنه ذو صلة بفني، كصلة الفرشاة وقطعة القماش...

نهض العجوز، ونظر الى الأسفل محدقاً بالشاب الصغير.

- بحاجة الیهن نصف عاریات؟

- في بعض الأحیان یكنَّ عاریات تماماً. فهذا یتوقف على الموضوع الذي ارید رسمه.

- إذن، هكذا؟ لم أكن اتصور أن یستطیع شابٌ مثلك من عائلة محترمة الأجابه على مثل هذا السؤال.

الفن یا أخ مهنة عريقة. وإذا ترید أن تعرف أكثر، فقد مارسنَ هذا المجال سیدات محترمات. فخذ على سبیل المثال ابنة البارون الذي كان یسكن في جوار الضیعة التي كان یملكها والدي. كانت ابنته رسامة ایضا، ولكن بشكل یلیق بمنزلة عائلتها. أما ما تفعله انت، والذي وصلت اخباره الینا، فأستطيع ان اقول إنه عمل خالٍ من العفة، ولا یلیق بشاب من عائلة معتبرة. ولو فعل ابن فلاح أو ابن یهودي ما تفعله انت لنال جزاؤه. أما أنت فمن عائلة محترمة.. مهنتك... هذا هو التهور الذي كنت خائفاً منه علیك عندما اخترت لك مهنة الطب البيطري، لكنت قد أكملت دراستك وحصلت على شهادة، وشعرت بالاستقرار... أما هنا فحتى لو ارتقیت إلى مستوى المبدعين ستظل حیاتك مثل حیاة الخنزير. ((ارتدي ملابسك یا إیلونا) – (ولكن أین ستياني؟)). اسمح لي أن أقول لك إنه لا توجد وظيفة تُتداول فیها مثل هذه العبارات، أهذه هي وظيفتك؟، لا یخطر في بالي اسما أطلقه على هذا المكان... أنظر أقرانك كیف وصلوا إلى مناصب عالیة. فمنهم القاضي ومنهم من وصل إلى منصب آخر... في هذه اللحظة فقد الرسام أناته فصاح:

- أنا ایضاً لي منصب.

رفع الضيف سبابة یده الیمني وأشار فجأة إلى السماء، بحیث جعل الشاب یجفل لهذه الإيماءة غیر المتوقعة، فصمت.

- ولكن أین یا أخ، أین؟ في المزبلة، فينبغي علیك في نهاية المطاف ألا تعتبر نفسك بأنك تؤدي عملاً محترماً بمنح نفسك للفتیات، بل وحتى لهذه التصرفات نمط خاص، ولكن لیس بهذه الوقاحة... (إیلونا ارتدي فستانك، إیلونا اخلعي فستانك..). في أيامنا كانت نماذج الفنانين من الجبس، والزهور، وغیرها من المناظر، ولم يسببوا لعوائلهم الفضائح، بسبب فتیات عاریات.

- تفو! هذا هو رأيي، بالرغم من أنني إنسان متعلم. تفو! أقول وقلبي يؤلمني لأنني وجدتك غارقاً إلى هذا الحد، ولیس بودي، ولكن ینبغي أخبار المسكينة والدتك، حتى وأن كانت ستتألم، كما یجب إخبار إنسانة أخرى، لأنني لست من أولئك الذين ینكرون الحق.

- تفو! عندما یفتح الإنسان الباب تتراكض الإناث یمینا وشمالا...

بعد نمط الحیاة هذه، كیف تستطيع احترام قدسیة الحیاة الزوجية.. أیها البائس...

- ولكن یا عمي استیفان...

- شاب بائس!

كان قد أمسك بمقبض الباب عندما التفت مرة أخرى ناظراً بحزن وبشيء من الكراهية لا

تخلو من الفضول، وكانت في زاوية عینیه لهفة للبحث في كل زاوية وكشف الأسرار واستنشاق العطور التي تنبعث من مختلف أشكال التنورات التي مرت بهذا المكان. لكنه مضى بوقار وكبرياء.

رفع الرسام منكبيه حتى لامسا أذنيه، وهو یسمع باضطرار كیف یطقطق خشب السلم تحت قدمیه.

***

 

....................

نبذة عن الكاتب

ولد الكاتب في السابع من مارس عام 1870 في مدينة كولوشڤار وتوفي في 27 من أغسطس عام 1906 في العاصمة بودابست.

بعد تخرجه من الثانوية، عمل ممثلاً مسرحياً متجولاً لفترة قصيرة من الزمن. بعدها درس الأدب وسرعان ما أصبح صحفياً، وبدأ الكتابة في الصحف المحلية. كتب مسرحية "سوزانا" وهو في سن السابعة عشرة، والتي لاقت نجاحاً في جميع انحاء المعمورة والتي حولت إلى مسرحية موسيقية وقدمت في دار الأوبرا.  بعد إنتقاله إلى العاصمة بودابست عمل صحفياً في جريدة "مذكرة پشت" التي أرسلته إلى ألمانيا كمراسل لها وعاش في ميونيخ لمدة عامين.

التقى هنا بالعديد من البولنديين واللاجئين الروس. تم استدعاؤه مرة أخرى من ميونيخ إلى بودابست، حيث كان عضوا في العديد من مكاتب التحرير. كتب مسرحية "جنود"، والتي حققت نجاحاً كبيراً في المسرح الكوميدي (ترجمت هذه المسرحية إلى الألمانية والإيطالية، ولكن بسبب توجهها الاشتراكي، تم حظرها في كل من إيطاليا وألمانيا). كتب عدة أعمال مسرحية بالإضافة إلى ثلاث إصدارات لقصص قصيرة وحكايات روائية..

 

 

تامي الشيخ عليويليام سومَرْسِتْ موم

ترجمة: تامي الشيخ علي


كان ثمة تعميدٌ في ذلك الأصيل في كنيسة القديس بطرس في ساحة نيفيل، وكان ألبرت إدوارد فورمان لا يزال يلبس رداء القندلفت الخاص به. كان قد احتفظ بردائه الجديد، وطيّاته كاملة ومتيبّسة وكأنه لم يكن مصنوعاً من صوف حيوان "الألْبَكَة" (2) بل من البرونز الخالد، لارتدائه في الجنازات والأعراس (كانت كنيسة القديس بطرس تحظى باستحسانِ ودعمِ مَنْ يحرصون على اتباع الزيّ الحديث في هذه المناسبات)، فيما كان يرتدي الآن أفضل ثاني رداءٍ لديه فحسب. كان يرتديه وهو راضٍ إذ إنه كان رمزَ وظيفته الجليلَ، ومن دونه (حين كان ينضوه عنه للذهاب إلى البيت) كان يساورهُ شعورٌ محبط بأنه، إلى حدٍّ ما، لم يكن حسن الهندام بما فيه الكفاية. كان يبذل جهداً عظيماً للاعتناء به، إذ كان يضغطه ويكويه بنفسه. وخلال الستة عشر عاماً التي أمضاها قنْدَلَفْتاً في هذه الكنيسة تلقّى سلسلةً متواليةً من هذه الأردية، بَيْدَ أنه لم يكن في وسعه قَطّ التخلّصُ منها عندما امتدّتْ إليها يدُ البِلى، والسلسلة بِرِمَّتِها تقبعُ، مُغَلَّفَةً بورقٍ بنِّيٍّ على نحوٍ أنيقٍ ومُرَتَّبٍ ، في أدراجِ خزانة ثيابه السُّفْلِيَّةِ في حُجْرَةِ نومِه.

شَغَلَ القنْدَلَفْتُ نفسَهُ بهدوء، مُعيداً وضعَ الغطاء الخشبي المطليِّ على جُرْن المعموديّةِ الرخاميِّ، ومُرْجِعاً كرسيّاً كان قد جيء به من أجل سيدةٍ مُسِنَّةٍ أصابَ الوهنُ بَدَنَها، وانتظر أن يفرغ القِسِّيسُ مما كان يفعله في غرفة ملابس القساوسة والاجتماعات الكَنَسِيَّةِ لكي يتسنّى له ترتيبها والذهاب إلى البيت. أبصره في الوقت الراهن يمشي عَبْرَ المذبح وينحني تعبُّداً واحتراماً أمام الهيكل العالي، وينزل إلى الممشى، بَيْدَ أنه كان لا يزال يرتدي غفّارَتَه (3). قال القَنْدَلَفْتُ في دخيلة نفسه:

" لِمَ يتسكَّعُ؟ ألا يعلم أنني أرغب في تناول شايي؟".

لم يكن القِسِّيسُ قد عُيِّنَ إلا حديثاً، وكان رجلاً نشيطاً أحمرَ الوجهِ في بداية أربعيناتِه، ولا يزالُ ألبرت إدوارد يتأسَّفُ على سَلَفِهِ، الذي كان رَجُلَ دينٍ من المدرسة القديمة يلقي مواعظه بتؤدةٍ وبصوت ٍ فضّيٍّ، ولَشَدَّ ما كان يتناول العشاء في الخارج مع أكثر رعايا كنيسته أرستقراطيّةً. كان يحبّ أن تكون الأمورُ في الكنيسة على ذلك النحو فحسب، بيد أنه لم يكنْ قَطّ يهتمّ أكثر مما ينبغي بالتفاصيل الصغيرة، ولم يكن على شاكلةِ هذا الرجل الجديد الذي كان يودُّ أن يكونَ له ضِلْعٌ في كلِّ مسألة. بَيْدَ أن ألبرت إدوارد كان متسامحاً. كانت كنيسة القدّيس بطرس في جوارٍ حسنٍ للغاية، وكان رعاياها ينتمون إلى طبقة حسنة للغاية.

كان القِسِّيسُ الجديدُ قد أتى من الطَّرَف الشرقي، ولم يكن من المتوقع أن يتأقلم بين ليلة وضحاها مع الطرق المتحفظة التي ينتهجُها رعايا كنيسته الحريصون على اتّباع الحداثة. قال ألبرت إدوارد في دخيلة نفسه: "فيمَ كلّ هذه الجلَبَة! ولكنْ، أتِحْ له الوقت وسوف يتعلّم".

وحين كان القِسِّيسُ قد خطا في ممشى الكنيسة مسافةً تتيح له أن يخاطب القندَلَفْتَ دون أن يرفع صوته أعلى مما يليق في مكان للعبادة، توقف وقال:

- فورمان: هلاّ تفضَّلْتَ بالمجيء إلى غرفة الاجتماعات لمدة دقيقة. لديَّ ما أقوله لك.

- حسن ٌ جدّاً يا سيّدي.

انتظر القِسِّيسُ صعودَهُ إليه وسارا معاً صُعُداً إلى الكنيسة. قال ألبرت إدوارد:

- كان تعميداً حسناً للغاية على ما أعتقد يا سيّدي. وكان أمراً غريباً كيف توقَّفَ الرضيعُ عن البكاء لحظةَ حَمْلِكَ إيّاه.

قال القِسِّيسُ وقد رانت على شفتيه ابتسامة صغيرة:

- لقد لاحظتُ أنهم غالباً  ما يفعلون ذلك. ومع ذلك، إنني أتحلّى بمقدار جيّدٍ من الخبرة معهم.

كان مصدرَ زهوٍ  مكبوتٍ بالنسبة إليه أن يكون في مقدوره دائماً، على وجه التقريب، أن يهدِّىءَ من رَوْعِ رضيعٍ في حالة نشيج، بالطريقة التي كان يحمله فيها، ولم يكن غافلاً عن الإعجاب المشوب بالتسلية الذي كانت الأمهاتُ والممرّضاتُ يراقِبْنَهُ به وهو يثبِّتُ الرضيعَ في ثَنْيَةِ ذراعه المتَّشِحَةِ بردائه الكهنوتيِّ الأبيض.

وعرف القَنْدَلَفْتُ أن من دواعي سرور القِسِّيسِ إطراءَهُ على موهبته.

تقدَّمَ القِسِّيسُ أمام ألبرت إدوارد إلى غرفة الاجتماعات. ودُهِشَ ألبرت على نحوٍ طفيفٍ حين أبصر وكيلَي الكنيسة هناك، إذ لم يكن قد شاهدهما يدخلانها. أومأ الاثنان له مُرَحِّبَيْنِ بدماثة. وقال لهما واحداً إثر الآخر:

- مساء الخير يا مولاي. مساء الخير يا سيدي.

كان الاثنان كَهْلَيْن، وكانا يعملان وكيلَي كنيسة مُذْ كان ألبرت إدوارد قَنْدَلَفْتاً على وجه التقريب.

كانا يجلسان الآن إلى مُتَطاوِلَةٍ (4) ضخمة كان القِسِّيسُ القديمُ قد أحضرها من إيطاليا قبل سنوات طويلة، وجلس القِسِّيسُ في الكرسي الشاغر الكائن بينهما. واجههم ألبرت إدوارد، والطاولة بينه وبينهم، وتساءل في قرارة نفسه في توجُّسٍ طفيف عن الأمر. كان لا يزال يتذكّر المناسبةَ التي وقع فيها عازفُ الأرغن في مشكلة، والاهتياجَ الذي انتابهم جميعاً لطمس الأمور والحؤول دون انتشارها. ففي كنيسة ككنيسة القديس بطرس، في ساحة نيفيل، كان تحَمُّلُ وِزْر فضيحةٍ فوق طاقتهم.

ارتسمت على وجه القِسِّيسِ الأحمرِ سيماءُ مَنْ وَطَّنَ النَّفْسَ على دماثة الخُلُقِ، بَيْدَ أن التعبيرَ الذي رانَ على الآخَرَيْن كان مُتَّشِحاً باضطرابٍ طفيف. قال القَنْدَلَفْتُ في قرارة نفسه:" لقد كان يتمادى في اللَّجِّ عليهما. وكان يلجُّ في الاحتيال عليهما لدفعهما إلى القيام بما لم يكونا يرغبان فيه. هذا كلُّ ما في الأمر، وتذكَّرْ ما أقول".

بيْدَ أن أفكار ألبرت إدوارد لم تظهر على قسمات وجهه حسنَةِ الشكل والمُمَيَّزَة. وقف في احترامٍ وليس في خُنوع. كان قد مارس الخدمةَ قبل أن يتمَّ تعيينُهُ في وظيفته الكنَسِيَّةِ، غير أن ذلك كان في منازلَ راقيةٍ، وكان سلوكُهُ فوق مستوى الشُّبُهات. بدأ حياتَهُ المهنيَّةَ أجيراً في أسرة أميرٍ  يعملُ في التجارة، وارتقى بدرجات وافية من منصب خادمٍ من الدرجة الرابعة إلى خادمٍ من الدرجة الأولى. ولمدّةِ عامٍ كان خادماً منفرداً لدى أرملةٍ تحمل لقبَ النبالةِ، وإلى أن سنحتِ الوظيفةُ الشاغرةُ في كنيسة القديس بطرس، كان كبيرَالخدَمِ ويعملُ خادمان تحت إمْرَتِهِ في منزل سفيرٍ متقاعد. كان طويلَ القامةِ، نحيلَ الجسمِ، وقوراً وجليلاً. وكان يبدو، إن لم نَقُلْ دوقاً، فعلى الأقلّ مُمَثِّلاً من المدرسة القديمة تخصَّصَ في تأدية أدوار الأدواق. وكان يتحلّى باللباقةِ والثَّباتِ والثقةِ بالنفس. وكانت شخصيّته في منأى عن الشَّكِّ والاتهام. بدأ القِسِّيسُ حديثه على جناح السرعة:

- فورمان: لدينا ما نقوله لك وهو أمرٌ منغّصٌ إلى حدّ ما. لقد أمْضَيْتَ سنواتٍ طوالاً في هذا المكان، وأعتقد أن سيادتَهُ والجنرالَ يوافقانني الرأيَ على أنك أدّيْتَ واجبات منصبكَ على أكمل وجهٍ وبما يروقُ لكلِّ شخصٍ معنيّ.

وأومأ وكيلا الكنيسة برأسيهما مُوافِقَيْن.

- ولكنْ، تناهى إلى عِلْمي منذ بضعة أيام أغربُ ظرفٍ استثنائيٍّ، وأحسَسْتُ أن واجبي يُملي عليِّ أن أنقلَهُ إلى وكيلَي الكنيسة. اكتشَفْتُ مشدوهاً أنك لا تعرف القراءة ولا الكتابة.

ولم تَبْدُ على وجه القندَلَفْتِ أيَّةُ سِمَةٍ تنمُّ عن الارتباك. وأجاب:

- القِسِّيسُ الأخيرُ كان على عِلْمٍ بذلك يا سيّدي. وقال إن ذلك لم يشكِّلْ أيَّ اختلاف. وكان دائماً يقولُ إن هنالك قدراً كبيراً للغاية من الثقافة في العالَم أمام ذائقتِه.

فصاح الجنرالُ قائلاً:

- هذا أغربُ ما سمعتُ في حياتي. هل تقصدُ القولَ إنك كنتَ قَنْدَلَفْتاً في هذه الكنيسة لمدة

ستة عشرَ عاماً ولم تتعلّمْ قَطّ القراءة أو الكتابة؟

- لقد انخرطتُ في الخدمةِ عندما كنتُ في الثانية عشرة من عمري يا سيدي. في الوهلة الأولى حاول الطاهي تعليمي مرّةً، بَيْدَ أنني لم أكن أمتلك المقدرة على ذلك  فيما يبدو. ثم، جزئيّاً لهذا السبب أو ذاك، لم يَبْدُ قَطّ أن الوقت سنح لي من أجل ذلك. وفي الواقع لم أجدْ قَطّ حاجة لذلك. وأعتقد أن الكثيرين من الشباب يضيّعون قدراً نادراً من الوقت في القراءة، بينما في مقدورهم أن يقوموا بما هو مُجْدٍ.

قال وكيلُ الكنيسة الآخرُ:

- ولكن، ألا تريد أن تعرفَ الأنباء؟ ألا تودّ أبداً أن تكتب رسالة؟

- كلاّ يا مولاي. يبدو أنني أُفْلِحُ في إدارة أموري دونما حاجةٍ إلى ذلك. وفي السنوات الأخيرة طفقوا يملؤون الصُّحُفَ بكل هذه الصور، بحيث في مقدوري أن أعرفَ ما يحدث تماماً. تماماً. وزوجتي متعلّمة تماماً، ولو أردْتُ كتابةَ رسالةٍ فسوف تكتُبُها نيابةً عنّي. وليس الأمرُ كما لو كنتُ مُراهِناً.

رمق وكيلا الكنيسة القِسِّيسَ بنظرة ِ ضيقٍ، ثم خفضا بصريهما إلى الطاولة.

- حسناً يا فورمان. لقد ناقشتُ الأمرَ مع هذين السيّدَيْن، وهما يوافقانني الرأيَ تماماً على أن الوضعَ لا يُطاق. في كنيسة مثل كنيسة القديس بطرس، في ساحة نيفيل، ليس في مقدورنا قبولُ قَنْدَلَفْتٍ لا يعرف القراءةَ ولا الكتابة.

احمرَّ وجهُ ألبرت إدوارد النحيل والشاحب وتحرّكَ على نحوٍ متقلقلٍ، بَيْدَ أنه لم يَحِرْ جواباً.

- افهمني يا فورمان. ليست لديَّ شكوى أسجِّلُها ضدّك. فأنت تؤدي عملك على نحوٍ مُرْضٍ تماماً، ولديَّ أسمى رأي عن شخصيّتك وقدرتك، غير أنه لا يحقُّ لنا أن نجازف بحصول حادثة قد تنجمُ عن جهلكَ المؤسف. إنه أمر احترازيٌّ بالإضافة إلى كَوْنِهِ أمراً مبدئيّاً.

وسأله الجنرال:

- ولكن، أليس في وسعكَ أن تتعلم يا فورمان؟

- كلا يا سيدي. أخشى أنه لم يعد في وسعي القيام بذلك. ليس الآن. فكما ترى، لم أعُدْ أتحلّى بالشباب كما كنتُ، وإذا لم يكن في وسعي أن  أحفظ هذه الحروف عن ظَهْرِ قلبٍ في رأسي حين كنتُ طفلاً، فلا أعتقد أن هنالك فرصة طيبة للقيام بذلك الآن.

قال القِسِّيسُ:

- لا نريد أن نكون قُساةَ القلوبِ معك يا فورمان. بَيْدَ أنَّ وكيلي الكنيسة وأنا قد اتخذنا قرارَنا فعلاً. سوف نمنحكَ ثلاثة أشهر، وإذا لم يكن في مقدوركَ القراءة والكتابة في نهاية ذلك الوقت، فأخشى أنه سيكون لِزاماً عليك أن تمضي إلى حالِ سبيلِك.

لم يُحبّ ألبرت إدوارد القِسِّيسَ الجديدَ قَطّ. وكان قد قال منذ البداية إنهم ارتكبوا خطأ عندما أعطوه كنيسة القديس بطرس. لم يكن من ذلك الصنف الذي كانوا يرغبون فيه مع وجود رعايا كنيسة رفيعي الطراز كهؤلاء. والآن، عدَّلَ نفسَه قليلاً.

كان يعرف قَدْرَهُ حقَّ المعرفة، ولم يكن في مجال السماح لنفسه بالخضوع للاستغلال. قال:

- أنا في غاية الأسف يا سيّدي. أخشى أنه لا جدوى من ذلك. إنني أشْبَهُ ما أكونُ بكلبٍ هَرِمَ إلى حدٍّ لم يعُدْ في وسعِهِ معَهُ تعلُّمُ حِيَلٍ جديدة. لقد عشتُ سنواتٍ طويلةً دون معرفة القراءة والكتابة. ودون نِيَّةٍ منّي في مَدْحِ نفسي، إذ مَدْحُ الذات ليس فضيلةً، لا أجدُ بأساً في القول إنني أدّيتُ واجبي في ذلك المنصب في الحياة، الذي سرَّ عنايةً إلهيَّةً رحيمةً أن تضعني فيه، ولو كان في مقدوري أن أتعلّم الآن فإنني لا أعرف ما إذا كنتُ أودّ ذلك.

- في تلك الحالة يا فورمان أخشى أنه يتحتّمُ عليك المضيُّ إلى حال سبيلك.

- أجل يا سيّدي. أفهمُ ذلك حقَّ الفهم. وسيكون من دواعي سروري أن أقدِّمَ لكم استقالتي حالَ عثوركم على شخصٍ يحلُّ مَحَلّي.

ولكنْ، عندما أغلق ألبرت إدوارد، وبتهذيبه المعهودِ، البابَ خلف القِسِّيسِ ووكيلي الكنيسة، لم يكن في مقدوره أن يتحمّلَ سيماء الكرامةِ الهادئة ِ التي تلقّى بها الضربَةَ التي سُدِّدَتْ إليه، وارتعشتْ شفتاهُ كثيراً.

مشى عائداً ببطء إلى غرفة الاجتماعات وتغيير الملابس وعلَّقَ رداءهُ على مِشْجَبِهِ المناسب. وتنهَّدَ إذ فكَّرَ بجميع الجنازات المهيبة والأعراس الضخمة التي شَهِدَها هذا الرداء. قام بترتيب كلِّ شيء، وارتدى معطفه، وسار نازلاً الممشى وقبّعتُهُ في يده. أقفل باب الكنيسة خَلْفَهُ وسار الهُوَيْنى عابراً الساحة، بيْدَ أنه ولفرط  انغماسه في أفكاره الحزينة لم يسلكِ الشارعَ الذي يفضي به إلى بيته، حيث كان في انتظاره فنجانُ شايٍ قويٍّ ولذيذٍ، بل اتخذ المنعطف الخطأ.

وسار الهُوَيْنى إلى الأمام. كان قلبُهُ مُثقلاً بالحزن. ولم يكن يعرف ما ينبغي عليه أن يفعله مع نفسه. لم ترُقْ له فكرةُ العودة إلى الخدمة المنزلية، بعد أن كان سيّدَ نفسه لسنوات كثيرة، إذ كان، وفي وسع القِسِّيسِ ووكيلي الكنيسة أن يقولوا ما حلا لهم، هو الذي يدير كنيسة القديس بطرس في ساحة نيفيل، ولم يكن يقوى ولو بِشَقِّ النَّفْسِ على الحطِّ من قَدْرِ نَفْسِهِ بقبول وضْعٍ ما. كان قد ادَّخَرَ مبلغاً ضخماً من المال بَيْدَ أنه لم يكن كافياً لَيُقيمَ أوْدَهُ بمفرده دون القيام بعمل آخر، وكانت تكاليف الحياة تتطلّبُ المزيدَ كلَّ سنة. لم يخطُرْ لهُ يوماً قَطّ أنه سيعاني من قضايا كهذه.

فَقَنادِلُ (5) كنيسة القديس بطرس، شأنهم في ذلك شأن بابوات روما، كانوا هناك مدى الحياة. وغالباً ما كان يسرح به الخيال مفكِّراً بالإشارة المُبْهِجَةِ، التي سيذكرها القِسِّيسُ في موعظته في صلاة المساء في أوّلِ أحدٍ بعد وفاته، مشيداً بخدمةِ قنْدَلَفْتِهِم الراحل ألبرت إدوارد فورمان الطويلة والمخلصة وشخصِيَّتِهِ التي يُقْتدَى بها. وتنهَّدَ من أعماق قلبه.

كان ألبرت إدوارد غَيْرَ مُدَخِّنٍ، ولا يُعاقرُ الخمْرَ بتاتاً، ولكن ضِمْنَ مدىً مُعَيَّنٍ حيث يمكن القول إنه كان يطيبُ له ارتشافُ كأس من البيرة مع عشائه، وحين ينال منه الإعياءُ كان يحلو له الاستمتاع بلفافة تبغ.

وخَطَرَ له الآنَ أن لفافةَ تبغ ستُسَرّي عنه، وبما أنه لم يكن يحملها جال ببصره حوله بحثاً عن متجرٍ يستطيع أن يشتري منه علبة لفائف تبغ ماركة "غولد فليك". ولم يتمكن للوهلة الأولى من رؤية واحدٍ على الفور فسار قليلاً. كان شارعاً طويلاً وفيه كلُّ أصناف المتاجر، ولكنْ لم يكن هنالك متجرٌ واحدٌ منها تستطيع أن تشتري لفائف تبغ منه. قال ألبرت إدوارد: "إنه لأمرٌ غريب". ولكي يتأكّدَ من ذلك، سار صاعداً الشارع مرة أخرى.

كلا. لم يكن ثمة ريبٌ في هذا الصدد. فتوقف وراح ينظر بإمعانٍ نحو الأعلى ونحو الأسفل. قال: " لا يمكن أن أكون الرجلَ الوحيدَ الذي يسير على طول هذا الشارع ويودّ تدخين لفافة تبغ. لا ينبغي أن أتعجّب ماذا يمكن لرجل أن يُحسنَ صُنْعاً بمتجر صغيرٍ هنا. تبغ وحلويات، كما تعلم." وأردف قائلاً على نحو مفاجىء: "تلك فكرة. غريبٌ كيف تأتيك الأمور وأنت أبعد ما تكون عن التفكير فيها". واستدار وقفل عائداً إلى البيت وتناولَ شايَه.

قالت زوجته مُلاحِظَةً:

- أنتَ  صامتٌ للغاية هذا الأصيل يا ألبرت.

فقال:

- إنني أفكّر.

قلَّبَ التفكيرَ في الأمر من جميع وجهات النظر، وفي اليوم التالي سار على طول الشارع وأسعفه الحظُّ في العثور على متجر صغير معروضٍ للإيجار وبدا وكأنه سيناسبه تماماً. وبعد أربع وعشرين ساعةً من ذلك كان قد أخذه، وبعد شهر من ذلك، حين ترك كنيسة القديس بطرس في ساحة نيفيل إلى الأبد، بدأ ألبرت إدوارد فورمان عمله كصاحب متجر لبيع التبغ والصحف والمجلات.

قالت زوجته إنه ترَدٍّ شنيعٌ بعد أن كان قَنْدَلَفْتاً في كنيسة القديس بطرس، بَيْدَ أنه أجاب بأنّ عليكِ التحرُّكَ وفقاً للأحوال السائدةِ في الوقت الحاضر، وبأن الكنيسة لم تعُدْ كما كانت، ومن الآن فصاعداً سوف يعطي ما لقيصر لقيصر. وأبلى ألبرت بلاءً حسناً. وبلغَ من نجاحِهِ أنه في غضون سنةٍ أو ما يُقاربُ ذلك عَنَّ لهُ أنَّ في وسعه أنْ يأخذ متجراً ثانياً ويوظف مديراً فيه. وراح يبحث عن شارع طويل لا يوجد فيه بائعُ تبغ وعندما عثر عليه وعلى متجر للإيجار أخذه وقام بتجهيزه.

وكان النجاحُ حليفَه أيضاً. ثم خطرَ له أنه إن كان في وسعه أن يديرَ متْجَرَيْنِ ففي مقدوره أن يُديرَ نِصْفَ دزّينةٍ من المتاجر، وهكذا طفق يجوبُ لندن وكلّما عثر على شارع طويلٍ لا أثر فيه لبائع تبغ وعلى متجرٍ معروضٍ للإيجار فيه أخذه. وفي غضون عشر سنوات، اكتسب ما لا يقلّ عن عشرة متاجر وكان يجني منها مالاً وفيراً. وكان يطوف عليها جميعاً بنفسه كلّ يوم إثنين فيجمع الإيرادات ويأخذها إلى المصرف.

وذات صباحٍ، وفيما كان هنالك لإيداع حزمةٍ من الأوراق النقدية وحقيبةٍ مثقلةٍ من العملة الفضّيّةِ، أخبره أمين الصندوق أن المدير يودّ أن يقابله. وأُدْخِلَ إلى مكتبٍ وصافحه المدير قائلاً:

- أردتُ أن أتحدّثَ معكَ يا سيّد فورمان حول الأموال التي تحتفظ بها وديعةً لدينا. هل تعرف مقدارها بالضبط؟

- ليس بدقّةٍ  متناهية يا سيدي، بَيْدَ أن لديَّ فكرة تقريبية حسنة.

- بمعزلٍ عمّا دفعْتَهُ هذا الصباح فإن المبلغ يربو على ثلاثين ألف جنيه. وذلك مبلغٌ ضخمٌ للغاية للإيداع، وأعتقد أنه يَحْسُنُ بكَ أن تستثمره.

- لا أريد أن أقوم بأية مجازفةٍ يا سيدي. وأنا أعرف أنه في مأمن في المصرف.

- لستَ في حاجةٍ لأن ينتابَكَ أدنى إحساسٍ بالقلق. سوف نُعِدُّ لكَ لائحةً بالسندات المالية الممتازة مئة في المئة. وسوف تُغِلُّ عليكَ فائدةً بنسبةٍ أفضل بكثير ممّا نقوى على منحكَ إياه ربما.

استقرَّتْ نظرةٌ قلِقَةٌ على مُحيّا السيد فورمان المتميّز. وقال:

- لم يسبق لي قطّ أن تعاملْتُ مع أي شيء يتعلّق بالأسهم والأوراق المالية، وعليَّ أن أترك الأمرَ برمَّتِهِ بين أيديكم.

فابتسم المديرُ قائلاً:

- سوف نقوم بكلِّ شيء، وكلُّ ما يتحتَّمُ عليكَ القيام به في المرّة القادمة التي تأتي فيها هو التوقيع بإمضائكَ على التحويلات.

قال ألبرت على نحو غير واثق:

- في مقدوري القيام بذلك على ما يُرام. ولكن، كيف لي أن أعرف على ماذا أُوقِّع؟

قال المدير بحدّةٍ طفيفة:

- أعتقد أنّ في وسعك أن تقرأ.

مَنَحَهُ السيد فورمان ابتسامة تزيل الارتياب. وقال:

- حسناً يا سيّدي. هذا هو الواقع بالضبط. أعرف أن الأمر قد يبدو غريباً، ولكنْ هذا هو الحال، ليس في وسعي القراءة أو الكتابة باستثناء اسمي وقد تعلّمْتُ القيام بذلك فقط حين دخلْتُ ميدانَ العمل.

وبلغتْ  دهشةُ المدير حدّاً جعله يقفز عن كرسيِّهِ قائلاً:

- هذا أغربُ شيءٍ سمعتُهُ في حياتي قَطّ.

- كما ترى يا سيّدي، الأمرُ شبيه بذلك. لم تسنح لي الفرصة إلى أن أصبح الوقتُ

متأخّراً، وحينئذٍ وبطريقةٍ أو أخرى لم أرغب في القيام بذلك. واستبدَّ بي العناد.

حدّقَ المديرُ إليه وكأنه وحشٌ من وحوش ما قبل التاريخ، وقال:

- وهل تقصدُ أن تقولَ إنك أنشأتَ هذا العملَ الهامَّ، وكدَّسْتَ ثروةً  بلغتْ ثلاثين ألفَ جنيهٍ،

دون أن تكون قادراً على القراءة أو الكتابة؟ يا إلهي، أيها الرجل، ماذا كنتَ ستصبحُ الآن

لو كنتَ قادراً على ذلك؟

قال السيد فورمان وقد ارتسمتْ ابتسامة صغيرة على قسمات وجهه الأرستقراطية الهادئة:

- أستطيع أن أخبركَ بذلك يا سيدي. كنتُ سأصبحُ قنْدَلَفْتاً في كنيسة القديس بطرس في ساحة

نيفيل.

***

 

......................

(1). القَنْدَلَفْت: خادم الكنيسة والكلمة يونانية الأصل. (المنجد في اللغة والأعلام).

(2). الأَلْبَكَة: حيوان ثدييٌّ جنوب أمريكي شبيهٌ بالخروف، طويلُ الصّوفِ ناعِمُهُ. (المورد).

(3). الغفّارة: رداء القِسِّيسِ في الكنيسة (المورد).

(4).المُتَطاوِلَة: مائدة طويلة ضيّقة ثقيلة القوائم (المورد).

(5). قنادل: جمع قَنْدَلَفْت. (المترجمة).

.............................

ويليام سومرست موم، (1874- 1965)، كاتب مسرحي وقاصّ وروائي وشاعر، ولد في باريس لأبوَيْن إنكليزيين، وكان والده مستشاراً قضائيّاً في السفارة البريطانية فيها. في عام 1882، توفيت أمه بداء السلّ. وبعدها بعامَيْنِ توفي أبوه جرّاء إصابته بالسرطان.

بعد ذلك تحتّم إرسالُ ويليام إلى المملكة المتحدة ليكون تحت رعاية عمّه، ويدعى هنري ماكدونالد موم، الذي كان قِسِّيساً في كنيسة بلدة ويتستابيل، التي تقع على ساحل مقاطعة "كِنْت" الشمالي. كانت تلك تجربة عصيبة لويليام الذي كان في العاشرة من عمره آنذاك، فقد كان عمه فاتر المشاعر تجاهه وقاسياً.

درس ويليام في مدرسة "كينغس سكوول" في كانتربري، حيث مرّ بفترة عسيرة إذ كان عرضة لمضايقات زملائه بسبب لغته الإنكليزية السيئة (فقد كانت الفرنسية لغته الأولى)، وقامته القصيرة، بالإضافة إلى تلعْثُمِهِ في الكلام والذي صاحَبَهُ بقية حياته.

في السادسة عشرة من عمره رفض مواصلة الدراسة في المدرسة المذكورة، فسمح له عمّه بالسفر إلى ألمانيا حيث درس الأدب والفلسفة واللغة الألمانية في جامعة هايدلبيرغ. بعد عودته إلى بريطانيا وجد له عمُّهُ عملاً في مكتب محاسبة، بَيْدَ أنه لم يستمر فيه أكثر من شهر، عاد بعده إلى بلدة ويتستابيل. حاول عمُّهُ أن يجد له مهنة أخرى. كان والد ويليام وثلاثة من إخوته مُحامين متميّزين، غير أنه رفض أن يكون محامياً، وحالَ تلَعْثُمُهُ دون عمله في الكنيسة. ثم درس الطب لمدة خمس سنوات في المدرسة الطبية التابعة لمستشفى "سينت توماس" في "لامبيث" في جنوب لندن. غير أنه، رغم تخرُّجِهِ طبيباً، لم يزاول مهنة الطب، واتجه صوبَ الأدب.

قرأ عشراتُ الملايين أعمالَ ويليام سومَرْسِتْ موم وقُدِّرَتْ ثروته بعشرات الملايين. كان واحداً من أكثر الكُتّابِ شعبيةً في حقبته، ومن أكثرهم تقاضياً للمال عن إنتاجه في ثلاثينيات القرن العشرين.

في عام 1928 انتقل إلى العيش في الريفييرا الفرنسية، وعاش هناك حتى وفاته في نيس في 16 ديسمبر/كانون الأول عام 1965.

من أعماله: "ليزا فتاة حي لامبيث" (رواية 1897)، "السيدة كرادوك" (رواية 1902)،

"الساحر" (رواية 1908)، "القمر وستة بنسات" (رواية 1919)،"آنذاك والآن" (رواية 1946)، "ارتعاشة ورقة شجر" (مجموعة قصصية 1921)، "ست قصص مكتوبة بصيغة الشخص الأول المفرَد" (1931)، "الليدي فريدريك" (مسرحية 1912)، "بينيلوبي" (مسرحية 1912)، "الدائرة" (مسرحية 1921)، "الزوجة الوفيّة" (مسرحية 1927)، "جزاء خدماتهم" (مسرحية 1932).

 

سوران محمدنص: دانيال بريك

 ترجمة: سوران محمد

 الحالم المستيقظ يتحدث إليك في نومك

"سأحميك من الوحوش الحقيقية"

.تلك التي لا تراها ، فهي ماكرة للغاية

.معي بجنبي ، لست بحاجة إلى الاختباء

*

."أنا الأغنية المسموعة في اذنيك فقط "

.أنا الأجنحة الخضراء للحديقة التي ترتاحين فيها

.أنا صمت الطائر المغرد

*

."تتبادل النجوم والأرواح الاماكن"

.وتَوَهج دافئ يضيء في كل نبع

 "لم يكن الليالي صافية هكذا ابدا"

........................

(النص بالانجليزية)

Stars and souls

 

The awakened dreamer speaks to you in your sleep.

 

"I will protect you from the real beasts,

the ones you don't see, they are so cunning.

With me at your side, you will never need a disguise.

 

"I am the song performed only in your hearing.

I am the green wings of the garden in which you rest.

I am the hummingbird's silence.

 

"Stars and souls exchange places.

A warm glow shines in every breast.

The nights have never been so pure."

.......................

دانيال بريك: الشاعر والناقد الامريكي المعاصر ولد  في سنة ١٩٤٠، بدء مشواره الشعري وهو ابن ١٦ ربيعا، لە عديد من الكتب الشعرية والمقالات الادبية.

المصدر/

poemhunter

 

 

عادل صالح الزبيديمجاورة بين الفتى الأسود والرصاصة

دنز سميث

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 مجاورة بين الفتى الأسود والرصاصة

احدهما صلبٌ والآخر حاول ان يكون

احدهما سريع والآخر كان أسرع

احدهما صاخب والآخر

أغنية ذات لحن واحد واستراحة لا تنتهي

حياة احدهما برمتها ومضة

 

كلاهما يمضيان حياتهما

محاولين ان يجدا دفئا ليسمياه وطنا

 

كلاهما يطلقان شرارة الجدال الى حد بعيد،

بعض الناس يريد حمايتهما/البعض يعتقد

ان علينا ان نتخلص من

الشيئين اللعينين كليهما معا فحسب.

***

 

....................

دنز سميث شاعر أميركي اسود من ذوي الجندر الثالث من مواليد سنت بول بولاية منيسوتا تلقى تعليمه في جامعة وسكونسن-ماديسن. أسس مع شعراء آخرين ما أسموه (جماعة الضوضاء الداكنة) وشارك في عدة مسابقات صلام (SLAM ) الشعر رشح مرتين لنهائيات هذه المسابقات الدولية وفاز في إحداها بالمركز الثاني في عام 2016. له ثلاث مجموعات شعرية هي ( ] أدخل [ يا فتى) فازت بجائزة لامبدا الأدبية لعام 2014 و(لا تسمونا موتى) رشحت للقائمة الأخيرة لجائزة الكتاب الوطني في عام 2017 ثم فازت بجائزة فوروورد لأفضل مجموعة شعرية لعام 2018 و(صديق) 2020 فضلا عن كتيبين آخرين فاز احدهما بجائزة باتن الشعرية لعام 2015.

 

 

صحيفة المثقفللشاعر الامريكي ادغار البرت غيست

ترجمة: مريم لطفي

 فقط  الاب بوجهه المتعب

يعود الى البيت من السباق اليومي

يحمل القليل من الذهب اوالجاه

ليظهر مهارته باداء اللعبة

لكن  السرور في قلبه تلك هي بهجته الخاصة

لرؤيته ياتي ولسماع صوته

 

الاب فقط مع احتضانه لاربعة

واحد من عشرة ملايين رجل او اكثر

طوال كدحه في الصراع اليومي

يتحمل السياط وسخرية الحياة

بدون تذمر من الم اوكراهية

 لاجل اولئك الذين ينتظرون في المنزل

فقط الاب،لاغني ولافخور

مجرد واحد من الجمع المتزايد

كد، سعي من يوم لاخر

يواجه كل ماقد ياتي في طريقه

صامت متى استهجنه الشظف

ويتحمل كل ذلك من اجل حبهم

 

فقط الاب، لكنه يعطي كله

ليمهد الطريق لاطفاله الصغار

يفعلها بشجاعة صارمة وحزم

الاعمال التي قام بها والده لاجله

هذا هو الخط الذي ارسمه له

فقط الاب، لكن افضل الرجال

.........................

Edgar albert guest

Only a dad, with a tired face,

Coming home from the daily race,

Bringing little of gold or fame,

To show how well he has played the game

But glad in his heart that his own rejoice

To see him come, and to hear his voice

 

Only a dad, with a brood of four,

One of ten million men or more

Plodding along in the daily strife,

Bearing the whips and the scorns of life,

With never a whimper of pain or hate

For the sake of those who at home await

 

Only a dad, neither rich nor proud,

Merely one of the surging crowd

Toiling, striving from day to day,

Facing whatever may come his way

Silent, whenever the harsh condemn,

And bearing it all for the love of them

 

Only a dad, but he gives his all

To smooth the way for his children small

Doing, with courage stern and grim,

The deeds that his father did for him

This is the line that for him I pen

Only a dad, but the best of men

 

............................

ادغار البرت غيست: ولد الشاعر في20 اغسطس1881 في برمنغهام في انكلترا،وهوشاعر امريكي من اصل بريطاني حيث انتقلت العائلة الى الولايات المتحدة الامريكية وهو في العاشرة من العمر،كان شائعا في النصف الاول من القرن العشرين واصبح معروفا باسم "شاعر الشعب"،غالبا ماكان لقصائده نظرة ملهمة ومتفائلة للحياة اليومية،ظهرت قصيدته الاولى في 11 سبتمبر1898 واصبح مواطنا متجنسا في عام 1902،كان عاطفيا ومتفائلا.

بدا حياته العملية كبائع صحف ثم سرعان ما تمت ترقيته الى كاتب

من اول اعماله المنشورة في ديترويت"فري برس" حتى وفاته1959،كتب 11000 قصيدة تم تجميعها في حوالي300 صفحة.

من عام 1931 الى1942 بث برنامجا اسبوعيا على راديو"ان بي سي"

تزوج من نيلي كروسمان وانجب ثلاثة اطفال،اتسمت كتاباته بالتفاؤل وكانت قصائده تتكون من اربعة عشر شطرا وتقدم وجهة نظر عاطفية عميقة للحياة اليومية قال عن قصائده"انني اخذ اشياء بسيطة تحدث كل يوم لي واظنها تحدث لكثير من الناس الاخرين واقوم باخراج القوافي البسيطة منهم".

من اهم قصائده"دردشة طاولة الفطور"و"الاغاني المشمسة" و"عندما يتم ذلك اليوم"وقوافي الطفولة"و"الطريقة الودية"و"طريق الحياة السريع"،وغيرها الكثير ،توفي في 5 لغسطس 1959.

كلمتي:

تحية وانحناءة لكل ظهر انحنى

وانكب على تربية ابناءه لزرع قيم الفضيلة والانسانية

وتحية اجلال للاسم الخالد الذي يتوج اسماءنا

 

مريم لطفي

 

صالح الرزوقموراي ألفريدسون*

ترجمة: صالح الرزوق

الكثير من الفاكهة

زرع شعب الأرغون

في أرجاء حديقتهم،

جنتهم الموعودة.

يشبه المانغو

كان القطاف، بلون ذهبي

عميق وأحمر،

حلو المذاق ولذيذ عصيره

ويفيض على الأحاسيس ويغمرها.

“كل، كل ما تشاء"

قال أيلابادوث

“استمتع بالفاكهة

الممنوحة لك.

ولكن لا تلمس شجرة

المعرفة، حتى

لا تموت".

 

حراس حديقة الأرغون

وضعوا فاكهتهم

حول الشجرة

لسترها عن الأنظار،

ثم ذهبوا إلى مأواهم.

 

وجلس أيون،

المسيح بصورة نسر،

على قمة الأغصان،

وإيبنويا العادلة

قبعت بجواره -

أم أنها كانت

هي نفسها الشجرة؟.

 

نبه المسيح

آدم،

الإنسان الأول، بقوله:” احذر،

شجرة الحياة

ممنوحة بالمجان

لكنها للأرغون،

وجذورها مرة كالعلقم

وتحقن الثمار

بسم زعاف

وتغلف العقل

بالضباب، وتعزلك في منتأى

بعيدا عن منزل الأرواح،

منتجع بليروما.

 

كل من شجرة المعرفة

التي تعترض طريقك

ثم استدل على دربك يا آدم"

 

وسمعه آدم

والتهم ثمرة المعرفة

واتحد مع

أعماقه البعيدة

إيبنويا، القوة المعكوسة،

نور بليروما.

***

 

........................

* موراي ألفريدسون ( Donald Murray Alfredson ) شاعر من أديلايد. أستراليا. والمصدر مراسلات شخصية.

هوامش لا بد منها:

أرغون: حاكم المملكة.

أيلابادوث: إله الفوضى والشر.

أيون: الحياة.

إيبينويا: الإلهام.

بليروما: الكمال.

 

عادل صالح الزبيديبراين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


1- تسليم

ببالغ الندم

عليّ ان

اسلـّم اليوم

 

بمشاهدة البلد

يسقط في

فوضى شاملة.

***

2- الحب ثوب

الحب ثوبٌ

يحميك،

دفءٌ يدب

من أطراف أصابعك

حتى قلبك

 

عفوا – ليس الحب –

الجب، قصدت الجب

***

.......................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض مثلما يلفه دخان غليونه ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له أول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) في عام 2016 ورواية بعنوان (يوميات احدهم) في العام الحالي. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

 

 

صالح الرزوقبول ب. روث

ترجمة: صالح الرزوق


.... هذا إن لم تنظر من نافذة

مكسورة أو سواها. هناك خصلة

من دخان تفر من كومة حجارة محطمة و

إسفلت يتنفس، وهناك أيضا إطارات

انصهرت ببعضها بعضا، وقبضات حديدية متشابكة، وإسمنت

مسلح مسنن مع شظايا أحجار تبرز منها، وأبواب رقيقة مهدمة، و

مستنقعات  يعلوها الصدأ، ويشرب

منها عصافير الأرض كما لو أنك

غير موجود.

ونفايات أنسجة مغموسة بالدم ولحق بها التلف وبوابات من حديد لها نهايات كالرماح

وترفرف عليها الأنسجة في ريح تهب ببطء.

الموت يغطي نصفك. عظام الموتى

تتكشف في المقبرة بعد انزلاق الطين، وها هي تظهر للعيان:

تحمل السكاكين وشوكات الطعام وتغرسها في الهواء

لتتحدى جوعها.

من مسافة بعيدة، أنت من

أنت وتزرع أول نبتة ذرة في

رماد بركاني، وشجرة برتقال في رمل من المرجان، وشجرة جوز أمريكي

في نشارة الخشب الناعم الذي يطير

كزوبعة تشبه القمع،

أما مواعيد السماء الزرقاء ذات الحقائب المبلولة

فتغلف صحراء النقب.

اقترب، الجوع يتجاوزك

رغم المحن

التي تنتابك.

***

 

.........................

بول ب. روث Paul B. Roth: شاعر أمريكي معاصر. وله سبع مجموعات شعرية.

 

صحيفة المثقفنصوص: بروتيغان

ترجمة: سوران محمد


 

(١)

لو مت من قبلك

عندما

تستيقظ

من الموت،

ستجد نفسك

بين ذراعي،

و

سأقبلك،

و

أنا

أبكي

 (٢)

 زيروكس  قطعة حلوى

آه،

أنك مجرد نسخة

من جميع قطع الحلوى

التي أكلتها سابقا.

***

زيروكس؛ الاستنساخ طبق الأصل Xerox * كما هي شركة عالمية تصنع و تبيع طابعات الالوان والابيض والاسود وآلات التصوير الضوئي. المترجم

(٣)

 جماعة دونر

کم هي قبيحة، في الصقيع

يأكلون بعضهم البعض، ضاعوا

سيلان الأنوف،

يشكون دوما

مثل  كثير

من الناس

الذين نعرفهم.

***

* جماعة دونر :  مجموعة من الأمريكيين الذين هاجروا إلى كاليفورنيا في قطار  من وسط الغرب  سنة ١٨٤٦ بقيادة أخوين: جورج و يعقوب دونر وأصبحوا في النهاية محاصرين بسبب تساقط الثلوج الغزيرة في جبال سييرا نيفادا. و قد انتهی المطاف ببعضهم  إلى أكل لحوم  موتاهم للبقاء على قيد الحياة خلال فصل الشتاء، بالنهاية وصل نصف المجموعة فقط إلى كاليفورنيا في العام التالي. أصبح مصطلح “جماعة دونر” مرادفًا لواحدة من أكثر المحرمات المتأصلة في أمريكا. (المترجم)

***

من هو ريتشارد غاري  بروتيغان؟

– ولد الشاعر في 30 يناير 1935 في مدينة تاكوما، واشنطن، الولايات المتحدة.. بدأ مشواره‌ الادبي في أواسط الخمسينيات للقرن الماضي، كان متأثرا بكتاب كالـ: جاك كيروك، تشارلز بوكوفسكي، إرنست همينغوي، كارلوس وليم كارلوس، له‌ العديد من المؤلفات مابين الشعر والقصة والرواية، من اهم رواياته (صيد سمك سلمون المرقط في أمريكا) 1967.

وقد تميز بأسلوبه الخاص والنادر في الكتابة، حيث كان يمتزج بين الفكاهة والجد لرسم واقع خيالي أو بالاحرى كي ينسى بهذه الطريقة مأسي حياته الشخصية و ينتقد الواقع الاليم في نفس الوقت.

كان  للبؤس والحرمان و التهميش حضورا دائما في حياته و داخل نتاجاته الادبية، ففي عام 1956 على سبيل المثال قام بكسر زجاجة شباك لمركز للشرطة كي يسجنونه‌ حيث سيكون بوسعه الحصول على الاكل اللازم في السجن، لكنه سرعان ما خاب ظنه عندما تم تحويله الى المستشفى النفسي لتلقي علاج الشيزوفرينيا والبارانوي – العلاج بالصدمات الكهربائية آنذاك-

انتهى مشواره الادبي عندما انتحر في بولنيسا، كاليفورنيا في 16 سبتمبر 1984 عن عمر ناهز ٤٩ عاما..

الاسلوب الشعري:

– أما بالنسبة لأسلوبه الشعري فهي وليدة اللحظة، حيث تمتاز أكثرها بالقصر والاختصار، لكن يستعمل مضامينها الساخرة كوسيلة للتعامل مع مجريات الامور و ما يدور في محيط الشاعر، خاصة أثناء تداوله مواضيع حساسة و مهمة، فهو لم يكن يأخذ في الحسبان أي قيود يمنعه من كتابة ما يشاء، لذا نراه احيانا يقفز على المعنى و يعبر عن ما في داخله بشكل اعتباطي  ..

صحيح اننا كقراء لم نتعود على هذا الاسلوب، لكنه عالميا يحظى بشعبية واسعة خاصة من الجيل الصاعد، و لە سمعة لا نظير لها مقارنة بكتاب جيله بسبب اسلوبه المتميزة في الكتابة، في حين يعتبر بعض النقاد اعماله بالشطحات و يرونه انه لا يلتزم في نصوصه بأي قيود أدبية و لغوية و يستعمل مصطلحات غريبة وصور عجيبة نوعا ما..

***

 

...........................

القصائد بالانجليزية:

(١)

if I should die before you do

When

you wake up

from death,

you will find yourself

in my arms,

and

I will be

kissing you,

and

I

will be crying

**

(٢)

Xerox Candy Bar

Ah,

you’re just a copy

of all the candy bars

I’ve ever eaten.

**

(٣)

Donner Party

Forsaken, fucking in the cold,

eating each other, lost

runny noses,

complaining all the time

like so many

people

that we know

 

 

عادل صالح الزبيديتوي ديريكوت

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 لماذا لا اكتب عن جورج فلويد

لأن ثمة الكثير لأقوله

لأن ليس ثمة ما أقوله

لأنني لا اعرف ما الذي أقوله

لأن كل شيء قد قيل

لأن من المؤلم جدا أن أقوله

ما الذي باستطاعتي أن أقوله ما الذي باستطاعتي أن أقوله

ثمة شيء عالق في حنجرتي

ثمة شيء عالق مثل تفاحة

ثمة شيء عالق مثل سكين

ثمة شيء محشور مثل قدم

ثمة شيء محشور مثل جسد

***

 

 .................

توي ديريكوت: شاعرة أميركية من مواليد هامترامك، مشيغان لعام 1941، تلقت تعليمها في جامعتي وين ونيويورك وتمارس التدريس حاليا في جامعة بتسبيرغ. تتناول أشعارها معاناة الأميركيين الأفارقة من العبودية والعنف والتمييز العرقي على مدى التاريخ الأميركي في ماضيه وحاضره. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (ولادة طبيعية) 1983؛ (أسر) 1989؛ و(ابنة الحانوتي) 2011. حاز شعر ديريكوت على جوائز عديدة وشغلت منصب مستشار أكاديمية الشعراء الأميركيين خلال 2012-2017. تقول الشاعرة عن قصيدتها هذه ما يأتي: 

"كان ثمة الكثير مما لم يتحدث به (وما كان ليتحدث به!) آبائي وأجدادي وهم يفرون من العنف في الجنوب ومما تختزنه جروحهم من ذكريات. لم يريدوا ان ينشأ أطفالهم على المخاوف نفسها. كان علينا ان نواصل المسيرة. أثار مقتل جورج فلويد حزنا كأنه نحي جانبا على مدى قرون. تدور القصيدة حول عملية الترويض الصعبة والطويلة."

 

 

عبد الله هاشيقصة الكاتب الفرنسي: ألبير كامي

ترجمة: عبد الله هاشي

كُنٌا في عز الشتاء، وعلى أوصال المدينة سرت الضوضاء وانتثر الصخب ؛ وأطل جبين النهار متألقا بالنضارة وبالإشراق . وعند منتهى الرصيف، تدفقت السماء على البحر في مزيج فريد يفيض بالروعة وبالبهاء . فات جيفار أن يمد ناظريه للاستمتاع بمناظر السماء والبحر . كان يمتطي دراجته الهوائية، ويتقدم على طول الشوارع المشرفة على الميناء ؛ قد جثمت رجله المعاقة فوق الدواسة الثابتة لا تبرح موضعها، بينما انهمكت رجله الأخرى تواصل جهدها لا تنثني لعبور الشوارع المبلطة التي لم تزل مبللة بنداوة الليل . كان على حجمه البالغ الضآلة فوق الدراجة لا ينفك، ودون الحاجة الى أن يرفع رأسه، يتفادى قضبان سكة الترامواي القديم ؛ مثلما ظل يتنحى، بحركات مقود مباغتة، ليفسح الطريق أمام السيارات التي تتجاوزه الواحدة تلو الأخرى ؛ وبين الحين والحين، لبث يعيد بمرفقه على الظهر مزودة وضعت بها زوجته فيرناندة وجبة غدائه . ولقد انشغل طويلا بمحتوى المزودة بإحساس من الكآبة والغم . فالقطعتان الكبيرتان من الخبز لم تكونا محشوتين لا بعجة البيض الإسبانية المفضلة لديه، ولا بالشريحة من لحم البقر المقلي في الزيت، بل ضمتا بعض الجبن وحسب .

لم يسبق أبداً للطريق الى الورشة أن تبدت في عينيه مسافة على هذه الدرجة من الطول . هي كذلك، قال في نفسه، تغور في الزمن، وتتهاوى على أقدام العمر . ومع أنه، وقد بلغ الأربعين عاماً، هزيل نحيل كضمور عيدان الدوالي، إلا أن عضلاته ظلت عصية على الاستثارة، بطيئة على التسخين . لطالما رفع منكبيه من الاستهزاء حين يتصفح التقارير الرياضية التي تصف رياضيا في الثلاثين من العمر بالرياضي المتمرس، فيتوجه الى فيرناندة يخاطبها : " إذا كان هذا رياضيا متمرساً، فذلك مما يفيد بأني، أنا، قد أصبحت في عداد المطوٌحين بهم على فراش الاسقام " . ومع ذلك، فقد كان في قرارة نفسه يعتقد بأن الصحافي الذي كتب التقرير لم يجانب الصواب كليةً ؛ فالتنفس في سن ٌالثلاثين يكون قد تسرب اليه بعض الوهن والفتور على غفلة من العين . في سن الأربعين، لا يكون المرء في عداد المطروحين على فراش السقم، كلا، لكنه، من الأكيد، في وضعية من شرع يأخذ في التأهب المبكر للأمر . أولم يكن ذلك هو السبب الكامن وراء غفلته لزمن طويل عن مشاهدة البحر وهو يجوب المسار في اتجاه الطرف الآخر من المدينة حيث يوجد مصنع البراميل ؟ حينما كان في العشرين سنة ً، لم يكن أبداً ليدركه الملل من مشاهدته . فقد كانت أمواجه تعده بنهاية أسبوع على الشاطئ مليئة بالمباهج والمسرات . مفتوناً ظل دائما بالسباحة بالرغم، وربما بسبب العرج . ثم توالت الأيام والسنين ؛ وكان أن جاءت فيرناندة، أعقب ذلك ميلاد الولد . ثم كان لا بد، في سبيل قليل من الحياة، من الساعات الإضافية في مصنع البراميل أيام السبت، ومن الارتزاق أيام الأحد مما توفر القيام به على قدر الاستطاعة لدى هذا وذاك . شيئا ً فشيئا ً، لبثت تنفلت من بين يديه ألفة تلك الأيام البالغة السورة والاجتياح ؛ تلك الأيام التي أشبعت نوازعه جميعاً : المياه العميقة الرائقة، الشمس المتوهجة اللافحة، الفتيات، ملذات الجسد، كلها ألوان من السعادة يصعب العثور على مثيلات لها في وطنه . ألوان من السعادة سائرة الى الزوال بانصرام أيام الشباب . ظل جيفار عاشقا للبحر، لكن وحسب حينما يميل النهار الى الغروب، لما تهفو مياه الخليج في تلك الاندفاعات القليلة والناعمة . كانت تقبل على شرفة البيت، حيث تعود على الجلوس بعد يوم من العمل والكدح، لحظات جميلة من الهدوء والطمأنينة، يحس اثناءها بالسرور الغامر للنقاوة الناصعة على قميصه الذي أجادت فيرناندة في معالجته بالمكواة، وأيضاً للقدح بين يديه من شراب الأنيسون تتكدس على جنباته طبقات البخار المتصاعد . ثم ينسدل رداء المساء، فتشمل الكون رقة ولطافة وجمال، يخفض على لمساتها الجيران من أصواتهم، فلا يتكلمون إلا همساً . في تلك اللحظات، تتحير روحه، فتسأله نفسه يا ترى أأنت سعيد، أم تراك تريد أن تبكي . لذلك، في أقل الأحوال، يسلم باستحالة القيام بأي شيء سوى أن ينتظر، بكل الهدوء وبكل اللين، من دون أن يدرك بالضبط ماذا كان ينتظر .

في الصباحات الباكرة التي يلتحق فيها بمقر عمله، لا يحب النظر الى البحر، هذا الباذخ الوفاء على مدى الزمن لكل المواعيد ؛ إذ لا ترنو اليه العين إلا عندما يأتي المساء . أما في هذا الصباح، فقد مكث يسير بدراجته الهوائية خفيض الجبين، ببطء أكثر مما ألف، وبتثاقل أشد مما تعود، وبفؤاد جثمت على جوانحه التصدعات الفادحة . فعلى إثر عودته الى البيت، من الاجتماع، عشية الأمس، وإعلانه خبر استئناف العمل بالمصنع، بادرته فيرناندة هاشٌة باشٌة، تخاطبه : " إذن، فقد وافق رب العمل على الزيادة في الأجور ؟ " . لا زيادة في الأجور ولا أي شيء . لقد فشل الإضراب . أعوزنا حسن التصرف، وتعذرت علينا سبل المناورة والحيلة . يجب علينا أن نعترف بذلك . لم يكن سوى إضراباً من نوبات غضب وفورات هياج . ولقد كانت النقابة محقة تماماً في متابعتها الفاترة للموضوع . وفضلا عن ذلك، فإضراب ما لا يتجاوز عدده خمسة عشر مضرباً، ليس بالأمر الذي يمكن أن يثير الاهتمام ؛ إذ لم يفت النقابة أن تأخذ في الحسبان الإضرابات غير الموفقة للعمال في مصانع البراميل الأخرى . وبالتالي، فليس لنا أن نبالغ في إلقاء اللوم عليها . إن صناعة البراميل، المهددة بمنشآت تشييد السفن وشاحنات الصهاريج، تواجهها العديد من المشاكل والصعوبات . فمع التناقص المتواصل في إنتاج كميات البراميل وأعداد القنينات الكبيرة، أصبح شغلنا يتركز بصورة أساسية على إصلاح البراميل العملاقة الجاهزة . لقد أدرك أرباب الشغل أية حدود من المخاطر والمجازفات أصبحت تواجهها مشروعاتهم ومعاملاتهم التجارية . هذه هي الحقيقة . ومع ذلك، فهم عادة ما يميلون الى الاحتفاظ بهامش يفيدون منه بعض الأرباح والمكاسب . ويبدو أنهم، مرة أخرى، لم يجدوا أسهل من الهامش القائم على فرملة أي زيادة في الأجور، بالرغم من الارتفاع المتفشي في الأسعار . ترى، ماذا سيكون مصير عمال احترفوا صنع البراميل وإصلاحها عندما تختفي صناعة وإصلاح البراميل من الوجود ؟ لا يمكن للمرء أن يغير حرفة أنفق في تعلمها وإتقانها مخزونات العمر كلها من الكد والجهد . وحرفة صناعة البراميل صعبة أشد ما تكون الصعوبة، وهي تتطلب فترات طويلة من التدريب والتلقين . وإنه لمن النادر العثور على صانع متمرس للبراميل، ذلك الذي يرتب ترتيبا دقيقا أضلاعها الخشبية المقوسة، ثم يوثقها الى بعضها بالنار وبالطوق الحديدي، فتنقفل وتنسد، شديد الاقفال، متين السد، دونما حاجة الى الحشو بالمشاقات وألياف الرافية . كان جيفار يدرك هذا تمام الادراك . ولشد ما كانت تجتاح نفسه لمثل هذه الخواطر سورة زهو وإباء . ليس تغيير المهنة بالأمر الجلل الخطير الشأن ؛ لكن التخلي عن صنعة برع المرء في إتقانها، والتنازل عن مهارات اكتسبها، ليعتبر من الأمور البعيدة كل البعد عن أن تكون بالخلية من المشقات والمتيسرة المأخذ . وإن مهنة جميلة ورائعة من دون شغل لهو الإرباك المطبق في شرايين الوجود . لذلك، وجب الخضوع والاستسلام، وأضحى التنازل يفرض نفسه . غير أن الاستسلام لا يكون على الاطلاق بالأمر الهين، ولا التنازل بالقريب المنال أبداً . لهذا كله، يشق على النفس أن تظل أفواهنا مغلقة، وأن يدوم فينا عجزنا عن المناقشة والبحث والاعتراض وتبادل الأفكار والآراء ؛ ليجد المرء نفسه، في كل صباح، يعيد نفس المسار، تتراكم على منكبيه كل ألوان العناء والنصب، في سبيل الحصول، نهاية الأسبوع، فقط على ما يرغب الاخرون في أن يحصل عليه ؛ والذي ما عاد، بكرور الأيام، يكفي لسد بسيط الحاجات .

وإذن، فقد قرٌ قرارهم على الدخول في نوبة غضب وفورة هيجان . كان ثمة اثنان أو ثلاثة عمال ساورتهم الرغبة في التراجع، إلا أن موجة الغضب ما عتمت أن جرفتهم بدورهم بعد اللقاءات الأولية مع رب العمل ؛ والذي قال بالعبارة الصريحة والجافة بعدم وجود منزلة بين المنزلتين، فإما القبول، وإما الرفض . الرجال الحقيقيون لا يتكلمون بهذه الطريقة الباردة والعديمة الإحساس . وكان تعقيب إصبوصيطو : " ما ذا يظننا فاعلين ؟ أن ننزل سراويلنا . " ومع ذلك، يمكن القول بأن رب العمل ليس بالشخص المشاكس الحرون الطبع . فقد خلف والده على رأس المصنع، بالإضافة الى كونه كبر ونشأ في مختلف أوراشه، ومنذ سنوات عديدة، يعرف حق المعرفة كافة العمال تقريباً . ولقد اعتاد، بين الفينة والأخرى، على دعوتهم في رحاب مصنع البراميل الى تناول وجبات طعام خفيفة . فكنا نشوي كميات من السردين أو من النقانق على نار نشعلها من مخلفات النجارة، وبمساعدة النبيذ، كان معدنه يتكشف بحق عن طبع في غاية الود واللطافة . كما ظل دأبه، بصورة مستدامة، عند حلول السنة الميلادية الجديدة، على تزويد عماله، واحداً واحداً، بخمس قنينات من النبيذ الرفيع . وأحياناً، حين ينتهي الى علمه مرض أحدهم، أو ببساطة، مناسبة سعيدة، زواج أو وليمة للصدقة، فقد كان لا يبخل بهدية من المال . ولما رزق ببنت، وفر للجميع، بكل السخاء، خردقات القنص . وكان في مناسبتين اثنتين أو ثلاث قد دعا جيفار للقنص في ضيعته المحاذية للساحل . ومما لا ريب فيه أنه يكن لعماله جميعهم خالص مشاعر الود . وكان أحياناً ما يعيد الى الأذهان أن والده ابتدأ مساره صبياً في محل للنجارة . لكن، لم يسبق له أبداً أن تفضل بزيارة أحدهم أو دخل بيتا من بيوتهم حتى يتأكد بنفسه ويرى بأم عينيه . وذلك لأنه كان لا يفكر إلا في نفسه، وللسبب البسيط أنه لا يعرف إلا نفسه . لذلك يخيرهم اليوم بين القبول أو الرفض . بعبارة أخرى، إنه يصطدم بدوره بعثرة جموح وإصرار ؛ سوى أنه يملك في يده أن يجوٌز لنفسه ذلك، وأن يبيح لها ما يبتغي ويشاء .

مع اشتداد الضغوط التي مارسوها على النقابة، وإكراههم لها على إعلان الاضراب، وجد رب العمل نفسه مضطرا الى إغلاق المعمل . ثم إنه خاطبهم قائلا : " لا تتعبوا أنفسكم في السهر على متابعة تنفيذ الاضراب . ذلك لأن إغلاق المعمل، بالنسبة لي، يشكل فرصة جيدة لتوفير قدر معتبر من المال " . لم يكن ذلك صحيحا على الاطلاق ؛ ولكنه، في نفس الوقت، لا يسعف في حل المشكلة ؛ خصوصا حينما قذف في وجوههم بكلمته التي صرح فيها بأنه لا يمنحهم الشغل في المعمل سوى من باب الشفقة والإحسان . حينها غضب إصبوصيطو غضبا شديدا، وانتابته نوبة جنون عاصفة، فرد عليه بأنه ليس رجلا . فاستشاط الاخر من الغيظ واستعرت أعصابه . وكان لا بد من التدخل للتفريق بين الرجلين الهائجين . والذي لا جدال فيه أن المواجهة تركت انطباعات قوية في نفوس العمال ارتجت لها الضمائر والأفكار . ثم انصرمت الأيام العشرون من الاضراب ؛ وشملت الكآبة والحزن أفئدة النساء في البيوت ؛ وتسرب اليأس الى اثنين أو ثلاثة من بين المضربين، وانهار ما تبقى فيهم من العزم والصمود . ثم كانت القشة التي قصمت ظهر الأمر برمته عندما أقدمت النقابة على الإشارة للعمال بالاستسلام وإنهاء الاضراب ؛ وذلك على أساس وعود بالتدخل للتحكيم، وبالحصول على التعويض عن أيام الاضراب بتمكينهم من عدد الساعات الإضافية المطلوب . هكذا تقررت العودة لاستئناف العمل . وطبيعي أن ذلك لم يكن ليخلو من عبارات الفخر ودلائل الاعتزاز والشعور بالعظمة، كقولهم إن المسألة ليست فشلا بالمرة، وبأن الأمر برمته منذور للمراجعة ومعاودة الفحص والنظر . لكن، مع قدوم الصباح، تهطلت زخة العياء على المناكب كأنها كابوس الانكسار . ثم، هذا الجبن عوضاً عن اللحم . لقد انقشع السراب، ولم يعد ثمة مجال للأوهام . عبثاً أشرقت الشمس تملأ الكون بالدفء وبالبهاء . أما ما دأبت على النطق به شفاه البحر من معسول الوعود، فقد ذهب مع الريح ولن يعود . ومكث جيفار يواصل الضغط على الدواسة الوحيدة لدراجته الهوائية، كلما أكملت العجلة دورة، شعر في قرارة نفسه بأنه يسيخ في الهرم أكثر . وظل كلما لاح في خياله طيف عابر من أطياف المعمل، وتتابعت حياله وجوه الرفاق وصورة رب العمل، وإقباله عليهم بعد حين، إلا واشتدت عليه قبضة الغمة، وضاق صدره من الأسى والحزن . سألته فيرناندة بنبرة ملؤها الانشغال والقلق : " - ما ذا ستقولون له ؟ " . " - لا شيء " . امتطى جيفار دراجته، وانصرف عنها، ورأسه يهتز ويرتج . ولبثت أسنانه تصرف صريفا ؛ وكانت ترين على وجهه الصغير الأسمر، المليء بالغضون وبالحروف الدقيقة، ألوان ثخينة من الصمت والوجوم المكين . وظل يطوي الطريق ؛ وظلت الاسنان منه لا تكف عن الصريف ؛ وظلت تمور بين جوانحه فورة غضب بئيسة لا شيء يرجع لها صدى، قد انسكبت من جنباتها دفقات الاكفهرار والعبوس، فعمت أركان الأرض من حوله والسماء جميعا .

انعطف عن الشارع العريض ثم دلف، وهو يبتعد عن البحر، ليخترق الازقة الغارقة في الرطوبة للحي الاسباني العتيق، والمفضية الى منطقة مشغولة وحسب بالمرائب والمخازن ومستودعات الحديد الهالك . هنالك ترتفع بناية المعمل . وهي عبارة عن مرأب بجدران متوسطة الارتفاع، مغطاة بالزجاج الى حدود السقف المتشكل من مطيلة متموجة من الحديد . وهي، الى ذلك، تشرف على المصنع القديم لإنتاج البراميل، والذي تحول الى ساحة محاطة بباحات عتيقة تقرر التخلي عنها عندما توسعت أنشطة المقاولة، فأضحت مع توالي السنين مستودعا للآليات البالية وأكوام البراميل المهجورة . وتمتد في ما وراء الساحة حديقة رب العمل، تفصل بينهما طريق مفروشة بقطع القرميد العتيق عند نهايتها يقوم البيت، مقر سكنه . دار عالية البنيان، بشعة تنفر لمرآها الابصار، إلا ما كان من دالية غضة لم تعرف الاغلال، وما يشبه باقة من قليل زهر العسل تنكفئ على الدرج الخارجي التأمت هنالك فأسبغت على الإقامة مسحة محببة الى النفس، تنجذب لها العيون .

في الحين، لاحظ جيفار بأن أبواب المعمل ما تزال مقفلة ؛ وإزاءها تقف كوكبة من العمال يسود من حولهم السكون والصمت . هذه أول مرة، طيلة مدة اشتغاله هنا، يجد عند وصوله أبواب المعمل مغلقة . لعل رب العمل يقصد من ذلك الإعلان عن نفسه، وتذكيرهم بأهمية ما وراءه من شأن . واتجه جيفار يساراً ليرتب دراجته الهوائية أسفل السقيفة الصغيرة الملحقة بالمرأب، ثم تقدم قاصدا المدخل . من بعيد، تعرف الى إصبوصيطو، بقامته الفارعة وبنيته القوية، وبسمرته وشعره الغزير، وكان يشتغل بمحاذاته في المعمل . كما تعرف الى ماركو، المندوب النقابي، الشبيه بالمغنية الفاشلة، لا زين، لا طرب . ثم سعيد، العربي الوحيد في المعمل ؛ يليه ما تبقى من العمال ؛ وقد مكثوا جميعا ينظرون اليه في صمت وهو يقترب منهم . بيد أنهم، فجأة، بضع لحظات قبل أن ينضم اليهم، تحولوا بأنظارهم جهة أبواب المعمل التي ابتدأت تنفتح تباعاً . وظهر حيالهم، يوليهم ظهره، بالاصطار، رئيس العمال، واقفاً عند فرجة إحدى البوابات الثقيلة، يحاول معالجتها ودفعها بتؤدة، فتتحرك بين يديه منسابة على السكة بطيئة متمهلة .

وكان بالاصطار، ويكبر في السن جميع العمال، قد تعرض للإضراب بالانتقاد والاستهجان ؛ لكنه سرعان ما أمسك عن عبارات الشجب حينما وضح له إصبوصيطو بأن كلامه محمٌل بالانحياز الى جانب رب العمل وتزكية مصلحته . وها هو، في هذه اللحظة، يقف بالقرب من الباب بقده الجسيم القصير، وفي سترته المسرودة من النسيج الكحلي اللون . وليس بالأمر المستجد أنه حافي القدمين، فقد كان بالإضافة الى سعيد الوحيدين اللذين اعتادا على العمل من دون أن يضعا في قدميهما أي شيء . وهكذا، راح يتابع دخول العمال الى الورشة، الواحد يتلو الآخر، بعينيه الفائقتي الصفاء لحد ما خبا فيهما البريق، فذوت نضارة لونهما على أديم وجهه البرونزي المتهدم بثقل الزمن وتراكم السنين ؛ بينما انكشف ثغره أسفل شاربه الكثيف المتهدل معتم الملمح تعلوه كربة وغمة . وأما العمال فقد لزموا الصمت وخلدوا الى عدم النطق، تعلو وجوههم دلائل مذلة وخزي على حالهم الناطق بالهزيمة، ناقمين على أنفسهم من الصمت ومن العجز عن التعبير و الكلام، يكاد يجهز عليهم الخبل لاستفحال إحساسهم بفقدان القدرة على كسر جدار هذا الوجوم الذي يزداد هولا واستعصاء . وانشغلوا بالعبور الى الورشة دون أن يلقي أي منهم بنظرة على بالاصطار . وكانوا جميعا يعلمون كل العلم بأنه، بهذه الطريقة في التعامل مع إقبالهم على الالتحاق بالعمل، إنما كان ينفذ بالحرف ما تناهى اليه من التلميحات و الأوامر؛ مثلما أنهم يفيدون تمام الإفادة من الشعور الذي يوحي به مظهره المكروب بما كان يمور بين جوانحه من الانطباعات السلبية والأفكار المزعجة . أما ما كان من جيفار، فقد رفع اليه عينيه، وألقى عليه بنظرة، عمد على إثرها بالاصطار، وكان يكن له غير قليل من المودة، فحرك رأسه حركة خفيفة من دون أن ينطق بكلمة .

وهاهم جميعاً، في هذه اللحظة، داخل المستودع الصغير لتغيير الملابس، القائم الى اليمين من المدخل، والمتكون من شقق صغيرة مكشوفة كتلك المخصصة عادة للأفراس، منفصلة عن بعضها بألواح من الخشب الأبيض التي علق بها من كل جانب خزانة صغيرة الحجم تفتح وتغلق بواسطة مفتاح . وكانت الشقة الأخيرة، انطلاقا من المدخل، عند نقطة التقاء الجدران بالمرأب، قد تحولت الى مقصورة مرشات بعد تغييرات أدخلت عليها لهذا الغرض ؛ وقد حفر من تحتها مجرى لتصريف المياه يخترق الأرض المطروقة . وكانت تتوسط المرأب أعداد من البراميل العملاقة الجاهزة التي يمكن للعمال رؤيتها حسب موقع الاشتغال بالمعمل، قد برزت الحلقات منها رخوة ومهلهلة و تستلزم المعالجة المكثفة بالنار . وكانت بالمرأب كذلك منضدات سميكة مجوفة بشقوق طويلة، منها قطع خشبية دائرية الشكل مدسوسة في ثناياها ما تزال تنتظر المعالجة بالمنجر . كما ضم المرأب أيضا مواقد نار متشحة بالسواد . وعلى طول الجدار، الى اليسار من المدخل، تراصفت مناضد العمل، تتكوم إزاءها عرم كبيرة من أضلاع البراميل التي تنتظر السحج والصقل . والى الجدار الأيمن، غير بعيد من مستودع الملابس، جثم منشاران ميكانيكيان مدهونان بالزيت أحسن ما يكون الدهن، يشع بريقهما في الأعين، وتملأ سطوتهما المتدفقة وصمتهما المتفشي أركان الفضاء والأفئدة .

ولقد اتضح منذ فترة طويلة بأن سعة المرأب قد أضحت كبيرة جدا على المجموعة الصغيرة من العمال . والحق أنه كانت لهذه السعة الباذخة عليهم فوائد جمة في أيام الحر الكبرى، لكنها تنقلب في زمن القر بشرور شتى . وها هو المرأب اليوم، وقد استقر العمل في جنباته على امتداد فضائه الفسيح، تجثم براميله الجانحة في كل الأركان، قد أطبقت حلقاتها الفريدة على أضلاع تتهلل بالنضارة، يحسبها الناظر زخرفات رديئة نحتتها على الخشب أنامل عامل مبتدئ ؛ بينما أسدلت نشارته أكواما ثقيلة من الغبار على المنضدات والآلات وصناديق الأدوات ؛ مما أضفى على المعمل هيئة مكان مهجور طالته حوافر الإهمال والنسيان . وظلت عيونهم لا تكف عن التطواف والجولان عبر كل زاوية وناحية فيه، وهم يرتدون ستراتهم المسرودة الصارخة بالرثاثة، وسراويل مرقعة امحت ألوانها من البلى . وبانت في ملامح وجوههم أمارات الحيرة واشتداد التردد . ولم يزل بالاصطار يتتبعهم بعينه الرقيبة . وانتهى الى مخاطبتهم، قال : " – وإذن، هلموا بنا، لنبدأ " . وشرعوا جميعا، واحداً واحداً، في الالتحاق بأماكن أعمالهم من دون أن ينبسوا ببنت شفة . وقد لبث بالاصطار يتنقل بينهم، من هذا الموقع الى ذاك، وبكل ما قل ودل من الحروف والكلمات، يعيد الى الاذهان طبيعة الاعمال المطلوب إنجازها أو تلك التي تنتظر الاتمام . ولم يكن لرجع ما يذكرهم به صوت أو صدى . بعد لحظات، سيرتفع في الجو رنين أول مطرقة تدق قطعة خشبية مصفحة بالحديد لتغريز حلقة على جبين منتفخة من برميل . وسُمع نواح المنجر يمخر مفاصل قطعة خشب . وأطلق إصبوصيطو واحدا من المنشارين، فتحركت نصاله القواضم في هدير شديد وكاسح . أما سعيد، فقد تكلف بجلب أضلاع البراميل عند الحاجة اليها، أو إعداد النار بمخلفات الاخشاب المنشورة، ووضع البراميل عليها لكي تأخذ ضخامتها الاحجام المطلوبة في إطار مشدٌ من النصال المصفحة بالحديد . وعندما ينتهي من تلبية كل الطلبات، يتخذ له مكانا بجنب المنضدات، ثم ينقض بالمطرقة على الحلقات العريضة الصدئة يكيل لها الضربات الموجعة . وتظل البراميل الموضوعة على النار تجود على ألسنة اللهب بالروائح التي تملأ كل ناحية من المرأب . وتشنفت خياشيم جيفار بشذى العطر القديم، ووقعت في أعماق روحه أصداء العبير القادم من غابر الأيام، فهبت على جوانحه نسمات رقيقة من الانشراح والسرور ؛ فواصل عمله في معالجة أضلاع البراميل التي كان يمده بها إصبوصيطو مقددة ومشذبة، ينجرها ويسحجها بالمنجر تارة، ويسويها ويركبها أحسن ما يكون التركيب تارة أخرى . ولبثوا جميعهم يشتغلون في سكون شامل وصمت مطبق . ومع ذلك، فقد طفقت تشرئب الى سماء المعمل أوصال دفينة من الحركة والنشاط والهمة . وابتدأت تنسكب على منابض الورشة الهامدة دفق مسترسلة من أمواه الحياة المتجددة . ومن خلال الحواجز الزجاجية، انسدلت على فضاء المرأب أضواء تفيض بالألق، واتشحت أدراج الأدخنة السابحة في الهواء المذهب بالإزرقاق . وعلى مسامع جيفار، تواثبت بقايا من طنين حشرة شاردة في مكان قريب .

في تلك اللحظة، انفتح الباب الذي يفضي الى داخل مصنع البراميل السابق، فانكشف الجدار الخلفي، وبرز السيد لاصال، رب العمل، منتصباً بقامته الهيفاء على عتبة المدخل، أسمر اللون، لم يتجاوز الثلاثين الا بقليل . كان يرتدي قميصا ناصع البياض، منفتح كلية على بذلة من نسيج غبردين، فاتحة الدكنة، أسدلت على هيئته دلائل النعمة، وعلى ملامحه آيات الهناء ورغد العيش . وبالرغم من العظام البارزة في تقاسيم وجهه المقدد كنصل السكين، فقد كان يوحي، في المجمل، بانطباعات لا تخلو من الاستئناس والمودة، تماماً مثلما يحصل مع غالبية الذين حررتهم ممارسة الرياضة من كل ما قد يعيق فيهم سبيل الحركة المريحة، أو ينغص انسياب المسلك وحرية التصرف . ومع ذلك، فقد وشت ملامحه، وهو يهم بتجاوز الباب، بمسحة من الانزعاج والقلق . واتسمت تحيته الصباحية للعمال بافتقارها الى تلك الدرجة من الرنين التي عهدوها فيها . مهما كان الحال، فقد اندثرت تحيته دون أن يرد عليها أحد . تراجعت قليلا أصداء ضربات المطارق وشملها بعض التنافر، إلا أنها سرعان ما عادت لتنتظم من جديد في إيقاعاتها الطبيعية المألوفة . خطا السيد لاصال خطوات معدودة مشوبة بالتردد، ثم دلف الى فاليري الصغير، والذي التحق بالمعمل منذ سنة واحدة فحسب . كان يشتغل بالقرب من المنشار الميكانيكي، على بعد بضع خطوات من جيفار، منهمكا في تركيب القاع لإحدى البراميل العملاقة . فراح رب العمل يتابعه بنظراته وهو مستغرق في إتمام مهمته . وكان أن واصل فاليري الصغير ما هو بصدده من دون أن ينطق بكلمة واحدة . فبادر السيد لاصال الى مخاطبته قائلا : " – وإذن، يا بنيٌ، كيف حالك ؟ " . مما أوقع الفتى توٌاً في حالة ارتباك شديد ضاعت على إثرها الحركات الرشيقة بين أنامله التي اعتراها الخرق . وتطلع بعينيه الى إصبوصيطو المنهمك الى القريب منه في تكديس عرمة من أضلاع البراميل على ذراعه المفتول والهائل، بقصد إمداد جيفار بها . وقد رد اصبوصيطو على نظرة الفتى بنظرة مثلها ألقى إليه بها دون أن يتوقف عن مواصلة عمله ؛ سرعان ما عاد فاليري لاستئناف معالجته للبرميل العملاق من غير أن يقدم على الإجابة على سؤال رب العمل . وللحظة قصيرة، توقف لاصال متسمرا في مكانه إزاء الفتى في ذهول ؛ ثم إنه بعد ذلك هز كتفيه إمعانا في اللامبالاة والاستخفاف، وحول ناظريه صوب ماركو، الذي كان يجلس منفرج الساقين فوق دكته، منهمكا يبري في ضربات خفيفة، متزنة ودقيقة، حافة قاع إحدى البراميل . فخاطبه لاصال بلهجة قد تسرب اليها بعض الجفاء : " – عمت صباحاً، يا ماركو " . لا يرد ماركو التحية . فقد ركز كل انتباهه كي لا يسحب من القطعة الخشبية التي كان بصدد معالجتها سوى شرائح من النشارة بالغة الرقة . وما كان من لاصال سوى أن التفت، هذه المرة، الى باقي العمال، فتوجه اليهم جميعا بالكلام بصوت جهوري قوي تردد عاليا في أرجاء المكان : " ماذا دهاكم ؟ لم نتوفق في الوصول الى اتفاق . هذا واضح ومفهوم . لكن، من غير المعقول أن يمنعنا ذلك من أن نشتغل معاً، بعضنا الى جانب بعض . وإذن، لأي غرض مفيد كل هذا الوجوم ؟ " . وانتصب ماركو واقفاً على قدميه، ورفع اليه قاع البرميل، وبراحة يده شرع يجس حافته المستديرة، وتغضنت عيناه الذابلتان، مما وشى بشعوره بالارتياح والرضى . وبكل أثقال الصمت الجاثم، قصد لاصال عاملا آخر ينشغل في تجميع برميل عملاق، بينما عم الضجيج في المعمل وارتفعت الى عنان الفضاء منه أصداء ضربات المطارق والهدير الكاسح للمنشار الميكانيكي . ثم إن لاصال خاطبهم يقول : " طيب . عندما تذهب عنكم هذه الحالة، أخبروني بذلك عن طريق بالاصطار " . وبكل الهدوء سارت به خطواته، وغادر المعمل .

بعدئذ، وفي أقل من رمشة العين، انطلق رنين الصفارة لمرتين متتابعتين واخترق فضاء المعمل الصاخب . متثاقلا، نهض بالاصطار ؛ وكان قد اقتعد الأرض ينوي لف سيجارة، واتجه قاصداً البوابة الخلفية الصغيرة . وخفتت على إثر ذهابه ضربات المطارق قليلا ؛ بل وتوقف أحد العمال وأمسك عن الضرب حينما لمح بالاصطار عائدا . كل ما نطق به هذا الأخير وهو يقف عند الباب أن قال: " – ماركو، جيفار، رب العمل يطلبكما " . كانت أول حركة قام بها جيفار، حينئذ، ذهابه ينوي غسل يديه ؛ لكن ماركو أمسك بساعده لدى مروره بمحاذاته ؛ فما كان منه إلا أن سار وراء الرجل بمشيته العرجاء المختلة .

في الساحة، خارج المعمل، انسدل ضياء النهار بليلا كالينابيع الندية، فانتعش جيفار لملمسه اللذيذ على وجهه وعلى ساعديه المكشوفين . وطفق العاملان يصعدان الدرج الخارجي لبيت رب العمل، تترامى عليهما بعض ظلال زهر العسل الذي ابتدأت تزهر فيه ورود أولى . ولما اجتازا الباب و دلفا عبر الممر المزين بالدبلومات، تناهى الى سمعهما بكاء أطفال أعقبه صوت السيد لاصال يقول : " - تحملينها لكي تنام بعد تناول طعام الغداء . سنقوم بدعوة الطبيب في حالة ما إذا استمرت وضعيتها، ولم يطرأ عليها أي تحسن " . ثم يظهر حيالهما في الممر، ويدعوهما لدخول المكتب الصغير الذي يعرفانه تمام المعرفة، تؤثثه قطع من الأثاث البسيط، وتزخرف جدرانه تذكارات رياضية . وخاطبهما لاصال، وهو يأخذ مجلسه خلف المكتب، قائلا : " - اجلسا " . لكن الرجلين ظلا واقفين . واستأنف كلامه يخاطبهما : " لقد استقدمتكما، أنتما، بصفتك أنت، يا ماركو، المندوب النقابي ؛ وأنت، يا جيفار، بصفتك أقدم مستخدم في المعمل بعد بالاصطار . وليس في نيتي أن أعود الى نقاشات منتهية . كما وليس بمستطاعي، إطلاقاً، أن أعطيكم شيئا من الذي تطلبونه مني . لقد انتهينا من ترتيبات المسألة برمتها، وتوصلنا جميعا الى القرار النهائي بلزوم العودة لاستئناف العمل . وإنه ليصعب عليٌ أن أحتمل ما بدا منكم تجاهي من علامات النفور والكراهية . إنني أخبركم بذلك تماماً كما أشعر به في صدري . وأود، بكل بساطة، أن أضيف ما يلي : إن ما ليس باستطاعتي القيام به اليوم، ربما ستتاح لي فرصة القيام به في المستقبل، حينما تنتعش الاعمال، وتتحسن الأوضاع . وإذا تأكدت لي إمكانية فعل شيء ما في هذا السبيل، فسأفعل حتى قبل أن تشيروا عليٌ . إلى ذلك الحين، تعالوا نستأنف العمل في جو يسوده الوئام والتفاهم والود " . وأمسك عن الكلام، واستغرق في ما يشبه التفكر والسعي للإمساك بخيوط أفكار متلبٌسة . ثم رفع بصره الى العاملين وخاطبهما : " - وإذن ؟ " . كان ماركو سارحا ينظر خارج المكتب . أما جيفار، فقد اجتاحته رغبة عارمة في الكلام، إلا أنه، والاضراس فيه تصرف صريفا مستعرا، ظل غير قادر على أن يتفوه بأي شيء . فهب لاصال يقول لهما : " - اسمعا . إنكم حقاً لعنيدون . أنتم لا تريدون أن تتزحزحوا عن موقفكم قيد أنملة . ستذهب عنكم هذه الفورة من الجموح والعناد . لكن، عندما تعودون الى رشدكم، وتنفتح في صدوركم عين العقل، لا يغيبنٌ عن بالكم كلامي، ولا تنسوا الذي قلته لكم " . ثم إنه نهض من مكانه، وقصد ماركو مادٌاً إليه يده يريد مصافحته، وهو يقول : " - مع السلامة " . وفجأة، تمتقع الألوان على جبين ماركو، وتجتاح محياه موجة شحوب كاسحة . انقلبت ملامح وجهه المفعمة بالنغم الوجداني الرقيق الى تضاريس متيبسة يجتاحها التصحر . وفي أقل من ثانية واحدة من الزمن، استغرقه الغضب، وبانت على رموش عينيه أمارات شرٌ مستطير . وإذا به يتململ في مكانه مبتعدا عن اليد الممدودة، ويقصد الباب خارجاً . لبث لاصال، بدوره، تتقلب الألوان على صفحة وجهه الذي استحكم عليه الشحوب . ثم حانت منه التفاتة الى جيفار، ومن دون أن يمد يده، هذه المرة، للمصافحة، صرخ فيه بكل ما أوتي من قوة : " سحقاً لكم جميعاً من أضحوكة على الأفواه " .

كان العمال منهمكين في تناول طعام الغداء حين عودتهما الى المعمل ؛ سوى ما كان من بالاصطار الذي خرج قبيل مجيئهما . كل ما نطق به لسان ماركو قوله وهو يلتحق بمكان عمله : " - جرٌة خاوية، وعبث بلا طائل " . وتوقف إصبوصيطو عن الأكل من قطعة الخبز بين يديه ليستخبر عن ردودهما على رب العمل . فأعلمه جيفار بأنهما لم يجيبا بأي شيء ؛ ثم ذهب وأحضر مزودته، وعاد ليقتعد الدكة حيث يعمل . ولقد شرع في الأكل حينما لمح سعيداً، غير بعيد عنه، مستلقيا على ظهره وسط كومة من النشارة، شارد النظرات يحدق عبر الكوات الزجاجية المزرقٌة في تلك الساعة بفعل السماء التي خبت فيها قليلا أضواء النهار . فسأله إن كان قد انتهى من تناول غدائه . أجابه سعيد بأنه فعلا قد أتى على كل حبات التين التي جلبها معه . فتوقف جيفار عن الأكل . كانت مشاعر الانزعاج والكدر التي تسببت فيها المواجهة مع لاصال قد اختفت تماما وفسحت المجال واسعا لموجات الود الدفئة . نهض من مكانه وهو يقسم قطعة الخبز بيديه الى شطرين، ثم حاول أن يفهم سعيد، الذي عبر عن رفضه وعدم حاجته، بأن القادم من الأيام سيشهد زوال الغمة ونهاية زمن العسر . واستطرد : " - لسوف يأتي دورك فتدعوني " . ابتسم سعيد . وها هو الآن، يتناول قطعة من شطيرة جيفار، بكل التمهل، وبكل الرفق، يحسبه الناظر خليٌاً من الجوع .

وقام إصبوصيطو فأتى بطنجرة قديمة ؛ وبقليل من النشارة وبعض الاعواد، أشعل ناراً خفيفة يروم تسخين مقدار من القهوة جلبها معه في قارورة من الزجاج، قال بأنها هدية للمعمل من البقال الذي يتعامل معه حينما علم بفشل الاضراب . وشرعت كأس بلون الخردل تتناقلها الأيادي، كلما أفرغت من القهوة المحلاة بالسكر، راح إصبوصيطو يسكب فيها، المرة بعد المرة . ووجد سعيد في كأسه من السعادة و المتعة ما لا يمكن بحال أن ترقى اليه الأكلة التي انتهى منها ؛ بينما استغرق إصبوصيطو في الإجهاز على ما تبقى من القهوة، مباشرة من الطنجرة الملتهبة، تتناثر من شفتيه شرارات صاعقة من السب والشتم والبقبقة . في تلك اللحظة، دخل بالاصطار، وأعلن بأن وقت استئناف العمل قد أزف .

وبينما هم منشغلون بمغادرة أماكنهم، يضمون الى بعضها في الاكياس والمزودات ما تناثر من الأوراق والاواني، تقدم بالاصطار حتى توسطهم، ثم باغتهم بالقول، وهو يخاطبهم، بأن الامر، بحق، ليشكل صدمة بالغة الألم، للعمال جميعا، وله هو أيضا . ومع ذلك، فليس في المسألة برمتها ما يمكن أن يعتبر مبررا كافيا للانفعال والاقدام على تصرفات غير جديرة سوى بالأطفال . إذ لا جدوى من عبارات التبرم والاستياء وضيق الصدر، ولا نفع يرجى من العبوس والامتناع عن الكلام . وفي الحال، حانت التفاتة اليه من إصبوصيطو، وكان ما يزال ممسكا بالطنجرة، فتورد وجهه الثخين الطويل . كان جيفار يعلم تمام العلم ما الذي يود إصبوصيطو أن يرد به ؛ ويعلم كذلك بأنهم جميعا، في الوقت نفسه، يعتقدون مثله بأن القضية لا علاقة لها لا بالعبوس والاستياء، ولا بالتمنع عن الكلام . كل ما في الامر أنهم عندما خيروا بين القبول أو الرفض، فكأنما سدٌت أفواههم سدٌاً . وفي بعض الأحيان، حينما تنضاف طبقات من فورات الغضب على ركام من الإحساس بالعجز وقلة الحيلة، يكبر الألم، ويصعب احتمال الغمٌة لحد فقدان القدرة حتى على التعبير عما يجيش في الصدر بصرخة واحدة . رجال ؛ هذا كل ما في الامر ؛ وليس لهم أن يُقبلوا على رب المعمل هاشٌين باشٌين، ينثرون الابتسامات هنا وهناك . غير أن إصبوصيطو لم يقدم على البوح بأي شيء من هذا . فقد انسحبت، في الأخير، من صفحة وجهه كل أمارة للتوتر ؛ وبينما شرع باقي العمال في الالتحاق بأماكن أعمالهم، عمد فمدٌ يده يربت بكل اللطف على منكب بالاصطار . وصعد من جديد الى عنان الفضاء رنين ضربات المطارق ؛ واحتشدت في مختلف أركان المرأب الكبير سحب الضوضاء المعتادة، وروائح النشارة، والاثواب البالية التي بللها العرق . وبكل الرفق والتؤدة، راح إصبوصيطو يدفع أمامه قطعة طرية العود من ضلع برميل قد أوغل فيها المنشار الهادر يقضمها مرغياً ومزبداً . وظلت تنبجس من مكان القضم نشارة بليلة أسدلت مثل رداء من بقايا الخبز المقلي فوق اليدين البدينتين المشعرتين والمشدودتين بإحكام الى الحطبة من كلا الجانبين من الشفرة المزمجرة . ولما بلغ تقطيع ضلع البرميل منتهاه، لم يعد يسمع في المكان سوى ضجيج المحرك وجعجعته .

وابتدأ جيفار يكابد الآلام والاوجاع تنثال نصالها الكاسرة على ظهره المحني على المنجر . كان قد اعتاد المواعيد مع العياء في ساعة متأخرة من النهار . ورأى أنه من البديهي أن تضيع منه حصص الترويض البدنية على امتداد هذه الأسابيع الطويلة من البطالة والتوقف عن كل نشاط . ومع ذلك، فقد نزع به الفكر الى عوامل العمر التي تحيل الاعمال اليدوية الى سلسلة مزعجة من الوجع والعذاب ؛ لاسيما تلك الاعمال التي تنعدم فيها مقومات الدقة والوضوح والضبط . هذه الآلام التي تتكسر منها العظام في ظهره، إنما هي إعلان واضح بمقدم الشيخوخة . فحينما يتسرب الاضطراب الى عضلات البدن، وتضعف فيها روابط الالتحام والتماسك، يضحى كل عمل يدوي مشمولا بشتى نوازع الكدر والغم والانزعاج، ويتحول الى مقدمة تمهد للفناء المؤكد . وليست الأماسي التي تعقب الفواصل القوية من المجهود العضلي وتبعاته من البذل والتعب، سوى تمهيدا حقيقيا لليلة من الرقاد أشبه بالموت أو هو الموت بعينه . لشد ما صدق الولد في رغبته أن يصبح، عندما يكبر، رجل تعليم . والذي لا مراء فيه، أن الذين يلهجون بالخطابات وكل الكلام في موضوع العمل اليدوي، لا يفقهون شيئا في ما يقولون .

وبينما كان جيفار يهم بالنهوض من مكانه لاسترجاع أنفاسه وإبعاد هذه الأفكار البئيسة من سماء ذهنه، انطلقت الصفارة من جديد في فضاء المعمل، بإلحاح واضح، هذه المرة، يستثير الفضول، تتخللها انقطاعات وجيزة في الزمن، لا تلبث بعدها أن تصدح برنين غامر تملِؤه العبارة الحاسمة التي لا تقبل التأجيل . وتوقف جميع العمال عن العمل . ولقد مكث بالاصطار يصيخ السمع الى ذلك الرنين مشدوها، مداهما ؛ غير أنه ما عتم أن بدا عليه التصميم، فقام وقصد الباب بطيء الخطوة، متمهل الحركة . كانت قد انصرمت لحظات معدودة على اختفائه وراء الباب، عندما توقفت الصفارة في نهاية المطاف . استأنف العمال نشاطهم، وابتدأ العمل يأخذ ايقاعه المألوف المتجدد . وبعنف شديد ينفتح الباب لمرة ثانية على بالاصطار يهرع في اتجاه مستودع الملابس . لا يلبث أن يخرج منه وقد انتعل حذاءه الرياضي، وسترته بين يديه ينشغل بارتدائها . وخاطب جيفار وهو يمر بمحاذاته : " – تعرضت البنت الصغيرة لنوبة مباغتة . وإني ذاهب لإحضار جيرمان " . ثم مضى مهرولا في اتجاه البوابة الضخمة . والدكتور جيرمان من سكان الضاحية، ويشتغل في المعمل كطبيب . وأعاد جيفار الخبر على الاسماع بدون زيادة أو تعليق، فتحلق الآخرون من حوله، وطفقوا ينظرون الى بعضهم البعض في حالة من الحيرة والدهشة والارتباك . ولم يعد يسمع في فضاء المعمل غير محرك المنشار الميكانيكي الذي راح يطوي المدارات طليقاً لا توقفه الموانع . وسُمع أحد العمال يقول : " – لعل البنت تكون بخير " . ثم إنهم التحقوا جميعهم كل بمكان عمله، واكتسحت أركان المعمل لفائف الضوضاء والصخب المتجدد . وبدا أن وتيرة أياديهم قد أدركها ما ينم عن بعض التبطيء وعن نوايا عابرة في بعض التمهل، فلبثوا كأنما تسود أذهانهم هواجس ترقب بقرب حدوث أمر ما .

ستنصرم ما يقارب ربع الساعة حينما عاد بالاصطار من جديد، يتخلص من سترته، ثم يعاود الخروج من البوابة الصغيرة دون أن ينبس ببنت شفة . وعلى صفحة الكوات الزجاجية للمعمل استسلمت أضواء النهار للذبول، فذوت فيها كل بارقة . بعد لحظات قليلة، تسربت الى الفواصل التي ينتكس خلالها المنشار في قضم الخشب ما يشبه جرساً مكتوماً أنبأ عن مقدم سيارة اسعاف، بعيدة الصدى في البدء، ولما دنت، جثم حضورها المكين على الكون . سرعان ما خمد فيها الهدير، فاستكانت الى الصمت . مع قدوم بالاصطار مرة أخرى، التأم من حوله كل العمال . كان إصبوصيطو قد قطع التيار عن المحرك فهمد . أخبر بالاصطار بأن الطفلة كانت في غرفتها، وحينما همت بخلع ثيابها، سقطت على الأرض سقطة مفاجئة كأنما احتشت بضربة محش . فقال ماركو : " – يا للأمر الرهيب " . وحرك بالاصطار رأسه في حيرة، وندت عنه التفاتة غامضة التعبير في اتجاه المعمل . وكانت واضحة على محياه أمارات البلبلة والقلق . ومن جديد، خرق عباب السكون رنين سيارة الإسعاف . ولبث العمال ملتئمين على بعضهم البعض في قلب المعمل يشملهم هدوؤه المقيم، تتدفق على مناكبهم من الكوات الزجاجية أمواج من الأضواء الباهتة . و قد تدلت على طول سراويلهم البالية المغطاة بالنشارة أياديهم الغليظة الحرشاء التي عبث بها الشعور بالعجز، فمضت لا تهتدي لأي سبيل .

تجرجرت بقايا ما بعد الظهيرة في غير هدى، وزحفت ظلالها على النفوس بالسأم . وبين جوانح جيفار، ارتدت كل العواطف عن ضفاف الروح إلا ما كان من شعور عميق بالعياء، وانقباض موصول في الفؤاد . لشد ما كان يود التعبير عن بعض المكنونات الجاثمة في الصدر. لكنه لا يعثر على أي شيء ليقوله . ولم يكن الآخرون بأحسن منه حالا فينطقون، أو يعبرون عما في دواخلهم من شوارد الخاطر . وحدها الغمة وسيف العناد هو كل ما يرتسم متوهجا على صفحات وجوههم المصمتة . وبين الحين والحين، لبثت تتشكل في ذهنه كلمة الشؤم، غير أن حروفها لا تكاد تتجمع في الفكر إلا لتعاود الاختفاء مثلما الفقاعات لا تظهر إلا لتتفرقع مرتدة للعدم . واجتاحته الرغبة في العودة الى البيت، والجلوس الى فيرناندة والى الولد، وتجديد الموعد مع الشرفة . وهو بالضبط ما حصل في تلك اللحظة ؛ حيث قام بالاصطار بإعلان نهاية اليوم، وأزوف موعد اقفال المعمل . في الحين، هجعت الآلات وخمد فيها الهدير . وبدون ما يمكن أن يوحي بالاستعجال، شرع العمال يطفئون مواقد النار، ويرتبون أماكن عملهم، وليأخذوا، الواحد بعد الآخر، سبيلهم صوب مستودع الملابس . وكان سعيد آخر الملتحقين لالتزامه بتنظيف المكان، ورش الأرض المغبرة بالماء . عندما وصل جيفار الى مستودع الملابس، كان إصبوصيطو، ببنيته الجسمانية الضخمة والمكسوة بالشعر، منهمكا بالاغتسال تحت المرشة ؛ قد ولاهم بالظهر، ويداه تغطيان بزبد الصابون كل موضع من البدن في حركات رشيقة صاخبة . ولقد كان من المألوف أن يمازحه العمال في حرمات الجسد، وأن يتعرضوا له بشذرات الفكاهة في مواطن الحياء . وبالفعل، فقد دأب هذا الدب الكبير على أن يحرص بكل ما أوتي من الإصرار على إخفاء مكارم أعضائه التليدة . ومع ذلك، لم يكن يبدو على أي واحد منهم، في هذا اليوم، أنه لمح شيئا . غادر إصبوصيطو مقصورة المرشة وهو يرجع القهقرى، ثم لف حول وركيه فوطة شبيهة بالتنورة . وتتابع الآخرون يلجون للاغتسال كل حسب دوره . وبينما كان ماركو يصفق خاصرتيه صفقاً شديداً، تناهى الى الاسماع ضجيج البوابة الكبيرة للمعمل في سيرها البطيء على الدولاب . ودخل لاصال .

كان ما يزال يرتدي الثياب نفسها التي حضر بها أثناء زيارته الأولى، إلا أن شعره فَقَد بعضاً من تسريحته فتشعث واغبرٌ . انتصب فوق عتبة الباب وراح يتأمل الفضاء الفسيح للمعمل بعد أن انسحبت عنه مجموعة العمال ؛ ثم خطا بضع خطوات وتوقف مرة ثانية وألقى نظرة على مستودع الملابس . التفت اليه إصبوصيطو، وكان ما يزال ملفوفا في فوطته، فتمايل بعض الميل على قدميه من الارتباك لتجرده من الثياب . وخطر في ذهن جيفار بأن الأمر يعود لماركو لكي يقول كلمة . إلا أن ماركو واصل اختباءه عن الأنظار في سيول المياه المتدفقة عليه من المرشة . وكان إصبوصيطو قد تمكن من الوصول الى قميصه فلبسه مسرعاً . وقبل أن يتقدم لاصال خطوات معدودة صوب البوابة الصغيرة، خاطب العمال بصوت افتقد الرنين وضاع عنه الصدى : " – عمتم مساءاً " . وبينما خطرت ببال جيفار فكرة المناداة عليه، كان الباب قد انقفل من جديد وراءه .

دلف جيفار الى ثيابه فأعاد ارتداءها من دون أن يغتسل، وبدوره خاطبهم، وبكل ما في جوانح القلب من الود، أن عمتم مساءاً، فردوا تحيته بأحسن منها مودةً وعطفاً . وبخطو رشيق خرج يقصد دراجته الهوائية التي، بعودته مرة أخرى اليها، تعود اليه، وهو يقفز على متنها، أوجاع الجسد المنهك وأنات المفاصل المتمزقة . وها هو الآن يتقدم على الطريق محفوفا بعبير المساء، يخترق زحمة المدينة وحركة سيرها الزاخرة . لبثت الدراجة تطوي المسافات مسرعة ومبادرة . لشد ما كان يهفو للعودة الى البيت العتيق وتأصيل الوفاء الذي يجمعه بالشرفة . سيكون عليه في البدء أن يلج مغسل الثياب للاستحمام قبل الجلوس لمشاهدة البحر، الذي يسير بصحبته الآن، حيث تبدت صفحته على أرصفة الشارع الطويل فاحمة اللون شديدة القتمة أكثر مما كانت عند الصباح . وكانت تسير بصحبته أيضا صورة البنت الصغيرة، والتي لا تكف عن مداهمته واقتحام أفكاره المتزاحمة والمتراكمة .

حينما وصل الى البيت، كان الولد قد عاد من المدرسة، وينهمك في مطالعة مطبوعات مزينة بالرسوم . وسألته فيرناندة في ما إذا كانت كل الأمور قد سارت على أحسن ما يرام . لكنه لم ينطق بأية كلمة، وواصل الاغتسال في موضع غسل الثياب . ولما انتهى، جلس على الدكة وأسند ظهره الى جدار الشرفة الصغير . كانت تتدلى من فوق رأسه أقمشة تنتشر عليها المرتقعات وثياب تخترقها خياطة ورتوق . وشرعت السماء تبين عن شفافية أديمها الأصيل الرائق . وهناك الى البعيد، في ما يلوح من خلف الجدار، تراءى البحر يحتضنه المساء المشمول بالصمت وبالسكون . وجاءت فيرناندة تحمل في يديها قدحين من شراب الأنيسون وقُلٌة صغيرة من الماء البارد ؛ ثم اتخذت لنفسها مكانا بالقرب من زوجها . ومثلما كان يحصل في الأيام الأولى من زواجهما، أمسك بيدها وحكى لها عن كل شيء . ولما انتهى الى آخر الحكاية، تجمدت أوصاله واعتراه الهمود، وطفق يحدق جهة البحر حيث تراقصت أمام عينيه على امتداد الأفق أطياف الشفق العابر . وقال : " – آه . هو من يتحمل المسؤولية عن كل الذي جرى " . وتمنى لو كان في عز الشباب، وفيرناندة كذلك، لما كانا ليترددا لحظة واحدة في الرحيل عن هذه الأرض، والمغادرة صوب كل تلك الأماكن البعيدة والمترامية في ما وراء هذا البحر .

***

 

......................

 - Albert Camus : L ’ Exil et Le Royaume . Editions Gallimard . 1957 .

 

 ضياء نافعقصيدة للشاعرة الاذربيجانية المعاصرة:

 مايا بادالبيلي

ترجمها عن الروسية: أ. د. ضياء نافع


اتقاسم كل شئ مناصفة معك –

القمر والنجوم،

والليل في السكون،

وشعاع الشمس

  في الصباح،

والدفء لنا معا

سيكون..

**

اتقاسم كل شئ مناصفة معك –

يوم الربيع،

 ونسمات الهواء

في الفضاء،

وكل العالم لنا معا

سيكون..

**

 لكن احزانك،

لا اتقاسمها معك،

اذ كل احزانك -

احزاني

ستكون..

***

 

 

صحيفة المثقفالاوراق المتساقطة والثلوج المبكرة

للشاعر الامريكي كينيث ريكسروث

ترجمة: مريم لطفي


في السنوات القادمة سوف يقولون

لقد تساقطوا مثل الاوراق

في خريف 1939

 نوفمبر قد حل على الغابة

الى المروج حيث انتقينا بخور مريم*

السنة تتلاشى مع الصقيع الابيض

على البردي البني في المروج الضبابية

في الصباح حيث مسارات الغزلان سوداء

اشكال الجليد في الظلال

القيقب الاشعث يتدلى فوق الماء

اشعة الشمس الذهبية العميقة تتلالا على التيار المنكمش

السلمون النعسان ينتقل خلال الاعمدة  البنية والذهبية

 اوراق القيقب الاصفر تترك دوامة فوقهم

الاوراق المتلالئة لشجر الحور

الزيتون,اوراق الدر المخملية*

اوراق قرانيا* القرمزية

الاكثر تاثيرا على الاطلاق

 في الظهيرة شفرات رقيقة من الغيوم

تتحرك فوق الجبال

تتبعها السحاب العاصفة

المطر الناعم يتساقط بدون ريح

 الغابة ممتلئة بصمت رنان رطب

عندما يوقف المطر الغيوم

تتشبث بالمنحدرات والشلالات

في المساء تتغير الريح

يتساقط الثلج عند غروب الشمس

نقف في الشفق الثلجي

ونشاهد القمر يرتفع مخترقا الغيمة

بين  اشجار الصنوبرالسوداء توجد شرائط ضيقة من ضوء القمر

تلمع بالثلج العائم

البومة تبكي في غربلة الظلام

القمر له لمعان مثل الانهار الجليدية

............................

Falling leaves and early snow

In the years to come they will say,

“they fell like the leaves

In the autumn of nineteen thirty-nine”

November has come to the forest,

To the meadows where we picked the cyclamen

The year fades with the white frost

On the brown sedge in the hazy meadows,

Where the deer tracks were black in the morning

Ice forms in the shadows,

Disheveled maples hang over the water,

Deep gold sunlight glistens on the shrunken stream

Somnolent trout move through pillars of brown and gold

The yellow maple leaves eddy above them,

The glittering leaves of the cottonwood,

The olive, velvety alder leaves,

Most poignant of all

In the afternoon thin blades of cloud

Move over the mountains;

The storm clouds follow them;

Fine rain falls without wind

The forest is filled with wet resonant silence

Snow falls in the sunset

We stand in the snowy twilight

And watch the moon rise in a breach of cloud

Between the black pines lie narrow bands of moonlight,

Glimmering with floating snow

And owl cries in the sifting darkness

The moon has a sheen like a glacier

***

 

.....................

* بخور مريم: ويسمى باللاتينية (سيكلامن) وهومن النباتات العشبية المعمرة،وله العديد من الاسماء،اوراقه بيضوية ضيقة النهاية وقاعدتها قلبية،ازهارها جميلة والوانها المحسنة الاحمروالبنفسجي والزهري والابيض مرورا بالوردي والارجواني ولها فوائد طبية كثيرة.

 الدر: نوع من الاشجار يالف الماء

* قرانيا: وهي من اجمل الاشجار في القارة الامريكية ازهارها تتجمع بعناقيد ذات رائحة عطرة تشبه الشوكولاتة.

..............................

كينيث ريكسروث: كينيث تشارلز ماريون ريكسروث ولد في انديانا/الولايات المتحدة (22 ديسمبر1905)كان والده بائع ادوية،وكانت طفولته مضطربة بسبب ادمان والده الكحول ومرض والدته المزمن ثم وفاتهما فيما بعد وانتقاله للعيش مع عمته في شيكاغو والتحاقه في معهد الفنون رساما ثم مترجما وكاتبا وناقدا  امريكيا، كان شعره المبكر تجريبيا وتاثر بالسريالية ،وكان مترجما غزيرا للشعر الياباني والصيني  واليوناني والاسباني ،ويعتبر شخصية محورية في نهضة سان فرانسيسكو،ومهدالاساس للحركة،على الرغم من انه لم يعتبر نفسه شاعرا في فريق"بيت" ولم يعجبه،الا ان مجلة التايمز اطلقت عليه لقب "ابو النبض"،وكان قارئا غزير الانتاج للادب الصيني.

عاش في سان فرانسيسكو لفترة طويلة منذ عام1927،وهو احد ابطال حركة الهزيمة"جيل الهزيمة"،كما انه كان مهتما بالثقافة الشرقية وقد زار اليابان عدة مرات،ودرس العديد من اللغات بمفرده،وقام بترجمة الانجليزية وغيرها من ترجمات تانكا وهايكومثل"100 شعر كلاسيكي وكلاسيكي"و"54 " تشمل الاعمال الاخرى والعديد من القصائد مثل"الحيوانات والسلاحف"و"44"القصائد الجديدة"و"74"الطيور في بايو"و"مجتمع اخر" والعديد من الانتقادات وملاحظات السيرة الذاتية،وهي كتاباته الحميمة التي سجلها خلال الحياة ولم تكن بالضرورة مخصصة للنشر بما في ذلك(الرسائل،المذكرات،المجلات،والذكريات)

وياتي تمييزه للشعر الياباني واختلافه،من كونه يحتفي بالتجربة الشعرية والانسانية المحضة،كما ان القصائد اليابانية تميل الى القصر،فالاشكال اليابانية اقصر من الاشكال الشعرية لغالبية الثقافات الاخرى،ولعل اشهر تلك الاشكال واوسعها انتشارا قصيدة "الهايكو" ومن المعروف ان ثيمات هذا الشعر تتغنى بجمال الطبيعة عموما والحب وحياة الرهبان والموت الذي هو نهاية كل شئ.

توفي في 6يونيو 1982 بعد ان ترك خزينا ضخما من الاعمال الادبية.

 

مريم لطفي

 

نزار سرطاويجاكي الين

ترجمة: نزار سرطاوي


 حين تروح الريح العاصفة

تعوي وتئن  ليلَ نهار

وتتمايل الأشجار 

وتتساقط حبات البلوط

 

يبدو ذلك كما لو كان فيلمًا

أرى فيه الماضي يرقص الدبكة

فوق سطح بيتي

الجبلي المبني من الصفيح

 

وما أن تأتي ببالي صورة

تلك الأيام الخوالي 

حتى تعود بي إلى سنيّ المراهقة

وتعيدني إلى مكانٍ وزمانٍ ماضيين

 

لم يكن ليدور في خلدي أبدًا

أن الإجابة على السؤال

حول قدرتي على الطيران

سوف تأتي على أجنحة الشعر

1614 Jackie Allen

Wings

 When the windy breeze

Howls and moans, day and night

And the trees sway

And acorns drop

 

It is as if, in a movie

I see my past tap dancing

Across the tin roof top

Of my mountain home

 

And, just the very thought

Of those long ago days

Returns me to my teens

And back into a place and time

 

Where, never could I have envisioned

That the answer to the question

Of whether or not I could fly

Would come on the wings of poetry

***

 

........................

نشأت الشاعرة الأميركية جاكي ديفس آلين وترعرعت في جبال كامبلاند التي تشكل السلسلة الجنوبية الشرقية من جبال الأبلاش. كان والدها يعمل مزارعاً ووالدتها ربة بيت. ورغم أن لها شقيقة تكبرها سناً فقد كانت ألين أول عضو في الأسرة يتلقى التعليم الجامعي، حيث تحمل شهادة البكالويوس في تدريس العلوم للصفوف الإبتدائية من جامعة رادفورد. وقد عملت في حقل التدريس في المدارس الحكومية والخاصة، وأيضاً في إعطاء الدروس الخصوصية في الفن.

تقيم حالياً في شمال ولاية فرجينيا، كما تقضي مع زوجها الكثير من الوقت في بيتهما الجبلي بالقرب من سلسلة الجبال الزرقاء، التي تعيد إليها ذكريات أيامها الماضية في جبال الأبَلاش.

صدرت لها ثلاثة كتب: "البحث عن اقواس قزح: شعر ونثر وفن" (2015)، "الجانب المظلم من القمر" (2017)، "لا اوهام عب المرآة". ويشتمل الكتاب الأخير على قصائد سردية وبعض الذكريات والحكايات. وقد صدر عن مؤسسة إينر تشايلد للطباعة والنشر.

 

عادل صالح الزبيديترجمة لقصيدة الشاعر

 جواد غلوم:

 "استأذنكم بهنيهة حزن"

 

I Ask Your Leave for a Moment of Grief

A Poem By Jawad Ghalom

Translated By Adil Saleh Al-Zubeidi

 

I Ask Your Leave for a Moment of Grief

 

I call upon my eyes,

I blame my tears:

Stop looking at the mirrors that have known her face

For all those long years.

I say to my hands and shudder:

Stop fumbling in the cupboard;

For the Melissa perfume

Still longs for her as a stranger longs for company;

For her face that flutters as a bird rejoices the sight of her;

Like a wing fleeing from fear to its safe nest,

As she said farewell and fled,

Like our lost dreams,

Our common disappointments,

And that chandelier that melts without a candle in there.

This is her sleepless pillow

Stuffed with ceaseless insomnia.

These are her faded garments

Whose flowery decorations have exasperated me

By incessantly demanding sweet nectar

And grief-soothing odor.

O, my sun that has misguidedly  departed.

Does the sun grow old in death?

Here is its beam arising despite slumber

Reviving in me a deathful life.

***

The bracelet and the diamond are gone

And I'm in Baghdad left alone.

She was to my heart a friend

And the stairs to my glorious throne.

***

Would that we had died together

And lied in a tomb with one stone.

Will grief console my loneliness?

What worth is life when you are gone?

 

للاطلاع على النص الأصلي في المثقف:

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/947264

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: براين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


قطة تحت الحجـْر

لا بد من القول إن قطتي

قد تكيفت مع الحجر على نحو جيد.

 

تغادر الأريكة لأغراض محدودة جدا،

لممارسة التمارين مرة واحدة في اليوم في الحديقة،

 

ولا تنسى أبدا غسل مخالبها

بما لا يقل عن ساعتين بعد عودتها.

 

لم تعد تقابل الأصدقاء او الأقارب

الذين لا يسكنون في منزلها،

 

لكنها تتسلى بالتواصل معهم

من خلال سكايب او زوم.

 

اذا تجاوزت قطط أخرى حدود منطقتها،

فإنها تحرص دائما على المحافظة على التهاوش الاجتماعي

 

وتستهجن عمل جارتها

التي خزنت الجرذان لأسابيع.

 

إنها تتحمل الحال بصبر وجلد

على الرغم من علمها بأن كل شيء قد تغير،

 

وحين تمر سيارات الإسعاف،

توقظها من نومها فتنظر إليّ كأنها تقول،

 

لا تقلق، إنني هنا،

وليس لدي خطط للذهاب الى أي مكان.

***

 

........................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له أول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) في عام 2016 ورواية بعنوان (يوميات احدهم) في العام الحالي. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

 

صحيفة المثقف

مشاهد

للشاعر التشيكي: ميروسلاف هولوب

ترجمة: حسين السوداني


- مشاهد -

طفل يصادف مرآة ويحدق فيها.

طفل يظهر أسنانه ويلوح بيده.

طفل يرفع زوايا فمه ويحدودب.

طفل يمط جفنيه ويخرج لسانه.

يلعب دور السعيد

ويلعب دور الحزين

ويلعب دور الشيطان الخارج للتو من علبة جديدة.

يقول الطفل: ليس بعد.

هذا ليس أنا بعد.

كان حفار القبور - كرونوس - يدهن بدنه دائما

بعد الدفن وينام في المقبرة.

ومن النوافذ المهشمة يرمي الأولاد عليه

أكاليل الزهور القديمة.

لإلقاء نظرة الوداع

وأرقد بسلام

نحن نتذكرك.

حفار القبور ولبرهة من الوقت طاردهم بمشقة،

بعدها ذهب ثانية ليحفر.

. وأخيرا نزل إلى القبر ونظر إلى جدرانه

 أظهر أسنانه ومط جفنيه،

وقال: ليس بعد

وبدلا من ذلك، بطبيعة الحال حصل مرة،

أن ذهب على دراجته لشراء قنينة خمر أخرى

سقط وتهشم الجزء السفلي من قحفه.

تمدد على الإسفلت، كانت عيناه الزرقاوين مفتوحتين على سعتهما، ووجهه جاسىء من الرمل لكنه لم يكشر.

والآن .

في تشرين الثاني / أكتوبر

تأتي المرآيا وتتهادى في المدينة

وفتنة لوحات اللوحات

تحيي شهر تشرين الثاني / نوفمبر

المشاة يمررون بضيق بعضهم البعض

 إنتظر، تقول الأم،

فالطفل يسوع لن يجدك.

فرح الطفل حين سمع ذلك.

لأن الطفل يسوع يخز

يلتبس عليه الإسم بإسم القنفذ *

لكنه يراه.

مرة، في المراعي العالية على الرابية الجافة العشب

بعد الفجر الباكر صادفت حصانا أعمى.

إنقاد خلفي بخطوات صامتة متسقة.

على الشجيرة جلس ذكر بومة قرناء كبير

وأدار رأسه.

ذهبنا إلى الوادي.

وقبل وصولنا إلى الشارع،

جلست على حجر وانتظرت، جاهلا إلى أين يريد

الوصول حصان المرعى الأعمى.

بأدب جم إنتظر خلفي طويلا.

بعد ذلك، جمع نفسه وذهب عائدا نحو الأعالي فوق

الحاجبين حتى إختفى في السماء.

إنتصبت الشمس عالية وهبت ريح كالعظم.

نمشي حول بركة سمك جفلة

** يقول الطفل: لا أريد القفيفيزات

ويبحث بيد تشبه الفأرة المدجنة عن يدي.

أتأمل

لقاء اليد

في الضوء الزجاجي لشهر كانون الأول / ديسمبر

لعل هذا ليس أنا بعد.

**

براغ 13. 6. 2020

...............

* إلتبس المعنى هنا على الطفل البريء لأن الأسم المحبب للطفل يسوع في اللغة التشيكية هو Ježíšek

: وإسم القنفذ هو Ježek

** في اللغة التشيكية يستخدم إسلوب التصغير للتحبيب وليس للتحقير مثلما هو موجود في اللغة العربية كواحد من ثلاثة أغراض للتصغير

ويستخدم في اللغة التشيكية على نطاق واسع وبالأخص عند التكلم مع الأطفال لذلك إستخدم الطفل هنا كلمة (قفيفيزات) ولم يقل قفازات لأن يديه صغيرتان والقفازات للكبار وليس للأطفال

...........................

النص التشيكي

VIDĚNÍ

Dítě potká zrcadlo a podívá se.

Dítě cení zuby a mává rukama.

Dítě svěšuje koutky úst a hrbí se.

Dítě si stahuje oční víčka

a vyplazuje jazyk.

 

Hraje veselého

a smutného a

hraje čerta ze škatulky.

Ještě ne, říká si dítě.

Ještě to nejsem já.

 

Hrobník Cronus se vždycky po pohřebu namazal a vyspával v márnici. Rozbitými okny po něm kluci házeli staré věnce Poslední Sbohem a Odpočívej v pokoji a Vzpomínáme. Hrobník je chvilku namáhavě honil a pak šel zase kopat.

Nakonec vlezl do hrobu a díval se do stěny.

Cenil zuby a stahoval si oční víčka. Ještě ne, říká si. Jednou ovšem místo toho jel na kole pro další flašku, spadl a zlomil si spodinu lební.

Ležel na asfaltu, měl široce otevřené modré oči a strnulou tvář z písku ; grimasy nedělal. Už.

 

V říjnu přicházejí zrcadla

a chodí městem. Obrazy

obrazů oživují listopad.

 

Chodci míjejí sami sebe.

Počkej, říká maminka,

Ježíšek tě nenajde.

Dítě je rádo, protože Ježíšek

píchá. Dítě si ho plete

s ježkem. Ale vidí ho.

 

Kdysi na polaně, na suchém travnatém kopci jsem potkal za ranního rozbřesku slepého koně.

Vydal se za mnou tichým, pravidelným krokem.

Na keři seděl obrovský výr a otáčel hlavu. Šli jsme do údolí. Před silnicí jsem si sedl na kámen a čekal, nevěda, kam se vodí slepí koně z polany.

Dlouho stál pokorně za mnou. Pak se sebral a šel zpátky vzhůru po úbočí, až zmizel v nebesích. Slunce stálo vysoko a zvedal se kostnatý vítr.

 

Jdeme kolem leklého rybníka.

Já nechci rukavičky, říká

dítě a hledá ručičkou,

podobnou ochočené sýkorce,

mou ruku.

 

Sleduji

setkání rukou

ve skelném světle prosince.

Asi to ještě nejsem já.

 

 

صالح الرزوقبقلم: أندرو بورتر

ترجمة: صالح الرزوق

1-

دائما ما تتبدل حكاية جيمينا.

أحيانا هي امرأة ابتعدت عني زوجتي بسببها، وأحيانا هي المرأة التي أنا ابتعدت عن زوجتي من أجلها. وفي أوقات أخرى لا هذا ولا ذاك. لم أعد أتكلم عن جيمينا ولا عن زوجتي كارلي بعد الآن. وأنا لم أهجر زوجتي ولا هي فعلت. ولكن بنحو من الأنحاء هذا غير صحيح تماما. حينما دخلت جيمينا في حياتنا، كنا كلانا في الثامنة والثلاثين، ومتزوجين حديثا. وقبل ذلك كنا نلتقي ونعيش معا لما يقارب عشرة سنوات.

كانت جيمينا تعيش في شقة تحت شقتنا، ولكن لم نقابلها إلا بعد مرور ستة شهور على وجودها. كنا نعلم بأمرها طبعا - فهي امرأة منطوية وجذابة في أواخر العشرينات وكانت تتسلل إلى شقتها وتغادر منها في أوقات غريبة، في ساعات متأخرة من الليل أو مبكرة من النهار، غير أننا لم نتبادل معها الكلام.

وأتذكر أنني سمعت صوت جيمينا في أوقات متاخرة ليلا وهي برفقة مجموعة من المعارف، أو أحيانا مع صديقها، وهما يرتطمان بالمفروشات، أو يسقطان مصباح الطاولة، ودائما يقهقهان. كانت تشرب كثيرا، وتغادر ليلا أربع أو خمس مرات في الأسبوع. ولم تكن عندي فكرة إن هي مرتبطة بعمل، ولكن أفترض أنها تعمل.

قالت كارلي لي في إحدى الليالي ونحن نستلقي في السرير ونصغي لصوت جيمينا وهي تتجول في أرجاء شقتها تحتنا ثملة:"إنها تعيش كأنها ابنة واحد وعشرين عاما".

قلت:"ربما هي أصغر مما نعتقد".

قالت:"ربما، ولكنها ليست بعمر واحد وعشرين عاما فقط".

لم تكن كارلي توافق على سلوك جيمينا، وأبدت امتعاضها تقريبا منذ أول لحظة. ولاحقا ضحكت جيمينا من ذلك- لا سيما من طريقة كارلي "الباردة" كلما التقت بها في الممر، ومن نظراتها العدائية أو من تجاهلها لها في مرات أخرى. ومرة قالت جيمينا وهي تضحك:"أعتقد أنها تحسب أنني غانية، أو ربما مجرد مدمنة مخدرات". وطبعا لم تكن جيمينا من هذين النوعين. بل هي طالبة فنون في كلية ساوث ويست للفن، وتحمل درجة بكالوريوس فنية في السيراميك. وكانت تعمل صباحا في مخبز في الحي يقع في ساوث سايد من سان أنطونيو وتنفق كل ما بعد الظهيرة في حصص دراسية أو تمكث لساعات طويلة في الأستوديو.

و في المساء تغادر بالعادة مع أصدقائها، ولكن أحيانا بمفردها. وأخبرتني بكل هذه التفاصيل ونحن نشرب القهوة في الصباح بعد أن رأيتها أمام باب بيتها المغلق فجأة. كان هذا يتكرر معها مؤخرا. ويبدو أن بابها يقفل من الداخل بمجرد أن تغلقه، وعلى ما يبدو أنها تنسى هذه المشكلة مرارا. وبالعادة أسمع خطواتها على السلالم، وهي تطرق على أبواب الجيران، في محاولة لاقتراض هاتف نقال. وفي ذلك اليوم، لم يواتها الحظ في الطابق الأول، وبدأت تصعد السلالم إلى الطابق الثاني. وفتحت لها الباب حينما طرقته، وكانت مترددة ومتوترة.

قالت دون أن تقدم نفسها:"طلبت منهم تبديل ذلك القفل. وكنت أكرر طلبي كل أسبوع".

قلت:"هل تودين الدخول؟".

حدقت بي.

أضفت:"يمكنك استعمال هاتفي الخليوي لتتكلمي مع بيني".

وبيني هو حارس المبنى لكنه لا يسكن معنا. وهو رجل عجوز وشرس ولا يرد على المكالمات.

عقدت جيمينا ذراعيها على صدرها وتابعت التحديق بي. لم يكن بمقدوري أن أقول إنها تقيسني بنظراتها، وتتكهن هل يمكن الوثوق بي أم لا.

قلت لها وأنا أسحب هاتفي من جيبي وأحرر شاشته من القفل وأقدمه لها:"يمكنك أن تكلميه من هنا إن شئت".

نظرت للهاتف، ودون أي كلمة حملته معها إلى نهاية الرواق وطلبت رقما - وافترضت أنه رقم بيني - وكانت تنظر من النافذة الكبيرة المسدودة بالقضبان الموجودة في نهاية الرواق. وقفت عند عتبة الباب وراقبتها وهي تتكلم بالهاتف، وظهرها باتجاهي. كانت ترتدي قميصا أسود خفيفا وطويلا، وصل حتى ركبتيها، وكان شعرها مبلولا، كما لو أنها خرجت من الحمام للتو. وكانت بلا حذاء. وبعد أن انتهت من المكالمة، عادت أدراجها وأعادت الهاتف.

"قال سيكون هنا بغضون عشرين دقيقة".

"هذا يعني أربعين".

ابتسمت وقالت:"صحيح".

قلت:"هل أنت متأكدة أنك لا تودين الدخول؟. كنت أعد القهوة. وبمقدورك استعمال كومبيوتري المتحرك إن كنت تنتظرين رسالة إلكترونية أو ما شابه".

رمتني بنظرات ملؤها الشك مجددا، ونقلت ثقلها من قدم إلى أخرى، ولكن لاحظت أنها قررت في النهاية أنني لست ضارة، أو ربما أنه لا يوجد ما يدعو للحيطة فعلا.

قالت أخيرا:"حسنا". وأخذت نظرة من الرواق لمرة أخيرة وأضافت:"لدقيقة فقط".

 

ساعة انصرفت جيمينا في ذلك اليوم، كنت قد كونت عنها فكرة كافية. علمت أنها مولودة في بيليز، وأنها عاشت في مناطق مختلفة من المكسيك خلال طفولتها، وأنها انتقلت إلى سان أنطونيو في فترة المدرسة الثانوية.

وكذلك علمت أنها لا تعرف أباها، ولها أختان، كلتاهما أكبر منها، وأن والدتها لا تزال تعيش في مونتري. وعاشت مع خالتها، وابن أخت أمها، طوال مرحلة الدراسة الثانوية، ثم انتقلت إلى كاليفورنيا وأنفقت فترة قصيرة، وكان يبدو أنها لا تريد الكلام عن تلك الأوقات. وقالت فيما قالت:"يا لها من أوقات ملعونة"، وحركت يدها، ثم أضافت بعد تفكير:"كنت تقريبا متزوجة". 

بعد ذلك عادت إلى سان أنطونيو، وعملت ما باستطاعتها لتحصل على البكالوريوس في الفن، في محاولة لإنجاز ما تأخرت عنه لسنوات: الحصول على الدرجة. بالنسبة لي، تكلمت قليلا عن حياتي، وأخبرتها أنني بلا عمل حاليا ولكن مشغول بعدة مشاريع، ومنها فيلم وثائقي عن فنانين محليين من جنوب سان أنطونيو. وذكرت عدة أسماء، على افتراض أنها تعرف شيئا عنهم، ولكن لم تكن قد سمعت بهم.

قالت:"في الواقع لا أحب التسكع مع الفنانين، معظمهم يهتمون بأنفسهم فقط".

أومأت بالموافقة.

قالت: "أحب أن أعمل، وأن لا أتكلم عن عملي".

سألتها ما نوع عملك، فقالت النحت.

"هل من مذهب معين؟".

ابتسمت وقالت:"نعم. الاتقان".

 

في وقت لاحق في ذلك اليوم، بعد عودة كارلي إلى البيت، أخبرتها عن حواري مع جيمينا. كانت كارلي تعمل آنذاك كمروجة لمؤسسة فنون محلية وبالعادة تعود إلى البيت متوترة وساخطة.

قالت:"هل أخبرتك عن أجرها؟".

قلت:"لكنها ليست عاهرة. هي طالبة فنون فعلا".

"هذا ما تدعيه كل العاهرات".

منحتها نظرة عميقة، وسألتها:"ما خطبك؟".

"أعتقد أنهم استبدلونني".

"بمن؟".

"متطوعة".

"طالبة جامعة؟".

وافقت بحركة من رأسها وقالت:"نعم. لكنها ليست طالبة جامعة حقا. فهي في الرابعة والعشرين". أخرجت من خزانة فوق المغسلة زجاجة ماسكال وسكبت لنفسها كأسا صغيرة.

قلت: "تختارين المشروبات القوية فورا هذه الليلة، آه".

قالت:"الليلة. نعم. هكذا هو الأمر".

كانت كارلي تعمل في هذه المؤسسة الفنية منذ أكثر من خمس سنوات بقليل. وتعرضت للطرد مرة من قبل، خلال الركود، بحجة اختصار النفقات، ثم أعادوها بعد ثمانية شهور، ولكن منذ حينئذ كانت على الحافة وقلقة من وضعها في الوظيفة. لم يسبق لها أن تعرضت للطرد من قبل في حياتها، ويمكن أن تجزم أن هذا الحادث هزها من أعماقها. لم نتكلم كثيرا حول ذلك، ولكن كلما صادفت يوما سيئا في العمل، شاحنت أحدهم، أو ارتكبت غلطة، أو كلما أحسن أحدهم عمله، تعتقد أنهم سيستبدلونها. في تلك الليلة، حينما استلقينا في الفراش ونحن نستمع لصوت جيمينا واثنين من أصدقائها وهم يعزفون الموسيقا في الأسفل - نوع من أنواع الإيقاع الصاخب، والنحاسيات القوية، والغيتار الثقيل- انحنت كارلي نحوي وحضنتني بقوة. وقالت:"الا تدفعك للشعور بالتقدم بالعمر أحيانا؟".

"من؟ جيمينا؟".

قالت:"نعم".

قلت:" كلا. ليس تماما. ولا أفهم لماذا تهتمين بها جدا. نحن لا نعرفها إلا قليلا".

قالت:"أعلم". وضغطت على ذراعي وأضافت:"ولا اعلم لماذا أفكر بها كثيرا أيضا".

 

حينما التقيت مع كارلي أول الأمر، كانت لا تزال تدرس في قسم تاريخ الفن بجامعة تكساس في سان أنطونيو. عاشت حياة هادئة في ساوث تاون لعدة سنوات وعملت مع مؤسسة غير ربحية كانت تشجع الكتاب والفنانين على الانضمام للمدارس المجانية. وساعدت في تأسيس تلك المؤسسة منذ البداية وانتابها الحزن ساعة مغادرتها، وأعتقد أنها كانت تفكر بالعودة إلى المدرسة. كنا نعيش في ساوث سايد حين ذاك، وكانت كارلي تذهب إلى جامعة تكساس بسان أنطونيو مرتين في الأسبوع وتحضر حصصها، بينما أنا كنت مشغولا بعدة أعمال تستغرق نصف يوم وفي مناطق مجاورة، وهي أعمال يمكن أن أجدها بسهولة وأحصل منها على أجر مناسب يدعمني في نهاية كل شهر حينما أكون محرجا. مع ذلك كانت تنسى ذلك - أنه مرت أوقات كنت أساعدها فيها وليس العكس. وعندما حصلت على ميراثي من جدي بعد عدة سنوات- لم يكن ثروة، ولكنه يكفي لبعض الوقت، إن التزمنا بالتواضع- توقفت عن العمل. كنت حينها أعمل في محطة أخبار تلفزيونية في نورث سايد، بصفة محرر صوت، وبمجرد تدفق النقود من جدي، طلبت الأذن بالإنصراف.  أخبرت كارلي أنني اأضل اغتنام الفرصة لتحقيق مشروعات أخرى، منها الفيلم اتسجيلي الذي عملت عليه. مر على ذلك خمس سنوات تقريبا، ولا تزال كارلي مصرة أن هذا أسوأ ما حصل لي - الحصول على تلك النقود. بل هو أسوأ شيء جرى لنا.

بالنسبة للفيلم التسجيلي الذي كنت أعمل عليه في حينه، لم يكن مشروعا بمقدار ما هو نوع من البحث عن شيء أنشغل به، أو شيء من المفترض أن يشغلني، ويعطي لحياتي معنى. وكان أيضا طريقة معقولة أفسر بها للناس كلما اجتمعت بهم لماذا لا أعمل حاليا. بدأت بالفيلم قبيل سنوات ولكن لم أحقق أي إنجاز يذكر حتى الآن. أجريت مقابلات مع دستة من الفنانين المحليين منذ أن بدأت به، ولكن لم أضع يدي على خيط مشترك. لم أجد موضوعا يمنح المشروع وجهة نظر موحدة. وآخر فنان التقيت به كان فتاة مضطربة تدعى أمايا سوتيل، وتعيش على مبعدة عدة شوارع من الشقة التي أعيش فيها مع كارلي. وكنا نعيش هناك قبل أن ننتقل إلى هنا. وتلك المقابلة هي أغرب حوار عقدته في كل حياتي وهو مدعاة للسخرية. وفي إحدى اللحظات تساءلت إذا كانت أمايا سوتيل قد تعرضت للرجم أو انها تحت تأثير عقار هلوسة مثل الميسكالين. وربما لم تكن تشعر أننا نجلس معا في غرفة واحدة. وبعد ذلك، تخليت عمليا عن المشروع لبعض الوقت، ولم أفكر بإجراء حوار آخر  قبل أن ألتقي مع جيمينا. ولكن أسأل نفسي هل الحوار كان مبررا لفتح باب الكلام مع جيمينا مجددا أو أنني حقا تصورت أنها يمكن أن تساعد على استئناف مشروعي. في الحالتين، حينما أسرعت إليها بعد أيام، التقينا عند الباب. فقد تصادف أنها قادمة لحظة أن غادرت من البيت. وطلبت من وقتها دقيقة. نظرت لي بشك، كما فعلت قبل أسبوع. كانت ترتدي بوط القتال، وغطاء رأس رقيقا أسود اللون وأكمامها مرفوعة ويمكن رؤية التاتو المنقوش حتى أعلى ساعديها. بعد لحظة هزت رأسها واقترحت أن ندخن سيجارة في الخارج. وحينما شرحت لها غايتي وإشراكها بالفيلم، التزمت الهدوء لفترة، وهي تتأمل الباحة الأمامية، كما لو أنها تفكر. ثم قالت:"هل ستصورني؟".

"لا ضرورة إن لم تحبي ذلك".

"لا أريد أن تصورني".

"حسنا. لا بأس. ربما بمقدورنا تسجيل كلامك أو ما شابه. حول عملك الفني".

"لا أريد تصوير عملي أيضا".

قلت:"حسنا. هل هذا يعني نعم؟".

قالت:"يعني ربما". ثم وقفت واستدارت وعادت إلى داخل المبنى.

 

في تلك الأمسية، خرجت مع كارلي لتناول الطعام برفقة أصدقاء. واخترنا مجلسا جديدا في حينا، وحينما كنا نمر أمام الأبنية المصطفة في نهاية شارعنا، أخبرت كارلي عن فكرة الحوار مع جيمينا. تنهدت وقالت:"هل حقا يمكن أن تعتبرها فنانة محلية؟. أليست هي طالبة بعد؟".

قلت:"هي محلية. وتصنع الفن".

"هل رأيت عملها؟. هذا الفن الذي تصنعه؟".

لم أفعل. ولا أعلم لماذا كذبت وقلت إنني رأيته، ولماذا قررت أن أخبر كارلي إنني شاهدت بعض أعمالها في ذلك الصباح وهي تبدو مقبولة. تابعت كارلي طريقها إلى الأمام بصمت، ووجها يخلو من الانطباعات.

قلت:"لا أعلم، ربما هي فكرة سيئة، ما رأيك؟".

و لم ترد كارلي. كانت ليلة حارة، ويمكن أن أقول إنها كانت تود أن تعود إلى الشقة المكيفة. وحينما بلغنا سلالم المبنى، أمسكت يدها، فضغطت على يدي بقوة.

2-

كان هناك أستوديو في سوث سايد من سان أنطونيو وجيمينا تحب أن تعمل فيه صباحا. وهو مساحة اجتماعية، يمتلكها رجل ثري أجر الغرف الصغيرة للفنانين المكافحين بجعالات بسيطة. ولا تذهب جيمينا إليه إلا بدعوة من أصدقائها الذين يسمحون لها بالعمل بالمجان. وكان لديها مساحة في أستوديو داخل مدرسة، ولكنها تفضل مكانها في ساوث سايد. فهو أهدأ، كما تقول، ومنعزل. وأخبرتني برأيها صباحا بعد عدة أسابيع ونحن نجلس على السلالم الأمامية للبناء، ونتشارك على سيجارة.

كنا نتسكع قليلا هناك  في وقت متأخر من ما بعد الظهيرة قبل عودة كارلي من العمل. وبدأت بالكلام مع جيمينا حول فنها، بشكل حوار أولي للفيلم التسجيلي، ولكن حوارنا تطور فورا إلى شيء آخر. في ذلك اليوم كنت أكلمها عن عاداتها بالعمل، وتقدمها به، ولماذا لا تحتفظ بمنحوتاتها في شقتها. صمتت فترة طويلة عندما قلت ذلك، ثم سحبت سيجارة وقالت إنها لا تعلم، ربما لأن أيا من منحوتاتها ليس مكتملا.

"ماذا تقصدين؟".

"ليست كاملة".

"لم تنتهي من أي منحوتة بدأت بها؟".

تنهدت ولم ترد، وتساءلت إن كان السبب الحقيقي شيئا آخر - ربما لم ترغب أن تكشف نفسها، أو على الأقل جزءا منها، في مكان شديد العمومية، مكان يزوره العديد من الأغراب. وفي مناسبتين عرضت علي صورا تحملها في هاتفها - صور بعيدة لمنحوتات من السيراميك صنعتها لحصص التدريس - قالت عنها تجارب، أو وظائف ( بتعبير آخر، عمل غير احترافي). عرضتها لي بسرعة متناهية- بشكل خاطف أمام وجهي للحظة قصيرة قبل أن تتابع - ولم تتوفر لي الفرصة الكافية لفحصها. وكما أذكرأحدها نوع من الغربان، أو ربما طائر أسود، مصنوع من السيراميك؛ واخرى قناع من الفن الشعبي المكسيكي، منحوت من الخشب، وله هيئة القيوط. وما تبقى تجريد، وكما لاحظت، أقرب لقلبها، وكانت تمررها أمامي سريعا، وهي تتمتم: فظيع أو مخجل. وبكل المقاييس، كانت جيمينا تبدو واثقة من نفسها، ومستغرقة بها، ولكن حينما تصل للكلام عن فنها، تنحو فجأة لتكون متكتمة، مستغرقة بذاتها، وخجولة.

في ذلك اليوم، حينما سألتها عن المزيد حول منحوتاتها، مالت للصمت والسكون، وحدقت للبوغانفيليا المزهرة والصبار الموجودين في نهاية الباحة، وبرقت عيناها. وقالت بهدوء بعد لحظة:"أفكر بالعودة إلى كاليفورنيا لبعض الوقت". وحكت ذراعها.

نظرت إليها وقلت:"حسبت أنك قلت إن لديك عنها ذكريات مريرة".

أخذت نفسا من سيجارتها، كأنها لا تتذكر أنها أخبرتني بذلك أو كأنها مستغربة أنني أعرف شيئا عن هذا الموضوع أساسا. وقالت:"ربما سأغيب لأسبوع أو ما شابه. أو ربما لفترة أطول".

"متى؟".

"الشهر القادم".

"ماذا عن حصصك؟".

نفضت رماد سيجارتها وتنهدت. وقالت:"حسنا، لا أعلم. أتصور أنها ستكون بانتظاري لدى عودتي، صحيح؟".

ونهضت وألقت سيجارتها على السلالم، وداست عليها بقدمها. وقالت:"بالمناسبة أخيرا حلوا المشكلةر".

"آه؟".

قالت:"بابي، في النهاية تدبروا موضوع ذلك اللعين".

 

لاحقا في تلك الليلة حينما عادت كارلي إلى البيت كان بمقدوري أن ألاحظ أن شيئا حصل في العمل. وبالمناسبة يمكن أن أؤكد أنها لم تكن تلقي التحية أو تترك حقيبتها في الردهة، ودائما تنصرف إلى غرفتها وتغلق الباب. وهكذا كانت حينذاك، يوم عزلت نفسها، وانتاب جسمي الضعف من التفكير. كنا بصعوبة نعيش من راتب واحد مع مدخراتي. وإذا فقدت كارلي عملها، سنقع بورطة. حينما غادرت الغرفة لاحقا في تلك الليلة، قالت إن الأمور ليست سيئة تماما، وهي لم تطرد من عملها. ولكن المتطوعة حصلت على ترقية.

"أصبحت أعلى منك؟".

قالت:"كلا. أصبحنا سواسية. وهذا سيء".

"لماذا؟".

قالت:"لأنها في الرابعة والعشرين. وأنا أبلغ ضعف عمرها. وستجني نفس المبلغ الذي أجنيه. وربما أكثر لأنها تحمل الماجستير".

وأمكنني أن أشاهد كارلي تحمل زجاجة الميسكالين وأخبرتها أنه ربما عليها أن تتجنب الشراب الليلة، وذكرتها كيف أصبح وضعها  في المرة السابقة وكيف توعكت، وكيف أنها فقدت رشدها طوال اليوم اللاحق. قلت:"لن يحسن الشراب أحوالك".

ولكنها تجاهلتني وفتحت الزجاجة. وقالت:"حينما بكون لديك عمل، عمل يدر النقود، يمكن أن تنصحني هذه النصحية. قبل ذلك...". ولم تكمل عبارتها. إنما سكبت الميسكالين في كوبها وغادرت من الغرفة.

في الأسفل سمعت جيمينا وإحدى صديقاتها تضحكان، والموجات المتتالية من موسيقا روتينية في الخلفية. وفكرت بما يمكن أن يجري لو هبطت إلى الأسفل وقرعت الباب. ماذا ستقول لي، وماذا ستفعل؟.

بعد قليل نهضت وتوجهت إلى طرف باب المطبخ ونظرت عبر غرفة الجلوس لغرفة نومنا، وشاهدت كارلي تجلس على حافة السرير في الظلام، وترتدي حمالة صدرها وسروالا داخليا فقط. ولدى رؤيتها لي، رفعت كأسها إلى شفتيها، وابتسمت ابتسامة طفيفة، ثم استدارت للطرف الآخر.

3-

بالنظر إلى الماضي، لم أكن متأكدة ماذا أعجبني في جيمينا كثيرا. ربما هي فكرة أنني حينما أكون برفقتها يجب أن لا أفكر بأي شيء آخر. كانت تعرض لي سلسلة أفلام كرتون غريبة على نيتفليكس، وكانت مهووسة بمعزوفات فرقة مجهولة من أيسلاندا وكانت تستمع لها في الوقت الراهن وأحيانا تعرض علي الأشياء التي تعمل عليها في دفتر الرسم. كانت علاقتنا صداقة بريئة ولا شيء أكثر من ذلك. ومع أنها جميلة، ومع أنني مغرم بها، لم أكن مهتما بها فيزئائيا، حتى لو جلست على مقربة مني، وساقها العارية تقريبا تلمس ساقي، كلما عرضت أمامي تخطيطاتها أو فقرة من قصيدة في مجلة أدبية عجيبة اقتنتها. كانت شقتها مثل خيال فنان مراهق. لديها بوسترات فرق الروك التي تعود لمنتصف الثمانينات، ولوحات بروباغاندا للشيوعيين، وقناع غاز من أيام الحرب العالمية الثانية مودعا ضمن علبة، وذراع مانيكان معروضة بطريقة استراتيجية على رف للكتب يحمل مجلدات من هـ ج ويلز وطبعات شعبية من قصص بوليسية رخيصة. وفي مطبخها بوستر عملاق لغالاكسي 500، وصورة لها بزي دافيد بوي الذي يعود لأيام ألبومه “عقل علاء الدين”. وصور فوتوغرافية مكسيكية قديمة ولقى فنية وأختام إسبانية وملاحظات موجهة لها مطبوعة على الجدار. و كل شيء في ظلام تام. وعمليا لم يكن هناك إنارة طبيعية في شقة جيمينا، وهو سبب آخر لأتلفت نظري. كانت مثل من يهبط في كهف مستقبلي حيث لا وجود لعالم خارجه.

كنت أذهب يوميا إلى هناك- كل مساء حينما تكون كارلي في العمل - وبوقت قصير تعارفنا، واطلع كل منا على ظروف الآخر، وتشاركنا حكايات الحرب التي تعود لأيام المدرسة، وتحدثنا عن الفنانين والأفلام التي نحبها كلانا. وكانت جيمينا تدفعني لإخبارها بحكايات عن فرقة الروك وجماهيرها في سان أنطونيو في مطلع الثمانينات، وعن الفرق المختلفة التي مرت هنا وبأوقات منتظمة. ويمكنني أن أقول إنها أحبت الاستماع لتلك الحكايات مثلما أحببت الاستماع لحكاياتها عن صباها في بيلسي ولاحقا في غوادالاجارا ومونتيري. وأحبت هذه الحكايات لأنها بعيدة عنها، ولأنها عن عالم وأزمنة لا تعرفها. وحوالي الساعة 5 أو 6 بالعادة أجد سببا لأصعد إلى بيتي. أخبرها أنه لدي غسيل أو تحضير عشاء. ولم أفصح لها أن السبب هو قرب موعد عودة كارلي أو لأنني أعلم أن كارلي لن يريحها انشغالنا معا، في الحقيقة، لم أخبرها شيئا فعليا عن كارلي أو عن حياتنا معا.

 

آنذاك كانت جيمينا مهتمة فعلا بالمخرجة الفنزويلية مارغرت بيناسيراف، وأنفقنا معظم تلك الأيام نتكلم حول أفلامها: ريفيرون وأرايا وكيف أنها توقفت عن العمل بعد ذلك، منذ الخمسينات، فورا بعد عمليها، ولكن من الواضح، كما قالت جيمينا، إنها لا تزال حية.

قالت:"لا بد أنها بلغت الخامسة والثمانين ، وربما التسعين"، حصل ذلك ذات يوم ونحن نجلس في المطبخ نشرب النيذ وننظر في كتاب فيه مشاهد من أرايا. تابعت:"أتساءل بماذا تشغل نفسها".

وذكرت أيضا أن أرايا حصل على تكريم في كان وحصد جائزة النقاد الدولية مناصفة مع فيلم “حبيبتي هيروشيما” لألان ريني، ولكن للأسف لم نسمع بذلك. قالت:"كل الناس سمعوا بألان ريني، لكن كم من الأشخاص يعرفون مارغرت بيناسيراف؟". توجب علي أن أعترف أنني لم أسمع بها من قبل، فتنهدت.  كانت تحدق باهتمام بصورة بالأبيض والأسود لصبيين دون قمصان يتسلقان هضبة بيضاء كبيرة تبدو مثل كومة رمل. قالت وهي تنظر للصورة:"أراهن أنك تعتقدين أن ذلك رمل، ولكنه غير ذلك؟".

"ليس رملا؟".

قالت:"كلا، هو ملح".

أعدت النظر بالصورة، وبلونها الأبيض الهائل الحجم، وظل الصبيين الملقى عليها، والسماء فوقهما عريضة وصافية. وقفت جيمينا بعد دقيقة واقتربت من المنصة لتسكب لنفسها كأس نبيذ آخر. وقالت وهي تعود إلى الطاولة:"بالمناسبة. كنت أكلم زوجتك".

"ماذا تقصدين؟".

"شربنا القهوة معا".

"شربت القهوة مع زوجتي؟".

"نعم".

"لماذا؟".

قالت:"لا أعلم. أحببتها. وساعدتني بكتابة هذه الاستمارة".

نظرت إليها، محتارا. لم تذكر لي كارلي أي شيء عن ذلك.

"في الحقيقة هذا مدعاة للغرابة. كانت صديقاتي تسخرن مني. ولكنها حاولت أن تقدم لي المساعدة".

جلست منتصبا في الكرسي وأسندت كأسي. قلت: "هل أخبرتها عن زيارتي لمشاهدة الأفلام؟".

نظرت لي كأنني غبي وقالت:"لا. لم يخطر في بالي".

ثم نظرت مجددا للصورة ورسمت بأصبعها منحنى على طول قوس الكثيب، وقالت شيئا خافتا لنفسها. في النهاية قالت وعيناها تصبحان فارغتين من المعنى:"أرايا. هي مقاطعة في فنزويلا. قالت عنها مارغرت بيناسيراف تبدو كأنها قطعة من القمر".

4-

اعتدنا على الخروج ليلة في الأسبوع، أنا وكارلي. وبالعادة نذهب إلى الحانات في المنطقة الجنوبية من سان أنطونيو، مكان إقامتنا القديم، أو نسير على طول النهر نحو الشمال نحو ساحة مقاتلي الحروب الأجنبية، وهناك غالبا يعزفون الموسيقا ويقدمون الجعة الرخيصة، أو نتابع نحو حانتنا المفضلة في أقاصي الشمال، وهي تاكو لاند، بحثا عن مشروبات “كأسان بسعر كأس واحد”، أو مارغاريتا بنصف السعر العادي، ودائما المكان مزدحم وهائج ويبدو أنهم لا يهتمون أننا أكبر بالعمر قليلا من معظم الناس الآخرين هناك. وكنا نحب أن نشرب معا، لأن الشراب هو واحد من الأشياء التي نشترك بها أيام ذاك، وهي إحدى الصفات التي تقرب الواحد منا للآخر. كان العديدون يتشاحنون أثناء الشراب، ولكن نحن لم نفعل. كنا نضحك، ودائما نبحث عن طريقة لتطول السهرة. وكل تلك الأماكن المريحة والمشرفة على الانهيار التي كنا نزورها في ليالي الصيف الحارة، والحانات المفتوحة والمتهالكة وأماكن صناديق الثلج التي تتكوم أمامها والمليئة بعلب تيكاتا باردة. أيام ذاك كنا كلانا نتخيل أنفسنا من الفنانين، وكلانا لديه قناعة أنه مقدر علينا أن نكون عظماء، وفي تلك السهرات المسائية كنا نتكلم عن خططنا، وعن مشاريع مستقبلنا، وعن آمالنا.

في هذه الأيام تراجعت السهرات الأسبوعية. فكارلي تفضل البقاء في البيت، أن نشرب في البيت، ولأنني أقلعت عن الإفراط بالشراب - كما اعتدت من قبل- كنت غالبا أسقط بالنوم قبلها أو أجلس عند طاولة المطبخ وأقرأ في مجلة بينما هي تتصفح هاتفها، وترد على البريد الإلكتروني الوارد من العمل، وبقربها شرابها. وبالعادة تفضل الكلام عن المتطوعة وماذا فعلت مؤخرا، ولكن في تلك الليلة كانت تبدو ضائعة في أفكارها، وشاردة، فاغتنمت الفرصة لأسالها عن جيمينا وماذا قالت لي عن اشتراكهما بشرب القهوة. وذكرت لها أنني كنت اليوم عندها.

تأملتني كارلي بشك. وقالت:"كنت عندها؟".

قلت:"نعم. في الردهة".

ضيقت كارلي عينيها، ثم نظرت للأسفل نحو هاتفها الخليوي وطبعت شيئا ردا على رسالة. ثم تنهدت أخيرا وعادت لشرابها وقالت:"لا شيء يستحق الذكر. الإدارة أرادت منا ترتيب برنامج تواصل مع الفنانين المحليين، ولا سيما الشباب لنساعدهم في طلب معونات وما يشبه ذلك". ورشفت من شرابها وشخرت ثم تابعت:"صادفتها في يوم من الأيام، ورافقتني إلى الأعلى".

وافقت بهزة من رأسي وتراجعت بظهري على الكرسي وقلت:"أفهم أنها ليست مدمنة على المخدرات الآن".

شخرت كارلي وقالت:"من يعلم؟. أعتقد أنها شيء ما".

"مادا تقصدين؟".

لم ترد. وعادت لشرابها فقط، وتناولت رشفة صغيرة، ثم حركت مكعبات الجليد بأصبعها. وأخيرا قالت:"أعتقد أنها عانت من شيء في كاليفورنيا، شيء ضار".

"وماذا يدفعك لهذا الظن؟".

قالت:"لا أعلم. هو ظن فقط".

ثم نهضت، ووضعت شرابها على الطاولة، وغادرت الغرفة.

 

حينما تكلمت جيمينا عن كاليفورنيا، استعملت كلمات مثل مسكون، أو ميت بنظري. وقالت هناك أدركت أنها فنانة، ولكنها لم تنجز إلا القليل، تقريبا لا شيء. وكل ما كانت تفعله هو الشراب، تقريبا كل يوم، حتى تنتشي، وكانت تقبل أي دعوة ولو بالمصادفة، ومن ضمنها دعوة من رجل أصبح مثل زوجها، دعوة لتعيش معه في شقته في ويست هوليود. وكانت أوسع شقة رأتها في حياتها، أربع غرف نوم ومنصة خارجية عريضة، كانت تشرف على بوليفارد لا سينيا. وكان هذا كل ما أخبرتني به عنه. وتبدو بقية الحكاية مغلفة بالظلام، نوع من الظلام الذي يصعب اختراقه. وكلما ألححت عليها لتخبرني عن المزيد كانت تقول: خربت حياتي فعلا. ولا أقصد بسبب المخدرات. ولكن أعني حالتي الذهنية. كنت فعلا وحقا منهارة.

وفكرت بذلك في الصباح اللاحق وأنا واقف قرب المغسلة، أستمع لصوت جيمينا تبكي في شقتها في الأسفل. وذلك بعد وقت قليل من مغادرة كارلي إلى عملها. في البداية تصورت ربما هو أحد الجيران الآخرين، أو المرأة المسنة التي تعيش بجوار بيت جيمينا، ثم سمعت صوت موسيقاها، صوت مرتفع وميكانيكي، وفهمت أنه هي. تخليت عن الكوب الذي أغسله ووقفت هناك أصغي للموسيقا، هذا الروك الميكانيكي الصاخب، كان يرعد بشكل غاضب ومرتفع جدا بالنسبة لهذه الساعة من الصباح. وتوقعت أن الجيران الآخرين سيشتكون حالا، وسيدقون على بابها ويطلبون منها أن تهدأ، وأن توقف الموسيقا، ولكن قبل أن يفعلوا وقفت هناك وأصخت السمع، وتصورتها جالسة على أريكتها، ورأسها بين يديها، وساقاها متقاطعتان، وعيناها مطبقتان، وتبكي أو تصيح أو تطرق على شيء ما بجلبة. قي وقت لاحق من ذلك اليوم، وأنا جالس على الشرفة وأدخن، شاهدت جيمينا تسير مبتعدة. ولم أعلم  إلى أين تذهب، ولكنها كانت مسرعة وكان بمقدوري رؤيتها من مبعدة شارعين تقريبا، تعبر الشارع، ثم تسرع بمشيتها. وكانت تضع سماعات هاتفها بإحكام حول رأسها مع غطاء رأس اسود، وكانت تحمل سيجارة بيد وكيسا من الورق بالثانية. وتساءلت ماذا في كيس الورق، وإلى أين تتوجه. لاحقا، حينما كنت أجلس في شقتها وأتناول كوبا من النبيذ وأتكلم معها عن ظروف يومي، لاحظت الكيس الورقي مركونا على كنبتها الصغيرة في غرفة المعيشة، وأعلاه محكم الإغلاق، وأدناه ملوث بالدهون. وفكرت أن أسألها عما فيه لكن لم أفعل. وفيما بعد، حينما اختفت في الحمام، وقفت وأسرعت إلى الكيس وفتحته. كنت موقنا أن هذا لا يجوز، ولكن لم أتمالك نفسي. في داخله وجدت كل أنواع الصور وبطاقات التهنئة، ومعظمها ممزقة ومصفرة بسبب القدم. وهناك عدة رسائل مكتوبة بالإسبانية، وعدد منها مطوي عدة مرات وخشيت أن تتمزق بين يدي. وفي أسفل الكيس خصلة من شعر أسود محفوظة في كيس شطائر من نوع زيبلوك. مع مسبحة وصورة بالأبيض والأسود لجيمينا في طفولتها، أو هكذا افترضت، وكانت واقفة على هضبة متيبسة في موضع غير محدد، وهي تحدق بقدميها. ولم أجد كتابة على قفا الصورة، ولا أي إشارة عن مكان التقاطها. وبعد عودة جيمينا من الحمام، سألتها عما في الكيس، ودون أي اهتمام ردت مع تنهيدة:"آه، لا شيء. فقط بعض الكعك ، هل تريدين كعكة؟".

نفيت بحركة من رأسي، ولاحقا تساءلت في شقتي: كيف كانت ستتصرف لو قلت لها نعم أريد.

 

في تلك الأمسية توجب على كارلي أن تتأخر في العمل، ولذلك اشتريت الغداء من شاحنة تاكو كانت على الجهة المقابلة من شارع شقتنا وتعسكر هناك ثلاثة أيام في الأسبوع، وتناولت الطعام على السلالم أمام الشقة وجمينا تجلس بجانبي، وتدخن. أعجبتني شاحنة الطعام، ولكن رفضت جيمينا أن تشهد لها، وقالت إنها لا تقدم طعاما مكسيكيا حقيقيا. وعوضا عن ذلك فضلت أن تسير لمسافة سبعة شوارع بعكس اتجاه وسط المدينة لتشتري من شاحنة تاكو مع أنها توفر طعاما حقيقيا más auténtico.

وفي تلك الليلة عندما سألتها كيف تعرف الفرق قالت:"من التورتيلا. إذا كانت الشاحنة لا تصنع التورتيلا تعلم أن وجباتها ليست حقيقية. راقب تلك في الجهة المقابلة. يحضرون التورتيلا من أكياس. وربما اشتروها من مخزن. ويحاولون التستر على ذلك ولكن تستطيع أن تلمس الفرق".

حدقت بعرض الشارع ونظرت إلى داخل شاحنة التاكو المضاء، وأمكنني رؤية شابين يعملان هناك وهما منحنيان فوق الشواء. أضافت:"أيضا لا توجد صلصة. هل ذقت صلصتهم؟".

وضحكت بمرح لنفسها وأخذت نفسا من سيجارتها، ثم هزت رأسها.

نظرت إلى ساعتي وحاولت أن أحسب كم بقي معي من وقت قبل عودة كارلي. وكانت جيمينا قد أخبرتني إنهما تجتمعان كثيرا في الآونة الأخيرة، تقريبا كل يوم صباحا وتعملان على البحث عن منحة.

سألتها:"ولماذا لم أشاهدكما معا؟".

قالت:"لأنه أمر سري جدا".

نظرت إليها وقلت:" بجدية أين تلتقيان؟".

"لا يسعني أن أفشي السر".

حملت شطيرة التاكو وتناولت لقمة، ثم أفلتها.

وقلت: "لم تخبرا أحدا أنكما  تعملان معا؟".

"أبدا".

"حسنا".

"هل تعلم أنها امرأة لطيفة، زوجتك".

"أعلم ذلك".

"وأنت تعلم أنها تريد أن تكافحا معا".

"أعلم".

قالت:"يجب أن تتحلى بالحذر".

"ماذا تقصدين؟"

لكنها لم ترد. نظرت للجهة البعيدة من الباحة حيث توجد حديقة مزدهرة صغيرة اعتنت بها سابقا هذا الأسبوع. واحد من الشباب الذين عملوا في الأستوديو معها في ساوث سايد، وهو رسام عجوز يدعى دينيس، جمع هذه النباتات وكان يقدمها لها كل يوم بمعدل نبات أو اثنين، لتحملها إلى بيتها. وبالوقت الحالي أصبح لديها مجموعة نباتات - البلومر، والصبار، والأجافا- وقد زرعتها في الأرض بجوار السور البعيد وهو ما سيلاحظه بيني ويتذمر منه.

وفي تلك الليلة كانت تحدق بنبات أشفيرية قرمزي عملاق، وقد أحضرته معها إلى البيت في اليوم السابق محفوظا في أصيص كبير من السيراميك. وادعت أن هذه الأشفيرية بالذات نوع نادر جدا وطري، على الأقل كما اخبرها صديقها دينيس، وهو مرتفع القيمة. وبعد فترة، غادرت المكان، وأحضرت الأشفيرية مع الأصيص إلأى المبنى. ووضعت هذا النبات الغريب والجميل على السلالم أمامنا وجلست هناك، تتأمله، وعيناها تلمعان، وكتفها يلامس كتفي. وأخيرا أخرجت هاتفها وفتحت الكاميرا.

قالت:" سألتقط صورة وأرسلها لأمي".

قلت:"لماذا؟". تقريبا لم تتطرق لأمها، ولم تذكرها خلال ثلاثة أسابيع من تعارفنا، باستثناء أنها كآبية، وأنفقت معظم حياتها تدخل وتخرج من المصحات، وفي النهاية اختفت من حياة جيمبنا عندما بلغت السادسة عشرة. وقالت:"أمي تحب النباتات". ونظرت إلى الطرف البعيد من الباحة الأمامية، ثم رفعت عينيها إلى السماء، وكانت الغيوم السود تتشكل، وعاصفة رعدية تزحف من الجنوب. أضافت:"هذا سيسعدها".

5-

في ذلك الربيع أيضا بدأت أشعر بتقدم العمر. طبعا رأيته هناك على سطح المرآة، ولكنه موجود في أماكن أخرى أيضا - في السوق، حيث أسير بين الشباب دون أن ينظر أحد منهم لي ويلاحظ ذلك. شعرت من غياب الاتنتباه لذلك، على ما أعتقد، بأكبر قدر من الحزن. فهذه حقيقة تدل أنني غير مرئي، وأنني أتابع حياتي بطريقة شبح. وعموما حين أكون مع جيمينا أشعر أنني دائما مرئي، وربما هذا جزء من الموضوع. كانت شابة، أو على الأقل أصغر مني، وهي تراني، وربما ليس في ضوء رومنسي - ولكن أيضا لم أكن أفكر بهذا الأسلوب فقط- وإنما بطريقة كائن بشري، إنسان يدب على الأرض مثلها، ومليء بالمخاوف والأسف، محاولا أن لا يخطئ. ومع ذلك كنت أتخبط، ولدي علم بذلك. كنت أخطئ بإنفاق فترة طويلة معها مع أنه يجب أن أنفق الوقت وأنا وحدي، وأعيد تركيب أجزاء حياتي، أو العمل على فيلمي أو أي مشروع آخر.

قالت لي كارلي مرة:"لا يهمني كيف تنفق وقتك. المهم أن تكون مشغولا بشيء وإلا ما الهدف؟".

الهدف من ماذا؟. أحيانا كنت أريد أن أسأل، مع أنني أعرف الجواب.

ماذا يمكن أن تقول كارلي لي في إحدى جلساتنا بعد الظهيرة، وهي تضبطني جالسا في شقة جيمينا، وأنا أستمع  لدانزغ وأدخن الحشيش، أو أشاهد واحدا من أعمالها التسجيلية البولونية المبهمة أو فيلما فنيا منسيا ولكنه لديه جائزة من أيام الخمسينات؟. وماذا كانت تفعل كارلي نفسها مع جيمينا في تلك الأوقات؟. كيف أمضيا صباحاتهما معا حينما لم تكونا مشغولتين بالمنحة؟. أحيانا أتساءل هل كارلي منجذبة إلى جيمينا لنفس الأسباب التي تجذبني لها، أو أنها تنظر للمسألة من زاوية مختلفة. ربما هو شيء أوثق، له اعتبارات شخصية أقوى. أقول هذا فقط بسبب طريقة كارلي في التهرب، أو الدفاع، حينما أرافق جيمينا إلى الأعلى، وحينما أذكر اسمها. كنت أعلم أنهما تتقاربان، وأنهما تعقدان أواصر صداقة بينهما، وأن هذه الصداقة ليس لها علاقة أبدا بي أو بصداقتي مع جيمينا، ولكن في نفس الوقت بدا لي من المستغرب أن هذا يمكن أن يحصل، وأن كلانا، كارلي وأنا، يمكنهما تشكيل صداقة خاصة مع نفس الإنسانة، وأنه بوسعنا بمعنى من المعاني أن نعيش كلانا في حياة متوازية ولكن منفصلة.

ووطدت العزم أن أناقش هذه الفكرة مع جيمينا، ولكن بدا أنها مجبرة للكلام عن كارلي أو عن وقتهما معا. "هذا ينجح فقط إن لم نتكلم عنه". قالت لي في أحد الأوقات حينما ألححت عليها. كنا نتمدد على كنبتها في وقت متأخر بعد الظهيرة، ونتبادل سيجارة حشيش، ونشاهد أرايا للمرة الثالثة أو الرابعة. أوقفت جيمينا الفيلم وأفلتت السيجارة.

قلت وأنا أنهض:"ما هذا؟".

"هاه؟".

"للتو قلت هذا. أي هذا تقصدين؟".

نظرت لي وضحكت وقالت:"اللعنة إن كنت أعلم". ثم تناولت جهاز التحكم وعادت إلى الفيلم وقالت:"من فضلك لنشاهد الفيلم فقط.؟".

 

في تلك الأمسية عندما عدت إلى البيت، وجدت كارلي جالسة على الشرفة بجوار مطبخنا، وتدخن سيجارة وتستمع للموسيقا بالسماعات. كانت هذه طريقتها في ضغط أيامها انذاك، الجلوس هناك لساعة قبل العودة إلى الداخل. وإن لم تفعل، كما تقول، لن يمكنها أن تقوم بأي شيء مثمر بقية ليلتها.

وأدركت أن شيئا آخر يجري في العمل، وأن المتطوعة التي لم تعد متطوعة - أصبحت الآن شيئا مثل مدير مشروعات، وتجتمع حاليا بانتظام مع المانحين وتخطط لحملات جمع التبرعات- أصبحت بطريقة من الطرق أعلى مرتبة، ولم تعد كارلي تشكل ظلا يخيم عليها وإنما زادت حظوظها في أن تحل محلها. الإضافة لذلك، لم تتطرق كارلي لهذه المسألة، ولم تكن تذكر المتطوعة إن لم أفتح معها الموضوع بشكل مباشر.

في تلك الليلة، وأنا أراقبها جالسة هناك، وجدت نفسي أفكر بالزوجين العجوزين في الطابق الثالث اللذين اعتادا الجلوس على شرفتهما تقريبا كل ليلة حينما سكنا هنا. أيام ذاك كنا أصغر زوجين في المبنى، وكنا كلانا في مطلع الثلاثينات، ولكن الآن، بعد سبع سنوات، نبدو أشبه بالحرس القديم. ولا أعتقد أنه كان بمقدوري أن أتخيل حينذاك أننا لا نزال نعيش هنا في هذه الشقة نفسها بعد كل هذه السنوات، وأنه لن يكون بمقدورنا شراء بيت حتى اللحظة لنستقر فيه، وأنه لن ننجب الأولاد ولن نجد عملا مستمرا.

بعد قليل التفتت كارلي وابتسمت لي، وقالت سأعود حالا، ثم استدارت مجددا إلى الممر في الأسفل، ورأسها يترنح بإيقاع متكرر مع موسيقا الآي بود،  كما لو أنهما مرتبطان. وحينما جاءت لاحقا، كنت أقف قرب الموقد، أحضر حساء البوزول المشهور، وحسب وصفة علمتها لي كارلي ذاتها. وقفت كارلي هناك دقيقة من الوقت، تراقبني، ثم ألقت حقيبتها على الطاولة وذهبت نحو زاجة الماسكل. وأمكنني أن ألاحظ أنها متوترة من شيء ما- وكان يبدو عليها الشرود أكثر من المعتاد- وبعد قليل، ونتيجة الإلحاح، اعترفت أنها مرت بيوم سيء في العمل. وقالت في سياق حديثها إن جيمينا تكفلت بمشكلة منحتها.

"ماذا تعنين؟".

"فقدت الرغبة بالمتابعة".

"لماذا؟".

هزت كارلي منكبيها، وشعرت أنها امتعضت، أو ربما تتألم. كان من الواضح أنهما تتقاربان مؤخرا، مع أن كارلي لم تخبرني إلا عن القليل من تلك العلاقة المشتركة.

قلت:"توقعت أنكما أصبحتما صديقتين".

اهتزت كارلي وقالت:"وأنا أيضا. وربما صداقة وثيقة". ونظرت للخارج نحو الشرفة. ثم تابعت: "لكن لا يبدو لي أنه عمل عاقل .. التخلي عن هذه المنحة".

"ماذا قالوا حينما اخبرتهم أنها تستنكف؟".

"لا شيء. بعضهم، نعم، اعتقد أن تلك الفتاة انتهى أمرها".

ثم وقفت كارلي وذهبت إلى الثلاجة لتحضر المزيد من الثلج. ولدى جلوسها مجددا عند الطاولة، نظرت لي بإمعان. وقالت:"أعلم أن هذا يبدو غباء، ولكن كنت أعتقد أنني أساعدها، كما تعلم؟. كأنه الشيء الوحيد في حياتي الذي شعرت أنني أحسنه. كأنني أتطوع بخدمة لشخص آخر".

قلت:"هذا صحبح. كانت محظوظة بك".

"ولكنها لم تهتم".

"ما أدراك".

انتفضت كارلي وقالت:"كما تعلم، تقدمت إيفلين بثلاث طلبات لمنحة من أجل الفنانين المحليين".

"ومن هي إيفلين؟".

"المتطوعة".

"لم تذكري اسمها من قبل".

"حقا؟".

قلت:"بالتأكيد. لم أسمعه منك".

قالت وهي ترفع كأسها:"حسنا اسمها إيفلين. وهل تعلم؟. هي ليست متطوعة فاشلة بعد الآن".

أحيانا ينتابني الحزن لدى رؤية كارلي هكذا، وأنا ألاحظ أن مشكلتها ليست هذه المرأة، ولكن الكراهية التي تغمرها بسبب الخوف من فقدان عملها وهو ما يزعجها حقيقة. أحيانا أود أن أقول: هي ليست متحسسة من هذه المتطوعة، ولكن من شيء آخر.

ولكن أعلم إنها لا تريد أن تسمعني.

ولاحقا في تلك الليلة قالت لي ونحن نجلس على الكنبة:"هذا لأنني طردت في مرة سابقة من عملي. الجميع يعلم، ولذلك أشعر كأنها بقعة تلطخني. ومع أنهم وظفوني مجددا، ومع أنهم منحوني علاوة بسيطة في العام الماضي، لا تزال البقعة مؤلمة".

6-

بعد قليل اختفت جيمينا. أو ربما لم تختفي، أو أنها دخلت في نوبة اعتزال طويلة تجنبت خلالها كارلي وأنا.

وربما ما جرى بيننا نحن الثلاثة أصبح ثقيلا عليها، أو لعلها احتاجت لاستراحة منا. وفي إحدى المناسبات اعترفت لي طالما شعرت أنها تشبه مرشدة حياة زوجية وتلتقي بكل واحد فينا على على حدة، أو في بعض الأوقات تبدو لنفسها مثل خليلة، مع ذلك لم تكن ترى أنها تنفع أيا منا بأي شيء.

قالت:"خليلة أفلاطونية، لا بد من اسم لهذه الحالة".

قالت:"ما رأيك بصفة صديقة فقط. لماذا تعقدين الموضوع؟".

قالت:"لأنه فعلا معقد، ألم تلاحظي؟".

كنا نجلس في الخارج على المنحدر حينما قالت ذلك. وهو روتيننا المعتاد. وكان الحي هادئا. وعدد من الصغار يمتطون دراجاتهم، وعدد قليل من المستأجرين في البناء مشغولون بشواء في وسط الباحة الأمامية. وكانت الشمس تغرب من مسافة بعيدة، وأمكنني ملاحظة الأبنية الشاهقة في وسط المدينة.

قالت بعد فترة وهي تشرب:"أعتقد أنني بحاجة لاستراحة منكم يا أصدقاء".

قلت:"لماذا؟".

قالت:"لا أعلم. أريد ذلك وحسب".

ثم نهضت، ووضعت كوبها على السلالم، وعادت إلى الداخل.

 

في تلك الليلة وقفت في ردهة الطابق الثاني وأصخت السمع لجيمينا وكارلي وهما تتكلمان في الأسفل. ولم أميز كلامهما، ولكن أمكنني سماع ارتفاع وانخفاض صوتيهما، وزاد توتر الحوار مع مرور الوقت. وعادت كارلي لاحقا وشرحت لي أن جيمينا ستسافر إلى كاليفورنيا في الأسبوع المقبل، وهذا ما كانتا تتجادلان حوله، ولكن انتابني الإحساس حينها أن الموضوع أكبر من ذلك.

"هل أخبرتك بيوم مغادرتها؟".

كنا نقف في المطبخ وندخن. هزت كارلي رأسها وقالت:"لا. قالت الأسبوع القادم فقط". ثم نظرت للأسفل ناحية هاتفها كأنها تتوقع رسالة خاصة. بعد أن قرأتها بسرعة غادرت المكان.

لم ترغب كارلي في تلك الليلة أن تجهد نفسها. تناولنا عشاء هادئا معا ثم ذهبنا إلى السرير باكرا، ولكن لاحقا في مرحلة ما استيقظت على صوت نباح كلب في الخارج ولاحظت أن كارلي تجلس في الخارج على الشرفة الجانبية وحدها، وكان جسمها مغمورا بفضة ضوء القمر. وكانت سماعاتها على أذنيها وتهتز إلى الأمام والخلف ببطء، وهي تحضن نفسها. وقفت عند النافذة وراقبتها لحظة. لم أشاهد وجهها، ولكن من ظهرها، ومن طريقة انحنائها، وتهدل كتفيها، كانت تبدو تقريبا لدقيقة من الوقت كما لو أنها تبكي.

7-

وخلال الأسبوعين التاليين لم يحصل جديد يذكر، باستثناء زيارة خالة جيمينا لها مرتين قادمة من نورث سايد. وعرفت خالتها من الصور التي كنت قد شاهدتها في شقتها- سيدة عجوز لها حضور واضح وعزيزة الجانب، بشعر أسود طويل وعظام وجنتين بارزتين وكانت جميلة. أول زيارة لها توافقت مع جلوسي على السلالم الأمامية، وأنا أدخن سيجارة، وسمحت لها بالمرور دون تبادل أي كلام.

ولدى عودتها مجددا، في الأسبوع التالي، شعرت بضرورة تحيتها. كنت على السلالم أيضا، أشرب قهوتي.

قلت:"هل تبحثين عن جيمينا؟".

نظرت لي، محتارة، ثم انتبهت كأنها لم تفهم كيف حزرت.

قالت:"هل شاهدتها؟".

قلت:"هي في كاليفورنيا، أو على الأقل هذا ما أخبرتنا به عن مكان رحلتها".

هزت رأسها، ثم اسود وجهها، كأنني أؤكد لها مخاوف عميقة. وقالت أخيرا:"Polilla a una llama”.

“ما هذا؟".

قالت:"تعبير فقط. ويعني بالإسبانية 'العثة في النار'.".

وافقت برأسي.

والحقيقة كلما طال غياب جيمينا في كاليفورنيا، كلما زاد تفكيري بمعنى هذا الغياب، أو ماذا جرى معها هناك. مرة أو اثنتان أشارت لمجموعة من الأصدقاء الفنانين وطبعا منهم الرجل الذي تزوجته تقريبا، ولكنها لم تفصح عن المزيد عنه، ولا حتى اسمه. أحيانا أتخيل منتجا سينمائيا غنيا جذبه جمال جيمينا؛ وأحيانا أتخيل مراهقا لعوبا، عازف باص في فرقة متمردة، أو موزع مخدرات، أو ممثلا عصابيا. ومع ذلك وبكل الاحتمالات، هذا الرجل، كائنا من يكون، لديه حياته.

قالت لي في أكثر من مناسبة: تقريبا تزوجت، كما لو أن الزواج تراجيديا هربت من عواقبها بصعوبة.

وتهيأت للكلام حول الموضوع مع خالتها في يوم زيارتها الخاطفة، ولكن لم أتجاوز رسم ابتسامة وإعطائها رقمي وإخبارها أنها يمكن أن تتصل بأي وقت إن رغبت مني أن أهبط وأدق على باب جيمينا وأتأكد من وجودها. قلت:"هذا أسهل من القدوم بالسيارة كل هذا الطريق".

أومأت وقالت:"حسنا". ثم مدت يدها بتمهل ولمست يدي، وتأملتني بلا انطباعات وقالت بنعومة:"شكرا لك. سأعود لاحقا".

 

وكما تبين غابت جيمينا لأسبوعين، وهي فترة لا تكفي لإعفائها من عملها أو مكانها في مدرسة فنون ساوث سايد. ولدى عودتها، كان شعرها أقصر ولها وشم إضافي على مؤخرة عنقها، كلمة إسبانية صغيرة، olvidados، ومكتوبة بخط أسود. وقابلتها على السلالم وهي عائدة من غرفة الغسيل في القبو، وتحمل سلة جينزات سود رطبة وقمصانا بلا ياقة. قالت وهي تتنهد:"المجففة معطوبة، اللعنة على بيني".

وسألتها إن كانت تحتاج لمساعدة فردت لا. أضفت:"وكيف كانت كاليفورنيا؟". وكانت تتقدم في الصالة باتجاه شقتها.

قالت من فوق كتفها دون أن تنظر إلى الخلف:"لا تسأل".

"سيئة جدا؟".

أومأت بالموافقة، أيضا لم تنظر إلى الخلف، ثم توقفت أمام باب بيتها ووضعت السلة على الأرض. راقبتها دون أن أتكلم وكانت تفتش عن مفاتيحها. قالت:"مع ذلك قد أعود إليها لبعض الوقت".

"ماذا تقصدين؟".

تابعت التفتيش عن المفاتيح.

ألححت: "بغرض زيارة؟".

نفت برأسها وهي تتابع البحث وقالت:"لا". وأخيرا وجدت مفتاحها ووضعته في القفل. ونظرت لي. وكان بمقدوري سماع ضربات قلبي.

سألتها:"وماذا عن محاضراتك؟".

تنهدت وقالت:"توجد مدارس للفنون في كاليفورنيا، أليس كذلك".

نظرت إليها. وأردفت:"أعني ماذا عن العمل الذي بدأت به؟".

"ذلك العمل لم يتقدم".

وقفت بمكاني، بلا حركة، وحاولت قراءة وجهها. وقلت:"هل ذلك بسبب الشاب الذي تزوجت منه تقريبا؟".

نظرت إلى الأسفل ولم تقل شيئا. وقالت أخيرا:"بل له علاقة بعدة أشياء". ودخلت إلى شقتها.

كانت كارلي قد حصلت على فرصة في أحد المعارض الصغيرة في ساوث سايد واشنغلت بها، ووعدت أنا أن أحضر لكلينا عشاء وأن أنظف الشقة قبل عودتها، ولكن في تلك اللحظة كل ما أمكنني التفكير به كان هو رحيل جيمينا، وأنها لن تكون معنا بعد الآن، وتأثير ذلك علينا. وقفت في الردهة، أنظر ليدي، بمحاولة لأضع نفسي بسياق ما. بعد قليل، فتح باب جيمينا مجددا ومدت رأسها ونظرت لي باهتمام. وتلاقت عيوننا لفترة مقتضبة وابتسمت، والتفتت ببطء، وقالت:"هل تحب مشاهدة الأفلام؟".

8-

نقطة إضافية عن أرايا: إنه عمل تسجيلي ولكن لا يبدو عملا تسجيليا. وإنما كأنه خيال. وله مسحة شعرية، جو شعري. وتلعب فيه شخصيات بعض الأدوار، ويؤديها عمال مناجم ملح محليون. وله شكل تجريبي وبنية تجريبية. وبعد أن انتهت بيناكاريف منه، تابعت لتترأس عددا من المؤسسات الثقافية والسينمائية الفنزويلية، ولكنها لم تعمل في فيلم آخر. ولدى سؤال جيمينا  هل عادت بيناكاريف إلى الجزيرة، حيث عملت على رائعتها، قالت: نعم، بعد سنوات طويلة عادت.

"ولكن تقريبا مات كل من كان على قيد الحياة وعمل هناك. ما تبقى مدينة أشباح".

أومأت برأسي.

قالت:"ولكن لا أحب أن أفكر بذلك، وأود أن أتخيلها كما كانت تبدو في الفيلم".

"لماذا؟".

قالت:"لأنه في نهاية الفيلم يوجد أمل، كما ترى؟. ولا تعلم ماذا سيجري لهؤلاء البشر. هناك احتمال بأن يتوصلوا لحياة أفضل".

قلت:"ولكن هذه ليست الحقيقة".

قالت:"أعلم، ولكن في نهاية الفيلم، كما ترى، لم يكن أحد يتصور هذا المصير المؤسف".

9-

وحينما اتصلت بنا خالة جيمينا بعد ثلاثة شهور لتسأل إن كان عندنا فكرة أين يمكن أن تكون جيمينا - إن رأيناها أو سمعنا منها- توجب علي أن أخبرها بالحقيقة، وأننا لم نسمع منها أو نراها منذ اليوم الذي غادرت به. وكل ما أعرفه أنها عادت إلى لوس أنجلوس، ولكن خالتها تعرف ذلك مقدما. قالت:"إنها تكرر فعلتها. وهذه ليست أول مرة". ثم ذكرت شيئا غامضا عن رجل هناك، وأشارت له أولا بلقب pendejo ( غبي) ثم لاحقا بلقب sucio (قذر).

قالت:"ربما أزمع على قتلها".

قلت:"ماذا تقصدين؟".

ولكنها لم توضح.

قلت:"آخر مرة رأيتها كانت من حوالي أسبوع قبل رحيلها. حتى أنها لم تودعنا".

قالت:"عادي، أليس كذلك؟".

لم أعلق.

قلت أخيرا:"هل لهذا السبب عادت إلى هناك؟. من أجله؟".

قالت:"لا. ليس من أجله. بل من أجل ابنتها".

"وهل لديها ابنة؟".

قالت:"آه، hijo (ابني)، أنت لا تعلم شيئا عنها حقا، أليس كذلك؟".

لزمت الصمت.

"وأراهن أنك أغرمت بها، هل أنا محقة؟".

ثم تذكرت حوارا مع جيمينا قبل أيام من رحيلها وسألتها فيه إن حصل شيء فيزيائي بينها وبين كارلي. جالت جيمينيا بعينيها يمينا ويسارا فقط وضحكت. قالت:"كالعادة. لماذا تفكرون دائما أيها الشباب بالجنس؟". ثم ابتعدت، وهي تهز رأسها.

خيم الصمت على خالتها في الطرف الثاني من الخط، وهي تنتظر ردي. وأخيرا قالت:"لقد أحببتها، أليس كذلك؟".

قلت:"لا". ونظرت من النافذة إلى أشجار النخيل البعيدة. وتابعت:"لم تكن بيننا علاقة".

 

في الأيام والأسابيع اللاحقة، كنت أنا وكارلي نتحرك في شقتنا كالأشباح، ونحاول أن نجد طريقة لنكون معا، طريقة لنتابع حياتنا من النقطة التي وصلنا إليها في الشهور الأخيرة ومهما كانت. ولاحقا سميناها استراحة عشوائية. اخترعنا لها الأسماء، مثل فترة بائسة جدا أو حينما كانت جيمينا تعيش تحتنا، أو تلك الأيام العجيبة التي رافقنا فيها الشخص إياه. ولكن افتقدناها لبعض الوقت، افتقدناها بالطريقة التي يحن بها الإنسان لأحد أبويه في الأسابيع الأولى للدوام في الجامعة. افتقدنا الطمأنينة التي ترافق معرفتنا أنها موجودة، معرفة أنه هناك شخص آخر بجوارنا. ولبعض الوقت بعد ذلك، دخلت كارلي في فترة خمود. وأمضت وقتا طويلا في الخارج على الشرفة الجانبية بمفردها، تستمع للموسيقا، وتدخن. وأحيانا كانت تتكلم عن احتمال إنجاب ولد، وهو شيء لم تتطرق له منذ مدة. كانت تقول إنها بلغت  التاسعة والثلاثين، وسيكون الأمر صعبا بالتأكيد وهو مخاطرة، غير أنه ممكن. وبعد مدة أيضا، صمتت عن هذا الموضوع، نتيجة إحباطات من عملها، وزيادة الشك بالمستقبل.

وبالنسبة لي، حصلت على عمل، دون تفرغ بصفة منتج صوت في معهد أفلام في المدينة. ولم تكن الأجور مجزية، ولكنه أبعدني عن البيت  لأربعة أو خمسة ايام بين الصباح والظهيرة من كل أسبوع. وتخليت عن الأفلام التسجيلية.

وأتذكر أنه في أمسية بعد شهور من اتصال خالة جيمينا لتستفسر عن اختفائها، وكنت جالسا على الشرفة مع كارلي ونستمع لبعض أحاديث جيمينا المسجلة حول الفن. ولم تكن قد عاودت الظهور - والحقيقة، لن تظهر - وكان من المستغرب أن نسمع صوتها مسجلا. وكان التسجيل مشوشا ويتخلله أزيز ولكنه صوتها بكل تأكيد، وكانت تقول: أعتقد أنه لا فاندة من أن تأمل باتصال الآخرين مع عملك الفني،  وفي أي وقت أنشغل به في عمل فني أفكر ببيئتي القريبة... والفنانون الذين أحترمهم لا يعزلون أنفسهم عن الناس ولا يفكرون بذلك. هل تفهمون ما أقول؟.

وأضافت بهدوء: هل تفهمون ماذا أقول؟.

بعد ذلك أغلقت المسجلة، ووضعت كارلي رأسها على كتفي.

نظرنا إلى الأبنية البعيدة وللأنوار الخافتة التي تلمع في وسط سان أنطونيو. كانت ليلة باردة، واحدة من أبرد الليالي في الذاكرة الحالية، كان الهواء متجلدا ويمكن أن تشاهد أنفاسك. وفي الأسفل في الباحة، سمعت أصوات كلام الناس، هناك حفلة وشخص يعزف على الغيتار. سحبت كارلي لجانبي، وعقدت ذراعي حولها، وقبضت على يدها بيدي. قلت بعد دقيقة وأنا أشبك أصابعي بين أصابعها وأنظر للأبنية:"هل تعلمين، أحيانا أفكر أين وصلنا يا كار".

"ماذا تعني؟".

"لا أعلم".

قالت:"لم نصل لأي مكان. وأحيانا أتساءل إن كانت هذه هي مشكلتنا".

نظرت إليها وقلت:"ولكن أنت تفهمين معنى كلامي. أحيانا أجد نفسي أبذل ما بوسعي للتفكير بما كنت عليه، واضح؟. ومن المؤلم جدا أن أنسى ذاتي وأتركها وشأنها".

هزت رأسها وقالت:"ولكن لست مختلفا عما سلف، كلانا لم نتغير كثيرا".

قلت:"ولكن أنا بالتأكيد لم أصنع نفسي. لا أرى أنني أتحسن ذهنيا".

قالت:"صحيح. ولكن ليست هذه المشكلة. لا شيء من كل هذا الهم يصنع فرقا".

ضغطت على يدي وحملت كأسها وأخذت رشفة طويلة، وعادت لتتأملني مجددا وقالت:"هل تعتقد فعلا أنك غير ذلك الإنسان الذي اعتدت عليه؟".

قلت:"لا أعلم. ربما أنا أكثر تحملا. وبالتأكيد أتوقع أن تكون أفعالي أقل".

"هل تعتقد أنك تتساهل مع نفسك؟".

قلت:"لا. توقعاتي أقل مما أرغب".

ابتسمت ووضعت رأسها على كتفي. في تلك الدقيقة لم يكن صعبا أن أرى كم نحن نهتم بجيمينا، وكيف يمكن لأي شخص مثلنا أن تستوعب جيمينا اهتمامه.

بالنسبة لجمينا، لم أكن متاكدا ماذا جنت من ذلك. من أوقاتنا معا. تلك الأيام الطويلة والخاملة في شقتها. ربما كانت تستضيفني لتشغل نفسها، أن يكون معها شخص آخر في غرفة معيشتها. طالت علاقتي مع كارلي وأحيانا أنسى كم من المريح أن تنفرد بنفسك، وأن يكون معك شخص آخر في مساحتك، أن يكون إنسان آخر معك، إنسان عاقل لتبادله الحديث.

أندرو بورتير Andrew Porter كاتب قصة أمريكي. له مجموعة بعنوان (نظرية الضوء والمادة). ورواية بعنوان (بين الأيام). حصل على جائزة فلانيري أوكونور والبوش كارت. يعيش في سان أنطونيو. وهو مدير برنامج الكتابة الإبداعية في جامعة ترينيتي.

 ***

 

...........................

الترجمة من مجلة “ناراتيف” الأمريكية

 

 

محمد صالح الغريسيشعر: آنّا لاآخماتوفا

تعريب: محمد الصالح الغريسي

لأستمرّ أكثر، لديّ من كنوز الماضي ما يكفي،

بل أكثر ممّا أحتاج  أو أريد.

أنت تعرف جيّدا،  مثلما أعرف...أنّ  الذّاكرة الخبيثة

لن تدع نصفها يذهب:

كنيسة متواضعة، بقبّتها الذّهبيّة

المنحنية برفق، سرب من الغربان المزعجة؛

صافرة  قطار؛ شجرة "بتولا" هزيلة في حقل،

كما لو أنّها خرجت للتوّ من السجن؛

أشجار السّنديان الهائلة، المجتمعة سرّا في منتصف اللّيل؛

زورق تجذيف صغير، ينزلق قادما من أحلام أحدهم،

في تعثّر بطيء.

الشّتاء هنا، قد تأخّر بالفعل،

يرشّ هذه الحقول رشّا خفيفا،

يملؤها ضبابا كثيفا

يسدّ وجه الأفق في كلّ مكان من العالم.

كان اعتقادي راسخا، أنّه بعد رحيلنا،

لن يوجد شيء،  ببساطة ، لا شيء على الإطلاق.

فمن ذا الّذي إذن،  يتجوّل من جديد قرب الشّرفة،

و ينادينا بأسمائنا؟

وجه من هذا الملتصق بزجاج الباب المكسوّ بالجليد؟

أيّ يد هذه الّتي ترتجف مثل غصن شجرة؟

الردّ، أنّه في ذلك الرّكن المتشابك، بقعة من أشعّة الشّمس

ترقص في المرآة.

 

آنّا آخماتوفا

...............

 

March Elegy

Poem by Anna Akhmatova

 

I have enough treasures from the past

to last me longer than I need, or want.

You know as well as I . . . malevolent memory

won't let go of half of them:

a modest church, with its gold cupola

slightly askew; a harsh chorus

of crows; the whistle of a train;

a birch tree haggard in a field

as if it had just been sprung from jail;

a secret midnight conclave

of monumental Bible-oaks;

and a tiny rowboat that comes drifting out

of somebody's dreams, slowly foundering.

Winter has already loitered here,

lightly powdering these fields,

casting an impenetrable haze

that fills the world as far as the horizon.

I used to think that after we are gone

there's nothing, simply nothing at all.

Then who's that wandering by the porch

again and calling us by name?

Whose face is pressed against the frosted pane?

What hand out there is waving like a branch?

By way of reply, in that cobwebbed corner

a sunstruck tatter dances in the mirror.

 

Anna Akhmatova