2404 سليفيا بلاثقصيدة للشاعرة الامريكية سليفيا بلاث

ترجمة : سالم الياس مدالو


 

كل وحل امسي

يتعفن في تجويف

جمجمتي

 

واذا ما تقلصت معدتي

بسبب ظاهرة غير قابلة للتفسير

كالحمل او الامساك

 

لن  اتذكرك

 

ام كان ذلك بسبب النوم الغير المعتاد

او بسبب الطعام

المغذي كوريقات الاشجار

البنفسجية

او كقمر الجبنة الخضراء

اوبسبب كل ذلك

 

وبقليل من الياردات المهلكة على العشب

وببعض من الفراغات في السماء ورؤوس الاشجار

 

المستقبل قد اضاع الماضي

بكل سهولة ويسر الى غير رجعة

ككرة تنس  عند الغسق

***

....................

النص بالانكليزية

 

april 18

by sylvia plath

the slime of all my yesterdays

rots in the hollow of my skull

 

and if my stomach would contract

because of some explicable phenomenon

such as pregnancy or constipation

 

I would not remember you

 

or that because of sleep

infrequent as a moon of greencheese

that because of food

nourishing as violet leaves

that because of these

 

and in a few fatal yards of grass

in a few spaces of sky and treetops

 

a future was lost yesterday

as easily and irretrievably

as a tennis ball at twilight

...........................

سليفيا بلاث: 1932 - 1963 - شاعرة وروائية وقاصة امريكية لها عدة مجموعات شعرية هنا اذكر، منها (جرة الجرس) (والعملاق) (وانا ابداعك)  في عام 1956 تزوجت من زميلها الشاعر تيد هيوز. وكانت حياتها الزوجية غير مستقرة اصيبت بالكابة ولم يفلح العلاج معها وفي  11 شباط من عام 1963 انهت حياتها بالانتحار .

 

 

 

 

2400 roth 1ترجمة: صالح الرزوق


الليلة

عدد منا يستلقي

وحده

في هذه العتمة

بين

دقات

الساعة

حيث العتاد،

أسنان

الساعات

المنسية،

يطحن

مستقبلنا

حتى يتوقف،

وهناك

ضمن

الحكمة

المستترة

أحلامنا

تحفظنا بصعوبة

من السقوط

والعودة للنوم.

 ***

.............................

* من مجموعته  Owasco- passage of lake poems - ص 21.

Finishing line press- kentucky 2018

بول روث  Paul B. Roth شاعر أمريكي يعيش في نيويورك مع الفنانة التشكيلية جورجينا روث. تلقى علومه في جامعة غودارد- فيرمونت. ثم حصل منها على ماجستير في الشعر الفرنسي المعاصر.  يرأس تحرير مجلة بيتر أولياندر منذ عام 1976. من أهم أعماله:

بعد العنب - منشورات جامعة تامبا 1969

 أقبية الدموع - منشورات آن أربور ريفيو 1973

 نصف إعلان - منشورات بيتر أولياندر 1976

 لا شيء هناك - منشورات فيدا 1996

 حقول تحت الصفر - منشورات سايبريس 2002

 مفردات الكلام المقطوع - منشورات مارش ستريت 2011

 طريق طويلة لنعود إلى النهاية - منشورات راين ماونتن 2014

* ترجمة صالح الرزوق / بإذن مسبق من الشاعر

 

2396 مارك ستراندترجمة: عادل صالح الزبيدي

 خرائط سود

لا حضور الصخور،

ولا تصفيق الريح،

سيدعك تعرف

انك قد وصلت،

 

ولا البحر الذي

لا يحتفي الا بالرحيل،

ولا الجبال،

ولا المدن المحتضرة.

 

لن يخبرك شيء

أين تكون.

كل لحظة هي مكان

لم تكنه.

 

تستطيع ان تسير

معتقدا انك

تسقط ضوءا حولك.

ولكن كيف ستعرف؟

 

الحاضر دائما مظلم.

خرائطه سود،

وهي تطلع من اللاشيء،

وتصف،

 

في ارتقائها البطيء

داخل نفسها،

رحلتـَها هي،

خواءها،

 

ضرورة اكتماله

الكئيبة المؤقتة.

واذ تظهر الى الوجود

فكأنها نفـَـس.

 

وان دُرست بأية حال

فما ذلك الا لتجد

بعد فوات الأوان،

ان ما حسبتها همومك

 

لا وجود لها.

منزلك ليس مؤشرا

على أي منها،

ولا أصدقاؤك،

 

الذين ينتظرون ظهورك،

ولا أعداؤك،

الذين يعددون أخطائك.

انت حسبُ موجود،

 

تحيـّـي

ما ستكونه

والعشب الأسود

يحتجز النجوم السود.

***

........................

مارك ستراند (1934-2014) شاعر ومترجم أميركي من مواليد كندا. تلقى تعليمه في كندا والولايات المتحدة وايطاليا، ألتحق عام 1962 بمشغل كتاب ايوا ليحصل بعدها على درجة الماجستير في الفنون. نشر ستراند إحدى عشرة مجموعة شعرية، فضلا عن ترجمته أعمالا للشاعرين رافائيل البرتي وكارلوس دراموند دي آندرادي وشعراء آخرين. انتخب في 1981 عضوا في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، ونال شعره جوائز عديدة لعل أهمها جائزة البوليتزير عام 1999 عن مجموعته بعنوان (زوبعة ثلجية لأحدهم). من عناوين مجاميعه الشعرية الأخرى: (النوم بعين مفتوحة واحدة) 1964، (قصة حياتنا)1973، (الساعة المتأخرة) 1978، (مرفأ مظلم) 1993، و(رجل وجمل) 2006.

 

 

2393 Sally Roonالهدف الأخير المدهش لروبي برادي يؤثر في حياتنا الشخصية

ترجمة: صالح الرزوق

خابرها كونور من الصالة من جوار ستارة بلاستيكية. ستوشك هذه المكالمة على التهام رصيد هاتفه لو ردت، وعلى ضوء ذلك توقع شخصيا أن تتأخر ولا ترد، ولكن رغم ذلك وجد نفسه يأمل أن تكلمه. وكلمته. قالت له بصوت غريب ورقيق “ألو” كما لو أن هذه المخابرة جزء من طرفة مستمرة بينهما.

قال:”هل كنت تشاهدين ذلك؟”.

“آه. كنت أشاهده. كان الجو في الإستاد أشبه بالعيد”.

“كان جيدا، أليس كذلك؟”.

قالت هيلين:”أنا أحسدك قليلا. كنت أشاهدها بالإنترنت طوال آخر ساعة”.

شعر بالارتخاء واستند على جدار الصالة. كان الوقت متأخرا في لايلي لكن الجو في الخارج دافئ، حرارة ورطوبة، وكان يشرب منذ أواخر ما بعد الظهيرة.

قال:” المبارة؟. وهل تعرض الآن؟".

“أه - نعم. كما لو أنها مباشرة. مثيرة جدا بمعنى - حسنا، هل ترغب بسماع رأيي عن البرنامج أم أنك مشغول؟”.

“كلا، تابعي”.

“هل يتوجب دفع تكاليف تجوال؟”.

كذب بلهجة غير حاسمة وقال:”لدي مكالمات مجانية”.

على الطرف الثاني من الخط، لم تفكر هيلين بمصداقية كونور حول موضوع المكالمات المجانية، مع أنه في فرنسا، فهي لم تحمل كلامه محمل الجد، واعتبرت أنها إشارة منه لتتكلم معه عما كان يجول في ذهنها طوال الوقت السابق. جلست على سريرها، وظهرها على ظهر السرير. جلست كذلك طوال مشاهدة مباراة إيرلندا وإيطاليا والتي عرضتها الإنترنت حينما كانت وحدها، تلتهم من طبق النودلز السريع التحضير بواسطة عصا الطعام الرفيعة، وكان الضوء في نافذتها ينحسر بالتدريج من أزرق مبيض إلى أبيض رمادي قبل أن يحل الظلام أخيرا.

قالت: "يهمني مشاهدة إعادة أي حدث ثقافي كما تعلم. لكن مشاهدة الإنتاج الثقافي في حينه أفضل من وقت الإعادة. ولا أعلم هل أنا وحدي من يشعر بذلك؟".

“نعم. أنا أفهمك. وآه. أنا ثمل جدا ولن أكون دقيقا تماما، ولكن أريد أن أعبر، كما ترين، عن سقوط فكرة المؤلف”.

“تماما. هذا كلام دقيق. أنت دقيق جدا. ولا أعتقد أنك مخمور”.

قال:”أنا أهتم كثيرا ببرامج الإنترنت”.

حملت هيلين كومبيوترها المحمول من حضنها وتوجهت إلى الجزء الفارغ من السرير، كما لو أنها تريد أن تتعمق بالحوار.

قالت: “ولكن يصعب تحديد موضع القوة، وأن تحلل ثقافيا طرق عمل القوة. وأعتقد أننا اعتدنا على ذلك من خلال شخصية المؤلف المسيطرة، أو على الأقل من خلال بنية يمكن تحديدها، مثل استوديو صناعة الأفلام أو شركة دعايات تجارية".

“نعم، والآن تتطور مثل مشاركة جماهيرية آنية”.

“أعتقد يمكنك القول إن فضاء الإنترنت يتبع الجندر وهو مرتب بفئات متشابهة، لكن هل هي متساوية؟”.

قال كونور:”يجب أن لا ننسى الجندر. الجندر في كل مكان. هذا رأيي. هل تسمعين ضجة على الخط؟”.

غادرت مجموعة من المشجعين الحانة المجاورة للتو وفاضوا في الطرقات بهياج. وتحت الضوء المنسكب من البار كانت قمصانهم الجورسيه تبدو رخيصة مثل نايلون لماع. كانوا يغنون شيئا يذكرنا بألحان موسيقا الريف عام 1979 ولا سيما الأغنية المشهورة “اذهب غربا”. وتقريبا كل الكلمات، لسبب ما، كانت تشبه أنغام “اذهب غربا”. وأصبحت الكلمة المفردة والمستقلة صعبة على الأفهام، ولها معنى آخر وموحية ومن بنات أفكار المشاركين.

قالت: “قليلا. هل أنت بمكان مزدحم؟. كان هادئا من قبل واعتقدت أنك عدت إلى النزل”.

“لا. ما زلت في الحانة. مع، نعم - الجمهور الإيرلندي الأسطوري”.

“هذا أنت، أنت حاليا جمهور إيرلندي أسطوري. هل ترتدي الجورسيه؟”.

قال:”لا. أنا أحتفظ بمسافة عنهم. وأحاول أن لا أغني كثيرا، وأسخر من أي شرطي”.

“السخرية من الشرطة برأيي مشكلة دولية”.

“ضمنا الشرطة الفرنسية أيضا. شرطة الريف هم عنصريون تماما. ولكن عموما، انظري، نحن هنا الآن”.

بعد أن قال كونور ذلك، أدرك أنه كمن يريد تبديل اتجاه المحاورة لنقطة جديدة. ويمكنه عمليا أن يسمع صدى الانتباه المشترك، وأنه لم يشرح لماذا خابرها، وأنه خفف من أحماله قليلا خلال المكالمة والآن يجب أن ينتقل للشرح والتبرير، ولكن لم يكن لديه شيء يقوله، أو أي شيء يضيفه. وفكر أن يغلق السماعة، ثم يرسل لها رسالة إلكترونية يدعي بها أن الخط انقطع.

آخر مرة قابل فيها هيلين كانت قبل ستة اسابيع، في مطلع أيار. زارها في كامبريدج في عطلة الأسبوع. وبعد رحلة طويلة ومتعبة استغرقت يوما كاملا تخللها قلق مبهم حول النقود، وصل يوم الجمعة ليلا. وطوال اليوم كان يحول بذهنه الإسترليني إلى يورو بمحاولة لتحديد مقدار النقود التي أنفقها على تذاكر الحافلة وأكواب القهوة، والنثريات، لكن هذه الجهود المستمرة أنهكته وجعلته يشعر بالبؤس وضرورة الاستيقاظ. وكان الظلام قد حل حينما غادر الحافلة. ويتذكر الآن السطح الأزرق الساكن للحديقة المجاورة لموقف الحافلات، وهي مستسلمة لنور الشارع، وكانت رائحة الطقس تنتشر حوله، وتحول الهواء لشيء رقيق، بينما النهار يبرد تدريجيا بعدما كان حارا ودافئا. وهكذا قابل هيلين. كانت بانتظاره بسترتها القصيرة ووشاحها، وانتابته الدهشة لمرآها، وأطلق ضحكة خففت من عناء وثقل مشاعره.

وترافقا إلى شقتها، وهما يتبادلان أحاديث عشوائية. وتذكر الواجهة الحجرية المصفرة لمسكنها وهي تبحث عن المفاتيح في أعماق حقيبتها. وفي البيت حضرت الشاي وقدمت بعض الطعام. واستمرا بالمحادثة لوقت متأخر. وفي الخاتمة، في غرفتها، تخلصت من ثيابها للنوم. وجلس هو على الكنبة، حيث ألقى كيس النوم، وكلمته عن شيء يلزم لأطروحتها، وكم مرة قرأتها من قبل وتوجب عليها الآن أن تبذل جهدا صادقا ومخلصا، وجعلها ذلك تبدو ضعيفة قليلا، وحينما كانت تتكلم بهذا الشكل، كانت واقفة قبالة الخزانة وتحاول ارتداء منامتها. وكانت جزئيا، وعلى ما يبدو دون تحكم أو وعي، مختبئة خلف باب الخزانة المفتوح. ولكن أمكنه رؤية كتفها الأيسر العاري، وساعدها الأبيض النحيل. ألقت بلوزتها على حامل معدني، وعلقتها في الخزانة، ودون أن ترفع نظرها قالت:”هل أنت تراقبني؟”.

قال:”أنا أنظر نحوك بشكل طبيعي. ولكن لا - أراقبك-”.

ضحكت وأغلقت باب الخزانة. كان ثوب نوم أسود، طويل، بحمالات على الكتفين.

قال:”كنت استمع لكلامك”.

“آه. مفهوم. أنا حساسة جدا من فقدان انتباه من أكلمه”.

ووجد ردها مخيفا على نحو يدعو للسرور في ذلك الحين. والآن وهو معها على الهاتف انتظر أن تقول شيئا له، ولكن حسب قواعد المحادثات الطبيعية من الواضح أن “دوره” بالكلام قد حان. ووصلته الإشارة أنه عليه أن ينطق بشيء ما.

قال:”مباراة جيدة في كل حال”.

“تمنيت لو كنت حاضرة. هل جرفتك العواطف الملتهبة؟”.

“نعم. جرفتني قليلا. وذرفت دمعة”.

ضحكت وقالت:” هذا لطيف منك. هل بكيت حقا؟”.

“دمعة وصلت لمقلتي، ولا أعلم إن سالت منها أم لا”.

قالت:”كنت أشاهدها وحدي ولذلك لا يمكنني أن أشعر بالموجة العاطفية بكل عنفوانها”.

مثل أن تذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم. أحيانا تضحك ولكن هذا لا يحدث في المنزل. وهذا لا يجعل الضحكة زائفة، أليس كذلك. الإنسان يفقد متعته حين يكون وحيدا.

“هل تشعرين بالوحدة؟؟”.

فكرت بالسؤال، فهي غير معتادة أن تسمع مثله من كونور، كانت هذه أول مرة، وضمنا المرة السابقة التي ادعى بها أنه مخمور، وتبادر لها احتمال أنه مخمور الآن.

قالت: “يجب أن اقول أنا لا أحب معظم الإنكليز كثيرا، لذلك نعم. الحياة في إنكلترا، تميل للعزلة. ربما أنا أحمل انطباعا سيئا عنهم ولا سيما مع اقتراب الاستفتاء”.

“نعم. هذا يبدو صعبا. أعتقد أنهم يفضلون البقاء”.

“آمل ذلك. مهما كانت النتيجة اكتشفنا أشياء مزعجة تماما”.

قال:”لا أحسدك لأنه عليك أن تعيشي هناك”.

وفكرت هي بدورها بزيارة عطلة الأسبوع، والطقس الرائع الذي استمتع به. استيقظا يوم السبت بوقت متأخر، كانت السماء زرقاء مشعة تتخللها غيوم صغيرة. جهزت إبريقا من القهوة، وتناولا الخبز المحمص مع البرتقال. وضبت أطباق الإفطار وحصل هو على حمام سريع، وارتاحت هي لصوت غلاية الماء الحار وصوت تدفق الماء من الحنفية.  وعندما برز مجددا في المطبخ كان بثيابه، بينما هي لا تزال بثوب النوم، مع حزام ملفوف حوله. وحان وقت لحظة تلاقي النظرات المباشرة، وشعرت كأنهما لم يتبادلا النظر منذ وقت وصوله. وخيم الهدوء من نظراتهما على الغرفة. وفكرت بالسخرية من هذه اللحظة قليلا لتقلل من جديتها، ربما بأسلوب ساخر وعاطفي، ولكن لم يسعها الاعتماد على العاطفة لتبدو هزلية بنظره وليس متوحشة. وعوضا عن ذلك تراجعت للخلف، وتعثرت، وتلكأ هو هناك دون أن يقول شيئا. كان يوما دافئا وتذكرت هيلين ماذا ارتدت للخروج: بلوزة بيضاء بسيطة، وتنورة شاحبة رقيقة، وحذاءها الخفيف. ولم تهتم، أو لا تتذكر أنها اهتمت بمظهرها فعليا، ولكن تعلم بشكل غامض أنها كانت تبدو متعبة أكثر من كونها تحاول أن تبدو معافاة. وتجولا حول متحف فيتزوليام فيما بعد الظهيرة، وهما يتبادلان الأحاديث. وبعد أن تناولا الغداء، شربا القهوة. وأخبرها كونور بحكايات مسلية عن العمل وضحكت هيلين كثيرا حتى أنها سكبت قهوتها على تنورتها، وكان ذلك من دواعي سروره. وعلمت أنه استمتع بضحكتها. وبدا أنها توفر له بعض الرضا الرخيص ولكن الخاص. وحينما تضحك كان يبدل نظرته قليلا، كما لو أن النظرة المباشرة شيء لا يستحقه.

كانت تقابل الكثير من الأشخاص الناجحين في كامبريدج، أشخاص لديهم كبرياء قوية، ويعبرون عن ذكائهم بها. وكانت نوعا ما تستمتع بالكلام معهم، وتتبادل معهم الثرثرة حتى تصبح الحفلة مضجرة ومقلقة. ولكن المتعة في النهاية تتلاشى، كما لو أنها تعاقبها وتلهو بها. هناك شيء خاص بذكائهم وهو لا يجلب لها المرح ولا الفضول. كان كونور يعمل في مركز مكالمات لتقديم خدمات الموبايل، وهو شريكها المثالي بالحديث، الشخص الذي تشعر حياله بالصفاء الذهني والمسافة القريبة. كانا متفاهمين بالكلام دون عناء، وربما لهذا السبب، أو ربما بسبب العاطفة الصادقة وطويلة الأمد، لم تتحول محادثاتهما إلى مبارزة. ووجدت هيلين فلسفيا أنهما اثنان متوافقان بكل شيء، و لا يزال لديهما أشياء كثيرة يمكن الكشف عنها.

قالت له:”معظم الناس هنا متحررون، وهم يغبطون أنفسهم على ذلك. ويمكن أن تلاحظ أنهم يقللون من شأن الناس العاديين، الذين لا يعرفون كامبريدج أو لا يحملون درجة جامعية. وأعتقد أن الحط من شأن الآخرين هو فعليا ما يهنئون أنفسهم عليه”.

“وهل أنا شخص عادي بنظرك؟”.

“هل أنت... تعترض على طريقة استعمالي لعبارة - ناس عاديين -، أم أنك تشير لعلاقتنا؟”.

ابتسم. كانت عيناه مرهقتين. أطبقهما. شعر بجفنيه رطبين نوعا ما. قال:”حسنا. أنا أحب أن أعتقد أنني خاص جدا على نحو من الأنحاء”. وسمع ضحكتها.

قالت:”أنا أريد أن أعرف لماذا اتصلت. ولكنني سعيدة بالكلام معك ولا أمانع إن لم يكن لديك سبب وجيه”.

“سأكون صادقا معك. لقد حركتني متابعة تلك المباراة. موجة العاطفة التي تكلمت عنها. وشعرت بدافع لمكالمتك. أردت أن أخبرك أنني أحبك، وهذا كل شيء”.

لعدة ثوان لم يسمع ردا. ولم يمكنه أن يقرر ماذا تفعل على الطرف الآخر من الخط. ثم جاء صوت خافت مثل ضحكة، ثم أدرك أنها تضحك.

قالت:”أنا أحبك. كنت أفكر بشيء لبق لأشير لمشاعرنا وللتعبير عن حبنا من خلال هذا التواصل الثقافي الطقوسي ككرة القدم، ثم اعتقدت، آه يا إلهي، اصمت. أنا أيضا أحبك وأفتقد لك”.

مسح عينيه بيده التي لا يمسك بها الهاتف. كان لصوتها بسمعه نبرة ناعمة وسائلة ترابطت مع أعمق مشاعر العزاء لديه.

قال:”عطلة الأسبوع التي أمضيتها معك، فكرت بشيء قد يحدث. ولكن لا أعلم. ربما الأفضل أنه لم يحصل”. بلع و تابع:”كذبت بشأن المكالمات المجانية. وربما لا يجدر بي أن أتابع لفترة أطول”.

قالت:”آه. حسنا. هذا شيء طيب. اذهب الآن واحتفل”.

ساد صمت نهائي. وشعر خلاله كلاهما بمشاعر متماثلة ومجهولة، باندفاع متشابه نحو تصرف غير مفهوم، وكل منهما يريد من الآخر أن يقول مجددا: أحبك، أحبك كثيرا، ولكن لم يكن بوسعه أن يقولها تلقائيا. ورغم هذا الشعور بالممانعة غير المتوقعة، بشيء لم يكتمل بعد، كما لو أنهما مسروران بانتزاع كل واحد منهما اعترافا من الآخر، كانت هيلين تعتقد أنها أكثر سعادة لأن كونور هو من بادر بالكلام، وكان كونور يعتقد أنه هو الأسعد بالحقيقة لأنها لم تكن مخمورة بل واعية. أخيرا تبادلا تحية الوداع بذهن شارد.

أعاد كونور هاتفه لجيبه، وابتعد عن جدار الصالة. وفي الطريق الرئيسي تدحرجت سيارة الشرطة، وإشارتها تدور صامتة، وحيا المشجعون الشرطة أو جهة مجهولة لا علاقة لها بكل الحكاية. وأعادت هيلين هاتفها لطاولة قرب السرير وسمعت صوت ارتطام باهت، زجاج يطرق على الخشب، ثم فكرت لحظة بسكون مطبق. ونظرت للجدار المقابل كما لو أن فكرة محددة تبادرت لذهنها للتو. ودون وعي لامست شعرها، لم تغتسل اليوم. ثم بحركة واحدة وتلقائية وطبيعية ظاهريا، أعادت كومبيوترها المحمول لمكانه فوق ساقيها المتقاطعتين ونقرت عليه بأصبعين ممدودتين لتشعل الشاشة.

***

.....................

سالي روني Sally Rooney كاتبة إيرلندية من مواليد عام 1991. أولى رواياتها هي “حوار مع أصدقاء”. وهذه القصة مترجمة عن نيوستايتمان. عدد 12 آب 2017.

 ت: صالح الرزوق

 

 

2386 ماترين ايسيباداترجمة: عادل صالح الزبيدي

(كيف كان بامكاننا ان نحيا او نموت هكذا

ليست هذه اغنيات موالاة حسب،

انما هي اغنيات ثورة ايضا،

لأنني انا من اقسم على ان يكون شاعر كل ثائر شجاع في العالم اجمع.

 وولت وتمن)

ارى الأجسادا السوداء البشرة تسقط في الشارع مثلما سقط اسلافها تحت السياط والحديد، ارى آخر دم يسيل في بركة، آخر نفس يُبصق. ارى بائعا جوالا مهاجرا يخرج محفظته للشرطة، فيطلقون النار عليه مرات عديدة حتى ان ثمة ثقوب رصاص في اخمصي قدميه. ارى نقاش الخشب الأصم وسكينه، يعبر الشارع امام شرطي يصرخ به ثم يطلق النار. ارى غارة مكافحة المخدرات،  تركل الباب الخطأ، قلب القس ينقبض. ارى الرجل الذي ينادي لبيع حفنة من السجائر، وقبضة الشرطي التي تجعل رئتيه اللتين تصفران اثناء التنفس تتوقفان عن الصفير الى الأبد. انا بين الحشد، عند النافذة، راكعا جنب الجسد المتروك على الاسفلت لساعات مغطى بملاءة.

ارى حالات الانتحار: عازف الطبلة الذي تقيد يداه بسبب عزفه في قطار الأنفاق، معلقا في زنزانة السجن بيديه المقيدتين خلف ظهره؛ المشتبه به ينضح الدم من صدره في المقعد الخلفي لسيارة الدورية؛ الفتى ذا الـ 300 باون الذي قيل انه فر مذعورا واعزل نحو وابل الرصاص الذي ملأ جبهته بالثقوب.

ارى المحقق يهز رأسه، الكلمات التي يطبعها في تقريره تحفر في الجلد كأنها مزيد من الرصاص. أرى تحقيقات الحكومة تتكدس، الكلمات تطنطن على الصفحة، ثم تختنق مثلما يختنق النحل في جرة.

ارى الرجل الأسود التالي، يفر مثلما فر العبد الآبق في الماضي من صائد العبيد، ويطلقون النار على ظهره بسبب مصباح سيارة خلفي مكسور. ارى الشرطي يقيد يدي الجثة.

ارى الثوار يتقدمون، رافعين ايديهم امام قوات مكافحة الشغب، وجوها ملفعة بالمناديل لتتفادى الغاز المسيل للدموع، وامر بجانبهم متخفيا. ارى الشعراء، الذين سيكتبون اغاني الثورة التي ستقرؤها او تسمعها  الاجيال التي لم تولد بعد قرن من الآن، كلمات ستجعلهم يتساءلون كيف كان بامكاننا ان نحيا او نموت على هذا النحو، كيف لا يزال ذرية العبيد يفرون ولايزال ذرية صائدي العبيد يطلقون النار عليهم، كيف كنا نستيقظ كل صباح دون ان ينضح دم الأموات من كل مسامة.

***

..........................

مارتين ايسبادا: شاعر أميركي من أصول لاتينية ولد في بروكلين، نيويورك عام 1962 . تلقى تعليمه في جامعتي وسكونسن-ماديسن ونورث ايسترن . نشر أول مجموعة من القصائد السياسية تحت تأثير والده الناشط السياسي البورتوريكي عام 1982 تحت عنوان (فتى الجليد المهاجر بوليرو) ثم تلاها بمجموعة (أبواق من جزر طردهم) في 1987 و(الثورة دائرتا يدي عاشق) في 1990. نال ايسبادا العديد من الجوائز والمناصب الفخرية. من عناوين مجموعاته الشعرية الأخرى (تخيلوا ملائكة الخبز)) 1996؛ (عالم فلك من المايا في مطبخ الجحيم)) 2000؛ (جمهورية الشعر) 2006؛ (كرة المتاعب) 2011 و(يحيا أولئك الذين فشلوا) 2016.

 

2384 serinaترجمة: صالح الرزوق

أجد أن أمسيات تشرين الثاني غير مناسبة  لتسلق الأشجار. بتعبير أوضح أوشكت الحفلة أن تنتهي وتوجب علي أن أغادر. ولم يكن أمامي فرصة للمغادرة، فهربت. صعدت على السلالم، وتسللت من نافذة الحمام، وأصبحت فوق سطح الملحق، ثم انزلقت على حواف جدار يحيط بالمنزل، وبارتفاع ثمانية أقدام، وحاذرت أن لا أعلق باللبلاب الذي يغطيه، وهكذا بلغت الشجرة. وهناك بدأت بالتسلق. لم أشعر بالبرد. لم أكن أشعر بأي شيء، وأنا أتابع طريقي. كنت أود أن أكون معك بقدر ما يمكنني. انتظرت حتى أرسلت الوالدة صديقا ليعيدني للبيت. لم تكن الشجرة مرتفعة جدا. بل هي أعلى من الجدار بحوالي عدة أقدام. وعارية من الأوراق، باستثناء عدد محدود تدلى من الأغصان الجافة. غير أن غصنا متينا يصلح ليكون مقعدا طبيعيا، وهناك يمكن أن تجدني كلما دعت الضرورة للتفكير، أو سمحت لي الحالة النفسية.

من هنا، بمقدوري أن أستمع لجوقة العائلة والأصدقاء معا، كانت أصواتهم تدمدم بوقت واحد حتى أنني لم أفهم كلمة واحدة، كنت أستمع للنغمات، فقط الألتو والسوبرانو في غنائهم الحزين والخاص. وتلك هي الكلمة التي اعتادت الوالدة أن تصفك بها. حالته خاصة. ولا تقول إنه معوق. أو “عاجز فيزيائيا وعقليا”. لم يخبرنا أحد باسم حالتك، ولذلك كنت بالنسبة لنا وببساطة شيئا خاصا. ولكن أتذكر أول مرة أدركت فيها أن “الحالة الخاصة” ليست شيئا جيدا. كنت بكرسيك المتحرك، وتوقفت الوالدة لتتبادل الكلام مع الجيران. فاستلمت أنا القيادة. وكنت بعمر ست أو سبع سنوات وبصعوبة يمكنني أن أشاهد ما وراء كرسيك. لم يكن هناك من يحب الطرق الوعرة مثلك تماما. بدأت أعدو، وأنا أدفعك أمامي، نحو أسفل السفح، وانطلقت ضحكتك بصوت مرتفع ومرح مثل الموسيقا بينما كرسيك يهتز ويرتجف فوق حفر وفراغات الطريق.  كنت لا تزال تضحك. وأنا كذلك. وحينها رأيت الأولاد الآخرين. توقفوا عن اللعب. وقفزت الكرة دون أن يلاحظها أحد وهم يحملقون. فهم لم يشاهدوا مثلك من قبل. وأخطأت بفهم فضولهم معتقدة أنه الرعب. لأول مرة بحياتي القصيرة، شعرت بالرعب الحقيقي. ليس رعب الصغار، ولكن الشعور بالعار والضرر. واتقد الغضب بأوجاع قلبي. وارتعشت منه. ومر كالسهم في جسمي اليافع مع كل دقة قلب. وكان حارا وعميقا مثل الدم الذي يجري في عروقي. وبدأت أصيح:"علام تحملقون؟”. وتابعوا التحديق، حتى حضرت أمنا ورافقتنا للبيت.

الكلام عنه

لم أكن أرغب بالكلام عن الموضوع، وتلك هي المشكلة.

الشخص الوحيد الذي كنت مهتمة بالتكلم معه كان ابن عمي الأصغر، ربما لأنه لا يثرثر. كنا في السابق وفي أيام المراهقة نشترك بحب التمرد، كنا نحبو إلى المطبخ لنسرق علب المشروبات ثم نشربها على السطح معا. ولم أجد في ذلك شيئا غير طبيعي حتى استاء هو. وسألني هل أنا مرتاحة. لم أكن كذلك. والآن يعلو صوته فوق نبرته المعتادة من الأسفل. كان ثملا، وربما سيلومونني على ذلك. ولكنها ليست غلطتي. ليس تماما. مع ذلك ربما سيتهمونني بالإهمال. كنت أجمع أجزاء من الخشب المتساقط من الشجرة، وأقشر منه الطبقة الواقية، حتى يظهر الجلد اليافع تحتها. كان اللحاء يخلف الغبار على أصابعي، وخطوطا سوداء تحت أظافري. ويتسلل بين الأخاديد الرفيعة في أطراف الأصابع. كنت أحرم الشجرة من إمكانياتها. فهي لم تكن جاهزة للذبول. ولكن كانت أظافري متحمسة للحفر بشيء ما وإلا اخترقت راحة يدي. علام يحدق هؤلاء الأولاد؟ ماذا بمقدورهم أن يشاهدوا؟.

الطريقة التي تفرك بها أصابعك معا؟. تحتفظ باليدين متباعدتين وتلمس أطراف الأصابع فقط؟. أم هو فمك العريض، وطريقتك بالابتسام؟. فالزوايا تبدو كأنها تريد أن تبقي الفم مغلقا. هذا غير مناسب. لن تظهر بمظهرك العادي. أنوار الشارع تسرق النجوم. والسماء صلبة، مثل مخمل أسود، ولكن بمقدوري رؤية تلك النجوم المسروقة وهي موزعة مثل بريق مهدور في أرجاء المدينة، وتزحف وراء بيتي. كنت معتادة على رؤيتها. حينها ينتفخ قلبي من هذه الشموس المقيدة بالأرض، هذه الخرافات التي صنعها البشر لتمييز السماء عن الأرض. كما أخبرتكم لا يمكنني أن أشعر بأي شيء، ليس الآن. 

موجود لتستمر

قبل وفاتك لم أكن أعلم أنك لست مخلوقا لا يفنى. من سيعتني بك بعد وفاة والدينا، أتساءل. هل أنا سأفعل ذلك؟. أم أحد أشقائنا، سيحملك، ويطعمك دون الخوف من أن تختنق وهو الشعور الذي يلازمني. هم دائما يتصرفون بطريقة أفضل، ولا يبدو أن الخوف من ضعفك ورقتك يغلب عليهم. وأنت لا تعرف ذلك. ولكن قبل أن يغادر أخوتنا إلى أستراليا، أوقفوني جانبا وأخبروني أنه يجب أن أزيد من اهتمامي بك. والعار لا يزال يلازمني. لم أكن أقصد أن أتعامل معك كشيء مسلم به. كنت أعتقد أنك هنا لتبقى. سألني بالهاتف كيف وافتك منيتك، قلت له كنت أقبض على يدك، وشعرت بك وأنت تنزلق وتضيع مني. فلزم الصمت ولم يجد كلاما ينطق به بعد ذلك. انتظرت بقدر مستطاعي، ولفترة طويلة للغاية. لكن تمنيت لو أنني لم أكن موجودا عندما جرى ما جرى. كان الأجدى أن تتواجد أمي عوضا عني. فأنت ستبذل قصارى جهدك في هذه الحالة من أجلها. وأعلم أن هذا غير عادل، ولكن ما جرى لم يكن منه مهرب. غير أنه ملموس وحقيقي. وشعرت أن الحقيقة دفنت بين أضلاعي حيث يوجد القلب بالعادة.

أغنيات مؤلمة

كانوا ينشدون، المشاركون بالمهرجان، والمعزون، وعائلتي. لم أكن أعرف الأغنية، لكن تخللت نغمتها البطيئة وإيقاعها الرتيب، التنهدات. كانوا يغنون ليتأكدوا من مشاعرهم، ليضيئوها، ليركزوا على شيء مؤلم ومحزن. كنت أفضل الهدوء. لم أسمع أبانا يبكي قبل هذه الليلة. حتى لو كنت بالخارج، ويجب أن أشم الدخان البعيد الذي يهب من نار مواقد الشتاء، ورائحة الجليد النظيف الرقيق، كنت لا أنتبه إلا لعبير البخور. فهو مزدحم في رئتي. وأشم أيضا التوابل والمواد الحافظة. وهذا لا يشبه رائحتك التي تفوح منها المواد المطرية السائلة اللطيفة والنفاذة أيضا. كل ليلة، كان الوالد يرفعك فوق السرير بذراعه القوية، وتدهنك الوالدة بالمراهم بمحبة شديدة حتى تغطي بها كل بشرتك بطبقة سميكة. ما هو المرهم الآخر، المرهم الشبيه بالجلاتين؟. مراهم وسوائل لبشرتك الحساسة. كنت مستلقيا على سريرك لأنه ما من أحد يرغب أن يراك في التابوت.  كانت الغرفة صغيرة ومحصنة، بعيدة عن الضجيج وسكان الوسط، ولكن أمكن للشمس أن تخترقها بطريقة ما، حتى في شهر تشرين الثاني. ونور الشتاء الهزيل كان مخنوقا بالغبار الذي يدور حولك في الفضاء. وهناك ركعت قربك من الصباح للمساء. انتظرت معك، أملا بنتيجة إيجابية، ولم أكن مستعدة لأصدق أن هذا صحيح. وحدقت بصدرك ورغبت لو يتحرك. وأقسم أنه تحرك مرة أو اثنتين. ولكن بقيت يداك باردتين وشعرت بشيء خاطئ.

عناق الصباح

تذكر. ذلك الصباح الباكر حينما كنت أول من استيقظ، وأتيت لأطمئن عليك؟. تدفق نور الشمس وغمر غرفتك. ورفعت وجهك نحوه، وابتسمت بنعومة. ثم نظرت لي، وأعتقد أنك توقعت أنني الوالدة. فقد فتحت ذراعيك بانتظار أن أعانقك. واقتربت من تلك الشرنقة الطرية المشمسة وتلقيت عناقك. كان ذراعاك النحيلان أقوى مما اعتقدت. وعانقتني بقوة، أقوى من عناق أي إنسان عادي. كانت لدينا تحفظات دائمة، نخاف من الحب الحقيقي، ولا نفقد وعينا بالشخص الآخر. لكن ليس أنت. كان عناقك بلا كوابح. ولمست يدك وجهي وضغطته على وجهك، ثم ضحكت ضحكة قصيرة ودافئة. ولم أهتم .أنك تعتقد أنني شخص آخر. فعناقك كان جائزة نادرة بالنسبة لي. وكنت أعلم أن هذا ليس تصرفا شخصيا. لم تكن تحب سقوط شعري على جسمك. لقد سرقت تلك الضمة، وكم أتمنى لو سرقت المزيد. في النهاية أظن أنك لم تمانع أن الزائرة هي أنا. ومن مجلسي، كان البيت يبدو كما هو، ولكن كيف حصل ذلك؟. ماذا سيكون مصير غرفتك؟. وهل سنحتفظ بسرير المستشفيات؟. وهل سنفتح الستائر لننظر من المطبخ  إلى أرجاء غرفتك، المسرح اليومي لصراع الحياة والموت والذي نحتاج لمن يذكرنا به؟. ضغطت قبضتي على صدري ورغبت أن يتابع قلبي المفطور بالحزن عمله. زاد جليد الليل، وغطت البقع ذراعي المكشوفين، ولكن لم يواتني الشعور بالبرد. كل ما انتابني هو الألم. وتوقفت لقمة صلبة في حلقي. بلعت شيئا ضارا كأنه حجرة ولكنه استقر في تجويف رقبتي. وتفرقت دمدمة الأصوات وسمعت كلمة واحدة ملحنة تردد اسمي. سؤال، أين أنت، ماذا تفعلين، تعالي هنا. ولم أفكر بالعودة.

لم أود أن أحتفل، أو أن أعزي، أو أن أبتسم ابتسامات باردة وبسيطة. أردت أن أجلس هنا وأفكر بلحن ضحكتك. كنت مرعوبة من النسيان. وفي نهاية المطاف سأهبط من مقعدي. وسأقترب بحذر من اللبلاب، وأتسلق إلى حافة البيت، وأتسلل من نافذة الحمام. وسأتلقى عناقا قويا ومكبوتا، لكنه ليس مثلك. فالأطباء لم يخبرونا باسم حالتك. أنت وحدك من تعاني من هذه الأعراض بالإضافة إلى طفل آخر في جنوب إفريقيا. أنتما نادران جدا. ولا زلت أفضل أن أفكر بك على أنك “حالة خاصة”.

***

...........................

سيرينا لوليس Serena Lawless كاتبة إيرلندية. متخصصة بالكتابة الإبداعية. حازت على منحة من مجلس بلدية غالواي للفنون. تعمل حاليا على روايتها الأولى لليافعين.  والقصة منشورة في آيريش تايمز. عدد 28 نيسان 2018.

ت: صالح الرزوق

 

 

 

علي القاسميبقلم: جاك كيرواك

ترجمة: علي القاسمي


كنتُ قد اشتريتُ تذكرتي، وأخذتُ أنتظر الحافلة المتوجّهة إلى مدينة لوس أنجلس، عندما رأيتُ، فجأةً، أملحَ فتاةٍ مكسيكيةٍ صغيرةٍ بملابس خفيفة، تعبُر أمام ناظري. كانت جالسةً في إحدى الحافلات التي توقّفتْ لتوّها مع آهة كبيرة أطلقتها الفرامل الهوائية، وراحتْ تُفرغ ركّابها خلال توقُّف للاستراحة. كان نهداها بارزيْن منتصبيْن، وبدا ردفاها الصغيران لذيذين، وشعرها طويلاً أسودَ فاحماً لامعاً، وعيناها نافذتيْن زرقاويْن واسعتيْن مع ظلالٍ من الخجل في غوريْهما. تمنيتُ لو كنتُ في حافلتها. وطعن قلبي ألمٌ ممضٌ، كما يحصل لي كلَّ مرّةٍ رأيتُ فيها فتاةً أحببتُها بيدَ أنها ذاهبةٌ في الاتجاه المعاكس في هذا العالَم الكبير جداً.

أعلن مسؤول الاستعلامات في محطة الحافلات: " إن الحافلة المتجهة إلى لوس أنجلس تحمّل ركّابها الآن في الباب رقم 2." فصعدتُ إلى الحافلة. رأيتها جالسةً وحدها. جلستُ قبالتها بالضبط إلى جانب النافذة الأخرى، وشرعتُ في التخطيط حالاً. كنتُ أشعر بالوحدة جداً، وحزيناً جداً، ومتعباً جداً، ومرتبكاً جداً، ومفلساً جداً، ومنهكاً جداً، لدرجة أنني استجمعتُ شجاعتي، الشجاعة الضرورية للاقتراب من فتاة غريبة، وأقدمتُ على الفعل. ومع ذلك، كان عليَّ أن أُمضي خمس دقائق، وأنا أربتُ بيدي على فخذي في الظلام فيما الحافلة منطلقة في الطريق. " يجب، يجب، وإلا ستموت. أيها الأحمق اللعين، تحدَّث إليها. ما خطبكَ؟ ألستَ متعباً من نفسك بما فيه الكفاية الآن؟" وقبل أن أعرف ما كنتُ أفعل، ملتُ على الممر في اتجاهها (كانت تحاول النوم على مقعدها): " آنسة، هل تودين أن تستعملي معطفي وسادةً؟" فنظرتْ إليّ بابتسامةٍ وقالت: " لا،  شكراً جزيلا ً لكَ". عدتُ مستوياً في مقعدي وأنا أرتجف، وأشعلتُ عقب سيجارة.

انتظرتُ حتى التفتتْ إليّ بنظرة جانبية سريعة حزينة، فاعتدلتُ وملتُ نحوها: " هل لي أن أجلس معك، يا آنسة؟"

ـ " إذا ترغب."

وهذا ما فعلتُه. " إلى أين ذاهبة؟"

ـ " لوس أنجلس."

أحببتُ الطريقة التي ينطق بها كلُّ واحد في الساحل الغربي اسم لوس أنجلس. فهي مدينتهم الذهبية الوحيدة، بعد أن يُقال كلُّ شيء وبعد أن يُفعَل كلُّ شيء.

صرختُ: " وهذه وجهتي كذلك. وأنا سعيد جداً، لأنك سمحتِ لي بالجلوس معك. فأنا أشعر بالوحدة  حقاً، وأنا مسافر منذ وقتٍ طويل جداً."

ورحنا نسرد قصَّتيْنا. قصتها كما يلي: كان لها زوج وطفل. وكان الزوج يضربها، فتركته خلفها هناك في بلدة سابنال جنوب مدينة فرزنو، وهي الآن ذاهبة إلى لوس أنجلس لتعيش مع أختها مدة من الزمن، وقد تركتْ ابنها الصغير مع عائلتها التي تعمل في قطف العنب وتسكن في كوخ في حقول العنب. لم يكن لديها ما تفعله سوى الجلوس والاكتئاب والجنون. وأحسستُ برغبةٍ في وضع ذراعي حولها في الحال. وتحدّثنا وتحدّثنا. قالت إنها تحب أن تتكلَّم معي. وسرعان ما قالت إنَّها تتمنى لو تستطيع الذهاب إلى نيويورك كذلك. ضحكتُ قائلاً : " ربما نستطيع".

تسلّقت الحافلةُ، بأنينٍ مسموع، ممرَّ النبيذ، ثم صرنا نهبط في منفسحٍ واسعٍ من الضوء. ومن دون التوصُّل إلى اتفاقٍ معيّن، أخذنا نمسك بيدَي بعضنا. وبنفس الطريقة، تقرَّر بصورة صامتة وجميلة ونظيفة، أنّه عندما أحصل على غرفتي في أحد فنادق لوس أنجلس، ستكون بجانبي. كان جسمي كلُّه يتوق إليها. وغمرتُ وجهي بشعرها الجميل، وجعلني كتافاها الصغيران أُجنّ، فضممتها وضممتها إليّ، وأعجبها ذلك.

قالت وهي تغمض عينيها: " إنني أُحبّ مطارحة الغرام."، فوعدتها بغرام جميل. ورحتُ أتأملها بإعجاب ونشوة. لقد سُرِدت قصتينا، وخلدنا إلى الصمت، وإلى التأملات والتوقعات الحلوة. هكذا بكلِّ بساطة. وأنتَ تستطيع أن تحظى بجميع الفتيات في هذا العالَم، أمّا هذه فهي فتاتي، وهي نوع الفتاة التي تتمناها روحي. وقد أخبرتها بذلك. فاعترفتْ لي بأنَّها رأتني وأنا أراقبها من مسطبة محطة الحافلات " حسبتُ أنَّك فتىً لطيفٌ في إحدى الكلِّيات."

أكّدت لها قائلاً: " آه، إنني طالب في الكلِّيَّة.".  وصلت الحافلة إلى هوليوود، في الفجر القذر الرمادي، تماماً مثل ذلك الفجر الذي التقى فيه جويل ماكري  بفتاته فيرونكا ليك وهو في مطعم القطار في فيلم " رحلات سوليفان". ونامت في حضني. تطلعتُ بنهم إلى خارج النافذة. بيوت مطلية بالجص، وأشجار نخيل، ودور سينما مكشوفة، وجميع تلك الأشياء المجنونة، أرض الميعاد المهترئة، النهاية الخلابة لأمريكا.

نزلنا من الحافلة في الشارع الرئيس الذي لا يختلف عن أيِّ شارعٍ تتوقَّف فيه الحافلة في مدينة كنساس أو شيكاغو أو بوسطن. فهو مبنيٌّ بالآجر الأحمر، وقذر، ويتجوَّل فيه الناس، والعربات ذات القضبان الحديدية، في فجرٍ بلا أمل، ورائحة المدينة الكبيرة القذرة.

وهنا اختلّ عقلي. لا أدري لماذا. راحت تراودني رؤىً مرعبةٌ مفادها أن تيريزا، أو تيري، اسمها، هي مجرد محترفة عاديّة تعمل على الحافلات لحساب مجرم، بحيث ترتِّب هي مواعيد مثل موعدنا في لوس أنجلس، فتجلب الضحية المغفَّل أوَّلاً إلى مكانٍ يتناولان فيه الفطور، وهناك ينتظرها صاحبها، ثمَّ إلى فندقٍ يستطيع هذا دخوله وهو يحمل مسدسه أو ما أشبه. لم أصارحها بهذه الرؤى. تناولنا فطورنا، وظلَّ قوادٌ يراقبنا. تخيّلتُ تيري وهي تبعث إليه بإشارات سرّيّة بعينيْها. كنتُ متعباً وشعرتُ غريباً وضائعاً في مكانٍ مُقرِفٍ بعيد. وسيطر رعبٌ أبله على أفكاري، وجعلني أتصرَّف بطريقةٍ رخيصةٍ تدعو إلى الرثاء. فقلتُ:

ـ " هل تعرفين ذلك الرجل؟"

ـ " أيُّ رجل تعني، يا عزيزي؟"

تخلّيتُ عن سؤالي.

كانت بطيئة، وتتمهل في كلّ شيء تفعله، فاستغرق منها الأكل وقتاً طويلاً، فقد كانت تمضغ ببطء، وهي تحدّق في الفراغ؛ وتدخِّن سيجارتها ببطء، وهي تواصل الحديث. وكنتُ أنا مثل شبحٍ منهكٍ يشكُّ في كلِّ حركةٍ تقوم بها، ظنّاً منه بأنّها تتباطأ كسباً للوقت. كانت تلك نوبةً من نوبات المرض، وكنتُ أتصبب عرقاً، فيما كنا نسير في الشارع ويدي في يدها. وظلَّ الناس يلتفتون وينظرون إلينا. وجدنا غرفةً فارغةً في أول فندق ولجناه، وقبل أن أدري، وجدتني أغلق الباب خلفي وهي جالسة على السرير، تخلع حذاءها. قبَّلتُها، وأنا خائف. ومن الأفضل أن لا تعرف حالتي. ولكي نريح أعصابنا، أدركتُ أنَّنا في حاجة إلى قنينة ويسكي، خصوصاً أنا. أسرعتُ خارجاً وبحثتُ بسرعة عبر اثني عشر شارعاً حتى وجدتُ قنينة ويسكي للبيع في كشكٍ لبيع الصحف. وجريتُ عائداً بنشاط. كانت تيري في الحمام تزيِّن وجهها. صببتُ شراباً في كأس زجاجي كبير، وتناولنا جرعات منه. آه، لقد كان شراباً حلواً ولذيذاً، ويساوي حياتي، جميع حياتي، ورحلتي الحزينة. وقفتُ خلفها أمام المرآة ورقصنا في الحمّام بتلك الوضعية. وطفقتُ أتحدّثُ عن أصدقائي في الساحل الشرقي. قلتُ: " ينبغي أن تقابلي فتاةً رائعةً أعرفها، اسمها دوري، طولها ستة أقدام وشعرها أحمر. إذا أتيتِ إلى نيويورك، فإنَّها ستُريكِ أين تحصلين على عمل."

سألتْ بشيءٍ من الريبة:

ـ " مَن هي هذه الفتاة ذات الشعر الأحمر التي يبلغ طولها ستة أقدام؟ لماذا تتحدّث إليّ عنها؟"

في فهمها البسيط، لم تستطِع أن تتصوَّر أن كلامي كان نتيجة حالتي العصبية المبتهجة. لم أتابع الحديث. وأخذتْ تنتشي وهي في الحمّام. ورحتُ أردِّد: " تعالي إلى الفراش."

ـ " فتاة ذات شعر أحمر وطولها ستة أقدام، أليس كذلك؟ وكنتُ أحسب أنكَ طالب كليّة لطيف. رأيتكَ مرتدياً كنزتك الجميلة، وقلتُ في نفسي: أليس هو لطيفاً؟ لا، لا، ثمَّ لا. لا بُدَّ أنكَ قوّاد لعين مثلهم جميعاً."

ـ " ماذا تقولين بحق الجحيم؟"

ـ " لا تقف هناك وتخبرني أنَّ تلك الفتاة ذات الشعر الأحمر والتي يبلغ طولها ستة أقدام ليست عاهرة، لأنَّني أعرف العاهرة عندما أسمع عنها، وأنتَ مجرَّد قوّاد مثل بقية الآخرين الذين ألتقي بهم. كلُّ واحدٍ قوّاد."

ـ " اسمعي، يا تيري. أنا لستُ قوّاداً. أقسم لك بالكتاب المقدَّس، أنا لستُ قوّاداً. لماذا أكون قوّاداً. أنا مهتمٌّ بكِ فقط."

ـ " طوال الوقت، كنتُ أحسب أنني التقيتُ بفتى لطيف. كنتُ مسرورة جداً. هنّأتُ نفسي وقلتُ: آه إنه فتى لطيف حقاً، بدلاً من قواد لعين."

توسّلتُ إليها بكلِّ جوارحي، قائلاً:

ـ " تيري، استمعي إليَّ رجاءً وافهميني. أنا لستُ قوّاداً. أنا مجرّد فتى برئ. انظري إلى محفظتي."

وقبل ساعةٍ، حسبتها محترفة. ما أحزن ذلك. اختلف عقلانا بما كانا يخزنانه من جنون. أيتها الحياة الفظيعة، كم أننتُ، وشكوتُ، وغضبتُ، ثم أدركتُ أنني أشكو إلى فتاة مكسيكية صغيرة غبيّة، وقد أخبرتها بذلك. وقبل أن أعرف ما أفعل، أخذتُ فردتي حذائها الأحمر ورميتهما على باب الحمّام، وأمرتها بالخروج فوراً: " اخرجي. اذهبي". أما أنا فسأنام وأنسى، لي حياتي الخاصة، حياتي المهترئة الخاصة الحزينة إلى الأبد. ران هناك صمت ثقيل في الحمّام. وخلعتُ ملابسي وأويتُ إلى الفراش. خرجتْ تيري من الحمّام ودموع الندم في عينيها، فقد رسخت في فكرها الصغير البسيط والمضحك حقيقةٌ مفادها أنَّ القواد لا يرمي باب الحمّام بحذاء المرأة، ولا يطلب منها الخروج من غرفته. وبصمتٍ وقورٍ وحلوٍ، خلعتْ ملابسها ودسّت جسمها الصغير في المُلاء معي. كان جسدها أسمر كالعنب، ووركاها ضيقيْن جداً، بحيث إنها لا يمكن أن تحمل بجنين دون أن تنشرخ، ولهذا لاحت ندبة عمليّة قيصرية على بطنها المسكين. وكانت ساقاها مثل عُصيَّتيْن صغيرتيْن. وكان طولها أربعة أقدام وعشرة بوصات. طارحتها الغرام في حلاوة الصباح المرهَق. ثم حلّق ملاكان صغيران من نوع ما في موضع من مواضع مدينة لوس أنجلس، بعد أن عثرا على ألذِّ شيء في الحياة معاً، فقدغشانا النعاس وبقينا نائميْن حتى الظهر.

وفي الخمسة عشر يوماً التالية، كنا معاً في السراء والضراء. قررنا أن نسافر إلى مدينة  نيويورك بطريقة الـ " أوتو ستوب"، وستكون صديقتي في المدينة. وتصوّرتُ تعقيدات غريبة، وتصورت فصلاً، فترة جديدة. أولاً، ينبغي علينا أن نعمل، ونكسب مالاً كافياً للرحلة. وكانت تيري مستعدة للبدء حالاً بدولاراتي العشرين. لم أحبّذ الفكرة. ومثل أحمق ملعون، فكَّرتُ في المشكلة مدة يوميْن وأنا أقرأ الإعلانات عن عروض العمل في صحف مدينة لوس أنجلس الجديدة التي لم أرها في حياتي من قبل، في المطاعم وفي الحانات، حتى تضاءلت دولاراتي العشرين إلى اثني عشر دولاراً، وازداد الوضع سوءاً. كنا فرحيْن كطفليْن بغرفتنا الصغيرة في الفندق. في منتصف الليل نهضتُ، لأنّني لم استطع النوم، وسحبتُ الغطاء على كتفَي الحبيبة السمراوين، وأخذتُ أتفحّص لوس أنجلس في الليل. ما أوحش هذه الليالي الحارة الشبحية. عبر الشارع، ثمة مشكلة. هناك نُزلٌ قديم متهالك صار مسرحاً لفاجعة من نوع ما؛ فقد توقَّفت سيّارة الشرطة تحتنا، وأخذ رجال الشرطة يستجوبون شيخاً ذا شعر أشيب.  وراح صوت النحيب يصلنا من داخل النُّزل مع طنين مصابيح النيون. كان في وسعي أن أسمع كل شيء مع طنين مصابيح النيون في فندقي.  لم أشعر بالحزن في حياتي أبداً كما شعرتُ به آنذاك. فلوس أنجلس هي أكثر المدن الأمريكية وحشة وقسوة. تصبح نيويورك باردة جداً في الشتاء، ولكن يخامرك شعور بأنَّ ثمَّة رفقة حميمة في مكان ما في شارع ما، أما لوس أنجلس فهي الغاب.

في الشارع الرئيس الجنوبي، حيث كنا أنا وتيري نتمشى فيما نتناول السجق، كان هنالك مهرجان من الأضواء والهياج؛ فقد كان رجال الشرطة الذين يلبسون أحذيتهم الطويلة العنق، يلاحقون مجموعة من الشباب المرحين في كل زاوية تقريباً. وعلى قارعات الشوارع، تتمشى جماعات من أفظع الأشخاص المسحوقين. كلُّ ذلك يجري تحت نجوم جنوب كالفورنيا الناعمة الضائعة في الهالة الداكنة للمخيّم الصحراوي. في وسعك أن تشمّ رائحة الشاي، ورائحة الأعشاب، أعني رائحة الميراوانا وهي طافية في الهواء ومختلطة بروائح اللوبيا بصلصة الفلفل الأحمر والبيرة. وتصلك أصوات موسيقى الجاز الصاخبة من صناديق الموسيقى في حانات البيرة، لمغنين مثل ديزي وبيرد وباغز ومايلز في أغانيه الأولى، وتختلط هذه الأغاني بكل نوعٍ من أغاني رعاة البقر والأنغام النشاز في الليل الأمريكي. كلُّ واحدٍ من المارّة يبدو مثل هونكي. وجاء زنوج طوال ذوو لحى، وهم يعتمرون خوذاً صغيرة ومرّوا وهم يضحكون. وقدِمَ شبان طوال الشعر مفلسون من الطريق رقم 66 من نيويورك،  ثمٌّ وصل رعاعٌ وهم يحملون أكياساً ويتجهون إلى مسطبة في الحديقة الكائنة في الميدان. ثم ظهر قسسٌ من الكنيسة المثوديستية بأكمامهم المطرّزة، وبرز قديس بلحيته ونعله. كنتُ أودّ أن أقابلهم جميعاً وأتحدّث مع كلِّ واحد منهم، ولكن تيري أسرعت إليّ، فقد كنا مشغولين في محاولة الحصول على عمل لنا معاً، مثل كلِّ فرد آخر.

ذهبنا إلى هوليوود في محاولة للعمل في صيدلية تقع عند ملتقى شارع الغروب وشارع الكروم. كانت الأسئلة التي وُجِّهت إلينا، في المكاتب الكائنة في الطابق الأعلى، للتأكد من صلاحيتنا للعمل في نضد المشروبات اللزج القذر، خبيثة لدرجة أنها أضحكتني. إنها قلبت معدتي. زاوية شارعي الغروب والكروم ـ أية زاوية!  الآن هناك زاوية! الآن وصلت عائلات كبيرة من المناطق الخلفية وترجلت من سياراتها القديمة ووقفت على قارعة الطريق تتحيّن الفرصة لإلقاء نظرة على نجم سينمائي، والنجم السينمائي لم يظهر أبداً. وعندما تمرُّ سيارةٌ فارهةٌ، يتسابق الواقفون بلهفة إلى حافة الطريق لينظروا إلى مَن فيها. وهناك في السيارة تجلس شخصيّةٌ ترتدي نظارة سوداء بصحبة شقراء مرصٌّعة بالجواهر. " إنه الممثل ألدون أميش، إنه ألدون أميش." ، " لا، إنه الممثل جورج ميرفي، جورح ميرفي." ويستديرون بلا نظام وينظر أحدهم إلى الآخر. وتسرع فتيات صغيرات جميلات وهن يحملن صينيات الأطعمة. فقد جاءت تلك الفتيات بالآلاف إلى هوليوود ليصبحن ممثلات في السينما، ولكنهن بدلاً من ذلك اشتغلن في مزابل الآخرين، بما فيه مطاعم داريل زانوك. ووصل فتيان  وسيمون شاذون، كانوا قد جاءوا إلى هوليوود ليصبحوا رعاة بقر في الأفلام، وصلوا يتنزهون وقد صبغوا حواجبهم بأصباغ الأظافر. أولئك الفتيات الصغيرات الجميلات يسرن وهن يرتدين الملابس الخفيفة في موكب طويل لا يُصدَّق، حتى تظنَّ أنك في الجنة، ولكنك في حاجز التطهير فقط، وكل فرد على وشك أن يُغفَر له. جاءت أولئك الفتيات ليكن ممثلات، وانتهى بهن الحال ليكن نادلات في دور السينما المكشوفة، العبوس على وجوههن، وندبات على سيقانهن العارية.

حاولنا أنا وتيري أن نجد عملاً في المطاعم أو دور السينما المكشوفة. لم يكن هناك عمل في أي مكان. الحمد لله. كان شارع هوليوود مزدحما بالسيارات العظيمة ذات الصخب المجنون. كانت هناك حوادثُ سيرٍ طفيفةٌ مرةً كلَّ دقيقة على الأقل. كلُّ واحد منطلق إلى آخر نخلة...وفيما وراء ذلك لا توجد سوى الصحراء والخلاء. هكذا حسبوا. وأنتَ لا تتوقع أن يعرف كل واحد بأنك تستطيع أن تجد الماء في الصبّار ولا حلوى التوفي في نبات المسكيت الشائك.  ووقف فتيان هوليوود أمام المطاعم الراقية، وهم يتجادلون بصوتٍ عالٍ مفعم بالخيلاء تماماً بنفس الطريقة التي كان فتيان برودواي يتجادلون فيها على أرصفة الشوارع في " جاكوب بيتش" في نيويورك، مع فارق واحد هو أنهم هنا يرتدون بدلات خفيفة وكلامهم أكثر تفاهة ومملاً بصورة لا توصف. ومرّ بنا كهنة طوال نحاف الأجسام. وهناك مجموعة من سيدات في السبعينيات من عمرهن، ينتمين إلى جمعية الرزكروشي الدينية القديمة، وهن يعتمرن عصابات في شعرهن، وقفن تحت أشجار النخيل بصورة لا تدلُّ على شيء. وجرت نساء غليظات وهن يصرخن وعبرن الشارع ليقفن في طابور المشاركين في العروض الاختبارية. ورأيتُ الممثل جيري كولونا وهو يشتري سيارة في محلِّ سيارات " بيوك"، كان وراء النافذة الزجاجية الكبيرة وهو يفتل شاربيه. أمرٌ لا يُصدَّق ولكنَّه حقيقي، تماماً مثل رؤية  الممثلين البدلاء الثلاثة المضحكين ذوي الوجوه المطلية باللون الأبيض، وقد غطّوا وجوهم بالرماد في غرفة حقيقية. أكلنا أنا وتيري في كافتيريا في وسط المدينة، وكانت مزخرفة بطريقة تجعلها تبدو مثل كهف، مع عصافير معدنية منتشرة في جميع أنحاء المكان، مع تماثيل صخرية تمثل حوريات البحر ونبتون الزلق. وكان الناس يتناولون وجبات تعيسة حول الشلالات، ووجوههم كئيبة يطبعها حزن البحارة. وجميع رجال الشرطة في لوس أنجلس يبدون مثل رجال بغاء وسيمين؛ من الواضح أنهم قدِموا إلى لوس إنجلس ليكونوا ممثلين. كلُّ شخص كان قد جاء إلى لوس أنجلس ليعمل في السينما، حتى أنا. وأخيراً اضطررتُ أنا وتيري إلى تخفيض توقعاتنا إلى محاولة الحصول على عمل في الشارع الرئيس الجنوبي، مع عمال المطاعم المتعبين وفتيات غسل الصحون الذين لا يخفون الإنهاك الذي يصيبهم؛ وحتى هناك لم نحصل على عمل. ما زال لدينا اثنا عشر دولاراً.

قالت تيري:

ـ " سآخد ملابسي من أختي، وسنسافر إلى نيويورك بطريقة الـ " أوتو ستوب". هيّا يا رجل لنفعلها. إذا لم يكن في وسعك التصرف، فأنا أعرف ، وسأريك كيف." والجزء الأخير من كلامها عبارة عن أغنية من أغانيها التي تنشدها دوماً، محاكيةً إسطوانة مشهورة. أسرعنا إلى منزل أُختها في الأكواخ المكسيكية المنتشرة فيما وراء شارع الميدا. انتظرتُ في زقاقٍ مظلمٍ خلف المطابخ المكسيكية، لأنه ليس من المفروض أن تراني أُختها، فذلك لا يروق لها. كانت الكلاب تجري بالقرب مني. وثمة مصابيح صغيرة تضيئ أزقة الفقراء الضيقة. وقفتُ هنالك وأنا أرتشف جرعات كبيرة من قنينة نبيذ، وأرقب النجوم، وأستمع إلى الأصوات الصادرة من الجوار. وكان في وسعي أن أسمع تيري وأختها تتجادلان في تلك الليلة الدافئة الهادئة. وكنتُ مستعداً لأي شيء. خرجتْ تيري وسحبتني من يدي إلى الشارع المركزي الذي هو الممشى الرئيس الملوَّن في لوس أنجلس. وأي مكان غريب هو، فقد كان يضم أكواخاً صغيرة لا تتسع بالكاد إلا إلى صناديق الموسيقى التي كانت تطلق لاشيء سوى الأغاني الخفيفة والشعبية والراقصة. وارتقينا سلم بناية قذرة ووصلنا إلى غرفة صديقة تيري، واسمها مرغرينا، وهي فتاة ملوّنة يبدو أنَّ أمها الحنون أسمتها بذلك الاسم  بعد أن تهجّت الاسم مكتوباً على علبة زبدة اصطناعية. وكانت مرغرينا، وهي خلاسية لطيفة، قد استلفتْ من تيري فستاناً وحذاء، وكان زوجها زنجياً أسود كالمسك ولطيفاً. خرج في الحال واشترى قنينة ويسكي للقيام بواجب الضيافة نحوي بطريقة لائقة. حاولتُ أن أدفع له بعض ثمنها ولكنَّه رفض. ولهما طفلان صغيران كانا يتقافزان على السرير الذي كان ساحة لعبهما. وضعا أذرعهما حولي وأخذا ينظران إليّ بعجب. وكان ضجيج الليل الغريب الصادر من الشارع المركزي يعوي ويدوي في الخارج، مثل موسيقى " رقصة الشارع المركزي" التي وضعها الموسيقار هامبتون. كانوا يغنون في القاعات، ويغنّون عبر نوافذهم، وما عليك إلا أن تنظر إلى الخارج. أخذت تيري ملابسها وقالت وداعاً. ذهبنا إلى أحد المطاعم في الأكواخ الصغيرة ورحنا نستمع إلى الأغاني التي نضع اسطواناتها في صندوق الموسيقى. قرّرنا ما سنفعله ونحن نتناول البيرة: لقد قررنا أن نسافر، بما تبقى لنا من نقود،  إلى نيويورك بطريقة الـ " أوتو ستوب". كان لديها خمسة دولارات من أختها. أسرعنا عائدين إلى الأكواخ. وهكذا وقبل أن يحل موعد تسديد أجرة الغرفة ليوم جديد، حزمنا أمتعتنا وسافرنا في سيارة حمراء متجهة إلى أركاديا، كاليفورنيا، حيث يوجد ميدان سباق الخيل  "سانتا أنيتا" تحت جبال مكللة بالثلوج، كما كنتُ أعرف ذلك أيام فتوتي من ملصقات صور سباق الخيل في دفاتري القديمة الحزينة، التي يظهر فيها أزوكار وهو يربح الجائزة الكبرى التي قيمتها مائة ألف دولار سنة 1935، وفي إمكانك أن ترى الثلوج الباهتة مكومة على ظهور الجبال المنحنية. كنا في الطريق رقم 66، والوقت ليل. وكنا متجهين إلى الفضاء الشاسع الذي هو القارة الأمريكية. ومشينا، ويدينا متلازمتان، عدة أميال في الطريق المظلم، لنخرج من المنطقة المأهولة بالسكان. كانت ليلة السبت. وقفنا في الطريق تحت أحد المصابيح ونحن نشير بإبهامينا عندما مرّت بنا فجأة سيارات محملة بالصبيان وهم يرفعون الرايات ويصرخون: " ياه، ياه، نحن انتصرنا، نحن انتصرنا." ثم رفعوا أصواتهم في اتجاهنا، وقد أصابتهم نشوة كبيرة لرؤية فتى وفتاة يسيران في الطريق. عشرات منهم مرّوا علينا في موجات متعاقبة، "وجوه غضة وأصوات فتية مبحوحة"، كما يُقال. لقد كرهتُ كلَّ واحدٍ منهم. مَن يظنّون أنفسهم ليصرخوا في وجه شخصٍ ماشٍ في الطريق. ألأنهم صبيان مدرسة ثانوية، وآباءهم من الأغنياء الذين يهيئون المشويات عند الظهر أيام الآحاد؟  لم نحصل على أحد يأخذنا معه بسيارته إلى نيويورك. فتوجّب علينا أن نعود مشياً إلى المدينة، والأسوأ من ذلك كله أننا كنا بحاجة لفنجان فهوة، ومن سوء حظنا أننا رجعنا إلى نفس المكان المبهرج الموشى بالأخشاب الذي يضم نضد البيرة في مقدِّمته. ونفس الصبيان كانوا هناك، ولكننا لم نعِرهم بالاً. وارتشفنا أنا وتيري قهوتنا والكاكاو. لدينا حقائب بالية والعالم كله أمامنا... وجميع تلك الأرض هناك، تلك الصحراء المتربة، والضوضاء. كنا نبدو مثل زوجين متجهميْن من الهنود الحمر أمام طاولة المشروبات الغازية في ينابيع النافاهو ورأساهما منحنيان على الطاولة. والآن لاحظ تلاميذ المدرسة أن تيري مكسيكية، قطة باشوكو برّيّة، وأن رفيقها أسوء من ذلك. سارت تيري بين التلاميذ وأنفها الجميل مرتفع في الهواء، ونحن نخرج من هناك. وتجولنا معاً في الظلام على طول قنوات صرف الطريق السيار. كنتُ أحمل الحقائب وأردتُ أن أحمل أكثر من ذلك. سلكنا الطريق وواصلنا السير وكنا نتنفس الضباب في هواء الليل البارد. لم أرِد أن أستمر دقيقة أخرى دون أن أستمتع براحة ليلة دافئة في فراش دافئ معاً. اللعنة على الصباح، ولنختفي عن أعين العالم ليلة أُخرى. أردتُ أن أضمّها بين أطرافي كلها، لا تحت ضوء المصابيح بل تحت ضوء النجوم المطلة علينا من النافذة. ذهبنا إلى نُزل في الطريق، وسألنا ما إذا كان لديهم غرفة. نعم. حجزنا غرفة صغيرة مريحة لقاء أربعة دولارات. كنتُ سأنفق نقودي على أية حال. ثمة حمّام، ومناشف، وراديو على الجدار، وكلُّ شيء، مجرَّد لليلةٍ واحدةٍ أُخرى. تعانقنا بقوَّة. وتبادلنا حديثاً جديّاً طويلاً، واستحممنا، وناقشنا أموراً على الوسادة وتحت أضواء المصابيح. وتمّ الاتفاق على شيءٍ ما، فقد أقنعتها بأمرٍ قبلتْه، وختمنا اتفاقنا في الظلام، بلا أنفاس. ثم رضينا مثل حمليْن وديعيْن.

في الصباح، انطلقنا بجرأة لتنفيذ خطتنا الجديدة. ارتدت تيري نظارتها الشمسية الغامقة، فأعطتها هيبة ووقاراً، وهي على وجهها الحاد الصغير الجميل، ذي الأنف النبيل، الذي يشبه أنفاً هندياً صقري الشكل، ولكن مع خدين أسيلين لطيفين لاستكمال تورّد حياء وجهها البيضاوي، مع شفتين ممتلئتين ياقوتيتين، وأسنان منظومة مثل حاشية فستان العمّة جميما، وليس هنالك من لون طيني عليها، ولكنْ لونٌ مثل خضاب على بشرتها المغولية. كنا ذاهبيْن لنستقل حافلة متوجهة إلى بيكرسفيلد لقاء آخر ثمانية دولارات لدينا ونعمل هناك في قطف العنب. " فبدلاً من الذهاب إلى نيويورك الآن، استقر رأينا على أن أعمل لفترة ونحصل على ما نحتاج، ثم نذهب إلى  نيويورك بالحافلة دون أن نضطر إلى السفر بطريقة الـ " أوتو ستوب"، فقد رأينا أن هذه الطريقة لم تفلح.."

وصلنا بيكرسفيلد مساءً، مع خطتنا لمقابلة كلِّ بائع فواكه بالجملة في المدينة. قالت تيري إننا نستطيع أن نسكن في خيام أثناء العمل. وقد راقت لي فكرة النوم في خيمة، وقطف العنب في صباحات كالفورنيا الباردة، بعد تمضية الليالي على موسيقى الغيتار واحتساء النبيذ مع العنب المغموس. " لا تقلق لأي شيء".

ولكن لم يكن هناك عمل يمكن الحصول عليه، وإنما كثير من الارتباك حيث أعطانا كلُّ واحد قابلناه معلومات مشوشة وكثيراً من النصائح.(" اذهبا إلى الطريق الزراعي وستجدان ساكانو")، ولم تتبلور فرصة العمل. وهكذا ذهبنا إلى مطعم صيني وتناولنا ما قيمته دولار من أكلة (تشو ميان) مع عائلات مساء السبت الحزين، نراقبهم، ثم ننطلق بجسم مقوّى. ذهبنا، عبر طرق المحيط الجنوبية، إلى الحي المكسيكي. ورطنت تيري مع أبناء جلدتها طالبة عمل ما. حلّ الليل الآن وليس لدينا سوى بضعة دولارات. وكان الشارع في تلك البلدة المكسيكية مرصوفاً بالمصابيح الكهربائية المتوهجة، وسرادق الأفلام، وبسطات الفواكه، وأروقة الدكاكين، ، وخمسة وعشرة ومائة من الشاحنات المهترئة والسيارات المغطاة بالوحل الواقفة في كلِّ مكان. وكانت عائلات مكسيكية بأكملها تعمل في قطف الفواكه تتجول في المكان وأفرادها يأكلون حبوب الذرة المشوية. وتحدّثتْ تيري مع كلِّ واحد منهم. وأخذ اليأس ينتابني. ما كنتُ في حاجة إليه وما كانت تيري في حاجة إليه كذلك، هو مشروب. ولهذا اشترينا قنينة من نبيذ كاليفورنيا بمبلغ 35 سنتاً وذهبنا إلى ساحة تجمع القطارات لشربها. وجدنا مكاناً حيث جلس العمال المتجولون على صناديق بالقرب من النار. جلسنا هناك وشربنا النبيذ. ثمة سيارات شحن إلى يسارنا، وقد بدت حزينة وحمراء قاتمة تحت ضوء القمر؛ ولاحت أمامنا مباشرة أضواء مطار باكرسفيل؛ وعلى يميننا مخزن ضخم للألمنيوم. تذكّرت ذلك فيما بعد عند المرور عليه. آه، كانت ليلة لطيفة، ليلة دافئة، ليلة شرب النبيذ، ليلة مقمرة، ليلة تصلح لعناق حبيبتك والتحدُّث إليها وـتضرم النار وتحلم بالنعيم؛ وهذا ما فعلناه. كانت حمقاء صغيرة مولعة بالشراب، وسايرتني وتفوّقت عليَّ، وواصلت الكلام حتى منتصف الليل، ولم نتحرك أبداً من ذلك الصندوق الذي كنا نجلس عليه. وبين الحين والآخر كانت تمر بعض الحسناوات، وتمر أمهات مكسيكيات مع أطفالهن، وتقترب سيارة الشرطة منا ويخرج منها الشرطة ليسيروا قليلا، ولكن معظم الوقت كنا وحدنا وتمتزج روحانا أكثر فأكثر حتى أصبح من الصعب جداً أن نفترق. وفي منتصف الليل نهضنا وسرنا في اتجاه الطريق السيّار.

وخطرت فكرةٌ جديدةٌ لتيري. سنسافر، بطريقة الـ "أوتو ستوب"، إلى سابينال، بلدتها في أعالي وادي سان جوكان، ونسكن في مرأب أخيها. أيّ شيء كان يناسبني، خصوصاً مرأب لطيف. وفي الطريق، جعلتُ تيري تجلس على حقيبتي لتبدو مثل امرأة في محنة، وسرعان ما توقَّفت سيارة شحن، فجرينا نحوها ونحن نتضاحك. كان السائق رجلاً لطيفاً وسيارته بائسة، وزمجرت وزحفت صاعدة إلى أعلى الوادي. ولم نصل سابينال إلا في ساعات الصبح الباكر، بعد أن قاد ذلك العاشق النعسان المتعب عربته المجلجلة القديمة من ليون سبرنغز في أسفل الوادي إلى إلى حقول العنب والليمون مدة أربع ساعات، لينزلنا من سيارته مع وداع بهيج قائلاً " إلى اللقاء، يا رفيقي الرحلة"، وها نحن مع قنينة النبيذ الفارغة ( أنا، فيما كانت هي نائمة في سيارة الشحن). الآن أنا ثمل. السماء رمادية في الشرق. " أفق، فالصبح في صحن الليل...". كانت هناك ساحة مورقة هادئة، مشينا فيها ومررنا على محلات بيع المشروبات الغازية، وصالونات الحلاقين، كلّها ما زالت نائمة، ونحن نبحث عن مرأب. ولم يكن هناك مرأب. بيوت بيضاء شبحية. بلدة صغيرة من أيام الباحثين عن الذهب، لا يتوقّف فيها القطار إلا ليطلق صفارته. لم تستطع أن تعثر تيري على مرأب أخيها. ولكننا الآن سنذهب للعثور على أخيها نفسه الذي يعرف مكان مرأبه. لم يكن هناك أحد في المنزل. كل ذلك جرى في الأزقة الكسيحة لبلدة سابينال المكسيكية الصغيرة، الواقعة على الجانب الخطأ من الطريق. وعندما أخذ الفجر ينبلج، تمددتُ على ظهري في عشب ساحة البلدة. وكنتُ قد فعلتُ ذلك من قبل، عندما حسبوا أنني غرقتُ في منتجعٍ في الساحل الشرقي، وأخذتُ أردد مرة تلو الأخرى: " أنتَ لن تخبر أحداً بما فعله في (ويد)، أليس كذلك؟ ما الذي كان سيفعله في ويد؟ أنتَ لن تخبر أحدا ما الذي كان سيفعله في (ويد)؟" وهذا مقتبس من فيلم " فئران ورجال" حينما كان (برغس ميريديث) يتكلَّم مع رئيس العمال في المزرعة؛ كنتً أظنّ أننا اقتربنا من (ويد). ضحكت تيري. أي شيء اقعله كان حسنا بالنسبة إليها. كان في وسعي أن أنطرح هناك وأردد: " ما الدي كان سيفعله في ويد؟" حتى تخرج السيدات من بيوتهن إلى الكنيسة، وتيري لا تعبأ بذلك.

ولأن أخيها في تلك الأنحاء، حسبتُ أن أمرنا جمعياً سيسوى عمّا قريب، ولهذا أخذتها إلى فندق قديم قرب الطريق وأوينا إلى الفراش بارتياح. بقي لدي خمسة دولارات. كانت رائحة الصباغة الجديدة تفوح في الفندق، حيث المرايا المؤطَّرة بخشب المهاغوني، والصرير الصادر من السرير. استيقظتْ تيري مبكّرة في الصباح المشمس الساطع، وذهبتْ تبحث عن أخيها. نمتُ حتى الظهر، وعندما ألقيتُ نظرةً عبر الشبّالك، رأيتُ قطار شحن بطئ يمرُّ بالقرب منا وهو محمّل بمئات العمال المشرَّدين المتكئين على العربات المسطحة وهم يهتزّون بسعادة  مستخدمين صررهم بمثابة وسائد، ووضعوا أوراق جرائد على أنوفهم، وبعضهم يمضغ عنب كالفورنيا الجيد الذي التقطوه بالقرب من خزان الماء. فصرختُ: " اللعنة، إنها فعلاً الأرض الموعودة". جميعهم جاءوا من بلدة فريسكو، وخلال أسبوع، سيعودون كلهم بنفس الطريقة الفخمة.

وصلتْ تيري مع أخيها، وصديقه، وابنها. أخوها شاب مكسيكي رائع وفيه عطش للسُّكر. فتى طيّب عظيم. وصديقه مكسيكي ضخم ومترهل، يتكلَّم الإنجليزية بقليل من اللكنة الأجنبية، وكان تواقاً ليرضي الآخرين، ومهتمّاً بالبرهنة على شيءٍ ما. كان في وسعي أن ألاحظ أنَّ عينيْه دائماً على تيري. ابنها الصغير ريموند، وعمره سبع سنوات، له عينان سوداوان ولطيف. حسناً، نحن هنا، وبدأ يوم غريب آخر.

كان اسم أخيها فريدي، وعنده سيارة شحن من نوع شيفي 1938. انحشرنا في تلك السيارة واتجهنا إلى مناطق غير معروفة. فسألتُ: " إلى أين نحن ذاهبون؟"  تولى الإجابةَ صديقه، بونزو، كما يدعوه الجميع، وكانت رائحته كريهة، وعرفتُ سبب ذلك، فهو يبيع السماد للفلاحين، ولديه سيارة شحن، ونحن ذاهبون لذلك. ويمتلك فريدي دائماً ثلاثة أو أربعة دولارات في جيبه، وهو يؤمن بالحظِّ، ويردّد دائماً : " هذا صحيح، يا رجل، ها أنتَ سائر، داه، أنتَ سائر، داه أنتَ سائر." وهكذا سار، فقد كان يقود تلك السيارة القديمة بسرعة 70 ميلاً في الساعة [ السرعة القصوى المسموح بها في كاليفورنيا]. وذهبنا إلى بلدة (مديرة) ما وراء (فرنزو)، وعجلات السيارة ترمي بالغبار وراءنا، وقابلنا الفلاحين بشأن السماد. وتناهت إلينا أصواتهم المتباطئة في الفضاء المشمس الحار. وكان لدى فريدي قنينة خمر." اليوم خمرٌ، وغداً عملٌ. داه أنتَ سائر، يا رجل، ـــ خذ جرعة". وكانت تيري جالسة مع طفلها في مؤخَّر السيارة. أدرتُ وجهي إلى الخلف ونظرتُ إليها، فرأيتُ على وجهها وهجَ سعادة العودة إلى الأهل. فقد كانت تسافر هكذا لسنوات. وانتشرت حولنا الحقول الخضراء الجميلة في كاليفورنيا في شهر أكتوبر. وشعرتُ بالفرح والاستعداد للانطلاق.

ـ " إلى أين نحن ذاهبون الآن، يا رجل؟"

ـ " نذهب للعثور على فلاحٍ عنده سماد مرمي هناك، وغداً سنعود إليه لتحميله بالشاحنة. سنحصل على كثير من المال يا رجل. لا تقلق بشأن أي شيء."

زعق بونزو الذي لا يحصل على السماد بنفسه قائلاً :

ـ " نحن جميعا في هذا معاً."

وقد رأيتُ هذا أينما ذهبت ـــ فكلُّ واحدٍ في كلِّ شيءٍ معاً. وتسابقنا في الشوارع المجنونة في بلدة فرنزو، وواصلنا السير إلى الوادي لمقابلة الفلاحين في الطرق الفرعية. وكان بونزو يخرج من السيارة ويجري محادثات مع المكسيكيين الكبار في السن، وطبعاً لا شيء يتمخَّض عن ذلك.

صاح فريدي قائلاً: " ما نحتاج إليه هو الشراب".

فذهبنا إلى حانةٍ عند تقاطع الطرق. فالأمريكيون يشربون دائماً في الحانات الواقعة على تقاطع الطرق مساء يوم الأحد، ويصطحبون أطفالهم، فهناك أكوام من السماد خارج الباب ذي الستارة، ويحصل لغط وخصام حول كؤوس الشراب، وتجري المساومة، وتسمع ضحكات خشنة، ترتفع من الرعاع فوق صوت الأغاني، لا أحد يستمتع حقاً، ولكن الوجوه تمسي أكثر احمراراً، ويتطاير الوقت بصورة أسرع. كلُّ شيء على ما يرام. وعندما يحلُّ الليل يحلّ البكاء لدى الأطفال، ويغدو الآباء سكارى. ومن حول جهاز الموسيقى، يعودون مترنحين إلى المنزل. وحيثما ذهبتُ في أمريكا، كنتُ أشرب في الحانات الواقعة على تقاطع الطرق مع عائلات بأكملها. الأطفال يأكلون الذرة المشوية، والبطاطس المقلية، ويلعبون في الساحة الخلفية أو يشربون البيرة خِفيةً. جلسنا أنا وفريدي وبونزو وتيري هناك نشرب البيرة ونرفع أصواتنا. كائنات صاخبة. صارت الشمس حمراء ولم ننجز شيئاً. ما الذي هناك لننجزه؟ قال فريدي:

ـ " منيانا/غداً. غداً يا رجل، سنفعل ذلك. تناولْ قنينة بيرة أُخرى، ــ داه أنت سائر، ـــ داه أنت سائر."

وترنّحنا إلى السيارة، وانطلقنا إلى حانة على الطريق السيار. وهذه الحانة لها مصابيح نيون زرقاء وأضواء قرمزية. وكان بونزو شخصاً صاخباً كبيراً، يعرف كلَّ فرد في وادي سان جوكان، وهذا ظاهر من تصرُّفه كلما وصلنا إلى ملتقى طرق، فهو يطلق صوته العالي بـ " هو ــ يو/ مرحبا". الآن بقي لي قليل من الدولارات، رحتُ أعدّها بحزن. ونُسِجتْ في عقلي أفكارَ العودة إلى أهلي في نيويورك في الحال مع هذه الحفنة من النقود، بالسفر على طريقة الـ " أوتو ستوب" كما فعلتُ في بلدة بيكرسفيلد تلك الليلة، وترْك تيري مع أخيها العظيم وأكوام السماد المكسيكي المجنون، وصرخات منيانا/غداً الناتجة من البيرة الحمقاء. ولكني واجهتُ وقتاً عصيباً. ومن حانة الطريق السيّار، ذهبتُ وحدي مع بونزو  في السيارة للعثور على فلاحٍ بعينه. ولكن، بدلاً من ذلك، انتهينا إلى الحي المكسيكي في بلدة مديرة، نتصيّد الفتيات للالتقاط بعضهن لرفقة بونزو وفريدي؛ ثم بعد أن هبط الغسق الأرجواني على بلاد العنب، ألفيتُ نفسي جالساً بغباء في السيارة، فيما راح بونزو يتجادل مع فلاح عجوز عند باب المطبخ حول ثمن بطيخة زرعها ذلك الرجل المسنّ في ساحة منزله الخلفية. وحصلنا على البطيخة وأكلناها في الحال ورمينا بقشورها على الممشى الترابي لمنزل ذلك المكسيكي. كان هنالك جميع أنواع الفتيات الصغيرات الجميلات سائرات في الشارع المظلم. فقلتُ: " اللعنة، أين نحنُ؟

قال بونزو الكبير : " لا تقلق، يا رجل، غداً سنجني مالاً وفيراً. أمّا الليلة فلا نقلق."

رجعنا واصطحبنا تيري والآخرين واتجهنا إلى فرزنو في أضواء الطريق السيار الليلية، وكنا جائعين. تخطينا السكة الحديد ووصلنا شوارع الحي المكسيكي. وكان بعض الصينيين الغرباء يطلّون من النوافذ متفحصين شوارع ليلة الأحد، ومجموعات من الفتيان المكسيكيين يمشون باختيال وهم يرتدون الملابس الخفيفة، وموسيقى المامبو تصدح من أجهزة الموسيقى، والأضواء منتشرة في المكان مثل عيد " الحلوين". دخلنا مطعماً وتناولنا أكلة " التاكو" والفاصوليا المطحونة ملفوفة بالكعك. كانت وجبة لذيذة. أخرجتُ دولارات أربعة لامعة والصرف، أي ما يقف بيني وبين الساحل الأطلسي، ودفعتُ عن الجميع. والآن لم يبقَ لديّ سوى ثلاثة دولارات. ونظرنا أنا وتيري أحدنا إلى الآخر: " أين سننام الليلة، يا عزيزتي؟"

ـ " لا أدري."

فريدي كان سكرانَ، وكل ما يستطيع قوله الآن بصوت رقيق ومُتعَب، هو: " ـــ داه أنت سائر، يا رجل. ــ داه أنتَ سائر، يا رجل." كان يوماً طويلاً. ولم يكن أحدٌ يعرف ما يجري أو ما قدّره لنا الربُّ الرحيم. ونام الصغير المسكين ريموند على ذراعي. عدنا بالسيارة إلى بلد سابينال. أوقفنا السيارة بسرعة مفاجئة أمام حانة على الطريق السيّار رقم 99، لأن فريدي يريد قنينة بيرة أخرى. وخلف ذلك الدكان كانت هناك بيوت متنقلة وخيام وقليل من الغرف المتهالكة على شكل نُزل. سألتُ عن الثمن، فكان دولارين للغرفة. سألتُ تيري ما رأيها في ذلك، فقالت: عظيم، لأنَّ الطفل على يدينا الآن، وعلينا أن نريحه. وهكذا وبعد بضعة كؤوس من البيرة في تلك الحانة التي يترنّح فيها سكارى متجهّمون من أهالي أوكلوهوما على أنغام موسيقى رعاة البقر، وصخب بعضهم الآخر المتجمِّع على طاولات وسخة وهم يكرعون البيرة منذ الساعة الواحدة بعد الظهر والآن تشرف الساعة على الثانية عشر ليلاً، وقد اختفت جميع النجوم وخلدت إلى النوم منذ وقت طويل. ذهبتُ أنا وتيري إلى الغرفة وتهيئنا للنوم. وبقي بونزو يدور حولنا ويكلّمنا عبر الباب المرصَّع بالنجوم، فلم يكن له مكان ينام فيه، أما فريدي فقد نام لدى والده في كوخ مزرعة العنب. سألتُه: " أين تسكن، يا بونزو؟"

ـ " لا مكان، يا رجل. من المفروض أن أسكن مع صديقتي روزي الكبيرة، ولكنّها طردتني الليلة الماضة. سآخذ شاحنتي وأنام فيها الليلة."

ودندن غيتار. ونظرنا أنا وتيري إلى النجوم معاً من نافذة الحمام الصغيرة، واغتسلنا بمرشّةٍ، ونشّفَ أحدنا الآخر. قالت:

ـ " منيانا/ غداً كلّ شيء سيصبح على مايرام، غداً، فلا تفكّر في شيء، يا حبيبي."

ـ " طبعاً، يا حبيبتي، منيانا/ غداً".

كان هناك غدٌ دائماً. وكلّ ما سمعته خلال الأسبوع التالي هو " منيانا/غداً"، كلمة محبوبة، ربما تعني الجنَّة. وكان الصغير ريموند قد قفز إلى الفراش بجميع ملابسه وبكل شيء ليخلد إلى النوم، وتساقط رمل ماديرة من حذائه. وكان عليّ وتيري أن ننهض في منتصف الليل لمسح ذلك الرمل من مُلاء الفراش. وفي الصباح نهضتُ، واغتسلتُ، وقمتُ بجولة حول المكان. وجعلني الطل الحلو أستنشق الضباب الإنساني. كنا على بعُد خمسة أميال من سابينال في حقول القطن ومزارع العنب على طوال الطريق السيار رقم 99. سألتُ السيدة السمينة الضخمة مالكة المخيم ما إذا كانت هناك خيام فارغة. وكانت أرخص خيمة فارغة بدولارٍ لليوم الواحد. أخرجتُ ذلك الدولار الأخير وانتقلنا إلى الخيمة. ثمة فراش، وموقد، ومرآة مكسورة معلقة على عمود. كانت الخيمة سارّة، وكان عليَّ أن أنحني لأدخل فيها، وعندما فعلتُ، كانت هناك حبيبتي وولد حبيبتي. انتظرنا وصول فريدي وبونزو بسيارة الشحن. وصلا مع البيرة وطفقا يشربان في الخيمة. " خيمة عظيمة".

ـ " وماذا عن السماد؟"

ـ " الوقت متأخِّر جداً اليوم ــــ غداً يا رجل، سنحصل على مال وفير، أما اليوم فستناول بضعة كؤوس من البير. ماذا تقول: بيرة؟"

لم أكن بحاجة إلى تشجيع. وصاح فريدي: " داه، ها أنت سائر ـ داه، ها أنتَ سائر."

وراح يتضح لي أن خططنا للحصول على مالٍ بسيارة شحن السماد لن تتبلور. كانت سيارة شحن السماد متوقّفة خارج الخيمة. وكانت لها رائحة مثل رائحة بونزو. في تلك الليلة، خلدنا أنا وتيري إلى النوم في نسيم الليل العليل وتطارحنا الغرام الحلو القديم، فقد كنتُ على وشك النوم عندما قالت لي: " هل تريد أن تطارحني الغرام الآن؟"  قلتُ: " وماذا عن ريموند".

ـ " لا يكترث، إنَّه نائم"

ولكنَّ ريموند لم يكن نائماً، ولم يقُل شيئاً.

جاء الشابان في اليوم التالي بسيارة السماد وذهبنا للحصول على ويسكي، ورجعنا وأمضينا وقتاً طيباً في الخيمة. وتحدّثا عن الزمن الماضي الجميل عندما كانا طفلين هنا، وعندما كانا طفلين في كاليكسو، وعن أعمامهما الحمقى المسنين من المكسيك القديم، وعن الشخصيات الرائعة في الماضي الذي فاتني. وصرخ فردي وعيناه الواسعتان يغطيهما شعر رأسه: " أتظن أنني مجنون!" في تلك الليلة، قال بونزو إنَّ الجو بارد للغاية ونام على أرضية خيمتنا وهو ملفوف بقماش مشمّع واسع له رائحة سرجين البقر. كانت تيري تكرهه وتقول عنه إنَّه يحوم حول أخيها لمجرّد أن يكون قريباً منها. من المحتمل أنه يحبّها، وأنا لا ألومه على ذلك.

لن يحصل شيءٌ ما عدا الجوع الذي سيصيبني ويصيب تيري، فلم يبق لديّ سوى عشرة سنتات. ولهذا فقد ذهبتُ في الصباح أسير في الحقول سائلاً عن عمل قطف القطن. وأشار علىَّ كلّ واحد بالذهاب إلى مزرعةٍ عبر الطريق السيار من المخيم. ذهبتُ إلى هناك وكان صاحب المزرعة في المطبخ مع زوجته. خرج، واستمع لقصتي، وحذّرني بأنه سيدفع مقداراً معيناً عن كل مائة رطل من القطن المقطوف. وتصوّرت أنَّني أستطيع أن أجمع ثلاث مائة رطل على الأقل في اليوم، فقبلتُ العمل. وأخرج أكياساً جنفاصية طويلة قديمة من مخزن الغلال، وأخبرني أن قطف القطن يبدأ في الفجر. وأسرعتُ عائداً إلى تيري وكلي مرح. وفي الطريق كانت سيارة شحن محمَّلة بالعنب قد عبرت طسّة وأسقطت كمية كبيرة من عناقيد العنب على الإسفلت الساخن. فقمتُ بالتقاطه وأخذته إلى المنزل.

كانت تيري سعيدة بي: " أنا وريموند سنأتي ونساعدك في عملك."

قلتُ : " بشـ . لا شيء من ذلك."

ـ " سترى، سترى، إنَّ قطف القطن عملٌ شاق جداً. وإذا لا تستطيع تدبير الأمر، فأنا أعرف وسأريك كيف تفعل ذلك."

أكلنا العنب، وفي المساء ظهر فريدي ومعه رغيف من الخبر ورطل من الهامبرجر، وقمنا بنزهة. في الخيمة الكبيرة المجاورة لخيمتنا، تعيش عائلة من أكلوهوما تعمل في قطف القطن. ويمضي الجدّ نهاره بأكمله وهو جالس على كرسي، فقد كان مسناً جداً بحيث لا يستطيع العمل. أما الابن والبنت وأطفالهما، فإنهم يخرجون عند الفجر كلَّ يوم ويعبرون الطريق السيار إلى المزرعة نفسها حيث يعملون. وعند الفجر في اليوم التالي، ذهبتُ معهم. قالوا إن القطن يكون أثقل في الفجر بسبب الندى، وهكذا تستطيع أن تحصل على مال أكثر مما لو اشتغلت بعد الظهر. كان الجدُّ قد قَدِم من  ولاية نبراسكا إبان الكارثة الاقتصادية في الثلاثينيات، نفس الزوبعة الترابية المتكررة، فجاء مع جميع أفراد عائلته بسيارة شحن قديمة. واستقروا في كاليفورنيا منذ ذلك الحين. وكانوا يحبون العمل. وخلال السنوات العشر الماضية، رفع ابن الرجل المسنّ عدد أطفاله إلى أربعة، وكبر بعضهم الآن بما يكفي ليذهبوا لقطف القطن. وفي ذلك الوقت، تقدّموا من فقر مدقع في مزارع (سيمون لغري) إلى نوع من العيش المحترم في خيام أفضل، وهذا كلّ ما هنالك. وهم فخورون جداً بخيمتهم.

ـ " هل ستعودون إلى نبراسكا؟"

ـ " بشو، لا شيء هناك. ما الذي نريد أن نفعله هو شراء مسكن متنقِّل.:

وانحنينا إلى الأسفل، وشرعنا بقطف القطن. شيء جميل. وكانت الخيام عبر الحقل، وخلفها كانت حقول قطن داكنة ذابلة تمتد إلى مدى البصر، وبعدها وفوقها تلال داكنة ذات غدران، ثم، كما في الحلم، سلسلة من الجبال المغطاة قممها بالثلوج، في نسيم الصباح الأزرق. وهذا العمل أفضل بكثير من غسل الأطباق في الشارع الرئيسي الجنوبي في المدينة، ولكني لم أكن أعرف شيئاً عن قطف القطن، فأمضي وقتاً طويلاً في تخليص الكرة القطنية البيضاء من قوقعتها الهشّة، والآخرون يفعلون ذلك بضربة سريعة واحدة؛ وفوق ذلك، راح الدم ينزف من أطراف أصابعي. كنتُ بحاجة إلى قفازيْن، أو إلى خبرة أكثر. وكان هناك معنا في الحقل زنجي وزوجته، وكانا يقطفان القطن بنفس الصبر المبارك الذي كان يمتلكه أجدادهما في ولاية ألباما قبل الحرب. كانا ينطلقان منحنييْن بلونهما الأزرق طوال الصف المخصص لهما، ويكبر كيساهما. وأخذ ظهري يؤلمني. وكان من المريح الركوع والاختباء في تلك الأرض، فعندما كنتُ أشعرُ بالحاجة إلى الراحة، كنتُ أضطجع، ووجهي على وسادة من الأرض الرطبة السمراء، برفقة الطيور المغردة. ظننتُ أنني وجدتُ العمل الصالح لحياتي. ووصلت تيري وريموند، وهما يلوّحان لي عبر الحقل، في الظهيرة الهادئة الحارة، وشاركاني في العمل. اللعنة عليَّ إن لم يكُن ريموند أسرع مني ـ وهو مجرد طفل! وطبعاً، كانت تيري أسرع منه مرَّتيْن. كانا يسبقانني في العمل ويخلفان لي أكواماً من القطن النظيف لأضيفه إلى كيسي.، كيسي الكابوس الكئيب الطويل، الذي ينسحب ورائي مثل أفعي أو تنين ملطخ بالوحل في أحد أحلام كافكا أو أسوء. يتهدَّل فمي هولاً بمجرَّد التفكير في ذلك الكيس العميق. كانت تيري تترك لي أكوماً شبيهة بتلك التي يقطفها الرجال، وريموند أكواماً طفولية. وكنتُ أضع تلك الأكوام في كيسي بندم. أيُّ نوع من الرجل البالغ أنا إن لم أستطِع أن أعيل نفسي، ناهيك بإعالتهما. أمضيا العصر كلَّه معي؛ الأرض شيء هندي. وعندما أمست الشمس حمراء؛ قفلنا راجعين متعبين معاً. وفي آخر الحقل، أنزلتُ حملي على الميزان، ولشد دهشتي، لم يزن سوى رطل ونصف الرطل فقط، وحصلتُ على دولار ونصف الدولار. ثمَّ استعرتُ دراجةً من أولاد الأوكلوهومي، وذهبت إلى دكان بقالة على تقاطع الطرق في الطريق السيار رقم 99 حيث اشتريتُ معلبات من معكرونة السباغيتي وكريات اللحم المفروم، وخبزاً، وزبد، وقهوة، وكعكاً ثمنه خمس سنتات، وعدتُ بالسلّة معلَّقة على مقود الدراجة. وكان أزيز السيارات المتجهة إلى لوس أنجلس بالقرب مني، وأزيز السيارات المتجهة إلى فرنزو يضايقني من الخلف. ولعنتُ، ولعنتُ. ونظرتُ إلى الأعلى لأرى السماء المظلمة، ودعوت الله أن يمنحني وقتاً مريحاً أفضل في الحياة، ونصيباً أحسن لأفعل شيئاً ما لأجل الصغار الذين أحبهم. لم يعرني أحدٌ هناك في الأعالي أي اهتمام. كان عليَّ أن أعرف أفضل. تيري هي التي رفعت معنوياتي، فعلى موقد الخيمة، سخّنت الطعام، وكان من أشهى الوجبات في حياتي، إذ كنتُ جائعاً ومرهقاً. وتأوهتُ مثل قاطف قطن زنجي عجوز، وأنا أضطجع على الفراش وأدخن سيجارة. وكانت الكلاب تعوي في الليل البارد. وانقطع فريدي وبونزو عن المجيء في الأمسيات، وكنتً راضياً بذلك. وجلست تيري القرفصاء بجانبي، وجلس ريموند على صدري، ورسما صور الحيوانات في دفتر مذكراتي. وكانت فتيلة مصباح خيمتنا تحترق في السهوب المريعة. وصدحت موسيقى رعاة البقر في النُّزل على الطريق السيار، فحملتِ الحزن العميم عبر الحقول المجاورة. وكنتٌ راضياً بذلك، وقبّلتُ حبيبتي وأطفأنا الأنوار.

في الصباح، جعل الندى خيمتَنا ترتخي، نهضتُ وأخذتُ منشفتي وفرشاة أسناني وذهبتُ إلى المرحاض العام في النُّزل لأغتسل؛ ثمَّ رجعتُ وارتديتُ سروالي الذي كان ممزقاً بسبب الركوع في الأرض وقد خيَّطته تيري في المساء، واعتمرتُ قبعتي المهترئة المصنوعة من الخوص، والتي كانت في الأصل لعبة ريموند، وعبرتُ الطريق السيار حاملاً كيس القطن المصنوع من الجنفاص. وكان القطن رطباً وثقيلاً، والشمس حمراء على الأرض الندية.

كنتُ أكسب دولاراً ونصف الدولار تقريباً كلَّ يوم. ويكفي ذلك لشراء البقالة في المساء بالدراجة. ومرَّت الأيام ونسيتُ كلَّ شيء عن الساحل الشرقي وهذيان الطريق الملعون. كنتُ ألعب مع ريموند طوال الوقت، وكان يحبّ أن أرميه إلى الأعلى في الهواء ثم أحطُّه على الفراش. وكانت تيري تجلس ترقّع الثياب. كنتُ رجلاً عادياً تماماً، كما كنتُ أحلم أن أكون في نيويورك. ووصلنا كلام مفاده أن زوج تيري عاد إلى سابينال وأنه يبحث عني، وكنتُ مستعداً له. وذات ليلة جُنَّ جنون الأكلوهوميين في النزل فربطوا رجلاً إلى شجرة وانهالوا عليه ضرباً بعصاً خشبية سمكها أربعة سنتمترات في سنتمترَين. كنتُ نائماً آنذاك وسمعتُ عن ذلك فقط. ومنذ ذلك الحين أخذتُ أحتفظ بعصا غليظة في الخيمة، في حالة ما راودتهم فكرة أننا ـ نحن المكسيكيين ـ نفسد مخيّمهم، فقد كانوا يظنّون أنَّني مكسيكي، طبعاً، وأنا كذلك.

ولكن حلَّ الآن شهر أكتوبر/ تشرين أول، وصار الجو أبرد بكثير في الليل. كانت عائلة أوكي تمتلك موقداً يشتعل بالحطب، وهم ينوون البقاء أثناء الشتاء. ونحن لا نمتلك موقداً، إضافة إلى أن وقت أداء كراء الخيمة قد حان. ولهذا قررتُ أنا وتيري بمرارة أن نغادر المكان ونحاول شيئاً آخر. قلتُ وأنا أُصرُّ بأسناني: " عودي إلى عائلتك، بالله عليك، لا يمكنك أن تتشردي في الخيام مع طفل مثل ريموند، فهذا الطفل الصغير المسكين يعاني البرد." وبكتْ تيري، لأنَّني كنتُ أنتقد عاطفة الأمومة لديها، ولم أكن أقصد شيئاً من ذلك. وعندما جاء بونزو بسيارة الشحن ذات عصر مغبر، قررنا أن تعرض وضعها على عائلتها. ولكن ينبغي أن لا يروني، بل أختفي في حقول العنب.

ـ " أخبري أُمّكِ أنكِ ستحصلين على عمل وستساعدين في شراء البقالة. أيُّ شيءٍ خيرٌ من وضعك هذا."

ـ " ولكنكَ سترحل. أستطيع أن أسمع ذلك في كلامك."

ـ " حسناً، لا بُدَّ أن أذهب في وقتٍ ما ـــ "

ـ " ما الذي تعنيه بقولك في وقتٍ ماــــ. لقد قلتَ إننا سنبقى معاً وسنذهب إلى نيويورك معاً. فريدي يريد أن يذهب إلى نيويورك كذلك! الآن سنذهب كلُّنا إلى نيويورك."

ـ " لا أدري، تيري، اللعنة، لا أدري ـــ"

صعدنا إلى سيارة الشحن، وانطلق بونزو إلى سابينال. وتعطّلت السيارة في طريقٍ فرعي، وفي الوقت نفسه تهاطلت أمطارٌ غزيرة. جلسنا في السيارة القديمة ونحن نلعن. خرج بونزو وراح يصلح السيارة في المطر بقميصه الأبيض الممزق. وبعد كلِّ شيء، فهو ولد طيّب. ووعد أحدنا الآخر أن نمضي وقتاً رائعاً آخر. وذهبنا إلى حانة متهرئة في الحي المكسيكي في بلدة سابينال، وأمضينا ساعة ونحن نكرع البيرة فيما كان المطر يتسرَّب إلى الحانة من الباب، وجهاز الموسيقى يصدح، لعشاق الموسيقى ذوي القلوب الكسيرة القادمين من المكسيك القديمة، بموسيقى حزينة، حزينة مثل غيوم تمرّ فوق الأفق، مثل كلاب الصيد تنقضّ على سيقان الغزالة، وكان المغني يكسِّر صوته، يا، يا، حنّة، مثل صوت بكاء جرو ذئب صغير، نصفه ضاحك ونصفه باكٍ. لقد انتهيت من عملي الرتيب في مزرعة القطن؛ وكان في مقدوري أن أحسَّ بذلك فيما راحت البيرة تجري في جسدي مثل نار مستعرة.  وكنا نجري محادثاتنا اللامعقولة بصياح وانشراح. سنفعل ذلك. سنفعل كلَّ شيء. كان في وسعي أن أشعر بأنَّ مسيرة حياتي كلها تدعوني إلى العودة. كنتُ في حاجة إلى دولار ونصف الدولار للعودة إلى نيويورك. وفيما كانت تيري وبونزو يواصلان الشراب، أسرعتُ في المطر إلى دائرة البريد، وكتبتُ بسرعة على بطاقة بريدية ثمنها سنت واحد، طلباً بتزويدي بـ 50 دولاراً، وأرسلتها إلى عمتي؛ ستستجيب لذلك. وشعرتُ بالراحة كما لو أنني أُنقِذتُ، الأضحوكة الكسول أُنقِذ مرَّةً أخرى. وأبقيتُ ما فعلتُه سراً كتمته عن تيري.

توقَّف المطر وقدنا السيارة إلى كوخ عائلة تيري. وكان الكوخ يقع على طريق قديم يمتدّ بين حقول العنب. وكان الظلام قد حلّ عندما وصلنا إلى هناك أخيراً. أنزلوني قبل ربع ميل في الطريق، وقادوا السيارة إلى الباب. وكان الضوء يتسرب من الباب؛ وإخوة تيري الستة الآخرون يعزفون على آلات الغيتار، ويغنون سوية مثل تسجيل مهني جميل: " آه لو كان قلبك..." وكان الأب المسنّ يحتسي النبيذ. وسمعتُ صراخاً ونقاشاً يعلو على الغناء. ونعتوها بالمومس، لأنَّها هجرت زوجها الذي لا نفع فيه وذهبت إلى لوس أنجلس وتركت ريموند معهم. وبين الفنية والأخرى، كان إخوتها يتوقفون عن الغناء لتنسيق غنائهم الجماعي. وكان الأب المسنّ يولول. ولكن الأم السمراء الغليظة الحزينة هي التي انتصرت، كما تنتصر الأمّ دوماً في شعوب الفلاحين في جميع أنحاء العالم، وتمّ السماح لتيري بالعودة إلى البيت. وأخذ الإخوة ينشدون أغانٍ مرحة سريعة. وكنتُ رابضاً في الريح الممطرة الباردة أراقب كلَّ شيء عبر حقول العنب الحزينة لشهر أكتوبر في ذلك الوادي. وكان تتردد في ذهني تلك الأغنية الرائعة " الرجل العاشق" كما يغنيها (بيلي هولداي)، فأنا كذلك كانت لديّ فرقتي الموسيقية تحت الشجيرات التي كنتُ اختبئ فيها، " في يومٍ ما سنلتقي، وستمسح جميع دموعي بمنديلك، وستهمس في أُذني أحلى كلماتك، وأنتَ تقبّلني وتضمني إلى ضلوعك. آه، كم فاتنا أنا وأنت، أيها الرجل العاشق، أين يمكن أن تكون...". والرائع في هذه الأغنية ليس كلماتها فحسب، وإنما كذلك لحنها الهارموني الجميل، وطريقة أداء بيلي لها، مثل امرأة تمسّد شعر فتاها في ضوء مصباح خافت. وعوتِ الريح، وشعرتُ بالبرد. وعادت تيري وبونزو، وذهبنا بالسيارة القديمة لملاقاة فريدي الذي يسكن الآن مع امرأة بونزو روزي الضخمة؛ وأطلقنا بوق السيارة له في الممشى ذي السياج الخشبي. كانت روزي الضخمة ترمي به خارج المنزل، وسمعنا زعيقها، ورأينا فريدي يهرب وهو يحني رأسه لتفادي ما ترميه عليه. كل شيء كان ينهار، وكنا جميعاً مستغرقين في الضحك. في تلك الليلة، ضمّتني تيري إليها بشدّة، طبعاً، وطلبت مني ألّا أرحل. وقالت إنّها ستعمل في قطف العنب، وتحصل على مالٍ يكفينا كلينا؛ وفي تلك الأثناء أستطيع أن أسكن في مخزن الغلال العائد لصاحب المزرعة (هفلنفنغر) الكائن في آخر الطريق حيث أهلها. لن أفعل شيئاً سوى الجلوس على العشب وأكْل العنب. " أنتَ تحبّ ذلك."

حككتُ حنكي. في الصباح، جاء أبناء عمها إلى الخيمة ليأخذوها بسيارة الشحن. وهؤلاء كذلك مغنون. وفجأة أدركتُ أن هنالك آلاف المكسيكيين في جميع أنحاء الريف يعرفون عن علاقة تيري بي، ولا بدّ أن ذلك شكّل لهم حكاية رومانسية شهية.  كان أبناء عمها لطاف، بل في الحقيقة ساحرون. ووقفتُ على منصة الشاحنة معهم فيما كنا نقطع الطريق المتعثِّر إلى المدينة، وأنا أتمسك بالعارضة وأبتسم للنكات، ونحن نتكلم عن أين كنا خلال الحرب وما غرضها. كان هنالك خمسة من أبناء عمومتها، وكل واحد منهم لطيفاً. يبدو أنهم ينتمون إلى ذلك الفرع من عائلة تيري الذي لا يتصرف مثل أخيها فريدي. ولكنني أحببتُ ذلك المتوحّش فريدي. وقد أقسم بأنه سيأتي إلى نيويورك ليلتحق بي. تخيّلته في نيويورك وهو يؤجِّل كل شيء إلى منيانا/ الغد. لا بُدَّ أنه ثمل في حقلٍ ما في مكانٍ ما هذا اليوم. نزلتُ من الشاحنة عند تقاطع الطرق، وقاد أبناء العم الشاحنة حاملةً تيري وريموند إلى البيت. ثمَّ لوّحوا لي بأيديهم عند مدخل المنزل بالإشارة الإيجابية أن أدخل. لم يكن الوالد ولا الوالدة في البيت. ولهذا كان قياد البيت بيدي خلال المساء، وأعجبني ذلك، فهناك أخوات تيري الثلاث السمينات الضاحكات، والأطفال الحمقى جالسين في منتصف الدرب وفي أيديهم شيئاً من كعكة الذرة. إنّه كوخ يتألَّف من أربع غرف. ولم أستطِع أن أتصوَّر كيف أنَّ العائلة كلّها تدبّر إقامتها هناك، وتجد فيه متسعاً. وكان الذباب يتطاير حول المغسلة. ولم تكن هناك أية ستائر، تماماً كما في الأغنية: " شباكها مكسور، والمطر يتسرّب منه..." . وما إن أصبحت تيري الآن في البيت، حتى أخذت تعبث بالقدور. وكانت أخواتها تتضاحكن، وهنَّ تقلّبن أعداد مجلة " الحب الحقيقي" باللغة الإسبانية ذات الأغلفة الرمادية والمزينة بصورة ملونة لعشاق منفعلين عاطفياً، ولهم شوارب طويلة، وعيون لامعة مثقلة بالأسرار. وراح الأطفال الصغار يتصايحون في الدرب، وانبرت الديكة تجري في المكان. وعندما أطلت الشمس حمراء من بين الغيوم خلال ذلك العصر الأخير في الوادي، أخذتني تيري إلى مخزن الغلال العائد إلى صاحب المزرعة (همفيلفنغر). ويمتلك (همغيلغنغر) مزرعةً مزدهرةً في أعلى الطريق. وضعنا أنا وتيري الصناديق الخشبية بعضها بجانب بعض، وجلبتْ بطانيات من البيت، وتمَّ ترتيب كلِّ شيء لنومي، ما عدا عنكبوتة ذئبية كبيرة غزيرة الشعر مختبئة في جُحرٍ صغيرٍ في سقف مخزن الغلال. وقالت تيري إنّها لن تسبب لي ضرراً إذا لم أزعجها. اضطجعتُ على ظهري وحدّقت فيها. خرجتُ إلى المقبرة وتسلّقتُ شجرة. ومن على الشجرة، أخذتُ أنشد أغنية " السماوات الزرقاء". وجلست تيري وريموند على العشب؛ وتناولنا العنب. في كاليفورنيا، تمضغ العنب وتمتص عصيره وتتفل القشور. فعصير العنب هو النبيذ دائماً. وحلّ الليل. فذهبت تيري إلى البيت لتناول العشاء، وعادت إلى مخزن الغلال في الساعة التاسعة مع عشائي السرّي المؤلَّف من كعكة الذرة اللذيذة واللوبيا المطحونة. أشعلتُ ناراً من الأخشاب على أرضية مخزن الغلال السمنتية لأجل الإضاءة. وتطارحنا الغرام على الصناديق الخشبية. نهضت تيري وسارت عائدة إلى الكوخ. وراح والدها يصرخ بها، وكان في وسعي أن أسمعه من مخزن الغلال: " أين كنتِ؟ ماذا تفعلين بالتجوال في الحقول في هذا الليل؟" وكلمات من هذا القبيل. وكانت قد تركت لي سلهاماً طويلاً لأتدفأ به، وهو عبارة عن كساء إسباني قديم. فوضعته على كتفيّ وتسللتُ أتمشى في مزرعة العنب في ضوء القمر، لأرى ما يجري هناك؛ زحفتُ إلى نهاية الممر وركعتُ في التراب الدافئ، لأنظر. كان إخوتها الخمسة يُغنُّون أغانٍ شجية بالإسبانية، وانحنت النجوم على السقف الصغير؛ وتصاعد الدخان من مدخنة الموقد. وتناهت إليّ رائحة اللوبيا المطحونة وصلصة الفلقل الأحمر. وراح الرجل المسنّ يدمدم. وواصل الإخوة غناءهم، فيما ظلّت الأُمّ صامتة. أما ريموند والأطفال، فكانوا يتضاحكون وهم على فراش واسع في غرفة النوم. بيت في كاليفورنيا. ومن مخبئي في حقل العنب، استمتعتُ بكل شيء. وشعرت بنشوة كما لو كنتُ أملك مليون دولار، فقد كنتُ أغامر في الليل الأمريكي المجنون. خرجت تيري وهي تصفق الباب بشدّة. دنوت منها في الطريق المظلم: " ما الخطب؟"

ـ " إنَّنا نتشاجر طوال الوقت. يريدني أن أذهب إلى العمل غداً. يقول إنّه لا يريدني أن أعبث مع الفتيان. يا حبيبي، أريد أن أذهب معك إلى نيويورك."

ـ " ولكن كيف؟"

ـ " لا أدري، يا حبيبي. سأفتقدك، وأنا أحبّك."

ـ " ولكني لا أستطيع أن أبقى هنا."

ـ " قل ما تشاء، فأنا أعرف ما تعني، نعم، نعم. لنتطارح الغرام مرّة أُخرى، ثمَّ ارحل."

ورجعنا إلى مخزن الغلال. وتطارحنا الغرام تحت العنكبوتة الذئبية. ما الذي كانت تفعله تلك العنكبوتة؟ ونمنا وهلةً على الصناديق الخشبية فيما راحت النار تخفت شيئاً فشيئاً. ورجعت تيري في منتصف الليل، وكان والدها سكران؛ وفي وسعي أن أسمعه وهو يصرخ، ثمَّ ساد الصمت عندما غشاه النوم. وأطلت النجوم على الريف النائم.

وفي الصباح أطلَّ صاحب المزرعة (هفيلفنغر) برأسه من باب الحصان، وقال:

ـ " كيف حالك، أيها الفتى؟"

ـ " طيب. آمل أنك لا تمانع في بقائي هنا"

ـ " بالتأكيد. هل أنتَ في صحبة تلك العاهرة المكسيكية الصغيرة؟"

ـ " إنّها فتاةٌ طيبة جداً"

ـ " وجميلة كذلك. ولها عينان زرقاوان. أظنُّ أنَّ الثور عبر الحاجز هناك..."

وتحدّثنا عن مزرعته.

جلبت تيري فطوري. وكنتُ قد حزمتُ حقيبتي اليدوية استعداداً للعودة إلى الساحل الشرقي، حالما أستلم نقودي في بلدة سابينال. أعرف أنّها هناك في انتظاري. أخبرتُ تيري بأنَّني راحل؛ وكانت تفكِّر بذلك طوال الليل واستسلمتْ للأمر. قبّلتني بلا عاطفة في حقل العنب، وسارت في الممر. وبعد بضع خطوات التفتنا، فقد كان الحب مبارزة، ونظر أحدنا إلى الآخر للمرة الأخيرة.

قلتُ : " إلى اللقاء في نيويورك، يا تيري.". وكان من المفروض أن تسافر بالسيارة مع أخيها إلى نيويورك خلا ل شهر. ولكن كلانا يدرك أنها لن توفَّق لأمرٍ ما. وبعد مسافة مائة قدم، التفتُ أنا لأنظر إليها. ولكنّها كانت تواصل سيرها عائدة إلى الكوخ وهي تحمل صينية فطوري بإحدى يديها. طأطأتُ رأسي وأنا أراقبها. وبوهن ظاهر، كنتُ على الطريق مرة أخرى. سرتُ في الطريق السيار إلى بلدة سابينال وأنا آكل الجوز الذي التقطته من شجرة الجوز، ثمّ مشيتُ على خط السكة الحديد وأنا أتأرجح على السكة.

***

.........................

* ينتمي الروائي الشاعر الرسّام الأمريكي جاك كيرواك Jack Kerouak  (1922ـ 1969) إلى " الجيل المُتعَب" من أدباء أمريكا، بل هو أحد مؤسّسيه وقادته ويلقَّب بـ " ملك المُتعَبين"، وهو الذي أطلق هذا الاسم على مجموعة من أصدقائه الشبان الموهوبين الذي كانوا يلتقون معه في جامعة كولومبيا في نيويورك حيث كان يدرس، بعد الحرب العالمية الثانية. وعُرِف عن هذه المجموعة رفضهم للثقافة المادية الأمريكية وقيمها السائدة، وانجذابهم للنزعات الروحية الآسيوية، وشذوذهم الجنسي، وولعهم بتناول المخدرات والمسكرات، حتى إنه توفي في سن السابعة والأربعين بسبب إفراطه في ذلك.

نُشِرت قصة " الفتاة المكسيكية" في دورية (إيشيو Issue ) شتاء سنة 1955، واختيرت ضمن كتاب " أحسن القصص الأمريكية لعام 1956". وتشكّل هذه القصة جزءاً من رواية جاك كيرواك " على الطريق " التي نُشِرت سنة 1957، والتي تعدّ من أهم الأعمال الأدبية للجيل المُتعَب. بيدَ أن جون أبدايك لم يضمّنها في كتابه “ أحسن القصص الأمريكية في القرن العشرين”، لأنها كانت مقتطعة من رواية، ولم تُكتَب في الأصل قصة قصيرة.

أتعبتني ترجمة هذه القصة بقدر ما أمتعتني، ذلك لأنَّ كيرواك كتبها بأسلوبٍ أطلق عليه اسم " النثر التلقائي"، فهو يدوِّن ما يعنُّ له، ويتنقّل بين لغةٍ شعريةٍ راقية ولهجة عامية دارجة، مع إحالاتٍ خاطفةٍ كثيرة على شخصيات وأعمال أدبية وفنية وموسيقية وغنائية وسينمائية ورياضية، كانت معروفة في زمانه، إضافة إلى استعمال ألفاظ وتعبيرات وتراكيب لهجية بعضها لم يعُد مستعملاً اليوم ولا تجده في معاجم اللهجة الأمريكية، كما يقوم أحياناً باشتقاق ونحت كلماتٍ جديدة قد لا يُكتَب لها الشيوع. ولهذا فقد استعنتُ أثناء الترجمة بثلاث أديبات من الناطقات باللغة الإنجليزية: أستاذة الأدب الأمريكي الدكتورة لوسي مِلبورن Dr. Lucy Milborne ، وأستاذة المجتمع الأمريكي وآدابه الشاعرة مورين كريسِك Maureen M. Crisick ، والأديبة الصحفية البريطانية مارغريت أوبانك Margaret Obank  محررة مجلة " بانيبال " الإنكليزية زوجة الصديق الأديب صموئيل شمعون. وقد استعصت بعض تعبيرات كيرواك العاميّة على بعضهن، بسبب ظرفية اللهجة العامية المكانية والزمانية وعدم تمتعها بثبات نسبي. وأغتنم هذه الفرصة لأعبّر لهن عن شكري وتقديري.

.......................

* من كتاب " مشاعل على الطريق: أبدع وأروع القصص الأمريكية الحديثة" ترجمة الدكتور علي القاسمي ( بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2018)

 

 

حسين علي خضيرالروائي والشاعر باولو كويلو

نقلها عن اللغة الروسية: حسين علي خضير


أحياناً عليك ان تسير

لترى من يسير خلفك.

وأحياناً عليك ان تتحدث بلطف

لترى من يستمع اليك بالفعل.

وأحياناً عليك أن تخطو خطوة إلى الوراء،

لترى من الذي لايزال يقف بجانبك.

وأحياناً عليك أن تتخذ قرارات خاطئة

لترى من معك عندما تنهار الأمور.

وأحياناً عليك أن تترك شخصاً تحبه

فقط لترى هل يحبك لكي يعود اليك!

***

فوزية موسى غانمترجمة: فوزية موسى غانم


نحن نعيش في مدن سرية

ونسافر في طرقات مجهولة

نحن نتكلم كلمات ندركها

والتي لا نستطيع البحث عنها

هي كلماتنا

تأتي من ابعد مكان في أفواهنا 

أنت وأنا، نحن مواطنون سريون  في المدينة

في داخلنا، في داخلنا

 

هناك ذهبت كل السيارات التي قدناها

وكذلك هناك كل الناس الذين رأيناهم

 

نحن نعرف وقد عرفنا

كل الإمكان هناك

 

ولكن اعتدناها كذلك .

وهنا حيثما ذهبوا، ولم يختفوا

 

كل منا اخذ قطعة

أما بالعين وأما بالإذن

 

أنها عالية في داخلنا .هناك.

 وعندما نتكلم في العالم الخارجي

 

نحن  نتمنى بان بعض من  ذلك الصوت

لا يخرج، انه  السلاح

بان لا يصل بدلا عن  اللسان 

***  

.......................

* البرتو ريوس (1952): أكاديمي وكاتب أمريكي، ومؤلف لعشرة كتب في الشعر وثلاث مجموعات من القصص القصيرة ومذكرة آب في سنة 2013. وحصل على لقب أول شاعر في ولاية أريزونا، وظل البرتو حامل اللقب حتى عام 2015.

* رابط القصيدة باللغة الانكليزية

 https://poets.org/poem/cities-inside-us

 

 

جمال ابو زيدترجمة: جمال أبو زيد

11- العنزة والحمار

ربّى رجلٌ عنزة وحماراً. انتابتِ العنزةَ الغيرةُ من الحمار لأنه كان يُغذّى تغذيةً حسنةً للغاية. لذا قالت له: " بكلِّ ما تبذله من عناء لتدير حجر الرحى، وكلّ الأعباء الملقاة على كاهلك، غدت حياتُكَ مجرّد عذاب لا نهاية له".

ونصَحَتْهُ بالتظاهر بأنه مصابٌ بداء الصَّرْعِ، وبالسقوط في حفرة بغيةَ الحصول على قسطٍ من الراحة. أخذ الحمار بنصيحتها وسقط في الحفرة وأصيب بكدمات ٍ في جميع أرجاء جسمه. ذهب سيّدُهُ لإحضار الطبيب البيطريِّ وسأله عن علاجٍ لما لحق به من أذى. وصفَ  الطبيبُ نقيعَ رئة عنزة وهذا العلاج كفيلٌ بإعادته إلى جادّة الصحة. وعليه، ضحّى الرجلُ بالعنزة ليعالج الحمار.

**

12- الثعلب والتمساح

كان الثعلب والتمساح يتباريان بنبالة محتدهما. مطَّ التمساح نفسَه إلى أقصى طاقته ليعطي مثلاً توضيحيّاً عن أسلافه، وقال إن أجداده كانوا أخصائيين متعدّدي البراعات بالرياضة الجمنازيّة. فقال الثعلب: " لا حاجة لك إلى إخباري بذلك. فبمجرّد النظر إلى جلدك أستطيع أن أرى أنك كنتَ تمارس التمارين الجمنازيّة سنوات كثيرةً إلى حدِّ أنك ملأتَ نفسك تماماً بالتشقّقات".

**

13- القاتل

ارتكب رجلٌ جريمةَ قتلٍ فطارده أهلُ ضحيّتِهِ، وفي فراره وصل إلى حافة نهر النيل فرأى نفسه وجهاً لوجهٍ أمام ذئب. وارتاع ارتياعاً شديداً إلى حدِّ أنه تسلّقَ شجرة ً كانت بجانب الماء وأخفى نفسه، بَيْدَ أنه لمح وهو هناك أفعى ضخمة ً تسعى في اتجاهه فسقط في النهر، لكنّ تمساحاً فيه التهمه.

**

14- الزوج والزوجة المزعجة (39)

كان لدى رجلٍ زوجةٌ تتصرّف في غاية الفظاظة مع جميع خدم المنزل. وأراد أن يعرف ما إذا كانت ستتصرّف على النحو نفسه مع خدم ِ وعمّالِ أبيه، فأرسلها بذريعة ما لزيارة منزل أبيه. وحين عادت بعد بضعة أيام سألها كيف استقبلها الخدم. قالت: "رعاةُ البقر والخراف عبسوا في وجهي".

فردّ الزوجُ: "حسناً يا امرأة. إذا لم تكوني موضع ترحيب ٍ لدى الخدم الذين يخرجون بالقطعان عند الفجر ولا يعودون حتى مغيب الشمس، فماذا عن أولئك الذين كان عليك أن تنفقي اليوم كله معهم؟".

**

15- الفلكيّ

دأب فلكيٌّ على الخروج كلَّ مساء ليراقبَ النجوم. ثمّ، وذات ليلة، وبينما كان في الضواحي مستغرقاً في تأمُّلِ السماء، وقع مصادفةً في بئر. سمعه عابرُ سبيل ٍ يئنُّ ويستنجد. وحين أدرك ما حدث ناداه من حافة البئر قائلاً: " أيُّهذا الموجود هناك. أنتَ في غاية التحمُّس لمراقبة ما يحدث في الأعلى في السماء، إلى درجة ِ أنكَ لا ترى ما هو موجود هنا في الأسفل على الأرض".

***

.....................

إيسوب (620  ق.م – 564) كاتب إغريقي ولد عبداً في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان في جزيرة ساموز، ثم أعتقه سيده الأخير. انطلق بعد ذلك يجوب الآفاق وينشر أفكاره وحِكَمَهُ وقد ألّف مئات الحكايات الخرافية حتى صار أحدَ رُوّادِ هذا الفن. وهو شخصية مثيرة للجدل، ولا يُعرف عن حياته إلا القليل. فثمةّ من يشكك في وجوده أصلاً ويعتبره شخصية أسطورية اخترعها اليونانيون، الذين كان من عادتهم نسبة الأعمال الأدبية إلى مؤلف، فنسبوا تلك الحكايات إلى شخصية وهمية تدعى إيسوب.

بيد أننا في حقيقة الأمر نرى أنّ الجميع اتفقوا على أنَّ "حكايات إيسوب" عمل أدبي رائع، صيغ بأسلوب طريف وممتع. وتضع تلك الحكايات فلسفة للحياة والسياسة مليئة بالحِكَمِ والدلالات التي جاءت على ألسنة الحيوانات. تُعدُّ كلُّ حكاية منها ذات معنى خاص يستطيع القارئ الوصول إليه بسهولة. لاقت تلك الحكايات رواجاً كبيراً، واهتم بها كثير من الكُتّاب والنقاد والقرّاء والمترجمين على مَرّ القرون اهتماماً بالغاً. 

 

 

عادل صالح الزبيديترجمة: عادل صالح الزبيدي

الليلة الأولى


 "لابد ان اسوأ شيء في الموت هو الليلة الأولى".

.. خوان رامون خيمينيث

 

قبل ان افتحك يا خيمينيث،

لم يحدث لي قط  ان الليل والنهار

سيواصلان الدوران حول بعضهما في حلقة الموت،

 

لكنك الآن تجعلني اتساءل

هل سيكون هناك ايضا شمس وقمر

وهل سيتجمع الموتى ليشاهدوهما يشرقان ويغربان

 

ثم يذهبون، كل روح لوحدها،

الى شيء ما مرادف شاحب لسرير.

او هل ستكون الليلة الأولى الليلة الوحيدة،

 

ظلاما لا نملك اسما آخر له؟

كم هو ضعيف قاموسنا بوجه الموت،

يا لاستحالة تدوينه.

 

هذا هو المكان حيث ستتوقف اللغة،

الحصان الذي امتطيناه طوال حياتنا

قافزا على قائمتيه الخلفيتين عند حافة منحدر صخري شاهق.

 

الكلمة التي كانت في البدء

والكلمة التي تحولت جسدا—

تلكما وكل الكلمات الأخرى ستتوقف.

 

حتى في هذه اللحظة، وانا اقرؤك على هذه الشرفة المتعرشة،

كيف لي ان اصف شمسا ستشرق بعد الموت؟

لكنها تكفي لتخيفني بما يكفي

 

لحملي على اعارة المزيد من الانتباه الى القمر النهاري للعالم،

لضوء الشمس الساطع فوق الماء

او المتشظي في ايكة اشجار،

 

او انظر بمزيد من الدقة الى هذه الأوراق الصغيرة ها هنا،

الى هذه الأشواك الحارسة،

التي ما وظيفتها الا حراسة الوردة.

***

...........................

بيلي كولينز: شاعر أمیركي من موالید مدینة نیویورك عام ١٩٤١ یتمیز شعره بكسر جمیع الأشكال والأوزان التقلیدیة فھو یكتب شعرا متحررا من جمیع القیود وله أیضا آراء حول الغموض في الشعر وتعقید الشكل الشعري وفي تأویل القصائد یعبر فیھا عن انحیازه إلى البساطة ووضوح التعبیر والشعر الذي یسھل فھمه معترضا على الشعر الذي یكتبه الشعراء لغیرھم من الشعراء ولیس لجمھور عریض من القراء. شغل كولينز منصب شاعر الولایات المتحدة بین عامي 2001- 2002 وخلال فترة إشغاله ھذا المنصب حرر كولینز مختارات شعریة بعنوان (شعر ١٨٠) تتألف من ١٨٠ قصیدة على عدد أیام السنة الدراسیة. وھي مجموعة یسعى كولینز من خلالھا إلى إیصال الشعر إلى أكبر عدد من طلاب المدارس وإشاعته بین المراھقین.

نال كولينز جوائز عديدة على مجموعاته الشعرية وفيما يأتي بعض عناوينها: (قصائد فيديو) 1980؛ (التفاحة التي أدهشت باريس) 1988؛ (فن الغرق) 1995؛ (الإبحار وحيدا حول الغرفة) 2001؛ (تسعة خيول)) 2002؛ و(المتاعب التي يثيرها الشعر وقصائد أخرى) 2005.

 

 

2342 EganPicAترجمة: صالح الرزوق

حينما وصلوا في النهاية إلى الكثبان، فتح جان المصور المظلة الفضية. كانت هذه آخر صورة لليوم. كان الضوء ساطعا وهجوميا. وانتشرت أكوام الرمل حولهم وهي تلمع كأنها أكوام من مسحوق الزجاج. غرست البنت أصابع قدميها في الرمل، وهي ترتدي تنورة قصيرة من القطن، وقميصا خفيفا عريضا. وعلى مبعدة أقدام منها، بحثت المصممة عن شيء ما في حقائب اليد المزدحمة ببذات الاستحمام. اسم المصممة برناديت. وكانت تقوم بهذا العمل منذ سنوات طويلة.

قالت:”خذي”. وقدمت للبنت البكيني. كان من مادة حمراء لماعة. رمقت البنت جان، المشغول بتحميل الكاميرا بفيلم. وتخلت عن سروالها الداخلي من تحت التنورة، وارتدت النصف السفلي من ثوب الاستحمام. ولم تكن على مشارف العشرين بعد.

سألت البنت واسمها أليس:”هل هذا هو غطاء المصورة”. كلما كانت تلتقط صورة تسألها السؤال نفسه.

 قالت المصممة:”أين كنت قبل شهرين؟”.

ردت:”ماذا تقصدين؟”. واتخذ وجهها شكل ألماسة. بينما التمعت عيناها بلون أصفر ذهبي.

سألتها برناديت مجددا:”أين كنت قبل شهرين؟”.

“كنت في البيت. قبل أن يكتشفوني”.

“وأين بيتك؟”.

“في روكفورد، إلينويز”.

قالت برناديت للبنت:”سواء كان غطاء الكاميرا أم لا، أنت تبلين بلاء حسنا”.

وفاجأ ذلك أليس. فتحت فمها لترد، ولكنها استدارت ورفعت القميص الخفيف لما فوق رأسها. كانت حركات كتفيها غير متوازنة. وغطت ثدييها الصغيرين بالنصف العلوي من ثوب الاستحمام. وربطت برناديت العقدة. ونظرت أليس للحظة للأمواج، وكانت زرقاء باهتة ومضطربة.

سألت:”أين نحن الآن؟”.

قالت برناديت:”في لامو”.

ووصل مصفف الشعر والعناية بالبشرة، وهو يخبط بقدميه الممشى. كان اسمه نيك، وبدأ بالعمل على عيني البنت والتي احتضنت نفسها.

سألت:”أين كنا بالأمس؟”.

قالت برناديت:”في مومباسا”.

وأصبح المصور جاهزا. ورفع المظلة الفضية لاستقبال الإضاءة. ووضع عداد الضوء على صدر البنت. ودخن مصفف الشعر سيجارة. كان في الرحلة عارضتان إضافيتان. والتزمتا بالمراقبة بحذر وعن بعد. دمدم البحر أمام الكثبان. بدت البنت عارية بشكل خاص، ومحاصرة بالناس المحتشمين. كانت جديدة بعملها والكاميرا تخيفها. خلصها جان من الحامل الثلاثي وقربها من وجهها، وقال وهو يقف بطريقة تمكنه من رؤية المتبقين:”من فضلكم انظروا للوجه. انظروا من فضلكم للوجه هناك”.

نظروا جميعا. كان رقيقا وناعما مثل قمر أشرق للتو. وطرف جان بعينيه وراء الكاميرا. وتناغم صوت الإغلاق مع هدير تكسر الأمواج. وبعد الصورة بدأت البنت تتحرك.

صاح جان:”هناك. انتهينا”.

نظروا جميعا. ومثلهم فعلت برناديت، وشعرت أن الآخرين ينظرون مثلها. كان هناك شيء في طريقة سقوط الضوء، في يدي البنت المتحفزتين، بفمها الحزين. وسقط سكون عميق. لا يمكن أن تقول إنها مجرد بنت نحيلة وشابة على الشاطئ. بل هي بنت شابة وحزينة بشعر طويل، تراقب خط الأفق الرفيع. وفرقعت الكاميرا. ثم مرت لحظة أخرى.

ومالت أليس نحو الأسفل وحكت ركبتها. نظرت برناديت إلى جان ولاحظت أنه يبتسم. فقالت :”أحسنت”.

***

هبت الرياح في المدينة، وشحنت الهواء بالغبار وأوراق لف السكاكر. توجد نوافذ كثيرة في لامو، ونساء كثيرات جالسات تتمسكن بنقاب أسود ليحميهن من الرياح. وفي ساحة السوق كن تجتمعن قرب سلال الفواكه المجففة، والبذور، والحبوب الحمر. وكان للريح رائحة حريق. كانت الجماعة تنتظر في فندق قديم من طابقين قرب الجبهة المائية - مكان يناسب عازفي البيانو والرجال الأشداء الذين يشربون نخب أوطانهم. وذكر برناديت بالفندق الذي نزلت به في نيو أورليانز حيث أمضت شهر عسلها. ومثل الفندق كان لهذا المكان مراوح سقفية. وبالأمس استلقت بالسرير وراقبتها وهي تدور حول نفسها. بعد الغداء، أخبرتنا أليس كيف تم اكتشافها. قالت حدث ذلك في مجمع التسوق. كانت البنات تتسكعن فيه، كان من المناسب التقاط الصور فيه، وحصلت على صورة لنفسها وهي تستند على كتف أخيها. وبدا السأم على العارضتين الأخريين. أشعلت برناديت سيجارة، والتفتت إلى جان، والتي كانت تقلب في صفحات مجلة، وقالت:”بماذا يذكرك هذا؟”.

نظر إلى الأعلى، ورفع حاجبيه الأشقرين. كان لطيفا وقويا مثل محارب فايكنغ في كتاب للأطفال.

قال:”وماذا تنفع الذكرى؟”.

“لهذا. من أجلنا جميعا”.

وبدا الارتباك على جان. ولكن تابعت. قالت:”ألم تلاحظ كيف أن أحدا لا ينسجم مع أحد. مع أننا عائلة واحدة”.

شعر بالدهشة. أخذ جرعة كبيرة من البيرة وتخلل شعره بأنامله. قال:”تكلمي عن نفسك”.

ضحكت برناديت ثم توقفت وقالت:”ماذا يحمعنا برأيك؟”.

قال جان وهو يميل للخلف على كرسيه:”الجواب بسيط”. وسمعت أنين خشب الكرسي القديم. وأردف:”الأمر لا يحتاج لإعمال الذهن”.

قالت برناديت:”خفف عني إذا بذكر رأيك”.

مال للأمام، واستند بكوعيه على غطاء الطاولة الشمعي، وحملت الريح ألحانا خفيفة من موسيقا تنبعث من الشوارع الضيقة. وابتعدت العارضات، وازدحمت الغرفة بأناس شديدي السواد وتلمع بشرتهم بلون أزرق تحت الضوء. قال:”نحن في برنامج أزياء”. ولم يكن للكلام أي معنى.

ولعب بعود ثقاب على راحتيه ثم أشار للساقي لإحضار كوبي بيرة إضافيين. واستقرت ذبابات على طرف الطاولة. نظر إلى برناديت وقال وهو يرفع كأس البيرة:”لالتقاط تلك الصور”. كان صوته غامضا. وشربت برناديت من زجاجتها، وسمحت لرأسها أن يستلقي للخلف. كان عنقها أبيض وطويلا. وراقب جان بلعومها يتحرك وهو يبتلع. قالت:”نخب اليد التي تطعمنا”.

والآن كانت البنات تتبخترن للأمام، وأبدين الرغبة بالذهاب للرقص في مكان ما. في مومباسا يوجد ديسكو مزدحم بالعاهرات الإفريقيات اللواتي ترقصن بمهارة وتنتظرن الإشارة. وسحرت البنات بذلك.

قال جان:”ليس في لامو. تذكرن. هنا لا يوجد حتى سيارات”.

تثاءبت أليس علنا مثل قطة، ولمع الضوء على أسنانها. مالت للأسفل وأراحت رأسها على كتف جان. وبطريقة المراهقين اليائسة شعرت نحوه بالوله منذ البداية. قالت:”أنا نعسانة”.

نظر جان لبرناديت وجر البنت إلى أحضانه، ومرر راحته على شعرها الناعم، وأرخى ثقله عليها، ورمت ساقيها الطويلتين على الأرض، وخيم الصمت عليهما. طرفت الفتاة بعينيها وحركت رأسها. في هذه الساعة قبل شهرين، كانت تطبع قبلة مساء الخير على وجه أبيها. وقفت على قدميها ونأت بوجهها عن برناديت وجان وقالت:”حسنا. أراك في الغد”.

تجولت بحثا عن الاثنتين المكتبقيتين اللتين تركتاها خلفهما.

قال جان:”صغيرة مسكينة”.

وراقبوها وهي تبتعد، ومدت برناديت يدها تحت الطاولة ولمسته، بنعومة أولا، ثم بمزيد من الجرأة. وفكرت: من المدهش كم من السهل أن تتصرف هنا مع الآخرين كأنك تسرق. ومن حسن الحظ البنات الصغيرات لا تعرفن هذه الأمور. ونظر جان نحوها وابتلع فمه. واقتنعت أنه أصغر مما تعتقد. رشفت من البيرة، وكان لها طعم الدخان، ولم تحرك يديها. قالت:”بماذا يذكرك هذا؟”.

هز رأسه، واحمر خداه. قالت برناديت:”هيا بنا للطابق الثاني”.

***

غادرا البار وتسلقا سلما ضيقا قادهما إلى حجرات الفندق. مررت برناديت راحتيها على الجدران. كانت مخمورة أكثر مما تصورت. وتوقفا في نهاية السلالم، حيث كانت الحشرات تلقي نفسها على ضوء كهربائي. وغرس جان أصابعه بقفا جينز برناديت وحركها بنعومة. وانتقلت لها الرغبة الفولاذية وانتشرت من الأسفل حتى بلعومها. قالت:”إلى حجرتك؟”.

كان سرير جان مرتبا، والشبكة الواقية من البعوض ملتفة بشكل كومة فوقه. ذهب إلى الحمام وأغلق الباب. وقفت برناديت أمام النافذة. لم يكن لها زجاج، فقط أغطية خشبية مفتوحة لتسمح لقليل من الهواء بالدخول ليلا. وانسكب ضوء القمر الفضي على الأمواج. ولونت الشاطئ أشرعة زوارق مطلية بألوان متعددة. وسمعت صوت الماء في الحمام ولكنها بقيت قرب النافذة، وتوقعت أن يأتي جان من خلفها. ولكن لم يفعل. وأن السرير تحت وزنه. قالت وهي تواجه البحر:”كما تعلم هذا يذكرني بشيء”.

قال:”كل شيء يذكرك بشيء”.

“هذا صحيح. وذات يوم سأحزر ما هو”.

“هل من اقتراح؟”.

تمطت وشدت عضلات بطنها وقالت:”كلا. لا بد أنه شيء من بين أشياء قليلة لم أشاهدها ولم أمر بها”.

لزم جان الصمت. وتساءلت برناديت إن كان قد أغلق الشبكة الواقية. قال:”حسنا. من الصعب إذا تحديده. حينما يقع”.

تخلصت برناديت من قميصها. كانت حمالة الصدر سوداء، وثدياها ممتلئان وشديدا البياض في الحمالة. كان عريها فاضحا. وهذه هي الحالة دائما، ولكن بعد يوم من من العناية بثياب البنات ذوات الخصور النحيلة والبطون المسطحة التي تشبه صحونا غير عميقة وفارغة فاجأها جسدها. والتفتت إلى جان. قالت:”سأعرف حينما يحصل لأنه لن يذكرني بأي شيء آخر”.

كان مستلقيا ويداه معقودتان وراء رأسه. وعينه الفوتوغرافية عليها. وشعرت أن جسدها عرمرم لكن بلا مذاق. وتمنت لو أنها لم تتخلص من قميصها. قالت:”لو أغلقت عينيك لن يكون هناك فرق”.

هز جان برأسه. وتابعت المروحة السقفية دوراتها. ولامست كتفي برناديت بتيار الهواء. اقتربت من طاولة الزينة ولاحظت النقود المعدنية مبعثرة، مع علب الأفلام، وعلب السجائر. وأخرجت سيجارة وأشعلتها. كانت هناك صور بولارويد: اثنتان في صباح المدينة، والبقية من المرفأ. وانتبهت لصورة أليس بين الرمال. حملتها وقالت:”ما رأيك بها؟”.

قال جان:””ظريفة. لكنها متصلبة. جديدة العهد على الجو”.

قالت برناديت:”هي مفتونة بك. وأنا متأكدة أنك تعلم”.

قال جان:”طفلة مسكينة. عليها أن تنتسب لمدارس التعليم العالي”.

نظرت برناديت مجددا للصورة. كان ضوء الشمس يغطي شعر البنت. الرمال شاحبة وبراقة كالثلوج، والبحر بلون أزرق خفيف. واشتاقت فجأة لأن تستلقي على تلك الرمال البيض، كما لو أنها لم تشاهد ما يشبهها من قبل. ولا بد أنها ذكرت نفسها أنها واقفة خارج المشهد، وأنها من اختار ثوب استحمام البنت.

 سألته:”هل لاحظت من قبل المعنى الموجود في مضمون هذه الأشياء؟”.

ضحك جان وقال:”هل لاحظت؟. أنا من التقط هذه الصور”.

وضعت برناديت الصورة وراء البقية، وقالت بصوت هامس:”بعموم المعنى هكذا يسير العمل”.

 وامتلأت الغرفة بأشعة نفاذة. وتوجهت برناديت إلى السرير. وفكرت: مدهشة طريقة تداخل الرغبة مع الضرورة وهي تدفعك باتجاه شخص ما. وجلست على السرير ثم تمنت لو أنها ذهبت نحو الباب. وكانت تريد منه أن يطلب. وقالت لنفسها: لا بد أنه سيطلب. واستلقت قربه تحت المروحة الدوارة. وذكرتها بالمقص. ولم يتلامسا. قالت تخاطب المروحة:” والآن هل تخطط لتحصل على إيراداتك؟”.

“إيراد ماذا؟”.

“من أليس”.

و توتر ذراعاه. وسأل:”هل أنت هكذا دائما؟”.

قالت برناديت:”أنت من تخاطب أفضل شريحة من نفسيتي”.

وحضنت وجهه بيديها وقبلت فمه. وارتفع الرضاب بين حلقها وأسنانها. وتساءلت هل بمقدور جان أن يتذوق هذا الرضاب. وضغطت بطنها على بطنه وجرت قميصه نحو رأسه. تخليص إنسان من ثيابه شيء سهل - كانت تكسب قوتها من هذا العمل. وانتشرت من جان رائحة الشاطئ. وكان صدره تقريبا حليقا دون شعر. قال:”ماذا بك؟”.

وبدت عيناه صغيرتين يغطيهما الضباب. وسحبها نحو الأسفل وأصبح فوقها، وسحب سروالها الجينز.. كل ساق على حدة. وتأملت ذراعيه. شاهدت نفس العضلات الطويلة والرفيعة والشرايين التي تراها كلما حمل الكاميرا في الأيام الماضية. وتلمستها بأناملها، وصنعت على جلده أهلة صغيرة بلون أبيض. ولم يحتج. لقد امتلكته الآن، وهي موقنة من ذلك. وقالت لنفسها: هل يوجد فرق بعد الآن؟

***

لاحقا حينما مارسا الحب اختنقت الأصوات الآتية من البار، واستلقى برناديت وجان ساكنين.

قالت:”أنت تعلم أن هذه الحجرة تشبه كثيرا غرفة شهر عسلي. في نيو أوليانز”.

قال:”شهر العسل؟”.

قالت:”بالتأكيد. وهل لديك خيار آخر في السبعينات؟”.

لم يرد جان. أضافت:”كنت جميلة، وكان شعري طويلا ويبلغ طوله إلى هنا”.

واستدارت قليلا، ولامست أسفل عمودها الفقري. كان جسمها نديا. قال جان:”ولكن أنت جميلة الآن”.

قالت برناديت:”من فضلك لا تبالغ”.

ومرر جان أصبعه على خدها. قالت:”توقف من فضلك”.

“لماذا؟”.

“الجسم العجوز يكون دائما مشققا”.

سألها:”كم يبلغ عمرك؟”.

“ستة وثلاثون”.

ضحك وقال:”ثلاثة وستون. يا إلهي. أي تجارة تورطت بها”.

ولامست برناديت خدها في المكان الذي لمسه جان من لحظات. وضغطت على الجلد كما لو أنها تبحث عن بثور. قالت:”كنت مصممة منذ بلغت السادسة عشرة. وكنت أنافس العارضات في البداية. الآن أشعر نحوهن بعاطفة الأمومة”.

قال جان وهو يهز رأسه:”في السادسة عشرة”.

قالت:”الآن يبدأن من عمر أقل. أنت تعلم ذلك”.

“ولكنهن يتقدمن بالعمر مثلك. فكري كيف سيكون الحال حينها”.

“من يعلم؟. فهن يختفين فورا”.

قال جان:”بالضبط”.

وأخلدا للصمت وهما مضطجعان. وقررت برناديت أن تعود إلى غرفتها. فالهدف من أي حوار أن يحملك لمكان ما، أما هي وجان فقد التقيا وافترقا. قال:”أنت تعلمين. من الصعب أن أتصورك متزوجة”.

“كنت شبه متزوجة. لم يستمر الأمر أكثر من لمح البصر”.

”كيف انتهى؟”.

قالت:”يا للمسيح. لقد ورطت نفسي هنا بكلام لا ضرورة له”.

قال:”ولكن أخبريني”.

ضيقت ما بين عينيها وجلست على السرير. وبحثت على الأرض بأصابع قدميها عن صندل. قال جان:”لا يمكنك الإجابة على سؤال بسيط. أليس كذلك؟”.

وضعت برناديت عقد أصابعها على شفتيها. كان الباب على بعد عشر أقدام من السرير. وتمنت لو أنها ترتدي ثيابها. قالت:”أنا مضطربة”.

قال جان:”مضطربة”.

قالت:”مضطربة. كما تعلم - مضطربة؟ لا أزال أفكر بالأماكن التي عملنا بها”.

ضحك جان وقال:”أعتقد أنك اخترت الحياة الصحيحية”.

 قالت برناديت:”أعتقد ذلك”. وبحثت عن ولاعتها. وأضافت:”ألا ترى أنك تلح بكثير من الأسئلة؟”.

وأشعلت سيجارة ودخنت بعمق. وأطلقت الدخان من منخريها وسمحت له بالتدحرج من فمها. كانت تحب التدخين، وإلا كيف سيكون إحساسها بحوارات من هذا النوع.قال جان وهي تخمد عقب السيجارة في صحن رماد بشكل نصف محارة:”إذا. هل توافقت مع حسن ظنك؟. الأماكن؟”.

لوحت ذراعها نحو السقف وقالت:”بالتأكيد كانت جميلة. جميلة جدا. وهذا شيء رائع”. وأضافت:”تجولت في كل العالم. وأنت فعلت ذلك. هل أنا محقة؟”.

قال جان:”وأنا تجولت في العالم”.

شهقت، ثم زلقت قدمها في صندلها وأشعلت آخر سيجارة. قالت لنفسها: هذه للطريق. ثم قالت بصوت مسموع: ”ندمت على أمر واحد. أنني دون صور شخصية إلا فيما ندر. كل ما علي أن أصور العارضات وهن ترتدين تصاميمي”.

أومأ جان برأسه وقال:”هذا مثل التلصص على ألبوم الآخرين”.

التفتت برناديت لتواجهه. كان له وجه مليح القسمات حسب رأيها. قالت:”هذا صحيح. هذا بالضبط هو الحال”.

أطفأت ما تبقى من سيجارتها. وتمنت لو أنها غادرت قبل عشرة دقائق. وقالت لنفسها: ستتريث لنصف ساعة أخرى. استلقت على ظهرها، وجسمها قبالة جسم جان، كان كتفه حلو الرائحة قليلا، مثل شمع الشمعة. وضعت راحتها على بطنه، وعندما حاولت أن تزلق يدها غطاها جان بيده.

قال:”ما هو المكان المفضل لديك من بين كل تلك الأماكن التي زرتها؟”.

تنهدت برناديت. تعبت من الأسئلة. وعلى نحو غريب، لم تتذكر أحدا وجه إليها مثل هذا السؤال من قبل. وتساءلت هل هذا ممكن. لا بد أن أحدا سأل هذا السؤال، ولا بد أنها قدمت إجابة. وحاولت مجددا تحريك يدها. ولكن منعها جان. قالت:”أحببتها كلها”.

“هراء”.

وانتابتها فورة من الندم لأنها وجدت نفسها لا تزال هنا، وأنها وقعت في هذا الحوار. وحركت يدها وأبعدتها عن بطن جان نحو صدره. كان جلده هناك أدفأ، وأقرب للعظام. وأمكنها الشعور بقلبه النابض.

قال:”لا بد أن أحدها ترك انطباعا دائما”.

ترددت برناديت. وقالت:”نيو أورليانز. شهر عسلي”.

هل هو المكان الوحيد الذي يمكن أن تفكر به. وشعرت فجأة أنه قد تنخرط بالبكاء. وسمح جان ليدها بأن تتحرر من قبضته. واستدار على جانبه ليكونا وجها لوجه. وتلامس وركاهما. قال:”لا بد أنه مكان هادئ”. وأصبح صوته ناعما.

وتحركت برناديت لصقه. لم يمكنها أن تمنع نفسها. وضع جان يده على رأسها واحتواه وأجبرها أن تنظر إليه وقال:”هيييييي. وبماذا يذكرك هذا؟”. كان يلعب بأعصابها ويضايقها. ولاحظت سلسلة فضية رفيعة حول رقبته. قالت:” لا شيء”. وتوقف شيء في بلعومها. ولدقيقة من الوقت لم يحرك أحدهما ساكنا. قال جان وهو يجرها نحوه:”حسنا. نحن هنا. وهذه بداية”.

***

في الصباح التالي ترنحا باتجاه الكثبان، وهما مغموران بالإرهاق. كان الوقت باكرا، والضوء شاحبا وجليديا. كان يضفي لونا أبيض على الأمواج. لم يحلق جان وجهه. ولم تتمكن برناديت أن تمنع نفسها من التحديق به. كان الوقت متأخرا. وتسكع بقية الموجودين قرابة الشاطئ، ثم التفتوا نحو الرمال ليتأكدوا عما حل بهما. كان وجه العارضة غامضا في شمس هذا الصباح الباهت. وفكرت برناديت: ربما سيخمنون. ورغبت أن يفعلوا ذلك.

قالت:”شيء غريب أن نعود”.

أشار جان للمجموعة بيده وقال:”إليهم؟ أم للخلف؟”.

قالت:”كلاهما”.

في وقت لاحق من هذا اليوم سيسافرون بالطائرة إلى نيروبي. وفي صباح الليوم التالي إلى نيويورك. وبعد أسبوعين من الآن ستتابع إلى الأرجنتين. قالت برناديت:”كل شيء يتلاشى في نفس اللحظة التي تبدل بها مكانك”. ولكن من الخطأ أن تتكلم تستعمل كلمة “تتلائى” في هذا السياق. ونقل جان كاميرته من كتف لآخر. وبدأت لحيته تلمع بقطرات العرق. ثم قال وهو يبتسم لها:”شيء ما يجب أن يستمر. وإلا لن يتبقى لنا غير صور من تصميمك وبتصويري”.

لوح لهما مصففة الشعر والمسؤول عن المكياج. وتوقف البقية على الرمال بنفاد صبر وملل. كانت الأرض ناعمة ولا يصدر عنها أي صوت. قالت برناديت:”هذا لا يكفي”.

قال جان:”لا. لا يكفي”. وحاولت أن تنظر بعينيه، لكنه كان مسرعا. وفكرت لقد كان صريحا. ولكنها لم تتمكن من القفز من فوق الحوار. ورددت:”لا. لايكفي”.

وانضما للمجموعة. ونظر إليهما الجميع بحذر. واستمتعت برناديت بهذا الاهتمام بطريقة طفولية وعارية عن الخجل. ولم يمكنها أن تتذكر هذا الشعور منذ أيام المدرسة الثانوية. هناك شيء مثير في أن تكون موضع التعجب والتساؤل. أول صورة كانت لأليس وهي ترتدي قطعة واحدة سوداء قصيرة موشاة بخيوط ذهبية. وهو ما تفضله برناديت. قالت وهي تبرم خيطا شاردا:”يبدو أجمل عليك مما لو أنه علي”. كان ثديا البنت صغيرين جدا ولم يكن لبرناديت أن تخمن صدرها من ظهرها. ولم تبتسم أليس. كانت عيناها عابثتين اليوم، كما لو أنها لم ترقد أبدا. أما نيك، المسؤول عن التجميل، لم يتمكن من إضافة الظل المناسب. وقال لها وهو يضيف الكحل:”أنت متورمة”.

شخرت برناديت تقول:”متورمة.كيف سأكون بعد عشرين عاما”.

وعندما شعر نيك بالرضا، انصرفت أليس نحو حافة المياه. وأحاط بها بقية العارضات، وأدرن ظهورهن للكاميرا. ومدت أليس ذراعيها بعيدا عن كتفيها قليلا، بوضعية راقصة باليه. وعندما بدأ جان بالتصوير، رفعتهما ببطء. وقفت برناديت بجانب جان. واعتقدت أنها طفلة رفيعة، ذات جسم مضغوط بصعوبة داخل انحناءات ضعيفة وأولية. كان هناك شيء ما يستسلم في وجه البنت، شيء يمكن بسهولة تعبئته. ونظرت إلى جان.

قال:”ثبتي نظراتك. اجعليها أقسى”.

رفعت البنت ذقنها، وأصبح خط فكها الناعم واضحا. كانت عيناها لماعتين وضيقتين. نظرت إلى جان وبرناديت بنظرة حزينة وشرسة كأنها لإنسانة رأت شيئا وتعلم مسبقا أنه ليس لها. وشعر جان بالاهتمام وصاح:”يا بنوتة! أحسنت”.

وفكرت برناديت: بالفعل لقد نجحت. وربما بغضون ثلاث سنوات ستصبح مشهورة. ولن تتذكر لامو، وإذا شاهدت صورها على هذا الشاطئ ستتساءل من التقطها.

بعد الانتهاء من الصورة، تمخترت أليس نحو الماء وبدأت تتجول فيها. كانت لا تزال ترتدي ثوب الاستحمام الأسود. وهي تقف وحدها بدت مثل مراهقة على وشك أن تغطس. بعد ارتداء بقية العارضات، جاءت برناديت. كان لديها شيء تريد أن تقوله. وتجولت هي وأليس بصمت معا. قالت أليس:”أريد العودة للبيت”. وكانت عيناها محمرتين.

قالت برناديت:”أمامنا أربع وعشرون ساعة”.

“أقصد الوطن يعني الوطن”.

“أين. روكفورد، إلينويز؟”.

وافقت البنت بحركة من رأسها. وقالت:”أنا هنا مستوحشة”.

وفكرت برناديت: شيء عجيب. كيف يمكن للشابات أن تتكلمن بهذه البساطة. كم هذا الكلام سهل بالنسبة للشباب.وقالت للبنت:”نحن في أفريقيا”.

وشهقت أليس ونظرت للشاطئ. كانت الأشجار الغريبة الشكل تبزغ من خلف الكثبان. والتقط جان المزيد من الصور. كانت بقية العارضات مستلقيات على الرمال.

قالت برناديت:”لا يكون الوطن فاتنا وساحرا هكذا إن لم تكوني في إفريقيا”.

استدارت أليس نحوها، وطرفت بعينيها أمام الضوء المتوهج وقالت:”ماذا تقصدين؟”.

قالت برناديت:”أقصد بمقدورك العودة لبيتك حينما ترغبين، لا أحد يمنعك”.

وثبتت البنت نظرتها المشوشة على الأفق. كانت المياه كثيفة مثل سائل الفضة ودافئة على فخذي برناديت.

قالت:”ثم سوف تجدين نفسك في البيت”.

غمست أليس أصابعها في الماء ورسمت خطوطا مائية على طول ذراعها. وبدت دون أمل، كما لو أنها توقعت أن تسمع شيئا آخر.

قالت برناديت:”ولكن الآن باعتبار أنك تذوقت السفر. ربما لن ترغبي بالعودة”.

شعرت بلحظة من الزهو بخصوص الطريقة التي وجهت بها حياتها الخاصة. وفكرت:أنا لن أعود للبيت.

قالت أليس:”أراهن أنني لن أفعل”.

وشيء ما تراخى حول فم البنت. وبدت مرتاحة. من الصعب أن تتابع حياتك الاستثنائية والمذهلة.

قالت برناديت:”عموما يمكنني أن أسعدك قليلا”.

شهقت أليس، وتمسكت بغموضها. هي في النهاية مراهقة.

قالت برناديت:”الصورة التي انتهينا منها للتو - صورتك؟ ستكون هي الغلاف”.

تخللت البنت شعرها بأصابعها. وافتر ثغرها، وامتلأت عيناها بالدموع. وحاولت أن تكبت الابتسامة. والتفتتا نحو صخب أصوات. كان جان يهرول نحوهما برفقة نيك وراءه. فقد انتهيا من اللقطة. قال جان لبرناديت:”تلزمني واحدة منكما. أنا بحاجة لنسخة”.

ورمقت برناديت بنظرها أليس. كانت البنت تنظر للبعيد. ويداها المنداتان تتدليان على طرفيها.

قالت برناديت:”لثلاثتنا”.

وقدم جان الكاميرا إلى نيك. واقترب من جانب برناديت. ووقفت هي في الوسط بين جان والبنت. وحضنت كلا منهما بأحد ذراعيها. كان بمقدورها أن تشعر بعظام كتف أليس، هش ودافئ مثل عصفور. وأبعدت بيدها بعض الشعرات عن وجه البنت.

قال نيك:”ابتسامة لو سمحتم”.

خمدت حركات الثلاثة، واتضحت حدود المشهد لدقيقة من الوقت. ولاحظت برناديت النسمات، كان زحف الماء يغسل أصابع قدميها. وداهمتها أوجاع نوستالجيا خفيفة، وضغطت يد جان على ظهرها. وبين الثلاثة امتدت خطوط من نسيج خفيف، مثل شبكة العنكبوت. وشعرت برناديت بعاطفة جارفة لهذه اللحظة، شوق يشبه الحنين لأمر انتهى، أو شيء كان ثم اختفى. مع ذلك ها هي الآن.. هنا.

 ***

 ..........................

جنيفر إيغان Jennifer Egan كاتبة أمريكية. من أهم أعمالها رواية (زيارة من فرقة الأغبياء)2011، ورواية (شاطئ مانهاتن/)2017. وهذه القصة من مجموعتها (مدينة الزمرد/ 1996).

ترجمة صالح الرزوق / عن مجلة ناراتيف الأمريكية (السرديات الأمريكية)، عدد 2021.

 

 

2334 براين بيلستنترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

 قاموس روجـر للمترادفات

كي ينمـّي، يوسـّع، يمدّد

نتاجـَه المعجمي،

اشترى، ابتاع، استحصل روجـر

موسوعة مترادفات، قاموس تيسوروس.

 

وفي الحال، حالا، دون تأخير

لم يعد مستنفذا الأشياء التي يقولها،

يتكلمها، ينطقها، يعبر عنها، يلفظها،

يجهر بها، يعلنها، يوصلها.

 

كان كل ذلك حسنا، جيدا جدا، عظيما،

مدهشا، فائقا، رائعا،

لكن أصدقاءه، رفاقه، أصحابه وجدوه

مملا، مضجرا، مسئما، مبرما.

 

لذا فليكن ذلك تحذيرا،

إنذارا، إشارة، هاجسا،

بأنه من المستحسن جدا إظهار المعرفة،

الثقافة، التعلم، الاطلاع،

 

لكن إليك فائدة، تلميحا،

اقتراحا، نصيحة،

لا تدعه أبدا يمنعك

من أن تكون موجـِزا،

 

مختصرا، مبتسرا، واضحا، مفصحا،

محكما، مستخلصا، مقتصدا،

مكتنزا، مقتضبا، مـُقـْصرا،

بليغا.

***

................... 

* عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له أول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) في عام 2016 ورواية بعنوان (يوميات احدهم) في العام الحالي. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

 

 

2330 simicترجمة: صالح الرزوق


أحيانا أخرج بنزهة في آخر الليل

وأتوقف أمام حانوت جزارة مغلق.

أرى فيه ضوءا يتيما

كالذي يهتدي به المسجون ليحفر نفق الهروب.

وهناك صدرية معلقة على خطاف:

وعليها بقع الدم بشكل خريطة

قارات عظيمة  تسبح بالدماء،

وأنهار ومحيطات عريضة من الدم.

وهناك أيضا سكاكين تلمع مثل مذبح

في كنيسة معتمة

حيث يأتون بالمقعدين والممسوسين

لعلاج أرواحهم.

وتجد كذلك لوحا من الخشب يجري عليه تكسير العظام،

وكشط اللحوم: النهر يجف ويتحول إلى حوض

كالسرير الذي أتناول طعامي عليه،

حيث يتناهي لمسامعي، إذا جن الليل، الصوت الهامس.

***

.....................

من مجموعته: فندق الأرق. وشارلز سيميك شاعر أمريكي من أصل صربي. حائز على البوليتزر عام 1990. آخر أعماله (حياة من صور / 2015).

 

 

ترجمتها عن البولندية:

مريم لطفي


ألحمد لله

لكلِ ضربة حظ

لكلِ حصاة

لدموعِ العنبر

شكرا لك يارب

لألوان قوس قزح

لقطرات الندى

لضباب الصباح

شكرا لك يارب

لسنبلة الحياة

للخبز اليومي

هدية الحب

شكرا لك

للقمر والشمس

للجبال والبحار

لكل النعم

الهي شكرا لك

أجد معنى الحياة فيك

أنت قوتي

ألامل

أسعى معك خلال حياتي

أنت دليل لايقدر بثمن

نور الروح

رغم إني لااراك

أستطيع أن أشعر بوجودك

قلبي يرفرف من الفرح

شكرا لك على كل شئ

حمدا لك

.................

Dziękuję Panie

za każdy łut szczęścia

za każdy kamyczek

za bursztynowe łzy

Panie dziękuję Ci

za barwną tęczę

za krople rosy

za poranne mgły

Panie dziękuję Ci

za życia kłos

chleb powszedni 

miłości dar

dziękuję

za księżyc i słońce

za góry i morza

za wszystkie łaski

dziękuję 

w Tobie sens życia znajduję

jesteś moją siłą

nadzieją

z Tobą przez życie mknę

jesteś bezcenną wskazówką

światłem duszy 

chociaż Cię nie widzę

obecność czuję

moje serce z radości drży

za to wszystko dziękuję

dziękuję Ci

.....................

الشاعرة :آنا انطونيتا شاعرة وكاتبة بولندية تكتب الشعر والقصص القصيرة للاطفال،تتناول موضوعاتها باتقان فهي عاشقة للطبيعة ،مقرة بوحدانية الله ،تشعر بالامتنان لله على كل شئ وهذا ماانعكس جليا على قصائدها التي تتوج فيها شكرها لله ذاكرة كل النعم،اسلوبها سلس،رقيق ،مفعم بالمفردات الانسانية الراقية.

 مريم لطفي

 

2331 كلود استيبانCLAUDE ESTEBAN

ترجمة: أحمد بن قريش


 

أأكون شخصا

ينظر لنفسه ترحل

 

و لا يجد بجانبه

ما عدا الغبار، أفقدت

 

أثر الشمس،تعود جملة كانت

دليلي منذ الفجر

 

بالأمس، أنزل، أتمدد

على حجر

 

المعجزة

كانت في انتظاري، هذه الحدائق

 

كنت أظنها فسيحة، ضحكة

النسوة في الأصياف

 

أأكون من يتمنى فقط

أن يتركه جسده

و تهجره الكلمات في الصباح.

 

"الموت عن بعد" غاليمار 2007

2

السماء

أفقية

طير على خيط حلم غير مرئي

كل شيء في ابتعاد رهيب عنا

مناظر لامعة،

سفن مقيلة من الزمن

ــ جروح

سأمحو حتى صوتي من صفحة النهار

 

من وراء السياج الأحمر

نود لو نعيش ونشيخ

طويلا  نكون

دون فزع، بقليل من الشوق

وما عدا كلام الشجر فينا

حديث في النسخ والمزيد

ثم  محرك الساعات الثابت

ثم الموت كقشرة مبللة،نكون هناك،

بعيوننا المنفتحة، لو نحي فقط

من وراء السياج الأحمر

***

كاتب و مترجم من الجزائر

........................

* كلود استبان من ديوانه "محو النهار" ـ منشورات قاليمار2006

** كلود استيبان (1935- 2006): شاعر فرنسي و مترجم و ناقد فني. حوالي أربعين كتابا. ترجم ل أوكتافيو باز وبورجيس وغارسيا لوركا. حائز على جائزة جونكور للشعر عام 2001

 

 

 

صالح الرزوقواين كونولي

ترجمة: صالح الرزوق


لم أحب أمستردام أبدا. كانت تبدو لي دائما مكانا ضيقا، تناسب خيبات الأمل وليس الغرام. وأول مرة زرتها كان لقضاء عطلة الأسبوع مع أغاثا بعيدا عن مكان العمل والعائلة. كنا التقينا في مؤتمر في مسقط رأسها وهو مدينة بودابست قبل بضعة شهور، وتوقعنا أن أمستردام ستقدم لنا ملجأ مناسبا. ولكن تصادف يوم وصولنا مع يوم عطلة وطنية. وكانت الموسيقا تعزف في كل زاوية والشوارع مزدحمة بالشباب الذين يرقصون ويشربون. وفي نهاية الأمسية أينما ذهبنا كنا نمر بين كؤوس بيرة من البلاستيك ولفافات وجبات سريعة. وكان الشعور بالعجز وتقدم العمر يغمرنا. وفي إحدى الساحات ترنح صبي باتجاهنا، وكان بعمر يقارب عمر ابني، ولوح بعلبة هاينكين أمام وجهينا وقال:”ماذا تفعلان هنا؟. يبدو أنكما محترمان”. ثم ضحك وابتعد.

وفي اليوم التالي كانت المدينة هادئة. والأرصفة فارغة ولكن تستطيع أن ترى بقايا الأمس في المنعطفات والأزقة. وفي سوق مفتوح اشتريت لأغاثا لوحة نصف تجريدية تمثل باقة من الزهور. وكلفتني أكثر مما أطيق. ولاحظت مباشرة أنها لم تعجب بها. قلت:”من المفروض أنها توليب. أليست هي الوردة الوطنية المفضلة في هنغاريا؟”. قطبت ملامحها قليلا وقالت:”لم أشاهد توليب بهذا الشكل من قبل. لا هنا ولا في هنغاريا”.

2305 connollyوتابعنا التجوال دون خطة طوال المساء، وبدأ الطقس يتبدل. واجتمعت الحشود مجددا واتجهت نحو الساحة الرئيسية. وفي هذه المرة كانوا بالأغلب من الشباب ويحملون الرايات الحمر والبيض، وهم يغنون ويهزجون ويطلقون الألعاب النارية. وتذكرت أنني سمعت أن فريق نادي أجاكس فاز بالبطولة في الأمسية الماضية. وبدأت الاحتفالات بصوت أعلى. قلت:” يبدو كأن أيام كرايوف عادت”. ردت أغاثا بنظرة فارغة.

انسحبنا من الصخب وأسرعنا بالابتعاد عن الساحة باتجاه شوارع سكنية هادئة. وتوقفنا بمحاذاة القناة واتكأنا على السور الحديدي، وراقبنا شمس الغروب وهي تسطع على الماء وتلمع على علب البيرة المعدنية ولفافات الطعام. ومرت من جانبنا فتاة صغيرة، وهي تدفع دراجة هوائية بسلسلة مكسورة. كانت صغيرة بشعر أسود، وسروالها الجينز ملوث ببقع من الزيت. وتوقعت أولا أنها تمر بمحنة، ثم انتبهت أنها تبتسم لنفسها، دون أي اهتمام بصوت الحشود القريب. وكانت تفيض بالسعادة.

التفتت أغاثا نحوي وقالت: ”آسفة. يبدو أنني أحببت لوحتك. أنت إنسان لطيف ومهذب. ولكن لا أعتقد أنه يجدر بنا أن نلتقي مجددا. اذهب إلى غلاسغو وانس أنك أتيت إلى هنا. هذه المدينة للشباب. انظر”. وأشارت بأصبعها للبنت التي تبتعد. وأردفت:”إنهم شباب وأحرار وسعداء. ويمكنهم أن يفعلوا أي شيء. ولكن أحيانا ثمن الحب أعلى من إمكاناتنا”.

***

...........................

 

واين كونولي Wayne Connolly: كاتب إسكوتلاندي، وموظف مكتبات متقاعد، يحمل إجازة بالأدب الإنكليزي. الترجمة من موقع دار النشر الإسكوتلاندية Thi Wurd

 

 

بهجت عباسأوقات من يواقيت

سامي العامري

ترجمة بلغتين: د. بهجت عباس

Zeiten von Rubinen

Sami Al Amiri

Übersetzer: Bahjat Abbas

Deutsch

Unser Leben ist Spannung, Anziehung und Ruhe:

Für mich ist es ein Witz mehr als viele Witze.

**

Aber ich vergesse keinen Moment,

der machte aus dem, was kommen wird, Erinnerungen.

**

Sie schaufelten mich zu dem, was ich nicht weiß,

Und du weißt es nicht und das Leben weiß es nicht.

**

Mein Kelch war voller Wein,

Wie ein überfülltes Boot mit süßem Wasser.

**

Ich trinke um aufzuwachen oder

Die Sorge meines Lebens übertraf alle Liköre.

**

Wir alle sinken mit ihren Illusionen

Wir alle brechen die Flöte der Leidenschaft.

**

Wir alle verzichten auf den Geburtstag.

Jeder schafft aus ihm mehrere Menschen.

^^

Der Falke geht weiter zu seiner Verleugnung

Beschwörend, dass die Spatzen die Täter sind.

**

Aber das Herz, das ich trage,

Sah den Unterschied, Dattel wie Kern?

**

Es sah Falschheit in der Zustimmung der Menschen.

Es sah Hoffnungen als gekaufte Welt.

**

Es kehrte ohne minimale Hoffnung zurück,

Wie Kneipe ohne Freund und Kellner.

**

Flüsternd ins Ohr, vom dem es faszinierte.

Mit Buchstaben, deren Wirkung wie die Wirkung des Gebets ist.

**

Gleichgültig, mitten in der tobenden Welle,

Der Tod ist für mich und Überleben  ist für die Hoffnungslosigkeit!

..........................

English

Times from Rubies

Sami Al Amiri

Translator: Bahjat Abbas

Our life is tension, attraction and rest:

For me it's a joke more than a lot of jokes.

**

But I do not forget a moment,

That made memories, from what will come.

**

They shoveled me towards what I do not know,

And you do not know and life does not know.

**

My goblet overflowed with wine

Like overflowed boat with sweet water.

**

I drink to wake up or

My life’s concern surpassed all liquors.

**

All of us sink with their illusions

All of us break the passion’s flute.

**

All of us abstain from the birthday.

Everyone creates from him several people.

^^

The hawk goes on its denial

Swearing that the sparrows are the culprits.

**

But the heart that I carry

Did the difference, dates as core?

**

It saw falsehood in people consent.

It saw hopes as a bought world.

**

It returned back without any minimum hope,

Like a pub without a friend and waiters.

**

Whispering in ear of whom it fascinated.

With letters whose effects are as prayer’s effect.

**

Indifferent, middle of the raging wave,

Death is for me and survival is for hopelessness!

27. 12 . 2020

..........................

سامي العامريأوقات من يواقيت

عيشُنا شدٌّ وجـــذبٌ فسباتْ

نكتةٌ عندي ولا جيشُ نكاتْ

 

غير أني لست أنسى لحظــــةً

جعلتْ ما سوف يأتي ذكرياتْ

 

جرفتْني نحـــو لا أدري ولا

أنت تدرين ولا تدري الحياةْ

 

طفحت كأسيَ بالخمر كمــــا

طفحُ الزورقُ بالماء الفراتْ!

 

إنني أسكرُ كـــــي أصحوَ أو

فاق هَمُّ العمر كلَّ المُسكِراتْ

 

كلنا يغرق فــــي أوهامهِ

كلنا يكسر ناي الصبواتْ

 

كلنا يضربُ عــن ميلادهِ

كلنا يخلقُ من ذاتٍ ذواتْ

 

يتمادى البازُ في نكــــرانهِ

مُقْسِماً أنَّ العصافيرَ الجناةْ

 

لكنِ القلبُ الـــذي أحملهُ

شاهدَ الفرقَ، أتمرٌ كنواةْ؟

 

شاهد الزورَ لدى الناس رضاً

شاهَــــــدَ الآمالَ دنيا مُشتراةْ

 

فانثنى من غير أدنى أملٍ

مثل حانٍ دون خِلٍّ وسُقاةْ

 

هامساً في أذن مـــــن تيَّمَهُ

بحروفٍ فعلُها فعلُ الصلاةْ

 

لا أبالي وسط موجٍ هـــادرٍ

فليَ الموتُ ولليأسِ النجاةْ !

          ***

سامي العامري

................................

* القصيدة هذه كتبتها في منتصف العام 2020 ولا أدري بالضبط أي شهر وأي يوم

(1) عنوان قصيدتي هذه (أوقات من يواقيت) هو نفس عنوان مجموعتي الشعرية القادمة.

(2) أنا بالطبع أحسن الألمانية فأنا مقيم في ألمانيا منذ 37 عاماً والإنكَليزية التي تعلمتها في العراق وتوسعتُ بها لاحقاً وأقرأ بهاتين اللغتين في بعض الأحيان ولكن الشاعر والمترجم د. بهجت عباس المقيم حالياً في كندا سبق له وأن عاش في ألمانيا سنوات عديدة ودرس فيها ثم إنه يتقدمني في السن لهذا أحترم خبرته في اللغتين وأثق بها علماً أنه ترجم لي قصيدتي الأخيرة (مطربة الحي) إلى الألمانية والإنكليزية أيضاً وسبق له وأن ترجم لي مشكوراً قصيدة كتبتها في ليلة إعدام الدكتاتور العراقي وأتمنى استمرار التعاون فهذا هو مشروعي الحالي ألا وهو إصدار كتابين شعريين مترجمين إلى الألمانية والإنكليزية تارة بترجمة الأستاذ بهجت عباس وتارة بترجمتي إذا وافق وسأعرض عليه ترجماتي قبل الشروع بنشرها، أقول هذا لأني لا أريد إرهاقه بترجمة مجموعتين شعريتين كل منهما يتكون من 100 صفحة تقريباً.

 

 

صالح الرزوقكايت ماكلين

ترجمة: صالح الرزوق


 

 هناك لوحة قرب القناة في شمال غلاسغو. كتبعليها: ”واحة المدينة”. عبرنا من فوق الأعشاب معا، وجلسنا على مقعد. كان هناك اثنان يربطان قاربهما، ويشربان البيرة والشمس تغمر ما تحتها.

مكان رائع. لكن لا يمكن أن تقول إنك ستعيش هنا.

لم لا؟.

حسنا هذا المكان قريب جدا من الشارع.

وأردفت: و الجرذان.

أنت وأنا دائما نتكلم عن الجرذان.

وحينها ظهر رجلان. أحدهما شاب نحيف. والآخر أصغر بالحجم وأكبر بالعمر. وجلسا في قارب. وأغلقا بابه وراءهما.

هل تعتقد أنهما سيمارسان الجنس؟.

هززت رأسي وأنا أفكر بالموضوع أيضا.

سألت: لماذا يحمل ذلك الكيس من الشطائر.

2303 كيم ضحكت ولكن لم ترد. والآن أفكر بالحب السري. لماذا نتستر عليه. ألا يحمل الناس معهم أسرارهم. أسرار الآخرين والأسرار الشخصية. حينما يبلغ الإنسان 30 عاما يصبح كأنه موظف بدوام كامل لأنه يتعين عليك أن تحمل أسرارك معك. ولا يمكن أن تغادر البيت دونها.

كنا آنذاك أنا وأنت في أمستردام. هل هي أمستردام؟. وكل ما بقي في الذاكرة هو القناة.

غيوم حارة بيض، ولكن كنا نستعد لتلقي الرذاذ. هذا كل ما تفهمه حينما تعيش مثلنا. وقفنا على الجسر نراقب فرقة من الشباب الصغار. كانوا يتخلون عن قمصانهم ويقفزون في المياه. وهذا شيء سيندمون عليه في الصباح، ولكن هناك على الجسر يوجد شيء للمشاهدة. وكنت أقف بقربك.

قال أحدهم: إنهم يجرون من القناة جثث أموات.

ضحكنا. وأغلقت عيني لثانية.

فكرت: حاول أن تتذكر هذه الدقيقة. أنت لست بحاجة لصورة لتتذكر.

مرة قلت لي: أفضل شيء فيك الظهور بالوقت المناسب.

والحقيقة أنه شيء كنت دائما أتعب وأكد من أجله. في بعض اللحظات يغيب عن عينيك أشياء لا تستطيع أن تتذكرها حينما تنظر للوراء. ترى فقط الأشكال العائمة. الخطوط العامة.

وأنت تحاول أن تتذكر ذلك الآن. وأنت جالس على ضفة قناة غلاسغو. عد بذهنك إلى أمستردام. وتمهل فوق الجسر وانظر. 

كايت ماكلين Kate McAllan فنانة بصرية وكاتبة مولودة عام 1990 في غلاسغو. تعيش وتعمل في إدنبرة. أسكوتلاندا.

***

............................

الترجمة من موقع دار النشر الإسكوتلاندية Thi Wurd.

 

 

فتحي مهذبO heaven, my eternal sister.

مع ترجمة بقلم: د. يوسف حنا فلسطين.


أنا والسماء

كنا شقيقين سعيدين في العالم

نتقاسم الملابس ذاتها

فضة الخيال المترامي

معاطف فلاسفة اليوطوبيا

الصعود معا في باص الملائكة

نجوب الأمكنة المطلقة

اللانهايات الأثيرة

نلبس مطرزات النجوم اللامعة

نتقاسم السرير المصنوع من الهواء الخالص.

ولنا أرجوحة أبدية قدت من حبال المخيلة

نهرعُ إليها كلما هاجَمَنا الفراغ

بمسدسه الأشيب الحزين

نلهو معا بعذوبة لا متناهية

لا نفكر في علل الأشياء

ولا نصغي لزئير الضباب القادم

من رؤوس الكواكب.

لا نفكر في رقصة عربة الأموات

ومخالب المعزين البرونزية

أو تلك الحفرة القذرة

التي تبتلع الجثامين ببرودة دم.

لا نفكر في الخرادق التي يطلقها النسيان على الرهائن .

نذهب معا إلى دار الأوبرا

بدلا من شطائر البيتزا

نأكل الموسيقى بملعقة نادرة للغاية

نضحك كلما رأينا طائرة

تقترب من مدارنا الوسيع

كأنها حمامة متجمدة في الجو

تزورنا صحون طائرة

تعبر رأسينا على أطراف هواجسها

كلما عطشنا نشرب من نور القمر

وفي آخر الليل

نقرأ بريد الفلكيين بأعين دامعة

العالم شاسع والحقيقة طويل سلمها.

كلما رأينا طائرا يتخبط

قلنا: هذا شاعر فر من المذبحة

كلما سمعنا أزيز الرعد

قلنا: جيراننا من مجرات مجاورة

ينادوننا لحضور الوليمة.

أنا والسماء

كنا شقيقين جميلين

نلعب بالصواعق والنيازك

نلعق حليب الشمس

وعلى حبل الجاذبية

نعلق شريط ذكرياتنا الطويل

ولنثرنا اليومي طعم الأناناس.

لكن ذات جرح

بينما كانت السماء نائمة

منهكة جدا

بعد يوم من الرقص الجنوني

إختلست حقيبة الله

وهبتها للشيطان مقابل حصتي من الأبدية

غير أن الله طردني

ضاربا مؤخرتي بجزمته القديمة.

لا تحزني يا سماء

قريبا ستنام روحي بجوارك

على سرير بالغ النعومة والبهاء.

***

بقلم فتحي مهذب تونس

..............................

O heaven, my eternal sisterيوسف حنا

By Fathi Muhadub / Tunisia

From Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Heaven and I

Were two happy brothers in the world

We shared the same clothes,

Silvery sprawling imagination,

The Coats of Utopian Philosophers,

Taking together the bus of angels,

Going through the absolute places

Eternal infinities.

We wear bright star embroideries

We share a bed made of pure air

And we have an eternal swing made of the ropes of imagination.

We rush to it whenever the void attacks us

With his sad gray pistol

Have fun together with infinite sweetness

Do not think about the causes of things

And do not listen to the roar of the coming fog

From the planets' vertices.

We do not think of the dead chariot dance

And the bronze claws of the mourners

Or that dirty hole

Which swallows the dead bodies with cold blood.

We do not think of the buckshot that Oblivion shoots the hostages with.

We go together to the opera house

Instead of pizza sandwiches

We eat music with an extremely rare spoon.

We laugh whenever we see a plane

Approaching our wide orbit

As if it was a frozen dove in the air.

Flying saucers visit us

Crossing our heads at the fringes of its obsessions.

Whenever we thirst, we drink moonlight

And at the end of the night

We read astronomers ’mail with tearful eyes

The world is vast and the ladder to truth is so long.

Whenever we see a bird wandering

We said: This is a poet who fled the massacre

Whenever we heard the roar of thunder

We said: Our neighbors are from neighboring galaxies

They call us to attend the feast.

Heaven and I

Were two beautiful brothers

We play with thunderbolts and meteors

We lick sun milk

And on the rope of gravity

We attach our long memories lane

And our daily prose has taste of pineapple.

But one day of wound,

While the sky was sleeping,

Too exhausted

After a day of crazy dancing,

I embezzled the bag of God

And granted it to Satan in exchange for my share of eternity

However, God expelled me

He hit my ass with his old boots.

Do not be sad, O heaven

Soon my soul will sleep next to you

On a very soft and pompous bed.

***