بهجت عباسللشاعر الألماني هاينريش هاينه

 (1797-1856)

ترجمة: بهجت عباس


الترجمة نثراً

لا أدري لِمَ هذا الحزن

يسيطر على قلبي

أسطورة من عهد ماضٍ

اجتاحتني وهي ليست من خلدي

 

النسيم بارد وقد أخذ الظلام بالهبوط

والراين ينساب بهدوء

تتلألأ قمة الجبل

من شعاع شمس الغروب

 

تجلس الفتاة الأكثر جمالاً

بروعة هناك عالياً

وتلمع حليّها الذهبية

وهي تمشط شعرها الذهبيّ

 

تمشّطه بمشط من ذهب

وتغنيّ أثنـاءّ ذلك أغنية

وكان لها نغم

مدهش عظيم

 

الملاّح على ظهر قاربه الصغير

سيطر عليه ألم شديد

لم يبصر الصخور في الأسفل

ولكنه ينظر إلى الأعلى

 

أعتقدُ أن الأمواج ستبتلع

الملاّح وقاربه معاً في النهاية

وهذه بغنائها

صنعت اللورَلايْ.

***

الترجمة شعراً مُقفّى

لست أدري لِـمَ هذا الحزن يجتاح فـؤادي

هي أسطورة عهد قد تمـادى فـي البِعـــادِ

هي ليست بنتَ أفكـاريَ كيْ أُحْـني لهـــا

هامـتي قسراً فأمسي فـي هـمـوم وسُهــاد

 

النسيـمُ العـذبُ فــي مسراه يـُمـسي بـارداً

في هبوط الليل و"الرايِـنُ) نشوانُ طروبْ

تـتـلالا قــمّـةُ الطَــوْدِ عــلـى أعــطــافــهِ

مــن شعـاع الشمس فــي وقـت الغــروبْ

 

 وفـتــاةٍ فـاقـتِ الشَّـمـسَ بـهـــاءً وسَـنـــا

هـيَ حـوريّــةُ بَـحــرٍ فـي أعـالـي القِـمـمِ

فـي يـديـها حِـلــيــةٌ مــن ذهـبٍ لامــعــةٌ

تمشُط الشَّعـرَ كـثـيــفــاً ذهــبــيّ الـلِــمَـمِ

 

تَـمـشُـط الشَّـعــرَ بمـشـطٍ لامـــعٍ مـــنْ ذهــبٍ

وتـغـنّــي بـرقـيـق اللحـن فـــي دنـيــا الجـمـال

لحنُـها يسحــر مَــن يُصغــي لــه مِـنْ شجـــوهِ

نــغــمٌ يأخـــذ بالــروح إلــى أفـــق الخـــيــال

 

يـا لهــذا القـاربِ السّادرِ فـــي نــهــر الهــوى

ولِـنوتـيٍّ تَــولاّه مــن الدنـيـــا شـديـــدُ الألـــمِ

لا يـرى مــا تحـتــه مـن خطــر الصَّخــر ولا

يــرهـب المـوتَ فـيـرنـو نحـو أعلــى الهــرمِ

 

فـي اعـتـقـادي: هـذه الأمـواجُ تغـدو نهـمَــةً

تـبـلـعُ النّـوتـيَّ والقــاربَ مـن غـيـر اصطبـارِ

هكــذا الحـوريّــةُ الحسناءُ فــي أنـغـــامـهــــا

صنـعتْ أسطورةَ "اللورْلايْ" مِـن مـاءٍ ونـارِ

                       ***

............................

(ابتدع الشاعر الألماني كليمنس برنتانو عام 1801 قصة من وحي الخيال عن صوت الصّدى الذي يُسمع عند  الصخرة لورَلايْ (لوريلي) – على ضفة نهر الراين في ألمانيا، على أنّه صوت امرأة شرّيرة ولكنها فائقة الجمال تغنّي للملاحين وهم في طريقهم إلى الهلاك، فسمّى هذه المرأة لورَلايْ.

وأتى من بعده الشاعر الألماني هاينريش هاينه فكتب قصيدة عام 1824 أسماها (لورَلايْ Lorelei) بأثارة وتشويق، فبالغ في جمال المرأة الشريرة ووصفها بأنها تجلس على جرف فوق نهر الراين وتمشط شعرها الذهبي وتجذب البحارة من غير قصد للنظر إلى جمالها وأغنيتها الرائعة ، مما يسبب لهم حادثَ تحطّمٍ على الصخور... ويكيبيديا)

.........................

النصّ الألماني

Lorelei- Heinrich Heine (1797-1856)

 

Ich weiß nicht, was [soll es]1 bedeuten

Dass ich so traurig bin;

Ein Märchen aus alten Zeiten

Das kommt mir nicht aus dem Sinn.

 

Die Luft ist kühl und es dunkelt,

Und ruhig fließt der Rhein;

Der Gipfel des Berges funkelt

Im Abendsonnenschein.

 

Die schönste Jungfrau sitzet

Dort oben wunderbar,

Ihr goldnes Geschmeide blitzet

Sie kämmt ihr goldenes Haar.

 

Sie kämmt es mit goldenem Kamme

Und singt ein Lied dabei;

Das hat eine wundersame

Gewaltige Melodei.

 

Den Schiffer im kleinen Schiffe

ergreift es mit wildem Weh,

Er schaut nicht die Felsenriffe,

Er schaut nur hinauf in die Höh.

 

Ich glaube, die Wellen verschlingen

Am Ende Schiffer und Kahn;

Und das hat mit ihrem Singen

Die Lorelei getan.

 2231 لورلاي

الصّخرة الجبّارة لـورَلاي على نهر الراين

 

 

عادل صالح الزبيديمارك ستراند

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


في حقل

أكون غياب

الحقل.

هذه هي

الحال دائما.

أينما أكون

فأنا الشيء المفقود.

 

حين امشي

افلق الهواء

ودائما

يدخل الهواء

ليملأ الفراغات

التي كان جسمي يشغلها.

 

كلنا لدينا

أسباب للحركة.

أنا أتحرك

كي احتفظ بالأشياء مجتمعة.

***

..................

مارك ستراند: شاعر وكاتب مقالات ومترجم أميركي من مواليد كندا عام 1934، تلقى تعليمه في كندا والولايات المتحدة وايطاليا، ألتحق عام 1962 بمشغل كتاب ايوا ليحصل بعدها على درجة الماجستير في الفنون. عمل ستراند ومازال في التدريس الجامعي ونشر إحدى عشرة مجموعة شعرية، فضلا عن ترجمته أعمالا للشاعرين رافائيل البرتي و كارلوس دراموند دي آندراد وشعراء آخرين. انتخب في 1981 عضوا في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، ونال شعره جوائز عديدة لعل أهمها جائزة البوليتز عام 1999 عن مجموعته بعنوان (زوبعة ثلجية لأحدهم). من عناوين مجاميعه الشعرية الأخرى: (النوم بعين مفتوحة واحدة) 1964، (قصة حياتنا))1973، (الساعة المتأخرة)) 1978، (مرفأ مظلم) 1993، و(رجل وجمل) 2006.

 

 

بهجت عباسللشاعر الأمريكي والت ويتمان (1819-1892)

ترجمة: بهجت عباس

(مع فيديو قراءة الترجمة باللغة العربية وآخر للقصيدة باللغة الإنگليزية)

أوه يا قُـبطانُ! يا قُـبطاني! لقد انتهتْ رحلتنـا الرّهيبة،

فقد اجتازتْ سفينتـنا كلَّ عقبـةٍ، وأُحرزَ الهدفُ الذي ابتغيناه،

المينـاءُ قريبٌ، إنني أسمع الأجراسَ، الناسَ أجمعَ يهلّلون،

بينما أعيـُنٌ تَـتَـبَّـعُ الرافـدةَ الثّـابتةَ، تتقدّم السَّفينـة

متجهِّـمةً جريئـةً :

ولكنْ، آه يا قلبُ، يا قلبُ، يا قلبُ!

آه القَطـراتُ الحُـمـرُ النّازفـة،

حيث القبطانُ يضطجع على سطح السَّـفينـة،

ساقطـاً بارداً وميِّـتاً .

 

آه يا قـبطانُ! يا قـبطاني! انهضْ واسمعِ الأجراسَ

انهضْ- لك تُـنَكَّـسُ الرّايةُ- لك يرتعش صوتُ البوق،

لك باقاتُ الأزهارِ والأكاليلُ الموشّحة ولك تَجَـمهُـرُ

السّواحل،

إيّـاكَ ينـادون، الحشدُ المُتـرنِّحُ، أوجهُهم المُتَحمِّسة

تدورُ ؛

هنـا، يا قبطانُ! أيّها الأب الغالي!

هذا الذراع تحت رأسك!

إنّه بعضُ حُلمٍ، ذاك الذي على ظهر السّفينـة،

سقطتَ بارداً وميِّـتاً .

 

 قبطاني لا يُجيبُ، شفتـاه باهـتتـانِ وساكـنتـانِ،

أبي لا يُحِـسّ ُ بذراعي، لا نبضَ فيه ولا حَـولَ،

رست السَّفينـةُ سالمةً ومُجلجِـلةً، أُغلقتْ رحلتُهـا وأُكمِلتْ،

من رحلة رهيبـة أتت السَّفينـةُ المنتصرة مُحرزةً الهدفَ ؛

هلّلـي يا شواطئُ، دقّـي يا أجـراسُ!

ولكنّي بخطىً كئيـبةٍ

أسير على ظهر السَّفينة حيثُ قُـبطاني يضطجع،

ساقطاً بارداً وميِّتاً.

***

..................

 

O Captain! My Captain!

O CAPTAIN! my Captain! our fearful trip is done,

The ship has weather'd every rack, the prize we sought is won,

The port is near, the bells I hear, the people all exulting,

While follow eyes the steady keel, the vessel grim and daring;

         But O heart! heart! heart!

         O the bleeding drops of red!

         Where on the deck my Captain lies,

         Fallen cold and dead.

 

O Captain! my Captain! rise up and hear the bells;

Rise up--for you the flag is flung--for you the bugle trills,

For you bouquets and ribbon'd wreaths--for you the shores crowding,

For you they call, the swaying mass, their eager faces turning;

         Here, Captain! dear father!

         This arm beneath your head!

         It is some dream that on the deck

         You've fallen cold and dead.

 

My Captain does not answer, his lips are pale and still,

My father does not feel my arm, he has no pulse nor will;

The ship is anchor'd safe and sound, its voyage closed and done,

From fearful trip the victor ship comes in with object won;

         Exult, O shores! and ring, O bells!

         But I, with mournful tread,

         Walk the deck my Captain lies,

         Fallen cold and dead.

 

فيديو باللغة العربية

أوهٍ يا قبطان، يا قبطاني ⚓️ القصيدة | BDM - YouTube

فيديو القصيدة باللغة الإنگليزية مع الترجمة العربية

!آهِ يا قُـبطانُ! يا قُـبطاني/والت ويتمان/ بهجت عباس - YouTube

 

 

صالح الرزوقموريا دايان كوديش

ترجمة: صالح الرزوق


 نعم، يا إلهي. نعم يا إلهي.

في وسط الحقل، ليس بعيدا عن حدود غزة، كان غاي، الملتاع والثائر، يحترق من أعماقه. ووقف قربه المنسق الأمني الذي يمثل الجيش، وسيارة جيب عسكرية، وسيارة إسعاف خرج منها مسعف وطبيبة شابة، ومعهم سكرتير الموشاف. وبدأ المسعف، وهو رجل أرثوذوكسي بحوالي الثلاثين من العمر، باستلام زمام النقاش.

قال:”أنت يا بني. نرغب أن ترافقنا لإجراء اختبارات والتأكد أن كل شيء على ما يرام”.

كان غاي مستلقيا على الأرض. يتقلب على التراب وينوح مناجيا ربه، لكنه لم يرد على المسعف. قال له:”عليك أن ترافقنا ياصاحبي. الصاروخ سقط للتو ويجب أن نتأكد أنه لم يضرك بشظية، لا سمح الله”. لم يرد غاي أيضا.

اقتربت الطبيبة الشابة من غاي، وشعرها يتدلى بشكل ذيل حصان طويل، ولمسته برفق، وسألته:”هل كل شيء على ما يرام؟”. نظر غاي إليها، وعيناه يغشاهما الصور الباهتة. وفمه يبتلع التراب. ثم ألقى نظرة عميقة على الجميع قبل أن يدفنها بالأرض مجددا.

قالت الطبيبة للمسعف:”لا بد أنه يعاني من رضة وقلق ما بعد الهجوم. وهو بحاجة لرعاية فورية. الدقائق التالية لأي حادث هي المعول عليها”.

2290 موريا دايانولم يعجب المسعف أن يتلقى التعليمات من الطبيبة الشابة التي لا تزيد بعمرها عن عشرين عاما. ثم هي لا تضيف لمعلوماته شيئا. لم يكن متحمسا منذ البداية للقيام بهذه المهمة، وجاء رغما عنه، ودون أي معلومات عن الحالة. كان بوسعه أن يعالج الجروح الجسدية، ولكن هذا الصبي يعاني من مشاكل نفسية خطيرة أيضا. واتسعت الحلقة حول غاي وتحولت لأنشوطة تخنقه. بالإضافة لهيفتز صاحب الحقل، هناك سكان الموشاف، وطاقم الإعلام، وسيارات الشرطة وطبيبة الصحة الذهنية في المدرسة والتي استدعيت من بيتها الكائن في محلة مجاورة. ثم والد غاي، لسوء الحظ.

اقترب وبطنه تهتز أمامه وهو يصيح:”غاي، غاي. ماذا أصابك يا غاي؟. ماذا تفعل؟ انهض يا بني”.

و لم يقف غاي على قدميه ولم يصرف أنظاره. ولم يرد على كلام والده، ولا حتى حين هدهده بعناية فائقة، ولا عندما هزه بنوبة من الخوف كما لو أنه يشاهد عفريتا، ولا عندما رافق الأب الشرطة والإسعاف بعيدا عن الحشد وهو يلوح بذراعيه بعنف ويصيح:”سوف أقاضيكم! سوف أقاضيكم، أيها المرضى الحمقى. كيف يمكنكم أن تجروني بعيدا! كرامة لله، الا ترون أن ابني جن!”.

كان المسعف يبدو مصدوما وهو ينظر من الزاوية بانتظار شخص آخر ليمسك بالزمام. وقرر ناتان، أحد ضباط الشرطة، أن يفرض سطوته. فقال للمسعف:”ما هي المشكلة؟ لماذا لا يصعد الولد إلى الإسعاف”.

رد:”ألا ترى أنه يتكلم مع اللــه”.

سخر ناتان قائلا:”ألا يمكنه أن يتكلم معه وهو في الطريق إلى المستشفى؟. هيا بنا نرفعه إلى السيارة”. وتابع بلغة متسلطة:”سأباشر العد. حينما أبلغ رقم ثلاثة، سنرفعه معا. كل واحد منا يجره من ساق”.

واتخذ ناتان والمسعف وضعا قرب رأس غاي، ووقف هيفيتز وضابط شرطة آخر عند قدميه. ولكن تابع غاي تأتأته المتلعثمة.

صاح ناتان:”واحد، اثنان، و.... ثلاثة!”. ومد الرجال الأربعة أيديهم نحو أطراف الصبي. ولبث غاي جامدا أول الأمر. ولكن ما أن فارق الأرض، حتى أطلق صيحة تجمد الدم وأفلت هيفيتز الساق التي قبض عليها.

صاح ناتان:” أمسكه! هيا أمسكه! ولنتابع نحو سيارة الإسعاف”.

وحاول هيفتز أن يقبض على ساق غاي، وكانت ترتفع وتنخفض بسرعة البرق. واقترب ثلاثة آخرون ليشتركوا في جر غاي. ومع ذلك واصل زئير متوحش بالاندلاع من جوفه، واكتساح الأرض المحروثة.

وجه المصور الفوتوغرافي من واينيت نيوز عدسته على المشهد. فصاحت دافنا طبية المدرسة النفسية:”الصور ممنوعة! التصوير ممنوع”. وثبت غاي المصور بنظرة جليدية وتوقف عن التلويح بيديه وساقيه.

وقال عوضا عن ذلك بنبرة معدنية في صوته:”صور. صور. فهنا شيء كبير يجري”. وأضاف موجها كلامه لمن يجره:”وأنتم، أفلتوني فورا”. ضغط المصور على زر الكاميرا. وكانت الشمس تنفجر أمامهم. ودب النشاط في الشرطي ناتان وقال:”هيا إلى الإسعاف. إلى سيارة الإسعاف!”.

ولكن قاومه غاي وقال:”أفلتني. لدي شيء يجب أن أخبركم به”.

وصاحت دافنا:”أفلته. أفلته. لنستمع لما لديه. كفانا ما حصل، يكفينا هذا العنف. أنتم تسببون له المزيد من الألم فقط”.

ومرت في ذاكرة دافنا موجة مستمرة تستعرض المناسبات التي زارها بها غاي في مكتبها. إما بصفة متهم بفعل شائن، أو بسلوك غير مقبول، أو للتحقيق، أو للتجميد والطرد من المدرسة. وشعرت بشيء غير مريح في حنجرتها. إنها مسؤولة عن سلامته العاطفية، وهي المكلفة باستلام زمام صحته وعافيته. نعم. لقد نصحت والديه أكثر من مرة أو مرتين أن يفكروا بتوفير العلاج النفسي الشامل له، ولكن اقتراحها لاقى الرفض بكثير من الامتعاض. وهذا لا يخفف من المسؤولية التي تتحملها. كانت خائفة من الصبي. وكانت دائما تخاف منه. له نظرات متوحشة تلمع في عينيه. وشخصيته شجاعة. وحولت رعبها نحو المصور. قالت له:”عليك أن تنفذ الأوامر! أغلق الكاميرا. ألا تفهم؟”.

وصاح غاي:”بل صور. وأنتم: أفلتوني”.

وتململ الرجال الذين كانوا حول غاي. الشرطي ناتان، والذي كان يبذل كل قواه ليجبر الولد على الدخول في السيارة. والمرأة التي كانت تولول ليطلقوا سراحه. والمصور مع دليل الإثبات الذي بين يده والموجه إليهم. والتعب المخزي الذي تعاني منه الحلقة الأخطبوطية. وأخيرا الولد.. صوته. وجسمه الملتهب.

قال مجددا:”أفلتوني”.

وأفلتوه. فاستلقى غاي على الأرض. وهو منهك من الشعور بالإعياء والحنين.  فاقتربت منه دافنا وقالت:”غاي. أنت بحاجة للعناية والرعاية. ولكن لا نريد أن نحملك للمصحة عنوة. قلت لديك شيء لتخبرنا به. ماذا أردت أن تقول لنا؟”.

حسن غاي من وضعيته المستلقية، وجلس على الأرض، ويداه تعبثان بالتراب كما لو أنه يلهو بمسبحة. والتقط أنفاسه. ونظر الحشد بانتباه إليه. وانفجرت الكاميرا بومضة ساطعة.

وجاء صوت غاي يقول:”أنا غاي ابن سفيتلانا، رسول أتيت لشفاء أرواحكم”.

***

............................

* الترجمة من العبرية: ستيفن كوهين. Steven Cohen. وهو مترجم يعمل مع مجلة “الأدب العالمي اليوم”.

* موريا دايان كوديش  Moria Dayan Codish كاتبة ومحررة. صدرت أولى أعمالها بعنوان “السلاحف” عام 2018 عن دار كنيريت زمورا دفير.

  

خيري حمدانسيلفيا ستيفانوفا

Силвия Стефанова

ترجمة: خيري حمدان


В ухото на раковина,

في أذنِ المحارة

تلاطمُ أمواج البحرِ

في الأعينِ

ملحٌ ونجوم

أجِدُكَ، تجِدُني.

**

Пламъци бели

لهبٌ أبيضَ

برائحةِ الياسمين

صاعقةٌ تحرقُ الأرضَ

الطريقُ صنوُ الفراق.

**

Камък от тайни

حجرٌ من أسرار،

وسادةُ اللهفة.

ياقوتٌ أحمرَ

في أعلى الجبال.

**

Сини огньове в гора

حرائقٌ زرقاءَ في الغابة

شعلةٌ تائهة.

في الطريقِ

آثارُ ضباء

تبحثُ عن قلبِ غزال.

**

Река

نهرٌ

يخطُّ المحيطَ بالتراب

وهو يرسمُهُ

في مغيبٍ ناعس

 

على شواطِئِهم – حانَ وقتُ الحبّ.

**

Студена самота

وحدةٌ باردةٌ

تحكي الريح.

يتملّكُهُ الوجدُ

ملاطفة وتحنان.

اعترافٌ يسبقُ النوم.

***

...................

تعمل الأديبة سيلفيا ستيفانوفا في مجال الصحافة ومقدّمة برامج في راديو صوفيا. أنهت دراسة الأدب البلغاري في جامعة صوفيا "القديس كليمنت أوخريدسكي". أهم أعمالها الشعرية ديوان "الغريبة 2002"، "نبي متقاعد 2003"، "ظلال وجدانية، صدى من الشعر الياباني الكلاسيكي 2010"، ترجم هذا الديوان لليابانية وقدّم في طوكيو. "محكوم بالجمال 2013. وغيرها من الدواوين. نالت جائزة الآداب من جامعة بلغاريا الجديدة عام 2012. نالت جائزة شعر "الهايكو" في المهرجان الرابع في صوفيا.  

 

 

مها الاسطةكاثرين مانسفيلد

ترجمتها عن الإنكليزية: مها الأسطة

هل ترى ذلك المسمار الكبير على يمين الباب الأمامي؟ لا أكاد أقوى على النظر إليه حتى الآن ومع ذلك لم يكن في وسعي أن أجرؤ على انتزاعه من مكانه. أودّ اعتقادَ أنه كان دائماً هنالك، حتى بعد موتي. أحياناً أسمع الناسَ في الجوار يقولون: " لا بد وأن قفصاً كان يتدلـّى منه". ويريحني ذلك. أشعر أنه لم يخلد إلى النسيان تماماً.

ليس في مقدورك تصوُّرُ مدى روعة تغريده. لم يكن يشبه تغريد طيور الكناري الأخرى. وليس ذلك محض خيال ٍ من مخيلتي. اعتدتُ في أغلب الأحيان أن أرى من النافذة الناسَ يتوقفون عند البوابة ليصيخوا السمع، أو يستندون على السياج قرب نبتة البرتقال الزائف مبهورينَ لفترة طويلة تماماً.

يبدو الأمر،على ما أفترضُ، سخيفاً في نظرك ـ  لن يكون كذلك لو كنتَ قد سمعتـَه ـ بيد أنه بدا لي حقـّاً أنه كان يغني أغانيَ كاملةً ذات بداية وذات نهاية.

على سبيل المثال عندما أكون قد فرغتُ من الأعمال المنزلية في الأصيل، وغيَّرْتُ بلوزتي وأحضرتُ حياكتي إلى الفراندة هنا، اعتاد أن يواصل الوثب هنا وهناك من مجثم إلى آخر، وينقر القضبان وكأنه يجذب انتباهي، ويرتشف القليل من الماء كما يليق بمغنّ ٍ محترف، ثم يشرع في غناء أغنية في غاية الروعة إلى حدّ أنه كان لزاماً عليّ أن أنحّي إبرتي جانباً لأصغي إليه. ليس في مقدوري وصفها. أتمنى لو كان ذلك في مقدوري. كان الأمر دائماً يجري على المنوال نفسه كلَّ أصيل. وكنتُ أشعر أنني فهمتُ كل نغمة موسيقية منها.

أحببتـُه. كيف أحببتـُه! قد لا ينطوي ما  يحبّه المرء في هذا العالـَم على أهمية بالغة، غير أن الحبّ شيءٌ يتوجـّب على المرء. طبعاً كان ثمة دائماً منزلي الصغير والحديقة، بيد أنهما ولسبب ما لم يكونا كافيين قـَطّ. الأزهار تستجيب على نحو رائع غير أنها لا تتعاطف. ثم أحببتُ نجمة المساء. هل يبدو ذلك حماقة؟ دأبتُ على دخول الفِناء الخلفي، بعد غروب الشمس، وانتظارها إلى أن تشعّ فوق شجرة الصمغ القاتمة. اعتدتُ أن أهمس:" ها أنتذي يا حبيبتي"، وفي تلك الوهلة الأولى تماماً كانت تبدو وكأنها تشعّ لي وحدي. كان يبدو أنها تفهم ذلك...إنه شيء كالحنين، ومع ذلك فهو ليس حنيناً. أو كالأسف، إنه أقرب ما يكون إلى الأسف. ومع ذلك، الأسف على ماذا؟ لديّ الكثير مما يستوجب امتناني.

لكنني بعد أن دخل حياتي نسيتُ نجمة المساء. لم أعد في حاجة إليها. بيد أن الأمر كان غريباً. حين أتى الرجلُ الصيني إلى الباب ومعه طيور للبيع رفعه في قفصه الصغير وبدلا ً من أن يرفرف، يرفرف كالحَسَاسين الصغيرة المسكينة، أطلق سقسقة ً صغيرة خافتة، ووجدتُ نفسي أقول، تماماً كما كنتُ أقول للنجمة فوق شجرة الصمغ، " ها أنتذا يا حبيبي". ومنذ تلك اللحظة غدا مُلكي.

يدهشني حتى هذه اللحظة كيف تقاسم كلٌّ منّا حياته مع الآخر. في اللحظة التي كنتُ أنزل فيها إليه في الصباح وأرفع قطعة القماش عن قفصهِ، اعتاد أن يُحَيِّيني بتغريدة ناعسة صغيرة. وأعرف أنها كانت تعني "ربّة البيت! ربّة البيت!" ثم كنتُ أعلّقه على المسمار في الخارج ريثما أقدّم لشبابي الثلاثة وجبة إفطارهم، ولم أكن أعيدُهُ إلى الداخل قَطّ إلى أن يصبح المنزل لنا معاً. بعدئذٍ، وحين أفرغ من الغسيل، كان يصبحُ إلى حدٍّ بعيدٍ تسليةً صغيرة. كنتُ أفرُشُ صحيفةً فوق إحدى زوايا الطاولة وحين أضع القفص عليها اعتاد أن يخفق بجناحيه على نحو يائس وكأنه لا يعرف ماذا سيحدث.

واعتدتُ أن أوبّخه قائلةً: "أنتَ ممثّلٌ صغيرٌ محترف". كنتُ أكشطُ الصينية، وأرشُّها برمل ٍ طازجٍ، وأملأ آنيَتَي بذوره ومائه، وأدسُّ قطعةً من عُشْبِ الطير (1) ونصفَ قرنٍ من الفلفل بين القضبان. وأنا على تمام اليقين من أنه كان يفهم ويقدّر كُلَّ جزءٍ من هذا الأداء الصغير. أنتَ تُدْركُ أنه كان رائع الأناقة بالفطرة.  لم يكن ثمة لطخةٌ قَطّ على مجثمه. وكلُّ ما يتحتّم عليك القيام به هو رؤيته وهو يستمتع بحمّامِهِ، لتدركَ أنه كان ذا شغفٍ حقيقيٍّ صغير ٍ بالنظافة. كان حمّامُهُ آخرَ ما يتمُّ إعدادُهُ، وفي اللحظة التي كان يوضع فيها في القفص كان  يقفز إليه قَطْعاً. في البداية كان يرفرف بجناحٍ واحدٍ، ثم يُغَطِّسُ رأسَه ويبلّلُ ريشات صَدْرِه. وكانت قطرات الماء تتبعثر في جميع أنحاء المطبخ، بَيْدَ أنه ومع ذلك كان لا يزمع على الخروج. اعتدْتُ أن أقولَ له: "والآن، هذا يكفي تماماً. أنتَ تسعى إلى الاستعراض للتباهي فحسب". وأخيراً، كان يَحْجِلُ خارجاً، وبالوقوف على رِجْلٍ واحدةٍ كان يُجفِّفُ نَفْسَهُ بالنَّقْر. في نهاية المطاف، كان يختلجُ بهَزَّةٍ، وبضربةٍ خفيفةٍ سريعةٍ، وبتغريدةٍ، ثم يرفع حنجرته، وأوه بالكاد أقوى على تذكُّرِ ذلك. كنتُ دائماً أنظّفُ السكاكين في ذلك الوقت. وكان يبدو لي، على وجه التقريب، أن السكاكين كانت تغنّي أيضاً حين كنتُ أفركُها إلى أن تشعَّ على اللوح الخشبي.

العِشْرَة، على ما ترى. ذلكَ ما كانه. العِشْرَة الكاملة. إذا كنتَ قد عِشْتَ وحيداً، فسوف تدرك قيمة ذلك. طبعاً كان هنالك شبابي الثلاثة الذين كانوا يأتون لتناول العشاء كلَّ مساء، وكانوا أحياناً يمكثون في حجرة الطعام بعد ذلك وهم يقرؤون الصحيفة. بَيْدَ أنني لم يكن في وسعي أن أتوقّع منهم إيلاء اهتمامٍ بالأمور الصغيرة التي كانت تصبغ يومي بالبهجة. ولِمَ يتحتّمُ عليهم ذلك؟ لمْ أكنْ شيئاً في نظرهم. في الواقع، سَمِعْتُهُمْ بالمصادفة ِ ذات مساءٍ يتحدّثون عنّي على الدرجِ على أنني "الفزّاعة" (2). لا أهمّيَّة لذلك. الأمر غير مهمّ. على الإطلاق. أتفهّمُ الأمرَ تماماً. إنهم شباب. ولِمَ يتحتّمُ عليَّ أن أجدَ بأساً في ذلك؟ بَيْدَ أنني أتذكر شعوري بالامتنان على نحوٍ استثنائي لأنني لم أكن وحيدةً تماماً في المنزل ذلك المساء. أخْبَرْتُهُ بعد ذهابهم قائلةً: "هل تعرف ماذا يسمّون ربَّةَ البيت؟". فأمال رأسَه جانباً ونظر إليَّ بعينه الصغيرة البرّاقة إلى أن عجزتُ عن منع نفسي من الضحك. وبدا أن ذلك سلاّه.

هل ربَّيْتَ طيوراً؟ إذا لم تكن قد فعلتَ، فكلّ ذلك يجب أن يبدو مبالَغاً فيه، ربّما. لدى الناس فكرةٌ مفادُها أن الطيور لا قلوب لها، أنها مخلوقات صغيرة باردة، وأنها تختلف عن الكلاب والقطط. المرأة التي تغسل الملابس لي بالأجرة اعتادت أن تقول لي أيام الإثنين عندما كانت تتساءل لِمَ لا أربّي "تَرْيرَ (3) ثعالبَ قريباً إلى النفس": " لا توجد راحة يا آنستي في طائر كناري". هذا غير صحيح. غير صحيح على الإطلاق. أتذكّرُ ذات ليلة. كنتُ قد حلِمْتُ حلماً مُرَوِّعاً للغاية. الأحلام قد تكون شديدة القسوة. حتى بعد استيقاظي لم يكن في مقدوري التعافي منه.

لذا، وضعتُ عليَّ ردائي المنزليَّ ونزلتُ إلى المطبخ لتناول كأس ٍ من الماء. كانت ليلة شتويّةً وكانت الأمطار تهطل بغزارة. وأعتقد أنني كنتُ لا أزال نصفَ نائمةٍ، ولكنْ من خلال نافذة المطبخ، التي لم تكن مغطّاةً بستارة، بدا لي أن الظلامَ كان يحدِّقُ إلى الداخل، يتجسَّس. وعلى حين غرّة أحسَسْتُ أنّ افتقاري إلى وجودِ مَنْ في وسعي أن أقولَ له: "حلمتُ حلماً مُرَوِّعاً للغاية" أو..أو.."خبِّئني من الظلام" كان أمراً فوق طاقة احتمالي، وغطَّيْتُ وجهي لمدة دقيقة حتى. وحينئذٍ، أتتْ "يا حُلوتي! يا حُلوتي" صغيرة. كان قفصُهُ على الطاولة، وكانت قطعةُ القماشِ قد انزلقَتْ عنه بحيث شعَّ منها شِقٌّ من الضوء. وقال الرفيقُ الحبيبُ الصغيرُ مرة ثانيةً: " حُلوتي! حلوتي!" برفق ٍ قَدْرَ ما أراد القولَ: "أنا هنا يا ربّةَ البيتِ! أنا هنا!". وكان ذلك مُريحاً على نحوٍ جميلٍ إلى درجةِ أنني كدتُ أنخرطُ في البكاء. والآن لقد مات. لن أقتني أبداً طائراً آخرَ، أو حيواناً أو طائراً مُدَلَّلاً آخرَ أيّاً كان نوعه. كيف يمكنني ذلك؟ عندما وجدْتُهُ مستلقياً على ظهره باهتَ العَيْنِ، مَلْوِيَّ المخالب، وعندما أدْرَكْتُ أنني لن أسمع أبداً مرةَ أخرى حبيبي يغنّي، بدا أنَّ شيئاً مات في داخلي. وشعرْتُ أن قلبي غدا خاوياً وكأنَّهُ كان قَفَصَه.

سوف أتعافى من ذلك. طبعاً. هذا ما ينبغي عليَّ. في وسع المرء أن يتعافى من أيِّ شيءٍ بمرور الوقت. والناس يقولون دائماً إنّ لديَّ حَسْماً مَرِحاً. وهم مُحقّون تماماً. وأشكر ربّي على ذلك. ومع ذلك، ودون أن أكون مفرطةً في الكآبة، وأفسح المجال لـ - للذكريات وهكذا دوَالَيْكَ، يتحتّمُ عليَّ الاعترافُ بأنّه يبدو لي فعلاً أن ثمة شيئاً حزيناً في الحياة. من الصعب القولُ ما هو. لا أقصد الأسى الذي نعرفه جميعاً، كالمرض والفقر والموت. كلاّ. إنه شيءٌ مختلف. إنه موجود هنالك، في أغوار النَّفْسِ، في أغوار النَّفْسِ، جزءاً من المرء، كَتَنَفُّسِه.

ومهما عملتُ بجدٍّ وأرهقْتُ نفسي، فإنه يتحتَّمُ عليَّ التوقُّفُ فحسب لأعرف أنه هنالك، ينتظر. وغالباً ما أتساءل ما إذا كان الشعورُ نفسُهُ ينتابُ كلَّ شخص. ليس في مقدور المرء أن يعرف أبداً. ولكنْ، أليس أمراً استثنائيّاً أنَّ تحتَ غنائه العذبِ البهيجِ الصغيرِ كان هذا الحزن فحسب؟ آه. ما هو؟ ما سمِعْتُه.   

***

.....................

(1) عُشْبُ الطير: عُشبٌ تأكلُ الطيرُ وَرَقَهُ وَحَبَّهُ. (المورد).

(2) الفزّاعة: ما يُنْصَبُ في المزرعة تخويفاً للطير. (المورد).

(3) تَرْيَر الثعالب: كلب صغير من كلاب الصيد. (المورد).

..........................

كاثرين مانسفيلد (1888- 1923):

أبصرتْ كاثرين مانسفيلد، وكان اسمها الأصلي كاثلين مانسفيلد بوشامب، النورَ في ثورندُن في ويلينغتن/ نيوزيلندا في الرابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1888، ووافاها أجلُها قرب بلدة فونتانبلو الواقعة جنوب شرق باريس، في 9 يناير/كانون الثاني 1923، عن عمر يناهز الرابعة والثلاثين.

وبين هذين التاريخين، وفي غضون هذا العمر القصير، استطاعت أن تحجزَ لنفسها مكاناً في خريطة الأدب ككاتبة قصة قصيرة حداثيّة متميزة ومرموقة في القرن العشرين، حسب تصنيف العديد من النقاد ومؤرخي الأدب.

أدبيّاً، كان اهتمامُها منصَبّاً على وجه الخصوص على الشعراء الفرنسيين الرمزيين والقاص والمسرحي الإيرلندي، أوسكار وايلد. وقد قُيِّضَ لها لاحقاً، مَنْ لَفَتَ نظرها إلى كتابات القاصِّ الروسيِّ الأشهر، أنطون تشيخوف، التي تركت أثراً بالغاً في نفسها.

في عام 1903 انتقلت إلى لندن، حيث التحقت بكلية "كوينز كوليج"، وهناك بدأت تساهم في صحيفة الكلية. وبين عامي 1903 و1906، سافرت إلى أوروبا وأقامت على نحو رئيسي في بلجيكا وألمانيا. وبعد انتهاء دراستها في إنكلترا عادت إلى نيوزيلندا ووقتها فحسب بدأت جدِّيَّاً تكتب القصص القصيرة. كانت قد نشرت عدة أعمال في "نيتيف كومبانيون" في أستراليا، وكانت تلك أول مرة تتقاضى فيها أجراً عن كتاباتها، وقرَّ قرارُها على أن تصبح كاتبة محترفة. وكانت تلك أيضاً أول مناسبة تستخدم فيها اسمَها المستعارَ: كاثرين مانسفيلد. 

وبعد سنتَيْن رجعت إلى لندن، وخصص لها والدُها مبلغ 100 جنيه على أساس سنوي حتى وفاتها. ولم يُقيَّضْ لها الرجوع إلى نيوزيلندا مرة أخرى قطّ بسبب إصابتها بالسّلّ الرئويّ، كما سنرى لاحقاً. في يناير/كانون الثاني 1910،  قابلت محرر مجلة "نيو إيج"، ألفرد ريتشارد أوريج، الذي أدرج بعض قصصها القصيرة في مجلته. 

وفي العام نفسه، تعرّفت إلى جون ميدلتون مَري، وهو محرر مجلة طليعية تدعى "الإيقاع"، وبدأت تنشر فيها، وفي عام 1911 بدأ الاثنان علاقة عاطفية تتوَّجَتْ بالزواج عام 1918،  بعد إنهاء إجراءات طلاقها من زوجها الأول، وكان مدرّسَ غناءٍ يدعى جورج باودِنْ، وكانت قد تركَتْهُ في ليلة الزفاف نفسها. 

وكانت كاثرين وجون على صداقة مع الروائيّ والقاصّ المتميّز وأحد أعمدة الأدب الإنكليزي الباسقة، دي إتش لورانس وزوجته فريدا ويكلي، وقد جمعتهما صداقة مع الروائيّة والقاصّة الشهيرة فيرجينيا وولف وزوجها ليونارد وولف أيضاً.

مع ذلك، كانت علاقة كاثرين وجون، مع بعضهما بعضاً، قائمةً على مَدٍّ وجَزْر.

في عام 1911 نشرت مجموعتها القصصية الأولى، " في نُزُل ألماني"، وقد لفتتْ هذه المجموعة أنظار فيرجينيا وولف فكتبت عنها تقريراً جعل سمعة كاثرين كقاصّةٍ تحلّق في سماء الشهرة. نُشِرَتْ مجموعتها القصصية الثانية، "سعادة"، عام 1920، تبعتها مجموعتها القصصية "حفلة الحديقة وقصص أخرى"عام 1922. و"حفلة الحديقة" واحدة من أشهر قصصها.

في ديسمبر/كانون الأول 1917، تمّ تشخيص وضعها الصحّي المتردّي على أنها مصابة بالسلّ الرئوي. كانت في سنواتها الأخيرة غزيرة الإنتاج، وكأنها تسابق الموت. في 7 يوليو/تموز 1922، وفي سويسرا، أكملت كاثرين قصة "الكناري"، الموجودة بين أيدينا، وكانت آخر قصة قصيرة تكملها، ونُشِرَتْ في صحيفة "ذا نيشن آند أثينيوم" في 21 إبريل/نيسان 1923، أي بعد وفاة كاثرين بأكثر من ثلاثة أشهر، ثم ظهرت لاحقاً في مجموعتها "عُشُّ اليمام وقصص أخرى".  

في 9 يناير/كانون الثاني 1923، وفي فرنسا، عانت كاثرين من نزف رئويٍّ جرّاء صعودها مجموعة من درجات السُّلَّمِ راكضةً، وفي غضون ساعة من ذلك كانت قد أسلمَتْ روحَها. ولأن جون "نسِيَ" أن يدفع تكاليف جنازتها، دُفِنَتْ في مقبرة الفقراء المُعْوِزين. غير أن الأمور صُحِّحَتْ ونُقِلَ تابوتها إلى مثواها الأخير الحالي في مقبرة أفون قرب بلدة فونتانبلو الواقعة جنوب شرق باريس.

حين أسلمت روحها، كانت لديها أعمال كثيرة لم تجد طريقها إلى النشر،إلاّ أنّ جون أخذ على عاتقه مهمة تحريرها ونشرها بعد وفاتها في مجموعتي قصص قصيرة: " عشُّ اليمام" (1923)، و"شيء صبياني" (1924)، ومجموعة شعرية، ومجموعة مراجعات كتب بعنوان "روايات وروائيّون"، ومجموعات من رسائلها ويومياتها.  

 

 

عادل صالح الزبيديلورنس فيرلنغيتي

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

ويل لأمة

(محاكاة لخليل جبران)

ويل لأمة شعبها غنم

ورعاته يضللونه

ويل لأمة قادتها كذابون، وحكماؤها صامتون

ومتطرفوها يهيمنون على وسائل الإعلام

ويل لأمة لا ترفع صوتها

الا لتهلل للغاصبين ولتعلن المستبد بطلا

وتطمح الى حكم العالم بالقوة وبالقمع

ويل لأمة لا تعرف لغة غير لغتها

2271 لورنس فيرلنغيتيولا ثقافة غير ثقافتها

ويل لأمة تتنفس المال

وتنام نوم المتخمين

ويل لأمة –أوه، وويل لشعب 

يدع حقوقه تتآكل

وحرياته تجرفها المياه

يا وطني، إنها دموعك

يا ارض الحرية الجميلة!

***

....................

لورنس فيرلنغيتي (1919-2021): شاعر ورسام وناشط اجتماعي وسياسي أميركي واحد مؤسسي الحركة الطليعية التي عرفت بجيل الإيقاع (Beat Generation) في سان فرانسيسكو أواسط خمسينيات القرن العشرين. أسس مكتبة لبيع كتب الجيب ودار نشر باسم (أضواء المدينة) أسهمتا في تطور وانتشار الحركة وفي نشر دواوين أبرز شعراء تلك الفترة. نشر أول مجموعة شعرية له بعنوان (جزيرة كوني العقلية) في عام 1958 أصبحت المجموعة الأشهر والأكثر مبيعا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. من عناوين مجموعاته الأخرى: (البدء من سان فرانسيسكو) 1961؛  ((المعنى السري للأشياء)) 1970؛ (الحب ليس حجرا على القمر)) 1971؛ (من نحن الآن) 1976؛ و(الشعر بوصفه فنا متمردا) 2007. نترجم قصيدته هذه بمناسبة وفاته في الثاني والعشرين من الشهر الحالي عن عمر 101 عاما.

 

 

تامي الشيخ عليفيرجينيا وولف

ترجمة: تامي الشيخ علي


"إلى سِسي مِلَر". ملتقطاً دبّوسَ الزينةِ المصنوعَ من اللؤلؤ والقابعَ بين مجموعةٍ من الخواتم ودبابيس الزينة على منضدة صغيرة في غرفة استقبال زوجته، قرأ غيلبرت كلاندُن الإهداء: " إلى سِسي مِلَر، مع حُبّي".

من خصائص آنجِلا المميَّزَةِ أن تتذكّر حتى سِسي مِلَر، سكرتيرتها. مع ذلك، فكَّرَ غيلبرت كلاندُن مرةً أخرى كم كان غريباً أنها تركتْ كلَّ شيءٍ في ترتيب هائل: هدية صغيرة من نوع ما لكلِّ واحدةٍ من صديقاتها، حتى لكأنها كانت قد تنبَّأت باقتراب أجَلِها. ومع ذلك، كانت موفورةَ الصحّةِ تماماً حين غادرتِ المنزلَ ذلك الصباح، قبل ستة أسابيع، واجتازتْ حافَّةَ الرصيفِ في بيكاديلي فأزْهَقَتِ السيارةُ روحَها.

كان ينتظر سِسي مِلَر. كان قد سألها الحضورَ إذ شعر أنه مدينٌ لها، بعد كلِّ السنين التي قَضَتْها معهما، برمز التقدير هذا. أجَلْ، تابعَ التفكيرَ، فيما كان يجلس هناك منتظراً، كان أمراً غريباً أنَّ آنجِلا تركتْ كلَّ شيءٍ في ترتيب هائل. كانت كلُّ صديقةٍ قد تُرِكَ لها تذكارٌ من عاطفتها. كلُّ خاتمٍ، كلُّ عِقدٍ، كلُّ علبةٍ صينيَّةٍ صغيرةٍ، وكانت مولَعَةً بالعُلبِ الصغيرة، كانت تحمل اسماً عليها. وكانت لكلٍّ منها ذكرى بالنسبة إليه. هذه كان قد أعطاها إيّاها. وهذا، الدولفين المطليّ بالمينا ذو العينين الياقوتيّتيْن، كانت قد انقضَّتْ عليه متلهِّفَةً في شارعٍ خلفيٍّ في مدينة البندقية. كان في ميسوره تذكُّرُ صيحة بهجتها الصغيرة. أما له، بالطبع، فلم تترك شيئاً على وجه الخصوص، اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلّق بيوميّاتها. خمسة عشر كتاباً مُجَلَّداً بتجليدٍ أخضر كانت تنتصب وراءه على منضدة كتابتها. منذ أن تزوَّجا كانت تواظب على كتابة يوميّاتها. وبعضٌ مِنْ - لم يكن في مقدوره أن يسمّيها مشاجراتهما - فلنقل مشاحناتهما الطفيفة القليلة للغاية، كانت حول هذه اليوميات. عندما كان يدخل عليها ويجدها تكتب، كانت دائماً تغلقها أو تضع يدها فوقها وكان في مقدوره سماعها تقول: " لا، لا، لا. ربّما بعد موتي". وهكذا خلَّفَتْها له كَتَرِكَةٍ منها. كانتِ الأمرَ الوحيدَ الذي لم يكن مُشْتَرَكاً بينهما حين كانت على قيد الحياة. بّيْدَ أنه كان دائماً يعتبر أن من البديهيّ أنها ستُعَمِّرُ أكثرَ منه. ولو توقَّفَتْ لحظةً واحدةً وأعمَلَتْ تفكيرها فيما كانت مُقْدِمَةً عليه، لكانت الآن في عِدادِ الأحياء. غير أنها كانت قد خَطَتْ مباشَرَةً فوق الحاجز الحجري للرصيف نحو الشارع، على حدِّ ما قال سائق السيارة في التحقيق. لم تُعْطِهِ فرصةً للتوقُّف. وهنا قطَعَتْ عليه تفكيرَهُ أصواتٌ تعالَتْ في القاعة.

قالت الخادمة:

- الآنسة مِلَرْ يا سيدي.

دخلتْ. لم يكن قد رآها لوحدها قطّ طيلة حياته، ولا دامعة العينَيْن طبعاً. كان الحزن قد ألمَّ بها أيّما إلمام. ولا غَرْوَ. فقد كانت آنجِلا بالنسبة إليها أكثر من ربَّةِ عمل بكثير. كانت صديقة. وفكّرَ في قرارة نفسه، وهو يدفع كرسيّاً إليها ويطلب منها الجلوس، أنه يصعبُ أن ترى فيها ما يُميِّزها عن أية امرأة أخرى من مثيلاتها. كانت ثمة آلاف من سِسي مِلَر، نساء ضئيلات القامة مُتَّشِحات بملابس سوداء رثة يحملن حافظات أوراق. بَيْدَ أن آنجِلا، بعبقريّتها في التعاطف، كانت قد اكتشفتْ كلَّ الخِصالِ الحميدةِ الموجودة في طبيعة سِسي مِلَر. كانت نموذجَ التعَقُّلِ مُجَسَّداً، صَموتاً للغاية، وموضعَ ثقةٍ إلى حدٍّ بعيدٍ، وفي وسع المرء أن يخبرها بأيِّ شيءٍ وما إلى ذلك.

لم يكن في مقدور الآنسة مِلَر التحدُّثُ في بداية الأمر. جلست هناك تجفف عينيها بمنديلها. ثم بذلت جهدَها للتحدُّثِ قائلةً:

- اعذرني سيّد كلاندُنْ.

فتمتمَ بما معناه أنه طبعاً يتفهّمُ الموقف. كان الأمر طبيعيّاً فحسب. كان في مقدوره أن يحزر مدى ما كانت زوجتُه تعني بالنسبة إليها. قالت وهي تُجيلُ الطَّرْفَ حولها:

- لقد كنتُ في غاية السعادة هنا.

واستقرَّتْ عيناها على منضدة الكتابة الموجودة ِ وراءه. كان هذا هو المكان الذي كانتا تعملان فيه سَوِيَّةً، هي وآنجِلا، إذ كان لآنجِلا نصيبُها من الواجبات التي تُلقى على عاتق زوجة سياسيٍّ بارز. وكانت خيرَ عَوْنٍ له في مِهْنَتِه.  ولطالما أبصرها وسِسي جالستَيْنِ إلى تلك المنضدة، وسِسي أمام الآلة الكاتبةِ وهي تُدَوِّنُ الرسائلَ التي تُمليها عليها آنجِلا. ولا ريبَ في أنَّ الآنسة مِلَر كانتْ تفكّر بذلك أيضاً. والآن، كانَ كلَّ ما يتحتَّمُ عليه القيامُ به إعطاؤها دبّوسَ الزينة الذي ترَكَتْهُ زوجتُهُ لها. وبدت هذه الهدية غير مناسبة إلى حدٍّ ما. ربما كان أجدى بها لو تركت لها مبلغاً من المال، أو حتى الآلة الكاتبة. بَيْدَ أن ذلك هو ما كان موجوداً: " إلى سِسي مِلَر، مع حُبّي". تناول الدبّوسَ وأعطاها إيّاه مع الكلمة الصغيرة التي كان قد أعدَّها. قال إنه كان يعرف أنها ستُقَدِّرُهُ حقَّ تقديره، فلطالما ارتَدَتْهُ زوجتُه. وردَّتْ وهي تأخذه، وكأنها هي أيضاً كانت قد أعدَّتْ على وجه التقريب كلمةً، قائلةً إنه سيكون دائماً من ممتلكاتها الثمينة. كان يتصوَّرُ أنّ لديها ثياباً أخرى لو وَضَعَتْ عليها دبّوساً من اللؤلؤ فلن يبدو غير مناسبٍ تماماً. كانت ترتدي المعطف الأسود الصغير والتنورة اللذين كانا يبدوان بذلة مهنتها النظاميّة. ثم تذكَّرَ... كانت في ثياب الحِداد بالطبع. كانت لها، هي أيضاً، مأساتها، فقد توفي أخٌ لها كانت قد كرَّسَتْ له نفسها، وكان ذلك قبل وفاة آنجِلا بأسبوع أو أسبوعَيْنِ فقط. هل كانت وفاته جرّاء حادث؟ لم يكن في وسعه التذكُّر. كلُّ ما تذكَّرَهُ هو آنجِلا تُخبرُه بذلك. آنجِلا، بنزعتها المميَّزَة إلى المشاركة الوجدانيّةِ، كانت في غاية الاضطراب. أثناء ذلك كانت سِسي مِلَر قد نهضتْ. كانت ترتدي قفّازَيْها. كان من الواضح أنها شعرتْ بضرورة ألّا تُثقل عليه. بَيْدَ أنه لم يكنْ في وسعه أن يدعها تغادر دون ذِكْرِ شيء عن مستقبلها. ماذا كانت خططها؟ هل كانت ثمة أية طريقة يمكنهُ بموجبها إسداءُ العَوْنِ لها؟

كانت تحدّقُ إلى المنضدة، التي كانت تجلس إلى آلتها الكاتبة الموضوعةِ عليها، حيث تقبع اليوميّات. ولأنها كانت تائهة في ذكرياتها عن آنجِلا لم تُجِبْ  في الحالِ على اقتراحه بوجوب إسداء يد العَوْنِ لها. وبدت للحظةٍ أنها لم تعِ ما قال. لذلك كرَّرَ قائلاً:

- ما هي خِطَطُكِ آنسة مِلَر؟

فهتفتْ قائلةً:

- خِططي؟ أوه إنها على ما يُرام يا سيّد كلاندُن. أرجوك لا تضايق نفسَك بي.

ففَهِمَ من ذلك أنها ترمي إلى القول إنها ليست في حاجة إلى مساعدة ماليّة. وأدرك أنه كان يَحْسُنُ به أن يعرض أيَّ اقتراح من هذا القبيل في رسالة. كلُّ ما كان في مقدوره القيام به الآن هو القول وهو يشدُّ على يدها:

- تذكّري، آنسة مِلَر، أنه إن كانت ثمة أية طريقة يمكنني بموجبها أن أسديَ لكِ العَوْنَ، فسيكون ذلك مدعاةً لسروري.

ثم فتح الباب. وللحظةٍ توقفتْ على عتبته وكأنّ فكرةً طارئةً كانت قد خَطَرَتْ ببالها على حين غِرَّةٍ، وقالت وهي تنظر إليه مباشَرَةً للمرة الأولى:

- سيد كلاندُن. إذا كان ثمة ما يمكنني القيام به، في أي وقت، لأسدي لك عَوْناً، فتذكّر أن ذلك سيكون مدعاةً لابتهاجي، كُرْمى لزوجتك.

وللمرة الأولى، أدهَشَهُ التعبير الحاني والباحث في الوقت نفسه الذي ارتسم في عينيها.

ومضتْ بعد أن قالت ذلك. كانت كلماتها والنظرة التي رافقتها خارج نطاق توقّعاته. وكأنها، على وجه التقريب، كانت تعتقد، أو تأمل، أنه سيحتاجها. وخامَرَتْهُ فكرة غريبة، وخيالية ربما، فيما كان يعود إلى كرسِيِّه. أكان من الممكن، طيلة تلك السنوات كلِّها التي قلّما لاحظها فيها، أنها كانت، على حدّ تعبير الروائيِّيِن، تُكِنُّ له هوىً في نفسها؟ لَمَحَ صورته في المرآة حين مرَّ أمامها. كان عمرُهُ يُنيفُ على الخمسين، بَيْدَ أنه لم يكن في مقدوره الكفُّ عن الاعتراف بأنه لا يزال، كما أرَتْهُ المرآةُ، رجلاً متميِّزاً للغاية.

قال نِصْفَ ضاحك: "يا لَسِسِي مِلَرْ المسكينة!". لَكَمْ كان سيودّ مشاركة هذه النكتة مع زوجته! والتفتَ إلى مذكَّرَاتِها على نحوٍ غريزيّ. قرأ وهو يفتحها عشوائيّاً: " بدا غيلبرت في غاية الروعة." وبدا ذلك وكأنها أجابت على سؤاله. طبعاً كانت ترمي إلى القول إنك جذّابٌ للغاية في نظر النساء. وطبعاً سِسِي مِلَرْ شعَرَتْ بذلك أيضاً. وتابع القراءة: "كم أحسُّ بالفخر لكَوْني زوجتَهُ!". ولقد كان دائماً في غاية الفخر لكَوْنِهِ زوجَها! ولطالما، حين كانا يتناولان العشاء خارج المنزل في مكان ما، نظر إليها عَبْرَ المائدة وقال في دخيلة نفسه: إنها أجمل امرأةٍ هنا. وتابع القراءة: في تلك السنة الأولى كان مُرَشَّحاً لعضويّة البرلمان. وكانا قد قاما بجولةٍ في منطقة ناخبيه. "عندما جلس غيلبرت، كان التصفيق هائلاً. ونهض الجمهورُ بأكمله وغنّى (لأنه رجلٌ طيّبٌ إلى حدٍّ بعيد). وعجزتُ عن التحكُّمِ في مشاعري". تذكَّرَ ذلك أيضاً. كانت جالسة على المنصَّةِ بقربه، ولا يزال في مقدوره أن يُبْصِرَ تلك النظرة التي رَمَقَتْهُ بها، وكيف كانت عيناها مُغْرَوْرِقَتَيْنِ بالدموع. وبعد ذلك؟ قلب الصفحات. كانا قد ذهبا إلى مدينة البندقيّة. واستعاد ذكرى تلك العطلة السعيدة بعد الانتخابات. "تناولنا المثلوجات في مقهى فلوريان" (1). ابتسم. كانت لا تزال طفلة جدّاً. كانت تعشق المثلوجات. "سرَدَ لي غيلبرت تقريراً ممتعاً للغاية عن تاريخ مدينة البندقيّة. أخبرني بأن الأدواج (2)......... ". كانت قد كتبت كلَّ ذلك بخطِّ يدها الشبيه بخطِّ تلميذة مدرسة. إحدى متع السفر مع آنجِلا هي أنها كانت توّاقةً للغاية إلى التعلُّم. واعتادت القولَ إنها كانت جاهلةً إلى حدٍّ مريع، وكأن ذلك لم يكن من  مُقَوِّمات سِحْرِها. وبعد ذلك، فتح المُجَلَّدَ التالي، كانا قد عادا إلى لندن. "كنتُ جِدَّ متلهِّفة لتَرْكِ انطباع طيِّبٍ عنّي، فارتديتُ ثوب زفافي". كان في مقدوره الآن أن يبصرها جالسةً قرب السِّير إدوارد العجوز، منتزعةً إعجاب ذلك المُسِنِّ المرعب، رئيسِه. وتابع القراءة على جناح السرعة وهو يقوم بتركيب المَشَاهِدِ مَشْهَداً إثرَ مشهدٍ مِنْ نُتَفِها المُشظّاة.

"تناولنا العشاء في مجلس العموم، ثم ذهبنا إلى حفلة مسائية في لاف كروفز. وسألتني الليدي  (ل) إن كنتُ قد أدركتُ حجم المسؤولية الملقاة على كاهلي باعتباري زوجة غيلبرت؟". ثم مع مرور السنين، تناول مُجَلَّداً آخر من منضدة الكتابة، كان انهماكُهُ بعمله قد ازداد باضطرادٍ. وكانت هي، بالطبع، وحيدةً في أغلب الأحيان. ولشدَّ ما كان يحزُّ في نفسها، على نحو واضح، أنهما لم يكونا قد رزقا بأطفال. ووَرَدَ في إحدى التدوينات" لَكَمْ أتمنّى لو كان لغيلبرت ابن!". وكان من الغرابة بمكان أنه هو نفسه لم يتحسَّرْ على ذلك قَطّ. كانت الحياةُ زاخرةً للغاية، وغنيَّةً للغاية كما كانت. في ذلك العام كان قد أُعطيَ منصباً ثانويّاً في الحكومة. مجرَّد منصب ثانويٍّ، بَيْدَ أنّ تعليقها كان: "أنا واثقة تمام الثقة الآن أنه سيصبح رئيسَ وزراء". في الواقع، لو كانت الأمور قد جرَتْ على نحوٍ مختلفٍ لكان من الممكن أن يحصل ذلك. وتوقّف هنا ليتفكّر في ما كان يمكن أن يحصل. كانت السياسة قماراً، فكَّرَ مَلِيَّاً، غير أن اللعبة لم تنته بعد. ليس في سِنِّ الخمسين. أدارَ عينيه بسرعة فوق المزيد من الصفحات المُتْرَعَةِ بالصغائر، الأمور اليوميّة السعيدة التي لا تحمل أية أهمية، والتي كوَّنَتْ حياتَها. تناول مُجَلّداً آخرَ وفتحه على نحوٍ عشوائيّ. " يا لي من جبانة! لقد تركتُ الفرصةَ تضيع مرة أخرى. بَيْدَ أنني أحسستُ أنه من الأنانية أن أُثْقِلَ عليه بأموري الخاصة ولديه ما لديه من المشاغل. وصرنا قلَّما نقضي مساءً لوحدنا". ماذا يعني ذلك؟ أوه. ها هو التفسير. إنها تشير إلى عملها في منطقة الـ "إيست إند". "استَجْمَعْتُ شجاعتي وتحدَّثْتُ مع غيلبرت في نهاية المطاف. كان في غاية اللطف وفي غاية الطيبة. ولم يُبْدِ أيَّ اعتراض". تذكَّرَ تلك المحادثة. كانت قد أخبَرَتْهُ بأنها تشعر بأنها عاطلة للغاية وعديمة النفع للغاية وتمنَّتْ أن يكون لديها عملٌ خاصٌّ تقوم به. كانت تودُّ القيام بعملٍ ما - وتذكَّرَ كيف احمرَّ وجهها خجلاً على نحوٍ فاتنٍ للغاية حين قالت ذلك وهي جالسة على ذلك الكرسيِّ بالذات - لمساعدة الآخرين. كان قد مازحها بعض الشيء. ألا يكفيها عملاً الاعتناءُ به والاعتناءُ ببيتها؟ مع ذلك، إذا كان العمل يسلّيها فبالطبع لا اعتراض لديه. وماذا كان؟ في مقاطعة ما؟ في لجنة ما؟ فقط كان لزاماً عليها أن تقطع الوعدَ على نفسها بألّا تُسْقِمَها بالعمل. وهكذا بدا أنها كانت تذهب إلى "وايت تشابل" كلَّ أربعاء. وتذكَّرَ كم كان يكره الملابس التي كانت ترتديها في تلك المناسبات. بَيْدَ أنها كانت قد أخذت الأمر على محمل الجدِّ تماماً، كما بدا. كانت يوميّاتُها مُتْرَعَةً بإشارات مثل هذه: "رأيتُ السيدة جونز...لديها عشرةُ أطفال...زوجُها فَقَدَ ذراعه في حادث...بذلْتُ قُصارى جهدي لإيجاد عمل من أجل لِلِي." وواصلَ تَخَطِّي الصفحات. وطفقَ تكرارُ اسمه يقلّ. ففَتَرَ اهتمامُه. ولم تَعْنِ له بعضُ القطعِ المُدَوَّنَةِ  أيَّ شيء. على سبيل المثال: " حدثتْ مناقشة حامية عن الاشتراكية مع ب.م." مَنْ كان ب.م.؟؟ واستغلق عليه إلى ماذا يرمز هذان الحرفان الاستهلالِيَّان(3). وافترض أنها قد تكون امرأةً ما قابلتها في إحدى لِجانِها ربّما. " شنَّ ب.م. هجوماً عنيفاً على الطبقات العليا....رجعتُ مع ب.م. بعد الاجتماع وحاولتُ إقناعَه. غَيْرَ أنَّه ضيِّق الأفق للغاية." إذن كان ب.م. رجلاً (4). ومن دون ريب واحداً من أولئك "المفكّرين"، كما يُسَمُّون أنفسَهم، بالغي العنف، كما قالت آنجِلا، وضيِّقي الأذهان. كانت، كما هو واضح، قد دَعَتْهُ إلى المجيء ومقابلتها. "جاء ب.م. إلى العشاء. وصافح ميني.!". وأعطت علامةُ التعجُّبِ فَتْلَةً أخرى للصورة الذهنيّة التي رسمها في خياله. بدا أنّ ب.م. لم يكن معتاداً على خادمات الضيوف في البيوت. كان قد صافح ميني. لعلّه كان واحداً من أولئك العمال الودعاء الذين يفصحون عن آرائهم في صالونات السيّدات. كان غيلبرت يعرف هذا النمط  ولا يُكنُّ مَيْلاً إلى هذه العيّنة الشخصيّة أيّاً كان ب.م. وها هو ذا يظهر مرّة أخرى: "ذهبتُ مع ب.م. إلى برج  لندن. قال إن الثورة قادمةٌ لا محالة. وقال إننا نعيش في جَنَّةِ الحمقى". كان ذلك هو تماماً نوع الأشياء التي سيقولها ب.م. كان في مقدور غيلبرت أن يسمعه. وكان في مقدوره أيضاً أن يراه بوضوح تام. رجلٌ قصيرُ القامة وبَدِينٌ، بلحية خشنة وربطة عنق حمراء، ويرتدي، على شاكلة أمثاله، بدلةً من التويد (5) ، ولم يعمل طيلة حياته قطّ يوماً واحداً بأمانة.  بالتأكيد كان لدى آنجِلا الحسُّ لإدراك مراميه الخَفيَّة؟ تابع القراءة. "قال ب.م. أشياء لا يمكن قبولها البتّة عن.....". كان الاسم مَشْطوباً بحرص.

" أخبرتُهُ بأنني لن أصغي إلى أية شتيمة أخرى عن .....". ومرّةً أخرى كان الاسمُ مَمْحُوَّاً. أكان من المحتمل أن يكونَ الاسمُ اسمَه؟ ألذلك السبب غطَّتْ آنجِلا الصفحة بمنتهى السرعة عندما دخل؟ شكَّلَتِ الفكرةُ إضافةً إلى كُرْهِهِ المتنامي لـ ب.م. أبَلَغَتْ به الوقاحةُ حَدَّ تناولِ سيرَتِهِ في هذه الغرفة بالذات؟ لِمَ لَمْ تخبرْهُ آنجِلا بذلك قَطّ؟ لم يكن من سجاياها أن تخفي عنه أيَّ شيء. كانت نموذجَ الصراحة مُجَسَّداً. قلب الصفحات مُلْتَقِطاً كلَّ إشارةٍ إلى ب.م. "أخبرني ب.م. بقصة طفولته. كانت أمُّهُ تعمل في تنظيف البيوت. وعندما أفكّر في ذلك أكاد لا أقوى على الاستمرار في العيش في هذه الرفاهية. ثلاثة جنيهات ثمناً لقبّعة واحدة!". ليتها كانت قد ناقشتِ الأمرَ معه، بدلاً من إرباك رأسها الصغير المسكين بأسئلةٍ يصعبُ للغاية فهمُها بالنسبة إليها! كان قد أعارها كتباً. كارل ماركس، الثورة القادمة. وطفق الحرفان ب.م. ب.م. ب.م. يتكرّران مرّةً تِلْوَ أخرى، ولكنْ لمْ يكنِ الاسمَ الكاملَ قَطّ؟ كان ثمة رفعُ كلفةٍ وأُلفةٌ في استخدام الحرفَيْنِ الاستهلاليين وهو ما يخالف سجايا آنجِلا تماماً. هل كانت تدعوه ب.م. في حضوره؟ وتابع القراءة. "جاء ب.م. على غير انتظار بعد العشاء. ولحسن الحظّ كنتُ بمفردي." كان ذلك قبل عام فحسب. "لحسن الحظّ"- لماذا لحسن الحظّ؟ - "كنتُ بمفردي". أين كان تلك الليلة؟ راجَعَ التاريخ في دفتر مواعيده. كانت ليلة العشاء في المانشن هاوس. وب.م. وآنجِلا كانا قد قضيا المساء بمفردهما! حاول أن يتذكّر ذلك المساء. هل كانت مستيقظةً تنتظره حين عاد إلى البيت؟ هل كانت الغرفة تبدو كما اعتادت أن تكون؟ هل كان ثمة كأسان على الطاولة؟ هل كان الكُرْسيّان قد أُدْنِيَ كلٌّ منهما إلى الآخر؟ لم يكن في وسعه أن يتذكّر شيئاً. لا شيء على الإطلاق، لا شيء باستثناء كلمتهِ التي ألقاها في عشاء المانشن هاوس. وازداد استعصاءُ الوضْعِ بِرِمَّتِهِ على التفسير بالنسبة إليه. استقبال زوجته رجلاً مجهولاً لوحدها. لعلَّ المُجَلَّدَ التالي يُفسّرُ. وعلى جناح السرعة حاول الاستغاثة بآخر مجَلَّدات اليوميّات، المُجَلَّدِ الذي تركَتْهُ دون أن تنهيه قبل موتها. وهناك، وفي الصفحة الأولى بالذات، كان الرجل الملعون مرّةً أخرى. "تناولتُ العشاء لوحدي مع ب.م. أصبح شديد الاهتياج. قال إنّ أوَانَ أن يفهمَ كلٌّ مِنّا الآخر قد حان. حاولتُ دَفْعَهُ إلى الإصغاء. غير أنه لم يكن في وارد ذلك. وهدَّدَ أنني إن لم......". كانت بقيَّةُ الصفحة مشطوبةً. كانت قد كَتَبَتْ على الصفحة بأكملها "مِصْر. مِصْر. مِصْر." لم يستطع فهم كلمة واحدة، ولكنْ قد يكون هنالك تفسيرٌ واحدٌ فحسب: كان ذلك الوغد قد طلب منها أن تصبح خليلَتَه. وحدهما في غرفته! اندفعتِ الدماءُ إلى وجه غيلبرت كلاندُن. طفق يقلب الصفحات بسرعة. ماذا كان جوابها؟ كان الحرفان الاستهلاليّان قد توقفا، وتحوّلا ببساطة إلى "هو" الآن. " جاء هو مرّةً أخرى. أخبرتُهُ بأنني عاجزة عن الوصول إلى أيِّ قرار. وناشَدْتُهُ أن يتركني." كان قد فرض نفسه عليها في هذا المنزل بالذات. ولكنْ لِمَ لَمْ تخبرْهُ؟ كيف تأتّى لها أن تتردّدَ لحظةً؟ ثمّ: "كتَبْتُ له رسالةً". ثمّ تُرِكَتِ الصفحاتُ  خاليةً من الكتابة. ثمّ كان هذا: " لا جوابَ على رسالتي." ثمّ المزيد من الصفحات الخالية من الكتابة، ثم هذا: "لقد نفّذَ تهديدَه". وبعد ذلك - ماذا حدث بعد ذلك؟ قلب صفحةً إثر صفحة. وكانت كلُّها خالية من الكتابة. ولكنْ كانت هنالك، في اليوم السابق لوفاتها بالذات، هذه التدوينة: "هل أملك الشجاعة للقيام بذلك أيضاً؟"

كانت تلك النهاية.

ترك غيلبرت كلاندُن المُجَلَّدَ ينزلق إلى الأرض. كان في مقدوره أن يراها أمامه. كانت واقفةً على حافة الرصيف في بيكاديلي. عيناها مُحَدِّقتان، وقبضتاها مُطْبَقَتان. وها قد أتتِ السيّارة...

لم يَقْوَ على احتمال ذلك. وكان لزاماً عليه أن يعرفَ الحقيقة. فَخَطا خطواتٍ واسعةً نحو الهاتف.

"الآنسة مِلَر!". كان ثمة صمت. ثم سمع أحداً ما يتحرّكُ في الغرفة. وأجابَهُ صوتُها أخيراً: "الآنسة مِلَر تتحدّث".

فهَدَرَ بصوتٍ كالرعد سائلاً:

- مَنْ هو ب.م.؟

كان في مقدوره أن يسمع ساعة الحائط وهي تُتَكْتِكُ على رفِّ موقدها، ثم تناهت إلى سمعه تنهيدةٌ طويلة ٌوعميقةٌ. ثم قالت أخيراً:

- كان أخي.

كان أخاها. أخاها الذي قتل نَفْسَهُ. وسمع سِسِي مِلَر تسأل:

- هل ثمة أي شيءٍ في ميسوري أن أشرَحَه؟

صاح قائلاً:

- لا شيء. لا شيء.

كان قد استلم تَرِكَتَه. كانت قد أخبَرَتْهُ بالحقيقة. كانت قد نزلت عن حافة الرصيف لكي تنضمَّ ثانيةً إلى حبيبها. كانت قد نزلت عن حافة الرصيف لكي تفرَّ منه.

***

.................. 

(1). مقهى فلوريان: افتتح هذا المقهى أبوابه في مدينة "البندقية" عام 1720، ويعتبر أقدم مقهى فيها وفي العالم. اشتهر في ما بعد بضخامته وفخامته وزبائنه المتميّزين، وكان في عِدادِ مَنِ ارتادوه على نحو متكرّر الشاعر والسياسي الإنكليزي جورج غوردون بايرون (اللورد بايرون)، والروائي الفرنسي مارسيل بروست والروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز. (ويكيبيديا).

(2). الأدواج: جمع دوج وهو القاضي الأول في البندقية وجنوا في إيطاليا (المورد).

(3). الحرفان الاستهلالِيَّان: الحرفُ الأوَّلُ من الاسم، والحرفُ الأوَّلُ من الكنية. (المترجمة).

(4). عندما قرأ غيلبرت في اليوميّات: حاولتُ إقناعه (tried to convince him)، غَيْرَ أنه ضيِّق الأفق للغاية ( But he is so narrow-minded)، عرف من الضميرين him و he أن المقصود رجلٌ، وليس امرأةً كما كان قد افترض، لأن الفعل في اللغة الإنكليزية لا يدلّ على كَوْنِ الفاعل مُذكَّراً أم مُؤنَّثاً. (المترجمة). 

(5). التّويد: نسيجٌ صوفيٌّ خشنٌ (المورد).

 ................

فيرجينيا وولف (1882- 1941):

روائيّةٌ وقاصّةٌ وناقدة ٌ أدبيّةٌ وكاتبةُ مقالاتٍ وناشطةٌ في مجال حركات التحرّر النسائيّة، تُعتَبَرُ واحدةً من أهمِّ مؤلّفي القرن العشرين الحداثيين، ورائدةً في استخدام تيّار الوعي كوسيلةٍ سرديَّة.  

ولدتْ باسم فيرجينيا ستيفن عام 1882، في عائلة ثريَّةٍ، في ساوث كِنْزِنْغْتِن، لندن، وعلى مقربة من حديقة هايد بارك،لأبوين هما ليزلي ستيفن (1904-1832) وزوجته الثانية جوليا جاكسون دَكْوورث (1895-1846). وكان ترتيب فيرجينيا السابعة في عائلة مدمجة من أصل ثمانية أطفال، أربعة من زواج أبيها وأمِّها، وأربعة من زواجَيْنِ سابِقَيْن لكلٍّ منهما، فقد كان لأبيها ابنة واحدة من زواج سابق، وكان لأمها ثلاثة أطفال من زواج سابق. وقد عاش الأطفال الثمانية معاً تحت سقفٍ واحد في بيت والد فيرجينيا، الذي كان كاتباً ومؤرخاً وكاتبَ مقالاتٍ ومتسلقَ جبالٍ بارزاً وفيلسوفاً ومثقفاً أصدر "المعجم القوميّ لِلسِّيَرِ الذاتيةِ"، وكان صديقاً لعدد من مشاهير الأدباء، ومنهم هنري جيمس وماثيو آرنولد وجورج إليوت (وهو الاسم المستعار الذي اتَّخَذَتْهُ الروائية والشاعرة والصحافية والمترجمة الإنكليزية ميري آن إيفانس 1819-1880 للكتابة).

أما والدتها، جوليا جاكسون دَكْوورث، فتنحدر من أصول أنكلوهنديّة مرموقة، وانتقلت إلى إنكلترا مع والدتها ولها من العمر سنتان حيث قضت معظم سنواتها المبكرة مع خالتها، سارة، التي أنشأت برفقة زوجها  صالوناً أدبياً وفنياً وأصبحت جوليا بفضلِهِ على تواصل مع الكثير من رسامي حركة "ما قبل الرفائيلية"، مثل  إدوارد بيرين-جونز، والذي عملت معه كـعارضة. كما عملت ممرضة وأولت شؤونَ الفقراء والمرضى الاجتماعيةَ الأولويّةَ في لائحة اهتماماتها الشخصية، وعُرف عنها قيامُها بالأعمال الخيرية.

في هذه البيئة ذات الخلفية المُطَهَّمَةِ والمتنوّرة بالثقافة ولدتْ فيرجينيا.

بَيْدَ أن نَشْأتها، وإن لم تَخْلُ من المتع الطفولية في حينها، كانت مشوبة بسلسلة متلاحقة من خيبات الأمل والصدمات المريرة، التي أربكَتْ وَعْيَها النقيَّ ودَفَعَتْها أحياناً إلى حدود التشتُّت الذهني والاضطرابات العقلية، مُذِ اكتشفتْ بدايةً أن والدها، على ثقافته الواسعة، كان يرسل الذكور في العائلة إلى المدارس والجامعات، فيما كانت الإناث يتلقّيْنَ العلم في البيت، فشعرت بدونيّة المرأة، رغم أنه أعطاها وأخواتها الحرية التامة ودون قيد أو شرْطٍ في استخدام مكتبته الضخمة، وشجّع فيرجينيا على الكتابة حين لمس استعدادها النفسي لذلك، وهي تَدينُ له بالكثير من ثقافتها وشخصيتها الفكرية في هذا الصدد. وزاد من حدّة صدماتها تعرُّضُها للتحرُّش الجنسي من قِبَلِ أخَوَيْها غير الشقيقَيْنِ جيرالد وجورج دَكوورث. ومع وفاة والدتها عامَ 1895، وَصَلَتْ فيرجينيا إلى أوَّل انهيار عصبي. وبعد عامَيْنِ من ذلك توفيت أختُها غير الشقيقة، ستيلا دَكْوورث، والتي كانت بمثابة الأم لفرجينيا.  

ومع ذلك، أتيح لفيرجينيا الالتحاق بقسم الفتيات في كلية الملك (كِنْغْزْ كوليج) في لندن، حيث درست الكلاسيكيات والتاريخ (1901-1897) وأصبحت على تواصل مع أوائل النساء الإصلاحيات لحركة التعليم العالي للنساء وحركة حقوق المرأة. وقد تركَ إخوتُها، الذين تعلموا في جامعة كامبريدج الشهيرة، ووجودُ مكتبة أبيها الضخمة، بالغَ الأثر عليها وعلى أختها الكبرى فانيسا. وبدأت فيرجينيا الكتابة بشكل احترافي عام 1900.

توفي والد فيرجينيا عام 1904 بعد معاناته البطيئة من إصابته بسرطان المعدة، وكانت وفاته نقطةَ تحول مهمة في حياة فيرجينيا وأختها فانيسا ستيفن، وسبباً في حدوث انهيار عصبيٍّ آخر لفيرجينيا. بعد ذلك بيع منزل العائلة، وانتقلت فيرجينيا مع أختها الكبرى فانيسا وأخيها الأكبر ثوبي وأخيها الأصغر إيدريان إلى العيش في منزل في بلومزبيري، ومن هناك، وبالتعاون مع أصدقاء أخويها المثقفين تم تكوين "مجموعة بلومزبري" الفنية والأدبية الشهيرة.

وفي عام 1906 توفي أخوها ثوبي ستيفن بعد إصابته بالتيفوئيد أثناء إجازةٍ في اليونان.  

 في عام 1907، تزوجت أختها فانيسا الرسام كلايف بيل ليصبح اسمُها فانيسا بيل وغدت رسامة ومُصمِّمَة حداثية. وفي عام 1912 تزوجت فيرجينيا المُنَظِّرَ السياسي والناقد ليونارد وولف وهكذا أصبح اسمها فيرجينيا وولف. وفي عام 1917، أسستْ مع زوجها دار نشر "هوغارث"، التي قامت بنشر معظم أعمالها، كما نشرت أعمال كُتّابٍ آخرين ذائعي الصيت، منهم الشاعر تي إس إليوت (الذي حاز جائزة نوبل للشعرعام 1948)، والروائي إي إم فورستر (والذي رُشِّح لنيل جائزة نوبل مرّاتٍ كثيرةً بيد أنه لم يَنَلْها)، وكاثرين مانسفيلد، وغيرهم، كما نشرت ترجمة الأعمال الكاملة للعالم النفسي ذائع الصيت سيغموند فرويد.

ولم تتوقف نوبات الانهيار العصبي التي كانت تنتاب فيرجينيا، ومحاولاتها الانتحار أكثر من مرّة. أدخِلَتْ مَصَحّاً عقليّاً وتمّ تشخيص حالتها على أنها اضطراب وجداني ثنائيّ القطب، والذي لم يكن له أي علاج ناجع في ذلك الوقت. وتحت وطأة نشوب الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وتدمير منزلها في لندن والفتور الذي استُقْبِلَتْ به السيرة الذاتية التي كتبتها عن صديقها الراحل روجر فراي، انتابتها حالة اكتئاب شرسة أقوى من سابقاتها. وفي 28 مارس/آذار 1941 كتبت رسالة وداعية لزوجها ليونارد وولف، وارتدت معطفها وملأته بالحجارة وألقتْ نفسها في نهر أوز القريب من منزلها. ولم يُعْثَرْ على جثّتها إلا في 18 أبريل/نيسان 1941. وفي 21 أبريل/نيسان تم إحراق جثمانها، ونُثِرَ رمادُهُ تحت شجرة دردار في حديقة منزلها، مونكس هاوس، في قرية رودْمِلْ سَسِكْسْ.

من أعمالها: "غرفة يعقوب" (رواية 1922)، "السيدة دالاوي" (رواية 1925)، "إلى المنارة" (رواية 1927)، "أورلاندو" (رواية سيرة ذاتية 1928)، "الإثنين أو الثلاثاء" (قصص 1921)، "القارىء العادي" الجزء الأول 1925، و"القارىء العادي" الجزء الثاني 1932 (مقالات نقدية)، "غرفة خاصة بالمرء" (مقالات نسوية 1929).

 

 

جميل حسين الساعديأوراق عراقية (1)

 البحث عن الأصدقاء

بقلم د. نبيل ياسين

ترجم النص إلى الألمانية:

جميل حسين الساعدي


Irakische Blätter

Die Suche nach den Freunden

Dr. Nabil Yasin

Aus dem  arabischen Text übertragen von

Jamil Hussein Al-Saadi

 

Wo sind meine Freunde?

Wie plötzlich verwandelte sich diese Stadt, die so

sehr von Freundschaft erfüllt war? Die Wundervollen

Nächte und die vielen Unterhaltungen dieser kleinen Stadt,

die in ihrem Herzen der Welt nahe und in ihrem Leib fern

von ihr war, diese schöne Stadt, wie schnell

verwandelte sie sich in eine Wüste … in schweigende

Ruinen, die von Leidenschaften, freundlichkeit und Wörtern leer sind.

Und was bleibt jetzt noch von ihr?

Jeden Tag wurden die Türen ihrer Häuser hinter

einem ausgewanderten Freund geschlossen. Ich frage mich:

Wo sind meine Freunde? Sie zogen fort mit den

weiß gefiederten Störchen, weit fort von den

Minaretten und Kirchen Bagdads. Es wurden immer

weniger; und eines Tages … war keiner mehr da.

so begann die Einsamkeit.

Und die, die blieben …, sie verschwanden in den

Gefängnissen. Wer von ihnen wieder herauskam,

konnte seinen Weg nicht mehr weiter gehen. Du

konntest ihn nicht erreichen. Wie Mäuse huschen wir

durch die Straßen, um einander zu sehen.

O dieser klare Himmel, unter dem wir voller

Freude die Abende des Sommers verbrachten.

Wer entfachte den gelben Sandsturm und rief die

finsteren Wolken herbei, um uns in enge und

bedrückende Zufluchtsstätten zu vertreiben? Wir

tragen unser Elend … die Gewalt … den Terror …

die Folter auf unseren Rücken. Im Vortragssaal zeige

ich einen Film über meine Freunde …, und ich sehe

sie einsam und allein schnellen Schrittes durch die

trostlosen und öden Hauptstädte hasten. Das schöne

Europa ist zu ihnen wie eine junge Frau, die in ihren

Armen zu einer Greisin wird.

Wer ließ das Ungeheuer auf die Heimat los und

brachte es dazu, den jungen Irak zu zerreißen?

Wenn ich mir jeden meiner Freunde vorstelle,

wenn ich auf unsere Städte, Straßen und Häuser

schaue, und wenn ich die Lieder unsere Kinder

höre, dann spüre ich, wie groß unsere Liebe

füreinander ist. Meine Seele belebt sich, um sofort

zu ersticken.

Ich bin aus der Vergangenheit vertrieben worden,

um jetzt ängstlich nach dem Klappern der Hufe zu

lauschen. Heute … in der Gegenwart …, wo jeden

Moment ein Reiter über mich herfallen kann. Ich

wurde vertrieben … von Seele zu Seele … von

Körper zu Körper … von Bagdad nach Bagdad …

vom Irak in den Irak … vertrieben von meinem

Haus zu meinem Haus … von Frau und Kindern zu

Frau und Kindern.

Wie in den Stunden nach einem Unglück, da

sitzen die Mütter mit den Händen vor ihren

Gesichtern und schauen mit Tränenerfüllten Augen

auf all das Elend, das über sie hereingebrochen ist.

Doch ich schreie sie an: Hat man euch nicht gesagt,

der alles zerstörende Orkan würde nie kommen?

Hat man euch nicht gesagt, dass ihr niemals eure

Söhne verlieren werdet? Und von überall schlagen

Peitschen auf unsere nackten Körper ein.

Was geschah dann? Wir irrten in der Heimat

umher um dieser Heimat willen und wir

vagabundierten in der Fremde wegen ihr. Das Elend

vervielfachte sich und das Verderben war überall.

Jene tragen die Schuld an der Katastrophe,

welche sie herbeiführten und jene, die den Blick von

ihr abwandten und die Decken über die ahnungslos

Schlafenden zogen, als ich in der Nacht sagte: Sie

werden kommen – Wer hat es dir gesagt? – Keiner,

doch meine Seele warnte mich vor den Tritten der

Unterdrücker, denn sie ist wie Beduine, der sein Ohr

auf die Erde legt, um den Schritten des Feindes zu

lauschen. Und so sagte meine Seele: Diese Nacht

werden sie kommen. Steig auf deinen schwarzen

Hengst und verschwinde aus dieser Stadt voller

Angst!

Was sagen die Dichter n der Fremde: Alle Dinge

verändern sich und werden fremd. Doch ich frage:

Hat sich der Baum verändert, den du vor deinem

pflanztest, so dass es nicht mehr derselbe Baum ist,

der noch gestern dort stand? Doch ich bin es, der

anders geworden ist, der ihn auf eine neue Art und

Weise anschaut, bei der er sich verändert.

Und was ist mit den übrigen Dingen?

Ich war bemüht, mich zu überzeugen, dass der

Baum der Unterdrückung ausgesetzt war. Er

veränderte sich und wurde zu etwas mir nicht

Vertrautem. So verwandelten sich alle Dinge –  das

Haus … die Straße … die Sonne … die Sterne des

Nachts … das Sofa … die Bücherregale … die

Straßenlaterne … die Haustür … die Fassaden der

Häuser … die Zeitungskioske und die Morgenröte,

in der wir aufstehen.

Wir, zu denen der Lärm und das Geschrei der Welt

drang.

Wir, welche die unglückliche Heimat aufrütteln

Wollten.

Wir, die nicht wussten, was Tod bedeutet, haben ihn

kennengelernt.

Wir sahen die Verletzten neben uns

zusammenbrechen.

Wir traten plötzlich auf das Schlachtfeld und aus

allen Richtungen wurde auf uns geschossen.

Wir, die nie zuvor den Tod gesehen hatten, sahen

nun den Tod unserer Heimat und wir eilten atemlos

zur ihr, um sie zu neuem Leben zu erwecken. Wie

bei einem Ertrinkendem wischten wir den Schaum

von ihren Lippen und ertrugen das schreckliche

Bild der in unseren Armen sterbenden Heimat  …,

mit zitternden Herzen und bebenden Lippen wollten

wir sie wieder zum Atmen bringen.

In jenen Augenblicken, am von Sturmflut und

Orkanen heimgesuchten Strand des Irak, inmitten

zertrümmerter Fischerboote, sahen wir um uns

herum einen schwarzen Wall. Es waren die langen

Mäntel der Mütter, die sich an der Küste

versammelten, um auf Nachrichten über ihre Söhne

zu warten, welche auf hoher See vom Orkan

überrascht worden waren. Wo waren die Kapitäne

der zerstörten Schiffe? – Sie haben sie im Stich

gelassen, um selbst an das rettende Ufer zu

gelangen.

Ich vertraute auf das Vergessen, und das machte

Mich einsam. Doch wie konnte ich mit den

Freunden zusammen sein, wenn sie alle fort sind.

Soll ich das Vergessen für mich nehmen als

Talisman für diejenigen, die noch in meinen

Erinnerungen leben? Doch wir blieben allein und

schutzlos dem Sturm ausgesetzt. Ja, du bleibst

allein … ganz allein … du bleibst in der

Vergangenheit. Du lebst in der längst zugrunde

gegangenen Vergangenheit. Wir wollen uns so

leicht in uns selbst zurückziehen, wie wir in unsere

Wohnungen eintreten. Doch die Einsamkeit wurde

zu einem Schild, wie es die Freunde gewesen

waren.

Wer zwang uns in diese Isolation, wer zwang

uns unter das Joch der Armut? Wer lehrte uns, die

engen Gassen mit unseren Träumen zu erweitern,

in ihnen Straßen und Häuser zu bauen, Gärten

anzulegen und Glockentürme zu errichten, die alle

nur in unserer Einbildung existieren? Wer brachte

uns bei, die Nacht zu fürchten und wer sagte uns,

dass die Sonne so sengend sei? Wer wollte uns

glauben machen, dass die Freunde, die auf der zur

Wüste gewordenen Erde umherirren, gestorben

sind, als sie aus der ihnen fremd gewordenen

Heimat flohen?

 

.....................

نبيل ياسينالبحث عن الأصدقاء

 بقلم د. نبيل ياسين

أين أصدقائي

كيف، فجأة، تحولت هذه المدينة، التي تعج بالصداقات والليالي.

والاحاديث، هذه المدينة الصغيرة، القريبة من العالم في قلبـــها..

البعيدة عنه في جسدها، كيف تحولت فجأة الى صحراء! الــــــى

خرائب خالية من الصبابات، والود، والكلمات؟ ماذا تبقى فــــي

المدينة اذن!

كل يوم، كانت أبواب البيوت، تغلق وراء صديق يهاجر..

واسأل نفسي: اين أصدقائي!

لقد هاجروا. مع اللقالق البيضـــــــاء.. بعيدا عن المنائــــــر

والكنائس في بغداد.. ويبدأ العد التنازلي! وذات يوم.. يصــــــل

الى الصفر.

وينطلق صاروخ الوحدة!

الذين ظلوا، غيبتهم السجون. وحين خرجوا لم يكن بإمكانهم

ان يواصلوا صداقاتهم. ولم يكن بامكانك أن تصلهم.

وكالفئران. كنا ندرج فوق الأرصفة لكي نرى بعضنا.

أيتها السماء الصافية، التي كنا نحيي أماسي الصيف تحتك

مسرورين.. من الذي أيقظ العاصفة الرملية الصفراء، لكــــــي

تدفعنا الى الملاجئ الضيقة الساخنة.

هكذا عشنا اذن..

نحمل وحشتنا فوق ظهورنا الضعيفة بفعل القهر، والارهاب،

والطراد، والسجن.

وفي صالة روحي. أعرض فيلما عن أصدقائي..

واراهم واحدا، واحدا. يغــــذون الخطى، فـــــي براري

العواصم وصحاريها.. أوربا الجميلة كامرأة، تغدو خرائب

تحت ارجل ارواحهم التعيسة.. فمن الذي أيقظ سرطان الوطن،

وجعله ينهش جسد العراق الفتي؟ وحين أستعرض أصدقائي،

واحدا، واحدا، وابصر المدن، والشوارع ووالبيـــــــوت،

وأناشيد اطفالنا ووأغاني حبّنا، اضئ الصالة واطفئ الروح.

أخرج من الماضي، لأرهف أذني، الى وقع حوافر الحاضر،

الذي يمكن أن يداهمني فارسه في أية لحظة.

طريد. من الروح الى الروح. من الجسد الى الجسد.

من بغداد الى بغداد. من العراق الى العراق.

طريد من البيت الى البيت.. من الزوجة والولد، اليهما.

من الأم. اليها. ومثل ساعات تعقب كارثة. تجلس الأمهات،

وأيديهن على خدودهن. وينظرن، بعينين حزينتين الى ألآثار.

وأقول لهن بأ على صوت:

من الذي قال لكن ان العدو أقوى، ويجب ان نلوذ بالفرار!

من أقنعكن بنعمة العيش تحت سمـــــــاء ملبدة بالغيوم، وأبعد

عنكن شبح العاصفة! من قال لكن: لن تفقدن ابناءكن أبدا..

فيما الأعداء. يلوحون بسياطهم، واجسادنا عارية.

وماذا حدث الآن!

تشردنا في الوطن من أجل الوطن. وتشردنا خارج الوطن

من أجل الوطن. صار البؤس مضاعفا، والتعاسة سميكـــة

مثل جلد تمساح.. والكارثة يحمل وزرها الجميع: الذيـــــن

نفذوها، والذين ابعدوا شبحها وأحكموا الغطاء على النيام.

وأقول:

هذه الليلة سيأتون!

من أخبرك؟ لا أحد! لكنّ روحي تستيقظ على مطارق

القمع. انها كالبدوي. تضع أذنها فوق الأرض، وتتسمـــع

لوقع الخطــــوات..

لقد قالت روحي: الليلة سيأتون.

وهكذا، عليك أن تركب حصان الظلمة، وتقطع بريّــة

المدينة، المليئة بالأدغال.

ماذا يقول الشعراء في الغربة! لقد تغير كل شئ، وصار

غريبا.. ومغتربا، واسأل:

هل تغيرت الشجرة التي تنتصب أمام بيتك! كلا. إنها

نفس الشجرة التي كانت قائمة بالامس..

ولكنها تغيرت. ها انني أبصرها بشكل آخر. ما الذي

تغير فيها. ما الذي غيرها! كنت أجهد في أن أقنع نفسي

أن الشجرة قد تعرضت للقمع. الشجرة! أجل. الشجـرة

تعرضت للقمع. لأنك وأنت ترى الشجرة تكــون رؤيتك

قد تعرضت للقمع. وتغيرت الشجرة ووصــارت شيئــا

آخر. خرجت من الالفة. وهكذا تغير كل شئ: البيت.

والشارع والشمس. ونجوم الليل.الاريكة ورفوف الكتب.

المصباح وباب الدار. واجهات البنايات وأكشاك الصحف.

والفجر الذي تستيقظ فيه.

نحن الذين كانت تتناهى إلينا، صرخات العالـــــــم.

فنصرخ أيضا.. في قلب الوطن المفجوع، صرنـــــــا

نصرخ بالثأر. نحن الذين لم نكابد الموت. صرنا نتعرف

عليه. وصرنا نشهد لحظات الاحتضار. صرنا نـرى

الجرحى يسقطون قريبا منّا.. وبين أيدينا. لقــد دخلنـا

المعركة فجـأة. واندلعت علينا النيران من كلّ اتجاه..

نحن الذين لم نر الموت. رأينا موت الوطن. وهرعنا

اليه وبشفاهنا المجروحة، وبأنفاسنا التعبى، نجهـــد

في أن نمنحه قبلة الحياة. وكغريق، رحنا نخرج الزبد

من شفتيه. وحملنا هـول رؤية الوطن يموت بيــــن

أيدينا.. ما كنا نملك غير قبلة الحياة. وبقلوب صارخة.

وحناجر متوترة. كنا نطلب اليه أن يتنفس. في تلك

اللحظات. وعلى شاطئ العراق المرتــــــج بالامواج

والعاصفة، وأخشاب المراكب المحطّمة، كنا نــــرى

سياجا أسود يتدور علينا: عباءات الامهـــات اللواتي

تجمعن على الساحل ينتظرن أخبارا عن ابنائهنّ،الذين

داهمتهم العاصفة في عرض البحر

أين ربابنة المراكب المحطّمة. لقد تركوا الدفّة للرياح..

اني اثق بالنسيان. وهكذا، صرت وحيدا.. ولكـن

كيف أتحّصن ضد الجماعة وهي غائبــــة. هـــل أحمل

نسيانهم على أنه تميمة الآخرين، الذين يعيشون معـي

بذكراهم؟

لقد بقينا وحيدين امام الزوبعة. أن تبقى وحيــدا:

يعني أن تبقى أعزل. ان تكون وحيدا: تكون مخترقا.

أن تبقى وحيدا: تبقى في الماضي. وفيما بعد.

صرنا ندخل في الوحدة. كما ندحل في بيوتــــنا..

وصارت الوحدة سلاحا. كما الجماعة. ولكن مـــن

دفعنا الى هذه العزلة. ومن ضرب حولنا طوق الفقر

من الناس والأحاديث. والأشياء المشتركة الصغيرة

والكبيرة! من علمنا أن نوسّع الحجرات الضيقـــــة،

بالاحلام. ونبني فيها الحدائق، والشوارع، والبيوت.

ونجعل في أبراجها ساعات للمواعيد..

من علمنا. ان نحكم العداء لليل. وان تكـــــون

الشمس محرقة لهـــذ الحدّ ؟

من ألقى في روعنا. انّ الأصدقاء الذيـــــــــــن

يهيمون في براري العالم. ماتوا. حين خرجوا من

مــن باب الوطن المغلق ؟

***

......................

(1) هذا النص من تأليف الدكتور نبيل ياسين وهو يعود الى فترة السبعينات، من القرن الماضي، وقد صدر في كتيب يحمل عنوان (أوراق عراقية). لقد تركت الجزء الأخير من النص وبعض السطور في الوسط وحذفت ما أشرت اليه من النصين.. العربي والألماني، لاعتقادي أنّ ذلك لا يعني القارئ الألماني، ولا يؤثر على محتوى النص، وقد أحيط الدكتور نبيل ياسين علما بذلك،. كما انني

تصرفت في ترجمة جملة، من أجل تقريبها الى فهم القارئ الألماني. والجملة هي: وهكذا، عليك أن تركب حصان الظلمة وتقطع بريّة المدينة، المليئة بالأدغال..

 

نبيل ياسين

 

عادل صالح الزبيديغريغوري اور

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

حين تكون خائفا

حين تكون خائفا

فانك خائف

من شيء.

حين تفزع،

فانك تفزع

من لا شيء

(هكذا يقول

الفيلسوف).

 

2252 غريغوري اورلا يمكن

للاشيء

أن يكون مرعبا.

ولكن لا تشعر

بالحيرة:

الصفحة البيضاء في كتاب

ليست لاشيء.

 

إنها شيء

ينتظر الحدوث،

إنها المحبوبة

وهي تمسك أنفاسها

تأمل منك أن تكتب او تتصل.

***

....................

غريغوري اور: شاعر اميركي من مواليد مدينة اولباني بولاية نيويورك لعام 1947 وتلقى تعليمه في كلية آنتيوك وفي جامعة كولومبيا. يعمل استاذا للأدب في جامعة فرجينيا ومحررا للشعر في مجلة تصدرها الجامعة واستاذا للكتابة الابداعية بعد تأسيسه برنامجا لها في عام 1975. نشر اور احدى عشرة مجموعة شعرية من بين عناوينها: (احراق الأعشاش الفارغة) 1973، (تجميع العظام) 1975، (المنزل الأحمر) 1980، (مدينة الملح) 1995، (البومة المحبوسة في قفص) 2002، و(نهر داخل نهر) 2013. كما نشر عددا من الأعمال النقدية وكتاب مذكرات.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: يانوش بيلينسكي

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي


لا شمس. لا قمر.

ولا طفولة.

والأهم لا أرض، أرض وطن.

 

لا نعش ولا دار

لا مهد ولا سرير ممدود.

تنوع الموت فوق رؤوسنا.

 

إن عشت فعلى رأس إبرة،

أما سلامنا، فليس أكثر

من جناح طائر ارتخى،

أو كبرقع عرس تهدل،

أو حتى قبل أن يتهدل

علق برأس مسمار.

 

تأرجح.. 

 كلنا يتأرجح

ما عادت لدينا حتى مقبرة.

***

 

خيري حمدانأندريه الأسدي

ترجمة: خيري حمدان


 

СЕЌАВАЊЕ (REMEBRANCE)

ذِكرى

امرأتانِ متّشحتانِ بالسوادِ رفعتا أيْديهما إلى السماء

كأنّهما تُمسكانِ بكتابٍ

تذرفانِ الدمعَ هامستان

يتذرّعنَ للسماءِ راجياتٍ نزرًا من الهدوء

ما تيسّرَ من السكينةِ للراقدينَ

في الطريقِ إلى كربلاء.

**

НИЕ ПОЕТИТЕ (WE THE POETS)

نحنُ الشعراء

نتلاعبُ بذاتِ الوتيرةِ على حسابِ النحوِ والقواعد

نتلاعبُ بالأحاسيسِ على حسابِ الجبرِ والإحصاء

نتراهنُ على اللحظةِ وارتقاءِ الروحِ

ننسى الماضي ولا اسمَ للغدِ

نقذفُ حجرا نردٍ أبيضانِ في وجهِ الأبديّة

وننتظر. 

**

БЕГАЛЦИ (REFUGEES)

اللاجئون

(سلامٌ عليكِ يا أوروبا)

حصىً كالأنيابِ في طيّ الأقدامِ

والعرقُ قد تيبّس تحتَ الآباطِ

هناكَ حيثُ يلتصقُ الذبابُ الظمئُ

وتراهم ماضونَ قدمًا

يَسْتَرْجِعون في أفواهِهِم لقمةَ الخُبزِ اليابِسَةِ

يرطّبونَها بالمطرِ

وبحشاشةِ القلبِ يمضُغونَها

ليواصلوا السبيل،

إلى هناكَ، حيثُ يخاطبُ الحمامُ الأبيضُ

باللاتينية سدّةَ السماءِ.

**

 

THE BLACK POEM / ЦРНА ПЕСНА 

القصيدةُ السوداء

دائمًا سوداءَ

للأسودِ في الأسودِ

تنفرجُ

كدمعةٍ في العتمةِ

أو وشاحًا للنجومِ

السوادُ هو ساحةُ البيت

آمالُه

أعمدةُ روحِهِ السوداءَ

كأنّهُ سيلٌ يجري تحتَ الأرضِ

أوراقُ شجرٍ أسودَ َ

فراشةٌ سوداءِ

ترفرفُ عتمةً

شيءٌ ما أسودَ في راحةٍ سوداءَ

يستريحُ في ظلّ الكلمةِ

تومضُ ابتسامتُهُ البيضاءَ لوهلةٍ

لتخلّفَ كنهَها حبرًا أسود. 

***

.................

 * أندريه الأسدي: ولد الأديب المقدوني أندريه الأسدي في لندن عام 1996، أنهى دراسته العليا من معهد الاقتصاد العالي في جامعة القديس "كيريل وميتودي" في العاصمة المقدونية سكوبي. صدر له العديد من دواوين الشعر أهمّها: رقصة منتصف الليل 2014، تحت مخلاة الدرويش 2018، هندسة سماوية 2019. نال السعدي جائزة لأول مجموعاته القصصية تحت عنوان "الماضي الآخر". شارك في العديد من القراءات الشعرية في جمهورية مقدونيا الشمالية كما شارك في مهرجان الشعر الشهير "ستروغا".

 

عادل صالح الزبيدياليزابيث بيشوب

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


قريبين قريبين طوال الليل

يظل العاشقان.

يتقلبان معا

في نومهما،

قريبان كأنهما ورقتان

في كتاب

تقرآن بعضهما

في الظلام.

كل منهما تعرف

كل ما تعرفه الأخرى،

تحفظه عن ظهر قلب

من رأسه حتى أخمص قدميه.

***

.......................... 

2240 اليزابيث بيشوباليزابيث بيشوب (1911-1979): شاعرة أميركية من مواليد مدينة ووستر بولاية ماساتشوستس، تلقت تعليمها في كليتي وولنت هيلز وفاسار. تميل بيشوب الى صقل وتشذيب شعرها فهي بذلك شاعرة مقلة إذ يبلغ مجموع ما نشرت خلال حياتها 101 قصيدة صدرت المجموعة الأولى منها في عام 1946 بعنوان (الشمال والجنوب)، ثم صدرت مجموعتها الثانية بعنوان (قصائد: الشمال والجنوب/ربيع بارد) في عام 1955 لتنال عنها جائزة البوليتزر. وفي عام 1970 صدرت أعمالها الكاملة لتفوز بجائزة الكتاب الوطني. قصيدتها التي نترجمها هنا كتبتها عن عيد الحب.

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: إشتفان شينكا

ترجمها عن المجرية:

عامر كامل السامرائي

لا زلتُ إلى اليوم

أرى في الليل عينيكِ يا أمي المسكينة،

حين كنتِ تنحنين وتجلسين بجانبي

تحت الأشجار المدوي حفيفها،

ثُمَّ نركض معاً بلا ضجيج

نحو المعجزة التي كانت تتأرجح

منذ زمن بعيد

حيث اختفى طبع قدم والدي

في التراب، في البراعم،

خلف عروش الذرة،

قبل هبوب العاصفة ...

انظري الآن

ها أنا أركض مرة أخرى

باحثاً عنكِ،

أنتِ التي تخلفتِ عني بعيداً،

لم يبق لي إلا هذا الخريف.

وحدي ألتحف وجه أجدادي،

حيث تنام الأشجار والقلوب وآذان النوم.

***

11 نوفمبر 1934

..............................

نبذة عن الشاعر:

ولد الشاعر إشتفان شينكا في 24 سبتمبر من عام 1897 في عائلة تعمل في رعي الأغنام، وقد أشتغل هو أيضاً في نفس المهنة.. نشرت له أول قصائده في مجلة ذات طابع "عرقي". تعهدت المدرسة النحوية في مدينة سيكهالوم بنشر ديوانه الشعري الأول (ترانيم عند البوابة الشرقية) عام 1934.

عبّر في قصائده عن مطالب فقراء الفلاحين، وعن معاناته وخيبات أمله السياسية، وغياب الإصلاحات الاجتماعية، مما دفعته إلى اليأس والمرض..

نجد في دواوينه زخارف من الطقوس السحرية القديمة والمعتقدات والعادات الشعبية التي تظهر بؤس الفلاحين الفقراء بجلاء.

لقد أثقلت أسطورة الفلاحين والأيديولوجية العرقية أيضاً سيرته الذاتية. توفي الشاعر عام 1969. بعد وفاته ب 21 عام وبالتحديد في عام 1990 منح جائزة كوشوت لايوش، والتي تعتبر إحدى أكبر الجوائز الأدبية في المجر.

 

نزار سرطاويروبرت فروست

ترجمة: نزار سرطاوي


الوردة وردةْ

وعلى مر الأعصُر كانت دومًا وردة 

لكن النظرية هذي الأيام تنصُّ على

أن التفاحة وردةْ

والكمثّرى والبرقوقة

أيضًا في ظَنّي. 

لا يعلم إلا الخالقُ 

ماذا بعُد سيُدعى وردة

أما أنتِ فطبعًا وردة

لكنك كنت دوامًا وردة

.................

 

The Rose Family

Robert Frost

 

The rose is a rose,

And was always a rose.

But the theory now goes

That the apple's a rose,

And the pear is, and so's

The plum, I suppose.

The dear only knows

What will next prove a rose.

You, of course, are a rose -

But were always a rose.

 

......................

روبرت فروست

يحتل الشاعر الأميركي روبرت فروست مكانةً مرقومةً في الأدب الأميركي. ومع أنه ينتمي إلى فترة الحداثة، فقد أشار بعض النقاد إلى أنه يقف في منتصف المسافة بين الشعر الأميركي في القرن التاسع عشر والحداثة. إذ يجد القارئ في شعره بعض الخصائص التي تنتمي إلى القرن التاسع عشر ويلاحظ انتهاجه نهجًا يعزز هذا القول، وكذلك يجد الكثير من اتجاهات الحداثة التي برزت عند الشعراء الذين عاصرهم فروست. وبينما يلاحظ نفرٌ من الدارسين تشابهًا بينه وبين رواد المدرسة التصويرية، مثل عزرا باوند وإيمي لويل، وذلك من خلال مصطلحات الحداثة التي يستخدمها ومن خلال أسلوبه المباشر و نزوعه إلى الاقتصاد في التعبير، فإن آخرين يرون أن شعره لا يظهر فيه ذلك الانقطاع عن أساليب شعراء القرن التاسع عشر الذي يظهر عند بعض معاصريه مثل إليوت وستيفانز وسواهما. صحيح أنه يبتعد عن الأشكال التقليدية والقوافي المنتظمة، لكنه في الوقت عينه لا يبتدع أساليب جديدة ولا يخوض في التجريب.

ومن ناحية أخرى فقد حظي فروست بتقدير كبير نظرًا لما يبرز في قصائده من تقديرٍ عميق للعالم الطبيعي وإحساس بتطلعات الإنسان. ولأن فروست استوحى تصويره للغابات والنجوم والبيوت والجداول من الحياة اليومية، فإنّ أسلوبه في تناول موضوعاته جعل من السهل على القراء متابعة الحقائق العميقة التي يتحدث عنها دون تعقيد أو حذلقة.

ولد فروست في 26 آذار / مارس 1874في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا. توفي والده وليام فروست، الذي كان صحفيًا، عندما كان روبرت في الحادية عشرة من عمره. بعد وفاة الأب تابعت أمه الاسكتلندية الأصل عملها في التدريس لإعالة أسرتها. عاشت العائلة في مدينة لورنس بولاية ماساشوستس مع جد فروست لأبيه، الذي وفر لحفيده تعليمًا جيدًا. وفي عام 1892 أنهى فروست تعليمه الثانوي ودرس في إحدى الكليات لبضعة أشهر. بعد ذلك، وعلى مدى السنوات العشر التالية عمل في مهن عديدة، كان من بينها تدريس اللاتينية.

عمل فروست مدرّسًا، واستمر في الكتابة وفي نشر قصائده في المجلات. في عام 1895 تزوج من إلينور وايت، زميلته في التدريس سابقًا، وأنجبا ستة أطفال. ما بين عامي 1897 و 1899 درس فروست في جامعة هارفارد، لكنه تركها دون الحصوله على شهادة جامعية. انتقل بعد ذلك الى نيو هامبشاير حيث  عمل إسكافيًا ومزارعًا ومدرسًا.

في عام 1912 باع فروست مزرعته وسافر مع زوجته والأربعة الصغار من أطفاله إلى إنكلترا. وهناك نشر مجموعة قصائده الأولى، "وصية صبي"، تلتها مجموعته الشهيرة "شمال بوسطن"  عام 1914.

بعد عودته إلى الولايات المتحدة في عام 1915 مع عائلته، اشترى فروست مزرعة بالقرب من فرانكونيا في ولاية نيو هامبشاير. وفي وقت لاحق عمل في كلية امهيرست (1916-1938)، وبعض جامعات ميشيغان. وفي عام 1916 أصبح عضوا في المعهد الوطني للفنون والآداب. وفي العام نفسه ظهرت مجموعته الشعرية الثالثة.

في عام 1938 توفيت زوجته، كما خسر اربعة من أطفاله. فقد أصيبت اثنتان من بناته بانهيار عصبي، وانتحر ابنه كارول. وقد عانى فروست نفسه من الاكتئاب. وزاد من معاناته شعوره المستمر بالشك في ذاته فيما يتعلق بالرغبة في الفوز بجائزة نوبل للأدب.

بعد وفاة زوجته، تعلق فروست بزميلة سابقة له في التدريس تدعى كاي موريسون. وقد استخدمها سكرتيرة ومستشارة له.

في عام 1957 سافر فروست إلى انجلترا مع لورنس طومبسون، الذي أصبح فيما بعد كاتب سيرته. و في عام 1961 شارك في حفل تنصيب الرئيس جون كينيدي حيث ألقى قصيدتين من شعره.

سافر فروست عام 1962 إلى الاتحاد السوفياتي بوصفه عضوًا في مجموعة النوايا الحسنة. وقد تحدث مطولا مع رئيس الوزراء نيكيتا خروتشوف.

نال فروست العديد من الجوائز والمكافآت من مؤسسات سياسية وأكاديمية. وعند وفاته في 29 كانون الثاني / يناير 1963، كان فروست يعتبر أمير الشعراء غير الرسمي للولايات المتحدة.

بهجت عباسما يأتي به السيلُ

للشاعر حمودي الكناني

ترجمها الى الألمانية:

د. بهجت عباس


 

Was der Strom bringt

Dichter: Hammoudi El-Kenani

Übersetzer: Bahjat abbas

Jene war ihr Anfang;

Täuschende Parolen,

Verblasste falsche Versprechen.

Gibt es für einen Weg, den sie gingen,

Ein Ende und einen Führer,

der sie zum Abgrund führt?

Vielleicht überquerten sie, alle

Von hier oder von dort,

Aber du und ich bleiben noch,

Einer Spur zu verfolgen, sie sagen;

Es sei der Weg zur Güte.

Bloß eine Spur.

Wir bleiben noch ihr Dasein zu zeichnen;

Gesichter ohne Gesichtszüge,

Augen ohne Köpfe,

Köpfe ohne Staturen,

Wann dann blassen sie in ihre

Seelen Gewissheit,

Von ihren Pulsen die Blitzen,

Aus ihrem Blut die Wärme,

Aus ihren Augen die Visionen

und sagen die Wahrheit?

Nichts jemals ......!

Du und ich sind uns einig aber sie nicht.

Sie passten die Gelegenheit in unserer

Abwesenheit ab und lauerten.

Elend für ihr verhasstes Lauern!

Eines Tages werden sie zurück sein,

Wie sie waren,

Jämmerlich konkurriern sie mit uns

auf unserer ehrbaren Armut!

Und dann steigen die braunen Vorderarme empor,

Brünetten und Blondinen tanzen,

Begrüßung auf ihre ewige Niederlage

.............................

ما يأتي به السيلُ

للشاعر حمودي الكناني

كانت تلك بدايتُهم

شعاراتٌ خادعةٌ

وعودٌ كاذبة باهتة

فهل لطريقٍ سلكوه

نهايةٌ ودليل يقودهم الى الهاوية ؟

هم لربما عبروا جميعا

من هنا  او من هناك

اما أنت وأنا ما زلنا

نقتفي اثراً  يقولون

إنّه الطريق الى الصلاح

مجرد اثرٍ لا غير

ما زلنا نرسم كينونتهم

وجوها بلا ملامح

عيونا بلا رؤوس

هاماتٍ بلا قامات

فمتى إذن  ينفخون

فيها من روحهم اليقين

من نبضهم البروق

من دمهم الدفء

من أعينهم الرؤى ويصدقون ؟؟

لا شيء أبدا ......!

أنا وأنت متفقان تماما

 هم لا شيء،

لكنهم تحينوا الفرصة في غياب منا

 وتربصوا

تعسا لتربصهم الممقوت

يوما  ما سيعودون كما كانوا

بائسين يزاحموننا

على فقرنا المحترم !

وعندها ترتفع الزنود السمر

وترقص السمراوات والشقراوات

احتفاء بهزيمتهم الابدية !

 

 

جمال ابو زيدترجمة: جمال أبو زيد

6- الدبُّ والثعلب

تفاخر دبٌّ أمام ثعلب ذات مرة بأنه يُكِنُّ حبّاً جمّاً للجنس البشريّ، منذ أن اتّخذ مبدأً ألّا يأكل جثة. أجاب الثعلب: " أتمنى من السماء أن تشوّه الموتى لا الأحياء".

**

7- المرأة والدجاجة

كان لدى أرملة ٍ دجاجةٌ تبيض كلَّ يومٍ، وحَسِبَتْ أنها إن أعطت الدجاجةَ المزيد من الشعير، فسوف تبيض مرّتَيْنِ في اليوم. وهكذا، زادتْ حصّةَ الدجاجة ِ على هذا الأساس، غير أن الدجاجة سَمنَتْ ولم يعد في مقدورها حتى أن تبيض بيضةً واحدةً في اليوم.

**

8- الجديُ الواقف على سطح البيت

 رأى جديٌ، كان قد انتهى به التجوال إلى سطح بيت، ذئباً يمرّ تحته فطفق يهينُه ويسخر منه، فأجابه الذئب: " يا أيُّهذا الواقفُ هناك! لستَ أنتَ مَنْ يتهكّمُ عليَّ، بل المكان الذي تقف عليه".

**

9- الثعلب الذي لم يكن قد رأى أسداً من قبل قطّ

كان ثمة ثعلب لم يكن قد رأى أسداً من قبل قطّ. غير أنه قابل بالمصادفة ذات يوم أحد هذه الحيوانات وجهاً لوجه. وكان، في هذه المناسبة الأولى من نوعها، في غاية الرعب إلى حدِّ أنه شعر بأنه سيموتُ من الخوف. والتقى به مصادفةً مرة ثانية، وكان مرتعباً هذه المرّة أيضاً ولكن ليس إلى الحدِّ نفسه من الرعب الذي استبدّ به في المرة الأولى. بَيْدَ أنه حين قابله في المرة الثالثة، استجمع شجاعته في الواقع ليدنو منه وطفق يحادثه من غير كلفة.

**

10- البغلة

بدأت بغلةٌ، كانت قد سَمنَتْ جرّاء تناولها الشعير، تشعر بالمرح قائلة لنفسها: " أبي حصانٌ سريعُ العَدْوِ وأنا أشبهه في كلِّ شيء". بَيْدَ أنها ذات يوم ٍ كانت مرغَمَةً على خوض سباق. في نهاية السباق بدَتْ كالحة الوجه وتذكّرَتْ أن أباها كان في الواقع حماراً.

***

 

نزار سرطاويرضا الدين ستالين / بنغلادش

ترجمة نزار سرطاوي


ذاتَ يوم كانت العيونُ المراهقةُ أنهاراً صافية

هاهي الآن طافحةٌ بالقمامة

انكمشتْ إلى ما تركه القادة والممثلون والبيروقراطيون من فتات

ذكرياتُ المراهقة أنقذتني من أن أفقد رؤيتي

تأتي المدرسة منذ الطفولة فتمعنُ في تشريح الحاضر

النهر الأخضر يمد عنقه ليدعوَني أن أسبح فيه

السماء الخضراء تُمسِّد رأسي بلمسةٍ مهدئة

فترةُ ما بعد الظهيرة الخضراءُ تقدم لي الماء البارد

في الليلة العاصفة تسقط النجوم الزرقاء من السماء

عبر سلسلةِ الأحداثِ قطعةً فقطعة

يمكن للمرء أن يصل إلى شبابه

من أجل عصير النخيل جعلتُ عينيّ على أفق الشتاء

حيث تجلس المئات من طيور البلشون

المئات من البلشون في الزي المدرسي الأبيض

أيامٌ عديدة مرت دون أن أسمعَ كلماتِ الغربان الفيدية * 

وفجأة ينقطع الصمت اللامتناهي

وتتردد صرخاتُ الحمامة الثكلى

ثمّة مروحيةٌ تحوم وهي تنظر إلى الأسفل

أتذكر طائر الرفراف

لنعيش في هذه المدينة نحتاج إلى أن نُبدّلَ مشاعرنا 

عيونٌ مترعةٌ بالصيام والأكل

وتُسْمَع مباركة الشيطان

الذاكرة ُقاتلٌ صامت

لكن كي أنجوَ من الجحيم

أمسكُ بيده مرةً بعد أخرى 

..........................

Dissection2218 رضا الدين استالين

Rezauddin Stalin

 

Once the adolescent eyes were clear rivers

Now they are full of litter

They have shrunk to leftovers of leaders, actors and bureaucrats

Adolescent memories rescued me from losing vision

School from childhood comes forth by dissecting the present

The green river urges me to stretch his neck

The green sky gives a soothing touch on my head

The green afternoon offers me cold water

In the stormy night blue stars fall from the sky

In morsel throughout the series of events

One can reach to his youth

For palm juice many times I kept my eyes on the winter horizon

Where hundreds of white egrets are sitting

Hundreds of egrets in school white dress

Many days have passed without hearing ravens’ Vedic words

Suddenly infinite silence breaks

And resounds the cries of childless dove

A chopper is hovering looking down

I remember the Kingfisher

To live in this city needs altering of passion

Eyes full of fasting and eating

Satan's blessing is heard

Memory is a silent killer

Yet to survive hell

I hold his hand again and again

............................

* الكتابات الفيدية نسبة إلى نصوص الفيدا الدينية القديمة في الهند، وهي باللغة السريانية.

* رضا الدين ستالين: هو أحد شعر بغلاديش البارزين. ولد في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1962 في مدينة جيسور. حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد ودرجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة دكا. شغل منصب نائب مدير معهد نازرول لمدة 35 عامًا. تُرجمت قصائده إلى العديد من اللغات العالمية. وهو أيضًا مذيع تلفزيوني وشخصية إعلامية معروفة في بنغلاديش. كذلك فهو مؤسس ورئيس مركز الفنون المسرحية، كما يشغل منصب كبير المحررين في منظمة ماجيك لندن الأدبية.  وقد أصدر أكثر من 100 كتاب.

حصد الكثير من الجوائز الأدبية منها: جائزة دارجيلنغ ناتو تشوخرو (1985)، جائزة أكاديمة بنغالا (2006)، جائزة مودهاشودهان دوتا (2009)، جائزة ترونغو وجائزة نادي الكُتّاب وكلاهما من ولاية كليفورنيا الأميركية (2012)، وجائزة سيتي ألاندا آلو (205)، جائزة مؤسسة الصحفيين في المملكة المتحدة (2018)، وجائزة أمير شعراء طريق الحرير الصينية (2020).

 

صالح الرزوقخاقاني شيرواني - ميشيل كواي

ترجمة: صالح الرزوق


 

استيقظ أيها القلب!

هذا تحذير، فانظر بحذر.

استيقظ!

فكر بقوس طيسفون

وحكايته الحرجة.

توقف لحظة أمام طيسفون،

على ضفاف نهر دجلة.

اسمح لدجلة آخر

أن يتدفق من عينيك،

و يروي تراب طيسفون.

دجلة ينوح

ويذرف المئات من تيارات الدم الشبيهة بدجلة

تيارها الحار من دموع عاطفية

تتدحرج من بين الرموش.

وعندما تطفو الفقاعات

وترتمي على ضفاف دجلة،

تحرق بحرارة زفراته العاشقة

شفته.

اشهد على قلب دجلة،

وهو يحترق بنار الندم.

هل سمعت بمياه

تشويها ألسنة اللهب؟.

اذرف دموعك على ذلك النهر مرارا وتكرارا،

قدم الهبة من عينيك،

فالنهر منح قبلك هباته للمحيط.

ها هي الأنفاس الباردة على شفتي دجلة

تلتحم مع قلبه الملتهب،

وتجعل نصفه متجمدا،

ونصفه الآخر محترقا.

 

بعد فك سلسة

عدالة طيسفون،

كبلت الأغلال النهر،

وتدحرجت المياه بحنق وهياج.

 

لتناد، بين حين وآخر، على القوس

بلغة الدموع،

لربما تسمع الجواب

بأذن قلبك.

وكل قلعة حصينة بوجه المعارك

ترشدك وتنصحك.

اسمع الصوت القوي

وهو يردد كلماته في أعماق قلبك.

ويقول: "أنت مصنوع من التراب

وأنا الآن غبار تحت قدميك.

فلتتقدم فوقي بخطوتين أو ثلاث

ولتذرف بعض الدموع.

قسما بالله، نعيب البومة الشئيمة

يثقب دماغي. فلتبك يا وردة الماء،

ولتخلصيني من أوجاعي.

نعم، لماذا عليك أن تستغربي؟.

في مروج الكون،

البومة تقفو أثر العندليب،

والرثاء يعقب أثر الأغنية العذبة".

“أنا بلاط العدالة،

ولكن هذا الإجحاف يهزمني.

أي مهانة ستحل إذا

على بلاط الظلم الغاشم؟.

يبدو أن قوس كواكب السماء

قد تداعى

سواء بأمر من سيد السماء

أو بفعل دورة الزمن وحده”.

 

أنت تسخر من عيني،

قائلا“لماذا هذا البكاء؟”.

 ولكن يجب على الدموع أن تنهمر لخلاص العيون

التي لا تدمع في هذا المكان.

 

والمرأة الشمطاء ذات الشعر الأبيض في طيسفون

ليست أفضل من عجوز الكوفة،

ولا غرفتها الضيقة أفضل

من فرن امرأة الكوفة.

هل تعلم ماذا عليك أن تفعل؟

لتجعل طيسفون متعادلة مع الكوفة.

اصنع موقدا

من صدرك المشتعل

وأطلق الأمواج المتلاطمة من عينيك.

 

ها هو القوس نفسه

ومن غبار عتباته

هيأت معرض لوحات

من وجوه الرجال، وعلقتها على جدارك.

 

وها هي الصالة نفسها

التي اجتمع فيها الكثير من حكام العالم،

وفيها كان ملك بابل عبدا،

وملك تركستان حارسا.

 

وها هي المقصورة نفسها،

واسعة جدا حيث أن أسد الغاب الهصور المرسوم على ستارتها

يمكنه أن يشن هجوما

على أسد السماء.

 

تخيل ذلك كما كان،

انظر له بعين خيالك -

قاعة سلاسل العدالة

وما يقابلها في الميدان.

 

ترجل أيها الفارس!

كن بيدقا،

وضع قلعتك على اللوح الأرضي،

وشاهد نعمان يموت - وتدوسه

أقدام

الفيل.

لا، لا -

انظر للفيلة السفاحة،

للملوك مثل نعمان،

الذين

سحقتهم

فيلة

تمر ليلا ونهارا،

كما سحقهم زحف الوقت الغاشم.

 

كم من ملك فيل سفاح

احتمى بالقلعة

في لعبة شطرنج القدر؟.

كم مرة

واجهوا كلمة كش ملك،

بإذعان؟.

 

الأرض ذاتها ثملة،

ليس بالخمرة،

ولكن بدماء قلب أنو شروان

التي شربها بكأس مقدسة منحوتة من جمجمة هرمز.

 

عدد من المقولات الحكيمة

كانت مرئية فيما مضى،

منقوشة على تاجه.

والآن تتوارى في داخل ذلك الدماغ

مناقير

مئات العقبان.

الملك واليوسفي الذهبي،

برويز والأعشاب الذهبية،

كلها رحلت مع الريح.

ودون إنذار

كلها ألقيت

وسويت بالأرض.

 

في كل حفلة،

برويز يمرر أعشابه الذهبية،

ويخبر الجميع

أن يغنموا بعض الكنوز

من هذا الثراء.

 

برويز خسر أمامنا الآن!.

فليخمد ذكر ذلك الخاسر.

أين الأعشاب الذهبية التي كانت على طاولة المائدة؟.

تعال نترنم

بهذه الكلمات المختارة:

كم بقي وراءهم…

 

أنت تسأل:أين ذهب أولئك الملوك

الآن؟.

بطن الأرض المنتفخة

حبلى بهم، للأبد.

حقا، الأرض الحبلى

يلزمها عصور لحمل الثمار.

زرع البذار سهل،

لكن الولادة صعبة.

 

الخمرة

تتدفق من الكرمة،

فهي قلب الدماء العذبة.

وكرز زراع الخمور

يعصر من دم وعظام برويز.

هذه الأرض قتلت

جسم عدة طغاة.

 ولكن الوحش ذو العين المحمرة

لم يرتو أبدا،

وهذه الساحرة العجوز ذات الشعر الأبيض،

الأم ذات الصدر الأسود،

تهيء دم قلوب الأطفال

لتلون خديها.

 

خاقاني يتوسل ليتعلم

درس وعظات هذا البلاط

وهكذا من اليوم فصاعدا

سيتسول الملوك على عتبات دارك.

 

وإذا بحث، اليوم،

متشرد عن معونة من السلطان، في الغد السلطان

سوف يبحث عن معونة

عند عتبات باب المتشرد.

وإذا كانت المؤونة لطريق مكة

متوافرة في كل بلدة،

احمل مؤونتك إلى طيسفون

على سبيل هبة من أقدام شروان.

لكن كل حاج إلى مكة يحمل حجرة

من أوحال وادي جمرا،

فاحمل حجرتك من طيسفون

ولتكن من أوحال سلمان.

 

انظر إلى هذا المحيط الذي لا يتسع له بصرك!

إياك أن  تعبره قبل أن تحصل على جرعة.

لا يمكن لأحد أن ينصرف عن نهر

مثل هذا،

يشبه المحيط،

وهو عطشان.

 

والأشقاء الآتون على الطريق

يحملون معهم التذكارات.

هذه القصيدة

هدية

لقلوب البشر.

لاحظ السحر

المتغلغل في الشعر

هو من صنيع أحمق له قلب المسيح،

ومعتوه له روح حكيمة.

***

 الترجمة العربية صالح الرزوق - المصدر: ريبيكا روث غولد (برمنغهام - المملكة المتحدة).

2216 طاق كسرى

قوس طيسفون (طاق كسرى) في العراق المعاصر 

نوستالجيا عميقة، حزن، ورغبة لتسهيل مرور دروس التاريخ كلها مجمعة بهذه القصيدة التي وضعها خاقاني، الشاعر الفارسي من القرن الثاني عشر والمولود في أذربيجان (كما تسمى اليوم). تأثر خاقاني بزيارة لبقايا القصر الساساني في طيفسون وكتب مرثية للقوس المسحور والغامض الموما له أعلاه.

القوس هو كل ما تبقى من العائلة الوثنية العظيمة الأخيرة التي حكمت فارس العظمى بين 224 - 651. وقبل الفتوحات الإسلامية كانت الإمبراطورية الساسانية بمجدها تمتد من أواسط آسيا والباكستان في الشرق وحتى مصر وبلاد الشام والأناضول في الغرب. وكانت الإمبراطورية معروفة باتساعها وطبقتها البيروقراطية  المتماسكة، وتفوقها في تنظيم الدولة. وقد كانت مثالا للمحاكاة والاحترام حتى القرون الوسطى، وبعد فترة طويلة من تفكك الإمبراطورية. وكان الساسانيون، والملك أنوشروان بشكل خاص، معروفين بعدالتهم، وهو ما تجده مذكورا عدة مرات في القصيدة. والحقيقة أن العدالة كانت محترمة وبمقدور كل مواطن أن يشد سلسلة الجرس أمام باب البلاط ليطلب مقابلة الملك.      

في رثائه  الإمبراطورية الساسانية المفقودة، يأسف خاقاني لفقدان نظام حكم عظيم. ولكن رثاءه ليس مجرد حنين إلى العائلات السابقة، بل  يعمل على عدة مستويات رمزية. يعتمد خاقاني على التقليد العريق للقصيدة الشعرية عند العرب والذي عادة ما يبدأ مع الذات الشعرية - وتحيل  دائماً إلى عاشق خائب - يدخل مباشرة للإعراب عن افتقاد محبوبته. وعادة ما يكون هذا الحزن الغامر ناجماً عن إحساسه بما تبقى من خبائها الذي رحلت عنه (أطلال). وبنفس الطريقة يحزن خاقاني على ما تبقى من إرث ملموس للملوك الساسانيين، تماماً كما يحزن العاشق في هذا الشعر التقليدي. ومع أن هذه العلاقة الرمزية تكون مرئية بسهولة عند  أي قارئ / مستمع فارسي متعلم،  فهي أقل ظهورا وقوة في شخصنة خاقاني البارع لنهر دجلة واعتباره بديلا عن المحبوبة. فالنهر في تعرجاته و منعطفاته، وعاطفته الملتهبة للبلاط الذي يتدفق بمحاذاته،  يعكس العاطفة التي تنبع من مرأى الأطلال. ثم تتابع القصيدة بعد هذه الصور الافتتاحية لتعبر عن بالغ يأسها، وتحاول أن تقنع القارئ أنه من المهم أن نتعلم من دروس التاريخ. لا شك أن خاقاني يحثنا على ملاحظة الأجل المحدود والهشاشة التي هي من طبائع الأمور في كل شيء - وهذا يتضمن أيضا الإمبراطوريات الهامة.

...........................

* الترجمة الإنكليزية والتعقيب:  ميشيل كواي Michelle Quay - جامعة شيكاغو (اختصاص أدب فارسي)

النص الفارسي لقصيدة خاقاني شرواني (توفي 1190)

هان ای دل عبرت بین از دیده عبر کن هان ایوان مدائن را آیینهٔ عبرت دان 

 یک ره ز لب دجله منزل به مدائن کن وز دیده دوم دجله بر خاک مدائن ران 

 خود دجله چنان گرید صد دجلهٔ خون گویی کز گرمی خونابش آتش چکد از مژگان 

 بینی که لب دجله کف چون به دهان آرد گوئی ز تف آهش لب آبله زد چندان 

 از آتش حسرت بین بریان جگر دجله خود آب شنیدستی کاتش کندش بریان 

 بر دجله‌گری نونو وز دیده زکاتش ده گرچه لب دریا هست از دجله زکات استان 

 گر دجله درآميزد باد لب و سوز دل نیمی شود افسرده، نیمی شود آتش‌دان 

 تا سلسلهٔ ایوان بگسست مدائن را در سلسله شد دجله، چون سلسله شد پیچان 

 گه‌گه به زبان اشک آواز ده ایوان را تا بو که به گوش دل پاسخ شنوی ز ایوان 

 دندانهٔ هر قصری پندی دهدت نو نو پند سر دندانه بشنو ز بن دندان 

 گوید که تو از خاکی، ما خاک توایم اکنون گامی دو سه بر مانه و اشکی دو سه هم بفشان 

 از نوحهٔ جغد الحق ماییم به درد سر از دیده گلابی کن، درد سر ما بنشان 

 آری چه عجب داری کاندر چمن گیتی جغد است پی بلبل، نوحه است پی الحان 

 ما بارگه دادیم، این رفت ستم بر ما بر قصر ستم‌کاران تا خود چه رسد خذلان 

 گوئی که نگون کرده است ایوان فلک‌وش را حکم فلک گردان یا حکم فلک گردان 

 بر دیدهٔ من خندی کاینجا ز چه می‌گرید گریند بر آن دیده کاینجا نشود گریان 

 نی زال مدائن کم از پیرزن کوفه نه حجرهٔ تنگ این کمتر ز تنور آن 

 دانی چه مدائن را با کوفه برابر نه از سینه تنوری کن وز دیده طلب طوفان 

 این است همان ایوان کز نقش رخ مردم خاک در او بودی دیوار نگارستان 

 این است همان درگه کو را ز شهان بودی دیلم ملک بابل، هندو شه ترکستان 

 این است همان صفه کز هیبت ار بردی بر شیر فلک حمله، شیر تن شادروان 

 پندار همان عهد است از دیدهٔ فکرت بین در سلسلهٔ درگه، در کوکبهٔ میدان 

 از اسب پیاده شو، بر نطع زمین رخ نه زیر پی پیلش بین شه مات شده نعمان 

 نی نی که چو نعمان بین پیل افکن شاهان را پیلان شب و روزش گشته به پی دوران 

 ای بس پشه پیل افکن کافکند به شه پیلی شطرنجی تقدیرش در ماتگه حرمان 

 مست است زمین زیرا خورده است بجای می در کاس سر هرمز خون دل نوشروان 

 بس پند که بود آنگه بر تاج سرش پیدا صد پند نوست اکنون در مغز سرش پنهان 

 کسری و ترنج زر، پرویز و به زرین بر باد شده یکسر، با خاک شده یکسان 

 پرویز به هر بزمی زرین تره گستردی کردی ز بساط زر زرین تره را بستان 

 پرویز کنون گم شد، زان گمشده کمتر گو زرین تره کو برخوان؟ روکم ترکوا برخوان 

 گفتی که کجا رفتند آن تاجوران اینک ز ایشان شکم خاک است آبستن جاویدان 

 بس دیر همی زاید آبستن خاک آری دشوار بود زادن، نطفه ستدن آسان 

 خون دل شیرین است آن می که دهد رزبن ز آب و گل پرویز است آن خم که نهد دهقان 

 چندین تن جباران کاین خاک فرو خورده است این گرسنه چشم آخر هم سیر نشد ز ایشان 

 از خون دل طفلان سرخاب رخ آمیزد این زال سپید ابرو وین مام سیه پستان 

 خاقانی ازین درگه دریوزهٔ عبرت کن تا از در تو زین پس دریوزه کند خاقان 

 امروز گر از سلطان رندی طلبد توشه فردا ز در رندی توشه طلبد سلطان 

 گر زاده ره مکه تحقه است به هر شهری تو زاد مدائن بر سبحه ز گل سلمان 

 این بحر بصیرت بین بی‌شربت ازو مگذر کز شط چنین بحری لب تشنه شدن نتوان 

 اخوان که ز راه آیند آرند ره‌آوردی این قطعه ره‌آورد است از بهر دل اخوان 

 بنگر که در این قطعه چه سحر همی راند مهتوک مسیحا دل، دیوانهٔ عاقل جان

 

عامر كامل السامرائيللشاعر الأمريكي: كارل ساندبرج

ترجمها عن الإنكليزية: عامر كامل السامرّائي


يا ترى بماذا يفكر الجلاد

عائدا من عمله مساءً إلى البيت؟

وحينما يجلس مع زوجته وأطفاله

لتناول خليط اللحم والبيض وفنجان القهوة،

هل يا ترى يسألونه كيف كان يومه

وهل سار كل شيء على ما يرام،

أو إنهم يتحدثون عن موضوع آخر،

عن الطقس، أو عن كرة البيسبول، أو السياسة،

أو عن العناوين الهزلية في الصحف

أو عن الأفلام؟ هل ينظرون إلى يده

وهو يمدها للقهوة أو لخليط اللحم والبيض؟

وماذا لو قال الصغير:

أبي لنلعب لعبة الحصان إليك هذا الحبل

فهل سيجيبه مازحاً:

رأيت اليوم ما يكفي من الحبال؟

أم أن وجهه سيتألق فرحاً ويقول:

يا له من عالم جميل ورائع نعيشه

وإذا ما طلَّ البدر ذو الوجه الأبيض

من خلال النافذة حيث تنام طفلة -الجلاد-

وتخالط سناه مع اذنها وشعرها

بماذا سيشعر حينذاك؟ أكيد أن الأمر هين له.

فكل شيء هين للجلاد،

أعتقد.

***

 

.................

نبذة عن الأديب

ولد كارل ساندبرج عام 1878 في كوخ صغير من ثلاث غرف في جاليسبرج، إلينوي، وهو الطفل الثاني للمهاجرين السويديين أغسطس وكلارا ساندبرج. ترك المدرسة بعد الصف الثامن وعمل في وظائف عديدة وغريبة مثل توصيل الحليب، وعامل في معمل للطوب، وتلميع الأحذية في فندق، وذلك لمساعدة والديه في إعالة الأسرة

 بعد عودته من الحرب الإسبانية-الأمريكية إلى وطنه، التحق بكلية لومبارد. وأثناء وجوده هناك، جذب انتباه البروفيسور فيليب جرين رايت، الذي لم يشجع كتابته فحسب، بل دفع أيضاً ثمن وطبع أول مجموعة شعرية، وكان ذلك في عام 1904.

غالباً ما نجد أشعاره تتحدث قضايا العمل وحياة الفلاحين والسياسية التي عايشها بشغف وبشكل مباشر طوال حياته. غالباً ما تتشابك كتاباته مع المشهد المألوف لمحنة الطبقة العاملة، والتي تتجلى بوضوح في قصيدتي "أنا الشعب، والغوغاء".