MM80ترجمة لقصة الروائية الإسبانية

روصا مونتيرو

 


 

الأسود / ترجمة: يوسف سراج

 

في مقصف بإحدى الجامعات الألمانية. تحصل طالبة شقراء بدون أدنى شك ذات أصول ألمانية على طبقها والقائمة من على رفوف الخدمة الذاتية وبعد ذلك تجلس في إحدى الطاولات. تتذكر فجأة أنها نسيت أدوات المائدة فتنهض لإحضارها. تكتشف بذهول عند عودتها أن شابا أسود اللون، ربما قادم من إفريقيا جنوب الصحراء بسبب لون بشرته، قد جلس في مكانها وبدأ يأكل من طبقها.

 في البدء، تجلس الفتاة مرتبكة فهي تحسّ بأن الشاب تهجّم عليها، لكن سرعان ما تصحّح تفكيرها وتفترض أن الإفريقي ليس متعودا على معنى الملكية الخاصة والحميمية لدى الأوروبي وحتى إنه ربما لا يملك المال الكاف لثمن الطعام ولو أنه بخس بالمقارنة مع مستوى العيش في البلدان الأوروبية الغنية.

 إذ ذاك، تقرّر الشابة الجلوس وجها لوجه قبالة الشاب الإفريقي وتبتسم له وديا، رد الإفريقي على كل هذا بابتسامة بيضاء أخرى. بسرعة تبدأ الألمانية بالأكل من الطبق محاولة إظهار أن الأمور تسير بشكل طبيعي ومشاركتها للطعام بكل كرم ولباقة مع الشاب الأسود. وهكذا، هو يأكل السلطة وهي تشرب الشوربة. الاثنان يأكلان بتساو من الطبق الخزفي حتى إنهائه، هو يأكل الزبادي وهي قطعة الفاكهة. كل هذا بابتسامات مؤدبة من الاثنين. محتشمة من الشاب ولطيفة ومتفهمة من قبلها.

 بعد الانتهاء من الغداء، تنهض الألمانية لإحضار فنجان قهوة. وعندها تكتشف في الطاولة المجاورة من خلفها، معطفها معلقا على ظهر الكرسي وطبق غدائها سليم لم يمسه أحد.

 

*روائية وكاتبة إسبانية ولدت سنة 1951 بمدريد

 

adil salehترجمة لنص الشاعرة

جين هيرشفيلد

 


 

قصيدة ذات نهايتين / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

شاعرة ومترجمة وكاتبة مقالات اميركية من مواليد مدينة نيويورك لعام 1953. تلقت تعليمها في جامعة برنستون. نشرت سبع مجموعات شعرية نالت او رشحت لجوائز مرموقة عديدة. عملت بالتدريس في جامعات عديدة وشاركت في برامج عديدة لتدريس الكتابة الابداعية وفي مهرجانات ونشاطات كثيرة داخل وخارج الولايات المتحدة، وتشغل حاليا منصب مستشارة اكاديمية الشعراء الأميركيين. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (عن الجاذبية والملائكة)1988؛ (قصر اكتوبر)1994؛ (حيوات القلب) 1997؛ (حصى وتجارب) 2004؛ و(تعال ايها اللص: قصائد) 2013.

 

قصيدة ذات نهايتين

قل "الموت" وسوف تتجمد الغرفة كلها -

حتى الأرائك ستتوقف عن الحركة،

حتى المصابيح.

مثل سنجاب يدرك فجأة انه مراقب.

قل الكلمة على نحو متواصل،

وسوف تبدأ الأشياء بالتقدم.

تتخذ حياتك

النسيج المخدد لشريط سينمائي قديم.

واصل قولها،

احبسها لحظة بعد لحظة داخل الفم،

ستصبح كلمة اخرى.

مركز تسوق يلتف كالدوامة حول جثة خنفساء.

الموت نهم، يلتهم كل شيء حي.

الحياة نهمة، تلتهم كل شيء ميت.

لا احد منهما يقنع ابدا، لا احد منهما يشبع ابدا،

كلاهما يلتهمان ويلتهمان العالم.

قبضة الحياة قوية كقوة قبضة الموت.

(لكن الحبيب الذي رحل الذي رحل: آه اين؟)

 

husan alikhedayrترجمة لنصوص الشاعر

ايفان بونين

 


 

في ساعة متأخرة / ترجمة: حسين علي خضير

 

في ساعة متأخرة*

 

عّم الهدوء في السفينة

واطبق الظلام

والأمواج تتلاطم

في مؤخرة السفينة.

ضوء النجوم

والتماع المحيط  -

كانت مملكة من الليل السماوي

الصمت لا حدود له

في هذه المملكة السماوية

وسكون دائم،

وفي منتصف الليل

النجوم تحرس البحار

وتتمايل فيها ويكتنفها الغموض.

النعيم الجنوب،

ساكن ومحاط بالأسرار،

ونبعث نور الليل البهيج

في روحي -

والروح مفعمة بالجمال الأبدي

وحقيقة الجمال السماوي.

***

 

استيقظت فجاءة بلا سبب

حلمت بشيء حزين -

ومن خلف الحور الجرداء

أطل البدر عبر نافذة.

الضيعة كانت غارقة بالصمت

في أوقات الخريف،

وفي سكون الليل

كل ما في البيت كان مقفر

أشبة بطير صغير مهجور

يصيح في البيدر.

***

 

غيوم أشبة برؤى اطلال

اطلت مع بزوغ الفجر

عبر الوديان،

ليلة دافئة، حزينة، وظلماء،

وحيد انا في البيت المظلم.

رنين خافت لثريا

يرافقها خطواتي

في الغرفة الخالية ...

والليل - هو الجمال الابدي،

والفجران يلتقيان

في الأفق البعيد.

 

* أصل القصائد بلا عنوان ، وهذا العنوان مقترح من قبل المترجم

 

MM80ترجمة لنص الشاعر

جون دن

 


 

رفات العاشقين / ترجمة: انطونيوس نبيل

 

1.

عندما يُدَاهَمُ قبري ثانيةً؛

ليُطوَى فِي جوفِهِ

نزيلٌ آخر

(فالقُبورُ صَارتْ أفرِشةً

بطائنُها مِن عُهرٍ،

تحتفي بزُمَرِ العَابرين)

 

عندما يتفرَّسُ نابشُ القبرِ،

فِي سُوَارٍ مِن الشَّعرِ الوَهيج

يُحيقُ بعظمةِ زَندي

 

أيأبى حينها

أن يدعنا لخلوتِنا

مُتفكِّرًا

أنه هاهنا يرقدُ عاشقان

جَعَلا مِن خُصلةِ الشَّعرِ

حِيلةً تُمكِّنُ رُوحيهما

مِن أن يلتقيا

يومَ الصَّيحةِ والحَشرِ المَهيب

ويتلكّآ عَن اجتيازِ

الصِّراطِ المَخوفِ الرَّهيف

ويتلبَّثا هاهنا بُرهةً؛

ليختلسا عِناقًا وجيزًا؟

 

2.

 

إن حدثَ هذا فِي زمنٍ

يَحكمُهُ نُسْكٌ فاجِر

أو فِي أرضٍ تغمرُها

أبخرةٌ من وَرعٍ ماجِن

فحتمًا سيهرولُ بعظامِنا

نابشُ القبرِ

إلى المَلكِ الفقيه؛

ليجعلَ مِنَّا رُفاتًا مقدسة

 

ستصبحينَ مريمَ المَجدلية،

ولربما أصيرُ

شهيدًا مِن كتبةِ الوحي

وكلُّ النساءِ

سيتضرَّعنَ إلينا خاشعات

وبعضُ الرجالِ سيتشفَّعونَ بِنَا

 

ها أنذا أكتبُ قصيدتي هذي

لذاك العَهدِ البليد

حيث جميعُ البشرِ

لا يلتمسونَ إلا المعجزاتِ؛

كي يعلموا أيةَ معجزةٍ

اجترحناها

كعاشقينِ مُبرَّأينِ

مِن كلِّ رِجسٍ ودنس

 

3.

 

في البَدءِ تمازجنا هُيامًا

لا نُدركُ لشغفِنا عِلةً ولا غاية

لا نعرفُ عن تباين أجسادِنا

أكثرَ مما يعرفُهُ ملائكةٌ أطهار

 

مُصَادفةً

كانت شفاهُنا تتراشفُ

في لِقاءٍ أو فِراق؛

قبلاتُنا لم تكُن خبزًا يُتخِمُنا

ولا خمرًا يُغشِّينا

 

لم تَمْسَسْ أيدينا أختامًا

منحتها الفِطرةُ إعتاقًا مَكلومًا

مقروحًا مِن سقوطٍ قديم

 

ها هي المعجزاتُ التي اجترحناها

لكن وا أسفاه تضيقُ العِبارةُ

وتصيرُ كلُّ اللغاتِ بَكماء،

حينَ أُحاولُ جاهدًا

أن أقُصَّ نبأَ آيتِنا عليهم

وأُبلِغَهم أيةَ معجزةٍ كانت

 

 

 

husan alikhedayrترجمة لنص الشاعر الروسي المعاصر

فلاديمير ساليمون (١٩٥٢)

 


 

لابد للريح ان تهب / ترجمة: حسين علي خضير

 

لابد للريح ان تهب،

وتنحني الشجيرات،

ويقعقع الزجاج.

واما الخير والشر

موجود فعلاً

على الارض.

 

قبل ذلك كنت اشعر ببشرتهم

كالنور والظلام،

واشعر بثقلهم المنهك

على قلبي وعقلي.

 

 

 

لوح لي بالوداع

لا اسمع صوت صديقي الجهور

الممتلئ بالألم،

ولا صوت يشبه صوته

ليصل الى قاع الهاوية.

 

المسافة بيننا

زادت في عيوننا.

لوح لي بالوداع

وتوارى في السحب.

 

نظرت الى اثره  بشتياق

عبر الظلام الذي لا يُطاق،

وخلف ركام من الثلج،

يسكب النور

في الأفق البعيد.

 

* النص الأصلي للقصائد بلا عنوان، وهذه العناوين المقترحة هي من اختيار المترجم.

 

adil salehترجمة لنص الشاعرة الاميركية

سوزان دونيلي

 


 

حواء تسمي الحيوانات / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

شاعرة اميركية من اصل ايرلندي من مواليد مدينة والثام بولاية ماساتشوسيتس عام 1939 حيث تلقت تعليمها وبدأت نشر شعرها فأصدرت اول مجموعة شعرية لها بعنوان (حواء تسمي الحيوانات) عام 1985 فازت بجائزة صموئيل فرينتش مورس. لها مجموعتان اخريان هما (عبور) 2001 و(التقط العـَلـَم) 2009.

 

حواء تسمي الحيوانات

 

بالنسبة لي كانت كلمة (أسد) شمسا محلقة

فوق الجنة. كلمة (حمامة)

مخلوقا اعمى يحفر وجارا.

 

اُقسم ان ذلك الرجل

لم يعرف الحيوانات قط. والكلمات

يرصفها حسب الحجم،

 

بينما تنسل الأفيال

مطفئة الأعين

في الماء

 

وتنطلق

اسماك السلمون المرقطة من الشجيرات تحت،

مدججة بالأنياب ومستعدة للمعركة.

 

الاسم الذي أعطانيه ربطني

به. فعل ذلك كي يريحني،

لعدم كوني الأولى.

 

في الصباحات، بينما ينام،

كنت اذهب. تتقافز

صغار الأسماك على الأغصان فوقي.

العنكبوت وحده يرافقني،

وهو يدس خطمه في كل مكان،

وينط كي يلعق يدي.

 

العصفور المسكين. اعتقد انني

كنت وبالا عليه-

كيف كان يأتي بحثا عني،

لا يريد ايا منا

ان يكون لوحده ابدا.

 

لكن بالنسبة لي كنت

فرسا

        غرابا

                ثعلبا...

انظم الكلمات

من جذورها في خيط وارتديها

اكاليل خلال نزهاتي الطويلة.

 

في اليوم التالي

اجدها ذابلة.

 

يعجبني التغيير.

 

MM80ترجمة لحكاية اسطورية

من شبه جزيرة القرم

 


 

نافورة الدموع / نقلها عن اللغة الروسية: حسن البياتي

 

عنيفاً جداً ورهيباً جداً كان الخان كريم – گيري. لم يرأف بأحد يوماً، ولا رثى لأحد قطُ. قوياً كان الخان، غير أن قوته لم تكن لتصمد أمام جبروته.

إرتقى كريم – گيري، المتعطش للدماء، عرشه عبر ركام من الجثث. لقد أمر بذبح جميع الذكور من أفراد عشيرته، بمن في ذلك الأطفال الذين لم يتجاوز طول أحدهم مسمار محور العجلة، لكي لا يفكر أحد بالسلطة مادام هو، الخان، على قيد الحياة.

حينما كان كريم – گيري يقوم بشن غاراته كانت الأرض تلتهب ناراً، ولا يتبقى، بعدها، سوى الرماد. لم تلامس قلب هذا الجزار أية آهات أو عبرات... لقد كان يشرب حتى الثمالة من دماء ضحاياه. يرتعش الناس رعباً، ويجري الهلع هارباً عندما يُذكر اسمه.

وليكن! دعوه يجري – كان الخان يردد – إنه لأمر حسن أن يرتعد الناس خوفاً.

لقد استعاض بالسلطة والمجد عن كل شيء: عن الحب، وعن البشاشة، بل حتى الثروة لم يولها حباً، بالقدر الذي خصّ به السلطة والمجد.

غير ان الانسان، كيفما كان، لا يخلو من قلب ليكن قلباً من حجر، ليكن من حديد!... ان طرقت الحجر استجاب لك الحجر. إن نقرت على الحديد رنَّ لك الحديد... أما في أوساط الناس فقد شاع أنَّ كريم – گيري لا قلب له. وأنّ له بدلاً من القلب كومة من وبر. فإن طرقت في كومة من وبر،فأي رد تتلقى؟! وهل يسمع مثل هذا القلب؟! إنه صامت، لايجيب!

ولكن، ها هو ذا الأفول يدرك حياة الرجل، فقد هرم الخان الذي كان، في حين من الأحيان، شاباً يافعاً... وهن قلب الخان وتسلل الحب الى سويدائه. فإذا بالقلب الذي كان مكتسياً بالوبر يصبح، بين عشية وضحاها، قلباً بشرياً حقاً، عارياً، بسيطاً...

في ذات يوم جاءوا الى حريم الخان العجوز بجارية سبية. كانت هذه صبية ضئيلة نحيلة، اسمها دلاري. جلبها كبير الطواشية. عرضها على كريم – گيري، وراح يتمطق إعجاباً وهو يبالغ في إطراء الصبية المملوكة.

لم يستطع الخان العجوز أن يجلب، بلطفه وحنانه، الدفء الى قلب الصبية دلاري. ومع ذلك فقد أحبها كريم – گيري. ولأول مرة في حياته الطويلة المديدة، أحس بأنّ من الممكن للقلب أنْ يتوجع، أن يكابد، أن يبتهج...، أحس بأن القلب ينبض بالحياة.

لم تعش طويلاً دلاري. ذوت الصبية في الأسر، مثل نوّارة طرية حُجبت عنها أشعة الشمس.

أن يحب الرجل وهو في خريف العمر...، ذلك لأمر في غاية العسر. إن مثل هذا الحب يترك القلب في دوامة من الألم المستمر. وحين تغادر المحبوبة الحياة يبكي الفؤاد دماً. لقد أدرك الخان كيف يعاني القلب البشري عندما تلمّ المصيبة بحامله. إن الحياة غدت شاقة بالنسبة للخان العظيم، مثله مثل أي انسان بسيط.

استدعى الخان فناناً ايرانياً ماهراً يدعى عمر وقال له:

- أريدك أن تصنع من الحجر ما يحمل حزني على مر العصور، أن تجعل الحجر يبكي مثلما يبكي فؤاد الرجل.

سأله الفنان:

- جميلةً كانت الصبية؟

- أنت لا تعرف الا القليل عن هذه المرأة، - أجاب الخان، - لقد كانت غضة فتية... كانت رائعة كالشمس، رشيقة كالظبية، وديعة كالحمامة، بارّة كالأم، ناعمة كالصبح، لطيفة كالطفل...

أصغى الفنان عمر طويلاً، ثم فكّر ملياً: كيف يعمل من الحجارة دموعاً آدمية؟

- ما الذي تستطيع أن تعتصره من الحجر؟ - قال، موجهاً كلامه الى الخان، - الحجر صامت. لكنْ، اذا بكى قلبك فلسوف يبكي الحجر. إن كان لك قلب فينبغي أن يكون للحجر قلب أيضاً. أوَ تريدني أن أنقل دموعك الى الحجر؟ حسناً، سأفعل ذلك. لسوف يبكي الحجر. ولسوف يتحدث عن حزني أيضاً، عن شجن الفنان عمر. سيعرف الناس كيف تبدو دموع الرجال. أقول لك الحق، إنك قد سلبتني كلَّ ما كانت تحيا عليه نفسي: الأرض العزيزة، الأسرة، الشهرة، العزة... لم يرَ دموعي أحد من البشر. لقد بكيت من دم قلبي. والآن سيرى الناس هذه الدموع. سوف يرون الدموع الحجرية. إنها ستكون دموعاً رجالية كاوية، تعبر عن حبك، وعن حياتي.

على لوح من الرخام حفر عمر بتلة زهرة واحدة، ثم اخرى... وفي وسط الزهرة نقش عيناً بشرية، كان ينبغي أن تسقط منها، على صدر الحجر، دمعة رجالية ثقيلة، لتلفحه ليل نهار، دون أن تتوقف على مدى السنين والأزمان. أن تحتشد الدمعة في العين البشرية، ثم تنحدر رويداً رويداً – مثلما على الوجنتين والصدر – من كأس زهرة الى كأسِ أخرى.

ثم نحت الفنان عمر قوقعة، رمزاً للشك. لقد كان يعلم أن الشك يأكل قلب الخان: لأي غرض كانت ضرورية له حياته كلها؟ البهجة والكآبة، الحب والكره، المشاعر الانسانية جميعها؟

تقف، حتى يومنا هذا، في صرح باخچي سراي، نافورة تبكي، تبكي في الليل والنهار...

هكذا نقل لنا الفنان الماهر عمر، عبر القرون، الحب والشجن: حياة وموت الفتاة اليافعة دلاري، ونقل آلامه ودموعه هو، أيضاً...

 

MM80ترجمة لنصيّ الأديب الأرجنتيني

خورخي لويس بورخس

 


 

بورخس يمدحُ الظلمةَ والكتاب /ترجمة: بسّام البزّاز

 

للأديب الأرجنتيني الكبير خورخي لويس بورخس (بوينُس آيريس 9918- جنيف 1986) قطعتان أدبيتان: واحدة شعرية عنوانها "في الثناء على الظلمة" (1969) والثانية نثرية عنوانها: "في الثناء على الكتاب" (1985). كتبهما وقد أتى العمى على بصره تماما بعد إصابته بمرض وراثي بدأت أعراضه الأولى في عام 1939.

القطعة الشعرية تتحدّث عن أثر الآفة في نفسية الشاعر وعن ذكرياته. بينما لا تتحدث القطعة النثرية، التي كتبها قبل عام واحد من وفاته، إلا عن الكتب وشغف الأديب الكبير بها:

 

في الثناء على الكتاب

هناك من لا يستطيعُ تصوّر عالمٍ من دون طيور. وهناك من لا يقدر على تخيّله من دون ماء. أمّا أنا فلا يمكنني أن أتصوّر عالما من دون كتاب.

لقد عاش الإنسان على مدى التاريخ وهو يحلمُ ويخترعُ أدواتٍ لا عدّ لها ولا حصر. أبدع المفتاح، وهو قطعة معدنية تفسح الطريق للدخول إلى قصر كبير. واخترع السيف والمحراث ليكونا امتدادا لذراع مَن يستعملهما. وابتدعَ الكتاب، وفيه إضافة على رقعة خياله وذاكرته الدنيويّة.

مع (فيدا) الهندوس والإنجيل بدأ الحديث عن مفهوم الكتب المقدسة. والواقع هو أنّ كلّ الكتب مقدسة. في الصفحات الأولى من رواية (دون كيشوت) يذكر (ثيربانتس) إنّه اعتاد التقاط أيّة قطعة ورقية مطبوعة يجدها منبوذة على قارعة الطريق. فكل ورقة كتبت عليها كلمة هي رسالة تبعث بها روح إنسانية إلى روح إنسانية أخرى.

قد يضيع عالمنا الرائع المتقلّب، الآن كما هو دائما، فلن نجد من ينقذه غير الكتب. فالكتب هي خير ما يتمتع به جنسنا البشري من ذاكرة.

يرى (هيجو) أنّ كلّ مكتبة هي عمل من أعمال الإيمان. ويقول (إمرسون) إنّ المكتبة خزانة تحفظ عصارة أفكار النخبة من المفكرين. ويذهب (كارليل) إلى إنّ خير جامعات عصرنا موجودة في حفنة من الكتب. أمّا السكسون والاسكندنافيون فقد بلغت افتتانهم بالحروف أن اطلقوا عليها اسم (runas) وتعني الأسرار أو الهمهمات.

وما زلتُ، على الرغم من سفري المتكرر، ذلك الـ (ألونسو كيخانو) المتواضع الذي لا يبلغ شأو (دون كيشوت) جرأة، فما زلت أغزل حكاياتي القديمة ثمّ أنقض الغزل. لا أدري إن كان ثمّ حياة أخرى، ولكن إنّ صحّ وجودها فأمنيتي هي أن أعثر في جوارها على الكتب التي قرأتها على ضوء القمر، بأغلفتها ورسومها وربّما باخطائها، وأن أتوفّر على تلك التي ما زالت في ظهر المستقبل.

 

في الثناء على الظلمة

الشيخوخة (وهذا هو الاسم الذي يطلقه الآخرون على زمن السعادة)

 

يمكن أن تكونَ زمنَ سعادتنا.

الحيوانُ مات أو هو ميت تقريبا.

ويبقى الإنسانُ وروحُه.

أعيشُ بين صورٍ وأشكال مضيئة وغامضة

لا تبلغُ مبلغَ العتمة.

بوينس آيرس،

التي تمزّقت في ضواحٍ

صوب السهول بلا انقطاع،

عادتْ إلى حي (الريكوليتا) وحي (الرتيرو)

وشوارع الحي الحادي عشر المشوشة

والبيوت العتيقة الواهية

التي ما زلنا نسميها الجنوب.

دائما كانت الأشياء في حياتي كثيرة؛

لقد سمل ديموقريطوس الأبديري عينيه لكي يفكّر؛

وكان الزمن هو ديموقريطوس معي.

هذه الظلمة بطيئة وغير ذات ألم؛

تنساب على منحدر سلس

كأنّها الأبد.

أصدقائي من دون وجوه،

والنساء هنّ نساء الماضي البعيد،

والزوايا قد تكون أخرى

ولا حروف في صفحات الكتب.

وفي ذلك ما يرعبني،

لكنّ فيه حلاوة ورجوعا وعودة.

لم أقرأ من أجيال نصوص الأرض سوى القليل،

وهي ما أواصل قراءته في ذاكرتي

أقرأه وأحوّله.

من الجنوب ومن الشرق ومن الغرب ومن الشمال

تلتقي الطرق التي حملتني

إلى مركزي السري.

تلك الطرق كانت أصداءً وخطى،

نساءً... رجالا... احتضاراتٍ... انبعاثات...

نهاراتٍ ولياليَ

بين نوم وأحلام،

كل لحظة تافهة من لحظات الأمس

وأيام العالم المنصرمة،

سيف الملك الدنماركي الصارم وقمر الفارسي،

أفعال الموتى،

الحب، الكلمات،

(إمرسون) والثلج وأشياء كثيرة.

في مقدوري الآن أن أنساها. ابلغ مركزي،

أصل إلى مفتاح هويتي،

إلى مرآتي.

قريبا سأعرفُ نفسي.

 

bahjat abaasترجمة ألمانيّة لنصّ الشاعر

عمّار المطّلبي

 


 

 / ترجمة: بهجت عباسSind wir alle (Moses(!?

 

Einige von mir schliefen

und Einige nicht,

als ob mein Körper ein Schiff wäre,

und das Universum ein Meer!

-------------------------------

Sind wir alle (Moses(!?

Dichter: Ammar Motalebi

Übersetzer: Bahjat Abbas

 

Flut und Ebbe

und das Wasser

vom Nichtsein.

Was ist der Vorteil des

Gefangener Fußes im Gefängnis?

Ich weide in keiner Wiese

und in meiner Hand ist ein Stift,

mit dem ich den wilden Schmerz

von meinem Tag wegschicke.

Die Gegensätze in meinem Verstand

haben vereinigt und

keine Frage ausgeruht weder

keine Reue beruhigt.

Einige von mir schliefen

und Einige nicht

als ob mein Körper ein Schiff wäre

und das Universum ein Meer!

Wir alle sind Moses, den

eine Mutter in den

Fluss warf,

wobei das Wasser

von Tränen und Blut ist.

Sie sagte ihr (Folge seiner Spur(

aber Krankheit bedeckt sie.

)Lass das Meer ihn(

ins Meer der Dunkelheit werfen

mit blindem Ufer

und einem Land von Langweile.

Ich lebe und die Erinnerung ist

wie ein Berg auf meinem Herzen.

Allein aber ich wäre Nationen

mit meiner Sehnsucht!

Ein Vogel guckt an mich mit Schweigen

und Kummer in den Augen

aber manches Schweigen ist ein Mund.

Wie hast du gelangt

zwischen zwei Gefängnissen;

Senilität und Tod,

und die Gipfel verlassen!

 

بَعضِيَ قدْ نامَ

وَبَعضٌ لَمْ يَنَمْ!

كأنَّ جِسمي قاربٌ

وَالكونَ يَمْ!ّ

......................

أكلّنا (موسى!؟) / عمّار المطّلبي

مَدٌّ و جَزْرٌ

وَالمياهُ مِنْ عَدَمْ

ما نَفْعُ في السجْنِ

لِمَسْجونٍ قَدَمْ!؟

أرعى بِلا مَرعى

وَفي كَفِّي قَلَمْ

أهُشُّ عَنْ يَومي

بهِ ذئبَ الألمْ

تآختِ الأضدادُ

في عقلي وَلَمْ

يهدأْ سؤالٌ لا

ولَمْ يَهجَعْ نَدَمْ

بَعضِيَ قدْ نامَ

وَبَعضٌ لَمْ يَنَمْ!

كأنَّ جِسمي قاربٌ

وَالكونَ يَمْ!

أَكُلُّنا (موسى)

وَقدْ أَلقَتْهُ أُمْ

في النهرِ

حيثُ الماءُ مِنْ

دَمْعٍ وَدَمْ!

تقولُ (قُصّيِهِ)

وَيَغشاها سَقَمْ

(فَلْيُلقِهِ اليَمُّ)

إلى بحرِ الظُلَمْ

بِساحلٍ أعمى

فأرضٍ منْ سأمْ!

أعيشُ والذكرى

على قَلبيْ عَلَمْ!

وَحدِيَ لكنّيْ

بأشواقيْ أُمَمْ!

حمامةٌ ترنو

وفي العينَينِ غَمْ

إليّ في صَمتٍ

وَبعضُ الصمتِ فَمْ

كيفَ انتهيتِ

بينَ سجنَينِ الهرَمْ

والآخر الموت

وغادرتِ القِمَمْ!؟

 

.....................

* علم : جبل

 

bahjat abaasترجمة لقصة الشاعر الروائي الألماني

برتولت بريشت (1898-1956)

 


 

لو كانت أسماك القَرَش بشراً / ترجمة: بهجت عباس

(إلى كلِّ من ذرف دموعَ التماسيح

على إهانة برلمان يَـعِـجّ بكواسج بشريّة)

 

"لو كانت أسماك القرش (الكواسج) بشراً، هل ستكون لطيفة مع الأسماك الصغيرة؟ " سألت البنتُ الصغيرةُ لصاحبة النُزل السيّدَ (ك).

"بالتأكيد." أجاب السيّد (ك). إذا كانت الكواسج بشراً، فلسوف تبني صناديقَ ضخمةً في البحر تحوي كلّ أنواع الطعام، من نبات وحيوان. وستهتمّ بأنْ تحويَ هذه الصناديق ماءً متجدّداً طريّاً دوماً وعناية طبّية شاملة، فمثلاً، إذا أصاب زعنفةَ سمكةٍ صغيرةٍ أذىّ، فستُضمَّـدُ فوراً، لئلاّ تموتَ قبل الأوان، فتخسَرَها الكواسجُ.

ولئلاّ تُصبِحَ الأسماكُ الصغيرةُ كئيبةً، تُقام مهرجاناتٌ مائيّة كبيرة؛ لأنَّ طعْمَ الأسماك المرحة ألذُّ من طعم الأسماك الحزانى.

وستوجد طبعاً مدارسُ أيضاً في الصّناديق الكبيرة. في هذه المدارس تتعلّم الأسماك الصغيرة كيف تسبح في حلاقيم الكواسج. وتحتاج أنْ تتعلّم الجغرافية، حيث بواسطتها تجد في أيّ مكان تضطجع الكواسج الكسالى. والغاية الأساس هي التهذيب الخلقي للأسماك الصغيرة. سيُدرَّسون بأنّ الأعظم والأجمل هو عندما تُضحّي السمكة الصغيرة بذاتها بسرور، وأنْ تضع ثقتها بالكواسج، وخصوصاً عندما تقول لها بأنّها مهتمّة بمستقبل زاهر لها، وأنَّ هذا المستقبلَ مضمونٌ فقط إنْ تعلّمت الطاعة. وبخاصة يجب عليهم، الأسماكَ الصّغيرةَ، أنْ يبعدوا أنفسَهم عن كلّ الميول المنحرفة والماديّة الوضيعة وأنانية الذات، وأن يُخبروا الكواسج فوراً عن كل واحد انخرط في مثل هذه الاتّجاهات.

لو كانت الكواسج بشراً، ستضطرم حروب بينهم ليغنموا صناديقَ وأسماكاً أخرى. وستـشنُّ هذه الحروبَ أسماكُهم الصغيرة. سيعلّمون الأسماكَ الصغيرة أنّ ثمّة فارقاً كبيراً بينهم وبين الأسماك الصغيرة التابعة للكواسج الأخرى. وسيُخبرونهم بأنَّ الأسماك الصغيرة الأعداءَ بُكْـمٌ ، كما هو معروف، ولكنّها صامتة في لغات أخرى مختلفة تماماً، حيث من المستحيل أنْ يفهم أحدُها الآخرَ. وكلُّ سمكة صغيرة تقتل عدداً من الأسماكٍ الأعداء الصّامتة في لغتها الخاصّة، ستُـقـلّدُ وساماً من الطُّحلُب وستحوز على لقب بطلة.

لو كانت الكواسج بشراً، سيكون هناك فنّ ولا ريب. ستكون ثمّة صورٌ جميلة تُظهر أسنان الكواسج في ألوان زاهية، حلاقيمهم سُتًصوَّر كحدائق ساحرة خالصة للمتعة، يمكن لأيِّ واحد أن يلعب فيها بزهوٍ.

المسارح الواقعة في قعر البحر ستَعرِضُ، كيف أنّ سمكاً صغاراً شجعاناً يتباهون بسباحتهم في حلاقيم الكواسج، والموسيقى ستكون جدَّ جميلةٍ حيث الأنغامُ، وجوقـتُها في الأمام، تجعل الأسماك الصّغيرة هانئةً حالمةً مليئةً بأفكار مهدِّئةٍ تنساب في حلاقيم الكواسج.

سيكون دينٌ هناك أيضاً، لو كانت الكواسج بشراً، تدرّسهم بأن حياة الأسماكَ الصغيرةَ تبدأ في الحقيقة في بطون الكواسج.

وبهذا، لو كانت الكواسج بشراً، لانعدمت المساواة أيضاً بين الأسماك الصغيرة، لا كما هم عليه الآن. بعضٌ منهم سيصير إداريّين على رؤوس الآخرين. أولئك الذين هم أكبر سيأكلون الأصغر، وسيكون هذا مُمتعاً لدى الكواسج، لأنّها، ذاتَها، ستحصل على لُقَمٍ كبيرة في أكثر الأحايين. والأسماك الكبيرة الإداريّة تقوم بحفظ النظام بين الأسماك الصّغيرة؛ معلّمين، ضبّاطاً، ومهندسين لبناء الصناديق وغير ذلك.

وبإيجاز، لو كانت الكواسج بشراً، ستكون ثقافةٌ في البحر لأولّ مرّة.

 

MM80ترجمة لنص الشاعر

جون دن

 


 

الصباح المقدس / ترجمة: أنطونيوس نبيل

 

1.

في صدقٍ

أتساءلُ مَشدوهًا

عمَّا فعلناه أنتِ وأنا

إلى أن تمازجنا هُيامًا؟

أكنَّا لم نبلغْ

بَعْدُ عهدَ الفِطام؟

أكنَّا نرتضعُ في طفولةٍ رعناء

أثداءَ مباهجَ زائلةٍ؟

أم كنَّا نتقلبُ مع أصحابِ الكَهفِ

في سُباتٍ مَديد؟

هكذا كانَ الأمرُ:

كلُّ المَسراتِ محضُ أوهامٍ مُلفَّقةٍ

إلا حبُّنا؛

كلُّ جمالٍ رأيتُهُ فيما مضى

كلُّ جمالٍ اشتهيتُهُ فتملَّكتُهُ

لم يكن إلا حُلمًا بِكِ.

 

2.

والآن

ما أبهى الصَّباحَ لروحينا

وقد استفاقتا للتوِّ مِن رُقادِهما

فلم تَعُدْ إحداهما

تتفرسُ في الأخرى فزعًا

إذ أن الحبَّ يُهيمنُ

فيصبِغُ بضيائهِ كلَّ شيءٍ

ويجعلُ مِن غرفةٍ صغيرةٍ

فِردَوسًا لا حدودَ لَهُ؛

فلندعْ المغامرينَ

يحرثونَ البحارَ في نهمٍ

ويسعونَ عبرها إلى عوالمَ جديدة

فلندعْ الخرائطَ

لمَن يكدِّسونَ عليها

عوالمَ فوقَ عوالمَ بلا كَللٍ

ولنمتلك نحنُ عالمًا واحدًا:

إن كان كلٌّ مِنَّا ينطوي على عالمٍ

فليكن واحدًا عالمُنا

 

3.

في عينيكِ يتجلَّى وجهي

ووجهُكِ في عينيَّ يُشرقُ

قلبٌ داهِقٌ بالنَّقاءِ يرتسمُ

على وجهينا في طُمأنينةٍ

أين لنا بنصفيّ كُرةٍ أغنى جمالًا

بلا شمالٍ يقسو

ولا جنوبٍ يتقوَّض؟

كلُّ ما هو للفناءِ صائِرٌ

لم تمتزجْ أخلاطُهُ بتساوٍ

فإن تمازجنا هُيامًا حدَّ التَّوحد

وتطابقَ سعيرُ الشَّغفِ في قلبينا

فإن تمازجنا هُيامًا حدَّ التَّوحد

ولم يَعُد للوهنِ المتربصِ سبيلًا إلينا

فلن نموت

لن نموت

 

*الترجمة مُهداة إلى سامية العاصي: في عينيكِ يَتحمَّمُ هذا العَالَمُ المَبروصُ بالنُّور، ويغتسلُ مِن قُيُوحِ ظُلمتِهِ فِي نهرٍ مِن أنفاسِك؛ ليصيرَ نافذةً مُبرأةً مِن عَلْقَمِ الضَّبابِ تمنحُ للقلوبِ عيونًا شحيذةً، عيونًا تَسْلُخُ عن اللَّحظةِ لحمَ بَلادتِها المَقروح؛ لنكتشفَ أنَّ الشِّعرَ مَا هو إلا الهَيكلُ العَظمِيُّ لجميعِ الأشياء.

 

adil salehترجمة لنص الشاعر

تشارلز بوكوفسكي

 


 

الأسلوب / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

هنري تشارلز بوكوفسكي (1920-1994) شاعر وروائي وكاتب قصة قصيرة أميركي من اصل ألماني (فقد ولد في ألمانيا لأم ألمانية تزوجت من جندي أميركي). كان لجغرافية وأجواء المدينة التي نشأ فيها، لوس أنجلوس، الأثر الكبير على أعماله التي يظهر فيها واضحا تركيزه على الحياة اليومية العادية للفقراء المهمشين من الأميركيين البيض. ومن موضوعاته الأثيرة الأخرى: اللغة وفعل الكتابة، الإدمان، العلاقات مع النساء، فضلا عن الجنون والموت. انتقل بوكوفسكي إلى مدينة نيويورك حيث بدأ الكتابة والنشر في أربعينيات القرن الماضي. وعلى الرغم مما أشيع عنه من أنه توقف عن الكتابة والنشر قرابة العشرين عاما قضاها يجوب الولايات المتحدة متنقلا بين ساحليها الشرقي والغربي ليمارس أعمالا شتى، فهو مع ذلك كاتب غزير الإنتاج فقد كتب آلاف القصائد ومئات القصص القصيرة وست روايات، ويقدر ما طبع له من كتب بــ 110 بين الشعر والقصة والرواية الرسائل وغيرها. نشر بوكوفسكي أول مجموعة شعرية عام 1959 تبعها بعشرات المجاميع نذكر هنا بعضا منها: ((الاحتراق في الماء، الغرق في اللهيب: قصائد مختارة ، 1955-1973))(1974)، ((الحب كلب من الجحيم: قصائد 1974-1977))(1977)، ((سيقان، أرداف، وما خلفها))(1978)، ((شرارات))(1983)، ((حرب طوال الوقت: قصائد 1981-1984))(1984)، و((الليلة الأخيرة للأرض))1992  .

 

الأسلوب

 

الأسلوب هو الاجابة عن كل شيء.

طريقة جديدة لمقاربة شيء ممل وخطير.

ان عمل شيء ممل بأسلوب افضل من عمل شيء خطير بدون أسلوب.

عمل شيء خطير بأسلوب اسميه فنا.

مصارعة الثيران يمكن ان تكون فنا.

الملاكمة يمكن ان تكون فنا.

الحب يمكن ان يكون فنا.

فتح علبة سردين يمكن ان يكون فنا.

ليسوا كثيرين من لديهم أسلوب.

ليسوا كثيرين من يمكنهم ان يحافظوا على الأسلوب.

لقد رأيت كلابا لديها اسوب اكثر من البشر.

ولو انه ليس العديد من الكلاب لديها اسلوب.

القطط لديها الكثير منه.

حين رش همنغواي دماغه على الجدار ببندقية، ذلك أسلوب.

اذ احيانا يعطيك الناس اسلوبا.

جان دارك كانت ذات اسلوب.

يوحنا المعمدان.

عيسى.

سقراط.

قيصر.

غارسيا لوركا.

التقيت رجالا في السجن لديهم اسلوب.

التقيت في السجن رجالا عندهم اسلوب اكثر ممن التقيتهم خارج السجن.

الأسلوب فارق، طريقة عمل تَعمل، طريقة عمل يـُعمل بها.

ستة طيور بلشون تقف ساكنة في بركة ماء،

او انت،

خارجا من الحمام دون ان تراني.

 

husan alikhedayrترجمة لنص الشاعر

ايفان بونين

  


 

في عرض البحر / ترجمة: حسين علي خضير

 

السماء، المياه، والريح فقط.

والموجة تجري

وجناح المركب الرمادي

يتمايل منخفضاً

ويكتنفه الخطر.

في عرض البحر

هفت الريح -

والضوء والظل،

وعبر الغيوم

تتراءى زرقة السماء...

اما أنتِ منسية،

وبعيدة دائماً !

بيد ان الامواج

أقبلت نحوي تجنح

وتحرك الرغوة

ولاحت العيون الزرقاء

في الموجة السريعة.

وشئ ما انبعث

مثل هذه المياه الزرقاء،

يذكرني مرة اخرى

بما نسيته الى الأبد.

***

 

بهت لون الليل...

وبساط من الضباب

غدا اكثر بياضاً

في الوهاد والمروج،

وصوت الغابة يدوي،

وبهت بريق القمر

والندى الفضي

على زجاج نافذتي

الباردة.

الضيعة كانت في سبات...

والعتمة في الحديقة،

وشجر الحور الأخضر

لا يتحرك،

والهواء مسموع

قرب نافذتي المفتوحة

مليئة براحة عبير الربيع...

اقترب النهار

ومر الحلم القصير -

واستمر السكون

في الدار،

اخرج من الباب

الى الشرفة

من دون ان يسمعني احد،

وانتظر بهدوء

شروق الضوء...

***

 

لايزال الغروب

يطل في الأفق البعيد،

والريح تهب

من خلال أوراق الشجر

بمنظر بهي،

وتحتها اكتست الحديقة

لوناً فضي

بالضوء، بالغموض، بالروعة:

لاح الهلال

يضئ بنوره الضئيل

فوق المياه الهادئة

وفي اسحار الربيع

وبين أغصان الحدائق

شع نوره.

غداً سيطل مرة اخرى

وفي الفجر

سيذكرني بالوحدة،

وبالربيع، وبالحب الاول،

وبصورتكِ الجميلة والبعيدة...

 

في القافلة

 

تحت ضوء القمر

تتلألأ الرمال والمياه،

في الجنوب البعيد.

نسيت النظرة الحزينة

والصبيانية لحبيبتي.

 

تحت ضوء القمر

تسيل وتتدفق المياه

من الرمال بروعة.

 

تحت ضوء القمر

كل حجر،

وكل شجيرة

اكتست بلون السواد.

والريح تهب من الجنوب

كنفس ثغر الحبيب.

 

* ايفان بونين ( ١٨٧٠- ١٩٥٣) - الحائز على جائزة نوبل للأدب في عام ١٩٣٣

 

adil salehترجمة لنصيّ الشاعر

غريغوري اور

 


 

قصيدتان عن اللاشيء / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

شاعر اميركي من مواليد مدينة اولباني بولاية نيويورك لعام 1947 وتلقى تعليمه في كلية آنتيوك وفي جامعة كولومبيا. يعمل استاذا للأدب في جامعة فرجينيا ومحررا للشعر في مجلة تصدرها الجامعة واستاذا للكتابة الابداعية بعد تأسيسه برنامجا لها في عام 1975. نشر اور احدى عشرة مجموعة شعرية من بين عناوينها: (احراق الأعشاش الفارغة) 1973، (تجميع العظام) 1975، (المنزل الأحمر) 1980، (مدينة الملح) 1995، (البومة المحبوسة في قفص) 2002، و (نهر داخل نهر) 2013. كما نشر عددا من الأعمال النقدية وكتاب مذكرات. (غيوم التاسع هو احد اوائل الشعراء التروبادور).

 

قصيدتان عن اللاشيء

"سوف اكتب اغنية عن لاشيء البتة..."

غيوم التاسع دوق اكيتانيا (1071-1127)

 

1

حين كنت شابا

عشقت

اللاشيء.

تملك اللاشيء

قلبى.

كنت شابا

مزاجيا ومكروها؛

حتى امي

كانت تكرهني.

كانت تسألني:

ما الذي

تطيل التفكير فيه؟

وكنت أجيب:

لاشيء.

هذه المرة

استحسنت اجابتي

وقالت:

انك لا تصلح

لشيء،

ولاشيء

يصلح لك تماما.

 

2

حين كنت طفلا

كان اللاشيء في كل مكان.

يتراكم كثيفا على اوراق الأشجار

ويتجمع في البرك

تحت اشجار الأرز.

كان اللاشيء يملأ

حظائرنا

ويرعى بمراعينا.

كان اللاشيء وفيرا

الى حد اننا لم نفكر ابدا

في ان نعتز به وندخره.

تلك الأيام مضت

الى الأبد. الآن اللاشيء

نادر

ويعوزنا اللاشيء.

 

MM80

ترجمة لنص الشاعر

 روجيفتش / بولندا

 


 

يا للروعة / ترجمها عن الروسية: ضياء نافع

 

يا للروعة،

استطيع ان أجمع الثمار

في الغابة،

وكنت أعتقد،

انه لا توجد غابة

ولا ثمار.

.............

 

ياللروعة،

انني معك الآن

وينبض قلبي،

وكنت أعتقد،

انه لا يوجد قلب

عند الانسان.

 

adil salehترجمة لنص الشاعر الاميركي

غريغوري اور

 


 

أغنية الى اللاشيء / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

شاعر اميركي من مواليد مدينة اولباني بولاية نيويورك لعام 1947 وتلقى تعليمه في كلية آنتيوك وفي جامعة كولومبيا. يعمل استاذا للأدب في جامعة فرجينيا ومحررا للشعر في مجلة تصدرها الجامعة واستاذا للكتابة الابداعية بعد تأسيسه برنامجا لها في عام 1975. نشر اور احدى عشرة مجموعة شعرية من بين عناوينها: (احراق الأعشاش الفارغة) 1973، (تجميع العظام) 1975، (المنزل الأحمر) 1980، (مدينة الملح) 1995، (البومة المحبوسة في قفص) 2002، و (نهر داخل نهر) 2013. كما نشر عددا من الأعمال النقدية وكتاب مذكرات.

 

أغنية الى اللاشيء

 

"الحزن يجعلنا جميعا اطفالا—الأشد حكمة لا يعلم شيئا."

-- رالف والدو امرسون

 

1

حين يخبرنا العلماء

ان الذرات مصنوعة

في الأغلب من لاشيء،

فانهم يتكلمون

مثل الكهنة الممتلئين

بسر دفين:

 

كيفية قيام اللاشيء

بجعل الكون متماسكا؛

كيفية كون اللاشيء

القوة الغامضة الكامنة

في قلب الكون كله.

 

في الأيام الخوالي كان الفقهاء

يسألون: أ ثمة ملاك

للاشيء

بين الكائنات السماوية؟

الجواب كلا.

 

ولا يقطن أي ملاك

للاشيء في الجحيم.

 

اللاشيء هو الملاك

الوحيد ولا يستطيع

النهوض او السقوط.

 

جميعنا نحيط

بملاك اللاشيء،

نحلق بأجنحتنا الطنانة

دائرين في محيط العبادة الاهليلجي

مثل الالكترونات

التي تدور حول النواة.

وبأزيز طيراننا المتواصل

نخلق

العالم المادي.

 

MM80ترجمة لنص الشاعر

وليم باتلر ييتس

 


 

ليس هناك طروادة أخرى / أنطونيوس نبيل

 

لِمَ أُنحي باللائمةِ عليها،

إذ هي أدهقتْ

بنبيذِ التَّعاسةِ كأسَ أيامي؟

 

لِمَ أُنحي باللائمةِ عليها،

إذ هي صارتْ

قائدةً للرِّجالِ الحَمقى؛

تُرشدهم حثيثًا

إلى أكثرِ السُّبلِ عنفًا؟

 

لِمَ أُنحي باللائمةِ عليها،

إذ هي رشقتْ

بالأزقةِ المُدْنَفةِ المَحقورةِ،

جسدَ الطُّرقاتِ الملكيةِ الجَليلة؟

هل لديهم من الجَسارةِ،

ما يُضاهي

ما لديهم من الرغبة؟

 

ما الذي جعلها

تشعرُ هكذا بالطُّمانينةِ

مع عقلٍ

صاغَهُ النُّبلُ بريئًا كالنَّار،

مع جمالٍ

كالقَوسِ المَشدود

ليس له إلا الغُربةُ

في زمنٍ كهذا،

ألكونها ساميةٌ وفريدةٌ وحازمة؟

 

لِمَ؟ ما الذي صَنَعَتْهُ هي؛

لتصيرَ هي ؟

أثمَّةَ طروادةٌ أخرى من أجلِها

تشتهي الحريق؟

 

MM80ترجمة لقصة

رامون غوميث دي لا سيرنا*

 


 

اليد / ترجمة: بسّام البزّاز

 

مات الدكتور أليخو مقتولا... مات خنقا.

لم يدخلْ أحدٌ بيته، لا شكّ في ذلك. ومع أنّ القتيلَ كان ينام تاركا باب البالكون مفتوحا، لدواعي الصحة، فقد كان ارتفاع البناية التي يسكنها كفيلا بإبعاد أيّ شكّ في أن يكونَ القاتلُ قد دخلَ منه.

لم تمسك الشرطةُ بأيّ خيط من خيوط الجريمة ولم تعثر على أيّ أثر. وكانت على وشك أن تغلق القضيّة حين هُرعت زوجةُ الدكتور القتيل وخادمته إلى قسم الشرطة مرعوبتين. لقد شاهدتا يدا تسقطُ على الطاولة وهي تقفز من أعلى الخزانة... اليدُ نظرتْ إليهما...شاهدتْهما ثمّ اختفتْ في الحجرة... يدٌ وحيدةٌ واحدةٌ وحيّة  كالعنكبوت... وقد تركتاها حبيسة وأوصدتا دونها بابَ الحجرة.

وخفّ الشرطيون والقاضي والرعب يملأ قلوبَهم. لكنّ واجبَهم يحتّم عليهم أن يخفّوا. وكلّفهم اصطيادُ اليد جهدا جهيدا، لكنّهم اصطادوها، بعد أن أمسكوا مجتمعين بإصبع واحدة منها، فقد كانت من القوة أنّهم شعروا وكأنّ عزيمة رجل جبّار تجمّعت فيها.

لكن...ماذا سيفعلون بها؟ أيّ ضوءٍ ستلقيه على ما حدث؟ أيّ حكم سيصدرونه في حقّها؟ ثمّ... يدُ من هي؟

وخطرَ للقاضي، بعد برهة، أن يضعَ أمامَ اليدِ قلما لتصرّحَ تحريريا. تناولت اليدُ القلمَ وكتبتْ:

" أنا يدُ راميرو رويث، الذي قتله الدكتور في المستشفى شرّ قتلة وتلذذ بتقطيعه في صالة التشريح. لقداقتصصتُ منه".

                               

*أديب وصحفي أسباني شهير (1888-1963)

 

adil salehترجمة لنص الشاعرة

وندي كوب

 


 

تبادل رسائل / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

وندي كوب شاعرة انكليزية ساخرة من مواليد عام 1945 تلقت تعليمها في أكسفورد وعملت بعد تخرجها في التعليم الابتدائي لمدة خمسة عشر عاما، ثم محررة في مجلة (كونتاكت) التربوية اللندنية قبل أن تتجه كليا الى الكتابة ابتداء من عام 1986 عملت خلالها ناقدة تلفزيونية لصحيفة (ذي سبكتيتر) حتى عام 1990. منحت وندي كوب جائزة كولمونديلي لعام 1987 وجائزة مايكل برود للشعر الساخر لعام 1990.  نشرت كوب أربع مجموعات شعرية للكبار هي: (تحضير الكاكاو لكنغزلي آميس) 1986 )اهتمامات جادة) 1992، (لو لم أعرف) 2001 ، و(قيم عائلية) 2011، ومجموعتين للأطفال.

 

تبادل رسائل

"رجل هو رواية جادة يود ان يسمع من امرأة هي قصيدة"

(اعلان مبوب، مجلة نيويورك لمراجعة الكتب)

 

عزيزتي الرواية الجادة،

 

انني قصيدة غنائية متقنة واثقة من نفسها ذات دفق ايقاعي لا يعتوره خلل، وبضع استعارات مبتدعة وفي محلها، وموسيقى نابعة كلها مني. البعض يقول انني جميلة.

 

احصائياتي الأساسية ثمانية عشر بيتا، مقسمة الى مقاطع ذات ثلاثة ابيات، بمعدل اربع كلمات في البيت الواحد.

كان زوجي الأول قصة رومانسية رخيصة،؛ الثاني (تقويم وزدن للاعبي الكريكيت). اغلب الرجال الذين التقيهم هذه الأيام سير ذاتية، الا ان اقلية لا بأس بها هم كتب عن التصوير الفوتوغرافي او القطارات.

 

اتطلع دائما لأن تكون لي علاقة مع عمل قصصي راق. ارجو ان تكتب لي وتخبرني المزيد عنك.

 

المخلصة بعاطفة مشبوبة

اغنية زهرة اللبن الثلجية البكر

 

عزيزتي اغنية زهرة اللبن الثلجية البكر،

 

شكرا جزيلا على رسالتك. يبدو انك نوع القصيدة التي اتطلع لايجادها. لطالما فضلت النساء القصيرات الغنائيات على النوع الذي يمتد صفحات  وصفحات.

انني تعليق مهم من 15000 كلمة حول احلام ومعضلات انسان القرن العشرين. استغرقت ست سنوات كي اكتسب وزني وبنيتي الحاليتين الا ان جميع الناشرين السبع والعشرين الذين قصدتهم حتى الآن فشلوا في فهمي. لي حصتي من الجنس والعنف ونكتة جيدة جدا في الفصل التاسع، ولكن دون جدوى.

 

فلنلتق بأسرع وقت ممكن. اني اتوق لأن تقرأيني من الغلاف الى الغلاف وتتعرفي علىّ كلمة كلمة.

 

المخلص بتوق شديد

موت روح العصر

 

MM80ترجمة لنص الشاعر

راينير كيرش / المانيا

 


 

البكاء / ترجمها عن الروسية: ضياء نافع

 

عندما تسوء الاحوال

يبكي الناس

بصوت عال،

او كما يقول الشعراء

يغصون بالبكاء..

.........

يبكون

عندما يتحول الحبيب

الى امرأة اخرى،

وعندما تموت احدى القريبات

فانهم يشترون اكليلا ليس غاليا،

واذا كانت الصلة اكثر قربا،

فان الاكليل يكون أغلى،

وفي كل الحالات

يبكون عند القبر.

.........

والطبق الزجاجي المكسور

يسبب ايضا البكاء.

والرومانسيون،

كما تقول الكتب

يبكون

في لحظات السعادة الفائقة.

هكذا كانت تجري الامور سابقا،

اما اليوم،

فان على الارض اناس

لا يستطيعون البكاء،

ويجب علينا ان نساعدهم...