عطا يوسف منصورتَعَشّمَ وهـــــــو يغزلُها أمانيْ

بدُنيا ليس فيها مـــــــن أمـانِ

 

وعاشَ حياتَهُ طولًا وعَرضًا

وطَشَّ سنينها عَنتُ الزمــانِ

 

ولَمْلمَ عِطر ذكراها ليمضي

بعيدًا بعدَ خُسرانِ الـــرهانِ 

 

وتحتَ ظــلالِ قافيةٍ تَعَرّى

ليشربَها سُلافًا مِــــن دِنانِ 

 

فأمسى وهو يَرشِفها شجونًا

بهِ أسْـــرَتْ وأرختْ للعنانِ

 

وقافَ سحــابةً زَخّتْ عليه

لواعِجَها لِتُورقَ في البنانِ

 

وتَصبحَ وهي أنفاسٌ تَشَظّى

قصيدًا قد تماهى في الكيانِ

 

ونَخبًا فاضَ مِن قلبٍ شَقيٍّ

تَحَوَّرَ فهو قلبٌ فــي جَنانِ 

 

وهـــذا مَوقِــدُ النيــرانِ فيـــــه

أذابَ الشوقَ في هذي المعاني

 

وهــــزَّ المُبتلى بالحُبِّ حتى

تجلّى واضحًا في الطيلسانِ

 

وإنّي كلمـــا عاتبتُ نفسي

يقولُ مُعارضًا فيهِ لساني

 

كَفاكَ تَبرّمًا فالحبُّ نُعمــــى

بغيرِ الحُبِّ لَنْ تَحيا المغاني

 

ودَعْهُ حيثُ يمْــــرِعُ في نقاءٍ

فليسَ الحُبُّ مِنْ طبعِ الاناني 

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور  

الدنمارك / كوبنهاجن

السبت في 25 كانون أول 2021    

 

  

صادق السامرائيتَزايَدَ شرُّها فنَمى الصِــــراعُ

وصَوْتُ السُوءِ يُرْسِلهُ اليَراعُ

 

شُعوبُ الأرضِ تَحْدوها عُقولٌ

وشَعْبٌ فـــــي مَتاهاتٍ يُضاعُ

 

خُرافــــــــاتٌ مُقنّعةٌ بدِيْنٍ

وأوْهامٌ يُسَطّرُها الرُعاعُ

 

يُقادُ مَسيْرها نحــــوَ ارْتِهانٍ

كأنَّ الناسَ في وَطنٍ جِزاعُ

 

ببُهْتانٍ وبُغضـــــانٍ شَديْدٍ

تأجَّجَ كامِنٌ فذَكى النِزاعُ

 

أعاجيْبٌ مِنَ الإبْقالِ جاءَتْ

تُسَوِّغُها أباطيلٌ تُطــــــاعُ

 

أ مِنْ ألــــــمٍ بآلامٍ تَبارَتْ

وإنّ زمانَها وجعٌ سِفاعُ؟

 

فهلْ نُكِرتْ مَباهِجُها عَليْها

ودامَ الآهُ عُـــــدواناً يُشاعُ

 

جَماعاتٌ وأحْزابٌ تَلاحَتْ

وأدْيانٌ لسيِّئَةٍ قِنـــــــــــاعُ

 

فسادُ سُلوكِها دستورُ حُكْمٍ

وسُلطــــانٌ لمَفْسَدَةٍ ذِراعُ

 

فقيرٌ حائـــــــرٌ في أيْنِ قَهْرٍ

تُحاوطهُ الشَراذمُ والسِباعُ

 

يَتامى مِنْ مَظالِمِهمْ بأرْضٍ

تَوَطَّنها التُخامى والجِياعُ

 

ثراءٌ فاحِشٌ إبْنُ انْتِهابٍ

وفقرٌ مُدْقَعٌ وبهِ اتِّباعُ!!

 

وساجِرُهــا بتَنورِ الخَطايا

يؤجَّجُها ويُخْمِدُها الخِداعُ

 

نِفاقٌ غادرٌ يُدْحى بآيٍ

تؤوِّلها أكاذيْبٌ شِناعُ

 

بلادُ النفْطِ ملعونٌ ثَراهــــا

تَقتّلَ أهْلها والناسُ ضاعوا

 

قَوادِمُ عُصْبَةٍ أثِمَتْ رؤاها

تَجَبَّرَ جُلُّها وبهـــا اخْتِناعُ

 

أَداموا فِرْيَةً رَفضَتْ عُقـــولاً

على بَعْضٍ جَهولٍ إسْتَطاعوا

 

أكاذيْبٌ منَ البُهتانِ تُسْقى

مُرجَّفةٌ ويَتْبَعُها انْصَياعُ

 

ثقافةُ مَوْتِها فيها تَجَلّتْ

بجَنّاتٍ يؤسِّسُها الوَداعُ

 

جَرائمُ أفْكِهِمْ بلغَتْ ذُراها

ومُوبقــــــةٌ بأجْيالٍ تُذاعُ

 

ومِنْ قَرَفٍ بأوْجاعٍ تَمادَتْ

وقد زادَ التــوابعُ والرِتاعُ

 

لآمِرَةٍ بسوءٍ كنْ مُطيعاً

لأنَّ الشرَّ في بَلدٍ مَتاعُ

 

دَساتيرٌ مُشرْعَنةٌ بفَتوى

لكلِّ جَريمَةٍ فيها انْتِفاعُ

 

تَسابَقتِ الأياديُ نحْوَ أخْذٍ

غَنائِمٌها سَتكْسِبُها الضِباعُ

 

بفِقهِ غَنيمَةٍ نَهْجُ الخَطــــايا

فلا تَعْجَبْ على بَشَرٍ يُباعُ

 

بلا وَطنٍ بأوْطــــــانٍ حَيارى

تَضيقُ بلادُهمْ والناسُ ساعوا

 

أ يُعقل أهْلُها شَعْبٌ عَريْقٌ

وما فيها برَمْضاءٍ يُزاعُ

 

بها قَتلوا عُقولاً ذاتَ شأنٍ

مُميَّزَةً يُبارِكُها انْسِطـــاعُ

 

وكمْ سَفكوا دِماءً واسْتَباحوا

وما فَطِنوا وقد فازَتْ طِباعُ

 

تَحَـــــــــدّى أنْتَ إنسانٌ أبيٌّ

فلا تَخْضَعْ سَيأتيها انْصِداعُ

 

وقد وَصَلتْ إلى أوجِ احْتراقٍ

كسابقةٍ ومـــــــــا نَفعَ الدِفاعُ

 

فلا تَيْأسْ وجابِهْ مُبْتَغاهــــــا

سَتَفنى بعدَ أنْ نَضَبَ المَتاعُ

 

فكُلُّ قريْنةٍ بهَوى طَموعٍ

تُداهِمها أعاصيرٌ سِراعُ

***

د. صادق السامرائي

31\12\2021

 

 

 

بن يونس ماجنلا أتوق الى زبد الرمال

المنتحرة على الشواطئ

فأنا لا أرى الا غرابيب سود

تنطح غمام المرافئ

 

وليس عندي قصائد ثورية

تعبث بها أجهزة المباحث السرية

ولا أسعى الى التكريم والجوائز

فليس لدي الوقت الكافي

لأتسلق المنصات

واحضر الامسيات الشعرية

لشعراء مجهولين

وليس في قلمي  حبر فائض

لأوقع به دفاتر المعجبات

ولااحتفظ برهان الخيول الجامحة

فحتى سرعة الضوء

لها كبوات بين مسافة الظل وقوس قزح 

 

ليس هناك شيئ اسمه شعر افتراضي

كما يزعمون

لم أكن أعلم أن مفسري الاحلام

هم ايضا شعراء من الغاووين

وكنت أظن بأن الشعر

ليس سوى صعلوك في زي الراهبات

أو انسان آلي ينتظر قدوم دبيب الحياة

 

طقوس القصيدة قد تتغير في كل لحظة

كأنها طلاسم وتعاويذ

في مبخرة ساحر متصوف

يذهب بعقول المريدين

 

عندما أدخل في منطقة الكسوف

مع قصيدة غجرية

أفقد كل ملامحي

واختبأ وراء سترة واقية

فأنا شيخ هرم

كل مرايا الدنيا

ملت من تجاعيدي الكثة

احاول أن أقف على رأسي

لكي لا أفقد توازني

ومن عادتي أن أمشي خلف ظلي

وأجر ورائي عربة بلا عجلات

ولا التفت الى الوراء

كي لا أوقظ الالم من جديد

 

أنا مثل ذلك الشاعر المعتقل

الذي يحمل  بين يديه شمعة تحتضر وساعة رملية

كلما نزف رملها

الا وتأخروقت سراحه ملايين الاعوام

الى الوراء

***

بن يونس ماجن

 

 

فيصل سليم التلاويلا أستطيع وصف سحابة الكدر والقلق والانزعاج، بل والرهبة التي كانت تجثم على صدري أياما عدة، عندما كنت أجد نفسي مضطرا في يوم مقبل قريب على مراجعة دائرة حكومية، ولو لاستخراج أبسط الوثائق كشهادة ميلاد أو وفاة أو تجديد جواز سفر أو نحو ذلك.

ولست أبالغ إن زعمت أنه لا يغمض لي جفن طيلة الليلة التي تسبق تلك المراجعة.

هذا الرعب والفزع أعهده في نفسي منذ أيام طفولتي الأولى. لا أعلم له بداية على وجه التحديد، ولا أدري متى انبعثت في نفسي هذه الخصومة الشديدة، وهذا النفور المرعب من الدوائر الحكومية، لكن الذي أعرفه أنها رفقة سوء رافقتني عمري كله، فما وجدت نفسي مرغما على مراجعة دائرة حكومية يوما إلا وارتسمت أمام ناظري وانزلقت على لساني رغما عني الآية الكريمة التي تقول (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون)

لكن ما أنقذني من سطوة هذا الكابوس الذي أرعبني دهرا هو بشارة صديقي الذي يعرف هذه الخصلة من طباعي ووساوسي، عندما يشرني بأننا قد انتقلنا إلى نظام الحكومة الإلكترونية في كثير من الدوائر ومنذ عدة شهور.

فأنت لم تعد مضطرا للذهاب مبكرا وقبل أن تفتح الدائرة بساعة أو ساعتين، لتصطف في الشارع حاجزا لك دورا قد تفلح في الحفاظ عليه وقد لا تفلح، فغالبا ما يدفعك سيل المتدافعين عندما تفتح الدائرة أبوابها لتجد نفسك في ذيل قائمة المنتظرين وأن ساعات انتظارك في الدور قد ضاعت هباء منثورا.

فإذا ولجت عتبة الدائرة بعد عناء تدافع وتزاحم، وجدت صالاتها قد اكتظت بالمراجعين المتدافعين الذين نسلوا من كل حدب وصوب، والذين صاروا أضعاف من رأيتهم خلفك في الطابور الخارجي، ممن لا يراعون أولوية ولا كبر سن ولا ضعف أمومة ولا وقار أبوة، فتَحار إلى أين تتجه ومن أين تبدأ، ومتى يقدر لك الله أن تفرغ من معاملتك؟ أمع نهاية دوام هذا اليوم أم ستليه أيام بعده؟

بشرني صديقي بأن هذا الهم الثقيل قد انتهى، وأن هذه الغمة قد انزاحت في زمن الحكومة الإلكترونية. فتوجهت مستبشرا ووجهتي دائرة تسجيل الأراضي لاستخراج سند تسجيل قطعة أرض على طريقة الحكومة الإلكترونية، وكنت قد سألت صاحبي:

- ما دامت حكومة إلكترونية أليس الأولى أن أستخرج الوثيقة وأنا في بيتي، ومن خلال كمبيوتري بملء البيانات المطلوبة، ودفع الرسوم من خلال تطبيق (فواتيركم).

- لا بد من الحضور لملء الاستمارة من قسم خدمة الجمهور، حول بيانات قطعة الأرض، وتوقيع مقدم الطلب.

وصلت الدائرة فكانت كما وصفها صاحبي هادئة على غير عادتها التي أعهدها، ولجت بوابتها الكبيرة فوجدت أعداد الموظفين المصطفين خلف مكاتبهم أكثر من عدد المراجعين، فاستبشرت خيرا وتوجهت إلى قسم خدمة الجمهور أطلب استمارة لملئها، ففاجأني الموظف المختص:

- لا يوجد أوراق لقد نفدت وننتظر ساعة من زمن حتى تأتينا دفعة جديدة.

- كيف نفدت والنهار بعد في أوله ونحن أول المراجعين؟ ألم تُعِدوا أستمارات من يوم أمس؟

- إن كنت مستعجلا فهي موجودة عند كتبة الاستدعاءات في الشارع.

- لا لست مستعجلا وسأنتظر وصولها هنا، وإن تأخرت أذهب إلى المدير شاكيا.

ما أدهشني إلا هذا الأدب الجمّ الذي هبط على رأس الموظف، عندما بادر خارجا عند واحد من معارفه الكتبة، – وكلهم معارفه- ليحضر استمارة ويقدمها لي لأملأها، بينما خرج معظم المراجعين المنتظرين للشارع استعجالا للوقت، ونفاد صبر من الانتظار بحثا عن الاستمارات عند الكتبة المنتشرين على طول الشارع أمام الدائرة، والذين قد هيئوا أنفسهم لاقتناصهم.

والكاتب هذا لا يعطيك الورقة ولا يبيعك إياها فارغة، بل يشترط عليك أن يملأها لك بكلمات لا تتعدى الخمس، ويعطيك إياها لتذهب للصندوق وهو واثق أنك راجع إليه.

تصل الصندوق الذي أمامه محاسب ذو هيئة وهيبة، فتقطع عليه عبثه بهاتفه، فهو ربما ينشغل بإرسال رسالة أو لعب لعبة إلكترونية لانعدام المراجعين الفعليين أمامه.

يدخل بياناتك في الحاسوب في لحظة ثم يتعالى عليك بصوته آمرا:

- الدفع إلكتروني.

تتراجع للخلف متأملا الوجوه التي سبقتك والتي لحقتك، والتي سمعت نفس الإجابة، فتجدها تتفرس في وجوه بعضها، وتسائل بعضها عن معنى ما قاله وطريقة تنفيذه، وعن افتراض من أصدر هذه التعليمات أن جميع المراجعين الذين يراجعون هذه الدائرة ومثيلاتها، حتى وإن اقتنوا هواتف ذكية، وتباهوا بأنها من أحدث الأنواع وأغلى الأثمان، أنهم يتقنون شيئا من تقنياتها غير الدردشة في الواتس أب والفيس بوك وإرسال الرسائل، وأن أحدهم يستطيع استخدام تطبيق( فواتيركم) للدفع الإلكتروني.

يقلب أحدهم وجهه ذات اليمين وذات الشمال، ليرى وضع الذين مروا بالتجربة قبله فيصنع صنيعهم، ويتذكر أن الكاتب الذي ملأ له الاستمارة قال له:

- ارجع إليَّ بعد مراجعة المحاسب.

فيهرول ميمما وجهه شطر الكاتب الذي ملأ له ورقته، ليقوم نيابة عنه بالدفع الإلكتروني خلال ثوان، ولتصبح الرسوم المسجلة في الاستمارة1،6 دينارا بينما الرسوم المدفوعة للكاتب 5 خمسة دنانير ببركة الحكومة الإلكترونية.

يمضي بعدها ليسلمها للمحاسب وهو منتشٍ بإنجازات حكومته الإلكترونية.

ما أنقذني من هذا المآل، ومن الاصطفاف في الطابور الطويل الذي انتقل من أمام المحاسب في عهد الحكومات الورقية، إلى أمام الكتبة العديدين في طول الشارع في عهد الحكومة الإلكترونية، ما أنقذني من ذلك إلا أن زوجتي التي كانت ترافقني تتقن هذه اللعبة الإلكترونية، فدفعت الرسوم الفعلية 1،6 دينارا في ثوانٍ وأراحتني من عناء هذا الدور الطويل.

وغادرت دائرة تسجيل الأراضي حامدا للحكومة الإلكترونية فضائلها الجليلة، وأولها فضيلة نقل توزيع الاستمارات من عهدتها إلى عهدة الكتبة في الشارع، وتخفيف الزحام والتدافع من داخل الدائرة وصالاتها ودفعه إلى الشارع العام أمام طاولات الكتبة، وأهم من ذلك كله توزيع الرسوم بينها وبين الكتبة: 1،6 دينارا لها و 3،4 دينارا للكاتب ولو أنها قسمة ضيزى، وعلى ظهر المراجع، لكن وعلى رأي المثل الشعبي (يا بخت من نفَّعَ واستنفعَ).

***

(قصة قصيرة)

بقلم: فيصل سليم التلاوي

16/1/2022

 

جليل كريمعيناهُ تتشظّيان متّجهتان نحو مياه لامعة جراء انعكاس سطوع الشمس التي تبدو وكأنّها تنبثقُ من أعماق بحر بلّوري، يؤسرنا بسطوة غاشمة، ويقتادنا بسياط تيارات هائجة، ومائجة.

ما برحت عينا الأب تطوفان هناك في المدى البعيد،  إلى المقربة من انهمار ماء آسن.

اكتساح متسلّط أنشب فينا أظفاره بجنون لينقَضَّ علينا دفعة واحدة، كما تنقَضّ أعتى المخلوقات ضراوة على أوهن الكائنات ضآلة.

في ليلة احتجب قمرها بنقاب غمامة داكنة تعاشر باشتهاء ماجن بحرًا ناكثًا.

ترنحت آمالنا وأحلامنا سكرى بارتياع مشوب بحشرجة مكبوتة.

أرواحنا تأهبت لتنفلت فرقًا من تحت مخالب منايا آثرت أن تُجهز علينا بصمت خانق.

في ليلة مدلهمّة تعطّلت فيها حاسّة بصرنا على خارطة شبكية عيوننا لتنعدم فيها مرئيات أقرب الوجوه إلينا.

أفواهٌ فاغرةٌ، ومآقي دامعة، تحملق مذعورة صوب شلّالات قاتمة، مفترسة.

ليلة تُصدر زعيقًا هستيريًا، يتواءم مع صريخ نسوة، أو نحيب صبية.

شبّان من جنسيات متعدّدة أضحوا لا وطن لهم.. يحدّقون وجلين جهة ظلمات مكدسة، مريعة، تُطفئ آخر بارقة رجاء لأفراد قد بلغت أعدادهم زهاء خمسين روحًا حالمة بفجر جديد يبزغ عليهم من الضفة الأخرى في جزيرة (ليسبوس).

سيشدو هناك صبيتهم أحلى ترانيمهم، لتتواشج مع ما تحكيه نسوتهم من قصص مغامرات هجرتهم إذ باتت أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع.

حكايات أحلام نجاة اقتنصتها أياد خفية لخاطف أثيم طالما ازدرد بعتوّه وغدره أقمارًا طرية، غضّة، وخدودًا أسيلة، مزهرة، سمر، وشقر، وبيض.

شبانٌ مرحون لم يثنهم عن عزمهم ولم يصدّهم عن قصدهم أيّ معوقات لسلوك سبيل الإقدام عبر خارطة طريق من (أزمير) مرورًا ببحر (أيجة).

آمال عريضة، مزدانة بسلام أغر، وأبواب مشرعة بفرص رغيدة.

صار تاريخنا في مساقط رؤوسنا يروي للأحفاد قصة مقبرة يرقد في واديها الأحياء.

سأولد هناك كما لو أنّني أنبجس من رحم أمي بعمليّة قيصريّة، فتطأ قدماي أرضًا نضرة تتعانق فيها أذرع الأصحاب بكرنفال بهيج ينزح آخر مشهد من مسرحية تراجيدية كنّا نحيا في فصولها الطويلة كممثلين بائسين نؤدي أدوارًا خانعة.

بنظرات حانية قدّم النادل للأب قهوته.

مافتئ يقتعد قرب شاطئ (أزمير) لعشرة أيام خلت. ينتظر فجرًا جديدًا. وتظلّ عيناه عالقتين في موضع قصي من البحر. إذ تطوفان هناك مع دورة الشمس إلى حين رقادها في مخدعها وراء الأفق.

وفي نهار يوم آخر تستأنف عيناه الحالمتان بقدوم فلذة كبده من لجج أسرار لم تنفكّ طلاسم أحجيتها بعد.

أيُعقل أن تنقلب الحياة هناك رأسًا على عقب من غير أيّ نبأ لهم ولا أثر؟

ما انفك ينشجُ حسرةً وأسىً وسؤالًا ملحًا مكررًا ليردّ عليه بالجواب ذاته:

- ما كان يجدر بي أن أفرّط به؟

- وهل كانت له أذن صاغية.

خمسون.. بعمر الورد لا تسع أحلامهم أراضي أوربا برمّتها، فكيف انفسح قارب لأرواحهم؟

ألا رأفت بهم وتحنّنت أيّها القارب الخؤون.

ألا رحمت جسمًا رقيقًا رام خلسةً أن ينسلّ إلى حيث تستأمن روحه عند مليك لايُظلم في أرضه أحدٌ.

ما زلتُ أرقبُ الأب بلهفة طيلة عشرة أيام مضت، مكثها ها هنا على شاطئ لا يبعد كثيرًا عن محل غرق مهاجرين سُجّلوا في عِداد المفقودين وسط سمسرة مبهمة.

عاد الأب خاوي الوفاض يجرُّ ألمًا واخزاً يقضم بشراهة أوردة قلب نازف.

رحل مكلومًا، يائسًا، كئيبًا.

ولم يعد.. ولن يعود من وادي الذئاب أبدًا إلى شاطئ الكدر هذا.

عاد إلى مدينته المؤتفكة بحشود العاطلين، بعد أن تلقى طعنة عميقة في فؤاده لم تلتئم.. ولن تندمل أبدًا.

وها هو ذا يمضي، ليبتعد عن ناظري وئيدًا وئيدًا.

إنّه ينأى عني نأي الروح عن البدن.

ليتركني ها هنا بمفردي

وحيدًا

في قاع البحر !

***

بقلم: جليل كريم / العراق

نوفمبر 2021

 

 

فتحت نوافذ بيتها وبابه الرئيس للضياء والنور وحلقت يمامة بيضاء فوق الماء، لم تبعد عن شاطئ النهر كثيراً ولم تفكر أن إعصاراً سيحدث فجأة، داهمها الإعصار وهي تحلق، هاجمها نقلها إلى مكان بعيد وعاشت سنيّن في غربة، عادت بعد غيبتها فوجدت أن بيتها أصبح ركاماً وأن النهر صار وادياً بلا ماء وأن شاطئ النهر صحراء جرداء، كانت تريد أن يتعلم أولادها السباحة في النهر حتى لا يخافوا ولا يصيبهم الغرق في حياتهم القادمة، لكنها الآن لا تدري ماذا تفعل بعد أن شاهدت وعرفت ما حدث؟، ذهبت تتفقد النخلة التي وضعوا خصلات من شعرها حين كانت صغيرة في رأس النخلة ليطول شعرها ويكون مثل سعفات النخيل، وجدت أن النخلة جذع يابس يقف بلا رأس، مشت تتفقد أيضاً شجرة الرارنج التي أخبرتها أمها أن عقدة سرتها التي وقعت بعد أشهر من ولادتها تم دفنها بالتربة التي زرعت فيها شجرة الرارنج وبالقرب من جذور الشجرة التي تمتص الماء وتروي وتغذي الشجرة لتحب هي في حياتها القادمة الزرع والنبت والشجر والأرض والوطن وجميع الناس ويكون الحب ديدنها في الحياة وتعيش لا تحقد ولا تكره أحداً أيا كان من البشر، لكنها لم تجد الشجرة في مكانها الذي تعرفه فأيقنت أن الشجرة قد ماتت من العطش، تألمت وحزنت وأصابها اغتراب في وطنها التي ولدت وترعرعت فيه حين كانت تعيش بعيداً عنه وعانت الغربة لأنها لم تكن تعيش فيه . أخذت تفكر ماذا تعمل الآن؟ حدثت نفسها بأن عليها أن تتخذ قراراً يكون في صالحها وفي صالح عائلتها، ناقشت نفسها، وجدت أنها لم تختار جنسها حين كانت في بطن أمها ولم تختار حياتها ولا موتها حين ولدت لأنها تعرف أن الموت يولد مع الحياة (وأنها لم يكن لها إرادة في الانتماء إلى قوميتها ولا إلى عشيرتها ولا إلى دينها ولا إلى طائفتها)، حتى أسمها الذي تحمله لم تكن هي من اختارته بإرادتها بل أن كل ذلك جاء وراثة من غيرها، فقررت ترك وطنها وطفولتها وحياتها التي عاشتها فيه وأصدقاءها وذكرياتها ورجعت تعيش في غربة من جديد بلا وطن وبلا نشيد، لكنها لم تستطع أن تنسى طفولتها ولا ذكرياتها ولا أهلها ولا أصدقاءها ولا وطنها الذي تتابع وما يجري فيه على الرغم من أنها تعيش بعيداً عنه في غربة من جديد.

 

ناجح فليح الهيتي

 

عدنان البلداوي(يا حـبــيــبـا، زرتُ يــومــــــا أيـكَـه)

هــاجِــسُ العِــفّــةِ، يـروي مَــقْــدَمـي

 

بـــحــروفٍ صـاغـهــا الــودُّ، بـــهــا

نَــسَــمـاتٌ، مـِـــن ريــاض الـحِـكَــمِ

 

واحــتــوانـــا الــصدقُ، فــي اجـوائـه

كَـسـِــوارٍ حَــوْل جِــيـدِ الــمِـعــصَــم

 

فَــتــبـادَلْـنــا الــوفــا، نــشــدوا بـــه

كـهَــديــر الـطــائـر الـمُــنــسَـــجِــمِ

 

ألــقُ الألـــفــاظِ، فـــي أجـــوائـهــا

كالــثــريــا، فـــي اجـتماع الأنـجُـمِ

 

وإذا الــتـرنـيـمُ، لـــم يُـسـعـِفْ فـمي

مـُـقْـلــة الــعيــنِ، تُــوافــي مُـلْـهِـمـي

 

أفُــقُ الـطّـهْــرِ قــضى، إنّــي بــمـا

يــــأمُـرُ الــقـلــبُ، تُـلـبّـي هِــمَـمـي

 

مِــنْ سَــجـايا الطّــيبِ، بَوْحٌ صادقٌ

يـَـتَـجـلـى، فـــي صَـريــرِ الــقــلــمِ

 

لا لِــتَــزْويــقٍ، فــفـي الآذن صَــدىً

يـــفْــرِزُ الــزّورَ، بـــوعــي مُــلـهَـمِ

 

قَــدْحَــة الــفَـهْـــمِ، لـهــا دورٌ بـــه

تَــتَــولـى حَــسْــمَ أمْــرٍ مُــعــتَــمِ

 

لــغـة الــحُــبِ، تُــجـافـي مَـن سـعى

صَـــوْبَ مَــكْـرٍ، او سَــبــيـلٍ مُـبْـهَـمِ

 

فـــي الــقــوافـي، بـَـتْـلَــةٌ يــانــِعــةٌ

حُــسْــنُـهـا مِـــن نَــفَـحـات المَـيْــســمِ

 

تَــقْـــبـِــسُ الـضـوْءَ , لـيـحـلـو قَـدُّهـا

بــخُــطىً، فــيــهــا ضمـانُ الــقِــيَــم

 

عَــبـَـقُ الـتـعـبــيـرِ، إنْ عَــزّزتَــه

بِــنــوايــا، زاكـــيــات الــبُــرْعُــم

 

يـَــتَــنامــى فــــي مَـيــاديـــن الـعُــلا

صـادحــا، يــنــشــدُ أسْــمى الـكَــلِـمِ

 

كُــــلُّ مَـــن يـسـعى بـنهْجٍ مُــنـصِفٍ

دائـــمُ الـــذّكْــرِ، عــلــى كُــــلِ فَـــمِ

 

نَــيّــراتُ الـشــوقِ، فــي أرْدانِـهـا

حِـــفــظُ عَـهْــدٍ، لإرتــقــاء الـسُـلّمِ

 

تَــخْــلــدُ الـذكــرى، إذا أجْــواؤهــا

تَــصحَــبُ الأقــدَرَ صَوبَ الــشــمَـمِ

 

(واثِـقُ الخُــطـــوةِ يمـشـي مَـلكـا)

فـــي رِداء الــمَـجــدِ، نـحوَ القِـمَـمِ

***

(من بحر الرمل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

 

يحيى السماويتـعِــبَ الـشـراعُ فـلا الــريـاحُ تــقــودُهُ

نـحـو الـضـفـافِ ولا عـيـونيَ تـصـبـرُ


 

(1)

يـا جـاعِـلاً إثــمـي الـقـديـمَ تــبــتُّــلا

بُـورِكـتَ حـقـلاً لـلـغــريـبِ ومـنـزلا

*

أرْجَـعـتَ ليْ ما قـد أضَـعـتُ : طـفـولـةً

وصِــبـاً وخـبـزاً لـلـسـرورِ ومــنـهَــلا

*

تـوأمْــتَـنـي مــنـكَ الــفــؤادَ وتَـوْأمَـتْ (*)

شـفـتـايَ مـنـكَ سَــفَـرْجـلاً وقــرنـفُـلا

*

لــلــهِ درُّ حــمــامــةٍ قـــد دَجَّـــنـــتْ

صـقــراً فأضحى فـي الـمـودَّةِ بُـلــبُـلا

***

(*) توأم: جعله توأماً له .

(2)

بــلـغـتُ بـكِ الــكـمـالَ  مـن الـهــيـامِ

كــمــا نــورٌ مـن الـــبــدرِ الــتــمــامِ

*

ومــا كــان الــهـــوى لــولاكِ مــنـي

كـنـبـضي والـشـمــوسِ مـن الـظـلامِ

*

لَـئِـنْ فـضَـحَ الـهـوى سِـرِّي فـعـذري

دُخـانُ الـصـمـتِ لا جـمـرُ الـضّــرامِ

*

تُــدَثِّــرنـي طـيـوفُــكِ حـيـن أغــفــو

ويُـوقِــظـنـي هــديـلُـكِ مـن مـنـامـي

***

(3)

بـحـري بـلا مـوجٍ فــكـيـف ســأعــبـرُ

بـحـراً تـلـيـهِ مـن الـصـحـارى أبْـحُــرُ ؟

*

تـعِــبَ الـشـراعُ فـلا الــريـاحُ تــقــودُهُ

نـحـو الـضـفـافِ ولا عـيـونيَ تـصـبـرُ

*

وحـشــيَّـةٌ شــفــتـي .. فـلا أنـا صـائـمٌ

فـأطــيــق إمـسـاكـي ولا أنـا مُـفــطِــرُ

*

لـو كـنـتِ قـابَ فـمي شـربتُ بمقـلـتي

خــمــراً بــهِ آثــامُ أمــســيَ تُــغْـــفَــرُ  !

***

(4)

أحـبـابَــنــا  يـا مُــضــيــئـي ظُــلــمــةِ الــدارِ

تــعَــطَّـلــتْ بـعــدَكـمْ شــمـســي وأقــمـاري

//

أطـوي عـلـيـكـم جـفـوني حـيـن أُغـمِـضُـهــا

وإنْ صَــحَــوتُ طــوانــي دربُ أفــكــاري

//

أمـشـي ولـولا الـهـوى لـمْ تـسـعَ بـيْ قـدمـي

إلآ  لِـــتُـــبـــلِـــغَـــنــي حــانــوتَ خَـــمّــارِ

//

لا فَــرَّقَ الــلــهُ مــا بــيــنـي وبــيــنــكــمــو

إلآ إذا كــنــتُ يــومَ الـــبــعـــثِ فـي الــنــارِ

***

(5)

صــافَــيــتُ لــو أنَّ الــفــراقَ يُــصـافــى

وكـتـمــتُ لـو كــتــمَ الــنــزيـفُ رُعـافــا

//

قـلـبـي الـمُـضافُ إلـيـهِ فـي لـغـةِ الـهـوى

وهــواكِ يــبــقـى مـا حَـيَــيْــتُ مُـضـافــا

//

مُــتَــلازمَــيــنِ .. مُــتَــوْأمَـيـنِ تــهَــيُّــمــاً

الـــنــهـــرَ بِــتُّ .. وأنـتِ بِــتِّ ضِــفــافــا

//

أُخــفـي عــذابـي تـحـتَ ثــوبِ تـجــلُّــدي

جَـســدي عــلــيــلٌ والـقـمـيـصُ مُـعـافـى

***

(6)

بـكِ لا سـواكِ يـطـيـبُ فـي حَـدَقـي

كــأسُ الــسـهــادِ وخــمــرةُ الأرَقِ

*

لـيـتَ الـهـوى : كـيـف الـتـقـى غَـسَـقٌ

نـائـي الـجـفـونِ بــمُــقـلــة الــشــفَــقِ

*

وجَــعــي بــلا وجَــعٍ إذا غــفــرَتْ

مـا كـانَ لـيْ في الأمـسِ مـن حَـمَـقِ

*

تـعـرى فـأسْــتـرُهـا .. ويـسـتــرُنـي

ثــوبُ الـعــنـاقِ وظـلـمـةُ الـغـسَــقِ

***

(7)

أنا فـي خـريـفِ العـمـرِ فـضـتُ عــذابـا

وغـدوتُ ـ مـن بـعـدِ  الـنـمـيـرِ ـ سَــرابـا

*

نَـضُـبَـتْ يــنـابـيـعـي  وأصْحَـرَ حـقــلُـهـا

فــلــبــســتُ مـن شـــوكِ الـهــمـوم ثِـيـابـا

*

جَفَّ الـصُـداحُ عـلى فـمي واسْـتـوحَـشَـتْ

مُــقَــلـي حــريــرَ الـجــفــن والأهــدابــا

*

حــتـى أتــيــتِ عــلـى بُــراقِ صَــبـابــةٍ

أســرى بـهـا  عـشـقٌ فــعــدتُ شـــبــابـا

***

(8)

أنـا ما خـسـرتُـكِ بـلْ خـسـرتُ حـيـاتي

لــمّــا ربــحــتُ ســـواكِ يــا مــولاتـي

*

إنْ تــغــفــري ذنــبـي فـلـيـسَ بـغـافِــرٍ

شَــرَفُ الــتـبـتُّــلِ والـهــوى نَــزَواتـي

*

كـذبـاً غـروري كـان ما جَـبَـلـي سـوى

مـن سـفـحِـكِ الـضـوئيِّ محـضَ حصاةِ

*

كـفـرَتْ بـأشـرعـتي ضـفـافُ مـرافـئي

وتــنَــكَّــرتْ لـي كـعــبــتـي وصَـلاتي

***

(9)

شــمــسـي بــلا دفءٍ ولا ألــقٍ

إنْ كـان وجـهُـكِ غـيـرَ مـؤتـلِـقِ

*

أنـا طـفـلـكِ الـمـخـبـولُ فـالــتـمِـسـي

عـذرَ الــرؤومِ لِــطِــفـلـهــا الــنَّــزِقِ

*

لــغــتـي مُــهَـــشَّــمــةٌ وقـافــيــتـي

أضـحـتْ ثَـكـولَ الـحِــبــرِ والــوَرَقِ

*

مَــرَّ الــبُـكـاءُ بـحـجــرتـي فــبـكـى

حـزنـًـا عـلـى الـشُّـرفـاتِ لا حَـدَقـي

***

(10)

يـا بـتـلـةَ الـلـهِ الـطـهــورَ الــمـؤمِـنـةْ

وكـرومَ بـسـتـانِ الـمـنـى والـسـوســنـةْ

*

لـولاكِ مـا عـرفَ الـربـيـعُ مـواسـمـي

يــومــًا ولا مــرَّتْ عــلـيَّ الأزمــنــةْ

*

ولَـمـا اغـتـدى شـيـطـانُ طيشي نـاسِـكًا

وذئـابُ أمــسـي كالـحَــمــامِ مُــدَجَّــنــةْ

*

مـا كـان مِــحـرابـي يــضـوعُ تـبـتُّـلاً

لـو لـم تـكـونـي فـي أذانـي الـمِــئــذنـةْ

***

(11)

شَـجَـري ابـنُ طِـيـنِـكِ وابـنُ مـائِـكْ

وبــهـــاءُ يـــومـي مــن بــهـــائِــكْ

*

أدنَــيــتِ مـن صـحـنـي الـقـطــوفَ

وسَــقــفَ كـوخـي مــن ســـمـائِــكْ

*

أنـا يـا " ســمـاوةُ " لــو عـلــمــتِ

صـــدى غِـــنــائِــكِ أو بـُــكــائِـــكْ

*

قــلــبـي ســـلــيـــمـًـا بــاتَ مــنــذُ

أُصِــيــبَ ـ ذاتَ هــوىً ـ بِــدائِــكْ

***

(12)

وجـعـي لــذيــذٌ فــيــكِ فـابْــتــدِعـي

جُــرحـًا يُـــزيــدُ حـلاوةَ الــوَجَـعِ

*

لــيْ فــيــكِ أطـــمــاعٌ وأوَّلُــهـــا

أنْ تـمـنـعـي عـيـنـي مـن الـطَّـمَـعِ

*

فـأنــا وأنــتِ لِــنـهــرِ عـاطــفــةٍ

ضِـفـتـانِ مـن طَـيـشٍ ومـن وَرَعِ

*

مـعـكِ اخـتـتـمـتُ الـعـقـلُ  آسِـرتـي

وبـدأتِ أنـتِ لـظـى الـجـنـونِ مـعـي

***

يحيى السماوي

 

عبد اللطيف الصافيلا شيء

يحجُب هديلَ الحمام

إذْ يشربَ لوْن السماء

تحت حُطام أجنحته

البلَّورية

تتلاشى صورتكِ

لتنْمو

على حافَة قلبي.

بين ثُقوب نايٍ

مُرهفٍ

يتوارَى صوتكِ العذْبُ

وَ ليلاً

يتغلْغل في دمي

مثل قطرة ندَى

شفَّافةٍ

أَسمعُه يلْهثُ

يتدفَّق شجْواً بارداً

مَشْحوناً بالبَياضِ

قدْ يكونُ هذا الحب

وهْما

انعكاسُ ظلالٍ

بِلا جذورٍ

شفتاكِ مجْروحتانِ

وآثارُ صمتٍ

حَلَزونيٍّ

يزْحفُ على أطْرافِه

كثُعبانٍ يحْتضر

يلْتبسُ عليَّ الضوءُ

مُبعثراً كالسَّديمِ

صاعداً منْ أنفاسِ شامةٍ

تَلوحُ كحبَّةِ عنبرٍ

في ظاهرِ الخدِّ

يصطدمُ فمِي المشتعلُ

برائحةِ المطرِ النَّائمِ

في عينيكِ المُنْطفئتينِ

أنا المهاجرُ الحزينُ

أقشِّرُ أيامي كسِنديانةٍ بيضاءَ

فتتشابكُ أغصَانُها

بينَ أصَابَعي

يَحْبو العشْبُ أمامي

مزْهواً

ثَمِلاً

يبْتلعهُ الْخوْفُ

وظلُّ امرأةٍ

يتلوَّى

في العتمَةِ

وأبْقى وحيداً يتنازعُني الضوءُ الأخْضرُ

وبَقايا حلْمٍ قديمٍ.

***

عبد اللطيف الصافي/المغرب

 

 

 

محمد المحسنأحاور صهيل ريح.. يعبث بتاريخ وَجدي

الإهداء: إلى تلك التي مازالت تتجوّل في خراب يسكنني.. ووحدها تراه..


..إنّ قلبي بيت لكِ

ولكنك تغمضين عينيك عنّي

وتنسين اختلاط الورود،

وشهقة كل هذي الحروف

على تلّة في الجنوب

كيف تعبرين كل هذا الجمال

ويعْلق الحزن بي..

كيف تشيحين بوجهك عنّي..

وتصغر هذي البلاد بعيني

وتصهل الرّيح بقلبي..

وقرب بقايا الركام

أصغي لأجراس صمتك

أحاور رياحا تعبث بتاريخ وجدي

كأنّي السراب...

كأنّي تعبت..قليلا

كأنّ ثلج الدروب قد نال منّي..

كم أحبّ إرتباك الفصول..

كم أحبّ سماء الخريف

متخمة بالغيوم..

كم أحبّ خيول السنين..

وهي تركض صوب الأقاصي

ولا شيء يربك هذا العبور..

وخلف خطاك بقايا صدى مؤلم

هنا أحتفي بالرذاذ

ها هنا أداعب غصن زيتونة

جرفته السيول

ولم يبق لي غير عطرك

لم يبق لي غير حضن عتيق على شكل ذكرى

وبي شهوة لإحتضان الغيوم بصمت

أحاورها

أسائل فيها سر هذا الرذاذ

وليس لي غير حلم نما دافئا

قبيل انبلاج الصباح

وبعض قصائد عن سيرة العاشقين..

وشهقتهم قبل مجيء الغروب

أنا لا أريد الرحيل

لا أريد القطار المعدّ لرحلتنا

لا أريد أن يهجع البحر على كفتي

أو أن يسرج أفلاكه للرحيل

فقط ما تبقى سوى عزف غيم

تعاويذ ضد الفراق

ونجمة صبح تضيء هذي الطريق..

تمهلي..

ولا تتركي الغيم يبكي

تمهلي ودعي منك شيئا

يرتّب موعدا لفجر يجيء

علّ تجيء الفصول بما وعدته الرؤى

لكن..

ترى ما سأقول..

إذا مرّت غيومك جذلى..

تداعب نرجس القلب

أو لاح لي بين ثنايا المدى.. طيفك

يطرّز وهْمَ المسافة..

وشاحا للذي سوف يأتي

ربّما أظل أداعب صوتي

أحاور روحي..

أرتّب حزني

كزهرة لوز أهملتها الحقول..

كغيمة في الأقاصي..

أربكتها الفصول..

***

محمد المحسن (شاعر وناقد تونسي)

 

 

الحسين بوخرطةفي أول يوم من شهر غشت الصيفي الحار، وصلت زينب إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء عائدة من أمريكا على الساعة السادسة صباحا. عمرها لا يتجاوز السابعة والعشرين سنة. حصلت على الدكتوراه في الإلكترونيات والإنتاج الصناعي الرقمي. تعمل مديرة البرمجة ومراقبة الإنتاج الروبوتي للسيارات الفاخرة الكهربائية في شركة أمريكية عابرة للقارات. أجرتها الشهرية مرتفعة للغاية، ارتقت بها، وبقيمة فضاء عملها المبهر والجذاب بوسائله وتقنياته وأنماط تدبيره وتواصله، إلى أعلى المراتب. التحقت بالطبقة المتحضرة، ووضعت قدمها في فضاء سمو العلاقات الاجتماعية المنتجة والقيادية لمجتمع بلد إقامتها. إنها تعيش عالم المتعة العارمة بامتياز.

خرجت من باب المطار. تملصت من حقيبتها وأغراضها أرضا، وانطلقت جريا، وارتمت في أحضان أبيها سيدي ناصر وأمها للا حليمة. دام العناق وتبادل القبلات أكثر من خمس دقائق. ضمت إلى صدرها بعد ذلك أخاها سليم بقوة شغب وولع. شاب وسيم، طويل القامة، أنيق الملبس، ويصغرها بسنتين. لم تنتظر برهة حتى سألته عن التخصص الذي اختاره بعد تفوقه في نفس السنة كطبيب داخلي بالرباط، وعن خطيبته رميساء زميلته في الدراسة والعمل. لقد أشرقت الوجوه فرحا بتتويج مسار أسري وتربوي وتعليمي ناجح.

التحقوا بمنزلهم بالقنيطرة عبر الطريق السيار. وجدوا مربيتهم دادا كبورة في انتظارهم. لقد أعدت لهم ما لذ وطاب، مزخرفة مائدة الفطور في الحديقة، احتفاء برجوع أميرة ونجمة الأسرة. التصق الجسدان شوقا. جسد وردة يافعة، منحوت بعناية الرب، ومتوج بعقل التحق بمصاف النوابغ، وجسد أعيته السنين بعدما جاهد لعقود لنصرة قضية المؤسسة الأولى في المجتمع. لقد شكل سيدي ناصر وللا حليمة ودادا كبورة مدرسة نموذجية للتعاقب الراقي للأجيال بالسلاسة والمعرفة المطلوبتين.

ابتسمت زينب في وجه مرجع وجودها، ثم قالت بكل ثقة وافتخار: "أشكركم يا أبي وأمي والداد على عنايتكم المعرفية بي وبأخي. ترعرعت جسما وعقلا في أجواء سليمة، ونضجت معرفة وعلما بأفضالكم. أخبركم أنني اخترت رفيق حياتي مؤخرا، بعدما خبرت شخصيته بما راكمته من تجارب ومعارف الحياة الفاضلة". أخرجت حاسوبها المتطور، عرضت صوره المختارة بعناية، مجسدة بذكاء خارق حياته منذ الصبا، مرورا بالدراسة والتخرج، ووصولا إلى أنشطته المهنية الرائدة في "ناسا". لم ينتظر سيدي ناصر كثيرا حتى هنأها، طالبا منها أن تربط معه موعد لقاء أسري عبر الويب في ساعة مواتية في نفس اليوم.

أغلقت زينب حاسوبها متأثرة بثقة أبيها فيها، لتستسلم لسلطة دموع الرحمة والمعزة الساخنة، ثم ارتمت مجددا في حضنه، ثم أسرت له بعبقريته التي أنقذتها من الانزلاق في عمر المراهقة. استرسلت في الكلام لتجد كالعادة الآذان الصاغية. وأنا أسترجع سنوات تلك الحقبة الصعبة، كنت أتذكر دائما كيف كنت تعاملني بمنطق الأب الحنون، لم يسبق لك يوما أن صرخت في وجهي، أو واجهت سلوكي الصبياني بالعنف والعقاب. كنت عبقريا في الالتزام بالروية والهدوء والحذر والوقاية من الانحراف عن الأهداف البناءة في تلك السن الخطرة. بحثك المتواصل لإيجاد السبل المعقولة لإقناعي بالخطأ كان يغريني، وينبهني أنك لا تفكر إلا في مصلحتنا أنا وأخي.  لم أشعر يوما أنك تنهرني وتتحداني حتى وأنا غاضبة. لقد كنت لنا جميعا قدوة يحتدى بها.

كنت دائما أقف مشدوهة، وأنا في مقر عملي في أمريكا، عندما أتذكر ما حكته لي أمي عندما تجاوزت السن الحرجة. لقد أقنعتها يا أبتي، بالدليل والبرهان، أن المراهقة من المراحل المهمة في حياة كل فتاة، وهي مرحلة دقيقة تقتحم خلالها عدة تغيرات كل مستويات حياة الإنسان. بها تبدأ مشاعر وسلوكيات الشباب في التغير. لقد علمتها أن تبتهج عندما تجدني أبالغ في الاهتمام بمظهري. أكثر من ذلك كانت تغمرني دائما بالشجاعة الكافية لوأد الخجل المؤذي ومناهضة الميول إلى العزلة.

لقد تغيرت أحوالي جسديا ونفسيا ما بين سن الثانية عشرة والثالثة عشرة، وانبعثت في أحشائي تغيرات هرمونية وجسدية مزلزلة للحياة الاعتيادية. وأنا أعيش هذا الاضطراب المفاجئ، علمتني أمي تأجيل الشعور بالإعجاب بالجنس الآخر. لقد أفهمتني أن هذه المشاعر جد طبيعية لدى البنات في تلك المرحلة، وأن الحل ليس في الاستجابة لها، بل يجب التعامل معها بذكاء وبأسلوب سليم. عاملتني بحنان، وكانت لي ملاذا وصديقة. كانت تستمع إلي بإمعان أكثر ما توجهني. أنعم كل يوم باحترامها لمشاعري ولا تسخر منها. فعلا كانت محقة عندما صارحتني في سنوات نضجي أن ما تحس به المراهقات ليس حبًّا، بل هو مجرد إعجاب، أو رغبة في التعرف على الجنس الآخر. كلما علمت بأمر من هذا القبيل عبر قنواتها السرية، لم تسمح لنفسها يوما اللجوء إلى العناد أو التوبيخ. لقد كانت تراقب تصرفاتي بحكمة ورعاية بدون أن أشعر بذلك. عاملتني وناقشتني دائما بهدوء واحترام تامين كناضجة لا كطفلة.

لم تتقاعس ولو لحظة واحدة في تقوية ثقتي بنفسي وتشجيعي. كلما مرت الأيام، أحس أنها قدوتي الأفضل في القول والفعل. أصبحت أحس بها صديقة مقربة مني جدا، تحدثني بدون خجل عن مشاعر الحب، حتى توضح لي بجلاء الفرق بين الحب والإعجاب. أعطتني الثقة الكاملة حتى أصبحت صريحة معها في جميع أمور الحياة. كانت دائما مبتهجة ومسرورة وهي تستمع إلي بالانتباه المطلوب. علمتني المعنى الحقيقي للحرية والاستقلالية. أمي الجميلة الحنون، كانت دائما تحافظ على هدوئها وسط عواصف الغضب الشبابي. تعاملت معنا بدون انقطاع، أنا وأخي، بالنضج الكافي، وازنة الأمور بصورة منطقية لإزالة التوتر وتهدئة الأوضاع الصعبة، محافظة بذلك على رباطة جأشها. كانت تعيرنا شجاعتها في هذه اللحظات الحرجة، وتثير انتباهنا إلى كيفية التعامل في حالات التوتر. لم تقف ساكنة أو حائرة من أمرها عندما تشحن الأوضاع غضبا، بل كانت تهدئ، بوعي تام، من روعها وتحتفظ ببرودة أعصابها، وتفتح باب التفاوض والتفاهم بتقنيات نوابغ علم النفس في الوقت المناسب. تنتظر أن أفرغ ما بجعبتي من توتر وقلق وانشغال، وتحول باحترافية عواطفي الجياشة إلى موضوع معرفي يهب من كلماته نسيم اللوم والعتاب الدافئ، المغمور بالدروس والعبر.

لم تمر شهور على ظهور عواصف المراهقة في حياتي، حتى وجدت نفسي أتعامل مع خصوصيتها بمعرفة عالية. عوضتني أمي بتوددها وحبها وحنانها، وأبهرتني بمفاجآتها السارة المباغثة. لم أعد أحتاج لحب آخر سوى حب الأسرة والعمل المضني من أجل المستقبل. قبلات أمي وأبي الحانية على جبيني كان منبع قوة خارقة. تعلمت كيف أستغل وقت فراغي فيما يفيدني. لقد اقتنعت بمنهجية علمية صرفة أن الحب مشاعر جميلة، خلقها الله داخلنا، وهي ليست عيبًا، لكن يجب أن تكون في الوقت المناسب وللشخص المناسب.

عدؔل سيدي ناصر جلسته على أريكته الوثيرة. زم شفتيه متأثرا ومشدوها متعجبا بكلام ابنته المنتظم الراقي، وفرك يديه مزهوا باسترجاع ألفة السلوى الاعتيادية التي غمرت مجددا جلسته العائلية، اختار أن يختم الجلسة مستثمرا في الرمز الدال في المعنى والمغزى، ثم قال: "بسلطة جودة المؤسسة الأولى في المجمتع، الأسرة، تتحول مجالات الحياة الفردية والجماعية إلى ينابيع إبداع وخلق وابتكار فوارة ودائمة".

 

الحسين بوخرطة

 

جاسم الخالديمن يطرق البابَ كلُّ الصحب قد رحلوا

وخـلفـوا لـوعـة  في الـــروحِ تـشـتـعـلُ

 

كانوا قريـبـيـن منا غـيـر أنّهـــــــــــمُ

شدوا الرّحالَ   فضاقتْ حوليَ السبُـلُ

 

من يطرق الباب؟ صار البابُ قِبلتنا

خمسا نصلي ولا من طارقٍ يصـلُ

 

حلّوا بعيدا ولا ندري لهــــم ســبـبًا

وأدمنوا الهجر حتى ضاقتِ الحِيَـل

 

يا أيها القلب قل لــــي كيف أحتملُ

نأيـاً وبيْ من متاهات الأسى جَبَلُ؟

 

وكيف أصبر و الخلان في سـفـرٍ

وفي فؤادي لظى الأشواقِ تشتعلُ

 

كان الحبورُ نديماً لا يفارقـنـي

وليس يقربُ من أياميَ الـمَلـلُ

 

وها أنا الان وحـــــــدي لا تُسامرني

إلآ   الطيوفُ وقد ضاقتْ بيَ الحِيـَلُ

 

غدوتُ من شغفٍ أصبو  لعودتهم

وهل يعودُ كما في أمـسِـهِ الطللُ؟

 

من يطرق الباب بابي صار يعرفني

ولا سواي يـدٌ فــــــي الباب تـنـتـقـلُ

 

وكنتُ من فــــرحٍ إنْ عدتُ من سفرٍ

تراكض الشوقُ نحو البابِ والـقُـبَـلُ

 

إذا مددتُ يدي للبابِ تسـبقـني

لفتحِها منهمُ الأشـذاءُ والمُقـلُ

 

يا أيها الباب من يأتي وقـــد غربت

عنكِ الحياة وغاب السعدُ والجذلُ؟ 

 

من يطرق الباب قل لي من يسامرني

ومن يجـــيء وباب القـلب مـنسـدلُ؟

***

د. جاسم الخالدي

 

 

نجاة الزبايرعَتَبَةُ اُلْهَوَى

تَحْتَ أَقْدَامِي تَنْتَفِضُ

أُغَطِّي صَدْرَ عِشْقِكَ اُلْعَارِي

بِمِعْطَفِ اُلشَّمْسِ

وَأَمُرُّ مِنْ ثُقْبِ اُلرِّيحِ

وَأَنْتَظِرُ ..

تَمُرُّ السَّاعَاتُ

فَأَرَى اُلْغُروبَ مِنْ بَعِيدٍ

يُنَادِي

أَخْتَفِي

وَرَاءَ مَقَاعِدِ اُلصَّمْتِ

أُفقِي شَاحِبٌ

تَتَسَاقَطُ مِنْهُ عَنَاقِيدُ نَدًى

تَرْثِي هَذَا اُلْمَسَاءْ.

***

وَأَعُودُ ..

مِثْلَ جُنْدِيٍّ بِلاَ قُبَّعَةٍ

يَحْكِي عَنْ  وَطَنٍ مِنْ وَرَقْ

يَضْحَكُ

يَبْكِي

وَبَيْنَ ضُلوُعِهِ يَحْتَرِقْ.

فَيَغْدُو مِثْلَ طِاِئرٍ سَجِين

يَبُوحُ لِلْمَدِينَةِ اُلنَّاعِسَة

عَنْ حُلْمِ لَيْلَةٍ خَضْراء

اُسْتَرَاحَ بِجِوَارِهَا

يَجْرِفُهُ اُلْحَنِين

فَاُكْتَفَى بِاُلْغِنَاء

مُتَجَوِّلاً فِي اُلطَّرِيقِ

يَلْتَحِفُ وَجْهَ اُلظَّلَامِ

يَنْتَظِرُ مِثْلِي ..

أَنْ يَمْشِيَ فَوْقَ خَدِّ اُلصَّبَاحِ

مُنْتَعِلاً حَرْفَيْنِ

مِنْ نَارٍ وَمَاءْ .

***

أَقِفُ

بِجِوَارِ جِدَارِ لَيْلَى

أَبْسُط شَبَابِيكَهُ

وَقَلْبِي شِتَاءٌ

لاَ تَنَامُ عَوَاصِفُهُ

يَرْتَجِفُ مِثْلَ أَرْضٍ

 يُحَاصِرُهَا اُلرِّثَاءْ.

***

أَجُرُّ سَاقَ اُلْقَلْبِ اُلْمُتْعَبِ

وَأَنَا فِي نَفْسِ اُلْمَكَانِ

أَشْرَبُ قَهْوَةَ اُلاِنْتِظار.

ثَوْبُ اُلصَّبَابَةِ بِلَوْنِ اُلضِّيَاءْ

يَقْتَحِمُنِي كَرُؤْيَا عَابِرَة

مَا قِصَّتُهُ؟

يَتَرَنَّحُ بِرَائِحَةِ اُلْفُلِّ

كَيْ أَرَاهْ.

***

اُللَّحَظَاتُ اُلْعَطْشَى اُلذَّابِلَة

تَمُرُّ سَرِيعًا

تَدْخُلُ حُجْرَةَ شِعْرِي

تَنْثُرُ رَسَائِلَ اُلَّليْلِ

قَرَأْتُهَا

عَلَّنِي أُبْصِرُنِي بَيْنَ يَدَيْهِ

فَتَذَكَّرْتُ بِأَنَّنَا لَا نَلْتَقِي!!..

***

نجاة الزباير

 

 

محسن عبد المعطيمَنْ أَنْتِ؟!!!

أَيَّتُهَا الْقِدِّيسَةْ

أَيَّتُهَا الْمَلاَئِكِيَّةْ

وَالإِنْسَانِيَّةُ فِي آنْ

**

شَغُوفٌ بِكِ إِلَى حَدِّ الْوَلَهْ

مُـتَيَّمٌ بِكِ إِلَى حَدِّ الْجُنُونْ

وَاقِفٌ عَلَى بَابِ جَنَّتِكْ

فِي انْتِظَارِ النَّعِيمِ الْأَبَدِيْ

يَا لُحُونَ عِشْقِيَ الْأَبَدِيْ

يَا سَمِيرَةَ أَيَّامِيَ الْحَسْنَاءْ

يَا نَجِيَّةَ أَيَّامِيَ الْقَلِيلَةْ

وَاقِفٌ أَنَا

ضَارِبٌ تَعْظِيمَ سَلاَمْ

مَنْ..أَنْتِ؟!!

يَا مَلاَكَ الدُّنْيَا

يَا مَلاَكَ الْآخِرَةْ

يَا عِشْقِي الْأَوَّلَ وَالْآخِرْ

**

مَنْ..أَنْتِ؟!!

أَيَّتُهَا النَّائِمَةُ فِي سَرِيرِي

أَيَّتُهَا الْحَاضِنَةُ قَلْبِي

أَيَّتُهَا الْمُمْسِكَةُ بِأَهْدَابِ عُمْرِي

**

مَنْ..أَنْتِ؟!!

يَا امْرَأَةً قَضَّيْتُ الْعُمْرْ

أَتَأَمَّلُ فِي عَيْنَيْهَا

أَتَلَذَّذُ فِي لَمَسَاتِ يَدَيْهَا

أَتَقَمَّصُ مِنْ لَفَتَاتِ جَمِيلِ لَذيذِ

وَمِيضِ بَرِيقِ الدَّمْعَةِ فِي عَيْنَيْهَا

يَا امْرَأَةً

إِسْوِرَةً مِنْ مَاسٍ

عِقْدُ الْعُمْرِ تَأَلَّقَ فِي جَنْبَيْهَا

يَا عِطْرَ الْجَنَّةْ

يَا أَنْغَامَ الْحِنَّةْ

يَا أَجْمَلَ يَا أَنْبَلَ رَنَّةْ

تَأْتِينِي مِنْ فِرْدَوْسِ الْخَالِقِ ذِي الْمِنَّةْ

**

مَنْ..أَنْتِ؟!!

مِنْ وَهَجِ التَّرْتِيلِ أَخَذْتِ

مِنْ أَلَقِ التَّجْوِيدِ نَمَوْت

مِنْ سِحْرِ مَلاَئِكَةِ الْجَبَّارِ تَأَلَّقْتِ

مِنْ زَهْرَةِ أَعْمَارِ الشُّهَدَاءِ نَبَتِّ

مَنْ..أَنْتِ؟!!!

***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي  

شاعر وروائي مصري

 

 

فرات المحسنأحنت جدتي جسدها فسمعنا همهمة وتوجعًا. لم تكن لتستطيع الانحناء بالكامل لتوصل يديها إلى قدميها. تلك الساعة اجتاحتها رغبة وإلحاح غريبان، بأن تطلي أظافر قدميها بطلاء اختارته البارحة من المخزن المجاور للمكتبة العامة في الشارع المؤدي إلى وسط المدينة.

 كانت تتوجع، ولكنها تكابر،هكذا هي دائما مذ عرفتها،تتلوى دون أن تكف عن تكرار المحاولة، انحنت بما استطاعت من قدرة،  ثم صرخت بألم مكتوم وتلفتت حولها، لقد أثارت انحناءتها آلام المفاصل التي اشتد وجعها هذا العام، وبدت قدما جدتي ويداها وكأنها تحجرت. أكثر الأوقات نسمعها تتألم عندما تريد الحركة، أو تهم لتناول شئً من فوق رفوف المطبخ المعلقة عند الجدار، فتجول بنظرها أول الأمر ثم تصرخ طالبة المساعدة، فيسارع الجميع لنجدتها. مع كل ذلك الألم، نصحها طبيبها الخاص بالمشي، لا بل طلب منها أن تحمل نفسها وتسير لمسافات معقولة، فذلك حسب قوله، فيه شيء من العون، ويمنحها بعض الراحة. قبلت جدتي النصيحة، رغم قناعتها غير الكاملة التي أظهرتها بزم شفتيها وهز يدها.

اليوم كانت إرادتها جامحة لتطبيق نصيحة الطبيب، وخالطتها رغبة عارمة بالذهاب لشراء طلاء الأظافر باللون الأرجواني الغامق، الذي عرض البارحة في إحدى الإعلانات التلفزيونية. دخلت المخزن، الذي لا يبعد عن بيتنا سوى مائتي متر، واقتربت من المنضدة الزجاجية، ودون تردد أشارت بالضبط على تلك الزجاجة ذات اللون الأرجواني الفاقع دون غيرها.

 بعد عودتها، وحين رأتني أطالع زجاجة الطلاء وهي ترتج بين أصابع يدها المرتعشة، وجهت لي كلامها بشيء من الحدة وبوجه عابس، متسائلة عن الذي يجعلني أنظر نحوها والزجاجة، بهذا الفضول غير المبرر، وأردفت بكلمات زجر تخرج من تحت طقم أسنانها، مَن الذي علمك هذا الفضول السخيف، بالرغم من أن سنوات عمرك لم تتجاوز العشر. ابتسمت لها، وأجبت بأني أحب اللون الأرجواني وأحبك أيضا يا جدتي. ولكن علامات التوجع والعبوس كانت ترتسم فوق جبهتها المغضنة فلم تهتم بما قلته.

حاولت جدتي الانحناء مرة أخرى، فانطبع الألم فوق تجاعيد وجهها، وصدر عنها أنين موجوع، حين ذاك تنبه جدي، فأعتدل في جلسته، فسقطت الصحيفة من يديه، ولكن ابتسامة رضية ارتسمت فوق شفتيه، وهمس بصوت مسموع وهو يقرب فمه من رقبة جدتي، لا تتعبي حالك أيتها الوردة الجميلة، دعيني ألون لك تلك الأظافر الحلوة الطرية بيدي، فتوشح وجه جدتي بلون وردي، وبانت ابتسامة عريضة فوق ثغرها المجعد، وظهرت أسنانها الاصطناعية اللامعة. رفعت يدها وراحت تمسد شعره بأصابعها المتيبسة، حين جلس القرفصاء فوق وسادة طويلة قرب قدميها، وفتح بيد مرتعشة زجاجة طلاء الأظافر الأرجوانية اللون، وراح يدندن بهدوء لحن أغنية قديمه. كانت أصابعه بالكاد تستطيع أن تمسك الفرشاة الصغيرة، فهو مثل جدتي مصاب بالتهاب المفاصل.

***

فرات المحسن

 

 

 

كريم الاسديأَهــائمـــةَ العينينِ أيُ ذهـــــــابِ   

أعادَ حضوري مِن جنونِ غيابي

 

وأيُ جِنانٍ في الثُريا تمايلتْ 

ونحنُ مَدى مترٍ فُوَيقَ ترابِ

 

وأيُ كرومٍ عاقرتْ شفةَ الهوى 

فزخَّتْ على روحِ الظميءِ بآبِ

 

وصالاً وتحناناً وحُبَّاً ولوعةً 

وشوقاً وتركيزاً وتوقَ رغابِ

 

وهمساً وتقبيلاً وضمّاً ورقّةً 

وعنفاً وتعطيشاً فجودَ سحابِ

 

تودِعُني عيناكِ ثـــمَّ تجرُّني

بِقوَّةِ جذبٍ كي تعودَ ركابي

 

فأحضرُ مـــاءً مِن فراتٍ ودجلةٍ

زُلالاً ، فلا تشْكينَ وهْمَ سرابِ

 

هوَ الغمرُ مِن بدءِ الغمامِ مُقطَّراً 

وقصّةُ أسلافي ووحـــــيُ كتابي

 

وقدْ حلَّ في وهْجِ اللقاءاتِ بيننا

وجمَّعَنا جرمــــــــاً بِدونِ ثيابِ

***

كريم الأسدي – برلين

.....................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في اليوم الحادي عشر من كانون الثاني 2022 ، في برلين.

 

 

كفاح الزهاويكم هو ساذج وعقيم

حينما يصدق أوهام خفافيش الظلام

ويمكث أطول مدة في بحر الظلمات

 

يعشق الدجى وزيارة القبور

يتطلع الى الشمس بنظارات سوداء

كي لا يرى براءة الحمامات

وهن

يسبحن في فضاء الأمل

 

يتفحص صفحات دفتره

وقد أتلفها سهاد الزمن

سطور موسومة بتاريخ مشرق

لم يبق منها سوى الذكريات والسراب

 

غيمة عابرة

 

تمرين كغيمة بيضاء وحيدة

تعومين بلا منازع

في فضاء احلامي

 

أتأملُ نغماتِ لمْ تحيّ

وأنتِ تتحركين صوب شمسي

تَحجبين عني نورها الأزلي

 

تُحاصرينني في المنحدرات

قد كستها غلالة الظلال

وعمداً منك ان تلوي بيّ الدهر

وتطفئي ضوء النطفة

حيث لا يزال في طوره

يتبلور في المهد

 

فأنتِ يقينا تدركين معنى اللحن

عندما يتجمع في ملتقاه فجر الصباح

***

كفاح الزهاوي

 

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا


 يحدث أحيانا

شيء غامض يعقد روحينا في مشكاة واحدة. يفهمني وأفهمه وإن فرّق بيني وبينه النّوع واللّسان.

ذات يوم وأنا في عرض الشهباء هاج وماج وملأ الجوّ نباحا، فلتفتّ حولي فكانت الأرض خالية ممّا سوانا...

فجأة ينشقّ الترّاب على هامة سوداء تدور حول نفسها في جنون...

حين أفقت وجدتني مطمورا في الرّمل وكلبي يرقد على رأسي كأنّه يحميني، مثخنا بالجراح...

**

دولة الظّلّ

تحرّك الظّل إلى كرسيّ السّلطان فقلبه. ومدّ يده إلى أطولهم لسانا فجندله. ونفخ في مزماره الغريب. فما من أحد بلغته نغمته السّاحرة إلّا ونزع ثوبه ونفش شعره وتقيّأ وخبط وصرخ وأرعد وأزبد...

حاصرنا الظّلّ بالصّراخ وتلويح الأذرع...  فجأة اختفى. لكن في الغد برزت ظلال كثيرة أشدّ قتامة فما هي حتّى صرخت أمّي: إنّي أغرق، أغرق...

 

**

من وراء القضبان

وخياله ملتهب بصور النّساء أومأ إليه:

- أرأيت ذلك الأمرد. كم هو شهيّ!

- بماذا تفكّر؟

تعلو قهقهته...

- أنت شيطان.

- إنّه كرئيس السّجن حلاوة وطراوة.

- ولئن فعلتها فالمؤبّد.

- آه، إنّني لا أبيت ليلي...

يتقدّم الأمرد صامتا وفي لمح البصر يأخذهما أخذ جبّار...

"سامِحنا أرجوك "!

**

مأدبة للغبار

صفّفها أمامه وراح يتأمّلها بذاكرة مشرّعة. رآه يمتطي صهوات الرّيح، ويحلّق بعيدا في سماوات الخيال. يقطف من بلاد السِّحر ثمار المعنى... ورآه في فحمة دامسة يغشاه الصّمت والبرد...

تحسّسها بأنامله كما يتحسّس رضيعا.. عمد إلى قشّ فغطّاه بها.. سمعها تهمس:

"تبًّا للنِّسيان. "

وهو يتنفّس بربع رئة:

"النّار أكرم لكِ من الغبار"!

... وتصاعدت كتبه دخانا!

***

بقلم حسن سالمي

 

عبد الله سرمد الجميلكمستكشفِ الآثارِ إذ يلمِسُ الحجـرْ

سألمِسُ نهديكِ الصغيرينِ في حذرْ

 

أُنقِّبُ عن شاماتِ خصرِكِ لاثمــــــاً

وفي ملتقى الساقينِ شيءٌ من الخدَرْ

 

وعن وحْمةٍ كانت تبدِّلُ لونَها

كحِرْباءةٍ قربَ العُسيلةِ تنتشرْ

 

وعن حَلمةٍ كانت تُنكِّسُ رأسَهـا

كخوذةِ جنديٍّ من القنصِ يستترْ

***

عبد الله سرمد الجميل شاعر من العراق

 

خالد الحليعندما أقرأ نصاً مرتينْ

فأقولْ:

ما الذي كان يقولْ؟

كاتبُ النّصِ

و ماذا سيقولْ

قاريءٌ آخرَ  بعدي؟

أجدُ النفسَ تقولْ:

لمن المُبْدِعُ يكتُب ..؟

و لماذا نحن نقرأ؟

**

صَفَحاتٌ سُطِّرتْ

دونَ جدوى كُتِبَتْ

بغموضٍ عبَّرَتْ

عن سرابٍ

و ضبابٍ

و اضطرابْ

فلماذا يكتُبونْ

وَ هُمُ لا يُدرِكونْ

أنّ بحرَ  الكلماتْ

فيهِ أملاحٌ و ماءٌ  وجواهرْ

فيهِ أخطارُ  هلاكٍ وغرقْ

فيهِ ما يزرعُ في النّفسِ القلقْ

فيه ما يبعثُ في الموتِ الحياةْ

فيهِ، ما فيهِ، وللمبدع أن يختارَ،

ما تهفو  له الأرواحُ، والآذانُ،

ممّا يَدخلُ القلبَ بلا إذن دخولْ

و يغذّي الروحَ من دون ذبولْ

- 2 -

جفّتِ اللّيلةُ، جفّ الفجرُ، جفّ الصّبحُ

جفَّتْ غيمةٌ ما أمطرتْ

جفَّتِ الغابةُ،

جفَّ الحقلُ،

جفّ البحرُ،

جفّ النهرُ

لكِنْ

لَمْ يجفّْ الحبُّ في قلبي،

وما جفّتْ دُموعي

فبكيتُ

و بكيتُ

و بكيتُ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن 19/11/2021