عبد الستار نورعليفي قصيدتهِ "في وداع أم نجاح" يرثي شاعرُ العربِ الأكبرُ (الجواهريُّ) زوجتَه آمنة (أمونة) جعفر الجواهريّ (أم نجاح)، وقد كتبْتُ حينَها بضعةَ أبياتٍ، أخاطبُه فيها، إذ قلْتُ*:


يا ابنَ الفراتينِ ، لنْ تنأى بكَ القـــدَمُ

لا الليلُ يمكثُ، لا التسهيدُ لا الحُرَقُ

 

يا ابنَ الفراتينِ، فالدنيا إلى صِغَرٍ

حربُ المسافاتِ في أيامِنا رَشَقُ

 

الجمعُ يمضي، ويأتي الغيرُ يوصلُهُ

عِرقـاً فعِرقـاً ، و نارُ الحرفِ تأتلِـقُ

 

والصـابرون على البلوى شِـتاتُهمو

جمعٌ، وإنْ حُشِّدَتْ في حربِهمْ فِرَقُ

 

يا ابنَ الفراتينِ ، ما زادَتْ و لا نقصَتْ

تلكَ الأمانيْ، لها فــــــي القلبِ مُحتَرَقُ

 

قد حمَّلتْنا صـواريهـــا مُنـازلـةً

ما بينَ أمواجها طوْقٌ ومُخْترَقُ

 

أنْ نستفيقَ وهُوجُ الريحِ راحلةٌ

وأنْ نُصبِّحَ في الآفاقِ ننطلـقُ

 

وأنْ نُمسّيَ ، والأقمارُ فــي كَبِـدٍ،

وفي الكؤوسِ خمورُ الحبِّ تندلِقُ

***

عبد الستار نورعلي

......................

* في قصيدتهِ "في وداع أم نجاح" يرثي شاعرُ العربِ الأكبرُ (الجواهريُّ) زوجتَه آمنة (أمونة) جعفر الجواهريّ (أم نجاح)، التي انتقلت الى رحمة الله عام 1992، والتي ترقد بجانبه في مقبرة الغرباء بالسيدة زينب في سوريا. القصيدة مكتوبة على شاهد قبرها. يقول في مطلعها:

ها نحنُ ، أمونةً ، ننأى ونفترقُ

والليلُ يمكثُ والتسهيدُ والحُرَقُ

......................

إيضاح حول قصيدتي (يا أمَّ خيرِ السجايا)

عبد الستار نورعلي

لقد سبق لي أنْ كتبْتُ قصيدةً في مايس عام 2017 أرثي بها الابنةَ البكر لشاعر العرب الأكبر (محمد مهدي الجواهريّ)، أم رائد (أميرة)، التي انتقلتْ الى رحمةِ اللهِ حينها، وذلك لاعتزازي واحترامي ومحبتي العميقة لها ولعائلتها الكريمة التي ربطتني بها علاقة عائلية حميمة، فعرفتها عن قُربٍ. رحمها الله برحمته الواسعة، وأغدقَ عليها نعمة الجنة.

لكن مع الأسف الشديد نسبَ البعضُ هذه الأبيات للجواهريّ سهواً وبسوء فهم. وعليه وجدتُ نفسي مضطراً لنشر هذا الإيضاح درءً للبس والخلط، وكشفاً للحقيقة.

علماً بأنَّ القصيدةَ نُشرَتْ في مواقع ألكترونية وصحفٍ عديدة وعلى موقعي الشخصيّ في الفيسبوك، معنونةً ومُذيّلةً باسمي. وأعيدُ اليوم نشرها ثانيةً.

عبد الستار نورعلي

الأربعاء 28 تموز 2021

(يا أمَّ خيرِ السجايا)

شعر: عبد الستار نورعلي

الى روح المرحومة (أميرة محمد مهدي الجواهري):

"لا الليلُ يمكثُ لا التسهيدُ لا الحُرَقُ"

وأنتِ في القلبِ تاريخٌ  بـهِ عبـَقُ

 

إنْ جنَّ ليلٌ سطعْتِ النورَ يغمرُهُ

وهلَّ صبحٌ فأنتِ السَبْقُ والألَقُ

 

وإنْ تسهَّدَ عينٌ كنْتِ بارئَـها

واشتدَّ حرٌّ فعينُ الطِيْبِ يندفقُ

 

يا أمَّ خيرِ السجايا فيكِ قد خُلِقَتْ

وأمَّ خيـرِ بنينٍ منـكِ مـا رُزِقـوا

 

رَحابةَ الخَلقِ والأخلاقُ رائدُهمْ

ورافدٌ، عائدٌ ، والأيسرُ الشَرَقُ *

 

يا بنتَ مَنْ شغلَ الدنيا بقامتِهِ

وبنتَ دارِ إمـامٍ  بابَـهُ طرقُـوا

 

مِنْ كلِّ فـجٍّ عميقِ الهَدْيِ سائقُهُمْ

القلبُ والروحُ والأشـواقُ والحَـدَقُ

 

طوبى لمَنْ وُلِدوا في حضنِ خيمتِـهِ

فكانَ عطرُ شذاهُ  ضـوعَ ما نطقُوا

 

فيكِ الذي فيهمُ مِنْ كلِّ ما حملُوا،

الطيـبُ والدفءُ والإكرامُ والخُلُـقُ

***

عبد الستار نورعلي

 مايس 2017

..................

* "لا الليلُ يمكثُ لا التسهيدُ لا الحُرَقُ" تضمين من قصيدة الجواهري في رثاء زوجته (أمونة/آمنة) التي توفيتْ عام 1992 في دمشق، حيث يقول في مطلعها:

"ها نحنُ أمونةً ننأى ونفترقُ

والليلُ يمكثُ والتسهيدُ والحُرَقُ"

* أميرة أم رائد: هي الابنةُ البِكرُ لشاعر العرب الأكبر (الجواهري) والتي توفيت في هذا العام 2017

* رائد ورافد وعائد وأيسر: هم أبناء المرحومة وزوجها المرحوم عيسى رؤوف عباس الجواهري

* الشَرَق: الشمس

 

 

قصي الشيخ عسكركانت تقول له إذهب وحدك وتمتع مع أعضاء التعاونية بمراقبة حشرة العث أمّا أنا فسأبقى مع ابنتي هنا، لم يعترض فهو يدرك أن ابنته طبيبة تعرف كيف تدبّر أمرها حين تحين ساعة الولادة وسوف يأتي زوجها توم بعد ساعات من المشفى الملكي، غير أنّهما وجدا أبا توم والذي وصل قبلهما وسرعان ما هبّ نحوهما فاتحا ذراعيه:

يا سيد هنري نحن مجتمع محافظ لا يحضن الرجل المرأة أويقبل يدها. كانت تقول ذلك لأبي توم زوج ابنتها فيردّ عليها بابتسامته التي تشير إلى أنّه يمزح أكثر مما يتناسى:

I am the father in law, you are the mother in law that is no problem, we are relatives

 فتبتسم وتشيح بوجهها نحو زوجها وتقول بشئ من التذمّر:

مادامت الدعوة مفتوحة فلِمَ تذهب وتختلط بالآخرين في هذا الزمن الموبوء؟

أنا وأنت لقحنا مرّتين أم هو التردد؟

فتنبري الدكتورة صبا وهي تلمّ رجليها على الأريكة وتسند بطنها بيديها:

أعشق رؤية الحشرات ولو كنت في حال أفضل لرافقتك لرؤية العرض

قرأنا أنا وأمّك الرسالة التي وصلت من التعاونيّة الزراعيّة عن احتفالية حشرة العث وقلت لها يوم 17 تمّوز تفرغي سنكون هناك في الحادية عشرة إلا ربعا قبل منتصف الليل

لم أتوقع مخاض صبا اليوم

عمي معي وسوف يأتي زوجي بعد ساعات.

عقّب هنري: الحادية عشرة وقت متأخر

اليوم بلغت الحرارة تسعة وعشرين ولن يعرضوا الشريط إلا بحلول ظلام تام

مع ذلك فقد اضطر أن يذهب وحده ..بدت قلقة على ابنتها وراحت تنظر إلى اباب المطبخ تتجاهل الحديث..ودّ لو صحبته في الحفل الآن في مثل هذا الظرف لن يعانقها الآخرون شأنهم كلّ لقاء ولن تقول لهم – مثلما تفعل مع هنري-نحن مجتمع محافظ.. الوباء جعلهم يتباعدون ويتلامسون بالمرافق.. بلا شكّ يحس بفراغ من دونها في أيّة احتفاليّة يحضرها وحده.. ساعة يقضيها مع أعضاء التعاونية الزراعية يحتسون الشاي ويراقبون على شاشة انتصبت في موقف السيارات عند مدخل التعاونيّة حشرة العثّ.

 سأله جاره بات:

ياسيد جواد أيّ مهرجان لديكم في العراق خلال الصيف

أووه الصيف حار لدينا في آذار مهرجان الربيع

وضحك في سرّه سؤال بات أعاده إلى زمن بعيد عدة سنوات في وقت واحد، وقطعت عليه تأمله السيدة شارون مديرة التعاونية بابتسامتها العريضة:

لم تأت معك قبيلة!

اتفقنا على ذلك كما أجبتك في الإيميل لكن ظنّت المخاض يداهم صبا الليلة

مبارك لكم الولادة الجديدة

ربما كلّ شئ هنا، هذه اللحظة، يذكره بالماضي..بات يسأله عن احتفالات تموز فيحدثه عن الربيع (الكسلة) والتلذذ بالتهام الخسّ.. كيف غاب عن ذهنه أنه في هذا اليوم حدث انقلاب فكان الناس يخرجون في طوابير لتحية الرئيس وقبله بثلاثة أيام حدثت ثورة عارمة في البلد وقتها كان صغيرا خرج مع والده في تظاهرات يهتفان لها.. طفل لا يشعر بطعم الحرّ..بهره هتاف الناس وزغاريد النساء وانتعش وهو يكرع زجاجة عصير باردة..أو يتلذّذ بلعقات الآيس كريم ..زمن بعيد عنيف لا يخلو من مسحة جمال كادت تذوب في حرّ تموز الصاخب ورطوبة تكتم الأنفاس.. لم تشهد ذلك صبا.. كانت الوحيدة التي ولدت في بريطانيا، ناصر وأمجد ومصطفى وُلدوا في العراق..لا يعرف كيف اهتدى إلى أسمائهم...ثلاثتهم تزوجوا أجنبيات..تلك هي حياتهم الخاصة لا ينكر أنّه أخفى انزعاجه وقد راهن على صبا، وهي صغيرة صحبها معه في زيارة إلى العراق..تعلق بها جدّها الذي لذّ له إحدى المرّات أن يضع قدمها الصغيرة في فمه وهو يقول: أنت حلوة حبيبتي سألتَهِمُ رجلك..وقتها صدّقت أن جدّها يأكل أرجل الأطفال، كان يراهن عليها..أصبحت أقرب أبنائه إليه حتّى ظنّ أنها نسخة منه..أقنعها بزيارة أخرى إلى العراق..كانت في السنة الطبية الثانية.. أما جدّها فقد توفي منذ سنوات.. لكنها لم تنس أنّه أحب أن يلتهم ذات يوم قدمها قدمها..ودّ لو تتقرب إلى ابن أخته المهندس أو ابن أخيه الصيدلاني..صلاح أقرب إليه..أو أيّ واحد منهما ..لمح لها كثيرا..مادامت تتعلق به فلا بدّ من أن تعلق شبيها له يشاركها الحياة.تبتسم وتنصرف عن الموضوع ..خصلة ورثتها عن أمّها التي إذا لم تعجبها كلمة ما التفتت تنظر إلى أي شئ تقع عليه عيناها وتسأل عن موضوع آخر..لم ييأس حتى اعترفت له أنها تحب توم زميلها في الكلية لكن لمَ تلح كلّ هذه الأحداث في مهرجان العث لا يدعي أنها المصادفة جعلت الاحتفالية بحشرة العث تلتقي مع انقلاب في بلد آخر وبعد أيام من ثورة تجعل تموز يخرج من مكمنه فيشتعل الحر..الحرارة أمس 25 أي عابث مثل تموز يمكن أن يقلبها في الشرق من اليمين إلى اليسار ليصيح الناس الحرّ هذا العام لا يطاق وليس هناك من تعليل لاحتمال ولادة صبا في هذه الليلة

.. الأمر لم يكن كله مصادفة ..فقد خيم ظلام شفاف وأعلنت السيدة شارون عند بدء العرض فظهرت على الشاشة حشرة العث:

عث بفم كبير

عث بعينين جاحظتين

عث يجناحين مثل الفراشة

عث أحمر..اصفر..أخضر حشرة عثّ تصع البيض على أوراق شجرة صفصاف ..كان يراقب حشرات العث وفي باله صورة أخرى..لم يفتعل الزيارة..زوجته بقيت في بريطانيا.. الجد عبد الكريم الذي ظنته يأكل قدمها قد مات والأم فقدت ذاكرتها..خرف الشيخوخة جعلها لا تميز بينه وطبيبها..وظنت حفيدتها صبا إحدى بنات الجيران..ذهبت مرة مع ابن أخته المهندس أكرم في دعوة غداء إلى المطعم العائم على ضفة العشار وتجولا في اليوم الثاني داخل القصور الرئاسيّة ثمّ ذهبت في رحلة ترفيهية بالباخرة مع ابن أخته أكرم الذي أسـتأذنها أن يصحب معهما صديقته في العمل كأنّه يوحي بهذا السلوك إلى أنّ هناك علاقة بينهما أدّت بعد سنة إلى الزواج.

ليست صدمة ولم تكن مفاجأة مثلما لم يفاجئه عثّ بدا متيبسا على ورقة صفصاف صفراء حين قفز على ظهر أنثى تقف على غصن بعيد..لقد استبعد المفاجأة تماما من حياته فانتشلته 

ارتعاشة وهزة ليست على الشاشة بل من تلفونه النقال فرفعه إلى أذنه ليسمع أن المخاض داهم صبا..لم ينته الشريط بعد وإن مرت خلاله أحداث كثيرة تباعدت بينها المسافات والأزمان عندئذ تسلل وسط الظلام وقد تلاشت صورة العثّ من أمام عينيه.

 

قصة قصيرة: قصي الشيخ عسكر

 

صالح الفهديخَفِّفْ لُهَاثَكَ خَلْفَ دُنْيَاْ فَانِيَهْ

              قَدْ أَوْهَمَتْكَ، وَمَاْ بِهَاْ مِنْ بَاقِيَهْ! 

تَجْرِيْ كَأَعْمَىْ خَلْفَهَاْ قَدْ سِيْقَ مِنْ

               نزَقٍ إِلَيْهَاْ، لَاْ يَرَىْ مِنْ دَاهِيَهْ! 

وَهِيَ الَّتِيْ لَسَعَتْ مُجَرِّبَ دَهْرِهَاْ

                  حَتَّىْ شَكَاْ مِنْهَاْ بِعَيْنٍ بَاكِيَهْ: 

"مَاْ ضَرَّهَاْ لَوْ سَالَمَتْنِيْ دَائِماً

           فَخَرَجْتُ مِنْهَاْ لَاْ عَلَيَّ وَلَاْ لِيَهْ(1)  

لَكِنَّهَاْ تُغْوِي الْجَهُوْلَ إِذَا الْتَهَىْ

               فِيْهَاْ؛ كَمَا تُغْوِي الْمُتَيَّمَ غَانِيَهْ! 

حَتَّىْ لِتُنْسِيْهِ الصُرُّوْفَ وَفِعْلَهَاْ

                  مِمَّاْ طَوَتْهُ يَدُ الزَّمَانِ الْآسِيَهْ 

أَلْقَتْ بَصَاْئِرَهُ الْمَوَاعِظَ كُلَّمَاْ

             عُرِضَتْ لَهُ بِلِسَانِ دَهْرٍ رَاوِيَهْ! 

لَاْ يَتَّقِيْ شَرَّ الْعَوَاقِبِ عَقْلُهُ

          تَبِعَ الرِّغَابَ؛ فَصَارَ مِثْلَ الْمَاشِيَهْ! 

وَإِذَا الْبَلِيَّةُ دَاهَمَتْهُ؛ فَحِيْنَهَاْ

          كَشَفَتْ بَصِيْرَتُهُ الدُّرُوْسَ الْخَافِيَهْ! 

مَاْ أَظْلَمَ الْإِنْسَانَ فِيْ إِغْفَالِهِ

            مَاْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الُعُصُورِ الْخَالِيَهْ 

قَدْ فَتَّحْتْ صَفْحَاتِهَا لِيَرَىْ بِهَاْ

               سَعْداً، وَيَعْقِلَ مَاْ بِهَاْ مِنْ دَاهِيَهْ 

لَكِنَّهُ اسْتَعْلَىْ عَلَىْ عِبْرَاتِهَاْ

              حَتَّى رَمَتْهُ مِنَ الْبُرُوْجِ الْعَالِيَهْ! 

مَاذَاْ بِوِسْعِكَ أَنْ تَكُوْنَ سِوَى الَّذِيْ

                  يَلْقَىْ مَقَادِيْرَ الْحَيَاةِ كَمَاْ هِيَهْ 

فَكُنِ الَّذِيْ جَعَلَ الْبَصِيْرَةَ هَدْيَهُ

               إِنَّ الْبَصِيْرَةَ بِالْعَوَاقِبِ وَاعِيَهْ! 

             ***

شعر د. صالح الفهدي

..................................                  

1- البَيْتُ لِلشَّاعِرِ: محمد بن صالح المنتقي       

 

ليلُ القصيدة

تركَ الّليلُ على جفنيَ نجمةْ

انا الأمينُ

لا أبيعُ أمانتي للصبحِ

فآمتدّ السّهَرْ

غَيرَ أنّ الشمسَ

صوتَ العابرينَ

ولعنةَ القيضِ المنزّلِ من سَقَرْ

كسروا آلمشكاةَ

فاندلقَ المساءُ

وفرّت النجمةُ وارتابَ السّحَرْ

ياااالمفردتي الشريدةْ

يااااالفكرتيَ الطريدةْ

يااااالاحلامي البعيدةْ

يااااالروحي…..

غادرتْ ليلَ القصيدةْ

 

**

ألطّفلُ المُسَهّد

هلْ تنبتُ آلأشجارُ في آلأثير؟

فأومَأَتْ برأسها… أَجَلْ

كَي تُخْرِسَ آلأمُّ على عَجَلْ

وليدَها آلصّغيرْ

لكنَّهُ ألَحَّ بالسؤالْ

وكيفَ لا تطيرْ

إن لم يكن يحضنها آلتُّرابْ؟

ولمْ تَكُنْ تَمتَلِكُ آلجوابْ

فعانَقَت أنظارُها آلسّرابْ

وقَبلَ أن تنام…

دسَّ سؤالاً آخراً …

في مُقْلةِ آلأَرَقْ

فاحترقَ آلفَلَقْ

ولم تَزَلْ يَعافها آلرّقادْ…

عينان لاينقصها آلعِنادْ

وسُحْنةُ آلقَلَقْ

**

وُعود

لا لن أعودَ فكوكبي..

حرٌّ  وقد ترَكَ آلمَدارْ

ولن أظلَّ مسافراً..

يغفو فينساهُ آلقِطارْ*

 

ثُمَّ عاد….

ألفَ مرّةْ

ودارَ في فَلَكِ آلنُّجَيْمةْ

كالغُنَيْمةْ

ونامَ في صَخَبِ آلمحطّاتِ آلبَعيدةِ

فوقَ غيمةْ

لا جناحٌ طارَ بالحُلُمِ آلمُعَتَّقِ

لا

ولا هَطَلَتْ بهِ آلأقدارُ..

في دَمْعاتِ دَيْمةْ

فوقَ غَيمةْ!!

**

لا يكفي

قَلبي مفطورٌ

ودَمي….

كَحُثالةِ فِنجانِ آلقَهوةِ

وآلعُمرُ قَصيرٌ

لايكفي…

أنْ أَشْهَدَ مشروعَ (آلمترو)

في بغدادَ

قَلبي مفطورٌ

ودمي…..

والعمرُ قصيرٌ

لا يكفي أن أشْهَدَ

-وأنا حُرٌّ -

نَصْبَ  آلحريَّةِ

أو قوسَ آلنَّصرِ

قَلبي…..

ودَمي…..

وآلعُمرُ قصيرٌ

لايكفي…

أن اعتادَ على نوعٍ آخَرَ للتبغِ

لَو أقْدِر أن أستَبْدلَ رِئتي؟!!

…..

…..

ألعُمرُ …..قَصيرْ

***

د. احمد فاضل فرهود

.................

* المطلع لقصيدة كتبتها مطلع الثمانينات أيام الـ(أنا) والوعود التي لم نستطع….

 

صادق السامرائيلذي قارٍ بما جادَتْ سَلامُ

أحيِّها وإنْ قَصُرَ الكلامُ

 

تأجّجَ شرُّها في بَيْتِ آهٍ

وما نَفَعَ التَحذّرُ والمَلامُ

 

كأنّ رؤوسَها صَرْعى لضَيْمٍ

يُدَثّرُ أمّةً وبها اضْطِرامُ

 

عَجائبُ نَكْبةٍ تُسْقى بنارٍ

تُأِّرِّثُها الحَرائِقُ والخِصامُ

 

لماذا كلُّ مُسْتشفى أحيْلتْ

إلى سُجُرٍ وقد حَقَّ اتْهامُ؟

 

وإنّ طبيبَها حَمّال خَوْفٍ

وموْجوعٌ يلازمُهُ اكْتِلامُ

 

فمِنْ جُرْحٍ إلى جُرْح توالتْ

ومِنْ ألمِ تَشاكى المُسْتَضامُ

 

أ كلُّ بَريئةٍ بينَ الضَحايا

وكلُّ أثيْمَةٍ فينا تُدامُ؟

 

وإنَّ فسادَها عنوانُ نَصْرٍ

وبُرْهانٌ يُعزِّزهُ النِظامُ

 

فلا تَعْتَبْ على وَجَعٍ شَديْدٍ

يُباغِتُنا ليأكُلنا انْتِقامُ

 

مَريْضٌ في مَشافينا تَشوّى

بنيرانٍ يُسَجّرُها السِقامُ

 

أيا أورٍ ومُنتَفكٍ وقارٍ

أ يُقتلُ أهْلُنا ظلماً وناموا ؟!

 

حَريقٌ مِنْ تَهاونِنا بقَصْدٍ

يُداهِمُنا فيلْعَنُنا ارْتِحامُ

 

قساةٌ مِنْ ضَلالتِها بأفْكٍ

تَبلدَ عَقلهُمْ , والبُلدُ ساموا

 

أ يُعْذَرُ قاتلٌ أشْقى البَرايا

وأرْداها إلى سَقَرٍ لِمامُ

 

 

وناصِرُها بلا نَصْرٍ وعَوْنٍ

ومَشْيَخةٌ تَولاها الحُطامُ

 

أ نورُ حَضارةٍ يُذكى بنارٍ

ويَطمرهُ التَحاقدُ والظلامُ؟

 

وهلْ نُصِبَتْ لناصِرَةٍ فِخاخٌ

وهلْ عَمَّ التباغُضُ والبَرامُ؟

 

بذي قارٍ فُجِعْنا حينَ بُغْتٍ

وأذْهَلنا لهيْبٌ وانْهدامُ

 

كأنَّ حشودَها ثارتْ فآذَتْ

لتجلدَها العواذلُ والجُهامُ

 

أ هذا ما نُكافِئُهمْ لحَقٍّ

وإنَّ الحَقَّ سُلطانٌ إمامُ؟

 

لماذا يا أباةَ  الضَيمِ أضْحَتْ

تأرَّبَ في مَرابعها احْتِدامُ

 

تَحدَّتْ رُغمَ عُدوانٍ أثيمٍ

ويَبقى في مَواطِنها انْسِجامُ

 

وإنّ رثاءَها عيْبٌ كبيرٌ

لأنّ وجودَها حُبٌّ سلامُ

 

تُواجهُ نَكْبةً وَفَدتْ إليْها

تُعَضِّدُها المَطامعُ والعِظامُ

 

وما سَئِمَتْ مواكبُها وهانَتْ

وألهَمَها التواصلُ والدوامُ

 

حَضارتُنا بذي قارٍ خُطاها

أنارَتْ دَربَ أجْيالٍ فَراموا

 

هيَ الدنيا إذا جَلبتْ سَعيرا

تَهَشمَ سِفْرها فَنأى الكِرامُ

 

تألقتِ الخَطايا والمَنايا

وتآفلتِ الفَضائلُ والوئامُ

 

فقلْ ما شِئْتَ في زمَنٍ خَبيثٍ

تأسَّدَتِ المَساوئُ والعِقامُ

 

أ مِنْ حَنَقٍ على شَعْبٍ غَيورٍ

تَعاضَدَتِ النوازلُ واللِّئامُ؟!!

***

د. صادق السامرائي

20\7\2021

 

 

حسن حصاريهَلْ كانَ بِإمْكاني أنْ أمْحُوَ لوْنَ الليْل ..

ليْلٌ مُختبِئٌ فِي دقاتِ ساعة حائطِ غُرْفةٍ بَارِدة.

أتسَاءلُ بِشك مُتذبْذِب

عِندَما يَعْتريني رُهابُ الأفكارِ المُغْلقَة.

طالمَا رَاوَدتنِي الجُرْأة،

عَلى ابتِلاعِ هَواجِسي

لِأبادِر في شرْعِ كلَّ نَوافِذ هَلعِي...

وَحَتْماً أدرِكُ بِأني،

سَأواصلُ هوسَ رَكضِي

رَكضِي المُتقطعِ،

وَراءَ وَساوِس أفكاري المُلتبِسَة.

هَكذا أنا،

يَروقُ لِي كثيرا في نَهاراتي المُظلمَة،

العَبث بِالتأويل:

هُو الليْلُ ..

لوْنٌ دَاكنُ الدَّهاءْ،

يَملأ فَراغاتِ البَياضِ المُتناثِر

بِداخِل أنفاسي اللاَّهتة،

يُشعِرُني أكثرْ ...

بِرغبةٍ جَارفَة فِي النَّحِيب

كمُغْترِبٍ بِلا قلب،

تَجرَّدَ مِنْ كلِّ عَواطفِ ذِكريَاتِه،

أضاعَ في فتنةِ سَوادِه

بَوْصَلة العودة ..

تِلكَ العوْدَة الأخيرَة

إلى أولِّ الظلِّ.

ذاكَ الظل الذِي ...

- 2 -

ما أغربَ خُلوتِي إلى القلق،

تثورُ سَريعا بِداخِلي،

براكينُ سُؤالاتي الخَامِدة.

مَا كَمُّ مَخاوفي المُدَّخرَة التِي،

سَتعْصِفُ بِي كدُخَّان ...؟

تُحيلُ تعابيرَ وجهي عِندَ الأسْوأ،

إلى رَماد أجْوِبةٍ مُبهمة .. ؟

فماذا لوْ..

لوْ غلَّقتُ نَوَافذِي المُغْلقَة

فِي وَجهِ هَذا البَحر وَرائِي؟

لمْ يَعُد بِوُسْعِ عَيْناي الجَافتين

أن تترَقُّبِ،

خَبايا مَوجِه المُتخاذِلِ فِي المَد

نَحوَ شطِّ تعاستي المُفرِطة فِي التفاؤل.

فلسْتُ سَمكةَ رمل

لأبْتلِع عَلى الدَّوَام،

طحالِبَ مِلحَ بِحار جاحدة.

وكفزَّاعةٍ مِنْ وَرَق

أراقصُ منْ بَعيد،

هَديرَ سُكونِ عَواصِفِهِ المُتأخِّرَة طويلاً،

طويلا عَني،

فِي الطوفانْ.

***

حسن حصاري / المغرب

 

 

علي الشوابكةهل تفقه موتي فيك؟ والتلاشي

كلانا ذات قبضة التراب الأولى

ومزاجها تسنيما وكافورا

ربما نعود إلينا!

(2)

ذات االهواجس المتكئات على أرائك الغيب

قلت للماس:أنا خلاصة الزاهدين

فألقى علي فتات وقته الضائع

ورمقني بوعد كرياح الصيف

سأعود في رحلة التيه

ﻷلعب معك حكاية

اﻷطفال اﻷشقياء....

(3)

لله درّها!!

أحلام ذلكم الغفو الطويل

وهواجسه المتكئات على أرائك الغيب والمجهول

رأيتني سلطان مناجم الماس

وانا سيد الزاهدين

هو الماس

رقمه السري معي

وصب همسه في مسمعي

 (4)

في المشهد الأخير

ولتهرب

بخوخك المتقد خجلا

وبرمانك النديّ

وشهدك البارد

إلى عمق من الليل

يا خوفك كالرئام الجافلات

وإن تبتعد

لم يزل سكّرهم في فمي

وأنك نسيت همسك موسيقى الأبد

ما صببته في مسمعي

***

علي الشوابكة

 

 

ناجي ظاهرالتقيت به أول مرة في مركز البلدة، بعدها بت اراه في كل مكان. حينًا في الحي الشرقي وآخر في حارة الروم..، مرة التقي به في حارة الصفافرة واخرى في جبل القفزة. في كل مرة التقي به يرسل نحوي نظرة غامضة من عينين يعلوهما حاجبان يشبهان قوسين خلقهما الباري لإطلاق النظرات الصاخبة الحية. أنا لم اولد فقيرًا. الحياة جعلتني فقيرًا. لا تلمني أنا انما اريد ان اعيش.. أن ابني بيتًا وأن اتزوج امرأةً جميلة تنجب لي طيور الجنة.. الاطفال. كم من مرة حاولت ان اقترب منه إلا انه فرّ كما تفرّ يمامة من صياد متربص...

مثلما افعل دائمًا في مواقف كهذه لا تخلو من احراج، فضلت الابتعاد عنه واستراق النظر اليه وهو يتناول العبوة اثر العبوة والزجاجة تلو اخت لها تائهة، كان يوحد بين ما يجمعه من عبوات وزجاجات فارغة كيس واحد يحمله بيده، يحاول أن يخفيه عن الانظار قدر الامكان. بالضبط مثلما كان يحاول اخفاء ملابسه الرثة المهلهلة المتعبة مما طالها من مزق ورتق.

كثيرًا ما سألت نفسي مَن هذا الشخص، فقد كنت اشعر انه كان واحدًا من المارين في حياتي، إلا انني لم اكن اعرف أين ومتى. هل تزاملت معه في احد الصفوف الدراسية الاولى؟ هل تجاورنا في احد احياء الناصرة، خلال احدى تنقلاتنا القسرية، نحن ابناء العائلة المهجرة، في احيائها؟ السؤال كان ينطح السؤال دون ان احظى بإجابه. ماذا تراني افعل لأحظى بإجابه تريح العين وتهدئ الذاكرة؟ يزيد في تساؤلاتي هذه انني كلما اقترب منه يبتعد، موحيًا انه مشغول ويجري في مناكبها.. ولا وقت لديه لعابر يتلهى بآلامه..

تمر الايام سريعة مندفعة اندفاعة طائر قلق تلاحقه بنادق الحياة، واكاد انسى ذلك الرجل.. جامع العبوات الفارغة، فأنا لا اراه. إلى أين تراه ولّى؟ بعد ايام من الغياب المحه يمد يده إلى عبوة علقت بين حشائش شائكة، انه يعاني في استخراجها.. اود لو انني امد يدي لمساعدته، وقبل أن افعل.. أرى يدًا بضةً طريةً تمتد للمساعدة، انها يد امرأة يتعاون الاثنان على استخراج تلك العبوة المستعصية. يتمكنان اخيرًا من الحصول عليها.. يبتسم كل منهما للآخر.. لقد نجحنا وسوف ننجح.. لن تغلبنا عبوة فارغة.

يحمل كل منهما هما، الرجل والمرأة، بيده كيسًا تتراكم فيه العبوات الفارغة ويمضيان في طريقهما. يغيبان مخلفين وراءهما العديد من الاسئلة.. ترى أيكون قد تمكن اخيرًا من جمع ما اراد من المال ليرتبط بامرأة توافقه الهوى والعبوات؟ هل هي زوجته؟ حاول ان تسأله.. بأي حق احاول.. الا يحتمل ان يغضبه سؤالي ويعتبره تدخلًا فيما لا يعنيني؟ بلى.. بلى هذا هو الاحتمال الاقرب الى التوقع. طيب وانت لماذا تريد ان تعرف مَن تلك المرأة؟ لا أعرف لدي رغبة في حب الاستطلاع.. هو.. ولا احد سواه خلقها واوجدها..

ابلع ذلك السؤال وامضي. يمر الوقت وأراه وحيدًا يجمع العبوات، لكن هذه المرة بحماس لم اعهده منه طوال مواكبتي له في شوارع بلدتنا القديمة والجديدة ايضا. يلفت نظري عزمه على جمع العبوات بقوة خارقة. أنظر اليه وهو يدخل يده الى عليقة تألقت في اعماقها عبوة تنادي عشاقها وفي الآن ذاته تتمنع عليهم... على من يريد ان يحظى بأزهاري ان يدفع مهرها كاملًا غير منقوص. واستمع اليه يخاطبها ستكونين لي يعني ستكونين لي. رضيت ام ابيت ستساهمين في مقابل كيس حليب لصغيري. لن اتركك الا بعد حصولي عليك.. إلى أين ستطيرين؟ وتطير تلك العبوة بعيدًا عن مدى وصلت اليه أصابع يده.. انها تبتعد وتقترب في الآن ذاته.. هل تقصدين تعذيبي؟ المنظر يجذبني أكثر فأكثر. اقرّر هذه المرة ان ادعه يواجه تلك العبوة وحيدًا لأرى ماذا بإمكانه ان يفعل.. ثم من يضمن لي أن تكون تلك المرأة.. رفيقته.. قريبة منه فأظهر وكأنما انا اقترب منها للتحرش بها؟ اغيب في توجساتي وافكاري هذه، ولا يحضرني منها سوى مشهد قد يكون من أغرب ما رأيته من مشاهد.. انظر إليه فأراه يستدير باتجاه تلك العُلّيقة.. يستدير بشكل معاكس لها ويدخل رجله في اعماقها غير عابئ برؤوس اشواكها وهي تنغرس في لحمه مفجرةً منه الدماء.. كان مصممًا على استخراج تلك العبوة بأي حال ومهما غلا الثمن.. سددت نظرة متفحصة إلى وجهه.. كانت عيناه تحت قوسيهما المتغضنين ترسلان نظرة تحدٍ.. تدرك تمام الادراك انهما ستكونان في النهاية من الفائزين.. وهذا ما حدث.. تمكن اخيرًا من استخراج تلك العبوة وعلت وجهه علامة نصر لم ارَ عليه مثلها من قبل.. تناول تلك العبوة وراح يخاطبها لماذا تستعصين عليّ كل هذا الاستعصاء.. انا احبك واريدك.. انت ستدخلين الفرحة او بعض الفرحة إلى بيتي.. على كل حال شكرًا انك انصعت لي في النهاية.. تعالي يا جميلتي.. تعالي انا اكثر واحد في العالم رغبة بك.. ولا احد يستحقك اكثر مني.. تعالي يا زهرتي الجميلة.

اغمض عيني.. ارى ذلك الرجل.. افتحهما يختفي.. إلى أين ذهب؟ لا ادري.. لقد اختفى ابتلعته الارض.. صار ارض بلدتي.

 

قصة بقلم: ناجي ظاهر

 

 

مادونا عسكرامشِ على أهدابي

حتّى أغفو

نزهة عاشق في جنان

عينٍ

كلّما رفّت

اشتعلت نار العبادة

2

من حولكَ

ليل متعبٌ

وهوىً

يطوف في الأرض يشتهي مأوى

حتّى غفا كالسّكران في يديكَ

أيّ همسٍ منك الدّجى

كان يسمع

أيّ نجوىً أسَر مجرى الحبِّ

فصار كونيَ أوسع

كلّ عزفٍ في القلبِ

ترانيم الحبّ يقرع

كلّ دفقٍ من أطيابكَ

للآبادِ في نفسيَ الورد يزرع

والآهاتُ

أسحار لا تنتهي

وقطرات سماويّة في أهدابيَ تلمع

3

في غِنىً

عن الحجِّ إلى بقاعٍ

واهية

في غنىً

عن طوافٍ في العالم السّفليّ

لحظة حبّ في خاطركَ

أبدٌ

متجدّد في خاطري.

4

متوهّجٌ، متّوَقّدٌ، متضرّمٌ

ترانيم الشّوقِ

المبلّلة أطرافه

بسعير جهنّمِ

5

هناك،

تتجلّى أيّامي الوحيدة

عمرٌ

واحدٌ

لا أيّام فيهِ

وسنون في عينيه تبتسمُ

6

يهزمني ليلٌ

ثم فجرٌ

ثم ضياء

أنا المتلاشية بين قطرات الندى

أعوذ بقدماء الآلهة

أتوسّل بينها

إلهاً

نثر في دمي ندىً أخضر

***

مادونا عسكر/ لبنان

 

محمد حمددائما سعداء !


الجميع عُشّاق

وعلى أحرّ من الاشواق

حتى الرمق ما قبل الأخير !

تركوا دموعهم

تتلو معلّقات الجوى

ومراثي الفراق

ولابسط الاسباب تراهم ينحنون

تحت أقدام  آلهة الحب

بدموع تماسيح هرِمة

وحركات قِردة في سيرك شعبي

بينما أجدني منزو

في عتمة قدر مكفهرّ الوجه

بوجهي !

اراقبُ تفاصيل المشهد النشاز:

اكاذيب ملفوفة بأوراق الحلوى

وتاوّهات تشبه الثرثرة المطعمة بالهذيان

ولكنها مثيرة للحواس

ولهذا...

ولغيره من شوائب الحب

(وأهل الحب)

صِنتُ قلبي المُعاق

فتمرّد عليّ واوصد باب الابتسامات

ونافذة البحث عن بديل قابل للعناق

حذٌرني من الإفراط في التفاؤل

والتفريط في التشاؤم

وبنبرة من (فقد الاحبة والصحابا) قال لي:

العاطلون عن الحب دائما سعداء

الا انا...

ما زلت ازرع الاوهام واحصد المستحيل

***

محمد حمد

 

 

فرات المحسنقيل لي، وأنا أقترب من مكتب السفر، وكان هذا كل ما جاء عبر هاتفهم، أن كل شيء هادئ،بلهفة ترقب، وفي انتظار. كم جميلة العودة بعد شح ويباس سنين الغربة الطوال؟

الرسالة الأخيرة منهم حملت الكثير من الأشواق ولوعة محبين، وأجمل ما فيها، كان همس حب صادق. 

صدقت فقادتني نفسي للبحث عن بطاقة للسفر. آخر الأيام قبل السفر كنت عبدًا لجهاز الحاسوب فلم أفارقه طوال ليلتين. بحثت في طياته عن بطاقة سفر أردتها أن تكون مباشرة لمدينتي، ولكن جهودي ذهبت سدىً. ففي مدينتي لم تضع سلطاتها المحلية في حساباتها عودتي لذا استغنت عن المطار. 

في المكالمة الهاتفية الأخيرة قيل إن المدينة ترتل أناشيدي وأن الشوارع معشوشبة لأجلي، وبكاء الصبايا كان ندى الحدائق وعطرها، قيل ذلك في الهاتف، فأوغلت في صمتي الودود وصدقت بكامل جوارحي كل نثار الحكايات، وامتلأ قلبي ولهًا.

عجولاً كنت فأفشيت سري لشرطي ارتدى رتبة سادن، أسمعته بعض أناشيدي، هو من هاتفني وطلب مني العودة.

 ربما ؟! لا أتذكر ذلك جيدا.

 أكان أبي؟ اعتقدت ذلك.

 حبيبتي !؟ جائز.

 أم هو صاحبي الذي نسيت اسمه عند التجوال دون حساب، في عشرات المدن الباردة.

 كلا سمعت صوتًا أجشًا ميزته دون غيره، إنه أستاذي في آخر صف جامعي كنت قد هربت ودفاتري منه قبل نهاية الفصل الدراسي...

قيل إن النخيل بكاني حين تذكر حادثة هروبي، وما زالت هناك شتائم تطلق ضد من تسبب في نفيي وتغربي. قيل لي إن المدينة ما زالت تحمل حزن فراق ولوعة اشتياق وتهمس بأناشيدي. كل هذا بعد عقدي السابع الذي شربت نخبه قبل شهر مضى، وكنت حينها وحيدًا أطالع قطرات المطر الثقيلة وهي تقرع زجاج نافذتي بصخبها. قيل وكتب على لوح بريدي الالكتروني، بأن هناك من يسبح في النجوى والشجن حين يقرأ أناشيدي.

قيل وقيل وقيل الكثير.

حطت قدماي فوق إسفلت الشارع فسمعت وحشة الصمت تنط من بين فخاخ النوافذ.

ـ ارجع لفردوسك ودعنا في جحيمنا. 

ـ عد لعاهراتك ولا تأت لتلوث شرف بناتنا.

ـ أدر ظهرك وتأبط أشعارك الكسيحة واحرقها قبل أن نطفئ بها سجائرنا.

سمعت نباح كلاب تجر عربة مزركشة يرن فيها ألف ناقوس. ترصدتني عيون الكلاب الخرساء، توقفت أمامي، كانت الشوارع معشوشبة بالفراغ المكين، وحدي بحذائي المطلي حديثا، كنت أقرع الأرض وأسمع رجع صداه، بحثت في جيب  السروال عن بطاقة العودة دعكتها بقوة.

كنت خائفا أن تلتهمها الكلاب.

قيل لي فصدقت 

مزحةً كانت تملؤها الأكاذيب 

تناهى لي من بعيد صوت كركرات طفولتي

قيل لي.... فبكيت 

***

فرات المحسن

 

 

نور الدين بنبلاإقتربت الشمس من مغيب يوم عاشوراء. ولالَّة مسعودة تحيض وتبيض، وهي تقوم بحركات مد وجزر غريبة وسط فناء بيتها. تضرب أخماسها في أسداسها، وتنفش شعرها، وترفع بصرها إلى السماء منتظرة نزول الفرج، ثم تخفضه إلى الأرض باحثة عن حل للخروج من المأزق الذي تريد أن لا يتكرر، فباتت قاب قوسين أو أدنا من فقدان عقلها وكأن مصابها جلل.

في الحقيقة كاد الأمر أن يصبح كذلك، فابنها الوحيد، والذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، لم يعد بعد إلى المنزل، فلأول مرة تمنحه هذه الأم حرية الخروج واللعب مع الأقران من أبناء الحي.

ضاق صدرها من الانتظار ونفذ صبرها. فارتدت حجابها ثم خرجت دون أن تحدد وجهتها. فسارت من درب إلى درب، تسأل كل من تصادفه من أهل الحي لكن دون جدوى إلى أن بلغت الساحة الكبرى، الموضع الذي يحج له الأطفال من كل حي عميق، ويتجمعون لممارسة أنواع كثيرة من الألعاب الجماعية ك"دينيفري"و"الغميضا"و"حَبا"و"الشرطي واللص" حتى الفتيات يزين الساحة بأهازيج وزغردات لا تتعدى حناجرهن الصغيرة وهي تختلط بايقاعات الطعاريج والنواقيس والدفوف، مشكلات حلقات صغيرة وهن يرددن مقطوعات غنائية خاصة بمناسبة عاشوراء "هَذا عاشورْ مَعْلينا لَحْكام اَلاَلاَ…عيد لْميلودْ تَيْحَكْمو رْجالْ اَلاَلاَ".

وقفت لالة مسعودة وقفة تابثة لاتتزعزع، وكأنها عمود إنارة، وعيناها مثل مصابيح ترسل أضواءها في كل مناحي الساحة لتمسح كل الوجوه لعلها ترمق وجه إبنها المفقود. مسكينة هذه المرأة، خارت قواها وأحست بقرب المصيبة، مصيبة فقدان فلدة كبدها دون رجعة، والتي تتضرع إلى الله كل لحظة وحين أن يحفظ الصبي من كل مكروه. أحْنَتْ رأسها حيث فوضت أمرها إلى اابارئ عز وجل وعادت دون أن تحكي ما حل بها لأحد.

 دخلت بيتها ودموع الحزن تنهمر ساخنة على خديها. قصدت سريره الذي يبيت عليه وجلست تناجي الله بصوت عال:

" اللهم إنك تعلم أني عاجزة مستضعفة، لاسند ولاعضد لي في هذه الدنيا وقد أُلبست ثوب الفقر كرها، فلا أملك من متاع الحياة إلا ما أسد به الرمق، فاحرس إبني بعينك التي لاتنام ."

باتت تَلوكُ الوجع وتنشد الحكايات على أورواح مرت من ذاكرة الماضي فهي تخاف أن تُسْدِلَ المنية ستارها وتَكْثُمَ الأنفاس وتُكَرِّرَ الصورة، صورة زوجها الشهيد المجهول، الطَّيْفُ المنسي الذي لم يُكتب إسمه عنوانا لزقاق أولشارع ولم يوضع له نصب تذكارى تتردد عليه الأرامل والثكالا، بل خَلَّفَ وراءه ضريبة الوطنية وترك الوطن لِجِشاعِ السياسة. في ثنايا هذه اللحظة الأليمة التي صامت فيها عن الكلام و سمحت لنفسها بالنبش في أرشيف ذبُلت أوراقه وسقطت من غير رجعة، دُقَّ الباب وانْتُشِلَتْ من القوقعة، لترى أمامها ملاكا صغيرا ارتسمت على ملامحه ابتسامة بريئة بلباس بال و أنيق يشبه أطفال الستينات في زمن الضرورات، وما هذه الصورة التي يترائ عليها إلا نفحة من نفحات الإملاق ووسم لأمل مفقود لطفولة تعيش التيه وقتامة المستقبل، مكبوحة بين حيطانِ غربةِ مسقطِ الرأس وانسداد الأفق. تنفست لالة مسعودة الصعداء وجَرَّت ضناها إلى حُضنها الدافىء تتلمسته بيديها من أعلى رأسه الى أخمص قدميه وكأنه نجا من حرب مدمرة ضروس أتت على الأخضر واليابس، ثم قالت: " يابني، دعني أسمع دقات قلبك، وأشم رائحة عطرك الرباني، وأسعد بوجودك قربي وأتذكرجسدك الذي نام في أحشائي قبل أن تبني عالمك الطفولي المنمق بلون البراءة وعشق الأحلام." صاح المسكين: "أماه مابك مكدرة الوجه، لقد أتيتك بهذا الديك البلدي، فَلَنا عَهْدٌ بَعيد بقضمة لحم طير مما نشتهي، ورشفة مرق تُشَمُّ بهاراته من باب الدرب." تنبهت الأم الى الديك السمين الذي يحمله ولدها، وصاحت: " وَيْ، من أين جئت بهذا؟" رد عليها بكلمات بريئة وعفوية تحمل الدلالة نفسها دون تأويل: "ديك يجري ويرتع من زقاق الى زقاق، حر طليق غير مملوك لأحد، ونحن أحوج إليه في هذه البلدة من غيرنا." كادت محاولة الطفل لإقناع الأم بحقيقة الواقع المر، فإذا برجل ضخم البنية، ذو رأس كبيرة تحمل صلعة جرداء قاحلة كصخرة صماء ملساء تدخلت التعرية الزمانية في نحثها، دخل وقد نسي تحية الإسلام و آداب الاستئذان وحرمة المكان، وانقض على الولد ووجهه مكفهربتقاسيم متجهمة تفضح الغضب في أعتى مراحله. - "ها قد نِلْتُ منك متلبسا أيها اللص الصغير" .انتفضت الأم لابنها وقالت:

-" كيف تجرؤ أيها المستشارالجماعي على إلصاق هذه التهمة بطفل صغيرلم يبلغ الحلم بعد؟، فاللص الحقيقي، هو من أئتمن على حقوق الناخبين فخان، واستغل المنصب لإنصافهم فامتص عرق جبينهم، واختلق مشاريع وهمية للضحك على أدقانهم لتغيير مجرى المال العام الى جيوب الفاسدين منكم. ألا يحق لهذا الطفل الرعاية والعيش الكريم؟، وهو بن الشهيد، الجندي الذي أهدى روحه في سبيل هذا الوطن ليقتات دجاجاك من ضرائب أهل الحومة ويتمتع بالحصانة السياسية ووينعم بحرية الأكل والالتقاط دون رقيب أو حسيب. هيا اخرج من بيتي ولا تضع قدميك هنا مرة أخرى. فإنكم تشبهون بعضكم بعضا، ففيكم لن يتواجد أبدا قنفذ أملس."

 

نور الدين بنبلا

 

 

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربيَّة *..

وُلدتُ تغازلُ روحي المُنى **

بأنْ أتماهى  وسرَّ الدُنـــى

**

مشيتُ طويلاً  وظلَّ الشجـــــــرْ

أ في الشمسِ، أَم في مساءِ القمرْ،

بِمجْدبِ دربٍ، بِضوعٍ ثمرْ ؟!!

فقدْ كنتُ فـــــــي كلِّ حالٍ أنا

**

مشيتُ وحيــداً طويلاً مشيتُ

وأبحرتُ حيناً، وحيناً سريتُ

طويتُ من الدهرِ نهراً طويتُ

ومازلتُ في ضفةِ المُنحنى

**

عشقتُ من الفاتناتِ جموعا

وعاشرتُ بيضاً سطعنَ سطوعا

وسمراً تركنَ الرجالَ جموعا

ومازلتُ أجهلُ سرَّ الهنا 

**

شربتُ من الوجدِ أقوى الكؤوسْ

ومِن كلِّ كأسٍ تدورُ رؤوسْ

وتجنحُ نحوَ الغيابِ النفوسْ

ومازلتُ في الدارِ وسْطَ الفنا

**

جننتُ من الشوقِ نحوَ الحبيبْ

وقاربتُهُ قمراً لا يغيبْ

وأسمعتُه في الفؤادِ الوجيبْ

ففرَّ جباناً، ولنْ أجبنا

**

 

منحتُ من الحبِّ مليونَ رافدْ***

ووطَّنتُ في الوجدِ مليارَ وافدْ

ومازلتُ فرداً غريباً وواحدْ

ببابلَ، لمْ أفهمِ الألسنا

***

كريم الأسدي - برلين

.........................

ملاحظات :

1ـ زمان ومكان كتابة هذه المقاطع في اليوم الخامس والعشرين من تموز 2021، والمقاطع تنتمي لمشروع مثنويّات ورباعيّات عربيّة الذي سبق للشاعر كاتب هذه السطور ان نشر العديد من فصوله وأعطى نبذة تعريفية عن طبيعة المشروع ومواضيعه وأهدافه وتقنياته، وبأنه مشروع يحاكي الأرث الشعري والأدبي العربي والشرقي والاِنساني سيقع في ألف قصيدة وقصيدة من القصائد المركزة القصيرة على شكل مثنوي أو رباعي وحيث كل قصيدة ـ مقطع من الممكن ان تُنشر أو تُقرأ كقصيدة كاملة لوحدها أو كجزء من الوحدة الكليَّة للنص والمشروع، ويعتمد المشروع كل البحور العربية الممكنة وفي الشعر العمودي وشعر التفعيلة مع محاولة التجديد في أنظمة القوافي والبحور .

2 ـ في هذا النص اتبع الشاعر تقنية تذهب جذورها الى الشعر الشعبي العراقي قبل التجديد الذي اجترحه مجموعة من الشعراء مثل مظفر النّواب وعريان السيد خلف في منتصف القرن العشرين تقريباً .. حيث كان الشعراء الشعبيون العراقيون قبل هذا الوقت يكتبون القصيدة الشعبية على الأغلب من مطلع ثنائي من بيتين  في قافية واحدة تتبعه  عدّة مقاطع رباعية الأبيات تتنوع في القوافي على ان تعود القافية الأخيرة في البيت الرابع من كل رباعي الى قافية البيتين الأولين في المطلع .

3 ـ الاِشارة هنا لها علاقة بمقولة أو اسطورة الذهول اللغوي البابلي .

 

خالد الحليلملمي أيّامَنا المُحترِقةْ

واِغمريها

بمياهٍ لا يراها غيرُنا

و دموعٍ غاصَ فيها سرُّنا  

اِطمريها 

لمْ نعدْ نقرأ فيها

عن هوانا

أحرفاً غيرَ الحروفِ النزقةْ

لمْ نعدْ نشهدُ فيها

عن منانا

غيرَ تلكَ الأمنياتِ القلقةْ

***

دورةُ الأيّامِ لا تأبهُ بالماضي، و لا تحفلُ بالحاضرِ، لا تعبأُ بالمستقبلِ القادمِ من أبوابِ ألغازٍ  لها قاموسُها السابحُ في الغيبِ، لها أسرارُها الغامضةُ المعنى، لها أكهفُها المبهمةُ الأغوارِ ، لا تعرفُ لوناً لظلامٍ أو ضياءْ

إنها تمشي كما شاء لها المجهولُ، لا تمشي كما نحْنُ نشاءْ

دورةُ الأيّامِ طاحونةُ  كُلِّ الأزمنة

أين منها نحنُ .. أينْ؟

إنّنا صفرُ اليدينْ

هكذا قالوا، وهذا ما نقولْ

لم نعُدْ نملكُ شيئاً

غيرَ  آمالِ شروقٍ، غيرَ  آلامِ أفولْ

غيرَ  بحثٍ عن أمانٍ

ذاويةْ

وأغانٍ باكيةْ

دورةُ الأيّامِ لا تدركها سرعةُ ضوءْ

أينَ منها نحنُ أينْ؟

أينَ منها نحنُ أينْ؟

***

شعر: خالد الحلّي – ملبورن

 

 

 بصرفِ النظرِ عن كلّ ما قيلَ وقال

أوصدتُ نوافذَ القلقِ

سأستقرُ في منفاي...

بعيداً عن قَصصِ خيالكِ الملهم

وأنا أولُ العاشقين لشفتيكِ

أبصمُ قبلةً من شغافِ الورد

وأظنُ اني المغني الذي أطربَ

الرياحين...

تمايلتْ فأنشدتْ معي أغنيةً غجريةً

كنتُ أسمعها في صباي

لونُها شمسٌ.. وعطرُها ياسمينٌ

تمرُ على مسمعي واهبةً تمردي الطفولي لغةَ الاصغاء..

أنا معتمُ الظلالِ كانت ظلالك تستجيب لظلالي واهبةً إيايَّ قلنسوةَ اللحنِ وبيرقَ المعنى...

لا أغفو حتى أتبرجَ بكسل الاستماع

كطفلٍ أنشدَ أولَ كلمةٍ على لسانِه المتلعثم..

تواصلي أيتها الصادقة فكلّ شيءٍ

أكذوبة غنتها ساحراتٌ يحسبنَ

وقتنا لغماً ينفجرُ في قاعِ الصورة

هاتِ زنديّك واقفلي على صدري

فلا مسافرَ ولا راحلاً

غير شرفةٍ أطلتْ على روحينا

**

ليس لي ..

الرسمة التي تخيلها الرمل

على جوانب بحرك الغاضب

ليس لي...

اللون الذي وضعته على ياقة

صحرائك

تبرجَ فاغتم فرصةَ الجمال

**

بصحبةِ الليلِ أستطيعُ انْ أوجزَ

نجماتِ عينيك

وأنْ أتخطى العتمةَ  المنشغلة بثغرِكِ

كلَّ حسبةٍ لها حل على وجهكِ

انفض غبار الرؤية لأعثرَ على وسادة الخيال

أُبرمجُ لواعجي المنهارة بشهقة من صدرك

فأفيض في ترنيمة من مقام النهاوند

أغسلُ كلَّ الألحان المستعارة

أرتبُ هواجسي الغيبية بحقيقةٍ

باسمة تعتلي وجنتيك

ليكون الليلُ مكتظاً بكأسِ النشوة

وأنتهاكِ سلوكِ الصمت

انحدرُ كسربِ طيرٍ مغادرٍ نحو المجهول

لا أعرفُ كيف أجدُ الرغبةَ

وأنا الكسولُ في اختيار المشاعر

تتواصلُ معي مسامرةٌ عذبة

على سطحِ السكون

والبرهانُ سِتْرٌ على سرمدِ الخجلِ المسكوتِ عنه

أحتاجُ فقط....

لمسةَ الشغافِ ومسكةَ الوجدِ

ترفعي معي وكابري

ما نحن إلا غيمتين تمتزجان

للرعد والوميض

ليبصرَ بنا ليلُنا البليد..

***

فاضل ضامد - العراق

 

 

علي القاسميبقلم: إدوارد جونز

ترجمة: د. علي القاسمي


السيد هوراس بيركنز وزوجته السيدة لونيز بيركنز ــ ابن واحد وحفيد واحد ـ عاشا معاً بتعاسةٍ بالغة لأكثر من اثني عشر عاماً في الشقَّة رقم 230 في إقامة الغروب، وهي بناية شقق للمواطنين كبار السنِّ، تقع في 1202 في الشارع الثالث عشر الشمالي الغربي. انتقلا إلى هناك سنة 1977، وهي السنة التي احتفلا فيها بمرور أربعين سنة على زواجهما، السنة التي تطارحا فيها الغرام لآخر مرة ــ فقد احتفظت لونيز بدفتر مذكّرات من هذا النوع، وتلك الحقيقة دُوِّنت في أحد أيام الأسبوع حيث لم تكتب فيه أي شيء آخر ذلك اليوم. كتبت “هو لامسني”، وهي العبارة التي كانت تستعملها دائماً في مذكِّراتها كناية عن ممارسة الجنس. وكانت تلك السنة هي التي تقاعدا فيها، هي بوصفها كاتبة في وزارة التجارة، حيث عرفت عشيقاً واحداً، وهو كموظف مدني في البنتاغون (وزارة الدفاع)، مسؤول عن سجلات قدامى المحاربين. كان قد عمل عريفاً قبل أن يصبح رئيس السجلات. وفي اليوم الذي تقاعد فيه، منحه وزير الدفاع درعاً تكريمياً بعرض صدره، والتُقِطت له وللويز صورة مع وزير الدفاع، علقاها خلال تلك السنوات الاثنتي عشرة في غرفة الجلوس في شقّتهم رقم 230، على الحائط إلى اليمين من جهاز تكييف الهواء.

وقبل شهر من انتقالهما إلى الشقَّة الجديدة، قادا سيّارتهما الكاديلاك الخمرية اللون من دارهما الصغيرة في شارع تشيزبيك في الجنوب الشرقي من المدينة، إلى مطعم يونيون ستيشن حيث قطعا عهداً لأحدهما الآخر بأن تكون إقامة الغروب بداية جديدة لهما. واتفقا معاً وهما يتناولان سمكة من نوع السَّلّور المسودَّة وكعكة الخوخ، على أن يظلّا مُخلصيْن أحدهما للآخر، وأن يصبحا جدَّيْن بصورةٍ أفضل. وكان هوراس قد علم منذ وقت طويل بالعشيق من زارة التجارة. فقد كانت لويز قد أخبرته عن الرجل بعد شهرين من قطعها علاقتها به سنة 1969. وأخبرت زوجها، وهما يتناولان عشاء من معكرونة السباغيتي طهتها بمنزلهما في شارع تشيزبيك: “ إنه كان يعمل في غرفة البريد، وقد لامسني في غرفةٍ بأحد الفنادق.”، وكتبت في مذكِّراتها: “ وبعد أن انتهينا، توسَّل بي أن أهرب معه إلى فلوريدا. وكلُّ ما استطعتُ أن أفكر فيه هو أن فلوريدا مكانٌ لكبار السن.”

وأثناء عشاء معكرونة السباغيتي، لم يذكر شيئاً عن العشيقات اللواتي راودهن حينما كان متزوِّجاً بها. كانت تعلم أنَّ له العديد منهن، كانت تعرف ذلك لأنَّهن كنّ مكتوبات على وجهه منذ السنوات الأولى من زواجهما، ولأنَّه لم يزعج نفسه في إخفاء ما كان يفعله في السنوات الأخيرة. “ سأعود بعد برهة. لديّ شغل أقضيه.”  هكذا كان يقول، حتّى إنَّه لم يذكر العشيقة التي ضاجعها  قبل يومٍ واحد فقط من عشاء معكرونة السباغيتي، تلك التي ودّعها بقوله: “ كوني صالحة وكوني لطيفة.”، بعد أن أخبرها أنه عزم على أن يُصبِح رجلاً جديداً يحترم عهود زواجه. وضحكت المرأة النحيفة، وهي سائقة حافلة مدرسية تضع على كلتا ذراعيها أسورةً تصل حتّى مرفقيها تطلق خشخشة، ضحكةً مثل شخيرٍ جعلت هوراس يرغب في صفعها، لأنَّه كان معتاداً على أخذ الناس له بجدّية. “ إذن أنساك” قال هوراس وهو في طريقه إلى الباب، وأضاف: “ كنتُ أحاول فقط أن أتركك بلطف.”

وحول مائدة عشاء آخر من معكرونة السباغيتي، قبل أسبوعين من انتقالهما، أعادا ما تعاهدا عليه أثناء عشاء سمكة السلّور، وغسلا الصحون معاً وأويا إلى الفراش رجلاً وزوجة؛ وخلال الأيام التالية، باع جميع أثاث منزلهما في شارع تشيزبيك تقريباً، وما احتفظا به يعود في الأساس لهوراس، بدءً بمجموعة قوامها 639 أسطوانة موسيقية، العديد منها “ عزيزاتي الحلوات “ لسنة 78. وكان يتباهى بالقول إنه لا توجد فرقة موسيقية يُعتدُّ بها سجّلت أغانيها بين سنتي 1915 و1950 إلا وجمع اسطواناتها، وقال، أمّا بعد 1950 فقد أصبحت الفرق الموسيقية غير متقنة، فاضطر إلى التراجع عن الجمع. واحتفظ هوراس بسيارة الكاديلاك التي كان قد صبغها تكريماً لفريق كرة القدم، ودفع لموقفٍ للسيّارات ليضعها في مرأب الطابق السفلي. وكان الغرض من بناء إقامة الغروب أن تكون إقامة راقية، ولكن نضب المال لدى أصحابها البنائين، وهما اثنان من أصدقاء المجلس البلدي، في منتصف البناء، فجعل المجلس البلدي الحكومة المحلية تشتري البناية منهما. واستكملت الحكومة المحلية بناء إقامة الغروب بغرف صغيرة؛ وبعد ذلك، على إثر إلقاء أحد مفوضي الحكومة خطاباً في الجنوب الغربي من المدينة حول ضرورة العناية بكبار السنِّ، جاء بعض رجال الحكومة المحلية في الشمال الغربي من المدينة بفكرة أنَّ المسنّين قد يحبّون السكن في إقامة الغروب في الشمال الغربي من المدينة.

بعد ثلاثة أسابيع من انتقال هوراس ولونيز، نزل هوراس ذات يومِ أَحد إلى صالة مدخل البناية لأخذ بريدهما، وحدث أن رأى كلارا نايتلي وهي تأخذ بريدها، وتسكن كلارا في الشقة رقم 512. وقال هوراس عن شقّتها بعد أقل من ساعة من لقائهما:

ــ “ لقد أثثتِ الشقة بصورة جميلة حقاً.”

ــ “ ولكني أستطيع أن أرى من طريقة عنايتكَ بنفسكَ أنَّ لكَ ذوقاً رفيعاً. وأستطيع أن أقول ذلك عنكَ مباشرة، فقد ملأتَ رأسي غروراً بكلِّ ذاك الكلام، يا سيد بيركنز.”

قالت كلارا ذلك وهي تناوله فنجان القهوة الذي رفضه لأنَّ مثل هذه المناسبات تستدعي شيئاً أقوى من القهوة، قال:

ــ “ ما فائدة رأس المرأة إذا لم يستطِع رجلٌ أن يملأه بالغرور من وقتٍ إلى آخر. ها، أجيبي عن ذلك كلارا، فقط أجيبي عن ذلك.”

كانت كلارا في الخامسة والخمسين من عمرها، أقلَّ بقليل من معظم سكان إقامة الغروب، ومع ذلك فهي أكبر بكثير من جميع عشيقات هوراس الأخريات. لم ينطبق عليها تعريف رجال السلطة للمواطنين كبار السن، ولكنَّها كانت تعاني بعض العِلل، من ضغط الدم العالي إلى مرض السكري، ولهذا سمح لها رجال السلطة بالانتقال إلى تلك الإقامة.

وعلى الرغم من العهود، فإنَّ الزواج، أو القليل الذي تبقّى منه، قد بلغ نهايته.

ــ   “ سأجعل من نفسي سعيدة”.

هكذا أسرَّت لويز لمذكِّراتها، بعد شهر واحد من ملامسته لها آخر مرَّة.  كانت لويز وهوراس قد أثّثا الشقَّة بصورةٍ لطيفة، ولم يُرِد أيٌّ منهما أن يتخلّى عنها للآخر. وأرادت أن تتخذ موقفاً نهائياً من الرجل الذي سبَّبَ لها كثيراً من الأحزان، الرجل الذي قال لها بعد ستة أشهر من اعترافها،

أيَّة عاهرة هي، لتقدم على مضاجعة رجل غرفة البريد في وزارة التجارة.

كان هوراس في الستين من عمره، لم يفكر قطّ في مضاجعة امرأة فوق الخمسين، ولكن كلارا ــ وبعدها ويلا صاحبة الشقة رقم 1001، ومريام صاحبة الشقة رقم 109 ــ أيقظن شيئاً في نفسه، وبدأ يفكِّر في النساء اللواتي فوق الخمسين عاماً، وهنَّ لسْنَ صفقةً سيئة في الواقع. ففي إقامة الغروب، توجد دزينات من هذا النوع من النساء، والعديد منهم أرامل ولهنَّ جاذبية، والعديد منهن متلهِّفات لسماع كلمة إطراء من عريفٍ متقاعد من الجيش حصل على كثير من النياشين والأشرطة لا يستطيع زيّه حملها جميعاً. وصار واضحاً له أنّه سيد الموقف أو ديك الحارة؛ فكثيرٌ من الرجال في إقامة الغروب يعانون أمراضاً لم تُصِب هوراس لحدِّ الآن، أو لم يكن أولئك الرجال في مثل وسامته ولا رشاقته، أو أنهم معوّقون بزوجات يحبّونهن. في إقامة الغروب، هو رجلٌ غني، فلماذا ينتقل ويمنح تلك العاهرة الرضا والسرور.

وهكذا عاشا منفصليْن في مكانٍ مساحته أقل من ربع مساحة دراهما في تشيزبيك. وصارت الإقامة تعرفهما بوصفهما رجل وزوجة لا يطيق أحدهما الآخر في الشقة رقم 230.  وراح الناس يثرثرون حول عائلة بيركنز أكثر من أيِّ فردٍ آخر، وكان ذلك يسبّب القلق للونيز، التي تربَّت على ضرورة أن تبقى شؤون العائلة داخل العائلة فقط. “ أوه،  يا ربي، ما الذي يفعلانه الآن؟” “ يتقاتلان مثل القطط والكلاب، إنهما يفعلان ذلك. “ .“ وأية امرأة يرى الآن؟” . وكانا يشتريان طعامهما بصورة منفصلة من محل (الأطعمة الغنية) في الشارع الحادي عشر، أو من الدكان الصغير في الشارع الثالث عشر، وكانا يسيئان القول أحدهما للآخر، إذا كان ما اشتراه أحدهما قد عبث به أو أَكلَه الآخر. وتوقّفت لونيز عن توجيه الكلام إلى هوراس مدَّة تسعة شهور سنتي 1984 و 1985 عندما اكتشفت أن كعكة اليقطين غدت أصغر حجماً بقليل من آخر مرَّة أخذتْ قطعة منها. “ أنا لم أمسّ تلك الكعكة اللعينة، أيتها المرأة الحمقاء.” هكذا أجابها عندما اتهمته، “ كم سنة وأنتِ زوجتي، وأنتِ تعلمين أنني لا أميل مطلقاً إلى كعك اليقطين.” . “ هذا جميل ما تقوله، يا هوراس، ولكن لماذا فقدت الكعكعة من حجمها؟ أعلم أنك تأكل أيَّ شيءٍ عند الاضطرار. هذه هي طبيعتك القذرة.”. “طبيعتي ليست أقذر من طبيعتك.”

وبعد ذلك جلبت صندوق تبريد صغير في غرفة نومها، مع أنّها كانت تحتفظ بالموادِّ الكبيرة في ثلّاجة المطبخ. واشترى هاتفاً خاصّاً به، لأنَّه شكى من أنها لا تعطيه الرسائل الصوتية الموجهة إليه.

ــ  “ لم أكُن أبداً سكرتيرة للعاهرات.” قالت ذلك عندما رأته ينصب جهاز الهاتف قرب الأريكة التي يستعملها سريراً لنومه.

ــ  “ لا تجعليني أبدأ الكلام عن العاهرات، فأقول إنكِ كتبتِ ذلك الكتاب الملعون.

ــ ” إنكَ أنتَ الذي أمليتَه.”

يعيش ابنهما الوحيد ألونزو وزوجته وابنه في مدينة بالتمور. ولم يكُن قريباً من والديه زمناً طويلاً، ولم يستطِع أن يفسِّر سبب ذلك لزوجته. أمّا حفيدهما ألونزو الصغير الذي كان في الثانية عشرة من عمره عندما انتقل جدّه وجدّته إلى إقامة الغروب، فإنه كان يحبُّ زيارتهما. وعندما كان يزورهما، فإنَّ هوراس يقوم بقطع الهاتف وإبعاده. وتقوم لونيز وهوراس بالنوم معاً في الفراش. وكانت تضع وسادةً بينهما في الفراش العريض لتذكّر نفسها بألّا تتدحرج نحوه.

وأخذ حفيدهما يزورهما بصورةٍ أقل عندما أخذ يكبر في سنوات المراهقة، ثمَّ بعد أن التحق بالكلية في أوهايو، أخذ يتَّصل بهما  كلَّ بضعة أسابيع، بالهاتف الذي سجّلاه باسم هوراس ولونيز بيركنز.

وفي سنة 1987، أخذت دقّات قلب لونيز تتضاءل حتى بلغت النبض الأدنى، فأخذت تمضي أوقاتاً أطول في مستشفى جامعة جورج واشنطن منها في شقَّتها. ولم يَعُدها هوراس مطلقاً. وتوفيَّت بعد سنتيْن. أستيقظت في تلك الليلة الأخيرة في المستشفى، وخرجت إلى الصالة ثمَّ إلى قاعة الممرضات، لكنّها لم تجِد ممرضةً لتخبرها أين هي أو لماذا كانت هناك. وقالت موجهة كلامها للجدران: “ لماذا يتوجَّب على المرضى إدارة هذا المكان وحدهم؟”  عادت إلى حجرتها وخطر لها لماذا كانت هناك. لقد كانت الساعة الثالثة صباحاً، فاتصلت برقم هاتفها أولاً، ثم اتصلت برقم هوراس. تناول السماعة، ولكنها لم تنبس ببنة شفة أبداً. “ مَن هذا الذي يعبث بهاتفي؟ “ وأخذ هوراس يسأل: “ مَن هذا؟ أنا لا أسمح لأحد باللعب على هاتفي.” أغلقت الهاتف واضطجعت وتلت صلواتها.  وبعد الانتقال إلى إقامة الغروب، اتخذت عشيقاً آخر، رجلاً من الكنيسة المعمدانية بشارع فيرمونت، حيث كانت تذهب بين آونة وأخرى. كان متقاعداً كذلك، وكتبتْ في مذكراتها أنه لم يكن أكولاً “ وهناك في الأسفل، حيويّاته مفقودة.”

دُفِنت لونيز بيركنز في مكان بمقبرة هاموني كانت هي وهوراس قد اشترياه عندما كانا أصغر عمراً. وهناك مكان لهوراس، ومكان لابنهما، ولكن ألونزو كان قد وضع خطَّة ليدفن حين يحين أجله في مقبرة خارج مدينة بالتمور.

احتفظ هوراس بالشقة تقريباً كما كانت عليه في آخر يوم لها هناك. وقام ابنه وزوجته وابنهما بنقل ملابسها للجمعية الخيرية، وأعطوا بعضها للنساء الأخريات في البناية. وكانت ثمّة تذكارات من الأقطار التي زارتها لونيز وهوراس معها كرجل وزوجته ــ منحوتة خشبية من غانا تمثِّل رجالاً يحيطون بنمرٍ قتلوه، نجمة داود معدنية من إسرائيل، كرة أرضية ثلجية من جبل فيوجي مع قليل من الثلج لاصقاً في أعلاها. وكانت تلك الأشياء لا تعني كثيراً لألونزو، ولكنَّه كان يعرف ابنه ويعلم أنه قد يحتفي بها يوماً ما.

حاول هوراس النوم في الفراش، ولكنَّه لم يكُن غير مسرور بسريره الأريكة خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية؛ فتخلَّص من الفراش ونقل أريكته إلى غرفة النوم وأبقاها مفتوحة كسرير طوال الوقت.

لقد أدرك أمرين بعد وفاة لونيز: إنَّ “ حيوياته” استعادت شبابها، ولا يعاني المشاكل التي يجابهها الرجال الآخرون، مع أنّه كان قد فشل مرات قليلة في مسيرته، ولكن ذلك متوقّع. والآن وهو يقترب من عيد ميلاده الثالث والسبعين، شعر بأنه أصبح قوياً وفحلاً كدأبه. وفكّر وهو يتناول الويسكي من نوع (شيفا ريكال) ذات ليلة قبل أن يخرج، في أنَّ الربَّ غريب الأطوار، فهو يقبض روح زوجة الرجل ويعطيه قضيباً جديداً مكانها. والشيء الآخر الذي أدركه هو أنَّه منجذبٌ أكثر فأكثر إلى النساء الأصغر سناً. فعندما ماتت لونيز، كان يصاحب امرأة في الحادية والستين من العمر، ساندي كارلن، في الشقة رقم 907.

في أحد أيام شهر شباط/ فبراير، تسعة شهور بعد وفاة لونيز، جاءت إحدى بنات ساندي، اسمها جيل، مع صديقة لها اسمها ألين كننغهام، لزيارة أمِّها. وكانتا في الخامسة والعشرين من العمر. ومن اللحظة التي دخلتا في شقَّة ساندي، بدأ هوراس بإسداء الإطراء إليهما ــ بشأن شعرهما، ولون أظافر اليدين، والثنية الحادة في سروال جيل ( أنتِ كويتِ السروال بنفسكِ؟”)، وحتّى جلسة ألين وهي تضع ساقاً فوق أخرى. وضحكت الشابتان، ما أسعده وأرضاه عن نفسه، وكانت ساندي جالسة في مكانها على الأريكة. وفيما كان الثلج في كأس الببسي كولا في يدها اليسرى قد ذاب، أدركت مرة أخرى أن الرب لم يعِدها برجل حتى يوم وفاتها.

وعندما غادرت الفتاتان حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، تبرّع هوراس بمرافقتهما إلى الأسفل " ليُبعد جميع الرجال السيئين" في الصالة، وقد سمعته حارسة العمارة وهي في مكتبها وهو يُعرب عن سروره إذا ما جاءت الشابتان لرؤيته بعض الوقت. نظرت الشابتان إحداهما إلى الأخرى، وضحكتا أكثر. كانتا تعتزمان الذهاب إلى أحد النوادي في الجنوب الغربي من المدينة تلك الأمسية، ولكن الرجل الكبير أمتعهما بطريقته المباشرة التي وضعتهما بين العسل والحنظل، كما أخبرت جيل صديقة لها بعد أسابيع. وعندما لاحظ ميلهما لقبول دعوته، قال ولماذا لا تأتيا هذه الليلة، ليس هنالك وقتٌ أفضل من الحاضر. قالت جيل لا بدَّ أنك أخذت هذا الاقتباس من أغنية، ولكنَّه قال لا، لأنَّه كان يقول هذه العبارة منذ قبل ولادتهما. وقالت ألين تلك هي الحقيقة، وضحكت الشابتان مرَّةً أخرى. وقال إنَّه لن يكذب بشأن كونه رجلاً متفتحاً، ثم شاركهما في الضحك. نظرت جيل إلى ألين وقالت: هل تريدين؟ فقالت ألين: وماذا عن أمِّك؟ هزّت جيل كتفها، فقالت ألين: طيب، فقد انفصلت مؤخراً عن رجل كانت قد التقت به في نادٍ آخر، لذا فهي في حاجة لشيءٍ ما ينسيها الألم حتّى يأتي رجل آخر، ربما من نادٍ أفضل.

وحوالي الساعة الحادية عشرة والنصف، خرجت جيل وأخذت تتجوّل في الليل، وبقيت ألين في الشقة وأخذت تبكي ـ على الرجل من النادي غير الجيّد، وعلى عمليتَي الإجهاض، وعلى هروبها من الدار وهي في السابعة عشرة من العمر بعد خصام مع أبيها، " لقد تركته غافياً على الأريكة"، هكذا قالت وهي تتمدَّد على الأريكة الجديدة في شقَّة هوراس، وقد خلعت حذاءها وانتعلت خفّاً كان لِلونيز. وكان هوراس يجلس على كرسيٍّ مقابل لها. " كلُّ ما أعرفه، أنَّه ما يزال غافياً على الأريكة." وقبل أن تتطرَّق إلى قصَّتها مع والدها، وحتّى قبل قصَّة عمليتي الإجهاض، عرف هوراس أنّها ستضاجعه تلك الليلة. ولم يكُن في حاجة إلى ملء كأسها للمرة الثالثة. وقالت عن والدها: " كان رجلاً سميناً، ولاأتذكر أكثر من ذلك.”.

قال لها وهي تتحدث عن والدها: " اسمعي. كل شيء سيتحسن بالنسبة إليك. وكان يدرك أنه في مثل أوقات الإغراء تلك، كلَّما يكون الرجل إيجابياً، تصبح الأمور أفضل. لم يعُد نافعاً أن ينصحها بنسيان والدها، فهي قد فعلت الشيء الصحيح بالهرب من ذلك السمين؛ كان من الأفضل أن يركّز على الغد، وأن يخبرها أن العالم سيصير أكثر إشراقاً في الصباح. وجاء إلى الأريكة، وقبل أن يجلس على حافة طاولة القهوة، سحب سرواله قليلاً بأطراف أصابعه، وعندما شاهته يفعل ذلك، تذكّرت شيئاً لطيفاً بصورةٍ غامضة. من المؤكّد أنَّ الأولاد في النادي لا يفعلون ذلك بتلك الطريقة. تناول يدها وقبَّلَ باطن كفّها، وقال: " كلُّ شيءٍ سيكون على ما يرام."

استيقظت ألين كوننغهام في الصباح وهوراس نائم بهدوء إلى جانبها. لم تؤنِّب نفسها ولم تنظر إليه بجزع لما فعلت. تنهّدت وأراحت رأسها على الوسادة وفكّرت أنَّها ما تزال تحبُّ الرجل الآخر من النادي كثيراً، ولكن لم يكُن ثمَّة ما تستطيع فعله، ولم تتمكَّن السترةُ الجلدية التي اشترتها له بمبلغ خمسمئة دولار من إعادته إليها. بعد سنتيْن من هروبها من المنزل، رجعت إلى حيث كانت تسكن مع والديْها ولكنَّهما رحلا، ولا أحد في البناية يعرف إلى أين انتقلوا. ولكن كلَّ واحد منهم كان يتذكّرها. قالت سيّدةٌ كبيرة لها: " لقد كبرتِ، يا ألين، بكلِّ تأكيد، ولم يكُن في وسعي أن أعرفك لو لم تخبريني من أنتِ." وقالت ألين للصديق الذي أوصلها بسيارته: " اللعنة عليهما، اللعنة عليهما، وليذهبا إلى الجحيم.". ثمَّ، وهي في السيارة التي كانت متَّجهة إلى مرتفعات كابيتول حيث كانت تقيم، قالت: " حسناً، ربَّما اللعنة ليست على أمّي، فقد كانت صالحة." فقالت الفتاة التي كانت جالسة في المقعد الخلفي من السيّارة: " فقط اللعنة على أبيك، إذن.". وفكّرت ألين في الموضوع وهم يمرّون في شارع رود آيلند، وقبل أن يستديروا إلى شارع نيوجرسي، قالت: " نعم، اللعنة على والدي، ذلك التافه السمين."

ونهضت من فراش هوراس وأرادت أن ترطّب الجفاف في فمها، فيما كانت تبحث في خزانة الملابس عن بُرْنُس حمّام. لم تأخذ البرنس الأزرق ولا البرانس الصوفية المزركشة، مفضِّلة برنساً اخضرَ داكناً ذكّرها بشيء رائع، في الوقت الذي كان فيه هوراس يرفع سرواله. وما إن ارتدت البرنس حتّى شمَّت رائحة الردنيْن، ولكنَّها مجرَّد رائحة مسحوق الغسيل القويَّة.

وفي نصف الغرفة الذي تحوَّل إلى مطبخ، وقفت وشربت معظم عصير البرتقال الموجود في علبة كارتونية. وقالت: "هذا تصرّفٌ غبي، فأنتِ تعرفين أنَّه ينبغي أن تشربي الماء، فهو أفضل للعطش.". أرجعت العلبة إلى الثلاجة، وأدهشتها كثرة الطعام فيها. وخرجت إلى غرفة الجلوس، وباب الثلاجة ما زال مفتوحاً، ودوّنت جميع ما لدى هوراس من أصناف الطعام. وفكّرت: تستطيع أيَّة فتاة أن تعيش ببحبوحة هنا، إذا أحسنت التصرّف. كانت تقيم في منزل صديق لها في الشمال الغربي من المدينة، وأخذت أمّ الصديق تلمّح لها بأنَّ الوقت قد حان لتغادر. قالت وهي تنظر في الثلاجة عما تريد أن تأكل: " هَم م م، يا للرجل، يا للبيت، وللطعام، وللبيت. كان عليكِ أن تبقي في المدرسة، يا بنت." إنهم يعطون درساً عن هذا: الطعام والبيت في الفصل الأوَّل، والرجل في الفصل الثاني.

وبعد أن أكلتِ البيض والقديد والبسكويت من نوع (الرجل الجائع)، أدركت أنَّها لا تريد أن تنام مع هوراس مرّات عديدة أكثر من اللازم، حتّى إذا كان يملك قصراً صغيراً. فهو أطول مما ينبغي، وهي لم تتعلق برجل طويل من قبل مطلقاً، كبيراً أو غير ذلك.  " اللعنة، لماذا لا يكون الرجل كما أريده وعنده مكان جميل كذلك؟".  ثم، وفيما كانت تتناول صفار البيض الأخير مع آخر نصف بسكويته، فكّرت في صديقتها كاترينا المرأة التي تخرج معها. كانت كاترينا ستصبح اليوم في الثامنة والعشرين من العمر، وعلى الرغم من أنها كانت ذات يوم مدمنة على الهروين، فإنَّها تخلَّصت منه سنةً كاملة، ولها وجه وجسم لا يدلّان على امرأة عاشت حياة خشنة في الشوارع، بل على امرأة حسناء من فرجينيا تزوّجت سائق شاحنة في السابعة عشرة من عمرها، وأنجبت منه ثلاثة أطفال، ثم التقت رجلاً في مطعم ماكدونالد في فريدرك بورغ، قال إنَّ نساءً مثلها يصرن ملكاتٍ في العاصمة واشنطن دي. سي.

نعم، فكَّرت ألين فيها فيما هي تنحني على الأريكة وتحدِّق في صورة هوراس ولونيز ووزير الدفاع، ـــ فكَّرت في كاترينا التي كانت تقول دائماً إنّها تبحث عن حبٍّ حقيقيٍّ، ولا يهمُّ كيف يبدو الرجل ما دام يُحسن إليها ويحبُّها صبحاً وظهراً وليلاً. كان وزير الدفاع يقف بين الزوجيْن. ولم تكُن تعرف مَن هو، فقط أنها رأته في مكانٍ ما، ربَّما في التلفزيون. وكان هوراس يمسك بالدرع إلى يساره، بعيداً عن الوزير. مدَّت إيلين يدها وأزالت بقعةَ غبارٍ عن الصورة بأطراف أصابعها، وقبل أن تزيلها، نطقت امرأةٌ باسمها، فالتفتْ مذعورة.

ذهبت إلى غرفة النوم للتأكُّد من أن الصوت لم يكن صوت امرأة ميّتة تطلب منها أن تبتعد عن هوراس. وجدته جالساً على الفراش يتثاءب ويمطُّ يديْه. قال لها: " هل نمتِ جيداً، يا عنقودي العسل.". " بالتأكيد، يا كعكي الحلو.". قالت ذلك وعبرت الغرفة لتعانقه. إن فطوراً مثل ذلك الفطور الذي تناولتْه يكلف أربعة دولارات في أي مطعم في دي. سي. أو ميرلاند. قال هوراس: " أوه،  بابا يحب ذلك." وحتى أرخص النُّزل في شارع نيويورك التي تأوي الحثالات والعاهرات، يتقاضى خمسة وعشرين دولاراً لليلة الواحدة، فما قيمة عناق بالمقارنة بذلك؟ وبالإضافة إلى ذلك، فقد أعجبها هو أكثر مما توقَّعت. وقضية كاترينا وانتقالها إلى شقته كان ينبغي أن تُعالَج بعناية. " إذن، دعني أعطيك قبلةً صغيرة."

الشباب هوالشباب، هكذا فكّر هوراس عندما اصطحبت ألين كاترينا معها أوَّل مرَّة، طبعت كاترينا قبلةً على خده، وقالت: " أشعر كما لو أنّي أعرفك بعد كلِّ الذي أخبرتني به ألين عنك.".  كان ذلك في أوائل شهر آذار/ مارس.

وفي أوائل شهر نيسان/ أبريل، التقت ألين رجلاً آخر في نادٍ جديد يقع في شارع  في الشمال الغربي من المدينة، ووقعت في حبِّه، وكذلك فعل هوراس مع كاترينا، مع أن كاترينا، بعد عدة سنوات من الحياة في الشوارع، كانت تعلم أن ما شعرت به تجاه هوراس يقع في جوار الحبّ، ولكنه ليس قريباً من البيت الصحيح. وروت كاترينا وألين لهوراس أشدَّ القصص حزناً عن الرجل الذي التقته ألين في النادي الجديد؛ وقبل نهاية شهر نيسان/ أبريل، كان ذلك الرجل ينام على أرضية غرفة الجلوس في شقة هوراس. ومما ساعد ذلك الرجل، واسمه دارنيل مود، كونه يعرف الطريق إلى قلب أيِّ إنسان، رجلاً كان أو امرأة، وأنه ادعى أن أباه كان بطلاً في الحرب الكورية، وحتى إنه عرف اسم وزير الدفاع في الصورة والمدَّة التي أمضاها في الوزارة.

وفي أواسط شهر مايس/ مايو، كان هناك ما يقرب من خمسة أشخاص آخرين من أصدقاء الشبان الثلاثة، يتواجدون في شقَّة هوراس في أيِّ وقت. لقد كان طائشاً مع كاترينا، ومع المخدَّرات، ومع النساء الأخريات اللواتي كن يتسلَّلن معه إلى غرفة في النُزل الكائن عبر الشارع الثالث عشر، وما حلَّ شهر حزيران/ يونيو حتّى كان أكثر من مئة من اسطواناته الموسيقية قد سُرِقت ورُهِنت. قالت ألين لدارنيل وأصدقائه: " لا تأخذوا أمتعته، إنه يحبُّ اسطواناته.". كانت الساعة الحادية عشرة صباحاً، وكلُّ واحدٍ في الشقة، بمَن فيهم هوراس، يغطُّ في النوم، أجاب دارنيل: " أش ش، إنه يمتلك الكثير من هذه الإسطوانات، ولن يلاحظ." وكان ذلك صحيحاً. فهوراس لم يستمع لأيٍّ من اسطواناته منذ عدة شهور. وكان يمتلك كذلك سيفيْن، كانا في الأصل معلَّقيْن على الحائط المقابل لجهاز تكييف الهواء. وكان كلاهما يعود إلى ضبّاط ألمان قُتلوا في الحرب العالمية الثانية. وعندما يصير هوراس ثملاً، كان يحبَّ أن يرى الشبان يتبارزون بهما. ولكن في اليوم التالي، حينما يكون صاحياً، يقوم بإخفائهما، في أسفل خزانة الملابس، ولا يخرجهما مرَّةً اخرى إلا عندما تبدأ الحفلة حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر.

وشكى جيرانه، خاصَّة أولئك الجيران الذين اعتبروا لونيز هي الطرف الذي قاسى طويلاً في الزواج، إلى إدارة الإقامة من الضجَّة، ولكن رجال الإدارة قرأوا في سجلّه أنه فقدَ زوجته قبل وقت قصير، وأخبروا الجيران بأنه من المحتمل  يتقبّل التعازي، فرجال الإدارة لم يصعدوا إلى أكثر من الطابق الأوَّل في إقامة الغروب. وقالوا للناس الذي جاءوا إلى الإدارة الزجاجية: " إنه من قدماء المحاربين وإنه فقدَ زوجته مؤخّراً.".  " لماذا لا؟". ولكن هوراس حاول أن يضبط الأمور شيئاً ما، بعد أن حذّره أحد عمّال الصيانة، وكان ذلك في الوقت الذي كُسِر فيه أحد السيفيْن، ولم يستطِع طوال حياته أن يتذكّر كيف حدث ذلك. لقد وجدوه ذات مساء بقطعتيْن ملقىً في صينية الثلاجة.

هدأت الأمور قليلاً، ولكن الشابات استمررن في المجئ، وواصل هوراس سروره بصحبتهن وصحبة كاترينا التي كانت تناديه بابا، والتظاهر بالانزعاج عندما تراه يقبّل فتاةً أخرى. "بابا، ما الذي سأفعله مع جميع عاهراتك؟ بابا، عدني بأنك ستحبّني فقط. " " بابا أنا في حاجة لبذلة جديدة، ساعدني رجاء. أرجوك."

وأصبحت ألين حاملاً، بعد وقت قصير من لقائها بدارنيل، الذي شجعها على الاحتفاظ بالجنين، وأخبرها بأنه كان دائماً يريد ابناً يحمل اسمه، وقال: " يمكن أن نسميه دارنيل الثاني" فقالت: " أو دارنيل الصغير". وفيما أخذ حملها يظهر للعيان، ازداد قلق هوراس وكاترينا عليها، فقد تذكر هوراس كم كان قلقاً عندما كانت لونيز حاملاً. لم يكُن قد اتَّخذ أوَّل عشيقةٍ بعد، وحتى إنه لم يفكر بعد بأية واحدة، فيما كان حملها يكبر ويكبر. ونصح أيلين بألا تتعاطى أية مشروبات أو مخدِّرات حتى يولَد الطفل، وحاول أن يحملها على أن تخلد إلى فراشها في ساعة مبكرة، ولم يكُن ذلك سهلاً في الغالب مع حشد صغير في غرفة الجلوس.

واتصل حفيد هوراس هاتفياً به في شهر ديسمبر معبِّراً عن رغبته في المجيء، ولكن هوراس أخبره أن من الأفضل أن يلتقيا في مكان ما في وسط المدينة، لأن شقَّته في حالة مزرية من الفوضى، فهو لم يقُم بالتنظيف المطلوب منذ وفاة لونيز. " أنا لا أهتم بذلك" قال ألونزو الصغير. أجاب هوراس: " ولكني أنا أهتم بذلك، فأنت تعرف كم تعني لي هذه الأمور."

وفي اواخر ديسمبر، وضعت ألين طفلاً ذكراً، قبل عدة أسابيع من وقته. واختار له هوراس الاسم الأوسط. قال دارنيل وهو يحمل الطفل في قماطه: " انظر إلى جدك. فأنت لا تمانع من دعوتك بالجدّ، يا سيد بيركنز؟ أنتَ لا تمانع، أليس كذلك؟"

ونبَّه نزيلٌ جديدٌ يأخذ القواعد بجدّية تامة، رجالَ السلطة البلدية في مكتب الإيجار، إلى أن الرجل الكبير في الشقة رقم 230  يأوي طفلاً وأباه وأمَّه في شقَّته، وليس لأحد منهم قرابة تربطه به، وحتى لو كانت ثمّة قرابة، فإن ذلك مخالف للقواعد المسطّرة في كتاب قواعد السكن في الإقامة.

وفي اواخر شباط/فبراير، اشترى شرطيٌّ متخفٍّ علبتَي مخدرات من أحد الأشخاص في تلك الشقة، وأخبر الشرطي رئيسه بأنها امرأة في البداية، وهذا ما كتبه في تقريره، ولكن في تقريرٍ لاحق كتبَ أنه اشترى المخدرات من رجل .  " ابدأ من جديد"،  قال ذلك أحد رؤسائه الذي يتناول طعام العشاء مرَّة كلَّ شهر مع عمدة المدينة الجديد. وفي آذار/ مارس عاد رجل الأمن المتخفّي لشراء المزيد من المخدِّرات.

كان ذلك في وقت متأخِّر من ذات ليلة سبت حارّة، عندما استيقظت ألين على سماع خشخشةِ جهاز شرطة للإرسال والاستقبال خارج باب الشقة. ولم تكُن قد رأت دارنيل لأكثر من شهر، وأشعرها شيءٌ ما بأنها يجب أن تخرج من تلك الشقة، لأنه قد لا تكون ثمّة أوقات جيّدة أخرى. وفكرت في هوراس وكاترينا نائمين في الفراش. وكان هناك رجلان وامرأتان نائمين في أماكن مختلفة في غرفة الجلوس، وكانت صديقة شقيق إحدى المرأتين قبل ثلاث سنوات. وادعى أحد الرجلين النائمين أنه ابن عم دارنيل، ولكي يبرهن على ذلك، عندما طرق باب الشقة في تلك الليلة، أراهما صورة بولارويد فوتغرافية تجمعه بدارنيل، وذراعاهما حول أحدهما الآخر، وعيناهما حمراوان، لأن آلة التصوير كانت رخيصة. فالصورة كلّفت دولاريْن فقط.

نهضت من الأريكة ونظرت في السرير الصغير، وفي الظلام استطاعت أن تدرك أن ابنها  مستيقظ، وساقيْه الصغيرتيْن تركلان، ولا يصدر عنه أيُّ صوتٍ سوى قرقرة سعيدة. وكان صوت جهاز الإرسال والاستقبال خارج باب الشقة، يأتي ويذهب. كان في وسعها أن ترى كلَّ شيء في نشرة أخبار التلفزيون ــ " أمٌّ تروج المخدرات في السجن، ووضع الطفل في مصلحة رعاية الأيتام.". خطَتْ فوق الرجل الذي قال إنه ابن عم دارنيل، وفتحت الباب المفضي إلى غرفة النوم على مصراعيه. كانت كاترينا تنهض من السرير، وهوراس يشخر نائماً. لم يشخر في حياته من قبل، ولكن المخدِّرات والكحول أضرّا بمسالكه التنفسية.

ـ " هل تسمعين شيئاً؟" قالت ألين لكاترينا التي وافتها على رؤوس الأصابع.

قالت كاترينا:  " لقد سمعت شيئاً بالتأكيد." فالنوم في الشوارع كان يتطلب الاحتفاظ بأذنيْن وبعينٍ  مفتوحة، " لا أريد أن أعود إلى السجن ."

قالت ألين: " اللعنة، ولا أنا. ماذا عن الشباك؟"

ـ " الخروج، ونزول طابقيْن مع طفل؟ اللعنة"

قالت ألين: " نستطيع أن نفعل ذلك."  وهي تنظر عبر كتف كاترينا إلى الكومة المظلمة التي هي هوراس وهو يتمتم في نومه.

قالت كاترينا: " نقدر أن نفعلها." وخطت على رؤوس أصابعها إلى الكرسي في آخر الغرفة، وفتشت جيوب سروال هوراس، وهمست بعد رجوعها: " ربما خمسين دولاراً هنا. ولدي ثلثمائة دولار."

قالت ألين: " كنتِ تسرقين منه." وانقلبتِ الكومة في الفراش وأنَّتْ، ثم استقرَّت في مكانها الأول وهي تشخر.

ـ " الرب يساعد الذي يساعدون أنفسهم، يا ألين. لنذهب.". والتحقت كاترينا بألين وهي تحمل ملابسها بيديها. وكانت ألين تراقب الكومة في الفراش وهي تتقلب مرَّة أخرى وتواصل الشخير. وداعاً، هوراس، وداعاً، سأراك قريباً.

وراقب الشرطي في السيّارة الواقفة في الشارع الثالث عشر، ألين وهي تقف على حافة الشرفة ثم تقفز، ومرّت للحظةٍ في الضوء الباهت الساقط على المدخل، واستقرَّت على مدخل موقف السيّارات في الطابق السفلي. لم يبقَ على تقاعد هذا الشرطي سوى خمس سنين، ولم يتحرَّك، لأنه يمكن أن يرى جيداً من حيث يجلس. أما رفيقه الذي بدأ العمل قبل ثلاث سنوات فقط، فقد كان نائماً في المقعد الخلفي للسيّارة. وخمّن الشرطي أنَّ المرأة ألحقت الضرر بنفسها، لأنه لم يرَها تنهض من الأرض لعدَّة دقائق. وفكّر الرجل: لن أفعل ذلك ولا حتى مقابل جميع مالِ رجلٍ غنيّ. وأخيراً نهضتِ المرأة، ولكن قبل أن تنهض، رأى امرأة أخرى تنحني على الشرفة وهي تُدلّي رزمة؛ وفكّر: مخدرات؟ لا، ملابس؟ نعم، تشبه الملابس أكثر. وكانت الرزمة معلَّقة بحبل وسلك ــ كانت بعيدة عن الرجل ليحزرها. انحنت المرأة التي في الشرفة كثيراً، ومدَّت المرأة التي على الأرض يديْها إلى أبعد ما تستطيع، ومع ذلك فقد كانت الرِّزمة تبعد بقدميْن عن يديها.

وفكَّر الشرطي: دعهما يلقيا الملابس فقط، ثم أفلتتْ كاترينا الحزمة وأمسكتْ بها ألين. مسكة جيدة. أتساءل كيف تبدو في الضوء. قفزتْ كاترينا، وشاهدها الشرطي وهي تمرّ للحظة في الضوء، ثم نظر إلى رفيقه. إنه لا يعبأ بملء الاستمارات كثيراً، ولكن رفيقه ينزعج منها، ولهذا دعه ينام. سأكون على البحيرة اصطاد السمك، وأنت ستظل تفعل ذلك. وعندما نظرَ إلى الخلف كانت المرأة الأولى تصعد المنحدر إلى المدخل والرِّزمة بين يديها، والمرأة الأخرى كانت تعرج خلفها. أتساءل كيف تبدو تلك المرأة في الضوء الجيد، وعندما أصبحت المرأتان على الرصيف، تلفتتا يسرةً ثم يمنة، وواصلتا السير في الشارع الثالث عشر. تثاءب الشرطي ونظر في المرآة الجانبية للسيّارة، فيما كانت المرأتان تقطعان الشارع م، تثاءب مرَّةً أخرى. حتى في الساعة الثالثة صباحاً يستمرُّ الناس في قطع الشارع من غير مكان العبور الصحيح.

كان ابن عم دارنيل عائداً من المرحاض عندما اقتحم رجالُ الشرطةِ الشقَّةَ. كان جباناً رعديداً، وعلى الرغم من أنه قد أفرغ مثانته لتوّه، فقد تبوّل مرةً أخرى عندما انفتح الباب وبان ضوء الممرِّ وانقض رجال الشرطة عليه وعلى رفاقه النائمين.

وحالما وضعوهم في السجن، أخذ هوراس يتكلَّم عن كاترينا وألين والطفل. وقد استغرق وقتاً طويلاً ليصحو، ويفهم ما كان يجري له. وضغط بوجهه على قضبان الزنزانة، وأدخل فمه إلى أقصى ما يستطيع بين القضبان وصرخ طالباً أن يخبره أحد ما إذا كانوا يعرفون أن المرأتيْن الشابتيْن والطفل بخير. " اسمعوا، إنهنَّ مجرَّد نساء." وظلَّ يردِّد ذلك لحوالي خمس دقائق. " إنهن لا يؤذين ذبابة. أيها الشرطة، من فضلكم، من فضلكم أيها الشرطة. ما الذي حدث لهما، والطفل.. ذلك الطفل برئ تماماً."

كان الوقت بعد السادسة بقليل، وراح رجالٌ فوق ذلك الممر وتحته يصرخون به أن يخرس وإلا فإنهم سيُدخلون أكبر قضيب شاهده في فمه. دُهش وهدأ، لأنه على الرغم من أنه اعتاد أن يسمع لغةً سوقيَّة من الرجال الذين كانوا يأتون إلى شقته ويذهبون، فإنه لم يسمع بتاتا كلمات بمثل تلك البشاعة توجَّه إليه. كانوا يتكلَّمون بأقذر لغة سمعها في حياته، ولكنهم كانوا دائماً يدعونه إلى مشاركته الحديث عن معرفته بوزير الدفاع والعمدة. كان بعد التدخينة الثانية ينتشي ويطفو معهم في العادة، الآن هدّده أحدهم بأن يفعل به ما يفعله هو والرجال الآخرون بأي امرأة تأتي إليهم.

ثم تحوّل عن القضبان وأخذ يتأمَّل الرجال الثلاثة الذين كان يشاركهم الزنزانة المعدّة لشخصيْن فقط. ففي سجن المدينة، يحبُّ الناس أن يقلِّلوا من عملهم ما أمكن. وملء الزنزانات بأكثر من طاقاتها يعني أنهم يتعاملون مع أقفال أقلّ. كان هناك رجل يتدثَّر ببطانيات على الأرض بجانب السرر الحديدية المرتبة فوق بعضها. وكان الرجل النائم في السرير العلوي يمدُّ ساقه خارج سريره، ولأنه كان رجلاً طويلاً، فإن ساقه وصلت على بعد ست بوصات من وجه الرجل النائم في السرير السفلي. وكان ذلك الرجل مستيقظاً وممدداً على ظهره وينبش أنفه ويحدّق في هوراس؛ ويده الأخرى تحت البطانية داخل فتحة سرواله. وما كان يستخرجه من أنفه يُلقي به إلى الأعلى على مؤخر السرير الذي فوقه. وفيما كان هوراس يراقبه، تذكّر، قبل وقت طويل حتى قبل منزلهم في تشيزبيك، كانت لونيز تغسل مناديله وتكويها وتطويها على شكل مربعات.

قال الرجل: " يا أبي، ألديكَ دخاني؟"

قال هوراس: " ماذا؟". وتذكّر أنه كان قد فعله لكاترينا حوالي الساعة الثانية أو الثالثة صباحاً، وانقلب في فراشه وأخلد إلى النوم. وتذكّر أنه كان في أحلامه ينشّ الذباب، ذباباً بحجم أيادي الشرطة.

يبدو أن للرجل مخزونٌ لا ينتهي من المخاط الصلب في أنفه، وكلما نبش أكثر ازدادت معدة هوراس تقلباً واضطراباً. كان هوراس يرى أن من العيب أن يفتح الرجل منديله، ولهذا كانت المناديل تطوى في مربعات. أجاب الرجل بتنهيدة على سؤال هوراس، وأخرج شيئاً من أنفه ولصقه بإبهام قدم الرَّجل النائم في السرير الذي فوقه.

قلتُ لك: " هل لديك دخاني؟"

ـ " ليس لدي أية سكائر معي."، قال هوراس ذلك وهو يحاول استعمال أفضل لغة ينطق بها رجل أبيض، لأن صديقاً له كان يؤدي خدمته العسكرية معه في ألمانيا، قد أخبره ان التحدّث باللغة الفصيحة لا يعجب البيض فحسب، بل كذلك السود الذين لا سبيل إلى تقدُّمهم في الحياة. " لقد تركتُ سكائري في المنزل." كانت ساقاه تؤلمانه وأراد ان يجلس على الأرض، ولكن المكان المتاح كان في المنطقة المشتركة حيث يقف، وثمّة شيء يلتصق بحذائه في كلِّ مرَّة يرفع قدميْه. " تمنيتُ لو أن سكائري كانت معي، لأعطيتك منها."

ـ " لم أسألك عن سكائرك. لا أريد تدخينها. أسألك عن سكائري. أريد أن أعرف إذا كنتَ قد جلبتَ سكائري."

وصرخَ شخصٌ في نومه على بُعد أربع زنزانات: " إيرين، لماذ فعلتِ ذلك بي؟ ألم يعُد الحبُّ يستحقّ شيئاً؟"

وأمره شخصٌ آخر أن يسكت وإلا فإنه سيضع في فمه قضيباً من الحجم الكبير.

وقال هوراس: " أخبرتكَ أنه ليس معي أية سكائر."

قال الرجل: " أتعلم أنك لا تساوي شيئاً؟ أنت تأخذ الكعكة وتخرِّبها كلّها. لماذا تفعل ذلك حقاً؟ الآن أنت تعلم أنك قادم إلى السجن، إذن لماذا لم تجلب معك سكائري الملعونة؟ أيّ نوع حقير من التفكير لديك؟"

قرَّر هوراس ألا يقول شيئاً. رفع أولاً ساقاً، ثم رفع الأخرى، وهزَّهما، آملاً أن ذلك سيخفِّف الألم. واستدار ببطء ليواجه قضبان الزنزانة. لم يخبره أحد عما سيحدث له. كان يعرف محامياً، ولكنه لا يعلم ما إذا كان هذا المحامي ما يزال يزاول المهنة. وكان له أصدقاء، ولكنه لم يكُن يريد أن يراه أحد منهم في السجن. وتمنّى لو أن ذلك الرجل خلد إلى النوم.

وقال الرجل: " لا تُدِر ظهرك اللعين إليّ بعد كل ما كان يعني أحدنا للآخر. بيننا علاقة طويلة، وأنت تفعل ذلك بي. ما الذي دهاك، يا أبي."

قال هوراس باللهجة الدارجة، وهو يدير وجهه للرجل: " أخبرتك أنه ليس معي سكائر. وليس لدي سكائرك، ولم أجلب سكائري، وليس عندي سكائرُ أيِّ شخص. لماذا لا تستطيع أن تفهم ذلك؟". كان يعلم أنه يبتعد عن إنجليزية الرجل الأبيض، ولكنه يعرف أن من المحتمل أن صديقه من ألمانيا ينام الآن في فراشه بأمان. " لا أستطيع أن أعطيك ما ليس عندي.". هناك رجال يُقتَلون في سجن دي.سي. أو هذا ما نشرته جريدة الواشنطن بوست. " ألا تستطيع أن تفهم ما أقول؟". وأبقى ظهره قريباً من قضبان الزنزانة ما وسعه ذلك. وفكّر : مَن هي إيرين؟ وماذا فعلتْ لتتسلل إلى أحلام ذلك الرجل بتلك الطريقة؟"

ـ " إذن، يا أبتي، سيكون الأمر على هذه الصورة، ها؟" قال الرجل، وهو يرفع ساقَ الرجل الذي على السرير العلوي ويدفعها بعيداً، لكي يتمكن من رؤية هوراس بصورة أفضل. وأخرج يده من مكانها وأشار بها إلى هوراس قائلاً: " ستقسم ببطرس واليسوع، وتنكر معرفتك بي، هاه؟ أهذه هي خطتك، يا أبتي؟" وأراح رأسه على الوسادة المخطَّطة بالأسود والأبيض. " لقد رأيتُ حثالات في زماني، ولكنك الأحط. بعد علاقتنا الطويلة وكلِّ شيء."

ـ " لم ألتقِ بك في حياتي قط." قال هوراس ذلك وهو يقبض على قضبان الزنزانة خلفه بكلتا يديْه، آملاً في أن يخفّف ذلك من ألمه.

ـ " لن أنسى ذلك، وأنت تعرف كم هي قوية ذاكرتي. أولاً لم تجلب سكائري إليّ، كما ينبغي أن تفعل، كما تعلم. ثم تنكر جميع ما كان بيننا. لا تنم هنا، أبي، هذا كل ما سأقوله لك."

وفكّر هوراس برايلي جونسون، وهو رجل اشتغل معه في البنتاغون. كان رايلي يعتبر نفسه مصوراً. فقد أخذ صورة هوراس مع وزير الدفاع. كيف ستكون الكفالة؟ وهل سيكون رايلي في البيت صباح الأحد ليقوم بمهاتفته؟ هل سيعطونه كفالة؟ فالشرطي الذي سحبه من فراشه وصرخ في وجهه:

ــ " تبيع المخدرات وتُفسِد شباناً، هكذا؟"

ــ" لا أعرف شيئاً من ذلك، أيها الضابط، لطفاً."

ــ" رجل كبير مثلك."

ــ " العالم ليس كبيراً بما يكفي لتختفي من غضبي المحقّ، يا أبي. وأنتَ تعلم كم أنا محقّ عندما أبدأ. العالم ليس كبيراً بما فيه الكفاية، وأنتَ تعلم أن هذا السجن ليس كبيراً بما فيه الكفاية."

استدار هوراس إلى القضبان مرَّةً أخرى. هل هنالك شيءٌ مؤلم في ظهره كما في معدته؟ لمس وجهه. نادراً ما كان ينسى حلاقة ذقنه كل صباح خلال الأشهر الضائعة مع كاترينا. فأفعال الرجل البارعة تبدأ بحلاقة الذقن كل صباح، كما أخبره عريفه في معسكر التدريب قبل ألف سنة.

وأخذ الرجل في الزنزانة القريبة بمناجاة إيرين مرَّةً أخرى. وردد هوراس مناداة إيرين في فكره. أيرين هل أنتِ هناك؟ ولم يطلب أحدٌ من الرجل أن يسكت. كانت الساعة السابعة صباحاً وجميع مَن في البناية يستيقظ، ولم يعُد صوت الرجل الذي ينادي إيرين الصوت الأعلى في العالم.

ــ " يا أبي، هل لديك سكائري. فأنا أستطيع أن استعمل سكائري الآن."

لم يعد هوراس قادراً على الوقوف، فهبط ببطء إلى الأرض. وهناك وجدَ بعض الراحة، وكلّما طال جلوسه، ازداد تفكيراً في مسألة اعتقاله. كان لديه بعض المال في جيبه عندما خلع سرواله في الليلة الماضية، ولكن لم يكن هناك أيُّ مالٍ عندما ألقوا القبض عليه. وأين كانت كاترينا وألين حينما دخل الشرطة وساقوه خارج الشقة وأنزلوه إلى سيارة الاعتقال، وكانت حارسة إقامة الغروب وراء مكتبها وقالت: " أوه، نعم، قلتُ لك ذلك."

أنظر، أين كانتا؟ فهو لم يرهما. مدَّ رجليه فمستا قدمي الرجل النائم على الأرض. فزَّ الرجل. وقال الرجل على السرير السفلي: " لم يعُد الحبُّ يعني شيئاً." وكان صوته عالياً بصورة تكفي لإيقاظ الرجل النائم على الأرض، تماماً، فجلس ذلك الرجل وغطّى صدره ببطانيته ونظر إلى هوراس، وطرفت عيناه وطرفتا، وأخذتا صورة أوضح لهوراس كلَّما طرفتا.

لم يأتِ رايلي إليه إلا عصر يوم الاثنين. فتح أحدهم باب الزنزانة، وظنَّ هوراس بادئ الأمر أن الشرطة جاءت لتأخذ أحد زملائه في الزنزانة.

نادى الرجل الذي يحمل المفاتيح: " هومر بيركنز". كان من المفترض أن الأبواب تُفتح كهربائياً، ولكن النظام معطّل منذ وقت طويل.

قال هوراس وهو ينهض على قدميه: " ذلك أنا. وفيما كان يمشي مع الرجل الذي يحمل المفاتيح ماراً بالزنزانات الأخرى، قال أحدهم لهوراس: " ها، أيها الشيخ، أنتَ لست كبيراً جداً لتتعلم مصّ القضيب.". قال الرجل الذي يحمل المفاتيح: " واصل السير." ." أيها الشيخ سأعطيك درساً عندما تعود."

وفيما كانوا يفرّغون أشياءه من ظرف كبير مصنوع من ورق القنب، تهامس الحارسان الجالسان خلف المكتب وضحكا. " نعم". " حسناً جيد." قال الحارس: " أظن أننا سنراك في رحلتك القادمة إلى هنا." " أوه، اترك الرجل الكبير لحاله. هو جدّ أحدهم." قال الرجل الأول: " عندما يبدؤون بهذه السن المتقدِّمة، فإنها تدخل في جسمهم ولا يستطيعون التوقّف. أليس ذلك صحيحاً، أيها الشيخ؟"

لم يتبادل هو ورايلي الكثير من الكلام بعد أن قال رايلي إنه فوجئ باتصال هوراس، وكان يتساءل عما حلّ به بعد أن توفيت لونيز. قال هوراس إنه ممتن لرايلي إلى الأبد لكفالته وإخراجه، وإن ما حدث هو خطأ وله قصَّةٌ طويلة كذلك، سيرويها له قريباً. وعندما وصلا إلى إقامة الغروب، عرض عليه رايلي أن يصطحبه لتناول الطعام، ولكن هوراس قال إن عليه أن يأخذ بطاقة مطرية. قال رايلي مبتسماً: " بطاقة مطرية؟ ظننتُ أنهم لا يقولون ذلك الآن."

وفتح المفتاح باب الشقة بنفس الطريقة التي كان يفتح بها دائماً، ولكن شيئاً ما كان يعرقل الباب، وكان عليه أن يدفعه بشدّة. وفي الداخل وجد دماراً وخراباً في كل مكان. ففوق ملابسه وتذكارات حياته، انتثرت على الطاولة والأريكة والأرض مئات ومئات من الاسطوانات المهشمة. خطا ثلاث خطوات في الغرفة وأخذ يبكي. واستدار واستدار، آملاً أن يرى شيئاً يُنبئُه بأن الأمر ليس بالسوء الذي رأته عيناه. ولكن كان الأمل ضئيلاً ــ قنينتا الملح والفلفل لم يُمسّا، والستائر التي تغطي الباب الزجاجي كانت على وضعها. وليس ثمة شيء كثير غير ذلك يمكن أن يتعلَّق به الأمل.

فكّر حالاً في كاترينا وألين. ما الذي فعله ليستحقَّ ذلك. ألم يعاملهما دائماً بقلبٍ طيب عطوف؟!  غطّا عينيه، ولكن ذلك لم يزدهما إلا بكاء. وليثبّت نفسه، وضع كلتا يديه على الطاولة التي كانت مغطاة بالقهوة والسكر. مسح شظايا الزجاج من على الكرسي الأقرب إليه وجلس عليه. لم يستطِع التخلص من جميع شظايا الزجاج، وشعر بما تبقى منها من خلال سرواله وملابسه الداخلية.

حاول أن ينظر حوله، ولكنه لم يصل إلى أبعد من صورة وزير الدفاع. كان فيها شرخان، أحدهما من الشمال إلى الجنوب، والآخر يسير من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. والصورة كانت مائلة كذلك، وأحسَّ بأنه إذا استطاع أن يعدّل الصورة، فقد لا يكون الأمر سيئاً جداً. ومدَّ يده، وهو ما زال باكياً، ولكنه لم يستطِع أن يتحرّك من الكرسي.

ظلَّ على تلك الحال طوال عصر ذلك اليوم وإلى وقت متأخِّر من المساء، دون أن يغادر الكرسي مرَّةً واحدة، مع أن الدموع قد انقطعت حوالي الساعة 5.00. وحلّ الظلام وهو ما زال على تلك الحال. وفكّر حين غربت الشمس: اسمي هوراس بيركنز، واشتغلت سنوات طويلة في البنتاغو. وأصبحت الشقّة مظلمة، ولكنه لم يجد في نفسه ما يجعله يفتح الضوء.

كان الطرق على الباب متسمراً منذ أكثر من عشر دقائق، وأخيراً سمعه. نهض، وتعثّر بالحطام، وفتح الباب . كانت ألين واقفة هناك ودارنيل الصغير بين يديها.

ـ " هوراس، هل أنتَ بخير؟ أتيت إلى هنا باستمرار. كنتُ قلقة عليك هوراس."

لم يقُل شيئاً، ولكنه فتح الباب بما يكفي لدخولها والطفل.

ـ " إنها مظلمة، هوراس، ما رأيك ببعض الضوء؟"

مد يده اليمنى إلى المصباح على الطاولة وأناره.

ـ " المسيح في السماء. هوراس! ما الذي حدث؟ سيدي المسيح! لا أصدق هذا." . وفزع الطفل من كلمات أمه وراح يبكي. قالت له: " طيب، طيب. وهدأ الطفل تدريجياً. " أوه، هوراس، أنا آسفة، أنا آسفة حقّاً. هذا أسوء شيءٍ رأيته في حياتي." ولمست كتفه بيدها الفارغة، ولكنه أبعد كتفه. " أوه، يا إلهي العزيز، مَن الذي استطاع أن يفعل هذا؟"

ذهبت إلى الأريكة وأزاحت ما يكفي من الحطام ليجلس الطفل. وأخرجت مصاص من جيب سترتها ووضعتها في فمها لتزيل النسالة منها، ثم وضعتها في فم الطفل. فبدا عليه الارتياح، وأراح ظهره على الأريكة.

ذهبت إلى هوراس، فأمسك حالاً ببلعومها صارخاً: " سأقتلك هذه الليلة! تمنيتُ لو أن العاهرة كاترينا هنا، كيما أقتلها كذلك.". وجاهدت ألين وأخرجت كلمة " رجاء" واحدة قبل أن يضيّق عليها الخناق بصورةٍ أشدّ. ضربت ذراعه، ولكن يبدو أن ذلك أعطاه قوَّة أكبر. وأخذت تبكي.

ــ " سأقتلك الليلة، يا بنت، حتى إذا كان ذلك آخر شيء أفعله."

وبدأ الطفل البكاء، وأدارت رأسها إليه بقدر ما استطاعت لتنظر إليه. وجعله ذلك يصفعها مرتيْن، وأخذت تسقط، وسحبها إلى الأعلى، ليتمكَّن من الإمساك بها بشكلٍ أفضل. وهذا أعطاها ما يكفي من الوقت لتقول : " لا تقتلتني أمام ابني، هوراس." أرخى يديه. " لا تقتلني أمام ابني، يا هوراس."، ونزلت دموعها على وجهها ثم على يديْه. " فهو لا يستحقُّ أن يراني أموت. أنت تعرف ذلك، يا هوراس."

ـ " أين إذن؟"

ـ " في أي مكان، ولكن ليس أمامه. فهو برئ من كل شيء."

تركها تذهب وتراجع.

وهمست: " لم أفعل شيئاً، يا هوراس. أعطيك كلمتي. إنني لم أفعل شيئاً." وصرخ الطفل، فذهبت إليه وأخذته بين ذراعيها.

وجلس هوراس على نفس الكرسي الذي كان جالساٌ عليه.

ـ " أنا لا أفعل ذلك بكَ، يا هوراس."

نظر إليها وإلى الطفل الذي لم يرفع نظره عن هوراس، حتى من خلال دموعه.

ويبدو أن الطفل قد شرقَ بإحدى صرخاته، ولكي يتخلّص منها، رفع قبضته وضرب الهواء، وأخيراً خرج صراخه. وفكّر هوراس: كيف يبدأ رجل من لاشيء. أتت ألين بقربه، والطفل ما زال يراقبه، وقد قلّ صراخه. كيف يبدأ رجل من الصفر؟

انحنى هوراس والتقط بعض الإسطوانات المهشمة من الأرض، وراح يقرأ العناوين. قالت أيلين: " لا أؤذيك لأي شيء في العالم، يا هوراس.". هيئة التسجيل الصوتي، شركة دومينو للإسطوانات. أر سي أي فكتور. وتوقَّف بكاء دارنيل الصغير، ولكنه واصل النظر إلى أعلى رأس هوراس. تسجيلات هيئة كاميو للإسطوانات، نيويورك. " لقد أحسنتَ إليّ ولا أستطيع أن أؤذيك بمثل هذه الطريقة، يا هوراس.". وألقى الاسطوانات الواحدة تلو الأخرى. " يلزم رجلاً إيرلندياً لمطارحة الغرام." " سأعلق وساماً على صدر الفتاة التي هجرتها." " موسيقى لجندي" " لمن هذا القلب الصغير الذي تحطمه الآن؟" " المشية المنغَّمة".

***

.........................

* نُشِرت هذه القصة في كتاب: علي القاسمي. مشاعل على الطريق: أبدع وأروع القصص الأمريكية الحديثة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2018). والكتاب متوافر في موقع " أصدقاء الدكتور علي القاسمي" على الشابكة.

....................

ولِد إدوارد جونز  Edward P. Jones   في واشنطن دي. سي. العاصمة سنة 1950 ونشأ فيها، وهو من الأمريكيّين الأفارقة (أي السود). ودرس في كلّية الصليب المقدَّس وجامعة فرجينيا.

في قصته " رجل غني" التي ترجمناها هنا، يتناول جونز مشكلة الحرّية الجنسية، والخيانة الزوجية، والتفكك الأسري، والإدمان على المخدرات، الناتجة من الإغراق في المادية في المجتمع الأمريكي، بأسلوبٍ ساخر، مع كثيرٍ من التلميحات الذكية، والإيحاءات النقدية.

بين سنة 1992 وسنة 2006، نشر ثلاثة كتب فقط: أولها، مجموعته القصصية " ضائع في المدينة"، وثانيها، روايته " العالم المعروف"، وثالثها، مجموعته القصصية " كلهم أولاد الخالة هاجر". وجميعها تتناول تعاسة الطبقة العاملة من الأمريكيين السود في المدن الأمريكية.

نالت، هذه الكتب الثلاثة، أرفعَ عشر جوائز أمريكية، تربو قيمتها على مليون دولار، ودعته جامعة جورج واشنطن في العاصمة إلى تدريس مادة “الكتابة الإبداعية” فيها، على الرغم من أنه لا يحمل الدكتوراه، ولكنه ذو موهبةٍ أدبيةٍ كبيرة وتقنيات سردية فذة تفوق قيمة الدكتوراه المجرَّدة.

يبلغ تعداد الأمريكيين السود أو من أصل أفريقي 38 مليون نسمة من مجموع السكان البالغ 200 مليون نسمة تقريباً، أي بنسبة 12% تقريبياً. وغالبيتهم من أحفاد البشر الذين جُلِبوا بالقوة من إفريقيا ( خاصة الغربية والوسطى) بين سنتي 1555 و1865 من قِبَل شركاتٍ متخصّصة في اقتناص الشبان الأفارقة وأَسْرهم، وإذلالهم، وتعذيبهم، وسجنهم في جزر على سواحل إفريقيا الغربية إلى حين وصول سفن مخصَّصة لنقلهم إلى أمريكا، حيث  يفصل فيها النساء عن الأطفال عن الرجال، وتمارس عليهم أصناف التعذيب والقهر والاغتصاب والجَلد، حتّى يصلوا إلى الأراضي الأمريكية حيث يباعون في أسواق النخاسة، وبعدها توكل إليهم الأعمال المرهقة الشاقة. ومنذ سنة 1641 كانت المستوطنات البريطانية في أمريكا تسنُّ القوانين التي تشرّع العبودية وانتقالها إلى الأبناء، وحقَّ الأسياد في استرداد العبيد المارقين وتعذيبهم. وحتى عندما ألغى الكونغرس تجارة العبيد الدولية سنة 1802 فإنه لم يُلغِ الاستعباد في أمريكا. وحتّى بعد أن أعلن الرئيس إبراهام لنكولن سنة 1863 تحرير العبيد وأدّى ذلك إلى الحرب الأهلية الأمريكية، وانتصار الشمال المؤيّد لإلغاء العبودية، وصدور قانون الحقوق المدنية سنة 1866، فإن المنظَّمات الأرهابية العنصرية، مثل كو كلوس كلان وغيرها، واصلت تعذيب السود وقتلهم. ورغم هذا القانون فقد كان الفصل العنصري بين البيض والسود، في السكن والمواصلات، والوظائف، والمدارس، يمارس قانونياً، خاصَّة في معظم الولايات الجنوبية. وفي الحرب العالمية الثانية (1939ـ1945)، كان يقاتل مليون ونصف مليون أمريكي أسود، ولكن في وحداتٍ منفصلة عن البيض.

وحتّى بعد أن اضطر الرئيس الأمريكي جونسن إلى توقيع قانون الحقوق المدنية سنة 1964 الذي يلغي التمييز العنصري، فإنَّ التمييز ضدَّ السود ظلَّ سارياً على مستويات كثيرة. فنحن نسمع من وسائل الإعلام الأمريكية هذه الأيام أخباراً متواترة عن قيام بعض رجال الشرطة بإطلاق الرصاص على مواطنين سود وقتلهم لأسباب واهية أو بلا سبب، ما يؤدّي إلى قيام مظاهراتٍ احتجاجية ينظّمها الأمريكان السود في كثير من المدن الأمريكية.

ولعل رواية الكاتب الأمريكي الأسود،ألكس هيلي، " جذور" 1976 تروي بالتفصيل كيف اختُطِف جده الأعلى في إفريقيا الغربية وجلب إلى أمريكا ليُستعبَد فيها ويُفرَض عليه دِين أسياده، وتصف العذاب الذي قاساه وأحفاده نزولاً إلى المؤلّف نفسه.

والأديب إدوارد جونز هو احد الأدباء السود الذين وقفوا أدبهم على التعبير عن آلام السود وآمالهم في المساواة الإنسانية، علماً بأن قصّته التي نترجمها هنا لا تتناول السود، بل مشكلة أمريكية أخرى، هي تفسُّخ الأسرة الأمريكية وتفككها بسبب الإغراق في الماديات.

 

مصطفى معروفيما زال في الغســق الشفيف تامّـلي

         ينمو ويستــــوحي بــريقَ نَخيلي

ينتــــابــني مــا إن أروحُ إلى مدى

       شغـفُ الرؤى بجميل ما يوحي لي

أنا حــائط حــــــول الحديقة ساهر

       أرَقِـــــــي له نســب إلى التـــأويلِ

لا البـلـــبل الصــداح أشعلَ لوعتي

       لا النهـر أوْرقَ  ســــاعـة التشكيل

يكفي بأني من ينــابيــع الــــرؤى

       أسقي النصـوص بــيانِــــعِ التحليلِ

تغفو المدائن حيــن يصــرخ يتمها

       تخشــــــى خطـــى همجية التبديل

وترى صهيلَ الزهو بين ربوعها

        قد أنجبـــتْه صـفـــــــقــة التضليل

ما حيــرة الأشـــجـــار في آجامها

       إلا دم فــــــــي جــثــــــــــةٍ لقتيـل

أو دمــــلــــــجٌ متعــثر في معصم

        بنقــــــائه عصـفتْ يـــــدُ التدجيل

حجـر الصدى ما زلت أملكُ كُنْهَهُ

        لكــنْ أمــــــــجُّ مـزاعِـــمَ التعـليلِ

هـــــــل في الغـــــيوم لديَّ مناحةٌ

       تبـــــــــدو نــوايــاها تحب عويلي

حـــتى النـــهــار قــد اكفهرّ خياله

        وأبت تداعــــبـــــنــي ظلال مقيلِ

 أســــمــو إلى قلقٍ  أحاول هضمه

       قلق الوجـــــود يقـــــــل فيه مثيلي

              ***

شعر: مصطفى معروفي

 

ناجي ظاهرحين تسلّل الفار الضخم على رؤوس اصابعه إلى غرفتها، كانت تستلقي على اريكتها الغارق نصفها في الظلام ونصفها الآخر في الضوء الكابي. في البداية رأت اطرافه تبرز من وراء الباب فتصورته ديناصورًا من عهد عاد يقتحم عليها خلوتها ليقضي على ما تبقّي لها من فرح هرب طوال نحو الاربعة عقود من الزمن وجرت وراءه دون ان تدركه.

لمعة عيني الفار في ظلام غرفتها دبّت الرعبَ في عينيها. عقدت لسانها. لم تدر ماذا بإمكانها ان تفعل.. نسيت اهلها.. اباها.. امها واخوانها السبعة الجدعان في غرفة الاستقبال.. وتوقفت وجهًا لوجه امام وحدتها الابدية.. شعورٌ قاسٍ يقول بانها المرأة الوحيدة على الارض.. ملأ اجواء غرفتها وفاض لينتشر عبر شرفة بيتها المشرعة على العتم الممتد.

تقدم الفار بفروته الرمادية.. تقدم منها فاغرًا فمه.. كأنما هو ينوي التهامَها.. تُرى ماذا تفعل الآن لو انه تقدم منها وابتلعها جاعلًا اياها اثرًا بعد عين؟ ماذا لو انه جعل هذه.. اللحظة الاخيرة لها في هذه الغرفة وفي هذه الحياة ايضًا. "كما هو صعب ان تجد نفسك في اللحظة الاخيرة لك في هذا البيت وقبالة تلك الزهور؟"، قالت لنفسها واحتقن صوتها في حلقها لتجد نفسها تفتح عينيها وتغمضهما.. ترى أيكون هذا الفار كابوسًا وهميًا.. ام حقيقة؟ لا، لا، هو حقيقة تأتي في آخر هذا الليل لتوقظها من وهم عاشت معه وعاش معها طوال السنوات الماضية. وهو .. هو قال لها دون ان يقول، كلما رفعت وردة رأسها إلى السماء، إن الوحدة كتبت عليك إلى ما شاء الله وانك ستبقين وحيدة إلى ابد الآبدين.

الفار يدنو منها.. يكبر في ظلام غرفتها.. يقترب منها.. يقترب اكثر، وهي تتجمّد تتجمد على سريرها الوحيد. الصوت، صوتها، يحتبس في حلقها. ولاحت لها صورة ذلك الشاب الذي ادمن المرور من تحتها شرفتها دون ان تعيره أي التفاتة.. آه لو يمر الآن لاستجارت به وطلبت منه النجدة.. لكن هيهات.. هيهات.

خوفُها يزداد.. صوتها يحتبس اكثر في حلقها.. اه لو كان بإمكانها أن تهرب، أن تغادر هذه الغرفة وهذا البيت.. وهذا العالم.. إلى فضاء بعيد.. بعيد.

يقترب الفار منها يقترب اكثر.. يتحفز ليقفز قفزته الاخيرة.. وهووب.. يقفز متخطيًا رسغ قدمها اليمنى. يحتك بها فيفيّق عالمًا كاملًا استرخى في اعماقها طوال العشرات من السنين.. يولّى الفار. يقفز قفزة ماراثونية عبر شباك غرفتها ينطلق هاربًا منها ومن خوفها... دون أن يلتفت إلى الوراء.

تتنفس الصعداء. تتسلّل إلى باب غرفتها. ترسل نظرة إلى هناك.. إلى حيث يتحلّق ابناء اسرتها. كم هي الحياة جميلة. "نحن لا نكتشفها إلا في لحظة الخطر". تقول وتتابع "شكرًا لك ايها الفار لقد فيقتني من نوم كان من الممكن أن يكون ابديًا.. شكرًا لك ايها الفار. ." واحتضنت نفسها بحنوّ لا حدود له.. وهي تتصور ذلك الشاب يمر من تحت شرفتها جالبًا معه ضوء النهار.. تصورت انهما هما الاثنان، هي وذاك الشاب، يجريان معًا.. وراء حضرة الفار.

***

اقصوصة بقلم: ناجي ظاهر

 

 

 

سالم الياس مدالوهو النور يهمي

حيث العشب

وحيث الماء

وحيث العصافير

تمد مناقيرها

صوب قباب

احلامها

وامنياتها

يلزمني حينذاك

الوقت ان اقتعد

دكة عمري

مغنيا لقوس قزح

قلت هو النور يهمي

على اسدية بنفسجاتي

على حقول الحب

وعلى اشرعة

احلامي البنفسجية

وحينذاك التحم

بالافق المرئي

وبالنجم القطبي

منتطرا العندليب

القادم من

حقول الشمس

كي نغني معا

أغنيات الشمس

أغنيات الريح

واغنيات

المطر

***

سالم الياس مدالو

 

 

كفاح الزهاويكانت الحرب العراقية - الايرانية قد دخلت عامها الرابع وأنين الثكالى والمعدومين يطفو على بحر من الشجن. الجو العام كان مشحونا بين ان يسقط النظام لإنهاء هذا الوضع المعقد وبين ان تقف الى جانب النظام وحمايته بذريعة الدفاع عن الوطن.

لم يتيسر لحاذق وهو في الثانية والعشرين من عمره ان يرى في ذلك اليوم من شهر أبريل بزوغ فجر الصباح، ليسمع اناشيد العصافير، الممزوجة بموسيقى الفيروزي الساحرة، وإتمام لوحته الزيتية التي حملت عنوان "الحرية" كانت قد أشرفت على نهاية لمساتها الأخيرة، والأمل المشرق في رؤية الابتسامة على شفاه الامهات.

لقد اقتيد حاذق عنوة أمام ذهول وحيرة أمه التي وقفت كالطائر مهيض الجناح، في غارة مفاجئة قامت بها أزلام النظام الفاشي بعد منتصف الليل مقتحمة منزلهم وساحبةً إياه إلى أقبية الأمن المعتمة.  فخلف الفجر وراءه ضوءً خافتاً باهتاً حزيناً.

اخذت امه تُعوِّل وتنوح على سلب ولدها من أحضانها وهو في السنة الأخيرة في كلية الطب البيطري بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي العراقي. امه لم تكف عن لطم وجهها الناصع البياض بيديها، حتى تحولت بشرتها الى احمر قانٍ.

دموع كثيرة انهمرت على خديها. طفحت من عينيها دموع الحزن والتوتر، امه لم ترد ان تصدق كلمات ابنها الاخيرة قبل سحبه إلى خارج الغرفة عندما التفت اليها وقال:

- لا تفكري بيَّ بعد الان يا أمي.

حاذق هذا الشاب اليافع، منذ نعومة أظفاره، كان مفعم بالحيوية والنشاط الدائمين، يمتلك مواهب فطرية عديدة قلما تتوفر في انسان في مثل سنه. كان مرح جدا وله القدرة الهائلة على التعلم واكتساب المهارات وتطويرها.

أتقن العزف على الجيتار بإمكانياته الذاتية. كان عذب الروح ومرهف الإحساس بالرغم أن الحياة السياسية استغرقت افكاره أكثر من اي شيء اخر.

مارس فن الصحافة وأسس جريدة داخلية، أعتمد في طباعتها على قدراته الخطية، حيث كان خطاطاً بارعاً ورساما موهوبا، ولاعب شطرنج باهر. كان يقوم بطبع المنشورات بواسطة رونية يدوية التي صنعها له ابوه. كان حاذق على قدر كبير من الذكاء، وحاضر البديهة في كل المواد العلمية في الجامعة. هذا التفوق الذهني كان تفسيرا واضحا كي يستمع فقط الى المحاضرات وتبقى المعلومات راسخة في رأسه.

في ظلمة الممر العابر الى ضفة الموت وعلى مسمع صراخ المغيبين في الغرف المعزولة عن العالم جرت له طقوس التعذيب الجسدي اليومي باستخدام أحدث الأدوات الممكنة في إلحاق الأذى والضرر بالإنسان، من اقتلاع أظافر الأصابع والصعقات الكهربائية مع فولتية عالية تمرر على الأجزاء الحساسة من الجسد، إحداث كسور أو تشويه ملامح الوجه، وقطع صيوان الاذن لانتزاع الاعترافات وتدمير الانسان وتجريده من قيمه ومبادئه. بعد انتهاء من حفل التعذيب اليومي، كان يلقى بعدها في زنزانته الرطبة مضرج بالدماء ومتورم في أجزاء متفرقة من جسمه. كان يعاني طوال الليل من الجروح المؤلمة، ولكن عزيمته لم تتضعضع، بل ذلك التحدي جعله أكثر قوة وصلابة.

الدعوة إلى ذلك الحفل المهين كانت تجري وقائعها في أوقات مختلفة. قد يكون في وقت متأخر من الليل حين يغط المرء في النوم أو مع آذان الصباح الباكر.

تلك الأساليب البربرية كانت تعبر عن أيديولوجية فاشية مدمرة تهدف الى افراغ الانسان من إنسانيته وتجعله آلة جامدة غير قادرة على التفكير سوى ترديد نغمة واحدة يحيا قائد الضرورة. ومن هذا المنطلق ناضل حاذق حتى الموت في سبيل اجتثاث حالة الاضطهاد والظلم الجاثمة على صدور الناس.

نما لدى حاذق الوعي الفكري والسياسي مبكراً، دخل إلى هذا المعترك بإيمان راسخ واعتقاد اصيل. بسبب تلك النشاطات صار محط أنظار أزلام السلطة وعيون طلبة الاتحاد الوطني التابع للنظام التي كانت تلعب دور الامن الخاص. حتى خطيبته التي كانت تمارس دور الحب مع حاذق كُلفتْ خصيصاً للتجسس عليه.

كان حاذق يقول:

- انا اعرف انها تعمل معهم ولكن وجودها معي عن قرب أفضل وتكتب فقط ما تراها.

وفي اروقة الجامعة تعامل معاون العميد معه بأسلوب أمني خبيث. كان يراقب حركاته باستمرار.

وفي أحد الأيام قبل اعتقاله بيومين بينما كان يقف مع خطيبته قرب خزانته لحفظ الملابس والكتب، دنا معاون العميد منهم وقال لها:

- سوف اثبت لك من يكون هذا؟

ثم غادر المكان دون اي اضافات او تعقيب.

اعتقد حاذق ان تهديده هذا كان مجرد لإبعاد الشبهات والشكوك عن خطيبته التي لعبت دورا لا اخلاقيا بحق الانسان الذي أحبها.

وفي تلك الساعة عند اعتقاله، كان معاون عميد الجامعة الحديثي يرافق رجال الأمن كأحد أفراد المفرزة.

استلقى حاذق في زنزانته على ظهره ممددًا وعيناه تحدقان بالجدار. كانت هناك كتابات منقوشة بخط رجال سطروا بطولاتهم بدمائهم الزكية. وها هنا عدنان كتب حروفه الاخيرة بدمه النازف قبل وفاته بدقائق؛ لن اخون قضية شعبي، وإن قضيتم على جسدي، سيبقى فكري حيا وسوف يقلقكم في مضاجعكم. يحيا الوطن... عدنان……

تدفقت تلك الكلمات الثورية كشلالات هادرة أيقظت في ذاته حماس متزايد. ظل أمينا لمبادئه وحريصا على الرسالة السامية التي حملها معه عهدا منه ان يصون اسرار حزبه ورفاقه وأن لا يرضخ للطغاة مهما اشتدت بربرية أجهزة النظام القمعية.

كان حاذق كبير في فكره وعظيم في رؤيته الثاقبة للحياة.  كان يؤمن بأن الإنسانية لا يمكن ان تتجسد بصورها الحقيقية ما لم تتكامل مقومات الحرية في ظل نظام يوفر العدالة الاجتماعية والعيش الرغيد. كان يعتقد بأن النظرة إلى الحياة يتطلب من الانسان ان يتحرى ويسبر غورَها وأن لا يستسلم بمجرد ان تصادفه الهفوات والتصدعات الناتجة عن تغيرات فصول الطقس الاجتماعي المتنوعة والمتراكمة تحت سقيفة التخلف والتشتت.

كان يقول:

- لا نجعل من أيامنا اقنعة مرعبة توسع دائرة اليأس، ونترك قارب الأمل وسط إعصار مضطرب ونغمض عيوننا عن راسية الميناء الهادئ. فالحياة ليست سوى كتاب مفتوح للجميع، لا عليك سوى قراءة ذلك الكتاب والبحث في طياته، والحياة ايضا عبارة عن مرآة تعكس مواقفنا وتوزيع أدوارنا، علينا أن لا نفرط بأبجدياتها وركائزها، بل نسعى عن قناعة في التمسك بمضامينها، لأن التخلف عن ركابها يعني التفريط بالزمن وإزالته من قاموسنا.

ثم استطرد قائلا:

- نعم نحن البشر نسعى بقدراتنا وإدراكنا الحسي على رسم لوحة الحياة التي فيها تتجلى معاني الحب والتعاضد والقيم، حيث هناك على الرمال الساخنة ينسكب دفء الشمس، وفي الأفق يمتد الفضاء ليشكل مظلة تقي الجميع دون تمييز، ونستلذ برؤى البحر العميق، المترعة بأنواع الأسماك، وفي الليالي الهادئة نرى من النوافذ المفتوحة القمر في السماء يتبختر بنوره وسط النجوم المتناثرة بأضوائها المتلألئة.

في تاريخ ٢٧/١/١٩٨٥ تم استدعاء والدة حاذق الى سجن ابو غريب لملاقاة ابنها الذي اعتقل منذ أكثر من تسعة أشهر ولم تلتق به منذ ذلك الحين.  كانت تنتظر عند بوابة السجن وفي صدرها شيئاً حارقاً اشبه بنيران ملتهبة، وكانت نظراتها تلوح بالقلق والحيرة تكاد ان تكون مشوبة بالألم. طلب الشرطي منها الدخول.

دخلت الى حجرة خانقة ذات ألوان متنافرة تفوح منها روائح كريهة. وإذا بها أمام جثة هامدة صامتة. لقد جرى إعدام حاذق شنقاً بعد ان صُدرت حكم الاعدام بحقه في محكمة صورية سرية، سميت محكمة الثورة سيئة الصيت*.

بعد ان تم تسليم الجثة لامه، حذرت السلطات من مغبة تعرضهم الى المعاقبة الشديدة في حالة إجراء مراسيم العزاء والبكاء عليه.

***

كفاح الزهاوي

.......................

*محكمة الثورة كانت تدار من قبل النظام البائد ويقودها المجرم عواد البندر وقد تم محاكمته علنيا وعادلا بعد السقوط. وقد حكم عليه بالإعدام