 نصوص أدبية

موتٌ تحتَ المطرِ

وحيد خيونأنا لم أعُدْ مثـلَما تعرِفينْ

لقد غيّروني

وقد زوّدوني بجنسِيَّةِ المُنْتَمِينْ

وقدْ زيّفُوني

تنازلتُ عنْ كلِّ شئ ٍ جميلْ

تنازلتُ عنْ حبِّكم قبلَ سَاعةْ

وعن حُبِّ أهلي وحُبِّ النخيلْ

وعن حبِّ حتى النّهَرْ

تنازلتُ عن كبريائي الكبيرْ

وعن  قُدرَتي والشجاعةْ

تنازلتُ عن حقِّنا في الحِصَانْ

وعنْ حقِّنا في البِضاعَةْ

تنازلتُ عن حُبِّكم  قبلَ ساعةْ

تنازلتُ عنكم جميعاً فلا تَشْتُمُوني

فقد عِشتُ جاراً لكم ألفَ عامْ

ومِتُّمْ ولم تَعْرِفُوني !

ألسْتُم أّخَذْتُمْ مَكاني؟

ألستم قَتَلتُم سُكُوني؟

دَعُوني أكن تافهاً لكي تَعْرِفوني

فإني إذا حِزْتُ تلكَ الصِّفاتْ

ستحكي الإذاعاتُ عنّي بكلِّ اللغاتْ

لأنَّ النزاهةَ ذنبي الكبيرْ

ومَوْتي طوالَ الحَياةْ!

أنا الآنَ لا تَصْرُخِي لو أقولْ

أنا الآنَ لا أنتمي للبشرْ

 تفرّقتُ في حُبِّكمْ في الرِّياحْ

وأنتمْ تعيشونَ مِثلَ الحَجَرْ !

أعودُ إلى الغابِ ؟  كلا ّمُحَالْ!

أنا لم أصَدِّقْ عَبَرْتُ النَّهَرْ

وأهلي وقد ضَيَّعُوني وضَيَّعْتُهُمْ

وراحَتْ عيونُكِ خلفَ الشَّجَرْ

تُنادي عُيوني

تقولينَ لي لا تُبَالِ

تَحَمَّلْ قليلاً ولا تعلمينْ

لقد حَمّلَتْني جبالاً مِن الحُزْنِ تِلكَ الليالي

وقد أرْغَمَتْنِي لِأطْوي حِبالي

وأخرجُ مِن أيِّ شيءٍ بلا أيِّ شيءْ

تَحَمَّلْ إذنْ كلَّ شيءْ

وعِشْ كالطيورِ التي صادَروها

مِن الليلِ خُذْ ساعَتيْنِ

ومِمّا مضى خُذ دقيقةْ

ولا تَجْرَحِ النَّاسَ حتى ولو عَذَّبُوكْ

فأفْئِدَةُ النّاسِ جدّاً رقيقةْ

تَحَمَّلْ إذنْ يا صديقي

لأنَّكَ لو طرتَ حَدَّ السّماءْ

ستَهوي بنفسِ الطريقةْ

أنا (آخْ)

كم عِشْتُ تحتَ الجَحيمْ

وكمْ مِتُّ تحتَ المَطَرْ!

أنا لسْتُ أدري

إذا كان قلبي الذي ضيَّعوهُ

مِنَ الماءِ أمْ مِن حَجَرْ

أعودُ إلى النَّهْرِ ؟  كَلاّ مُحالْ

أنا لمْ أُصَدِّقْ عَبَرْتُ النَّهَرْ

تنازلتُ عنكمْ جميعاً

فلا تبْعَثوا لي نِداءْ

أنا جئتُ للأرضِ قبْلَ الأوانِ

وبعدَ انتِهاءْ

فهلْ تستطيعونَ أنْ تُرْشِدُوني لوَجْهِ السَّماءْ؟

لقدْ ضيَّعَـتْـنِي حَماقاتُ قَوْمِي

وأصبحتُ جدّاً حَـقيرْ

فلم أدرِ لو طارَدُوني على الأرضِ

ليلاً إلى مَنْ أطِيرْ

وللهِ شكوى الطيورِ التي هاجرَتْ للمصيرْ

إلى هذهِ الأرضِ إذْ لا مَكانْ

فأرجوكِ لا تَصْرُخي لو أقولْ

تنازلتُ عن حُبِّكم باللّسانْ

لأنَّ  الذينَ تنازلتُ عنهم أنا قبلَ سَاعةْ

لقد ضَيَّعُوا ساعتي مِن زمانْ

****

وحيد خيون

1-1-1997  لندن

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع وحيد خيون
ودّاً ودّا

قصيدة ذات مزايا عديدة , فقد جاء شكلها مناسباً جدّاً لفحواها وقد لعبت تفعيلة المتقارب
الهادئة الرزينة دوراً فاعلاً في الإقناع حيث اشتملت القصيدة على تبرير مآلات بطل
القصيدة , وقد اعتمد الشاعر تقنية وجماليات الخطابة المنبرية باعتماد الحجة المفحِمة ,
وكان الانتقال من قافية الى اخرى متساوقاً ولذيذ الوقع على الأذن وهذه تقنية درامية جرّبها
يوسف الصائغ في مطولاته واعتمدها أمل دنقل في قصيدته الشهيرة ( لا تصالح ) ,
ولا تخلو لغة القصيدة من أصداء
غير مباشرة من نهج البلاغة وكذلك تذكّرني القصيدة بالبيت التراثي الشهير :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا
ليوم ِ كريهةٍ وسدادِ ثغرِ

ولا يخلو تاريخ كتابة القصيدة الذي أبقاه الشاعر في ذيل القصيدة من فائدة تاريخية
وعنوان القصيدة ذو دلالة أيضاً وليس وجوده مجرّد تسمية للقصيدة .
قصيدة تعرّي القوّة الغاشمة (الطاردة) وتفضح خبث القوة الناعمة (المستقبِلة ) .
ما يكتبه وحيد خيّون من قصائد يعيد القارىء الى أزهى عقود قصيدة التفعيلة إبان نضوجها
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي قبل ان تتشوش الصورة بتحولات سياسية متسارعة
تزامنت مع دخول الأنترنيت وتوالي الكوارث بعد الكوارث .
ومن مزايا قصيدة الشاعر وحيد خيون أن شاعرها يختار موضوعه بذكاء ثم يتناوله من زاوية
يلتحم بها الذاتي الخاص والموضوعي العام بحميمية لا تقبل الأنفصام .

أنا لم أعُدْ مثـلَما تعرِفينْ
لقد غيّروني
وقد زوّدوني بجنسِيَّةِ المُنْتَمِينْ
وقدْ زيّفُوني
تنازلتُ عنْ كلِّ شئ ٍ جميلْ
تنازلتُ عنْ حبِّكم قبلَ سَاعةْ
وعن حُبِّ أهلي وحُبِّ النخيلْ

دمت في صحة وإبداع أخي الشاعر المبدع .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

أقف عاجزاً ومنحازاً لجمالكَ الذي يفوق جمالي وجمال شعري, كأنك كنت معي وأنا أكتب القصيدة وتعرف أسرارها , إنه من حسنِ حظي أن تكون قصيدتي قد نجحت بلفت نظرك وسماحتك إلي , أعجز وبكل صدق أقولها أعجز عن شكرك واسمح لي في نسخ هذا الكلام الطيب لأرفقه مع متون قصائدي إعرابا عن شكري ووفاءً لجهدك.

وحيد خيون
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المتألق وحيد خيون....نصٌ جميل ومؤثر...حوارية تدور في أخيلة المغتربين....تساؤلات يفرضها العذاب الذي يحمله المغترب الذي يعاقب الوطن المعذِّب والمعذَّب بنسيان وهجر ليس فيه نسيان ولاهجر...انها الذاكرة المصابة بحمى الوطن البعيد واهله الصامتين ...وانت تصرخ

(( تنازلتُ عنكمْ جميعاً
فلا تبْعَثوا لي نِداءْ))
تكن كالطفل العصبي الذي يصرخ في وجه امه ...لا احبك!! يكررها مرارا منتظرا ان تفتح يديها لكي يجري نحوها....دمت مبدعا اخي الكريم

احمد فاضل فرهود
This comment was minimized by the moderator on the site

لقد أبدعت أيها الرائع وأجدت وصف حالي فقد كنتُ بالفعل كطفل غاضب يصرخ بوجه أمه لا أحبك وكنت فعلا أنتظر أن يفتح الوطن بابه لأجري إليه .. أختصر كل الكلام وأقول .. الله لا يحرمني منكم أخي أحمد. شكرا لك .. شكرا لك .. شكرا لك

وحيد خيون
This comment was minimized by the moderator on the site

قصيدة ولدت من رحم الغربة والإغتراب تعكس معاناة الإنسان الذي يصبح المنفى وطنا له قسرا لا اختيارا. أبياتها طافحة بالألم ومشاعر الخيبة ، تتحدث عن كبرياء جريحة ، عن فارسٍ يجد نفسه وحيدا ، مخذولا من الجميع وكأنّ لسان حاله يقول ما قاله سلفه ماللك ابن الريب:
تذكرتُ من يبكي عليّ فلم أجدْ *** سوى السيف والرمحَ اليمانيّ باكيا
الشاعر المبدع وحيد خيون
قصيدتك وجدانية بامتياز مؤثرة بما تعكسه من صدق المشاعر والأحاسيس
أحيي فيك أسلوبك الشفاف ولغتك الواضحة
ودمت بخيرٍ وسلام

جميل حسين الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الفاضل جميل حسين الساعدي

تحية طيبة ومعطرة بماء الورد
ابتهجت كل نواحي القصيدة وكل مدنها بكلماتك الطيبة وحضورك اللافت والباعث للمسرات في قلبي
أعجز عن الشكر لتفضلك بتجميل صورة القصيدة وإضافتك ملامح جمالية أخرى إليها .. الف الف شكر

وحيد خيون
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
نص شعري مؤثر ومؤلم , لكنه يسمي الاشياء بأسماءها الحقيقية , دون رتوش وتزويق ومبالغة , بل بالحقيقة المؤلمة والدامية والصادقة . نص شعري يملك البوح الشجاع والصريح , في الحقيقة المرة لواقع المغترب المبعد عن وطنه , ومحاولة انتزاع حبه من اعماق حبه , محاولة ترويضه ان ينسى وطه ونهر حبه واشتياقه , ان يتمسك بجنسية المنتمين . ان يتنازل عن كل شيء جميل في وطنه , ليكون منسلخ تماماً عن ماضيه الاثير . هذا النزيف والجرح الذي يعاني منه الغريب المغترب, في همومه الداخلية , بين ماضيه المر , وقدره الجديد . عليه ان ينسى ما كان , ويلغي خزين الذاكرة . حقاً انها هموم الضياع والتيه ( وأهلي قد ضيعوني وضيعتهم ) . هذه ازدواجية العذاب النفسي للمغترب , في الروح التي يجعلها تعيش تحت وطئة الجحيم , او تحت وطئة المطر
أنا لسْتُ أدري

إذا كان قلبي الذي ضيَّعوهُ

مِنَ الماءِ أمْ مِن حَجَرْ

أعودُ إلى النَّهْرِ ؟ كَلاّ مُحالْ

أنا لمْ أُصَدِّقْ عَبَرْتُ النَّهَرْ

تنازلتُ عنكمْ جميعاً

فلا تبْعَثوا لي نِداءْ
قصيدة تملك روعة في الجمال الشعري , وروعة في الجمال التعبيري الرائع في رؤيته الفكرية . حقاً لا يمكن للقلب ان يتنازل بسهولة , اما عواصف الحياة الغادرة . في زمن الضياع والتيه , امام حماقات قوم وطني , فلمن تشكو الطيور المهاجرة , حين تنسد ابواب العودة في وجهها
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ والصديق الأستاذ جمعة عبد الله
تحية طيبة
وأنا أقرأ سطورك التي لوّنتَ هذه اللوحة التي كانت بلونين أسود وأبيض ربما لفرطِ حزني وأنا أكتبها , شعرتُ أنّ لذلك الحزنِ طعم لذيذ ولذلك القهر معنى مهم , شعرتُ أنني أسمعُ مواساة من بحر جميل أزرق , وأحسست بسعادة.

أنت ربما تعلم أيها الأخ الحبيب , أنا قد انقطعت عن النشر فترة طويلة , كنتُ مُكتئباً جدا وقد كتب إلي قبل أيام أحدُكم أيها الكبارُ وطالبني بالنشرِ في المثقف تحديداً كسابق العهد , وقد أجبتُ والآن وبعد أن قرأت تعليقك وتعليق الأستاذ جمال مصطفى والأستاذ أحمد فاضل فرهود والأستاذ جميل حسين الساعدي , بعثتُ شكراً للكبيرِ الذي طالبني بالعودة ووقفتُ شاكراً لكم هذه السطور التي تكتبونها من ذهب وأيضا ندمتُ لانقطاعي عن مرابعِ أصدقائي الذينَ يُشاطرون قلبي السراءَ والضراءَ.

أخي أستاذ جمعة , أعجز عن الشكرِ والتقدير لذلك الوقت الذي وهبتهُ لي في قراءةِ شعري والوقت في الكتابة لتجعل قلبي مسروراً .. فألف ألف شكر لك ووفقك الله .

وحيد خيون
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4534 المصادف: 2019-02-03 11:43:43


Share on Myspace