 نصوص أدبية

الأمير المقدس (5)

سليم الحسنيكان هاجس الأمير أن يبسط نفوذه أكثر فأكثر، يقضي الليل في التفكير، يستعرض أسماء الأقوام السابقة، يتأمل في سِيَر ملوكها، يسخر من أولئك الذين عشقوا الذهب ولبسوا السندس والاستبرق وسكنوا القصور، يسخر منهم ويضحك مع نفسه:

(ما أولئك إلا كفتية يتلعبون بألعابهم، لن أكون مثلهم، إنما الجميع لعبتي).

يسمع من غرفة مجاورة صوت والده السيد الكبير، يقرأ القرآن الكريم ويقيم الصلاة، تأتيه نسمات خشوعه الصادقة، يتحسسها باردة ندية رطبة، يشم عطرها فوّاحاً بزهده وبشيخوخته النقية. يبتسم الأمير، تزداد أحلامه اتساعاً، يذهب بها بعيداً:

(أقم صلاتك يا أبي، أطل السجود والركوع، وأطل القنوت، فخشوعك بضاعتي، فحين تنام سأستله من حيث لا تدري، وأملأ به المدينة القديمة والبلاد وما وراء البحار. خشوعك هذا ثمين، سأصنع منه المجد العتيد، سأصوغ منه خواتم أصابعي، سأطرز به عمامتي، وأقايض بالرطل منه مليون تابع، يروني وحدي بلا شريك، يسمعون صمتي فيطيعون.

أكثر سجودك يا أبي، وزد من خشوعك، صلاتك لله يتقبلها منك بقبول حسن، لكني أريد سيماء الخشوع، سأعرضها بعد طلوع الشمس، فالناس ينتظرون، سأغلق آذانهم وأعمي أبصارهم وأختم على قلوبهم، فهذا الزمان زماني، وهذا السواد رجالي).

أنهى السيد الكبير صلاته، قضى شطراً من الليل، انقطع الصوت وساد الهدوء. بقي الأمير في غرفته يستعرض سيَر الملوك والأمراء، أطلق ضحكة ساخرة، وراح يحدّث نفسه:

(ما أخفّ عقولهم، يتنافسون على عرش وتاج، فإذا فاز أحدهم، قضى أيامه في خوف وقلق، وما يكاد يستقر في جلسته، حتى تأتيه المتاعب من كل صوب، مخلوطة بهواجس الليل على نهاره، وبمخاوف النهار على ليله.

لن أكون مثلهم، سأجلس حيث أنا، قرب السيد الكبير، في غرفتي الصغيرة، بين هذه الجدران العتيقة، أخرج منها الى باحة المنزل، أدخل على غرفة أبي، أقبّل يده، ثم أعود الى غرفتي، فأهمس همسة قصيرة، أقلب فيها العرش على صاحبه، أبعده باشارة من اصبعي، وأختار ملكاً جديداً، فيكون العرش والتاج والصولجان والملوك والوزراء طوع أمري.. أنا المالك لما يملكون، أنا المهيمن على يفعلون.. لا شأن لي بأصوات العامة وصناديقهم، أركلها بقدمي، وآتي بمن أريد).

عاد صوت السيد الكبير، رجع الى صلاته الخاشعة، يرتل الآيات بقلبه ولسانه، تنبعث من روحه الصافية سكينة تغطي المكان، تنتشر في البيت الصغير، تصل الى باب الأمير، فتصدّها سحابة معتمة من الهواجس والأوهام والأحلام والغضب والقلق.

جاء الأذان من مآذن المدينة القديمة، قطع على الأمير رحلته في عالم الأمجاد القادمة، أدى صلاته بسرعة، عاد الى أفكاره، لكن صوت السيد الكبير شوّش عليه خلوته. آيات من القرآن يتلوها بهدوء، تخرج صادقة دافئة، تجوب حوله تنشر السكينة والخشوع والوقار، وضوء ناعم يغطي المكان.

يستغرق السيد الكبير في تلاوته، وخلف الجدار يستغرق الأمير في عوالمه المتداخلة، صارت غرفته معتمة رغم ضوء الشمس، كانت الهواجس والقلق والطموحات تصد الضوء، فيرتد عن الغرفة.

مشت الأصوات على شوارع المدينة وأزقتها، خرج الأمير يحمل خرجاً كبيراً، استله من خشوع السيد الكبير، أعطاه لخادمه يبيعه رطلاً بميلون تابع.

الرواية لم تنته بعد، لها تتمة

 

سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4537 المصادف: 2019-02-06 09:24:06


Share on Myspace