 نصوص أدبية

الأمير المقدس (20)

سليم الحسنييومٌ من كل عام، يعيش في أوله فرحةً طاغية، وفي آخره حزناً عميقا. يتذكر في الصباح مقتل المعلم الأول، فيغرق في فرحة الشماتة، يمد لسانه للهواء، كأنه يتذوق الفاجعة، فتسري بداخله نشوة لا يُفضّل عليها نشوةً أخرى. لكنه في آخر النهار يسمع أن ذكراه تجددت، فتغطيه غلالة سميكة من الضجر والغضب.

لقد أدرك أن أصحاب الأساطيل يكرهون المعلم الأول، فأخذ ما في صدورهم من غلّ ودسه في صدره، يستزيد من الكراهية ضعفاً وضعفين وثلاثة، كأنه يريد أن يأمن عليها، خشية أن تنقصها الأيام.

في هذا العام، كان غضبه منفلتاً، لقد تسربت بعض أسراره الى الناس، فاهتاج في صدره ذئب جائع. أمر خادمه أن يدعو المعتاشين. جاءوا يحملون أبواقهم ومزاميرهم، قبّلوا الأرض بين يديه، اصطفوا أمامه بالخنوع الذي يحبّه. استعرضهم جيئة وذهاباً بنظرات غاضبة، تراخت سيقانهم، اضطربت قلوبهم. وحين سمع من صدورهم نشيد الخوف، خاطبهم:

ـ لقد أفسدتم يوم سعادتي، وأطفأتم شمعة فرحي، وهبتكم شيئاً من رضاي، فما أحسنتم المبادلة، سأستعيده منكم، فلستم له أهلا.

 أطبق عينيه على نظرة ساخطة ودخل غرفته. كان يعرف أنهم سيقتلون أنفسهم لإرضائه، لقد روضّهم بنبرة الغضب، حتى استطابوا الانكسار أمامه.

كان يمسك الغضب بيد، ويضع الأخرى على الختم المسروق، كأنه يستعين به ليثبّت قلبه حين يرجف بالخوف.

لقد أنس بالراحة وهو يرى نفسه يُرعب المعتاشين. لكنه ظل يعاني من أولئك الذين طووا الشغاف على قراطيس المعلم الاول، فبقيت قلوبهم تنبض بإيقاع الأيام السابقة، كيف السبيل لهؤلاء؟.. كيف يمكن أن أجعل عيونهم تراني كما أريد؟ مثلما يراني الخائفون مني، الحذرون من غضبي، الطامعون بودّي.. كيف أقهرهم؟ أريد أن أراهم ينظرون لي أميراً.. ملكاً.. سلطاناً.. سأجعلهم كذلك، أنا الذي جاءته فرصة العمر طائشة فحولها الى زمن من البقاء الثابت، ألم أجبر غيرهم على ما أريد؟ سأحني رقابهم أمامي، وسأضحك طويلاً.. معي الأساطيل وأصحابها، قرأتُ أوراقهم، وسأفعل ما يأمرون.

أوشك النهار أن ينتهي، بعث خادمه يتلصص في المدينة، عاد اليه بالخبر:

ـ لا تزال كتبه في المدينة، ولا يزال قبره شاخصاً، بل رأيته يرتفع كأنه سيُبعث جبلاً من جديد. لا تقلق أيها الأمير، سيكفيك أمره أصحاب الأساطيل ورجال الهيكل.

أخفى وجهه بكفيه، همس بصوت ناقم:

ـ أيُّ عمل يبقى وأيُّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك، لا والله إلاّ دفناً دفنا.

 

سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4600 المصادف: 2019-04-10 11:15:42


Share on Myspace