 نصوص أدبية

ناجي ظاهر: في غرفتي فار

ناجي ظاهرحين تسلّل الفار الضخم على رؤوس اصابعه إلى غرفتها، كانت تستلقي على اريكتها الغارق نصفها في الظلام ونصفها الآخر في الضوء الكابي. في البداية رأت اطرافه تبرز من وراء الباب فتصورته ديناصورًا من عهد عاد يقتحم عليها خلوتها ليقضي على ما تبقّي لها من فرح هرب طوال نحو الاربعة عقود من الزمن وجرت وراءه دون ان تدركه.

لمعة عيني الفار في ظلام غرفتها دبّت الرعبَ في عينيها. عقدت لسانها. لم تدر ماذا بإمكانها ان تفعل.. نسيت اهلها.. اباها.. امها واخوانها السبعة الجدعان في غرفة الاستقبال.. وتوقفت وجهًا لوجه امام وحدتها الابدية.. شعورٌ قاسٍ يقول بانها المرأة الوحيدة على الارض.. ملأ اجواء غرفتها وفاض لينتشر عبر شرفة بيتها المشرعة على العتم الممتد.

تقدم الفار بفروته الرمادية.. تقدم منها فاغرًا فمه.. كأنما هو ينوي التهامَها.. تُرى ماذا تفعل الآن لو انه تقدم منها وابتلعها جاعلًا اياها اثرًا بعد عين؟ ماذا لو انه جعل هذه.. اللحظة الاخيرة لها في هذه الغرفة وفي هذه الحياة ايضًا. "كما هو صعب ان تجد نفسك في اللحظة الاخيرة لك في هذا البيت وقبالة تلك الزهور؟"، قالت لنفسها واحتقن صوتها في حلقها لتجد نفسها تفتح عينيها وتغمضهما.. ترى أيكون هذا الفار كابوسًا وهميًا.. ام حقيقة؟ لا، لا، هو حقيقة تأتي في آخر هذا الليل لتوقظها من وهم عاشت معه وعاش معها طوال السنوات الماضية. وهو .. هو قال لها دون ان يقول، كلما رفعت وردة رأسها إلى السماء، إن الوحدة كتبت عليك إلى ما شاء الله وانك ستبقين وحيدة إلى ابد الآبدين.

الفار يدنو منها.. يكبر في ظلام غرفتها.. يقترب منها.. يقترب اكثر، وهي تتجمّد تتجمد على سريرها الوحيد. الصوت، صوتها، يحتبس في حلقها. ولاحت لها صورة ذلك الشاب الذي ادمن المرور من تحتها شرفتها دون ان تعيره أي التفاتة.. آه لو يمر الآن لاستجارت به وطلبت منه النجدة.. لكن هيهات.. هيهات.

خوفُها يزداد.. صوتها يحتبس اكثر في حلقها.. اه لو كان بإمكانها أن تهرب، أن تغادر هذه الغرفة وهذا البيت.. وهذا العالم.. إلى فضاء بعيد.. بعيد.

يقترب الفار منها يقترب اكثر.. يتحفز ليقفز قفزته الاخيرة.. وهووب.. يقفز متخطيًا رسغ قدمها اليمنى. يحتك بها فيفيّق عالمًا كاملًا استرخى في اعماقها طوال العشرات من السنين.. يولّى الفار. يقفز قفزة ماراثونية عبر شباك غرفتها ينطلق هاربًا منها ومن خوفها... دون أن يلتفت إلى الوراء.

تتنفس الصعداء. تتسلّل إلى باب غرفتها. ترسل نظرة إلى هناك.. إلى حيث يتحلّق ابناء اسرتها. كم هي الحياة جميلة. "نحن لا نكتشفها إلا في لحظة الخطر". تقول وتتابع "شكرًا لك ايها الفار لقد فيقتني من نوم كان من الممكن أن يكون ابديًا.. شكرًا لك ايها الفار. ." واحتضنت نفسها بحنوّ لا حدود له.. وهي تتصور ذلك الشاب يمر من تحت شرفتها جالبًا معه ضوء النهار.. تصورت انهما هما الاثنان، هي وذاك الشاب، يجريان معًا.. وراء حضرة الفار.

***

اقصوصة بقلم: ناجي ظاهر

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

قصة جميلة تنبض بالخيال الجامح، وتطرح مشكلة وحدة الفتاة بطريقة مبتكرة، وتزدان بلغة بليغة سلسلة.
تحية للأديب الأستاذ ناجي طاهر، مع تمنياتي له بالصحة والهناء ودوام الإبداع .
علي القاسمي

علي القاسمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5436 المصادف: 2021-07-24 04:09:01


Share on Myspace